المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)



جمال حسني الشرباتي
22-05-2005, 18:31
السلام عليكم

قوله تعالى (وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) 275 البقرة


هل التحريم عندكم ينصب على عقد الربا---فيكون بحسب ذلك العقد الربوي محرمّا وإن تجنب المرء الزيادة


أم التحريم عندكم على الزيادة فيكون تجنب الزيادة مجيز ا للعقد؟؟

وائل سالم الحسني
10-06-2005, 14:25
المفهوم من السؤال أنك تبحث عن العلة ، والعلة عند الأصوليين: الوصف الظاهر المنضبط المعرف للحكم ، كالإسكار في الخمر. فإذا كانت علة التحريم ما تبحث عنها فالمعتمد من المذهب مايلي:

الأصل في هذه المسألة حديث عبادة بن الصامت الذي أخرجه مسلم :كتاب المساقاة ، باب الصرف وبيع الذهب بالورق،رقم(1587) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح: مثلا بمثل ، سواء بسواء ، يداً بيد ، فإذا إختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد".
روى ابن قدامة في المغني (1/136-137) عن الإمام أحمد في علة الربا ثلاث روايات أشهرهن – كما قال- أن علة الربا في الذهب والفضة كونه موزون جنس ، وعلة الأعيان الأربعة كونها مكيل جنس ، -وهذه الرواية متفقة مع مذهب أبي حنيفة- كما هو مشهور. إلا أن العبد الفقير لا أرجحها وأميل إلى ماجاء من المذهب ماهو متفق مع السادة الشافعية في الرواية الثانية ، وذلك لكثرة الأدلة عليها.

والرواية الثانية: أن العلة في الأثمان الثمينة ، وفيما عداهما كونه مطعوم جنس ، فيختص بالمطعومات ، وهذه الرواية متفقة مع مذهب السادة الشافعية. وهو ما أرتاح أنا إليه ، حيث حجة الأئمة النووي والبيهقي والشافعي أقوى ، وبالامس فقط قراءت لابن القيم في الاعلام ماوافق ذلك ايضا , والله أعلم.

أما الرواية الثالة: أن العلة فيما عدا الذهب والفضة كونه مطعوم جنس مكيلا أو موزوناً ، فلا يجري الربا في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالتفاح والرمان والبطيخ... والجوز والبيض – على حد قوله – ولا فيما ليس بمطعوم كازعفران والأشنان والحديد والرصاص. اهـ
ويوجد على كل رواية مما سبق أدله من المفيد التعرض لمخالفينا من أصحاب المذاهب الأخرى قبل مناقشتها:

مذهب الشافعية:

ذهبوا الى أن علة الربا في الذهب والفضة أنهما جنس الأثمان غالبا ، وهي علة قاصرة عليهما لا تتعداهما إذ لا توجد في غيرهما. ولكنهم قالوا(المجموع:9/393): ربما حدث ما يشارك الأصل في العلة فيلحق به. أما الأجناس الأربعة الأخرى ، فعلة الربا فيها هي (الطعم) سواء أكانت مما يقتات أم للتفكه أم للتأدم أم للتداوي(المجموع:9/397).

