المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قزل إيجاز على متن السلم



محمد محمود فرج
18-04-2005, 08:48
قزل ايجاز

على سلم المنطق



حاشية الاستاذ بديع الزمان سعيد النورسي
على متن "السلم المنورق للشيخ عبدالرحمن الأخضري"

تأليف

بديع الزمان سعيد النورسى

مع شرح اخيه عبد المجيد النورسي





صيقل الإسلام/قزل إيجاز - ص: 164

ايضاح

على كل حال فقد كتبتُ هذا الاثر..لأجل تعويد الأذهان على الدقة في الملاحظة والإنعام في النظر.

وحيث أنه قد أُلّف.. فليُنشر.. وليلاحظ في الاقل المباحث المبدؤة بـ"اعلم".

سعيد



ملاحظة: قام السيد الفاضل محمد زاهد الملازكردي بتصحيح هذه الرسالة وطبعها لأول مرة في مطبعة بركات بدمشق وذلك في محرم الحرام سنة 1387هـ. فضلاً عن قيامه بترجمة ونشر عدد من مجموعات رسائل النور. فجزاه الله خيراً كثيراً.

وقد أعدت النظر في هذه الطبعة من الرسالة وقابلتها مع طبعتها الاولى من غير شرح، ولم اغيّر منها سوى ما يستوجبه التنسيق والتنظيم، فوضعت حاشية الاستاذ النورسي في أعلى الصفحة عقب متن الناظم وجعلت شرح اخيه الملا عبدالمجيد في اسفل الصفحة.

وأملي في الله عظيم أن يقيّض من علمائنا المتبحرين في علم المنطق من يقدر هذه الرسالة والتي تليها "تعليقات" حق قدرهما ويستجلى ما غمض فيهما من نفائس علم المنطق لتكونا رسالتين يستفيد منهما الخواص والعوام معاً غير قاصرتين على الخواص من العلماء.

واسم الرسالة "قزل ايجاز" قد يثير القارئ الكريم فهو اسم مركب من التركية والعربية أو على الاقل الكلمة تركية التركيب. فكلمة "قزل" تعني بالعربية: العرج الشديد، أي ان اسم الرسالة يعني: الايجاز الشديد العرج.

أما اذا اعتبرنا اسم الرسالة اسماً تركياً فهو يعني: الايجاز المتقد، الايجاز الاحمر الى حدّ الجمرة.



احسان قاسم الصالحي





صيقل الإسلام/قزل إيجاز - ص: 165

بسم الله الرحمن الرحيم



"مقدمة الملا عبدالمجيد النورسي"

أشكر على حمدي لواحد أحد ليس له ثان. كما اثني موحداً لمن له كل يوم شأن. واُصلّي كما اُسلّم على من لما كان في ذاته محموداً كان اسمه محمداً. وعلى آله وصحبه من بعد.

وبعد:

فاعلم أني بعدما نجوت بين تلاطم امواج البليات من مخالب سباع المصيبات. ساقني القدر على رأس الفين إلا خمسين سنة الى ولاية مولانا جلال الدين الرومي وسكنت في جواره بعيداً عن الاستاد. لاهو يراني ولا انا أراه إلا في غفلات النوم والرقاد. الى ان قضى الاستاذ نحبه وارتحل الى دار السعادة شهيداً. وبقيت أنا في الحسرات غريباً ووحيداً.

فأدى بي الوحشة الى الوحدة وترك التماس بالناس. وترجيح التوحش على الإستئناس. ولم أجد لأزيل به كربتي ويكون تسليةً في وحدتي شيئاً إلا الاشتغال بتحشية (قزل ايجاز) وشرح ما فيه من الالغاز. رجاء أن يشتغل به البال عما فيه من شدة الحال.

