المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ‏شرح جوهرة التوحيد للعلامة الشيخ إبراهيم الباجوري



AHMED MOHAMED
16-04-2005, 23:15
بسم الله الحمن الرحيم
بمناسبة ذكري مولد سيدنا ومولانا محمد صلي الله عليه وسلم أهدي إليكم سادتي الكرام ‏شرح جوهرة التوحيد للعلامة الشيخ إبراهيم الباجوري من موقع المحدث
سلوا الله لي أن أتم نقله علي الوورد من موقع المحدث
‏شرح جوهرة التوحيد للعلامة الشيخ إبراهيم الباجوري
مقدمة.
بسم الله الرحمن الرحيم.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله، حمداً يوصلنا إلى حقيقة توحيده، والشكر على إنعامه وإفضاله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النور المبين، الداعي إلى توحيد الملك الخلاق والذي جاءنا بأتم مكارم الأخلاق وأزال الله بدعوته ظلمات الشرك وظلم الإنسان لأخيه، وجمع الله عليه - بما منحه من التواضع وحسن السيرة - قلوب أصحابه وتابعيه، ودعانا للإيمان بالله والرغبة فيه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، لنكون من الفائزين برضوانه وقربه في الدنيا والآخرة وعلى آله وأصحابه الذين آمنوا به وبأخوانه المرسلين، وجاهدوا في سبيل الله لإعلاء كلمته، رغبة في الآخرة بدخول جنته، وسلم تسليماً.
أما بعد: فإن رسوخ العقيدة الإسلامية في قلب المؤمن هي السعادة العظمى في الدنيا والآخرة، لأنها مبنية على توحيد الخالق والإيمان به وبرسله الذين جاءوا منقذين للبشر من أهوائهم وضلالاتهم.
هذا وإن من أجل فوائد علم التوحيد نفيه الشكوك والشبه وما ذهب إليه علماء الطبيعة والفلاسفة، وبذلك يعطي النفس راحة واطمئناناً في الحياة ولدينا من الأدلة والبراهين على ما جاء به الإسلام من صحة العقيدة بوحدانية الله في ذاته وصفاته وأفعاله بما نراه من الآثار الكونية ونظامها البديع المتناسق، الذي يدل على عظمة الخالق وقدرته، فإن المتحقق بحقيقة التوحيد يدفعه تحققه إلى طاعة ربه وتقواه لأن التقوى هي سبب محبة الله لعبده فلا شك أن الله إذا أحبه يتولاه ويكلؤه بعنايته كما جاء في الحديث "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به إلى آخر الحديث" وقال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له فرقانا} يستبين به العبد طرق الهداية وسبل الرشاد وقال تعالى: { ومن يتق الله يجعل له نورا يمشي به في الناس} ومن ثمرة نور التقوى التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والإيقان بما عند الله من الكرامة للموقنين، وهل رأيت موقناً فاقداً لهذا النور؟ وقال ابن عطاء الله "إذا أشرق عليك نور اليقين رأيت الآخرة أقرب إليك من أن ترحل إليها" ولا يحصل الإيقان إلا بإطلاق عنان العقل في هذا الملك والملكوت وصحبة أهل التقوى واليقين، فإن البيئة ليست إلا ممحصة ومطهرة للقلب من الأوباء والشهوات وتحت ظلال التمحيص والتطهير يتربى الإيمان ويترعرع ويثمر اليقين الذي لا يمكن أن يحل في هذا القلب مع وجود الشكوك والشهوات، ولا شيء أحرق للشهوات من الشوق والحنين إلى الله تعالى والخوف منه كما جاء في الحكم العطائية "لا يخرج الشهوة من القلب إلا خوف مزعج أو شوق مقلق" ولا خوف ولا شوق ولا حنين إلا بالمعرفة الصحيحة التي تنفتح بها البصيرة على الله ويسقط كل حجاب ويغدو الكون مظهراً لتجلي أسماء الله تعالى وصفاته. المعرفة التي تشهد معنى قوله تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} وتشهد أيضاً أن {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وأنه {الْحَيُّ الْقَيُّومُ}. المعرفة التي عناها ابن عطاء الله حيث قال "الكون كله ظلمة وإنما أناره ظهور الحق فيه، فمن رأى الكون ولم يشهده عنده أو قبله أو بعده، فقد أعوزه وجود الأنوار، وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار" المعرفة التي استنارت بالعزوف عن اللذات وإسهار الليل وإظماء النهار وسقتها دموع الندامة على ما فات، ودموع الشوق لما هو آت، ورعتها بيئة هدر لسانها لذيذ التسبيح، وأنين التوبة في محراب السحر حتى تلألأت أنوار التوبة على التائبين والعطاء للسائلين والإجابة للداعين مع ثمرات القبول.
ولعلك تقول وهل في الوجود مثل هذه البيئة التي ذكرتها؟ نعم فإن طائفة الحق ظاهرة حتى الساعة، فإن لم تعثر عليها فكن أنت أول وافد على الله، مقبل عليه لائذ بجنابه وسيقفو إثرك ثان وثالث. حتى يجمع الله القلوب على توحيده وما ذلك على الله بعزيز.
وهذا الكتاب الذي بين أيدينا بحث العقيدة بحثاً فكرياً وأثبتها إثباتاً اعتمد على النقل والعقل، وقد بذل ما في الوسع لإخراجه كتاباً مبسطاً سهلاً يستطيع المسلم به تعلم أمور العقيدة فيخرج من التقليد في الإيمان ويستطيع أن يرد ما يعترضه من شبهات تلقى من شياطين الإنس والجن. وقد بسطنا البحث في بعض مسائل الكتاب لشدة خطرها وعظيم شأنها وذكرنا الأحاديث مسندة إلى مخرجيها والآيات مرقمة، واعتمدنا في شرحنا على شرح شيخ الإسلام الشيخ إبراهيم الباجوري رحمه الله تعالى فحذفنا ما فيه من لغة ونحو وبلاغة، وأضفنا إليه ما وجدناه مناسباً للبحث من كتب أخرى أشرنا إليها في أماكنها.
وقد تكرم فضيلة الشيخ عبد الكريم الرفاعي حفظه الله تعالى على قلة فراغه وكثرة أعماله بمراجعة الكتاب والتقديم له مما يجعلنا مطمئنين إلى أنه بات خالياً من الأوشاب والأخطاء، ولئن ظهر - بعد كل هذا - خطأ غير متعمد فقد أبى الله أن يعصم منه إلا كتابه الكريم.
وختاماً نسأله سبحانه وتعالى أن يكلأنا بحفظه ورعايته ويرعانا من مضلات الفتن ومدلهماتها. وأن ينفعنا بما علمنا إنه سميع قريب مجيب. والحمد لله رب العالمين.‏

بسم الله الرحمن الرحيم.
بسم الله الرحمن الرحيم
وابتدأ المؤلف بالبسملة اقتداءً بالكتاب العزيز، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر". أي ناقص وقليل البركة، فهو وإن تم حِسّاً فلا يتم معنى، والأمر ذو البال هو ما يهتم به شرعاً شريطة ألا يكون من سفاسف الأمور (كلبس النعل والبصاق وهلم جرا) وألا يكون محرماً لذاته (كالسرقة والزنا) ولا مكروهاً لذاته، ولا ذكراً محضاً (كالهيللة والحمدلة والحوقلة) ولا مما جعل له الشارع مبدأ غير البسملة (كالصلاة فإن مفتاحها التكبير) فتحرم التسمية في المحرم لذاته وتكره في المكروه، ولا تسن في السفاسف ولا في الذكر المحض أما غير المحض (كتلاوة القرآن الكريم) فتسن، لاشتمال القرآن على التشريع الناظم لشؤون الحياة في كافة ميادينها، وغيره، وأما غير المحرم لذاته (كالوضوء بماء مغصوب) فلا تحرم، وغير المكروه لذاته (كأكل البصل) فلا تكره.

-واعلم أن الابتداء على ضربين: حقيقي: وهو الابتداء بالشيء أمام المقصود بحيث لا يتقدم على ذلك الشيء شيء ما، وإضافي: وهو الابتداء بالشيء أمام المقصود سواء تقدم على ذلك الشيء شيء آخر غير المقصود أم لم يتقدم، فحملت البسملة على الابتداء الحقيقي كما حملت الحمدلة في حديثه صلى الله عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أبتر" على الإضافي، لذا قال الناظم بعد أن سمى: "الحمد لله على صلاته" واستند في حمله هذا على القرآن الكريم، لأنه ابتدأ ابتداءً حقيقياً بالبسملة وإضافياً بالحمدلة.
-ولما كانت الباء من حروف المعاني اختلف العلماء في تحديد معناها، فقيل هي للمصاحبة على وجه التبرك، ولا يسوغ جعلها للاستعانة، لأن الاستعانة إنما تكون بذات الله سبحانه وليس بأسمائه، ولأن باء الاستعانة إنما تدخل على الآلة كما في "كتبت بالقلم" فيكون اسم الله مقصوداً لغيره، وفيه سوء أدب * وقيل: هي للاستعانة على وجه التبرك، ورد القائلون بهذا على ما ورد: بأنه لا مانع من الاستعانة بالأسماء كما يستعان بالذات، كيف وقد ورد في الحديث الشريف "وإذا استعنت فاستعن بالله".
وأن معنى الاستعانة باسمه تعالى أن الأمر المشروع فيه لا يتم على وجهه الأكمل، إلا باسمه تعالى * والاسم هو ما دل على مسمى، فإن أريد به مدلوله كان عين مسماه، وهو مشتق إما من السمو، لعلوه على مسماه، أو من السمة لكونه علامة على مسماه * والله: علم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، وهو علم لا بالغلبة، واختار الجمهور أنه اسم الله الأعظم، وإنما تخلفت الإجابة عند الدعاء به من بعض الناس لتخلف شروط الإجابة التي من أجلها أكل الحلال، واختار النووي أنه الحي القيوم.
-الرحمن الرحيم: صفتان مشبهتان اشتقتا من الرحمة، لا بمعناها الأصلي الذي هو: رقة في القلب تقتضي التفضل والإحسان، لاستحالة ذلك في حقه سبحانه، وإنما بمعنى الإحسان أو إرادته، فهما بمعنى المحسن أو مريد الإحسان، لكن "الرحمن" بمعنى المحسن بجلائل النعم، "والرحيم" بمعنى المحسن بدقائقها، وإنما جمع بينهما إشارة إلى أنه لا ينبغي أن تطلب النعم إلا منه تعالى، سواء كانت بسيطة أو عظيمة، فكلاهما منه وحده. ولقد كان الصحابة رضي الله عنهم يسألون الله كل شيء حتى شراك النعل.‏

AHMED MOHAMED
16-04-2005, 23:21
-1 الحمد لله على صِلاته *** ثم سلام الله مع صَلاتِهِ.

-1 الحمد لله على صِلاته *** ثم سلام الله مع صَلاتِهِ
الحمد لله: الحمد لغة: وهو الثناء بالكلام على الجميل الاختياري على جهة التعظيم والتبجيل، سواء كان في مقابلة نعمة أم لا * والمدح لغة: هو الوصف بالجميل على الجميل مطلقاً، لا فرق في كونه اختيارياً أو اضطرارياً، ولا فرق في كون الممدوح من ذوي العلم أو لا، كما في مدح الجوهرة لصفاء لونها، ولا فرق في كونه في مقابلة نعمة أو لا * والشكر لغة: هو فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث كونه منعماً على الشاكر أو غيره سواء كان ذلك قولاً أو اعتقاداً أو عملاً بالجوارح، فهو أعم من سابقيه لكونهما لا يتعديان الكلام، وهو قول وفعل واعتقاد، وأخص من سابقيه بأنه لا يكون إلا مقابلة نعمة من المشكور، سواء أعادت على الشاكر أو على غيره، وهما يكونان في نعمة وغيرها.
-والثناء لغة : هو فعل ما يشعر بتعظيم المثنى عليه، ولم يشترط فيه كونه في مقابلة نعمة، فهو أعم الجميع.
-وقد اشتهر أن الحمد عرفاً : هو نفس الشكر لغة، والشكر عرفاً هو: "صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه به فيما خلق من أجله" * والحمد إما أن يكون قديماً، كحمده تعالى نفسه أو حمده تعالى رسله وعباده الصالحين، أو يكون حادثاً، كحمدنا لله سبحانه أو حمد بعضنا لبعض * وأل في الحمد إما للاستغراق، أو للجنس أو للعهد. واللام في الله إما للاستحقاق أو للاختصاص، ويجوز للملك إن لم نجعل أل عهدية، لئلا يترتب تمليك الحمد القديم، وهو لا يملك، فإن جعلنا المعهود حمد من يعتد بحمده ساغ.
- على صلاته : الصلات جمع صلة، وهي العطية، والحمد على الصلات إما بمعنى العطايا فيكون حمداً على الصفة بواسطة، أو بمعنى الإعطاء، وهو أولى، لأنه حمد على الصفة بلا واسطة.
-ثم سلام الله : أي تحيته اللائقة به صلى الله عليه وسلم بحسب ما عنده تعالى كما تشعر به إضافته له تعالى، فالمطلوب تحية عظمى بلغت الدرجة القصوى وتكون أعظم التحيات لأنه صلى الله عليه وسلم أعظم المخلوقات * والمراد بالتحية أن يسمعه كلامه القديم الدال على رفعة مقامه العظيم. ولم يرتض بعضهم تفسير السلام بالأمان، لأنه ربما أشعر بمظنة الخوف مع أن أتباعه {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. نعم يخاف صلى الله عليه وسلم لكنه خوف مهابة وإجلال لذلك قال: "إني لأخوفكم من الله".
-مع صلاته : أي رحمته المقرونة بالتعظيم ، وهذا هو اللائق بالمقام، وقيل: هي مطلق الرحمة سواء قرنت بالتعظيم أم لم تقرن، وهذا بيان للصلاة مع قطع النظر عن المقام.
- وفسر الجمهور الصلاة " بأنها من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار ومن غيرهم- ولو حجراً أو مدراً أو شجراً- التضرع والدعاء، فقد ورد أنها صلت عليه صلى الله عليه وسلم مع أن المشهور سلامها فقط ، وإن شئت قلت : هي من الله الرحمة ومن غيره الدعاء.
-واختلف العلماء في انتفاعه صلى الله عليه وسلم بصلاتنا عليه، فقيل: ينتفع كباقي الأنبياء، لكن لا ينبغي التصريح بذلك إلا في مقام التعليم، وقيل : المنفعة تعود للمصلي، لأنه صلى الله عليه وسلم أفرغت عليه جميع الكمالات، ورد بأنه ما من كمال إلا وعند الله أكمل منه. والكامل يقبل الزيادة في الكمال * وغاية الأمر أنه لا ينبغي للمصلي أن يلاحظ انتفاعه صلى الله عليه وسلم بل نلاحظ أنه يتقرب بالصلاة إلى الله تعالى.
-ملاحظة : قال النووي: يستحب الحمد في ابتداء الكتب المصنفة ودرس المدرسين وقراءة الطالبين بين يدي معلميهم، وأحسن العبارات "الحمد لله رب العالمين".
-فائدة: إن إثبات الصلاة والسلام في صدر الكتب والرسائل حدث في ولاية بني هاشم، ثم مضى العمل على استحبابه، ومن العلماء من يختتم بهما كتابه.‏

-2 على نبيٍ جاء بالتوحيد *** وقد خلا الدينُ عن التوحيد.

