المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من روى/ صحب الإمام الشافعي 2-أحمد بن صالح أبو جعفر الطبري الحافظ (هام جداجداجدا)



العين
25-08-2003, 18:59
تنبيه: بما أن المترجم له كان أيضا من الحفاظ فقد ذكر الإمام السبكي فائدة هامة عن الجرح والتعديل وعن حالل المؤخين وهما في غاية النفاسة فانظرهما.
فقد بين فيهما بعض من أحوال وألاعيب وكذب المجسمة (وما أشبه اليوم بالبارحة) وذكر حال شيخه الذهبي (وهو من أدرى الناس بشيخه فلينظر.[/SIZE]]WIDTH=400 HEIGHT=350
3 أحمد بن صالح المصرى أبو جعفر الطبرى الحافظ أحد أركان العلم وجهابذة الحفاظ
قال أبو سعيد بن يونس كان أبوه جنديا من أجناد طبرستان فولد له أحمد بمصر سنة سبعين ومائة
قلت سمع سفيان بن عيينة وعبد الله بن وهب وحرمى بن عمارة وعنبسة ابن سعيد وابن أبى فديك وعبد الرزاق وعبد الله بن نافع والشافعى
7.
وروى عنه البخاري وربما روى عن رجل عنه وروى عنه أيضا أبو داود وعمرو الناقد والذهلي ومحمد بن عبد الله بن نمير ومحمود بن غيلان وأبو زرعة الدمشقي وصالح جزرة وأبو إسماعيل الترمذي وأبو بكر بن أبى داود وخلق
ودخل بغداد وناظر بها أحمد بن حنبل
قال أبو زرعة سألنى أحمد بن حنبل من بمصر فقلت أحمد بن صالح
فسر بذكره ودعا له
وقال البخارى هو ثقة ما رأيت أحدا يتكلم فيه بحجة
وقال يعقوب الفسوى كتبت عن ألف شيخ وكسر حجتى فيما بينى وبين الله رجلان أحمد بن حنبل وأحمد بن صالح
وقال ابن وارة الحافظ أحمد بن حنبل ببغداد وأحمد بن صالح المصرى بمصر والنفيلى بحران وابن نمير بالكوفة هؤلاء أركان الدين
وقد تكلم النسائى في أحمد بن صالح فقال ليس بثقة ولا مأمون تركه محمد بن يحيى ورماه يحيى بن معين بالكذب
قال الحافظ أبو بكر الخطيب يقال كان آفة أحمد بن صالح الكبر وشراسة الخلق ونال النسائى منه جفاء في مجلسه فذلك الذي أفسد بينهما
قال ابن عدى سمعت محمد بن هارون البرقى يقول حضرت مجلس أحمد بن صالح وطرد النسائى من مجلسه فحمله على أن تكلم فيه
قال ابن عدى وكان النسائى ينكر عليه أحاديث منها عن ابن وهب عن مالك عن سهيل عن أبيه عن أبى هريرة رضى الله عنه الدين النصيحة
والحديث فقد رواه يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب
قال ابن عدى وأحمد من حفاظ الحديث وكلام ابن معين فيه تحامل
وأراد بكلام ابن معين ما ذكره معاوية بن صالح عنه أنه سأله عن أحمد بن صالح فقال رأيته كذابا يخطر فى جامع مصر
قلت وقد ذكر أن الذى ذكر فيه ابن معين هذه المقالة هو أحمد بن صالح الشمونى وهو شيخ بمكة كان يضع الحديث وأنه لم يعن أحمد بن صالح هذا فإن هذا كان من أقرانه في الحفظ والإتقان ويترجح عليه في حديث أهل مصر والحجاز وذكر أيضا أنه كانت بينه وبينه منافرة دنيوية
قال ابن عدى وأما سوء ثناء النسائى عليه فلما تقدم
قال ولولا أنى شرطت أن أذكر فى كتابى كل من تكلم فيه متكلم لكنت أجل أحمد بن صالح أن أذكره
وقال الحافظ أبو يعلى الخليلى في كتاب الإرشاد ابن صالح ثقة حافظ واتفق الحفاظ على أن كلام النسائى فيه تحامل ولا يقدح كلام أمثاله فيه وقد نقم على النسائى كلامه فيه
وقال ابن العربى في كتاب الأحوذى إمام ثقة من أئمة الملسمين لا يؤثر فيه تجريح وإن هذا القول يحط من النسائى أكثر مما حط من ابن صالح
قلت وكذا قال الباجى
قلت أحمد بن صالح ثقة إمام ولا التفات إلى كلام من تكلم فيه
ولكنا ننبهك هنا على

العين
25-08-2003, 19:36
قاعدة في الجرح والتعديل
ضرورية نافعة لا تراها فى شئ من كتب الأصول .
