المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المشروع الإعتصامي الشاطبي



محمد موسى البيطار
31-03-2005, 17:05
المشروع الإعتصامي للشاطبي

أن شاطبي المائة الثامنة مثله مثل شافعي المائة الثانية ، صاحب
مشروع ، وهذا المشروع لا يقبل انفصالا عن تاريخيته ، ولا عن جغرافيته
فالشاطبي الحقيقي هو ابن زمانه ومكانه : زمان اندثار الزمان ومكان
اندثار المكان . فغرناطة بني الأحمر هي البقية الباقية المحاصرة والمتقلصة ، كقطعة الجلد المتكرمش ، من اسبانيا المسلمة . وبرغم ان أننا لا نستطيع في حالة الشاطبي أن نتحدث عن وعي تاريخي – فظهور مثل هذا الوعي يقتضي التحول من حضارة مركزية الى حضارة طردية وبتعبير اشبنغلر: من حضارة الدائرة الى حضارة السهم – فإن وعيه الديني ما كان له أن يحلق في سماء المجرد منفصلا عن كل أرضية تاريخية . وليس من قبيل الصدفة أن يسمي الشاطبي كتابه (( الإعتصام )) ، وأن يكون استهله بتذكير مخاطبه ب (( مقدمة ينبغي تقديمها قبل الشروع في المقصود ، وهي معنى قول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : بدأ الاسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء )) . فتجربة (( الغربة )) بمعنى فساد الناس وانحلال الزمان ، هي التجربة المشتركة بين العديد من فقهاء القرن الثامن . وبالفعل فإننا نجد ابن خلدون قد رزح تحت وطأة الإحساس بأغلال الزمان ، ولكن بدلا من أن تتمثل له ((رؤيا انحلال العالم )) بحرب الاسترداد الاسبانية ، كما في حالة الشاطبي ، فقد تمثلت له ب (( الطاعون الجارف )) الذي نزل ((بالعمران شرقا وغربا في منتصف هذه المائة الثامنة )) .

لنقل اذا أن تجربة الغربة التي جعلها الشاطبي مدخله للاعتصام من مفاسد الزمان وبدعه هي تعبير ذاتي عن الانسداد الموضوعي للافق التاريخي ، لكنه تعبير مبطن دوما بالوعي الديني اللاشخصي فالتصور التراجعي للزمن هو التصور الذي فرض نفسه في الوعي الاسلامي العام طردا مع اشتداد الحاجة الى أمـْثـَلـَة العصر النبوي والصحابي ليكون مرجعا للمقارنة ولنقد فساد العصر في كل عصر .

وقد حشد الشاطبي في (( الإعتصام )) طائفة من الاثار التي تشهد تكاثر الشر طرداً مع تقدم الزمان مبتئا بحديث سيدنا رسول الله ثلى الله عليه واله وسلم (( خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم )) ثم يذكر بعض الاثار المنسوبة للسلف كقول سيدنا أنس بن مالك - رضي الله عنه - : (( لو أن رجلا أدرك السلف الأول ثم بعث اليوم ما عرف من الاسلام شيئا )) وقول غيره (( لا يأتي زمان على الناس الا والذي بعده شر من الذي قبله )) ويعلق على هذه الاثار بقوله ( ص26) : (( ولا يكون هذا الا مع قلة الخير وتكاثر الشر شيئا بعد شيئ ويندرج ما نحن فيه على الاطلاق ))

هذا الشعور بتدهور الزمان استحدث لدى الشاطبي عقلية المركب الغريق لانقاذ مايمكنه انقاذه ، وبالمقارنة مع الامام الشافعي مجدد المائة الثامنة ، الذي كان يجهز سفينة ضخمة لتمخر في عباب البحر أمام انفتاح كبير في الافق التاريخي ، فان الشاطبي قد بدأ وكأنه واحد من القلة الذين فروا من هذه السفينة الكبيرة الغارقة الى قارب نجاة صغير وكان عليه أن يتخفف قدر الامكان من كل حمولة زائدة وأن يستمسك بما هو أساسي في الشريعة تمسكه بطوق النجاة .