وما سوى المطعوم والنقدين لا يحرم فيه الربا. فيجوز بيع شاة بشاتين ، وثوب بثوبين ، وصاع جص بصاعين منه ، وغير ذلك بجنسه متفاضلا وبنسيئة ، ولكن لايجوز بيع نسيئة بنسيئة للنهي عن بيع الكالئ بالكالئ.
واستدل الشافعية لمذهبهم في علية الثمنية في الذهب والفضة بأحاديث وصف النقد ، كقوله صلى الله عليه وسلم:" لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين" وحديث "الدينار بالدينار لافضل بينهما ، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما" رواية مسلم. وقد وردا في حيث رسول الله صلى الله عليه وسلم بوصفهما معدنين فقال:"لاتبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ، ولا تشفوا بعضها على بعض. ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا غائبا منها بناجز". وقال صلى الله عليه وسلم أيضا:" الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل ، والفضة وزنا بوزن مثلا بمثل فمن زاد أو إستزاد فهو ربا".
وسوى بين الحالتين صراحة في الحكم فقال:"الذهب بالذهب تبرها وعينها ، والفضة بالفضة تبرها وعينها ...".
والتبر: قطع الذهب والفضة قبل أن تضرب دراهم أو دنانير ، والعين: المضروب منها دراهم ودنانير.
فإن قيل: ولم سوى بين التبر والعين في الحكم وإنما الثمنية في العين؟ أجابوا: إنه غلب عليهما وصف الثمنية حتى عندما يكونان غير مضروبين. ولذلك قالوا: إنهما من جنس الأثمان غالبا ( المجموع:9/395).
وإحتجوا أيضا بأنه يجوز ، بالإجماع ، إسلام الذهب والفضة في غيرهما من الموزونات ، كالحديد وغيره. وإنما جاز ذلك لثمنيتهما ، ولو كان الوزن علة لما جاز. كما لايجوز إسلام الحنطة بالشعير ، أو الذهب بالفضة ، ولأن التقابض شرط في صحة المعاوضة بين بدلين مختلفي الصنف من جنس واحد.

واحتجوا لعلية الطعم في الأصناف الأربعة بأنه الوصف المشترك بين الأصناف الأربعة المذكورة في الحديث ، وبحديث مسلم عن معمر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الطعام بالطعام مثلا بمثل". وبحديث النسائي وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المزابنة:"أن يبيع تمر حائطه إن كانت نخلا بتمر كيلاً ، وإن كانت كرماً أن يبيعه بزبيب كيلاً ، وإن كانت زرعاً أن يبيعه بكيل طعام ، نهى عن ذلك كله"(البخاري في البيوع2091 والنسائي كتاب البيوع6140).

وقالوا: إن الحكم إذا ربطه الشارع بإسم مشتق ، كان ذلك إيذانا بعلية ما منه الإشتقاق. قال الغزّالي رحمه الله: ...وإليه صار الشافعي رضي الله عنه في مسألة علة الربا. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث معمر:"الطعام بالطعام" فدل ذلك على أن علة التحريم إنما هي -الطعم-.(المنخول:346).

مذهب المالكية:

علة الربا في الذهب والفضة عندهم ، أنهما رؤوس للأثمان ، وقيم للمتلفات. قال ابن رشد:" وأما العلة عندهم في منع التفاضل في الذهب والفضة فهو الصنف الصنف الواحد أيضا مع كونها رؤوسا للأثمان وقيماً للمتلفات. وهذه العلة هي التي تعرف عندهم بالقاصرة ، لأنها ليست موجودة عندهم في غير الذهب والفضة".(بداية المجتهد:3/97)

وأما علة الأصناف الأربعة الأخرى ، فقد فرقوا بين علة ربا الفضل وعلة ربا النسيئة: فجعلوا علة ربا الفضل: الإقتيات والإدخار ، أي ما تقوم به البنية عند الإقتصار عليه. ويدخر إلى الأمد المبتغى منه عادة ، ولا يفسد بالتأخير.
وعلة ربا النسيئة : مجرد الطعم ، أي كونه مطعوماً لآدمي ، لا على وجه التداوي. فلا يشترط فيها الإدخار. فتدخل الفواكه جميعا كرمان وإجاص و(الخضر) وهي ما يؤكل أخضر كالخيار والبطيخ ، و(البقول) كالجزر والقلقاس والفجل.(الشرح الصغير:3/73 وأنظر أيضا الشرح الكبير:3/47)

ودليلهم في علية الثمنية في الذهب والفضة دليل الشافعية. ومذهبهم متفق من حيث الأصل مع مذهب الشافعية في ذلك. وإن خالف المالكية الشافعية في مسألة ربوية الفلوس.(المدونة:3/396)
ومن الواضح أن المالكية والشافعية متفقون في علية الطعم في الأصناف الأربعة ، ولكن الشافعية جعلوا مجرد الطعم علة في الفضل وربا النسيئة كليهما. ووافقهم في ذلك المالكية في ربا النسيئة ، وقيدوا ربا الفضل في المطعوم المدخر.

ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن كون علية الثمنية التي علل بها الشافعية ربوية الذهب والفضة علة قاصرة ، وهو أمر متفق عليه من حيث المبدأ مع المالكية ، كما هو واضح من كلام ابن رشد آنفا.
وكونها قاصرة ، لايعني عدم إمكان مشاركة غيرها لها في العلة ، وإنما هو وصف للواقع. وربما حدث ما يشارك الأصل في العلة فيلحق به ، كما يقول الإمام النووي رحمه الله. أما مسألة الفلوس التي أشرت إلى إختلاف المالكية عن الشافعية فيها ، فقد قال فيها الإمام النووي رحمة الله تعالى:"وأجابو عن الفلوس بأن العلة عندنا كون الذهب والفضة جنس الأثمان غالبا ، وليست الفلوس كذلك ، فإنها وإن كانت ثمنا في بعض البلاد فليست من جنس الأثمان غالبا والله سبحانه أعلم".(المجموع:9/394)
بينما قال في المدونة(3/396): "قلت: أرأيت إن إشتريت فلوسا بدراهم فافترقنا قبل أن نتقابض؟ قال: لايصح هذا في قول مالك وهذا فاس. قال لي مالك في الفلوس: لاخير فيها نظرة بالذهب ولابالورق. ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى تكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة..."
وقال الليث بن سعد وعن يحيى بن سعيد وربيعة التميمي(ربيعة الرأي به تفقه مالك) إنما كرها الفلوس بالفلوس بينهما فضل أو نظرة. وقالا: إنها صارت سكة مثل سكة الدنانير والدراهم.
ولكنه يقول في صرف الدراهم بالفلوس والفضة: قلت: أرأيت إن إشتريت بدرهم بنصفه فلوسا وبنصفه فضة وزن نصف درهم ، أيجوز هذا في قول مالك؟ قال: لابأس بهذا وهو بمنزلة العروض.(المدونة:2/403)

يتضح مما سبق أن الإمام النووي رحمه اللع تعالى أشار إلى الفرق بين الدراهم والدنانير من جهة وبين الفلوس من جهة أخرى بقوله:" فإنها وإن كانت ثمنا في بعض البلاد فليست من جنس الأثمان غالبا". وهذا يعني أن النقد إنما يعتد به إن كان له قبول عام ، وإلا فلا. وهذا متفق مع تعريف الإقتصاديين للنقد. إذ قيل في تعريفه:"النقود هي أي شيئ يكون مقبولا قبولا عاما كوسيط للتبادل ومقياس للقيمة"(راجع النقود واستبدال العملات للدكتور علي السالوس:ص21).

ويبدو من كلام النووي رحمه الله أن الفلوس في عصره لم تكن مقبولة قبولاً عاماً ، بل كانت إلى حد بعيد إنما تستعمل كأثمان للمحقرات وتتمة لكسور الحسابات. كما أن في كلامه إشارة إلى فرق آخر هو أن النقدين يحملان قيمة ذاتية تقاس بها قيم الأشياء ، والفلوس ليست كذلك.

وإذا كان الإمام مالك قد إعتبر الفلوس نقوداً ، فقد قيد ذلك بما إذا كانت مسكوكة بالضرب السلطاني ، وكانت (عيناً) أي نقداً وثمنا في عرف الناس. وهو – رحمه الله – يرى في موضع آخر الفلوس عروضاً كما أشرت أعلاه ، ولعله قد منع النسيئة بين النقدين وبين الفلوس معتبرا إياها بمنزلة النقد ، إذا كانت مسكوكة ومتداولة ، سداً للذريعة. لأنه إعتبرها في موضع آخر بمنزلة العروض والله أعلم.