فبعدما أردت ان اكسر صخور ألفاظه بفأس فكري. أبى وامتنع ذلك الفكر الكليل عن امري. فصرت كلما أضربها بذلك الفاس نبا ذلك الفأس من الصخرة الى الرأس. فبقيت حائراً ذا يأس في يأس. فاغلظت على الفكر شدة الامر. وأجبرته بعد الفر الى الكر. مشوقاً له قائلاً - ها بابام ها- فاستحيى عن غلظة الامر. فاجتهد كل يوم من الصبح الى العصر. الى ان صار مظهراً للتحسين والتقدير. بعدما كان معروضاً للتحقير والتكدير.





صيقل الإسلام/قزل إيجاز - ص: 166

فشكرت سعيه وقبلت عذره. لكن لكهولته عجز عن قلع بعض الصخور. مع ان بعض مافصل وحصل ماكان بريئاً من الخطأ والقصور.

فاحلت فض ما بقي باكرة من مواضع عديدة واصلاح ما وقع من الخطأ والغلط الى ذوي الاذهان الثاقبة من شبان الاستقبال.



عبدالمجيد

بلدة (قونيــة)

1385هــ - 1965م





صيقل الإسلام/قزل إيجاز - ص: 167

بسم [1] الله [2] الرحمن [3] الرحيم



[1] الباء للمصاحبة لا للاستعانة. لأن الكسب تابع للخلق، والمصدر شرط للحاصل بالمصدر 1.

[2] مستجمع لجميع الصفات الكمالية. للزوم البيّن 2.

[3] هذا مقام التنبيه لا الامتنان، فتكون صنعة التدلي في التعديد امتناناً صنعةَ الترقي تنبيهاً 3.



_____________________

1 (الباء للمصاحبة لا للاستعانة) اذ يلزم حينئذ ان يكون العبد أصيلا في الفعل، والخالق معيناً وتابعاً له في الفعل والحال ان العبد ليس الا مصدراً للكسب. والحاصل بالمصدر أي المكسوب ليس إلا بخلق الخالق. فالكسب - أي كسب العبد - ليس إلا مقارناً ومصاحباً وشرطاً في حصول ذلك الفعل، بخلق الخالق. فالعبد تابع، أي وكسبه شرط لا اصيل. كما هو رأي أهل الاعتزال من كون العبد خالقاً في فعله.

فالمناسب في باء البسملة المصاحبة، اذ ليس فيها ما في الاستعانة من ذلك الإيهام، لانها تدل بمادتها وجوهرها على ان المستعين أصيل، والمستعان منه تابع، بخلاف لفظة المصاحبة، اذ ليس فيها تلك الدلالة فلا احتمال لذلك الايهام.

قد ظهر من هذا ان انتشار كون الباء للاستعانة في تآليف بعض أهل السنة انما ترشح عن الغفلة من هذا المذهب، أي الاعتزال.

2 )(للزوم البيّن) أي البيّن بالمعنى الأخص بين الذات والصفات. وهو الانتقال بمجرّد تصور الملزوم الى اللازم. ومنه الى اللزوم بينهما. فلفظة الجلال دالة على الذات بالمطابقة وعلى الصفات بالالتزام فمن ذكر لفظ الجلال كان ذاكراً لجميع صفات الكمال.

3 (هذا مقام التنبيه) حاصله: ان الرحمن اشارة الى عظام النِعَم، والرحيم الى صغارها. فالانتقال من الاعظم الى الاصغر ليس بمناسب، لأنه من صنعة التدلي. وهي ليست مقبولة إلا في مقام تعديد النعم للامتنان. والمقام هنا ليس لتعديدها للامتنان. فأشار بتقديم الرحمن الى ان هذا المقام مقام التنبيه، لدفع غفلة السامع عن النعم الصغار.

فالتدلي هنا يُعدّ من الترقي. على ان الغفلة عن النعم الصغار اقوى احتمالاً فلا اشكال.







صيقل الإسلام/قزل إيجاز - ص: 168

الحمد[1] لله الذي[2] قد اخرجا[3] نتائج الفكر[4] لارباب الحجا

وحط[5] عنهم من سماء العقل كل حجاب من سحاب الجهل



[1] كتصور العلة الغائية 1.

