المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرَّدُّ على كتاب(التفكير في زمن التكفير) /د. نصر حامد أبو زيد



سعيد فودة
07-04-2005, 23:12
الرد على كتاب
التفكير في زمن التكفير
تأليف د. نصر حامد أبو زيد

مكتبة مدبولي القاهرة

هذا الكتاب استمرار للمعركة الدائرة بين العلمانيين والإسلاميين، وسوف ننقل نصوصاً عديدة من كلام مؤلف الكتاب تثبت ما نقوله هنا، وهو يصرح بذلك ولا يلوح. والكتاب عبارة عن ردة فعل مبنية على ما جرى مع أبو زيد من مشاجرات مع الذين عارضوه وبعضهم رفع دعوى بتطليقه من امرأته بحجة أنه ارتد عن الإسلام. وهذه الدعوى في نظرنا دعوى بائسة لا يليق أن ترفع على واحد مثل أبو زيد وامرأته، فهما متوافقان في الفكر والآراء، فإن كان هو مرتداً فهي مثله والزواج بينهما باقٍ، وفي حالتي الإسلام والكفر لأنهما معاً فيه، ولا يصح في نظري أن يتم التركيز على هذه الجوانب، لأن ذلك يؤدي إلى التشغيب من الخصوم العلمانيين على المشايخ والإسلاميين وإن كان الحق معهم! فسوف ينقلب موقفهم ضعيفاً حالما يلجوا هذه المداخل. وقد يكونون اعتمدوا على أنه ربما يجعل التشويش المثار حول أبو زيد يراجع موقفه أو كلامه، أو يضعف موقفه ولكن حسابهم هذا وتقديرهم للموقف غلط أيضاً. لأن أبو زيد إن كان مرتداً، فسوف يسعده أن يثار حوله مثل هذا الكلام، لأن هذا سوف يزيد في أسهمه عند محبيه وأنصاره وأتباعه. وإن لم يكن كذلك، فسوف يكون موقف الأعداء ضعيفاً لأنه سوف يثبت بطلان كلامهم، ولذلك فأنا أقول أن اتباع هذه الأساليب في مجال الحوارات العلمية باطل لا يعود بالمصلحة الدين والله أعلم.
وقضية ابو زيد من وجهة نظره هو في جوهرها قضية صراع بين نمطين من التفكير كما يقول في ص 20 وما بعدها، النمط الأول نمط الثبات والتثبيت والدفاع عن الماضي والتشبث بقيمه وأعرافه مهما كانت النتائج التي يفضي إليها من تزيف الحاضر وسد طريقنا أمام المستقبل. وهو يصف أصحاب هذا الاتجاه أولاً بأنهم يقاومون التغير والتطور، ثم يقول واصفاً إياهم «يقومون باستخدام الإسلام استخداماً نفعياً» ذا طابع براجماتي بالدرجة الأولى » اهـ.
وبهذا يفسر مناداة الإسلاميين بالاشتراكية في الخمسينات والستينات أو بأن الاسلام لا يتعارض معها، ثم مناداتهم بالجهاد ضد الاستعمار والصهيونية، ثم تحول في السبعينات تحولاً دراماتيكياً على حد قوله ليصير دين السلام ودين المحافظة على الملكية الشخصية وصار لهذا الاتجاه قاعدته الاقتصادية وجناحه العسكري والسياسي.
ثم يصف هذا الاتجاه بأنه صار مجرد واجهة ويافطة سياسية لحشد الجماهير واستغلال البسطاء.


يتبع....

هشام محمد بدر
08-04-2005, 03:30
بارك الله فيك يا شيخنا العزيز جدًا جدًا سعيد فودة على هذا الموضوع .. و أنا قد دخلت جناح مكتبة مدبولي في معرض الكتاب الماضي بالقاهرة فوجدت صاحبها رجلاً ريفيًا تاجرًا لا اكثر يسوق و يروج كل ما هب و دب و درج من الكتب ، فكان يضع كتب الشيعة التي تسب الصحابة الأكارم بأقذع الألفاظ بجوار كتب أهل السنة التي تحكي فضائل الصحابة !

أما بالنسبة لهذا الزنديق نصر أبو زيد ، فأنا اعجب كيف يقول هذا الرجل ان دعاة الإسلام ثابتون جامدون يقاومون التغير و التطور ثم يحكي أنهم لا يثبتون و أنهم يتغيرون من الدعوة للإشتراكية إلى الجهاد إلى الركون للسلام !

إن هذه لهي الدعارة العقلية التي يجيدها هؤلاء الزنادقة المنحرفون !

سعيد فودة
09-04-2005, 09:16
وأنا أرى أن في كلام أبو زيد تسرعاً، فلم قال إن هذا النمط من التغير محاولة من أصحاب هذا الاتجاه لاستغلال الدين، ولم يقل إنه محاولة لإثبات أن الدين صالح لكل زمان ومكان نعم إن هذه المحاولات متسرعة ايضاً، وهذا هو ما يجعل الطرف الآخر كأبي زيد لينك في مصداقيتها وحسب نواياها. ووجه التسرع هو أن الإسلام في نفسه يتعارض مع الاشتراكية مثلاً من حيث هي مبدأ عام، ويتعارض مع المبدأ الراسمالي، كما يتعارض مع الديمقراطية من حيث كونها واجهة للراسمالية المعاصرة. ولكنا نرى بعض الدعاة والمشايخ الممثلين لحركة الإسلاميين يسارعون لا دعاء أن الاسلام يتضمن الاشتراكية ويتضمن الراسمالية ولو من بعض الجهات نعم هم يريدون القول أن ما في الاشتراكية من محاسن فالإسلام لا يخلو منها وبشكل أفضل، وأن ما في الرأسمالية من جهات حسنة فالاسلام لا يعارضها ولكنهم غلطوا حين حاولوا المزايدة على نفس تلك الأسماء التي صارت علماً على مبادئ معارضة في جوهرها للإسلام، وكذلك قالوا إن الإسلام ديمقراطي وهكذا، وهذا الأسلوب في الحقيقة هو حطٌ بين مقام ومنزلة الاسلام، وتناقض مع حقيقته، فهم يحاولون تحسين صورة الاسلام عند المعارضون بوصفه بأوصاف يتوهمون أنها لا تعارضه. أو أنهم يعرفون أنها تتعارض مع قواعد الدين ولكنهم يغالطون فيحاولون تجريد تلك المبادئ مما يتعارض فيه مع الاسلام وإبقاء الاسم مقولاً على الجانب الحسن منها.
ومعلوم أن هذا الأسلوب لا ينطلي على المعارضين للإسلام من العلمانيين والاشتراكيين الشيوعيين، ولا ينجذب به المحبون للدين المتمسكون بتعاليمه، أما الذي بعجب بهذا الأسلوب فهم عبارة عن تلك المجموعات التي ربما تميل بعاطفتها العامة نحو الدين، ولكنهم في نفس الوقت يعظمون تلك المبادئ المشار إليها ويعتقدون فيها الصلاح، فيكون هذا الأسلوب التلفيقي مريحاً لهم بعض الوقت فهو يجمع لهم بين المتعارضين، ويوفق لهم بين الضدين.
ولكن حالة التناقض لن تدوم ولا تدوم عادة ولا عقلاً، فالتناقض إلى زوال دائماً، ولذلك فإن هذه الطائفة التي يعجبها مثل هذا الأسلوب، ما أن يمر عليها زمان تختمر فيه عندها المفاهيم وتتميز المصطلحات حتى تسعى إلى حل التناقض وإزالته، فيكونون إما إلى هؤلاء أو هؤلاء، أو يتركون هذا الوضع كله حروباً من حالة التناقض عند عدم الترجيح. وهذا هو موقف التوقف الذي لا يملك الإنسان بديلاً عقلياً عنه عند التعارض وعدم القدرة على الترجيح، لأن الاختيار بلا مرجح هوى والعاقل من الناس لا يمكن أن يصرح بأن يتبع الهوى، بل لا بد له من التنظير حتى لاتباعه هواه، وتقعيده لموقفه لابناء على نفس الهوى.
ومن ذلك نعلم لماذا يتهم أبو زيد الإسلاميين الحركيين الذين وقعوا في مثل ذلك الأسر الذي وصفناه بالانتفاع بالدين والتناقض والتردد وغير ذلك من الأوصاف المشينة.
وهنا لا يعني أن موقفنا يؤيد أبا زيد، لا مطلقاً، فالرجل علماني محض، يتمتع ببعض ما يعلمه من ثقافة من الدين ليحاول الترويج لبضاعته، وهو مؤمن بأن الحل يكمن في العلمانية الصريحة والتغلب من قوالب وأحكام الدين ف أكثر جهات الحياة، كما سنرى. ولكن نقدنا المنطلقات موقف أبو زيد، لا يستلزم تأييدنا لهؤلاء الإسلاميين، وحجة اعتراضنا على أسلوبهم قد بيناه سابقاً.
وأما النمط الثاني فهو نمط التركيز على الفهم واستنباط الجوهري والدفاع عن التطور لمعانقة المستقبل، هذا هو وصف النمط الثاني كما ورد في الكتاب ص 22، وقال: «واصحاب هذا الاتجاه لا يستبعدون الدين ولا يعادونه كما يجب أصحاب الاتجاه الأول أن يقنعوا الناس تزييفاً لوعيهم بل هم يحرصون على الفهم فهم التراث والدين معاً، فهماً يتباعد بهم عن آلية الاستخدام البراجماني، من هنا يسيطر على خطابهم اتجاه نقدي لو يرى للتراث قداسة بما هو فكر بشري حول الدين... الخ.
وأبو زيد ينتمي إلى الاتجاه التالي
نعم لا يملك أصحاب هذا الاتجاه إلا أن يزينوا صورتهم، فيدعون أنهم ليسوا ضد الدين، ولكنهم لم يقولوا إنهم معه، بل قالوا أنهم يحاولون التمسك بالجوهري من الدين، وكيف يتم معرفة الجوهري من عدمه إنه هذا الأمر يتم عندهم برؤى وقراءات خاصة بكل واحد منهم، ويجمعهم جميعاً علامات وخصائص حاصلها عدم اعتبار ما اعتبره جماهير علماء الإسلام أساسياً وأصلياً، كما سترى وهؤلاء يميزون بين التراث والدين. ويطلقون التراث على كتب ونتاج العلماء، وأما الدين فيريدون به مجرد النصوص ثم إذا ازددنا علماً بهؤلاء، فإننا نراهم ينقدون أغلب ما ورد من كتب العلماء والقواعد التي حققها المتقدمون، ولا يسلمون بها، ويريدون استبدالها باقتراحات من عند أنفسهم فهم يريدون أن يبدوا طريقة فهمنا للإسلام على حسب أفهام العلماء، والمجتهدين عر تلك القرون الماضية، بطريقة فهمهم هم؟؟ وطريقة فهمهم تنبني بلا شك ولا تردد على مسلمات خارجة عن دائرة الدين كما سنرى. وهم إذ يفعلون ذلك كله لا يقولون إنهم يفعلونه ليخرجوا عن أساس الدين وقواعده، بل يدعون بكل صراحة، وجرأة، أنهم بهذا العمل يكونون محققين لحقيقة الإسلام، ليصير الإسلام عندهم علمانياً حقيقةً لا تأويلاً فقط. فحاصل طريقتهم أنهم يقولون إن المسلمين طوال القرون الماضية لم يفهموا الإسلام على حقيقته، وأنهم هم فقط من فهمه وتمكن من التحقق بحقيقته فالإسلام عندهم هو حقيقة العلمانية.


يتبع...

سعيد فودة
15-04-2005, 00:07
هذه هي حقيقة الطريقة والأسلوب الذي يتبعه أصحاب الاتجاه العلمانيات قراءة الدين، انهم يريدون أن يقنعونا أن الإسلام ليس إسلاماً، كما نعرفه وعرفه المتقدمون، بل هو حقيقة العلمانية نفسها. وهذه هي المفاجأة الكبرى التي سيغلقون الستارة عليها. فالإسلام لم تتضح معالمه إلا بعد نزوله بألف وأربعمائة سنة على أيدي العلمانيين... إن هذا الموقف سخرية كبيرة بالدين تصدر من أفواه العلمانية.
هؤلاء العلمانيون دائماً يظهرون أنفسهم مدافعين عن الحرية، إنهم لو يريدون الحرية السياسية، فهذه كانت وانتهت، ويشاركهم فيها الاسلاميون وغيرهم، ولكنهم يركزون على الحرية الفكرية، ولا يقصدون من هذه الحرية التفكير الصحيح، بل يدخل في ذلك المصطلح كل فكرة أو توهم أو تخيل يطرأ على ذهن واحد منهم، فهم يسمون ذلك قراءة جديدة، وجعلوا محل تلك القراءات مسلطة على النصوص الدينية وأباحوا لأنفسهم أن يفهموا النصوص على حسب أهوائهم وظروفهم الاجتماعية، أو أباحوا لأنفسهم أن يجعلوا لا فهمهم فهماً. وهم لم يكتفوا بذلك، بل صاروا يصرحون بأن قراءتهم هذه أصلح وأقوم حالاً من سائر الافهام والاجتهادات التي مرت في تاريخ الأمة الاسلامية، إنهم يرجحون كلامهم على كلام الشافعي وأنبي حنيفة وجميع الصحابة. ومن هو الشافعي في مقابل نصر حامد أبو زيد إن هذا يعتبره اصحاب مضارعاً للشافعي، بل تفوق عليه بملاحظة الوسائل والآليات الحديثة للقراءة وإن كانت تخبط خبط عشواء.
إن موقف هؤلاء من التعلم والتعليم أن يقدحوا في كل قاعدة مقررة جاء بها الدين أو فهمها وأجمع عليها علماء الدين طوال القرون الماضية، كل هذا بحجة الحرية في التعلم والتعليم، إن هذه عين السفسطة والعبثية، ولا تمت إلى التعليم بصلة. وأما الحرية التي يريدونها متفلتة من أي قاعدة، فهي غوغائية محضة. وكل هذه الأدواء التي ينادون بها إنما يعلون أصواتهم بها عندما يتكلمون عن الإسلام أما عندما يتكلمون عن الرأسمالية وغيرها من النظم المنكرة للأديان، فإن أصواتهم تنخفض ونفسهم يصبح أكثر أدباً، وحريتهم تنضبط، فهم موجهون نحو هدف معين لا يريدون تجاوزه.
إن هؤلاء العلمانيين يحذرون كل الحذر من أن يتمكن أحد من الإسلاميين أو من يميل إليهم من السيطرة على جهاز الحكم وإدارة شؤون الدولة. فهدف العلمانيين ابقاء الأوضاع القانونية والادارية بعيدة عن الاسلام والمسلمين، ولذلك فهم دائماً يشنعون على الاسلاميين بأنهم لا يسعون الا وراء السلطة، وأنهم يستخدمون الاسلام مجرد واجهة للوصول إلى هدفهم المنشود. ولو نظرنا نحن إلى هؤلاء العلمانيين لرأينا أنهم منكبسون بهذا الأمر أكثر بكثير من الإسلاميين الذين يتهمونهم بنفس التهمة.
ولذلك ترى العلمانيين يحاولون إعادة قراءة موقف الاسلام من الدولة، فها هو نصر حامد أبو زيد يقول في ص 35: «إنه ليس خلافاً حول الإسلام كما أن العلمانية في نشأتها التاريخية لم تكن مناهضة للمسيحية بل هو خلاف حول فهم الاسلام، وحول علاقة الدين بالدولة، كما أن العلمانية في نشأتها كانت حركة فكرية ضد التفسيرات الكنسيه الحرفية المغلقة للمسيحية، وضد سيطرتها وهيمنتها على شؤون الدولة والمجتمع، وإنكار العلاقة التاريخية بين الاسلام والدولة مسألة فكرية خلافية وليست مسألة دينية، إن المصادفة التاريخية هي التي وحدت لفترة قصيرة بين القيادة الروحية والقيادة السياسية في شخص الرسول، ثم استردت قريش هيمنتها على العرب بادعاءات انتساب الرسول إليهم، رغم أن الأنبياء حسب رواية منسوبة للرسول ذاته «لا يورثون» اهـ.
إن المتأمل في هذا الكلام يفهم تماماً أن كاتبه لا يسلم بأي ارتباط بين الاسلام وبين قيادة الدولة، ولكن من الظاهر أنه لا يريد التصريح مباشرة بذلك، بل يتشبث بأمور، فهو يقول إن الناس لما رأوا النبي رئياً وقائداً، زعيماً للمسلمين، لفترة قصيرة، ظنوا الارتباط صحيحاً، ولكن الصحيح في نظره أنه ارتباط ناشئ عن محض المصادفة، فليس هذا الارتباط من جوهر الدين بل هو أمر حرضي. ويعلل نظرته هذه بزعمه بأن قريش أخذت الزعامة مرة أخرى، بعد وفاة النبي  وتمسكوا بمجرد ادعاءات، كانتساب الرسول إليهم، وهذه الادعاءات ليست مستندة إلى شيء ونص ديني صحيح، بل هي عبارة عن كلمات تمسك بها الناس من أجل الفوز بالسلطة الدنيوية لا غير.
هذه هي النظرة التي يعتقدها أبو زيد والعلمانيون في العلاقة بين الدولة والدين، وكل مرادهم من ذلك هو فصل الارتباط الذي يقول به الاسلاميون بين الدولة والدين، فلا يجب على الدولة أن تراعي جانب الدين ولا يجب عليها أن تلتزم أحكامه. بل الأصل عدم التزام احكام الدين لأنه لا يوجد أحكام دينية خاصة بالدولة هذه هي خلاصة أفكار هؤلاء العلمانيين.
وأنا ارثي لحالهم أن اعتقدوا أن هذه الأفكار ستكون بديلاً عند المسلمين عن الأحكام التي تقررت لديهم من كون الدين غير منفك عن الدولة، وأن الدولة الصحيحة التي تتحقق بها سعادة البشر هي الدولة التي تلتزم أحكام الإسلام، والمسماة بالدولة الاسلامية، إن أفكار هؤلاء العلمانيين ضحلة جداً لدرجة أنها لا تستطيع أن تقنعهم هم أنفسهم، فطموحهم من أن يتمكنوا من إحلال هذه الأفكار الساذجة محل الأحكام الاسلامية المقررة فقهاً واصولاً، طموح طفل يتخيل.
إن الصراع بين هذين العريقين يتجلى في نظر نصر حامد أبو زيد في مظاهر عديدة، ومن هذه المظاهر:
أولاً: تقديس التاريخ ودراسة بمنهج الاحتفال والتوقير وذلك في مقابل منهج التحليل والتفسير والنقد.
هذا هو ما يدعيه نصر أبو زيد، ولكننا نرفض هذا الذي يقوله، ونتبرأ منه، فلا يجوز تقديس التاريخ بما هو حركة الشعوب وجنس البشر، وإلا قلنا بعصمة البشر جملة وتفصيلاً، وهذا لا يقول به عاقل ولم يقل.
وعلماؤنا لم يبتعدوا عن نقد الافعال التاريخية الصادرة عن بعض القادة والعلماء أو الشعوب بل وضعوها تحت النقد والتحليل والمعارضة، ولم يأخذوها كمسلمات كما يدعي هذا الرجل، وإلا لكان التاريخ الاسلامي خالياً من التقلبات والدول والثورات والحروب، ولكنا بنظرة منصفة نجد التاريخ الاسلامي غير خالٍ مما قلناه بل هو عارٌ بها كأي تاريخ لأي دولة أو دول أخرى على الكرة الأرضية.
ولكن الذي يريده أبو زيد كما لا يخفى هو نقد التاريخ والاعتراض عليها، ورفض حركات التاريخ لهذه الأمة، لأن الحركة التاريخية ناتجة عن وعي وفكر وتعقل ما، وهذا الفكر والتعقل يرفضه أبو زيد كما عرفت، ولذلك فسيكون من التناقض أن يسلم بمجريات التاريخ عال رفضه ونقضه للاساس الذي انطلق منه وقام عليه.
ولا أحد من الإسلاميين يوافق على جميع الحوادث والتطورات التاريخية لهذه الأمة، بل لا بد من أن نجد كل واحد منهم يعترض على جانب أو جوانب منه، لأن لكل واحد نظرته وتقييمه التفصيلي وإن اشترك مع الآخرين في النظرة الاجمالية الكلية.
ولا أعرف أحداً من الاسلاميين يسلم تسليماً مطلقاًُ للحوادث التاريخية التي مرت بها الأمة، وللأفعال الصادرة من بعض الدول أو الحكام. ولذلك، فإطلاق الحكم كما أطلقه نصر أبو زيد بأن الاسلاميين يقدسون التاريخ، بجانب للصواب كما لا يخفى.
حسناً، فإذا كان الاسلاميون لهم انتقاداتهم وتحليلهم للتاريخ، فما وجه الخلاف الصادر من العلمانيين تجاههم؟! هذا سؤال يجب الجواب عليه.
معلوم أن كل واحدٍ يحلل التاريخ وينتقده فإنما ينطلق في حركته الفكرية هذه من نظرة مبدأية وايديولوجية معينة. ومعلوم أن الاسلاميين ينتقدون ويحللون في ظل ايمانهم وتسليمهم لهذا الدين على النحو المعلوم لأهله لا للعلمانيين، ولذلك فإن النتائج التي تصدر عندهم لا ترضي قطعاً العلمانيين واضرابهم، وهذه هي بالضبط جهة الاختلاف. إن العلمانيين يريدون تحليل التاريخ الاسلامي ونقده بناءً على مقولات ايديولوجية لا يسلمها لهم الاسلاميون واذا تم لهؤلاء تحليل وتصوير التاريخ الاسلامي بناءً على مقولاتهم، فان النتيجة الحاصلة ولا شك ستكون مخالفة لأصول هذا الدين وهذا ما لا يرضى به الاسلاميون.
هذه هي حقيقة المسألة، وليست الحالة كما اراد أبو زيد تصويرها من أن الاسلاميين يرون التاريخ ثابتاً ومقدساً، والعلمانيين ينقدونه ويحللونه، بل هذه مجرد مغالطة منه والحقيقة أن الاسلاميين يحللون وينتقدون، ولكن الاسس الفكرية والعقائدية الكلية التي يستعملونها في حركتهم النقدية تلك لا يسلم لهم بها هؤلاء العلمانيون، ولذلك لا يرضون بالنتائج الحاصلة فالحاصل أن المسألة ترجح خلافاً بين مذهبين وعقيدتين ومبداين لا يلتقيان، الإسلام والعلمانية التي هي ناصية الرأسمالية هذه هي حقيقة الخلاف لا كما يتصوره أو يصوره أبو زيد