مذهب الحنفية:

علة البا عند السادة الأحناف هي القدرة مع الجنس ، أي الكيل أو الوزن مع اتحاد الجنس بين العوضين ، فإن وجدت العلتان وهما الكيل في المكيلين أو الوزن في الموزونين مع إتحاد الجنس ، حرم كل من الفضل أي تفاضل العوضين ، والنساء: أي تأخير قبض أي منهما. وإن وجدت إحدى العلتين: أي التجانس وحده ، كبيع شاة بشاة. أو القدرة وحده بأن يكون العوضان مكيلين أو موزونين مع إختلاف الجنس جاز التفاضل دون التأجيلفي أحد العوضين. فلم يجوزوا بيع شاة بشاة إلى أجل. واستثنوا صورة عقد السلم ، إذ يجوز بالإجماع بيع قنطار من الحديد مثلاً بدينار ذهب سلماً.

أما إذا لم توجد أي من العلتين ، أي التجانس أو القدرة ، فإنه يجوز التفاضل بين العوضين. ويجوز النساء أي تأجيل أحد العوضين.(حاشية ابن عابدين:5/172)

يقول الحصفكي(مفتي الحنفية ت1088هـ ، صاحب الدر المختار شرح تنوير الأبصار) :" فحرم بيع كيلي ووزني بجنسه متفاضلاً ولو غير مطعوم. خلافاً للشافعي ، كجص كيلي ، وحديد وزني ، ثم اختلاف الجنس يعرف باختلاف الإسم الخاص واختلاف المقصود كما بسطه الكمال. وحل بيع ذلك متماثلا لا متفاضلا وبلا معيار شرعي ، فإن الشرع لم يقدر المعيار بالذرة وبما دون نصف صاع كحفنة بحفنتين وثلاث وخمس مالم يبلغ نصف صاع. وتفاحة بتفاحتين وفلس بفلسين". وقال ابن عابدن في حاشيته(5/185):" هذا عندهما – أي الشيخين – وقال محمد: لايجوز. ومبنى الخلاف على أن الفلوس الرائجة أثمان ، والأثمان لا تتعين بالتعيين فصار عنده كبيع درهم بدرهمين. وعندهما: لما كانت غير أثمان خلقة ، بطلت ثمنيتها باصطلاح العاقدين. وإذا بطلت تتعين بالتعيين كالعروض...".
ودليل الحنفية على ماذهبوا إليه هو ماقاله الكاساني في بدائع الصنائع(5/185): (( ولنا في إتبات الأصل إشارات النصوص من الكتاب العزيز والسنة والإستدلال ، أما الكتب: فقوله تعالى: (أَوْفُواْ الْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلاَ تَبْخَسُواْ النّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ)(الشعراء:181-183). وقال سبحانه: (وَيَقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ)(هود:85) ، جعل حرمة الربا بالمكيل والموزون مطلقا عن شرط الطعم ، فدل على أن العلة هي الكيل والوزن ، وقال سبحانه وتعالى : (ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون) (المطففين:1-3) ألحق الوعيد الشديد بالتطفيف في الكيل والوزن مطلقا من غير فصل بين مطعوم وغيره ...
وأما السنة: فما روي: أن عامل خيبر أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نمراً جنيباً فقال: " أوكل تمر خيبر هكذا"؟ فقال:لا ، ولكني أعطيت صاعين وأخذت صاهاً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أربيت ، هلا بعت تمرك بسلعة ثم ابتعت بسلعتك تمراً وكذلك الميزان". وأراد به الموزون...
وأما الإستدلال: فهو ان الفضل على المعيار الشرعي من الكيل أو الوزن في الجنس ، إنما كان ربا في المطعومات والأثمان ، من الأشياء المنصوص عليها ، لكونه فضل مال خال عن العوض يمكن التحرز عنه في عقد المعاوضة. وقد وجد في الجص والحديد ونحوهما. فورود الشرع ثمة يكون وروداً ههنا دلالة. وبيان ذلك: أن البيع لغة وشرعاً مبادلة المال بالمال. وهذا يقتضي التساوي في البدلين على وجه لايخلو كل جزء من البدل من هذا الجانب عن البدل من ذلك الجانب ، لأن هذا هو حقيقة المبادلة...)).