[2] وصف ليكون ثوابه اكثر، اذ الواجب اكثر ثواباً 2.

[3] اي ترتب النتيجة على المقدّمات عادي، لا استعدادي ولا تولدي 3.

[4] خص هذه النعمة ليَبْرَعَ مستهلّه لبراعة الاستهلال. كأن المعنى اذا مر في خزانة الخيال ما وجد ما يلبس إلاّ صورة صنعته 4.

[5] الأولى قشع للسحاب او كشف للحجاب وإلأ فالابل ينص تليله تحت "حط عنهم" 5.

_____________________

1 (كتصور العلة الغائية) أي ان ذكر الحمد في أوائل التأليفات اشارة الى ان المقصد والغاية منها الحمد والطاعة لله تعالى.

2 (وصف) أي بنعمة الإخراج ليكون حامداً على النعمة فيكثر ثوابه، اذ الحمد على النعمة لازم وثواب اللازم اكثر.

3 (اي ترتب النتيجة) إشارة الى ان الاولى ذكر الترتب بدل الاخراج، لان حصول النتيجة من المقدمات »عادي« كخروج الماء بالحفريات لا »استعدادي« كخروج الثمرة من الشجرة، ولا »تولدي« كالولد من الانسان فالمناسب تبديل الاخراج بالترتب.

4 (لبراعة الاستهلال) أي ليُعلم في اول التأليف نوع ما يُذكر فيه من المسائل.

5 هذه مناقشة لفظية بين الاستاذين. حاصلها: ان الحط مستعمل للآبال ولا إبل هنا. فالأولى تبديل الحط بالقشع، نظراً الى لفظ السماء، او بالكشف لمناسبته للفظ الحجاب. وإلاّ فالسامع يتحرى الابل الناصب عنقه القاعد تحت »حط«. ولا إبل هنا فيقع في اليأس.







صيقل الإسلام/قزل إيجاز - ص: 169

حتى بدت لهم شموس [1] المعرفة رأوا مخدراتها [2] منكشفة

[1] التشبيه قياس والمقيس عليه حقه الوجود وما لهم إلا شمس. إلا ان الخيال الماضي حقيقة الآن. او لأن السماء تلد من بطن كل ليلة شمساً 1.

[2] هذا التلون والاندماج في الاسلوب، يردد الذهن بين ان يتصور الرأس سماء تتلألأ نيراتها في مطالعها وبين ان يتصورها قصراً تتشرف مخدراته من بروجه. إلا أن في جنان الجنان رقيبات لشموس العقل وازاهيرها من نجومه 2.

_____________________

1 (التشبيه قياس) اي تشبيه المسائل بالشموس قياسها عليها، فيلزم من ذلك القياس وجود المقيس عليه وتعدده والحال انه هنا واحد. فاجاب قائلا (إن الخيال الماضي) أي الشموس الآفلة الماضية في الزمان الماضي، المجتمعة بالتخيل في خزينة الخيال، كالحقيقة الموجودة. او ان الشموس المستقبلة الموجودة في بطن السماء نظراً إلى أنها تلد كل يومٍ واحدة والشموس كالموجودة الآن فلا اشكال.

2 (هذا التلون والاندماج) أي التفنن في العبارة بتشبيه المسائل تارة بالشموس وأخرى بالمخدرات.. (يردد الذهن) أي مع استحسانه وتقديره إلى ان يتصور الرأس سماء مرة وقصراً مرة اخرى. يتشرف من ذلك النيراتُُ ومن هذا المخدراتُ مباهيا بهما.

(الا ان في جنان الجنان) يعنى كما ان المسائل شبهت بالشموس والمخدراتُ الرأسية لزم أيضا تشبيهها بالازاهير القلبية. إذ أزاهير القلوب رقيبات لشموس العقول في الفضل والشرف.

فالتشبيه بواحدة دون الأخرى جاعل لذلك الاسلوب غير محبوب لذوي القلوب.