-2 على نبيٍ جاء بالتوحيد *** وقد خلا الدينُ عن التوحيد
على نبي: النبي مشتق من النبأ أي الخبر، فهو بمعنى مخبر عن الله إن كان مع نبوته رسولاً، أو مخبر عن حال نفسه إن لم يكن رسولاً ليحترمه الناس وفي كلا الحالين ينزل عليه ملك الوحي يخبره عن الله تعالى، فعلى هذا هو مخبر * أما لو قلنا: إنه مشتق من النبوة أي الارتفاع، فبمعنى رافع ومرفوع، لأنه رافع لشأن من اتبعه على غيره ممن لم يتبعه، قال تعالى: {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا} ولأنه مرفوع المنزلة.
-وقد عبر المصنف بلفظ النبي ولم يعبر بالرسول للآية الكريمة: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ}.
وإشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم يستحق الصلاة والسلام بعنوان النبوة التي هي أعم من الرسالة، فيكون مستحقاً لها بعنوان الرسالة من باب أولى، فإن الرسالة حيث وجدت وجدت النبوة، ولا عكس
-وعرّفوا النبي بأنه : إنسان ذكر، حر، سليم عن المنفر طبعاً، أوحي إليه بشرع يعمل به، وإن لم يؤمر بتبليغه، والرسول يعرف بهذا إلا أننا نقول: وأوحي إليه بشرع يعمل به وأمر بتبليغه.
-وبناء على التعريف السالف يخرج الجن والملائكة وبقية الحيوانات والإناث، وكفر من قال: إن معنى قوله تعالى : {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ}. أن في كل جماعة من الحيوانات رسولاً * والقول بنبوة مريم وآسية وحواء وأم موسى وهاجر وسارة مرجوح، قال صاحب "بدء الأمالي" وما كانت نبياً قط أنثى * ولقمان لم يكن نبياً بل تلميذ الأنبياء.
-ومن كان فيه منفر كعمى وبرص وجذام فلا يكون نبياً ولا رسولاً، وأما بلاء أيوب وعمى يعقوب فهما أمران ظاهريان، أو أنهما حصلا بعد تقرر النبوة، والكلام فيما قارنها، وأما قوله تعالى : {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ}. فمعناه ألم يأتكم رسل من بعضكم أي الإنس، وأما قوله تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً}. فمعناه يصطفي سفراء بينه وبين أنبيائه ليبلغوهم عنه سبحانه شرائعه وأحكامه * وقد اختلف في عدد الأنبياء والرسل فقيل: مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، وثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً، لكن الأسلم أن نمسك عن ذلك، لقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ}.
-جاء بالتوحيد: المراد بالمجيء الإرسال، والمراد بالنبي المرسل نبينا صلى الله عليه وسلم، والجملة المخصصة بأن نبينا هو المراد قوله: "وقد خلا الدين عن التوحيد" لأنه لم يأت نبي بالتوحيد في حال خلو الدين عنه إلا هو صلى الله عليه وسلم * وقد أرسله الله تعالى على رأس الأربعين سنة إلى جميع المكلفين من الإنس والجن، أما الملائكة فقد أرسل إليهم إرسال تشريف، لأن طاعتهم جبلية لا يكلفون بها، هذا ما اعتمده الرملي في شرح المنهاج * وكونه صلى الله عليه وسلم مرسلاً لكافة الإنس والجن مجمع عليه، ومعلوم من الدين بالضرورة، فيكفر منكره * والتعبير برأس الأربعين يفيد أنه بعث عند استكمالها من غير زيادة ولا نقصان، وهو الصحيح الذي عليه الجمهور. والصحيح أن نبوته ورسالته صلى الله عليه وسلم مقترنتان * وإنما كان الإرسال على رأس الأربعين لأنه العادة المستمرة في معظم الأنبياء، أو جميعهم، كما جزم به كثيرون، منهم شيخ الإسلام في حواشي البيضاوي: وإنما استدلوا بالعادة المستمرة، ولم يستدلوا بحديث: "ما نبئ نبي إلا على رأس الأربعين سنة". لعد ابن الجوزي له في الموضوعات. وذكر العلامة الشيخ الأمير والعلامة الشيخ الشنواني: أن الحق هو أن هذا السن غالب فقط في النبوة، وإلا فقد نبئ عيسى ورفع إلى السماء وكان عمره ثلاثاً وثلاثين سنة، ونبئ يحيى صبياً، بناء على أن الحكم الذي أوتيه صبياً هو النبوة. لكن ذكر في حواشي التفسير نقلاً عن المواهب: أن هذا خلاف التحقيق، وقالوا: الصحيح أن عيسى ما رفع إلا بعد مضي ثمانين سنة من النبوة، وبعد نزوله من السماء يعيش أربعين سنة.
-أما قوله تعالى عن يحيى : {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً}. فالمراد بالحكم العلم والمعرفة لا النبوة، وأما قوله عن عيسى: {آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً}. فمعنى جعلني: سيجعلني، ومعنى آتاني: سيؤتيني، كما في قوله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ}. بمعنى سيأتي * وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بطلب التوحيد. والتوحيد لغة هو العلم بأن الشيء واحد وشرعاً هو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته والتصديق بها ذاتاً وصفاتا وأفعالاً فليس ثمة ذات تشبه ذاته تعالى، إذ لا تقبل ذاته الانقسام لا فعلاً ولا وهماً ولا فرضاً مطابقاً للواقع، ولا تشبه صفاته الصفات، ولا تعدد فيها من جنس واحد بأن يكون له تعالى قدرتان أو علمان مثلاً.
ولا يدخل في أفعاله الاشتراك، إذ لا فعل لغيره سبحانه خلقاً أو إيجاداً، وإن نسب إلى غيره كسباً واكتساباً * وقيل: التوحيد هو إثبات ذات غير مشبه للذوات ولا معطلة عن الصفات * وخص الناظم التوحيد بالذكر - مع أنه صلى الله عليه وسلم أتى بنظام شامل للحياة كلها - لأنه أشرف العبادات ويليه الصلاة * وله تعريف شرعي بأنه علم يقتدر به على إثبات العقائد الدينية من أدلتها اليقينية * وموضوعه ذات الله تعالى من حيث ما يجب له وما يستحيل له وما يجوز في حقه وذات الرسل كذلك، والممكنات من حيث إنه يتوصل بها إلى وجود صانعها، والسمعيات من حيث اعتقادها * وثمرته معرفة الله تعالى بالبراهين القطعية والفوز بالسعادة الأبدية * وفضله أنه أشرف العلوم لكونه متعلقاً بذات الله تعالى وذوات رسله فهو أصل لما سواه، والذي حرر أدلته وألف كتبه ورد الشبه عنه أبو الحسن الأشعري ومن تبعه وأبو منصور الماتريدي ومن تبعه. وقد أتى بالتوحيد كل نبي من لدن آدم عليه الصلاة والسلام * وسمي علم التوحيد لأن مبحث الوحدانية أشهر مباحثه، ويسمى علم الكلام أيضاً * واستمد من الأدلة العقلية والنقلية * وأما حكم الشارع فيه فالوجوب العيني على كل مكلف من ذكر أو أنثى * وأما مسائله فهي قضاياه الباحثة عن الواجبات والجائزات والمستحيلات.
-وعبارته "قد خلا الدين عن التوحيد" : تقتضي أن ما عليه عبدة الأصنام سمي ديناً، وهو كذلك، لأن الدين ما يتدين به، ولو باطلاً. كما دل له قوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ}.
-ويطلق الدين لغة على عدة معان منها الطاعة، والعبادة، والجزاء، والحساب، واصطلاحاً : هو ما شرعه الله تعالى على لسان نبيه من الأحكام. * وسمي ديناً: لأننا ندين له وننقاد، وملة: من حيث إن الملك يمليه على الرسول وهو يمليه عليناً، وشرعاً وشريعة: من حيث إن الله قد شرعه لنا أي بينه على لسان نبيه، فالله تعالى هو الشارع حقيقة في كل ما يأتينا به النبي، "ولما كان القرآن الكريم منزلاً على النبي صلى الله عليه وسلم كان النبيّ طريقاً في البيان فأسند إليه الشرع بمعنى تبيين الأحكام".
-والأحكام الفقهية الاجتهادية: من الدين قطعاً، وهي موضوع إلهي غاية الأمر أنه يخفى علينا، والمجتهدون يعانون إظهارها والاستدلال عليها بقواعد الشرع، ولا دخل لهم في وضعها البتة.‏

-3 فَأْرْشَدَ الخَلْقَ لِدِيْنِ الحقِّ *** بِسَيْفِهِ وَهَدْيِهِ لِلْحّقِّ.

-3 فَأْرْشَدَ الخَلْقَ لِدِيْنِ الحقِّ *** بِسَيْفِهِ وَهَدْيِهِ لِلْحّقِّ
فأرشد الخلق: أي جاء بالتوحيد فأرشد الخلق بسيفه، ويقتضي أنه أرشد بالسيف عقب الإرسال، لأن الفاء تقتضي التعقيب مع أنه لم يشرع الجهاد إلا في صفر من السنة الثانية للهجرة، كما نبه عليه في السيرة الحلبية. وأجيب بأن التعقيب في كل شيء بحسبه، تقول: جاء فسلم، وتزوج فولد له ولد، أو يجاب بأن الفاء بمعنى ثم أي تفيد الترتيب والتراخي كقوله تعالى: {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى، فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى}- ومعنى الإرشاد إما تصييرهم راشدين، فيكون خاصاً بمن آمن، أو بمعنى الدلالة لهم على الهداية، فيكون عاماً بمن آمن وبمن لم يؤمن. والخلق: جميع الثقلين الإنس والجن إجماعاً، وكذا الملائكة بناء على أنه مرسل إليهم إرسال تكليف خلافاً للراجح من أنه إرسال تشريف.- وإنما استقام العموم في الخلق مع أنه صلى الله عليه وسلم لم يرشد من لم يجتمع به لكون الإرشاد أعم من أن يكون بنفسه أو بواسطة، كمن جاء بعده أو كان في زمنه ولم يجتمع به، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع".
-لدين الحق : الحق هنا، هو اسم الله تعالى، ومعناه المتحقق وجوده دائماً وأبداً بحيث لا يسبقه عدم ولا يلحقه عدم.
-بسيفه : السيف هو آلة الجهاد التي يباح قتال الحربيين بها حتى الحجارة، فقد رمى صلى الله عليه وسلم بالحجر يوم أحد. وقد كان له سيوف متعددة، منها المأثورة، وهو أول سيف ملكه إذ ورثه عن أبيه، ومنها القضيب، وذو الفقار، وقد دفع لعكاشة جزل حطب حين انكسر سيفه يوم بدر، وقال: اضرب به، فعاد في يده سيفاً صارماً طويلاً أبيض شديد المتن فقاتل به * والمراد بالسيف هنا السيف الذي جاء بمشروعية مقاتلة أعداء الله، سواء كان بيده، أو بيد من تبعه، ولو إلى يوم القيامة. وقد أرشد النبيّ الخلق لدين الله حال كونه متلبساً بسيفه، لأن الإرشاد والدلالة ليسا بالسيف قطعاً بل باللسان.
-وهديه للحق : حمل بعضهم الهدي على القرآن الكريم والسنة الشريفة، فقد كان صلى الله عليه وسلم يراسل الناس أولاً بالقرآن والدعوة للإسلام، فإن أجابوا للإسلام فظاهر، وإلا أعلمهم بالتهيؤ للجهاد. وهكذا خلفاؤه وأصحابه من بعده * وقد قدم الناظم السيف على الهدي مع أن الهدي سابق على الجهاد - بل لم يتوان الرسول صلى الله عليه وسلم لحظة واحدة عن أن يبلغ منذ ابتعثه الله سبحانه - لأن للجهاد أهمية عظمى، ولأن ما جاء به لا يظهر إلا بالجهاد خصوصاً في مبدأ دعوته.‏

AHMED MOHAMED
16-04-2005, 23:26
-4 مُحمدُ العاقِبْ لرُسْلِ رَبِّهِ **** وآلِهِ وصَحْبِهِ وحِزْبِهِ.

-4 مُحمدُ العاقِبْ لرُسْلِ رَبِّهِ **** وآلِهِ وصَحْبِهِ وحِزْبِهِ
محمد: علم منقول من اسم مفعول المضعف، (حُمِّد) فهو أبلغ من محمود، والرسول صلى الله عليه وسلم أجل من حمد وأعظم من حمد. وهذا الاسم أشرف أسمائه، وهي توقيفية باتفاق، أما أسماؤه تعالى ففيها خلاف، والراجح أنها توفيقية، والحكمة في ذلك أنه صلى الله عليه وسلم بشر فربما تسوهل في شأنه فأطلق عليه ما لا يليق، فسدت الذريعة باتفاق، وأما مقام الألوهية فلا يتجاسر عليه أحد، فلذلك قيل بعدم التوقيف * والمسمي له صلى الله عليه وسلم بذلك الاسم جده على الصحيح، وقيل: أمه، وجمع بأنها أشارت عليه بالتسمية بسبب ما رأته من أن شخصاً يقول لها: فإذا ولدته فسميه محمداً فلما أخبرته بذلك سماه محمداً رجاء أن يحمد في السماء والأرض، وقد حقق الله تعالى رجاءه كما سبق في علمه تعالى * والمسمي له به حقيقة هو الله تعالى لأنه أظهر اسمه قبل ولادته في الكتب السماوية، فهو بتوقيف شرعي، قال تعالى على لسان السيد المسيح: {وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}.
-العاقب : إنما كان صلى الله عليه وسلم العاقب لرسل ربه ليكون شرعه ناسخاً للشرائع التي قبله، ولأنه الثمرة العظمى، إذ هو المقصود من هذا العالم، والثمرة في الأشياء لا تأتي إلا آخرها، ولا ينافي نزول السيد المسيح في آخر الزمن، لأنه سيحكم بالإسلام.
-وكما أنه خاتم للرسل هو خاتم للأنبياء، وقد اقتصر المصنف على ذكر الرسل دون الأنبياء وهو يريد العاقب لرسل ربه وأنبيائه على حد قوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ} أي والبرد، واقتصر على ذكر الرسل - مع أنه لا يلزم من ختم الأخص الذين هم الرسل ختم الأعم الذين هم الأنبياء - حملاً على قول السعد من تساوي الرسول والنبي * وإنما اختار التعبير بالرسل لأنه أمدح: فإن الرسالة أشرف من النبوة لجمعها بين الحق والخلق خلافاً للعز بن عبد السلام في قوله: إن النبوة أفضل لأن فيها انصرافاً من الخلق إلى حضرة الحق، والرسالة فيها انصراف من حضرة الحق إلى الخلق، ورد هذا التفضيل: بأن الرسالة فيها الجمع بينهما.
-ربه: أي خالقه أو مالكه أو نحو ذلك من معاني الرب.
-وآلِه : أي وسلام الله مع صلاته على آله. والآل له معان باعتبار المقامات، ففي الدعاء - كما هنا - كل مؤمن ولو عاصياً، وفي المدح كل مؤمن تقي أخذاً مما ورد: "آلُ محمدٍ كلُّ تقيٌ" وإن كان ضعيفاً، وأما: "أنا جَدُّ كلِّ تقِّيٍ". فلم يرد.
-وفي مقام الزكاة بنو هاشم وبنو المطلب عندنا معاشر الشافعية، وبنو هاشم فقط عند السادة المالكية والحنابلة، وخص الحنفية فرقاً خمساً "آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس وآل الحارث" * والصلاة على غير الأنبياء والملائكة تبعاً جائزة اتفاقاً، بل مطلوبة للنهي عن الصلاة البتراء، وهي التي لم يذكر فيها الآل * أما الصلاة استقلالاً فقيل بمنعها، وقيل بكراهتها، وقيل بأنها خلاف الأولى والأصح الكراهة.
-وصحبه : خصهم مع دخولهم في الآل بالمعنى الأعم لمزيد الاهتمام. والصاحب لغة: من طالت عشرتك به، والمراد هنا الصحابي وهو: من اجتمع بنبينا صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، بعد البعثة، في محل التعارف، بأن يكون على وجه الأرض، وإن لم يره، أو لم يَرْوِ عنه شيئاً، أو لم يميز على الصحيح، وأما قولهم: "ومات على الإسلام" فهو شرط لدوام الصحبة، لا لأصلها. فإن ارتد (والعياذ بالله) ومات مرتداً، فليس بصحابي، كعبد الله بن خَطَلْ، وأما من عاد إلى الإيمان كعبد الله بن أبي سرح فتعود له الصحبة، لكن مجردة من الثواب عندنا معاشر الشافعية. واشتهر أنها لا تعود عند المالكية، لكن المصرح به في كتبهم التردد. وفائدة عودها التسمية والكفاءة، فيسمى صحابياً، ويكون كفؤاً لبنت الصحابي * ويدخل في الصحابي عبد الله بن أم مكتوم أحد المؤذنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحو ابن أم مكتوم من العميان، وتدخل الملائكة الذين اجتمعوا به صلى الله عليه وسلم في الأرض. وعيسى عليه الصلاة والسلام آخر الصحابة من البشر الظاهرين، وأما الملائكة فباقون إلى النفخة.
-وحزبه : أي جماعته. والحزب الجماعة الذين أمرهم واحد في خير أو في شر، ومنه قوله تعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} والظاهر أن المراد به هنا من غلبت ملازمته له صلى الله عليه وسلم لأنهم أخص من الصحب الذين هم أخص من الآل، ويحتمل أن يراد به أتباعه مطلقاً، سواء كانوا في عصره أم لا، وهو الأولى، لما فيه من التعميم، ولا يغني عنه الآل لتخصيص بعضهم له بالأتقياء.‏

-5 و بعدُ فالعلمُ بأصلِ الدينِ **** محتُمٌ يحتاجُ للتَّبيينِ.

