المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المشكلات الميتافيزيقية الكبرى



سعيد فودة
06-04-2005, 13:54
المشكلات الميتافيزيقية الكبرى
هذا الكتاب من تأليف فرانسوا غريغوار، وموضوعه ملخص في عنوانه:
صار كثير من الباحثين يميلون إلى الفلسفة ليست علماً ولا خادمة للعلوم ولا اللاهوت (الألهيات) وليست مجرد تسلية ذهنية بل هي استعداد وميل شخصي، فلا يمكن إذن اثباتها أو نقلها عن طريق التعليم، وهي شبيهة بالشعور الفني.
والفيلسوف صار ينظر إليه على أنه «ذلك الذي يستبد به ميل أساسي شديد إلى الوحدة والتركيب والتعميم، ويتحكم به طموح إلى نظرة في شتى مظاهر الكون متجانسة وموحدة وخاصة إلى ترابط كلي بين هذه النظرة وقاعدة سلوك ناجمة عنها» . ص9.
وكثير من التعريفات المعاصرة للفيلسوف والفلسفة تلتقي عند هذا المعنى.
ولا ريب أن أغلب الناس يميلون إلى أن يكون لهم نمط كلي في حياتهم ينطلقون منه، ويحاولون أن يصوروا أفعالهم كأنها منطلقة ومنبعثة من مبدأ كلي لهم، وإن لم يكن الأمر كذلك في نفسه.
وكل فلسفة لا بد أن تسير في ثلاث خطوات لكي تكتمل.
الأولى: النظر في عالم الأشياء، ومنها العلوم الجزيئية لمحاولة بناء نظرة كلية لها بناءً على فهم معين لها. ومنهم من يرى أن الفلسفة يجب أن تقتصر على هذا المستوى ولا تتخطاه.
الثانية: النظرة إلى ما وراء المادة، وهذه نظرة متقدمة، ولا ريب أن من يريد أن يبني نظرته هذه على مجرد اكتشافات العلوم فسيجد متاعب ومشاق عميقة، لأنه ومع كثرة وعمق التطور الذي حصل على العلوم الجزيئية إلا أن العارف لها يعلم أنها لا تزال بعيدة عن أن نقدم تصوراً تاماً عن الكون. والميتافيزيقيا هي ما يسمى بالفلسفة العامة.
وما زال الخلاف دائراً هل الفلسفة العامة فوق العلم أو بجانبه أو تحته.
وربما يكون اندفاع الإنسان للبحث في الفلسفة العامة نتيجة لشعوره بالافتقار والاحتياج إلى تعيينات كلية أعم وأقوى من نتائج العلوم الجزئية.
الثالثة: الأخلاق، وتشتمل على وضع نظام عملي بناء على النظرة العامة. وكثير من الفلاسفة لا يرضون بفكرة الأخلاق المستنبطة أو المخترعة، لأنهم يعتقدون بأن الأخلاق موجودة سابقاً وليست من اختراع الفلاسفة، والفيلسوف الأخلاقي ليست وظيفته أن يخترع الأخلاق بل أن يعبر عنها ويصنفها بوضوح.
وهل يمكن للإنسان فعلاً أن يسير في حياته وأخلاقه منبعثاً من نظرته الكلية التي حصلها في الفلسفة العامة أم إن تصرفاته الجزيئية نتيجة لميول خفية موجودة مسبقة؟‍
وخلاصة المواقف الأخلاقية ثلاثة:
1- أن يكون الإنسان آلة عمياء في الكون.
2- أن يفرض الإنسان نظاماً رقمياً على هذا العالم الذي لا هدف ولا غاية له.
3- توجد في الكون غاية خفية يسير الإنسان فيها ويشارك غيره فيها حتى ربما دون علمه.