صيقل الإسلام/قزل إيجاز - ص: 170

نحمده [1] جل على الانعام بنعمة الايمان والاسلام

[1] كرره للاثبات بعد الثبوت، والانشاء بعد الخبر، والعمل بعد العلم. ولم يتكلم وحده، لأنه وان كان واحداً ليس وحده. بل معه طوائف اعضائه وقبائل اجزائه وجماعات ذراته ذوات الوظائف والحياة. فلتضمين الحمد معنى الشكر العرفي الجامع تكلم مع الغير 1.

اعلم!

أيها الناظر لابأس عليك ان تتلقى هذا المبحث مستقلا برأسه، لاشرحاً لهذه الجملة. فان المناسبة ضعيفة لان اليراع اجتذب اللجام من يدي فهرول حيث شاء. سعيد.

ان الشخص مع ان روحه واحد، جسمه جماعة. بل جماعات من ذوات الحياة. حتى ان كل حجيرة من حجيراته حيوان برأسه ذات خمس قوى حساسات.

فالشخص كصورة (يس) كُتب فيه سورة (يس) وشدة الحياة وقواها تتزايد بتصاغر الجرم معكوساً. ان شئت وازن بين حواس الانسان وبين حواس حُوينة ميقرسقوبية تَر عجباً. اذ ذلك الحيوان الصغير مع انه لا يُرى الا بعد تكبير جسمه الف دفعة يرى رأس اصبعه ويسمع صوت رفيقه، وقس سائر حواسه وقواه. واين للانسان ان يرى اصبع ذلك الحيوان أو يسمع صوته. فبنسبة تصاغر المادة تشتد الحياة وتحد وتحتد وترق وتروق.

فهذا الحال يدل حدسا على ان الاصل الحاكم والمبدأ النافذ والمخلوق الاول هو الروح والحياة والقوة. وما المادة الاّ تصلبها او زبدها.

_____________________

1 (كرره.. الخ) حاصله: ان الحمد المذكور أولاً لأسمية الجملة هناك، كانت دالة على ثبوت الحمد والاخبار عنه والعلم به فكرره ثانياً بالجملة الفعلية لتدل على الاثبات والانشاء والعمل، وليكون الناظم الحامد بالذات مثبتاً منشئاً حامداً، اي متكلما ومصدراً للحمد بالفعل.

(لانه واحد ليس وحده) أي لأنه وان كان منفرداً في حد ذاته. لكنه ليس منفرداً في فعل الحمد، بل معه طوائف كثيرة من اعضائه واجزائه وذراته.

(تكلم مع الغير) إشارة إلى ان الحمد هنا متضمن وعبارة عن الشكر العرفي الذي هو عبارة عن صرف العبد جميع ما انعم الله عليه إلى ماخلق له.







صيقل الإسلام/قزل إيجاز - ص: 171

فكما يُستخدم روح واحد جماعات من الماديات الحيوانية، جاز ان يستخدم روح آخر اصغر الماديات. واليه يستند فقط. فكما أن نواة في عالم التراب شئ صغير مع انها في عالم الهواء نخلة عظيمة، كذلك تلك المادة الصغيرة ذات الحياة في عالم الشهادة تكون متسنبلة في عالم المثال والمعنى، بسبب استناد الروح اليها 1.



من خصنا[1] بخبر من قد ارسلا [2] وخير [3] من خاض المقامات العلا



[1] لأن المضاف الى المعرفة معرفة بجهة والمنسوب الى الشريف يتشرف 2 .

[2] أي خير الخلق؛ لأنه خيار من خيار ستة مرات 3.

[3] أي لأنه على خلق عظيم. عطف الدليل على المدلول.

_____________________

1 أيها الناظر لا تقل لمه هذا التطويل الغير المناسب للمقام فان القلم قد يطغى فليكن مسألة من (قزل اطناب) مسافرة في (قزل ايجاز) ( س )

2 (لأن المضاف الى المعرفة) أي لاننا قد خُصصنا بالاضافة والانتساب الى خير الرسل ذي الشهرة والمعرفة. والتخصيص بالاضافة الى المعرفة وان لم يكن معّرفاً للنكرة حقيقة، لكن يقربها الى المعرفة ويشّرفها بها. نعم، لتلك الاضافة والانتساب صرنا خير امة اخرجت للناس. والمنسوب إلى الشريف شريف.

