المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دروس في البلاغة



جمال حسني الشرباتي
07-05-2005, 15:58
الفصاحة ---------
-----------------------------------

الفَصاحة: الظهور والبيان، تَقُول: أفْصح الصُّبْحُ إِذا ظَهَر. والكلامُ الفصيحُ ما كان واضح المعنى، سهل اللفظِ، جيِّدٌ السَّبك. ولهذا وجب أن تكون كلُّ كلمة فيه جاريةً على القياس الصَّرفي ، بينةً في معناها، مفهومةً عَذْبةً سلِسة.

وإِنما تكونُ الكلمة كذلك إِذا كانت مأْلوفَةَ الاستعمال بَين النابهين من الكتاب والشعراء، لأنها لم تَتَداولها ألسِنتُهم، ولم تَجْرِ بها أقلامهم، إلا لمكانها من الحُسْن باستكمالها جميع ما تقدم من نُعوت الجوْدة وصِفات الجمال.

والذوقُ السليمُ هو العُمْدةُ في معرفةِ حُسن الكلمات وسَلاسَتِها، وتمييز ما فيها من وجوه البشاعة ومظاهر الاستكراه؛ لأن الأَلفاظَ أصواتٌ ، فالذي يطْرَبُ لصوْت البُلبُل، وينْفِر من أصوات البُوم والغِرْبان، ينْبُو سمعه عن الكلمة إذا كانت غريبةً مُتَنَافِرَةَ الحروف (ألا ترى أن كلمتَي "المُزْنة" و "الدِّيمة " للسحابة المُمْطِرة، كلتاهما سَهلَة عذْبَةٌ يسكن إليها السمع، بخلاف كلمة "البُعَاق" التي في معناهما؛ فإنها قبيحة تَصُك الآذان. وأمثال ذلك كثير في مُفْردات اللغة تستطيع أَن تُدْركه بذَوْقك.

* * *

ويشترط في فصاحة التركيب فوْقَ جريان كلماته على القياس الصحيح وسهولتِها أن يسلمَ من ضَعفِ التأْليفِ، وهو خروج الكلام عن قواعد اللغة المطردة كرجوع الضمير على متأخر لفظاً ورتبة في قول سيدنا حَسانَ رضى الله عنه

مِنَ النَّاسِ أبْقى مَجْدُهُ الدَّهْرَ مُطعِما

ولو أّنَّ مَجدًا أخْلَدَ الدهْر واحِدًا

فإن الضميرَ في "مَجده" راجع إلى "مُطعِما" وهو متأَخر في اللفظ كما ترى، وفي الرتبة لأَنه مفعول به، فالبيت غير فصيح.

ويشترط أن يسلم التركيبَ من تنافر الكلمات، فلا يكونُ اتِّصالُ بعضها ببعض مما يُسبِّب ثِقَلَها على السمع، وصُعوبةَ أدائها باللسان، كقول الشاعر:

ولَيْسَ قُرْب قبرِ حَرب قَبرُ
وقَبْرُ حربٍ بِمكان قَفْرُ

قيلَ إن هذا البيتَ لا يَتَهيَّأُ لأحد أن يُنْشدَهُ ثلاثَ مرات متوالياتٍ دونَ أن يَتَتَعْتَعَ )، لأَن اجتماعَ كلماته وقُربَ مخارج حروفها، يحدِثانِ ثِقلاً ظاهرًا، مع أَن كل كلمة منه لو أُخذت وحدها كانت غير مُستكْرهةٍ ولا ثقيلة.

() ويجب أن يسلم التركيب من التَّعقيد اللفظي، وهو أن يكون الكلام خَفيَّ الدلالة على المعنى المراد بسبب تأْخير الكلمات أو تقديمها عن مواطنها الأصلية أو بالفصل بين الكلمات التي يجب أن تتجاورَ ويتَّصِلَ بعضها ببعض، فإِذا قلت: "ما قرأ إِلاَّ واحدًا محمدٌ مع كتاباً أَخيه"

كان هذا الكلام غبرَ فصيح لضعْفِ تأليفه، إذ أصله "ما قرأ محمدٌ مع أَخيه إلا كتاباً واحداً، فقُدِّمت الصفة على الموصوف، وفُصل بين المتلازمين، وهما أداةُ الاستثناء والمستثنى، والمضافُ والمضافُ إِليه. ويشبه ذلك قول أبى الطَّيب المتنبي

وَأبُوكَ والثَّقلاَنِ أنتَ مُحَمَّدُ؟ أنِّي يَكونُ أبا البرِيَّةِ آدمٌ

والوضع الصحيح أن يقول: كيف يكون آدم أبا البرية، وأبوك محمد، وأنت الثقلان؟ يعنى أَنَّه قد جَمعَ ما في الخليقة من الفضل والكمال، فقد فَصَل بين المبتدأ والخبر وهما "أبوك محمد"، وقدَّم الخبر على المبتدأ تقديماً قد يدعو إلى اللبس في قوله "والثقلان أنت"، على أنه بعد التعسف لم يسلم كلامُه من سُخف وهَذَر.

ويجب أن يسلم التركيب من التعقيد المعنوى، وهو أن يَعمد المتكلم إلى التعبير عن معنى فيستعمل فيه كلماتٍ في غير معانيها الحقيقية، فيسئ اختيار الكلمات للمعنى الذي يُريده، فيضطرب التعبير ويلتبس الأَمر على السامع. مثال ذلك أن كلمة اللسان تُطلَق أَحياناً ويُراد بها اللغة، قال تعالى: {وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ رَسُولِ إِلا بلِسَان قَوْمِه} أي ناطقاً بلغة قومه، وهذا استعمال صحيح فصيح، فإذا استعمل إِنسانٌ هذه الكلمة في الجاسوس، وقال: "بثَّ الحاكم ألسنته في المدينة" كان مخطئاً، وكان في كلامه تعقيدٌ معنوى، ومن ذلك قول امرئ القيس في وصْفِ فرَس:

كَسا وجْهَهَا سَعف مُنتشر
وأَرْكَبُ في الرَّوْع خَيفانةً

الخيْفانةُ في الأصل الجرادة، ويريد بها هنا الفرس الخفيفة، وهذا لا بأْس به وإِن كان تشبيه الفرس بالجرادة لا يخلو من ضعف، أما وصف هذه الفرس بأن شَعر ناصيتها طويلٌ كَسَعف النخل يُغطِّى وجهها، فغير مقبول؛ لأن المعروف عند العرب أن شعرَ الناصية إذا غَطَّى العينين لم تكن الفرس كريمة ولم تكن خفيفة. ومن التعقيد المعنوى قول أبي تمَّام

فخرَّ صريعاً بين أيدِى القصائد
جَذَبتُ نَداهُ غدوة السَّبتِ جذْبةً

فإِنه ما سكتَ حتى جعل كرم ممدوحه يَخرُّ صريعاً وهذا من أقبح الكلام.

* * *
منقول__________________