المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سيدي الشيخ سعيد _ ماالفرق بين الادراك والعلم ؟؟



ماهر محمد بركات
13-06-2005, 16:45
بسم الله الرحمن الرحيم :

سيدي الفاضل :
ماهو الفرق بين الادراك والعلم ؟؟

وهل ادراكي للشيء مختلف عن علمي له ؟؟

جزاكم الله خيراً .

ماهر محمد بركات
17-06-2005, 21:06
للتذكير فقط

د . أسامة نمر
17-06-2005, 22:55
محاولة مني لتذكير الشيخ سعيد مرة أخرى فقط ، سأحاول الجواب عن هذا السؤال مستسمحا من أخي الأكرم ماهر بركات .
الظاهر - والله أعلم - أن لفظة ( إدراك ) مشتركة بين عدة معان .
أحدها مرادف للعلم ، فقد جاء في كتاب التعريفات للسيد الشريف الجرجاني قدس سره : الإدراك : تمثيل حقيقة الشيء وحده ، من غير حكم عليه بنفي أو إثبات ، ويسمى : تصورا ، ومع الحكم بأحدهما يسمى : تصديقا ، انتهى .
فهذا يدل على أن الإدراك بهذا المعنى مرادف للعلم ، لأن الذي ينقسم إلى تصور وتصديق هو العلم .
بل لو رجعنا إلى كتب المنطق المبتدئة ، لوجدناهما يعرفون العلم بمطلق الإدراك ، وهذا يدل على ترادفهما .

لكن قد يطلق الإدراك بمعنى آخر ، فقد جاء في كتاب التعريفات للشريف الجرجاني عظم الله أجره ووالى عليه مغفرته : الإدراك : إحاطة الشيء بكماله .

ثم نحن نقول : يحصل عندنا إدراك لبعض أحكام صفات الله تعالى ، لكن لا يحصل عندنا إدراك لله تعالى بمعنى إحاطة له بحقيقته كاملة ، بل لا يحصل عندنا إدراك بمعنى إحاطة بحقيقة صفة من صفات الله تعالى ، بل الذي يحصل عندنا إدراك وعلم ببعض أحكام صفة الله تعالى ، أي : يحصل عندنا إدراك بمعنى المرادف للعلم ، ولا يحصل عندنا إدراك بمعنى إحاطة الشيء بكماله .

هذا ، وأسأل الله أن يغفر لي خطئي وزلتي ، ويرزقني من يصوبني ويوجهني إلى الحق والعلم والحكمة ، لي ولأخي سعيد فودة وماهر بركات ، والإخوة الحاضرين والغائبين ، من الأشاعرة والسلفيين والرافضة والأباضيين والزيديين ، وكل المسلمين ، اللهم آمين .

ماهر محمد بركات
18-06-2005, 11:23
بارك الله فيك سيدي الشيخ أسامة ..

أسعد حقاً عندما أرى مشاركاتك القيمة لا حرمنا الله منها ..
وحقيقة من يرد الله به خيراً يكرمه بمشاركتك لما فيها من علم نافع وقيمة ثمينة ..
نسأله تعالى أن لايقطعك عنا ولايقطعنا عنك ..

وان كان لدى الشيخ سعيد إضافة فليكرمنا بها بارك الله فيه ونفعنا بعلومه .

عبدالكريم نورالدين القدح
18-07-2005, 11:11
أرى والله أعلم أن الادراك يأتي بمعنى العلم في كثير من جوانب استعمال هذا اللفظ
لكن علماء الكلام يستعملون هذه اللفظ من باب الاصطلاح للدلالة على تلك الصفة أو الصفات التي تختص بالموجودات دون تأثير عليها أو دلالة عليها فتختص بها من باب التحقيق لوجودها
إذ هذه الصفة هي التي نجد عندها الحل لتعريف الوجود و الاجابة على هذا السؤال حول الفرق بين الوجود والعدم
و هنا لا يصح الاكتفاء بلفظ العلم
فالعلم يتعلق بالشيئ على ما هو عليه أي يكشف عنه على ما هوعليه
فهو يتعلق بالموجود والمعدوم
أي يكشف عن كون الموجود موجوداًوكون المعدوم معدوماًولكن ما هو الفرق الحقيقي بين نفس الوجود ونفس العدم
أهو فرق في التسميات ؟
لا بل الفرق أن الموجود يعلم مدركاًوالمعدوم لا يدرك
فعندما نقول أن العلم الالهي الأزلي تعلق بوجود الشيئ الحادث الفلاني فمعناه أن تعلق بأنه سيدخل ساحة الادراك وعندما نقول أن علم الله تعالى تعلق بانعدام موجود ممكن فهذا يعني أنه علم في الأزل أن ذلك الموجود الممكن سيصبح متعلقاً لصفة ادراكية ثم سينتهي كونه كذلك
لكن هل الادراك شيء واحد ؟
الجواب بالطبع لا
فأنت لا تدرك ذات الشيء و أعراضه وصفاته بعين واحدة وإلا جعلت أعراضه وصفاته ذواتاً مثله
إذاً فثمة إدراك ناظر إلى ذات الشيء و هو ما نسميه بالرؤية وهذا لاينفي رؤية الصفات والأعراض لكنك- وهذا بدهي- لا تراها في نفسها بل تراها من حيث هي قائمة بذات المرئي فلا يمكنك رؤيتها منفكة عن ذات المرئي و إلا كانت ذواتاً أو جواهر مثله
لكن هل هناك إدراك آخر ؟
نعم فأنت مثلاً تدرك الصوت ولا تدرك الذات أو على الأصح الجسم الذي هو ذات مصدره بالضرورة
هنا أنت أدركت شيئاً هو ليس ذاتاً فهذا الادراك يسمى سمعاً
والقرآن الكريم أثبت أن الله تعالى يسمع أسرارنا وبالتالي فقد صح سمع الكلام النفسي وهو أيضاً قائم بذات ( في حق الخالق ) وعرض في المخلوق
لكن ما هو مدى شمولية صفة السمع بعد ذلك ؟
هنا مكان المجتهدين ولست منهم ولكنني أقلد الرأي القائل بشمولها لكل الموجودات لا من حيث ذواتها طبعاً
والله أعلم
بالمختصر إذا كانت الصفات الالهية الأربع أي العلم والقدرة والارادة والحياة ضرورية لتصحيح معنى الفعل في حق الله تعالى
فإن صفتي السمع والبصر هما ضروريتان لتحقيق معنى الوجود
هكذا فهمت القضية
والله أعلم
ولا حول ولا قوة إلا بالله
وأرجو أن تعتبروا كلامي مجرد محاولة للتفكير فلا تقبلوا منه كل ما قد يكون مخالفاً للحق الذي عليه أهل السنة والجماعة مع أنني لا أقصد إطلاقاً مخالفتهم ولا أقصد حتى الاجتهاد بل مجرد الفهم
غفر الله لي ولكم

خالد حمد علي
18-07-2005, 16:04
السَّلامُ عليْكم ورَحْمَةُ اللهِ وبرَكاتُهُ

بَعْدَ إذن سيّدي الأسْتاذ العلاّمَة أقول :

إنَّ العلْمَ والإدرَاكَ المُطلَقَ لفظانِ مُترَادِفانِ عنْدَ عُلمَاءِ المَنْطِق،لا تبَاين بيْنَهُما، قالَ الإمَامُ الخبيْصيُّ في شرْحِهِ عَلَى "التهذيْبِ" :
(العلم وهو الإدْرَاكُ مُطلقاً) .