3 (ستة مرات) أي ان الله تعالى اختار من المخلوقات ذوي الحياة ومنهم بني آدم ومنهم اولاد اسماعيل ومنهم قريشاً ومنهم بني هاشم ومنهم محمداً عليه الصلاة والسلام هذا مآل حديث (مازلت خياراً من خيار).







صيقل الإسلام/قزل إيجاز - ص: 172

محمد[1] سيد كل [2] مقتفى العربي [3] الهاشمي [4] المصطفى [5]

صلى [6] عليه الله مادام الحجا يخوض في [7] بحر المعاني لججا



[1] أى اسما ومسمى. الثاني سبب للاول، لكن بالاول. 1

[2] لأن كتابه جمع الجوامع لأنه متأخر. لأنه متقدم. 2

[3] وفي أبنائه الصدق والذكاء.

[4] وفي بيته الشهامة والسماحة والمنسوب منسوب اليه. 3

[5] كـ "قفا" و "ارجعوني" مكرراً، مع انفراده بحذف لفظ "من". فهو مشتق من خمسة افعال وهى "اصطفى" 4.

[6] صورة الماضي دلت على كمال الوثوق والشوق والحمل على المسئول بلطف لأن رد الخبر اشد من

رد الانشاء. 5

[7] تبطن "في" "من" للدخول والخروج6

_____________________

1 (اي اسماً ومسمى الثاني سبب الاول لكن بالاول) أي في ذاته خلق محمداً وسمّى به ليطابق الاسم المسمى. فالذاتي سبب للاسمى لكن بالاول. وهو مصدر كالقول من آل يؤل. بمعنى الرجوع. اي كونه كثير الحمد في الخلقة. سيرجع ويصير سبباً لكونه كثير الحمد من بعد.

2 (لأن كتابه جمع الجوامع) أي لأن القرآن لكونه نزولاً متأخراً من الكتب السماوية جامعٌ لجميع ما فيها ولكونه متقدما عليها في الفضل والشرف تأخر عنها، لأن السلطان يمشي خلف الجنود.

3 (المنسوب منسوب اليه) أي الأمر بالعكس معنى لأن محمداً عليه الصلاة والسلام كما انه منسوب اليه لكافة الخلق، منسوب اليه لهاشم ايضا.

4 (كقفا وارجعوني) يعني كما ان التثنية والجمع في هذين اللفظين راجعان إلى الفعل، لا إلى الفاعل. اذ المراد منهما قف قف. ارجع ارجع ارجع. كذلك ان الإفراد في (المصطفى) عائد إلى نائب الفاعل وليس راجعاً إلى الوصف لأنه في النية مكرر مجموع قد اشتق من (اصطفى) خمس مرات على ما أشار اليه حديث الاصطفاء.

5 (صورة الماضي) يعني ان الطلب والسؤال بلفظ الماضي يجبر المسئول على ان لايكذب السائل ويحمله على ان يوفي بالمسئول عنه بحيلة، لان الماضي إخبار ورد الإخبار قبيح.

6 ( تبطن "في" "من" أي كما يدل عل ذلك التبطن مادة الخوض، لانه بالدخول، وهو يقتضي الخروج. من. مفعول تبطن.







صيقل الإسلام/قزل إيجاز - ص: 173

وآله وصحبه [1] ذوي الهدى [2] من شبهوا [3] بانجم [4] في الاهتدا [5]



[1] اسم جمع صحابي. وتذكرهم بالصلاة حق علينا. لانهم الوسائط بيننا وبينه صلى الله عليه وسلم. 1

[2] أي اكتسبوا الهدى كالمال، الحاصل بالمصدر المكسوب لهم. فان الهدى هو الذي يحتذى عليه لا المصدر، لأنه كسب. 2

[3] اي بلسان من "أفصح من نطق بالضاد" بانهم مكمَّلون ومكمِّلون.

