المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اسرار العطف فى كتاب الله



اسامة محمد خيري
31-07-2019, 12:08
بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام علي أشرف خلق الله سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم

لاينتبه الكثير من طلاب علم التفسير لأثر العطف فى كتاب الله علي المعنى

لذلك رأيت ان اجمع بعض جواهر اسلوب العطف فى كتاب الله لكى تكون نواة وبذرة للبحث فى اسرار هذا الاسلوب فى القرآن

ارجو من الله ان يكون خالصا لوجهه الكريم انه ولي ذلك والقادر عليه

الجوهرة الأولي

{ وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلَٰـقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }

وماانزل علي الملكين عطف علي ماذا؟؟

اعلم اخى الحبيب اختلف اهل التفسير وتفرقوا الى قسمين

الأول:

قال ان ما نافية وانها عطف على وما كفر سليمان

وان فى الاية تقديم وتاخير اى وماكفر سليمان وما انزل على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت .

ومن ذهب الى هذا الراى الامام القرطبى فى تفسيره قال ان الملكين هما جبريل وميكائيل

قال القرطبي فى تفسيره:


قوله تعالى: وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ «ما» نفي؛ والواو للعطف على قوله: وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وذلك أن اليهود قالوا: إن الله أنزل جبريل وميكائيل بالسحر؛ فنفى الله ذلك. وفي الكلام تقديم وتأخير، التقدير وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلّمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت؛ فهاروت وماروت بدل من الشياطين في قوله وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ . هذا أوْلَى ما حُملت عليه الآية من التأويل


الرأی الثانى:

قال اصحاب هذا الراى اخی الحبيب ان ماموصولة والملكين هاروت وماروت ومنهم الامام الطبرى

قال الأمام الطبري:


اختلف أهل العلـم فـي تأويـل «ما» التـي فـي قوله: وَما أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ فقال بعضهم: معناه الـجحد وهي بـمعنى «لـم»...

فتأويـل الآية علـى هذا الـمعنى الذي ذكرناه عن ابن عبـاس والربـيع من توجيههما معنى قوله: وَمَا أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ إلـى: ولـم ينزل علـى الـملكين، واتبعوا الذي تتلوا الشياطين علـى ملك سلـيـمان من السحر، وما كفر سلـيـمان ولا أنزل الله السحر علـى الـملكين ولكنَّ الشَّياطينَ كفرُوا يعلـمونَ الناسَ السحرَ ببـابل هاروت وماروت، فـيكون حينئذ قوله: ببـابل وهاروت وماروت من الـمؤخر الذي معناه التقديـم.

فإن قال لنا قائل: وكيف وجه تقديـم ذلك؟ قـيـل: وجه تقديـمه أن يقال: واتبعوا ما تتلو الشياطين علـى ملك سلـيـمان وما أنزل علـى الـملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلـمون الناس السحر ببـابل هاروت وماروت. فـيكون معنـيًّا بـالـملكين: جبريـل وميكائيـل لأن سحرة الـيهود فـيـما ذكر كانت تزعم أن الله أنزل السحر علـى لسان جبريـل وميكائيـل إلـى سلـيـمان بن داود. فأكذبها الله بذلك وأخبر نبـيه مـحمداً أن جبريـل وميكائيـل لـم ينزلا بسحر قط، وبرأ سلـيـمان مـما نـحلوه من السحر، فأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلـم الناس ببـابل، وأن الذين يعلـمونهم ذلك رجلان اسم أحدهما هاروت واسم الآخر ماروت فـيكون هاروت وماروت علـى هذا التأويـل ترجمة علـى الناس ورداً علـيهم.

وقال آخرون: بل تأويـل «ما» التـي فـي قوله: وَما أُنْزلَ علـى الـمَلَكَيْنِ «الذي»....

قال أبو جعفر: فمعنى الآية علـى تأويـل هذا القول الذي ذكرنا عمن ذكرناه عنه: واتبعت الـيهود الذي تلت الشياطين فـي ملك سلـيـمان الذي أنزل علـى الـملكين ببـابل وهاروت وماروت. وهما ملكان من ملائكة الله، سنذكر ما روي من الأخبـار فـي شأنهما إن شاء الله تعالـى.

وقالوا: إن قال لنا قائل: وهل يجوز أن ينزل الله السحر، أم هل يجوز لـملائكته أن تعلـمه الناس؟ قلنا له: إن الله عزّ وجلّ قد أنزل الـخير والشرّ كله. وبـيَّن جميع ذلك لعبـاده، فأوحاه إلـى رسله وأمرهم بتعلـيـم خـلقه وتعريفهم ما يحلّ لهم مـما يحرم علـيهم وذلك كالزنا والسرقة وسائر الـمعاصي التـي عَرَّفُهموها ونهاهم عن ركوبها، فـالسحر أحد تلك الـمعاصي التـي أخبرهم بها ونهاهم عن العمل بها.

قالوا: لـيس فـي العلـم بـالسحر إثم، كما لا إثم فـي العلـم بصنعة الـخمر ونـحت الأصنام والطنابـير والـملاعب، وإنـما الإثم فـي عمله وتسويته.

قالوا: وكذلك لا إثم فـي العلـم بـالسحر، وإنـما الإثم فـي العمل به وأن يضرّ به من لا يحلّ ضرّه به.

قالوا: فلـيس فـي إنزال الله إياه علـى الـملكين ولا فـي تعلـيـم الـملكين من علـماه من الناس إثم إذا كان تعلـيـمهما من علّـماه ذلك بإذن الله لهما بتعلـيـمه بعد أن يخبراه بأنهما فتنة وينهاه عن السحر والعمل به والكفر وإنـما الإثم علـى من يتعلـمه منهما ويعمل به، إذْ كان الله تعالـى ذكره قد نهاه عن تعلـمه والعمل به.

قالوا: ولو كان الله أبـاح لبنـي آدم أن يتعلـموا ذلك، لـم يكن من تعلـمه حَرِجا، كما لـم يكونا حَرِجَيْن لعلـمهما به، إذْ كان علـمهما بذلك عن تنزيـل الله إلـيهما...

والصواب من القول فـي ذلك عندي قول من وجَّه «ما» التـي فـي قوله: وَما أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ إلـى معنى «الذي» دون معنى «ما» التـي هي بـمعنى الـجحد. وإنـما اخترت ذلك من أجل أن «ما» إن وجهت إلـى معنى الـجحد، فتنفـي عن الـملكين أن يكونا منزلاً إلـيهما. ولـم يَخْـلُ الاسمان اللذان بعدهما أعنـي هاروت وماروت من أن يكونا بدلاً منهما وترجمة عنهما، أو بدلاً من الناس فـي قوله: يعلّـمون النّاسَ السِّحْرَ وترجمة عنهما. فإن جُعلا بدلاً من الـملكين وترجمة عنهما بطل معنى قوله: وَما يُعَلِّـمانِ مِنْ أَحَدٍ حتـى يَقُولا إنَّـما نَـحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَـيَتَعَلّـمُونَ مِنْهُمَا ما يُفَرّقُونَ بِهِ بَـيْنَ الـمَرْءِ وَزَوْجِهِ لأنهما إذا لـم يكونا عالـمين بـما يفرّق به بـين الـمرء وزوجه، فما الذي يَتَعَلَّـم منهما مَنْ يفرّق بـين الـمرء وزوجه؟

وبعد، فإن «ما» التـي فـي قوله: وَما أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ إن كانت فـي معنى الـجحد عطفـاً علـى قوله: وَمَا كَفَرَ سُلَـيْـمَانُ فإن الله جل ثناؤه نفـى بقوله: وَمَا كَفَرَ سُلَـيْـمَانُ عن سلـيـمان أن يكون السحر من عمله، أو من علـمه أو تعلـيـمه. فإن كان الذي نفـى عن الـملكين من ذلك نظير الذي نفـى عن سلـيـمان منه، وهاروت وماروت هما الـملكان، فمن الـمتعلـم منه إذا ما يفرّق به بـين الـمرء وزوجه؟ وعمن الـخبر الذي أخبر عنه بقوله: وَما يُعَلِّـمَانِ مِنْ أحَدٍ حتـى يَقُولاَ إنَّـمَا نَـحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ؟ إن خطأ هذا القول لواضح بَـيِّنٌ.

وإن كان قوله «هاروت وماروت» ترجمة عن الناس الذين فـي قوله: وَلَكِنَّ الشّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّـمُونَ النّاسَ السِّحْرَ فقد وجب أن تكون الشياطين هي التـي تعلـم هاروت وماروت السحر، وتكون السحرة إنـما تعلـمت السحر من هاروت وماروت عن تعلـيـم الشياطين إياهما.

فإن يكن ذلك كذلك، فلن يخـلو هاروت وماروت عند قائل هذه الـمقالة من أحد أمرين: إما أن يكونا مَلَكين، فإن كانا عنده ملكين فقد أوجب لهما من الكفر بـالله والـمعصية له بنسبته إياهما إلـى أنهما يتعلـمان من الشياطين السحر ويعلـمانه الناس، وإصرارهما علـى ذلك ومقامهما علـيه أعظم مـما ذكر عنهما أنهما أتـياه من الـمعصية التـي استـحقا علـيها العقاب، وفـي خبر الله عزّ وجلّ عنهما أنهما لا يعلـمان أحداً ما يتعلـم منهما حتـى يقولا: إنَّـمَا نَـحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ما يغنـي عن الإكثار فـي الدلالة علـى خطأ هذا القول. أو أن يكونا رجلـين من بنـي آدم فإن يكن ذلك كذلك فقد كان يجب أن يكون بهلاكهما قد ارتفع السحر والعلـم به والعمل من بنـي آدم لأنه إذا كان علـم ذلك من قبلهما يؤخذ ومنهما يتعلـم، فـالواجب أن يكون بهلاكهما وعدم وجودهما عدم السبـيـل إلـى الوصول إلـى الـمعنى الذي كان لا يوصل إلـيه إلا بهما وفـي وجود السحر فـي كل زمان ووقت أبـين الدلالة علـى فساد هذا القول.

وقد يزعم قائل ذلك أنهما رجلان من بنـي آدم، لـم يعدما من الأرض منذ خـلقت، ولا يعدمان بعد ما وجد السحر فـي الناس. فـيدعي ما لا يخفـى بُطُولُهُ.

فإذا فسدت هذه الوجوه التـي دللنا علـى فسادها، فبـين أن معنى: ما التـي فـي قوله: وَما أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ بـمعنى «الذي»، وأن هاروت وماروت مترجم بهما عن الـملكين ولذلك فتـحت أواخر أسمائهما، لأنهما فـي موضع خفض علـى الردّ علـى الـملكين، ولكنهما لـما كانا لا يجرّان فتـحت أواخر أسمائهما.

فإن التبس علـى ذي غبـاء ما قلنا، فقال: وكيف يجوز لـملائكة الله أن تعلـم الناس التفريق بـين الـمرء وزوجه؟ أم كيف يجوز أن يضاف إلـى الله تبـارك وتعالـى إنزال ذلك علـى الـملائكة؟ قـيـل له: إن الله جل ثناؤه عرّف عبـاده جَميعَ ما أمرهم به وجميعَ ما نهاهم عنه، ثم أمرهم ونهاهم بعد العلـم منهم بـما يؤمرون به وينهون عنه. ولو كان الأمر علـى غير ذلك، لـما كان للأمر والنهي معنى مفهوم فـالسحر مـما قد نهى عبـاده من بنـي آدم عنه، فغير منكر أن يكون جل ثناؤه علـمه الـملكين اللذين سماهما فـي تنزيـله وجعلهما فتنة لعبـاده من بنـي آدم كما أخبر عنهما أنهما يقولان لـمن يتعلـم ذلك منهما: إنَّـمَا نَـحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ لـيختبر بهما عبـاده الذين نهاهم عن التفريق بـين الـمرء وزوجه وعن السحر، فـيـمـحّص الـمؤمن بتركه التعلـم منهما، ويُخزي الكافر بتعلـمه السحر والكفر منهما، ويكون الـملكان فـي تعلـيـمهما من علّـما ذلك لله مطيعين، إذ كانا عن إذن الله لهما بتعلـيـم ذلك من علـماه يعلـمان
وقد عُبد من دون الله جماعةٌ من أولـياء الله، فلـم يكن ذلك لهم ضائرا إذْ لـم يكن ذلك بأمرهم إياهم به، بل عبد بعضهم والـمعبود عنه ناهٍ، فكذلك الـملكان غير ضائرهما سحر من سحر مـمن تعلـم ذلك منهما بعد نهيهما إياه عنه وعِظَتهما له بقولهما: إنَّـمَا نَـحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ إذ كانا قد أدّيا ما أُمر به بقـيـلهما ذلك.

انتهى كلام الطبري


واصحاب هذا القول القائل انها موصولة اخى الحبيب اختلفوا ما الموصولة معطوفة على ماذا؟

قال الامام الرازى فى تفسيره

ثم هؤلاء اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال.


الأول: أنه عطف على (السحر) أي يعلمون الناس السحر ويعلمونهم ما أنزل على الملكين أيضاً.

وثانيها: أنه عطف على قوله: مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ أي واتبعوا ما تتلوه الشياطين افتراء على ملك سليمان وما أنزل على الملكين لأن السحر منهما هو كفر وهو الذي تلته الشياطين، ومنه ما تأثيره في التفريق بين المرء وزوجه وهو الذي أنزل على الملكين فكأنه تعالى أخبر عن اليهود أنهم اتبعوا كلا الأمرين ولم يقتصروا على أحدهما،

وثالثها: أن موضعه جر عطفاً على (ملك سليمان) وتقديره ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان وعلى ما أنزل على الملكين
وهو اختيار أبي مسلم ، وأنكر في الملكين أن يكون السحر نازلاً عليهما

وقال السمين:

قوله تعالى: { وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ }: هذه الجملةُ معطوفةٌ على مجموعِ الجملةِ السابقةِ من قولِه: " ولمَّا جاءَهم " إلى آخرها.

وقال أبو البقاء: " إنها معطوفةٌ على " أُشْرِبوا " أو على " نَبَذَ فريقٌ " ، وهذا ليس بظاهر، لأنَّ عطفَها على " نَبَذَ " يقتضي كونَها جواباً لقولِه: { وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ } واتِّباعُهم لِما تتلو الشياطينُ ليس مترتِّباً على مجيء الرسولِ بل كان اتِّباعُهم لذلك قبله، فالأَوْلَى أن تكونَ معطوفةً على جملةٍ لا كما تقدم....

قوله: { وَمَآ أُنْزِلَ } فيه أربعةُ أقوالٍ

أَظْهَرُها / أنَّ " ما " موصولةٌ بمعنى الذي محلُّها النصبُ عطفاً على " السِّحْر " ، والتقديرُ: يُعَلِّمُون الناسً السحرَ والمُنَزَّلَ على المَلَكَيْن.

الثاني: أنها موصولةٌ أيضاً ومحلها النصبُ لكنْ عطفاً على { مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ } والتقديرُ: واتَّبعوا ما تَتْلوا الشياطينُ وما أُنْزِل على المَلَكَيْن وعلى هذا فما بينهما اعتراضٌ، ولا حاجَةَ إلى القولِ بأنَّ في الكلامِ تقديماً وتأخيراً.

الثالث: أنَّ محلَّها الجَرُّ عطفاً على " مُلْكِ سليمان " والتقديرُ: افتراءً على مُلْكِ سُلَيْمان وافتراءً على ما أُنْزِلَ على المَلَكْين. وقال أبو البقاء: " تقديرُه: وعلى عَهْدِ الذي أُنْزِل ".

الرابع: " أنَّ " ما " حرفُ نفيٍ، والجملةُ معطوفةٌ على الجملةِ المنفيَّةِ قبلها، وهي { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ } ، والمعنى: وما أُنْزِل على المَلَكَيْنِ إباحةُ السِّحْرِ.

اسامة محمد خيري
31-07-2019, 13:19
الجوهرة الثانية

إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .

اعلم اخى الحبيب ان من ذهب ان الذى انزل الله سكينه عليه هو الحبيب ظن ان ايده بجنود معطوف على انزل الله سكينته وهو الظاهر ومادام ايد الحبيب بالجنود اذن انزل سكينته على الحبيب لان المعطوف والمعطوف عليه يجب ان يكونوا واحد .

ولكن اخى الحبيب ان تدبرت الاية جيدا وجدت ان ايده بجنودعطف على نصره الله وهو الحبيب وليس عطف على فانزل الله سكينته.

اذن اخى الحبيب الذى انزل الله سكينته عليه هو الصديق.وان الذى جاء بعد نصره الله هو شرح لهذا النصر وقت الهجرة.ثم ذكرهم الله بموقف اخر وهو واقعة بدر فقال وايده بجنود لم تروها

قال الرازی فی تفسيره

فإن قيل: وجب أن يكون قوله: فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ المراد منه أنه أنزل سكينته على قلب الرسول، والدليل عليه أنه عطف عليه قوله: وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وهذا لا يليق إلا بالرسول، والمعطوف يجب كونه مشاركاً للمعطوف عليه، فلما كان هذا المعطوف عائداً إلى الرسول وجب في المعطوف عليه أن يكون عائداً إلى الرسول.

قلنا: هذا ضعيف، لأن قوله: وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا إشارة إلى قصة بدر وهو معطوف على قوله: فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ وتقدير الآية إلا تنصروه فقد نصره الله في واقعة الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها في واقعة بدر، وإذا كان الأمر كذلك فقد سقط هذا السؤال.

وقال السمين:

قوله: { وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا } الجمهورُ على رفع " كلمة " على الابتداء، و " هي " يجوزُ أَنْ تكونَ مبتدأ ثانياً، و " العُلْيا " خبرها، والجملة خبر الأول، ويجوز أن تكونَ " هي " فصلاً و " العليا " الخبر. وقُرِىء " وكلمةَ الله " بالنصب نسقاً على مفعولَيْ جَعَلَ، أي: وجعل كلمة الله هي العليا. قال أبو البقاء: " وهو ضعيفٌ لثلاثة أوجه، أحدها: وَضْعُ الظاهرِ موضعَ المضمر، إذ الوجهُ أن تقولَ: وكَلِمَتُه. الثاني: أن فيه دلالةً على أنَّ كلمة الله كانت سُفْلى فصارت عليا، وليس كذلك. الثالث: أن توكيدَ مثلِ ذلك بـ " هي " بعيد، إذ القياسُ أن يكونَ " إياها ". قلت: أما الأولُ فلا ضعفَ فيه لأنَّ القرآنَ ملآنُ من هذا النوع وهو مِنْ أحسنِ ما يكون لأن فيه تعظيماً وتفخيماً. وأمّا الثاني فلا يلزمُ ما ذكر وهو أن يكون الشيء المصيَّر على الضد الخاص، بل يدل التصيير على انتقال ذلك الشيء المُصَيَّر عن صفةٍ ما إلى هذه الصفة. وأمَّا الثالث فـ " هي " ليست تأكيداً البتة إنما " هي " ضمير فصل على حالها، وكيف يكون تأكيداً وقد نَصَّ النحويون على أن المضمر لا يؤكد المظهر

وقال القرطبي

وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا } قيل: لا إلٰه إلاَّ الله. وقيل: وعْد النصر. وقرأ الأعمش ويعقوب «وكلِمة اللَّهِ» بالنصب حملاً على «جعل». والباقون بالرفع على الاستئناف. وزعم الفراء أن قراءة النصب بعيدة قال: لأنك تقول أعتق فلان غلام أبيه، ولا تقول غلام أبي فلان. وقال أبو حاتم: نحواً من هذا. قال: كان يجب أن يُقال وكلمته هي العليا. قال النحاس: الذي ذكره الفرّاء لا يشبه الآية، ولكن يشبهها ما أنشد سيبويه:
لا أرى الموتَ يسبِق الموتَ شيءٌ نغّص الموت ذا الغِنَى والفقِيرَا
فهذا حسن جيّد لا إشكال فيه، بل يقول النحويون الحذاق: في إعادة الذكر في مثل هذا فائدة، وهي أن فيه معنى التعظيم قال الله تعالىٰ:{ إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا } [الزلزلة: 1 ـ 2] فهذا لا إشكال فيه....

اسامة محمد خيري
31-07-2019, 13:20
الجوهرة الثالثة

وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ

قال ابن كثير


وإنما قال ههنا: يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ليكون ذلك تفسيراً للنعمة عليهم في قوله: يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ ثم فسره بهذا؛ لقوله ههنا:
ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِىۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ
[البقرة: 40] وأما في سورة إبراهيم، فلما قال:
وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ
[إبراهيم: 5] أي: بأياديه ونعمه عليهم، فناسب أن يقول هناك:
يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ ويُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ
[إبراهيم: 6] فعطف عليه الذبح؛ ليدل على تعدد النعم والأيادي على بني إسرائيل.

اسامة محمد خيري
31-07-2019, 16:47
الجوهرة الرابعة

يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأُوْلـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

قال السمين الحلبي فی الدر المصون

قوله: وَصَدٌّ فيه وجهان، أحدُهما مبتدأٌ وما بعده عطفٌ عليه، و " أكبرُ " خبرٌ عن الجميعِ. وجاز الابتداءُ بصدّ لأحدِ ثلاثةِ أوجهٍ: إمَّا لتخصيصِه بالوصفِ بقولِه: عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وإمَّا لتعلُّقِه به، وإمَّا لكونِه معطوفاً، والعطفُ من المسوِّغات. والثاني: أنه عطفٌ على " كبيرٌ " أي: قتالٌ فيه كبيرٌ وصَدٌّ، قاله الفراء. قال ابن عطية: " وهو خطأٌ لأنَّ المعنى يسوقُ إلى أنَّ قوله: " وكفرٌ به " عَطْفٌ أيضاً على " كبيرٌ " ، ويَجِيءُ من ذلك أنَّ إخراجَ أهلِ المسجدِ منه أكبرُ من الكفرِ، وهو بَيِّنٌ فسادُه ". وهذا الذي رَدَّ به قولَ الفراء غيرُ لازم له؛ إذ له أن يقول: إنَّ قولَه " وكفرٌ به " مبتدأٌ، وما بعده عطفٌ عليه، و " أكبرُ " خبرٌ عنهما، أي: مجموعُ الأمرين أكبرُ من القتال والصدِّ، ولا يلزَمُ من ذلك أن يكونَ إخراجُ أهلِ المسجدِ أكبرَ من الكفر، بل يلزمُ منه أنه أكبرُ من القتالِ.

في الشهرِ الحرامِ.

وهو مصدرٌ حُذِفَ فاعلُه ومفعولُه؛ إذ التقديرُ: وصَدُّكم - يا كفارُ - المسلمين عن سبيلِ الله وهو الإِسلامُ.

و " كفرٌ " فيه وجهان، أحدُهما: أنه عطفٌ على " صَدّ " على قولنا بأن " صداً " مبتدأٌ لا على قولنا بأنه خبرٌ ثان عن " قتال " ، لأنه يلزَمُ منه أن يكونَ القتالُ في الشهرِ الحرامِ كفراً وليس كذلك، إلا أَنْ يرادَ بقتالِ الثاني ما فيه هَدْمُ الإِسلامِ وتقويةُ الكفرِ كما تقدَّم ذلك عن بعضِهم، فيكونُ كفراً، فَيَصِحُّ عطفُه عليه مطلقاً، وهو أيضاً مصدرٌ لكنه لازمٌ، فيكونُ قد حُذِفَ فاعلُه فقط: أي: وكُفْرُكم. والثاني: أن يكونَ مبتدأً كما يأتي تفصيلُ القولِ فيه. والضميرُ في " به " فيه وجهان، أحدُهما:/ أنه يعودُ على " سبيل " لأنه المحدَّثُ عنه. والثاني أنه يعودُ على الله، والأولُ أظهرُ. و " به " فيه الوجهان، أعني كونَه صفةً لكفر، أو متعلقاً به، كما تقدَّم في " فيه ".

قوله: وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ الجمهورُ على قراءته مجروراً. وقرىء شاذاً مرفوعاً. فأمَّا جرُّه فاختلف فيه النحويون على أربعةِ أوجهٍ، أحدها: - وهو قولُ المبرد وتبعه في ذلك الزمخشري وابنُ عطية، قال ابن عطية: " وهو الصحيحُ - أنه عطفٌ على " سبيلِ الله " أي: وصَدٌّ عن سبيلِ الله وعن المسجد ". وهذا مردودٌ بأنه يؤدِّي إلى الفصلِ بين أبعاضِ الصلةِ بأجنبي تقريرُه أنَّ " صداً " مصدرٌ مقدَّرٌ بأَنْ والفعلِ و " أَنْ " موصولٌ، وقد جعلتم " والمسجدِ " عطفاً على " سبيلِ " فهو من تمام صلته، وفُصِل بينهما بأجنبي وهو " وكفرٌ به ". ومعنى كونِه أجنبياً أنه لا تعلُّق له بالصلةِ. فإن قيل: يُتَوَسَّعُ في الظرفِ وحرفِ الجر ما لم يُتَّسَعْ في غيرِهما. قيل: إنما قيل بذلك في التقديمِ لا في الفصلِ.

الثاني: أنه عطفٌ على الهاءِ في " به " أي: وكفرٌ به وبالمسجِد، وهذا يتخرَّج على قول الكوفيين. وأمَّا البصريون فيشترطون في العطفِ على الضميرِ المجرورِ إعادةَ الخافض إلا في ضرورة، فهذا التخريجُ عندهم فاسدٌ. ولا بد من التعرُّض لهذه المسألة وما هو الصحيحُ فيها. فأقولُ وبالله العون: اختلف النحاةُ في العطفِ على الضمير المجرورِ على ثلاثةِ مذاهبَ: أحدُها - وهو مذهبُ الجمهور من البصريين -: وجوبُ إعادةِ الجار إلا في ضرورةٍ. الثاني: أنه يجوزُ ذلك في السَّعَةِ مطلقاً، وهو مذهبُ الكوفيين، وتَبِعهم أبو الحسن ويونس والشلوبيين.

والثالث: التفصيلُ، وهو إنْ أُكِّد الضميرُ جاز العطفُ من غيرِ إعادةِ الخافِض نحو: " مررت بك نفسِك وزيدٍ " ، وإلا فلا يجوزُ إلا ضرورةً، وهو قولُ الجَرْميّ. والذي ينبغي أنه يجوزُ مطلقاً لكثرةِ السماعِ الوارد به، وضَعْفِ دليل المانعين واعتضاده بالقياس.

أما السَّماعُ: ففي النثرِ كقولِهم: " ما فيها غيرُه وفرسه " بجرِّ " فرسه " عطفاً على الهاء في " غيره ". وقوله:
تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ
في قراءة جماعةٍ كثيرة، منهم حمزةُ، وستأتي هذه الآيةُ إن شاء الله، ومنه:
وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ
[الحجر: 20] فـ " مَنْ " عطف على " لكم " في قولِه تعالى: لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وقولُه:
مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ
[النساء: 127] عطف على " فيهِنّ " وفيما يُتْلى عليكم ". وفي النظم وهو كثيرٌ جداً، فمنه قولُ العباس بن مرداس:
930 ـ أَكُرُّ على الكتيبةِ لا أُبالي أفيها كان حَتْفي أم سواها
فـ " سواها " عطفٌ على " فيها " ، وقولُ الآخر:
931 ـ تُعَلَّقُ في مثلِ السَّوارِي سيوفُنا وما بينها والأرضِ غَوْطٌ نَفانِفٌ
وقول الآخر:
932 ـ هَلاَّ سَأَلْتَ بذي الجماجم عنهمُ وأبي نُعَيْم ذي اللِّواء المُحْرِقِ
وقول الآخر:
933 ـ بنا أبداً لا غيرِنا تُدْرَكُ المُنَى وتُكْشَفُ غَمَّاءُ الخطوبِ الفَوادِحِ
وقول الآخر:
934 ـ لو كانَ لي وزهيرٍ ثالثٌ وَرَدَتْ من الحِمامِ عِدانا شَرَّ مَوْرودِ
وقال آخر:
935 ـ إذا أَوْقدوا ناراً لحربِ عَدُوِّهمْ فَقَدْ خابَ مَنْ يَصْلَى بها وسعيرِها
وقال آخر:
936 ـ إذا بنا بل أُنَيْسانَ اتَّقَتْ فِئَةٌ ظَلَّتْ مُؤَمَنَّةً مِمَّنْ يُعادِيها
وقال آخر:
937 ـ آبَكَ أيِّهْ بيَ أو مُصَدَّرِ من حُمُرِ الجِلَّةِ جَأْبٍ حَشُوَرِ
وأنشد سيبويه:
938 ـ فاليومَ قَرَّبْتَ تهجُونا وَتشْتِمُنا فاذهبْ فما بك والأيام مِنْ عَجَبِ
فكثرةُ ورودِ هذا وتصرُّفُهم في حروفِ العطفِ، فجاؤوا تارة بالواو، وأخرى بـ " لا " ، وأخرى بـ " أم " ، وأخرى بـ " بل " دليلٌ على جوازِه. وأمّا ضَعْفُ الدليل: فهو أنهم منعوا ذلك لأنَّ الضميرَ كالتنوين، فكما لا يُعْطف على التنوين لا يُعْطَفُ عليه إلا بإعادة الجار. ووجهُ ضعفه أنه كان بمقتضى هذه العلةِ ألاَّ يُعْطَفَ على الضمير مطلقاً، أعنى سواءً كان مرفوعَ الموضعِ أو منصوبَه أو مجرورَه، وسواءً أُعيد معه الخافِضُ أم لا كالتنوين.

وأمَّا القياسُ فلأنه تابعٌ من التوابعِ الخمسةِ فكما يُؤَكَّدُ الضميرُ المجرورُ ويُبْدَلُ منه فكذلك يُعْطَفُ عليه.

الثالث: أن يكونَ معطوفاً على " الشهر الحرام " أي: يسألونَك عن الشهرِ الحرامِ وعن المسجدِ الحرام. قال أبو البقاء: " وضَعُفَ هذا بأنَّ القومَ لم يَسْأَلوا عن المسجدِ الحرام إذ لم يَشُكُّوا في تعظيمِه، وإنما سَأَلوا عن القتالِ في الشهرِ الحرامِ لأنه وَقَعَ منهم، ولم يَشْعُروا بدخولِه فخافُوا من الإِثمِ، وكانَ المشركونَ عيَّروهم بذلك " ولا يَظْهَرُ ضَعْفُه بذلكَ لأنه على هذا التخريجِ يكونُ سؤالُهم عن شيئين، أحدُهما القتالُ في الشهر الحرامِ.

والثاني: القتالُ في المسجد الحرام، لأنهم لم يَسْأَلوا عن ذات الشهر ولا عن ذاتِ المسجدِ، إنما سألوا عن القتالِ فيهما كما ذَكَرْتُم، فَأُجيبوا بأنَّ القتالَ في الشهرِ الحرامِ كبيرٌ وصَدُّ عن سبيلَ الله تعالى، يكون " قتال " أَخْبر عنه بأنه كبيرٌ، وبأنه صَدٌّ عن سبيل الله، وأُجيبوا بأنَّ القتالَ في المسجد الحرامِ وإخراجَ أهلِه أكبرُ من القتالِ فيه. وفي الجملةِ فَعَطْفُه على الشهرِ الحرامِ متكلَّفٌ جداً يَبْعُدُ عنه نَظمُ القرآنِ والتركيبُ الفصيحُ.

الرابع: أَنْ يتعلَّقَ بفعلٍ محذوفٍ دَلَّ عليه المصدرُ تقديرُه: ويَصُدُّون عن المسجدِ، كما قال تعالى:
هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ
[الفتح: 25] قاله أبو البقاء، وجَعَله جيداً. وهذا غيرُ جيد لأنه يَلْزَمُ منه حذفُ حرفِ الجرِ وإبقاءُ عملهِ، ولا يجوزُ ذلك إلا في صورٍ ليس هذا منها، على خلافٍ في بعضها، ونصَّ النحويون على أنَّه ضرورةٌ كقوله:
939 ـ إذا قيل: أيُّ الناسِ شَرُّ قبيلةٍ أشارَتْ كليبٍ بالأكفِّ الأصابعُ
أي: إلى كليب فهذه أربعة أوجه، أجودها الثاني.

وأمَّا رفعُه فوجهُه أنَه عَطْفٌ على " وكفرٌ به " على حَذْفِ مضافٍ تقديرُه " وكفرٌّ بالمسجدِ " فَحُذِفَتْ الباءُ وأُضيف " كفرٌ " إلى المسجدِ، ثم حُذِفَ المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مُقامه، ولا يَخْفَى ما فيه من التكلُّفِ، إلا أنه لا تُخَرَّجُ هذه القراءةُ الشاذةُ بأكثرُ مِنْ ذلك.

اسامة محمد خيري
31-07-2019, 16:49
الجوهرة الخامسة

وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ

قال الرازی

وقوله: وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرٰزِقِينَ فيه قولان:

القول الأول: أنه معطوف على محل لكم، والتقدير: وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين.

والقول الثاني: أنه عطف على قوله: مَعَـٰيِشَ والتقدير: وجعلنا لكم معايش ومن لستم له برازقين، وعلى هذا القول ففيه احتمالات ثلاثة:

الاحتمال الأول: أن كلمة «من» مختصة بالعقلاء فوجب أن يكون المراد من قوله: وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرٰزِقِينَ العقلاء وهم العيال والمماليك والخدم والعبيد، وتقرير الكلام أن الناس يظنون في أكثر الأمر أنهم الذين يرزقون العيال والخدم والعبيد، وذلك خطأ فإن الله هو الرزاق يرزق الخادم والمخدوم، والمملوك والمالك فإنه لولا أنه تعالى خلق الأطعمة والأشربة، وأعطى القوة الغاذية والهاضمة، وإلا لم يحصل لأحد رزق

والاحتمال الثاني: وهو قول الكلبي قال: المراد بقوله: وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرٰزِقِينَ الوحش والطير.

فإن قيل: كيف يصح هذا التأويل مع أن صيغة من مختصة بمن يعقل؟

قلنا: الجواب عنه من وجهين: الأول: أن صيغة من قد وردت في غير العقلاء، والدليل عليه قوله تعالى:
وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّن مَّاء فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ أَرْبَعٍ
[النور: 45]. والثاني: أنه تعالى أثبت لجميع الدواب رزقاً على الله حيث قال:
وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا
[هود: 6] فكأنها عند الحاجة تطلب أرزاقها من خالقها فصارت شبيهة بمن يعقل من هذه الجهة، فلم يبعد ذكرها بصيغة من يعقل، ألا ترى أنه قال:
يأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَـٰكِنَكُمْ
[النمل: 18] فذكرها بصيغة جمع العقلاء، وقال في الأصنام:
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى
[الشعراء: 77] وقال:
كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
[الأنبياء: 33] فكذا ههنا لا يبعد إطلاق اللفظة المختصة بالعقلاء على الوحش والطير لكونها شبيهة بالعقلاء من هذه الجهة وسمعت في بطن الحكايات أنه قلت المياه في الأودية والجبال واشتد الحر في عام من الأعوام فحكى عن بعضهم أنه رأى بعض الوحش رافعاً رأسه إلى السماء عند اشتداد عطشه قال: فرأيت الغيوم قد أقبلت وأمطرت بحيث امتلأت الأودية منها.

والاحتمال الثالث: أنا نحمل قوله: وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرٰزِقِينَ على الإماء والعبيد، وعلى الوحش والطير، وإنما أطلق عليها صيغة من تغليباً لجانب العقلاء على غيرهم.

المسألة الثانية: قوله: وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرٰزِقِينَ لا يجوز أن يكون مجروراً عطفاً على الضمير المجرور في لكم، لأنه لا يعطف على الضمير المجرور، لا يقال أخذت منك وزيد إلا بإعادة الخافض كقوله تعالى:
وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ
[الأحزاب: 7].

واعلم أن هذا المعنى جائز على قراءة من قرأ:
تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ
[النساء: 1] بالخفض وقد ذكرنا هذه المسألة هنالك. والله أعلم.

وقال السمين فی الدر المصون

قوله تعالى: وَمَن لَّسْتُمْ : يجوز في " مَنْ " خمسةُ أوجهٍ، أحدُها: - وهو قول الزجاج - أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ تقديرُه: وأَعَشْنا مَنْ لستم لهم برازقين، كالعبيد والدوابِّ/ والوحوشِ. الثاني: أنه منصوبٌ عطفاً على " معايش " ، أي: وجعلنا لكم فيها مَنْ لستم له برازقين من الدوابِّ المنتفعِ بها. الثالث: أنه منصوبٌ عطفاً على محلِّ " لكم. الرابع: أنه مجرورٌ عطفاً على " كم " المجرورِ باللام، وجاز ذلك مِنْ غيرِ إعادةِ الجارِّ على رأيِ الكوفيين وبعضِ البصريين، وقد تقدَّم تحقيقُه في سورة البقرة، عند قوله
وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ
[البقرة: 217]. الخامس: أنه مرفوعٌ بالابتداء، وخبرُه محذوفٌ. أي: ومَنْ لستم له برازقين جَعَلْنا له فيها معايشَ، وسُمِع من العرب " ضربْتُ زيداً وعمروٌ " برفع " عمرٌو " مبتدأً، محذوفَ الخبر، أي: وعمرٌو ضربْتُه.

و " مَنْ " يجوز أن يُرادَ بها العقلاءُ، أي: ومَنْ لستُمْ له برازقين مِنْ مواليكم الذين تزعمون أنَّكم ترزقونه من وأن يُرادَ بها غيرُهم، أي: ومَنْ لَسْتُمْ له برازقين من الدوابِّ، وإن كنتم تزعمون أنكم ترزقونهم، وإليه ذهب جماعةٌ من المفسِّرين. ويجوز أن يُراد بها النوعان، وهو حَسَنٌ لفظاً ومعنى.

اسامة محمد خيري
31-07-2019, 16:52
الجوهرة السادسة

يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً

قال السمين فی دره المصون

قوله: وَٱلأَرْحَامَ الجمهور/ على نصب ميم " والأرحام " وفيه وجهان، أحدهما: أنه عطفٌ على لفظ الجلالة أي: واتقوا الأرحام أي: لا تقطعوها. وقَدَّر بعضهم مضافاً أي: قَطْعَ الأرحام، ويقال: " إنَّ هذا في الحقيقة من عطفِ الخاص على العام، وذلك أن معنى اتقوا الله: اتقوا مخالفَتَه، وقطعُ الأرحام مندرجٌ فيها ". والثاني: أنه معطوفٌ على محل المجرور في " به " نحو: مررت بزيد وعمراً، لَمَّا لَم يَشْرَكْه في الإِتباع على اللفظِ تبعه على الموضع. ويؤيد هذا قراءة عبد الله: " وبالأرحام ". وقال أبو البقاء: " تُعَظِّمونه والأرحام، لأنَّ الحَلْفَ به تعظيمٌ له ".

وقرأ حمزة " والأرحامِ " بالجر، وفيها قولان، أحدهما: أنه عطفٌ على الضمير المجرور في " به " من غير إعادة الجار، وهذا لا يجيزه البصريون، وقد تقدَّم تحقيقُ القول في هذه المسألة، وأنَّ فيها ثلاثةَ مذاهب، واحتجاجُ كل فريق في قوله تعالى:
وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ
[البقرة: 217].

وقد طَعَنَ جماعة على هذه القراءة كالزجاج وغيره، حتى يحكى عن الفراء الذي مذهبه جوازُ ذلك أنه قال: " حَدَّثني شريك بن عبد الله عن الأعمش عن إبراهيم قال: " والأرحامِ " ـ بخفض الأرحام ـ هو كقولهم: " أسألك بالله والرحمِ " قال: " وهذا قبيحٌ " لأنَّ العرب لا تَرُدُّ مخفوضاً على مخفوضٍ قد كُنِيَ عنه ".

والثاني: أنه ليس معطوفاً على الضمير المجرور بل الواوُ للقسم وهو خفضٌ بحرفِ القسم مُقْسَمٌ به، وجوابُ القسم: " إنَّ الله كان عليكم رقيباً ". وضُعِّف هذا بوجهين، أحدهما: أن قراءتَيْ النصبِ وإظهار حرف الجر في " بالأرحام " يمنعان من ذلك، والأصل توافقُ القراءات. والثاني: أنه نُهِيَ أن يُحْلَف بغير الله تعالى والأحاديثُ مصرحةٌ بذلك.

وقدَّر بعضُهم مضافاً فراراً من ذلك فقال: " تقديره: وربِّ الأرحام: قال أبو البقاء: وهذا قد أَغْنى عنه ما قبله " يعني الحلف بالله تعالى. ولقائل [أن يقول:] " إنَّ لله تعالى أن يُقْسِم بما شاء كما أقسم بمخلوقاتِه كالشمس والنجم والليل، وإن كنا نحن مَنْهيين عن ذلك " ، إلا أنَّ المقصودَ من حيث المعنى ليس على القسمِ، فالأَوْلى حَمْلُ هذه القراءةِ على العطفِ على الضمير، ولا التفاتَ إلى طَعْنِ مَنْ طَعَن فيها، وحمزةُ بالرتبة السَّنِيَّة المانعةِ له مِنْ نقلِ قراءة ضعيفة.

وقرأ عبد الله أيضاً: " والأرحامُ " رفعاً وهو على الابتداء، والخبر محذوفٌ فقدَّره ابن عطية: " أهلٌ أَنْ توصل " ، وقَدَّره الزمخشري: و " الأرحامُ مِمَّا يتقى، أو: مما يُتَساءل به " ، وهذا أحسنُ للدلالة اللفظية والمعنوية، بخلاف الأول، فإنه للدلالة المعنوية فقط، وقَدَّره أبو البقاء: " والأرحامُ محترمة " أي: واجبٌ حرمتُها.

وقال القرطبي

وَالأَرحَامَ» معطوف. أي اتقوا الله أن تعصوه. واتقوا الأرحام أن تقطعوها. وقرأ أهل المدينة «تَسَّاءلُونَ» بإدغام التاء في السين. وأهل الكوفة بحذف التاء، لاجتماع تائين، وتخفيف السين لأن المعنى يعرف وهو كقوله:{ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ } [المائدة: 2] و «تَنَزَّلُ» وشبهه. وقرأ إبراهيم النخعي وقتادة والأعْمَش وحَمْزة { وَٱلأَرْحَامِ } بالخفض. وقد تكلم النحويون في ذلك. فأما البصريون فقال رؤساؤهم: هو لَحْن لا تحِلّ القراءة به. وأما الكوفيون فقالوا: هو قبيح ولم يزيدوا على هذا ولم يذكروا عِلّة قبحه قال النحاس: فيما علمتُ. وقال سيبويه: لم يعطف على المضمر المخفوض لأنه بمنزلة التنوين، والتنوين لا يعطف عليه. وقال جماعة: هو معطوف على المكنِيّ فإنهم كانوا يتساءلون بها، يقول الرجل: سألتك بالله والرحِم هكذا فسره الحسن والنخعِيّ ومجاهد، وهو الصحيح في المسألة، على ما يأتي. وضعّفه أقوام منهم الزجاج، وقالوا: يقبح عطف الاسم الظاهر على المضمر في الخفض إلا بإظهار الخافض كقوله{ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ } [القصص: 81] ويقبح «مررت به وزيدٍ» قال الزجاج عن المازني: لأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان، يحل كل واحد منهما محل صاحبه فكما لا يجوز «مررت بزيد وبك» كذلك لا يجوز «مررت بك وزيد». وأما سيبويه فهي عنده قبيحة ولا تجوز إلاّ في الشعر كما قال:
فاليوم قرّبتَ تَهجُونا وتشتِمُنا فاذهبْ فما بكَ والأيامِ من عَجَب
عطف «الأيام» على الكاف في «بك» بغير الباء للضرورة. وكذلك قول الآخر:
نعلِّق في مِثل السَّوَارِي سيوفنا وما بينها والكَعْبِ مَهْوى نَفَانِفُ

عطف «الكعب» على الضمير في «بينها» ضرورة. وقال أبو عليّ: ذلك ضعيف في القياس. وفي كتاب التذكرة المهدية عن الفارسي أن أبا العباس المبرّد قال: لو صليتُ خلف إمام يقرأ { مَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيِّ } و«اتَّقُوا الله الذَّي تَسَاءَلُوَن بِه وَالأْرحَامِ» لأخذت نعلي ومضيت. قال الزجاج: قراءة حَمْزَةَ مع ضعفها وقبحها في العربية خطأ عظيم في أصول أمر الدين لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تحلفوا بآبائكم " فإذا لم يجز الحلف بغير الله فكيف يجوز بالرّحِم. ورأيت إسماعيل بن إسحاق يذهب إلى أن الحلِف بغير الله أمر عظيم، وأنه خاص لله تعالى. قال النحاس: وقول بعضهم { وَٱلأَرْحَامَ } قَسَمٌ خطأ من المعنى والإعراب لأن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على النصب. وروى شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: " كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء قوم من مضر حُفاةً عراةً، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير لِما رأى من فاقتهم، ثم صلى الظهر وخطب الناس فقال: { يَأَيُّها النَّاسُ ٱتقُوا رَبَّكُمُ } ، إلى { وَالأَرْحَامَ } ثم قال: «تصدّق رجل بديناره تصدّق رجل بدرهمه تصدّق رجل بصاع تمره» " وذكر الحديث. فمعنى هذا على النصب لأنه حضّهم على صلة أرحامهم وأيضاً فقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم: " من كان حالِفا فليحلف بالله أو ليصمت " فهذا يرّد قول من قال: المعنى أسألك بالله وبالرّحم. وقد قال أبو إسحاق: معنى { تَسَاءَلُونَ بِهِ } يعني تطلبون حقوقكم به. ولا معنى للخفض أيضاً مع هذا. قلت: هذا ما وقفت عليه من القول لعلماء اللسان في منع قراءة «وَالأَرْحَامِ» بالخفض، واختاره ابن عطية. وردّه الإمام أبو النصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيريّ، واختار العطف فقال: ومثل هذا الكلامِ مردود عند أئمة الدين لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القرّاء ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم تواتراً يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن ردّ ذلك فقد ردّ على النبي صلى الله عليه وسلم، واستقبح ما قرأ به وهذا مقام محذور، ولا يقلَّد فيه أئمة اللغة والنحو فإن العربية تُتلقّى من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يشك أحد في فصاحته. وأما ما ذكر من الحديث ففيه نظر لأنه عليه السلام قال لأبي العُشَرَاء. " وأبِيك لو طعنت في خاصرته " ثم النهي إنما جاء في الحلفِ بغير الله، وهذا توسل إلى الغير بحق الرّحم فلا نهي فيه. قال القشيري: وقد قيل هذا إقسام بالرّحم، أي اتقوا الله وحق الرحم، كما تقول: افعل كذا وحقِّ أبيك.