يتبع.....

سعيد فودة
21-04-2005, 10:09
ثانياً: المظهر الثاني الذي يتجلى فيه هذا الصراع تقديس الأئمة واعتبار اجتهاداتهم نهائية وصائبة ومحاربة أية محاولة لتحليل هذه الاجتهادات بوصفها اجتهادات بشر تعبر عن مواقف فكرية اجتماعية تنبع من مصالح وتوجهات أيديولوجية «هكذا يصف أبو زيد المظهر الثاني. ومن الواضح أنه متفرع عن النظرة إلى التاريخ، ولو عكسنا لأصبنا. والحقيقة أن كلامه مجرد مغالطة أخرى، بيانها كما يلي:
لا أحد من الاسلاميين يقول بعصمة الأئمة أعني المجتهدين، خاصة أهل السنة، الذين يصرحون أنه لا يوجد معصوم إلا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام. وكثيراً ما يقول العلمانيون وبعض أذيالهم من المحسوبين على مشايخ المسلمين: أنتم تقولون لا معصوم إلا النبي، ولكن حقيقة عملكم تقتضي اثبات العصمة للمجتهدين والأئمة فرجع كلامكم بنفي العصمة عمن سوى النبي عليه السلام لا قيمة له.
والجواب المعتمد على النظرة الواقعية الأصولية لهذه المسألة كما يلي: إن الإسلام فيه أمور مقطوع بها لا يحق لأحد القول بخلافها، وفيه أمور تحتمل الخلاف في المسالة والحادثة الواحدة، أعني أن الحادثة الواحدة قد يكون لها في نظر الإسلام أكثر من حكم، لأن الحادثة هذه عملية ليست اعتقادية، أي يراد بها العمل، وقد يتم المقصود من العمل بعدة كيفيات ووسائل. أما الأمور المقطوع بها فلا كلان لنا فيها، ومن خالفها فهو مخالف للدين سواءً كان مسلماً أم غير مسلم، وأما الأمور التي تحتمل أكثر من حكم للحادثة العملية فاختلاف الاحكام يعتمد على امكانية الفهم الصحيح من النص الوارد، فقد يحتمل النص حكماً واحداً فقط فيكون محكماً في هذا الحكم، وقد يحتمل حكمين فأكثر، وحينذاك، فلا يصح القول في هذه الحادثة بحكم غير هذه الاحكام المحتملة عند الفهم للنص والنظر فيه بحسب الاصول والقواعد والحادثة المعينة، كلباس المرأة مثلاً، موجودة قديماً وحديثاً، والحكم الشرعي فيها واضح ويجب أن يكون واضحاً للمتقدمين والمعاصرين ولكن لنوضح المقام تدريجياً.
لو أخذنا هذه الحادثة مثلاً، لقطعنا أن المسلمين قد تعرضوا الطلب الحكم في هذه الواقعة قديماً كما تعرضوا إليه حديثاً. وجهة طلب الحكم هي النص والقواعد المعتمدة على النص، هذا بحسب نظر الاسلاميين لا العلمانيين، والمجتهدون والعلماء والأئمة موجودون قديماً، فلما تعرضت لهم هذه الحادثة، نظروا في النص فوصلوا إلى أحكام معينة لا يمكن استنباط خلافها وغيرها من النص، فبعض قال بهذا الحكم وبعض قال بالحكم الثاني فاتفقوا على أن الحكم الشرعي إما هذا أو ذاك، لا يتعداها إلى غيرها ولا يحتمل وجود حكم جديد مغاير ومخالف لها جميعاً وعدم امكانية وجود حكم آخر غيرها راجع إلى نفس النص الذي هو الدين عند أبو زيد.
وبناء على هذا، مشت الأمة بعضهم على فهم الشافعي وبعضهم على راي ابي حنيفة، وهكذا، والتزموا هذه الأحكام بناء على هذا التدرج. فصارت الأحكام الشرعية لواقعة معينة بعد ذلك إما قول الشافعي أو أبي حنيفة أو مالك وهكذا، وذلك بحسب إمكانات فهم المعاني والأحكام من النصوص.
فالغريب عن اسلوب نظر واستنباط الأحكام الشرعية، يعتقد أن المسلمين يقولون بعصمة الأئمة، كما يقول أبو زيد، ولكن واقع الحال غير ذلك ومخالف له، كما وضحناه لك.
بل الصحيح بحسب نظر الدين أن الذي يريد أن يأتي بحكم جديد لم يقل به الشافعي ولا ابو حنيفة ولا غيرهم، عليه أن يثبت أن هذا الحكم الذي يزعمه يمكن استنباطه وأخذه وفهمه من نفس نصول الدين، وبحسب قواعد اللغة المرعية، وإذا لم يمكنه إثبات طريقة أخذه لهذا الحكم وإثبات صحة نسبته إلى الشريعة، فلا يصح له القول به ولا ادعاء أنه يجتهد ولا يصح له القول والزعم بأنه لا توجد حرية فكرية في الاسلام، أو الزعم بان المشايخ الاسلاميين متحجروا العقول.
فهذه كلها تنعكس عليه من جهة أخرى، فيكون هو عينه من وجهة نظر المشايخ مبتدعاً أو مخرباً للدين ومشوهاً لأحكامه ونصوصه ومحرفاً لمفاهيمه كما حرف اليهود نصوص التوراة. ويكون هذا الوصف أصدق عليه مما يصف به الاسلاميين.
فيتبين لك أن ما سماه أبو زيد تقديساً للأئمة، ليس دليلاً الا على قصر باعه وقلة خبرته أو سوء مقاصده.
ثالثاً: أما المظهر الثالث فوضحه أبو زيد بقوله «المظهر الثالث الأخطر والجديد في الوقت نفسه هو أسلمة المعرفة، وهو المظهر الكاشف عن جوهر الأطروحة الاسلامية، والمتمثل في الغاء العصر والتاريخ والعلم والمعرفة، وذلك بتصور أن ذلك كله كامنٌ مضمرٌ ومُضَمَّنٌ في النصوص الاصلية. اهـ ص38.
لو تأملنا كيف يوضح ابو زيد مفهوم اسلمة المعرفة، مع احتياج هذا المفهوم إلى تقييد في نفسه لوجدناه مغالطاً في ذلك، فهو يشرحه وكأن الاسلاميين يقولون إن جميع العلوم والمعارف موجودة في القرآن والسنة، وهذا يتضمن بالطبع أن علوم الهندسة والفيزياء والطب... الخ كلها موجودة في الكتاب والسنة، وهذا الكلام يستحيل أن يقول به إنسان عاقل يعرف ما هو الاسلام، كيف يقال بذلك وقد ورد أحاديث صريحة تنص على أن الناس أعلم بأمور دنياهم، وكيف يقال هذا وقد اتفق أهل السنة على الاحتياج إلى القياس في الأحكام الشرعية، لأنه ليس كل حادثة يوجد حكمها نصاً في الكتاب والسنة، فاحتيج إلى القياس وغيره من الأدلة والقواعد العامة، لمعرفة حكم الحادثة بواسطتها.
فيستحيل أن يقال بأسلمة المعرفة بالمعنى الذي وضحه أبو زيد إذن، فنسبة هذا المعنى إلى الاسلاميين مغالطة من أبى زيد، وهذا ظاهر.
ولكن ما الذي يراد بأسلمة المعرفة عند مَنْ يقول بها، إننا إذا أردنا أن نقول قولاً موجزاً في توضيح هذه العبارة وهذا المصطلح فإننا نبين أولاً أن الدين أي القرآن والسنة هما لهداية الإنسان في الأمور الدينية، أما الأمور الدنيوية والمعارف العلمية والتجريبية والكونية والطبية فإذا جاءت في الكتاب والسنة، فإن مجيئهما يكون عَرَضاً وليس مقصوداً لذاته. إذا كان الأمر كذلك، فالمعارف نوعان دينية ودنيوية، والأمور الدنيوية متروكة إلى اجتهادات البشر كما هو معلوم، ولا معنى للقول بأن محيط المربع قانونه حاصل ضرب الضلع الواحد في اربعة هو قانون إسلامي، فلا معنى لإسلامية نحو هذا المفهوم. إذن يتحصل أن المفاهيم والمعارف التي يجب ضبطها بأحكام الاسلامي هي تلك التي يمكن أن تكون ذات مدخلية في نفس نطاق المفاهيم الدينية التي من أجلها أنزل الكتاب والسنة فالقول في الإله وصفاته مثلاً، يجب أن يكون منضبطاً بالأحكام الاسلامية، والقول في تنظيم العلاقات الاجتماعية كالزواج والطلاق والميراث وغير ذلك مما جاءت احكام له في الشريعة، بحيث أن تكون منضبطة بالأحكام الاسلامية وهكذا، فأسلمة المعرفة لا تحتوي على غير هذا المفهوم وذلك للتمييز بين المعارف الموافقة للدين والمعارف غير الموافقة له، وهذا الموقف من المعرفة ليس خاصاً بالاسلام والاسلاميين، بل ان كل صاحب فكر ومبدأ، كالشيوعي والرأسمالي واليهودي والمسيحي، يفعل فِعْلَ الاسلاميين، ويحاول تحرير المعارف الموافقة من المعارف والافكار غير الموافقة لمبدئه. وهذا التصرف طبيعي لا يُعاب على من يفعله.
وإنما العيب على من يعيب عليهم.
وهكذا، فإننا نرى نصر حامد أبوزيد أخطأ من جهتين.
الأولى: في بيان مفهوم المصطلح حيث غالط فيه.
والثاني: في موقفه منه حيث اعتبره خطيراً وهو موقف طبيعي بالمفهوم الذي وضحناه لو كان من المنصفين.
وبهذا يتبين لك أيها القارئ الكريم أن ما قاله أبو زيد مجرد سراب بقيعة.

يتبع.....