يتبع ...

محمد موسى البيطار
29-04-2005, 22:26
إن ضرورة التخفف من الحمولة المعرفية التي أملاها (( نقص الدين والدنيا )) قد اقتضت من الشاطبي التحول عن استراتيجية العقل المكوِّن في توسيع الدوائر الى استراتيجية العقل المكوَّن في تضييق الدوائر . من هنا فإن مشروع الشاطبي ، مشروع (( اعتصامي )) مسكون بهاجس اندثار الزمان والمكان .
ففي (( كتاب المقاصد )) يسعى الشاطبي الى أن يقيم الدليل على ((أن هذه الشريعة أمية )) وما نزلت الا لأمة أمية ، والسبيل الذي يتوسله الى ذلك هو الاستمساك بتأويل بعينه للفظ (( الأمي )) و(( الأميين ) الذي يتررد في ست مرات في أربع سور بالقران ، والأمي منسوب الى الأم ، وهو الباقي على أصل ولادة الأم لم يتعلم كتابا ولا غيره ، وفي الحديث (( بعثت الى أمة أمية )) لأنهم لم يكن لهم علم بعلوم الأقدمين ، ونحو قوله تعالى (( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك )) ، وهذه الشريعة المباركة أمية لأن أهلها كذلك كما يصفها الشاطبي ( ج2 – ص 46 )
وحديث (( انا أمة أمية لا تكتب ولا نحسب )) متفق عليه ، يطرح بين أيدينا التساؤلات التالية :
1- كيف لنا أن نتصور قريشا التي لها وبلسانها كان أول نزول للقران هي بجماعها (( أمة أمية )) (( لا تكتب ولا تحسب )) مع أنها أمة سدانة وتجارة ، وفي الحالين لا غنى لها عن الكتابة والحساب ؟؟
2- لمن كانت تعلق المعلقات على أسداف الكعبة مكتوبة بماء الذهب على ما يقال اذن ؟؟
3- ومن أين جيء بكتبة الوحي وكتبة المراسلات وحتى التراجمة ؟
4- وان كانت ، بجماعها ، أمة أمية فعلا -وبالمعنى الذي يسوقه الشاطبي – فلمن أنزل القران ليتلى ؟ ثم لم كانت كلمة الكتاب واحة من أكثر الكلمات تداولا في القران الكريم ( 230 مرة ) ؟