وقد جاء في التنزيل: «والنَّجْمِ، والطّورِ، والتِّينِ، لَعْمرُك» وهذا تكلفٌ. قلت: لا تكلف فيه فإنه لا يبعد أنه يكون «وَالأَرْحَامِ» من هذا القبيل، فيكون أقسم بها كما أقسم بمخلوقاته الدالة على وحدانيته وقدرته تأكيداً لها حتى قرنها بنفسه. والله أعلم. ولِلّهِ أن يُقسِم بما شاء ويبيح ما شاء، فلا يبعد أن يكون قسماً. والعرب تُقسم بالرحم. ويصح أن تكون الباء مرادةً فحذفها كما حذفها في قوله:
مَشائيمُ ليسوا مُصلِحِينَ عَشِيرةً ولا ناعِبٍ إلاّ بِبَيْنٍ غُرابُها
فجر وإن لم يتقدّم باء. قال آبن الدَّهان أبو محمد سعيد بن مبارك: والكوفي يُجيز عطف الظاهر على المجرور ولا يمنع منه. ومنه قوله:
آبَكَ أيِّهْ بِيَ أو مُصَدَّرِ من حُمُر الجِلّةِ جَأْبٍ حَشْوَرِ
ومنه:
فاذْهَبْ فما بِكَ والأيَّامِ مِنْ عَجَبِ
وقـول الآخـر:
وما بَيْنها والكَعْبِ غَوْطٌ نَفَانِفُ
ومنه:
فحسبُك والضَّحّاكِ سَيْفٌ مُهَنَّدُ
وقول الآخر:
وقد رَامَ آفاقَ السّماءِ فلم يَجِدْ له مَصعَداً فيها ولا الأرْضِ مَقْعَدَا
وقول الآخر:
ما إنْ بها والأُمورِ مِنْ تَلَفٍ ما حُمّ مِنْ أمرِ غَيْبِهِ وَقَعَا
وقول الآخر:
أمُرُّ على الكَتِيبَة لَسْتُ أدرِي أحَتْفِيَ كان فيها أمْ سِواها
فـ «سواها» مجرور الموضع بفِي. وعلى هذا حمل بعضهم قوله تعالى:{ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ } [الحجر: 20] فعطف على الكاف والميم. وقرأ عبدالله بن يزيد «وَالأَرْحَامُ» بالرفع على الآبتداء، والخبر مقدر، تقديره: والأرحام أهل أن توصل. ويحتمل أن يكون إغراء لأن من العرب من يرفع المغرى. وأنشد الفراء:
إن قوما منهم عُمَيْرٌ وأشْبَا هُ عُمَيْرٍ ومنهم السفّاحُ
لَجَديرون باللِّقاء إذا قا ل أخو النّجْدَةِ السلاحُ السلاحُ
وقد قيل: إنّ { وَالأَرحَامَ } بالنصب عطف على موضع به لأن موضعه نصب، ومنه قوله:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وكانوا يقولون: أنشُدُك بالله والرّحِمَ. والأظهر أنه نصب بإضمار فعلٍ كما ذكرنا

اسامة محمد خيري
31-07-2019, 21:46
الجوهرة السابعة

وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ

قال السمين فی دره المصون:

قوله: وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ : العامَّة على كسرِ القافِ ورفعِ الراءِ اسمَ فاعلٍ ورفعِه خبراً لـ " كل " الواقعِ مبتدأً. وقرأ شَيْبَةُ بفتح القافِ، وتُروَى عن نافعٍ. قال أبو حاتم: " لا وجهَ لها " وقد وَجَّهها غيرُه على حَذْفِ مضافٍ، أي: وكلُّ أمرٍ ذو استقرار، أو زمانَ استقرارٍ أو مكانَ استقرارٍ، فجاز أن يكونَ مصدراً، وأن يكون ظرفاً زمانياً أو مكانياً، قال معناه الزمخشري.

وقرأ أبو جعفر وزيد بن علي بكسر القاف وجَرِّ الراء وفيها أوجهٌ، أحدُها: ولم يَذْكُرْ الزمخشريُّ غيرَه أَنْ يكونَ صفةً لأمر. ويرتفعُ " كلُّ " حينئذٍ بالعطفِ على " الساعة " ، فيكونُ فاعلاً، أي: اقتربَتِ الساعةُ وكلُّ أمرٍ مستقرٍ.

قال الشيخ: " وهذا بعيدٌ لوجودِ الفصلِ بجملٍ ثلاثٍ، وبعيدٌ أَنْ يوجدَ مثلُ هذا التركيبِ في كلام العربِ نحو: أكلتُ خبزاً، وضربْتُ خالداً، وإن يَجِىءْ زيدٌ أُكْرِمْه، ورَحَل إلى بني فلان، ولحماً، فيكونُ " ولحماً " معطوفاً على " خبزاً " بل لا يوجَدُ مثلُه في كلام العربِ. انتهى ". قلت: وإذا دلَّ دليلٌ على المعنى فلا نبالي بالفواصلِ. وأين فصاحةُ القرآن من هذا التركيبِ الذي ركَّبه هو حتى يَقيسَه عليه في المنع؟

الثاني: أَنْ يكونَ " مُسْتقرٍ " خبراً لـ " كلُّ أمرٍ " وهو مرفوعٌ، إلاَّ أنه خُفِضَ على الجِوار، قاله أبو الفضل الرازي. وهذا لا يجوزُ؛ لأن الجِوارَ إنما جاء في النعتِ أو العطفِ، على خلافٍ في إثباته، كما قدَّمْتُ لك الكلامَ فيه مستوفى في سورةِ المائدة. فكيف يُقال في خبر المبتدأ: هذا ما لا يجوزُ؟ الثالث: أنَّ خبرَ المبتدأ قولُه " حكمةٌ بالغةٌ " أخبر عن كلِّ أمرٍ مستقرٍ بأنَّه حكمةٌ بالغةٌ، ويكون قولُه: " ولقد جاءهم من الأنباءِ ما فيه مُزْدَجَرٌ " جملةَ اعتراضٍ بين المبتدأ وخبرِه. الرابع: أنَّ الخبرَ مقدرٌ، فقدَّره أبو البقاء: معمولٌ به، أو أتى. وقدَّره غيرُه: بالغوه لأنَّ قبلَه وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ ، أي: وكلُّ أمرٍ مستقرٍّ لهم في القَدَر مِن خيرٍ أو شرٍّ بالغوه.

اسامة محمد خيري
31-07-2019, 21:48
الجوهرة الثامنة

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ

قال ابن كثير

وقال مجاهد: بنين وحفدة : ابنه وخادمه. وقال في رواية: الحفدة: الأنصار والأعوان والخدام، وقال طاوس وغير واحد: الحفدة: الخدم. وكذا قال قتادة وأبو مالك والحسن البصري. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة أنه قال: الحفدة من خدمك من ولدك وولد ولدك، قال الضحاك: إنما كانت العرب تخدمها بنوها. وقال العوفي عن ابن عباس قوله: وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً يقول: بنو امرأة الرجل ليسوا منه، ويقال: الحفدة: الرجل يعمل بين يدي الرجل. يقال: فلان يحفد لنا، أي: يعمل لنا، قال: وزعم رجال أن الحفدة أختان الرجل، وهذا الأخير الذي ذكره ابن عباس، قاله ابن مسعود ومسروق وأبو الضحى وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهد والقرظي، ورواه عكرمة عن ابن عباس، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هم الأصهار.

قال ابن جرير: وهذه الأقوال كلها داخلة في معنى الحفدة، وهو الخدمة الذي منه قوله في القنوت: «وإليك نسعى ونحفد»، ولما كانت الخدمة قد تكون من الأولاد والخدم والأصهار، فالنعمة حاصلة بهذا كله، ولهذا قال: وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً قلت: فمن جعل وَحَفَدَةً متعلقاً بأزواجكم، فلا بد أن يكون المراد الأولاد وأولاد الأولاد والأصهار، لأنهم أزواج البنات، أو أولاد الزوجة، وكذا قال الشعبي والضحاك، فإنهم يكونون غالباً تحت كنف الرجل، وفي حجره وفي خدمته، وقد يكون هذا هو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام في حديث نضرة بن أكثم: " والولد عبد لك " رواه أبو داود. وأما من جعل الحفدة الخدم، فعنده أنه معطوف على قوله: وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا أي: جعل لكم الأزواج والأولاد خدماً.

وقال السمين الحلبي فی دره المصون

قوله تعالى: وَحَفَدَةً : في " حَفَدَة " أوجهٌ. أظهرُها: أنه معطوفٌ على " بنين " بقيدِ كونِه من الأزواج، وفُسِّر هنا بأنه أولادُ الأولادِ. الثاني: أنه مِنْ عطفِ الصفاتِ لشيءٍ واحدٍ، أي: جَعَلَ لكم بنينَ خَدَماً، والحَفَدَةُ: الخَدَمُ. الثالث: أنه منصوبٌ بـ " جَعَلَ " مقدرةً، وهذا عند مَنْ يُفَسِّر الحَفَدة بالأعوان والأَصْهار، وإنما احتيج إلى تقدير " جَعَلَ " لأنَّ " جَعَلَ " الأولى مقيدةٌ بالأزواج، والأعوانُ والأصهارُ ليسوا من الأزواج.

والحَفَدَةُ: جمع حافِد كخادِم وخَدَم. وفيهم للمفسرين أقوالٌ كثيرةٌ، واشتقاقُهم مِنْ قولِهم: حَفَد يَحْفِد حَفْداً وحُفوداً وحَفَداناً، أي: أسرع في الطاعة. وفي الحديث: " وإليك نَسْعَى ونَحْفِدُ " ، أي: نُسْرِعِ في طاعتِك....

اسامة محمد خيري
31-07-2019, 21:49
الجوهرة التاسعة

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ

قال الامام بن عطية فى تفسيره المحرر الوجيز

وقوله تعالى: وكثير حق عليه العذاب يحتمل أن يكون معطوفاً على ما تقدم، أي وكثير حق عليه العذاب يسجد، أي كراهية وعلى رغمه إما بظله وإما بخضوعه عند المكاره ونحو ذلك، قاله مجاهد، وقال: سجوده بظله ويحتمل أن يكون رفعاً بالابتداء مقطوعاً مما قبله

اسامة محمد خيري
31-07-2019, 21:50
الجوهرة العاشرة

قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَٰلِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً * ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ * مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ

قال السمين الحلبى فى الدر المصون

وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ


قوله تعالى: وَإِنَّ ٱللَّهَ : قرأ ابن عامرٍ والكوفيون " وإنَّ " بكسر " إنَّ " على الاستئناف، ويؤيِّدها قراءةُ أُبَيّ إِنَّ ٱللَّهَ بالكسر دون واو.

وقرأ الباقون بفتحها، وفيها أوجهٌ،

أحدُها: أنها على حَذْفِ حرفِ الجرِّ متعلِّقاً بما بعده، والتقدير: ولأنَّ اللهَ ربي وربُّكم فاعبُدوه، كقوله تعالى:
وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً
[الجن: 18] والمعنى لوَحْدانيَّته أَطِيْعوه. وإليه ذهب الزمخشري تابعاً للخليل وسيبويه.

الثاني: أنها عطفٌ على " الصلاةِ " والتقدير: وأوصاني بالصلاةِ وبأنَّ اللهَ. وإليه ذهب الفراء، ولم يذكر مكيٌّ غيرَه. ويؤيِّده ما في مصحف أُبَيّ " وبأنَّ اللهَ ربي " بإظهار الباءِ الجارَّة. وقد استُبْعِد هذا القولُ لكثرةِ الفواصلِ بين المتعاطفَيْن. وأمَّا ظهورُ الباءِ في مصحفِ أَُبَيّ فلا يُرَجِّحُ هذا لأنها باءُ السببيةِ، والمعنى: بسبب أنَّ الله ربي وربُّكم فاعبُدوه فهي كاللام.

الثالث: أَنْ تكونَ " أنَّ " وما بعدها نَسَقاً على " أمراً " المنصوبِ بـ " قَضَى " والتقدير: وإذا قضى أمراً، وقضى أنَّ اللهَ ربي وربُّكم. ذكر ذلك أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء. واستبعد الناسُ صحةَ هذا النقلِ عن أبي عمرو؛ لأنَّه من الجلالةِ في العِلْم والمعرفة بمنزلٍ يمنعُه من هذا القولِ؛ وذلك لأنَّه إذا عَطَفَ على " أمراً " لزم أن يكونَ داخلاً في حَيِّز الشرطِ بـ " إذا " ، وكونُه ربُّنا لا يتقيَّد بشرطٍ البتةَ، بل هو ربُّنا على الإِطلاق. ونسبوا هذا الوهمَ لأبي عبيدةَ كان ضعيفاً في النحو، وعَدُّوا له غَلَطاتٍ، ولعلَّ ذلك منها.

الرابع: أَنْ يكونَ في محلِّ رفعٍ خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ، تقديرُه: والأمرُ أنَّ الله ربي وربُّكم. ذُكِر ذلك عن الكسائي، ولا حاجةَ إلى هذا الإِضمارِ.

الخامس: أَنْ/ يكونَ في محلِّ نصبٍ نَسَقاً على " الكتاب " في قولِه " قال: إني عبد الله آتاني الكتابَ " على أن يكونَ المخاطَبُ بذلك معاصِرِي عيسى ، والقائلُ لهم ذلك عيسى. وعن وَهْب: عَهِدَ إليهم عيسى أنَّ اللهَ ربي وربُّكم. قال هذا القائل: ومَنْ كسرَ الهمزةَ يكون قد عَطَفَ إِنَّ اللَّهَ على قوله " إني عبدُ الله " فهو داخِلٌ في حَيِّز القولِ. وتكون الجملُ من قوله ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ إلى آخرها جملَ اعتراض، وهذا من البُعْدِ بمكانٍ.

اسامة محمد خيري
31-07-2019, 21:56
الجوهرة الحادية عشر

هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ


ذكرنا الاية فی جواهر الاستثناء وجواهر الوقف والابتداء فلتراجع هناك

الجوهرة الثانية عشر

وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَآ أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَٰدِقُونَ

قال الامام القرطبى فى تفسيره


أَوِ ٱلْحَوَايَآ في موضع رفع عطف على الظهور أي أو حملت حواياهما، والألف واللام بدل من الإضافة. وعلى هذا تكون الحوايا من جملة ما أحل. أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ «ما» في موضع نصب عطف على «مَا حَمَلَتْ» أيضاً هذا أصح ما قيل فيه. وهو قول الكسائِي والفراء وأحمد بن يحيـى. والنظر يوجب أن يعطف الشيء على ما يليه، إلا ألاَّ يصح معناه أو يدل دليل على غير ذلك.

وقيل: إن الإستثناء في التحليل إنما هو ما حملت الظهور خاصّةً، وقوله: «أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ» معطوف على المحرم. والمعنى: حرمت عليهم شحومها أو الحوايا أو ما ٱختلط بعظم؛ إلا ما حملت الظهور فإنه غير محرم. وقد ٱحتج الشافعيّ بهذه الآية في أن من حلف ألاّ يأكل الشحم حنِث بأكل شحم الظهور؛ لاستثناء الله ما على ظهورهما من جملة الشحم.

وقال الرازى:

النوع الثاني: من الأشياء التي حرمها الله تعالى على اليهود خاصة، قوله تعالى: { وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا } فبين تعالى أنه حرم على اليهود شحوم البقر والغنم، ثم في الآية قولان: الأول: إنه تعالى استثنى عن هذا التحريم ثلاثة أنواع: أولها: قوله: { إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا } قال ابن عباس: إلا ما علق بالظهر من الشحم، فإني لم أحرمه وقال قتادة: إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونها، وأقول ليس على الظهر والجنب شحم إلا اللحم الأبيض السمين الملتصق باللحم الأحمر على هذا التقدير: فذلك اللحم السمين الملتصق مسمم بالشحم، وبهذا التقدير: لو حلف لا يأكل الشحم، وجب أن يحنث بأكل ذلك اللحم السمين. والاستثناء الثاني: قوله تعالى: { أَوِ ٱلْحَوَايَا } قال الواحدي: وهي المباعر والمصارين، واحدتها حاوية وحوية. قال ابن الأعرابي: هي الحوية أو الحاوية، وهي الدوارة التي في بطن الشاة. وقال ابن السكيت: يقال حاوية وحوايا، مثل رواية وروايا. إذا عرفت هذا: فالمراد أن الشحوم الملتصقة بالمباعر والمصارين غير محرمة. والاستثناء الثالث: قوله: { وَمَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ } قالوا: إنه شحم الإلية في قول جميع المفسرين. وقال ابن جريج: كل شحم في القائم والجنب والرأس، وفي العينين والأذنيين يقول: إنه اختلط بعظم فهو حلال لهم، وعلى هذا التقدير: فالشحم الذي حرمه الله عليهم هو الثرب وشحم الكلية. القول الثاني: في الآية أن قوله: { أَوِ ٱلْحَوَايَا } غير معطوف على المستثنى، بل على المستثنى منه والتقدير: حرمت عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت ظهورهما فإنه غير محرم قالوا: ودخلت كلمة «أو» كدخولها في قوله تعالى:{ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً } [الإنسان: 24] والمعنى كل هؤلاء أهل أن يعصى، فاعص هذا واعص هذا، فكذا ههنا المعنى حرمنا عليهم هذا وهذا....

ملحوظة

ذكرنا الاية فى جواهر الاستثناء فلتراجع هناك

اسامة محمد خيري
31-07-2019, 21:57
الجوهرة الثالثة عشر

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ

قال السمين الحلبى فى الدر المصون

قوله: وَهُمْ رَاكِعُونَ في هذه الجملةِ وجهان،

أظهرُهما: أنها معطوفةٌ على ما قبلَها من الجملِ فتكونُ صلةً للموصولِ، وجاء بهذه الجملةِ اسميةً دونَ ما قبلَها، فلم يَقُلْ " ويركعون " اهتماماً بهذا الوصفِ؛ لأنه أظهرُ أركانِ الصلاة.

والثاني: أنها واوُ الحال وصاحبُها هو واو " يُؤْتون " والمرادُ بالركوعِ الخضوعُ أي: يؤتون الصدقة وهم متواضِعُون للفقراءِ الذين يتصدَّقون عليهم، ويجوز أَنْ يُرادَ به الركوع حقيقةً؛ كما رُوي عن علي أميرِ المؤمنين أنه تصدَّقَ بخاتَمِة وهو راكعٌ

اسامة محمد خيري
31-07-2019, 21:59
الجوهرة الرابعة عشر

قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ

قال السمين الحلبى فى الدر المصون
قوله: وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ في محلِّ هذه الجملة وجهان،

أحدهما: النصب عطفاً على قوله " عندي خزائنُ الله " لأنه من جملة المقول، كأنه قال: لا أقول لكم هذا القولَ ولا هذا القولَ، قاله الزمشخري، وفيه نظرٌ من حيث إنه يؤدي إلى أنه يصير التقدير: ولا أقول لكم لا أَعْلَمُ الغيب، وليس بصحيحٍ.

والثاني: أنه معطوف على " لا أقول " لا معمولٌ له، فهو أمَرَ أن يُخْبِرَ عن نفسه بهذه الجمل الثلاث فهي معمولة للأمر الذي هو " قل " ، وهذا تخريجُ الشيخ، قال بعد أن حكى قول الزمخشري: " ولا يتعيَّنُ ما قاله، بل الظاهرُ أنه معطوفٌ على " ألاَّ أقول " إلى آخره ".

ملحوظة

الشيخ هو الامام ابو حيان صاحب البحر المحيط شيخ السمين وقد تعقب السمين استدراكات شيخه علي الزمخشرى ودافع عن الزمخشري فى مواضع كثيره فرحم الله السمين

اسامة محمد خيري
31-07-2019, 22:00
الجوهرة الخامسة عشر

قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

قال الامام ابن عطية فى المحرر الوجيز

وقوله: وما مسني يحتمل وجهين وبكليهما قيل،

أحدهما أن ما معطوفة على قوله: لاستكثرت أي ولما مسني السوء

والثاني أن يكون الكلام مقطوعاً تم في قوله: لاستكثرت من الخير وابتدأ يخبر بنفي السوء عنه وهو الجنون الذي رموه به، قال مؤرج السدوسي: السوء الجنون بلغة هذيل،

اسامة محمد خيري
05-08-2019, 15:20
الجوهرة السادسة عشر

وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ

قال السمين الحلبى فى الدر المصون

قوله: وَيَعْقُوبُ الجمهورُ على رفعه وفيه قولان،

أظهرهُما: أنه عطفٌ على " إبراهيم " ويكونُ مفعولُه محذوفاً أي: ووصَّى يعقوبُ بنيه أيضاً،

والثاني: أن يكونَ مرفوعاً بالابتداءِ وخبرُه محذوفٌ تقديرُه ويعقوبُ قال: يا بَنِيَّ إنَّ الله اصطفى.

وقرأ إسماعيل بن عبد الله وعمرو بن فائد بنصبه عطفاً على " بَنيه " ، أي: ووصَّى إبراهيمُ يعقوبَ أيضاً.

وقال القرطبي

وقرأ عمرو بن فائد الأسواري وإسماعيل بن عبد اللَّه المكي: «ويعقوبَ» بالنصب عطفاً على «بنيه» فيكون يعقوب داخلاً فيمن أوْصَى. قال القُشَيْرِيّ: وقُرىء «يعقوب» بالنصب عطفاً على «بنيه» وهو بعيد لأن يعقوب لم يكن فيما بين أولاد إبراهيم لمّا وصّاهم، ولم ينقل أن يعقوب أدرك جدّه إبراهيم، وإنما وُلد بعد موت إبراهيم، وأن يعقوب أوصى بنيه أيضاً كما فعل إبراهيم

اسامة محمد خيري
05-08-2019, 15:22
الجوهرة السابعة عشر

وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ


قال الحافظ ابن كثير فى تفسيره

وقوله: وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُ معطوف على قوله: وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ وليس معطوفاً على قوله: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ كما زعمه ابن جرير ، لأن النبي وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم، فأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم، فلا يجوز الحلق حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُ ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة إن كان قارناً، أو من فعل أحدهما إن كان منفرداً أو متمتعاً.....


وقال الامام الالوسي فى تفسيره:

وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُ فإن حلق الرأس كناية عن الحل الذي يحصل بالتقصير بالنسبة للنساء، والخطاب للمحصرين لأنه أقرب مذكور، والهدي الثاني عين الأول كما هو الظاهر أي لا تحلوا حتى تعلموا أن الهدي المبعوث إلى الحرم بلغ مكانه الذي يجب أن ينحر فيه وهو الحرم لقوله تعالى:

ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ
[الحج: 33]
هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ
[المائدة: 95] وما روي من ذبحه في الحديبية مسلم لكن كونه ذبح في الحل غير مسلم،

والحنفية يقولون: إن محصر رسول الله كان في طرف الحديبية أسفل مكة، والحديبية متصلة بالحرم، والذبح وقع في الطرف المتصل الذي نزله رسول الله وبه يجمع بين ما قاله مالك وبين ما روى الزهري أن رسول الله نحر في الحرم وكون الرواية عنه ليس بثبت في حيز المنع، وحمل الأولون بلوغ الهدي محله على ذبحه حيث يحل ذبحه فيه حلاً كان أو حرماً وهو خلاف الظاهر إلا أنه لا يحتاج إلى تقدير العلم كما في السابق، واستدل باقتصاره على الهدي في مقام البيان على عدم وجوب القضاء، وعندنا يجب القضاء لقضاء رسول الله وأصحابه عمرة الحديبية التي أحصروا فيها وكانت تسمى عمرة القضاء، والمقام مقام بيان طريق خروج المحصر عن الإحرام لا مقام بيان كل ما يجب عليه ولم يعلم من الآية حكم غير المحصر عبارة كما علم حكم المحصر من عدم جواز الحل له قبل بلوغ الهدي، ويستفاد ذلك بدلالة النص وجعل الخطاب عاماً للمحصر وغيره بناءاً على عطف وَلاَ تَحْلِقُواْ على قوله سبحانه: وَأَتِمُّواْ لا على فَمَا ٱسْتَيْسَرَ يقتضي بتر النظم لأن فَإِذَا أَمِنتُمْ عطف على فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ كما لا يخفى. و ـ المحل ـ بالكسر من حد ضرب يطلق للمكان كما هو الظاهر في الآية، وللزمان ـ كما يقال ـ محل الدين لوقت حلوله وانقضاء أجله.

وقال ابن عطية فى المحرر الوجيز:

وقوله تعالى: ولا تحلقوا رؤوسكم الآية، الخطاب لجميع الأمة محصر ومخلى، ومن العلماء من يراها للمحصرين خاصة، ومحل الهدي حيث يحل نحره،

اسامة محمد خيري
05-08-2019, 15:25
الجوهرة الثامنة عشر

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ

قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

" وأبنائنا " عَطْفٌ على " ديارنا " أي: ومن أبنائِنا، فلا بُدَّ من حذفِ مضافٍ تقديرُه: " من بين أبنائِنا " كذا قدَّره أبو البقاء. وقيل: إنَّ هذا على القلبِ، والأصلُ: وقد أُخْرِجَ أبناؤنا منا، ولا حاجةَ إلى هذا.

الجوهرة التاسعة عشر

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ

تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ

قال ابن عطية فى المحرر الوجيز:

وقوله تعالى: ماعملت من سوء يحتمل أن تكون ما معطوفة على ما الأولى فهي في موضع نصب وتكون تود في موضع الحال، وإلى هذا العطف ذهب الطبري وغيره،

ويحتمل أن تكون رفعاً بالابتداء ويكون الخبر في قوله: تود وما بعده كأنه قال: وعملها السيىء مردود عندها أن بينها وبينه أمداً،

قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

قوله تعالى: يَوْمَ تَجِدُ : في ناصِبة أوجهٌ،

.......

السادس: أنه منصوبٌ بتودُّ، قال الزمخشري: " يومَ تجد منصوب بتود، والضمير في " بينه " لليوم، أي: يوم القيامة حين تجد كل نفس خيرَها وشرَّها [حاضرين]، تتمنَّى لو أنَّ بينها وبين ذلك اليوم وَهوْلِهِ أمداً بعيداً ".

وهذا الذي ذكره الزمخشري وجهٌ ظاهرٌ لا خفاء بحسنه، ولكنْ في هذه المسألة خلافٌ ضعيف: جمهور البصريين والكوفيين على جوازها، وذهب الأخفش والفراء إلى مَنْعها، وضابطُ هذه المسألة: أنه إذا كان الفاعل ضميراً عائداً على شيء متصلٍ بمعمول الفعل نحو: ثوبي أخويك يلبَسان " فالفاعلُ هو الألف، وهو ضمير عائد على " أخويك " المتصلين بمفعول يلبسان، ومثله: " غلامَ هند ضربَتْ " ففاعل " ضربَتْ " ضمير عائدٌ على " هند " المتصلةِ بغلام المنصوب بضرَبتْ، والآيةُ من هذا القبيل: فإن فاعل " تودُّ " ضميرٌ عائد على " نفس " المتصلةِ بيوم لأنها في جملة، أُضيف الظرفُ إلى تلك الجملة، والظرفُ منصوبٌ بتودُّ، والتقدير: يوم وجدانِ كلِّ نفسٍ خيرَها وشَرَّها مُحْضَرين تَوَدُّ كذا.

........

والضمير في " بينه " فيه وجهان، أحدُهما ـ وهو الظاهر ـ عَوْدُه على " ما عَمِلَتْ " ،

وأعادَه الزمخشري على " اليوم " قال الشيخ: " وأَبْعَدَ الزمخشري في عودِه على " اليوم " لأنَّ أحدَ القِسْمين اللذين أُحْضِروا في ذلك له هو الخيرُ الذي عمله، ولا يُطلب تباعُدُ وقتِ إحضارِ الخير إلا بتجوُّز، إذ كان يشتمل على إحضار الخير والشر فتودُّ تباعدَه لتسلم من الشر، ودَعْه لا يحصُل له الخيرُ، والأَوْلى عَوْدُه إلى ما عملت من السوء لأنه أقرب مذكور. ولأن المعنى: أن السوء يُتَمَنَّى في ذلك اليوم التباعُدُ منه ".

اسامة محمد خيري
05-08-2019, 15:27
الجوهرة العشرون

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ


قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: " تَعْلَمُون " مفتوحٌ حرفُ المضارعة، ساكنُ العينِ مفتوحُ اللام من: عَلِمَ يَعْلَم، أي: تعرفون فيتعدى لواحد، وباقي السبعة بضم حرف المضارعة وفتح العين وتشديد اللام مكسورةً، فيتعدى لاثنين أولهما محذوف، تقديره: تُعَلِّمون الناس والطالبين الكتابَ،

وقال الرازى فى تفسيره:

قرأ عاصم وحمزة وابن عامر وَلاَ يَأْمُرَكُمْ بنصب الراء، والباقون بالرفع

أما النصب فوجهه أن يكون عطفاً على ثُمَّ يَقُولُ وفيه وجهان

أحدهما: أن تجعل لا مزيدة والمعنى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة أن يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيّين أرباباً، كما تقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ويستخف بي

والثاني: أن تجعل لا غير مزيدة، والمعنى أن النبي كان ينهى قريشاً عن عبادة الملائكة، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح، فلما قالوا: أتريد أن نتخذك رباً؟ قيل لهم: ما كان لبشر أن يجعله الله نبياً ثم يأمر الناس بعبادة نفسه وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء،

وأما القراءة بالرفع على سبيل الاستئناف فظاهر لأنه بعد انقضاء الآية وتمام الكلام، ومما يدل على الانقطاع عن الأول ما روي عن ابن مسعود أنه قرأ وَلَنْ يَأْمُرُكُمْ

الجوهرة الواحدة والعشرون

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ال عمران121

قال الرازى فى تفسيره:

قال أبو مسلم: هذا كلام معطوف بالواو على قوله

قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ
[آل عمران: 13] يقول: قد كان لكم في نصر الله تلك الطائفة القليلة من المؤمنين على الطائفة الكثيرة من الكافرين موضع اعتبار لتعرفوا به أن الله ناصر المؤمنين، وكان لهم مثل ذلك من الآية إذ غدا الرسول يبوىء المؤمنين مقاعد للقتال

ملحوظة

الاية الاولى رقم 121 تتكلم عن غزوة احد والثانية 13عن بدر

فيكون المعنى على قول ابى مسلم لقد كان لكم اية فى غزوة بدر حين التقت الفئتان وفى غزوة احد اذ غدوت

والله اعلم

اسامة محمد خيري
05-08-2019, 15:31
الجوهرة الثانية والعشرون

وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً

قال السمين الحلبى فى الدر المصون فی تفسير والذين عقدت:


في مَحَلِّه أربعةُ أوجه،

أحدها: أنه مبتدأ والخبر قوله: " فآتوهم ".

الثاني: أنه منصوب على الاشتغال بإضمار فعل، وهذا أرجحُ من حيث إنَّ بعده طَلَباً.

والثالث: أنه مرفوعٌ عطفاً على " الوالدان والأقربون " فإنْ أريد بالوالدين أنهم موروثون عادَ الضميرُ مِنْ " فآتوهم " على " موالي " ، وإنْ أُريد أنهم وارثون جازَ عَوْدُه على " مواليَ " وعلى الوالدين وما عُطف عليهم.

الرابع: أنه منصوبٌ عطفاً على " مواليَ " ، قال أبو البقاء: " أي وَجَعَلْنا الذين عاقَدَتْ وُرَّاثاً، وكان ذلك ونُسِخ "

ملحوظة

عجيب امر الحذف فى هذة الاية اخى الحبيب

يقول الامام ابو حيان فى البحر المحيط

واختلفوا في تعيين المقدّر هنا، فقيل: المحذوف إنسان، وقيل: المحذوف مال. والمولى: لفظ مشترك بين معان كثيرة، منها: الوارث وهو الذي يحسن أن يفسر به هنا، لأنه يصلح لتقدير إنسان وتقدير مال، وبذلك فسر ابن عباس وقتادة والسدي وغيرهم: أن الموالي العصبة والورثة، فإذا فرّعنا على أنّ المعنى: ولكلّ إنسان، احتمل وجوهاً:

أحدها: أن يكون لكلّ متعلقاً بجعلنا، والضمير في ترك عائد على كل المضاف لإنسان، والتقدير: وجعل لكل إنسان وارثاً مما ترك، فيتعلق مما بما في معنى موالي من معنى الفعل، أو بمضمر يفسره المعنى، التقدير: يرثون مما ترك، وتكون الجملة قد تمت عند قوله: مما ترك، ويرتفع الوالدان على إضمار كأنه قيل: ومن الوارث؟ فقيل: هم الوالدان والأقربون ورّاثاً، والكلام جملتان.

والوجه الثاني: أن يكون التقدير وجعلنا لكل إنسان موالي، أي ورّاثاً. ثم أضمر فعل أي: يرث الموالي مما ترك الوالدان، فيكون الفاعل بترك الوالدان. وكأنه لما أبهم في قوله: وجعلنا لكل إنسان موالي، بيَّن أن ذلك الإنسان الذي جعل له ورثة هو الوالدان والأقربون، فأولئك الورّاث يرثون مما ترك والداهم وأقربوهم، ويكون الوالدان والأقربون موروثين. وعلى هذين الوجهين لا يكون في: جعلنا، مضمر محذوف، ويكون مفعول جعلناه لفظ موالي. والكلام جملتان.

الوجه الثالث: أن يكون التقدير: ولكل قوم جعلناهم موالي أي: ورّاثاً نصيب مما ترك والداهم وأقربوهم، فيكون جعلنا صفة لكلٍّ، والضمير من الجملة الواقعة صفة محذوف، وهو مفعول جعلنا. وموالي منصوب على الحال، وفاعل ترك الوالدان. والكلام منعقد من مبتدأ وخبر، فيتعلق لكل بمحذوف، إذ هو خبر المبتدأ المحذوف القائم مقامه صفته وهو الجار والمجرور، إذ قدر نصيب مما ترك.

والكلام إذ ذاك جملة واحدة كما تقول: لكل من خلقه الله إنساناً من رزق الله، أي حظ من رزقه الله.


وإذا فرعنا على أن المعنى: ولكل مال، فقالوا: التقدير ولكل مال مما تركه الوالدان والأقربون، جعلنا موالي أي ورّاثاً يلونه ويحرزونه. وعلى هذا التقدير يكون مما ترك في موضع الصفة لكل، والوالدان والأقربون فاعل بترك ويكونون موروثين، ولكل متعلق بجعلنا. إلا أن في هذا التقدير الفصل بين الصفة والموصوف بالجملة المتعلقة بالفعل الذي فيها المجرور وهو نظير قولك: بكل رجل مررت تميمي، وفي جواز ذلك نظر.

اسامة محمد خيري
05-08-2019, 15:39
الجوهرة الثالثة والعشرون

يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰوةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى

الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ

أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ


قال السمين فی دره المصون

قوله: وَأَرْجُلَكُمْ قرأ نافع وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم: " أرجلكم " نصباً، وباقي السبعة: وأرجلكم " جراً، والحسن بن أبي الحسن: " وأرجلُكم " رفعاً، فأمَّا قراءة النصب ففيها تخريجان، أحدُهما: أنها معطوفةٌ على " ايديكم " فإنَّ حكمَها الغُسْلُ كالأوجه والأيدي، كأنه قيل: " واغسلوا أرجلكم " إلا أنَّ هذا التخريجَ أفسده بعضُهم بأنه يلزم منه الفصلُ بين المتعاطِفَيْنِ بجملةٍ غير اعتراضية لأنها مُنْشِئَةٌ حمكاً جديداً فليس فيها تأكيد للأول. وقال ابن عصفور- وقد ذكر الفصلَ بين المتعاطِفَيْن -: " وأقبحُ ما يكونُ ذلك بالجمل " فدلَّ قولُه على أنه لا يجوزُ تخريجُ الآية على ذلك. وقال أبو البقاء عكسَ هذا فقال: " وهو معطوفٌ على الوجوه " ثم قال " وذلك جائزٌ في العربية بلا خلاف " وجَعَلَ السنِّيَّة الواردة بغسل الرجلين مقويةً لهذا التخريج، وليس بشيء، فإنَّ لقائل أن يقول: يجوز أن يكون النصب على محلِّ المجرور وكان حكمُها المسحَ ولكن نُسِخ ذلك بالسنَّة وهو قولٌ مشهورٌ للعلماء. والثاني: أنه منصوبٌ عطفاً على محل المجرور قبله، كما تقدَّم تقريرُه قبل ذلك.

وأمَّا قراءةُ الجر ففيها أربعةُ تخاريجَ، أحدها: أنه منصوبٌ في المعنى عطفاً على الأيدي المغسولة، وإنما خُفض على الجوار، كقولهم: " هذا جُحْرُ ضبٍّ خَرِبٍ " بجر " خرب " وكان مِنْ حَقِّه الرفعُ لأنه صفة في المعنى للجحر لصحة اتصافه به، والضَّبُّ لا يوصف به، وإنما جَرُّه على الجوار، وهذه المسألة عند النحويين لها شرط وهو أن يُؤْمَنَ اللبس كما تقدم تمثيله، بخلاف: " قام غلام زيد العاقل " إذا جعلت " العاقل " نعتاً للغلام امتنع جَرُّه على الجوار لأجل اللَّبْس، وأنشد أيضاً قول الشاعر:
1701- كأنما ضَرَبَتْ قُدَّامَ أعينِها قُطْناً بمستحصِدِ الأوتارِ مَحْلوجِ


وقول الآخر:
1702- فأياكم وَحيَّةَ بَطْنِ وادٍ هموزٍ النابِ ليس لكم بِسِيِّ
وقول الآخر:
1703- كأن ثَبيراً في عرانينِ وَبْلِه كبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ
وقول الآخر:
1704- كأنَّ نَسْجَ العنكبوتِ المُرْمَل
بجر " محلوج " وهو صفةٌ لـ " قطنا " المنصوبِ، وبجر " هموز " وهو صفة لـ " حية " المنصوبِ، وبجر " المزمل " وهو صفة " كبير " لأنه بمعنى الملتف، وبجرِّ " المُرْمل " وهو صفة " نَسْج " ، وإنما جُرَّت هذه لأجلِ المجاورِة، وقرأ الأعمش: إنَّ الله هو الرزاقُ ذو القوةِ المتينِ بجر المتين مجاورَةً لـ " القوة " وهو صفةٌ لـ " الرزاق " ، وهذا وإن كان وارداً، إلا ان التخريجَ عليه ضعيفٌ لضَعْفِ الجوارِ من حيث الجملةُ، وأيضاً فإنَّ الخفضَ على الجوارِ إنما وَرَدَ في النعتِ لا في العطف، وقد وَرَدَ في التوكيدِ قليلاً في ضرورة الشعر، قال:
1705- يا صاحِ بَلَّغ ذوي الزوجاتِ كلِّهمِ أَنْ ليسَ وَصْلٌ إذا انْحَلَّتْ عُرَى الذَّنَبِ
بجر " كلهم " وهو توكيدٌ لـ " ذوي " المنصوب، وإذا لم يَرِد إلا في النعت أو ما شَذَّ من غيره فلا يينبغي أن يُخَرَّج عليه كتاب الله تعالى، وهذه المسألةُ قد أوضَحْتُها وذكرت شواهدها في " شرح التسهيل " وممن نَصَّ على ضعفِ تخريجِ الآية على الجوارمكي بن أبي طالب وغيرُه، قال مكي: " وقال الأخفش وأبو عبيدة: " الخفضُ فيه على الجوار، والمعنى للغسل " وهو بعيد لا يُحْمل القرآن عليه " وقال أبو البقاء " وهو الإِعرابُ الذي يقال: هو على الجوار، وليس بممتنع أن يقع في القرآن لكثرته فقد جاء في القرآن والشعر، فَمِنَ القرآن قولُه تعالى:
وَحُورٌ عِينٌ
[الواقعة: 22] على قراءة مَنْ جَرَّ، وهو معطوفٌ على قوله: بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وهو مختلفُ المعنى، إذ ليس المعنى: يَطُوف عليهم وِلْدان مخلَّدون بحورٍ عين. وقال النابغة:
1706- لم يَبْقَ إلاَّ أسيرٌ غيرُ مُنْفَلِتٍ أو مُوْثَقٍ في حبال القومِ مَجْنُوبِ
والقوافي مجرورةٌ، والجوارُ مشهورٌ عندهم في الإِعراب " ثم ذكر أشياء كثيرةً زعم أنها مقويةٌ لمُدَّعاه، منها: قَلْبُ الإِعراب في الصفات كقوله تعالى:
عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ
[هود: 84] واليومُ ليس بمحيطٍ، وإنما المحيط [هو] العذابُ، ومثلُه قولُه تعالى:
فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ
[إبراهيم: 18] و " عاصف " ليس في صفة اليوم بل من صفة الريحِ. ومنها: قَلْبُ بعض الحروف إلى بعض كقول : " ارجَعْنَ مَأْزوارتٍ غيرَ مأجورات " والأصل: " مَوْزورات " ، ولكنْ أُريد التواخي، وكذلك قولُهم: " إنه ليأتينا بالغدايا والعَشايا " ويعني أنَّ الأصلَ: " بالغَدَاوى " لأنها من الغُدْوة، ولكن لأجل " ياء " العشايا " جاءت بالياء دون الواو. ومنها: تأنيثُ المذكر كقوله تعالى:


فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا
[الأنعام: 160] فحذف / التاءَ منْ " عشر " وهي مضافةٌ إلى الأمثال وهي مذكرةٌ، ولكنْ لَمَّا جاورت الأمثالُ ضميرَ المؤنث أَجْرى عليها حكمَه، وكذلك قوله:
1707- لَمَّا أتى خبرُ الزبيرِ تواضعتْ سورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ
وقولهم: " ذَهَبَتْ بعضُ أصابعِه " يعني أنَّ " سور " مذكرةٌ " و " بعض " أيضاً كذلك، ولكنْ لَمَّا جاورا المؤنثَ أُعْطيا حكَمه. ومنها: " قامت هند " لَمَّا لم يَفْصِلوا أتوا بالتاء، ولمَّا فَصَلوا لم يأتوا بها، ولا فرق إلا المجاورةُ وعدمُها: ومنها: استحسانُهم النصبَ في الاشتغال بعد جملةٍ فعلية في قولهم: " قام زيدٌ وعمراً كلمته " لمجاورةِ الفعل. ومنها: قَلْبُهم الواوَ المجاورَة للطرفِ همزةً نحو: " أوئل " بخلاف " طواويس " لبُعْدِها من مجاورةِ الطرف. قال: " وهذا موضعٌ يَحْتمل أن يكتب فيه أوراقٌ من الشواهدِ، قد بَوَّب النحويون له باباً ورتَّبوا عليه مسائلَ وأصَّلوه بقوله: " هذا جُحْرِ ضبٍ خربٍ " حتى اختلفوا في جواز جر التثنية والجمع، فأجاز الاتباعَ فيهما جماعة من حُذَّاقهم قياساً على المفرد المسموع، ولو كان لا وجهَ له بحالٍ لاقتصروا فيه على المسموع فقط، ويتأيد ما ذكرناه أنَّ الجرَّ في الآية قد أجيز غيره - وهو الرفع والنصب - والرفع والنصب غير قاطعين ولا ظاهرين على أنَّ حكمَ الرِجْلين المسحُ، فكذلك الجرُّ يجب أن يكونَ كالنصب والرفعِ في الحكم دون الإِعراب " انتهى.

أمَّا قوله: " إنَّ وَحُورٌ عِينٌ من هذا الباب فليس بشيء، لأنه: إمَّا [أن] يقدَّر عطفهُما على ما تقدم بتأويلٍ ذكره الناس كما سيتأتي أو بغير تأويل، وإما أن لا يعطفَهما، فإنْ عَطَفَهما على ما تقدم وجب الجر، وإن لم يعطفهما لم يَجُز الجر، وأمّا جَرُّهما على ما ذكره الناس فقيل: لعطفهما على المجرور بالباء قبلهما على تضمين الفعلِ المتقدم " يتلذذون ويَنْعَمون بأكواب وكذا وكذا " أولا يُضَمَّن الفعلُ شيئاً ويكون لطواف الوالدانِ بالحورِ العين على أهل الجنة لذاذة لهم بذلك، والجواب إنما يكونُ حيث يستحقُ الاسمُ غيرَ الجر فيُجَرُّ لمجاورةِ ما قبله، وهذا - كما ترى - قد صَرَّح هو به أنه معطوفٌ على " بأكواب " غايةُ ما في الباب أنه جَعَلَه مختلفَ المعنى، يعنى أنه عنده لا يجوزُ عطفُهما على " بأكواب " إلا بمعنى آخرَ وهو تضمينُ الفعل، وهذا لا يَقدَحُ في العطفية. وأما البيتُ فجرُّ " موثقٍ " ليس لجواره " لـ " منقلتٍ " وإنما هو مراعات للمجرور بـ " غير " ، لأنهم نَصُّوا على أنك إذا جئت بعد " غير " ومخفوضها بتابعٍ جاز أن يَتْبع لفظَ " غير " وأن يَتبع المضاف إليه، وأنشدوا البيت، ويروى: " لم يبق فيها طريدٌ غيرُ منفلتٍ " وأما باقي الأمثلة التي أوردها فليست من المجاوره التي تؤثر في تغيير الإِعراب، وقد تقدَّم أن النحويين خَصَّصوا ذلك بالنعت وأنه قد جاء في التوكيد ضرورةً.
التخريج الثاني: أنه معطوفٌ على " برؤوسكم " لفظاً ومعنى، ثم نُسِخ ذلك بوجوبِ الغسل، أو هو حكمٌ باقٍ، وبه قال جماعة، أو يُحمل مسحُ الأرجلِ على بعضِ الأهوال وهو لُبْسُ الخفِّ، ويُعزى للشافعي. التخريج الثالث: انها جُرَّت مَنْبَهَةً على عدم الإِسراف باستعمال الماء لأنها مَظَنَّةٌ لصبِّ الماءِ كثيراً، فَعَطَفَتْ على الممسوح، والمرادُ غَسْلُها لِما تقدم، وإليه ذَهَب الزمخشري. قال: " وقيل: " إلى الكعبين " فجيء بالغاية إماطة لظنَّ ظانَّ يَحْسَبُها ممسوحة، لأنَّ المسح لم تُضْرب له غايةٌ في الشريعة " وكأنه لم ترتضِ هذا القول الدافعَ لهذا الوهمِ وهو كما قال. التخريج الرابع: أنها مجرورةٌ بحرفِ جرٍ مقدرٍ دَلَّ عليه المعنى، ويتعلَّق هذا الحرفُ بفعلٍ محذوفٍ أيضاً يليق بالمحل، فيُدَّعى حذفُ جملةٍ فعلية وحَذْفُ حرفِ جر، قالوا: وتقديرُه: " وافعَلُوا بأرجلِكم غسلاً ".