سعيد فودة
01-05-2005, 08:42
يعترف أبو زيد أنه قرر في كتاب «نقد الخطاب الديني» أن الخلاف بين الاعتدال والتطرف في بنية الخطاب الديني ليس خلافاً في النوع بل هو خلاف في الدرجة، واعتمد على أن كلاً الخطابين يعتمد التكفير وسيلة لنفي الآخر فكرياً عند المعتدلين ولتصفيته جسدياً عند المتطرفين. ثم قال ص 61 « وإذا كنت قد امتنعت في ذلك الكتاب عن استنباط وجود أي نوع من التعاون أو تقسيم العمل بين التيارين فإنني هنا أقرر وبضمير مستريح أن هذا الضرب من التعاون والتعاضد قائم بالفعل على مستوى الخطاب على الأقل».
هذا هو كلام أبو زيد الذي يقرر به بكل وضوح أن العلمانيين يعتقدون بعدم وجود فرق جوهري بين المتطرفين من الاسلاميين والمعتدلين منهم، فالعلمانيون يعتقدون أن المعتدلين متطرفون أيضاً في حقيقتهم، وأنهم يكملون ويمهدون لوظيفة المتطرفين، ولهذا ندرك نحن تماماً أن أحداً ممن يخالف الاسلاميين بأي صورة كانوا، يخالفهم جميعاً، ويقاومهم جميعاً، إن العلمانيين لا يؤيدون المعتدلين بعد الفراغ من المتطرفين، فهم في الحقيقة يعارضون كل ما يمت إلى الإسلام بصلة سموه تطرفاً أو اعتدالاً. لأن الاسلام نفسه هو المقصود، وليس المقصود هذه الطائفة دون تلك.
ويخطئ من يعتقد خلاف ذلك من المعتدلين من الاسلاميين.
نعم نحن لا ننكر وجود نوع من التطرف عن بعض الاسلاميين، كما لا ننكر وجود بعض التفلت والتمييع عن بعضهم، ولكن هل نستطيع أن ننكر أن كل مبدأ عريض ودعوة جامعة ودين شامل يتعرض قسم من أتباعه لهذا وقسم منهم لذلك. فليست هذه الصفة أعني التطرف أو الاعتدال، خاصة بالإسلاميين بل هي موجودة ثابتة في أتباع كل دين بل وأتباع كل مذهب ومبدأ كلي كالشيوعية والرأسمالية. فلا يصح توجيه اللوم للإسلاميين فقط على أنهم هم وحدهم المتصفون بذلك، ولا يصح توجيه الاعتراض على الاسلام نفسه لذلك.
ولذلك قال أبو زيد ص 91: «كل ذلك يبرهن أن التكفير سمة اساسية من سمات الخطاب الديني ويبرهن على أنها سمة لا تفارق بنية هذا الخطاب سواء وصفناه بالاعتدال أم وصفناه بالتطرف وأظن أن هذه السمة التي أبرزتها قضية أبو زيد تمثل دليلاً دافعاً على عدم مشروعية استخدام الوصف «معتدل» وتؤكد أن «التطرف» جزء جوهري في نسيج الخطاب الديني المعاصر» اهـ.
هذا هو كلام أبو زيد صريحاً فيما استنبطاه استنباطاً سابقاً، إن الفكر الديني كله متطرف، وحجته في ذلك وجود وصف التكفير في هذا الفكر. ونحن يجب أن نعيد النظر في مقولة أبو زيد هذه، فهل يلزم من وجود التكفير وجود التطرف، علماً أن التطرف وصف مذموم ولكن إذا دققنا النظر، فإننا نعلم أن التكفير والحكم على بعض المعتقدات بالكفر هو حكم ديني ونقصد بأنه حكم ديني، أي حكم معلوم من الدين بالضرورة، وليس مجرد اجتهاد للفكر الديني، بل هو مأخوذ في أصله من نصوص الدين نعم قد يحصل اجتهاد في بعض الأحوال في أن هذا الشخص عينه كافر أولاً، أو في أن هذه المقولة تستلزم الكفر أو لا، ولكن اصل الفكرة، أي وجود كفار ووجود مؤمنين، ووجود مرتدين هم كفار بعد ارتدادهم، هذه الفكرة هي أصلاً مأخوذة من اصل الدين ومن نصوص الكتاب العزيز المحكمة لا المحتملة للاجتهاد والاختلاف.
فإذا عرفنا ذلك، يلزم أن يحكم أبو زيد على نفس الدين بالتطرف، وهذا الحكم هو حقيقة موقف العلمانيين، مهما حاولوا أن يلونوا ويصوغوا بصياغات تخفف حقيقته إلا أنهم في النهاية لا يملكون إلا أن يعتقدوا بهذا الموقف، ويدوروا حوله في أفكارهم ومقولاتهم وهذا الموقف يلتزم به كل علماني، لأن العلمانية أصلاً تتناقص مع التدين، فالعلماني لا يمكن أن يكون متديناً ولا يمكن أن يكون مؤمناً بدين من الأديان، بل هو في الحقيقة نافٍ ومنكر لكل دين ولكل الأديان لأن الدين عندهم عبارة عن فكرة أو شعور معين، لا مصداق له في الخارج، وهم يعارضون المتدينين لأن هؤلاء يعتقدون بوجود مصداق وحقيقة للدين في نفس الأمر وهذه النقطة هي جوهر الخلاف بين العلمانية والدين، أو الفكر الديني لا فرق في الحقيقة من هذه الزاوية. ولكن العلمانيين يوهمون البسطاء أن خلافهم إنما هو مع الفكر الديني لامع اصل الدين والتحقيق ما بيناه. فأعد التأمل.
ولخص أبو زيد فكرته هذه في ص 63 فقال: «منهج النقل يُفضي إلى الابتداع وكلاهما يناهض الابداع ويعاديه، بل ويسعى للقضاء عليه، ولا يتحقق ذلك إلا بالتكفير العقلي الذي يفضي بدوره إلى التصفية البدنية إلى القتل بالرشاشات»اهـ.
هذه هي خلاصة عقيدة أبو زيد عن الدين والفكر الديني
ويلفت أبو زيد النظر إلى الفرق بين تحليل الخطاب وتحليل الافكار، فتحليل الخطاب يجب أن يكون ملتزماً فقط بالقواعد اللغوية والعادية سواء في طور المسكوت أو المنطوق موافقة أو مخالفة، ولا مدخلية له في النيات، بخلاف مفهوم تحليل الأفكار التي يجب فيها الالتفات إلى الأفكار. وهذا الفرق على لطفه إلا أنه يمكن المناقشة فيه من حيث إن دلالات الخطاب تكتشف عن مخبوء أفكار الإنسان أو المتكلم، وحينذاك لا مانع من لفت النظر إلى ما يريد الكاتب السكوت عن إظهاره بالنص، ليكتفي بالتلويح إليه ببعض الاساليب اللغوية.
فالفصل التام بين الأمرين من جهة الدخول في النوايا والمقاصد والغايات أو عدم الدخول لا يسلم على إطلاقه لابو زيد!!
طبعاً لا يجوز أن يطمع القارئ أن تأتيه بنص صريح من ابو زيد يقول له فيه أنني أعارض الدين نفسه، لأن هذه المقولة لا تصدر حتى من أعني العلمانيين. ولكن أبو زيد يتدرج في الوصول إلى ما يريد، فيبدأ أولاً بالتفريق كما مكنا بين الدين والفكر الديني، فيدعي أنه إذا عارض فإنما يعارض الفكر الديني، وهو يدعي كما في ص 72: «تفرقة واضحة بين الفكر الديني والدين، أي بين فهم النصوص وتأويلها وبين النصوص في ذاتها» اهـ. ولكن هذا الاسلوب من التدرج قد لفتنا إليه النظر سابقاً، وقلنا إن الفكر الديني الذي أنتجته الأمة طوال ألف واربعمائة عام، لا يمكن عقلاً ولا شرعاً أن نفترض غلطة في إصابة المعنى الحقيقي للأحكام الدينية حتى يجيء البعض في آخر هذا الزمان ويدعي وقوفه على معنى جديد للدين أو لبعض الحوادث المطروحة سابقاً ليس على الوجه الذي عهدناه من كبار المجتهدين والعلماء.
إنني أقول بصراحة، إن أي حكم أجمعت الأمة على أنه حكم ديني، فهو كذلك وإن لم يرد التصريح به نصاً في القرآن أو السنة، وبالتالي فأي أحد يعارض هذا الحكم المجمع عليه أنه من الدين فهو إنما يعارض الدين نفسه وهذا هو المقصود من كون الاجماع حجة.
ومن الطبيعي أن لا يكون أبو زيد ملتفتاً إلى مفهوم الاجماع ولا مهتماً به بل يجب أن يكون معارضاً له، لأن هذا المفهوم تتعارض مع الطريقة العلمانية التي يريدها سائدة طاغية معمولاً بها.
فالتشكيك في مجموع أفهام العلماء المجتهدين والمعتبرين، هو الخطوة الأولى في التشكيل في نفس النصوص الدينية أعني الكتاب والسنة.


يتبع....

باسل عمر الصياد
03-05-2005, 12:53
جزاك الله خيراً ولتسمح لى بأضافة رابط للفائدة يرد على كتابات نصر أبو زيد :

نصر حامد أبوزيد ... و ( الهرمنيوطيقا ) ..! (http://70.84.212.52/vb/showthread.php?t=1546)

سعيد فودة
12-05-2005, 08:21
وها هنا لا نملك إلا أن ننبه إلى كبير غلط من يقع في هذه المصيدة من المشايخ المتهورين والمندفعين وراء مقولة الاجتهاد وهم لا يلتفتون إلى أن الاجتهاد لا يصح معارضته الاجماع وهذا هو الشرط الذي اشترطه علماءنا للاجتهاد، وكثير من المشايخ أو المفكرين المنتسبين إلى الاسلام في هذا الزمان يقعون في هذه المصيدة العلمانية حين يبادرون بعدم الاعتراف بالاجماع وأنهم يستندون ويأخذون فقط بما يتوصلون هم اليه وان عارض جميع المجتهدين السابقين. وكان الأولى بهم إذا وصلوا إلى هذه الحالة أن يشكوا في اجتهادهم لا أن يفرحوا به، وكان الواجب أن يعيدوا النظر بما قالوا وقرروا بدلاً من أن يعلنوه بين الناس ويدعوهم اليه على أنهم مذهب جديد وطور اجتهادي معاصر، وسوف يتوكأ العلمانيون على هؤلاء المجتهدين!! المزعومون لينبوا كثيراً من مقولات العلمانية ويدافعوا بها قواعد اسلامية عتيدة، متكئين إلى هؤلاء السذج من مدعي الاجتهاد!!
ولا بد أن يلاحظ الأخوة القراء أن أبو زيد كثيراً ما يتكئ ايضاً إلى المعتزلة ويهاجم الأشاعرة بعنف كبير، وهو يقول أن الاشاعرة سبب التخلف وضيق الأفق وأن المعتزلة هم الأقرب إلى التحرر، ولكن الحقيقة التي لا يجوز أن تغيب عن ذهن القارئ الذكي، هي أن أبو زيد وسائر العلمانيين لا يمكن أن يوافقوا طائفة من الطوائف الاسلامية موافقة تامة، ولكنهم اذا اشاروا إلى واحدة منهم فإنما يكون هذا مجرد ذريعة إلى استعمال بعضهم ضد بعض، وهم في النهاية يكفرون بالمعتزلة وبالأشاعرة، ولكن يبدؤون بأكل الثور الأبيض عندما يضربه الثور الأسود بقرينه.. ثم يجهزون بعد ذلك على الثور الأسود الباقي وحيداً.
وهكذا هو نصر حامد ابو زيد بالضبط، فهو لا يعتد بالمعتزلة الا بشكل ظاهري، اما حقيقة فهو ينبذهم كما ينفي الاشاعرة، وإنما المسالة عنده مسالة تدريج وتدرج.
ومن ينخدع ببعض مدائحه للمعتزلة واهم قصير النظر، وسوف يصطدم أبو زيد نفسه بأتباع المعتزلة المعاصرين الذين يظنون أنفسهم اقرب إلى ارضاء التيار العلماني الشائع في الكرة الارضية في هذا الزمان، والخاسر الوحيد ان تمكن العلمانيون من شق الصف المسلم من معتزلة واشاعرة، هم المسلمون فقط ولذلك كان الامام حجة الاسلام أحرص وأوعى من كثير من المعاصرين عندما جعل الفرق الاسلامية والياً واحداً مقابل الفلاسفة.
ولا بد أن نقول إن أبو زيد يتهجم على المذهب الاشعري وخاصة موقف الأشاعرة من مسألة السببية العادية، وهذا أبو زيد لضيق أفقه يعتبر هذا المذهب على حد قوله: ص 79: «يتعارض مع أبسط مبادئ البحث العلمي الذي يهدف على اكتشاف الأسباب والعلل المباشرة لتفسير الظواهر» اهـ. هذا هو قول هذا المجتهد اللوذعي، إنه يغرق في مغالطة واضحة مكشوفة، مبنية على جهله وعدم فهمه للفرق بين السببية العادية والسببية العقلية، وبين ما هو الاساس الكافي الذي يمكن بناء البحث العلمي وتتبع واكتشاف الاسباب بناء عليه، وهذا الغلط هو نفس الوهم الذي اعتمد عليه ابن رشد في نقده للاشاعرة، وصرخ من ورائه مقلدوه أو مقلدوا العلمانية الغربية كمحمود قاسم وغيره، ولم يعرفوا ولا يهمهم أن يعرفوا أن مجرد الانتظام والسببية العادية كافٍ لبناء منظومة علمية تجريبية كاملة، وأنه لا يشترط لنجاح التجارب العلمية، والاكتشافات التجريبية، أن يكون القائم بها معتقداً التلازم العقلي بين أجزاء هذا الكون، بل يكفي الاعتقاد بالارتباط العادي وقد وضحت هذه النقطة في ردي على ابن رشد في كتابه مناهج الأدلة، فلينظر تمام البحث هناك.
ونحن قد اعتدنا من العلمانيين ومن كافة المتأثرين بالغربيين الإكثار من هذه المقولات، ولكن الرد عليهم بناء على الجهة السابقة كاف لقطع حججهم أو ما توهموه كذلك.
ولا يمكن أن يترتب على هذه العقلية الأشعرية عدم المسؤولية مطلقاً، لأن الأشاعرة يعتقدون الارتباط عادياً، وأن الله تعالى كلفهم بالعمل بمقتضى هذه القوانين العادية التي جعلها الله تعالى علامات ومقيدات لحركة هذا الوجود. فمسؤوليتهم العلمية والاجتماعية إذن متقيدة ومترتبة على هذا القدر من التلازم العادي، ولا يحتاجون لبناء المسؤولية والالتزام بكون التلازم بين موجودات العالم الخارجي عقلياً لا يمكن انفكاكه.
ويتبين للقارئ الفطن أن النزاع مهما تطاولت أزمانه واختلفت صور أطرافه، فإنه يمينه ذلك الأنواع القائم بين الاشاعرة وأهل الحق من جهة وبين الفلاسفة ومن تبعهم من جهة أخرى. فقط تختلف الصور والاشكال والملابس، أما جوهر الأفكار فهو هو.
إن الالتزام بالقوانين العادية واجب، ومحاولة بناء الحياة على مجرد الكرامات والمعجزات لا يصح شرعاً ولم يحصل من أحد من الإسلاميين، وإن حصل أن حاول أحدهم ذلك، فإن أول من يقف ضده هم الإسلاميون أنفسهم ولذلك فلا خوف على قوانين السوف ولا على العلاقات الاجتماعية، ولا على العلاقات السياسية إذا اعتقد المسلمون أنه لا خالق ولا مؤثر إلا الله تعالى، لأن التغيير كما يعتقدونه إنما يكون بحسب القوانين العادية، فالإيمان سبب عادي للدخول في الجنة، وبلا إيمان يستحيل دخول الجنة، ولذلك يلتزم الإنسان بالإيمان إذا اراد الدخول إلى الجنة.
وهكذا، إذا عرفنا القوانين العادية التي جعل الله تعالى هذا الكون عليها، فإن الناس لا بد أن يلتزمونها في صناعاتهم وأحوالهم وتغيراتهم. ولذلك فالإيمان بهذا المبدأ الأشعري لا يتعارض مطلقاً مع العمل والجد والاجتهاد، كما يزعم ابو زيد.
وابو زيد وصحبه يعتقدون أن الاسلام اصلاً علماني، استمع إليه يقول ص 82: «نخلص من هذا كله إلى ان العلمانية ليست بالضرورة مضادة للعقيدة، بل إن الاسلام هو الدين العلماني بامتياز لأنه لا يعترف بسلطة الكهنوت... الخ، فهو يدعي أن الاسلام نفسه علماني، وهو هنا يمارس دور من اتهمهم من الاسلاميين بأنهم ذرائعيون منتفعون بالاسلام نفسه، حين زعموا في بعض الفترات التي شاع فيها المذهب الاشتراكي، زعم هؤلاء أن الاسلام اشتراكي، وان الاشتراكية في الإسلام وها هو أبو زيد يقول إن الإسلام علماني عندما رأى أن المذهب السائد في العالم هو العلمانية، ولكن الفرق بين هدف أولئك الاسلاميين وبين أبو زيد، أن الإسلاميين كانوا يريدون تقريب الاشتراكية إلى الاسلام، أو تحبيب الاشتراكيين بالاسلام، ولكن أبو زيد يريد تقريب الإسلام إلى العلمانية، وتحبيب الاسلاميين بالعلمانية، وشتات بين المقصدين.
وقد علم القاص والداني انه لا كهنوت في الاسلام، بهذا جاءت النصوص، وعلى ذلك استقرت القواعد المعلومة أنها من الدين بالضرورة. ولذلك فلا يصح لواحد مثل ابو زيد أن يحاول المزاودة على نفس المسلمين بمحاولته إظهار نفسه حريصاً على نقاء الاسلام وحمايته من استغلال بعضهم. فجميع المسلمين العوام والخواص العلماء يرفضون الكهنوت في الاسلام كما رفضوا خير الخلق أجمعين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
ولسنا على ما أظن بحاجة إلى ابو زيد ليدافع عن الاسلام ضد الكهنوت، ليرمي بعد ذلك بين أحضان العلمانية!!
ولا أجد أبو زيد يصدق مقداراً أو لو ضئيلاً من الصدق في مقولاته في هذا الكتاب بمقدار ما قاله في ص 84: «وقد تم الاستشهاد في سياق الكتاب بكثير من الامثلة على عمليات التزييف والتشويه التي يلحقها الخطاب الديني بكل فكر يخالفه، وذلك دون أية محاولة لنقد ذلك الفكر من داخله، إن الخطاب الديني يكتفي عادة بإلصاق يافطة الإلحاد أو المادية وأحياناً الصهيونية»اهـ.
ولكنني في موافقتي له، اقيد موافقتي بكون كلامه صادقاً على بعض من كتب في الدفاع عن الإسلام في هذا العصر ممن اهتم بالاسلوب الخطابي، سواء في الرد على الشيوعية أو الرأسمالية أو من كان يمثلهما ولا يزال، فقد كان بعض هؤلاء الاسلاميين يبادرون بوصف هؤلاء بتلك الأوصاف التي تبعث في نفوس الناس المنفرة منهم، من دون أن يبالغوا في النقد الداخلي لنفس أفكارهم ومذاهبهم وعقيدتهم وهذا الأسلوب مع أنه يفيد تنفير كثير من عامة الناس من هذه المذاهب الباطلة، إلا أنه لا يقنع العلماء منهم وطلاب العلم الذين لا يكتفون بالخطابيات في هذا الباب. ولكن قام بهذا الدور الواجب غيرهم، وإن لم يكونوا اشتهروا مثل شهرة أولئك الذين وصفناهم لك.
ولكن هذا الأمر لا يجعل نفرة أبو زيد من الإسلاميين جميعاً مبررة ومسوغة، بل وإن تعميمه لموقفه الذي انطبع في نفسه تجاه هؤلاء، على جميع الإسلاميين دليل فعلاً على موقفه من نفس هذا الدين، وإلا لكان يجب أن يندفع هو إن كان مخلصاً للدين إلى الدفاع البرهاني عن الدين والنقد العلمي للمذاهب والمبادئ المعارضة له. ولكنه لم يفعل.
نعم أنا لست مع كثير من الإسلاميين المعاصرين الذين صارت طرقهم في مناقشة الافكار ونقد المخالفين سطحية مبتذلة، وللاسف إن طريقة هؤلاء قد شاعت وانتشرت حتى اضمحلت أمامها طريقة المحققين الذين يدققون في الأفكار هو الواجب، وصار التعمق والتدقيق في إبطال المذاهب المخالفة للدين هو المبتدع المستنكر. بل انعكس ذلك على طريقة تعلم الاسلام نفسه، فصار الذي يريد التدقيق والتأني في فهم الدين (عقائداً وأصولاً وفقها).. منقطعاً متكلفاً يسعى في نظر الكثيرين إلى التعقيد ويورث نفرة في نفوس الكثيرين ممن استمروا الطريقة الأولى. ونحن مع علمنا بانتشار الطريقة الساذجة العامية إلا أننا لا نسلم لها ولا نعتبرها إلا طارئة على كثير من الناس، ونرجع ذلك إلى ظروف سياسية واجتماعية وثقافية ليس هذا هو مجال البحث فيها وشرحها. ولكن نكتفي هنا بالقول بأن انتشار تلك الطريقة الساذجة المبتذلة غير المبينة على التدقيق والتحقيق العلمي المطلوب في مثل هذه المواطن، ربما كان فعلاً سبباً غير مباشر لاختيار كثير من الناس طريقة العلمانيين الذين يوهمون الناس بأنهم أهل النظر والبحث والتأمل الدقيق، وهم الذين يتبعون طريقة البحث الموضوعي والنقد المنصف المبني على ادراك الأمور كما هي عليه، لا على مجرد اتهامات لا تقول على الصمود أمام الأدلة والبراهين.
ولكن هؤلاء المنحرفين غير معذورين في عرفنا ايضاً، لأن الواجب عليهم البحث عن الطريقة السليمة الموافقة للدين والطريقة العقلية الصحيحة المبنية على النظر العميق والفكر الدقيق. ولا يصح لهم أن يرموا بأنفسهم بين ايدي العلمانيين وغيرهم من المخالفين لأصول الدين، لمجرد أن هؤلاء يبدو منهم أنهم أكثر دقة في البحث وأقرب إلى النظر الموضوعي.
ولو رجع هؤلاء المفتونون بالفكر العربي العلماني وابواقه من اهل الشرق، إلى دراسة كتب علماءنا المتكلمين الاصوليين لا نكشف لهم حينذاك مدى الموضوعية والدقة والعدل الذي يبني عليها علماؤنا المتقدمون علومهم ومعارفهم، ولما اغتروا حينذاك بما يلوح لهم به العلمانيون واضرابهم.
يشرح أبو زيد الأصل الذي اشتق منه مفهوم العلمانية فيقول ص 87: «والأساس الاشتقاقي للكلمة هو من العالم وليس من العلم، وإن كان هذا لا يعني أن دلالة الكلمة في تطورها التاريخي مفصولة عن دلالة العلم، إن الاهتمام بالعالم وبشؤونه وبالإنسان بوصفه قلب العالم ومركزه هو جوهر دعوة العلمانية«» اهـ.
وبهذا التوضيح لأساس مفهوم العلمانية نستطيع أن نفهم تماماً لماذا يتعارض المبدأ العلماني مع الاسلام والسبب في هذا كما هو بين: أن الاسلام له طريقته ونظرته في إدارة الشؤون الدنيوية، وتنظيم العلاقة بين الأفراد وبين الافراد والحكومة ورئاسة الدولة، ثم في تحديد الموقف من وجود الإنسان نفسه في هذا الكون ومراتبه في العوالم التي يمر فيها الحياة الدنيا والآخرة مروراً بالبرزخ) أما العلمانية، فلا موقف لها يتعلق بالحياة الأخرى، ولا موقف لها، لا يعني أنها توافق الأديان، بل إن الأديان بالنسبة لها مجرد مفاهيم ان استطاعت التعامل معها والاستفادة منها، قالت لا بأس بها وإلا حاربتها ونبذتها ورمتها بالارهاب والتخلف ومعاندة التطور.. الخ التهم والقوالب الجاهزة التي اعتدنا سماعها من منظري والمتكلمين باسم الرأسمالية العلمانية الأمريكية وكثير من المفكرين الأوروبيين.
وبما أن الاسلام دين يهتم بالدنيا كما يهتم بالآخرة، فلذلك أنت تستطيع أن تستنتج بسهولة أن هناك تعارضاً لازماً بين العلمانية والاسلام من هذه الجهة، وأن كل من ينادي بإدارة شؤون الحياة الدنيوية بناء على التعاليم المستمدة من الاسلام فإن العلمانيين سيقفون له بالمرصاد، وسيحاولون نقض وتشويه فكرته وطريقته، ولو اضطرهم الأمر إلى ادعاء أن هذه الفكرة – أعني إدارة شؤون الدنيا بناء على الاسلام وأحكامه- يعارض الاسلام نفسه وهكذا لو اضطر العلمانيون إلى المزايدة على الاسلاميين في مدى التزامهم وحرصهم وتمسكهم بالإسلام فلن يترددوا بذلك.
وهذا هو الدور الذي يقوم به أبو زيد وكثير من أصحابه وأتباعه في هذا الزمان. حتى صار كثير من العامة حيارى يشكون هل فعلاً هناك مدخلية للاسلام في شؤون الحياة الدنيا أولاً، وهذا اللغط كله سببه مغالطات العلمانيين، وعدم قوة كثير من الكتاب الاسلاميين وعدم تعمقهم، واعتمادهم على الخطابيات والمبالغات والأمور العارضة في كثير من الأحيان التي يعارضون أو يهاجمون فيها تلك النزعات العلمانية.
ولو التزم كتابنا الاسلاميون بطريقة المتكلمين في مناقشة الأفكار والمذاهب المخالفة، لما رأينا لكثير من المذاهب والآراء رواجاً يذكر في كثير من بلداننا الاسلامية، فإن طريقة المتكلمين هي الطريقة الواجبة والناجعة لإنهاء مغالطات ومشاغبات هؤلاء المعارضين الجدد للأديان. وإن علم الكلام إذا كان قد نجح في صد هجمات أعتى الفلاسفة واقواهم، ومن لا يذكر أهل عصرنا عن ذكرهم، فإنه قادر في هذا الزمان وفي كل زمان إن أحسن استعماله وإن أتقن العلماء به فهمه، على صد سائر الهجمات الأخرى من العلمانية والشيوعية وغيرها من الدعوات المعارضة للدين في الأصول أو في الفروع.