ومَعْنَى قولِهِ (مُطلقاً) أي : أنَّهُ بمُجرَّدِ حُصولِ صورةٍ في الذهنِ ولو كانتْ وهْمَاً أوخلافاً للواقع يَكونُ ذلِكَ علْمَاً عنْدَهم، خلافاً لغيْرِهم .

ماهر محمد بركات
18-07-2005, 16:27
أشكر كل من تفضل بالمشاركة ..

سيدي نايف :
الحمد لله على السلامة وعود أحمد ان شاء الله

مولانا ماالفرق بينهما عند المتكلمين ؟؟

خالد حمد علي
19-07-2005, 19:45
سلَّمَكَ اللهُ، وبكَ بَارَكَ، مَعَ أنّني إلى الآن لمْ أعد.

ونحنُ في إنتظارك يَا سيّدي .

ماهر محمد بركات
20-07-2005, 11:02
سيدي خالد :
السؤال الأخير موجه لك

عبدالكريم نورالدين القدح
21-07-2005, 12:39
أشكر الأخ بركات على طرح هذا السؤال لأنه في رأيي سيفتح باباً وبصورة جدية للنقاش بعمق ليس فقط حول موضوع الفرق بين الادراك والعلم بل سيقود بإذن الله تعالى إلى اكتشاف جديد للمفهو م القرآني لمنهج المعرفة بصورة مستقلة تماماً عن الفكر اليوناني ( ولا أعني بالاستقلال هنا القطيعة المطلقة .......... كلا فالفكر اليوناني فيه خير كثير )
و أعتقد جازماً أن علينا أن نفكر بعمق وبدون خوف إطلاقاً في هذا السؤال :
لماذا وصف الله نفسه بأنه هو السميع البصير ولماذا أكد الخطاب القرآني مراراً كثيرة جداً على كون الله تعالى ليس عليماً فحسب بل سميعاً عليماً
لقد قدم علماء الأشاعرة والماتريدية خدمة هائلة للنضال المعرفي الانساني باصرارهم المعروف على كون الله تعالى سميعاً بصيراً بسمع وبصر هما ليسا نفس علمه
وعلينا أن نكمل المسيرة من حيث توقف السابقون من أئمتنا العظام قدس الله أسرارهم
فلقد أتعبوا عقولهم وفكرهم لينقلوا لنا هذه العقيدة الصافية فمن حقهم علينا أن نواصل دربهم ليس فحسب نصرة لعقيدة هذا الدين
بل وأيضاً خدمة للمعرفة الانسانية
نعم خدمة لكل بني الانسان أي من خلال تقديم المعرفة الصافية للناس جميعاً
سنصل إن شاء الله يقيناً وتحقيقاً لا تعليقاً عندئذ إلى تصور مهم جداً في بناء المعرفة والمنهج العلمي من خلال البحث الموضوعي ليس لقضية الادراك لوحدها بل ولقضية السمع والبصر
وعندئذ سنكتشف إن شاء الله نقطة خلافية جوهرية بين التفكير اليوناني المسرف في التجريد وبين المنهج الاسلامي القرآني الواقعي الذي يدعونا إلى التفكير في الواقع والنظر في الموجودات من حولنا ولا يحبذ ذلك المنهج الفكري القائم على الفكر الذي يجتر ذاته ويدور حول نفسه ويتعالى على الواقع لصالح تجريدات مغالى في أهميتها
نعم إن الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
أليس لافتاً أن الله تعالى قرن بين تنزيه نفسه عن التجسيم والتشبيه وبين إثبات صفتي السمع والبصر له
لم لم يقل مثلاً
ليس كمثله شيء وهو العليم القدير أو العليم الحكيم
أليس في ذلك إشارة إلهية واضحة لضرورة إثبات هاتين الصفتين
لكن لا على الطريقة الوثنية التجسيمية ولا وفق النظرة التجريدية التي تعتبر الصفتين لا ضرورة لهما بعد ثبوت العلم
أيها الأحبة آن الأوان لتصحيح كثير من مفاهيمنا المألوفة حول معنى السمع
فالله تعالى يسمع سرنا ونجوانا
إذاً من السذاجة بعد الآن السذاجة التي لا تليق بالتفكير العقلاني أن نظل نردد بعد الآن أن السمع هو فحسب إدراك الصوت
فكيف يصح أن يخبرنا الله تعالى أنه يسمع السر والنجوى
أليس علينا الاستسلام للنص الالهي الذي يعتبر حديث النفس من مسموعات الله تعالى ؟
علينا إذاً أن نفهم أن سلفنا الأولين لم يبحثوا موضوع السمع والبصر بتوسع لانتفاء الحاجة الماسة سيما وأن الموضوع الرئيسي للنزاع كان آنذاك هو رؤية العباد لربهم وهو موضوع يمكن إثباته حتى مع القول بأن الرؤية في حقيقتها نوع من العلم ونظراً لأن إثبات رؤية العباد لربهم غير متوقف على إثبات أن البصر زائد على العلم لذلك لم يتوسع سلفنا في القضية من هذا الباب
على أن الحاجة موجودة اليوم وأشعر والله أعلم أن الحملة الشرسة التي يشنها اليوم المجسمة عبر مواقع الانترنت على السادة الأشاعرة والماتريدية حول عقيدة هؤلاء السادة في صفتي السمع والبصر هي بمثابة إشارة ربانية إلى فرسان العقيدة الصحيحة لكي يعودوا الآن إلى هذا الموضوع بالعمق الذي يستحقه
ولا شك أن الله تعالى هو مع الأشاعرة والماتريدية لأنهم أهل الحق وسيوفقهم فيما نرجو لخوض غمار هذا البحث وهم أهله وفرسان ميدانه

ومرة أخرى شكراً للأخ بركات جزاه الله كل خير

ماهر محمد بركات
21-07-2005, 21:12
وأشكرك أخي نور الدين القدح على اجتهادك وفكرك النير وغيرتك على عقائد أهل الحق ..