قال أبو البقاء: " وحَذْفُ حرفِ الجر وإبقاءُ الجرِ جائزٌ كقوله:
1708- مشائيمُ ليسوا مُصْلِحينَ عشيرةً ولا ناعبٍ إلا بِبَيْنٍ غرابُها
وقال الآخر:
1709- بدا ليَ أنِّي لستُ مُدْرِكَ ما مضى ولا سابقٍ شيئاً إذا كان جائِيا
فجُرَّ بتقديرِ الباء، وليس بموضعِ ضرورةٍ، وقد أَفْرَدْتُ لهذه المسألةِ كتاباً " قوله: " وإبقاء الجر " ليس على إطلاقهِ، وإنما يَطَّرد منه مواضعُ نصَّ عليها أهلُ اللسانِ ليس هذا منها، وأمَّا البيتان فالجرُّ فيهما عند النحاة يسمى " العطف على التوهُّم " يعني كأنه توهَّم وجودَ الباء زائدةً في خبر " ليس " لأنها يكثُر زيادتُها، ونَظَّروا ذلك بقوله تعالى:
فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ
[المنافقون: 10] بجزم " أَكُنْ " عطفاً على " فأصَّدَّق " على توهُّم سقوط الفاء من " فأصَّدَّق " نَصَّ عليه سيبويه وغيرُه، فظهرَ فساد هذا التخريج.

وأمَّا قراءةُ الرفع فعلى الابتداء والخبر محذوف أي: وأرجلُكم مغسولةٌ أو ممسوحة على ما تقدم في حكمها. والكلام في قوله: " إلى الكعبين " كالكلام في " إلى المرفقين ". والكعبان فيهما قولان مشهوران، أشهرهما: أنهما العَظْمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، في كل رِجْلٍ كعبان. والثاني: أنه العظم الناتئ في وجه القدم حيث يجتمع شِراك النعل، ومرادُ الآية هو الأول. والكعبة: كلُّ بيتٍ مربع، وسيأتي بيانُه في موضعِه.

قال الرازى فى تفسيره:

المسألة الثامنة والثلاثون: اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما، فنقل الفقال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر: أن الواجب فيهما المسح، وهو مذهب الإمامية من الشيعة. وقال جمهور الفقهاء والمفسرين: فرضهما الغسل، وقال داود الأصفهاني: يجب الجمع بينهما وهو قول الناصر للحق من أئمة الزيدية. وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخير بين المسح والغسل.

حجة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين المشهورتين في قوله وَأَرْجُلَكُمْ فقرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر عنه بالجر، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه بالنصب، فنقول: أما القراءة بالجر فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس، فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الأرجل......

وأما القراءة بالنصب فقالوا أيضاً: إنها توجب المسح، وذلك لأن قوله وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ فرؤوسكم في النصب ولكنها مجرورة بالباء، فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس جاز في الأرجل النصب عطفاً على محل الرؤوس، والجر عطفاً على الظاهر، وهذا مذهب مشهور للنحاة......

وقال القرطبي

الثالثة عشرة قوله تعالى: { وَأَرْجُلَكُمْ } قرآ نافع وابن عامر والكسائي «وَأَرْجُلَكمْ» بالنصب وروى الوليد بن مسلم عن نافع أنه قرأ «وَأَرْجُلُكُمْ» بالرفع وهي قراءة الحسن والأعمش سليمان وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة «وَأَرْجُلِكُم» بالخفض وبحسب هذه القراءات اختلف الصحابة والتابعون فمن قرأ بالنصب جعل العامل «أَغْسِلُوا» وبنى على أن الفرض في الرِّجلين الغَسل دون المسح، وهذا مذهب الجمهور والكافّة من العلماء، وهو الثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، واللازم من قوله في غير ما حديث، وقد رأى قوماً يتوضئون وأعقابهم تلُوح فنادى بأعلى صوته:ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء " ثم إن الله حدَّهما فقال: «إلَى الْكَعْبين» كما قال في اليدين «إلَى المْرَافِق» فدّل على وجوب غسلهما والله أعلم. ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء، قال ابن العربي: ٱتفقت العلماء على وجوب غسلهما، وما علمت من رَدّ ذلك سوى الطَبري من فقهاء المسلمين، والرّافضة من غيرهم، وتعلق الطبري بقراءة الخفض. قلت: قد رُوي عن ابن عباس أنّه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان. وروى أن الحجاج خطب بالأهْوَاز فذكر الوضوء فقال: ٱغسلوا وجوهكم وأيديكم وٱمسحوا برءوسكم وأرجلكم، فإنه ليس شيء من ٱبن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما. فسمع ذلك أنس ابن مالك فقال: صدق الله وكذب الحجاج قال الله تعالى { وَٱمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلكُمْ } قال: وكان إذا مسح رجليه بلّهما، وروى عن أنس أيضاً أنه قال: نزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل. وكان عِكرمة يمسح رجليه وقال: ليس في الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح. وقال عامر الشعبي: نزل جبريل بالمسح ألا ترى أن التيمم يمسح فيه ما كان غسلاً، ويُلغي ما كان مسحاً. وقال قتادة: افترض الله غسلتين ومسحتين. وذهب ابن جرير الطبري إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح، وجعل القراءتين كالروايتين قال النحاسـ ومن أحسن ما قيل فيه أن المسح والغسل واجبان جميعاً فالمسح واجب على قراءة من قرأ بالخفض، والغسل واجب على قراءة من قرأ بالنصب، والقراءتان بمنزلة آيتين. قال ٱبن عطية: وذهب قوم ممن يقرأ بالكسر إلى أن المسح في الرّجلين هو الغسل. قلت: وهو الصحيح فإن لفظ المسح مشترك، يطلق بمعنى المسح ويطلق بمعنى الغسل قال الهروي: أخبرنا الأزهري أخبرنا أبو بكر محمد بن عثمان بن سعيد الدَّاريّ عن أبي حاتم عن أبي زيد الأنصاري قال: المسح في كلام العرب يكون غسلاً ويكون مسحاً، ومنه يقال: للرجل إذا توضأ فغسل أعضاءه: قد تَمسَحّ ويقال: مسح الله ما بك إذا غسلك وطهرك من الذنوب، فإذا ثبت بالنقل عن العرب أن المسح يكون بمعنى الغسل فترجح قول من قال: إن المراد بقراءة الخفض الغَسل بقراءة النصب التي لا احتمال فيها، وبكثرة الأحاديث الثابتة بالغَسل، والتوعّد على ترك غَسلها في أخبار صحاح لا تُحصى كثرة أخرجها الأئمة ثم إن المسح في الرأس إنما دخل بين ما يغسل لبيان الترتيب على أنه مفعول قبل الرّجلين، التقدير فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وأمسحوا برءوسكم فلما كان الرأس مفعولاً قبل الرِّجلين قُدَّم عليهما في التلاوة ـ والله أعلم ـ لا أنهما مشتركان مع الرأس لتقدّمه عليهما في صفة التطهير. وقد روى عاصم بن كليب عن أبي عبد الرحمن السّلمي قال: قرأ الحسن والحسين ـ رحمة الله عليهما ـ عَلَيَّ «وَأَرْجُلِكُمْ» فسمع عليٌّ ذلك وكان يقضي بين الناس فقال: { وَأَرْجُلَكُمْ } هذا من المقدّم والمؤخر من الكلام.

وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه قال: ٱغسلوا الأقدام إلى الكعبين. وكذا روى عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قرأ «وَأَرْجُلَكُمْ» بالنصب. وقد قيل: إن الخفض في الرجلين إنما جاء مقيّداً لمسحهما لكن إذا كان عليهما خُفَّان، وتلقينا هذا القيد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذْ لم يصح عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خُفّان، فبيّن صلى الله عليه وسلم بفعله الحال التي تُغسل فيه الرِّجل والحال التي تمسح فيه، وهذا حسن. فإن قيل: إنّ المسح على الخفين منسوخ بسورة «المائدة» ـ وقد قاله ابن عباس، وردّ المسح أبو هريرة وعائشة، وأنكره مالك في رواية عنه ـ فالجواب أن من نفى شيئاً وأثبته غيره فلا حجة للنافي، وقد أثبت المسح على الخُفّين عدد كثير من الصحابة وغيرهم، وقد قال الحسن: حدّثني سبعون رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم مسحوا على الخفين وقد ثبت بالنقل الصحيح عن همام قال: بَالَ جَريرٌ ثم توضأ ومسح على خُفيه. قال إبراهيم النخعيّ: وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خُفَّيه.قال إبراهيم النخعي: كان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول «المائدة» وهذا نص يردّ ما ذكروه وما ٱحتجوا به من رواية الواقدي عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه أن جريراً أسلم في ستة عشر من شهر رمضان، وأن «المائدة» نزلت في ذي الحجة يوم عرفات، وهذا حديث لا يثبت لوهاه وإنما نزل منها يوم عرفة { ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } على ما تقدّم قال أحمد بن حنبل: أنا أستحسن حديث جَرير في المسح على الخفين لأن إسلامه كان بعد نزول «المائدة» وأما ما روي عن أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما فلا يصح، أما عائشة فلم يكن عندها بذلك عِلْم ولذلك رَدَّت السائل إلى علي رضي الله عنه وأحالته عليه فقالت: سَلْه فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديثَ. وأمّا مالك فما روي عنه من الإنكار فهو مُنْكر لا يصح، والصحيح ما قاله عند موته لابن نافع قال: إني كنت آخذ في خاصة نفسي بالطهور ولا أرى من مسح مُقَصّراً فيما يجب عليه. وعلى هذا حمل أحمد بن حنبل ما رواه ابن وهب عنه أنه قال: لا أمسح في حضر ولا سفر. قال أحمد: كما روى عن ٱبن عمر أنه أمرهم أن يمسحوا خفافهم وخلع هو وتوضأ وقال: حُبِّب إلي الوضوء ونحوه عن أبي أيوب. وقال أحمد رضي الله عنه: فمن ترك ذلك على نحو ما تركه ابن عمر وأبو أيوب ومالك لم أنكره عليه، وصلينا خلفه ولم نعبه، إلا أن يترك ذلك ولا يراه كما صنع أهل البدع، فلا يُصلَّى خلفه.

والله أعلم وقد قيل: إن قوله «وَأَرْجُلكُمْ» معطوف على اللفظ دون المعنى. وهذا أيضاً يدل على الغسل فإنّ المراعى المعنى لا اللفظ، وإنما خفض للجوار كما تفعل العرب وقد جاء هذا في القرآن وغيره قال الله تعالى:{ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ } [الرحمن: 35] بالجرّ لأن النحاس الدخان. وقال:{ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } [البروج: 21-22] بالجرّ. قال ٱمرؤ القيس:
كبيرُ أُناسٍ في بِجَادٍ مُزَمَّل
فخفض مزمّل بالجوار، وأن المزمّل الرجل وإعرابه الرّفع قال زهير:
لَعِب الزمان بها وغَيَّرها بعدي سَوَافي المُورِ والقَطْرِ
قال أبو حاتم: كان الوجه القطر بالرّفع ولكنه جره على جوار المور كما قالت العرب: هذا حجر ضَبٍّ خَربٍ فجرّوه وإنما هو رفع. وهذا مذهب الأخفش وأبي عبيدة وردّه النحاس وقال: وهذا القول غلط عظيم لأنّ الجوار لا يكون في الكلام أن يقاس عليه، وإنما هو غلط ونظيره الإقواء. قلت: والقاطع في الباب من أن فرض الرِّجلين الغَسل ما قدّمناه، وما ثبت من قوله عليه الصلاة والسلام: " ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار " فخوّفنا بذكر النار على مخالفة مراد الله عز وجل، ومعلوم أن النار لا يُعذَّب بها إلا من ترك الواجب، ومعلوم أن المسح ليس شأنه الآستيعاب ولا خلاف بين القائلين بالمسح على الرجلين أنّ ذلك على ظهورهما لا على بطونهما، فتبيّن بهذا الحديث بطلان قول من قال بالمسح، إذ لا مدخل لمسح بطونهما عندهم، وإنما ذلك يُدرك بالغَسل لا بالمسح. ودليل آخر من جهة الإجماع وذلك أنهم ٱتفقوا على أن من غسل قدميه فقد أدّى الواجب عليه، وٱختلفوا فيمن مسح قدميه فاليقين ما أجمعوا عليه دون ما ٱختلفوا فيه. ونقل الجمهور كافّة عن كافّة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه كان يغسل رجليه في وضوئه مرة وٱثنتين وثلاثاً حتى يُنقيهما وحسبك بهذا حجة في الغَسل مع ما بيّناه فقد وَضَح وظهر أن قراءة الخفض المعني فيها الغسل لا المسح كما ذكرنا، وأن العامل في قوله «وَأَرْجُلَكُمْ» قوله: { فٱغْسِلُواْ } والعرب قد تعطف الشيء على الشيء بفعل ينفرد به أحدهما تقول: أكلت الخبز واللبن أي وشربت اللبن ومنه قول الشاعر:
عَلفتُها تِبْناً ومَاءً بارداً
وقال آخر:
ورأيتُ زوجِك في الوغى مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحا
وقال آخر:
......... وأَطْفَلَتْ بِالَجْلَهَتَيْن ظِباؤُها ونَعامُها
وقال آخر:
شَـرَّابُ ألْبـانٍ وتمـرٍ وإقِـط
التقدير: علفتها تِبناً وسَقيتُها ماء. ومتقلِّداً سيفاً وحامِلاً رُمْحاً. وأطْفَلَتْ بالجَلهَتَيْنِ ظباؤها وفرخت نعامها والنعام لا يُطفِل إنما يُفرِخ. وأطفلت كان لها أطفال، والجَلْهَتَانِ جنبتا الوادي. وشَرَّابُ ألبانٍ وآكلُ تمر فيكون قوله: «وَامْسَحُوا بِرُءُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ» عطف بالغَسل على المسح حَمْلاً على المعنى والمراد الغَسل والله أعلم....

اسامة محمد خيري
05-08-2019, 17:09
الجوهرة الرابعة والعشرون

قال ابن الجوزى

قوله تعالى: { وأنه تعالى جَدُّ رَبِّنا } اختلف القراء في اثنتي عشرة همزة في هذه السورة، وهي: «وأنه تعالى»،«وأنه كان يقول»، «وأنا ظننا»، «وأنه كان رجال»، «وأنهم ظنوا»، «وأنا لمسنا»، «وأنا كنا»، «وأنا لا ندري»، «وأنا منا»، «وأنا ظننا أن لن نعجز الله»، «وأنا لما سمعنا»، «وأنا منا»، ففتح الهمزة في هذه المواضع ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم، ووافقهم أبو جعفر في ثلاثة مواضع «وأنه تعالى»،«وأنه كان يقول»، «وأنه كان رجال»،وكسر الباقيات. وقرأ الباقون بكسرهن. وقال الزجاج: والذي يختاره النحويون في هذه السورة أن ما كان من الوحي قيل فيه «أن» بالفتح، وما كان من قول الجن قيل «إن» بالكسر. معطوف على قوله تعالى: { إنا سمعنا قرآناً عجباً } وعلى هذا يكون المعنى: وقالوا: إنه تعالى جَدُّ ربنا، وقالوا: إنه كان يقول سفيهنا. فأما من فتح، فذكر بعض النحويين: يعني الفراء، أنه معطوف على الهاء في قوله تعالى: { فآمنا به } وبأنه تعالى جَدُّ رَبِّنا. وكذلك ما بعد هذا. وهذا رديء في القياس، لا يعطف على الهاء المتمكّنة المخفوضة إلا بإظهار الخافض. ولكن وجهه أن يكون محمولاً على معنى أمنَّا به، فيكون المعنى: وصدَّقْنا أنه تعالى جَدُّ رَبِّنا.

وقال القرطبي

قوله تعالى: { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا } كان عَلْقمة ويحيـى والأعمش وحمزة والكسائيّ وابن عامر وخَلَف وحفص والسّلمي ينصبون «أَنَّ» في جميع السورة في اثني عشر موضعاً، وهو: { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا } ، { وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ } ، { وَأَنَّا ظَنَنَّآ } ، { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ } ، { وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ } ، { وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ } ، { وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ } ، { وَأَنَّا لاَ نَدْرِي } ، { وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ } ، { وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ } ، { وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى } ، { وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ } ، عطفاً على قوله: { أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ } ، { وَأَنَّهُ اسْتَمَعَ } لا يجوز فيه إلا الفتح؛ لأنها في موضع اسم فاعل «أُوحِيَ» فما بعده عليه. وقيل: هو محمول على الهاء في «آمَنَّا بِهِ» أي وبـ«ـأَنَّه تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا» وجاز ذلك وهو مضمر مجرور لكثرة حرف الجار مع «أنّ». وقيل: المعنى أي وصدّقنا أنه جدّ ربنا. وقرأ الباقون كلَّها بالكسر وهو الصواب، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم عطفاً على قوله: { فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا } لأنه كله من كلام الجنّ. وأما أبو جعفر وشيبة فإنهما فتحا ثلاثة مواضع؛ وهي قوله تعالى: { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا } ، { وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ } ، { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ } ، قالا: لأنه من الوحي، وكسرا ما بقي؛ لأنه من كلام الجنّ. وأما قوله تعالى: { وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ } فكلهم فتحوا إلا نافعاً وشيبة وزرَّ بن حُبيش وأبا بكر والمفضّل عن عاصم، فإنهم كسروا لا غير. ولا خلاف في فتح همزة { أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ } ، { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُواْ } { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ } ، { وَأَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ }. وكذلك لا خلاق في كسرها ما بعد القول؛ نحو قوله تعالى: «فقالوا إنا سمعنا» و { قَالَ إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّي } و { قُلْ إنْ أدْرِي }

{ قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ } [الجن: 21] وكذلك لا خلاف في كسر ما كان بعد فاء الجزاء؛ نحو قوله تعالى:{ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } [الجن: 23] و«فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ» لأنه موضع ابتداء...

قال السمين

قوله: { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا }: قرأ الأخَوان وابن عامر وحفص بفتح " أنَّ " وما عُطِف عليها بالواو في اثنتي عشرة كلمةً، والباقون بالكسرة. وقرأ ابنُ عامر وأبو بكرٍ " وإنه لَمَّا قام " بالكسرة، والباقون بالفتح، واتفقوا على الفتحِ في قوله: { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ } وتلخيص هذا: أن " أنَّ " المشددةَ في هذه السورةِ على ثلاثةِ أقسامٍ: قسمٍ ليس معه واوُ العطفِ، فهذا لا خلاف بين القُرَّاءِ في فتحِه أو كسرِه. على حسبِ ما جاءَتْ به التلاوةُ واقْتَضَتْه العربيةُ، كقولِه: { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ } لا خلافَ في فتحِه لوقوعِه موقعَ المصدرِ وكقوله:{ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً } [الجن: 1] لا خلافَ في كسرِه لأنه محكيٌّ بالقول.

القسم الثاني أَن يقترنَ بالواوِ، وهو أربعَ عشرةَ كلمةً، إحداها: لا خلاف في فتحِها وهي: قولُه تعالى:{ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ } [الجن: 18] ـ وهذا هو القسم الثالث ـ والثانية:{ وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ } [الجن: 19] كَسَرَها ابنُ عامرٍ وأبو بكر، وفتحها الباقون. والاثنتا عشرةَ الباقيةُ: فَتَحها الأخوان وابن عامرٍ وحفص، وكسرها الباقون، كما تقدَّم تحريرُ ذلك كلِّه. والاثنتا عشرةَ هي قولُه: { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا } ،{ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ } [الجن: 4]{ وَأَنَّا ظَنَنَّآ } [الجن: 5]{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ } [الجن: 6]{ وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ } [الجن: 7]{ وَأَنَّا لَمَسْنَا } [الجن: 8]{ وَأَنَّا كُنَّا } [الجن: 9]{ وَأَنَّا لاَ نَدْرِي } [الجن: 10]{ وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ } [الجن: 11]{ وَأَنَّا ظَنَنَّآ } [الجن: 12]{ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا } [الجن: 13]{ وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ } [الجن: 14]. وإذا عَرَفْتَ ضَبْطَها من حيث القراءاتُ فالتفِتْ إلى توجيهِ ذلك.

وقد اختلف الناسُ/ في ذلك فقال أبو حاتم في الفتح: " هو معطوفٌ على مرفوعِ " أُوْحِيَ " فتكونُ كلُّها في موضعِ رفعٍ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه ". وهذا الذي قاله قد رَدَّه الناسُ عليه: مِنْ حيث إنَّ أَكثرَها لا يَصِحُّ دخولُه تحت معمولِ " أُوْحِي " ألا ترى أنه لو قيل: أوُحي إليِّ أنَّا لَمَسْنا السماءَ، وأنَّا كُنَّا، وأنَّا لا نَدْري، وأنَّا منَّا الصالحون، وأنَّا لمَّا سَمِعْنا، وأنَّا مِنَّا المسلمون لم يَسْتَقِمْ معناه. وقال مكي: " وعَطْفُ " أنَّ " على{ آمَنَّا بِهِ } [الجن: 2] أتَمُّ في المعنى مِنْ العطفِ على " أنَّه استمعَ " لأنك لو عَطَفْتَ{ وَأَنَّا ظَنَنَّآ } [الجن: 5]{ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا } [الجن: 13]{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ } [الجن: 6]{ وَأَنَّا لَمَسْنَا } [الجن: 8]، وشِبْهَ ذلك على{ أَنَّهُ اسْتَمَعَ } [الجن: 1] لم يَجُزْ؛ لأنه ليس مِمَّا أُوْحِي، إليه، إنما هو أمرٌ أو خبر، وأنه عن أنفسهم، والكسرُ في هذا أَبْينُ، وعليه جماعة مِنْ القُراءِ.

الثاني: أنَّ الفتحَ في ذلك عَطْفٌ على مَحَلِّ " به " مِنْ " آمَنَّا به ". قال الزمخشري: " كأنه قال: صَدَّقْناه وصَدَّقْناه أنه تعالى جَدُّ رَبَّنا، وأنَّه كان يقولُ سفيهُنا، وكذلك البواقي " ، إلاَّ أنَّ مكيَّاً ضَعَّفَ هذا الوجهَ فقال: والفتحُ في ذلك على الحَمْلِ على معنى " آمَنَّا به " وفيه بُعْدٌ في المعنى؛ لأنهم لم يُخْبِروا أنهم آمنوا بأنَّهم لَمَّا سَمِعوا الهدى آمنوا به، ولم يُخْبِروا أنهم آمنوا أنه كان رجالٌ، إنما حكى اللَّهُ عنهم أنهم قالوا ذلك مُخْبِرين به عن أنفسِهم لأصحابِهم، فالكسرُ أَوْلى بذلك " وهذا الذي قاله غيرُ لازمٍ؛ فإنَّ المعنى على ذلك صحيحٌ.

وقد سَبَق الزمخشريَّ إلى هذا التخريجِ الفَرَّاءُ والزجَّاجُ. إلاَّ أنَّ الفَرَّاء استشعر إشكالاً وانفصل عنه، فإنه قال: " فُتِحَتْ " أنَّ " لوقوع الإِيمانِ عليها، وأنت تجدُ الإِيمانَ يَحْسُنُ في بعضِ ما فُتحَ دونَ بعضٍ، فلا يُمْنَعُ من إمضائِهنَّ على الفتح، فإنه يَحْسُنُ فيه ما يُوْجِبُ فَتْحَ " أنَّ " نحو: صَدَقْنا وشَهِدْنا، كما قالت العربُ:
4347ـ....................... وزَجَّجْنَ الحواجبَ والعُيونا
فنصَبَ " العيونَ " لإِتباعِها الحواجبَ، وهي لا تُزَجَّجُ. إنما تُكَحَّلُ، فأضمر لها الكُحْلَ " انتهى. فأشار إلى شيءٍ مِمَّا ذكرَه مكيٌّ وأجاب عنه. وقال الزجَّاج: " لكنَّ وجهَه أَنْ يكونَ محمولاً على معنى " آمنَّا به "؛ لأنَّ معنى " آمَنَّا به " صَدَّقْناه وعَلِمْناه، فيكون المعنى: صَدَّقْنا أنه تعالى جَدُّ ربِّنا ".

الثالث: أنه معطوفٌ على الهاء به " به " ، أي: آمنَّا به وبأنه تعالى جَدُّ ربِّنا، وبأنه كان يقولُ، إلى آخره، وهو مذهب الكوفيين. وهو وإن كان قوياً من حيث المعنى إلاَّ أنَّه ممنوعٌ مِنْ حيث الصناعةُ، لِما عَرَفْتَ مِنْ أنَّه لا يُعْطَفُ على الضميرِ المجرورِ إلاَّ بإعادةِ الجارِّ. وقد تقدَّم تحقيقُ هذَيْن القولَيْن مستوفىً في سورةِ البقرة عند قولِه:{ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } [البقرة: 217] على أنَّ مكِّيَّاً قد قَوَّى هذا لمَدْرَكٍ آخرَ وهو حَسَنٌ جداً، قال رحمه الله: " وهو ـ يعني العطفَ على الضميرِ المجرورِ دونَ إعادةِ الجارِّ ـ في " أنَّ " أجوَدُ منه في غيرها، لكثرةِ حَذْفِ حرفِ الجرِّ مع " أنَّ ".

ووجهُ الكسرِ العطفُ على قوله:{ إِنَّا سَمِعْنَا } [الجن: 1] فيكون الجميعُ معمولاً للقولِ، أي: فقالوا: إنَّا سَمِعْنا، وقالوا: إنَّه تعالى جَدُّ ربِّنا إلى آخرِه. وقال بعضُهم: الجملتان مِنْ قولِه تعالى:{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ } [الجن: 6]{ وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ } [الجن: 7] معترضتان بين قولِ الجنِّ، وهما مِنْ كلامِ الباري تعالى، والظاهرُ أنَّهما مِنْ كلامِهم، قاله بعضُهم لبعضٍ. ووجهُ الكسرِ والفتحِ في قولِه:{ وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ } [الجن: 19] ما تقدَّم. ووَجْهُ إجماعِهم على فتح{ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ } [الجن: 18] وجهان، أحدُهما: أنَّه معطوفٌ على{ أَنَّهُ اسْتَمَعَ } [الجن: 1] فيكونُ مُوْحى أيضاً. والثاني: أنه على حَذْفِ حرفِ الجرِّ، وذلك الحرفُ متعلِّقٌ بفعل النهي، أي: فلا تَدْعوا مع اللَّهِ أحداً؛ لأنَّ المساجدَ للَّهِ، ذكرهما أبو البقاء.

قال الزمخشري: " أنه استمع " بالفتح؛ لأنَّه فاعلُ " أُوْحي " و

إِنَّا سَمِعْنَا } [الجن: 1] بالكسرِ؛ لأنَّه مبتدأٌ مَحْكِيٌّ بعد القولِ، ثم تحملُ عليهما البواقي، فما كان مِنَ الوحي فُتِحَ، وما كان مِنْ قَوْل الجِنِّ كُسِرَ، وكلُّهُنَّ مِنْ قولِهم إلاَّ/ الثِّنْتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ وهما:{ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ } [الجن: 18]{ وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ } [الجن: 19]. ومَنْ فتح كلَّهن فعَطْفاً على مَحَلِّ الجارِّ والمجرور في{ آمَنَّا بِهِ } [الجن: 2]، أي: صَدَّقْناه، وصَدَّقْنا أنه ".....

وقال ابو حيان

وقرأ الحرميان والأبوان: بفتح الهمزة من قوله: { وأنه تعالى } وما بعده، وهي اثنتا عشرة آية آخرها { وأنا منا المسلمون }؛ وباقي السبعة: بالكسر. فأما الكسر فواضح لأنها معطوفات على قوله: { إنا سمعنا } ، فهي داخلة في معمول القول. وأما الفتح، فقال أبو حاتم: هو على { أوحى } ، فهو كله في موضع رفع على ما لم يسم فاعله. انتهى. وهذا لا يصح، لأن من المعطوفات ما لا يصح دخوله تحت { أوحى } ، وهو كل ما كان فيه ضمير المتكلم، كقوله: { وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع }. ألا ترى أنه لا يلائم { أوحى إليّ } ، { إنا كنا نقعد منها مقاعد } ، وكذلك باقيها؟ وخرجت قراءة الفتح على أن تلك كلها معطوفة على الضمير المجرور في به من قوله: { فآمنا به }: أي وبأنه، وكذلك باقيها، وهذا جائز على مذهب الكوفيين، وهو الصحيح. وقد تقدم احتجاجنا على صحة ذلك في قوله:{ وكفر به والمسجد الحرام } [البقرة: 217] وقال مكي: هو أجود في أن منه في غيرها لكثرة حذف حرف الجر مع أن. وقال الزجاج: وجهه أن يكون محمولاً على آمنا به، لأنه معناه: صدقناه وعلمناه، فيكون المعنى: فآمنا به أنه تعالى جد ربنا؛ وسبقه إلى نحوه الفراء قال: فتحت أن لوقوع الإيمان عليها، وأنت تجد الإيمان يحسن في بعض ما فتح دون بعض، فلا يمنعك ذلك من إمضائهن على الفتح، فإنه يحسن فيه ما يوجب فتح أن نحو: صدقنا وشهدنا.

وأشار الفراء إلى أن بعض ما فتح لا يناسب تسليط آمنا عليه، نحو قوله: { وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً } ، وتبعهما الزمخشري فقال: ومن فتح كلهن فعطفاً على محل الجار والمجرور في آمنا به، كأنه قيل: صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا، وأنه كان يقول سفيهنا، وكذلك البواقي. انتهى. ولم يتفطن لما تفطن له الفراء من أن بعضها لا يحسن أن يعمل فيه آمنا.

وقال ابن عطية

ومن فتح الألف من قوله " وأنه تعالى " اختلفوا في تأويل ذلك، فقال بعضهم هي عطف على { إنه استمع } ، فيجيء على هذا قوله { تعالى } مما أمر أن يقول إنه أوحي إليه وليس يكون من كلام الجن، وفي هذا قلق.

وقال بعضهم بل هي عطف على الضمير في { به } فكأنه يقول فآمنا به وبأنه تعالى. وهذا القول ليس في المعنى، لكن فيه من جهة النحو العطف على الضمير المخفوض دون إعادة الخافض وذلك لا يحسن.....

وقال القرطبي

وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ } فمن فتح وجعله من قول الجنّ ردّها إلى قوله: «أَنَّهُ اسْتَمَعَ»، ومن كسر جعلها مبتدأ من قول الله تعالى

وقال ابن عطية

وقوله { وأنهم ظنوا كما ظننتم } يريد به بني آدم الكفار. وقوله { كما ظننتم } ، مخاطبة لقومهم من الجن. وقولهم { أن لن يبعث الله أحداً } ، يحتمل معنيين أحدهما: بعث الحشر من القبور والآخر بعث آدمي رسولاً. و { أن } في قوله { أن لن } مخففة من " أن " الثقيلة وهي تسد مسد المفعولين. وذكر المهدوي تأويلاً أن المعنى وأن الجن ظنوا كما ظننتم أيها الإنس فهي مخاطبة من الله تعالى....

وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً

قال الالوسى فى تفسيره:


وَأَنَّهُ بفتح الهمزة عند الجمهور على أنه عطف على
أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ
[الجن: 1] كالذي قبله فهو من كلامه تعالى أي وأوحي إليَّ أن الشأن لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ

وقال الرازى فى تفسيره:

اعلم أن عبدالله هو النبي في قول الجميع، ثم قال الواحدي: إن هذا من كلام الجن لا من جملة الموحى، لأن الرسول لا يليق أن يحكي عن نفسه بلفظ المغايبة وهذا غير بعيد، كما في قوله:
يَوْمٍ يُحْشَرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً
[مريم:85] والأكثرون على أنه من جملة الموحى، إذ لو كان من كلام الجن لكان ما ليس من كلام الجن. وفي خلل ما هو كلام الجن مختلاً بعيداً عن سلامة النظم وفائدة هذا الاختلاف أن من جعله من جملة الموحى فتح الهمزة في أن، ومن جعله من كلام الجن كسرها،

وقال الامام ابن عاشور فى التحريروالتنوير:


قرأ نافع وحده وأبو بكر عن عاصم بكسر الهمزة. وقرأه بقية العشرة في رواياتهم المشهورة بالفتح.

ومآل القراءتين سواء في كون هذا خارجاً عما صدر عن الجن وفي كونه مما أوحى الله به.

فكَسْر الهمزة على عطف الجملة على جملة
أُوحي إليَّ
[الجن: 1]، والتقدير: وقل إِنه لما قام عبد الله يدعوه لأن همزة (إِنَّ) إذا وقعت في محكي بالقول تكسر، ولا يليق أن يجعل من حكاية مقالة الجن لأن ذلك قد انقضى وتباعد ونُقَل الكلام إلى أغراض أخرى ابتداء من قوله:
وأن المساجد لله
[الجن: 18].

وأما الفتح فعلى اعتباره معطوفاً على جملة أنه استمع نفر [الجن: 1]، أيْ وأوحي إلي أنه لما قام عبد الله، أي أوحى الله إليَّ اقتراب المشركين من أن يكونوا لُبَداً على عبد الله لما قام يدعو ربَّه

وقال ابن عطية

وقوله عز وجل: { وأنه لما قام عبد الله } يحتمل أن يكون خطاباً من الله تعالى، ويحتمل أن يكون إخباراً عن الجن، وقرأ بعض القراء على ما تقدم " وأنه " بفتح الألف، وهذا عطف على قوله{ أنه استمع } [الجن: 1]، والعبد على هذه القراءة قال قوم: هو نوح، والضمير في { كادوا } لكفار قومه، وقال آخرون، هو محمد، والضمير في { كادوا } للجن. المعنى أنهم { كادوا } يتقصفون عليه لاستماع القرآن، وقرأ آخرون منهم " وإنه لما قام " بكسر الألف، والعبد محمد عليه السلام، والضمير في { كادوا } يحتمل أن يكون للجن على المعنى الذي ذكرناه، ويحتمل أن يكون لكفار قومه وللعرب في اجتماعهم على رد أمره، ولا يتجه أن يكون العبد نوحاً إلا على تحامل في تأويل نسق الآية، وقال ابن جبير: معنى الآية، إنما قول الجن لقومهم يحكون، والعبد محمد صلى الله عليه وسلم.

والضمير في { كادوا } لأصحابه الذين يطوعون له ويقتدون به في الصلاة، فهم عليه لبد. واللبد الجماعات

اسامة محمد خيري
05-08-2019, 17:10
الجوهرة الخامسة والعشرون

وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ

قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

....قال الزمخشري: " فإن قلت: كيفَ اتَّصل به قولُه: " فَنَذَرُ الذين لا يَرْجُون لقاءَنا وما معناه؟ قلت: قولُه: " ولو يُعَجِّل " متضمِّنٌ معنى نفي التعجيل كأنه قيل: ولا نُعَجِّل لهم بالشرِّ ولا نَقْضي إليهم أجلَهم ".....


قوله: فَنَذَرُ فيه ثلاثةُ أوجهٍ،

أحدها: أنه معطوفٌ على قوله وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ على معنىٰ أنه في قوة النفي، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في سؤال الزمخشري وجوابِه فيه. إلا أن أبا البقاء ردَّ عطفه على " يُعَجِّل " فقال: " ولا يجوزُ أن يكونَ معطوفاً على " يُعَجِّل " إذ لو كان كذلك لدَخَلَ في الامتناع الذي تقتضيه " لو " وليس كذلك، لأنَّ التعجيلَ لم يقع، وتَرْكَهم في طغيانهم وقع ". قلت: إنما يَتمُّ هذا الردُّ لو كان معطوفاً على " يُعَجِّل " فقط باقياً على معناه، وقد تقدَّم أن الكلامَ صار في قوةِ لا نعجِّل لهم الشرَّ فَنَذَرُهم فيكون " فَنَذَرُهم " معطوفاً على جملة النفي لا على الفعلِ الممتنع وحدَه حتى يلزمَ ما قال.
والثاني: أنه معطوفٌ على جملةٍ مقدرة: " ولكن نُمْهِلُهم فَنَذَرُ " قاله أبو البقاء.

والثالث: أن تكون جملةً مستأنفةً، أي: فنحن نَذَرُ الذين. قاله الحوفي

اسامة محمد خيري
10-08-2019, 14:08
الجوهرة السادسة والعشرون

{ قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَا فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ }

قال السمين:

قوله: { وَٱلَّذِي فَطَرَنَا }: فيه وجهان، أحدهما: أن الواوَ عاطفةٌ، عَطَفَتْ هذا الموصولَ على " ما جاءنا " أي: لن نؤثرَك على الذي جاءنا، ولا على الذي فطرنا. وإنما أخَّروا ذِكْرَ البارِيْ تعالى لأنه من باب الترقِّي من الأدنى إلى الأعلى. والثاني: أنها واوُ قسمٍ، والموصولُ مقسمٌ به. وجوابُ القسمِ محذوفٌ أي: وحَقِّ الذي فطرنا لا نؤثرك على الحق. ولا يجوز أن يكونَ الجوابُ " لن نُؤْثرك " عند مَنْ يَجَوِّزُ تقديمَ الجواب؛ لأنه لا يُجاب القسمُ بـ " لن " إلاَّ في شذوذٍ من الكلام

اسامة محمد خيري
10-08-2019, 14:10
الجوهرة السابعة والعشرون

{ وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَٱلْعَاكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ }

قال السمين الحلبى فى الدر المصون:



قوله: وَٱتَّخِذُواْ قرأ نافعٌ وابنُ عامر: " واتَّخذوا " فعلاً ماضياً على لفظ الخبر، والباقون على لفظِ الأمرِ.


فأمَّا قراءةُ الخبرِ ففيها ثلاثةُ أوجهٍ:

أحدُها: أنه معطوفٌ على " جَعَلْنا " المخفوض بـ " إذ " تقديراً فيكون الكلامُ جملةً واحدةً.

الثاني: أنه معطوفٌ على مجموعِ قولِه: " وإذ جَعَلْنا " فيحتاجُ إلى تقديرِ " إذ " أي: وإذ اتخذوا، ويكون الكلامُ جملتين.

الثالث: ذكره أبو البقاء أن يكونَ معطوفاً على محذوفٍ تقديرُه: فثابوا واتخذوا.

وأمَّا قراءةُ الأمرِ ففيها أربعةُ أوجهٍ،

أحدُها: أنَّها عَطفٌ على " اذكروا " إذا قيل بأنَّ الخطابَ هنا لبني إسرائيل، أي: اذكروا نعمتي واتخذوا.

والثاني: أنها عطفٌ على الأمر الذي تَضَمَّنه قولُه: " مثابةً " كأنه قال: ثُوبوا واتَّخِذوا، ذكرَ هذين الوجهين المهدوي

الثالث: أنه معمولٌ لقولٍ محذوفٍ أي: وقُلْنا اتَّخِذوا إن قيل بأنَّ الخطابَ لإِبراهيمَ وذرّيَّتِه أو لمحمدٍ وأمَّتِه.

الرابع: أن يكونَ مستأنفاً ذكرَه أبو البقاء

وقال الرازى فى تفسيره:

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم والكسائي: وَٱتَّخَذُواْ بكسر الخاء على صيغة الأمر،

وقرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على صيغة الخبر.

أما القراءة الأولى: فقوله: وَٱتَّخَذُواْ عطف على ماذا،

وفيه أقوال، الأول: أنه عطف على قوله:
ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِى ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ
[البقرة: 122]، واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى .

الثاني: إنه عطف على قوله:
إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا
[البقرة: 124] والمعنى أنه لما ابتلاه بكلمات وأتمهن، قال له جزاء لما فعله من ذلك: إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا وقال: وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ مُصَلًّى ويجوز أن يكون أمر بهذا ولده، إلا أنه تعالى أضمر قوله وقال، ونظيره قوله تعالى:
وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ
[الأعراف: 171].

الثالث: أن هذا أمر من الله تعالى لأمة محمد أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وهو كلام اعترض في خلال ذكر قصة إبراهيم ، وكأن وجهه: وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْناً وَٱتَّخِذُواْ أنتم من مقام إبراهيم مصلى والتقدير أنا لما شرفناه ووصفناه بكونه مثابة للناس وأمناً فاتخذوه أنتم قبلة لأنفسكم، والواو والفاء قد يذكر كل واحد منهما في هذا الوضع وإن كانت الفاء أوضح،

أما من قرأ: وَٱتَّخَذُواْ بالفتح فهو إخبار عن ولد إبراهيم أنهم اتخذوا من مقامه مصلى، فيكون هذا عطفاً على: جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ واتخذوه مصلى، ويجوز أن يكون عطفاً على: وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ وإذ اتخذوه مصلى.

اسامة محمد خيري
10-08-2019, 14:13
الجوهرة الثامنة والعشرون

لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ

قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

قوله تعالى: أَوْ يَتُوبَ : في نصبِه أوجهٌ،

أحدها: أنه معطوفٌ على الأفعالِ المنصوبةِ قبلَه تقديرُه: ليقطعَ أو يكبِتَهم أو يتوبَ عليهم أو يعذِّبَهم، وعلى هذا فيكونُ قولُه " ليس لك من الأمرِ شيءٌ " جملةً اعتراضيةً بين المتعاطِفَيْنِ، والمعنى: أنَّ الله تعالى هو المالِكُ لأمرهم، فإنْ شاء قطع طرفاً منهم أو هزمهم، أو يتوبَ عليهم إن أسلموا ورَجعوا، أو يعذبهم إن تمادَوا على كفرهم، وإلى هذا التخريجِ ذهب جماعة من النحاة كالفراء والزجاج.


والثاني: أن " أو " هنا بمعنى " إلاَّ أَنْ " كقولِهم: " لألزَمَنَّك أو تقضِيَني حقي " أي: إلاَّ أَنْ تقضيني.


الثالث: [أنّ] " أو " بمعنى " حتى " أي: ليس لك من الأمر شيء حتى يتوبَ. وعلى هذين القولين فالكلامُ متصلٌ بقولِه: " ليس لك من الأمر شيء " والمعنى:/ ليس لك من الأمر شيء إلاَّ أَنْ يتوب عليهم بالإِسلامِ فيحصُل لك سرورٌ بهدايتِهم إليه أو يعذبهم بقتلٍ أو نارٍ في الآخرةِ. فيتَشَفَّى بهم. ومِمَّنْ ذهب إلى ذلك الفراء وأبو بكر ابن الأنباري. قال الفراء: " ومثلُ هذا الكلامِ: " لأُذَمَّنَّك أو تعطيَني " على معنى: إلا أَنْ تعطيَني، وحتى تعطيني. وأنشد ابن الأنباري في ذلك قول امرىء القيس:
1425ـ فقلتُ له لاَ تبْكِ عينُك إنَّما تحاولُ مُلْكَاً أو تموتَ فَتُعْذَرا
أراد: حتى تموتَ، أو: إلاَّ أن تموتَ " قلت: وفي تقديره بيتَ امرىء القيس بـ " حتى " نظرٌ، إذ ليس المعنى عليه؛ لأنه لم يفعلْ ذلك لأجلِ هذه الغايةِ والنحويون لم يقدِّروه إلا بمعنى " إلاَّ ".

الرابع: أنه منصوبٌ بإضمار " أَنْ " عطفاً على قوله: " الأمر " كأنه قيل: " ليس لك من الأمرِ أو من تَوْبته عليهم أو تعذيبِهم شيءٌ " ، فلمَّا كان في تأويلِ الاسم عُطفِ على الاسمِ قبلَه فهو من باب قولِه:
1426ـ ولولا رجالٌ من رِزامٍ أعِزَّةً وآلُ سُبَيْعٍ أو أَسُوْءَكَ علقما
وقولها:
1427ـ لَلُبْسُ عباءةٍ وتقرَّ عيني أَحَبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفوف

الخامس: أنه معطوفٌ بالتأويلِ المذكور على " شيء " والتقدير: ليس لك من الأمرِ من شيءٌ أو توبةُ اللهِ عليهم أو تعذيبُهم أي: ليس لك أيضاً توبتُهم ولا تعذيبُهم، إنما ذلك راجعٌ إلى الله تعالى.

الجوهرة التاسعة والعشرون

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ

قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

قوله: وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ في هذه الواو ثلاثةُ أوجهٍ،

أحدُها: أنَّها واوُ الحالِ، وما بعدها في محلِّ نصب على الحالِ، والعاملُ فيها " يَغْشىٰ " ,

والثاني: أنها واوُ الاستئنافِ، وهي التي عَبَّر عنها مكي بواوِ الابتداءِ،

والثالث: أنها بمعنى " إذ " ذكره مكي وأبو البقاء وهو ضعيفٌ

ملحوظة

اعلم اخى الحبيب ان الواو لا تجوز ان تكون عطف لان الطائفة الاخرى لم ينزل الله عليها النعاس

اسامة محمد خيري
10-08-2019, 14:21
الجوهرة الثلاثون

وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ

قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

قوله: ونُقَلِّب في هذه الجملة وجهان،

أحدهما ـ ولم يقل الزمخشري غيره ـ أنها وما عطف عليها من قوله " وَيذَرُهم " عطف على " يُؤْمنون " داخلٌ في حكم وما يُشْعركم، بمعنى: وما يشعركم أنهم لا يؤمنون، وما يُشْعركم أنَّا نقلِّب أفئدتَهم وأبصارَهم، وما يُشْعركم أنَّا نَذَرَهم " وهذا يساعده ما جاء في التفسير عن ابن عباس ومجاهد وابن زيد،

والثاني: أنها استئناف إخبار، وجعله الشيخُ الظاهرَ، والظاهرُ ما تقدَّم

وقال القرطبي

هذه آية مُشْكِلة، ولا سِيّما وفيها { وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }. قيل: المعنى ونقلب أفئدتهم وأنظارهم يوم القيامة على لهب النار وحرِّ الجمر كما لم يؤمنوا في الدنيا. «وَنَذَرُهُمْ» في الدنيا، أي نمهلهم ولا نعاقبهم فبعض الآية في الآخرة، وبعضها في الدنيا. ونظيرها{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ } [الغاشية: 2] فهذا في الآخرة. «عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ» في الدنيا. وقيل: ونقلب في الدنيا أي نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآية، كما حُلنا بينهم وبين الإيمان أوّل مرة لمّا دعوتَهم وأظهرتَ المعجزة. وفي التنزيل:{ وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ } [الأنفال: 24]. والمعنى: كان ينبغي أن يؤمنوا إذا جاءتهم الآية فرأوها بأبصارهم وعرفوها بقلوبهم فإذا لم يؤمنوا كان ذلك بتقليب الله قلوبَهم وأبصارهم. { كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } ودخلت الكاف على محذوف، أي فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أوّل مرة أي أوّل مرة أتتهم الآيات التي عجزوا عن معارضتها مثل القرآن وغيره. وقيل: ونقلِّب أفئدة هؤلاء كيلا يؤمنوا كما لم تؤمن كفار الأممِ السالفة لما رأوا ما ٱقترحوا من الآيات. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي أنها إذا جاءت لا يؤمنون كما لم يؤمنوا أوّل مرة ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم. { وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } يتحيرون

وقال ابو حيان

ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون } الظاهر أن قوله: { ونقلب } جملة استئنافية أخبر تعالى أنه يفعل بهم ذلك وهي إشارة إلى الحيرة والتردد وصرف الشيء عن وجهه. والمعنى أنه تعالى يحولهم عن الهدى ويتركهم في الضلال والكفر. وكما للتعليل أي يفعل بهم ذلك لكونهم لم يؤمنوا به أول وقت جاءهم هدى الله كما قال تعالى:{ وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون } [التوبة: 125] ويؤكد هذا المعنى آخر الآية { ونذرهم في طغيانهم يعمهون } أي ونتركهم في تغمطهم في الشرِّ والإفراط فيه يتحيرون، وهذا كله إخبار من الله تعالى بفعله بهم في الدنيا. وقالت فرقة: هذا الإخبار هو على تقدير: أنه لو جاءت الآية التي اقترحوها صنعنا بهم ذلك. ولذلك قال الزمخشري { ونقلب أفئدتهم } { ونذرهم } عطف على { لا يؤمنون } داخل في حكم { وما يشعركم } بمعنى وما يشعركم أنهم لا يؤمنون { وما يشعركم } أنّا { نقلب أفئدتهم وأبصارهم } أي فنطبع على أبصارهم وقلوبهم فلا يفقهون ولا يبصرون الحق كما كانوا عند نزول آياتنا أولاً لا يؤمنون بها، لكونهم { وما يشعركم } أنّا { نذرهم في طغيانهم } أي نخليهم وشأنهم لا نكفهم ونصرفهم عن الطغيان حتى يعمهوا فيه انتهى.