يتبع....

أمجد الأشعري
15-05-2005, 12:40
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على نعمة الاسلام ,

بعد اذن سيدي الشيخ سعيد جزاه الله خيرا ,
هذه نسخة وورد مضغوطة لرد الاستاذ سعيد حماه الله نسقتها لتعم الفائدة لمن اراد طباعتها .
والسلام عليكم ورحمة الله

سعيد فودة
19-05-2005, 09:20
ثم يعقد أبو زيد مقارنة بين المسيحية والإسلام يريد منها مقاصد تتضح من خلال مقارنته نفسها وهاك ما قاله ص 88: «التجربة التاريخية لكل من الاسلام والمسيحية في مرحلة النشأة والتاسيس مختلفة.
نشأت المسيحية كدين اقلية في مجتمع خاضع لسلطة خارجية، لذلك كان من الطبيعي أن تنمو تعاليمه ناحية المسالمة والموادعة، لكن ذلك لم يستمر بعد أن تسنت الدولة المسيحية وجعلت منها دينا لها، وهنا نشأت الفرق والاتجاهات والتفاسير المختلفة ومعنى ذلك أن الحديث عن مسيحية جوهرية ثابتة خطأ منهجي فادح، والحديث عن الطبيعة الأخروية الثابتة انتاج لوعي ايديولوجي زائف.
الأمر نفسه ينطبق على الاسلام الذي اجتاز فترتين حاسمتين في مرحلته التاسيسية الفترة المكية حيث كانت التعاليم ترتبط بالعقيدة وبالوعد والوعيد، ولكنها تنحو اجتماعياً منحى المسالمة والموادعة، لم يكن لمحمد أي سلطة في مكة سوى مساندة قومه بني هاشم له ضد عداء قريش. وفي الفترة المدنية صار الاسلام دولة، وتوحدت السلطتان الزمنية والروحية في يد القائد الروحي والني الذي يتلقى الوحي. ونلاحظ هنا أن التعاليم أخذت منحنى دنيوياً.
وأن ممارسات النبي صارت ممارسات قائد ودولة، هذا التحول هل هو تحول في بنية الدين ذاته أم هو تحول تاريخي؟ وماذا لو لم يلق النبي تاييد أهل المدينة ومساندتهم؟!لكن السؤال الأخطر: هل هذا التوحد التاريخي الذي حدث في المدينة بين السلطتين خاص بشخص النبي أم إنه توحد ابدي دائم يجب الحفاظ عليه.
من الواضح أن الخلاف بين الأنصار وأهل مكة حول مسألة الحكم انصب على هذه النقطة، ومن الواضح أنه كان ثمة اتجاهان: اتجاه للفصل تزعمه أهل المدينة، واتجاه للدمج تزعمه أهل مكة، وتغلب اتجاه الدمج وهذه غلبة اجتماعية تاريخية تفسرها نظرية العصبية عند ابن خلدون، بمعنى أنها غلبة اجتماعية سياسية لا إقرار لمبدأ ديني» اهـ.
إن أبو زيد يقارن بين المسيحية وبين الاسلام، فيقول إن المسيحية أول ما نزلت كان لا يوجد فيها أحكام متعلقة بالدولة السياسية، ولكن تم إضافة ذلك بأيد إنسانية وافعال وأهواء بشرية لاحقاً عندما تبنت الدولة البيزنطية الديانة المسيحية. وهكذا تكون هذه الإضافات المتعلقة بالدولة السياسية طارئة لما الديانة المسيحية وليست جزءاً صحيحاً منها، أي إن الأصل بحسب نفس تلك الديانة أن لا تتدخل في أمور السياسة والحكم.
وقال إن الاسلام ايضاً كذلك، ولكن طريقة تطبيقه واستدلالاته على هذا المطلب أعني كون الاسلام لا شأن له بالسياسة ونظام الحكم جاء بارداً مغالطاً. فهو يعتمد على أن الإسلام في الطور المكي لم يكن له شأن بالحروب ولا بالدولة من حيث النظام والتنظيم والأحكام المتعلقة بذلك. ثم في العهد المدني (ويسميه هو المديني) لغرض في نفسه تم ادراج تلك الأحكام ادراجاً وتساءل عن ذلك: «هذا التحول هل هو تحول في بنية الدين ذاته أم هو تحول تاريخي؟ وماذا لو لم يلق النبي تاييد أهل المدينة ومساندتهم»؟! فالأصل عند ابو زيد اذن هو عدم تدخل الدين في أمور الدولة والحكم، وهو لا يملك تفسيراً لهذا الدخول إلا أنه تغيير في بنية الدين، أي تغيير لأصول الدين، أو تحول تاريخي أي تحول بحسب المصالح التاريخية فهذان الاحتمالان أحدهما مر.
وكلام ابو زيد هذا لا قيمة له بالنظر لمعيار الروايات والتاريخ نفسه، وبيان ذلك كما يلي: إن الدعوة الاسلامية من ايام مكة لم تغفل الجانب الدولي والتنظيمي، إن لم عن طريق الممارسة بالفعل لوجود الموانع وعدم القدرة على ذلك، فإنها لم تهملها مطلقاً عن طريق الدعوة إلى تغيير تلك النظم القائمة والتمسك بالنظام الاسلامي، وكذلك لم تهمل معارضة التصرفات الظالمة للزعماء وقادة قريش، وهذا هو أكثر ما كان يؤلمهم، وقد فهموا ذلك من النبي عليه السلام، ولكنهم حسبوا أنه يبحث عن مجدٍ شخصي له، قياساً له على أنفسهم، ولذلك لما جاءوا اليه عند ابي طالب عمه، عرضوا عليه أن يترك دعوته هذه وسوف ينصبونه ملكاً عليهم فهذا كانت أحد العروض التي طرحوها عليه ورفضها قائلاً كلمته الشهيرة «لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على ان أترك هذا الدين ما تركته».
وكيف يفسر أبو زيد عرض النبي نفسه على القبائل في عدد من سنوات الحج، كل هذا هو في العهد المكي. ألا يدل ذلك على اهتمام النبي عليه السلام بشؤون الدولة على قدر القدر منذ اوائل الدعوة الاسلامية.
ثم إن الصورة السلمية التي كان عليها الاسلام في العهد المكي لم يتم نقضها بعد ذلك، كما يوهم بل يصرح بذلك أبو زيد، بل بقي الاهتمام وتفضيل السلم على الحرب موجوداً ومنصوباً عليه في جميع أحوال الدعوة الاسلامية، حتى فتح مكة التي فتحت سلماً وعفى النبي عن الكفار والمشركين الذين يعارضون بكلمته المشهورة اذهبوا فأنتم الطلقاء».
وابو زيد يريد القول إن الاسلام يظهر راية السلم والرحمة في حالة الضعف حتى إذا تمكن واشتد عوده بطش بالناس، ولم يختلف النبي عليه السلام في طريقه إدارة شؤون الناس عن أي رئيس دولة أخرى، وهذا قدح صريح بالنبي، وتشكيك باصل من أصول الدين وهو القسم المتعلق بأحكام الدولة والتنظيمات بين البشر.
وكما ترى ايها القارئ، فإن النقطة الاساسية التي يدور عليها فكر أبو زيد هي الدولة وما يتعلق بها، إنه يريد أن يقطع الاسلاميون اهتمامهم بهذا الجانب ويتركوه للعلمانيين، وهو يعلم أن هذا إن حصل فسيكون تغييراً حقيقياً في أصول الدين، ولكن يقلب المقام ليصير قلب ونقض أصل الدين يحصل بعكس ذلك، أي بالتدخل في شؤون الناس، وبالقول بأنه في الاسلام احكاماً مختصرة بهذا الجانب.
وأما مسألة الخلاف الذي حصل بين الانصار والمهاجرين، فلم يكن على توحيد القيادتين الزمانية والروحية على حسب تعبيره، أي جعل الدين جزءاً من الدولة، وألا لان بل لم يطرح أحد منهم هذا المعنى، بل الخلاف انما كان على الشخص الذي يستلم قيادة المسلمين على حسب النظام الذي كان يسير عليه النبي الكريم، وهذا يعني قيادة الناس بأحكام الدين، فهذه النقطة كانت محل إجماع بينهم، بل لا يوجد دليل يمكن التمسك به على الزعم الذي يجاهر به أبو زيد في هذا المقام.
ثم إن التعليل الذي علل به فوز قريش، لا نوافقه نحن عليه، لأنه جعل ذلك راجعاً إلى مجرد العصبية، في حين أن العصبية لم يكن لها دور هناك، بل الدور كله بحسب ما يوحد بين أيدينا من التاريخ والوقائع والحوادث إنما كان للاستدلالات الشرعية المعتمدة على افهام الصحابة للاسلام والدين، حتى تكلم ابوبكر رضي الله عنه بكلمته المشهورة، وتم حسم النزاع بناء على الاستدلال بالحديث الشريف المذكور.
وإن العلماء اعتمدوا بعد ذلك على نفس هذه الجهة، وتمسكوا بنفس الحديث ليكون الخليفة قريشاً وان جعل بعضهم هذا الشرط شرط ترجيح لا شرطاً أصلياً. وعلى كل حال فهذا الخلاف خلاف في فهم النصوص الشرعية، وليس مطلقاً خلافاً في الاصل الذي زعمه أبو زيد، وهو أن لا مدخلية للدين في إدارة شئون الدولة، وأن الفصل بين القيادة الدنيوية والقيادة الدينية هو الأصل الثابت في الدين فكل هذا مجرد زعم لا حاصل من ورائه.

يتبع.....