هذه هي الاحتمالات الثلاثة التي ذكرها المؤلف، وربما فإنه أن يقول إن هناك احتمالاً وهو أن يكون في الكون جانبان الأول تكويني محض، ولا يخضع سيره لإرادة الإنسان، ولا الإنسان من حيث هو فاعل خاضعاً له بشكل تام، والجانب الثاني جانب الإنسان الذي يتميز به بالإرادة، والمطلوب من الإنسان أن يكون متوافقاً مع السير الكلي لهذا العالم الذي يسير حقيقته تبعاً ل إرادة الله تعالى وهو الفاعل المختار. فيكون الحاصل أن على الإنسان أن يجعل أفعاله وأهدافه متناغمة مع ما يطلبه الخالق المختار.
ويعبر وليم جمس عن الميتافيزيقيا بقوله: «ليست الميتافيزيقيا سوى مسعى بالغ التصلب والعناد للتفكير بصورة واضحة ومتماسكة» (Text book of Psychology)
وهذا وصف راجع إلى أن الميتافيزيقيا تفترض حصول التفكير والتصرف بناء على الفلسفة العامة والقوانين الكلية للعالم. ولكن أي إنسان يدعى أنه توجد قوانين لا بد منها للعالم يسير عليها ولا يمكن تخلفها، يكون مغالطاً، وقائلاً بلا دليل، فحتى مسألة شروق الشمس غداً، لا يمكن لأحد أن يجزم بها على أساس ميتافيزيقي مطلق، لأن هذا يجب أن ينبني على الاعتقاد بأن العالم له حتمية القوانين التي لا تتخلف، وهذا الادعاء محل نظر كما لا يخفى.
غاية ما يمكن قوله أن التأمل الميتافيزيقي يسعى إلى تحديد المكتسب العلمي الآتي تحديداً محتمل التصديق، مدفوعاً بضرورة تبني قاعدة سلوك رشيدة. هذا ما قاله المؤلف ص 10 ولكن لا نسلم هذا القول على إطلاقه، لأن النظر الكلي يمكن أن يكون له مصداق حقيقي، بمعنى أننا يمكننا الوصول إلى بعض القوانين الكلية لهذا العالم، وللوجود، ويمكن أن نقطع بها، بحيث نجزم أنه يستحيل خلانها. وليس التفكير الكلي الذي نود ههنا تسميته بالتفكير الكلامي معتمداً فقط على المكتسب العلمي والتجريبي الآتي، لا بل هو أعم من ذلك، ويمكن أن يكون قاعدة عامة للتفكير العلمي، بل هذا هو ما يجب أن يكون، غاية الأمر أن كثيراً من الفلاسفة الذين حاولوا الوصول إلى هذا القدر أخطأوا، مما سبب ذلك تولد ردة فعل عند الآخرين أنهم سوف يخطئون إن فعلوا ذلك، وقال بعضهم بل يستحيل الإقدام على نحو هذا المطلب، فانعكس ذلك إلى نظرة كلية بعدم نفع الفلسفة، وعدم نفع الفكر الكلي، والفكر الكلامي، أو طريقة المتمكنين في النظر الفكري.
ولكن هذا الموقف الذي اتخذه هؤلاء لم يعتمدوا فيه إلا على مجرد تجارب لم تكتمل أو تجارب فاشلة، وتعميم نحو ذلك، غلط...
فنحن نؤمن بأن هذا ممكن ولو بنسبة معينة، أما الإطلاق والإحاطة، فقد يكون متعذراً لأسباب عادية، لا لنفس الأمر.

يتبع....

أحمد محمود علي
06-04-2005, 16:10
ما شاء الله لا قوة إلا بالله !!
ما هذه اليواقيت والدرر التي تـترقرق من عيون الكلمات ؟!

جزاكم الله خيرا على ما تقدمونه
لخدمة الفكر الإسلامي.

سعيد فودة
07-04-2005, 23:08
مشكلة المعرفةالبعض قال بوجود حقيقة مطلقة، والإنسان قادر على بلوغها جزئياً، وهي مستقلة عن الإنسان وبعض قال: بارتباط المعرفة دائماً ببعض خصائص الإنسانية، فالمعرفة ليست ضلال محضاًَ، ولكنها ليست مطلقة أبداً كعرفة الله، وهذا هو التيار النسبي.