-5 وبعدُ فالعلمُ بأصلِ الدينِ **** محتُمٌ يحتاجُ للتَّبيينِ
وبعد فالعلم: أي وبعد البسملة والحمدلة والصلاة والسلام فأقول: إن العلم بأصل الدين محتم * والعلم هو إدراك الشيء بحقيقته، كما قاله الراغب، وهو كقول شيخ الإسلام: إدراك الشيء على ما هو به، ويطلق حقيقة عرفية: أولاً - على القواعد المدونة. وثانياً - على الملكة التي يقتدر بها على إدراكات جزئية، والمراد هنا الأول بدليل الحكم عليه بالتحتم، فتكون حقيقة علم التوحيد على هذا: هي قواعده المدونة التي تشمل الإلهيات والنبويات والسمعيات * ويقابله الجهل، وهو بسيط ومركب، أما البسيط فعدم العلم بالشيء عما من شأنه العلم، والمركب: هو إدراك الشيء على خلاف ما هو عليه في الواقع، وسمي مركباً لاستلزامه جهلين، جهلاً بالشيء وجهلاً بجهله * والتعبير بالعلم بأصل الدين يشعر بمدح هذا الفن لابتناء الدين عليه، إذ كل أعمال الإسلام بمثابة الثمرة للتوحيد وقد ختم الشارع الحكيم هذا العلم وأوجبه، ولم يرخص بتركه فقال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} فيجب على كل مكلف من ذكر أو أنثى وجوباً عينياً معرفة كل عقيدة بدليل، ولو إجمالياً، وأما معرفتها بالدليل التفصيلي ففرض كفاية، فيجب على أهل كل قطر يشق الوصول منه إلى غيره أن يكون فيهم من يعرفها بالدليل التفصيلي، لأنه ربما طرأت الشبهة فيدفعها * وبعضهم أوجب الدليل التفصيلي وجوباً عينياً، وفيه تضييق لرحمة الله الواسعة، وجعل الجنة مختصة بطائفة يسيرة، فالحق أن الواجب وجوباً عينياً إنما هو الدليل الإجمالي، وهو المعجوز عن تقريره وحل شبهه، أما الدليل التفصيلي فهو المقدور على تقريره وحل شبهه * فإذا قيل لك (ما الدليل على وجود الله تعالى) فقلت: هذا العالم، ولم تعرف جهة الدلالة فيه معرفة مصحوبة بذكرها على الوجه المعتبر عند المناطقة فهو دليل جملي، وكذلك إذا عرفت جهة الدلالة فيه، ولم تقدر على حل الشبه الواردة عليها، أما إذا عرفت جهة الدلالة معرفة مصحوبة بتقريرها على الوجه المعتبر وقدرت على حل الشبه فهو دليل تفصيلي * فإذا قيل لك ما الدليل على وجوده تعالى؟ فقلت: هذا العالم، وعرفت جهة الدلالة، وهي الحدوث أو الإمكان، وقدرت على حل الشبه فيهما فهو دليل تفصيليّ، فتقول في تقريره: إما إن العالم حادث، وكل حادث لابد له من محدث. أو إن العالم ممكن وجوده، وعدمه، وكل ممكن لابد له من مرجح يخرجه من العدم إلى الوجود، أو بالعكس، والمرجح هو الصانع، إذاً فالعالم له صانع * لأن العالم قد سبقه العدم، وكل ما سبقه عدم فهو حادث، مهما تقادم عليه العهد، وخروجه من العدم إلى الوجود لا يكون إلا بمخرج، لأن العدم لا ينتج شيئاً. وقد قال الله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً} وقال أيضاً: {أَوَلاَ يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْئاً}. وجاء في صحيح البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال: "كان الله ولم يكن شيء غيره". ففي كل هذا لفتٌ رائع إلى أن الأكوان كانت في ثنايا العدم، غارقة في لججه، ولم يكن إلا الله الواجب الوجود، فيا عجباً كيف يسوغ في العقول أن الكون لا يحتاج لمحدث، مع أن كل شيء فيه يشهد عليه، ويرفض إلا الإشارة إليه؟ بل كيف يسوغ في بعضها أن الله تعالى الذي لا بداية لوجوده يحتاج لموجد؟! فترى بعضهم يتهافتون على السؤال: مَن خلق الله؟! ويلجون فيه دون أن يسمحوا لأنفسهم بالسؤال عمن خلق الكون، مع أن افتقار الكون للخالق إنما هو بديهي. ألا إنها وسوسة الشيطان نبهنا إليها الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال: "إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ فيقول: الله. فيقول: من خلق الأرض؟ فيقول: الله. فيقول: من خلق الله؟! فإذا وجد ذلك أحدكم فليقل "آمنت بالله ورسوله".
وهذا السؤال وإن كان خطأ من أساسه، لأن الله تعالى واجب الوجود، بمعنى أنه لم يسبق وجوده عدم، كما أنه لا يعتور وجوده عدم، ومَن كان كذلك فكيف يسأل فيه هذا السؤال! إلا أنه لمّا كان يختلج بعض النفوس مثل هذا الخاطر أردنا أن نوضح الجواب بمثال يريح الضمير إن شاء الله تعالى فنقول: إذا وضعت كتاباً على مكتبك، ثم خرجت من الحجرة، وعدت إليها بعد قليل فرأيت الكتاب الذي تركته على المكتب موضوعاً في الدرج، فإنك تعتقد تماماً أنّ أحداً لابد قد وضعه في الدرج، لأنك تعلم من صفات هذا الكتاب أنه لا ينتقل بنفسه (احفظ هذه النقطة وانتقل معي إلى نقطة أخرى) * لو كان معك في حجرة مكتبك شخص جالس على الكرسي، ثم خرجت وعدت إلى الحجرة فرأيته جالساً على البساط - مثلاً - فإنك لا تسأل عن كيفية انتقاله، ولا يخطر لك أنّ أحداً نقله من موضعه، لأنك تعلم من صفات هذا الشخص أنه ينتقل بنفسه ولا يحتاج إلى مَن ينقله (احفظ هذه النقطة الثانية أيضاً ثم اسمع ما أقوله) إنه لما كانت هذه المخلوقات محدثة، ونحنّ نعلم من طبائعها وصفاتها أنها لا توجد بذاتها، بل لابد لها من موجد، كما سبق وبيناه، عرفنا أن موجدها هو الله تبارك وتعالى * ولما كان كمال الألوهية يقتضي عدم احتياج الإله إلى غيره، بل إن من صفاته قيامه بنفسه، ومعناه عدم احتياجه لموجد، عرفنا أن الله تعالى موجود بذاته أزلاً، وأنه غير محتاج إلى مَن يوجده * وإذا وضعت النقطتين السابقتين إلى جانب هذا الكلام، اتضح لك هذا المقام * ونعود إلى دليل الإمكان بعد أن شرحنا دليل الحدوث فنقول: الممكن هو كل أمر قابل في حد ذاته للانتفاء والثبوت، أفرأيت كفتي الميزان، وقبول كل منهما للارتفاع والانخفاض؟ فهل يتصور رجحان إحداها إلا بمثقال؟ والأكوان إنما هي ممكنة الوجود في ذاتها، لأنه لو وجب وجودها لما سبقه العدم، ولو استحال وجودها لما وجدت. فعليه لا يمكن أن يرجح وجودها على عدمها إلا بمرجح، وهذا المرجح إما أن يكون ممكناً، أو مستحيلاً، أو واجب الوجود. إذ أن أقسام الحكم العقلي ثلاثة، الواجب والجائز والمستحيل. والممكن عاجز عن إظهار نفسه فكيف يظهر غيره؟! والمستحيل لا يقبل الوجود أصلاً، فكيف يمنحه غيره، فلم يبق من الأقسام الثلاثة إلا واجب الوجود * كذلك كل ممكن تعتوره حالات شتى من الإمكانّ، في الكم (أي المقادير) والكيف (أي الأحوال) والزمان والمكان، والجهة والصفات. فتخصيص كل ممكن على حالة ما دون سائر ما يجوز عليها منها - مع قبولها لها قبولاً ذاتياً، ودون أي تفاوت - لا يتحصل إلا بمخصص، يخصص هذه الحالة دون غيرها. وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى دلالة اختلاف الأحوال في الممكنات، وأنها تدل على خالقها الذي خصصها ببعض ما يجوز عليها فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} وقال أيضاً: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} وقال أيضاً: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} وقال: {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} وقال: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ}. ألا من مستبصر حكيم، كبح جماح هواه، وانعتق من أمر الاستكبار وشهوة العلو في الأرض، فيتدبر هذا * ويقوم مقام معرفة كل عقيدة بدليل لو عرف العقائد بالكشف. أما من عرفها بالتقليد فقد اختلف فيه، والصحيح أنه مؤمن عاص، إن قدر على النظر، وغير عاص إنّ لم يقدر على النظر. وقيل: إنه كافر، وجرى على هذا السنوسي في شرح الكبرى وشنع على القول بكفاية التقليد، لكن حكي عنه أنه رجع إلى القول بكفايته.
-يحتاج للتبيين: إنما احتاج هذا الفن للتبيين لأنه لما حدثت المبتدعة وكثر جدالهم مع علماء الإسلام أوردوا شبهاً على ما قرره الأوائل، وخلطوا تلك الشبه بكثير من القواعد الفلسفية، فقصد المتأخرون إلى دفعها، واحتاجوا إلى إدراجها في كلامهم ليتمكنوا من ردها * وقد افترقت الأمة ثلاثاً وسبعين فرقة منهم فرقة ناجية، وهي التي على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، واثنان وسبعون في النار كما في حديث عبد الله بن عمر حيث قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة. قالوا ومن هي يا رسول الله؟ قال ما أنا عليه وأصحابي".
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على، ثنتين وسبعين فرقة وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة".‏

‏ -6 لكنْ مِن التَّطْوِيلِ كَلَّتِ الهِمَمْ *** فَصَارَ فِيْهِ الاْختِصَارُ مُلَتَزَمْ.

-6 لكنْ مِن التَّطْوِيلِ كَلَّتِ الهِمَمْ *** فَصَارَ فِيْهِ الاْختِصَارُ مُلَتَزَمْ
لكن من التطويل كلت الهمم: كأنه قال: هذا الفن وإن احتاج للتوضيح إلا أنه لا ينبغي المبالغة معه في تطويل العبارة لأنها تؤدي إلى الملل والسآمة، إذ أن الكلال لحق أصحاب الهمم.
والهمة -لغة- هي القوة والعزم، وعرفاً: هي حالة للنفس يتبعها غلبة انبعاث إلى نيل مقصود ما، ثم إن تعلقت بمعالي الأمور فعلية، وإلا فدنية، وإن لم تتعلق بواحد منهما فلا علية ولا دنية.
-فصار فيه الاختصار ملتزم: لكل ما مر كان الاختصار في هذا الفن ملتزماً.
وقد كان الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني يقول: جميع ما قاله المتكلمون في التوحيد قد جمعه أهل الحقيقة في كلمتين، الأولى: اعتقاد أن كل ما تصور في الأوهام فالله تعالى بخلافه، والثانية: اعتقاد أن ذاته تعالى ليست مشبهة للذوات ولا معطلة عن الصفات.‏

‏ -7 وَهذِهِ أُرْجُوزَةٌ لَقبْتُها *** جَوْهَرَةَ التَّوْحِيْدِ قَدْ هذَّبتهُا.

-7 وَهذِهِ أُرْجُوزَةٌ لَقبْتُها *** جَوْهَرَةَ التَّوْحِيْدِ قَدْ هذَّبتهُا
وهذه أرجوزة: إن هذه الأبيات المنظومة على بحر الرجز ملقبة بجوهرة التوحيد وقد صفيتها ونقحتها من الشبه والعقائد الفاسدة، ومن الحشو والتطويل.
- ومدح الإنسان كتابه يخرج مخرج التحدث بالنعمة والنصح لمن يتعاطاه حتى يكون بمنجاة من خطر التقليد ، مع أن مدح الإنسان نفسه جائز في عدة مواضع .
تنبيه: ينبغي اجتناب تسمية الكتب المصنفة بما يضاهي القرآن والوحي، كقول بعضهم (كتاب الاسراءات والمعاريج) أو (مفاتيح الغيب) أو (الآيات البينات) لأنها مزاحمة للنبي صلى الله عليه وسلم في الإسراء والمعارج، ومشاركة للحق سبحانه في علم الغيب، نقله بعضهم عن المنن لسيدي عبد الوهاب الشعراني، لكن الراجح الجواز.‏

-8 واللهَ أرْجُو في القَبُول نَافِعاً *** بها مُرِيْداً للثَّوَابِ طَامِعَاً.