فإنك إذا سمعت أن الجرح مقدم على التعديل ورأيت الجرح والتعديل وكنت غرا بالأمور أو فدما مقتصرا على منقول الأصول حسبت أن العمل على جرحه فإياك ثم إياك والحذر كل الحذر من هذا الحسبان بل الصواب عندنا :
أن من ثبتت إمامته وعدالته وكثر مادحوه ومزكوه وندر جارحه وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبى أو غيره فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه ونعمل فيه بالعدالة وإلا فلو فتحنا هذا الباب أو أخذنا تقديم الجرح على إطلاقه لما سلم لنا أحد من الأئمة إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون وهلك فيه هالكون
وقد عقد الحافظ أبو عمر بن عبد البر فى الكتاب العلم بابا في حكم قول العلماء بعضهم في بعض بدأ فيه بحديث الزبير رضى الله عنه دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء الحديث
وروى بسنده عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال استمعوا علم العلماء ولا تصدقوا بعضهم على بعض فوالذي نفسى بيده لهم أشد تغايرا من التيوس في زروبها
وعن مالك بن دينار يؤخذ بقول العلماء والقراء فى كل شئ إلا قول بعضهم فى بعض
قلت ورأيت فى كتاب معين الحكام لابن عبد الرفيع من المالكية وقع فى المبسوطة من قول عبد الله بن وهب أنه لا يجوز شهادة القارئ على القارئ يعنى العلماء لأنهم أشد الناس تحاسدا وتباغيا
وقاله سفيان الثورى ومالك بن دينار
انتهى
ولعل ابن عبد البر يرى هذا ولا بأس به غير أنا لا نأخذ به على إطلاقه ولكن نرى أن الضابط ما نقوله من أن ثابت العدالة لا يلتفت فيه إلى قول من تشهد القرائن بأنه متحامل عليه إما لتعصب مذهبى أو غيره
ثم قال أبو عمر بعد ذلك الصحيح فى هذا الباب أن من ثبتت عدالته وصحت فى العلم إمامته وبالعلم عنايته لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتى في جرحته ببينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات
واستدل بأن السلف تكلم بعضهم في بعض بكلام منه ما حمل عليه الغضب أو الحسد ومنه ما دعا إليه التأويل واختلاف الاجتهاد فيما لا يلزم المقول فيه ما قال القائل فيه
وقد حمل بعضهم على بعض بالسيف تأويلا واجتهادا
ثم اندفع ابن عبد البر فى ذكر كلام جماعة من النظراء بعضهم في بعض وعدم الالتفات إليه لذلك إلى أن انتهى إلى كلام ابن معين في الشافعى وقال إنه مما نقم على ابن معين وعيب به وذكر قول أحمد بن حنبل من أين يعرف يحيى بن معين الشافعى هو لا يعرف الشافعى ولا يعرف ما يقوله الشافعى ومن جهل شيئا عاداه
قلت وقد قيل إن ابن معين لم يرد الشافعى وإنما أراد ابن عمه كما سنحكيه إن شاء الله تعالى في ترجمة الأستاذ أبى منصور وبتقدير إرادته الشافعى فلا يلتفت إليه وهو عار عليه وقد كان فى بكاء ابن معين على إجابته المأمون إلى القول بخلق القرآن وتحسره على ما فرط منه ما ينبغى أن يكون شاغلا له عن التعرض إلى الإمام الشافعى إمام الأئمة ابن عم المصطفى
ثم ذكر ابن عبد البر كلام ابن أبى ذيب وإبراهيم بن سعد فى مالك بن أنس قال وقد تكلم أيضا فى مالك عبد العزيز بن أبى سلمة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ومحمد بن إسحاق وابن أبى يحيى وابن أبى الزناد وعابوا أشياء من مذهبه وقد برأ الله عز وجل مالكا عما قالوا وكان عند الله وجيها
قال وما مثل من تكلم فى مالك والشافعى ونظائرهما إلا كما قال الأعشى

كناطح صخرة يوما ليقلعها = فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

أو كما قال الحسن بن حميد

يا ناطح الجبل العالى ليكلمه = أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل

ولقد أحسن أبوالعتاهية حيث يقول

ومن ذا الذي ينجو من الناس سالما = وللناس قال بالظنون وقيل

وقيل لابن المبارك فلان يتكلم في أبي حنيفة فأنشد

حسدوك أن رأوك فضلك الله = بما فضلت به النجباء

وقيل لأبى عاصم النبيل فلان يتكلم فى أبى حنيفة فقال هو كما قال نصيب
سلمت وهل حى على الناس يسلم ...
