المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أرجو شرح هذا الحديث



سامح يوسف
02-09-2003, 23:23
الساده الأفاضل السلام عليكم جميعا
أرجو شرح هذا الحديث في ضوء قواعد أهل السنه والجماعه الأشاعره والماتريديه أعزهم الله
قال النبي صلي الله عليه و سلم"لا يرد القدر الا الدعاء ولا يزيد في العمر الا البر وان الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه"
وجزاكم الله خيرا

بلال النجار
03-09-2003, 12:27
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفتى المصري،
السلام عليكم،
اسمح لي بهذه المداخلة التي لا أريد فيها شرح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلست أهلاً لذلك.
ولكني أريد أن أتكلم في قواعد مهمة عند أهل السنة، تيسّر فهم أمثال هذا الحديث الشريف.
والحق أنني كلما عرض لي شيء من هذه الآيات والأحاديث نفعتني هذه القواعد في فهمها أيما نفع، حتى أحتار أحياناً كيف يصنع المخالف، وكم عليه أن يتأول النص الشريف كي يحمله على معنى يناسب مذهبه.
وفي نفس الوقت لا يتعارض مع قواطع الشريعة. وذلك مما يزيدني كل يوم ثقة بحقية وصحة مذهب أهل السنة والجماعة، وقوته وهيمنته على بقية المذاهب والأديان، لأن شدة الانسجام هذه وعدم التناقض والتعارض بين أحكامه إنما لزمت عن إصابته لكبد الحقيقة، مصداقاً لقوله تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً)، فأزداد طمأنينة إلى أن منهج أهل السنة وفهمهم للشريعة الغراء هو الصحيح برهاناً، والأصح اجتهاداً في خلافاته، وعليه فهو الأحق بالاتباع.
أما القاعد الأولى التي ينبغي ألا تغيب عن البال فهي :
أن الله تعالى هو العليم بكل شيء، وأنه تعالى مريد بإرادة قديمة كل ما كان على ما كان، وكل ما سيكون على الوجه الذي سيكونه، ولن يحدث شيء في الوجود إلا بقدرته ووفقاً لعلمه وإرادته، لأنه لا يتغير في علمه وإرادته شيء لكونهما صفتين قديمتين قائمتين بذاته تعالى.
ويؤخذ من وحدانية الله سبحانه وتعالى ومن غيرها، أنه سبحانه خالق كل شيء ولا خالق غيره، ولا تأثير لشيء سوى الله تعالى في إيجاد أو إعدام. وعليه يعلم أن كل شيء بقضاء الله وقدره وخلقه. وهذا القدر قطعي لا خلاف فيه عند أهل الحق.
وأما القاعدة الثانية فهي أنه تعالى منزه عن كل نقص وعيب، إذ (ليس كمثله شيء) سبحانه وتعالى.
فكل نص أوهم تشبيهاً لله تعالى بخلقه فإما أن يؤول بحسب قواعد التأويل المعتبرة عند أهل السنة، أو يتوقف في معناه.
أي أنه إن ثبت فيذعن له وتعتقد صحته ويفوض علم معناه إلى الله تعالى فيمر عنه ولا يتكلم فيه مع الاعتقاد بتنزه الله تعالى عن مشابهة ومشاكلة سائر الممكنات والحوادث.
وهذا القدر أيضاً قطعي ولا خلاف فيه عند أهل السنة والجماعة.
إذا تقرر ذلك فنقول:
نص الحديث مسلماً بحسب ما ذكرته هو: (لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه).
فيه ثلاث قضايا:
القدر المقطوع به من الأولى: أن بعض الدعاء يرد القدر.
ولكنك تلاحظ أن تفسير الحديث بحمله على المعنى المطابقي للألفاظ، مشكل. لأنا نعرف القدر ما هو، ونعرف الدعاء ما هو، والظاهر من معنى رد القدر بالدعاء إما منع شيء مقدر من الحصول مطلقاً، أو منعه من الحصول على وفق المقدر، أي حصوله على خلاف المقدر.
ولكننا نعلم من قواعد أهل السنة المقررة أن كل ذلك محال.
ومن رسخت في نفسه قواعد التوحيد، فلا يعود هذا المعنى الباطل ظاهراً عنده كما حققه شيخنا السعيد زاده الله من فضله، ومنّ على والديه بواسع المغفرة، إنه السميع المجيب الدعاء.
فوجب إن ثبت الاعتقاد بصدقه، ثم إما التوقف في البحث عن المعنى مع اعتقاد التنزيه، أو اللجوء إلى قواعد التأويل. وهذا تطبيق حسن على ما قررناه من القواعد.
أما القضية الثانية :
في هذا الحديث فيؤخذ منها أن بعض البر يزيد العمر. فليكن البر ما كان فليس الإشكال فيه.