وهذا معنى ما قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد قالوا: لو أتيناهم بآية كما سألوا لقلبنا أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان بها، وحلنا بينهم وبين الهدى فلم يؤمنوا كما لم يؤمنوا بما رأوا قبلها، عقوبة لهم على ذلك.

والفرق بين هذا القول والذي بدأنا به أولاً أن ذلك استئناف إخبار بما يفعل بهم تعالى في الدنيا. وهذا إخبار على تقدير مجيء الآية المقترحة فذلك واقع وهذا غير واقع، لأن الآية المقترحة لم تقع فلم يقع ما رتب عليها.

وقال مقاتل: نقلب أفئدة هؤلاء وأبصارهم عن الإيمان وعن الآيات كما لم يؤمن أوائلهم من الأمم الخالية بما رأوا من الآيات.

وقيل: تقليبها بإزعاج نفوسهم همّاً وغمّاً.

وقال الكرماني: مغناه أنّا نحيط علماً بذات الصدور وخائنة الأعين منهم انتهى.

ولا يستقيم هذا التفسير لقوله: { كما لم يؤمنوا به أول مرة } لا على التعليل ولا على التشبيه إلا أن جعل متعلقاً بقوله { أنها إذا جاءت لا يؤمنون } أي { كما لم يؤمنوا به أول مرة } فيصح على بعد في تفسير التقليب بإحاطة العلم.

وقال الكعبي: المراد أنا لا نفعل بهم ما نفعل بالمؤمنين من الفوائد والألطاف من حيث أخرجوا أنفسهم عن الهداية بسبب الكفر انتهى.

وهو على طريقة الاعتزالي ومعنى تقليب القلب والبصر ما ينشأ عن القلب والبصر من الدواعي إلى الحيرة والضلال، لأن القلب والبصر يتقلبان بأنفسهما فنسبة التقليب إليهما مجاز. وقدمت الأفئدة لأن موضع الدواعي والصوارف هو القلب فإذا حصلت الداعية في القلب انصرف البصر إليه شاء أم أبى، وإذا حصلت الصوارف في القلب انصرف البصر عنه وإن كان تحدق النظر إليه ظاهراً وهذه التفاسير على أن ذلك في الدنيا.

وقالت فرقة: إن ذلك إخبار من الله تعالى يفعل بهم ذلك في الآخرة.

فروي عن ابن عباس أنه جواب لسؤالهم في الآخرة الرجوع إلى الدنيا. والمعنى لو ردّوا لحلنا بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا انتهى. وهذا ينبو عنه تركيب الكلام.

وقيل: تقليبها في النار في جهنم على لهيبها وجمرها ليعذبوا { كما لم يؤمنوا به أول مرة } يعني في الدنيا وقاله

الجبائي.

وقال أبو الهذيل: تقليب أفئدتهم بلوغها الحناجر كما قال تعالى:{ وأنذرهم يوم الآزفة } [غافر: 18]. وقيل: تقليب أبصارهم إلى الزرقة وحمل ذلك على أنه في الآخرة ضعيف قلق النظم، لأن التقليب في الآخرة وتركهم في الطغيان في الدنيا، فيختلف الظرفان من غير دليل على اختلافهما، بل الظاهر أن ذلك إخبار مستأنف كما قررناه أولاً، والكاف في { كما } ذكرنا أنها للتعليل، وهو واضح فيها وإن كان استعمالها فيه قليلاً. وقالت فرقة { كما }: هي بمعنى المجازاة أي لما { لم يؤمنوا به أول مرة } نجاريهم بأن { نقلب أفئدتهم } عن الهدى ونطبع على قلوبهم. فكأنه قال: ونحن نقلب أفئدتهم وأبصارهم جزاء لما { لم يؤمنوا أول مرة } بما دعوا إليه من الشرع. قاله ابن عطية، وهو معنى التعليل الذي ذكرناه إلا أنّ تسمية ذلك بمعنى المجازاة غريبة، لا يعهد في كلام النحويين أنّ الكاف للمجازاة.

وقيل: للتشبه قيل وفي الكلام حذف تقديره فلا يؤمنون به ثاني مرة { كما لم يؤمنوا به أول مرة }.

وقيل: الكاف نعت لمصدر محذوف أي تقليباً لكفرهم، أي عقوبة مساوية لمعصيتهم، قاله أبو البقاء.

وقال الحوفي: نعت لمصدر محذوف والتقدير: لا يؤمنون به إيماناً ثانياً { كما لم يؤمنوا به أول مرة } انتهى. والضمير عائد على الله أو القرآن أو الرسول، أقوال وأبعد من ذهب إلى أنه يعود على القليب، وانتصب أول مرة على أنه ظرف زمان...

اسامة محمد خيري
10-08-2019, 14:22
الجوهرة الواحدة والثلاثون

قَالَ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً

قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

قوله: وَلاَ أَعْصِي : فيه أربعةُ أوجهٍ،

أحدُها: أنََّها لا محلَّ لها من الإِعراب لاستئنافِها. وفيه بُعْدٌ.

الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ عطفاً على " سَتَجِدُني " لأنَّها منصوبةُ المحلِّ بالقول. وقال الشيخ: " ويجوزُ أَنْ يكونَ معطوفاً على " سَتَجِدُني " فلا يكونُ له محلٌّ من الإِعراب؟ وهذا سَهْوٌ؛ فإنَّ " ستجِدُني " منصوبُ المحلِّ لأنه منصوبٌ بالقول، فكذلك ما عُطِفَ عليه، ولكن الذي غَرَّ الشيخَ أنَّه رأى كلامَ الزمخشري كذلك، ولم يتأمَّلْه فتبعه في ذلك، فمن ثَمَّ جاء السهو.

قال الزمخشري: ولا أَعْصِي: في محلِّ النصبِ عطفاً على " صابراً " ، أي: ستجدني صابراً وغيرَ عاصٍ. أو " لا " في محلِّ عطفاً على " سَتَجِدُني ".

الرابع: أنَّه في محلِّ نصبٍ عطفاً على " صابراً " كما تقدَّم تقريرُه

وقال الشيخ ابو حيان فى بحره:

وقال القشيري: وعد موسى من نفسه بشيئين: بالصبر وقرنه بالاستثناء بالمشيئة فصبر حين وجد على يدي الخضر فيما كان منه من الفعل، وبأن لا يعصيه فأطلق ولم يقرنه بالاستثناء فعصاه حيث قال له فلا تسألني فكان يسأله فما قرن بالاستثناء لم يخالف فيه وما أطلقه وقع فيه الخلف انتهى. وهذا منه على تقدير أن يكون ولا أعصي معطوفاً على ستجدني فلم يندرج تحت المشيئة.

اسامة محمد خيري
10-08-2019, 14:23
الجوهرة الثانية والثلاثون

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً

قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

قوله تعالى: وَمَا يُتْلَىٰ : فيه سبعة أوجه، وذلك أن موضع " ما " يحتمل أن يكون رفعاً أو نصباً أو جراً.

فالرفعُ من ثلاثة أوجه،

أحدها: أن يكون مرفوعاً عطفاً على الضمير المستكنِّ في " يُفتيكم " العائدِ على الله تعالى، وجاز ذلك للفصل بالمفعول والجار والمجرور مع أن الفصلَ بأحدِهما كافٍ.

والثاني: أنه معطوفٌ على لفظ الجلالة فقط، كذا ذكره أبو البقاء وغيرُه، وفيه نظر، لأنه: إمَّا أَنْ يُجعلَ من عطف مفردٍ على مفرد فكان يجب أن يُثَنَّى الخبرُ وإنْ توسط بين المتعاطفين فيقال: " يُفْتِيانكم " ، إلاَّ أنَّ ذلك لا يجوز، ومَنِ ادَّعى جوازه يَحْتاج إلى سماع من العرب فيقال: " زيد قائمان وعمرو " ومثلُ هذا لا يجوز، وإمَّا أَنْ يُجْعَلَ من عطف الجمل بمعنى أنَّ خبرَ الثاني محذوفٌ أي: وما يتلى عليكم يُفْتيكم، فيكون هذا هو الوجهَ الثالث - وقد ذكروه - فيلزم التكرار.

والثالث من أوجه الرفع: أنه رفع بالابتداء

وفي الخبر

احتمالان، أحدهما: أنه الجار بعده وهو " في الكتاب " والمرادُ بما يتلى القرآنُ، وبالكتابِ اللوحُ المحفوظ، وتكون هذه الجملةُ معترضةً بين البدل والمبدل منه على ما سيأتي بيانُه. وفائدةُ الاخبارِ بذلك تعظيمُ المتلوِّ ورفعُ شأنِه، ونحوه:
وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ
[الزخرف: 4].

والاحتمال الثاني: أن الخبر محذوف: أي: والمتلوُّ عليكم في الكتاب يُفْتيكم أو يبيِّن لكم أحكامَهن، فهذه أربعة أوجه. وكلام الزمخشري يحتمل جميع الأوجه، فإنه قال: " ما يُتْلى " في محل الرفع أي: اللّهُ يُفْتيكم والمتلوُّ في الكتاب في معنى اليتامى، يعني قولَه:
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ
[النساء: 3] وهو من قولك: " أعجبني زيدٌ وكرمه " انتهى. يعني أنه من بابِ التجريد، إذ المقصودُ الإِخبارُ بإعجاب كرمِ زيدٍ، وإنما ذُكِر زيدٌ ليُفيدَ هذا المعنى الخاص لذلك المقصود أنّ الذي يُفْتيهم هو المتلو في الكتاب، وذُكِرت الجلالةُ للمعنى المشار [إليه]، وقد تقدَّم تحقيق التجريد في أول البقرة عند قوله
يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ
[الآية: 9].

والجر من وجهين،

أحدهما: أن تكون الواو للقسم، وأقسمَ اللّهُ بالمتلوِّ في شأن النساء تعظيماً له كأنه قيل: وأُقْسم بما يُتْلى عليكم في الكتاب، ذكره الزمخشري

والثاني: أنه عطفٌ على الضمير المجرور بـ " في " أي: يُفْتيكم فيهنَّ وفيما يتلى، وهذا منقولٌ عن محمد بن أبي موسى قال: " أفتاهم الله فيما سألوا عنه وفيما لم يَسْألوا " إلا أنَّ هذا ضعيف من حيث الصناعةُ، لأنه عطفٌ على الضميرِ المجرورِ من غير إعادة الجار وهو رأي الكوفيين، وقد قَدَّمْتُ ما في ذلك من مذاهب الناس ودلائلهم مستوفى عند قوله:

وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ
[البقرة: 217] فعليك بالالتفات إليه. قال الزمخشري: " ليس بسديدٍ أن يُعْطَف على المجرور في " فيهنَّ " لاختلاله من حيث اللفظ والمعنى " وهذا سبَقَه إليه أبو إسحاق قال: " وهذا بعيدٌ بالنسبةِ إلى اللفظِ وإلى المعنى: أمَّا اللفظُ فإنه يقتضي عطفَ المُظْهَر على المضمرِ، وأما المعنى فلأنه ليس المرادُ أنَّ اللّهَ يفتيكم في شأنِ ما يُتْلى عليكم في الكتاب، وذلك غيرُ جائزٍ كما لم يَجُزْ في قوله
تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ
[النساء: 1] يعني من غيرِ إعادةِ الجار. وقد أجاب الشيخ عما ردَّ به الزمخشري والزجاج بأن التقدير: يُفْتيكم في متلوِّهنَّ وفيما يُتْلى عليكم في الكتابِ في يتامى النساء، وحُذِف لدلالة قوله وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ وإضافةُ " متلوّ " إلى ضمير " هُنَّ " سائغةٌ، إذ الإِضافةُ تكون بأدنى ملابسةٍ لمَّا كان متلواً فيهن صَحَّتِ الإِضافةُ إليهن، كقوله:
مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ
[سبأ: 33] لمَّا كان المكرُ يقع فيهما صَحَّتْ إضافُته إليهما، ومثله قول الآخر:
1659- إذا كوكبُ الخَرْقاءِ لاحَ بِسُحْرَةٍ
سهيلٌ أذاعَتْ غَزْلَها في الغرائب
وفي هذا الجواب نظرٌ.

والنصبُ بإضمار فعل أي: ويبيِّن لكم ما يُتْلى، لأنَّ " يُفْتيكم " بمعنى يبيِّن لكم. واختار الشيخ وجهَ الجرِّ على العطفِ على الضمير، مختاراً لمذهب الكوفيين وبأنَّ الأوجه كلَّها تؤدي إلى التأكيد، وأمَّا وجهُ العطف على الضمير فيجعلُه تأسيساً قال: " وإذا دار الأمرُ بينهما فالتأسيسُ أَوْلى " وفي جَعْلِه هذا الوجهَ منفرداً بالتأسيس دونَ بقية الأوجه نظرٌ لا يَخْفى.

وقال القرطبي فى تفسيره:

مَا في موضع رفع، عطف على اسم الله تعالى. والمعنى: والقرآن يفتيكم فيهن، وهو قوله:
فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ
[النساء: 3] وقد تقدّم.

اسامة محمد خيري
10-08-2019, 14:27
الجوهرة الثالثة والثلاثون

لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ والضَّرَّآءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ

قال القرطبي فى تفسيره:

قوله تعالى: وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فقيل: يكون «الموفون» عطفاً على «مَن» لأن من في موضع جمع ومحل رفع؛ كأنه قال: ولكن البرّ المؤمنون والموفون؛ قاله الفراء والأخفش. «والصابرين» نصب على المدح، أو بإضمار فعل. والعرب تنصب على المدح وعلى الذم كأنهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه أوّل الكلام، وينصبونه. فأمّا المدح فقوله:
وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ
[النساء: 162]. وأنشد الكسائي:
وكلُّ قومٍ أطاعوا أَمْرَ مُرْشِدِهم إلا نُميراً أطاعت أَمْرَ غاوِيها
الظاعنين ولما يُظْعِنوا أحدا والقائلون لِمَنْ دارٌ نُخلِّيها
وأنشد أبو عبيدة:
لا يَبْعَدن قومي الذين هُمُ سَمُّ العُدَاةِ وآفَةُ الجُزْرِ
النازلين بكل مُعْتَرَكٍ والطيبون مَعاقِدَ الأُزْرِ
وقال آخر:
نحن بني ضَبَّةَ أصحاب الجَمَل
فنصب على المدح. وأمّا الذّم فقوله تعالى:
مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ
[الأحزاب: 61] الآية. وقال عُرْوَة بن الوَرْد:
سَقَوْني الخمر ثم تَكَنَّفُوني عُدَاةَ اللَّهِ من كَذِب وزورِ
وهذا مَهْيَع في النعوت، لا مطعن فيه من جهة الإعراب، موجود في كلام العرب كما بيّنا. وقال بعض من تعسّف في كلامه: إن هذا غلط من الكتاب حين كتبوا مصحف الإمام؛ قال: والدليل على ذلك ما روي عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال: أرى فيه لَحْناً وستقيمه العرب بألسنتها. وهكذا قال في سورة النساء
والْمُقِيمينَ الصَّلاَةَ
[النساء: 162]، وفي سورة المائدة
وَٱلصَّابِئُونَ
[المائدة: 69]. والجواب ما ذكرناه. وقيل: «الموفون» رفع على الابتداء والخبر محذوف، تقديره وهم الموفون.

وقال الكسائي: «والصابرين» عطف على «ذوي القربى» كأنه قال: وآتى الصابرين. قال النحاس: «وهذا القول خطأ وغلط بيّن؛ لأنك إذا نصبت «والصابرين» ونسقته على «ذوي القربى» دخل في صلة «من» وإذا رفعت «والموفون» على أنه نسق على «مَن» فقد نسقت على «مَن» مِن قبل أن تتم الصلة، وفرّقت بين الصلة والموصول بالمعطوف». وقال الكسائي: وفي قراءة عبد اللَّه «والموفين، والصابرين». وقال النحاس: «يكونان منسوقين على «ذوي القربى» أو على المدح. قال الفرّاء: وفي قراءة عبد اللَّه في النساء
وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ
[النساء: 162]. وقرأ يعقوب والأعمش «والموفون والصابرون» بالرفع فيهما. وقرأ الجَحْدَرِيّ «بعهودهم». وقد قيل: إن «والمُوفُون» عطف على الضمير الذي في «آمن». وأنكره أبو عليّ وقال: ليس المعنى عليه؛ إذ ليس المراد أن البرِّ بِرّ من آمن بالله هو والموفون؛ أي آمنا جميعاً. كما تقول: الشجاع من أقدم هو وعمرو؛ وإنما الذي بعد قوله «من آمن» تعداد لأفعال من آمن وأوصافهم.

اسامة محمد خيري
10-08-2019, 14:28
الجوهرة الرابعة والثلاثون

لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَٱلْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ أُوْلَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً

قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

قوله: والمقيمين " قراءةُ الجمهورِ بالياء، وقرأ جماعة كثيرة " والمقيمون " بالواو منهم ابن جبير وأبو عمرو بن العلاء في رواية يونس وهارون عنه، ومالك بن دينار وعصمة عن الأعمش، وعمرو بن عبيد، والجحدري وعيسى بن عمر وخلائق.

فأما قراءة الياء فقد اضطربت فيها اقوال النحاة، وفيها ستةُ أقوال،

أظهرهما: وعزاه مكي لسيبويه، وأبو البقاء للبصريين - أنه منصوبٌ على القطع، يعني المفيدَ للمدح كما في قطع النعوت، وهذا القطعُ مفيدٌ لبيان فضل الصلاة فَكَثُر الكلامُ في الوصفِ بأن جُعِل في جملة أخرى، وكذلك القطعُ في قوله وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ على ما سيأتي هو لبيانِ فَضْلِها أيضاً، لكن على هذا الوجه يجب أن يكونَ الخبرُ قولَه: " يؤمنون " ولا يجوز أن يكون قوله أُوْلَـۤئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ لأن القطع إنما يكونَ بعد تمامِ الكلام. قال مكي: " ومَنْ جَعلَ نَصْبَ " المقيمين " على المدحِ جَعَلَ خبرَ " الراسخين ": " يؤمنون " ، فإنْ جَعَل الخبر " أولئك " سنؤتيهم " لم يجز نصب " المقيمين " على المدح، لأنه لا يكون إلا بعد تمام الكلام " وقال الشيخ: " ومَنْ جعل الخبرَ: أولئك سنؤتيهم فقوله ضعيفٌ " قلت: هذا غيرُ لازمٍ، لأنه هذا القائلَ لا يَجْعَلُ نصبَ " المقيمين " حينئذٍ منصوباً على القطع، لكنه ضعيفٌ بالنسبةِ إلى أنه ارتكبَ وجهاً ضعيفاً في تخريج " المقيمين " كما سيأتي. وحكى ابنُ عطية عن قومٍ مَنْعَ نصبه على القطع من أجلِ حرف العطف، والقطعُ لا يكونُ في العطف، إنما ذلك في النعوت، ولما استدلَّ الناسُ بقول الخرنق:

1674- لا يَبْعَدَن قومي الذين همُ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ
النازلين بكلِّ معتَركٍ والطيبون معاقدَ الأزْرِ
على جواز القطع فَرَّق هذا القائلُ بأن البيت لا عطفَ فيه؛ لأنها قطعت " النازين " فنصبته، و " الطيبون " فرفعَتْه عن قولِها " " قومي " ، وهذا الفرقُ لا أثرَ له؛ لأنه في غيرِ هذا البيت ثبت القطع مع حرف العطف، أنشد سيبويه:
1675- ويَأْوي إلى نِسْوةٍ عُطَّلٍ وشُعْثاً مراضيعَ مثلَ السَّعالِي
فنصب " شعثاً " وهو معطوف.

الثاني: أن يكونَ معطوفاً على الضمير في " منهم " أي: لكن الراسخون في العلمِ منهم ومن المقيمين الصلاة.

الثالث: أن يكون معطوفاً على الكاف في " إليك " أي: يؤمنون بما أُنْزل إليك وإلى المقيمين الصلاةَ وهم الأنبياء.

الرابع: أن يكونَ معطوفاً على " ما " في " بما أُنْزِل " أي: يؤمنون " بما أنزل إلى محمد وبالمقيمين، ويُعْزَى هذا الكسائي. واختلفت عبارة هؤلاء في " المقيمين " فقيل: هم الملائكة قال مكي: " ويؤمنون بالملائكة الذين صفتُهم إقامةُ الصلاةِ كقوله:
يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ
[الأنبياء: 20]. وقيل: هم الأنبياء، وقيل: هم المسلمون، ويكون على حَذْفِ مضافٍ أي: وبدين المقيمين.

الخامس: أن يكونَ معطوفاً على الكاف في " قبلك " أي: ومِنْ قبلِ المقيمين، ويعني بهم الأنبياءَ أيضاً.

السادس: أن يكونَ معطوفاً على نفسِ الظرف، ويكونَ على حَذْفِ مضاف أي: ومن قبل المقيمين، فحُذِف المضافُ وأقيم المضافُ إليه مُقامه. فهذا نهايةُ القولِ في تخريجِ هذه القراءةِ.

وقد زعم قومٌ لا اعتبارَ بهم أنهم لحنٌ، ونقلوا عن عائشة وأبان بن عثمان أنها خطأ من جهةِ غلط كاتبِ المصحف، قالوا: وأيضاً فهي في مصحفِ ابن مسعود بالواو فقط نقله الفراء، وفي مصحف أُبيّ كذلك، وهذا لا يَصحُّ عن عائشة ولا أبان، وما أحسن قولَ الزمخشري : " ولا يُلتفت إلى ما زعموا مِنْ وقوعِه لَحْناً في خط المصحف، وربما التفت إليه مَنْ لم ينظر في الكتاب الكتاب ومَنْ لم يعرف مذاهبَ العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وغَبِيَ عليه أنَّ السابقين الأولين الذين مَثَلُهم في التوراة ومثلُهم في الانجيل كانوا أبعدَ همةً في الغَيْرة عن الاسلام وذَبَّ المطاعنِ عنه من ان يقولوا ثُلْمَةً في كتاب اله ليسُدَّها مَنْ بعدهم، وخَرْقاً يَرْفوه مَنْ يلحق بهم " وأمَّا قراءةُ الرفعِ فواضحةٌ.

اسامة محمد خيري
10-08-2019, 15:05
الجوهرة الخامسة والثلاثون

يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَة انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً

الظاهر ان روح معطوفة على كلمته لكن ذكر القرطبي قولا اخر

قال القرطبي فى تفسيره:

وَرُوحٌ مِّنْهُ . هذا الذي أوقع النصارى في الإضلال؛ فقالوا: عيسى جزء منه فجهلوا وضلوا؛ وعنه أجوبة ثمانية؛ الأوّل ـ قال أُبيّ بن كعب: خلق الله أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق؛ ثم ردّها إلى صلب آدم وأمسك عنده روح عيسى ؛ فلما أراد خلقه أرسل ذلك الرّوح إلى مريم، فكان منه عيسى ؛ فلهذا قال: وَرُوحٌ مِّنْهُ . وقيل: هذه الإضافة للتفضيل وإن كان جميع الأرواح من خلقه؛ وهذا كقوله:
وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ
[الحج: 26] وقيل: قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحاً، وتضاف إلى الله تعالى فيقال: هذا روح من الله أي من خلقه؛ كما يقال في النعمة إنها من الله. وكان عيسى يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى فاستحق هذا الاسم. وقيل: يسمى روحاً بسبب نفخة جبريل ، ويسمى النفخ روحاً؛ لأنه ريح يخرج من الروح قال الشاعر ـ هو ذو الرمة ـ:
فقلتُ له ٱرْفَعْها إلَيكَ وأحْيِها بِرُوحِكَ وٱقْتَتْه لها قِيتَةً قَدْرا
وقد وَرَد أن جبريل نفخ في دِرْع مريم فحمَلتْ منه بإذن الله؛ وعلى هذا يكون «وَرُوحٌ مِنْهُ» معطوفاً على المضمر الذي هو ٱسم الله في «أَلْقَاهَا» التقدير: ألقى الله وجبريل الكلمة إلى مريم

اسامة محمد خيري
10-08-2019, 15:07
الجوهرة السادسة والثلاثون

فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَهُـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ

قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

قوله تعالى: وَيَقُولُ : قرأ أبو عمرو والكوفيون بالواو قبل " يقول " والباقون بإسقاطها، إلا أنَّ أبا عمرو ونصب الفعل بعد الواو، وروى عنه علي بن نصر الرفع كالكوفيين، فتحصَّل فيه ثلاثُ قراءات: " يقول " من غير واو " ويقول " بالواو والنصب، و " يقول " بالواو والرفع.

فأمَّا قراءةُ مَنْ قرأ " يقول " من غير واو فهي جملةٌ مستأنفة سِيقَتْ جواباً لسؤالٍ مقدر، كأنه لمَّا تقدَّم قولُه تعالى: فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ إلى قوله: نَادِمِينَ سأل سائل فقال: ماذا قال المؤمنون حنيئذ؟ فأجيبَ بقوله تعالى: وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إلى آخره، وهو واضح، والواو ساقطةٌ في مصاحف مكة والمدينة والشام، والقارئ بذلك هو صاحبُ هذه المصاحف، فإن القارئين بذلك ابنُ كثير المكي وابن عامر الشامي ونافع المدني، فقراءتُهم موافقةٌ لمصاحفهم، وليس في هذا أنهم إنما قرؤوا كذلك لأجلِ المصحف فقط، بل وافَقَتْ روايتُهم مصاحفَهم على ما بيَّنَتْهُ غيرَ مرة.

وأمَّا قراءة الواو والرفع فواضحة أيضاً لأنها جملة ابتُدئ بالإِخبار بها، فالواوُ استئنافيةٌ لمجرد عطف جملة على جملة، فالواو ثابتة في مصاحف الكوفة والمشرق، والقارئُ بذلك هو صاحبُ هذا المصحف، والكلام كما تقدَّم أيضاً.

وأمَّا قراءةُ أبي عمرو فهي التي تحتاج إلى فَضْلِ نظر، واختلف الناسُ في ذلك على ثلاثةِ أوجه،

أحدُها: أنه منصوب عطفاً على " فيصحبوا " على أحد الوجهين المذكورين في نصبِ " فيُصْبحوا " وهو الوجه الثاني، أعني كونَه منصوباً بإضمار " أَنْ " في جوابِ الترجِّي بعد الفاء إجراءً للترجِّي مُجْرى التمني، وفيه خلافٌ مشهور بين البصريين والكوفيين، فالبصريون يمنعونَه والكوفيون يُجيزونه مستدلِّين على ذلك بقراءِة نافع: لعله يزَّكى أو يَذَّكَّرُ فتنفعَه بنصب " تنفعه " وبقراءة عاصم في رواية حفص: " لعلي أبلغُ الأسبابَ أسبابَ السماواتِ فأطَّلِعَ " بنصب " فأطَّلِعَ " وسيأتي الجوابُ عن الآيتين الكريمتين في موضعِه. وهذا الوجهُ - أعني عطفَ " ويقول " على " فيصبحوا " قال الفارسي وتبعه جماعةٌ، ونقله عنه أبو محمد بن عطية، وذكرَه أبو عمرو بن الحاجب أيضاً، قال الشيخ شهابُ الدين أبو شامة بعد ذكره الوجهَ المتقدِّم: " وهذا وجهٌ جيد أفادنيه الشيخ أبو عمرو بن الحاجب ولم أَرَه لغيرِه، وذكروا وجوهاً كلُّها بعيدةٌ متعسِّفة " انتهى. قلت: وهذا - كما رأيتَ - منقولٌ مشهور عن أبي علي الفارسي، وأمَّا استجادتُه هذا الوجهَ فإنما يتمشى على قول الكوفيين، وهو مرجوحٌ كما تقرر في علم النحو.

الثاني: أنه منصوبٌ عطفاً على المصدر قبلَه وهو الفتحُ كأنه قيل: فعسى اللَّهُ أن يأتِيَ بالفتحِ وبأَنْ يقولَ، أي: وبقولِ الذين آمنوا، وهذا الوجهُ ذكره أبو جعفر النحاس، / ونظَّره بقول الشاعر:
1743- لَلُبْسُ عباءةٍ وتَقَرَّ عيني
أحبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفوفِ
وقول الآخر:
1744- لقد كانَ في حَوْلٍ ثَواءٍ ثويتُه تَقَضِّي لُباناتٍ ويَسْأَمَ سائِمُ
وهذا مردودٌ من ثلاثةِ أوجه،

أحدُها: أنه يؤدِّي ذلك إلى الفصل بين أبعاضِ الصلةِ بأجنبي، وذلك أنَّ الفتحَ على قوله مؤولٌ بـ " أَنْ " والفعلِ تقديرُه: أَنْ يأتِيَ بأن يفتحَ وبأَنْ يقولَ، فيقعُ الفصلُ بقوله: فيُصبحوا وهو أجنبي لأنه معطوفٌ على " يأتي "

الثاني: أن هذا المصدرَ - وهو الفتح - ليس يُراد به انحلالُه لحرفٍ مصدري وفعلٍ، بل المرادُ به مصدرٌ غيرُ مرادٍ به ذلك نحو: يعجبني ذكاؤك وعلمك.

الثالث: أنه وإنْ سُلِّم انحلالُه لحرف مصدري وفعل فلا يكون المعنى على: " فعسى الله أن يأتيَ بأَنْ يقولَ الذين آمنوا " فإنه نابٍ عنه نُبُوّاً ظاهراً.

الثالث- من أوجه نصبِ " ويقول " -: أنه منصوبٌ عطفاً على قوله: " يأتي " أي: فعسى اللَّهُ أَنْ يأتيَ ويقولَ، وإلى ذلك ذهب الزمخشري ولم يَعْتَرض عليه بشيء، وقد رُدَّ ذلك بأنه يلزمُ عطفُ ما لا يجوز أن يكون خبراً على ما هو خبر، وذلك أنَّ قولَه: أن يأتيَ خبرُ عسى وهو صحيحٌ، لأنَّ فيه رابطاً عائداً على اسم " عسى " وهو ضميرُ الباري تعالى، وقولُه: " ويقول " ليس فيه ضميرٌ يعودُ على اسم " عسى " فكيف يَصِحُّ جَعْلُه خبراً؟ وقد اعتذر مَنْ أجازَ ذلك عنه بثلاثة أوجه، أَحدُها: أنه من باب العطفِ على المعنى، والمعنى: فَعَسى أَنْ يأتي الله بالفتح وبقولِ الذين آمنوا، فتكون " عسى " تامةً لإِسنادها إلى " أَنْ " وما في حَيِّزها، فلا تحتاجُ حينئذ إلى رابط، وهذا قريبٌ من قولهم " العطف على التوهم " نحو:
فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ
[المنافقون: 10]. الثاني أنّ أَنْ ياتي بدلٌ من اسم الله لا خبرٌ، وتكونُ " عسى " حينئذ تامةً، كأنه قيل: فعسى أن يقولَ الذين آمنوا، وهذان الوجهان منقولان عن أبي عليّ الفارسيّ؟ إلا أنَّ الثاني لا يَصِحُّ لأنهم نَصُّوا على أنَّ عسى واخلولق وأوشك من بين سائر أخواتها يجوز أن تكونَ تامةً بشرطِ أن يكونَ مرفوعُها: " أن يفعل " قالوا: ليوجَدَ في الصورةِ مسندٌ ومسندٌ إليه، كما قالوا / ذلك في " ظن " وأخواتِها: إنَّ " أَنْ " و " أَنَّ " تسدُّ مسدَّ مفعوليها. والثالث: أن ثم ضميراً محذوفاً هو مصحِّحٌ لوقوعِ " ويقول " خبراً عن عسى، والتقدير: ويقولُ الذين آمنوا به أي: بالله، ثم حُذِفَ للعلم به، ذكر ذلك أبو البقاء، وقال ابن عطية بعد حكايتِه نصبَ " ويقولَ " عطفاً على " يأتي ": " وعندي في منع " عسى الله أن يقول المؤمنون " نظرٌ، إذ الله تعالى يُصَيِّرهم يقولون ذلك بنصرِه وإظهاره دينه " قلت: قولُ ابن عطية في ذلك يشبه قولَ أبي البقاء في كونِه قَدَّره ضميراً عائداً على اسم " عسى " يَصِحُّ به الربط.

وبعضُ الناسِ يُكْثِرُ هذه الأوجه ويوصلُها إلى سبعة وأكثر، وذلك باعتبار تصحيحِ كلِّ وجهٍ من الأوجه الثلاثة التي ذكرتها لك، ولكن لا يخرج حاصلُها عن ثلاثة، وهو النصبُ: إمَّا عطفاً على " أن يأتي " وإما على " فيصبحوا " وإمَّا على " بالفتح " ، وقد تقدَّم لك تحقيقها.

وقال القرطبي فى تفسيره:

قوله تعالى: وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ . وقرأ أهل المدينة وأهل الشام: «يَقُولُ» بغير واو. وقرأ أبو عمرو وابن أبي إسحاق: «وَيَقُولَ» بالواو والنصب عطفاً على «أَنْ يَأَتي» عند أكثر النحويين، التقدير: فعسى الله أن يأتي بالفتح وأن يقول. وقيل: هو عطف على المعنى؛ لأن معنى فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ وعسى أن يأتي الله بالفتح؛ إذ لا يجوز عسى زيد أن يأتي ويقومَ عمرو، لأنّه لا يصحّ المعنى إذا قلت: وعسى زيد أن يقوم عمرو، ولكن لو قلت: عسى أن يقوم زيد ويأتي عمرو كان جيداً. فإذا قدّرت التقديم في أن يأتي إلى جنب عسى حَسُن؛ لأنه يصير التقدير: عسى أن يأتي وعسى أن يقوم، ويكون من باب قوله:
ورأيت زوجك في الوغى
مُتقلِّداً سيفاً ورُمحا
وفيه قول ثالث ـ وهو أن تعطفه على الفتح؛ كما قال الشاعر:
لَلُبْس عَباءةٍ وَتَقرّ عيني

ويجوز أن يجعل «أَنْ يَأْتِيَ» بدلاً من اسم الله جل ذكره؛ فيصير التقدير: عسى أن يأتي الله ويقول الذين آمنوا. وقرأ الكوفيون: «وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ» بالرفع على القطع من الأوّل. أَهَـۤؤُلاۤءِ إشارة إلى المنافقين. أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ حلفوا وٱجتهدوا في الإيمان. إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ أي قالوا إنهم، ويجوز «أنهم» نصب بـ «أقسموا» أي قال المؤمنون لليهود على جهة التوبيخ: أهؤلاء الذي أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم يعينونكم على محمد. ويحتمل أن يكون من المؤمنين بعضهم لبعض؛ أي هؤلاء الذين كانوا يحلِفون أنهم مؤمنون فقد هتك الله اليوم سترهم حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ بطلت بنفاقهم. فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ أي خاسِرين الثواب. وقيل: خسِروا في موالاة اليهود فلم تحصل لهم ثمرة بعد قتل اليهود وإجلائهم.

اسامة محمد خيري
10-08-2019, 15:08
الجوهرة السابعة والثلاثون

قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ

قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

وله تعالى: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ قرأ الجمهورُ: " أَنَّ " مفتوحةَ الهمزة، وقرأ نعيم بن ميسرة بكسرها.

فأمَّا قراءةُ الجمهور فتحتمل " أنَّ " فيها أنْ تكونَ في محل رفع أو نصب أو جر،

فالرفعُ من وجه واحد وهو أن تكونَ مبتدأً والخبر محذوف. قال الزمخشري: " والخبر محذوف أي: فسقُكم ثابت معلومٌ عندكم، لأنكم علمتم أنَّا على الحق وأنتم على الباطل، إلا أنَّ حبَّ الرئاسة وجمع الأموال لا يَدَعُكم فتنصفوا " فقدَّر الخبر مؤخراً. قال الشيخ: " ولا ينبغي أن يُقَدَّر الخبرُ إلا مقدماً لأنه لا يُبْتَدَأ بـ " أَنَّ " على الأصحِّ إلا بعد " أمَا " انتهى. ويمكن أن يقال: يُغْتفر في الأمور التقديرية ما لايُغْتفر في اللفظية، لاسيما أن هذا جارٍ مَجْرى تفسير المعنى، والمرادُ إظهار ذلك الخبر كيف يُنْطَق به، إذ يقال إنه يرى جواز الابتداء بـ " أنَّ " مطلقاً، فحصل في تقدير الخبر وجهان بالنسبة إلى التقديم والتأخير.

وأمَّا النصبُ فمِنْ ستة أوجه،

أحدها: أن يُعْطَفُ على " أن آمَنَّا " ، واستُشْكل هذا التخريج من حيث إنه يصير التقديرُ: هل تكرهون إلا إيماننا وفسقَ أكثرهم، وهم لا يَعْترفون بأن أكثرَهم فاسقون حتى يكرهونه وأجيب عن ذلك، فأجاب الزمخشري وغيرُه بأنَّ المعنى: وما تنقمون منا إلا الجمعَ بين أيماننا وبين تَمَرُّدكم وخروجكم عن الإِيمان، كأنه قيل: وما تنكرون منا إلا مخالفَتكم حيث دَخَلْنا في دين الإِسلام وأنتم خارجون منه ".

ونقل الواحدي عن بعضهم أنَّ ذلك من باب المقابلة والازدواج، يعني أنه لَمَّا نقم اليهود عليهم الإِيمان بجميع الرسل وهو مما لا يُنْقَم ذكَرَ في مقابلته فِسْقَهم، وهو مِمَّا يُنْقِم، ومثلُ ذلك حسنٌ في الازدواج، يقول القائل: " هل تنقم مني إلا أني عَفَوْتُ عنك وأنك فاجر " فَيَحْسُن ذلك لإِتمامِ المعنى بالمقابلة. وقال أبو البقاء: " والمعنى على هذا: إنكم كرهتم إيماننا وامتناعكم، أي: كرهتم مخالفتَنا إياكم، وهذا كقولك للرجل: ما كرهتَ مني إلا أني مُحَبِّبٌ للناس وأنك مُبْغَضٌ " وإن كان لا يعترف بأنه مُبْغَض.
وقال ابن عطية: وأنَّ أكثركم فاسقون / هو عند اكثر المتأوِّلين معطوفٌ على قوله: أَنْ آمَنَّا فيدخُل كونُهم فاسقين فيما نَقَموه، وهذا لا يتِّجِهُ معناه " ثم قال بعد كلام: " وإنما يتجه على أن يكون معنى المحاورة: هل تَنْقِمون منا إلا مجموعَ هذه الحال من أنَّا مؤمنون وأنتم فاسقون، ويكون وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ مِمَّا قَرَّره المخاطب لهم، وهذا كما تقولُ لِمَنْ يخاصِمُ: " هل تَنْقِم عليَّ إلا أن صدقتُ أنا وكَذَبْتَ أنت " وهو لا يُقِرُّ بأنه كاذب ولا يَنْقِم ذلك، لكن معنى كلامك: هل تَنْقِم إلا مجموعَ هذه الحال " وهذا هو مجموعُ ما أجاب به الزمخشري والواحدي.

الوجه الثاني من أوجه النصب: أن يكونَ معطوفاً على " أن آمنَّا " أيضاً، ولكنْ في الكلامِ مضافٌ محذوفٌ لصحةِ المعنى، تقديرُه: " واعتقادَ أن أكثركم فاسقون " وهو معنى واضح، فإنَّ الكفار يِنقِمون اعتقاد المؤمنين انهم فاسقون،

الثالث: أنه منصوبٌ بفعل مقدَّر تقديرُه: هل تنقمون منا إلا إيمانا، ولا تنقمون فِسْقَ أكثركم.

الرابع: أنه منصوبٌ على المعية، وتكونُ الواوُ بمعنى " مع " تقديرُه: وما تَنْقِمون منا إلا الإِيمانَ مع أن أكثرَكم فاسقون. ذَكَر جميعَ هذه الأوجه أبو القاسم الزمخشري.

والخامس: أنه منصوبٌ عطفاً على " أنْ آمنَّا " و " أن آمنَّا " مفعولٌ من أجله فهو منصوب، فعَطَفَ هذا عليه، والأصلُ: " هل تَنْقِمون إلا لأجْلِ إيماننا، ولأجل أنَّ أكثرَهم فاسقون " ، فلمَّا حُذِف حرفُ الجر من " أن آمنَّا " بقي منصوباً على أحدِ الوجهين المشهورين، إلا أنه يقال هنا: النصبُ ممتنعٌ من حيث إنه فُقِد شرطٌ من المفعول له، وهو اتحاد الفاعلِ، والفاعلُ هنا مختلفٌ، فإنّ فاعل الانتقام غير فاعل الإِيمان، فينبغي أن يُقَدَّر هنا محلُّ " أن آمنَّا " جراً ليس إلا، بعد حذفِ حرفِ الجر، ولا يَجْري فيه الخلاف المشهورُ بين الخليل وسيبويه في محلِّ " أنْ " إذا حُذِف منها حرفُ الجر، لعدمِ اتحاد الفاعل. وأُجيب عن ذلك بأنَّا وإن اشترطنا اتحادَ الفاعلِ فإنَّا نجوِّزُ اعتقادَ النصبِ في " أَنْ " و " أَنَّ " إذا وقعا مفعولاً من أجله بعد حَذْفِ حرفِ الجر لا لكونِهما مفعولاً من أجله، بل من حيث اختصاصُهما من يحث هما بجواز حذف حرف الجر لطولِهما بالصلةِ، وفي هذه المسألةِ بخصوصِها خلافٌ مذكور في بابِه، ويدلُّ على ذلك ما نقلَه الواحدي عن صاحبِ " النظم " فإن صاحب " النظم " ذَكَر عن الزجاج معنًى، وهو: هل تكرهون إلا إيماننا وفسقَكم، أي: إنما كرهتم إيمانَنا وأنتم تعلمون أنَّا على حقٍّ لأنكم فسقتم بأنْ أقمتم على دينِكم، وهذا معنى قولِ الحسن، فعلى هذا يجب أن يكونَ موضعُ " أَنَّ " في قوله: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ نصباً بإضمار اللام على تأويل " ولأنَّ أكثرَكم " والواوُ زائدةٌ، فقد صَرَّح صاحبُ " النظم " بما ذكرته.

لوجه السادس: أنه في محلِّ نصبٍ على أنه مفعول من أجله لتنقِمون، والواوُ زائدةٌ كما تقدَّم تقريرُه. وهذا الوجه الخامس يحتاج إلى تقرير ليُفْهَم معناه، قال الشيخ بعد ذِكْرِ ما نَقَلْتُه من الأوجه المتقدمةِ عن الزمخشري: " ويظهرُ وجهٌ ثامن ولعله يكون الأرجحَ، وذلك، أن " نَقَم " أصلُه أن يتعدَّى بـ " على " تقول: " نَقَمت عليه " ثم تبني منه افْتَعَل إذ ذاك بـ " من " ويُضَمَّن معنى الإِصابة بالمكروه، قال تعالى:
وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ
[المائدة: 95]، ومناسَبَ التضمين فيها أنَّ مَنْ عاب على شخصٍ فِعْلَه فهو كارهٌ له، ومصيبُه عليه بالمكروه، فجاءت هنا فَعَل بمعنى افْتَعَل كقَدَرَ واقتدر، ولذلك عُدِّيت بـ " مِنْ " دون " على " التي أصلُها أن تتعدَّى بها، فصار المعنى: وما تنالون منا وما تصيبوننا بما نَكْرَهُ إلا أن آمنا، أي: إلاَّ لأنْ آمنَّا " فيكون " ان آمنَّا " مفعولاً من أجله، ويكون " وأنَّ أكثركم فاسقون " معطوفاً على هذه العلة، وهذا - والله أعلم - سببُ تعديتِه بـ " مِنْ " دون " على " انتهى ما قاله، ولم يُصَرِّحْ بكونِه حينئذ في محلِّ نصبٍ أو جر، إلاَّ أنَّ ظاهر حالِه أن يُعْتَقَد كونُه في محلِّ جرِّ، فإنه إنما ذُكِر أوجه الجر.

وأمَّا الجرُّ فمن ثلاثةِ أوجهٍ،

أحدُها: أنه عطفٌ على المؤمَنِ به، قال الزمخشري: " أي: وما تَنْقِمون منا إلا الإِيمانَ بالله وبما أُنْزِل، وبأن أكثركم فاسقون " وهذا معنى واضح، قال ابن عطية: " وهذا مستقيمُ المعنى، لأنَّ إيمانَ المؤمنين بأنَّ أهلَ الكتابِ المستمرين على الكفر بمحمدٍ فَسَقه هو مما ينقمونه "

الثاني: أنه مجرورٌ عطفاً على علةٍ محذوفةٍ تقديرها: ما تَنْقِمون منا إلا الإِيمان لقلة إنصافِكم وفسقِكم وإتباعِكم شهواتِكم، ويدلُّ عليه تفسيرُ الحسن البصري " بقسقِكم نَقَمتم علينا " ويُروى " لفسقهم نَقَموا علينا الإِيمان "

الثالث: أنه في محلِّ جرِّ عطفاً على محل " أنْ آمنَّا " إذا جعلناه مفعولاً من أجله، واعتقَدْنا أنَّ " أنَّ " في محل جر بعد حذف الحرف، وقد تقدَّم ما في ذلك في الوجه الخامس، فقد تحصَّل في قولِه تعالى: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ أحدَ عشرَ وجهاً، وجهان في حال الرفع بالنسبة إلى تقدير الخبر: هل يٌقَدَّرُ مُقدَّماً وجوباً أو جوازاً، وقد تقدَّم ما فيه، وستةُ أوجه في النصب، وثلاثةٌ في الجر.