وقال أبو الأسود الدؤلى

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه = فالقوم أعداء له وخصوم

ثم قال ابن عبد البر فمن أراد قبول قول العلماء الثقات بعضهم فى بعض فليقبل قول الصحابة بعضهم فى بعض فإن فعل ذلك فقد ضل ضلالا بعيدا وخسر خسرانا مبينا
قال وإن لم يفعل ولن يفعل إن هداه الله وألهمه رشده فليقف عندما شرطناه فى أن لا يقبل فى صحيح العدالة المعلوم بالعلم عنايته قول قائل لا برهان له
قلت هذا كلام ابن عبد البر وهو على حسنه غير صاف عن القذى والكدر فإنه لم يزد فيه على قوله إن من ثبتت عدالته ومعرفته لا يقبل قول جارحه إلا ببرهان وهذا قد أشار إليه العلماء جميعا حيث قالوا لا يقبل الجرح إلا مفسرا
فما الذى زاده ابن عبد البر عليهم وإن أومأ إلى أن كلام النظير في النظير والعلماء بعضهم فى بعض مردود مطلقا كما قدمناه عن المبسوطة فليفصح به ثم هو مما لا ينبغى أن يؤخذ هذا على إطلاقه بل لابد من زيادة على قولهم إن الجرح مقدم على التعديل
ونقصان من قولهم كلام: النظير فى النظير مردود
والقاعدة معقودة لهذه الجملة ولم ينح ابن عبد البر فيما يظهر سواها وإلا لصرح بأن كلام العلماء بعضهم فى بعض مردود أو لكان كلامه غير مفيد فائدة زائدة على ما ذكره الناس ولكن عبارته كما ترى قاصرة عن المراد
فإن قلت فما العبارة الوافية بما ترون
قلت ما عرفناك أولا من أن الجارح لا يقبل منه الجرح وإن فسره فى حق من غلبت طاعاته على معاصيه ومادحوه على ذاميه ومزكوه على جارحيه إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة فى الذى جرحه من تعصب مذهبى أو منافسة دنيوية كما يكون من النظراء أو غير ذلك فنقول مثلا لا يلتفت إلى كلام ابن أبى ذيب فى مالك وابن معين فى الشافعى والنسائى فى أحمد بن صالح لأن هؤلاء أئمة مشهورون صار الجارح لهم كالآتى بخبر غريب لو صح لتوفرت الدواعى على نقله وكان القاطع قائما على كذبه
ومما ينبغى أن يتفقد عند الجرح حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح فربما خالف الجارح المجروح فى العقيدة فجرحه لذلك وإليه أشار الرافعى بقوله وينبغى أن يكون المزكون برآء من الشحناء والعصبية فى المذهب خوفا من أن يحملهم ذلك على جرح عدل أو تزكية فاسق وقد وقع هذا لكثير من الأئمة جرحوا بناء على معتقدهم وهم المخطئون والمجروح مصيب وقد أشار شيخ الإسلام سيد المتأخرين تقى الدين ابن دقيق العيد فى كتابه الاقتراح إلى هذا الإسلام سيد المتأخرين تقى الدين ابن دقيق العيد فى كتابه الاقتراح إلى هذا وقال أعراض المسلمين حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان من الناس المحدثون والحكام
قلت ومن أمثلة ما قدمنا قول بعضهم فى البخارى تركه أبو زرعة وأبو حاتم من أجل مسألة اللفظ فيالله والمسلمين أيجوز لأحد أن يقول البخارى متروك وهو حامل لواء الصناعة ومقدم أهل السنة والجماعة ثم يالله والمسلمين أتجعل ممادحه مذام فإن الحق فى مسألة اللفظ معه إذ لا يستريب عاقل من المخلوقين فى أن تلفظه من أفعاله الحادثة التى هى مخلوقة لله تعالى وإنما أنكرها الإمام أحمد رضى الله عنه لبشاعة لفظها
ومن ذلك قول بعض [SIZE=6]المجسمة فى أبى حاتم ابن حبان لم يكن له كبير دين نحن أخرجناه من سجستان لأنه أنكر الحد لله فياليت شعرى من أحق بالإخراج من يجعل ربه محدودا أو من ينزهه عن الجسمية
وأمثلة هذا تكثر وهذا شيخنا الذهبى رحمه الله من هذا القبيل له علم وديانة وعنده على أهل السنة تحمل مفرط فلا يجوز أن يعتمد عليه
ونقلت من خط الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدى العلائى رحمه الله ما نصه الشيخ الحافظ شمس الدين الذهبى لا أشك فى دينه وورعه وتحريه فيما يقوله الناس ولكنه غلب عليه مذهب الإثبات ومنافرة التأويل والغفلة عن التنزيه حتى أثر ذلك في طبعه انحرافا شديدا عن أهل التنزيه وميلا قويا إلى أهل الإثبات فإذا ترجم واحدا منهم يطنب فى وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن ويبالغ فى وصفه ويتغافل عن غلطاته ويتأول له ما أمكن وإذا ذكر أحدا من الطرف الآخر كإمام الحرمين والغزالى ونحوهما لا يبالغ فى وصفه ويكثر من قول من طعن فيه ويعيد ذلك ويبديه ويعتقده دينا وهو لا يشعر ويعرض عن محاسنهم الطافحة فلا يستوعبها وإذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها وكذلك فعله فى أهل عصرنا إذا لم يقدر على أحد منهم بتصريح يقول فى ترجمته والله يصلحه ونحو ذلك وسببه المخالفة في العقائد
انتهى
والحال فى حق شيخنا الذهبى أزيد مما وصف وهو شيخنا ومعلمنا غير أن الحق أحق أن يتبع وقد وصل من التعصب المفرط إلى حد يسخر منه
وأنا أخشى عليه يوم القيامة من غالب علماء المسلمين وأئمتهم الذين حملوا لنا الشريعة النبوية فإن غالبهم أشاعرة وهو إذا وقع بأشعرى لا يبقى ولا يذر
والذى أعتقده أنهم خصماؤه يوم القيامة عند من لعل أدناهم عنده أوجه منه فالله المسئول أن يخفف عنه وأن يلهمهم العفو عنه وأن يشفعهم فيه
والذى أدركنا عليه المشايخ النهى عن النظر فى كلامه وعدم اعتبار قوله ولم يكن يستجرى أن يظهر كتبه التاريخية إلا لمن يغلب على ظنه أنه لا ينقل عنه ما يعاب عليه
وأما قول العلائى رحمه الله دينه وورعه وتحريه فيما يقوله فقد كنت أعتقد ذلك وأقول عند هذه الأشياء إنه ربما اعتقدها دينا ومنها أمور أقطع بأنه يعرف بأنها كذب وأقطع بأنه لا يختلقها وأقطع بأنه يحب وضعها في كتبه لتنتشر وأقطع بأنه يحب أن يعتقد سامعها صحتها بغضا للمتحدث فيه وتنفيرا للناس عنه مع قلة معرفته بمدلولات الألفاظ ومع اعتقاده أن هذا مما يوجب نصر العقيدة التى يعتقدها هو حقا ومع عدم ممارسته لعلوم الشريعة .