[4] اي العشر السيارة فان نورها مستفاد من الشمس 3.

[5] نتيجة التشبيه لاوجه الشبه لانه لابد ان يكون اظهر اوصاف المشبه به، والاظهر في الحديث النورانية وما يقاربها. 4

_____________________

1 (اسم جمع صحابي) وهو منسوب الى صحاب، وهو مصدر كالذهاب. وليس الصحب بجمع لان »فعل« ليس من اوزان الجموع. هو اسم لكل من رأى النبي او النبي رآه ومات على الايمان.

2 (أي اكتسبوا الهدى) مفعول الحاصل صفة له، المكسوب صفة للمصدر. يعنى المراد من الهدى هنا الحاصل بالمصدر، لا المعنى المصدري الذي هو الكسب.

3 (هي العشرة السيارة) وهي العطارد والزهرة والمريخ والمشتري والزحل والنبتون والاورانس والارض والقمر و. .

4 (نتيجة التشبيه لا وجه الشبه) يعني ان وجه الشبه النورانية على ماهو المتبادر من حديث (بايهم اقتديتم اهتديتم).







صيقل الإسلام/قزل إيجاز - ص: 174

وبعد [1] فالمنطق [2] للجنان نسبته كالنحو للسان

[1] اعلم! أنه تأكيد وتشويق مبني على حب النفس المستلزم لحب صنعتها المقتضى لفنائها فيها، المؤدي الى ظن انحصار الكمالات فيها لزومية او ادعائية هكذا أي شئ وجد لزم بقائه لعدم العبثية. وبقاؤه مستلزم للخلقة لانه جزؤها والخلقة مستلزمة لنتيجتها وهي الانسان. ووجود الانسان بسر الحكمة مستلزم لنتيجته، وهي كماله ومعرفة الصانع. والوصول الى الكمال مستلزم لإصابة العقل وسداده. وسدادهُ مستلزم للمنطق المتصف بما ذكر. فمهما وجد شئ فالمنطق كذا. 1

[2] اعلم! كما ان النحو شريعة الموجودات الطيارة اللسانية. الذين آدمهم الهابط من ذروة الخيال المسمى باللفظ موجود في فضاء اللسان. كذلك ان المنطق شريعة الموجودات الذهنية الساكنة في الجنان، أي اللطيفة الربانية، الذين آدمهم النازل من اعلى الدماغ المسمى بالمعنى موجود في الجنان. ان الآدم للادم نسيب والشرع للشرع قريب. لأنهما كليهما وضع إلهي سائق لذوى العقول ممن في الجنان واللسان الى الصراط المستقيم. 2

_____________________

1 (لزومية او ادعائية) خبر مبتدأ محذوف أي هذه شرطية لزومية الخ.

(وبقاؤه لازم للخلقة) أي البقاء جزء للخلقة لان الوجود كما انه مستلزم لها ولولاها لم يوجد الوجود، كذلك البقاء مستلزم للخلقة ولولاها لم يكن البقاء. وايضاً البقاء تكرر الوجود ودوامه. فالوجود والبقاء كلاهما مستلزمان للخلقة، وجزآن لها. فالخلقة عبارة عن الايجاد والابقاء معاً. فالابقاء جزء لها كالوجود.

(والخلقة مستلزمة لنتيجتها وهي الانسان) نعم (لولاك لولاك لما خلقت الافلاك) يدل على ان الغاية من الخلقة ونتيجتها الحياة وذوو الحياة واشرفهم الانسان فهو نتيجة الخلقة.

(بما يذكر) أي في هذا الكتاب من القواعد.

(فمهما وجد فالمنطق كذا) هذه نتيجة لما أشار اليه الاستاذ من القياسات الكثيرة المطوية الغير المتعارفة.