وأمَّا قراءةُ ابن ميسرة فوجهها أنها على الاستئنافِ، أخبر أنَّ أكثرَهم فاسقون، ويجوز أن تكون منصوبة المحلِّ لعطفِها على معمول القول، أمرَ نبيَّه أن يقولَ لهم: هل تنقِمون إلى آخره، وأن يقول لهم: إنَّ أكثركم فاسقون، وهي قراءة جَلِيَّةٌ واضحة.

اسامة محمد خيري
10-08-2019, 15:10
الجوهرة الثامنة والثلاثون

قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ

قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

قوله: وَمَن بَلَغَ فيه ثلاثة أقوال،

أحدها: أنه في محل نصب عطفاً على المنصوب في " لأُنْذِرَكم " وتكون " مَنْ " موصولة والعائدُ عليها مِنْ صلتها محذوف أي: ولأنذَر الذي بلغه القرآن.

والثاني: أنَّ في " بَلَغ " ضميراً مرفوعاً يعود على " مَنْ " ويكون المفعولُ محذوفاً، وهو منصوب المحل أيضاً نسقاً على مفعول " لأنذركم " ، والتقدير: ولأنذر الذي بَلَغ الحُلُمَ، فالعائد هنا مستتر في الفعل.

والثالث: أن " مَنْ " مرفوعةُ المحلِّ نَسَقاً على الضمير المرفوع في " لأنذرَكم " وجاز ذلك لأنَّ الفصلَ بالمفعول والجارِّ والمجرور أغنى عن تأكيده، والتقدير: لأنذركم به ولينذركم الذي بلغه القرآن.

الجوهرة التاسعة والثلاثون

وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَاتِ ٱلرَّسُولِ أَلاۤ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

قوله: وَصَلَوَاتِ ٱلرَّسُولِ فيه وجهان

أظهرهما:أنه نسق على " قربات " وهو ظاهرُ كلام الزمخشري فإنه قال: " والمعنى أنَّ ما ينفقه سببٌ لحصور القربات عند الله " وصلوات الرسول " لأنه كان يدعو للمتصدِّقين بالخير كقوله: " اللهم صل على آل أبي أوفىٰ "

والثاني: ـ وجَوَّزَه ابن عطية ولم يذكر أبو البقاء غيره ـ أنها منسوقةٌ على " ما ينفق " ، أي: ويتخذ بالأعمال الصالحة وصلوات الرسول قربة.

الجوهرة الاربعون

وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ

قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

وقرأ العامَّةُ: " وشركاءَكم " نصباً وفيه أوجه،

أحدها: أنه معطوفٌ على " أَمْرَكم " بتقدير حذف مضاف، أي: وأمر شركاءكم كقوله:

وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ
[يوسف: 82]، ودلَّ على ذلك ما قدَّمْتُه من أن " أَجْمع " للمعاني.

والثاني: أنه عطف عليه من غير تقدير حذف مضاف، قيل: لأنه يقال أيضاً: أجمعت شركائي.

الثالث: أنه منصوب بإضمار فعلٍ لائق، أي: وأجمعوا شركاءكم بوصل الهمزة. وقيل: تقديره: وادعوا، وكذلك هي في مصحف أُبَيّ " وادعوا " فأضمرَ فعلاً لائقاً كقوله تعالىٰ:
وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ
[الحشر: 9]، أي: واعتقدوا الإِيمانَ، ومثلُه قولُ الآخر:
2609 ـ فَعَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارداً حتى شَتَتْ هَمَّالةً عيناها
وكقوله:
2610 ـ يا ليت زوجَك قد غدا مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحاً
/ وقول الآخر:
2611 ـ إذا ما الغانياتُ بَرَزْنَ يوماً وزَجَّجْنَ الحواجبَ والعيونا
يريد: ومُعْتَقِلاً رُمْحاً، وكحَّلْنَ العيونا. وقد تقدم أن في هذه الأماكن غيرَ هذا التخريج.

الرابع: أنه مفعولٌ معه، أي: مع " شركائكم " قال الفارسي: " وقد يُنْصب الشركاء بواو مع، كما قالوا: جاء البردُ والطَّيالسةَ " ، ولم يذكر الزمخشري غيرَ قولِ أبي علي. قال الشيخ: " وينبغي أَنْ يكونَ هذا التخريجُ على أنه مفعول معه من الفاعل، وهو الضمير في " فَأَجْمعوا " لا من المفعول الذي هو " أَمْرَكُمْ " وذلك على أشهرِ الاستعمالين، لأنه يقال: " أجمع الشركاءُ أمرَهم، ولا يقال: " جَمَع الشركاء أمرهم " إلا قليلاً، قلت: يعني أنه إذا جعلناه مفعولاً معه من الفاعل كان جائزاً بلا خلافٍ، لأنَّ مِن النحويين مَنْ اشترط في صحةِ نصبِ المفعول معه أن يصلح عَطْفُه على ما قبله، فإن لم يَصْلُحْ عطفُه لم يَصِحَّ نصبُه مفعولاً معه، فلو جعلناه من المفعول لم يَجُزْ على المشهور، إذ لا يَصْلُح عَطْفُه على ما قبله، إذ لا يقال: أجمعت شركائي، بل جَمَعْت.

وقرأ الزهري والأعمش والأعرج والجحدري وأبو رجاء ويعقوب والأصمعي عن نافع " فأجْمَعُوا " بوصل الألف وفتح الميم من جَمَع يَجْمَع، و " شركاءَكم " على هذه القراءةِ يتضح نصبه نسقاً على ما قبله، ويجوز فيه ما تقدم في القراءة الأولى من الأوجه...

وقرأ الحسن والسلمي وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق وسلام ويعقوب " وشركاؤكم " رفعاً. وفيه تخريجان،

أحدهما: أنه نسقٌ على الضمير المرفوع بأَجْمِعُوا قبله، وجاز ذلك إذ الفصلُ بالمفعولِ سَوَّغ العطف،

والثاني: أنه مبتدأ محذوف الخبر، تقديرُه: وشركاؤكم فَلْيُجْمِعوا أمرهم.

اسامة محمد خيري
11-08-2019, 13:55
الجوهرة الواحدة والاربعون

قَالُواْ يٰشُعَيْبُ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ

قال الالوسي فى تفسيره:

وقوله تعالى: أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوٰلُنَا مَا نَشَآءُ أجابوا به أمره بإيفاء الحقوق ونهيه عن البخس والنقص وهو عطف على مَا وأو بمعنى الواو أي وأن نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا من التطفيف وغيره، ولا يصح عطفه على أَن نَّتْرُكَ لاستحالة المعنى إذ يصير حينئذ ـ تأمرك بفعلنا في أموالنا ما نشاء من التطفيف وغيره ـ وهم منهيون عن ذلك لا مأمورون به، وحمل مَا على ما أشرنا إليه هو الظاهر،

وقال السمين فی دره المصون

قوله أَوْ أَن نَّفْعَلَ العامة على نون الجماعة أو التعظيم في " نفعل " و " نشاء ". وقرأ زيد بن علي وابن أبي عبلة والضحاك بن قيس بتاء الخطاب فيهما. وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة الأول بالنون والثاني بالتاء، فَمَنْ قرأ بالنون فيهما عَطفه على مفعول " نترك " وهو " ما " الموصولةُ/، والتقدير: أصلواتُك تأمركَ أن نَتْرُكَ ما يعبدُ آباؤنا، أو أن نترك أن نفعلَ في أموالِنا ما نشاء، وهو بَخْسُ الكَيْل والوَزْنِ المقدَّم ذكرُهما. و " أو " للتنويع أو بمعنى الواو، قولان، ولا يجوز عَطْفُه علىٰ مفعول " تأمرك "؛ لأن المعنىٰ يتغير، إذ يصير التقدير: أصلواتُك تأمُرك أن نفعلَ في أموالنا.

ومَنْ قرأ بالتاء فيهما جاز أن يكونَ معطوفاً على مفعول " تأمرك " ، وأن يكونَ معطوفاً على مفعول " نترك " ، والتقدير: أصلواتك تأمرك أن تفعل أنت في أموالنا ما تشاء أنت، أو أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو أن نترك أن تفعل أنت في أموالنا ما تشاء أنت.

ومَنْ قرأ بالنون في الأول وبالتاء في الثاني كان " أن نفعل " معطوفاً على مفعول " تأمرك " ، فقد صار ذلك ثلاثةَ أقسام، قسمٍ يتعينَّ فيه العطفُ على مفعول " نترك " وهي قراءةُ النونِ فيهما، وقسمٍ يتعيَّن فيه العطفُ على مفعول " تأمرك " ، وهي قراءةُ النون في " نفعل " والتاء في " تشاء " ، وقسمٍ يجوز فيه الأمران وهي قراءةُ التاء فيهما. والظاهرُ من حيث المعنىٰ في قراءة التاء فيهما أو في " تشاء " أن المراد بقولهم ذلك هو إيفاءُ المكيال والميزان؛ لأنه كان يأمرهم بهما. وقال الزمخشري: " المعنىٰ: تأمرك بتكليف أن نترك، فحذف المضاف لأنَّ الإِنسان لا يُؤْمَرُ بفعل غير

اسامة محمد خيري
11-08-2019, 13:56
الجوهرة الثانية والاربعون

يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً

قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

قوله: وَلاَ يَكْتُمُونَ فيه ستةُ أوجهٍ،

وذلك أنَّ هذه الواوَ تحتمل أن تكونَ للعطفِ وأن تكون للحالِ:

فِإنْ كانت للعطفِ احتمل أن يكون من عطف المفردات، وأن يكونَ من عطف الجمل، إذا تقرر هذا فيجوز أن [يكون] وَلاَ يَكْتُمُونَ عطفاً على مفعول " يود " أي: يَوَدُّون تسويةَ الأرض بهم وانتفاءَ كتمان الحديث، و " لو " على هذا مصدريةٌ، ويَبْعُدُ جَعْلُها حرفاً لِما كان سيقع لوقوعِ غيرِه، ويكونُ " ولا يكتمون " عطفاً على مفعول " يَوَدُّ " المحذوفِ. فهذان وجهان على تقدير كونِه من عطفِ المفردات.

ويجوزُ أَنْ يكونَ عطفاً على جملة " يَوَدُّ " ، أَخْبَرَ تعالى عنهم بخبرين أحدُهما: الوَدادة لكذا، والثاني: أنهم لا يَقْدِرُون على الكتم في مواطنَ دونَ مواطنَ، و " لو " على هذا مصدريةٌ، ويجوزُ أن تكونَ " لو " حرفاً لِما كان سيقع لوقوعِ غيره، وجوابُها محذوفٌ، ومفعولُ " يود " أيضاً محذوفٌ، ويكون " ولا يكتمون " عطفاً على " لو " وما في حَيِّزها، ويكونُ تعالى قد أخْبَرَ عنهم بثلاثِ جمل: الوَدادةِ وجملةِ الشرط بـ " لو " وانتفاءِ الكتمان، فهذان أيضاً وجهان على تقدير كونه من عطف الجمل.

وإنْ كانَتْ للحالِ جاز أن تكونَ حالاً من الضمير في " بهم " ، والعامل فيها " تُسَوَّى " ، ويجوزُ في " لو " حينئذٍ أَنْ تكونَ مصدريةً وأن تكون امتناعيةً، والتقديرُ: يَوَدُّون تسويةَ الأرضِ بهم غيرَ كاتمين، أو: لو تُسَوَّى بهم غيرَ كاتمين لكان بغيتَهم، ويجوز أن تكون حالاً من ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ، والعاملُ فيها " يود " ، ويكونُ الحال قيداً في الوَدادةِ، و " لو " على هذا مصدريةٌ في محلِّ مفعولِ الودادة، والمعنى: يومئذ يود الذين كفروا تسوية الأرض بهم غير كاتمين الله حديثاً، ويبعد أن تكون " لو " على هذا الوجه امتناعيةً للزوم الفصل بين الحال وعاملها بالجملة. و " يكتمون " يتعدى لاثنين، والظاهر أنه يصل إلى أحدهما بالحرف، والأصل: ولا يكتمون من الله حديثاً.

وقال الرازى فى تفسيره:

المسألة الرابعة: قوله: وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً فيه لأهل التأويل طريقان

: الأول: أن هذا متصل بما قبله. والثاني: أنه كلام مبتدأ،

فاذا جعلناه متصلا احتمل وجهين

: أحدهما: ما قاله ابن عباس : يودون لو تنطبق عليهم الأرض ولم يكونوا كتموا أمر محمد ولا كفروا به ولا نافقوا، وعلى هذا القول: الكتمان عائد إلى ما كتموا من أمر محمد ،

الثاني: أن المشركين لما رأوا يوم القيامة أن الله تعالى يغفر لأهل الاسلام ولا يغفر شركا، قالوا: تعالوا فلنجحد فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، رجاء أن يغفر الله لهم، فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يعملون، فهنالك يودون أنهم كانوا ترابا ولم يكتموا الله حديثا.

الطريق الثاني في التأويل: أن هذا الكلام مستأنف، فان ما عملوه ظاهر عند الله، فكيف يقدرون على كتمانه؟

اسامة محمد خيري
11-08-2019, 13:58
الجوهرة الثالثة والاربعون

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً

قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

قوله: وَتَرْغَبُونَ فيه أوجه، أحدُهما: - وهو الظاهر- أنه معطوفٌ على الصلةِ عطفَ جملةٍ مثبتةٍ على جملةٍ منفية أي: اللاتي لا تؤتونهن واللاتي ترغبون أن تنكوحوهُن، كقولك: " جاء الذي لا يَبْخَلُ ويكرم الضيفان "

والثاني: أنه معطوفٌ على الفعلِ المنفيِّ بـ " لا " أي: لا تؤتونهن ولا ترغبون...

قوله: وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ فيه ثلاثة أوجه

الأول - وهو الظاهر- أنه معطوفٌ على " يتامى النساء " أي: ما يتلى عليكم في يتامى النساء وفي المستضعفين، والذي تُلي عليهم فيهم قوله: يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ
[النساء: 11]، وذلك أنهم كانوا يقولون: لا نُوَرِّثُ إلا مَنْ يحمي الحَوْزة ويَذُبُّ عن الحرَمِ فيَحرمون المرأة والصغيرَ فنزلت.

والثاني: أنَّه في محلِّ جر عطفاً على الضمير في " فيهن " وهذا رأيٌ كوفي.

والثالث: أنه منصوب عطفاً على موضع " فيهن " أي: ويبيِّن حالَ المستضعفين. قال أبو البقاء: " وهذا التقديرُ يَدْخُلُ في مذهبِ البصريين مِنْ غيرِ كَلَفَةٍ " يعني أنه خير من مذهب الكوفيين، حيث يُعْطَفُ على الضمير المجرور مِنْ غير إعادَةِ الجار.

قوله: وَأَن تَقُومُواْ فيه خمسةُ أوجه: الثلاثة المذكورة فيما قبله فيكون هو كذلك لعطفِه على ما قبلَه، والمتلوُّ عليهم في هذا المعنى قولُه:
وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ
[النساء: 2] ونحوه

ملحوظة

ذكرنا الاية من قبل

اسامة محمد خيري
11-08-2019, 14:01
الجوهرة الرابعة والاربعون

وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ

قال الرازى فى تفسيره:

أما الواو في قوله: وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ ففيه (ثلاثة أقول):

أحدها: أنها واو عطف والمعنى أن اليهود أحرص الناس على حياة وأحرص من الذين أشركوا كقولك: هو أسخى الناس ومن حاتم. هذا قول الفراء والأصم. فإن قيل: ألم يدخل الذين أشركوا تحت الناس؟ قلنا: بلى ولكنهم أفردوا بالذكر لأن حرصهم شديد وفيه توبيخ عظيم لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بالمعاد وما يعرفون إلا الحياة الدنيا فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقياً باعظم التوبيخ، فإن قيل: ولم زاد حرصهم على حرص المشركين؟ قلنا: لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك.

القول الثاني: أن هذه الواو واو استئناف وقد تم الكلام عند قوله: «على حياة» (و) تقديره ومن الذين أشركوا أناس يود أحدهم على حذف الموصوف كقوله:
وَمَا مِنَّا إِلاَّ له مَقَامٌ مَّعْلُومٌ
[الصافات: 164].

القول الثالث: أن فيه تقديماً وتأخيراً وتقديره. ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على حياة، ثم فسر هذه المحبة بقوله: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وهو قول أبي مسلم، والقول الأول أولى لأنه إذا كانت القصة في شأن اليهود خاصة فالأليق بالظاهر أن يكون المراد: ولتجدن اليهود أحرص على الحياة من سائر الناس ومن الذين أشركوا ليكون ذلك أبلغ في إبطال دعواهم وفي إظهار كذبهم في قولهم. إن الدار الآخرة لنا لا لغيرنا والله أعلم.

الجوهرة الخامسة والاربعون

وَفِي مُوسَىٰ إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ

قال السمين الحلبي فى الدر المصون:

قوله: وَفِي مُوسَىٰ : فيه أوجهٌ، أحدُها: ـ وهو الظاهر ـ أنه عطفٌ على قولِه: " فيها " بإعادةِ الجارِّ؛ لأن المعطوفَ عليه ضميرٌ مجرورٌ فيتعلَّقُ بـ " تَرَكْنا " من حيث المعنى، ويكونُ التقديرُ: وتَرَكْنا في قصةِ موسى آيةً. هذا معنىً واضحٌ. والثاني: أنه معطوفٌ على قولِه:
وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ
[الذاريات: 20] أي: وفي الأرضِ وفي موسى آياتٌ للموقِنين، قاله الزمخشري وابنُ عطية. قال الشيخُ: " وهذا بعيدٌ جداً يُنَزَّه القرآنُ عن مثلِه ". قلت: ووجهُ استبعادِه له: بُعْدُ ما بينهما، وقد فعل أهلُ العلمِ هذا في أكثرَ من ذلك. الثالث: أنه متعلقٌ بـ " جَعَلْنا " مقدرةً لدلالةِ " وتَرَكْنا ". قال الزمخشري: " أو على قولِه ـ يعني أو يُعْطَفُ على قولِ ـ وترَكْنا فيها آيةً على معنى: وجَعَلْنا في موسى آيةً كقوله:
4111ـ فَعَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارداً ............................
قال الشيخ: " ولا حاجةَ إلى إضمار " وجَعَلْنا " لأنه قد أمكن أَنْ يكونَ العامل في المجرور " وتَرَكْنا ". قلت: والزمخشريُّ إنما أراد الوجهَ الأولَ بدليلِ قوله: " وفي موسى معطوفٌ على " وفي الأرض " أو على قوله: " وتركْنا فيها ". وإنما قال: " على معنى " من جهةِ تفسيرِ المعنى لا الإِعراب، وإنما أظهر الفعلَ تنبيهاً على مغايرة الفعلَيْن. يعني: أن هذا التركَ غيرُ ذاك التركِ، ولذلك أبرزَه بمادةِ الجَعْلِ دون مادة التركِ لتظهرَ المخالفةُ

الجوهرة السادسة والاربعون

إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ وَٱلنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ

قال السمين الحلبي فى الدرالمصون:

قوله تعالى: وَٱلصَّابِئُونَ : الجمهور على قراءته بالواو وكذلك هو في مصاحف الأمصار. وفي رفعةِ تسعة أوجه،.........

الوجه الثالث: / أن يكون معطوفاً على الضميرِ المستكنِّ في " هادوا " أي: هادوا هم والصابئون، وهذا قول الكسائي، ورَدَّه تلميذه الفراء والزجاج قال الزجاج: " هو خطأ من جهتين " إحداهما: أن الصابئ في هذا القول يشارك اليهودي في اليهودية، وليس كذلك، فإن الصابئ هو غيرُ اليهودي، وإن جُعِل " هادوا " بمعنى تابوا من قوله تعالى:
إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ
[الأعراف: 156] لا من اليهودية، ويكون المعنى: تابوا هم والصابئون، فالتفسيرُ قد جاء بغير ذلك؛ لأنَّ معنى " الذين آمنوا " في هذه الآية إنما هو إيمانٌ بأفواههم لأنه يريد به المنافقين، لأنه وصفُ الذين آمنوا بأفواهِهم ولم تؤمِنْ قلوبُهم، ثم ذَكَر اليهود والنصارى فقال: مَنْ آمنَ منهم بالله فله كذا، فجعَلَهم يهوداً ونصارى، فلو كانوا مؤمنين لم يحتجْ أَنْ يقال: " مَنْ آمنَ فلهم أجرهم ". قلت: هذا على أحدِ القولين أعني أن " الذين آمنوا " مؤمنون نفاقاً. ورَدَّه أبو البقاء ومكي ابن أبي طالب بوجهٍ آخرَ وهو عدمُ تأكيدِ الضمير المعطوفِ عليه. قلت: هذا لا يلزمُ الكسائي، لأنَّ مذهبَه عدمُ اشتراط ذلك، وإنْ كان الصحيحُ الاشتراطَ، نعم يلزم الكسائي من حيث إنه قال بقولٍ تردُّه الدلائلُ الصحيحة، والله أعلم.

اسامة محمد خيري
11-08-2019, 14:07
الجوهرة السابعة والاربعون

بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ

قال السمين الحلبي فى الدر المصون:

قوله تعالى: وَقَالُوۤاْ : هل هذه الجملة معطوفة على جواب " لو " والتقدير: ولو رُدُّوا لعادوا ولقالوا، أو هي مستأنفة ليست داخلةً في حَيِّز " لو " ،/ أو هي معطوفةٌ على قوله: وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ؟ ثلاثة أوجه، ذكر الزمخشري الوجهين الأول والآخِر فإنه قال: " وقالوا عطف على " لعادوا " أي: لو رُدُّوا لكفروا ولقالوا: إنْ هي إلا حياتنا الدنيا، كما كانوا يقولون قبل معاينة القيامة، ويجوز أن يُعْطف على قوله: وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ على معنى: وإنهم لقوم كاذبون في كل شيء ". والوجهُ الأولُ منقول عن ابن زيد، إلا أن ابن عطية ردَّه فقال: " وتوقيفُ اللَّهِ لهم في الآية بعدها على البعث والإِشارة إليه في قوله
أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ
[آل عمران: 30] يردُّ على هذا التأويل ". وقد يُجاب عن هذا باختلاف حالين: فإنَّ إقرارَهم بالبعث حقيقةً إنما هو في الآخرة، وإنكارَهم ذلك إنما هو الدنيا بتقدير عَوْدِهم إلى الدنيا، فاعترافهم به في الدار الآخرة غيرُ منافٍ لإِنكارهم إياه في الدنيا.

فاعترافهم به في الدار الآخرة غيرُ منافٍ لإِنكارهم إياه في الدنيا.


الجوهرة الثامنة والاربعون

وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ

قال السمين الحلبي فى الدر المصون:

قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ : هذه الجملة فيها أوجه،

أحدهما: أنها مستأنفة قالوا: ولا يجوز أن تكون منسوقةً على ما قبلها، لأن الأولى طلبية وهذه خبرية، وتُسَمَّى هذه الواوُ واوَ الاستئناف.

والثاني: أنها منسوقةٌ على ما قبلها ولا يُبالى بتخالفهما وهو مذهب سيبويه، وقد تقدَّم تحقيق ذلك، وقد أَوْرَدْتُ من ذلك شواهد صالحة من شعر وغيره.

والثالث: أنها حالية أي: لا تأكلوه والحال أنه فسق. وقد تبجَّح الإِمام الرازي بهذا الوجه على الحنفيَّة حيث قَلَبَ دليلهم عليهم بهذا الوجه، وذلك أنهم يمنعون مِنْ أَكْلِ متروك التسمية، والشافعية لا يمنعون منه، استدلَّ عليهم الحنفية بظاهر هذه الآية فقال الرازي: " هذه الجملة حالية، ولا يجوز أن تكون معطوفة لتخالفهما طلباً وخبراً فتعيَّن أن تكون حالية، وإذا كانت حالية كان المعنى: لا تأكلوه حال كونه فسقاً، ثم هذا الفسق مجمل قد فسَّره الله تعالى في موضع آخر فقال:
أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ
[الأنعام: 145] يعني أنه إذا ذُكر على الذبيحة غيرُ اسم الله فإنه لا يجوز أكلُها لأنه فسقٌ " ونحن نقول به، ولا يلزم من ذلك أنه إذا لم يُذْكَر اسمُ الله ولا اسمُ غيره أن تكون حراماً لأنه ليس بالتفسير الذي ذكرناه. وللنزاع فيه مجال من وجوه، منها: أنها لا نُسَلِّم امتناع عطف الخبر على الطلب والعكس كما قدَّمْتُه عن سيبويه، وإن سُلِّم فالواو للاستئناف كما تقدَّم وما بعدها مستأنف، وإن سُلِّم أيضاً فلا نُسَلِّم أنَّ " فسقاً " في الآية الأخرى مُبَيِّن للفسق في هذه الآية، فإنَّ هذا ليس من باب المجمل والمبيِّن لأن له شروطاً ليست موجودةً هنا.

وهذا الذي قاله مستمد من كلام الزمخشري فإنه قال " فإن قلت: قد ذهب جماعة من المجتهدين إلى جواز أَكْلِ ما لم يُذْكَرِ اسم الله عليه بنسيانٍ أو عَمْد. قلت: قد تأوَّله هؤلاء بالميتة وبما ذُكر غيرُ اسمِ الله عليه كقوله:
أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ
[الأنعام: 145] فهذا أصل ما ذكره ابن الخطيب وتبجَّح به.

وقال الرازى فى تفسيره:

المسألة الأولى: نقل عن عطاء أنه قال: كل ما لم يذكر عليه اسم الله من طعام أو شراب، فهو حرام، تمسكاً بعموم هذه الآية. وأما سائر الفقهاء فإنهم أجمعوا على تخصيص هذا العموم بالذبح، ثم اختلفوا فقال مالك: كل ذبح لم يذكر عليه اسم الله فهو حرام، سواء ترك ذلك الذكر عمداً أو نسياناً. وهو قول ابن سيرين وطائفة من المتكلمين. وقال أبو حنيفة تعالى: إن ترك الذكر عمداً حرم، وإن ترك نسياناً حل. وقال الشافعي تعالى: يحل متروك التسمية سواء ترك عمداً أو خطأ إذا كان الذابح أهلاً للذبح، وقد ذكرنا هذه المسألة على الاستقصاء في تفسير قوله:
إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ
[المائدة: 3] فلا فائدة في الإعادة، قال الشافعي تعالى: هذا النهي مخصوص بما إذا ذبح على اسم النصب، ويدل عليه وجوه: أحدها: قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وأجمع المسلمون على أنه لا يفسق أكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية. وثانيها: قوله تعالى: وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَـٰدِلُوكُمْ وهذه المناظرة إنما كانت في مسألة الميتة، روي أن ناساً من المشركين قالوا للمسلمين: ما يقتله الصقر والكلب تأكلونه، وما يقتله الله فلا تأكلونه. وعن ابن عباس أنهم قالوا: تأكلون ما تقتلونه ولا تأكلون ما يقتله الله، فهذه المناظرة مخصوصة بأكل الميتة، وثالثها: قوله تعالى: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ وهذا مخصوص بما ذبح على اسم النصب، يعني لو رضيتم بهذه الذبيحة التي ذبحت على اسم إلهية الأوثان، فقد رضيتم بإلهيتها وذلك يوجب الشرك. قال الشافعي تعالى: فأول الآية وإن كان عاماً بحسب الصيغة، إلا أن آخرها لما حصلت فيه هذه القيود الثلاثة علمنا أن المراد من ذلك العموم هو هذا الخصوص، ومما يؤكد هذا المعنى هو أنه تعالى قال: وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ فقد صار هذا النهي مخصوصاً بما إذا كان هذا الأمر فسقاً، ثم طلبنا في كتاب الله تعالى أنه متى يصير فسقاً؟ فرأينا هذا الفسق مفسراً في آية أخرى، وهو قوله:
قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لغير الله به
[الأنعام: 145] فصار الفسق في هذه الآية مفسراً بما أهل به لغير الله، وإذا كان كذلك كان قوله: وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ مخصوصاً بما أهل به لغير الله

اسامة محمد خيري
11-08-2019, 14:08
الجوهرة التاسعة والاربعون
ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ * وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ

قال السمين الحلبي فى الدرالمصون:

قوله: وَهُوَ بِٱلأُفُقِ : فيه وجهان، أظهرهما: أنه مبتدأٌ، و " بالأفق " خبرُه، والضميرُ لِجبريلَ أو للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم. ثم في هذه الجملةِ وجهان، أحدُهما: أنَّ هذه الجملةَ حالٌ مِنْ فاعل " استوى " قاله مكي. والثاني: أنها مستأنفةٌ أخبر تعالى بذلك. والثاني: أنَّ " هو " معطوفٌ على الضميرِ المستترِ في " استوى ". وضميرُ " استوى " و " هو ": إمَّا أن يكونا لله تعالى، وهو قولُ الحسنِ. وقيل: ضميرُ " استوى " لجبريل و " هو " لمحمد . وقيل: بالعكس. وهذا الوجهُ الثاني إنما يتمشَّى على قول الكوفيين؛ لأن فيه العطفَ على الضمير المرفوع المتصل مِنْ غيرِ تأكيدٍ ولا فاصلٍ. وهذا الوجهُ منقولٌ عن الفراء والطبريِّ.

الجوهرة الخمسون

فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ٱلْكِتَٰبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ

قال السمين الحلبي فى الدر المصون:

قوله: " دَرَسُواْ " فيه ثلاثة أوجه،

أظهرها ما قال الزمخشري وهو كونُه معطوفاً على قوله " ألم يُؤْخَذْ " لأنه تقرير، فكأنه قيل: أُخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا، وهو نظيرُ قوله تعالى
أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ
[الشعراء: 18] معناه: قد ربَّيْناك ولَبِثْتَ

. والثاني: أنه معطوف على " وَرِثوا ". قال أبو البقاء: " ويكون قولُه " ألم يُؤْخَذْ " معترضاً بينهما، وهذا الوجهُ سبقه إليه الطبري وغيره.

الثالث: أنه على إضمار قد، والتقدير: وقد درسوا. قلت: وهو على هذا منصوب على الحال نسقاً على الجملة الشرطية أي: يقولون: سيُغْفر لنا في هذه الحال، ويجوز أن يكونَ حالاً من فاعل " يأخذوه " ، أي: يأخذون العرضَ في حال دَرْسِهم ما في الكتاب المانع من أخذ الرِّشا.

اسامة محمد خيري
11-08-2019, 15:04
الجوهرة الواحدة و الخمسون

{ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ }

قال السمين:

قوله: { مِّنَ الْغَمَامِ } فيه وجهانِ، أحدُهما: أنه متعلقٌ بمحذوف؛ لأنه صفةٌ لـ " ظُلَل " التقدير: ظُلَلٍ كائنةٍ من الغَمام. و " مِنْ " على هذا للتبعيضِ.

والثاني: أنها متعلقةٌ بـ " يأتيهم " ، وهي على هذا لابتداءِ الغاية،/ أي: من ناحيةِ الغمام.

والجمهور: " الملائكةُ " رفعاً عطفاً على اسم " الله ". وقرأ الحسن وأبو جعفر: " والملائكةِ " جراً وفيه وجهان، أحدُهما: الجر عطفاً على " ظُلَلٍ " ، أي: إلا أن يأتيهم في ظللٍ وفي الملائكة؛ والثاني: الجر عطفاً على " الغمام " أي: من الغمام ومن الملائكة، فتوصفُ الملائكة بكونِهَا ظُللاً على التشبيه

اسامة محمد خيري
11-08-2019, 15:10
الجوهرة الثانية والخمسون

{ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }

قال الالوسي:

وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآء } ابتداء إخبار بأن بعض هؤلاء الذين
أمروا بمقاتلتهم يتوب من كفره فيتوب الله تعالى عليه وقد كان كذلك حيث أسلم منهم / أناس وحسن إسلامهم. وقرأ الأعرج وابن أبـي إسحاق وعيسى الثقفي وعمرو بن عبيد وَيَتُوبَ بالنصب ورويت عن أبـي عمرو ويعقوب أيضاً، واستشكلها الزجاج بأن توبة الله تعالى على من يشاء واقعة قاتلوا أو لم يقاتلوا والمنصوب في جواب الأمر مسبب عنه فلا وجه لادخال التوبة في جوابه،

وقال ابن جني: إن ذلك كقولك: إن تزرني أحسن إليك وأعطِ زيداً كذا على أن المسبب عن الزيارة جميع الأمرين لا أن كل واحد مسبب بالاستقلال، وقد قالوا بنظير ذلك في قوله تعالى:
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تأخَّرَ
[الفتح: 1-2] الخ وفيه تعسف.

وقال بعضهم: إنه تعالى لما أمرهم بالمقاتلة شق ذلك على البعض فإذا قاتلوا جرى قتالهم جرى التوبة من تلك الكراهية فيصير المعنى إن تقاتلوهم يعذبهم الله ويتب عليكم من كراهة قتالهم، ولا يخفى أن الظاهر أن التوبة للكفار، وذكر بعض المدققين أن دخول التوبة في جملة ما أجيب به الأمر من طريق المعنى لأنه يكون منصوباً بالفاء فهو على عكس
فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن
[المنافقون: 10] وهو المسمى بعطف التوهم، ووجهه أن القتال سبب لغل شوكتهم وإزالة نخوتهم فيتسبب لذلك لتأملهم ورجوعهم عن الكفر كما كان من أبـي سفيان وعكرمة وغيرهما، والتقييد بالمشيئة للإشارة إلى أنها السبب الأصلي وأن الأول سبب عادي وللتنبيه إلى أن إفضاء القتال إلى التوبة ليس كإفضائه إلى البواقي؛ وزعم بعض الأجلة أن قراءة الرفع على مراعاة المعنى حيث ذكر مضارع مرفوع بعد مجزوم هو جواب الأمر ففهم منه أن المعنى ويتوب الله على من يشاء على تقدير المقابلة لما يرون من ثباتكم وضعف حالهم. وأما على قراءة النصب فمراعاة اللفظ إذ عطف على المجزوم منصوب بتقدير نصبه وليس بشيء، والحق أنه على الرفع مستأنف كما قدمنا وَٱللَّهُ عَلِيمٌ لا تخفى عليه خافية حَكِيمٌ لا يفعل ولا يأمر إلا بما فيه حكمة ومصلحة فامتثلوا أمره ، وإيثار إظهار الاسم الجليل على الإضمار لتربية المهابة وإدخاله الروعة.

وقال السمين الحلبي فى الدر المصون:

وقرأ زيد بن علي والأعرج وابن أبي إسحاق وعمرو بن عبيد، وعمرو بن فائد، وعيسى الثقفي، وأبو عمرو ـ في رواية ـ ويعقوب: " ويتوبَ " بالنصب.

فأمَّا قراءةُ الجمهورِ فإنها استئنافُ إخبارٍ، وكذلك وقع فإنه قد أَسْلَمَ ناسٌ كثيرون. قال الزجاج وأبو الفتح: " وهذا أمرٌ موجودٌ سواءً قوتلوا أم يُقاتَلوا، ولا وجهَ لإِدخال التوبة في جوابِ الشرط الذي في " قاتِلوهم ". يَعْنيان بالشرط ما فُهِمَ من الجملةِ الأمرية.

وأمَّا قراءةُ زيد وَمَنْ ذُكِر معه، فإنَّ التوبةَ تكونُ داخلةً في جوابِ الأمر من طريقِ المعنى. وفي توجيهِ ذلك غموضٌ: فقال بعضهم: إنَّه لمَّا أَمَرَهُمْ بالمقاتلة شَقَّ ذلك على بعضِهم، فإذا أقدموا على المقاتلةِ، صار ذلك العملُ جارياً مَجْرى التوبة من تلك الكراهة. قلت: فيصير المعنى: إن تقاتلوهم يُعَذِّبْهم ويتبْ عليكم من تلك الكراهة لقتالهم.

وقال آخرون في توجيه ذلك: إنَّ حصولَ الظفر وكثرةَ الأموال لذَّةٌ تُطلب بطريقٍ حرامٍ، فلمَّا حَصَلَتْ لهم بطريقٍ حلالٍ، كان ذلك داعياً لهم إلى التوبة ممَّا تقدم، فصارت التوبةُ معلقةً على المقاتلة.

وقال ابن عطية في توجيهِ ذلك أيضاً: " يتوجَّه ذلك عندي إذا ذُهِب إلى أن التوبةَ يُراد بها هنا [أنَّ] قَتْلَ الكافرين والجهاد في سبيل الله هو توبةٌ لكم أيُّها المؤمنون وكمالٌ لإِيمانكم، فتدخلُ التوبة على هذا في شرطِ القتال ". قال الشيخ: " وهذا الذي قدَّره من كونِ التوبة تدخل تحت جوابِ الأمر، وهو بالنسبة للمؤمنين الذين أُمِرُوا بقتال الكفار. والذي يظهر أنَّ ذلك بالنسبة إلى الكفار، والمعنى: على مَنْ يشاء من الكفار، لأنَّ قتالَ الكفارِ وغلبةَ المسلمين إياهم، قد يكونُ سبباً لإِسلام كثير. ألا ترى إلى فتح مكة كيف أسلم لأجله ناسٌ كثيرون، وحَسُن إسلامُ بعضِهم جداً، كابن أبي سرح وغيره ". قلت: فيكون هذا توجيهاً رابعاً، ويصيرُ المعنى: إن تقاتلوهم يتب الله على مَنْ يشاء من الكفار أي: يُسْلِمُ مَنْ شاء منهم.

وقال القرطبي فى تفسيره:
قوله تعالىٰ: وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ القراءة بالرفع على الاستئناف؛ لأنه ليس من جنس الأوّل. ولهذا لم يقل «ويتُبْ» بالجزم؛ لأن القتال غير موجب لهم التوبة من الله جلّ وعزّ. وهو موجب لهم العذاب والخزي، وشفاء صدور المؤمنين وذهاب غيظ قلوبهم ونظيره: «فَإنْ يَشَإ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ» تَم الكلام. ثم قال:
وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ
[الشورى: 24]. والذين تاب الله عليهم مثل أبي سفيان وعِكرمة بن أبي جهل وسليم بن أبي عمرو؛ فإنهم أسلموا. وقرأ ابن أبي إسحاق «وَيَتُوبَ» بالنصب. وكذا رُوي عن عيسى الثّقفي والأعرج، وعليه فتكون التوبة داخلة في جواب الشرط؛ لأن المعنى: إن تقاتلوهم يعذبهم الله. وكذلك ما عطف عليه. ثم قال: وَيَتُوبُ ٱللَّهُ أي إن تقاتلوهم. فجمع بين تعذيبهم بأيديكم وشفاء صدوركم وإذهاب غيظ قلوبكم والتوبة عليكم. والرفع أحسن؛ لأن التوبة لا يكون سببها القتال؛ إذْ قد تُوجد بغير قتال لمن شاء الله أن يتوب عليه في كل حال

اسامة محمد خيري
12-08-2019, 12:36
الجوهرة الثالثة والخمسون

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

قال السمين الحلبي فى الدر المصون:

وقال الزمخشري: وَمَن كَفَرَ عَطْفٌ على " مَنْ آمَنَ " كما عَطَفَ " ومِنْ ذريتي " على الكافِ في " جاعِلُك ". قال الشيخ: أمَّا عطفُ " مَنْ كَفَر " على " من آمَنَ " فلا يَصِحُّ لأنه يتنافى تركيبُ الكلامِ، لأنه يصيرُ المعنى: قال إبراهيم: وارزُقْ مَنْ كَفَرَ لأنه لا يكونُ معطوفاً عليه حتى يُشْرِكَه في العامل، و " من آمن " العامل فيه فعلُ الأمر وهو العاملُ في " ومَنْ كفر " ، وإذا قَدَّرْتَه أمراً تنافى مع قوله " فَأُمَتِّعه " لأنَّ ظاهرَ هذا إخبارٌ من اللهِ بنسبةِ التمتع وإلجائِهم إليه تعالى وأنَّ كلاً من الفعلين تضمَّن ضميراً، وذلك لا يجوزُ إلا على بُعْدٍ بأن يكون بعد الفاء قولٌ محذوفٌ فيه ضميرٌ الله تعالى أي: قال إبراهيم وارزُقْ مَنْ كفر، فقال الله أمتِّعُه قليلاً ثم اضطرُّه، ثم ناقَضَ الزمخشري قوله هذا أنه عَطَفَ على " مَنْ " كما عَطَفَ " ومِنْ ذرِّيتي " على الكاف في " جاعِلك " فقال: " فإنْ قُلْتَ لِمَ خَصَّ إبراهيمُ المؤمنينَ حتى رَدَّ عليه؟ قلت: قاسَ الرزقَ على الإِمامة فَعَرَف الفرْقَ بينهما بأنَّ الإِمَامة لا تكون للظالِم، وأمَّا الرزقُ فربما يكون استدراجاً، والمعنى: قال وأرزقُ مَنْ كفر فأمتِّعه " فظاهرُ قولِه " والمعنى قال " أنَّ الضمير ٌٌٌٌٌٌفي " قال " لله تعالى، وأنَّ " مَنْ كَفَرَ " منصوبٌ بالفعلِ المضارعِ المسندِ إلى ضميرِ المتكلِّم "
قال الامام ابو حيان فى البحر:

وقرأ ابن عباس ومجاهد وغيرهما: فأمتعه قليلاً ثم أضطره على صيغة الأمر فيهما، فأما على هذه القراءة فيتعين أن يكون الضمير في: قال، عائداً على إبراهيم، لما دعا للمؤمنين بالرزق، دعا على الكافرين بالأمتاع القليل والإلزاز إلى العذاب. ومن: على هذه القراءة يحتمل أن تكون في موضع رفع، على أن تكون موصولة أو شرطية، وفي موضع نصب على الاشتغال على الوصل أيضاً.
وأما على قراءة الباقين فيتعين أن يكون الضمير في: قال، عائداً على الله تعالى،

اسامة محمد خيري
12-08-2019, 12:38
الجوهرة الرابعة والخمسون

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ ٱلْكِتَابِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

قال السمين الحلبي فى الدر المصون
قوله: وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ يجوزُ في " ما " وجهان، أحدُهما: أن تكونَ في محلِّ نصبٍ عطفاً على " نعمة " أي اذكروا نعمتَه والمُنَزَّل عليكم، فعلى هذا يكون قولُه " يَعِظُكُم " حالاً، وفي صاحبِها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه الفاعلُ في " أنزل " وهو اسمُ الله تعالى، أي: أنزله واعظاً به لكم. والثاني: أنه " ما " الموصولةُ، والعاملُ في الحالِ اذكروا. والثالث: أنه العائد على " ما " المحذوفُ، أي: وما أنزلهُ موعوظاً به، فالعاملُ في الحالِ على هذا القولِ وعلى القولِ الأولِ أَنْزَل.

والثاني: من وَجْهَي " ما " أن تكونَ في محلِّ رفع بالابتداء، ويكون " يَعِظُكُم " على هذا في محلِّ رفعٍ خبراً لهذا المتبدإِ، أي: والمُنَزَّلُ عليكم موعوظُ به. وأولُ الوَجْهَيْنِ أقوى وأحسنُ.

الجوهرة الخامسة والخمسون

فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ

قال السمين الحلبي فى الدر المصون

قوله: وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ في محلِّ " مَنْ " أوجهٌ،

أحدُها: الرفعُ عطفاً على التاءِ في " أَسْلَمْتُ " ، وجاز ذلك لوجودِ الفصلِ بالمفعولِ، قاله الزمخشري وبه بَدَأَ، وكذلك ابنُ عطية. قال الشيخُ: " ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ على ظاهِرِهِ؛ لأنه إذا عُطِفَ على الضميرِ في نحو: " أُكلتُ رغيفاً وزيدٌ " لَزِمَ مِنْ ذلك أَنْ يَكونا شريكَيْنِ في أكلِ الرغيف، وهنا لا يَسُوغُ [فيه] ذلك لأنَّ المعنى ليس على: أَسْلَمُوا هم وهو وجهَه الله، بل المعنى على أنَّه أَسْلَمَ وجهَهُ لله، وهم أَسْلموا وجوهَهم لله، فالذي يَقوَى في الإِعرابِ أنه معطوفٌ على الضمير محذوفٌ منه المفعولُ، لا مشارِكٌ في مفعولِ " أَسْلَمْتُ " والتقديرُ: " وَمَنِ اتَّبَعَنِي وجهَه أو أنه مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ، لدلالةِ المعنى عليه، والتقديرُ: ومَنِ اتَّبعني كذلك أي: أَسْلَموا وجوهَهم لله، كما تقول: " قَضَى زيدٌ نَحْبَهُ وعَمروٌ " أي: وعمروٌ كذلك، أي: قَضَى نَحْبَه ".

قلت: إنَّما صَحَّ في نحوِ: " أكلتُ رغيفاً وزيدٌ " المشاركةُ لإِمكانِ ذلك، وأمَّا نحوُ الآيةِ الكريمةِ فلا يَتَوَهَّمُ أحدٌ فيه المشاركةَ.

الثاني: أنه مرفوعٌ بالابتداءِ والخبرُ محذوفٌ كما تقدَّم تقريرُهُ.

الثالث: أنه منصوبٌ على المعيَّة، والواوُ بمعنى مع، أي: أَسْلَمْتُ وجهيَ لله مع مَنِ اتَّبعني، قاله الزمخشري أيضاً. قال الشيخُ: " ومِن الجهة التي امتَنَعَ عَطْفُ " ومَنْ " على الضمير إذا حَمَلَ الكلامَ على ظاهِرِهِ دونَ تأويلٍ يمتنعُ كونُ " مَنْ " منصوباً على أنه مفعولٌ معه، لأنَّك إذا قلت: " أكلتُ رغيفاً وعمراً " أي: مع عمرٍو دَلَّ ذلك على أنه مشارِكٌ لك في أَكْلِ الرغيف، وقد أجاز الزمخشري هذا الوجه، وهو لا يجوزُ لِما ذكرنا على كلِّ حال؛ لأنه لا يجوزُ حَذْفُ المفعولِ مع كونِ الواوِ واوَ " مع " البتة ". قلت: فَهْمُ المعنى وعَدَمُ الإِلباسُ يُسَوِّغُ ما ذكرَهُ الزمخشري، وأيُّ مانِعٍ من أنَّ المعنى: فقل: أسلمتُ وجهيَ لله مصاحباً لِمَنْ أسلمَ وجهَهُ لله أيضاً، وهذا معنًى صحيح مع القولِ بالمعية.