غير أنى لما أكثرت بعد موته النظر فى كلامه عند الاحتياج إلى النظر فيه توقفت فى تحريه فيما يقوله ولا أزيد على هذا غير الإحالة على كلامه فلينظر كلامه من شاء.
ثم يبصر هل الرجل متحر عند غضبه أو غير متحر وأعنى بغضبه وقت ترجمته لواحد من علماء المذاهب الثلاثة المشهورين من الحنفية والمالكية والشافعية فإنى أعتقد أن الرجل كان إذا مد القلم لترجمة أحدهم غضب غضبا مفرطا ثم قرطم الكلام ومزقه وفعل من التعصب مالا يخفى على ذى بصيرة .
ثم هو مع ذلك غير خبير بمدلولات الألفاظ كما ينبغى فربما ذكر لفظة من الذم لو عقل معناها لما نطق بها .
ودائما أتعجب من ذكره الإمام فخر الدين الرازى في كتاب الميزان فى الضعفاء وكذلك السيف الآمدى وأقول يالله العجب هذان لا رواية لهما ولا جرحهما أحد ولا سمع من أحد أنه ضعفهما فيما ينقلانه من علومهما فأى مدخل لهما فى هذا الكتاب.
ثم إنا لم نسمع أحدا يسمى الإمام فخر الدين بالفخر بل إما الإمام وإما ابن الخطيب وإذا ترجم كان فى المحمدين فجعله فى حرف الفاء وسماه الفخر ثم حلف فى آخر الكتاب أنه لم يتعمد فيه هوى نفسه فأى هوى نفس أعظم من هذا.
فإما أن يكون ورى فى يمينه أو استثنى غير الرواة فيقال له فلم ذكرت غيرهم وإما أن يكون اعتقد أن هذا ليس هوى نفس وإذا وصل إلى هذا الحد والعياذ بالله فهو مطبوع على قلبه
ولنعد إلى ما كنا بصدده فنقول
فإن قلت قولكم لابد من تفقد حال العقائد هل تعنون به أنه لا يقبل قول مخالف عقيدة فيمن خالفه مطلقا سواء السنى على المبتدع وعكسه أو غير ذلك قلت هذا مكان معضل يجب على طالب التحقيق التوقف عنده لفهم ما يلقى عليه وأن لا يبادر لإنكار شيء قبل التأمل فيه
واعلم أنا عنينا ما هو أعم من ذلك ولسنا نقول لا تقبل شهادة السنى عن المبتدع مطلقا معاذ الله ولكن نقول من شهد على آخر وهو مخالف له فى العقيدة أوجبت مخالفته له فى العقيدة ريبة عند الحاكم المنتصر لا يجدها إذا كانت الشهادة صادرة من غير مخالف فى العقيدة ولا ينكر ذلك إلا فدم أخرق
ثم المشهود به يختلف باختلاف الأحوال والأغراض فربما وضح غرض الشاهد على المشهود عليه إيضاحا لا يخفى على أحد وذلك لقربه من نصر معتقده أو ما أشبه ذلك وربما دق وغمض بحيث لا يدركه إلا الفطن من الحكام ورب شاهد من أهل السنة ساذج قد مقت المبتدع مقتا زائدا على ما يطلبه الله منه وأساء الظن به إساءة أوجبت له تصديق ما يبلغه عنه فبلغه عنه شئ فغلب على ظنه صدقه لما قدمناه فشهد به فسبيل الحاكم التوقف فى مثل هذا إلى أن يتبين له الحال فيه وسبيل الشاهد الورع ولو كان من أصلب أهل السنة أن يعرض على نفسه ما نقل له عن هذا المبتدع وقد صدقه وعزم على أن شهد عليه به أن يعرض على نفسه مثل هذا الخبر بعينه وهذا المخبر بعينه لو كان عن شخص من أهل عقيدته هل كان يصدقه وبتقدير أنه كان يصدقه فهل كان يبادر إلى الشهادة عليه به وبتقدير أنه كان يبادر فليوازن ما بين المبادرتين فإن وجدهما سواء فدونه وإلا فليعلم أن حظ النفس داخله
وأزيد من ذلك أن الشيطان استولى عليه فخيل له أن هذه قربة وقيام فى نصر الحق وليعلم من هذه سبيله أنه أتى من جهل وقلة دين
وهذا قولنا فى سنى يجرح مبتدعا فما الظن بمبتدع يجرح سنيا كما قدمناه
[ALIGN=CENTER] وفى المبتدعة لا سيما المجسمة زيادة لا توجد فى غيرهم وهو أنهم يرون الكذب لنصرة مذهبهم والشهادة على من يخالفهم فى العقيدة بما يسوءه فى نفسه وماله بالكذب تأييدا لاعتقادهم ويزداد حنقهم وتقربهم إلى الله بالكذب عليه بمقدار زيادته فى النيل منهم فهؤلاء لا يحل لمسلم أن يعتبر كلامهم