خلاصة كلامك السابق :
أن صفتي السمع والبصر تشتركان مع صفة العلم بأنهما تتعلقان بمتعلقاتها تعلق انكشاف مع كونهما صفتين مستقلتين مغايرتين للعلم ..
وهذا الكلام لاجديد فيه ..

لكن ما علاقة الفرق بين الادراك والعلم بالفرق بين العلم والسمع والبصر ؟؟

الذي فهمته أيضاً من كلامك وصحح لي ان كنت مخطئاً :
أن الادراك جزء من ماهية العلم فالعلم يتعلق بالموجودات والمعدومات والادراك هو العلم عندما يتعلق بالموجودات فقط ..
أليس هذا هو قصدك ؟

ماهو دليلك على هذا التقسيم الاصطلاحي للعلم والادراك بأن الادراك هو العلم اذا تعلق بالموجودات فقط ؟؟

وماعلاقة السمع والبصر هنا بالادراك ؟؟

ثم اني أزيدك أن العلم لايتعلق بالمعدومات على أنها معدومات فقط بل يتعلق بالمعدومات على أنها لو كانت موجودات كيف تكون ولو أن كل موجود حل محل آخر في تخصيصه بزمانه ومكانه كيف سيكون ؟؟
فلو أن مخلوقات أخرى لم يأذن الله تعالى لها أن تظهر من حيز العدم الى الوجود لو أذن لها فان الله يعلم كيف ستكون ..
ولو أن بحراً أو جبلاً أو نباتاً أو حيواناً من الموجودات كان في مكان آخر أو في زمانه يعلم الله كيف سيكون وهكذا ..
قال تعالى : (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وانهم لكاذبون) فهذا علم بالمعدوم لو وجد كيف يكون ؟؟

ولك أن تتخيل بعد ذلك عظمة علم الله تعالى وسعته اللا متناهية ..

وشكراً لك .

عبدالكريم نورالدين القدح
23-07-2005, 11:55
أخي الكريم سأبدأ بالاجابة إن شاء الله على أسئلتك من الآخر لأن آخر أسئلتك هو في يقيني أهمها والاجابة عليه تختصر في رأيي الاجابة على كل ما سبق من أسئلة
لقد سألتني
وماعلاقة السمع والبصر هنا بالادراك ؟؟

هذا نص سؤالك
والحق أن للسمع والبصر كل العلاقة بما تطرحه حضرتك من مشكلة الفرق بين العلم والادراك
إذ أكاد أكون متأكداً أن مسألة التفريق بين العلم والادراك منبعها البحث عن تعريف واضح ومقنع لصفتي السمع والبصر والرغبة باعطائهما معنى متميزاً عن معنى العلم
ولذلك استعمل السادة من علماء الكلام الأشاعرة والماتريدية لفظ الادراك في تعريف الصفتين بدلاً من لفظ الكشف أو الانكشاف الذي لا يعطي وضوحاً في الفرق بين الصفتين والعلم ذلك أن كل الكشف كشف والانكشاف هو الانكشاف في نفسه سواء تعلق بالموجود أو بالمعدوم
ولذلك نأى أكثر علماء أهل السنة عن لفظ الكشف فيما يتعلق بصفتي السمع والبصر واستعملوا لفظ الادراك لاعطاء الانطباع بالفرق بينهما وبين العلم وهي محاولة واعية وجيدة وصائبة بكل تأكيد
ولكنني قلت أن هذا التفريق بين الادراك والعلم هو اصطلاحي أو في حكمه لأن الادراك كلمة فضفاضة جداً وهي تتسع لمعنى الاحاطة بما في ذلك الاحاطة قدرة وتتسع أيضاً لتشمل معنى العلم وهذا واضح جداً في الاستعمال اليومي للكلمة في خطابنا في حياتنا خارج نطاق علم الكلام
أي أنني أتجرأ على القول أنه لولا إثبات الأشاعرة والماتريدية لصفتي السمع والبصر لله تعالى علاوة على العلم لما فكر أحد بالتفريق بين العلم والادراك
على أنني أجزم أن استعمال السادة الأشاعرة والماتريدية للفظ الادراك ليس احتيالاً لغوياً بل هو غاية في التحقيق والتدقيق
ذلك أن صفتي السمع والبصر تتعلقان كما هو واضح بالموجودات لا على سبيل التأثير أو الدلالة عليها فلما كانتا كالعلم غير مؤثرتين ولا دالتين
أي لما كان لهما حكم العلم من هذه الناحية ولكنهما ليسا نفس العلم فقد اختار الأشاعرة والماتريدية لفظ الادراك لوفائه بالقدرة على اعطاء التصور المطلوب حول الصفتين في أذهاننا فنشعر أنهما كالعلم لا العلم نفسه
ولقد وجهت إلي السؤال التالي :
ماهو دليلك على هذا التقسيم الاصطلاحي للعلم والادراك بأن الادراك هو العلم اذا تعلق بالموجودات فقط ؟؟

وأجيب أما إذا كنت تقصد بأن تسأل ما الدليل على قولي بأن التقسيم إلى علم وادراك هو اصطلاحي فأظن أنني قد أجبت عن ذلك فيما سبق
لكنني لم أقل إطلاقاً أن الادراك بمعناه الاصطلاحي هو العلم إذا تعلق بالموجودات
وهنا أنتقل للاجابة عن سؤالك

أن الادراك جزء من ماهية العلم فالعلم يتعلق بالموجودات والمعدومات والادراك هو العلم عندما يتعلق بالموجودات فقط ..
أليس هذا هو قصدك ؟