2 (كما ان النحو الخ) حاصله: ان النحو والمنطق باحثان عن اللفظ والمعنى. أما اللفظ: فهو »آدم«، اي كالاب للمسائل النحوية، محله الخيال ومقر فعاليته اللسان.. واما المعنى فهو »حواء« أي كالاُم للمسائل المنطقية مسكنه القلب. كل منهما خادم لتشريع القواعد لتمييز الصحيح عن الفاسد. فبينهما مكافأة تامة. فاذا وصلا الى حد البلوغ يصعد المعنى من القلب إلى الخيال ويتزوج بما في خزينة الخيال من الالفاظ مايشاء ثم ينحدران الى اللسان فيتولد ويتناسل من اجتماعهما القواعد، وتصير تلك القواعد شريعة مبيّنة للحلال والحرام والصحيح والفاسد.

فتبيّن ان الانسان ماهو الا القلب واللسان كما قيل:

لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم







صيقل الإسلام/قزل إيجاز - ص: 175

فيعصم [1] الأفكار[2] عن غي الخطا وعن دقيق الفهم يكشف الغطا

فـهـاك [3] من اصـولـه قـواعـدا تـجـمـع من فنـونـه فـوائـدا



[1] أي ان راعى، وما دام لم تستخلف الطبيعة الصنعة. يشير إلى العلة الغائية ورسمه، وإلى جهة الحاجة وآليته. 1

[2] الفكر هو الكشاف لترتب العلل المتسلسلة في الخلقة للتقليد، فيحلل فيعلم، فيركب فيصنع. اي بتخريج السلسلة المتناتجة وتلقيحها. 2

[3] (فهاك) جزاء لما دلت عليه الفاء الجزائية. الجزاء هو الوجوب اللازم للامر عرفاً باقامة الملزوم مقام اللازم. وإلا فالامر انشاء لايلزم. 3



_____________________

1 (أي ان راعى) أي ان بنى صاحبُ الدليل ترتيبه على ما امر به المنطق.

(ولم تستخلف الخ) اي ولم يكن تصنيعه للدليل تابعاً لطبيعته وسليقته في الصحة والاستقامة. أي حاصلا منها بحيث ان لم يكن صاحب الدليل مراعياً للقواعد ايضا لم ينحرف دليله عن الصحة والاستقامة. وان كانت سلامة دليله ناشئة عن سليقته لاعن القواعد لايعد من المنطقيين.

2 (الفكر هو الكشاف) حاصله: ان الولد كما انه نتيجة علل مترتبة في الخلقة كالجد والاب ولابد لوجوده من تلك العلل، كذلك المعرف نتيجة علل مترتبة كالجنس البعيد والقريب والفصل لابد لمعرفته من وجود هذه العلل وترتيبها.

فالفكر مقلد الخلقة يحلل سلاسل العلل ويأخذ منها ما يناسب مطلوبه فيركب ويصنع ما يصنع.

(أي بتخريج السلسلة) اي بتحصيل المبادئ المناسبة للمطلوب وادخال بعضها في بعض. كادخال الحد الاصغر تحت الحد الاوسط وادخاله تحت الحد الاكبر.

3 (جزاء لما دل) تقديره: إذا كان المنطق عاصماً فهاك، أي خذ من قواعده الخ. . .

(الجزاء هو الوجوب عرفاً) إشارة إلى ما يردّ ما يرد وجه الورود، ان هاك أمر، والامر ليس بخبر، والجزاء لابد ان يكون خبراً حتى يكون ويصلح جزاء للشرط. والامر لكونه إنشاء لايكون باقيا فكيف يكون لازماً.

وجه الرد ان الامر مستلزم عرفاً للوجوب. فالامر ملزوم والوجوب لازم. وقد اقيم الملزوم مقام اللازم.

(تقديره إذا كان المنطق عاصما وجب الاخذ من قواعده) اي لزم لزوماً عرفياً كما يقال بين الناس: ينبغي ان تفعل كذا او لا ينبغي.