فإن قلت أليس أن الصحيح فى المذهب قبول شهادة المبتدع إذا لم نكفره قلت قبول شهادته لا يوجب دفع الريبة عند شهادته على مخالفه فى العقيدة والريبة توجب الفحص والتكشف والتثبت وهذه أمور تظهر الحق إن شاء الله تعالى إذا اعتمدت على ما ينبغى
وفى تعليقة القاضى الحسين لا يجوز أن يبغض الرجل لأنه من مذهب كذا فإن ذلك يوجب رد الشهادة
انتهى
ومراده لأنه من مذهب من المذاهب المقبولة أما إذا أبغضه لكونه مبتدعا فلا ترد شهادته
واعلم أن ما ذكرناه من قبول شهادة المبتدع هو ما صححه النووى وهو مصادم لنص الشافعى على عدم قبول الخطابية وهى طريقة الأصحاب وأصحاب هذه الطريقة يقولون لو شهد خطابى وذكر فى شهادته ما يقطع احتمال الاعتماد على قول المدعى بأن قال سمعت فلانا يقر بكذا لفلان أو رأيته أقرضه قبلت شهادته وهذا منهم بناء على أن الخطابى يرى جواز الشهادة لصاحبه إذا سمعه يقول لى على فلان كذا فصدقه وإليه أشار الشافعى
وقد تزايد الحال بالخطابية وهم المجسمة فى زماننا هذا فصاروا يرون الكذب على مخالفيهم فى العقيدة لا سيما القائم عليهم بكل ما يسوءه فى نفسه وماله
وبلغنى أن كبيرهم استفتى فى شافعى أيشهد عليه بالكذب فقال ألست تعتقد أن دمه حلال قال نعم قال فما دون ذلك دون دمه فاشهد وادفع فساده عن المسلمين
فهذه عقيدتهم ويرون أنهم المسلمون وأنهم أهل السنة ولو عدوا عددا لما بلغ علماؤهم ولا عالم فيهم على الحقيقة مبلغا يعتبر ويكفرون غالب علماء الأمة ثم يعتزون إلى الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه وهو منهم برئ ولكنه كما قال بعض العارفين ورأيته بخط الشيخ تقى الدين ابن الصلاح إمامان ابتلاهما الله بأصحابهما وهما بريان منهم أحمد ابن حنبل ابتلى بالمجسمة وجعفر الصادق ابتلى بالرافضة
ثم هذا الذى ذكرناه هو على طريقة النووى رحمه الله والذى أراه أن لا تقبل شهادتهم على سنى
فإن قلت هل هذا رأى الشيخ أبى حامد ومن تابعه أن أهل الأهواء كلهم لا تقبل لهم شهادة
قلت لا بل هذا قول بأن شهادتهم على مخالفيهم فى العقيدة غير مقبولة ولو كان مخالفهم فى العقيدة مبتدعا وهذا لا أعتقد أن النووى ولا غيره يخالف فيه والذى قاله النووى قبول شهادة المبتدع إذا لم نكفره على الجملة أما أن شهادته تقبل بالنسبة إلى مخالفه فى العقيدة مع ما هناك من الريبة فلم يقل النووى ولا غيره ذلك
فإن قلت غاية المخالفة فى العقيدة أن توجب عداوة وهى دينية فلا توجب رد الشهادة
قلت إنما لا توجب رد الشهادة من المحق على المبطل كما قال الأصحاب تقبل شهادة السنى على المبتدع وكذا من أبغض الفاسق لفسقه ثم سأعرفك ما فيه وأما عكسه وهو المبتدع على السنى فلم يقله أحد من أصحابنا
ثم أقول فى ما ذكره الأصحاب من قبول شهادة السنى على المبتدع إنما ذلك فى سنى لم يصل فى حق المبتدع وبغضه له إلى أن يصير عنده حظ نفس قد يحمله على التعصب عليه وكذا الشاهد على الفاسق فمن وصل من السنى والشاهد على الفاسق إلى هذا الحد لم أقبل شهادته عليه لأن عندهما زيادة على ما طلبه الشارع منهما أوجبت عندى الريبة فى أمرهما فكم من شاهد رأيته يبغض إنسانا ويشهد عليه بالفسق تدينا وجاءنى وأدى الشهادة عندى باكيا وقت تأديته الشهادة على الدين فرقا خائفا أن يخسف بالمسلمين لوجود المشهود عليه بين أظهرنا
وأنا والذى نفسى بيده أعتقد وأتيقن أن المشهود عليه خير منه ولا أقول إنه كذب عليه عامدا بل إنه بنى على الظن وصدق أقوالا ضعيفة أبغض المشهود عليه بسببها فمنذ أبغضه لحقه هوى النفس واستولى عليه الشيطان وصار الحامل له فى نفس الأمر حظ نفسه وفيما يخطر له الدين
هذا ما شاهدته وأبصرته ولى فى القضاء سنين عديدة فليتق الله امرؤ وقف على حفرة من حفر النار فلا حول ولا قوة إلا بالله قد جعلنى الله قاضيا ومحدثا وقد قال ابن دقيق العيد أعراض الناس حفرة من حفر النار وقف عليها المحدثون والحكام