-8 واللهَ أرْجُو في القَبُول نَافِعاً *** بها مُرِيْداً للثَّوَابِ طَامِعَاً
والله أرجو: أي لا أرجو إلا الله. والرجاء لغة: الأمل، وعرفاً: تعلق القلب بمرغوب فيه مع الأخذ بالأسباب وإلا فهو طمع، وهو مذموم، فالممدوح كرجاء الجنة مع ترك المعاصي وفعل الطاعات وقد ذكر الشيخ الخطيب في التفسير حديثاً قدسياً، وهو أن الله تعالى قال: "مَا أَقَلَّ حَياءَ مَنْ يطمعُ في جنتي من غيرِ عملٍ، كيفَ أجودُ برحمْتي على منْ بخلِ بطاعتي"
-في القبول نافعاً : معنى القبول الإثابة على العمل الصحيح، والثواب مقدار من الجزاء يعلمه الله تعالى أعده لمن شاء من عباده في نظير أعمالهم الحسنة بمحض اختياره، لا بالإيجاب - كما قال الفلاسفة، وهو عندهم نشوء الثواب عن ذات الله سبحانه وتعالى قهراً كنشوء حركة الخاتم بتحريك الإصبع - ولا بالوجوب كما قال المعتزلة. وإنما قال الفلاسفة بالثواب - مع أنهم ينكرون حشر الأجساد - لإثباتهم حشر الأرواح وأنها تثاب باللذات المعنوية.
-بها مريداً للثواب طامعاً: في كلامه هنا إشارة إلى أن العمل لله سبحانه وتعالى مع إرادة الثواب جائز، وإن كان غيره أكمل، فإن درجات الإخلاص ثلاث، عليا: وهي أن يعمل العبد لله وحده امتثالاً للأمر وقياماً بحق العبودية، ووسطى: وهي أن يعمل طالباً للثواب وهارباً من العقاب، ودنيا: وهي أن يعمل لإكرام الله له في الدنيا والسلامة من آفاتها، وما عدا هذه الثلاثة رياء، وإن تفاوتت أفراده، ذكره شيخ الإسلام في شرح الرسالة القشيرية * والمعنى لا أرجو في حصول القبول مني للأرجوزة إلا الله تعالى كونه سبحانه نافعاً بها للمريد، وإني أرجو الله في القبول حال كوني طامعاً في الثواب في الآخرة.‏

-9 فَكُلُّ مَنْ كُلِّفَ شَرْعاً وَجَبَا *** عَلَيْه أَنْ يَعْرِفَ مَا قَدْ وَجبَا.

-9 فَكُلُّ مَنْ كُلِّفَ شَرْعاً وَجَبَا *** عَلَيْه أَنْ يَعْرِفَ مَا قَدْ وَجبَا
فكل من كلف شرعاً: أي وجوب معرفة الله تعالى إنما هو بلسان الشرع، وليس بلسان العقل كما ذهب المعتزلة. فكل فرد من المكلفين من الإنس والجن يجب عليه أن يعرف ما يجب لله تعالى وما يجوز وما يستحيل، وكذلك للرسل عليهم الصلاة والسلام، ذكراً كان المكلف أو أنثى ولو عامياً أو من العبيد أو النساء، أو الخدم، حتى يأجوج ومأجوج، دون الملائكة -على القول بتكليفهم- لأن الخلاف في تكليفهم إنما هو في غير معرفة الله تعالى أما هي فجبلية لهم، فليس فيهم من يجهل صفاته سبحانه كما في الجن، قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ}.
-والتكليف إما إلزام ما فيه كلفه، وهو الراجح، فيقتصر على الوجوب والحرمة، أو هو طلب ما فيه كلفة، فيشمل الندب والكراهة مع الوجوب والحزمة .
-وشروط التكليف، البلوغ، والعقل، وبلوغ الدعوة، وسلامة الحواس، هذا في الإنس، أما الجن فهم مكلفون من أصل الخلقة، فلا يتوقف تكليفهم على البلوغ .
-والصبي ليس بمكلف، فمن مات قبل البلوغ فهو ناج، ولو من أولاد الكفار، ولا يعاقب على كفر غيره، خلافاً للحنفية حيث قالوا بتكليف الصبي العاقل بالإيمان لوجود العقل وهو كاف عندهم، فإن اعتقد الإيمان أو الكفر فأمره ظاهر، وإن لم يعتقد واحداً منهما كان من أهل النار لوجوب الإيمان عليه بمجرد العقل .
-والمجنون ليس بمكلف، لكن محل ذلك إن بلغ مجنوناً واستمر على ذلك حتى مات، بخلاف ما لو بلغ عاقلاً ثم جن وكان غير مؤمن، ومات كذلك . فهو غير ناج.
-والذي لم تبلغه الدعوة ليس بمكلف، وذلك بأن نشأ في شاهق جبل، على الأصح خلافاً لمن قال (بأنه مكلف) لوجود العقل الكافي لوجوب المعرفة عندهم، وإن لم تبلغه الدعوة * وعلى اشتراط بلوغ الدعوة فهل يكفي بلوغ دعوة أي نبي - لو سيدنا آدم؟ لأن التوحيد ليس أمراً خاصاً بهذه الأمة - أو لا بد من بلوغ دعوة الرسول الذي أرسل إليه؟ والتحقيق كما نقله العلامة الملوي عن الأبي في شرح مسلم خلافاً للنووي "أنه لا بد من دعوة الرسول الذي أرسل إليه".
-فالمذهب الحق أن أهل الفترة (وهم من كان في أزمنة الرسل، أو في زمن الرسول الذي لم يرسل إليهم) ناجون، وإن بدلوا وغيروا أو عبدوا الأصنام .
-فإن قيل "كيف هذا مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن جماعة من أهل الفترة في النار، كامرئ القيس وحاتم الطائي، وبعض آباء الصحابة؟ فإن بعض الصحابة سأله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فقال: "أيْنَ أبيْ؟ فقال: في النَّارِ" أجيب: بأن أحاديثهم أحاديث آحاد، وهي لا تعارض القطعية، وهو قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} وبأنه يجوز أن يكون تعذيب من صح تعذيبه منهم لأمر يختص به، يعلمه الله تعالى ورسوله.
-وغير سليم الحواس ليس بمكلف، ولهذا قال بعض أئمة الشافعية : "لو خلق الله إنساناً أعمى أصم لسقط عنه وجوب النظر والتكليف"، وهو صحيح كما في شرح المصنف .
-فائدة: إذا علمت أن أهل الفترة ناجون على الراجح علمت أن أبويه صلى الله عليه وسلم ناجيان لكونهما من أهل الفترة، بل جميع آبائه صلى الله عليه وسلم وأمهاته ناجون ومحكوم بإيمانهم، لم يدخلهم كفر، ولا رجس ولا عيب، ولا شيء مما كان عليه الجاهلية، بأدلة نقلية كقوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ}.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "لم أزل أنتقل من الأصلاب الطاهرات إلى الأرحام الزاكيات".
وغير ذلك من الأحاديث البالغة مبلغ التواتر، وأما ما نقل عن أبي حنيفة في الفقه الأكبر من أن والدي المصطفى ماتا على الكفر فمدسوس عليه، وحاشاه أن يقول ذلك. وغلط ملا علي القاري -غفر الله له- في كلمة شنيعة قالها. فالحق الذي نلقى الله عليه أن أبويه صلى الله عليه وسلم ناجيان. على أنه قيل: إن الله تعالى أحياهما حتى آمنا به ثم أماتهما لحديث ورد في ذلك، وهو ما روي عن عروة عن عائشة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يحيي له أبويه فأحياهما، فآمنا به، ثم أماتهما) قال السهيلي: والله قادر على كل شيء، وله أن يخص نبيه بما شاء من فضله، وينعم عليه بما شاء من كرامته. وقد أنشد بعضهم فقال:
فأحيا أمه وكذا أباه *** لإيمان به فضلاً منيفاً
فسلم فالقديم بذا قدير *** وإن كان الحديث به ضعيفاً
-شرعاً، وجب عليه أن يعرف: المقصّود أن المعرفة وجبت بالشرع، لا بالعقل، وهذا مذهب الأشاعرة وجمع من غيرهم، فمعرفة الله وجبت عندهم بالشرع، وكذلك سائر الأحكام إذ لا حكم قبل الشرع لا أصلياً ولا فرعياً.‏

AHMED MOHAMED
16-04-2005, 23:28
‏ -10 لِلهِ والجائِزَ والمُمتنِعَا *** ومَثلِ ذا لِرُسْلهِ فاستمِعا.

-10 لِلهِ والجائِزَ والمُمتنِعَا *** ومَثلِ ذا لِرُسْلهِ فاستمِعا
وذهبت المعتزلة إلى أن الأحكام كلها ثبتت بالعقل، ولذلك قال في جمع الجوامع: وحكمت المعتزلة العقل، وإن لم يرد الشرع. ويقولون: إن الشرع جاء مقوياً ومؤكداً للعقل، فلا ينفون الشرع أصلاً، وإلا كفروا قطعاً ويبنون كلامهم على التحسين والتقبيح العقليين، فالحسن عندهم ما حسنه العقل، والقبيح ما قبحه العقل، فإذا أدرك أن هذا الفعل حسن بحيث يذم على تركه ويمدح على فعله حكم بوجوبه، وهكذا. وأما عند أهل السنة فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع.
-ومذهب الماتريدية أن وجوب المعرفة بالعقل، بمعنى أنه لو لم يرد به الشرع لأدركه العقل استقلالاً لوضوحه لا بناء على التحسين العقلي كما قالت المعتزلة .
- والحق أن العقل لا يستقل بشيء أصلا ً. فتلخص أن المذاهب ثلاثة أولاً: مذهب الأشاعرة "وهو أن الأحكام كلها ثبتت بالشرع، لكن بشرط العقل" ثانياً: مذهب الماتريدية "وهو أن وجوب المعرفة ثبت بالعقل دون سائر الأحكام" ثالثاً: مذهب المعتزلة "وهو أن الأحكام كلها ثبتت بالعقل " .
-والمعرفة والعلم مترادفان على معنى واحد على التحقيق، وهذا المعنى الواحد "هو الجزم القاطع المطابق للواقع عن دليل ولو جملياً * فالظن والشك والوهم ليسوا بمعرفة وكذلك الجزم غير المطابق للواقع كجزم النصارى بالتثليث، وكذلك التقليد * فيتحصل أن الظان والشاك والمتوهم والجازم جزماً غير مطابق للواقع كل منهم كافر اتفاقاً، وأما المتصف بالتقليد فسيأتي ذكر الخلاف فيه .
- ما قد وجبا لله: أي يجب على المكلف وجوباً شرعياً أن يعرف جميع ما وجب لله، لكن ما قامت الأدلة العقلية أو النقلية عليه تفصيلاً، - وهو العشرون صفة الآتية - يجب على المكلف أن يعرفه تفصيلاً وما قامت عليه الأدلة إجمالاً وهو سائر الكمالات، يجب على المكلف أن يعرفه إجمالاً، وكذا يقال في المستحيل * ودليل ما يجب لله عقلي غالباً، لأن الصفات على ثلاثة أقسام، الأول: ما لا يصح الاستدلال عليه إلا بالدليل العقلي، وهو ما توقفت عليه المعجزة من الصفات، كوجوده تعالى وقدمه وبقائه وقيامه بنفسه ومخالفته للحوادث وقدرته وإرادته وعلمه وحياته "بمعنى أن المعجزة - وهي الأكوان - لا توجد إلا ممن اتصف بتلك الصفات" والثاني: ما لا يصح الاستدلال عليه إلا بالدليل السمعي، وهو كل ما لا تتوقف المعجزة عليه من الصفات، كالسمع والبصر والكلام. والثالث: اختلف فيهن وهو الوحدانية، والأصح أن دليلها عقلي.
-وأعلم أن الأحكام المطلقة : إما شرعية أو عقلية أو عادية. والحكم الشرعي: هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالطلب أو الإباحة أو الوضع لهما. والطلب أربعة أقسام: طلب فعل أو طلب ترك، وكل منهما إما جازم أو غير جازم. والوضع: هو جعل الشيء شرطاً (كالطهارة للصلاة) أو سبباً (كدخول الوقت) أو مانعاً (كالحيض) أو صحيحاً (ككونه موافقاً للشرع باستيفاء الشروط وانتفاء الموانع) أو فاسداً (ككونه غير موافق للشرع(
-وأما الحكم العادي فهو : إثبات الربط بين أمر وأمر وجوداً أو عدماً بواسطة تكرر القران بينهما على الحس وعدم تأثير أحدهما في الآخر البته. مثال ذلك: الحكم على النار بأنها محرقة، فهذا حكم عادي، إذ معناه أن الإحراق يقترن بمس النار في كثير من الأجسام لمشاهدة تكرر ذلك على الحس. وليس معنى هذا الحكم أن النار هي التي أثرت في الإحراق، أو في تسخين ما مسته - مثلاً - إذ هذا المعنى لا دلالة للعادة عليه أصلاً، وإنما غاية ما دلت عليه العادة الاقتران فقط بين الأمرين. أما تعيين فاعل ذلك فليس للعادة فيه مدخل، ولا منها يتلقى علم ذلك. وقس على هذا سائر الأحكام العادية ككون الطعام مشبعاً، والشمس مضيئة، والسكين قاطعة، ونحو ذلك مما لا ينحصر. وإنما يتلقى العلم بفاعل هذه الآثار المقارنة لهذه الأشياء من دليلي العقل والنقل * وقد أطبق العقل والشرع على انفراد المولى جل وعز باختراع جميع الكائنات عموماً فأهل السنة يقولون: ثبوت الإحراق للنار من حيث إنها سبب عادي يخلق الله عنده الإحراق. وغيرهم يقولون: ثبوت الإحراق للنار من حيث إنها مؤثرة بقوة مودعة فيها.
-والحق أن قدرة الله تعالى عامة التعلق بجميع الممكنات إيجاداً وإعداماً وإمداداً، فقصرها على بعضها دون الآخر مع استوائها في الافتقار، لا برهان عليه إلا إتباع الهوى وظلمة الحجاب وقد قال الله تعالى : {كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ}. وقال أيضاً: {وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً، لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً} وقال: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ} وقال: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}. وقال صلى الله عليه وسلم: "اللهم بك أصول وبك أجول". وقال: "لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة".
وقد قال سيدنا العارف بن عطاء الله مستمداً من أنوار ما تقدم: "نعمتان ما خرج عنهما موجود نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد" وإنما سمي الحكم العادي عادياً لأن العادة هي المرتكز في إطلاقه. والتكرار يتحقق بمرتين، كما إذا قيل: لحم الضأن يذكي الفهم، وتكرر هذا مرتين، فإنه حكم عادي * أما إن حكم به العقل فإنه يدعى حكماً عقلياً، وهو: إثبات أمر لأمر (كإثبات القدم لله تعالى) أو نفيه عنه (كنفي القدم عن الخلق) من غير توقف على تكرار أو وضع واضع.
-وينقسم الحكم العقلي إلى ثلاثة أقسام : واجب، وجائز، ومستحيل أي إن كل ما حكم به العقل من إثبات أو نفي لا يخرج عن اتصافه واحد من هذه الثلاثة.
-فالواجب : هو كل أمر - من ذات أو صفة أو نسبة - ثابت لا يقبل الانتفاء في ذاته، وهو قسمان ضروري، كالتحيز للجرم، فإنه ما دام الجرم موجوداً يجب أن يأخذ قسطاً من الفراغ، فهو واجب مقيد بدوام الجرم، ونظري كصفاته تعالى.
-والمستحيل : هو كل أمر - من ذات أو صفة أو نسبة - لا يقبل الثبوت في ذاته. وهو قسمان: ضروري كخلو الجرم عن الحركة والسكون معاً، ونظري كالشريك له تعالى.
-والجائز : هو كل أمر قابل في حد ذاته للانتفاء والثبوت، وهما قسمان: ضروري كحركة الجرم أو سكونه، ونظري كتعذيب المطيع - ولو معصوماً - لكن لا ينبغي التشدق به في حق الأنبياء بل بقدر ضرورة التعليم، وكإثابة العاصي - ولو كافراً - لأن الكلام في الإمكان العقلي، فلا ينافي أن ذلك ممتنع شرعاً.
-الضروري هو البديهي، وهو ما يدركه العقل بلا تأمل (كاستحالة صنعة بلا صانع) . والنظري هو ما يدركه العقل بعد التأمل (كحدوث الكون).
-ملاحظة: ينبغي الاعتناء بهذه الأحكام : لأن إمام الحرمين قال: إن معرفتها هي العقل، بناء على أن العلم بوجوب الواجبات وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، أي تصور مفهوماتها، بأن يتصور أن الواجب ما لا يقبل العدم، والمستحيل ما لا يقبل الوجود، والجائز ما يصح وجوده وعدمه.
-ومثل ذا لرسله : أشار المصنف بلفظ (مثل) إلى أن الواجب والجائز والمستحيل في حقهم - عليهم الصلاة والسلام - ليس هو عين الواجب والجائز والمستحيل في حقه تعالى فالمواد المثلية في مطلق واجب وجائز ومستحيل. وإنما خص الرسل لأن بعض ما يأتي - كالتبليغ - خاص بهم، دون الأنبياء.‏

-11 إذْ كُلُّ مَنْ قَلَّدَ بالتَّوِحيْدِ *** إيمَانُهُ لمْ يَخْلُ مِنْ تَرْدِيْدِ.