الرابع: أنَّ محلَّ " مَنْ " الخفضُ نَسَقاً على اسمِ الله ، وهذا الإِعرابُ وإنْ كان ظاهرُهُ مُشْكلاً، فقد يُؤَوَّلَ على معنى: جَعَلْتُ مَقْصَدِي لله بالإِيمانِ به والطاعةِ له ولِمَنْ اتَّبعني بالحفظِ له، والتحفِّي بعلمه وبرأيه وبصحبته.

اسامة محمد خيري
12-08-2019, 12:39
الجوهرة السادسة والخمسون

سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً

قال السمين الحلبي فى الدر المصون:

قوله: " وثامِنُهُم " في هذه الواوِ أوجهٌ، أحدُها: أنها عاطفةٌ، عَطَفَتْ هذه الجملةَ على جملةِ قولِه " هم سبعة " فيكونون قد أَخبَرو بخبرين، أحدُهما: أنهم سبعةُ رجالٍ على البَتِّ. والثاني أنَّ ثامنَهم كلبُهم، وهذا يُؤْذِنُ بأنَّ جملةَ قولِه وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ مِنْ كلام المتنازِعِيْنَ فيهم.

الثاني: أنَّ الواوَ للاستئنافِ، وأنَّه مِنْ كلامِ الله تعالى أخبر عنهم بذلك. قال هذا القائلُ: وجيءَ بالواوِ لتعطي انقطاعَ هذا ممَّا قبله.

الثالث: أنها الواوُ الداخلةُ على الصفةِ تأكيداً، ودلالةً على لَصْقِ الصفةِ بالموصوفِ. وإليه ذهب الزمخشري، ونَظَّره بقولِه:
مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ
[الحجر: 4].

ورَدَّ الشيخ عليه: بأنَّ أحداً من النحاة لم يَقُلْه، وقد تقدَّم القولُ في ذلك.

الرابع: أنَّ هذه تُسَمَّى واوَ الثمانية، وأنَّ لغةَ قريش إذا عَدُّوا يقولون: خمسة ستة سبعة وثمانية تسعة، فيُدْخلون الواوَ على عَقْدِ الثمانيةِ خاصة. ذكر ذلك ابن خالويه وأبو بكر راوي عاصم. قلت: وقد قال ذلك بعضُهم في قولِه تعالى:
وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا
[الآية: 73] في الزمر فقال: دخلَتْ في أبوابِ الجنة لأنها ثمانيةٌ، ولذلك لم يُجَأْ بها في أبوابِ جهنم لأنها سبعةٌ وسيأتي هذا إن شاء الله.

وقال الالوسي فى تفسيره:

أما إذا قيل إن قوله تعالى: وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ استئناف منه سبحانه لا حكاية عنهم فيفهم أن القائلين سبعة أصابوا ولا يلزم أن يكون خبراً بعد خبر، ويقويه ذكر رَجْماً بِٱلْغَيْبِ قبل الثالثة فدل على أنها مخالفة لما قبلها في الرجم بالغيب فتكون صدقاً البتة إلا أن هذا الوجه يضعف من حيث إن الله تعالى قال: مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فلو جعل وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ تصديقاً منه تعالى لمن قال سبعة لوجب أن يكون العالم بذلك كثيراً فإن أخبار الله تعالى صدق فدل على أنه لم يصدق منهم أحد، وإذا كان كذلك وجب أن تكون الجملة كلها متساوية في المعنى، وقد تعذر أن تكون الأخيرة وصفاً فوجب أن يكون الجميع كذلك انتهى.

وقال الرازى فى تفسيره

روى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد وكان يعقوبياً كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم، وقال العاقب وكان نسطورياً كانوا خمسة سادسهم كلبهم، وقال المسلمون كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، قال أكثر المفسرين هذا الأخير هو الحق ويدل عليه وجوه. الأول: أن الواو في قوله: وَثَامِنُهُمْ هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الواقعة حالاً عن المعرفة في نحو قولك جاءني رجل ومعه آخر، ومررت بزيد وفي يده سيف، ومنه قوله تعالى:
وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَـٰبٌ مَّعْلُومٌ
[الحجر: 4] وفائدتها توكيد ثبوت الصفة للموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، فكانت هذه الواو دالة على صدق الذين قالوا إنهم كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، وأنهم قالوا قولاً متقرراً متحققاً عن ثبات وعلم وطمأنينة نفس. الوجه الثاني: قالوا: إنه تعالى خص هذا الموضع بهذا الحرف الزائد وهو الواو فوجب أن تحصل به فائدة زائدة صوناً للفظ عن التعطيل، وكل من أثبت هذه الفائدة الزائدة قال المراد منها تخصيص هذا القول بالإثبات والتصحيح. الوجه الثالث: أنه تعالى أتبع القولين الأولين بقوله: رَجْماً بِٱلْغَيْبِ وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه، فوجب أن يكون المخصوص بالظن الباطل هو القولان الأولان، وأن يكون القول الثالث مخالفاً لهما في كونهما رجماً بالظن. والوجه الرابع: أنه تعالى لما حكى قولهم: وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قال بعده: قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فاتباع القولين الأولين بكونهما رجماً بالغيب واتباع هذا القول الثالث بقوله: قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ يدل على أن هذا القول ممتاز عن القولين الأولين بمزيد القوة والصحة.

والوجه الخامس: أنه تعالى قال: مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ وهذا يقتضي أنه حصل العلم بعدتهم لذلك القليل وكل من قال من المسلمين قولاً في هذا الباب قالوا إنهم كانوا سبعة وثامنهم كلبهم فوجب أن يكون المراد من ذلك القليل هؤلاء الذين قالوا هذا القول. كان علي بن أبي طالب يقول: كانوا سبعة وأسماؤهم هذا: يمليخا، مكسلمينا، مسلثينا وهؤلاء الثلاثة كانوا أصحاب يمين الملك، وكان عن يساره: مرنوس، ودبرنوس، وسادنوس، وكان الملك يستشير هؤلاء الستة في مهماته، والسابع هو الراعي الذي وافقهم لما هربوا من ملكهم واسم كلبهم قطمير، وكان ابن عباس يقول: أنا من ذلك العدد القليل، وكان يقول: إنهم سبعة وثامنهم كلبهم.

الوجه السادس: أنه تعالى لما قال: وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ والظاهر أنه تعالى لما حكى الأقوال فقد حكى كل ما قيل من الحق والباطل لأنه يبعد أنه تعالى ذكر الأقوال الباطلة ولم يذكر ما هو الحق. فثبت أن جملة الأقوال الحقة والباطلة ليست إلا هذه الثلاثة، ثم خص الأولين بأنهما رجم بالغيب فوجب أن يكون الحق هو هذا الثالث. الوجه السابع: أنه تعالى قال لرسوله؛ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآء ظَـٰهِرًا وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مّنْهُمْ أَحَداً فمنعه الله تعالى عن المناظرة معهم وعن استفتائهم في هذا الباب، وهذا إنما يكون لو علمه حكم هذه الواقعة، وأيضاً أنه تعالى قال: مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ ويبعد أن يحصل العلم بذلك لغير النبي ولا يحصل للنبي، فعلمنا أن العلم بهذه الواقعة حصل للنبي ، والظاهر أنه لم يحصل ذلك العلم إلا بهذا الوحي، لأن الأصل فيما سواه العدم، وأن يكون الأمر كذلك فكان الحق هو قوله: وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ واعلم أن هذه الوجوه وإن كان بعضها أضعف من بعض إلا أنه لما تقوى بعضها ببعض حصل فيه كمال وتمام، والله أعلم

اسامة محمد خيري
12-08-2019, 12:41
الجوهرة السابعة والخمسون

قَالَ رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ

قال السمين الحلبي فى الدر المصون

قوله تعالى: وَأَخِي : في ستة أوجه

أظهرها: أنه منصوب عطفاً على " نفسي " والمعنى: ولا أملك إلا أخي مع مِلْكي لنفسي دون غيرنا.

الثاني: أنه منصوبٌ عطفاً على اسمِ " إنَّ " ، وخبرُه محذوفٌ للدلالة اللفظية عليه أي: وإنَّ أخي لا يملك إلا نفسَه.

الثالث: أنه مرفوعٌ عطفاً على محل اسم " إنَّ " لأنه بعد استكمالِ الخبر، على خلافٍ في ذلك، وإن كان بعضُهم قد ادَّعى الإِجماعَ على جوازِه.

الرابع: أنه مرفوعٌ بالابتداء وخبرُه محذوفٌ للدلالة المتقدمة، ويكون قد عَطَف جملةً غيرَ مؤكدة على جملة مؤكَّدة بـ " إنَّ "

الخامس: انه مرفوع عطفاً على الضمير المستكنِّ في " أملك " ، والتقدير: ولاَ يَمْلِكُ أخي إلا نفسَه، وجاز ذلك للفصلِ بقوله: إِلاَّ نَفْسِي وقال بهذا الزمخشري ومكي وابن عطية وأبو البقاء وردَّ الشيخ هذا الوجهَ بأنه يلزم منه أن موسى وهرون لا يملكان إلا نفسَ موسى فقط، وليس المعنى على ذلك ". وهذا الردُّ ليس بشيءٍ، لأنه القائلَ بهذا الوجهِ صرَّح بتقدير المفعول بعد الفاعل المعطوف، وأيضاً اللَّبْسُ مأمونٌ، فإنَّ كلَّ أحدٍ يتبادر إلى ذهنه انه يملك أمرَ نفسِه.

السادس: أنه مجرورٌ عطفاً على الياء في " نفسي " أي: إلا نفسي ونفسَ أخي، وهو ضعيفٌ على قواعد البصريين للعطف على الضمير المجرور مِنْ غيرِ إعادةِ الجارّ وقد تقدَّم ما فيه.

الجوهرة الثامنة والخمسون

وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً

قال السمين الحلبي فى الدر المصون

قوله: وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ فيه ثلاثة أوجه.

أظهرُها: أنه مجرورٌ عطفاً على اسم الله تعالى أي: وفي سبيل المستضعفين.

والثاني: ـ وإليه ذهبَ الزجاج والمبرد ـ أن يكونَ مجرواً عطفاً على نفس " سبيل ". قال أبو البقاء ـ بعد أَنْ حكاه عن المبرد وحده ـ: " وليس بشيء " كأنه لم يظهر لأبي البقاء وجهُ ذلك، ووجهُ أنَّ تقديرَه: " وفي خلاص المستضعفين "

والثالث ـ وإليه ذهب الزمخشري ـ: أن يكونَ منصوباً على الاختصاص تقديره: وأَخُصُّ من سبيلِ الله خلاصَ المستضعفين، لأنَّ سبيلَ اللَّهِ عامٌّ في كلِّ خير، وخلاص المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخيور. والجمهورُ على " والمستضعفين " بواو العطف، وقرأ ابن شهاب: " في سبيل الله المستضعفين " وفيها تخريجان، أحدُهما: أن يكونَ حرفُ العطف مقدراً كقولهم: " أكلت لحماً تمراً سمكاً " والثاني: أن يكونَ بدلاً من " سبيل الله " أي: في سبيلِ الله سبيلِ المستضعفين، لأنَّ سبيلَهم سبيلُ الله تعالى.

الجوهرة التاسعة والخمسون

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ


قال السمين الحلبي فى الدر المصون:

قوله تعالى: وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ : فيه خمسةُ أوجه،

أحدهما: - وهو الظاهر- أنَّ " مِنْ " متعلقة بقوله " أخذنا " والتقدير الصحيح فيه أن يقال: تقديرُه: " وأَخَذْنا من الذين قالوا: إنَّا نصارى ميثاقهم " فتوقع " الذين بعد " أَخَذْنا " وتؤخِّر عنه " ميثاقهم " ولا يجوز أن تقدِّر " وأَخَذْنا ميثاقَهم من الذين " فتقدم " ميثاقَهم " على " الذين قالوا " وإنْ كان ذلك جائزاً من حيثُ كونُهما مفعولين، كلُّ منهما جائزُ التقديم والتأخيرِ، لأنه يلزم عودُ الضميرِ على متأخر لفظاً ورتبة، وهو لا يجوز إلا في مواضعَ محصورةٍ، نصَّ على ذلك جماعةٌ منهم مكي وأبو البقاء

الثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ قامَتْ صفتُه مَقامه، والتقدير: " ومن الذين قالوا إنّا نصارى قومٌ أخذنا ميثاقهم " فالضمير في " ميثاقهم " يعود على ذلك المحذوف.

والثالث: أنه خبر مقدم أيضاً، ولكن قَدَّروا المبتدأ موصولاً حُذِف وبقيت صلتُه، والتقدير: " ومن الذين قالوا: إنَّا نصارى مَنْ أخذنا ميثاقهم " فالضمير في " ميثاقهم " عائد على " مَنْ " والكوفيون يجيزون حَذْفَ الموصول، وقد تقدم لنا معهم البحث في ذلك. ونقل مكي مذهب الكوفيين هذا، وقَدَّره عندهم: " ومن الذين قالوا: إنَّ نصارى مَنْ أخذنا " وهذا التقدير لايؤخذ منه أن المحذوف موصول فقط، بل يجوز أن تكونَ " مَنْ " المقدرةُ نكرةً موصوفةً حُذِفت وبقيت صفتُها، فيكون كالمذهب الأول.

الرابع: أن تتعلِّق " مِنْ " بـ " أخذنا " كالوجه الأول، إلا أنه لا يلزَمُ فيه ذلك التقديرُ، وهو أن توقع " من الذين " بعد " أخذنا " وقبل " ميثاقهم " ، بل يجوز أن يكون التقدير على العكسِ، بمعنى أنَّ الضميرَ في " ميثاقهم " يعودُ على بني إسرائيل، ويكون المصدرُ من قوله " ميثاقهم " مصدراً تشبيهياً، والتقدير: وأخذنا من النصارى ميثاقاً مثلَ ميثاق بني إسرائِيل كقولك: " أخَذْتُ من زيد ميثاق عمرو " أي: ميثاقاً مثل ميثاق عمرو، وبهذا الوجه بدأ الزمخشري فإنه قال: " أَخَذْنا من النصارى ميثاقَ مَنْ ذُكِر قبلَهم من قوم موسى أي: مثل ميثاقِهم بالإِيمان بالله والرسل.

الخامس: أنَّ " من الذين " معطوف على " منهم " من قوله تعالى: " ولا تزال تَطَّلِعُ على خائنةٍ منهم أي: من اليهود، والمعنى: ولا تزال تَطَّلع على خائنةٍ من اليهود ومن الذين قالوا إنَّا نصارى، ويكون قوله: ٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ على هذا مستأنفاً. وهذا ينبغي ألاَّ يجوز لوجهين، أحدهما: الفصلُ غيرُ المغتفر. والثاني: أنه تهيئةٌ للعامل في شيء وقطعه عنه، وهو لا يجوز.

اسامة محمد خيري
12-08-2019, 12:43
الجوهرة الستون

وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ

قال ابن كثير فى تفسيره

وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ قال بعضهم: الواو هاهنا حالية، أي: أتذره وقومه يفسدون في الأرض، وقد ترك عبادتك؟ وقرأ ذلك أبي بن كعب، وقد تركوك أن يعبدوك وآلهتك، حكاه ابن جرير، وقال آخرون: هي عاطفة، أي: أتدعهم يصنعون من الفساد ما قد أقررتهم عليه وعلى ترك آلهتك؟ وقرأ بعضهم: إلاهتك، أي: عبادتك. وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد وغيره. وعلى القراءة الأولى قال بعضهم: كان لفرعون إله يعبده. قال الحسن البصري: كان لفرعون إله يعبده في السر، وقال في رواية أخرى: كان له جُمانة في عنقه معلقة يسجد لها. وقال السدي في قوله تعالى: وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ وآلهته - فيما زعم ابن عباس - كانت البقر، كانوا إذا رأوا بقرة حسناء، أمرهم فرعون أن يعبدوها، فلذلك أخرج لهم السامري عجلاً جسداً.

الجوهرة الواحدة والستون

أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً

قال السمين الحلبي فى الدر المصون:
قوله: قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ فيه أوجهٌ،

أحدها: أنه عطفٌ على " الصلاة " ، أي: وأَقِمْ قرآنَ الفجرِ، والمرادُ به صلاةُ الصبحِ، عَبَّر عنها ببعضِ أركانِها.
والثاني: أنه منصوبٌ على الإِغراء، أي: وعليك قرآنَ الفجر، كذا قدَّره الأخفشُ وتَبِعه أبو البقاء، وأصولُ البصريين تَأْبَى هذا؛ لأنَّ أسماءَ الأفعالِ لا تعملُ مضمرةً.
الثالث: أنه منصوبٌ بإضمار فعلٍ، أي: كَثِّر قرآنَ أو الزَمْ قرآنَ الفجرِ.

الجوهرة الثانية والستون

أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ
قال السمين الحلبي فى الدر المصون

قوله: وَنَطْبَعُ في هذه الجملة أوجه،

أحدها: أنها نسقٌ على " أَصَبْناهم " وجاز عطفُ المضارع على الماضي لأنه بمعناه وقد تقدم أنَّ " لو " تُخَلِّصُ المضارع للمضيِّ، ولما حكى الشيخ كلامَ ابن الأنباري المتقدِّم قال: " فجعل " لو " شرطيةً بمعنى " إنْ " ولم يجعلها التي هي " لِما " كان سيقعُ لوقوع غيره، ولذلك جعل " أَصَبْنا " بمعنى نُصيب. ومثال وقوعِ " لو " بمعنى " إنْ " قوله:
2253ـ لا يُلْفِكَ الرَّاجيك إلا مُظْهِرا خُلُقَ الكرامِ ولو تكون عَدِيما
وهذا الذي قاله ابن الأنباري رَدَّه الزمخشري من حيث المعنى، لكن بتقديرِ أنْ يكونَ " ونطبعُ " بمعنى طَبَعْنا، فيكون قد عَطَفَ المضارع على الماضي لكونه بمعنى الماضي، وابنُ الأنباري جَعَلَ التأويل في " أَصَبْنا " الذي هو جوابُ " لو نشاء " ، فجعله بمعنى نُصيب، فتأوَّل المعطوفَ عليه وهو جوابُ " لو نشاء " ، فجعله بمعنى نُصيب، فتأوَّل المعطوفَ ورَدَّه إلى المُضِيِّ، وأنتج ردُّ الزمخشري أنَّ كلا التقديرين لا يَصِحُّ ".

قال الزمخشري: " فإن قلت: هل يجوز أن يكون " ونطبع " بمعنى طبَعْنا، كما كان " لو نشاء " بمعنى لو شِئْنا، ويعطف على " أَصَبْناهم "؟ قلت: لا يساعد على المعنى، لأنَّ القوم كانوا مطبوعاً على قلوبهم، مَوْصوفين بصفة مَنْ قبلهم مِن اقتراف الذنوب والإِصابة بها، وهذا التفسير يؤدِّي إلى خلوِّهم من هذه الصفةِ، وأن الله لو شاء لاتَّصفوا بها ". قال الشيخ: " وهذا الردُّ ظاهرهُ الصحةُ، وملخصه أن المعطوفَ على الجوابِ جوابٌ سواء تأوَّلنا المعطوفَ عليه أم المعطوفَ، وجوابُ " لو " لم يقع بعدُ، سواءً كانت حرفاً لِما كان سيقع لوقوع غيره أم بمعنى " إنْ " الشرطية، والإِصابةُ لم تقع، والطَّبْعُ على القلوب واقع فلا يَصحُّ أن تَعْطِفَ على الجواب. فإنْ تُؤَوِّل " ونطبع " على معنى: ونستمر على الطبع على قلوبهم أمكن التعاطف لأن الاستمرار لم يقع بعدُ وإن كان الطبع قد وقع ". قلت: فهذا الوجه الأول ممتنع لِما ذكره الزمخشري.

الوجه الثاني: أنْ يكون " نطبع " مستأنفاً ومنقطعاً عَمَّا قبلَه فهو في نية خبرِ مبتدأ محذوف أي: ونحن نطبع. وهذا اختيارُ أبي إسحاق والزمخشري وجماعة.

الوجه الثالث: أن يكونَ معطوفاً على " يرثون الأرض " قاله الزمخشري. قال الشيخ: " وهو خطأٌ لأنَّ المعطوف على الصلة صلة و " يرثون " صلةٌ للذين، فيلزم الفصلُ بين أبعاض الصلة بأجنبي، فإن قوله " أنْ لو نشاء ": إمَّا فاعلٌ ليَهْد أو مفعولُه كما تقدَّم، وعلى كلا التقديرين فلا تَعَلُّقَ له بشيء من الصلة، وهو أجنبيٌّ منها فلا يُفْصل به بين أبعاضها، وهذا الوجهُ مُؤَدٍّ على ذلك فهو خطأ ".

الرابع: أن يكونَ معطوفاً على ما دَلَّ عليه معنى " أو لم يهد لهم " كأنه قيل: يغفُلون عن الهداية ونطبع على قلوبهم. قاله الزمخشري أيضاً. قال الشيخ: " وهو ضعيفٌ؛ لأنه إضمار لا يُحتاج إليه، إذ قد صَحَّ عطفُه على الاستئناف من باب العطف على الجمل فهو معطوفٌ على مجموع الجملة المصدَّرة بأداة الاستفهام، وقد قاله الزمخشري وغيره

اسامة محمد خيري
12-08-2019, 12:45
الجوهرة الثالثة والستون

ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

قال السمين الحلبي فى الدر المصون

و وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نسقٌ على " المطَّوِّعين " أي: يَعيبون المياسير والفقراء.

وقال مكي: " والذين " خفضٌ عطفاً على " المؤمنين " ، ولا يَحْسُن عَطْفُه على " المطَّوِّعين " ، لأنه لم يتمَّ اسماً بعد، لأن " فيسخرون " عطف على " يَلْمِزُون " هكذا ذكره النحاس في " الإِعراب " له، وهو عندي وهمٌ منه ". قلت: الأمر فيه كما ذكر فإن " المطَّوِّعين " قد تَمَّ من غيرِ احتياجٍ لغيره.

وقوله: فَيَسْخَرُونَ نسقٌ على الصلة، وخبر المبتدأ الجملةُ من قوله: سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ ، هذا أظهرُ إعرابٍ قيل هنا. وقيل: وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نسقٌ علىٰ " الذين يَلْمزون " ، ذكره أبو البقاء. وهذا لا يجوزُ؛ لأنه يلزمُ الإِخبارُ عنهم، بقوله: سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وهذا لا يكون إلا بأَنْ كان الذين لا يَجِدون منافقين، وأمَّا إذا كانوا مؤمنين كيف يَسْخر الله منهم؟ وقيل: وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نسقٌ على المؤمنين، قاله أبو البقاء. وقال الشيخ: " وهو بعيدٌ جداً " ، قلت: وَجْهُ بُعْدِ أنه يُفْهِمُ أن الذين لا يجدون ليسوا مؤمنين؛ لأنَّ أصلَ العطفِ الدلالةُ على المغايرة فكأنه قيل: يَلْمِزون المطَّوِّعين من هذين الصنفين: المؤمنين والذين لا يجدون، فيكون الذين لا يجدون مطَّوِّعين غيرَ مؤمنين.

الجوهرة الرابعة والستون

وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ يُغْشِى ٱلَّيلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ

قال السمين الحلبي فى الدر المصون

قوله تعالى: وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ : العامَّة على رفع " قِطَعٌ " و " جنات ": إمَّا على الابتداء، وإمَّا على الفاعلية بالجارِّ قبله. وقرئ قِطَعاً مُّتَجَاوِرَاتٍ بالنصب، وكذلك في بعض المصاحف، على إضمار " جَعَلَ ".

وقرأ الحسن " وجناتٍ " بكسر التاء وفيها أوجهٌ، أحدُها: أنه جرٌ عطفاً على كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ . الثاني: أنه نصبٌ نَسَقاً على زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ قاله الزمخشري. الثالث: نَصْبُه نسقاً على " رواسي ". الرابع: نَصْبُه بإضمار " جَعَلَ " وهو أَوْلى لكثرةِ الفواصلِ في الأوجهِ قبله. قال أبو البقاء: " ولم يَقْرَأ أحدٌ منهم " وزرعاً " بالنصب ".

قوله: وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص بالرفع في الأربعة، والباقون بالخفض. فالرفعُ في زَرْعٌ وَنَخِيلٌ للنسقِ على " قِطَعٌ " وفي " صِنْوان " لكونِهِ تابعاً لـ " نخيل " ، و " غيرُ " لعطفِهِ عليه.

وعاب الشيخُ على ابن عطية قولَه " عطفاً على " قطع " قال: " وليسَتْ عبارةً محررةً؛ لأنَّ فيها ما ليس بعطف وهو صِنْوان " قلت: ومثل هذا غيرُ مَعيبٍ لأنه عطفٌ محققٌ، غايةُ ما فيه أنَّ بعضَ ذلك تابعٌ، فلا يُقْدَحُ في هذه العبارة.

والخفضُ مراعاةُ لـ " أعناب ". وقال ابن عطية: " عطفاً على أعناب " ، وعابَها الشيخ بما تقدَّم، وجوابُه ما تقدَّم.

وقد طعنَ قومٌ على هذه القراءة وقالوا: ليس الزرعُ من الجنات، رُوِيَ ذلك عن أبي عمروٍ. وقد أجيب عن ذلك: بأنَّ الجنةَ احتَوَتْ على النخيلِ والأعنابِ والزرعِ كقوله:
جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً
[الكهف: 32]. وقال أبو البقاء: " وقيل: المعنى: ونبات/ زرعٍ فَعَطَفه على المعنى ". قلت: ولا أدري ما هذا الجوابُ؟ لأنَّ الذين يمنع أن تكون الجنةُ من الزرعِ يمنع أن تكونَ من نباتِ الزرع، وأيُّ فرق؟

اسامة محمد خيري
12-08-2019, 12:47
الجوهرة الخامسة والستون

أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ

قال السمين الحلبي فى الدر المصون

قوله: وَهُمْ دَاخِرُونَ في هذه الجملة ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها حالٌ من الهاءِ في " ظلالُه ". قال الزمخشري: " لأنه في معنى الجمع، وهو ما خلق اللهُ مِنْ شيءٍ له ظِلٌّ وجُمِع بالواوِ والنون؛ لأنَّ الدُّخورَ من أوصافِ العقلاء، أو لأن في جملة ذلك مَنْ يَعْقِل فَغُلِّبَ ".

وقد رَدَّ الشيخُ هذا: بأن الجمهور لا يُجيزون مجيءَ الحال من المضافِ إليه، وهو نظيرُ: " جاءني غلامُ هندٍ ضاحكةً " قال: " ومَنْ أجاز مجيئَها منه إذا كان المضافُ جزءاً أو كالجزء جوَّز الحاليةَ منه هنا، لأنَّ الظِّلَّ كالجزءِ إذ هو ناشِئٌ عنه ".

الثاني: أنها حالٌ من الضميرِ المستتر في " سُجَّدا " فهي حالٌ متداخلِةٌ.

الثالث: أنها حالٌ مِنْ " ظلالُه " فينتصبُ عنه حالان.

ثم لك في هذه الواو اعتباران،

أحدُهما: أن تجعلَها عاطفةً حالاً على مثلِها فهي عاطفةٌ، وليست بواوِ حال، وإن كان خُلُوُّ الجملةِ الاسميةِ الواقعةِ حالاً من الواو قليلاً أو ممتنعاً على رأيٍ. وممَّن صَرَّح بأنها عاطفةٌ أبو البقاء.

والثاني: أنها واوُ الحال، وعلى هذا فيقال: كيف يقتضي العاملُ حالين؟ فالجوابُ أنه جاز ذلك لأنَّ الثانيةَ بدلٌ مِن الأولى، فإن أُريد بالسجودِ التذلُّلُ والخضوعُ فهو/ بدلُ كلٍ من كل، وإن أُريد به حقيقته فهو بدلُ اشتمالٍ؛ إذ السجودُ مشتملٌ على الدُّخور، ونظير ما نحن فيه: " جاء زيد ضاحكاً وهو شاكٍ " فقولك " وهو شاكٍ " يحتمل الحاليةَ من " زيد " أو من ضمير " ضاحكاً

اسامة محمد خيري
12-08-2019, 12:48
الجوهرة السادسة والستون

وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ * وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ

قال السمين الحلبي فى الدر المصون

قوله تعالى: وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ : فيه أربعةُ أوجهٍ،

أحدها: أنه متعلقٌ بمحذوف، فقدَّره الزمخشريُّ: " ونُسْقيكم من ثمراتِ النخيل والأعناب، أي: مِنْ عصيرِها، وحُذِف لدلالةِ " نُسْقيكم " قبلَه عليه ". قال: " وتَتَّخذون: بيانٌ وكَشْفٌ عن كيفية الإِسقاء ". وقدَّره أبو البقاء: " خَلَقَ لكم وجَعَلَ لكم ".

وما قدَّره الزمخشريُّ أَلْيَقُ، لا يُقال: لا حاجةَ إلى تقدير " نُسْقيكم " بل قولُه وَمِن ثَمَرَاتِ عطفٌ على قولِه مِّمَّا فِي بُطُونِهِ فيكون عَطَفَ بعضَ متعلِّقاتِ الفعلِ الأولِ على بعضٍ، كما تقول: " سَقَيْتُ زيداً من اللبن ومن العسل " فلا يحتاج إلى تقديرِ فعلٍ قبل قولك " من العسل " ، لا يُقال ذلك لأنَّ " نُسْقيكم " الملفوظَ به وقع تفسيراً لِعبْرة الأنعام فلا يَليقُ تَعَلُّق هذا به، لأنه ليس من العِبْرة المتعلقةِ بالأنعام. قال الشيخ: " وقيل: متعلِّقٌ بـ " نُسْقيكم ". فيكونُ معطوفاً على مِّمَّا فِي بُطُونِهِ أو بـ " نُسقيكم " محذوفةً دلَّ عليها " نُسْقِيكم ". انتهى. ولم يُعْقِبْه بنكير، وفيه ما قَدَّمْتُه آنفاً.

الثاني: أنه متعلِّقٌ بـ " تَتَّخذون " و " منه " تكريرٌ للظرف توكيداً نحو: " زيدٌ في الدارِ فيها " قاله الزمخشريٌّ. وعلى هذا فالهاءُ في " منه " فيها ستةُ أوجهٍ. أحدها: أنها تعودُ على المضافِ المحذوفِ الذي هو العصيرُ، كما رَجَعَ في قوله
أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ
[الأعراف: 4] إلى الأهلِ المحذوفِ. الثاني: أنها تعود على معنى الثمراتِ لأنها بمعنى الثَّمَر. الثالث: أنها تعودُ على النخيل. الرابع: أنها تعودُ على الجنس. الخامس: أنها تعودُ على البعض. السادس: أنها تعود على المذكور.

الثالث من الأوجهِ الأُوَلِ: أنه معطوفٌ على قولِه فِي ٱلأَنْعَامِ ، فيكونُ في المعنى خبراً عن اسمِ " إنَّ " في قوله: وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ، التقدير: وإنّ لكم في الأنعام ومن ثمرات النخيل لَعِبْرَةً، ويكونُ قوله " تتخذون " بياناً وتفسيراً للعِبْرة كما وقع " نُسْقِيكم " تفسيراً لها أيضاً.

الرابع: أن يكونَ خبراً لمبتدأ محذوفٍ فقدَّره الطبريُّ: " ومن ثمراتِ النخيل ما تتَّحذون " / قال الشيخ: " وهو لا يجوزُ على مذهبِ البصريين ". قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ له أن يقول: ليسَتْ " ما " هذه موصولةً، بل نكرةٌ موصوفةٌ، وجاز حَذْفُ الموصوفِ والصفةُ جملةٌ، لأن في الكلام " مِنْ " ، ومتى كان في الكلام " مِنْ " اطَّرد الحذفُ نحو: " منا ظَعَنَ ومنا أقام " ولهذا نظَّره مكيٌّ بقولِه تعالى:
وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ
[الصافات: 164]، أي: إلا مَنْ له مقام.

قال: فَحُذِفَتْ " " مَنْ " لدلالةِ " مِنْ " عليها في قوله " وما مِنَّا ". ولما قدَّر الزمخشري الموصوفَ قدَّره: ثَمَرٌ تتخذون، ونظَّره بقول الشاعر:
2996- يَرْمي بكفِّيْ كان مِنْ أَرْمى البشر
تقديرُه: بكفَّيْ رجل، إلاَّ أنَّ الحذفَ في البيت شاذٌّ لعدم " مِنْ ": ولمَّا ذكر أبو البقاء هذا الوجهَ قال: " وقيل: هو صفةٌ لمحذوفٍ تقديرُه: شيئاً تتخذون منه، بالنصب، أي: وإنَّ من ثمراتِ النخيل. وإن شئت " شيء " بالرفعِ بالابتداء، و مِن ثَمَرَاتِ خبرُه ".

الجوهرة السابعة والستون

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ

قال السمين الحلبي في الدر المصون

قوله: وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ في هذه الجملةِ وجهان،

أظهرُهما: أنها عطفٌ على " يُعْجِبَك " ، فهي صلةٌ لا محلَّ لها من الإِعراب أو صفةٌ، فتكونُ في محلِّ رفعٍ على حَسَبِ القول في " مَنْ

". والثاني: أن تكونَ حاليةً، وفي صاحبِها حينئذٍ وجهان،

أحدهُما: أنه الضميرُ المرفوعُ المستكنُّ في " يعجبك " ،

والثاني: أنه الضميرُ المجرُور في " قوله " تقديرُه: يُعْجِبُك أَنْ يقولَ في أمر الدنيا، مُقْسِماً على ذلك

. وفي جَعْلها حالاً نظرٌ من وجهين، أحدهُما: من جهةِ المعنى، والثاني من جهةِ الصناعة، وأمَّا الأول فلأنه يَلْزَمُ منه أن يكونَ الإعجابُ والقولُ مقيدين بحالٍ والظاهرُ خلافهُ. وأمَّا الثاني فلأنه مضارع مثبتٌ فلا يَقَعُ حالاً إلا في شذوذٍ، نحو: " قُمْتُ وأصُكُّ عينه، أو ضرورةً نحو:
894 ـ....................... نَجَوْتُ وأَرْهُنُهم مالِكا
وتقديرُه مبتدأً قبلَه على خلافِ الأصلِ، أي: وهو يُشْهِدُ.

اسامة محمد خيري
12-08-2019, 12:51
الجوهرة الثامنة والستون

ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ

قال السمين فی دره المصون

قوله: وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا في انتصابِها وجهان، أحدهما: أنها معطوفةٌ على " رأْفَةً ورحمةً ". و " جَعَلَ " إمَّا بمعنى خَلق أو بمعنى صيَّر، و " ابْتدعوها " على هذا صفةٌ لـ " رَهْبانية " وإنما خُصَّتْ بذِكر الابتداعِ لأنَّ الرأَفةَ والرحمةَ في القلب أمرُ غريزةٍ لا تَكَسُّبَ للإِنسانِ فيها بخلافِ الرهبانية فإنها أفعالُ البدن، وللإِنسانِ فيها تكسُّبٌ. إلاَّ أنَّ أبا البقاء منعَ هذا الوجهَ بأنَّ ما جعله اللَّهُ لا يَبْتدعونه. وجوابُه ما تَقَدَّم: مِنْ أنَّه لَمَّا كانت مكتسبةً صَحَّ ذلك فيها. وقال أيضاً: " وقيل: هو معطوفٌ عليها، وابتدعوها نعتٌ له. والمعنى: فَرَضَ عليهم لزومَ رهبانيةٍ ابتدعوها، ولهذا قال: مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ .

والوجه الثاني: أنه منصوبةٌ بفعلٍ مقدرٍ يُفَسِّره الظاهرُ وتكون المسألةُ من الاشتغالِ. وإليه نحا الفارسيُّ والزمخشريُّ وأبو البقاء وجماعةٌ إلاَّ أنَّ هذا يقولون إنه إعرابُ المعتزلة؛ وذلك أنَّهم يقولون: ما كانَ مِنْ فِعْلِ الإِنسانِ فهو مخلوقٌ له، فالرحمةُ والرأفة لَمَّا كانتْ من فِعْلِ اللَّهِ تعالى نَسَبَ خَلْقَهما إليه. والرَّهْبانِيَّة لَمَّا لم تكنْ من فِعْلِ اللَّهِ تعالى بل مِنْ فعل العبدِ يَسْتَقِلُّ بفعلِها نَسَب ابتداعَها إليه، وللردِّ عليهم موضعٌ آخرُ هو أليقُ به من هذا الموضعِ، وسأبِّينُه إنْ شاء الله في " الأحكام ".

ورَدَّ الشيخُ عليهم هذا الإِعرابَ من حيث الصناعةُ وذلك أنَّه مِنْ حَقِّ اسمِ المُشْتَغَلِ عنه أن يَصْلُح للرفع بالابتداءِ و " رهبانيةً " نكرةٌ لا مُسَوِّغ للابتداء بها، فلا يصلُحُ نصبُها على الاشتغال. وفيه نظرٌ؛ لأنَّا لا نُسَلِّمُ أولاً اشتراطَ ذلك، ويَدُلُّ عليه قراءةُ مَنْ قرأ " سورةً أنزَلْناها " بالنصب على الاشتغالِ كما قَدَّمْتُ تحقيقه في موضعه. ولئِنْ سَلَّمْنا ذلك فثَمَّ مُسَوِّغٌ وهو العطفُ. ومِنْ ذلك قولُه:
4235ـ عندي اصْطِبارٌ وشكْوى عند قاتلتي فهل بأعجبَ مِنْ هذا امرؤٌ سَمِعا
وقوله:
4236ـ تَعَشَّى ونجمٌ قد أضاء فَمُذْ بدا مُحَيَّاكَ أَخْفَى ضوْءُه كلَّ شارقِ
ذكر ذلك الشيخُ جمال الدين بن مالك.

وقال الالوسي

{ وَرَهْبَانِيَّةً } منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر أي وابتدعوا رهبانية { ٱبتَدَعُوهَا } فهو من باب الاشتغال، واعترض بأنه يشترط فيه ـ كما قال ابن الشجري وأبو حيان ـ أن يكون الاسم السابق مختصاً يجوز وقوعه مبتدأ والمذكور نكرة لا مسوغ لها من مسوغات الابتداء، ورد بأنه على فرض تسليم هذا الشرط، الاسم هنا موصوف معنى بما يؤخذ من تنوين التعظيم كما قيل في قولهم: شر أهر ذا ناب. ومما يدل عليه من النسبة كما ستسمعه إن شاء الله تعالى، أو منصوب بالعطف على ما قبل، وجملة { ٱبتَدَعُوهَا } في موضع الصفة والكلام على حذف مضاف أي وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة وحب رهبانية مبتدعة لهم، وبعضهم جعله معطوفاً على ما ذكر ولم يتعرض للحذف، وقال: الرهبانية من أفعال العباد لأنها المبالغة في العبادة بالرياضة والانقطاع عن الناس، وأصل معناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان وهو الخائف، فعلان من رهب كخشيان من خشي، وأفعال العباد يتعلق بها جعل الله تعالى عند أهل الحق وهي في عين كونها مخلوقة له تعالى مكتسبة للعبد، والزمخشري جوز العطف المذكور وفسر الجعل بالتوفيق كأنه قيل: وفقناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرهبانية واستحداثها بناءاً على مذهبه أن الرهبانية فعل العبد المخلوق له باختياره، وفائدة { فِى قُلُوبِ } على هذا التصوير على ما قيل، ولا يخفى ما في هذا التفسير من العدول عن الظاهر لكن الإنصاف أنه لا يحسن العطف بدون هذا / التأويل أو اعتبار حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه على ما تقدم أو تفسير الرهبانية بما هو من أفعال القلوب كالخوف المفرط المقتضي للغلو في التعبد ويرتكب نوع تجوز في { ٱبتَدَعُوهَا } وما بعده كأن يكون المراد ابتداع أعمالها وآثارها أو ارتكاب استخدام في الكلام بأن يعتبر للرهبانية معنيان الخوف المفرط مثلاً، ويراد في جعلنا في قلوبهم رهبانية والأعمال التعبدية الشاقة كرفض الدنيا وشهواتها من النساء وغيرهن، ويراد في { ٱبتَدَعُوهَا } وما بعده وليس الداعي للتأويل الاعتزال بل كون الرهبانية بمعنى الأعمال البدنية ليست مما تجعل في القلب كالرأفة والرحمة فتأمل.

اسامة محمد خيري
12-08-2019, 12:54
الجوهرة التاسعة والستون

أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ

قال السمين الحلبي فی الدر المصون

وقرأ محمد بن السائب الكلبي " كتابَ موسىٰ " بالنصبِ وفيه وجهان، أحدهما ـ وهو الظاهر ـ أنه معطوف على الهاء في " يتلوه " ، أي: يتلوه ويتلو كتابَ موسى، وفصلَ بالجارِّ بين العاطفِ والمعطوف. والثاني: أنه منصوبٌ بإضمارِ فعلٍ. قال أبو البقاء: وقيل: تمَّ الكلامُ عند قولِه " منه " و " كتابَ موسىٰ " ، أي: ويتلو كتابَ موسىٰ " فقدَّر فعلاً مثلَ الملفوظِ به، وكأنه لم يرَ الفصلَ بين العاطفِ والمعطوفِ فلذلك قَدَّر فعلاً.

وقال القرطبي

وحكى أبو حاتم عن بعضهم أنه قرأ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ بالنصب؛ وحكاها المهدويّ عن الكَلْبيّ؛ يكون معطوفاً على الهاء في يَتْلُوهُ والمعنى: ويتلو كتابَ موسى جبريلُ ؛ وكذلك قال ابن عباس ؛ المعنى من قبله تلا جبريلُ كتابَ موسى على موسى. ويجوز على ما ذكره ابن عباس أيضاً من هذا القول أن يُرفع كتاب على أن يكون المعنى: ومن قبله كتاب موسى كذلك؛ أي تلاه جبريل على موسى كما تلا القرآن على محمد.

الجوهرة السبعون

وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً

قال السمين فی الدر المصون

قوله: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ : في هذه الواوِ وجهان، أحدهما: أنها عاطفةٌ هذه الجملةَ على ما قبلَها. وقال ابن عطية " وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا قَسَمٌ والواو تَقْتَضيه، ويُفَسِّره قولُ النبي : " مَنْ ماتَ له ثلاثٌ من الولد لم تَمَسَّه النار إلا تَحِلَّة القسمِ " قال الشيخ: " وذَهِلَ عن قولِ النحويين إنه لا يُستغنى عن القسمِ بالجواب لدلالةِ المعنى، إلا إذا كان الجوابُ باللامِ أو بـ " إنْ " والجوابُ هنا على زَعْمه بـ " إنْ " النافيةِ فلا يجوز حَذْفُ القسم على ما نَصُّوا. وقوله: " والواو تَقْتَضِيه " يدلُّ على أنها عنده واوُ القسم، ولا يذهبُ نحويٌ إلى أنَّ مِثْلَ هذه الواوِ واوُ قسمٍ لأنه يلزمُ مِنْ ذلك حَذْفُ المجرورِ وإبقاءُ الجارِّ، ولا يجوز ذلك إلا إنْ وَقَعَ في شعرٍ أو نادرِ كلامٍ بشرط أن تقومَ صفةُ المحذوف مَقامَه، كما أوَّلوا في قولهم: " نِعْمَ السيرُ على بئسَ العَيْرُ " ، أي: على عَيْرٍ بئسَ العَيْرُ، وقولِ الشاعر:
3250- واللهِ ما ليلى بنامِ صاحِبُهْ
أي: برجلٍ نام صاحبُهْ، وهذه الآيةُ ليست من هذا الضَّرْبِ؛ إذ لم يُحْذَفِ المُقْسَمُ به وقامَتْ صفتُه مَقامَه....

اسامة محمد خيري
12-08-2019, 12:58
الجوهرة الواحدة والسبعون

أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ }


قال السمين

قوله: " ويَعْفُ " العامَّةُ على الجزمِ عطفاً على جزاءِ الشرط. واستشكلَه القُشَيْرِيُّ قال: " لأنَّ المعنَى: إن يَشَأ يُسْكِنِ الريحَ فتبقى تلك السفنُ رواكدَ، أو يُهْلِكْها بذنوبِ أهلها فلا يَحْسنُ عَطْفُ " ويَعْفُ " على هذا؛ لأنَّ المعنى يَصير: إنْ يَشَأْ يَعْفُ، وليس المعنى [على] ذلك بل المعنى: الإِخبارُ عن العفوِ مِنْ غير شرطِ المشيئةِ، فهو عطفٌ على المجزومِ من حيث اللفظُ لا من حيث المعنى. وقد قرأ قومٌ " ويَعْفُو " بالرفع وهي جيدةٌ في المعنى ". قال الشيخ: وما قاله ليس بجيدٍ إذ لم يَفْهَمْ مدلولَ التركيبِ والمعنى، إلاَّ أنَّه تعالى إنْ يَشَأْ أهلك ناساً وأَنْجَى ناساً على طريقِ العَفْوِ عنهم ".

وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ }

قال السمين

قوله: { وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ }: قرأ نافعٌ وابنُ عامر برفعِه. والباقون بنصبِه. وقُرِئ بجزمِه أيضاً. فأمَّا الرفعُ فهو واضحٌ جداً، وهو يحتملُ وجهين: الاستئنافَ بجملةٍ فعليةٍ، والاستئنافَ بجملةٍ اسميةٍ، فتُقَدِّرُ قبل الفعل مبتدأً أي: وهو يعلمُ الذين، فالذين على الأول فاعلٌ، وعلى الثاني مفعولٌ. فأمَّا قراءةُ النصبِ ففيها أوجهٌ، أحدُها: قال الزجَّاج: " على الصَّرْف ". قال: " ومعنى الصرفِ صَرْفُ العطف عن اللفظ إلى العطفِ على المعنى ". قال: " وذلك أنَّه لَمَّا لم يَحْسُنْ عطفُ " ويعلَمْ " مجزوماً على ما قبلَه إذ يكونُ المعنى: إنْ يَشَأْ/ يَعْلَمْ، عُدِل إلى العطف على مصدرِ الفعلِ الذي قبلَه. ولا يتأتَّى ذلك إلاَّ بإضمار " أنْ " ليكونَ مع الفعلِ في تأويلِ اسم ".

الثاني: قولُ الكوفيين أنه منصوبٌ بواوِ الصرف. يَعْنُون أنَّ الواوَ نفسَها هي الناصبةُ لا بإضمارِ " أنْ " ، وتقدَّم معنى الصرف.