وواضح من أن مراد الكاساني بالإستدلال هنا ، إنما همو القياس. وأنه جعل مطلق التفاضل في المالية علة الربا ، أياً كان صنف المال.

مناقشة الأدلة:
إعترض الحنفية على تعليل الشافعية والمالكية وأحمد في رواية عنه ربوية الأصناف الستة في حديث عبادة بالثمنية والطعم بأمور.(المجموع:9/393).
قالوا إن تعليل ربوية الذهب والفضة بالثمنية تعليل بعلة قاصرة وهو غير جائز ، لعدم الفائدة.
وقالوا في ذلك أيضا: إنه قد توجد العلة – وهي الثمنية – ولا حكم كالفلوس ، فإنها أثمان ولا ربا فيها عندهم ، وقد يوجد الحكم ولا علة ، فإنه يجري في أواني الذهب و الفضة مع كونها ليست أثماناً.
وقالوا(فتح القدير:6/152) في علية الطعم: على أننا نمنع أن الطعام مشتق ، بل هو إسم لبعض الأعيان الخاصة ، وهو البر والشعير ، لا يعرف المخاطبون (فنح الطاء) بهذا الخطاب غيره ، بل التمر وهو غالب مأكولهم لايسمونه طعاما ، ولايفهمونه من لفظ الطعام. (أيضا المجموع:9/394).

وإحتج الشافعية على القول بعلية الوزن والكيل بأنه يجوز جعل الذهب والفضة رأس مال سلم في غيرهما من الموزونات بالإجماع ، كالحديد وغيره ، فلو كان الوزن علة لم يجز ، كما لايجوز إسلام الحنطة في الشعير ، والدراهم في الدنانير. ولأن أبا حنيفة يجيز بيع المضروب من النحاس والحديد والرصاص بعضه ببعض متفاضلاً ، ولو كانت العلة الوزن لم يجز.
فإن قالوا: خرجت بالضرب عن كونها موزونة. قلنا – الشافعية – لانسلم(المجموع:9/393 ، وقولهم لانسلم ، أي لا يقروا بأن الفلوس قد خرجت بالضرب عن كونها موزونة ، فقيمتها تعود إلى وزن النحاس الذي صنعت من بالإضافة إلى أجر الضرب).

وأجاب السادة الشافعية عن الإعتراض على تعليل ربوية الذهب والفضة بالثمنية بأنها قاصرة لايعلل بها بأن: مذهب الشافعية جواز التعليل بها ، فإن العلل أعلام نصبها الله تعالى للأحكام ، منها متعدية ومنها غير متعدية ، إنما يراد بها بيان حكمة النص لا الإستنباط وإلحاق فرع بالأصل. كما أن المتعدية عامة التعدي وخاصته. ثم لغير المتعدية فائدتان: إحداهما: أن تعرف أن الحكم مقصور عليها فلا تطمع في القياس. والثانية: أنه ربما حدث ما يشارك الأصل في العلة فيلحق به.(المجموع:9/394).

أما الفلوس: فإنها لا تتصف بجوهرية الأثمان ، بخلاف الذهب والفضة فإنهما جنس الأثمان غالباً. أما جريان حكم الربا في أواني الذهب والفضة مع أنها ليست أثماناً ، فإنه إجراء للنص إذ قال: الذهب بالذهب .. الحديث. ولتغليب وصف جوهرية الأثمان.
وكلام الإمام النووي رحمه الله تعالى بأن الفلوس وإن كانت ثمناً في بعض البلاد لكنها ليست من جنس الأثمان ، جاء منسجما مع تعريف الإقتصاديين. على أن النقد ، مالم تكن له قيمة ذاتية مباشرة كما في الذهب والفضة ، أو غير مباشرة بصورة من الصور المعتبرة ، فإنه لا يحمل وصف الثمنية بالمعنى المطلوب هنا.