فأقول : لا ليس هذا قصدي أي ليس قصدي أن أقول أن الادراك الاصطلاحي هو العلم بالموجودات
على أية حال ما أقصده أن لانشغل بالنا كثيراً بمحاولة البحث عن فرق بين العلم والادراك سيما أنه ذلك ليس ضرورة دينية إطلاقاً
و قصدي الصريح هو أن ننصرف عن هذا التدقيق اللفظي الذي لا يلوح لي أن ورائه كبير فائدة إن على الصعيد الاعتقادي أو العملي إلى ما هو في رأيي أكثر فائدة وجدوى وألزم
وهو ما يبدو لي اليوم في مواصلة اجتهاد السادة الأشاعرة والماتريدية بخصوص صفتي السمع والبصر من النقطة التي انتهى إليها تحقيقهم
وهي قولهم البالغ الغاية في التحقيق والتدقيق والاصابة أن السمع والبصر يتعلقان بكل الموجودات
و أرى أن استمرار حبس أنفسنا في كلمة الادراك بدون توضيح أكثر يعيق فهمنا للصفتين بدون داعي سيما أن الصفتين ليستا من المتشابه بدليل إدراج المتكلمين لهما في باب الصفات المعلومة المعاني وبالتالي فمن حقنا لا بل من المطلوب أن نسعى إلى فهمهما كما نفهم العلم والقدرة و غيرهما من الصفات المفهومة
وأرى أن العلماء السابقين جزاهم الله كل خير فعلوا ما يجب عليهم ولم يقصروا وخاضوا فيما خاضوا فيه على قدر الحاجة لكنهم لم يقولوا كل شيء في كل شيء وعلينا نحن اليوم أن نجتهد اجتهاداً استئنافياً تقدمياً
وبالنسبة لي أنا لم أقل أنني أجتهد فلا طاقة لي بذلك ولست من أهله ولكني أسعى للفهم فقط على قدر ما أستطيع
و لأجل ذلك أسعى لفهم صفتي السمع والبصر لأنني أؤمن أنه لا يجوز أن تبقيا صفتين غامضتين ولأنني أؤمن أن فهمهما سيكون له نتائج معرفية هامة جداً على صعيد واقعنا العملي
و آخر ما وصلت إليه أن يمكن فهم الصفتين انطلاقاً من تصور معنى العلم وأن ذلك ينتهي بنا ليس فقط لاثباتهما بل اثباتهما بوضوح
وبخصوص صفة السمع مثلاً حاولت أن أفهم صفة السمع ( بقطع النظر عن المتصف بها ) بأنها عبارة عما يتحقق به الوعي بالموجودات أو لنقل الادراك الواعي للموجودات وهذا ما بدا لي من خلال مراجعتي للنصوص القرآنية وهذا بالتأكيد يشمل الأصوات ولا يقتصر عليها
وأنا أنصح هنا بالعودة المتأنية إلى كل النصوص القرآنية التي وردت فيها كلمة سمع أو مشتقاتها والتأمل فيها بعناية وتركيز وعلينا أن نتساءل بعمق لماذا ينعت الله تعالى المشركين ليس فقط بأنهم لا يعقلون بل لا يسمعون أيضاً
و أما فيما يخصني فلم أستطع حتى الآن فهم معنى السمع إلا على هذا الوجه أي بمعنى الوعي (هذا في حق الشاهد ولكنني لا أستطيع استعمال كلمة كهذه في حق الرب )
على أية حال أعود فأؤكد أن القضية الحقيقية هي ليست تعريف الادراك بل فهم الفرق بين العلم وبين الصفتين اللتين استعملت كلمة الادراك لتعريفهما
وهناك مسألة أخرى وهي ضرورة إفلات علم الكلام من التدقيقات اللفظية المبالغ فيها والتي لا يمكن أن تنزل إلى حياة الناس اليومية
وضرورة أن يصبح علم الكلام أكثر شعبية ووضوحاً لحاجة الناس الحقيقية إليه
هذا والله أعلم

عبدالكريم نورالدين القدح
24-07-2005, 11:58
أود فقط تسجيل اعتذاري من فضيلة الشيخ سعيد فودة ومن الأخ ماهر بركات إذا كان في كلامي أي سوء أدب مبعثه الجهل ولقد راجعت كلامي فخشيت أن أكون تسرعت باصدار أحكام قاسية كما أخشى أنني أسأت الأدب بالتسرع لمحاولة مناقشة سؤال أخي ماهر مع أنه موجه إلى حضرة الشيخ سعيد فودة فأستغفر الله وأرجو من الأخوة السماح
لكنني فقط كنت أقصد أن كلمة الادراك لا يستبين لها في نفسها معنى واضح إلا إذا أضيفت إلى شيء آخر يوضح المقصود منها حسب السياق كأن تقول الإدراك السمعي أو البصري أو العلمي أو تقول مثلاً
أدركت فلاناً أي لحقت به وتقول أدركت زمان فلان أي بلغت ذلك العهد
ولهذا بدا لي أن استعمال العلماء لكلمة الادراك هو في حكم الاصطلاحي إذ معناها مختلف بحسب ما نتحدث عنه
وهنا عدت بالمناسبة إلى نقاش جرى في هذا المنتدى بين السيد بلال النجار وبين أخ زيدي حول رؤية الله سبحانه وتعالى ولفت انتباهي تفسير الأخ الزيدي لقوله تعالى
لا تدركه الأبصار
حيث فسر معنى الادراك هنا باللحاق ولقد تأملت تفسيره هذا فوجدته عين الصواب المحض لكنه وبسبب مذهبه الخاص في نفي الرؤية استشهد بهذا المعنى في غير مكانه
أما بالنسبة لي فلم تمنعني عصبيتي المذهبية من الأخذ بالحق من حيث هو الحق بقطع النظر عن قائله أو مصدره فالحكمة ضالة المؤمن
لا بل لقد وجدت في هذ التفسير تأييداً لأهل السنة في نفيهم للرؤية الحسية وبأخذ هذا التفسير بعين الاعتبار لا حاجة بالمطلق لاعتبار الآية عامة مخصصة في الآخرة بقوله تعالى إلى ربها ناظرة
كما لاحاجة لافتراض أن( لا تدركه الأبصار) بمعنى الاحاطة وإن كان ذلك صحيحاً في نفسه و أعتقد أن هذا هو الأولى
أي إذا أمكننا أن نحمل النصوص القرآنية التي قد نتوهم أو نظن فيها التعارض على عمومها بحيث لا يتعارض عموم مع عموم فإن هذا أولى من تخصيصها ببعضها
إذاً ف ( لا تدركه الأبصار ) عامة في الدنيا والآخرة أي لا ينتهي إليه البصر لا دنيا ولا آخرة لأنه ليس له حد لينتهي إليه البصر فهو لا يوجد في مكان لينتهي البصر إليه و لا له غاية فيبلغها البصر
وعليه فلا حاجة للقول أيضاً أن إدراك البصر هنا بمعنى الاحاطة به بصراً
بل هذا التفسير بعيد لأنه يقتضي أن أصل البصر به واقع في الدنيا حتى يجيء النص بنفي مجرد الاحاطة ولا يغني عنا كثيراً أن يقال هنا أن قوله تعالى ( وجوه يومئذ ) دليل على أن أصل البصر لا يحصل إلا في الآخرة
لأن من الأفضل أن يكون قوله : لا تدركه الأبصار دالاً في نفسه وافياً بدلالته بلا حاجة لانتظار آية أخرى لتوضحه
والقول بأن الادراك هنا بمعنى انتهاء البصر الذي يتضمن معنى الحد هو أصح وأوضح و لا يحتاج لأي لآية أخرى لتزيل غموضه
ومن هنا نعلم أن قوله : لا تدركه الأبصار يتحدث عن شيء وقوله ( ناظرة إلى ربها ) يتحدث عن شيء آخر فالأول في الحقيقة ينفي الحد والغاية عن الله تعالى و الثاني يثبت الرؤية مطلقاً
ولا ينبغي أن يكون هناك إشكال في قوله تعالى ناظرة إلى ربها فيقول قائل
ولكن أليس النظر إلى الشيء يتضمن معنى وجوده في جهة حتى يصح النظر إليه وهذا ممنوع بما قلته من تفسير( لا تدركه الأبصار ) بأنه نفي للحد عنه
أقول هذا الإشكال لا يصح أبداً لأنه ليس هذا هو معنى النظر إلى الشيء
بل المعنى هو القصد إلى رؤية شيء بعينه فأنت ترى كثيراً من الأشياء لكن عندما يهمك شيء منها فإنك تتوجه إليه ببصرك تخصيصاً له بالقصد من الرؤية
هذا هو كل معنى النظر إلى الشيء فأين ضرورة الجهة
إذاً فمعنى النظر إلى الله تعالى هو مجرد القصد الخاص لرؤيته لا أكثر ولا أقل و أي نكارة في ذلك
وعذراً للاستطراد