-11 إذْ كُلُّ مَنْ قَلَّدَ بالتَّوِحيْدِ *** إيمَانُهُ لمْ يَخْلُ مِنْ تَرْدِيْدِ
إذ كل من قلد: هذا تعليل لوجوب المعرفة السابقة (باعتبار أن وجوبها يتضمن وجوب أمور ثلاثة هي: الجزم، وكونه مطابقاً للواقع، وكونه ناشئاً عن الدليل.
-والتقليد : هو أن يأخذ المكلف بقول غيره من غير أن يعرف دليله، والمراد بالأخذ اعتقاد مضمون المأخوذ، ويشمل القول والفعل التقرير وكل ذلك من غير أن يعرف دليله. فخرج التلامذة بعد أن يرشدهم الأشياخ للأدلة، فهم عارفون لا مقلدون.وضرب لهم الشيخ السنوسي مثلاً للفرق بينهم وبين المقلدين (بجماعة نظروا للهلال، فسبق أحدهم لرؤيته فأخبرهم به، فإن صدقوه من غير معاينة كانوا مقلدين وإن أرشدهم بالعلامة حتى عاينوه لم يكونوا مقلدين(
-بالتوحيد : أي في علم العقائد، ولو تعلقت بالرسل. فليس المراد بالتوحيد إثبات الوحدة بخصوصه.
-إيمانه لم يخل من ترديد : المراد بإيمانه جزمه بأحكام التوحيد من غير دليل، وليس المراد به المعرفة، إذ لا معرفة عند المقلد والأولى أن المراد بإيمان المقلد تصديقه التابع للجزم، لا نفس الجزم، والمراد من الترديد، التردد والتحير.
-واستشكل بأن العبارة تقتضي أن الجزم بجامع التردد مع أنه متى كان جازماً لا يكون متردداً أصلاً، فكيف يقول: إيمانه لم يخل من ترديد؟ وأجيب بأن المراد أن إيمانه لم يخل عن قبول الترديد، لا أن الترديد ممتزج بإيمانه، ولا يرد أن العارف لا يخلو أيضاً عن قبول الترديد لجواز أن تطمس عين معرفته (والعياذ بالله تعالى) لأن المراد بالقبول: القبول القريب من الفعل عادة، ولا يضر غيره.‏

‏ -12 فَفِيْهِ بَعْضُ القَوْم يَحْكي الخُلْفا *** وبَعْضُهُمْ حَقَق فِيْهِ الكَشْفَا.

-12 فَفِيْهِ بَعْضُ القَوْم يَحْكي الخُلْفا *** وبَعْضُهُمْ حَقَق فِيْهِ الكَشْفَا
ففيه بعض القوم: أي فبسبب تحيره وتردده اختلف العلماء في إيمانه صحة وفساداً، وحاصل الخلاف فيه أقوال منها:
-1 عدم صحة إيمان المقلد، فيكون المقلد كافراً، وعليه السنوسي.
-2 الاكتفاء بالتقليد مع العصيان - إن كان فيه أهلية للنظر - وإلا فلا عصيان.
-3 إن من قلد القرآن والسنة القطعية صح إيمانه لإتباعه القطعي، ومن قلد غير ذلك لم يصح إيمانه لعدم أمن الخطأ على غير المعصوم.
-4 الاكتفاء به من غير عصيان مطلقاً، لأن النظر شرط كمال، فمن كان فيه أهلية النظر ولم ينظر، فقد ترك الأولى.
-والقول الحق الذي عليه المعول من هذه الأقوال هو الثاني . والصواب أن هذا الخلاف جار في النظر الموصل لمعرفة الله تعالى دون غيره كالنظر الموصل لمعرفة الرسل.
-وحكى الآمدي اتفاق الأصحاب على انتفاء كفر المقلد، وأنه لا يعرف القول بعدم صحة إيمانه إلا لأبي هاشم الجبائي من المعتزلة . وذكر ابن حجر عن بضعهم: أنه أنكر وجوب المعرفة أصلاً، وقال بأنها حاصلة بأصل الفطرة، واستدل على ذلك بقوله تعالى: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}
وبقوله صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة".
ولذلك قال أبو منصور الماتريدي: أجمع أصحابنا على أن العوام مؤمنون عارفون بربهم وأنهم حشو الجنة كما جاءت به الأخبار، وانعقد به الإجماع فإن فطرتهم جبلت على توحيد الصانع وقدمه، وحدوث ما سواه وإن عجزوا عن التعبير عنه باصطلاح المتكلمين، والله أعلم.
-وبعضهم حقق فيه: وبعض القوم - كالتاج السبكي - حقق في إيمان المقلد البيان عن حاله بما يصير به الخلاف في الاكتفاء بالتقليد وعدم الاكتفاء به لفظياً، وحقق: أي ذكر الفصل في المسألة على الوجه الحق والكشف هو البيان.‏
-13 فَقَالَ إنْ يَجْزِمْ بقَوْلِ الغَيرِ *** كَفَى وَإلاَّ لَمْ يَزَلْ في الضيَّرِ.

-13 فَقَالَ إنْ يَجْزِمْ بقَوْلِ الغَيرِ *** كَفَى وَإلاَّ لَمْ يَزَلْ في الضيَّرِ
فقال إن يجزم: أي فقال من حقق الكشف في الخلاف: إن يجزم المقلِّد بصحة قول المقلِّد جزماً قوياً، بحيث لو رجع المتبوع لم يرجع التابع، كفاه في الإيمان.
-وعلى هذا يحمل القول بكفاية التقليد، فيكفيه ذلك في الأحكام الدنيوية فيناكح ويؤم وتؤكل ذبيحته ويرثه المسلمون ويرثهم، ويسهم له، ويدفن في مقابر المسلمين . وفي الأحكام الآخروية أيضاً فلا يخلد في النار، إن دخلها، ومآله إلى النجاة والجنة، فهو مؤمن لكنه عاص بترك النظر، إن كان فيه أهلية النظر، أما إن لم يجزم المقلد بصدق قول المقلِّد جزماً قوياً قاطعاً، بأن كان جازماً، لكن لو رجع مقلِّده لرجع هو، فإنه لم يزل واقعاً في الضير، لأنه قابل للشك والتردد، وعلى هذا يُحمل القول بعدم كفاية التقليد * والخلاف إنما هو في المقلِّد الجازم، أما الشاك والظان فمتفق على عدم صحة إيمانهما، وإن كان كلام المصنف يوهم خلاف المراد. والخلاف في إيمان المقلِّد إنما هو بالنظر لأحكام الآخرة، وفيما عند الله، وأما بالنظر إلى أحكام الدنيا فيكفي فيها الإقرار فقط، فمن أقر جرت عليه الأحكام الإسلامية ولم يُحكم عليه بالكفر إلا إن اقترن بشيء يقتضي الكفر كالسجود لصنم أو ما يدل على اعتقاده فكرة مكفرة، أو إنكار معلوم من الدين بالضرورة. كأن ينكر صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، أو ينكر شمول أحكام الإسلام لكافة مجالات الحياة.

-14 واجْزِمْ بَأَنَّ أَولاً مِما يَجبْ *** مَعْرِفَةٌ وفيْهِ خُلْفٌ مُنْتَصِبْ.

-14 واجْزِمْ بَأَنَّ أَولاً مِما يَجبْ *** مَعْرِفَةٌ وفيْهِ خُلْفٌ مُنْتَصِبْ
واجزم: أي اعتقد اعتقاداً جازماً، والمخاطب بذلك كل مكلف، من ذكر أو أنثى حر أو عبد، جني أو أنسي. قال المصنف في شرحه: والكلام السابق من قوله (فكل من كلف) إنما أفاد أن المعرفة واجبة على المكلف، وهذا أفاد أنها أول واجب. ثم إن هذه المسألة ليست من أركان الدين المعتقدة، كيف والأصح كفاية التقليد!
-بأن أولاً مما يجب معرفة: أي الأصل أن أول شيء مما يجب معرفته معرفة الله، والمراد معرفة صفاته وسائر أحكام الألوهية لا معرفة ذاته وكنه حقيقته، إذ لا يعرف ذاته وكنه حقيقته إلا هو، وفي الحديث:
"تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإنه لا تحيط به الفكرة".
وفي الحديث أيضاً: "أن الله احتجب عن البصائر كما احتجب عن الأبصار".
وبالجملة لا يعرف الله إلا الله، والعجز عن درك الإدراك إدراك، والبحث في ذات الله إشراك.
-وفيه خلف منتصب : أي في أول ما يجب معرفته خلاف قائم بين الأئمة، سنيين وغيرهم. وجعل الناظم الخلاف في الأولية لا في الوجوب. لأنه لم يقع خلاف بين المسلمين في وجوب المعرفة، ووجوب النظر الموصل إليها، كذا قال الشارح.
-وأهم الأقوال في أول الواجبات:
أولاً - ما قاله الأشعري إمام هذا الفن أنه: المعرفة.
ثانياً - ما قاله الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني أنه: النظر الموصل للمعرفة، ويعزى للأشعري أيضاً.
ثالثاً - ما قاله القاضي الباقلاني أنه: أول النظر، أي المقدمة الأولى منه، نحو قولك: العالم حادث، وكل حادث لابد له من محدث، فمجموع المقدمتين هو النظر، والمقدمة الأولى هي أول النظر.
رابعاً - ما قاله إمام الحرمين أنه: القصد إلى النظر أي تفريغ القلب عن الشواغل، وعزي للقاضي أيضاً.
خامساً - ما قاله بعضهم أنه: التقليد.
سادساً: أنه: النطق بالشهادتين.
-والأصح أن أول واجب - غاية – المعرفة . وأول واجب - وسيلة قريبة - النظر، وأول واجب - وسيلة بعيدة - القصد إلى النظر. وبهذا يجمع بين الأقوال الثلاثة.‏


-15 فأنْظُرْ إلى نَفْسِكَ ثُمَّ انْتَقِلِ *** لِلعَالَمِ العُلْوِيِّ ثمَّ السُّفْلِي.

-15 فأنْظُرْ إلى نَفْسِكَ ثُمَّ انْتَقِلِ *** لِلعَالَمِ العُلْوِيِّ ثمَّ السُّفْلِي
فانظر: أي إذا أردت المعرفة فانظر إلى نفسك، لأن النظر وسيلة لها، والمأمور به كل مكلف، وأمره بالنظر إلى نفسه - ابتداءً - لأنها أقرب الأشياء إليه. ثم أمره بالنظر إلى العالم العلوي لكونه أعظم وأبدع، ثم إلى العالم السفلي. على أن صحة النظر لا تتوقف على هذا الترتيب.
-والنظر - لغةً - هو إدراك الشيء بحاسة البصر أو الفكر، أما هنا فالمراد به الإدراك بالفكر . وأما عرفاً فهو ترتيب أمرين معلومين (مقدمة كبرى - ومقدمة صغرى) ليتوصل بترتيبهما إلى علم مجهول (نتيجة)، كالترتيب بقولنا: العالم متغير، وكل متغير حادث، فإنه موصل إلى العلم بحدوث العالم. والعلم بحدوث العالم مجهول قبل هذا الترتيب.
-إلى نفسك : أي فانظر في أحوالها، وعلى سبيل المثال: أنت تأكل الطعام، وهو يتركب من عدة عناصر نباتية أو حيوانية، يقسمها العلماء إلى مواد زلالية، أو نشوية، أو دهنية - مثلاً - فنرى أن اللعاب يهضم بعض المواد النشوية، ويذيب المواد السكرية، ونحوها مما يقبل الذوبان. ونرى أن عصارة المعدة تهضم المواد الزلالية كاللحم وغيره. والصفراء تساعد على هضم الدهنيات وتجزئها إلى أجزاء دقيقة يمكن امتصاصها. ثم يأتي البنكرياس بعد ذلك، فيفرز أربع عصارات، تتولى كل واحدة منها إتمام الهضم في عنصر من العناصر الثلاثة النشوية، أو الزلالية، أو الدهنية، والرابعة تحول اللبن إلى جبن. فتأمل هذا الارتباط العجيب بين عناصر الجسم، وقف خاشعاً أمام أنوار قوله تعالى: {فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ}
-فالمراد إذاً بأحوال النفس ما اشتملت عليه من سمع وبصر ونطق وطول وعرض وعمق، وما يعتورها من رضا وغضب، ولذة وألم وغير ذلك مما لا يحصى * وكل هذه الأحوال متغيرة من عدم إلى وجود، ومن وجود إلى عدم، فهي إذاً حادثة، وهي قائمة بالذات ملازمة لها . وملازم الحادث حادث مثله. وذلك دليل الافتقار إلى صانع قدير مريد عليم حي واجب الوجود. فتستدل بهذا النظر في أحوال النفس على وجوب وجود صانعك وصفاته * قال الله تعالى: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ}
أي فيها آيات ودلائل لا ينبغي ترك النظر فيها. وقد ورد "مَن عرف نفسه عرف ربه" أي من عرف نفسه بالحدوث والفقر عرف ربه بالقدم والغنى، وهذا هو الأظهر في معنى الحديث، وقيل هو إشارة إلى التعجيز، أي أنت لا تعرف نفسك على حقيقتها فلا تطمع في معرفة كنه ربك، ذكره الشريف المقدسي في مفاتيح الكنوز وحل الرموز.
-ثم انتقل للعالم العلوي : أي بعد ما نظرت في أحوال نفسك انتقل للنظر في أحوال العالم المنسوب إلى جهة العلو، والمراد به ما ارتفع من الفلكيات من سموات، وكواكب وغيرها. وقد قال الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ}
-ثم السفلي : أي ثم انتقل للنظر إلى العالم السفلي، والمراد به كل ما نزل من الفلكيات كالهواء والسحاب والأرض وما فيها، كالمعادن والبحار والنبات وغير ذلك، فتستدل بذلك على وجوب وجود الصانع وصفاته * وخذ مثلاً زهرة وتأملها، ترى أن لها أوراقاً جميلة جذابة، ملونة بألوان بهيجة. فإن سألت علماء النبات عن الحكمة في هذه الألوان أجابوك: بأن هذا إغراء للنحل وأشباهه من المخلوقات التي تمتص رحيق الأزهار، إغراء لها لتسقط على الزهرة، حتى إذا ما لامست مآبرها علقت حبوب اللقاح بأرجلها، وانتقلت بذلك من الزهرة الذكر إلى الزهرة الأنثى، فيتم التلقيح، فتكون هذه الأوراق الجميلة حلقة اتصال بين النبات والحيوان، (وهذا مبلغهم من العلم، وما يدرينا أن في خلقه أسراراً وأسراراً لم تبدُ لنا بعد) * ثم انظر إلى الهواء، وهو - على ما تعلم - مركب من عدة عناصر. ومن هذه العناصر جزءان هامان، جزء صالح لتنفس الإنسان وهو الأوكسجين، وجزء ضار به، وهو غاز الفحم. وفي الوقت الذي يطرح فيه الإنسان الجزء الضار ويستنشق الجزء النافع يكون النبات آخذاً لهذا الجزء الضار، وطارحاً لذلك الجزء النافع. فأي ترتيب هذا بين الإنسان والنبات والهواء، هذا الترتيب الذي يكون بفقده فقدان الحياة على الأرض * ثم انظر بعد هذا إلى قوله سبحانه وتعالى:
{وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. فإنك تجد كلاً منهما مشمولاً بجهات مخصوصة، وأمكنة معينة، وتجد بعضه متحركاً وبعضه ساكناً وبعضه نورانياً وبعضه ظلمانياً، وذلك دليل على الحدوث، والحدوث دليل على الافتقار لصانع حكيم متصف بالصفات. وحاصلة أن تقول: العالم حادث، وكل حادث لابد له من صانع حكيم متصف بالصفات، فالعالم لابد له من صانع. والعالم اسم لما سوى الله تعالى وصفاته من الموجودات.
-بيد أن النظرة في الأكوان تختلف باختلاف صفاء البصيرة وحدتها، وقد قال سيدي ابن عطاء الله مشيراً إلى هذا الاختلاف : "الفكرة فكرتان، فكرة تصديق وإيمان، وفكرة شهود وعيان، فالأولى لأرباب الاعتبار. والثانية لأرباب الشهود والاستبصار، وأنعم بالإسلام داعياً إلى الفكرة المبصرة التي تقدح في القلوب ضياء المعرفة الواعية، فهو لا يريد للمسلمين أن يغرقوا في لجج التقليد الأعمى، وكل شيء حولهم ينطق بالوحدانية ويدل على الله تعالى، ولقد قال ابن عطاء الله مبيناً قيمة الفكرة وأهميتها: الفكرة سراج القلوب، فإذا انطفأت فلا إضاءة له.‏