والفلوس ، بالإضافة إلى كونها ذات إعتبار محلي فقط ، إنما هي ذات قيمة تافهة لاتزيد على 1/48 من قيمة الدرهم(راجع النقود واستبدال العملات:ص21) ، لذلك فإنها إنما كانت تستخدم كأثمان للمحقرات ، وتتمة لكسور الحسابات غالباً. ولذلك اعتبرت مجرد سلعة اصطلح محلياً على إستخدامها نقداً. فالفلس النحاسي قطعة من نحاس والفلس الحديدي قطعة من حديد تميزتا بالسك فقط. والحديد والنحاس ليسا نقدين بل هما من العروض. ولذلك رأينا الإمام مالكاً يصف الفلوس بأنها بمنزلة العروض ، كذلك الحنفية كما قال ابن عابدين في الحاشية.

وأجاب النووي من الشافعية عن إعتراض الحنفية على علية الطعم ، بأن الطعام ليس مشتقاً ، بل إسم لبعض الأعيان بما نصه: ((قلنا :هذا غلط ، بل هو عام لكل ما يؤكل. قال تعالى: (كُلّ الطّعَامِ كَانَ حِـلاّ لّبَنِيَ إِسْرَائِيلَ إِلاّ مَا حَرّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىَ نَفْسِهِ) (آل عمران:93). وقال تعالى : (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً) (عبس:24-27). وقال تعالى: (فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي وَمَن لّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنّهُ مِنّيَ)(البقرة:249).)).

وإستدلوا على ذلك أيضاً بحديث أبي ذر الغفاري الطويل في قصة إسلامه ، وأيضا بحديث عائشة رضي الله عنها(البخاري رقم3328 ، وعند مسلم رقم 2473).

أما إستدلال السادة الأحناف بالآيات: ( الشعراء181 و هود85 و المطففين) على علية الكيل والوزن ، في الأصناف التي وردت في حديث عبادة ، فيه توسع في الإستدلال ، إلى أكثر مما سيق له الدليل من الأحكام ، فالدليل قد حرم الغش في المعايير بنقص المكيال و الميزان ، وحرم أن يبخس المرء حق أخيه. ومعلوم أن المساواة بين المكيلين المتجانسين في الصنف والمتفاوتين في القيمة هو نوع من بخس الحق. أهو المأمور به؟ أم هو المنهي عنه؟ والمعنى الذي اتجه إليه السادة الحنفية من هذه الأدلة لا يفهم منها ، أما استدلالهم بحديث تمر خيبر ، فقد أورد عليه الإمام النووي رحمه الله ثلاث إجابات قوية:

جواب البيهقي عن قوله: (وكذلك الميزان). قال: إنه مدرج من كلام أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، أو هو موقوف.

جواب القاضي أبي الطيب(طاهر بن عبدالله البغدادي ، أصولى نظار ، ت450هـ) وغيره أن ظاهر الحديث : ( وكذلك الميزان). غير مراد: فإن الميزان نفسه لاربا فيه. وأضمرتم فيه الموزون ، ودعوى العموم في المضمرات لا يصح.

الجواب الثالث: حمله على الذهب والفضة جميعا بين الأدلة.

ومما سبق نستخلص:

لايجوز بيع الذهب بالذهب ، ولا بيع الفضة بالفضة إلا بشرطي التقابض والتماثل.
لايجوز بيع الذهب بالفضة إلا بشرط التقابض ، ولايشترط التماثل لتفاوت القيمة.
لايجوز بيع مطعوم مكيل أو موزون بجنسه كقمح بقمح إلا بشرطي التقابض والتماثل. فإن تفاوتت القيمة وجب أن يباع المطعوم بثمن مناسب لقيمته ، ثم يشتري بالثمن من المطعوم المجانس المقدار المناسب لقيمته.
لا يجوز بيع مطعوم مكيل أو موزون بمطعوم مخالف كقمح بذرة إلا بشرط التقابض.
لايشترط في شراء المطعوم بالنقد تماثل في القدر ولا تقابض.
يجوز بيع مال قيمي بآخر قيمي وإن كان مجانسا – إن كان غير مطعوم – كبيع عقار بعقار ، وسيارة بأخرى ولو مع التفاوت في القدر وعدم التقابض.
والمماثلة في المطعوم والنقدين تعتبر في المكيل كيلاً وفي الموزون وزناً. والمكيل والموزون بإعتبار عادة أهل الحجاز في عهد النبوة و بإعتبار عادة أهل بلد البيع على تفصيل.