ومما يؤيد ما قلته أن أصحابنا قالوا من استباح دم غيره من المسلمين ولم يقدر على قتله فشهد عليه بقتل لم يقتل ذكره الرويانى في البحر فى باب من تجوز شهادته نقلا عن بعض أصحابنا ساكتا عليه ولا يعرف فى المذهب خلافه فإن قلت قد قال عقيبة ومن شتم متأولا ثم شهد عليه قبل أو غير متأول فلا
قلت يعنى بالقبول بعد الشتم متأولا الشهادة بأمر معين ونحن نعلم أنه لا يحمله عليها بغض فليس كمن وصفناه
ومما ينبغى أن يتفقد عند الجرح أيضا حال الجارح فى الخبرة بمدلولات الألفاظ فكثيرا ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها
والخبرة بمدلولات الألفاظ ولا سيما الألفاظ العرفية التى تختلف باختلاف عرف الناس وتكون فى بعض الأزمنة مدحا وفى بعضها ذما أمر شديد لا يدركه إلا قعيد بالعلم
ومما ينبغى أن يتفقد أيضا حاله فى العلم بالأحكام الشرعية فرب جاهل ظن الحلال حراما فجرح به ومن هنا أوجب الفقهاء التفسير ليتوضح الحال
وقال الشافعى رضى الله عنه حضرت بمصر رجلا مزكيا يجرح رجلا فسئل عن سببه وألح عليه فقال رأيته يبول قائما
قيل وما فى ذلك قال يرد الريح من رشاشه على يده وثيابه فيصلى فيه
قيل هل رأيته قد أصابه الرشاش وصلى قبل أن يغسل ما أصابه قال لا ولكن أراه سيفعل
قال صاحب البحر وحكى أن رجلا جرح رجلا وقال إنه طين سطحه بطين استخرج من حوض السبيل
ومما ينبغى أيضا تفقده وقد نبه عليه شيخ الإسلام ابن دقيق العيد الخلاف الواقع بين كثير من الصوفية وأصحاب الحديث فقد أوجب كلام بعضهم فى بعض كما تكلم بعضهم فى حق الحارث المحاسبى وغيره وهذا فى الحقيقة داخل فى قسم مخالفة العقائد وإن عده ابن دقيق العيد غيره
والطامة الكبرى إنما هى فى العقائد المثيرة للتعصب والهوى نعم وفى المنافسات الدنيوية على حطام الدنيا وهذا فى المتأخرين أكثر منه فى المتقدمين وأمر العقائد سواء فى الفريقين
وقد وصل حال بعض المجسمة فى زماننا إلى أن كتب شرح صحيح مسلم للشيخ محيى الدين النووى وحذف من كلام النووى ما تكلم به على أحاديث الصفات فإن النووى أشعرى العقيدة فلم تحمل قوى هذا الكاتب أن يكتب الكتاب على الوضع الذى صنفه مصنفه
وهذا عندى من كبائر الذنوب فإنه تحريف للشريعة وفتح باب لا يؤمن معه بكتب الناس وما فى أيديهم من المصنفات فقبح الله فاعله وأخزاه وقد كان فى غنية عن كتابة هذا الشرح وكان الشرح فى غنية عنه
ولنعد إلى الكلام فى الجارحين على النحو الذى عرفناك
فإن قلت فهذا يعود بالجرح على الجارح حيث جرح لا فى موضعه
قلت أما من تكلم بالهوى ونحوه فلا شك فيه وأما من تكلم بمبلغ ظنه فهنا وقفة محتومة على طالب التحقيقات ومزلة تأخذ بأقدام من لا يبرأ عن حوله وقوته ويكل أمره إلى عالم الخفيات
فنقول لا شك أن من تكلم فى إمام استقر فى الأذهان عظمته وتناقلت الرواة ممادحه فقد جر الملام إلى نفسه ولكنا لا نقضى أيضا على من عرفت عدالته إذا جرح من لم يقبل منه جرحه إياه بالفسق بل نجوز أمورا أحدها أن يكون واهما ومن ذا الذى لا يهم والثانى أن يكون مؤولا قد جرح بشئ ظنه جارحا ولا يراه المجروح كذلك كاختلاف المجتهدين
والثالث أن يكون نقله إليه من يراه هو صادقا ونراه نحن كاذبا وهذا لاختلافنا فى الجرح والتعديل فرب مجروح عند عالم معدل عند غيره فيقع الاختلاف فى الاحتجاج حسب الاختلاف فى تزكيته فلم يتعين أن يكون الحامل للجارح على الجرح مجرد التعصب والهوى حتى يجرحه بالجرح
ومعنا أصلان نستصحبهما إلى أن نتيقن خلافهما أصل عدالة الإمام المجروح الذى قد استقرت عظمته وأصل عدالة الجارح الذى يثبت فلا يلتفت إلى جرحه ولا نجرحه بجرحه