-16 تَجِدْ بِهِ صُنْعَاً بدِيْعَ الحِكَمِ *** لَكِنْ بهِ قَامَ دَلِيْلُ العَدَمِ.

16 - تَجِدْ بِهِ صُنْعَاً بدِيْعَ الحِكَمِ *** لَكِنْ بهِ قَامَ دَلِيْلُ العَدَمِ
تجد به صنعاً: أي إن تنظر في أحوال ما ذكر تعلم فيه صنعة باهرة، وهي كناية عن الأعراض المخلوقة، من نقوش متقنة، وألوان مستحسنة، إلى ما لا يحصى من الصفات، ولا يحيط به إلا خالق الأرض والسماوات، وكل هذا دال على علم صانعه وقدرته وإرادته وحياته لأن ذلك لا يكون إلا ممن اتصف بما ذكر.
-بديع الحكم، البديع هو المخترع لا على مثال سبق والحكم بمعنى الأحكام والاتقان.
-لكن به قام دليل العدم: لكن هنا لمجرد التأكيد، والمراد بدليل العدم دليل جواز العدم، الذي هو عبارة عن ملازمة الأعراض الحادثة للعالم بمعنى الأجرام.‏

AHMED MOHAMED
16-04-2005, 23:33
-17 وكُلُّ ما جَازَ عَلَيْهِ العَدَمُ *** عَلَيهِ قَطْعَاً يَسْتَحِيْلُ القِدَمُ.

17 - وكُلُّ ما جَازَ عَلَيْهِ العَدَمُ *** عَلَيهِ قَطْعَاً يَسْتَحِيْلُ القِدَمُ
وكل ما جاز عليه العدم: وكل شيء جاز عليه الفناء عليه قطعاً يستحيل القدم، هذا قياس مطوي، وفي نشره تقول: هكذا: العالم من عرشه إلى فرشه جائز عليه القدم. وكل ما جاز عليه العدم استحال عليه القدم، فينتج أن العالم من عرشه إلى فرشه استحال عليه القدم، فيثبت حدوثه، وإذا ثبت حدوثه فلابد له من محدث وهو المطلوب. لأن أصل الكلام في النظر الموصل لمعرفة الله تعالى. وقد طوى المصنف بعض المقدمات وذكر بعضها، وحاصلها أن تقول الأعراض شوهد تغيرها من وجود إلى عدم ومن عدم إلى وجود، وكل ما كان كذلك فهو حادث، ينتج أن الأعراض حادثة.
-ثم يقال : العالم بمعنى الأجرام ملازم للأعراض الحادثة وكل ما كان كذلك فهو جائز العدم، ينتج العالم يجوز عليه العدم.
-ثم يقال هكذا : العالم يجوز عليه العدم وكل ما كان كذلك استحال قدمه، وثبت حدوثه ينتج أن العالم استحال قدمه وثبت حدوثه.
-ثم يقال هكذا : العالم استحال قدمه وثبت حدوثه، وكل ما كان كذلك فلابد له من محدث ينتج أن العالم لابد له من محدث، وهذا هو المقصود بالنظر. والمصنف بين أن دليل العدم قام بالعوالم مع أن الحدوث هو الذي قام بالأعراض، ولملازمة الأعراض للجواهر حكمنا على الجواهر بالحدوث أيضاً.
-لقد أضحى للأعراض من الدلالة وجهان، الأول باعتبار حدوثها فإنها دالة على حدوث الأجرام، والثاني باعتبار اتقانها اتقاناً بديعاً فإنها دالة على كمال الصانع وعموم علمه وإرادته وقدرته.‏

-18 وفُسِّرَ الإيمانُ بالتصدَّيقِ *** والنُطقُ فيهِ الخلفُ بالتحقيقِ.

-18 وفُسِّرَ الإيمانُ بالتصدَّيقِ *** والنُطقُ فيهِ الخلفُ بالتحقيقِ
وفسر الإيمان: أي وفسر جمهور الأشاعرة والماتريدية وغيرهم من المعتزلة الإيمان بالتصديق المعهود شرعاً وهو، تصديق النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما جاء به وعلم من الدين بالضرورة، أي علم من أدلة الدين بشبه الضرورة، فهو نظري في الأصل إلا أنه لما اشتهر صار ملحقاً بالضروري.
-والمراد بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك: الإذعان لما جاء به، والقبول له، وليس المراد وقوع نسبة الصدق إليه في القلب من غير إذعان ولا قبول، حتى يلزم الحكم بإيمان كثير من الكفار الذين كانوا يعرفون أحقية نبوته ورسالته صلى الله عليه وسلم، ومصداق ذلك قوله تعالى: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}. قال عبد الله بن سلام: لقد عرفته حين رأيه كما أعرف ابني، ومعرفتي لمحمد أشد، ويكفي الإجمال فيما يعتبر التكليف به إجمالاً، كالإيمان بغالب الأنبياء والملائكة، ولابد من التفصيل فيما يعتبر التكليف به تفصيلاً، كالإيمان بجمع من الأنبياء والملائكة فالجمع الذين يجب معرفتهم تفصيلاً من الأنبياء خمسة وعشرون، فهؤلاء المذكورون في القرآن المتفق على نبوتهم، وأما المختلف في نبوتهم فثلاثة: ذو القرنين، والعزير، ولقمان، وأما الخضر فلم يصرح باسمه في القرآن وإن كان هو المراد في آية: {فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا} وكذا يوشع بن نون فتى موسى لم يصرح باسمه في القرآن.
ومعنى كون الإيمان واجباً بهم تفصيلاً أنه لو عرض عليه. واحد منهم لم ينكر نبوته ولا رسالته، فمن أنكر نبوة واحد منهم أو رسالته كفر. لكن العامي لا يحكم عليه بالكفر إلا إن أنكر بعد تعليمه. وليس المراد أنه يجب حفظ أسمائهم، خلافاً لمن زعم ذلك.
-والجمع الذي يجب معرفته تفصيلاً من الملائكة : جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ورضوان خازن الجنة، وأما منكر ونكير فلا يكفر منكرهما، لأنه اختلف في أصل السؤال. ويجب الإيمان بحملة العرش، والحافين به إجمالاً كسائر الملائكة * والتفصيلي أكمل من الإجمالي من حيث التفصيل وإلا فهو مثله من حيث الخروج من عهدة التكليف بكل منهما.
-وبالجملة فالإيمان شرعاً هو التصديق بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مما علم من الدين بالضرورة، إجمالاً في الإجمالي وتفصيلاً في التفصيلي . وأما لغة، فهو مطلق التصديق ومنه قوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} أي بمصدق.
-تنبيه: إن الإيمان على خمسة أقسام:
الأول - إيمان عن تقليد، وهو الإيمان الناشئ عن الأخذ بقول الشيخ من غير دليل.
الثاني - إيمان عن علم، وهو الإيمان الناشئ عن معرفة العقائد بأدلتها.
الثالث - إيمان عن عيان، وهو الإيمان الناشئ عن مراقبة القلب لله بحيث لا يغيب عن طرفة عين.
الرابع - إيمان عن حق، وهو الإيمان الناشئ عن مشاهدة الله بالقلب.
الخامس - إيمان عن حقيقة، وهو الإيمان الناشئ عن كونه لا يشهد إلا الله.
-فالتقليد للعوام، والعلم لأصحاب الأدلة، والعيان لأهل المراقبة ويسمى مقام المراقبة، والحق للعارفين ويسمى مقام المشاهدة، والحقيقة للواقفين ويسمى مقام الفناء لأنهم يفنون عن غير الله، ولا يشهدون إلا إياه، وأما حقيقة الحقيقة فهي للمرسلين، وقد منعنا الله من كشفها فلا سبيل إلى بيانها .
-- تنبيه آخر : المؤمن - إذا نام أو أغفل أو جن أو أغمي عليه أو مات - متصف جزماً بالإيمان حكماً فتجري عليه أحكام الإيمان في هذه الأحوال.
-والنطق فيه الخلف : أي وفي النطق بالشهادتين للقادر عليه وقع الاختلاف بين العلماء، وموضوع هذا الخلاف "كافر أصلي" يريد الدخول في الإسلام، أما أولاد المسلمين فمؤمنون قطعاً، وتجري عليهم الأحكام الدنيوية ولو لم ينطقوا بالشهادتين طول عمرهم.
-والأخرس لا يطالب بالنطق، لعدم تمكنه من ذلك وكذلك من اخترمته المنية قبل النطق من غير تراخ فهو مؤمن عند الله، بخلاف من تمكن وفرط .
- ولا بد من لفظ أشهد ، ثم تكريره - وإن أتى بمرادف له - لما فيه من معنى التعبد * ولا بد من التقريب بين الشهادتين، والموالاة ولا يشترط الإتيان بحرف العطف.
- ولا بد من الاعتراف برسالته صلى الله عليه وسلم إلى غير العرب أيضاً، إذا كان يعتقد اختصاص رسالته للعرب .
-وإذا كان كافراً باعتقاد قدم العالم - مثلاً - فلا بد من رجوعه عنه.
-وما تقدم من الشروط المتعلقة بتحديد اللفظ بأشهد مبني على المعتقد في مذهب السادة الشافعية، لذلك لو أتى بالشهادتين بالعجمية لصح إسلامه، وإن أحسن العربية، وخالف الأبي شيخه ابن عرفه فقال "لا يتعين القول بأشهد بل يكفي كل ما يدل على الإيمان"، فلو قال : الله واحد ومحمد رسول لكفى، وتابعه بعض الشافعية على هذا وهما ابن حجر والنووي. قال المصنف في شرحه: القول الأول أولى بالتعويل عليه.
--التحقيق : أي ملتبساً بالتحقيق، وهو الإثبات بالأدلة القائمة على دعوى كل من الفريقين، فيكون التقدير - وفي النطق بالشهادتين - في جهة اعتبار مدخلية النطق في الإيمان الاختلاف ملتبساً بالأدلة. وفصل الخلاف بقوله في البيت التاسع عشر.

-19 فَقِيْلَ شَرطٌ كالعَمَلْ وقيْل بلْ *** شَطْرٌ والإسلامَ أَشْرِحَنَّ بالعَمَلْ.