عبدالكريم نورالدين القدح
25-07-2005, 08:58
ورد خطأ غير مقصود في مشاركتي السابقة
وهو أني قلت
وقوله ( ناظرة إلى ربها )
وقلت
في قوله تعالى ناظرة إلى ربها
وهو خطأ غير مقصود و لم أتمكن من تعديله مع الأسف
وأستغفر الله العظيم
وصدق رب العزة إذ يقول
وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة
كما أنني لا أنفي أن قوله تعالى
(لا تدركه الأبصار )
فيه نفي للاحاطة به
ولكنني أقول إن هذا النفي ليس لأن الرؤية له واقعة أصلاً ( في زمن تلقينا للخطاب ) حتى يجيء النص بما ينفي احاطتها بالمرئي بل إن نفي الاحاطة نتيجة طبيعية لكون الحد منفياً عنه بالمفهوم الواضح المبين من هذه الآية
أي من كان ليس له حد يصل أو يمكن للبصر أن يطمع بالوصول إليه
من كان كذلك فلا سبيل للاحاطة به
وبهذا المعنى نجد أنه لا اختلاف أبداً بين من فسر قوله تعالى بمعنى نفي الاحاطة وبين من فسره بمعنى نفي لحاق البصر به
بل على العكس فإن تفسير الادراك هنا باللحاق يجعل معنى نفي الاحاطة في غاية الوضوح والبداهة
وعلى كل حال لاشأن لقوله تعالى ( لا تدركه الأبصار ) بنفي الرؤية لا في الدنيا ولا في الآخرة
و أستغفر الله العظيم ولا حول ولا قوة إلا بالله

عبدالكريم نورالدين القدح
26-07-2005, 12:36
أخي الكريم ماهر
موضوعكم هذا قد شغل بالي لفترة و ووصلت فيه إلى نتيجة ولم أصل
أي هل هناك فرق في الماهية بين العلم والادراك أم لا ؟
والذي بعثني على الاهتمام بالموضوع هو الرغبة بالوصول إلى حل حاسم حول قضية هل السمع والبصر الالهيان هما إدراكان زائدان على العلم أم مندرجان ضمنه وبعد بذل جهد كبير من التفكير والاطلاع على أقوال ساداتنا العلماء سيما الآمدي والغزالي و الشهرستاني و شيخنا سعيد فودة لم أصل إلى القطع بأي من الجهتين ولكن هذا لا يعني إطلاقاً الوقوع في مطب المعتزلة حتى عند من يعتبر من أهل السنة أن الادراكين السمعي والبصري هما تعلقان خاصان للعلم بالموجودات
وهو ما أرجو أن تصححه لي إن كنت فيه مخطئاً جزاك الله كل خير وسأصغي لتصحيحك لي باهتمام شديد إن شاء الله ولكن دعني أشرح تصوري