ولكن الإشكال في زيادة العمر. لأنه قد يلزم من تسليم الزيادة في العمر بمعناهما المطابقي لوازم باطلة، من تأثير شيء غير الله تعالى في الوجود، وتغير المراد والمعلوم وغير ذلك مما قد يتوهم. فلزمنا في هذه القضية أيضاً إما التوقف أو النظر المعتبر.
وثالثة القضايا:
تقرر أن بعض الذنب يحرم من الرزق. وهو مشكل أيضاً.
فكيف نصححه مع علمنا بأن الله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين، أي أنه مقدر الأرزاق وخالقها ومعطيها والمسبب لها، فكيف يؤثر بعض ذنب الإنسان في حرمانه من أن يصيبه ما كتبه الله تعالى له من الرزق؟؟؟؟.
فلزمنا أن نفوض أو نتأول.
ولعلي أحب أن أستخدم معنى آخر غير كلمة نتأول التي نقلها الحمقى إلى معنى قبيح مذموم هذه الأيام، فصاروا يسبوننا بأننا مؤولة، مضيفين ذلك إلى قائمة الشتائم والتهم الكبيرة التي يحملونها معهم أينما ذهبوا، ويحفّظونها من مشايخهم قبح الله أفعالهم قبل أن يلقنوا أبجديات العلوم. ولي أن أضحك حتى يبقر بطني وتخرج منه أقتابي، حين أسمع أن أحداً يشتمني بقوله: يا مؤوّل! فلقد والله اقتربت الساعة!
أقول:
أود أن أستخدم كلمة أخرى غير التأويل، هي في نظري رديف التأويل والتعبير والتفسير وما شئت بعد، أو أن أسمي شروح علماء أهل السنة لأمثال هذا الحديث بالفهم الصحيح. لا على معنى أن كل تأويل فوجب أن يكون هو قطعاً المعنى الذي قصده صاحب الشريعة، ولكن على معنى أن الطريق والمنهج المتبع في الفهم هو منهج صحيح، وإن لم يسفر عن نتيجة قطعية.
هذا وقد تقرر عند العقلاء أن اللفظ إذا أطلق فإما أن يدل على تمام ما وضع له أو جزئه أو لازمه.
وهذه القسمة تامة، حاصرة قطعاً للدلالات كما بيناه في دروس المنطق.
وتبين لنا أن حمل قضايا حديث ذي الفم الشريف صلى الله عليه وسلم على معناها المتبادر باطل لما يلزم عن ذلك من إثبات النقص للمولى عز وجل. فما هو الحل؟
إن العاقل المتأمل إذا عرضت له أمثال هذه النصوص، ليجد الحل في حمل بعض ألفاظ الحديث على لازم معانيها المتبادرة. ويجده حين يوسع نظره فيفكر في أساليب اللغة العربية من استعارات وتشبيهات ومجاز وغير ذلك.
ولعمري إن من ينكر هذه الأساليب في اللغة العربية واللغات الأخرى لهو حمار بذنب، لا يفقه من العلم شيئاً. فكيف يتصدى لتفسير القرآن الكريم والحديث الشريف من لا يعرف من علوم اللغة قدراً يؤهله لخوض لججهما. وأي لجج هي!
الحل:
أننا سلمنا أن العمر والرزق وكل ما دونهما من العالم فكل ذلك نتيجة لقضاء الله تعالى وقدره بموجب علمه السابق الثابت الحكم أزلاً وأبداً.
ولكن ألا ترى أنه يحتمل أن يكون الله تعالى قد أوقف حصول بعض هذه الأشياء على شروط معينة أو أسباب أي طرق تكتسب فيتوصل بها إليها، دون أن يكون لهذه الأسباب والشروط مدخلية في إيجاد أو إعدام، وإنما جعل الدعاء والسعي والإخلاص وغير ذلك مما يمكن للإنسان اكتسابه من جملة هذه الأسباب والشروط.
إنك لو تأملت لعلمت بأن هذا الأمر ممكن قطعاً. فهب أنك وحدك في قفر ومعك الماء في يدك، فإن عطشت وبقيت تنظر إلى القربة في يدك دهراً أفتشك في أنك لن تحصّل الري إلا إذا رفعت الماء إلى فيك وشربت؟
إنك تعلم بالضرورة أنك لا بد أن تفعل ذلك لكي ترتوي.