-19 فَقِيْلَ شَرطٌ كالعَمَلْ وقيْل بلْ *** شَطْرٌ والإسلامَ أَشْرِحَنَّ بالعَمَلْ
فقيل شرط: أي خارج عن ماهيته (لأن الشرط ما قام به الشيء ولم يدخل في ماهيته) وهذا القول لمحققي الأشاعرة والماتريدية ولغيرهم.
-وقد فهم الجمهور أن مرادهم أنه شرط لإجراء أحكام المؤمنين عليهم من التوارث والتناكح والصلاة خلفه، وعليه، والدفن في مقابر المسلمين، ومطالبته بالصلاة والزكوات، وغير ذلك لأن التصديق القلبي، وإن كان إيماناً إلا أنه باطن خفي، فلابد له من علامة ظاهرة تدل عليه لتناط به تلك الأحكام .
فمن صدق بقلبه، ولم يقر بلسانه، من غير عذر مانع، أو إباء، بل اتفق ذلك له، فهو مؤمن عند الله، غير مؤمن في الأحكام الدنيوية.
أما المعذور إذا قامت قرينة على إسلامه بغير النطق - كالإشارة - فهو مؤمن فيهما.
وأما الآبي - بأن طلب منه النطق بالشهادتين فأبى - فهو كافر فيهما، ولو أذعن في قلبه فلا ينفعه ذلك ولو في الآخرة.
-ومن أقر بلسانه . ولم يصدق بقلبه - كالمنافق - فهو مؤمن في الأحكام الدنيوية، غير مؤمن عند الله تعالى، ومحل كونه مؤمناً في الأحكام الدنيوية ما لم يطلع على كفره بعلامة كسجود لصنم، أو اعتقاد لفكرة ضالة وإلا لجرت عليه أحكام الكفر.
-وفهم الأقل أن مرادهم بالشرطية أنه شرط في صحة الإيمان، وهذا القول كالقول بالشطرية في الحكم
-والقول بأنها شرط في إجراء أحكام المؤمنين هو الراجح، والنصوص بحسب المتبادر منها مقوية للقول بالشرطية دون الشطرية، كقوله تعالى: {أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ} أي أثبته في قلوبهم، وقوله صلى الله عليه وسلم في دعائه: "اللهم ثبت قلبي على دينك"
-كالعمل : أي النطق شرط مثل العمل، فالنطق شرط لإجراء الأحكام الدنيوية، والعمل شرط كمال من المختار عند أهل السنة، فمن أتى به فقد حصل الكمال، ومن تركه فهو مؤمن، لكنه فوت على نفسه الكمال إذا لم يكن مع ذلك استحلال أو عناد للشارع أو شك في مشروعيته، وإلا فهو كافر فيما علم من الدين بالضرورة.
-وذهبت المعتزلة إلى أن العمل شطر من الإيمان لأنهم يقولون بأن الإيمان هو العمل والنطق والاعتقاد، فمن ترك العمل فليس هو بمؤمن لفقد جزء من الإيمان، وهو العمل، ولا هو بكافر، لوجود التصديق، فهو عندهم بين المؤمن والكافر ويخلد في النار، ويعذب بأقل من عذاب الكافر .
-والخوارج يكفرون مرتكب الكبائر . والمختار هو القول بالشرطية في إجراء الأحكام الدنيوية، لأن الإيمان لغة - هو التصديق - فيستعمل شرعاً في تصديق خاص، ولا دليل على نقله للعمل والنطق والاعتقاد، كما زعمه المعتزلة. وكذلك قد دلت النصوص على ثبوت الإيمان قبل الأوامر والنواهي، وعلى أن الإيمان والعمل الصالح متغايران، وعلى أن الإيمان والمعاصي يجتمعان، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ} فإنه يفيد ثبوت الإيمان قبل الأمر بالصوم، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} فإن أصل العطف للمغايرة، وكقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} بناء على أن المراد من الظلم المعصية، فقد اقتضى بمفهومه اجتماع الإيمان مع المعاصي، وقيل: إن المراد بالظلم الشرك، لما روي أن الآية لما نزلت شق ذلك على الصحابة وقالوا: أي منا لم يظلم نفسه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "ليس كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه {يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}". وعليه فمفهوم الآية من باب: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ} فيكون المراد بالإيمان مطلق التصديق:
-وقيل بل شطر : قال قوم محققون - كالإمام أبي حنيفة، وجماعة من الأشاعرة - ليس الإقرار بالشهادتين شرطاً، بل هو شطر. فيكون الإيمان - عند هؤلاء - اسماً لعملي القلب واللسان جميعاً وهما التصديق والإقرار.
-واعترض بأن الإيمان يوجد في المعذور، كالأخرس، والشيء لا يوجد بدون شطره، وأجيب عن ذلك: بأنه ركن يحتمل السقوط، كما في الأخرس، أما التصديق الذي محله القلب فإنه ركن لا يحتمل السقوط، وعلى هذا القول - كما في القول بأنه شرط صحة - فمن صدق بقلبه، ولم يتفق له الإقرار في عمره، ولا مرة، مع القدرة على ذلك لا يكون مؤمناً، لا عندنا ولا عند الله تعالى. وكلا القولين ضعيف. والمعتمد أنه شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط وإلا فهو مؤمن عند الله تعالى كما سلف وذكرناه.
-والإسلام أشرحن بالعمل : أي أشرحنه بالعمل الصالح، أي بالامتثال والإذعان الظاهري للعمل الصالح، سواء عمل أو لم يعمل.
فمعنى الإسلام شرعاً: الامتثال والانقياد لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مما علم من الدين بالضرورة، والمراد بالامتثال الإقرار اللساني - بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم - الشامل لثبوت الوحدانية لله تعالى وثبوت الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة.
وأما معناه - لغة - فهو مطلق الامتثال والانقياد فالنطق دليل على الإسلام والإيمان، والعمل كمال لهما، وقد ذكر الغزالي في الإحياء بحثاً عنوانه "بحث في الإيمان والإسلام وما بينهما من الاتصال والانفصال" فقال:.. الحق أن الإيمان - لغة - عبارة عن التصديق، وأن الإسلام عبارة عن التسليم والاستسلام بالإذعان والانقياد وترك التمرد والإباء والعناد. وللتصديق محل خاص، وهو القلب، واللسان ترجمانه، وأما التسليم فإنه عام في القلب واللسان والجوارح، فبموجب اللغة يكون الإسلام أعم من الإيمان، ويكون الإيمان عبارة عن أشرف أجزاء الإسلام. وأما في إطلاق الشرع لهما فالحق أنهما قد وردا - أولاً - على سبيل الترادف والتوارد بأن جعل الإسلام عبارة عن التسليم بالقلب والظاهر جميعاً، فإن كل ذلك تسليم، وكذا الإيمان بعد تعميمه بإدخال الظاهر في معناه، وهو جائز لغة، لأن تسليم الظاهر في القول، والعمل ثمرة تصديق الباطن ونتيجته. ودليل هذا الاستعمال قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ} ولم يكن باتفاق إلا بيت واحد. وقال تعالى أيضاً: {يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ}.
ووردا - ثانياً - على سبيل الاختلاف بأن جعل الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب فقط، والإسلام عبارة عن التسليم ظاهراً، ودليل هذا الاستعمال الثاني قوله تعالى: {قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} ومعناه استسلمنا في الظاهر، فأراد بالإيمان - ههنا ـ: التصديق بالقلب فقط، وبالإسلام: الاستسلام ظاهراً باللسان والجوارح. ووردا - ثالثاً - على سبيل التداخل، بأن جعل الإسلام عبارة عن التسليم بالقلب والقول والعمل جميعاً، والإيمان عبارة عن بعض ما دخل في الإسلام وهو التصديق بالقلب، وهو الذي عنيناه بالتداخل. ودليل هذا الاستعمال: ما رُوِي أنَّهُ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ. أيُّ الأَعمالِ أفْضَلُ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: الإِسلامُ. فقيلَ: أيُّ الإسلامِ أفضلُ؟ فقالَ صلى الله عليه وسلم: الإيمانُّ.
وهذا دليل على الاختلاف، وعلى التداخل، وهو أوفق الاستعمالات في اللغة لأن الإيمان عمل من الأعمال، وهو أفضلها، والإسلام هو تسليم، إما بالقلب وإما باللسان، وإما بالجوارح، وأفضلها الذي في القلب، وهو التصديق الذي يسمى إيماناً.‏

-20 مِثَالُ هذا الحجُّ والصَّلاةُ **** كذا الصيامُ فاْدرِ والزكاةُ.

-20 مِثَالُ هذا الحجُّ والصَّلاةُ **** كذا الصيامُ فاْدرِ والزكاةُ
مثال هذا: أي مثال العمل الحج والصلاة والصيام والزكاة. وقد ترك المصنف الركن الخامس - وهو النطق بالشهادتين لتقدم بيانه.
-الحج والصلاة: قدم الناظم الحج - وإن كانت الصلاة أفضل منه - لضرورة النظم فإن بعضهم يكفر بتركها كسلاً بعد أمر الإمام، بل الصيام أفضل من الحج على المعتمد والحج - لغة - هو مطلق القصد، وشرعاً: قصد الكعبة للنسك المشتمل على الوقوف بعرفة. وقد اختلف في أي سنة فرض، فقيل: فرض قبل الهجرة، ونزول قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} الذي كان بعدها إنما هو للتأكيد. وقيل: فرض بعدها، فقيل في السادسة، وصححه الشافعية، وقيل في التاسعة، وصححه ابن الكمال. والصلاة - لغة ـ: الدعاء مطلقاً، وقيل بخير. وشرعاَ: هي أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، بشرائط مخصوصة. وهي إما مأخوذة من الوصل، لأنها وصلة بين العبد وربه، أو مأخوذة من صليت العود بالنار، إذا قومته بها لأنها تقوم العبد على طاعة الله تعالى، وتنهاه عن العصيان، قال الله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}.
وقال بعض المفسرين: الصلاة عرس الموحدين، فإنه يجمع فيها ألوان العبادة كما أن العرس يجمع فيه ألوان الطعام. وأعلم أن الصلاة فرضت قبل الهجرة بسنة. والأرجح أنه لم يفرض عليه صلى الله عليه وسلم صلاة قبلها، وقيل كان الواجب قبلها ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، ثم فرضت الصلوات الخمس ليلة الإسراء.
-كذا الصيام: أي الصيام في كونه مثالاً للعمل مثل ما ذكر من الحج والصلاة. وهو - لغة - الإمساك، ولو عن نحو الكلام، ومنه قوله تعالى حكاية عن مريم عليها السلام: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً}. وشرعاً: الإمساك عن المفطر جميع النهار على وجه مخصوص. وفرض في شعبان في السنة الثانية من الهجرة. وهل كان قبله صوم واجب ونسخ أو لا؟ قولان، وعلى الأول فقيل: عاشوراء، وقيل ثلاثة أيام من كل شهر. وأعلم أنه صلى الله عليه وسلم صام تسع رمضانات ولم يكمل له إلا سنة واحدة على المعتمد.
-فادر والزكاة: أي فاعلم، والمخاطب كل من يتأتى منه الدراية والعلم. والزكاة - لغة - التطهير والمدح والنماء، وشرعاً إخراج جزء من المال على وجه مخصوص، هذا إذا كانت بمعنى الفعل - كما هنا - وإن كانت بمعنى القدر المخرج فهي اسم لمال مخصوص، يؤخذ من مال مخصوص، على وجه مخصوص، يصرف لطائفة مخصوصة، وفرضت في السنة الثانية من الهجرة، بعد زكاة الفطر.‏

-21 وُرجِّحتْ زيَادةُ الإيمانِ **** بما تزيدُ طاعةُ الإنسانِ.

-21 وُرجِّحتْ زيَادةُ الإيمانِ **** بما تزيدُ طاعةُ الإنسانِ
ورجحت زيادة الإيمان: تقدم أن العمل من كمال الإيمان، عند أهل السنة، وهنا ذكر المصنف أن الإيمان يزيد بسبب زيادة طاعة الإنسان. ورجح جمهور الأشاعرة القول بزيادة الإيمان، إذا زادت الطاعة، وهي فعل المأمور به واجتناب المنهي عنه، كما ينقص الإيمان بسبب نقص الطاعة. وقد يزيده المولى سبحانه وتعالى بمحض اختياره من غير سبب يقتضيه.
-والزيادة والنقصان في غير إيمان الأنبياء والملائكة. أما الأنبياء فيزيد ولا ينقص، لأن الكامل يقبل الكمال فحسب. ولا يرد أن الأنبياء يحصل لهم تجل عظيم في بعض الأحيان، كما كان في ليلة المعراج، فالإيمان بعده ليس بمنزلته قبله، لأن هذا لا يستلزم تفاوتاً في إيمانهم.
-وإيمان الملائكة لا يزيد ولا ينقص كما ذكره المصنف في كبيره عن ابن القيم وهو المشهور لأن إيمانهم جبلي بأصل الطبيعة لا يتفاوت، وذكر الشيخ عبد البر الأجهوري أنه يزيد ولا ينقص، فجعله كإيمان الأنبياء.
-فتلخص أن الأقسام الثلاثة: يزيد وينقص (وهو إيمان الأمة، إنساً وجناً) ولا يزيد ولا ينقص (وهو إيمان الملائكة على المشهور) ويزيد ولا ينقص (وهو إيمان الأنبياء) وزاد بعضهم قسماً رابعاً: وهو الذي ينقص ولا يزيد وهو إيمان الفساق.
-وقول سيدنا إبراهيم صلى الله عليه وسلم: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} ليطمئن من قلقه لرؤية الكيفية. لأن الله سبحانه قال: {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى} أي أولم يكفك إيمانك وقوله صلى الله عليه وسلم: "نحنُ أحقُّ بالشكِ منْ إبراهيمَ". أي لو لحقه شك لتطرق لنا بالأولى نظراً لحال الأمة، لا لحاله صلى الله عليه وسلم، أو نظراً لحاله، ويكون منه تواضعاً.
-وقد احتجوا على أن الإيمان يزيد وينقص بحجة عقلية ونقلية، أما العقلية فهي: أنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان بالزيادة والنقص لكان إيمان آحاد الأمة بل المنهمكين في الفسق والمعاصي مساوياً لإيمان الأنبياء والملائكة وهو باطل.
-وأما النقلية فهي النصوص الكثيرة الواردة على هذا المعنى: كقوله تعالى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً} وكقوله: {لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ} وقوله: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً} وقوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً} وكقوله عليه الصلاة والسلام لابن عمر لما سأله، الإيمان يزيد وينقص؟ قال: نعمْ، يَزيدُ حتَّى يُدخلَ صاحِبَه الجنةَ، ويَنقَصُ حتى يُدْخِلَ صاحِبهَ النارَ. وقوله صلى الله عليه وسلم: "لو وُزِنَ إيمانُ أبي بكرٍ بإيمانِ هذه الأمةِ لرجحَ به".
والآيات مع حديث لو وزن إيمان..، لا تدل على أن الإيمان ينقص بل ترشد إلى الزيادة فحسب، فنقول كل ما يقبل الزيادة يقبل النقص، فيتم الدليل على أنّ الإيمان يزيد وينقص غير أن إيمان الأنبياء يقبل الزيادة دون النقص لوجوب العصمة الدائمة المانعة من النقص.
-بما تزيد طاعة الإنسان: أي ورجح جماعة من العلماء القول بقبول الإيمان الزيادة ووقوعها فيه بسبب زيادة طاعة الإنسان، وهي: فعل المأمور به، واجتناب المنهي عنه.‏

-22 ونَقْصُهُ بنقصِها وَقِيْلَ: لا *** وَقِيْلَ: لا خُلْفُ كّذَا قَدْ نُقِلا.

-22 ونَقْصُهُ بنقصِها وَقِيْلَ: لا *** وَقِيْلَ: لا خُلْفُ كّذَا قَدْ نُقِلا
ونقصه بنقصها: أي ونقص الإيمان يحصل بنقص الطاعة فلا يرد الأنبياء والملائكة إذ لا يجوز على إيمانهم أن ينقص بنقصها إجماعاً، هذا مذهب جمهور الأشاعرة.
قال البخاري: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحداً منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص.
-وقيل لا قال جماعة - أعظمهم الإمام أبو حنيفة - لا يزيد ولا ينقص، لأنه اسم للتصديق البالغ نهاية الجزم والإذعان، وهذا لا يتصور فيه ما ذكر، لأن تلك النهاية لا مراتب لها. وبحث فيه. بأن التصديق مراتب، فإن تصديق المقلد ليس كتصديق العارف بالدليل، وهو ليس كتصديق المشاهد، وهو ليس كتصديق المستغرق الذي لا يشاهد إلا الله تعالى.
-وقال الذين نفوا الزيادة: إن الآيات مصروفة إلى الزيادة بالمؤمن به، لأن الصحابة كانوا بما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت الشريعة لم تتم، والأحكام تنزل شيئاً فشيئاً، فكانوا يؤمنون بكل ما يتجدد، وقالوا أن الأحاديث مصروفة إلى الزيادة في الأعمال، وليست في التصديق.
-وقيل لا خلف: قال جماعة - منهم الفخر الرازي، وإمام الحرمين - ليس الخلاف بين الفريقين حقيقياً بل لفظياً. ووجهه أن القول: بأنه يزيد وينقص محمول على ما به كماله، وهو الأعمال، والقول بأنه لا يزيد ولا ينقص محمول على التصديق الباطني وهو أصل الإيمان، فيرجع الخلاف لفظياً.
-كذا قد نقلا: أي القول بأنه لا خلاف. والأصح أن التصديق
القلبي يزيد وينقص بكثرة النظر ووضوح الأدلة، وعدمها، وقد يزيد أيضاً بمحض التجلي كما سبق.
ولهذا كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريه الشبه وعلى هذا يتبين أن الخلاف حقيقي.
-والمعتقد أن الإيمان هو التصديق فقط وأن النطق شرط في إجراء الأحكام الدنيوية وأن الإيمان يزيد وينقص كما هو التحقيق، فاستفده، والله ولي التوفيق.‏

AHMED MOHAMED
16-04-2005, 23:41
-23 فَواجِبٌ لهُ الوجودُ والقِدَمُ *** كَذَا بَقَاءٌ لا يُشَابُ بالعَدَمُ.