أصحاب النظرة المطلقة:
أولاً: المذاهب الطبيعية كالمادية، الذين ارجعوا الفكر إلى مجرد انعكاس عن المادة، أو هو مادة عالية، فيمكنها من هذه الجهة العلم بالمادة الخارجية. والمقصود عندهم بالمعرفة حصول تراكيب ذهنية تعتبر نسخاً مطابقة للواقع الخارجي. وهؤلاء عندهم نظرة متفائلة لمعرفة العالم، ويتفاوتون فيما بينهم من أبيقور إلى الماركسيين.
ثانياً: المذاهب المثالية الموضوعية: هؤلاء يقولون بأن الواقع الخارجي هي من طبيعة فكرية، والمادة شكل مشتق عنها، ووجودها ظاهري فقط، وأرجعوا الثقل والرائحة وغيرها التي تعطينا معرفة بالمادة إلى الأحوال النفسية، فلا يوجد دليل عندهم على وجود جوهر مخالف لطبيعة هذه الإحساسات، ولذلك فهي متفائلة لأن الخارج من واقع فكري فتمكن معرفته.
ومنهم افلاطون في نظرية المثل له، التي استعارتها المسيحية المتقدمة واعتبروا المثل والروح الإلهية يشكلان شيئاً واحداً. والإيمان عند المسيحية لا يعاكس العلم، بل يمهد له ويُرسى أسسه ومن هنا قال مالبرانش تلميذ ديكارت (1680) إننا قادرون على بلوغ بعض الحقائق حيثما يمكن الله علينا بالوصال مع فكره عالم الحقائق العقلية الخالدة.
ولكن هناك مشكلة تتولد عن هذا الفهم وهي كيف نميز الحقائق الحقة التي نراها في الله، عن المفاهيم الخاطئة التي يخلقها الإنسان لنفسه. ولأس سبب يجعل الله الإنسان يتيه خارج الذات الربانية؟!
وجاء ليبنتز ليحاول حل هذه الاشكالات فقال ان الموجودات من إنسان وحيوان وبنات.. شخصيات نفسية صرفة يدعوها بالأحيدات Monades كل منها مستقلة ذاتياً وهي كلها محدودة إلا أحيدة الله، ومعنى كونها محدودة أي إن لديها مانعاً داخلياً متفاوت التأثير تبعاً لنوع الأحيدة ويتجلى في تشويش إدراكاتها.
هذه هي المادة.
وكل أحيدة تنزع في استمرار إلى الانتقال من إدراك مبهم إلى ادراك واضح وهذا هو المعرفة، وما يسمى بالخطأ ليس خطأ لأنها كلها من صنع الله فالخطأ فيها، وهو في الحقيقة عجز، وهو غشة نسبية تحجب عنا في بعض الظروف الترابط العقلاني في سلسلة إدراكاتنا.
وأما هيجل بعد قرن ونصف، فقام بمذهبة نظرية لا ينبتر وتوحيدها فاعتبر الكون كأحيدة وحيدة مزيدة آخذة في التطور.
إن كل فلسفة هيجل محورها فكرة عزيزة على التفكير الفلسفي الألماني وهي أن الكائن لا يعرف نفسه تماماً إلا بعد تفتحه في ظروف حياته المتعددة الآفاق، وبعدما يخلق لنفسه حياة كل وجه منها كمرآة تحيطه علماً بطاقاته التي كانت كامنة فيه بالقوة لدى الانطلاق.
وهذا هو التطور الذي يجري على ثلاث مراحل: الفكرة الخالصة (وهي ثروة طاقية ضامرة وغير واعية) تتفتح خارج ذاتها أي تنكر ذاتها فتأخذ شكل الطبيعة (وهي ثروة متفتحة ولكنها غير واعية) ثم تعود إلى ذاتها أي تنكر ذاتها فتأخذ شكل الطبيعة (وهي ثروة متفتحة ولكنها غير واعية) ثم تعود إلى ذاتها وتفكر في نفسها بوصفها فكراً (الفكرة تستعيد وحدتها الأصلية الكاملة، ولكنها تصبح شاعرة بذاتها بعد هذه المغامرة).