سعيد فودة
29-05-2005, 12:40
ثم يطرح أبو زيد مسالة أخرى وهي بحسب قوله ص 89: «إذا كان الاسلام ديناً ودنيا واذا كانت العلمانية هي الدنيوية فلماذا رفض العلمانية ومعاداتها؟»اهـ.
هكذا يطرح ابو زيد هذا السؤال بهذه السذاجة، كأنه يتكلم مع مجموعة من الاطفال، وكأنه لا يعرف أن العلمانية هي راس حربة الراسمالية والبراغماتية، ويمكننا أن نسأله نفس السؤال فنقول: إذا كان العلمانية هي مجرد الاهتمام بالأمور الدنيوية، كما تزعمون، وكان الاسلام يهتم بالامور الدنيوية، فلما يرفض العلمانيون الحكم الاسلامي؟!
ارايت، إن الكلام المغالطي يمكن عكسه على صاحبه.
والحقيقة: ان العلمانية تشترط في جوهرها أن لا تكون الاحكام الدنيوية مبنية على مبدا ديني، والاسلام يقول ان الاحكام الدنيوية مأخوذة من الدين، بل الدين شطره أحكام دنيوية وشطره الآخر متعلقة بالآخرة. وهذا هو الدين الذي يجب علينا الخضوع والانقياد له واذا كنا نهتم بالدنيا، فإننا نهتم بها من وجهة نظر الدين نفسه، أي بتطبيق الأحكام الدنيوية التي جاء بها الدين. ونعتقد أنه لا يصح اختراع أحكام لإدارة شؤون العلائق البشرية من بعض الجهات الا بناء على الأصول المقررة في الدين وهذا هو الأمر الذي يعارض العلمانيون كما اتضح لك.
وإليك حقيقة ما يريده أبو زيد فقد قال في ص 90: «هنا نصل إلى الخلاصة» إذا كان التوحد بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية حدثاً تاريخياً وواقعة اجتماعية، فمعنى ذلك أنها ليست جوهر الإسلام»اهـ.
هذا هو كلامه بصراحة، فهو يقول بكل وضوح إن الاسلام لا مدخلية له بالتنظيمات الدولية ولا بالعلاقات الحكمية، وهو يقول إن كون النبي رئيس الدولة الاسلامية في ذلك التاريخ مجرد حدث تاريخي لا عبرة به ولا يصح اتخاذه أصلاً دينياً.
هكذا يقول!!
ويغالط ابو زيد كثيراً في هذا القول، فهو يتناسى كثيراً من النصوص التي جاءت في الشريعة الاسلامية والتي تنص على وجوب خليفة للمسلمين، وهذا المعنى ورد في الاحاديث الصحيحة واقر به الصحابة والعلماء المتقدمون قبل نشوء النزعة العلمانية على يد أبو زيد الذي جاء ليجدد هذا الدين ويزعم أن لا مدخلية للدين إلا بالأمور الروحية فقط.
هذا التصور للدين هو نفس تصور المسيحيين المعاصرين في أوروبا في العصور الأخرى للمسيحية وهو المبدأ المعبر عنه «دع ما لقيصر لقيصر».
يريد ابو زيد أن يجعل الدين الاسلامي جبراً عنه صورة مرآتية للمسيحية، لكي يصرفه عن الدخول في معمهان الحركة الاجتماعية والدولية.
هذا هو الهدف الكبير الذي يسعى إليه العلمانيون جميعاً بمن فيهم نصر أبو زيد.
يقول أبو زيد ص 91: «العلمانية هي الحماية الحقيقية لحرية الدين والعقيدة والفكر وحرية الإبداع وهي الحماية الحقة للمجتمع المدني ولا قيام له بدونها» اهـ.
ويقول في ص 92ك «علينا أن نوسع مفهوم العقل لا ليعني القيد كما هو في التراث الاسلامي لنؤكد مفهوم الحرية، وهو مفهوم تاسس في النصوص الدينية واذا اضفنا لمفهوم العقل والحرية مفهوم العدل الاجتماعي نكون قد صغنا مبادئ ثلاثة يمكن اعتبارها مقاصد كلية جديدة للمشروع الاسلامي، وهنا نتجاوز المقاصد الكلية التي أنجزها الشاطبي منذ عدة قرون»اهـ.
ويقول في ص 93: «هنا تصبح العلمانية مطلباً ملحاً لحماية الاسلام ذاته بدلاً من اللجوء اليه كمجرد ملاذ أو ملجا أو مهرب.
وربما لا تصل الرسالة إلى الاسلاميين، لكن من المهم أن تصل على العلمانيين الذين يخضعون للابتزاز الديني في اغلب الاحوال، فيتحاشون استخدام مصطلح العلمانية تقية وخشية الاتهام بالكفر والالحاد»اهـ.
إن نصر حامد أبو زيد يريد بكل هذه النصوص أن يحل العلمانية محل الاسلام نفسه، يريد أن يجعل العلمانية هي المظلة التي يحتمي بها نفس الاسلام، يريد أن يجعل الاسلام مشروعاً بحكم من العلمانية، فالإسلام لا يصح ممارسته الا باذن من العلمانية وتحت قيودها وسلطانها والعقل عند العلمانيين ليس له نفس مفهوم ولا مصداق العقل عند علماء الاسلام، بل العقل معناه التحرر الدائم والتغير المستمر لكل المسلمات بحسب المصالح والفوائد، هذا هو معنى كون العقل فعالية دائمة على حد تعبير أبو زيد، إن أبو زيد لا يريد بهذا المصطلح إلا ما ذكرناه، وهذا المعنى هو نفي للعقل لا إثبات له.
فعندما يقول العلمانيون أنهم عقلانيون فهم لا يريدون بالعقل الا مجرد القدرة على التفلت من أحكام الاسلام، بل وأحكام الأديان الأخرى ما دامت مخالفة لما يريدون.
وقد ينخدع بعض الاسلاميين بمصطلح العقلانية عندما يسمعونه من العلمانيين، ولكنهم إذا فهموا العقل والعقلانية الذي يستعمله العلمانيون على النحو الذي يريده علماؤنا المتكلمون فإنهم يرمون بأنفسهم في أحضان هؤلاء العلمانيين، أو لنقل يجعلون من أنفسهم فريسة سهلة المنال للعلمانيين.

يتبع...

سعيد فودة
04-06-2005, 17:37
ثم يوضح أبو زيد موقفه من القرآن، وسوف نستقصي نحن موقفه ذلك أثناء نقدنا لكتبه الأخرى أما الآن، فسوف نقتصر على بحث بعض الجوانب التي يحسن التعليق عليها.
قال ابو زيد ص 100: «اصحاب مقولة القدم يقفون عند الإلهي، ويتصورون للقرآن وجوداً أزلياً في اللوح المحفوظ خارج التاريخ، أي أن للقرآن وجوداً خارج مصالح البشر وخارج قوانين علاقاتهم الاجتماعية ومثل هذا التصور ينتج الكهنوت بكل تفاصيله وظلاله الكنسية في العصور الوسطى» اهـ.
ثم يقول راداً على عبد الصبور شاهين في ص 102: «الملاحظة الأولى البارزة: تصور الشيخ امتلاكه للحقيقة لأن وجود القرآن في اللوح المحفوظ منذ الأزل باللغة العربية مجرد تصور وليس حقيقة يمكن التأكد منها، إنه تصور ضمن تصورات أخرى لعالم الغيب الذي لا يصلح كما قال بحق موضوعاً للفكر، لماذا اذن يجعل الشيخ من تصوره وهو تصور كثير من أصحاب نظرية القدم الحقيقة الثابتة في عالم الغيب هل اطلع الشيخ واسلافه الاشاعرة على ذلك الغيب أم هو الإرهاص»اهـ.
إن هذا الكلام فيه أمور يجب التعليق عليها.
أولاً: إن القرآن الذي أنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المؤلف باللغة العربية ليس قديماً.
ثانياً: اللوح المحفوظ ليس قديماً، لأن كل ما سوى الله تعالى حادث.
ثالثاً: لا أحد من الأشاعرة يقول بقدم القرآن الذي هو باللغة العربية، ونسبة هذا القول إلى الأشاعرة جهلٌ بمذهبهم وتحامل غير مستغرب من واحد مثل أبو زيد.
رابعاً: لا تسلم نحن أن العقل لا يفكر في أمور الغيب على الإطلاق، بل للعقل مدخلية ما في بعض جهات الغيب، والغيب هو ما غاب عن الحواس. وقد بينت هذه النقطة بوضوح في كتاب تدعيم المنطق. واعتقد أن الشيخ عبد الصبور لو قال بهذه المقولة، فهذا يدل على عدم دقة في كلامه وفكره إن صح ذلك عنه كما نقله ابو زيد.
خامساً: من الواضح أن أبو زيد لا يريد للقرآن وجوداً إلا في إطار البشر، وحسبما يفهمه البشر فلا يوجد له مصداق خارجاً عن هذا النطاق، وهذا يجعل مرجعية الفهم هم نفس البشر في كل عصر من العصور، فلو اختلفت اذهان طائفة الناس في عصر ما في فهم القرآن عند فهم من سبقهم، فالعبرة بالفهم المعاصر لأن العقل فعالية مستمرة، والعقل لا ضوابط له إذ هو يعني الحرية لا القيد، فلا يتقيد العقل في فهمه عند العلمانيين باي ضابط، بل إنهم يعتبرون تقيد العقل بمبادئ وبديهيات خروجاً عن العقلانية، لأن هذه البديهيات نفسها تعتبر عندهم من عالم الغيب الذي لا يعمل فيه العقل، وقد وافق أبو زيد عبد الصبور في هذه المقولة فرحاً بها طائراً ليقلبها على راس مناقشه.
فنحن اذن نرى بوضوح الآن ما هي المبادئ الكلية التي يفهم أبو زيد بناء عليها القرآن وكونه وحياً ومقدساً، إن هذا كله لا أثر له ولا قيمة الا في ظلال العلمانية، وتحت هيمنتها وسلطتها وتوجيهها.
وأما الصحابة والموقف منهم، فنحن لا نقدس أحداً من الصحابة، ولكننا لا نترامي إلى القاع من أجل البحث عن أخطائهم واختراع أخطاء وتجاوزات لهم ثم الشروع بعد ذلك ببناء نتائج غريبة عنهم وعن الاسلام كما يفعله العلمانيون وبعض المنتمين إلى المشايخ بين المسلمين عناداً وهوى وتعصباً إن الميزان الذي نحاكم به الصحابة هو ميزان العقل والإنصاف وليس هو ميزان الهوى والتحكم والعبثية، ونلاحظ عند النظر في الخلاف بين الصحابة أنهم بشر يصيبون ويخطئون، ولكن نلاحظ أيضاً عدالتهم على سبيل الاجمال كما شهد النبي المعصوم بحبهم أو على الاقل بحب كبارهم وطوائف عديدة منهم كأهل بدر وبيعة الرضوان وغيرهم، إننا عندما ندرس ونحلل الخلافات الناشئة بينهم ملاحظين ذلك كله، وملاحظين دورهم في نشر الاسلام ومدى الخدمات والجهود التي قدموها في هذا الباب. لا نخرج لكي نصير مقدسين للصحابة، ولكننا لا ننجرف وراء الهوى لنصف مصاف العلمانيين واصحاب الهوى والعناد.
وابو زيد عندما يناقش ويحاول خلخلة أصول الفقه من خلال مناقشة الرسالة للإمام الشافعي، فهو ليس جريئاً كفاية لكي يقول إنه لا يسلم بهذه الأصول كلها، بل هو يوهم البسطاء فقط بأنه باحث حر وأن هذه النتائج التي وصل غليها بعد البحث والاجتهاد والفكر والنظر وكأنه لا يعرف أنه هجمته هذه على التراث الاسلامي تظهر حقيقتها وخلفيتها التي تعتمد عليها لكل طالب علم وهو من جهة أخرى يحاول ادعاء أن الابتاع الحقيقي للعلماء هو في الاجتهاد ومثلما اجتهدوا!!! ومفهوم الاجتهاد عنده كما رأينا لا يتحقق إلا في نقض جميع أو ما يستطيعون نقضه ولو عن طريق الأوهام والإيهام، فهو يدعي الاجتهاد والنظر، نعم، ويدعي أنه يكون بذلك أكثر اتباعاً للشافعي من أولئك الذين يقلدون الشافعي في أحكامه وآرائه التي وصل إليها عن طريق الاجتهاد. فبأي منطق يتكلم أبو زيد عندما يدعي أن من يوافق الشافعي في طريقه النظر والاحكام، اقل اتباعاً له من الذي يخالفه في الأحكام والمبادئ التي يقررها، ولا يوافقه!! إلا في اسم الاجتهاد كما يدعي، وأنى له الاجتهاد هذه هي المغالطة والمصادرة المكشوفة التي يقوم بها أبو زيد، وليت شعري هل يحسب أن هذه المغالطات تمر سالمة عارية عن النقد على القراء، ألا يعلم أنها لعبة مكشوفة حتى على صغار طلبة العلم والباحثين.
كيف يريد منا مثلاً أن نصدق بأنه أكثر التزاماً بمنهج الشافعي من الامام النووي والسبكي والغزالي والرازي وغيرهم. هل نصر حامد أبو زيد يلتزم بمنهج الشافعي أكثر من هؤلاء؟! ترى هل يوجد أحد في هذا العالم يصدق بهذه السخافات ألا يرى أبو زيد أن أسلوبه فيه صبيانية مكشوفة للقاصي والداني؟!

يتبع.....