فاحفظ هذا المكان فهو من المهمات
فإن قلت فهل ما قررتموه مخصص لقول الأئمة إن الجرح مقدم لأنكم تستثنون جارحا لمن هذا شأنه قد ندر بين المعدلين قلت لا فإن قولهم الجرح مقدم إنما يعنون به حالة تعارض الجرح والتعديل فإذا تعارضا لأمر من جهة الترجيح قدمنا الجرح لما فيه من زيادة العلم وتعارضهما هو تعارضا لأمر من جهة الترجيح قدمنا الجرح لما فيه من زيادة العلم وتعارضهما هو استواء الظن عندهما لأن هذا شأن المتعارضين أما إذا لم يقع استواء الظن عندهما فلا تعارض بل العمل بأقوى الظنين من جرح أو تعديل
وما نحن فيه لم يتعارضا لأن غلبة الظن بالعدالة قائمة وهذا كما أن عدد الجارح إذا كان أكثر قدم الجرح إجماعا لأنه لا تعارض والحالة هذه ولا يقول منا أحد بتقديم التعديل لا من قال بتقديمه عند التعارض ولا غيره
وعبارتنا فى كتابنا جمع الجوامع وهو مختصر جمعناه فى الأصلين جمع فأوعى والجرح مقدم إن كان عدد الجارح أكثر من المعدل إجماعا وكذا إن تساويا أو كان الجارح أقل وقال ابن شعبان بطلب الترجيح
انتهى

العين
25-08-2003, 19:39
وفيه زيادة على ما فى مختصرات أصول الفقه فإنا نبهنا فيه على مكان الإجماع ولم ينبهوا عليه وحكينا فيه مقالة ابن شعبان من المالكية وهى غريبة لم يشيروا إليها وأشرنا بقولنا يطلب الترجيح إلى أن النزاع إنما هو فى حالة التعارض لأن طلب الترجيح إنما هو فى تلك الحالة
وهذا شأن كتابنا جمع الجوامع نفع الله به غالبا ظننا أن فى كل مسألة فيه زيادات لا توجد مجموعة فى غيره مع البلاغة فى الاختصار
إذا عرفت هذا علمت أنه ليس كل جرح مقدما
وقد عقد شيخنا الذهبى رحمه الله تعالى فصلا فى جماعة لا يعبأ بالكلام فيهم بل هم ثقات على رغم أنف من تفوه فيهم بما هم عنه برآء ونحن نورد فى ترجمته محاسن ذلك الفصل إن شاء الله
ولنختم هذه القاعدة بفائدتين عظيمتين لا يراهما الناظر أيضا فى غير كتابنا هذا
إحداهما أن قولهم لا يقبل الجرح إلا مفسرا إنما هو أيضا فى جرح من ثبتت عدالته واستقرت فإذا أراد رافع رفعها بالجرح قيل له ائت ببرهان على هذا أو فيمن لم يعرف حاله ولكن ابتدره جارحان ومزكيان فيقال إذ ذاك للجارحين فسرا ما رميتماه به
أما من ثبت أنه مجروح فيقبل قول من أطلق جرحه لجريانه على الأصل المقرر عندنا ولا نطالبه بالتفسير إذ لا حاجة إلى طلبه
والفائدة الثانية أنا لا نطلب التفسير من كل أحد بل إنما نطلبه حيث يحتمل الحال شكا إما لاختلاف فى الاجتهاد أو لتهمة يسيرة فى الجارح أو نحو ذلك مما لا يوجب سقوط قول الجارح ولا ينتهى إلى الاعتبار به على الإطلاق بل يكون بين بين أما إذا انتفت الظنون واندفعت التهم وكان الجارح خبرا من أحبار الأمة مبرأ عن مظان التهمة أو كان المجروح مشهورا بالضعف متروكا بين النقاد فلا نتلعثم عند جرحه ولا نحوج الجارح إلى تفسير بل طلب التفسير منه والحالة هذه طلب لغيبة لا حاجة إليها
فنحن نقبل قول ابن معين فى إبراهيم بن شعيب المدنى شيخ روى عنه ابن وهب إنه ليس بشئ وفى إبراهيم بن يزيد المدنى إنه ضعيف وفى الحسين بن الفرج الخياط إنه كذاب يسرق الحديث وعلى هذا وإن لم يبين الجرح لأنه إمام مقدم فى هذه الصناعة جرح طائفة غير ثابتى العدالة والثبت ولا نقبل قوله فى الشافعي ولو فسر وأتى بألف إيضاح لقيام القاطع على أنه غير محق بالنسبة إليه
فاعتبر ما أشرنا إليه فى ابن معين وغيره واحتفظ بما ذكرناه تنتفع به
ويقرب من هذه القاعدة التى ذكرناها فى الجرح والتعديل[/ALIGN][/SIZE]

العين
25-08-2003, 19:46
ويقرب من هذه القاعدة التى ذكرناها فى الجرح والتعديل
قاعدة فى المؤرخين
نافعة جدا .