-23 فَواجِبٌ لهُ الوجودُ والقِدَمُ *** كَذَا بَقَاءٌ لا يُشَابُ بالعَدَمُ
فواجب له الوجود: تنقسم الصفات الواجبة إلى قسمين، ثبوتية وسلبية، فالثبوتية قسمان. منها ما يدل على نفس الذات، دون معنى زائدة عليها، وهي الوجود. ومنها ما يدل على معنى زائد على الذات وهي صفات المعاني والمعنوية إلا أن هذا المعنى الزائد وجودي في المعاني، وثبوتي في المعنوية، وكلاهما أربع عشرة صفة: القدرة والإرادة، والعلم والحياة، والسمع، والبصر، والكلام. وكونه تعالى: قديراً، مريداً، عليماً، حياً، بصيراً، سميعاً، بصيراً، متكلماً. فصفات المعاني دلت على معنى زائد على الذات، وكذلك المعنوية، إذ هي عبارة عن قيام المعاني بالذات.
-والسلبية خمس صفات، وهي القدم، والبقاء، والقيام بالنفس، والمخالفة للحوادث، والوحدانية.
وهنا شروع بما يجب لله تعالى، وأول واجب هو:
الوجود: واعلم أن الأشاعرة يعرَّفون الوجود بأنه صفة نفسية يدل الوصف بها على نفس الذات دون معنى زائد عليها. وإنما قدم الوجود على بقية الواجبات له تعالى لأنه أصل، وما عداه كالفرع، إذ الحكم بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات، وجواز ما يجوز في حقه تعالى لا يتعقل إلا بعد الحكم بوجوب الوجود.
-ومعنى كونه تعالى واجب الوجود أنه لا يجوز عليه العدم ولا يقبله لا أزلاً ولا أبداً، والدليل على ذلك أن نقول: العالم حادث، وكل حادث يجب افتقاره لمحدث، فوجب افتقار العالم إلى المحدث، وهو الله تعالى، وكل من وجب افتقار العالم إليه فهو واجب الوجود، فوجب وجود الله تعالى، ولو لم يكن واجب الوجود لكان جائزه، ولو كان جائز الوجود لما ظهرت الأكوان، كيف وقد ظهرت. لأنه لو كان جائز الوجود لاحتاج إلى محدث يحدثه كما احتاج الكون الحادث إلى محدث، ثم لاحتاج محدثه إلى محدث كذلك، لوقوع المماثلة بينهما، وهكذا، فإما أن يستمر الحال إلى ما لا نهاية وهو التسلسل أو يرجع الأمر إلى الأول، وهو الدور، وكلاهما باطل، وما أدى إليهما، وهو احتياجه سبحانه إلى محدث، باطل أيضاً، فيثبت عدم احتياجه، أي وجوب وجوده سبحانه.
-وحقيقة الدور هي توقف الشيء على ما يتوقف عليه ذلك الشيء فإن كان التوقف بمرتبة واحدة سمي الدور المصرح، كما إذ توقف زيد على عمرو، في حال توقف عمرو على زيد، فكل واحد منهما ينتظر صاحبه أن يوجده. وإن كان بمراتب سمي الدور المضمر "كما إذا توقف آ على ب، وتوقف ب على ج وتوقف ج على آ" وبطلان أنه يلزم عليه كون الشيء الواحد سابقاً على نفسه مسبوقاً بهما، كما لو فرضنا أن زيداً أوجد عمراً وأن عمراً أوجد زيداً متقدماً على نفسه، متأخراً عنها، وأن يكون عمرو كذلك، وهذا يؤدي إلى اجتماع النقيضين، وهو باطل.
-وأما حقيقة التسلسل فهو أن تفرض سلسلتين، إحداهما من الآن إلى ما لا نهاية له في جانب الماضي، وتبدأ الأخرى من قبل الآن - وليكن عهد الطوفان - إلى ما نهاية له في جانب الماضي، ثم تطبيق السلسلتان، إحداهما على الأخرى فلا يخلو حالهما إما أن تتساويا، وهو باطل لأنه يلزم تساوي الناقص بالزائد "أي تساوي السلسلة الآنة بالطوفانية وإما أن تتفاوتا، وهو الصحيح، فإن مقدار التفاوت بينهما معلوم، وهو ما كان من الطوفان إلى الآن، وهو مقدار متناه، والذي يزيد بمقدار متناه يكون متناهياً أيضاً، ولابد من انتهاء الحوادث في جانب الماضي، ومعنى انتهائها أنها مسبوقة بعدم أي لم تكن ثم كانت.
-والوجود: صفة نفسية، ونسبت للنفس بمعنى الذات لأنها لا تتحقق خارجاً بدونها.
-والقدم: هذا شروع في الصفات السلبية، وهي التي دلت على سلب ما لا يليق به سبحانه أي تسلب من الذهن أضدادها، وهي غير منحصرة على الصحيح، وإنما عد المصنف منها خمساً لأنها من مهمات أمهاتها، ولأن الشارع الحكيم لم يكلفنا تفصيلاً إلا بها.
-والمراد بالقدم في حقه تعالى: القدم الذاتي، وهو: عدم افتتاح الوجود، أو عدم الأولية للوجود. وأما القدم في حقنا فالمراد به الزماني، وهو طول المدة، وهذا مستحيل في حقه تعالى
قال تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فالأول: هو قبل كل شيء بلا بداية والآخر: هو بعد كل شيء بلا نهاية.
وإن قلت: إن وجوب الوجود يستلزم القدم بل والبقاء، فذكرهما بعده محض تكرار! قلت: علماء هذا الفن لا يكتفون بدلالة الالتزام، بل يصرحون بالعقائد لشدة خطر الجهل بها * ودليل القدم: أنه لو لم يكن قديماً لكان حادثاً، ولو كان حادثاً لافتقر إلى محدث وهكذا محدثه يفتقر إلى محدث لانعقاد المماثلة بينهما، حتى ننتهي إلى الدور أو التسلسل وكلاهما باطل، ويلزم أن حدوثه باطل كذلك، وإذا ثبت بطلان الحدوث ثبت القدم، إذ لا واسطة بينهما.
-فائدة: انشعبت الأقوال في القديم والأزلي إلى ثلاثة، الأول: أن القديم هو الموجود الذي لا ابتداء لوجوده، والأزلي ما لا أول له، عدمياً كان أو وجودياً. فعليه الصفات السلبية لا توصف إلا بالأزلية، بخلاف الذات العلية، والصفات الثبوتية، فإنها توصف بالقدم والأزلية. الثاني: أنهما مترادفان، الثالث: أن القديم هو القائم بنفسه الذي لا أول لوجوده، والأزلي هو ما لا أول له، عدمياً كان أو وجودياً، قائماً بنفسه أو لا.
فعليه الصفات مطلقاً لا توصف بالقدم لأنها غير قائمة بنفسها، وتوصف الذات العلية بكل منهما.
-كذا بقاء: المراد بالبقاء في حقه تعالى عدم الآخرية للوجود، أو عدم اختتام الوجود. ودليله: أنه لو جاز عليه العدم لاستحال عليه القدم، إذ كل ما ثبت قدمه استحال عدمه، وقد سبق دليل وجوب القدم قال تعالى: {وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وقال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ}
-تنبيه: عدمنا في الأزل لا أول له، وله آخر. والمخلوقات لها أول ولها آخر ما عدا نعيم الجنة وعذاب النار، فلهما أول وليس لهما آخر، فكل منهما باقي، لكن شرعاً لا عقلاً، لأن العقل يجوز عدمهما.
-لا يشاب بالعدم: لا يلحق بقاء الله تعالى عدم، أو لا يشاب بجواز العدم، وهو معنى البطلان في قول لبيد رضي الله عنه: ألا كل شيء ما خلا الله باطل.‏

-24 وأَنهُ لمَّا ينالُ العَدمُ *** مخالفٌ بُرهانُ هَذا القِدَمُ.

-24 وأَنهُ لمَّا ينالُ العَدمُ *** مخالفٌ بُرهانُ هَذا القِدَمُ
وأنه لما ينال العدم مخالف: أي وواجب له تعالى أنه مخالف للحوادث التي يلحقها العدم. والمخالفة للحوادث عبارة عن سلب الجرمية ولازمها (التحيز) والعرضية ولازمها (القيام بالغير) والكلية ولازمها (الكبر) والجزئية ولازمها (الصغر) إلى غير ذلك من سمات الحوادث، كالفوقية والتحتية. فهو سبحانه ليس بجسم، لأن كل جسم مؤلف من جواهر، وكل جوهر متحيز لا يخلو عن أن يكون ساكناً في متحيزه أو متحركاً وكلا الحركة والسكون حادثان، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، إذاً فالجواهر حادثة وبالتالي يثبت حدوث الأجسام.
-وهو سبحانه وتعالى ليس بعرض، لأن العرض لا يقوم بنفسه، بل لابد له من جسم يقوم به. وقد ثبت حدوث الأجسام فيثبت بالتالي حدوث الأعراض. ولأن الله سبحانه متصف بصفات المعاني (وهي القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام) ولا تعقل هذه إلا لموجود قائم بنفسه، مستقل بذاته، ولهذا قال: برهان هذا القدم: أي دليل مخالفته سبحانه للحوادث وهو دليل القدم. وذلك بأنه لو لم يكن مخالفاً لها لكان مماثلاً، ولو كان مماثلاً لها لكان حادثاً، كيف وقد سبق ثبوت قدمه سبحانه، وقد قال الله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} أي لم يكن له أحد مكافئاً. وقال أيضاً: {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنْ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} والفاطر هو الخالق على غير مثال سبق. وإذا ما ألقى الشيطان في الذهن أنه إذا لم يكن المولى جرماً ولا عرضاً، ولا كلاً، ولا جزءاً، فما حقيقته؟ فقل في رد ذلك: لا يعلم الله إلا الله، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} بيد أنه قد ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن قوماً تفكروا في الله عز وجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تَفكَّروا في خلقِ اللهِ، ولا تَتَفكروا في الله فإنكم لن تَقدِروا قدْرَهُ". وورد أيضاً "أن الله احتجب عن البصائر كما احتجب عن الأبصار، وأن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه" وسئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه هل يتأتى لبشر أن يدرك الله؟ فقال: العجز عن الإدراك إدراك وسئل سيدنا علي كرم الله وجهه: بم عرفت ربك؟ قال عرفته بما عرفني به نفسه لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالقياس، ولا يشبه بالناس، قريب في بعده، بعيد في قربه، فوق كل شيء، ولا يقال تحته شيء، وأمام كل شيء ولا يقال أمامه شيء. وقال الجنيد رضي الله عنه: لا يعرف الله إلا الله. بيد أن هذه النصوص وأمثالها إنما تنفي معرفة الله تعالى من حيث كنه ذاته وكنه صفاته، وأما معرفة الله تعالى من حيث وحدة ذاته أو وحدة صفاته أو وحدة أفعاله فهي واجبة على كل مكلف بل هي أول الواجبات عليه، ويليها معرفة أحكام العبادات والمعاملات، وتزكية النفس وتخليصها من آفاتها وأخلاقها المذمومة.
وقد ذكر النسفي والخازن في تفسيريهما أن ابن عباس رضي الله عنهما قال في معنى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ} أي وحدوا ربكم، وقال: كل ما ورد في القرآن من العبادة معناه التوحيد. وذكر النسفي في معنى قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} أن معناه إلا ليعرفوني، ثم قال: وهذا حسن، لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده. ونقل القرطبي عن مجاهد أن معنى قوله تعالى {إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}. إلا ليعرفوني. وها هو العلامة أحمد الصاوي يشرح هذه المعرفة المطلوبة بقوله: معرفة العبد ربه نور يقذفه في قلبه، فيدرك بذلك أسرار ملكه، ويشاهد به ملكوته ويلاحظ صفاته، وهذا معنى قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي منورهما ومنور قلوب المؤمنين فيهما. وقد عبر الصوفية رضي الله عنهم عن معرفة الله سبحانه بالوصول إليه وقال ابن عطاء الله: "وصولك إلى الله وصولك إلى العلم به، إذ جل ربنا أن يتصل به شيء أو يتصل هو بشيء". وقال النوري: الاتصال مكاشفات القلوب ومشاهدات الأسرار في مقام الذهول. وقال الإمام الغزالي: اعلم أن الاتصال والمواصلة - فيما أشار إليه الشيوخ - لكل من وصل إلى صفو اليقين بطريق الذوق والوجد، وهو رتبة في الوصول، ثم يتفاوتون، فمنهم من يجد الله بطريق الأفعال، وهو رتبة في التجلي، فيفنى فعله وفعل غيره لوقوفه مع الله تعالى. ومنهم من يوقف في مقام الهيبة والأنس بما يكاشف قلبه من مطالعة الجلال والجمال وهو تجل بطريق الصفات، وهو رتبة في الوصول، ومنهم من يرقى إلى مقام الفناء مستملياً على باطنه أنوار اليقين والمشاهدة، مغيباً في شهوده عن وجوده، وهذا ضرب من تجلي الذات لخواص المقربين، وهذه رتبة في الوصول وفوق هذا حق اليقين، ويكون من ذلك في الدنيا للخواص لَمُحٌ، وهو سريان نور المشاهدة في كلية العبد حتى يحظى به روحه وقلبه ونفسه حتى قالبه، وهذا من أعلى رتب الوصول. وقد بين معنى القرب من الله تعالى فقال "وحقيقة الأنس: استبشار القلب وفرحه لما انكشف له من قرب الله تعالى وجماله وكماله" وقال بعضهم: حقيقة القرب فقد حس الأشياء من القلب، وهدوء الضمير إلى الله تعالى قلت: وهذا هو الوسيلة لنيل القرب، لا نفس القرب، لأن هذا هو طهور القلب عما سوى الله تعالى، وإذا تطهر القلب عما سوى الله تعالى كان حاضراً معه، لأنه ليس بين العبد وبين الله إلا حجاب نفسه وعوارضها، فإذا فني عنها وعن عوارضها، وعلم قيام العالم كله بقدرة الله تعالى عرف قرب الله تعالى منه، وجملة ذلك أن كل ذرة من بدء العالم وبدء الإنسان قد تعلق علم الله تعالى بها كشفاً، وإرادته تخصيصاً، وقدرته إيجاداً وإبقاء، والصفات لا تفارق الموصوف بل صفاته قائمة بالموصوف، فإذا نطق العارف فلا ينطق بنفسه، وإذا سمع فلا يسمع بنفسه، وهكذا ورد في الحديث: (كنتُ سَمْعهُ الَّذي يَسمع بهِ وبصرهُ الذيْ يُبصِرُ به.. الحديث)
فالعارفون تنشأ أحوالهم عن قرب الله تعالى، وأما الأبرار فتنشأ أحوالهم عن ملاحظة علمهم بوجود الرب مطلقاً، مع العلم باقتداره على المنح والعطاء والإسعاد والإشقاء. والعارفون يرون ربهم في الدنيا بعين الإيقان والبصائر، وفي الأخرى بالأبصار، فهو قريب منهم في الدارين، وليس قربه منهم في الأخرى مخالفاً لقربه في الدنيا إلا بمزيد اللطف والعطف، وإلا، فقد ارتفع هنا وهناك قرب المسافة ولم يكن بينه وبين مخلوق إضافة، لا في الدنيا، ولا في الآخرة البتة. وهذه المعرفة مثمرة للأنس بشرط الصفاء، والأنس يثمر السكينة.‏

AHMED MOHAMED
17-04-2005, 00:20
يتبع إن شاء الله

AHMED MOHAMED
19-04-2005, 23:43
السلام عليكم سادتي الكرام
أعتذر عن عدم اكمال الكتاب لأنه بفضل الله تم انزاله كاملا في المنتدي