عبدالكريم نورالدين القدح
26-07-2005, 12:42
فأقول متبركاً بالصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عقيدة أهل السنة والجماعة قاطبة هي أن الله تعالى هو السميع البصير على الحقيقة لا على المجاز بسمع لا كسمعنا وببصر لا كبصرنا و هذا يصح حتى مع إرجاع معنيي السمع والبصر إلى كمال وشمول وتمام وضوح العلم الإلهي
إذ من كان عليماً بكل شيء علماً تاماً تنكشف به الأشياء كلها في غاية الوضوح انكشافاً ليس فوقه انكشاف فهو السميع البصير حقيقة
وإن إثبات العلماء لصفتي السمع والبصر في سياق ما يعرف بالصفات السبع هو ليس في الحقيقة بقصد إثبات تمام المغايرة مع العلم ( بمعنى الزيادة ) بقدر ما هو لبيان أن إثباتهما هو على الحقيقة لا على المجاز كما توهم المعتزلة وهنا يصبح الخلاف مع المعتزلة لفظياً من جهة ولكنه معنوي من جهة أخرى
فهو في الظاهر لفظي للاتفاق على أن الصفتين عائدتان إلى كمال الكشف
وهو معنوي لأن المعتزلة يحملون ذلك على المجاز
بينما يعتبر من قال بذلك من أهل السنة ذلك تحقيقاً لا تأويلاً مجازياً
وهو خلاف مهم من هذه الناحية لأنه سينتج عندهم بصورة طبيعية القول بنفي رؤية المؤمنين لربهم في المعاد رؤية حقيقية وهو ما يعبرون عنه بقولهم أنه تعالى لا يرى في تجاوز قبيح للنصوص
والحقيقة أن قولهم أن إثبات السمع والبصر لله تعالى هو على المجاز ومن ثم نفيهم رؤية أهل الجنة لربهم هو نتيجة ضرورية لتفسيرهم للمعنى ( الحقيقي ) للسمع والرؤية
ذلك أن تعريف الرؤية عندهم هو ليس مجرد الادراك المنبني عادة على الآلية الحسية المعروفة
بل هو مجمل العملية الحسية المعروفة بما تثمره من علم أو إدراك
أي أن الآلية هي في تحليلهم لمعنى الرؤية هي جزء من حقيقة الرؤية نفسها ولا يصح معنى الرؤية ولا يتحقق حقيقة إلا بتلازم الآلية مع ثمرتها النهائية الادراكية
فالتلازم عندهم بين آلية الرؤية أو السمع ومحصولها العلمي أو الادراكي أو الكشفي هو تلازم عقلي أي فلا يصح تصور ماهية السمع أو الإبصار إلا باجتماع كل من الآلية الحسية و حصيلتها الادراكية
ولذلك كان من الطبيعي والمفهوم أن ينكروا اتصاف الله بالسمع والبصر حقيقة ويحملوا ما ورد في النصوص على المجاز
ومن المفهوم إذاً أن ينكروا رؤية أهل الجنة لربهم حقيقة
فهنا نقطة الخلاف الجوهرية مع أنه في السطح يبدو مجرد خلاف لفظي
ذلك أن الأشاعرة القائلين بأن الله سميع بصير حقيقة ( وبقطع النظر عن كون السمع والبصر هما زائدان على مفهوم العلم أم مندرجان ضمنه فتلك مسألة أخرى ) يعنون ما يقولون بقولهم ( حقيقة )
ذلك أنهم يعتقدون أن التلازم بين الآلية الحسية وثمرتها الكشفية هو كتلازم أي سبب مع نتيجته التي رتبها الله تعالى عليه عادة
فهو تلازم عادي لا عقلي وهو الحق المبين إذ من الممكن للعقل تصور حصول الكشف البصري مثلاً بدون الآلية الحسية التي يقترن بها عادة
وهذا حصل فعلاً مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان يرى من خلفه في الصلاة
إذاً فالانفكاك وارد وممكن عقلاً بين الآلية البصرية والكشف البصري
فإذا حصل الانفكاك فعلى أي الشيئين يصدق اسم الرؤية
من الواضح بداهة أن حصول الآلية بدون ثمرتها لا يسمى رؤية وهذا لا نزاع فيه
إذاً يتعين اسم الرؤية لنفس الكشف وهذه هي الحقيقة
وهو ما يفسر إصرار أهل السنة على وصف الله تعالى بالسمع والبصر حقيقة لا مجازاً أياً كانت علاقة السمع والبصر مع معنى العلم
ولذلك صح إثبات رؤية أهل الجنة لرب العالمين عز وجل
ومن أجل ذلك لا يصح مطلقاً جعل القائلين من أهل السنة والجماعة بارجاع السمع والبصر إلى العلم ( من قبيل القول بأن السمع والبصر هما علمه بالموجودات ولكن يختلف نوع التعلق وبحسب نوع التعلق نطلق اسم السمع أو البصر ) لا يصح جعلهم في سلة واحدة مع المعتزلة
ذلك أن الذي حمل القائلين من أهل السنة على هذا القول هو أنهم حققوا فانتهى تحقيقهم إلى أن السمع والبصر عند الشاهد هما في الحقيقة الصافية نوعا علم
وهذه نقطة خلاف جوهرية مع المعتزلة الذين لا يقبلون ذلك ويرفضونه حيث لا يصححون فصل هذين النوعين من العلم عن الآلية الحسية
بينما اعتبر مخالفوهم أنهما أي السمع والبصر هما في حقيقتيهما المجردتين ليسا إلا نوعي علم وكشف
ولكن لما كان الله تعالى ولم يزل واحداً في ذاته واحداً في صفاته واحداً في أفعاله فلا يجوز التنوع ولا التكثر في أي صفة من صفاته بحيث لا يصح أن يقال أنه تعالى عالم بعلم عام وبنوعين مخصوصين من العلم لتنافيه البين مع توحيد الصفات لذا فقد أحالوا التنوع على التعلق فهذا جائز ولا شيء فيه
تماماً كصفة الكلام فهي صفة واحدة يتنوع تعلقها بمتعلقاتها أمراً ونهياً وإخباراً وسوى ذلك والكلام القائم بذات الله تعالى واحد لا تنوع فيه ولا تكثر
وكما أن القدرة تتعلق بالممكنات بنوعي تعلق هما إيجاد وإعدام و القدرة واحدة
فقد صح إذاً أن يتعلق العلم بالموجودات بنوعين من التعلق
إذاً فحاصل قول أهل السنة هو أن السمع و البصر نوعا علم أو إدراك زائد علم و سواء كان هذا أو ذاك فقد صح إمكان رؤية الله تعالى وسماع كلامه مجازاً لا حقيقة
فإذاا قلنا أنهما نوعان في نفس العلم عند الشاهد فلا يصح إثباتهما للرب سبحانه وتعالى إلا كنوعين في تعلق العلم لا في حقيقته
وعليه فإن الله تعالى متصف بهما على الحقيقة اللائقة به لا كما عليه الحال في الشاهد وهنا تبطل دعوى المعتزلة والمجسمة الذين اتفقوا على شيء واحد واختلفوا في نفيه وإثباته لله تعالى
فهم اتفقوا على أن السمع والبصر في حقيقتهما هما ما يترتب لزوماً على ما نعرفه من المفهوم الحسي ولما كان هذا يقتضي التجسيم فقد نفاهما المعتزلة على الحقيقة وقالوا هما مجاز عن مجرد العلم بما هو مسموع ومبصر لنا
أما المجسمة فقد جروا على قاعدتهم في إمضاء الظاهر على الحقيقة
ولما لم يكن للسمع والبصر الواردين في ظاهر الكتاب والسنة من حقيقة في وهمهم إلا ما يحصل وفق الترتيب الحسي فقد أثبتوهما على الحقيقة التي يتوهمونها غير مبالين بالوقوع في مستنقع التجسيم الآسن
في حين خرج أهل السنة بكل مذاهبهم من هذا النزاع متفقين على أن ارتباط الثمرتين الكشفيتين السمعية والبصرية في الشاهد بالشروط الحسية هو ارتباط عادي وليس من مقتضيات ماهية السمع والبصر
ولا أهمية كبيرة بعد هذا الاتفاق على الخلاف حول قضية أهما علمان خاصان في الحقيقة أم إدراكان زائدان على العلم
ويسع المسلم أن يختار أياً من القولين بلا حرج ويسعه أيضاً أن يفوض العلم بالصواب منهما إلى الله تعالى ولا ضير
والمهم والضروري لسلامة دينه أن يعلم ثبوتهما لله تعالى حقيقة لا مجازاً وأن حقيقتهما لا تقتضي الآلية الحسية وشروطها بل هي إما علمية ( عند من يثبتونهما على أنهما علمان مخصوصان أي في التعلق لا في نفس العلم ) أو إدراكية ( عند من يثبتونهما إدراكين زائدين على العلم )
أخي الكريم أرجو أن تصحح لي لكي لا أقع عن غير قصد في مخالفة ما عليه أهل السنة والجماعة