فالمحرك هو التناقض، وهو نوع من الضرورة الداخلية تدفع إلى ما ذكرناه. وهذه المراحل هي (الفرضية الأولى، الفرضية المناقضة، الفرضية المخلصة) ويسميها هيجل بالجدلية.
قال هيجل: كل ما هو حقيقة عقلانية فهو واقعي، وكل ما هو حقيقة واقعة فهو عقلاني، لا خطأ ولا صواب، هناك فقط حقيقة واقعية في منتهى الغنى تتبدى لذاتها على مرِّ العصور عن طريق الظواهر الطبيعية والأذهان البشرية.
أما هو سرك صاحب المذهب الظاهراتي فهو قريب من أفلاطونية ضيقة الأفق علمانية الطابع شديدة الإبهام، وقد عارض أن الشعور جوهر مستقل (النفس)، وأنه وعاء تجري فيه هذه الأحوال النفسانية، وما الشعور عنده إلا تتابع المواقف التي يتخذها الكائن البشري إزاء العالم الخارجي، فالأشياء كما بالنسبة إلى أفلاطون لا تملك حقيقة واقعية، إنها مستودع بسيط من مادة بلا صورة، ويقول : في الإنسان قدرة حدسية تسمح له باكتناه هذه الجواهر أي باكتناه المطلق.
أصحاب النظرة النسبية:هذه النظرة التشبيه تجاوزت المذاهب السابقة نهائياً والمواقف النسبية تركز على الإبداع الحر الذي جعلوه ميزة للمعرفة الإنسانية.
أ‌- من الشكاك إلى كانت: تساءل المتشكك تيمونوس: «العسل حلو بالنسبة إلى السليم مر بالنسبة إلى القيم فما هو الطعم الحقيقي للعسل»، وخلص على أن احساساتنا لا تجعلنا نلمس الماهية الحقيقية للأشياء، وليس هذا الموقف بالنسبية الفلسفية، فانطباعاتنا متوقفة على تنظيمنا الفسيولوجي، فللإنسان يعيش ضمن إطار مصطنع يحجب عنه الماهية الحقة ودافع كانت عن هذه الفكرة ومذهبها، وكثير مقولاته صعبة النقص حتى الآن، فالماهية الحقيقية عنده للأشياء غير مدركة لنا، والمحوات كالبيض والطحين هي الفطيرة النهائية التي تختلف أشد الاختلاف عن العناصر المكونة الأولية فكل علم فهو نسبي. ولا يأمل الإنسان أكثر من بلوغ العلاقات القائمة بين مظاهر والظواهر.
ب‌- مذهب الذرائع أو المذهب العملي: Pragmalim المعرفة الإنسانية نسبية تماماً ووظيفة العقل عملية دورها تسهيل تطور الجنس البشري ولا حاجة على حقائق مطلقة، وقوام هذا العقل وحدوده اعداد تراكيب ذهنية تفيد الإنسان وهي المسماة بالحقائق ومن اشهر هؤلاء وليم جمس؛ قال: «إن نسبة صواب قضية ما لا تكمن في نسبة أمانة تصويرها لحقيقة مطلقة ثابتة وإنما في نسبة نجاحها العملي، الحقيقي هو ما يتصف بالفعالية.
وكذلك يمكن اعتبار العقيدة الفلسفية أو الدينية صحيحة بمقدار ما تشد أزر المزيد من الأشخاص وتشجعهم وسط ملمات الحياة، وهكذا بالنسبة للنظريات عن العالم المادي فتعتبر بمقدار منفعتها العملية وانبناء الأجهزة والمعدات عليها.
والعالم هو عبارة عن صيرورة غير قابلة للتنبؤ، لا غاية له ولا شيء فيه مستكمل أو محدد.
وجود العالم الخارجي
1- المذهب الواقعي: يوجد عالم متقل عن تفكيرنا وهو موجود سواء كنا نحن موجودين أم لا ويتفاوت المفكرون فيه بين من اعتبر كل ادراك ذهني عندنا فله ما يطابقه في الخارج، وبين من قسم الادراكات إلى صفات أولية (صورة، ابعاد، موقع) وصفات ثانوية (رائحة، لون،...) ليس لها وجود حقيقي، وأما الأولية فوجودها حقيقي، أرجعوها في أعقاب ديكار إلى (الامتداد والشكل والحركة).