ومع هذا ، فإن فرضية الشاطبي الغريبة ليست مسلمة بمقدمتها أو نتيجتها ! ثم اننا لو سلمنا له المقدمة ( انا امة أمية ) فإننا لا نسلم له النتيجة ( وهي كون الشريعة المباركة أمية ) فأمية المشرَّع له لا تستلزم أمية المشرِّع . فكيف تنسب الأمة نفسها الى شريعة أمية وتنسب هذه الشريعة الى تنزيل الـهي ؟ واذا كانت الشريعة أمية لأنها موضوعة على وصف أهلها الأميين فكيف تصلح للأمم (( غير الأمية )) ؟؟ ثم كيف يوسم القرآن أنه (( أمي )) ؟؟
أن الشاطبي و سيرا على طريقة الأصوليين ، ابتداءا من الامام الشافعي ، ليؤكد على المشروع البياني اللغوي الذي صاغه الأخير في (( الرسالة )) : (( أن الله أنزل قرانا عربيا لا عجمة فيه ، بمعنى أنه جار بألفاظه وأساليبه على لسان العرب ... فإذا ثبت هذا فعلى الناظر في الشريعة والمتكلم فيها أصولا وفروعا أمران ، أحدهما أن لا يتكلم في شيء من ذلك حتى يكون عربيا أو كالعربي في كونه عارفا بلسان العرب .. والأمر الثاني أنه إذا أشكل عليه في الكتاب أو السنة لفظ أو معنى فلا يقدم على القول دون أن يستظهر بغيره ممن له علم بالعربية ، والا زل وقال في الشريعة برأيه لا بلسانها ....... )) الاعتصام (ج2 / ص 293-301 )
وفي (( الموافقات )) يرفع الشاطبي مسألة الضبط اللغوي الى مستوى المسألة المنهجية كواحدة من (( المقدمات العلمية المحتاج اليها )) الناظر قبل النظر حيث يقول (( فلا بد في فهم الشريعة من اتباع معهود الاميين – وهم العرب الذين نزل القران بلسانهم ، فان كان للعرب في لسانهم عرف مستمر ، فلا يصح العدول عنه في فهم الشريعة وان لم يكن ثم عرف فلا يصح أن يجري في فهمها على ما لا تعرفه وهذا جار في المعاني والألفاظ والأساليب )) ( الموافقات ج2 – ص 53 )
ومشروع الشاطبي للضبط اللغوي هنا من خلال التقييد بمعهود العرب لا يخرج عن المشروع البياني الذي فرض نفسه منذ الشافعي على الاقل ، كاطار مرجعي ثابت لفهم النص القراني ولكن الجديد الذي يضيفه الشاطبي لهذا المشروع هو عدم الاكتفاء بتأسيس لسان العرب كلغة قبْلية للقرآن ! فمن خلال نقلة غير مشروعة ابستمولوجيا يعمم الشاطبي التزام (( معهود العرب )) ليرفعه من مستوى لسان العرب الى مستوى (( علوم العرب )) !
فما دامت (( هذه الشريعة أمية لأمة أمية )) (( فلا يليق بها من البيان الا الأمي )) والبيان هنا ليس مقصورا على ألفاظ العرب ولا حتى على معانيهم ، بل شامل أيضا لمعارفهم . ف (( ما لا تعرفه العرب )) و(( ما لا عهد للعرب )) به من العلوم والمعارف هو زائد عن الشريعة . بله مخرج عن الصراط المستقيم ومدخل الى الفتنة .
ويتوسع الشاطبي في مفهوم الأمية ليخرجه من معنى الجهل بالقراءة والكتابة الى معنى (( كل ما لا يليق بالاميين )) من العلوم والمعارف . وينهي الشاطبي هذا (( الضيق في الافق الفكري )) بقوله : (( أن الشريعة التي بعث بها النبي الأمي الى العرب خصوصا والى من سواهم عموما ن اما أن تكون على نسبة ماهم عليه من الأمية أو لا ، فإن كان كذلك فهو معنى كونها أمية ، أي منسوبة للأميين . وإن لم تكن كذلك لزم أن تكون على غير ما عهدوا ، فلم تكن لتتنزل من أنفسهم منزلة ما تعهد ، وذلك خلاف ما وضع عليه الأمر فيها . فلا بد من أن تكون على ما يعهدون . والعرب لم تعهد الا ما وصفها به الله من الأمية .... فالشريعة إذن أمية )) ( المصدر نفسه ، ص47 )

يتبع ...

محمد موسى البيطار
01-05-2005, 09:44
قلنا بأن الشاطبي قد رفع من مستوى الضبط الى ما هو معروف عند العرب من المعارف أو ما أسماه " بالمعهود " عندهم كممارسة قصرية منه لضبط النص القراني وجعله متمحورا الى نقطة المركز . والعجيب أنه - وبحركة غير مقبولة ابستمولوجيا أيضا - قد الغى الشعر من معهودهم ! وسرد الايات التي تنهى عنه مع العلم أن هذا مخالف لما أمر به عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للنظر في شعر العرب ودواوينهم لفهم لغة الخطاب .

وفي نفس الوقت تماما أي في القرون الوسطى وبينما يؤصل الشاطبي لذلك ... تستعد فيه الشعوب الهمجية في اوروبا ( على وصف ابن خلدون ) للانطلاق من نقطة المركز لتستلم ريادة البشرية فيما بعد . حتى لو كان هذا الانطلاق سيؤدي بها الى قطيعة مع الماضي . !!!


يتبع ........