صيقل الإسلام/قزل إيجاز - ص: 176

سميته[1] بالسلم [2] المنورق يرقى به سماء علم [3] المنطق



[1] أيها الناظم! ليهنك القطوف الجواد الذي لايثقل الحاذ في تسميته ترسم تمثيلي. 1

[2] علم الشخص، لان المصباح المتمثل في المرايا الكثيرة مع انه الف واحد. 2

[3] المرسم بمقوى النطق اللفظي، ومسدد النطق الادراكي، ومكمل القوة النطقية. شعبات فصل الانسان 3.

_____________________

1 (ليهنك) مضارع هنأ محذوف اللام بجزم اللام تبريك وتهنئة لقطوف الناظم.

(وفي تسميته ترسم) اذ يستفاد من تسميته بالسلّم تشبيهه به. ويستفاد من التشبيه جعل السلّم الذي هو آلة للصعود الى الفوق مثالاً للتأليف. والايضاح بالامثلة رسم كما اشير اليه آنفاً. فالمراد من الرسم التعريف مطلقا لا الرسم الاصطلاحي.

2 (علم الشخص) كأنه قيل: ان امثال هذه الاسماء لإطلاقها على كثيرين، كليات ذوات جزئيات. فأشار الى الجواب، بأن الاسم اذا وضع باوضاع متعددة لاشخاص لا يقتضي الكلية، لان كلاً من اوضاعه لواحد لا لكثيرين. نعم، مع ان كون المصباح مرئياً في المرايا الكثيرة لا يخلّ وحدته لأنها صور لا ذوات.

3 (المرسم) صفة العلم. أي بهذا العلم يتقوى الانسان في نطقه اللفظي، ويتسدد في نطقه الادراكي، ويزداد في قوته العقلية. هذا اشارة الى ان الناطق الذي هو فصل الانسان متضمن لهذه النطوق الثلاثة. فالمرسم اي المعرف لا الرسم الاصطلاحي. .







صيقل الإسلام/قزل إيجاز - ص: 177

والله [1] أرجو ان يكون [2] خالصاً [3] لوجهه [4] الكريم ليس ناقصا



[1] التقديم يقوى جناح "خالصا". 1

[2] لان الاخلاص لا يكفي في حصول الخالصية، او لعدم الأمن من دسائس النفس. 2

[3] اذ لامناص بالنص الا في المستثنى الثالث في الحديث. 3

[4] هذا من أساليب التنزيل التنزيلية، المبني على النورانية كالشمس، مثلاً وجهها عين ذاتها، كما ان ذاتها عين وجهها. 4

_____________________

1 (التقديم يقوى) أي تقديم المفعول يفيد الحصر، وهو يرد توجيه الرجاء الى غيره تعالى فيحصل الخلوص به ايضا فيتكرر الخلوص فيتقوى.

2 (لان الاخلاص) اي الاخلاص مصدر من العبد، والخالصية اي الحاصل بالمصدر من الله تعالى. ولا لزوم بينهما. فليست الخالصية الا فضلا من الله تعالى فالتقديم للتقوية لازم.

3 (إلا في المستثنى الثالث في الحديث) وهو: هلك الناس الا العالمون هلك العالمون الا العاملون، هلك العاملون الا المخلصون.

4 (هذا) اي التعبير عن الله تعالى باضافة الوجه اليه.

(من الاساليب الخ) اي من التعبيرات التي استعملها القرآن تنزلاً للتقريب الى فهم البشر.

(كالشمس مثلا) اي بلا تشبيه. اي ان الشمس كما أنها لكونها نورانية لايفرق بين ذاتها ووجهها، بل كلاهما واحد.. كذلك وجه الله تعالى عين ذاته وذاته عين وجهه. فمتى أُضيف الوجه اليه تعالى يُراد الذات. اي يكون الاضافة من قبيل اضافة المسمّى الى الاسم. فلا إشكال.

محمد محمود فرج
18-04-2005, 08:52
ها هو الكتاب كاملا