ويدعى مؤلف الكتاب أن المذهب الواقعي يصطدم مع حقيقة علمية، وهي أن النواة التي تتألف منها المادة من طبيعة فكرية، أي أن المادة ليست مادة، ولكن هذه الدعوى من المؤلف غير مسلمة ولا هي صحيحة، فلم يثبت علمياً وتجريبياً قوله وادعاؤه، بل غاية ما يدعيه مجرد تفسير فلسفي مقترح من قبله لبعض الظواهر المادية والمشاهدات نتيجة بعض التجارب والتحليلات الرياضية.
وهذا كما هو مبين لا يكفي وللأعلى ما يقول.
هل يمكن أن تكون العلاقات الثابتة، وهي ربما تكون نفسها المعبر عنها بالقوانين، مجرد هيئات فكرية لا وجود لها إلا في الذهن؟ إن الذي يقبل ذلك ينسف ويهدم الواقعية، ويدخل في المثالية.
2- المثالية الموضوعية:يعتبر ديكارت المؤسس لا بقصد للمثالية الحديثة، وأقام يقينه على التسليم بصحة الشك بكل شيء. فبالنظر إلى حصول الشك يجب التسليم بأننا موجودون، فالحقيقة الوحيدة التي تبلغنا بصورة يقينية هي حقيقة تفكيرنا.
وسلم ديكارت للقول بأن كل ما ندركه ادراكاً واضحاً فهو حق، واعتمد على ذلك لاثبات وجود إله مخادع لعباده، فلا يمكن تركهم يؤمنون بوجود المادة وهي غير موجودة، وبالتالي فالعالم موجود خارجاً وليس مجرد وهم.
ولكن إذا تم رفض الوضوح البديهي، ينتهي الفيلسوف إلى القول بأن الوجود الوحيد المؤكد هو تفكيرنا وهكذا ولدت المثالية المعاصرة.
ومن ضمن التيارات المثالية المغالية تلك التي اعتبرت كل ما في العالم بما فيه غيرنا من الناس مجرد أمور مصنوعة بمجرد فكري أنا، وهذا الموقف المغالي لم يدافع عنه أحد بجدية، ولكن الموقف المعتدل اعتبار هذا العالم مجرد نَدَن ونزد للحقيقة الواقعة الفكرية (وهذا شبيه بالمثل الأفلاطونية).
ومالبرانس من تلامذة ديكارت اضطر على الاعتراف بالوجود الخارجي لأن الكتاب المقدس يؤكد وجوده: واعتبر الادراكات التي نملكها عن العالم لا تأتي من فكرنا بل من الله الذي لا تتعلق الاشياء جميعاً إلا به.
وأما ليبنتز فاعتبر حقيقة العالم تكمن في جواهر روحية صوفية سماها الأحيدات Mondes وأما باركلي الاسقف الانغليكاني فجاء بمذهب مثالي مختلف تماماً وسماه «اللامادية» وليس «المثالية«» وجوهر فلسفته على أن الصفات الأولية ليست إلا تبدلات في الشخص المفكر، وليس لها أي وجود خارجي كالثانوية، فيصير حاصل كلامه أن حقيقة الأشياء الوحيدة وطريقة وجودها الوحيدة تكمن في كونها مدركة، وطبيعة الفكر تكمن في الادراك، فهو يقول بعدم وجود أي جوهر مقوم وراء انطباعاتنا الحسية ، واللون الأزرق والأحمر موجود تماماً ولكنها حصيلة نشاط فكري لا متناه يخلقها وينطوي عليها ويساندها.
فهو في الحقيقة يؤكد وجود حقيقة وراء فكرنا، ولكنه يرفض تسميتها بالمادة، فهو يتلقى من طرفٍ خفي مع الماديين وإن كان مناقضاً لهم ظاهراً، فهو يقول «وجود الأشياء في كونها مدركة» والماركسيون يقولون: «بما أن الأشياء مدركة لذلك فهي موجودة».