ترى ألست تعتقد بأن الله تعالى قادر على أن يروي ظمأك دون هذا الفعل منك؟
بلى إنك تعتقد بذلك. ترى أتعتقد أن اكتسابك لفعل الشرب هذا هو الذي روى ظمأك أم أن الله تعالى خلق فيك الري عقيب الشرب، وأنه لا مدخلية للماء ولا لك ولا لشرب الماء في حصول غايته بمعنى تحققها بالفعل؟
لا شك أنك تعتقد أن الله تعالى هو الذي أسقاك وروى ظمأك من غير حول ولا قوة لا منك ولا من أي شيء آخر غيره تعالى. فما الذي يحملنا على الكسب والسعي ونحن نعلم أن ما كتبه الله لنا من رزق فإننا لا محالة بالغوه، ولن نظفر بغيره ولو اجتمع لنا من أسباب القوة الحادثة غايتها؟
إن ما يحملنا على ذلك هو أنا نعلم علماً ضرورياً أن الله تعالى أجرى أفعاله في العالم على قوانين وعادات وأسباب لا بد من تحقيقها بالاكتساب لحصول غاياتها للعباد، على أنا نقول إنه ليس لذلك كله تأثير في إيجاد أو إعدام، كما نقول إن كل ذلك فإنما هو معلوم لله ومقدر.
فتأمل الآن بعد هذا الكلام كيف يسهل عليك أن تفهم أن المراد برد القدر لازم ذلك من تهوين وقعه ودفع شروره، وجعله زيادة للعبد في الخير.
ألا ترى إلى الحديث يقرر أن أمر المؤمن كله له خير (إن أصابته نعماء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً لك) أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
أفلا يكون تهوين الوقع كأنه رد للقدر أي كوقوعه خفيفاً.
ولعل في قصص أهل اليقين وهم العلماء العاملون أولياء الله تعالى عجب عجاب، قصص يعرفها الصبية، فكانت النازلة تنزل بهم فتقسم جبلاً وهم يبتسمون كأن الأمر لا يعنيهم، فماذا تريد رداً للقدر أعظم من هذا. فتأمل يرحمك الله وحقق الفهم، واسكب عليه من الدموع.
واعلم أن القضاء عند الأشعرية هو إرادة الله تعالى الأزلية المتعلقة بالممكنات على ما هي عليه فيما لا يزال.
وقدره: إيجاده الأشياء على قدر مخصوص وتقدير معين في ذواتها وأحوالها.
وإنما الإنسان مخير كاسب، والله قاض مدبر ومقدر. فالسعي واجب، والتحصيل من الله تعالى، وليس لنا من الأمر شيء، وقد فاز من آمن ورضي، فصبر وشكر. ومن لا يريد فليتخذ إلهاً سوى الله تعالى!
والمراد بالزيادة والحرمان في العمر والرزق لوازمهما، من تحصيل الخير والطاعات بتوفيق الله سبحانه وتحقيق الغايات من القليل طعاماً كان أو ملبساً أو غيرهما، وهو ما أفهمه من البركة في الرزق والعمر، إذ الرزق المكتوب عينه ولكن البركة فيه تحقق لمرزوق كيفيات عظيمة من غاياته، والعمر مكتوب ولكن البركة فيه حسن إنفاقه في رضى الله تعالى، والكيفيات النفسانية المصاحبة للبركة في الوقت والنتائج المترتبة عليها لا شك مذهلة ومحيرة، وهي من أكبر نعم الله سبحانه على المؤمن. والحرمان يكون بعدم هذه الأشياء،
ولك أن تلاحظ أن الكسب وإن حقق زيادة هائلة في المال فلن يحقق زيادة بقدر حبة خردل في الرزق.
كما لك أن تلاحظ أن الكسب وإن حقق صحة في البدن فلن يطبل العمر ولن يباركه، ولعل امرءاً يحيا مائة عام تمر كلمح البصر لا يدري ما فعل فيها من قلة البركة. وآخر بالكاد يبلغ الأربعين أو الخمسين، يتعجب كيف فعل كل هذه الأعمال العظيمة في هذا الوقت القصير.
فماذا تبغي زيادة في العمر أكثر من هذا. ولعل امرءاً يشبع من لقمة ويسعد بالثوب البسيط وينام قريراً وما عنده دينار واحد، وغيره لا يشبع من سخط الله عليه ولو أكل قدراً، ولا يلتذ بأشهى الأطعمة، ويشقى بالحرير، ولا يعرف للنوم طعماً وقد كنز الذهب، فهل رأيت حرماناً أكبر من هذا! والله تعالى أعلم.
هذا ما أردت تعليقه على سؤال الأخ المصري، زاد الله بلادكم تشريفاً، وبلغنا من دانيها وقاصيها مما في صدور علمائها الأماني.
لا أقول هذا شرح للحديث، فلم أطلع قبل كتابته على الشروح، وليرجع إليها في محلها. ولعل الإخوة ينقلون لك بعض ما قاله العلماء في الحديث. ويزيدون البحث ثراء. والحمد لله رب العالمين.

سامح يوسف
03-09-2003, 22:02
بسم الله الرحمن الرحيم
الأستاذ الفاضل بلال النجار لا يسعنى الا أن أقول بارك الله فيك و وفقك لنصره الاسلام والمسلمين
وأرجو من الجميع اثراء الموضوع بعلمهم النافع
وفقنا الله جميعا لما يحبه ويرضاه