سعيد فودة
12-06-2005, 22:41
إن ابو زيد يفرق بين النص وبين سلطة النص التي ترتبط عنده كما في ص 140 بمفهوم «المرجعية الشاملة» للنصوص، وكلاهما وجهان لعلمة واحدة، أو تعبيران عن جانبي مفهوم واحد، وأن هذا المفهوم ينتمي إلى التاريخ الاجتماعي للمسلمين لا إلى نفس الدين.
هذا هو ما يقوله ابو زيد في هذه النقطة، انه يريد تجريد اجتهادات المجتهدين الأئمة الذين سبقوا عن وصفهم بأن اجتهادهم اسلامي أو منسوب نسبة صحيحة للدين، وتريد القول ان اجتهاده هو فقط أبو زيد الصحيح النسبة للدين والممثل تمثيلاً صحيحاً للدين هذه هي المزاودة العلمانية المكشوفة التي يقوم بها أبو زيد وغيره من العلمانيين في هذا العصر.
إن ابو زيد يعتبر أن التفسيرات والاجتهادات التي قام بها علماء المسلمين على مر السنين والقرون الماضية مجرد سلطة أضيفت على النص ولا علاقة لها به، فاجتهاد المجتهدين عند أبو زيد لا قيمة له، بل يمكن أن يأتي اجتهاد في زمان معاصر يلغي جميع الاجتهادات السابقة وهو لا يقصد بالاجتهادات مجرد المسائل التي تحتمل الخلاف، بل يستوعب بذلك كل ما يمكن أن يفهم من النص، أو كل ما فُهم منه عن طريق العلماء الماضيين. أنه لا يعتد بكل الأفهام السابقة ويدعو للتحرر منها، ويدعي أن هذه الاجتهادات هي التي جعلت النصوص ناطقة خارج الزمان والمكان والظروف والمناسبات كما يصرح بذلك في ص 154 وهذا يعني أن النصوص عند ابو زيد مقصورة في الزمان والمكان والظرف الذي نزلت فيهز وأننا لا نلتزم بالفهم الذي تعاقبت عليه علماء الأمة الاسلامية,
ومن الظاهر أن هذا الاتجاه الممثل للعلمانية، والقائم على النظرة التاريخية، هو الخطوة الأولى لالغاء عموم النصوص في الزمان والمكان، وهذا هو الخطوة الاولى لالغاء صحة التمسك بالنصوص كدوال على أحكام يجب علينا في هذا الزمان الأخذ بها إنه السبيل الذي يتبعه أبو زيد نحو التحرر من النصوص نفسها، وان كان يركز في كلامه على أنه لا يريد التحرر إلا مما أسماع سلطة النص.
وابو زيد يدرج الإمام الشافعي والغزالي في ضمن أيديولوجية واحدة يتم فهم النصوص بناء عليها، ولذلك فهو عندما يعارض الشافعي لا ينسى أن ينقد الاشعري والغزالي، أي إنه بصورة واضحة يناقض مذهب أهل السنة بصراحة ووضوح، وهو المذهب المتمثل بالمذهب الأشعري والمتريدي في علم الكلام، وبالمذاهب الاربعة في مجال الفقه، ولا يجوز أن نظن أن أبو زيد عندما يخالف الشافعي أنه يؤيد مذهب ابي حنيفة مقابله، فتصبح المسألة مسألة ترجيح بين مذهب ومذهب، لا يصح أن نتصور المسالة بهذه السذاجة، لأن ابو زيد ينطلق من خلفية علمانية وهو مذهب رافض للمرجعية الدينية من الجهة التي بيناها سابقاً، سواء كان المعبر عن هذه المرجعية حنفياً أو شافعياً فهو اولاً يناقض الشافعي، ثم يعطف ليه إن سلم له ذلك، الحنفي والمالكي وغيره من المذاهب الاسلامية.
إنه بصراحة لا يريد وجود مرجع فكري وتأسيس نظري معتمد على أصول الدين، بل يريد الأمر متروكاً بشكل حر لافهام أي إنسان عالم أو جاهل، ليؤسس الأفكار والمواقف الكلية تجاه الدين فيصير كل واحد من الناس مطالباً فقط بما يفهمه من الدين، وبهذا النمط والسبيل فقط يتم لأبو زيد إنهاء ما يسميه بسلطة النص.
ومن الجلي أن هذا المنهج هو عين المذهب الراسمالي الذي يترك الدين ليكون مجرد وجهة نظر لا يستطيع أن يحتج بها واحد على غيرهن فتنتهي الروابط والعلاقات الاجتماعية المبنية بين الناس على الاساس الديني وتبقى الروابط والعلاقات مبنية على أي اساس آخر سوى الدين. وبهذا يصل الو زيد على الحرية التي يريدها. والتي ليسن سوى تعبير مخادع عن التفلت من سلطة الدين.
وإلا فليقل لنا ابو زيد إذا قلنا إن كل مفكر رأسمالي لا يمكننا أن نعتبر أفكاره معبرة عن النظام الرأسمالي ولا جزءاً من أفكاره معبراً عن ذلك المذهب الكلي؟ ألا يؤدي ذلك إلى نفي الراسمالية كمذهب؟ وكذلك نقول: إذا لم يوجد في التاريخ الاسلامي مجتهد واحد ولا مجموعة مجتهدين يعبرون عن حقيقة الاسلام الا يستلزم ذلك، أن الاسلام لم يوجد قط في نفس أي إنسان. أو يقال إن هناك نظرات مختلفة يدعي كل واحد من اصحابها أنها هي الدين، والحقيقة أنه لا أحد منها هو الدين ولا شيء منها مطابق للدين. فالواقع أنه لا يوجد دين مطلقاً. واعتبار فكرة أو حكم ما أنه حكم ديني، هو عبارة عن وهم ومغالطة في فكر أبو زيد.
وأما موقف أبو زيد من الاستحسان ومعارضته للشافعي رد الاستحسان فإن أبو زيد يعتقد أن الاستحسان الذي قال به الأحناف معناه التفلت من كل القيود والحكم بحسب مسل النفس فقط، وهذا هو المعنى الذي رده الشافعي بقوله: من استحسن فقد شرّع، ومعنى عبارة الشافعي إذا كان الاستحسان حكماً من عند نفس المجتهد بل دليل، فهذا التشريع مبتدأ من غير الله تعالى، وهو باطل. ومعنى ذلك أنه إن لم يكن كذلك فيجب أن يكون راجعاً إلى دليل شرعي معتبر كالقياس.
وهذا الموقف الذي أخذه الشافعي هي عين موقف الأحناف الذين رضوا بهذا التفسير والتزموا به واقتنعوا من أن يكون الاستحسان عملاً بالهوى ومجرد الميل النفساني.
وأما أبو زيد فيحسب أن المسألة سياسية ولذلك يقول إن الشافعي عارض الاستحسان لأنه أي الاستحسان يمكن أن يفضي على تعدد الاجتهادات واختلافها بحسب ظروف الزمان والمكان، كما صرح بذلك في ص 160، ثم قال في ص 162: «ولكي يقبح الشافعي مبدأ الاستحسان تقبيحاً نهائياً لحساب القياس المكبل يعود على مبدئه الأثير عن وجود أحكام لجميع النوازل في النصوص الدينية" اهـ.
إننا نلاحظ أن أبو زيد يلوي أعناق المسائل، فالشافعي لم ينكر الاستحسان لأنه يؤدي إلى تعدد الاجتهادات، بل أنكره لأنه اتباع للهوى اذا لم يتم إرجاعه إلى دليل معتبر كالقياس، وأما تعدد الاجتهادات فهي من لوازم القياس ايضاً ومن لوازم طرق فهم النصوص كالعام والخاص والاطلاق والتقييد، وهكذا، ولو كانت العلة في نفس القياس هي لزوم تعدد الاجتهادات للزم الشافعي إنكار جميع هذه الأدلة الأصولية، ولكنه لم ينكرها، بل أيدها وأقرها على ما هي عليه، بل نصوصه واقواله قوله دلالة واضحة على أنه لا يعترض مطلقاً على تعدد الاجتهادات بشرط الرجوع لا إلى الهوى بل إلى أدلة معتبرة شرعاً، وهذا الذي لا يقبل به ابو زيد كما قلنا، انه لا يريد أن تكون المرجعية في الحكم والاجتهادات هي نفس ادلة الشريعة ، بل يريد التحرر منها وعدم التقيد، لينطلق من عقال الدين إلى جناح العلمانية، فيستريح آنذاك.
ولا تحسبن أن أبو زيد يعارض الشافعي في نفي الاستحسان لأنه يرجح مذهب ابي حنيفة، كما قلنا لك، بل هو يحاول أن ينفض أحد المذاهب الاسلامية أولاً، حتى إذا انتهى عنه وبقي غيره من المذاهب، تناولها هو وصحبه واحداً بعد الآخر، فلا هو محب للمذهب الشافعي ولا للمذهب الحنفي ولا لغيرها، إن لب ما يدعو إليه إنما هو العلمانية لا غير.
ثم لاحظ كيف يلوح على معارضة ما قاله الشافعي من أن نصوص الشريعة لا بد أن تحتوي على دلالة ما للحكم المطلوب للحادثة المستجدة. وإن أبو زيد لا يعترف بأن النصوص الشرعية من شأنها أن تعطي دلالات على الأحكام الشرعية لكل الحوادث المستجدة والمعاصرة، ولذلك وجدت هذا المبدأ بقوله: «يعود إلى مبدئه الأثير ... الخ» اهـ، فاضاف هذا المبدأ إلى الشافعي، وكأن أبا حنيفة وغيره لا يقولون به، والحال أن أحداً من الفقهاء لا يعارض الشافعي في هذا القول، بل هذا القول ليس مضافا اصالة إلى الشافعي بشكل خاص، بل يقول به جميع فقهاء المذاهب الاربعة. ويقول به الشيعة بشكل أشد وأعتى. وكذلك الظاهرية وغيرهم، فالحاصل أن أحداً من الفرق الإسلامية لا يعارض هذا المبدأ الذي لا يرضى به أبو زيد، فينتج عندنا أن أبو زيد يعارض الحقيقة ما أجمع عليه المسلمون من أجل عيون العلمانية.
وهذا النحو من تحليل افكار وكلام أبو زيد في صحيح جدا، ولا يتعارض نتائجه مع أي من المقدمات التي وضحناها عن اصول فكره. وإنما نقول ذلك لئلا يستغرب بعض القراء عندما يقرأون هذه اللوازم التي تلزم أبو زيد بها، فيقول مستغرباً: هل من المعقول أن يقول واحد يبحث في الدين الاسلامي بهذه القواعد؟!
والجواب نعم يمكن بل هو حاصل كما ترى، لأن مرجعية هؤلاء الباحثين علمانية وليست اسلامية.
وأما موقف أبو زيد من السنة وكلام الشافعي فيها، حيث اعتبر الامام الشافعي السنة المصدر الثاني من مصادر التشريع، فقد خالف أبو زيد في قطعية الادلة الدالة على ذلك، وقال ان من الادلى المؤيدة له أن الامام الشافعي كان يرد على مفكرين وفقهاء آخرين كان لهم موقف من السد مخالف لموقف الشافعي» كما قال في ص 164، فربما تكون السنة عند ابو زيد ليست دليلاً أصلاً، فجعلها المصدر الثاني بعد القرآن، يجب أن ينفر منه ابو زيد، ولذلك لما نسب إلى الشافعي أنه اعتبر كل قول قاله النبي عليه السلام سنة، اعتبر ابو زيد هذا القول من أخطر ما قام به الشافعي. وكلنا نعرف أن الشافعي لم يطلق حكمه على كل ما صدر من النبي أنه سنة، بل فصل فيه بين ما هو عادة وما هو قربة وديانة، وما هو صادر عن الجبلة البشرية، وما هو صادر عنه عليه السلام من حيث كونه رسولاً نبياً. فما نسبة ابو زيد على إطلاقه ليس صحيحاً اذن.
ثم يتساءل ابو زيد في ص 166: قائلاً« هل كان الأمر يحتاج إلى كل هذا الجهد من الإمام الشافعي لو كان الأمر من بديهيات الاسلام كما يقول بلتاجي ببساطة يحسده عليها الامام الشافعي نفسه؟!
إن ابو زيد يقول هذا مستغرباً ومستنكراً، واستنكاره في غير محله، لأن إقامة الأدلة على أمر واضح أنه من الدين، لا يستلزم أنه يصح المخالفة فيه، فكم أقام العلماء الأدلة على نبوة النبي عليه السلام وكما اقاموا من الأدلة على اثبات وجود الله، وكم بحثوا في اعجاز القرآن واقاموا الأدلة المتكاثرة على هذه المطالب، لم يمنعهم وضوح ثبوتها أنها من الدين، من أن يقيموا عليها الأدلة والشواهد.
فإذا كان الشافعي قد توسع في الاستدلال على كون السنة حجة، فما ذلك إلا مبالغة منه في إقامة الحجة على من يخالف في ذلك.
ثم نقول: من ادراك ابا زيد نريد أن الذي كان يخالف الامام الشافعي في هذا المطلب أنه كان من فقهاء الاسلام، وكيف يتصور أن يكون فقيهاً من ينكر كون السنة حجة. لو لم يكونون مجرد أناس عرضت لهم هذه الفكرة وتصوروا لأنها صحيحة فلزم الامام الشافعي الرد عليهم، بما يقدر عليه من الاستدلالات والبراهين.
إن من مصلحة ابو زيد ان يجعل هؤلاء المنكرين للسنة جزءاً من المسلمين لأن هذا يفتح له باباً واسعاً مع صحبه لإنكار ما يريدون مع ادعائهم انهم مجتهدون ولا يخرجون عن اصول الإسلام، بل هم مجتهدون كغيرهم، مثل الشافعي وابي حنيفة ومالك. .. الخ، هذه هي الطريقة الكلية التي يتبعها أبو زيد وهي طريقة ساذجة لا ينخدع بها إلا كل جاهل بحقيقة هذه المسائل.
ولكي يمنح ابو زيد في جعل مسائل وقواعد الاصول تاريخية، وكذلك الحكم على الاجتهادات التي توصل اليها الفقهاء في مختلف الأزمان أنها مقيدة بظروفها فقط، يعني أنه لا يلزمنا العمل بها ولا يجب علينا ذلك. كان ينبغي أن يحاول تفسير بعض الآراء التي قال بها الامام الشافعي بناء على هذه النظرة، ليجعل تفسيره لهذه القواعد والأحكام بناء على هذه الخلفية بمنزلة الاكتشاف الكبير الذي سوف يخلخل هذه الثقافة الزائفة – في رايه – والمتراكمة تراكماً تاريخياً فقط، والتي صارت مقدسة بجعل جاعل لا لكونها هي حقاً.
ومن هذه الأمثلة التي طرحها في ضمن تلك النظر كما قال في ص 169: «لماذا كانت «عربية» القرآن في حاجة إلى دفاع عن الامام الشافعي وقد قادت محاولة الاجابة عن هذا السؤال إلى سؤال آخر: هل هو دفاع عن العربية ام دفاع عن اللهجة القرشية التي استقرت لهجة معتمدة او حرفاً في قراءة القرآن بعد استبعاد الاحرف الاخرى المذكورة في حديث الاحرف السبعة، وهذا التساؤل الثاني أدخل البحث في اشكاليات النزعة القرشية التي أرادت الهيمنة على المشروع الاسلامي ونجحت عشية وفاة النبي عليه السلام في واقعة السقيفة ثم في حروب الردة، والصراع بين علي بن ابي طالب وخصومه في موقعة الجمل أولاً وصفين ثانياً، بعد أن انتقل الصراع بعد السيادة القرشية إلى صراع بين بني هاشم وبني أمية» اهـ.
يحاول أبو زيد أن يفسر هذه المسائل المتعلقة بالقرآن تفسيراً سياسياً كما ترى، وهذا التفسير مرجعه في جميع مراحله السلطة الحاكمة في الدولة، وما هي الوسائل التي يتم المحافظة بها على السلطة في يد فلان أو غيره. فالقواعد الاصولية والنظرات إلى القرآن محكومة عند ابو زيد بهذه الزاوية، كل الأصول الكبرى عنده مستندها ومرجحها إنما هو الحفاظ على السلطة، وهكذا يحول ابو زيد علم اصول الفقه وعلوم القرآن وعلم الكلام إلى مجرد علوم سياسية، ثم هي بعد ذلك محكومة لتبرعات سلطوية محضة لا محل فيها للدين والعقائد الدينية، بل صارت العقائد عنده تابعة للسياسة والاستيلاء على السلطة الحاكمة.
ألا ترون كم تسيطر مسألة الدولة وفصل الدين عن الدولة، أو جعل الدين تابعاً للدولة، على فكر أبو زيد؟ إن الذي يرفضه إنما هو جعل الدولة مستندة إلى الدين، أما العكس فيرحب به ترحيباً تاماً، وكذلك يرحب بالفصل التام بينهما، بل هذا هو الأصل الذي يحاوله قدر استطاعته حتى إذا ضاقت عليه السبل لجأ إلى الاحتمال الآخر المذكور اما الوضع الصحيح المنصوص عليه عند علماء الدين في أصول النصوص الدينية وهو كون الدولة تتبع الاحكام الدينية المتعلقة بها، فهو يفر منه فراءه من الاسد.

يتبع......

سعيد فودة
25-06-2005, 11:34
والذي يقتنع بطريقة ابو زيد في التفكير والتحليل ينتج عنده بلا شك أن الشافعي لم يكن مجتهداً حراً، أي لم يكن همه النظر في نفس النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، لاستنباط الأحكام الشرعية للحوادث المستجدة، بل كان نظره أثناء تاصيله للفقه متعلقاً ببعض الاتجاهات السياسية التي كانت قائمة، ولذلك فاستنباطه وترجيحه مشروط بحادثة تاريخية زمانية ولذلك فلا يجوز تعميمها في كل الأزمان، بل الواجب تقييد اجتهاده بتلك القيود الزمانية ومن وصل إلى هذه النقطة خلص إلى أنه لا يجب في حقه اتباع قول الشافعي ولا غيره من العلماء المجتهدين على مر العصور، غذ أن اجتهادهم كان مقيداً بتلك القيود ايضاً وهذا هو التفلت والتحرر الذي يريده ابو زيد.
ان ابو زيد يعلل اختيارات الشافعي واجتهاداته في أصول الفقه بالتيارات السياسية التي يقف معها والتي يخالفها ويضادها. وهو يصرح بذلك ولا يلوح فقد قال في ص 168: «ولأن البحث العلمي لا يكتفي بالتحليل وينزع كذلك إلى التفسير، فقد كان من الضروري إثارة التساؤل عن سير انحياز الخطاب الشافعي لمنحى أهل الحديث ضد أهل الرأي، خلافاًُ للاعتقاد السائد بأنه توسط بينهما من خلال منهج توثيقي، ولأن الامام الشافعي قدم في خطابه ما هو أكثر من مجرد الانحياز لفريق ضد فريق، فقد كان التساؤل عن سر الحرص على تدشين السنة نصاً مشرعاً تساؤلاً مشروعاً، ومرة اخرى ليس الحديث عن الانحياز حديثاً عن هوى شخصي بقدر ما هو حديث عن موقف فكري في سياق صراع بين اتجاهات ورؤى فكرية مختلفة»اهـ.
إن هذه الاتجاهات التي تحكم موقف الشافعي الفكري في نظر أبو زيد هي الاتجاهات السياسية وهي وقوفه مع القرشية ضد غيرها من اللهجات، وهي وقوفه مع العرب ضد غيرهم، هكذا يتصور ابو زيد نفسه يعلل تعليلاً علمياً الحركة الفكرية التي كان الامام الشافعي يقوم بها وكذلك اتباعه، وهي نفس العلل التي يتحرك في اثنائها المجتهدون الآخرون كأبي حنيفة، ومالك ايضاً.
إذن كل الاجتهادات الاسلامية من كبار الفقهاء والعلماء والأئمة محكومة بالواقع السياسي ولا تعبر بالضرورة عن حقيقة الدين في نفسه، ولذلك، ومن هذا المنطلق يبيح أبو زيد وغيره من العلمانيين أن يعيدوا قراءة القرآن والدين قراءة مخالفة ومغايرة للقراءات التي سبقت. فهم يعتبرون أنفسهم مجتهدين ظاهراً في الدين، ولذلك فهم يضعون من اقوالهم وأحكامهم في مقابل الاحكام والمواقف التي صدرت من هؤلاء الأئمة الأعلام.
كل هذا عبارة عن تزييف شنيع يقوم به أبو زيد وغيره ممن يعاونه، إنه يرفض أن يفهم حقيقة الاجتهاد والاختلافات التي حصلت بين العلماء وعلى النمط الذي علله ووضحه الماضون من المدققين والعلماء الذين قامت الأمة الاسلامية على اكتافهم ونتائج جهودهم العلمية والسبب الوحيد في نظري لذلك، ربما يكون انتماء ابو زيد الفكري وغايته التي يرجو الوصول اليها شأنه في ذلك شأن كثير من الذين خالفوا أهل السنة قديماً وحديثاً.
لماذا يرفض ابو زيد ان يكون الاتجاه الحديثي هو المنتج للسياسة، وكذلك التوجه الاعتزالي هو المنتج لطريقة سياسة الدولة، لماذا يصر على أن تكون السياسة والساسة هم الذين أوجدوا التيارات الفكرية والفرق العقائدية لماذا لا يحتمل أن يكون العكس هو القاعدة الأغلب والحال الأعم. نعم إذا كان بعض الفرق أوجدتهم بعض الاتجاهات السياسية، فهذا لا يستلزم بالضرورة تعميم هذه الفكرة على الجميع، حتى يعممها بهذه الصورة الفجة على قواعد تتعلق بأصول الفقه والقرآن الكريم.
ولاحظ أن ابو زيد يتهم الذين جمعوا القرآن وكتبوه أنهم اقتصروا فقط على اللهجة القرشية، واسقطوا الحروف الستة الاخرى، كما في ص 182 ايضاً ويقول إن قراءة القرآن استقرت بلهجة قريش كما هو معلوم من علوم القرآن، وهذا الذي يزعمه ابو زيد كله مجرد وهم مبني على جهل كما هو معلوم، فإن القراءات ليست كلها على لهجة قريش بل الرسم فقط كان عليها، والقراءات ليست هي الرسم بل القراءة مغايرة للهجة. ولهجة قريش كما هو معلوم لم تكن مهموزة، في حال أن كثيراً من القراءات المقروء بها الآن وطوال القرون السابقة كانت مهموزة، ومنها قراءة حفص، أي إن القراءة المشهورة الآن في أكثر بلاد المسلمين ليست هي لهجة قريش.
أنا لا أدري كيف يتجرأ ابو زيد على بناء نتائج كثيرة كالتي يقولها بناء على معلومات غلط وجهل كبير ظاهر، ثم يريد من الآخرين أن يعترفوا بدقة تفكيره وصوابه: «اليس هذا نوعاً من الغرور والانخداع.
ولو تأملت كيف يطلق في النص الذي نقلناه سابقاً على الامام الشافعي أنه هو الذي دنّس السنة مصدراً تشريعياً، ومعنى هذا ان السنة لم يكن معترفاً بها كمصدر ثان للتشريع حتى جاء الامام الشافعي وثبت مكانتها، وهذا يعني أن المسلمين كانوا في شك أو إنكار لحجية السنة ولكونها مصدراً ثانياً للتشريع حتى جاء الشافعي. وهذه المزاعم كلها لا تقوم على أساس، وتبعث العجب الكبير ممن يتفوه بها، كيف يقول إن السنة لم تكن مصدراً تشريعيا حتى جاء الإمام الشافعي، وقد علم القاصي والداني أن الصحابة والتابعين ومن تبعهم أطبقوا على الاحتجاج بالسنة كمصدر ثان بعد القرآن من حيث الثبوت، وذلك لأن القرآن متواتر والسنة أغلبها آحاد، وأما من حيث الاحتجاج بها ومصدريتها للأحكام فجمهور الفقهاء على عدم الفرق بينها وبين القرآن وهذه مسألة معروفة في أصول الفقه. وليس غلطنا أنه لا يعرف أبو زيد هذا الأمر.
إن ما نريد قوله بعد لفت الأنظار إلى ذلك، هو أن ابا زيد يتهافت كثيراً في بناء القضايا الكلية على اساس هارٍ ضعيف.
وكذلك يعترض ابو زيد على التقسيم الثنائي للاحاديث إلى متواتر وآحاد، ويقول إن الاحناف هم الذين حافظوا على التقسيم الثلاثي. المتواتر والمشهور والآحاد، بينما أدمج مفكروا المذاهب الأخرى المتأخرون المشهورات في المتواترات بهدف توسيع نطاق اليقين في السنة كذا قال في 189، والحق أن المذاهب الأخرى أبقت على المشهور وأدرجته في ضمن الآحاد لا في ضمن المتواتر، كما تخيل ابو زيد فالقسمة إلى متواتر وآحاد، لا تستلزم ادراج المشهور في المتواتر للسبب الذي توهمه ابو زيد، بل هذه القسمة مبنية على نظر عقلي حاصلة ان ما افاد اليقين بالنظر لطريق ثبوته، فهو المتواتر، وكل ما سوى المتواتر آحاد، سواءً كان مشهوراً أم لا. فهذا معناه ادراج المشهور في الآحاد لا المتواتر، وهذا معناه رفع اليقين على سبيل الاجمال عن المشهور كما قرروا ذلك في حق الآحاد.
اذن ابو زيد، يغالط ويغلط ويتجاهل ويجهل وهو يظن نفسه من المحققين العارفين بخبايا الامور وكل احكامه وتحليلاته وتفسيراته مبنية على علل غائية قائمة في نفسيته العلمانية، ثم تراه يحاول أن يلتقط لها شاهداً من هنا أو شاهداً من هناك لعله يستطيع إكمال بناء تصوره الجديد للاسلام وتطوره التاريخي بفعل الجهود الإنسانية، كما يريد أن يبرهن أبو زيد وهيهات.
والباعث على شدة العجب، مع ملاحظة جميع هذه التهافتات التي يقه فيها أبو زيد، تراه يبادر دائماً بنسبة الجهل والتقليد والحفظ لا عن فهم للمخالفين (كبلتاجي، وغيره) والحال أنه كما نراه غارق في الجهالات والادعاءات التي لا يستطيعها ولا يتحملها.