ولذلك يقال: إن ماركس اكتفى بأن يسمى مادة ما سماه هيجل مثالاً، ليتوصل إلى مذهب وقعي مادي جوهره صيرورة مادية تتغير عبر تناقضات داخلية.
3- مثالية الحرية
الظواهر نحو الزمان والمكان، السببية هي من صنع تكويننا الذهني: والاعتراض الذي وجه على مثالية هيجل رتابته إذ يبدو العالم فيه مدفوعاً بمبدأ داخلي يزيح كل مفاجآته، ولذلك فهو يهمل أن العالم الذي نعيش فيه هو عالمياً.
والمبدأ في هذا الاتجاه هو الأنا التي تحتاج لمادة تفعل فيها فتصنع بين ذاتها ( لا أنا) معارضة والأمور التي نسميها أشياء ليست سوى مساند في الحقيقة ليس لها وجود حقيقي يهبها الفكر لنفسه ليضمن تقدمه الجدلي.

يتبع....

سعيد فودة
08-04-2005, 08:31
ما هي المادةعند القدماء:
أرسطو: المادة هيولى وصورة.
الفلاسفة الذريون: جسيمات ابتدائية متمتعة بخصائص هندسية كذا قال المصنف، ويمكن أن نقول أجزاء لا تتجزأ.
هيراقليطس والروافيون: العالم تجليات لماهية حية وقدرة موجودة وفاعلة في كل مكان، يمن تسميتها الله، فهي واقعية أحادية Monister أي هي مذهب مادي لكنها مادية نشبه الطبيعة بقوة عاقلة، ويصعب تمييزها عن الروحانية.ويمكن أن نقول: هي اقرب إلى وجودة الوجود إلى المادية أو الروحية.
الفلسفة الكلاسيكية
الميزة الوحيدة للمادة هي أنها ذات امتداد في الأبعاد الثلاثة، فالامتداد هو الجوهر الحقيقي للأجسام، والمكان نفسه مادي فهو مادة رقيقة منتشرة، فالعالم ملاء شامل لا يتحرك فيه جزء إلا بدفع جزء آخر. وهذه هي أصول مذهب ديكارت.
النظريات الحركية: قال مالبرانش: إننا إذ نظن أننا ندرك أشياء ذات امتداد إنما نشعر في الحقيقة بتأثير الروح الإلهية وهي العلة الوحيدة الفاعلة حقاً. فالامتداد المذكور ليس ثابتاً، بل هو طريقة الله في فعله وهو فعل بجريه على فكرنا ليولد فيه انطباعه عما نميه بالأجسام.
- في القرنين 18 و 19 لم يبق من النظريات إلا اثنتان.
- الظاهراتية: وممن أسسها هيوم أو بنى عليها قال: إننا لا نخرج أبداً من الادراكات الذاتية التي نسميها بالعالم الخارجي، ويمكن وجود مادة خلف هذا السياق، ولكن لا نستطيع أبداً تعريفها إلا بأنها إمكانية إحساسات. فماهية الأشياء في نفسها نبقى جاهلية بها.
ت‌- المادية الفيزيولوجية: اشتهر ديكارت بنظرته الآلية للكون والحياة، ولكن جاء اعتباراً من القرن 19 من قال بأن الكون مؤلف من مبدأ واحد بما فيه الإنسان... ومن ذلك نشأت الماركسية القائلة بأن المادة متمتعة بحركة ذاتية داخلية نابعة من تناقضات ذاتية كما هو معلوم، تتطور حسب قوانين الجدل الثلاثة التي استعارها ماركس من هيجل.
هل المادة موجودة:إن المادة عند ليبتنز ليست سوى هجر نسبي في هذا العقلاني الخالص، أي في النشاط الفكري الحقيقة الوحيدة الحقة.
والشعور عند الظاهراتية الحديثة هو وجهة نظر والمادة نوع من الفكر الأولى.
[فالكل يتوافق على فكرة معينة، وهي أن المادة مهما كان مصداقها اقل من الفكر والوعي].
ليلة أول رمضان من عام 2004
ليلة الخميس