وإذا كنت يا سيدي جمال لم تجد ضالتك أعلاه فأعتقد أنه من الضروري أن نبسط مسألة العقد لا العلة ، والله أعلم.

جمال حسني الشرباتي
11-06-2005, 04:57
وائل

أحييك على هذا الجهد الراقي الذي ينم عن عقلية بحثية راقية

أمّا موضوعي فهو ليس عن العلة إنما عن العقد--فبارك الله فيك إن ناقشت هذا الأمر

ماهر محمد بركات
11-06-2005, 09:03
أظن أن سيدي جمال يقصد أنه :
اذا اشترط في العقد شرط فاسد وكانت أركان العقد صحيحة فهل يبطل العقد بالشرط الفاسد أم يلغى الشرط الفاسد فقط ويصح العقد ..
أليس هذا هو المقصود سيدي جمال ؟؟

الذي أعلمه أن السادة الأحناف يلغون الشرط ويجيزون العقد ..
وأما الجمهور من الشافعية وغيرهم فيبطلون العقد كله .

والله أعلم .

وائل سالم الحسني
13-06-2005, 10:27
لم افعل شيئ يا جمال يذكر , فانا نقلت عن العلماء من كتبهم, ولم ارجح بعد شيئا. اما مساءلة العقد فقد انفلتت الامور من يدي لانني توسعت جدا جدا في البحث والمراجعة ووجدت ان هناك صور شرعية واخرى مدنية قانونية لهذه المساءلة, ووجدت مثلا القانون الاماراتي يرجع دائما لاصلة الاردني في التعريفات وفروعها. اما السوري يشبه الى حد ما المصري. هذا مايخص بالقانون المدني, اما المذاهب وخاصة الحنابلة والشافعية, راءيت تفرعات لدى الاصوليين انفسهم. ولكسب الوقت اذكرلي تفصيلا , كيف ستتجنب الزيادة والاصل اي العقد ربوي??

الشيخ ماهر, ان السادة الاحناف يلغون الشرط ويجوزون العقد , فهذا فهم الشوافع للاحناف, وهذا مخالف لماذهب الاحناف اليه.

ماهر محمد بركات
13-06-2005, 13:53
نقلت هذا القول من كتاب الشيخ ابراهيم السلقيني (الميسر في أصول الفقه ) والشيخ حنفي ..
فبين لنا اذاّ مايقول الأحناف في هذه المسألة .

وائل سالم الحسني
13-06-2005, 14:08
راجع الشيخ لؤي, ريثما انتهي من جمال:)

وائل سالم الحسني
14-06-2005, 11:40
أحل الله لنا البيع وحرم الربى. والربى في اللغة : الفضل والزيادة والنماء. وفي محكم التنزيل:" وَيُرْبِي الصّدَقَاتِ" (البقرة:276) ، أما في الشرع: تفاضل في أشياء ونساء في أشياء مختص بأشياء ورد الشرع بتحريمها، (كشاف القناع –حنبلي-:3/251) أو: عقد على عوض غير معلوم التماثل في معيار الشرع حال العقد، أو مع التأخير في البدلين أو أحدهما (مغني المحتاج-شافعي-:2/21) أو: فضل مال بلا عوض في معاوضة مال بمال، (فتح القدير-حنفي-: 6/147).
والشافعية هنا أرجح لتغطيتهم شروط العقد.