يتبع .......

سعيد فودة
10-07-2005, 10:34
ثم يزيد العجب الحاصل في النفس أن نرى أبو زيد يتفاخر ويدعي أن ما يقوم به من تهافتات فكرية يسميها نقدية حرة، هي التي تحافظ على التراث، أما الدفاع عن التراث بالطريقة التي يصفها دائماً بأنها طريقة معتمدة على الحفظ لا الفهم والتقليد لا الاجتهاد، فهي الطريقة المؤدية إلى ضياع الأمة وهدم التراث من حيث لا يعرف أصحابها، انظر ص 195، وان كانوا يظنون انهم يحسنون صنعاً، نعم هذا الموقف من أبو زيد يثير العجب، إذ يتجرأ بعد تلك الآراء والتهافتات الفكرية التي صدرت عنه أن يدعي أنه هو الذي يحافظ على التراث، ويتهم غير بأنهم يهدمون التراث. ولا أدري عن أي تراث يتكلم!!.
ولا ادري من أين جاء أبو زيد بالفكرة القائلة ان اللوح المحفوظ قديم، لا شك انها استنتاج تافه من استنتاجاته الكثيرة، طرأت في هذه ثم نسبها إلى الاشاعرة أو أهل السنة، وقد لفتنا النظر سابقاً إلى هذه الفكرة، ثم رايته يكررها مرة أخرى أثناء كلامه على فكرة التاريخية في ص 206 قال: «ماذا عن اللوح المحفوظ الذي ذهبت بعض التصورات إلى ان القرآن مدون فيه؟ هل هذا هو اللوح المحفوظ قديم أزلي أمر محدث مخلوق؟ ولا بد أن يكون محدثاً مخلوقاً مثل العرش والكرسي وإلا دخلنا في تصور تعدد القدماء الذي لا يقبله أي مفكر في التراث الديني الإسلامي إذا كان اللوح المحفوظ مخلوقاً محدثاً فكيف يكون القرآن المسطور عليه قديماً أزلياً؟ إلا يدخلنا ذلك في سلسلة من التناقضات المنطقية...» الخ كلامه.
هذه هي طريقة أبو زيد في كامل كتبه، تسرع مع اعتداء بالنفس مبني على جهل عميق ولا ادري كيف تجتمع هذه كلها معا في نفس واحدة. فلا أحد قال بقدم اللوح ولا أحد قال بأن القرآن المكتوب في اللوح قديم، إلا ما نقل عن بعض المجسمة الذين زعموا ان الحروف والأصوات قديمة، وهؤلاء وطائفة منبوذة نبذها من أتقن أحكام مذهب التجسيم كابن تيمية الذي رفض كون القرآن قديماً، واصر على حدوثه، ولكن هذا الخلط الذي يصفه أبو زيد لم أر أحداً من المسلمين يقول به وهو يصور نفسه كأنه المنقذ للأفكار الإسلامية من التناقضات الجلية الظاهرة، وكأنه حريص على التناسق ان يسود في الفكر الإسلامي والحق أنني قد مللت من النظر إلى كلماته التي يمثل فيها هذا الدور المكشوف زيفه، دور المحافظ على التراث الإسلامي، ودور المهتم بإعادة صياغته صياغة قوية وانقاذه من تهافتات الفرق الإسلامية على حد زعم هذا العلماني والواقع ان حالته وحقيقته منكشفة لا ينخدع بها الصبية في بداية تعلمهم ولا يغترون به ولا بكلامه فكان الأولى به والحال هذه أن يصرح بصدق بأفكاره من دون هذه التلاعبات المنكشفة التي تزيد الباحث دفعاً عنه لا إليه.
وقد علم من عنده اطلاع على علم الكلام أن القرآن المؤلف من الكلمات والحروف يستحيل ان يكون قديماً، بخلاف الصفة القائمة بالله تعالى وهي الكلام، وهي غير الحروف والأصوات.. وبمناسبة الكلام على الصفة، فان أبا زيد يخطئ مرة أخرى عندما يصف صفة القدرة بأنها مُحايثة للذات فيقولب في ص 205: «القدرة أزلية بما هي صفة محايثة للذات الأزلية القديمة...الخ» اهـ.
والتحايث مشتق من الحيثية، والحيثية من حيث وهذه تدل على المكان، ومعنى محايثة أي أنها حيث الذات، ولكن الذات الالهية لا يصح وصفها بأنها في مكان أو أن هناك حيثاً لها، وبناء عليه فقول أبو زيد بأن الصفات محايثة للذات غير صحيح، والصحيح أن يقول أنها ثابتة للذات قائمة بها كما هو التعبير الصحيح المشهور عند أهل السنة.
إن أبا زيد يقول إن القرآن ظاهرة تاريخية، أي فعل الله تعالى حصل له زمان معين، وأن هذا الوصف لا يستلزم عدم عموم ألفاظه ومعانيهن وهذا القدر من الكلام لا ضرر فيه، ولكن الضرر ربما يأتي إذا اعتبر القرآن كلاماً كأي كلام بشري ظهر في أي زمان قديم أو حديث ، فههنا له دلالاته وهذا له دلالاته. والصحيح أن القرآن من حيث كونه دالاً، فهو لا يختلف كثيراً عن أي كلام آخر، فإن قواعد اللغة تنطبق عليه وهو ينطبق عليها، ولكن الاختلاف بينه وبين سائل الكلام من حيث صفاته ككلام : أي من حيث بلاغته وعانيه التي يحملها ومدلولاته وأحكامه بهذا يفترق القرآن عن غيره.
ولكن إذا تمت التسوية بين القرآن وبين غيره من هذه الجهة أيضاً، فإن القرآن ينقد قرآنيته ويفقد كونه من عند الله تعالى من هنا يأتي الخوف السابق من عبارة أبي زيد.
والحقيقة أنني كلما قرأت أكثر لأبي زيد هذا، يتبين لي بصورة أشد عدم اطلاعه على كثير من الآراء الكلامية والأصولية، إنه لا يعرف منها إلا صورة ساذجة، ولذلك تراه مبهوراً بما يتلقفه عن العربيين. وهذا يظهر جلياً عندما يناقش مسألة دلالة اللغة والألفاظ، ص 213 وما بعدها، فيزعم أن علماءنا المتقدمين كانوا يقولون إن الألفاظ تدل على المصاديق الخارجية بنفسها فقال في ص 215 شارحاً لقول الجرجاني على زعمه: «بل اللفظ يدل على الحدث» اهـ، فجعل الجرجاني يقول بأن اللفظ يدل على الحدث أي المصداق الخارجي مباشرة، وهذا غلط، ويبدو لنا أن تمكن أبي زيد على من المصطلحات الكلامية والأصولية ساذج جدا حتى الآن، لأنه لم يحسن تصوير هذه المسالة.
على كل حال، قال بعد ذلك في ص 215: «وظل الفكر اللغوي يرى العلاقة بين اللفظ والمعنى علاقة اصطلاح مباشرة حتى جاء العالم السويسري دي سوسير » اهـ ثم قال: فوضح العلاقة على النحو التالي : «إن الوحدة اللغوية (التي تسمى لفظاً) ظاهرة مزدوجة، ليس من جهة أنها تدل على ارتباط بين ملفوظ أو مكتوب من جهة، وبين موجود خارجي من جهة أخرى: أي بين اللفظ والشيء بل هي ظاهرة مزدوجة بشكل أكثر تعقيداً من جهتي الدال والمدلول» ويستمر في كلامه حتى يقول في ص 217: «هذا التصور الذي صاغه دي سوسير انهى والى الأبد التصور الكلاسيكي عن علاقة اللغة بالعالم بوصفها تعبيراً مباشراً عن هذا العالم، لقد صارت العلاقة بين اللغة والعالم محكومة بأفق المفاهيم والتصورات الذهنية الثقافية إنها لا تعبر عن العالم الخارجي الموضوعي القائم، لأن مثل هذا العالم ان كان له وجود يعاد انتاجه في مجال التصورات والمفاهيم.. وقد أحدث هذا التصور ثورة في علاقة الفكر باللغة... الخ»اهـ هذا هو ما يكفي من كلام أبو زيد ليوضح حقيقة فهمه وتعمقه في دراسة التراث الذي يدعي انه مجدد له، ومحترم له، ومنافح عنه ضد المقلدين. ولا ادري كيف يكون مجدداً وباحثاً حراً فيه وهو يجهل حقيقة قول العلماء في مثل هذه المسالة التي تعتبر لشيوعها بين المتكلمين والمناطقة والاصوليين مثل المسائل الضرورية ومن مبادئ العلوم، حتى تراهم يضعونها في المتون الموضوعة لتعليم الاطفال في العلوم وقبل ان تسأل ايها القارئ ما هو الأشكال في كلام أبي زيد، نوضح لك المسالة كما يلي:
ان أبا زيد يدعي أن علماء المسلمين كانوا يقولون ان اللفظ يدل على الموجود الخارجي مباشرة بلا توسط الذهن والعقل.
وهذا الرأي غلط محض عند أبي زيد، ويقول انهم استمروا على هذا الرأي إلى ان جاء أحد علماء اللغة الغربيين يعني دي سوسير فوضح حقيقة الحق في هذه المسالة، فقال ان اللفظ يدل على المعنى في الذهن، والمعنى الذي في النفس يدل على ما في الخارج، فهناك علاقة ثلاثية، وان لم يوضح أبو زيد لقصر باعه في مصطلحات المتكلمين هذه المسالة على هذا النحو، ويعتبر قول دي سوسير ثورة.
ولم يدر أبو زيد ان علماء المسلمين من المتكلمين والمناطقة والاصوليين قد صرحوا كما قلنا بأن الألفاظ تدل أولاً على المعاني الذهنية، ثم المعاني الذهنية تدل على ما في الخارج بواسطة صدقها على المخارج فهذه العلاقة الثلاثية يعرفها علماؤنا، وصرحوا بها فقال مثلاً صاحب السلم المنورق:
«دلالة الألفاظ على المعاني» يريد ان الألفاظ تدل على المعاني العقلية لا على الخارج مباشرة وشراح السلم صرحوا بما ذكرناه فما قاله دي سوسير لا يمثل ثورة إلا عند من يجهل ما قاله علماؤنا، كابي زيد وكثير من العلمانيين الذين يزاودون على الاسلام نفسه وعلى علماء الدين المجتهدين.
وقد قلت سابقاً إن أبا زيد هذا يجهل كثيراً من بحوثات العلماء المسلمين، ولهذا فهو مبهور بما وصل إليه الغربيون، وربما يحسب نفسه مجدداً لهذا السبب، حيث إنه يريد إعادة إنتاج فهم الدين اعتماداً على القواعد التي ينتجها الغربيون، ولا نسلم نحن للغربيين جميع عقولاتهم وحتى كلام دي سوسير، فإنما نوافق عليه بهذا المقدار الذي وضحناه واما دقائقه فتتوقف فيها حتى نعلم ما يقول.
وليعلم أبو زيد ان علماءنا قد أنتجوا نظرات عميقة جدا في مجال دلالة اللفظ على المعنى وكيفية هذه الدلالة ومنشئها ان أراد العلم بها فليرجع إلى كتب الأصول والكلام والمنطق في مباحث الألفاظ.
ولا يظنن واحدُ أننا ننسب هذا الرأي الذي قال به دي سوسير إلى علماؤنا من باب إنكار علم الغربيين ومن باب ادعاء السبق كما عتاد كثير من الجاهلين بمقدار عمق الثقافة العلمية التي وصل إليها علماؤنا المتقدمون في هذه البحوث بل إننا ننسب الفضل لأهله، ولسنا بمبهورين بما نسمعه وبما نعرفه من نظريات وآراء الغربيين في هذه المسائل، لأن ما نعرفه من علماءنا أعمق بكثير مما يتصوره أبو زيد واضرابه.
وإننا إذا قلنا إن دلالة الألفاظ على المعاني، فهذا يستلزم أننا لا نعتمد على مجرد اللغة في أخذ معارفنا بل إن اللغة وسيلة دلالة وليست وسيلة إنتاج للمعرفة، خلافاً لما يتصوره أبو زيد، واحتكامنا إلى اللغة في بعض الأحيان إنما هو احتكام إليها من حيث هي دالة على المعاني بالوضع اللغوي أي بحسب قواعد اللغة. فإذا أردنا ان نعرف ان هذا المعنى شرعي ديني مثلاً، علينا ان نثبت ان هذا المعنى تدلنا عليه بعض نصوص الكتاب والسنة بنحو من الدلالات المعتبرة. وهذا لا يستلزم أنه لا يمكن ان نتوصل إلى معرفة وعلم إلا عن طريق اللغة.
والمفاهيم العقلية التي نحصل عليها يجب محاكمتها بوسائل المعرفة ومصادر القضايا كما هو موضح في مباحث النظر في علم الكلام وفي مواد القضايا في علم المنطق، فوسائل المعرفة هي المعيار لصحة تصور ما، أو خطا هذا التصور، وسواء كان هذا التصور مأخوذاً من مجتمع أو تقليداً لاب أو أستاذ، أو جاء نتيجة بحث، فيجب عرضه على وسائل المعرفة المعتبرة المذكورة في كتب العلماء وليس الأمر متروكاً بلا ضابط كما يتصوره أبو زيد وهو يريد ان يصل إلى القول بان هذه التصورات تتغير بتغير الظروف والمفاهيم والزمان والمكان، وتبقى الكلمات دالة على ما في ذهننا من تصورات فيؤدي هذا الوضع إلى ان تنقلب معاني نصوص وأحاديث عند تغير هذه المفاهيم. وإذا كان أبو زيد يعتقد الأمر بهذه السهولة فهو مسكين فهناك فرق بين المعاني وبين المصاديق، ودلالة الألفاظ الأصل فيها ان تكون على المعاني إلا الألفاظ الجزئية كأسماء الأعلام، وإذا حرّرنا اللفظ الدلالة عليها ضمت إلى ما سبق، وإلا رفضت كمدلولات للألفاظ وتبقى الألفاظ دالة على نفس المعاني التي كانت تدل عليها في الزمان المتقدم. وبذلك لا يؤثر تغير الزمان والمكان على تغيير المعاني بل إذا تغيرت المصاديق، فتصدق عليها نفس تلك المعاني.
وبهذا يزول الأشكال الكبير الذي يتعلق به العلمانيون ومنهم أبو زيد، وبهذا يتم الحفاظ على ثبات معاني القرآن وثبات الشريعة مع استيعابها للتغيرات، فالثبات في المعاني، والتغيرات في المصاديق، وبذلك يبقى جوهر الشريعة محفوظة. فلا ينتكس قلب أبي زيد حزناً عليها، فنحن قادرون على حمايتها وسنتوقف قليلاً عند مناقشة أبو زيد وتحليله لعبارته التي يقول فيها ان القرآن منتج ثقافي ويرد على المعترضين عليها لأهميتها.
قال أبو زيد في ص 226: «إن اللغة فيما ذهب دي سوسير كذلك، تقاوم التغيير وتسعى للثبات بما هي ظاهرة اجتماعية جماعية، لكن الكلام الذي هو الاستخدام الفردي للغة الذي يحدد اللغة ويطورها».
وقال: «وإذا كان الحديث عن النص القرآني – كلام الله – فهو بامتياز نص يمتلك كلاماً وليس نصاً تنطقه اللغة وان كان يستمد مقدرته القولية أساسا من اللغة ومرة أخرى المقصود بمقدرته القولية مقدرته من حيث هو نص موجه للناس في سياق ثقافة بعينها وليس المقصود مقدرته من حيث طبيعة المتكلم به، الله عز وجل»اهـ.
وقال: «قلنا ان القرآن منتج ثقافي لكنه منتج قادر على الإنتاج كذلك، لذلك فهو منتج يتشكل لكنه في الوقت نفسه من خلال استثمار قوانين إنتاج الدلالة يساهم في التغيير واعادة التشكيل في مجال الثقافة واللغة أيضا» اهـ.
هذا الكلام كله لا إشكال فيه إلا وصفه للقرآن بأنه منتج ثقافي، فان القرآن من حيث هو موجود بإيجاد الله تعالى، فان هذا الوصف الذي يصف به أبو زيد يوهم أن الثقافة تنسب لله تعالى وهو غير صحيح، ويوهم من جهة أخرى أن القرآن إنما حدث ووجد بحسب الظروف التاريخية التي ظهر فيها، وهذا أيضا غير صحيح.
وقد نفاه أبو زيد في ص 229: «وهم يفهمون تاريخية النصوص على أساس أنها غير قادرة على مخاطبة الناس بعد عصر نزولها، فضلاً عن مخاطبتهم خارج دائرة النظام اللغوي الذي تشكلت من خلاله تلك النصوص، وهذا فهم يضيف إلى جهلهم بالتاريخ جهلهم باللغة» اهتز وهذا الكلام وان كان ظاهره عدم نفي عموم دلالة القرآن في الزمان والمكان، إلا انه يضيف إشكالية كون القرآن حادثاً بحسب الظروف للناس الذين أنزل إليهم. وهو معنى خطير لا نعتقد ان أبا زيد يريده هذه الفجاعة.
ولكن إذا أراد ان القرآن أنزل وله حكمة معينة وفائدة معينة، لهذا لا ينكره أحد ولا يقوله عاقل ان القرآن انزل صدفة محضة لا علاقة لها بالواقع الذي أنزلت فيه ولا بالمستقبل الذي تخاطبه، لا أحد يقول بذلك. وإذا كان أبو زيد لا يقول بحصر دلالة القرآن وكونه خطاباً وكلاماً بالعصر الذي نزل فيه أو بالزمان أو بالمكان أو بالقوم، فلا إشكال في هذه الجهة. والله أعلم.