الثالث: قال الفارسيُّ - ونقله الزمخشري عن الزجاج - إن النصب على إضمار " أنْ "؛ لأنَّ قبلها جزاءً تقول: " ما تصنعْ أصنعْ وأكرمَك " وإنْ شِئْتَ: وأكرمُك، على وأنا أكرِمُك، وإنْ شِئْتَ " وأكرمْك " جزْماً. قال الزمخشري: " وفيه نظرٌ؛ لِما أَوْردَه سيبويه في كتابه " قال: " واعلَمْ أنَّ النصبَ بالواوِ والفاء في قوله: " إنْ تَأْتِني آتِك وأعطيكَ " ضعيفٌ، وهو نحوٌ مِنْ قولِه:
3978 ـ...................... وأَلْحَقُ بالحجازِ فَأَسْتريحا
فهذا لا يجوزُ، لأنه ليس بحَدِّ الكلامِ ولا وجهِه، إلاَّ أنه في الجزاء صار أقوى قليلاً؛ لأنه ليس بواجبٍ أنَّه يفعلُ، إلاَّ أَنْ يكونَ من الأولِ فِعْلٌ، فلمَّا ضارَعَ الذي لا يُوْجِبُهُ كالاستفهام ونحوِه أجازوا فيه هذا على ضَعْفِه ". قال الزمخشري: " ولا يجوزُ أَنْ تُحْمَلَ القراءةُ المستفيضةُ على وجهٍ ليس بحَدِّ الكلامِ ولا وجهِه، ولو كانَتْ من هذا البابِ لَما أَخْلَى سيبويه منها كتابَه، وقد ذَكَرَ نظائرَها مِن الآياتِ المُشْكِلة ".

الرابع: أَنْ ينتصِبَ عطفاً على تعليلٍ محذوفٍ تقديرُه: لينتقمَ منهم ويعلمَ الذين، ونحوُه في العطفِ على التعليلِ المحذوفِ غيرُ عزيزٍ في القرآن. ومنه:
{ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ }
[مريم: 21] وخَلَق اللَّهُ السماواتِ والأرضَ بالحقِّ، ولِتُجْزَى " قاله الزمخشري. قال الشيخ: " ويَبْعُدُ تقديرُه: لِيَنْتَقِمَ منهم؛ لأنه تَرَتَّبَ على الشرطِ إهلاكُ قومٍ ونجاةُ قومٍ فلا يَحْسُنُ لينتَقِمَ منهم. وأمَّا الآيتان فيمكنُ أَنْ تكونَ اللامُ متعلقةً بفعلٍ محذوفٍ تقديرُه: ولنجعلَه آيةً للناسِ فَعَلْنا ذلك، ولُتْجزَى كلُّ نفسٍ فَعَلْنا ذلك، وهو - كثيراً - يُقَدِّرُ هذا الفعل مع هذه اللامِ إذا لم يكنْ فعلٌ يتعلَّقُ به ". قلت: بل يَحْسُنُ تقديرُ " لينتقمَ " لأنَّه يعودُ في المعنى على إهلاكِ قومٍ المترتبِ على الشرط.

وأمَّا الجزمُ فقال الزمخشري: " فإنْ قلتَ: كيف يَصِحُّ المعنى على جزم " ويعلَمْ "؟ قلت: كأنه قيل: إنْ يَشَأْ يَجْمَعْ بين ثلاثةِ أمور: إهلاكِ قومٍ، ونجاةِ قومٍ، وتحذيرِ آخرين ". وإذا قُرِئَ بالجزم فتُكْسَرُ الميمُ لالتقاءِ الساكنين.

اسامة محمد خيري
17-08-2019, 15:20
الجوهرة الثانية والسبعون

{ وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ }

قال السمين

قوله: { وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ }: يجوزُ في " وهذه " وجهان، أحدهما: أَنْ تكونَ مبتدأةً، والواوُ للحالِ. والأنهارُ صفةٌ لاسمِ الإِشارةِ، أو عطفُ بيانٍ. و " تجري " الخبرُ. والجملةُ حالٌ مِنْ ياء " لي ". والثاني: أنَّ " هذه " معطوفةٌ على " مُلْك مِصْرَ " ، و " تَجْري " على هذا حالٌ أي: أليس مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهارُ جاريةً أي: الشيئان

الجوهرة الثالثة والسبعون

{ وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ }

قال السمين

قوله: { وَقِيلِهِ }: قرأ حمزةُ وعاصمٌ بالجرِّ. والباقون بالنصب. فأمَّا الجرُّ فعلى وجهَيْن، أحدهما: أنَّه عطفٌ على " الساعة " أي: عنده عِلْمُ قيلِه، أي: قولِ محمدٍ أو عيسى عليهما السلام. والقَوْلُ والقالُ والقِيْلُ بمعنى واحد جاءَتْ المصادرُ على هذه الأوزانِ. والثاني: أنَّ الواوَ للقَسم. والجوابُ: إمَّا محذوفٌ تقديرُه: لتُنْصَرُنَّ أو لأَفْعَلَنَّ بهم ما أريد، وإمَّا مذكورٌ وهو قولُه: { إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ } ذكره الزمخشريُّ.

وأمَّا قراءةُ النصبِ ففيها ثمانيةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّه منصوبٌ على محلِّ " الساعة ". كأنَّه قيل: إنه يَعْلَمُ الساعةَ ويعْلَمُ قِيْله كذا. الثاني: أنَّه معطوفٌ على " سِرَّهم ونجواهم " أي: لا نعلم سِرَّهم ونجواهم ولا نعلمُ قِيْلَه. الثالث: عطفٌ على مفعولِ " يكتُبون " المحذوفِ أي: يكتبون ذلك ويكتبون قيلَه كذا أيضاً. الرابع: أنَّه معطوفٌ على مفعولِ " يعلمون " المحذوفِ أي: يَعْلمون ذلك ويعلمون قيلَه. الخامس: أنه مصدرٌ أي: قالَ قيلَه. السادس: أَنْ ينتصِبَ بإضمارِ فعلٍ أي: اللَّهُ يعلمُ قيلَ رسولِه وهو محمدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم. السابع: أَنْ ينتصِبَ على محلِّ " بالحق " أي: شَهِدَ بالحقِّ وبِقيْلِه. الثامن: أَنْ ينتصِبَ على حَذْفِ حرفِ القسمِ كقوله:
4012 ـ..................... فذاك أمانةَ اللَّهِ الثَّريدُ
وقرأ الأعرجُ وأبو قلابةَ ومجاهدٌ والحسنُ بالرفع، وفيه أوجه [أحدها:] الرفعُ عطفاً على " علمُ الساعةِ " بتقديرِ مضافٍ أي: وعنده عِلْمُ قِيْلِه، ثم حُذِفَ وأُقيم هذا مُقامَه. الثاني: أنَّه مرفوعٌ بالابتداءِ، والجملةُ مِنْ قولِه: " يا رب " إلى آخره هي الخبر. الثالث: أنه مبتدأٌ وخبرُه محذوفٌ تقديرِه: وقيلُه كيتَ وكيتَ مَسْموعٌ أو مُتَقَبَّلٌ. الرابع: أنه مبتدأ وأصلُه القسمُ كقولِهم: " ايمُنُ الله " و " لَعَمْرُ الله " فيكونُ خبرُه محذوفاً. والجوابُ كما تقدَّم، ذَكرَه الزمخشري أيضاً.

واختار القراءةَ بالنصب جماعةٌ. قال النحاس: " القراءةُ البَيِّنَةُ بالنصب من جهتَيْن، إحداهما: أنَّ التفرقةَ بين المنصوبِ وما عُطِفَ عليه مُغْتَفَرَةٌ بخلافِها بين المخفوضِ وما عُطِفَ عليه. والثانيةُ تفسيرُ أهلِ التأويل بمعنى النصب ". قلت: وكأنَّه يُريدُ ما قال أبو عبيدة قال: " إنما هي في التفسيرِ: أم يَحْسَبون أنَّا لا نَسْمع سِرَّهم ونجواهم ولا نسمعُ قِيْلَه يا رب. ولم يَرْتَضِ الزمخشريُّ من الأوجهِ المتقدمةِ شيئاً، وإنما اختار أَنْ تكونَ قَسَماً في القراءاتِ الثلاثِ، وتقدَّم تحقيقُها.

وقال الالوسي

بجر { قِيلِهِ } وهي قراءة عاصم وحمزة والسلمي وابن وثاب والأعمش. وقرأ الأعرج وأبو قلابة ومجاهد والحسن وقتادة ومسلم بن جندب برفعه وهي قراءة شاذة. وقرأ الجمهور بنصبه. واختلف في التخريج فقيل الجر على عطفه على لفظ الساعة في قوله تعالى:{ وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } [الزخرف: 85] أي عنده علم قيله، والنصب على عطفه على محلها لأنها في محل نصب بعلم المضاف إليها فإنه كما قدمنا مصدر مضاف لمفعوله فكأنه قيل: يعلم الساعة ويعلم قيله، والرفع على عطفه على { عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } على حذف مضاف والأصل وعلم قيله فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ونسب الوجه الأول لأبـي علي والثالث لابن جني وجميع الأوجه للزجاج وضمير { قِيلِهِ } عليها للرسول صلى الله عليه وسلم المفهوم من قوله تعالى:{ وَلَئِن سَأَلْتَهُم } [الزخرف: 87] والقيل والقال والقول مصادر جاءت بمعنى واحد، والمنادى وما في حيزه مقول القول، والكلام خارج مخرج التحسر والتحزن والتشكي من عدم إيمان أولئك القوم، وفي الإشارة إليهم بهؤلاء دون قوله قومي ونحوه تحقير لهم وتبر منهم لسوء حالهم. والمراد من إخباره تعالى بعلمه ذلك وعيده سبحانه إياهم، وقيل: الجر على إضمار حرف القسم والنصب على حذفه وإيصال فعله إليه محذوفاً والرفع على نحو لعمرك لأفعلن وإليه ذهب الزمخشري وجعل المقول { يٰرَبّ } وقوله سبحانه: { إِنَّ هَـؤُلآء } الخ جواب القسم على الأوجه الثلاثة وضمير { قِيلِهِ } كما سبق، والكلام إخبار منه تعالى أنهم لا يؤمنون وإقسامه سبحانه عليه بقوله صلى الله عليه وسلم: يا رب لرفع شأنه عليه الصلاة والسلام وتعظيم دعائه والتجائه إليه تعالى، والواو عنده للعطف أعني عطف الجملة القسمية على الجملة الشرطية لكن لما كان القسم بمنزلة الجملة الاعتراضية صارت الواو كالمضمحل عنها معنى العطف، وفيه أن الحذف الذي تضمنه تخريجه من ألفاظ شاع استعمالها في القسم كعمرك وأيمن الله واضح الوجه على الأوجه الثلاثة، وأما في غيرها كالقيل هنا فلا يخلو عن ضعف. وقيل: الجر على أن الواو واو قسم والجواب محذوف أي لننصرنه أو لنفعلن بهم ما نشاء حكاه في «البحر» وهو كما ترى.

وقيل: النصب على العطف على مفعول يكتبون المحذوف أي يكتبون أقوالهم / وأفعالهم وقيله يا رب الخ وليس بشيء، وقيل: هو على العطف على مفعول{ يَعْلَمُونَ } [الزخرف: 86] أعني الحق أي يعلمون الحق وقيل الخ، وهو قول لا يكاد يعقل، وعن الأخفش أنه على العطف على{ سِرَّهُمْ وَنَجْوٰهُم } [الزخرف: 80] ورد بأنه ليس بقوي في المعنى مع وقوع الفصل بما لا يحسن اعتراضاً ومع تنافر النظم. وتعقب أن ما ذكر من الفصل ظاهر وأما ضعف المعنى وتنافر النظم فغير مسلم لأن تقديره أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وأنا لا نسمع قيله الخ وهو منتظم أتم انتظام، وعنه أيضاً أنه على إضمار فعل من القيل ناصب له على المصدرية والتقدير قال قيله ويؤيده قراءة ابن مسعود { وَقَالَ ٱلرَّسُولُ } والجملة معطوفة على ما قبلها.

ورد بأنه لا يظهر فيه ما يحسن عطفه على الجملة قبله وليس التأكيد بالمصدر في موقعه ولا ارتباط لقوله تعالى:{ فَٱصْفَحِ } [الزخرف: 89] به.

وقال العلامة الطيبـي: في توجيهه إن قوله تعالى:{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ } [الزخرف: 87] تقديره وقلنا لك: ولئن سألتهم الخ وقلت: يا رب يأساً من إيمانهم وإنما جعل غائباً على طريق الالتفات لأنه كأنه صلى الله عليه وسلم فاقد نفسه للتحزن عليهم حيث لم ينفع فيهم سعيه واحتشاده، وقيل: الواو على هذا الوجه للحال وقال بتقدير قد والجملة حالية أي فأنى يؤفكون وقد قال الرسول يا رب الخ، وحاصله فأنى يؤفكون وقد شكا الرسول عليه الصلاة والسلام إصرارهم على الكفر وهو خلاف الظاهر، وقيل: الرفع على الابتداء والخبر { يٰرَبّ } إلى { لاَّ يُؤْمِنُونَ } أو هو محذوف أي مسموع أو متقبل فجملة النداء وما بعده في موضع نصب بقيله والجملة حال أو معطوفة، ولا يخفى ما في ذلك....

اسامة محمد خيري
17-08-2019, 15:26
الجوهرة الرابعة والسبعون

{ وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }

قال السمين

قوله: { وَرَسُولِهِ } الجمهورُ على رَفْعِه، وفيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه مبتدأٌ والخبرُ محذوفٌ أي: ورسولُه بريءٌ منهم، وإنما حُذِفَ للدلالةِ عليه. والثاني: أنه معطوفٌ على الضميرِ المستتر في الخبر، وجاز ذلك للفصلِ المسوِّغ للعطف فرفعُه على هذا بالفاعلية. الثالث: أنه معطوفٌ على محل اسم " أنَّ " ، وهذا عند مَنْ يُجيز ذلك في المفتوحةِ قياساً على المكسورة. قال ابن عطية: " ومذهبُ الأستاذ ـ يعني ابن الباذش ـ على مقتضى كلامِ سيبويهِ أن لا موضعَ لِما دخلَتْ عليه " أنَّ "؛ إذ هو مُعْرَبٌ قد ظهر فيه عملُ العامل، وأنه لا فرقَ بين " أَنَّ " وبين " ليت " ، والإِجماعُ على أن لا موضعَ لِما دَخَلَتْ عليه هذه ". قال الشيخ: " وفيه تعقُّبٌ؛ لأن علةَ كونِ " أنَّ " لا موضعَ لِما دَخَلَتْ عليه ليس ظهورَ عملِ العامل بدليل: " ليس زيد بقائم " و " ما في الدار مِنْ رجل " فإنه ظهر عملُ العامل ولهما موضع، وقولُه: " بالإِجماع " ـ يريد أن " ليت " لا موضعَ لِما دَخَلَتْ عليه بالإِجماع ـ ليس كذلك؛ لأن الفراءَ خالَفَ، وجعل حكمَ " ليت " وأخواتِها جميعِها حكمَ " إنَّ " بالكسر ".

قلت: قوله: " بدليل ليس زيدٌ بقائم " إلى آخره قد يَظْهر الفرق بينهما فإن هذا العاملَ وإنْ ظهر عملُه فهو في حكمِ المعدوم؛ إذ هو زائد فلذلك اعتبرنا الموضعَ معه بخلاف " أنَّ " بالفتح فإنه عاملٌ غيرُ زائد، وكان ينبغي أن يُرَدَّ عليه قولُه: " وأن لا فرقَ بين " أنَّ " وبين " ليت " ، فإنَّ الفرقَ قائمٌ، وذلك أن حكمَ الابتداء قد انتسخ مع ليت ولعل وكأن لفظاً ومعنىً بخلافه مع إنَّ وأنَّ فإن معناه معهما باقٍ.

وقرأ عيسى بن عمر وزيد بن علي وابن أبي إسحاق " ورسولَه " بالنصب. وفيه وجهان، أظهرُهما: أنه عطفٌ على لفظ الجلالة. والثاني: أنه مفعولٌ معه، قاله الزمخشري. وقرأ الحسن " ورسولِه " بالجر وفيها وجهان، أحدهما: أنه مقسمٌ به أي: ورسولِه إن الأمر كذلك، وحُذِفَ جوابُه لفهم المعنىٰ. والثاني: أنه على الجِوار، كما أنهم نَعَتوا وأكَّدوا على الجِوار، وقد تقدَّم تحقيقُه. وهذه القراءةُ يَبْعُد صحتُها عن الحسن للإِبهام، حتى يحكى أن أعرابياً سمع رجلاً يقرأ " ورسولِه " بالجر. فقال الأعرابي: إن كان الله قد بَرِىء مِنْ رسوله فأنا بريء منه، فَلَبَّبه القارىء إلى عمر رضي الله عنه، فحكى الأعرابيُّ الواقعةَ، فحينئذ أَمَرَ عمرُ بتعليم العربية. ويُحكى أيضاً هذه عن أمير المؤمنين عليّ وأبي الأسود الدؤلي. قال أبو البقاء: " ولا يكون عطفاً على المشركين لأنه يؤدي إلى الكفر ". وهذا من الوضحات.

اسامة محمد خيري
17-08-2019, 15:28
الجوهرة الخامسة والسبعون

{ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ }

قال السمين:

قوله: { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ }: فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه مبتدأٌ، والخبرُ الجملةُ من قولِه: { أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } والذُّرِّيَّةُ هنا تَصْدُق على الآباء وعلى الأبناء أي: إنَّ المؤمنَ إذا كان عملُه أكبرَ أُلْحِقَ به مَنْ دونَه في العمل، ابناً كان أو أباً، وهو منقولٌ عن ابن عباس وغيرِه. والثاني: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ. قال أبو البقاء: " على تقدير وأكرَمْنا الذين آمنوا ". قلت: فيجوزُ أَنْ يريدَ أنه من باب الاشتغالِ وأنَّ قولَه: { أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } مُفَسِّر لذلك الفعلِ من حيث المعنى، وأَنْ يريدَ أنه مضمرٌ لدلالةِ السياقِ عليه، فلا تكونُ المسألةُ من الاشتغالِ في شيء.

والثالث: أنه مجرورٌ عطفاً على " حورٍ عينٍ ". قال الزمخشري: " والذين آمنوا معطوفٌ على " حورٍ عينٍ " أي: قَرَنَّاهم بالحورِ وبالذين آمنوا أي: بالرُّفَقاءِ والجُلَساءِ منهم، كقوله:{ إِخْوَاناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ } [الحجر: 47] فيتمتَّعون تارةً بملاعبةِ الحُور، وتارةً بمؤانسةِ الإِخوانِ ". ثم قال الزمخشري: " ثم قال تعالى: { بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } أي: بسببِ إيمانٍ عظيمٍ رفيعِ المحلِّ وهو إيمانُ الآباءِ أَلْحَقْنا بدَرَجَتِهم ذرِّيَّتَهم، وإنْ كانوا لا يَسْتَأهِلُونها تَفَضُّلاً عليهم ".

قال الشيخ: " ولا يتخيَّلُ أحدٌ أنَّ " والذين آمنوا " معطوفٌ على " بحورٍ عينٍ " غيرُ هذا الرجلِ، وهو تخيُّلُ أعجميٍّ مُخالفٍ لِفَهْمِ العربيِّ القُحِّ ابنِ عباسٍ وغيرِه ". قلت: أمَّا ما ذكره أبو القاسم من المعنى فلا شكَّ في حُسْنِه ونَضارَتِه، وليس في كلامِ العربيِّ القُحِّ ما يَدْفَعُه، بل لو عُرِض على ابنِ عباسٍ وغيرِه لأَعْجبهم. وأيُّ مانعٍ معنوي أو صناعي يمنعُه؟.

اسامة محمد خيري
17-08-2019, 15:30
الجوهرة السادسة والسبعون

{ وَحُورٌ عِينٌ }

قال السمين فى سورة الواقعة:

قوله: { وَحُورٌ } قرأ الأخَوان بجرِّ " حور عين ". والباقون برفعِهما. والنخعيُّ: " وحِيرٍ عين " بقلب الواو ياءً وجرِّهما، وأُبَيٌّ وعبد الله " حُوْراً عيناً " بنصبهما. فأمَّا الجرُّ فمن أوجه، أحدها: أنه عطفٌ على{ جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ } [الواقعة: 12] كأنه قيل: هم في جنات وفاكهة ولحمٍ وحورٍ، قاله الزمخشري. قال الشيخ: " وهذا فيه بُعْدٌ وتفكيكُ كلامٍ مرتبطٍ بعضُه ببعض، وهو فُهْمُ أعجمي ". قلت: والذي ذهب إليه معنى حسنٌ جداً، وهو على حَذْفِ مضافٍ أي: وفي مقاربة حور، وهذا هو الذي عناه الزمخشري. وقد صرَّح غيرُه بتقدير هذا المضاف. الثاني: أنه معطوفٌ على " بأكواب " وذلك بتجوُّزٍ في قوله: " يطُوفُ " إذ معناه: يُنَعَّموْن فيها باكواب وبكذا وبُحور، قاله الزمخشري. الثالث: أنه معطوفٌ عليه حقيقةً، وأن الوِلْدانَ يَطُوفون عليهم بالحور أيضاً، فإن فيه لذةً لهم، طافُوا عليهم بالمأكولِ والمشروبِ والمُتَفَكَّهِ بعد المنكوحِ، وإلى هذا ذهب أبو عمرو بن العلاء وقطرب. ولا التفات إلى قولِ أبي البقاء: " عطفاً على أكواب في اللفظ دون المعنى؛ لأنَّ الحوَر لا يُطاف بها ".

وأمَّا الرفعُ فمِنْ أوجهٍ أيضاً، عطفاً على " ولْدانٌ " ، أي: إنَّ الحورَ يَطُفْنَ عليهم بذلك، كما الوَلائدُ في الدنيا. وقال أبو البقاء: " أي: يَطُفْنَ عليهم للتنعُّمِ لا للخدمة " قلت:/ وهو للخدمةِ أبْلَغُ؛ لأنهم إذا خدمهم مثلُ أولئك، فما الظنُّ بالمَوْطوءات؟ الثاني: أَنْ يُعطفَ على الضمير المستكنِّ في " مُتَّكِئين " وسَوَّغ ذلك الفصلُ بما بينهما. الثالث: أَنْ يُعْطفَ على مبتدأ وخبر حُذِفا معاً تقديرُه: لهم هذا كلُّه وحورٌ عين، قاله الشيخ، وفيه نظر؛ لأنَّه إنما عُطِف على المبتدأ وحدَهُ، وذلك الخبرُ له ولِما عُطِف هو عليه.

الرابع: أَنْ يكونَ مبتدأً، خبرُه مضمرٌ تقديرُه: ولهم، أو فيها، أو ثَمَّ حورٌ. وقال الزمخشري " على وفيها حُوْرٌ كبيت الكتاب:
4211ـ.......................... إلاَّ رَواكدَ جَمْرُهُنَّ هَباءُ
الخامس: أن يكونَ خبراً لمبتدأ مضمر، أي: نساؤهم حورٌ، قاله أبو البقاء. وأمَّا النصبُ ففيه وجهان، أحدهما: أنه منصوبٌ بإضمارِ فِعْل، أي: يَعْطَوْن، أو يَرِثُون حُوْراً، والثاني: أن يكونَ محمولاً على معنى: يَطوف عليهم؛ لأن معناه يُعْطَوْن كذا وكذا فعطف عليه هذا. وقال مكي: " ويجوز النصبُ على أَنْ يُحْمَلَ أيضاً على المعنى؛ لأنَّ معنى يَطوفُ وِلْدانٌ بكذا وكذا يُعْطَوْن كذا وكذا، ثم عطف حوراً على معناه " فكأنه لم يَطَّلعْ عليها قراءةً.

اسامة محمد خيري
18-08-2019, 11:45
الجوهرة السابعة والسبعون

إِن تَتُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ }

قال السمين

قوله: { وَجِبْرِيلُ } يجوزُ أَنْ يكون عطفاً على اسمِ الله تعالى ورُفِعَ نظراً إلى محلِّ اسمِها، وذلكَ بعد استكمالِها خبرَها، وقد عَرَفْتَ مذاهبَ الناسِ فيه، ويكونَ " جبريلُ " وما بعده داخلَيْن في الولايةِ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ويكونَ جبريلُ ظهيراً له بدخولِه في عمومِ الملائكةِ، ويكونَ " الملائكة " مبتدأً و " ظهيرٌ " خبرَه، أُفْرِدَ لأنه بزنةِ فَعيل. ويجوزُ أَنْ يكونَ الكلامُ تمَّ عند قولِه: " مَوْلاه " ويكونُ " جبريل " مبتدأ، وما بعده عَطْفٌ عليه.


و " ظهيرٌ " خبرُ الجميع، فتختصُّ الولايةُ بالله، ويكون " جبريل " قد ذُكر في المعاونةِ مرَّتين: مرةً بالتنصيصِ عليه، ومرةً بدخولِه في عموم الملائكةِ، وهذا عكس ما في البقرة مِنْ قوله: { مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ } فإنه ذكر الخاصَّ بعد العامِّ تشريفاً له، وهنا ذُكِر العامُّ بعد الخاصِّ، لم يَذْكُرِ الناسُ إلاَّ القسمَ الأول

الجوهرة الثامنة والسبعون

{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

قال السمين

قوله: { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ } يجوز فيه وجهان أحدُهما:/ أن يكونَ مَنْسوقاً على النبيِّ [أي]: ولا يُخْزي الذين آمنوا. فعلى هذا يكون " نُورُهم يسعى " مستأنفاً أو حالاً. والثاني: أن يكونَ مبتدأ، وخبره " نورُهم يَسْعى " و " يقولون " خبرٌ ثانٍ أو حال.

وقال الماتريدى

وللمعتزلة بهذه الآية تعلق، وهو أن قالوا بأن الله تعالى أخبر أنه لا يخزي النبي والمؤمنين، والإخزاء يقع بالعذاب؛ فقد وعد ألا يعذب الذين آمنوا، ولو كان أصحاب الكبائر مؤمنين لم يخف عليهم العذاب؛ إذ قد وعد ألا يخزي المؤمنين ومن قولكم: إنهم يُخاف عليهم العقاب؛ فثبت أنهم ليسوا بمؤمنين.

ولكن نقول: إن هذا السؤال يلزمهم من الوجه الذي أرادوا إلزام خصومهم؛ لأن في الآية وعدا بألا يخزي الذين آمنوا، وهم مقرون بأن أهل الكبائر ممن قد آمنوا، ولكنهم بعد ارتكابهم الكبائر ليسوا بمؤمنين، والآية لم تنطق بنفي الإخزاء عن المؤمنين؛ لأنه لم يقل: يوم لا يخزي الله النبي والمؤمنين، وإنما قال: { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ } ، وهم يقطعون القول بإخزاء من قد آمن؛ فصاروا هم المحجوجين بهذه الآية، ثم حق هذه الآية عندنا أن نقف على قوله: { ٱلنَّبِيَّ } ، أي: لا يخزيه الله تعالى في أن يرد شفاعته أو يعذبه، وقوله: { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ } ، ابتداء كلام وخبره { نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ }؛ وهو كقوله - تعالى -:{ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ } [آل عمران: 7].

أو لا نخزي الذين آمنوا بعد شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.

ويحتمل أن الإخزاء هو الفضيحة، أي: لا يفضحهم يوم القيامة بين أيدي الكفار، ويجوز أن يعذبهم على وجه لا يقف عليه الكفرة، والخزي: هو الفضيحة، وهتك الستر، ولا يفعل ذلك بالمؤمنين بفضله، والله أعلم.

اسامة محمد خيري
18-08-2019, 11:53
الجوهرة التاسعة والسبعون

{ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً } * { يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً } * { وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً } * { وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً } * { وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } * { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً }

قال السمين

قوله: { وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا }: قرأ الأخَوان وابن عامر وحفص بفتح " أنَّ " وما عُطِف عليها بالواو في اثنتي عشرة كلمةً، والباقون بالكسرة. وقرأ ابنُ عامر وأبو بكرٍ " وإنه لَمَّا قام " بالكسرة، والباقون بالفتح، واتفقوا على الفتحِ في قوله: { وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ } وتلخيص هذا: أن " أنَّ " المشددةَ في هذه السورةِ على ثلاثةِ أقسامٍ: قسمٍ ليس معه واوُ العطفِ، فهذا لا خلاف بين القُرَّاءِ في فتحِه أو كسرِه. على حسبِ ما جاءَتْ به التلاوةُ واقْتَضَتْه العربيةُ، كقولِه: { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ } لا خلافَ في فتحِه لوقوعِه موقعَ المصدرِ وكقوله:{ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً } [الجن: 1] لا خلافَ في كسرِه لأنه محكيٌّ بالقول.

القسم الثاني أَن يقترنَ بالواوِ، وهو أربعَ عشرةَ كلمةً، إحداها: لا خلاف في فتحِها وهي: قولُه تعالى:{ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ } [الجن: 18] ـ وهذا هو القسم الثالث ـ والثانية:{ وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ } [الجن: 19] كَسَرَها ابنُ عامرٍ وأبو بكر، وفتحها الباقون. والاثنتا عشرةَ الباقيةُ: فَتَحها الأخوان وابن عامرٍ وحفص، وكسرها الباقون، كما تقدَّم تحريرُ ذلك كلِّه. والاثنتا عشرةَ هي قولُه: { وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا } ،{ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ } [الجن: 4]{ وَأَنَّا ظَنَنَّآ } [الجن: 5]{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ } [الجن: 6]{ وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ } [الجن: 7]{ وَأَنَّا لَمَسْنَا } [الجن: 8]{ وَأَنَّا كُنَّا } [الجن: 9]{ وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ } [الجن: 10]{ وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ } [الجن: 11]{ وَأَنَّا ظَنَنَّآ } [الجن: 12]{ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا } [الجن: 13]{ وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ } [الجن: 14]. وإذا عَرَفْتَ ضَبْطَها من حيث القراءاتُ فالتفِتْ إلى توجيهِ ذلك.

وقد اختلف الناسُ/ في ذلك فقال أبو حاتم في الفتح: " هو معطوفٌ على مرفوعِ " أُوْحِيَ " فتكونُ كلُّها في موضعِ رفعٍ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه ". وهذا الذي قاله قد رَدَّه الناسُ عليه: مِنْ حيث إنَّ أَكثرَها لا يَصِحُّ دخولُه تحت معمولِ " أُوْحِي " ألا ترى أنه لو قيل: أوُحي إليِّ أنَّا لَمَسْنا السماءَ، وأنَّا كُنَّا، وأنَّا لا نَدْري، وأنَّا منَّا الصالحون، وأنَّا لمَّا سَمِعْنا، وأنَّا مِنَّا المسلمون لم يَسْتَقِمْ معناه. وقال مكي: " وعَطْفُ " أنَّ " على{ آمَنَّا بِهِ } [الجن: 2] أتَمُّ في المعنى مِنْ العطفِ على " أنَّه استمعَ " لأنك لو عَطَفْتَ{ وَأَنَّا ظَنَنَّآ } [الجن: 5]{ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا } [الجن: 13]{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ } [الجن: 6]{ وَأَنَّا لَمَسْنَا } [الجن: 8]، وشِبْهَ ذلك على{ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ } [الجن: 1] لم يَجُزْ؛ لأنه ليس مِمَّا أُوْحِي، إليه، إنما هو أمرٌ أو خبر، وأنه عن أنفسهم، والكسرُ في هذا أَبْينُ، وعليه جماعة مِنْ القُراءِ.

الثاني: أنَّ الفتحَ في ذلك عَطْفٌ على مَحَلِّ " به " مِنْ " آمَنَّا به ". قال الزمخشري: " كأنه قال: صَدَّقْناه وصَدَّقْناه أنه تعالى جَدُّ رَبَّنا، وأنَّه كان يقولُ سفيهُنا، وكذلك البواقي " ، إلاَّ أنَّ مكيَّاً ضَعَّفَ هذا الوجهَ فقال: والفتحُ في ذلك على الحَمْلِ على معنى " آمَنَّا به " وفيه بُعْدٌ في المعنى؛ لأنهم لم يُخْبِروا أنهم آمنوا بأنَّهم لَمَّا سَمِعوا الهدى آمنوا به، ولم يُخْبِروا أنهم آمنوا أنه كان رجالٌ، إنما حكى اللَّهُ عنهم أنهم قالوا ذلك مُخْبِرين به عن أنفسِهم لأصحابِهم، فالكسرُ أَوْلى بذلك " وهذا الذي قاله غيرُ لازمٍ؛ فإنَّ المعنى على ذلك صحيحٌ.

وقد سَبَق الزمخشريَّ إلى هذا التخريجِ الفَرَّاءُ والزجَّاجُ. إلاَّ أنَّ الفَرَّاء استشعر إشكالاً وانفصل عنه، فإنه قال: " فُتِحَتْ " أنَّ " لوقوع الإِيمانِ عليها، وأنت تجدُ الإِيمانَ يَحْسُنُ في بعضِ ما فُتحَ دونَ بعضٍ، فلا يُمْنَعُ من إمضائِهنَّ على الفتح، فإنه يَحْسُنُ فيه ما يُوْجِبُ فَتْحَ " أنَّ " نحو: صَدَقْنا وشَهِدْنا، كما قالت العربُ:
4347ـ....................... وزَجَّجْنَ الحواجبَ والعُيونا
فنصَبَ " العيونَ " لإِتباعِها الحواجبَ، وهي لا تُزَجَّجُ. إنما تُكَحَّلُ، فأضمر لها الكُحْلَ " انتهى. فأشار إلى شيءٍ مِمَّا ذكرَه مكيٌّ وأجاب عنه. وقال الزجَّاج: " لكنَّ وجهَه أَنْ يكونَ محمولاً على معنى " آمنَّا به "؛ لأنَّ معنى " آمَنَّا به " صَدَّقْناه وعَلِمْناه، فيكون المعنى: صَدَّقْنا أنه تعالى جَدُّ ربِّنا ".

الثالث: أنه معطوفٌ على الهاء به " به " ، أي: آمنَّا به وبأنه تعالى جَدُّ ربِّنا، وبأنه كان يقولُ، إلى آخره، وهو مذهب الكوفيين. وهو وإن كان قوياً من حيث المعنى إلاَّ أنَّه ممنوعٌ مِنْ حيث الصناعةُ، لِما عَرَفْتَ مِنْ أنَّه لا يُعْطَفُ على الضميرِ المجرورِ إلاَّ بإعادةِ الجارِّ. وقد تقدَّم تحقيقُ هذَيْن القولَيْن مستوفىً في سورةِ البقرة عند قولِه:{ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } [البقرة: 217] على أنَّ مكِّيَّاً قد قَوَّى هذا لمَدْرَكٍ آخرَ وهو حَسَنٌ جداً، قال رحمه الله: " وهو ـ يعني العطفَ على الضميرِ المجرورِ دونَ إعادةِ الجارِّ ـ في " أنَّ " أجوَدُ منه في غيرها، لكثرةِ حَذْفِ حرفِ الجرِّ مع " أنَّ ".

ووجهُ الكسرِ العطفُ على قوله:{ إِنَّا سَمِعْنَا } [الجن: 1] فيكون الجميعُ معمولاً للقولِ، أي: فقالوا: إنَّا سَمِعْنا، وقالوا: إنَّه تعالى جَدُّ ربِّنا إلى آخرِه. وقال بعضُهم: الجملتان مِنْ قولِه تعالى:{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ } [الجن: 6]{ وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ } [الجن: 7] معترضتان بين قولِ الجنِّ، وهما مِنْ كلامِ الباري تعالى، والظاهرُ أنَّهما مِنْ كلامِهم، قاله بعضُهم لبعضٍ. ووجهُ الكسرِ والفتحِ في قولِه:{ وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ } [الجن: 19] ما تقدَّم. ووَجْهُ إجماعِهم على فتح{ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ } [الجن: 18] وجهان، أحدُهما: أنَّه معطوفٌ على{ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ } [الجن: 1] فيكونُ مُوْحى أيضاً. والثاني: أنه على حَذْفِ حرفِ الجرِّ، وذلك الحرفُ متعلِّقٌ بفعل النهي، أي: فلا تَدْعوا مع اللَّهِ أحداً؛ لأنَّ المساجدَ للَّهِ، ذكرهما أبو البقاء.

قال الزمخشري: " أنه استمع " بالفتح؛ لأنَّه فاعلُ " أُوْحي " وإِنَّا سَمِعْنَا } [الجن: 1] بالكسرِ؛ لأنَّه مبتدأٌ مَحْكِيٌّ بعد القولِ، ثم تحملُ عليهما البواقي، فما كان مِنَ الوحي فُتِحَ، وما كان مِنْ قَوْل الجِنِّ كُسِرَ، وكلُّهُنَّ مِنْ قولِهم إلاَّ/ الثِّنْتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ وهما:{ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ } [الجن: 18]{ وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ } [الجن: 19]. ومَنْ فتح كلَّهن فعَطْفاً على مَحَلِّ الجارِّ والمجرور في{ آمَنَّا بِهِ } [الجن: 2]، أي: صَدَّقْناه، وصَدَّقْنا أنه

وقال القرطبي

قوله تعالى: { وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا } كان عَلْقمة ويحيـى والأعمش وحمزة والكسائيّ وٱبن عامر وخَلَف وحفص والسّلمي ينصبون «أَنَّ» في جميع السورة في ٱثني عشر موضعاً، وهو: { وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا } ، { وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ } ، { وَأَنَّا ظَنَنَّآ } ، { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ } ، { وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ } ، { وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ } ، { وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ } ، { وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ } ، { وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ } ، { وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ } ، { وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ } ، { وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ } ، عطفاً على قوله: { أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ } ، { وَأَنَّهُ ٱسْتَمَعَ } لا يجوز فيه إلا الفتح لأنها في موضع ٱسم فاعل «أُوحِيَ» فما بعده عليه. وقيل: هو محمول على الهاء في «آمَنَّا بِهِ» أي وبـ«ـأَنَّه تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا» وجاز ذلك وهو مضمر مجرور لكثرة حرف الجار مع «أنّ». وقيل: المعنى أي وصدّقنا أنه جدّ ربنا. وقرأ الباقون كلَّها بالكسر وهو الصواب، وٱختاره أبو عبيدة وأبو حاتم عطفاً على قوله: { فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا } لأنه كله من كلام الجنّ. وأما أبو جعفر وشيبة فإنهما فتحا ثلاثة مواضع وهي قوله تعالى: { وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا } ، { وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ } ، { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ } ، قالا: لأنه من الوحي، وكسرا ما بقي لأنه من كلام الجنّ. وأما قوله تعالى: { وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ } فكلهم فتحوا إلا نافعاً وشيبة وزرَّ بن حُبيش وأبا بكر والمفضّل عن عاصم، فإنهم كسروا لا غير. ولا خلاف في فتح همزة { أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ } ، { وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ } { وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ } ، { وَأَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ }. وكذلك لا خلاق في كسرها ما بعد القول نحو قوله تعالى: «فقالوا إنا سمعنا» و { قَالَ إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّي } و { قُلْ إنْ أدْرِي }قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ } [الجن: 21] وكذلك لا خلاف في كسر ما كان بعد فاء الجزاء نحو قوله تعالى:{ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } [الجن: 23] و«فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ» لأنه موضع ٱبتداء. قوله تعالى: { وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا } الجدّ في اللغة: العظمة والجلال ومنه قوله أنس: كان الرجل إذا حفظ البقرة وآلِ عمران جَدّ في عيوننا أي عَظُم وجلّ. فمعنى: «جدُّ رَبِّنَا» أي عظمته وجلاله ....

قوله تعالى: { وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً } الهاء في «أَنَّهُ» للأمر أو الحديث، وفي «كَانَ» ٱسمها، وما بعدها الخبر. ويجوز أن تكون «كَانَ» زائدة. والسفيه هنا إبليس في قول مجاهد وٱبن جريج وقتادة. ورواه أبو بُرْدة بن أبي موسى عن أبيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقيل: المشركون من الجنّ: قال قتادة: عصاه سفيه الجنّ كما عصاه سفيه الإنس. والشطط والاشتطاط: الغلوّ في الكفر. وقال أبو مالك: هو الجَور. الكلبيّ: هو الكذب. وأصله البعد فيعبّر به عن الجور لبعده عن العدل، وعن الكذب لبعده عن الصدق قال الشاعر:
بأيَّةِ حالٍ حكّموا فيك فٱشتطُّوا وما ذاكَ إلا حيثُ يَمَّمَكَ الوَخْطُ
قوله تعالى: { وَأَنَّا ظَنَنَّآ } أي حسبنا { أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } ، فلذلك صدقناهم في أن لله صاحبة وولداً، حتى سمعنا القرآن وتبيَّنا به الحقّ. وقرأ يعقوب والجحدريّ وابن أبي إسحق «أَنْ لَنْ تَقَوَّلَ». وقيل: ٱنقطع الإخبار عن الجنّ ها هنا فقال الله تعالى: { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ } فمن فتح وجعله من قول الجنّ ردّها إلى قوله: «أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ»، ومن كسر جعلها مبتدأ من قول الله تعالى. والمراد به ما كانوا يفعلونه من قول الرجل إذا نزل بوادٍ: أعوذ بسيّد هذا الوادي من شرّ سفهاء قومه فيبيت في جواره حتى يصبح قاله الحسن ....

قوله تعالى: { وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً } هذا من قول الله تعالى للإنس أي وأن الجنّ ظنوا أن لن يبعث الله الخلق كما ظننتم. الكلبيّ: المعنى: ظنت الجنّ كما ظنت الإنس أن لن يبعث الله رسولاً إلى خلقه يقيم به الحجة عليهم. وكل هذا توكيد للحجة على قريش أي إذا آمن هؤلاء الجنّ بمحمد، فأنتم أحقّ بذلك.

اسامة محمد خيري
18-08-2019, 12:33
الجوهرة الثمانون

وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ }

قال القرطبي

وقال سعيد بن جُبير: حمالة الخطايا والذنوب؛ من قولهم: فلان يحتطب على ظهره؛ دليله قوله وقراءة العامة «حمَّالَةُ» بالرفع، على أن يكون خبراً «وامرأته» مبتدأ. ويكون في «جِيدِها حبلٌ من مَسَدِ» جملة في موضع الحال من المضمر في «حَمّالة». أو خبراً ثانياً. أو يكون «حمالة الحطب» نعتاً لامرأته. والخبر { فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ }؛ فيوقف (على هذا) على «ذَاتَ لَهَبٍ». ويجوز أن يكون «وامرأَته» معطوفة على المضمر في «سَيَصْلَى» فلا يوقف على «ذَاتَ لَهَبٍ» ويوقف على «وامْرَأَته» وتكون «حَمَّالة الحَطَبَ» خبر ابتداء محذوف. وقرأ عاصم «حمالة الحَطَب» بالنصب على الذم، كأنها اشتهرتْ بذلك، فجاءت الصفة للذم لا للتخصيص، كقوله تعالى:
{ مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ }
[الأحزاب: 61]. وقرأ أبو قِلابة «حامِلَةَ الحَطَب

وقال الرازي

امرأته) إن رفعته، ففيه وجهان أحدهما: العطف على الضمير في { سيصلى } ، أي سيصلى هو وامرأته. و { في جيدها } في موضع الحال والثاني: الرفع على الابتداء، وفي جيدها الخبر.

اسامة محمد خيري
18-08-2019, 12:37
الجوهرة الواحدة والثمانون

{ وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ }

قال السمين

قوله تعالى: { وَيَوْمَ يَقُولُ كُن }: في " يوم " ثمانية أوجه أحدها - وهو قول الزجاج - أنه مفعول به لا ظرف وهو معطوف على الهاء في " اتقوه " أي: واتقوا يومَ أي عقابَ يومِ يقول أو هَوْلَه أو فَزَعَه، فهو كقوله تعالى في موضع آخر:{ وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي } [البقرة: 48] على المشهور في إعرابه. الثاني: أنه مفعول به أيضاً ولكنه نسق على " السماوات والأرض " أي: وهو الذي خلق يوم يقول. الثالث: أنه مفعولٌ لا ذكْرُ مقدراً. الرابع: أنه منصوبٌ بعامل مقدَّرٍ، وذلك العامل المقدر مفعول فعل مقدر أيضاً، والتقدير: واذكروا الإِعادة يوم يقول: كن أي: يوم يقول الله للأجساد كوني معادةً. الخامس: أنه عطف على موضع قوله " بالحق " فإنَّ موضعه نصب ويكون " يقول " بمعنى " قال " ماضياً كأنه قيل: وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم قال لها: كن.

السادس: أن يكون " يوم يقول " خبراً مقدماً، والمبتدأ " قوله " و " الحق " صفته، أي: قوله الحق في يوم يقول كن فيكون، وإليه نحا الزمخشري فإنه قال: " قوله الحق مبتدأ ويوم يقول خبره مقدماً عليه، وانتصابه بمعنى الاستقرار كقولك " يوم الجمعة القتال " واليوم بمعنى الحين، والمعنى: أنه خلق السماوات والأرض قائماً بالحكم وحين يقول لشيء من الأشياء كن، فيكون ذلك الشيء قوله الحق والحكمة. السابع: أنه منصوب على الظرف، والناصب له معنى الجملة التي هي " قوله الحق " أي: حق قوله في يوم يقول كن الثامن: أنه منصوب بمحذوف دلَّ عليه " بالحق "

قال الزمخشري: " وانتصابُ اليوم بمحذوف دلَّ عليه قوله " بالحق " كأنه قيل: وحين يكونّ ويقدّر يقوم بالحق " قال الشيخ: " وهذا إعراب متكلف ".

اسامة محمد خيري
18-08-2019, 12:45
الجوهرة الثانية والثمانون

{ إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }


قال ابن الجوزى

قوله تعالى: { أن يقتلوا أو يصلبوا } اختلف العلماء هل هذه العقوبة على الترتيب، أم على التخيير؟ فمذهب أحمد رضي الله عنه أنها على الترتيب، وأنهم إِذا قتلوا، وأخذوا المال، أو قتلوا ولم يأخذوا، قُتِلوا وصلِّبوا، وإِن أخذوا المال، ولم يقتلوا، قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإِن لم يأخذوا المال، نُفوا. قال ابن الأنباري: فعلى هذا تكون «أو» مبعّضة، فالمعنى: بعضهم يفعل به كذا، وبعضهم كذا، ومثله قوله:{ كونوا هوداً أو نصارى } [البقرة: 135].

المعنى: قال بعضهم هذا، وقال بعضهم هذا. وهذا القول اختيار أكثر اللغويين.