ماهر محمد بركات
28-07-2005, 21:31
أخي الفاضل :

لا أعلم خلافاً عند أهل السنة أن صفتي السمع والبصر صفتان لهما حقيقتان مغايرتان لصفة العلم فهما صفتان ذاتيتان قديمتان قائمتان بالله تعالى تتعلقان بالمسموعات والمبصرات تعلق انكشاف يغاير انكشاف المعلومات بالعلم، إذ لكل صفة حقيقة تخالف حقيقة الأخرى، فهما زائدتان على العلم وليستا مندرجتان فيه ..

وربما الذي أشكل عليك وجعلك تقول أنهما مندرجتان أن تعلقهما بالمسموعات والمبصرات تعلق انكشاف كتعلق العلم بالمعلومات ..

لكن ينتفي هذا الاشكال اذا علمنا أن تعلق الانكشاف فيهما مغاير للانكشاف بالعلم فلا يتوهم أنهما مندرجتان في صفة العلم ..

ولله المثل الأعلى تأمل كيف أن الأشياء تنكشف بالنسبة لنا بالعلم والسمع والبصر ومع ذلك فكل واحدة منها لها تعلق انكشاف مغاير للآخر والسمع عندنا غير البصر غير العلم ..

ولله المثل الأعلى فكذلك بالنسبة للصفات العلية العلم تنكشف به المعلومات بصورة مغايرة لما تنكشف به المبصرات بالبصر والمسموعات بالسمع .


والله أعلم .

عبدالكريم نورالدين القدح
31-07-2005, 10:29
جزاكم الله كل خير أخي ماهر على ردكم الذي شفى غليلي وبالفعل فإن القول الراجح الصحيح المعروف عن أهل السنة هو القول بتغاير العلم والسمع والبصر في الحقيقة لا في التعلق فحسب ولكن هذا لا ينفي وجود فئة من أهل السنة ترددت أحياناً وأشكل عليها الفرق بين السمع والبصر والعلم فوقعوا ولو لحين في خطأ القول بأن السمع والبصر هما العلم نفسه إنما في تعلقه بالموجودات على نحوين مختلفين للتعلق وهذا الخطأ وقعوا فيه باجتهاد و سببه هو توهمهم أن العلم هو الكشف مطلقاً
ثم إنهم نظروا فوجدوا أن السمع والبصر هما نوعا كشف فسرى إليهم الوهم بأنهما نوعان من نفس العلم
مع أن مقتضى التحقيق هو أن العلم أخص من الكشف
وهذا ما يجرني إلى القول بأنه بإمكانك إعادة طرح سؤالك
وسؤالك كان : هل العلم غير الادراك ومن الواضح أنك تقصد هنا بالادراك ليس الادراك الذي هو الاحاطة بل الادراك الذي هو في سياق العلم والسمع والبصر والانكشاف و..... إلخ
وهنا أتجرأ على القول إنه في هذا المجال لا يوجد أي فرق حقيقي بين الادراك والكشف أبداً
ذلك أن أهم ميدان نعثر فيه على معنى متميز للادراك هو في تعريف صفتي السع والبصر
ولكننا نجد أن العلماء لا يتقيدون بصرامة بكلمة الادراك بل نجدهم يصرحون بأن السمع والبصر يحصل بهما انكشاف الموجودات على معنى زائد على مجرد العلم بها
إذاً فكلمة الادراك ليست ضرورية ولا تحمل معنى مختلفاً عن الكشف
من أجل ذلك أرى أنه بوسعك وبكل بساطة أن تعيد صياغة سؤالك على النحو التالي :
هل ثمة فرق بين العلم والكشف ؟ وهل العلم أخص من الكشف ؟
وعندئذ فإن الاجابة الصحيحة هي : نعم
فالعلم ليس مجرد الكشف بل هو الكشف عن الشيء على ما هو عليه أو على ما كان عليه أو على ما سيكون عليه
وإذا تأملنا هذا التعريف علمنا بالبداهة أنه يصلح أن يشمل الموجود والمعدوم وعن الشيء سواء أوجد في الماضي أم هو موجود في الحاضر أو سيوجد في المستقبل (طبعاً مع الانتباه إلى أن الماضي والحاضر والمستقبل لا حقيقة لذلك إلا جريان الزمان علينا وهذا يتنزه الله تعالى عنه فالماضي والحاضر والمستقبل بالنسبة لعلمه سواء )
فهو مثلاً يكشف عن المعدوم على أنه معدوم
أما إن كان الكشف هو عن الشيء في نفسه أو لنفس الشيء فهذه هي الرؤية بعينها و إن تأملنا معنى هذا التعريف لوجدنا ضرورة أنه لا يصلح في المعدوم إلا أن نقول كلاماً هو عبارة عن مجرد ألفاظ لا معنى لها
كما أنه يصلح في حق كل موجود ومن أجل ذلك لا تكاد تجد خلافاً عملياً بين أهل السنة حول شمول الرؤية الالهية لكل الموجودات
أي كل الموجودات هي مرئية للحق سبحانه وتعالى
أما السمع فمن الواضح أنه انكشاف آخر ولكنني لم أجد حتى الآن تعريفاً واضحاً له و لذلك أفهم استمرار الخلاف بين أهل السنة حول تعلقه بكل الموجودات أو بفئة منها وأرى أن هذا الخلاف لاسبيل لحله إلا مع تقديم تعريف واضح وبسيط لمعنى السمع عندئذ سيصبح التوصل إلى تعيين متعلقاته تحصيل حاصل
على أن القول بأن السمع هو مجرد إدراك الصوت أو انكشاف الصوت هكذا هو تعريف ناقص عقلاً وشرعاً
فأما عقلاً
لأن الصوت يمكن أن ينكشف في نفسه أي تنكشف الأمواج والاهتزازات في الهواء والتي هي الصوت ولكن هذا الانكشاف هو عين الرؤية وهو ليس حاصلاً في السمع
ففي السمع إذاً شيء آخر سوى انكشاف الصوت في نفسه
كما أن الصوت ينكشف لك على أنه مرتفع أو منخفض أو أنه صوت فلان أو أنه صوت كذا من الموجودات ولكن هذا كله من باب انكشاف الشيء على ماهو عليه وهو ليس السمع نفسه بل هو علم مترتب عليه
إذاً فتعريف السمع بأنه إدراك الصوت أو انكشافه ناقص من الناحية المنطقية وحتى لو قلنا أن السمع يختص بالأصوات فعندئذ يصبح تعريف السمع في حال صحة هذا الزعم بأنه انكشاف الصوت انكشافاً مغايراً للرؤية والعلم
هذا من ناحية العقل
أما من ناحية الشرع فقد أخبر الله تعالى أن يسمع سر المشركين ونجواهم في سورة الزخرف في الآية 80 حيث يقول أصدق القائلين :

أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ

وإليك تفسيرها :

{أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} أي أم يظنون أنَّا لا نسمع ما حدَّثوا به أنفسهم، وما تكلموا به فيما بينهم بطريق التناجي، قال ابن جزي: السرُّ ما يحدث به الإِنسان نفسه أو غيره في خفية، والنجوى ما تكلموا به بينهم {بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} أي بلى إنا نسمع سرَّهم وعلانيتهم، وملائكتنا الحفظة يكتبون عليهم أعماله، روي أنها نزلت في "الأخنس بن شُريق" و"الأسود بن عبد يغوث" اجتمعا فقال الأخنس: أترى الله يسمع سرَّنا!! فقال الآخر: يسمع نجوانا ولا يسمع سرنا.
هذا التفسير موجود على الرابط
http://www.islampedia.com/MIE2/tafsir/Tafsirdx.html
كما وجدت شيئاً مشابهاً في الرابط الشيعي
www.darislam.com/home/esdarat/dakhl/mezan/data/43.htm

حيث يقول المفسر ما يلي
(أم يحسبون أنّا...) السِّر: ما يَتسترونه في قلوبهم. والنجوى: ما يناجيه بعضهم بعضاً بحيث لا يسمعه غيرهما. (بلى ورسلنا لديهم يكتبون) بلى نحن نسمع سرهم ونجواهم، ورسلنا الموكلون على حفظ أعمالهم عليهم يكتبون ذلك.



فهذا نص الهي بسماع الله تعالى للأحاديث النفسية التي لا يقول أحد أنها أصوات إذاً فالله تعالى لا يسمع الأصوات فقط بل وما يتحدث به المرء في نفسه
وإذا كان الأمر كذلك وهو كذلك حقاً فأي غرابة وأي عجب في القول بأن الله تعالى يسمع كلام نفسه أو أن الله تعالى أسمع موسى عليه السلام كلام ذاته الأزلي الأبدي الذي ليس حرفاً ولا صوتاًَ

ثم إن علماء أهل السنة نظروا في كون الكلام في النفس مسموعاً وفي كون الصوت مسموعاً فلم يجدوا أي قاسم مشترك بينهما سوى الوجود فحسب
لذلك حكم محققو الأشاعرة بأن السمع الالهي يتعلق بكل الموجودات على معنى مغاير للبصر

لكن ما يزال برأيي في انتظار الأشاعرة مزيد اجتهاد لتعريف صفة السمع بصورة أكثر وضوحاً كما فعل حجة الاسلام الامام الغزالي رضوان الله عليه
عندما أبدع أيما إبداع في تحليل معنى الانكشاف بالرؤية بحيث ترك الناس من بعده عالة عليه رضوان الله عليه

أخي الكريم صحح لي ما تراه من خطأ وسأكون لك إن شاء الله تعالى من الشاكرين
وجزاكم الله كل خير

عباس حبيب الفراتي
04-08-2005, 16:14
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحببت أن أشارك أخوتي في بيان الفرق بين العلم والادراك فاسمحو لي أن أدلو بما لدي هو : انه في اصطلاح يفارق العلم الادراك مفارقة الجنس النوع فالجنس هو الإدراك والنوع هو العلم .
وباصطلاح آخر يفارق احدهما الاخر مفارقة النوعين فكل من العلم والإدراك نوع تحت جنس هو الإدراك مطلقاً.
وبيان ذلك أن العلم يطلق على الادراك للأمور الكلية كاللون والطعم مطلقا ويطلق الادراك على الحضور عند المدرك مطلقا فيكون شاملا للعلم والإدراك الجزئي أعني المدرك بالحس كهذا اللون وهذا الطعم ولا يطلق العلم على هذا النوع من الادراك ولذلك لا يصفون الحيوانات العُجْمَ بالعلم وإن وصفوها بالإدراك فيكون الفرق بين العلم والإدراك مطلقا على هذا الاصطلاح فرق ما بين النوع والجنس ، فإن العلم هو النوع ، والادراك هو الجنس الشامل للأقسام الاربعة :
الإحساس الذي هو إدراك الشي الموجود في المادة الحاضرة عند المدرك مكفوفةً بهيئات مخصوصة من الأين والكمّ والكيف وغيرها .
والتخيّلِ الذي هو إدراك ذلك الشي مع تلك الهيئات في حال غيبته بعد حضوره
وبعبارة اخرى انه بعد الالتفات فإنّا إذا رأينا شيئاً ثم بعد مدة التفتنا إلى أذهاننا رأينا شبحه حاضراً عندنا.
والتوهم الذي هو إدراك معانٍ جزئية مخصوصة متعلقة بالمحسوسات .
التعقّل الذي هو إدراك المجرّد عنها ، سواء كان جزئياً او كلياً وهذا القسم هو المسمى بالعلم ، فيكون العلم أخص مطلقاً من الادراك المطلق بهذا الاصطلاح
وقد يطلق الادراك باصطلاح آخر على الاحساس لا غير فيكون الفرق بينه وبين العلم هو الفرق ما بين النوعين الداخلين تحت الجنس وهو الادراك وهو المعنى الاول .
والحاصل أن في الإدراك اصطلاحين : (الأول) أن يكون بمعنى الإدراك المطلق الأعم من الجزئي كإدراك الكون بالبصر، وهكذا، والكلي كالعلم بالكليات، وبهذا المعنى يكون الإدراك أعم من العلم.

جمال حسني الشرباتي
04-08-2005, 21:06
عباس

أي فكر راق لديك

أهنئك

ماهر محمد بركات
05-08-2005, 00:16
جزى الله خيراً الأخ عباس وكل الاخوة الكرام على ما قالوه وبينوه

عباس حبيب الفراتي
07-08-2005, 09:11
بارك الله فيكما أخواي الكريمان
جمال حسني الشرباتي وماهر محمد بركات
شاكر مروركما الكريم وكلماتكما الجميلة وجزاكما الله خيرا