يتبع......

سعيد فودة
16-07-2005, 18:05
وفد كنت نويت أن أوقف تعليقاتي على هذا الكتاب عند هذا القدر، ولكن لفت نظري ما كتبه أبو زيد في مواضع أخرى وخاصة ص 256 وما خلفها عن مبدأ السببية، ولما لهذا الأمر من أهمية، ولكثرة ما يتخلله من مغالطات ليس فقط من أبي زيد بل من معظم من كتب فيه من أهل هذا العصر وكثير ممن سبق، أردت أن أكتب بعض التعاليق هنا لعل القارئ يتضح عنده بعض جوانب هذه المسألة، وإن كنت قد شرحتها بنوع من التوسع في الرد على كتاب مناهج الأدلة لابن رشد الحفيد الفيلسوف.
قال أبو زيد في ص 256: «مبدأ السببية هذا يمثل المحور الأساسي في إنتاج المعرفة العملية وهو يقوم على التسليم الفكري بوجود قوانين طبيعية تحكم الظواهر الطبيعية وأخرى اجتماعية تحكم مجالات النشاط الإنساني، والفارق بين القوانين الطبيعية والاجتماعية ان القوانين الطبيعية حتمية لا تتخلف النتائج فيها عن الأسباب لان العلاقة بين السبب والنتيجة هي علاقة العلة بالمعلول أما القوانين الاجتماعية فهي ليست قوانين حتمية صارمة لأنها قوانين ترتبط بالفعل الاجتماعي الإنساني حيث يمثل الاختيار والمبادرة الفردية عناصر ليسن لها بالضرورة قوة الحتم والاطراد الموجودة في القوانين الطبيعية» اهـ.
ثم قال: «في الفكر الإسلامي الكلاسيكي تياران أساسان فيما يتصل بالقضية موضوع السؤال التيار العلمي العقلاني الذي يمثله المعتزلة وابن رشد أساسا، والتيار الديني ذو النزعة الروحية الخالصة المتمثل في الاشعرية التي وجدت صياغتها النهائية في كتابات أبي حامد الغزالي الاعتزالي، ولكن بعد افراغه من مضمونه الفكري الاعتزالي وملئه بالمضمون الاشعري، وكان الغزالي في ذلك مخلصاً اشد الإخلاص لمنهج سلفه أبي الحسن الاشعري تلميذ المعتزلة. الذي استخدم منهج الاستدلال الاعتزالي لمعارضته والخروج عليه، ولعل هذا ما يفسر النزعة العقلانية الشكلية التي نجدها مبثوثة في كتب الاشاعرة بصفة عامة وكتابات الغزالي بصفة خاصة» اهـ.
هذا هو بعض ما قاله أبو زيد في هذه المسالة، ونحن نريد التعليق على مواضع منه كما يلي:
أولاً: ان حقيقة الخلاف بين الاشاعرة والمعتزلة ليسن كما وضحه أبو زيد في مفهوم السببية بالضبط، فان كثيراً من المعتزلة لا يقولون بحتمية القوانين الطبيعية على طريقة الفلاسفة أي لا يقولون بالعلة والمعلول، بل يقولون بالطبيعة التي يعتمد فعلها واثرها على شروط ومعدات ومن هذه الشروط إرادة الله تعالى. ومن جهة أخرى ، فإن الباحث الجاد لا يضع ابن رشد الفيلسوف في صف واحد مع المعتزلة، بل إن منهج ومذهب ابن رشد فيه معارضة كبيرة للاعتزال ومنهج للمعتزلة، لما هو معلوم من أن ابن رشد يمثل صورة طبق الأصل عن فلسفة ارسطو اليوناني ومعلوم ان المعتزلة لا يوافقون على جميع مقولات اليونان والفلاسفة الارسطيين.
ثانياً: ان ابن رشد لا يعتبر عند الانصاف من اصحاب التيارات الكلاسيكية في الفكر الإسلامي، بل هذا الوصف يشتمل على المعتزلة، والاشاعرة ممن ذكرهم أبو زيد، أما ابن رشد فيخرج منه لأنه تابع وفيّ لفلسفة ارسطو كما هو معلوم. وايضاً لأنه لم يكن له تيار واتباع كما كان للاشاعرة والمعتزلة، بل كان أكثر أتباعه والمتأثرين به ينتمون لمدارس مسيحية في اوروبا كايطاليا وفرنسا كما هو غير خفي على الدارس الواعي.
وبالتالي، فلا يصح ذكر ابن رشد على السوية على مع المعتزلة من هاتين الجهتين.
ثالثاً: ان التجارة العلمية والمعرفة التجريبية لا تتوقف على اعتقاد العلية والمعلولية بين ظواهر الطبيعة وهذا العالم المخلوق، بل ما تتوقف عليه هو الانتظام والاتساق على نمط معين، يتسم بالاطراء، وهذا هو السبب الكافي لقيام الفكر العلمي التجريبي، وهذا الصدر موجود ليس فقط في الفكر الاعتزالي والفلسفي كما يزعم أبو زيد، بل هو موجود بكامل شروطه في فكر الاشاعرة، ولذلك لا يجوز لأبي زيد الادعاء انه لا يمكن اقامة فكر علمي تجريبي إلا بناء على الاعتزال أو الفلسفة. وهذا الزعم يكون منه مجرد مغالطة.
وقد وضحت هذه المسالة وهي دقيقة ومهمة في ردي على مناهج الادلة لابن رشد.
رابعاً: يردد أبو زيد لتقليد محض لمن سبقه ومن يعاونه ويسانده في هذا الاتجاه ان الامام الاشعري تلميذ المعتزلة، ونحن لا ننكر أنه تلمذ على أحد كبار رجالات الاعتزال، ولكن هذا لا يستلزم تصحيح بقاء هذا الاسم عليه أعني انه تلميذ المعتزلة، لان هذا الذي يسمونه تلميذا استطاع بعد ذلك هو وتلامذته ان يدحر خطوط الاعتزال وينقص افكارهم ويبطل كثيراً من أحكامهم وقدر على ان يصير هو التيار السائد الحائز على القبول والرضا عند اكثر المسلمين، ومثل هذا الإنسان الذي تمكن من فعل كل ذلك، لا يقال عليه انه مجرد تلميذ,
ان كل من المفكرين لا بد أن يبدأ حياته الفكرية بالتلمذة على بعض الاساتذة ولكن هذا الوصف لا يجوز استصحابه عليه دائما حتى بعد ان يصبح أستاذا وربما اكبر واعظم ممن درس عليهم في بداياته ومن يصر على تسمية الاشعري انه تلميذ، فإنه لا يقصد إلا الحط من مقامه، والتقليل من قدرته التي لا يمكن جحدها إلا من معاند.
خامساً: يتهم أبو زيد الاشاعرة بان عقلانيتهم مجرد عقلانية شكلية لا مضمون تحتها وهذا مجرد اتهام باطل لم يقم عليه دليلاً ولا يقدر ان يقيم عليه دليلاً، انه لم يقل إلا عبارات خطابية وشعرية فذكر ان الغزالي رد على الفلاسفة وكفرهم في مجموعة من المسائل، ورد عليه ابن رشد، وكذلك رد الغزالي على الباطنية ثم يدعي أبو زيد ان الغزالي وصف السلطان الذي أهدى كتابه إليه بجميع الأوصاف التي انتقدها ضد الباطنية. ثم يستنتج بعد ذلك في ص 258: « وفي هذا التناقض يثبت لنا ان النزعة العقلانية مجرد نزعة شكلانية نفعية براجماتية وليست منهجاً أصيلا لابتداع المعرفة» اهـ. وهذه التهمة هي نفس التهمة التي بدأ بها أبو زيد كتابه واصفاً بها الاسلاميين الذين وضعهم في مقابل العلمانيين.
ونحن لا نلقي بالاً لما قاله أبو زيد في حق الغزالي، فهو مجرد تهافت في الاتهام، بنفس القدر الذي تهافت فيه ابن رشد عندما اتهم الاشاعرة بأنهم ينكرون البديهيات والضروريات عندما يقولون بنظرتهم في مسالة السببية العادية. وقد بينا نحن بطلان كلام ابن رشد، وذلك في كتابه في الرد على مناهج الأدلة، ولن نعيد ما ذكرنا هنا، لأن أبا زيد لم يذكر أدلة بل اكتفى بذكر رأيه وانطباعه ولذلك نكتفي نحن بذكر رأينا عنه وعن من يستند إليهم. ولعلنا نناقش استدلالاته عند مناقشتنا لبعض كتبه الأخرى.
وهو يتهم الغزالي والاشعري وكذلك جمع الاشاعرة بأنهم براغماتيون نفعيون، وهذه التهمة هي عين التهمة التي يتهم بها التيار الإسلامي في هذا الزمان المعاصر، وينزه عنها التيار العلماني وقد قلت لبعض الأصحاب أكثر من مرة إن ما يميز هذا العصر، أن جميع التيارات العلمانية والملحدة الكافرة، والأديان المحرفة، والفرق الإسلامية المبتدعة اجتمعت كلها ضد الأشاعرة والسبب واضح جداً عندنا، وهو أن الأمة الإسلامية لم تنتظم لها دولة منذ عرفت المذاهب ولم تنتصر على أعدائها الكبار كالتتار والصليبيين بل وعلى الاستعمار إلا في ظل جهاد الاشاعرة ودول الاشاعرة كالعثمانيين والأيوبيين والمماليك والسلاجقة، وغيرهم من دول الإسلام.
ومن المعلوم ان العالم الغربي الآن يركز جهوده على هدم الإسلام، وهدم الإسلام إنما يتم بإضعاف ممثليه الأقوياء، وهؤلاء هم الاشاعرة، وقد يستغرب بعض القراء هذا الكلام وقد يوافق عليه بعضهم، ولكننا سوف نثبت للقراء الكرام صدقنا فيما نقول تباعاً كلما علقنا ونقدنا كتاباً من كتب العلمانيين أو النصارى أو الملحدين أو غيرهم فيكون هذا بمنزلة البرهان الاستقرائي العملي على هذه الدعوى التي صدرت منا هنا.
والحقيقة ان مبدأ السببية العادية لا يتعارض مع الحربة الإنسانية في حدودها ولا مع الاختيار في كسبه، وانما يحصل التعارض بين هذا القانون وبين من يزعم ان الخلق والايجاد من العدم يمكن ان يكون لغير الله تعالى أو يزعم انه توجد علاقة ضرورية حتمية بين أي موجودين اثنين، بمعنى لو تصورنا الحرارة والنار، وقلنا ان هناك علاقة حتمية بينهما، يستلزم ذلك انه لا يمكن ان توجد الحرارة إلا بالنار، ولا يمكن ان توجد الحرارة إلا بالنار، ولا يمكن ان توجد النار إلا إذا تولد الحرارة في الوجود. إننا نقول هذه العلاقة على هذا النحو الحتمي لا يمكن التسليم بوجودها، لا لشيء إلا لانه لم يتم إثباتها بدليل برهاني قاطع، ان جميع الذين ينادون بهذا النوع من العلاقات يعتمدون على ما يتبادر إلى أذهانهم وأوهامهم، ويعتمدون على النظرة الأولية إلى هذا الوجود عندما يرون تتابع الظواهر فيتوهمون وجود علاقات عقلية بينهما. ونحن نقول كل هذه المشاهدات لا تدل على أكثر من الانسجام والانتظام ضمن صورة أو قانون ان احببتم ان تسموه قانوناً ولكن من أين لكم أن هذا القانون ذاتي للموجودات، لا يمكن ان يتخلف، ان من يفتعل هذه الجملة تكفيه عن أمور كثيرة وتبين له ان المخالفين واهمون معاندون ويتبين له ان الذي يلتزم فعلاً بالعقلانية الحقيقية شكلاً ومضموناً وانما هم الأشاعرة، وليسوا هم المعتزلة ولا الفلاسفة ولا الشيوعيين ولا الشيعة ولا غيرهم.
إن وصف مذهب بأنه عقلاني عقلانية مطلقة لا يمكن أن يصح ويسلم إلا بأن يتم اثبات ان هذا المذهب قائم على البرهان والعلم في كل مقولاته سواء كانت من باب الآليات أو التصورات الساذجة، وإذا ثبت لنا أن بعض المذاهب تتعارض مع البراهين أو القواطع، فكيف يقال عليها انها عقلانية وإذا ثبت لنا ان بعض المذاهب تقول بمقولات اكثر بكثير مما يؤدي إليه البرهان والقطع العقلي فكيف يقال على هذه المذاهب انها عقلانية.
واخيراً أقول: لقد ناقشن مسألة السببية والعادة وأثرها على الفعل الإنساني وحريته أو بعبارة المتكلمين اختياره فيكسبه وعمله في اكثر من كتاب، ولكنا نشير ونرجع القارئ الكريم في هذا المقام إلى ردنا على ابن رشد في كتابه مناهج الأدلة. لأنه الأنيق بما يزعمه أبو زيد في كتابه موضوع نقدنا وردنا هنا.
ان نصر حامد أبو زيد يردي اثبات ان هناك قانونا كلياً، ليس حاكماً فقط على الافعال الإنسانية والمخلوقات الحادثة، بل إنه يحكم أيضا افعال الله تعالى أي إنه يريد أن يجعل أفعال الله تعالى واقعة تحت مقولة الحتم والجبر وفي نفس الوقت الذي استنكر بلك قوته وبأعلى صوته أن يكون الإنسان واقعاً تحت الجبر.
إننا لا نقول بالجبر لا في حق الله تعالى ولا في حق الإنسان في أفعاله الاختيارية ونخرج من جميع الاشكالات الواردة على الفلاسفة القدامى من اتباع ارسطو كابن رشد، والفرق الإسلامية المتعنتة في ادعاء العقلانية كالمعتزلة ومن تأثر بهاتين الطائفتين كالشيعة، وكذلك نتبرأ من مقولات العلمانيين الجدد سواء كانوا على طريقة هذا الكاتب أم كانوا على طريقة الشيوعيين أو ما تبقى من مذهبهم.
وأبو زيد يرى كل المذاهب دائرة في ظل السياسة، فهو يعتقد ان الاشاعرة لم يقولوا بهذا المذهب الذي يقولون به والذي يستلزم الجبر عند أبي زيد إلا من اجل إسقاط المسئولية المباشرة عن مظالم الحكام ومفاسد الإسراء كما قال في ص 260 وهكذا نرى أن أبا زيد قلبه معلق بالحكم والحاكمية والدولة والسلطة حتى صار يتصور كل مبدأ من المبادئ متأسسا على الدولة ونظام الدولة فكيف يدعي أن المذهب الاشعري يستلزم التعليم للحكام والظلمة وغض الطرف عن مفسدة الأمراء وتاريخنا زاخر بأمثلة العلماء الأشاعرة الكبار الذين دفنوا في وجه الظلم والظلمة وأزاح الله تعالى بهم الغمة والمظلمة عن كثير من الناس ولكن عين أبي زيد لا ترضى برؤية كل قيمة حسنة للاشاعرة وإن كانت محسوسة مرئية.
وأنا أعلم أن مناقشة مبدأ السببية والعادة عند الاشاعرة يحتاج إلى قدر أكبر من التفصيل لتوضيح حقيقته وحقيقة آثاره على أفعال الناس وموقعه في بناء العقائد في الله تعالى وفي المخلوقات وهي مسألة من أهم المسائل في علم التوحيد كما ذكرت ذلك في كتاب بحوث في علم الكلام وغيره.

ولنوقف الكتابة عند هذا الحد حامدين الله تعالى طالبين توفيقه ورضاه.
سعيد فودة
التاسع من رمضان
2004