والعقود كثيرة ، ونأخذ منها حالتنا هنا وهي التي تكون في البيع أو الشراء ، ولعقد البيع تعريفات ذهب إليها القانون ، وأخرى ذهب إليها الفقهاء. وتعريفات الفقهاء أقرب إلى المعنى اللغوي للكلمة ، لذلك لن آخذ بعين الإعتبار ماعرّفه القانون في هذه المسألة.

ونبدأ بتعريفات السادة الحنابلة للعقد:
هو مبادلة مال بمال تمليكاً وتملكاً(المغني:3/4)
السادة الأحناف:
هو تمليك البائع مالاً للمشتري بمال يكون ثمناً للمبيع(مرشدالحيران:م382)
كذلك: مبادلة مال بمال شرط التراضي أو مبادلة مال بمال بالتراضي بطريق الإكتساب(فتح القدير:5/454)
السادة الشافعية:
عقد يتضمن مقابلة مال بمال بشرطه الآتي لإستفادة ملك عين أو منفعة مؤبدة(تحفة المحتاج:4/215)
السادة المالكية:عقد معاوضة على غير منافع(الشرح الصغير للدردير:3/12)

والمشهور عن الأحناف أنهم لايعتبرون المنفعة مالا ، على عكس الشافعية والحنابلة لذلك نراهم –أي الأحناف – يستثنون المنافع. وقد علق الدكتور توفيق البوطي إبن الشيخ سعيد أدامهما الله نفعاً للأمة على قول الحنفية بشرط التراضي أو بالتراضي هو تحصيل حاصل ، وعلته في ذلك أن العقد إنما هو ثمرة للتراضي، وفيه خلاف لامجال لذكره الآن.

أركان البيع:
الجمهور (مواهب الجليل:4/288 و مغني المحتاج:2/3 و كشاف القناع:3146) ذهب إلى اعتبار أركان البيع ثلاثة: هي صيغة وعاقد ومعقود عليه. قالوا: وهي في الحقيقة ستة:

فالصيغة: إيجاب وقبول ، والعاقد:بائع ومشتر ، والمعقودعليه: ثمن ومثمن.

وإذا كان عقد البيع إنما يتم بإيجاب وقبول، فإنه لابد أن يكون له عاقدان هما البائع والمشتري. ومحل، هو الثمن والمبيع.
ولايصح القد بدونها ، سواء سميت الصيغة ركنا، واعتبرت بقية الأمور مقومات، أو سميت أركاناً.
ونبقى مع الجمهور ، من إتبار هذه المقومات كلها أركاناً. وقد ذهب الحنفية إلى اعتبار الصيغة ركن البيع(بدائع الصنائع:5/133) لأن بقية المقومات وإن كان العقد يستلزم وجودها، لكنها لا تدخل في ماهية العقد.((الركن عند الحنفية:مايتوقف عليه وجود الشيئ وكان جزءاً منه. وعند الجمهور: مايتوقف عليه وجود الشيئ وتصوره في العقل سواء أكان جزءاً منه، أم كان مختصاً به وليس جزءاًمنه ولتفصيل هذه النقطة راجع الفقه الإسلامي للعلامة وهبة الزحيلي4/247)).

ففي أي مسألة أو ركن يتعلق سؤالك ؟
توضيح أكثر : لودخلت مسألة الربى في الركن الأول فأنت قد صغت أساساً عقداً ربوياً.

ولابهلونيات في جعلها حلالاً من أي طرق كانت عند كل المذاهب من مصادرهم المعتمدة. أما مسائل فساد العقود المتحدث عنها في هذه الأيام , فهو في هذه المسألة فساد عقولا(لعدم الإستقراء القويم)ً لافساد عقوداً ليتم ويتحقق ما أنبأ عنه المعصوم عليه أفضل الصلاة والسلام في الحديث الذي نسيته، أنه يمر على أمته أيام من لم يأكل الربا أصابه من غبارها.
وراجع خلاصة رد الشيخ جلال على الشيخ الفاضل القرضاوي في أول صفحة هذا الموقع المبارك

في إنتظار ردك.