فإن أهل التاريخ ربما وضعوا من أناس ورفعوا أناسا إما لتعصب أو لجهل أو لمجرد اعتماد على نقل من لا يوثق به أو غير ذلك من الأسباب
والجهل فى المؤرخين أكثر منه فى أهل الجرح والتعديل وكذلك التعصب قل أن رأيت تاريخا خاليا من ذلك
وأما تاريخ شيخنا الذهبى غفر الله له فإنه على حسنه وجمعه مشحون بالتعصب المفرط لا واخذه الله فلقد أكثر الوقيعة فى أهل الدين أعنى الفقراء الذين هم صفوة الخلق واستطال بلسانه على كثير من أئمة الشافعيين والحنفيين ومال فأفرط على الأشاعرة ومدح فزاد فى المجسمة هذا وهو الحافظ المدره والإمام المبجل فما ظنك بعوام المؤرخين
فالرأى عندنا ألا يقبل مدح ولا ذم من المؤرخين إلا بما اشترطه إمام الأئمة وحبر الأمة وهو الشيخ الإمام الوالد رحمه الله حيث قال ونقلته من خطه فى مجاميعه يشترط فى المؤرخ الصدق وإذا نقل يعتمد اللفظ دون المعنى وألا يكون ذلك الذى نقله أخذه فى المذاكرة وكتبه بعد ذلك وأن يسمى المنقول عنه فهذه شروط أربعة فيما ينقله
ويشترط فيه أيضا لما يترجمه من عند نفسه ولما عساه يطول فى التراجم من المنقول ويقصر أن يكون عارفا بحال صاحب الترجمة علما ودينا وغيرهما من الصفات وهذا عزيز جدا وأن يكون حسن العبارة عارفا بمدلولات الألفاظ وأن يكون حسن التصور حتى يتصور حال ترجمته جميع حال ذلك الشخص ويعبر عنه بعبارة لا تزيد عليه ولا تنقص عنه وأن لا يغلبه الهوى فيخيل إليه هواه الإطناب فى مدح من يحبه والتقصير فى غيره بل إما أن يكون مجردا عن الهوى وهو عزيز وإما أن يكون عنده من العدل ما يقهر به هواه ويسلك طريق الإنصاف
فهذه أربعة شروط أخرى ولك أن تجعلها خمسة لأن حسن تصوره وعلمه قد لا يحصل معهما الاستحضار حين التصنيف فيجعل حضور التصور زائدا على حسن التصور والعلم فهى تسعة شروط فى المؤرخ وأصعبها الاطلاع على حال الشخص فى العلم فإنه يحتاج إلى المشاركة فى علمه والقرب منه حتى يعرف مرتبته انتهى
وذكر أن كتابته لهذه الشروط كانت بعد أن وقف على كلام ابن معين فى الشافعى وقول أحمد بن حنبل إنه لا يعرف الشافعى ولا يعرف ما يقول
قلت وما أحسن قوله ولما عساه يطول فى التراجم من المنقول ويقصر فإنه أشار به إلى فائدة جليلة يغفل عنها كثيرون ويحترز منها الموفقون وهى تطويل التراجم وتقصيرها فرب محتاط لنفسه لا يذكر إلا ما وجده منقولا ثم يأتى إلى من يبغضه فينقل جميع ما ذكر من مذامه ويحذف كثيرا مما نقل من ممادحه ويجئ إلى من يحبه فيعكس الحال فيه ويظن المسكين أنه لم يأت بذنب لأنه ليس يجب عليه تطويل ترجمة أحد ولا استيفاء ما ذكر من ممادحه ولا يظن المغتر أن تقصيره لترجمته بهذه النية استزراء به وخيانة لله ولرسوله وللمؤمنين فى تأدية ما قيل
42. فى حقه من حمد وذم فهو كمن يذكر بين يديه بعض الناس فيقول دعونا منه وإنه عجيب أو الله يصلحه فيظن أنه لم يغتبه بشئ من ذلك وما يظن أن ذلك من أقبح الغيبة
ولقد وقفت فى تاريخ الذهبى رحمه الله على ترجمة الشيخ الموفق بن قدامة الحنبلى والشيخ فخر الدين بن عساكر وقد أطال تلك وقصر هذه وأتى بما لا يشك لبيب أنه لم يحمله على ذلك إلا أن هذا أشعرى وذاك حنبلى وسيقفون بين يدى رب العالمين
وكذلك ما أحسن قول الشيخ الإمام وأن لا يغلبه الهوى فإن الهوى غلاب إلا لمن عصمه الله
وقوله فإما أن يتجرد عن الهوى أو يكون عنده من العدل ما يقهر به هواه عندنا فيه زيادة فنقول
قد لا يتجرد عن الهوى ولكن لا يظنه هوى بل يظنه لجهله أو بدعته حقا وذلك لا يتطلب ما يقهر هواه لأن المستقر فى ذهنه أنه محق وهذا كما يفعل كثير من المتخالفين فى العقائد بعضهم فى بعض فلا ينبغى أن يقبل قول مخالف فى العقيدة على الإطلاق إلا أن يكون ثقة وقد روى شيئا مضبوطا عاينه أو حققه
وقولنا مضبوطا احترزنا به عن رواية ما لا ينضبط من الترهات التى لا يترتب عليها عند التأمل والتحقق شئ
وقولنا عاينه أو حققه ليخرج ما يرويه عمن غلا أو رخص ترويجا لعقيدته
وما أحسن اشتراطه العلم ومعرفة مدلولات الألفاظ فلقد وقع كثيرون لجهلهم بهذا وفى كتب المتقدمين جرح جماعة بالفلسفة ظنا منهم أن علم الكلام فلسفة إلى أمثال ذلك مما يطول عده
فقد قيل فى أحمد بن صالح الذى نحن فى ترجمته إنه يتفلسف والذى قال هذا لا يعرف الفلسفة
وكذلك قيل فى أبى حاتم الرازى وإنما كان رجلا متكلما
وقريب من هذا قول الذهبى فى المزى كما سيأتى إن شاء الله تعالى فى ترجمة المزى فى الطبقة السابعة أنه يعرف مضايق المعقول ولم يكن المزى ولا الذهبى يدريان شيئا من المعقول
والذى أفتى به أنه لا يجوز الاعتماد على كلام شيخنا الذهبى فى ذم أشعرى ولا شكر حنبلى والله المستعان
توفى أحمد بن صالح سنة ثمان وأربعين ومائتين
الطبقات(2/6-25