وقال الشافعي: إِذا قتلوا وأخذوا المال، قُتِلوا وصُلِّبوا، وإِذا قتلوا ولم يأخذوا المال، قُتلوا ولم يُصلَّبوا، وإِذا أخذوا المال ولم يَقتلوا، قُطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف.

وقال مالك: الإِمام مخير في إِقامة أيِّ الحدود شاء، سواء قتلوا أو لم يقتلوا، أخذوا المال أو لم يأخذوا، والصلب بعد القتل. وقال أبو حنيفة، ومالك: يُصْلب ويُبعج برمحٍ حتى يموت...

وقال ابن العربي فى احكام القرآن

المسألة السادسة: قوله تعالى: {أَنْ يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنْفَوا مِنَ الأرض}:
فيها قولان:
الأول: أنها على التخيير؛ قاله سعيد بن المسيب، ومجاهد، وعطاء، وإبراهيم.
الثاني: أنها على التفصيل.
واختلفوا في كيفية التفصيل على سبعة أقوال:
الأول: أن المعنى أنْ يقتلوا إنْ قتلوا. أو يصلبوا إنْ قَتَلوا وأخذوا المال. أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إنْ أخذوا المال، أو ينفوا من الأرض إنْ أخافوا السبيل؛ قاله ابن عباس والحسن وقتادة والشافعي وجماعة.
الثاني: المعنى إن حارب فقتل وأخذ المال قُطِعَتْ يده ورِجْلُه من خلاف، وقتل وصلب، فإن قتل ولم يأخُذْ مالاً قُتِل، وإن أخذ المال ولم يقتل قُطِعَتْ يده ورجله من خِلاَف، وإذا لم يقتل ولم يأخذ مالاً نفي، وهذا يقاربُ الأول، إلا في الجمع بين قطع الأيدي والأرجل والقتل والصلب.
الثالث: أنه إنْ قَتل وأخذ المال وقطع الطريق يخيَّرُ فيه الإمام إن شاء قَطَع يده ورِجْلَه من خِلاَف وصلبه، وإن شاء صلبه ولم يقطع يَده ورجله، وإن شاء قتله ولم يقطع رِجْله ويده، ولم يصلبه، فإن أخذ بالأول فقتل قطع من خلاف، وإن لم يأخذ بالأول غرّب ونُفي من الأرض.
الرابع: قال الحسن مثله، إلا في الآخر؛ فإنه قال: يؤدَّبُ ويسجن حتى يموت.
الخامس: قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن: إن اقتصروا على القتل قُتلوا، وإن اقتصروا على أخْذِ المال قطعوا من خِلاَف، وإن أخذوا المال وقَتلوا فإن أبا حنيفة قال: يخيَّر فيهم بأربع جهات: قتل، صلب، قطع وقتل، قطع وصلب، وهذا نحو ما تقدم، وهذا سادس.
السابع: قال ابن المسيب ومالك في إحدى روايتيه بتخيير الإمام بمجرد الخروج، أما من قال: لأن {أو} على التخيير فهو أصلُها وموردها في كتاب الله تعالى.
وأما من قال: إنها للتفصيل فهو اختيار الطبري، وقال: هذا كما لو قال: إن جزاء المؤمنين إذا دخلوا الجنَة أن ترفع منازلهم أو يكونوا مع الأنبياء في منازلهم، وليس المراد حلول المؤمنين معهم في مرتبةٍ واحدة، وهذا الذي قاله الطبري لا يكفي إلا بدليل، ومعولُهم قولُ النبيّ صلّى الله عليه وسلم: "لا يحلُّ دَمُ امرىءٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصان، أو كفَر بعد إيمان، أو قَتَلَ نفساً بغير نَفس". فمن لم يَقتل كيف يُقتل؟
قالوا: وأما قولكم إنها على التخيير فإن التخيير يبدأ فيه بالأخفّ، ثم يُنْتَقل فيه إلى الأثْقل؛ وها هنا بدأ بالأثقل، ثم انتقل إلى الأخفّ؛ فدلَّ على أنه قرر ترتيب الجزاء على الأفعال، فترتَّب عليه بالمعنى، فمن قَتل قُتل، فإن زاد وأخذ المال صُلب؛ فإن الفعل جاء أفحش؛ فإن أخذ المال وحده قطع من خِلاَف، وإن أخاف نفي.
الجواب: الآية نصٌّ في التخيير، وصَرْفها إلى التعقيب والتفصيل تحكُّم على الآية وتخصيصٌ لها، وما تعلقوا منه بالحديث لا يصحُّ، لأنهم قالوا: يقتل الرِّدْء ولم يَقتل: وقد جاء القَتْلُ بأكثر من عشرة أشياء، منها متَّفقٌ عليها ومنها مختلف فيها، فلا تعلق بهذا الحديث لأحدٍ. وتحرير الجوابِ القَطْع لتشغيبهم أنَّ الله تعالى رتَّبَ التخيير على المحاربة والفساد، وقد بَيَّنَّا أنَّ الفسادَ وحده موجبٌ للقتل ومع المحاربة أشد.

انتهي

قال ابن الجوزى فى سورة البقرة

قوله تعالى: { تلك عشرة كاملة } فيه خمسة أقوال.

أحدها: أن معناه: كاملة في قيامها مقام الهدي، وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس، والحسن. قال القاضي أبو يعلى: وقد كان يجوز أن يظن ظان أن الثلاثة قد قامت مقام الهدي في باب استكمال الثواب، فأعلمنا الله تعالى أن العشرة بكمالها هي القائمة مقامه.

والثاني: أن الواو قد تقوم مقام «أو» في مواضع، منها قوله: { فانحكوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع } فأزال الله، عز وجل احتمال التخيير في هذه الآية، بقوله: { تلك عشرة كاملة } وإلى هذا المعنى ذهب الزجاج.

والثالث: أن ذلك للتوكيد. وأنشدوا للفرزدق:
ثلاث واثنتان فهن خمس وسادسة تميل إلى شمامي
وقال آخر:
هلا سألت جموع كندة يوم ولوا أين أينا
وقال آخر:
كم نعمة كانت له كم كم وكم
والقرآن نزل بلغة العرب، وهي تكرر الشيء لتوكيده.

والرابع: أن معناه: تلك عشرة كاملة في الفصل، وإن كانت الثلاثة في الحج، والسبعة بعد، لئلا يسبق إلى وهم أحد أن السبعة دون الثلاثة، قاله أبو سليمان الدمشقي.

والخامس: أنها لفظة خبر ومعناها: الأمر، فتقديره: تلك عشرة فأكملوها....

اسامة محمد خيري
18-08-2019, 12:48
الجوهرة الثالثة والثمانون

يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }

قال السمين

قوله تعالى: { لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ }: الآية، فالذين وصلته هو المفعولُ الأول لقولِه: { ولا تتَّخِذوا } والمفعول الثاني هو قوله: " أولياء " و " دينَكم " مفعولٌ أولُ لـ " اتخذوا " و " هُزُوا " مفعول ثان، وتقدَّم ما في " هُزْءاً " من القراءات والاشتقاق. وقوله: { مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ } فيه وجهان، أحدُهما: أنه في محل نصب على الحال، وصاحبها فيه وجهان أحدُهما: أنه الموصولُ / الأول. والثاني: أنه فاعل " اتَّخذوا " الثاني من الوجهين الأولين أنه بيان للموصول الأول، فتكونُ " مِنْ " لبيانِ الجنس، وقوله: { مِن قَبْلِكُمْ } متعلق " بـ " أوتوا "؛ لأنهم أُوتوا الكتابَ قبل المؤمنين، والمرادُ بالكتابِ الجنسُ.

قوله: { وَٱلْكُفَّارَ } قرأ أبو عمرو والكسائي: " والكفارِ " بالخفض، والباقون بالنصب، وهما واضحتان، فقراءةُ الخفض عَطْفٌ على الموصول المجرور بـ " من " ومعناها أنه نهاهم أن تيخذوا المستهزئين أولياءَ، وبيَّن أن المستهزئين صنفان: أهلُ كتاب متقدم وهم اليهود والنصارى، وكفارٌ عبدةُ أوثان، وإن كانَ اسمُ الكفر ينطلق على الفريقين، إلا أنه غَلَب على عبدة الأوثان: الكفار، وعلى اليهود والنصارى: أهل الكتاب. قال الواحدي: " وحجةُ هذه القراءة من التنزيلِ قولُه تعالى:
{ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ }
[البقرة: 105] اتفقوا على جَرِّ " المشركين " عطفاً على أهل الكتاب، ولم يُعْطَفْ على العامل الرافعِ " يعني بذلك أنه قد أَطْلَق الكفار على أهل الكتاب وعلى عبدة الأوثان: المشركين، ويدل على أنَّ المرادَ بالكفار في آية المائدة المشركون قراءةُ عبد الله: { ومن الذين أشركوا } ورُجِّحت قراءةُ أبي عمرو وأيضاً بالقرب، فإن المعطوفَ عليه قريبٌ، ورُجِّحت أيضاً بقراءة أُبَيّ: " ومن الكفار " بالإِتيان بـ " من " وأمَّا قراءةُ الباقين فوجهُها أنه عطفٌ على الموصول الأول أي: لا تتخذوا المستهزئين ولا الكفار أولياء، فهو كقوله تعالى:
{ لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }
[آل عمران: 28]، إلا أنه ليس في هذه القراءة تعرُّضٌ للإِخبار باستهزاءِ المشركين " ، وهم مستهزئون أيضاً، قال تعالى:
{ إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ }
[الحجر: 95]، والمراد بهم مشركو العربِ، ولوضوحِ قراءةِ الجرِّ قال مكي بن أبي طالب: " ولولا اتفاقٌ الجماعة على النصب لاخترت الخفضَ لقوتِه في المعنى، ولقربِ المعطوف من المعطوف عليه ".

اسامة محمد خيري
18-08-2019, 12:53
الجوهرة الرابعة والثمانون

{ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ٱلْكِتَٰبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }

قال السمين

قوله: { وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ } هذه الجملةُ الشرطية فيها وجهان، أحدهما: ـ وهو الظاهر ـ أنها مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإِعراب، والثاني: أن الواوَ للحال، وما بعدها منصوبٌ عليها. قال الزمخشري: " الواو للحال، أي: يرجون المغفرة وهم مُصِرُّون عائدون إلى فعلهم غير تائبين، وغفرانُ الذنوبِ لا يَصِحُّ إلا بالتوبة، والمُصِرُّ لا غفران له " انتهى. وإنما جَعَل الواو للحال لهذا الغرض الذي ذكره من أن الغفران شرطُه التوبة، وهو رأي المعتزلة، وأمَّا أهل السنة فيجوز مع عدم التوبة لأنَّ الفاعلَ مختار.

يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ }

قال السمين

قوله: { وَلاَ مَوْلُودٌ }: جوَّزوا فيه وجهين، أحدهما: أنه مبتدأٌ، وما بعدَه الخبرُ. والثاني: أنه معطوفٌ على " والدٌ " ، وتكون الجملةُ صفةً له. وفيه إشكالٌ: وهو أنه نَفَى عنه أن يَجْزيَ، ثم وَصَفَه بأنه جازٍ. وقد يُجاب عنه: بأنه وإن كان جازياً عنه في الدنيا فليس جازياً عنه يوم القيامة فالحالان باعتبار زَمَنين.

وقد منع المهدويُّ أَنْ يكونَ مبتدأً قال: " لأنَّ الجملةَ بعده صفةٌ له فيبقى بلا خبرٍ، ولا مُسَوِّغَ غيرُ الوصف ". وهو سهوٌ. لأنَّ النكرةَ متى اعتمدَتْ على نفيٍ ساغ الابتداءُ بها. وهذا مِنْ أشهرِ مُسَوِّغاتِه. وقال الزمخشري: " فإن قلت: قوله: { وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً } وارِدٌ على طريقٍ من التوكيد لم يَرِدْ عليه ما هو معطوفٌ عليه. قلت: الأمر كذلك لأنَّ الجملةَ الاسميَّةَ آكدُ من الفعلية، وقد انضَمَّ إلى ذلك قولُه: " هو " وقوله: " مولودٌ ". قال: " ومعنى التوكيدِ في لفظِ المولود: أنَّ الواحدَ منهم لو شَفَعَ للوالدِ الأَدْنَى الذي وُلِد منه لم تُقْبَلْ منه فضلاً أَنْ يَشْفَعَ لمَنْ فوقَه مِنْ أجدادِه لأنَّ " الولدَ " يقع على الولدِ وولدِ الولدِ، بخلاف المولودِ فإنه للذي وُلِد منك " قال: " والسببُ في مجيئِه على هذا السَّنَنِ أنَّ الخطابَ للمؤمنين، وعِلِّيَّتُهم قُبِضَ آباؤُهم على الكفر، فأريد حَسْمُ أطماعِهم وأطماعِ الناسِ فيهم ".

اسامة محمد خيري
18-08-2019, 14:32
الجوهرة الخامسة والثمانون

{ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ }

قال السمين


قوله: " والعملُ الصالحُ " العامَّةُ على الرفعِ. وفيه وجهان، أحدهما: أنَّه معطوفٌ على " الكلمُ الطيبُ " فيكون صاعداً أيضاً. و " يَرْفَعُه " على هذا استئنافُ إخبارٍ من اللَّهِ تعالى بأنه يرفعُهما، وإنِّما وُحِّد الضميرُ، وإنْ كان المرادُ الكَلِمَ والعملَ ذهاباً بالضميرِ مَذْهَبَ اسمِ الإِشارة، كقوله:{ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ } [البقرة: 68]. وقيل: لاشتراكِهما في صفةٍ واحدةٍ، وهي الصعودُ. والثاني: أنه مبتدأٌ، و " يرفَعُه " الخبرُ، ولكن اختلفوا في فاعل " يَرْفَعُه " على ثلاثةِ أوجهٍ، أحدُها: أنه ضميرُ اللَّهِ تعالى أي: والعملُ الصالحُ يرفعه اللَّهُ إليه. والثاني: أنه ضميرُ العملِ الصالحِ. وضميرُ النصبِ على هذا فيه وجهان، أحدُهما: أنه يعودُ على صاحب العمل، أي يَرْفَعُ صاحبَه. والثاني: أنه ضميرُ الكلمِ الطيبِ أي: العمل الصالح يرفع الكلمَ الطيبَ. ونُقِلَ عن ابن عباس. إلاَّ أنَّ ابنَ عطية منع هذا عن ابن عباس، وقال: " لا يَصِحُّ؛ لأنَّ مَذْهَبَ أهلِ السنَّة أنَّ الكلمَ الطيبَ مقبولٌ، وإنْ كان صاحبُه عاصياً ". والثالث: أنَّ ضميرَ الرفعِ للكَلِمِ، والنصبِ للعملِ، أي: الكَلِمُ يَرْفَعُ العملَ.

وقرأ ابن أبي عبلة وعيسى بنصبِ " العمل الصالح " على الاشتغالِ، والضميرُ المرفوعُ للكلم أو للَّهِ تعالى، والمنصوبُ للعملِ.

وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }

قال السمين

قوله: { وَآخَرِينَ }: فيه وجهان، أحدُهما: أنه مجرورٌ عطفاً على الأمِّيِّيْنَ، أي: وبَعَثَ في آخرين من الأمِّيِّيْنَ. و { لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ } صفةٌ لـ " آخرين " قبلُ. والثاني: أنه منصوبٌ عَطْفاً على الضمير المنصوبِ في " يَعَلِّمُهم " ، أي: ويُعَلِّمُ آخرين لم يَلْحقوا بهم وسيَلْحقون، وكلُّ مَنْ يَعْلَم شريعةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم إلى آخرِ الزمان فرسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُعَلِّمه بالقوة؛ لأنه أصلُ ذلك الخيرِ العظيمِ والفَضْل الجَسيمِ

انتهي

قال الرازى فى البقرة

أما قوله تعالى { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ } ففيه بحثان الأول اعلم أن الميثاق إنما يكون بفعل الأمور التي توجب الانقياد والطاعة، والمفسرون ذكروا في تفسير الميثاق وجوهاً، أحدها ما أودع الله العقول من الدلائل الدالة على وجود الصانع وحكمته والدلائل الدالة على صدق أنبيائه ورسله، وهذا النوع من المواثيق أقوى المواثيق والعهود لأنها لا تحتمل الخلف والتبديل بوجه ألبتة وهو قول الأصم، وثانيها ما روي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن موسى عليه السلام لما رجع من عند ربه بالألواح قال لهم إن فيها كتاب الله فقالوا لن نأخذ بقولك حتى نرى الله جهرة فيقول هذا كتابي فخذوه فأخذتهم الصاعقة فماتوا ثم أحياهم ثم قال لهم بعد ذلك خذوا كتاب الله فأبوا فرفع فوقهم الطور وقيل لهم خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم، فأخذوه فرفع الطور هو الميثاق، وذلك لأن رفع الطور آية باهرة عجيبة تبهر العقول وترد المكذب إلى التصديق والشاك إلى اليقين، فلما رأوا ذلك وعرفوا أنه من قبله تعالى علماً لموسى عليه السلام علماً مضافاً إلى سائر الآيات أقروا له بالصدق فيما جاء به وأظهروا التوبة وأعطوا العهد والميثاق أن لا يعودوا إلى ما كان منهم من عبادة العجل وأن يقوموا بالتوراة فكان هذا عهداً موثقاً جعلوه لله على أنفسهم، وهذا هو اختيار أبي مسلم. وثالثها أن لله ميثاقين، فالأول حين أخرجهم من صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم، والثاني أنه ألزم الناس متابعة الأنبياء والمراد ههنا هو هذا العهد. هذا قول ابن عباس وهو ضعيف. الثاني قال القفال رحمه الله إنما قال ميثاقكم ولم يقل مواثيقكم لوجهين، أحدهما أراد به الدلالة على أن كل واحد منهم قد أخذ ذلك كما قال
{ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً }
غافر 67 أي كل واحد منكم. والثاني أنه كان شيئاً واحداً أخذ من كل واحد منهم كما أخذ على غيره فلا جرم كان كله ميثاقاً واحداً ولو قيل مواثيقكم لأشبه أن يكون هناك مواثيق أخذت عليهم لا ميثاق واحد، والله أعلم. وأما قوله تعالى { وَرَفَعْنَا فوقكم ٱلطُّورَ } فنظيره قوله تعالى
{ وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ }
الأعراف 171 وفيه أبحاث البحث الأول الواو في قوله تعالى { وَرَفَعْنَا } واو عطف على تفسير ابن عباس والمعنى أن أخذ الميثاق كان متقدماً فلما نقضوه بالامتناع عن قبول الكتاب رفع عليهم الجبل، وأما على تفسير أبي مسلم فليست واو عطف ولكنها واو الحال كما يقال فعلت ذلك والزمان زمان فكأنه قال وإذ أخذنا ميثاقكم عند رفعنا الطور فوقكم.

اسامة محمد خيري
18-08-2019, 14:33
الجوهرة السادسة والثمانون

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ }

قال السمين

قوله: { وَإِسْمَاعِيلُ } فيه قولان، أحدُهما - وهو الظاهرُ - أنَّه عطفٌ على " إبراهيم " فيكونُ فاعلاً مشاركاً له في الرفعِ، ويكونُ قولُه: { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ } في محلِّ نَصْب بإضمار القولِ، ذلك القولُ في محلِّ نصبٍ على الحالِ منهما أي: يَرْفَعان يقولان: ربَّنَا تقبَّلْ، ويؤيِّد هذا قراءةُ عبد الله بإظهار فعلِ القولِ، قرأ: " يقولان ربَّنا تقبَّلْ، ويؤيِّد هذا قراءةُ عبد الله بإظهار فعلِ القولِ، قرأ: " يقولان ربَّنا تقبَّلْ " أي: قائِلين ذلك، ويجوز ألاَّ يكونَ هذا القولُ حالاً بل هو جملةٌ معطوفةٌ على ما قبلها، ويكونُ هو العاملَ في " إذ " قبله، والتقديرُ: يقولان ربَّنا تقبَّلْ إذ يرفعان أي: وقتَ رَفْعِهما.

والثاني: الواوُ واو الحالِ، و " إسماعيلُ " مبتدأٌ وخبرهُ قولٌ محذوفٌ هو العاملُ في قولِه: " ربَّنا تَقبَّلْ " فيكونُ " إبراهيم " هو الرافعَ، و " إسماعيلُ " هو الداعيَ فقط، قالوا: لأنَّ إسماعيلَ كان حينئذٍ طفلاً صغيراً، وَرَوْوه عن علي عليه السلام. والتقديرُ: وإذ يرفع إبراهيمُ حالَ كونِ إسماعيل يقول: ربَّنا تقبَّلْ منا.

اسامة محمد خيري
18-08-2019, 14:40
الجوهرة السابعة والثمانون

{ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ وَٱلأُذُنَ بِٱلأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ }

قال القرطبي

الثالثة ـ قوله تعالى: { وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ } قرأ نافع وعاصم والأعمش وحمزة بالنصب في جميعها على العطف، ويجوز تخفيف «أَنَّ» ورفع الكل بالابتداء والعطف. وقرأ ٱبن كثير وٱبن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بنصب الكل إلا الجروح. وكان الكِسائيّ وأبو عبيد يقرءان «وَٱلْعَيْنُ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ وَٱلأُذُنُ بِٱلأُذُنِ وَٱلسِّنُّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحُ» بالرفع فيها كلها. قال أبو عبيد: حدّثنا حجاج عن هرون عن عبّاد بن كثير عن عقيل عن الزّهريّ عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ «وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنُ بِٱلْعَيْنِ وَٱلأَنْفُ بِٱلأَنْفِ وَٱلأُذُنُ بِٱلأُذُنِ وَٱلسِّنُّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحُ قِصَاصٌ». والرفع من ثلاث جهات بالابتداء والخبر، وعلى المعنى على موضع «أَنَّ النَّفْسَ» لأن المعنى قلنا لهم: النفس بالنفس. والوجه الثالث ـ قاله الزجاج ـ يكون عطفاً على المضمر في النفس لأن الضمير في النفس في موضع رفع لأن التقدير أن النفس هي مأخوذة بالنفس فالأسماء معطوفة على هي. قال ٱبن المنذر: ومن قرأ بالرفع جعل ذلك ٱبتداء كلام حُكْم في المسلمين وهذا أصح القولين، وذلك أنها قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم «وَالْعَيْنُ بِالْعَيْنِ» وكذا ما بعده. والخطاب للمسلمين أُمِروا بهذا. ومن خص الجروح بالرفع فعلى القطع مما قبلها والاستئناف بها كأن المسلمين أُمِروا بهذا خاصة وما قبله لم يواجهوا به

قال الرازى

قرأ الكسائي: العين والأنف والأذن والسن والجروح كلها بالرفع، وفيه وجوه: أحدها: العطف على محل { أن النفس } لأن المعنى: وكتبنا عليهم فيها النفس بالنفس لأن معنى كتبنا قلنا، وثانيها: أن الكتابة تقع على مثل هذه الجمل تقول: كتبت الحمد لله وقرأت سورة أنزلناها وثالثها: أنها ترتفع على الاستئناف، وتقديره: أن النفس مقتولة بالنفس والعين مفقوءة بالعين، ونظيره قوله تعالى في هذه السورة{ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِئِينَ } [البقرة: 62] وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بنصف الكل سوى { الجروح } فإنه بالرفع، فالعين والأنف والأذن نصب عطفاً على النفس، ثم { الجروح } مبتدأ، و { قِصَاصٌ } خبره، وقرأ نافع وعاصم وحمزة كلها بالنصب عطفاً لبعض ذلك على بعض، وخبر الجميع قصاص، وقرأ نافع { الأذن } بسكون الذال حيث وقع، والباقون بالضم مثقلة، وهما لغتان. المسألة الثانية: قال ابن عباس: يريد وفرضنا عليهم في التوراة أن النفس بالنفس، يريد من قتل نفساً بغير قود قيد منه، ولم يجعل الله له دية في نفس ولا جرح، إنما هو العفو أو القصاص. وعن ابن عباس: كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فنزلت هذه الآية، وأما الأطراف فكل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما في جميع الأطراف إذا تماثلا في السلامة، وإذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضاً في الأطراف، ولما ذكر الله تعالى بعض الأعضاء عمم الحكم في كلها فقال { وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ } وهو كل ما يمكن أن يقتص منه، مثل الشفتين والذكر والأنثيين والأنف والقدمين واليدين وغيرها، فأما ما لا يمكن القصاص فيه من رض في لحم، أو كسر في عظم، أو جراحة في بطن يخاف منه التلف ففيه أرش وحكومة. واعلم أن هذه الآية دالة على أن هذا كان شرعاً في التوراة، فمن قال: شرع من قبلنا يلزمنا إلا ما نسخ بالتفصيل قال: هذه الآية حجة في شرعنا، ومن أنكر ذلك قال: إنها ليست بحجة علينا.

ملحوظة

قال الطوفى فى شرح مختصر الروضة فى مسألة شرع من قبلنا

قَوْلُهُ: " وَأُجِيبَ "، أَيْ: أَجَابَ النَّافُونَ لِذَلِكَ عَنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ السَّبْعَةِ بِأَنْ قَالُوا: " إِنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَاتِ " الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَوْجُهِ الْأَرْبَعَةِ الْأُوَلِ إِنَّمَا هُوَ " التَّوْحِيدُ وَالْأُصُولُ الْكُلِّيَّةُ " الْمَعْرُوفَةُ بِأُصُولِ الدِّينِ، وَمَا يَجُوزُ عَلَى الْبَارِئِ جَلَّ جَلَالُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ، " وَهِيَ " أَيِ: الْأُصُولُ الْكُلِّيَّةُ " مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الشَّرَائِعِ " كُلِّهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِنَا: اللَّهُ وَاحِدٌ أَحَدٌ أَزَلِيٌّ بَاقٍ سَرْمَدِيٌّ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، خَالِقٌ لِلْعَالَمِ، مُرْسِلٌ لِلرُّسُلِ، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، لَيْسَ بِجَائِرٍ وَلَا ظَالِمٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، لَا أَنَّ شَرْعَ مِنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا فِي فُرُوعِ الدِّينِ، بِدَلِيلِ مَا سَيَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَدِلَّتِنَا عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَلَيْسَ إِشَارَةً إِلَى حُكْمِ التَّوْرَاةِ، بَلْ إِمَّا إِلَى عُمُومِ قَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [الْبَقَرَةِ: 194] ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الْعُدْوَانَ فِي السِّنِّ وَغَيْرِهَا، أَوْ إِلَى عُمُومِ قَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [الْمَائِدَةِ: 45] عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: (وَالْجُرُوحُ) بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَهُوَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَلَى ذَلِكَ يَكُونُ مِنْ كِتَابِنَا وَشَرْعِنَا، لَا مِنَ التَّوْرَاةِ وَشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا.

اسامة محمد خيري
18-08-2019, 14:48
الجوهرة الثامنة والثمانون

وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّالِحِينَ }

قال السمين

قوله: { وَنَطْمَعُ } في هذه الجملة ستة اوجه، أحدها: أنها منصوبة المحلِّ نسقاً على المحكيِّ بالقَول قبلَها أي: يقولون كذا ويقولون نطمع وهو معنىً حسن. / الثاني: أنها في محلِّ نصب على الحال من الضمير المستتر في الجارِّ الواقعِ خبراً وهو " لنا " لأنه تضمَّنَ الاستقرارَ، فرفع الضمير وعَمِلَ في الحال، وإلى هذا ذهبَ أبو القاسم فإنه قال: " والواو في " ونطمعُ " واو الحال، فإنْ قلت: ما العاملُ في الحال الأولى والثانية؟ قلت: العاملُ في الأولى ما في اللام من معنى الفعلِ كأنه قيل: أيُّ شيء حَصَل لنا غيرَ مؤمنين، وفي الثانية معنى هذا الفعل ولكن مقيداً بالحال الأولى لأنك لو أَزَلْتَها وقلت: " ما لنا ونطمعُ " لم يكنْ كلاماً ". وفي هذا الكلامِ نظرٌ وهو قولُه: " لأنَّك لو أَزَلْتَها إلى آخره " لأنَّا إذا أَزَلْناها وأتينا بـ " نطمع " لم نأتِ بها مقترنةً بحرفِ العطف، بل مجردةٌ منه لنحُلَّها محلَّ الأولى، ألا ترى أنَّ النحويين إذا وضعوا المعطوفَ موضعَ المعطوف عليه وضعوه مجرداً من حرفِ العطف، ورأيتُ في بعض نسخ الكشاف: " ما لنا نطمعُ " من غير واوٍ مقترنةٍ بـ " نطمعُ " ولكن أيضاً لا يَصِحُّ لأنك لو قلت: " ما لنا نطمعُ " كان كلاماً كقوله تعالى:

{ فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ }
[المدثر: 49]، فـ " نطمع " واقعٌ موقعَ مفردٍ هو حال، كما لو قلت: ما لك طامعاً، وما لنا طامعين. وردَّ الشيخ عليه هذا الوجه بشيئين، أحدهما: أن العامل لا يقتضي أكثرَ من حالٍ واحدة إذا كان صاحبُه مفرداً دونَ بدل أو عطف إلا أفعلَ التفضيل على الصحيح.

والثاني: أنه يلزم دخولُ الواو على مضارع مثبت. وذلك لا يجوزُ إلا بتأويل تقدير مبتدأ أي: ونحن نطمع.

الثالث: أنها في محل نصبٍ على الحال من فاعل " نؤمن " فتكون الحالان متداخلتين. قال الزمخشري: " ويجوز أن يكون " ونطمع " حالاً من " لا نؤمن " على معنى: أنهم أَنْكروا على أنفسهم انهم لا يوحِّدون الله ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين " وهذا فيه ما تقدم من دخول واو الحال على المضارع المثبت، وأبو البقاء لَمَّا أجاز هذا الوجهَ قَدَّر مبتدأ قبل " نطمع " ، وجعل الجملةَ حالاً من فاعل " نؤمن " ليخلصَ من هذا الإِشكال فقال: " ويجوز أن يكون التقديرُ: " ونحن نطمع " ، فتكون الجملةُ حالاً من فاعل لا نؤمن " الرابع: أنها معطوفةٌ على " لا نؤمن " فتكون في محلِّ نصب على الحال من ذلك الضميرِ المستترِ في " لنا " ، والعاملُ فيها هو العاملُ في الحال قبلها. فإنْ قلت: هذا هو الوجه الثاني المتقدم، وذكرتَ عن الشيخِ هناك أنه منع مجيء الحالين لذي حال واحدة، وبأنه يلزمُ دخولُ الواو على المضارع فما الفرق بين هذا وذاك؟ فالجواب أنَّ الممنوعَ تعدُّدُ الحال دون عاطف، وهذه الواوُ عاطفةٌ، وأن المضارعَ إنما يتمنع دُخولُ واوِ الحال عليه وهذه عاطفةٌ لا واوُ حالٍ فحصل الفرقُ بينهما من جهةِ الواو، حيث كانت في الوجه الثاني واوَ الحال وفي هذا الوجه واوُ عطف، وهذا وإن كان واضحاً فقد يَخْفى على كثير من المتدربين في الإِعراب، ولَمَّا حكى أبو القاسم هذا الوجهَ أبدى له معنيين حسنين فقال - رحمه الله -: " وأن يكونَ معطوفاً على " لا نؤمن " على معنى: وما لنا نجمعُ بين التثليث وبين الطمعِ في صحبةِ الصالحين، أو على معنى: وما لنا لا نجمعُ بينهما بالدخولِ في الإِسلام، لأنَّ الكافرَ ما ينبغي له أن يطمعَ في صحبة الصالحين ".

الخامس: أنها جملة استئنافية. قال الشيخ: " الأحسنُ والأسهلُ أن يكونَ استئنافَ إخبارٍ منهم بأنهم طامعون في إنعامِ الله عليهم بإدخالهم مع الصالحين، فالواوُ عاطفةُ هذه الجملةَ على جملة " وما لنا لا نؤمن " قلت: وهذا المعنى هو ومعنى كونها معطوفةً على المَحْكِيِّ بالقول قبلها شيءٌ واحدٌ، فإن فيه الإِخبارَ عنهم بقولهم كيتَ وكيتَ.

السادس: أن يكون " ونطمعُ " معطوفاً على " نؤمن " أي: وما لنا لا نطمع. قال الشيخ هنا: " ويظرُ لي وجهُ غيرُ ما ذكروه وهو أن يكونَ معطوفاً على " نؤمن " التقدير: وما لنا لا نؤمنُ ولا نطمعُ، فيكونُ في ذلك إنكارٌ لانتفاء إيمانهم وانتفاءِ طمعهم مع قدرتِهم على تحصيلِ الشيئين: الإِيمانِ والطمعِ في الدخول مع الصالحين " قلت: قوله: " غيرُ ما ذكروه " ليس كما ذكره، بل ذكر أبو البقاء فقال: " ونطمعُ يجوز أن يكونَ معطوفاً على " نؤمن " أي: وما لنا لا نطمع " ، فقد صَرَّح بعطفه على الفعل المنفي بـ " لا " غايةُ ما في الباب أن الشيخَ زاده بسطاً.

{ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }

قال السمين

وقرأ: " ولا نُكَذِّبُ " و " نكونُ " برفعهما نافع وأبو عمرو وابن كثير والكسائي، وبنصبهما حمزةُ عن عاصم، وبرفع الأول ونصب الثاني ابن عامر وأبو بكر. ونقل الشيخ عن ابن عامر أنه نصبَ الفعلين، ثم قال بعد كلام طويل " قال ابن عطية: وقرأ ابن عامر/ في رواية هشام بن عمار عن أصحابه عن ابن عامر: { ولا نكذِّبُ } بالرفع، و " نكون " بالنصب ". فأما قراءة الرفع فيهما ففيها ثلاثة أوجه، أحدها: أن الرفع فيهما على العطف على الفعل قبلهما وهو " نُرَدُّ " ، ويكونون قد تمنَّوا ثلاثة اشياء: الردَّ إلى دار الدنيا، وعدمَ تكذيبهم بآيات ربهم، وكونَهم من المؤمنين. والثاني: أن الواو واو الحال، والمضارع خبر مبتدأ مضمر، والجملة الاسمية في محصل نصب على الحال من مرفوع " نُرَدُّ " ، والتقدير: يا ليتنا نُرَدُّ غيرَ مكذِّبين وكائنين من المؤمنين، فيكونُ تمنِّي الرد مقيَّداً بهاتين الحالَيْن، فيكونُ الفعلان أيضاً داخلَيْن في التمني.

وقد استشكل الناسُ هذين الوجهين: بأن التمني إنشاء، والإِنشاء لا يدخله الصدق ولا الكذب، وإنما يدخلان في الإِخبار، وهذا قد دخله الكذبُ لقوله تعالى: { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } وقد أجابوا عن ذلك بثلاثة أوجه أحدها - ذكره الزمشخري - قال: " هذا تمنِّ تضمَّنَ معنى العِدَة فجاز أن يدخلَه التكذيبُ كما يقول الرجل: " ليت اللَّهَ يرزقني مالاً فأُحْسِنَ إليك، وأكافئَك على صنيعك " فهذا مَتَمَنِّ في معنى الواعد، فلو رُزِق مالاً ولم يُحْسِنْ إلى صاحبه ولم يكافئه كذَّبَ، وصَحَّ أن يقال له كاذب، كأنه قال: إن رزقني الله مالاً أحسنت إليك.

والثاني: أن قوله تعالى: { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } ليس متعلِّقاً بالمتمنَّى، بل هو مَحْضُ إخبار من الله تعالى بأنهم دَيْدَنهم الكذب وهِجِّيراهم ذلك، فلم يدخل الكذب في التمني. وهذان الجوابان واضحان، وثانيهما أوضح.

والثالث: أنَّا لا نُسَلِّم أن التمنِّي لا يَدْخُله الصدق والا الكذب، بل يدخلانه، وعُزِي ذلك إلى عيسى بن عمر. واحتجَّ على ذلك بقول الشاعر:
1894- مُنَىً إن تكن حقاً يكنْ أحسنَ المنى وإلاَّ فقد عِشنا بها زمناً رغْدا
قال: " وإذا جاز أن توصف المنى بكونها حقاً بجاز أن توصف بكونها باطلاً وكذباً " وهذا الجواب ساقط جداً، فإن الذي وُصِفَ بالحق إنما هو المنى، والمُنى جمع مُنْيَة والمُنْيَةُ توصف بالصدق والكذب مجازاً؛ لأنها كأنها تَعِد النفس بوقوعها فيُقال لِما وقع منها صادق ولِما لم يقع منها كاذب، فالصدق والكذب إنما دخلا في المُنْيَةِ لا في التمني.

والثالث من الأوجه المتقدمة ان قوله " ولا نكذِّبُ " خبر لمبتدأ محذوف، والجملة استنافية لا تعلُّقَ لها بما قبلها، وإنما عُطِفَتْ هاتان الجملتان الفعليَّتان على الجملة المشتملة على أداة التمني وما في حَيِّزها فليسَتْ داخلةً في التمني أصلاً، وإنما أخبر الله تعالى عنهم أنهم أَخْبروا عن أنفسهم بأنهم لا يُكَذِّبون بآيات ربهم، وأنَّهم يكونون من المؤمنين، فتكون هذه الجملة وما عُطِف عليها في محل نصبٍ بالقول، كأنَّ التقديرَ: فقالوا: يا ليتنا نُرَدُّ وقالوا: نحن لا نُكَذِّبُ ونكونُ من المؤمنين واختار سيبويه هذا الوجه، وشبَّهه بقولهم: " دعني ولا أعودُ " أي وأنا لا أعود تركتني أو لم تتركني، أي: لا أعود على كل حال، كذلك معنى الآية أَخْبروا أنهم لا يُكَذِّبون بآيات ربهم وأنهم يكونون من المؤمنين على كل حال، رُدُّوا أو لم يُرَدوا.

وهذا الوجه وإن كان الناسُ قد ذكروه ورجَّحوه واختار سيبويه - كما مرَّ - فن بعضهم استشكل عليه إشكالاً وهو: أنَّ الكذبَ لا يقع في الآخرة فكيف وُصِفوا بأنهم كاذبون في الآخرة في قولهم " ولا نكذِّب ونكون "؟ وقد أُجيب عنه بوجهين، أحدهما: أن قوله { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } استيثاقٌ لذَمِّهم بالكذب، وأن ذلك شأنهم كما تقدَّم ذلك آنفاً. والثاني: أنهم صَمَّموا في تلك الحال على أنهم لو رُدُّوا لَمَا عادوا إلى الكفر لِما شاهدوا من الأهوال والعقوبات، فأخبر الله تعالى أنَّ قولَهم في تلك الحال: " ولا نكذِّبُ " وإن كان عن اعتقاد وتصميم يتغيَّر على تقدير الرد ووقوع العَوْد، فيصير قولهم: " ولا نكذب " كذباً، كما يقول اللص عند ألم العقوبة: " لا أعود " ، ويعتقد ذلك ويصمم عليه، فإذا خُلِّص وعادَ كان كاذباً.

[وقد أجاب مكي أيضاً بجوابين، أحدهما] قريبٌ مما تقدَّم، والثاني لغيره، فقال: " أي: لكاذبون في الدنيا في تكذيبهم الرسل وإنكارهم البعثَ للحال التي كانوا عليها وقد أجاز أبو عمرو وغيره وقوعَ التكذيب في الآخرة لأنهم ادَّعَوا أنهم لو رُدُّوا لم يكذِّبوا بآيات الله، فعلمَ اللَّهُ ما لا يكون لو كان كيف يكون، وأنهم لو رُدُّوا لم يؤمنوا ولكذَّبوا بآيات الله، فأكذبهم الله في دعواهم ".

وأمَّا نَصْبُهما فبإضمار " أَنْ " بعد الواو التي بمعنى مع، كقولك: " ليت لي مالاً وأنفقَ منه " فالفعل منصوب بإضمار " أن " و " أنْ " مصدرية ينسبك منها ومن الفعل بعدها مصدرٌ، والواوُ حرف عطف فيستدعى معطوفاً عليه، وليس قبلها في الآية إلا فعلٌ فكيف يُعْطَفُ اسمٌ على فعل؟ فلا جَرَمَ أنَّا نقدِّر مصدراً متوهماً يُعْطَفُ هذا المصدر المنسبك من " أَنْ " وما بعدها عليه، والتقدير: يا ليتنا لنا رَدُّ وانتفاءُ تكذيب بآيات ربنا وكون من المؤمنين، أي: ليتنا لنا ردُّ مع هذين الشيئين، فيكون عدمُ التكذيب والكونُ من المؤمنين مُتَمَنَّيَيْنِ أيضاً، فهذه الثلاثةُ الأشياءِ: أعني الردَّ وعدمَ التكذيب والكونَ من المؤمنين متمنَّاةٌ بقيد الاجتماع، لا أنَّ كلَّ واحدٍ متمنَّى وحدَه؛ لأنه كما قَدَّمْتُ لك: هذه الواوُ شرطُ إضمار " أنْ " بعدها: أن تصلح " مع " في مكانها، فالنصبُ يُعَيِّنُ أحدَ محتملاِتها في قولك " لا تأكلِ السمك وتشرب اللبن " وشبهه، والإِشكالُ المتقدم وهو إدخال التكذيب على التمني واردٌ هنا، وقد تقدم جواب ذلك، إلا أن بعضَه يتعذَّر ههنا: وهو كون لا نكذِّبُ، ونكونُ " متسأنَفَيْن سِيقا لمجرد الإِخبار، فبقي: إمَّا لكون التمني دخله معنى الوعد، وإمَّا أن قوله تعالى: { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } ليس راجعاً إلى تمنِّيهم، وإمَّا لأنَّ التمنِّي يدخله التكذيب، وقد تقدَّم فساده.

وقال ابن الأنباري: " أَكْذَبَهم في معنى التمني؛ لأن تمنِّيَهم راجعٌ إلى معنى: " نحن لا نكذِّب إذا رُدِدْنا " فغلَّب عزَّ وجل تأويلَ الكلام فأكذبهم، ولم يُسْتعمل لفظ التمني " وهذا الذي قاله ابن الأنباري تقدَّم معناه بأوضح من هذا. قال الشيخ: " وكثيراً ما يوجد في كتب النحو أنَّ هذه الواوَ المنصوبُ بعدها هو على جواب التمني، كما قال الزمخشري: " وقرئ: ولا نكذِّبَ ونكونَ بالنصب بإضمار أَنْ على جواب التمني، ومعناه: إنْ رُدِدْنا لم نكذِّبْ ونكنْ من المؤمنين ". قال: " وليس كما ذكر، فإنَّ نَصْبَ الفعل بعد الواو ليس على جهة الجواب؛ لأنَّ الواوَ لا تقع [في] جواب الشرط فلا ينعقد ممَّا قبلها ولا ممَّا بعدها شرط وجواب، وإنما هي واو " مع " يُعْطَفُ ما بعدها على المصدر المتوهَّم قبلها، وهي واو العطف يتعيَّنُ مع النصب أحدُ محامِلها الثلاثة: وهي المعيَّةُ ويُمَيِّزها من الفاء تقديرُ " مع " موضعها، كما أن فاء الجواب إذا كان بعدها فعلٌ منصوب ميِّزها تقدير شرطٍ قبلها أو حال مكانها. وشُبْهَةُ مَنْ قال إنها جواب أنها تنصب في المواضع التي تنصب فيها الفاء فتوهَّم أنها جواب. وقال سيبويه: " والواو تنصب ما بعدها في غير الواجب من حيث انتصب ما بعد الفاء، والواو والفاء معناهما مختلفان، ألا ترى:
1895- لا تَنْهَ عن خلق وتأتيَ مثله .......................
لو دخلت الفاءُ هنا لأفسدت المعنى، وإنما أراد: لا تجمع النهيَ والإِتيان وتقول: " لا تأكلِ السمكَ وتشربَ اللبن " لو أَدْخَلْتَ الفاء فَسَدَ المعنى " قال الشيخ: " ويوضِّح لك أنها ليست بجوابٍ انفرادُ الفاءِ دونها بأنها إذا حُذِفت انجزم الفعلُ بعدها بما قبلها لِما تضمَّنه من معنى الشرط إلا في النفي، فإن ذلك لا يجوز ". قلت: قد سبق الزمخشري إلى هذه العبارة أبو إسحاق الزجاج شيخُ الجماعة. قال أبو إسحاق: " نصبٌ على الجواب بالواو في التمني كما تقول: " ليتك تصير إلينا ونكرمَك " المعنى: ليت مصيرَك يقع وإكرامَنا، ويكون المعنى: ليت ردَّنا وقع وأن لا نكذِّب ".

وأمَّا كونُ الواو ليست بمعنى الفاء فصحيحٌ، على ذلك جمهورُ النحاة. إلى أني رأيت أبا بكر ابن الأنباري خرَّج النصب على وجهين، أحدهما: أن الواو بمعنى الفاء. قال أبو بكر: " في نصب " نكذِّبَ " وجهان، أحدهما: أن الواو مُبْدَلةٌ من الفاء، والتقدير: يا ليتنا نُرَدُّ فلا نكذِّبَ ونكونَ، فتكون الواو هنا بمنزلة الفاء في قوله:{ لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } [الزمر: 58] يؤكد هذا قراءةُ ابنِ مسعود وابن أبي إسحاق: " يا ليتنا نردُّ فلا نكذبَ " بالفاء منصوباً. والوجه الآخر: النصب على الصرف ومعناه الحال، أي: يا ليتنا نُرَدُّ غيرَ مكذِّبين/.

وأمَّا قراءة ابن عامر - برفع الأول ونصب الثاني - فظاهرةٌ بما تقدَّم؛ لأنَّ الأولَ يرتفع على حدِّ ما تقدَّم من التأويلات، وكذلك نصبُ الثاني يتخرَّج على ما تقدَّم، ويكون قد أدخل عدم التكذيب في التمني أو استأنفه، إلا أنَّ المنصوبَ يحتمل أن يكون من تمام قوله " نُرَدُّ " أي: تَمَنَّوا الردَّ مع كونهم من المؤمنين، وهذا ظاهر إذا جَعَلْنا " ولا نكذِّب " معطوفاً على " نردُّ " أو حالاً منه. وأما إذا جَعَلْنا " ولا نكذِّبُ " مستأنفاً فيجوز ذلك أيضاً ولكن على سبيل الاعتراض، ويحتمل أن يكونَ من تمامِ " ولا نكذِّب " أي: لا يكونُ منا تكذيب مع كوننا من المؤمنين، ويكون قوله " ولا نكذب " حينئذ على حاله، أعني مِنْ احتماله العطفَ على " نُرَدُّ " أو الحالية أو الاستئناف، ولا يخفى حينئذٍ دخولُ كونِهم مع المؤمنين في التمني وخروجُه منه بما قرَّرْتُه لك.

وقُرئ شاذاً عكسَ قراءة ابن عامر، أي: بنصب " نكذبَ " ورفع " نكون " وتخريجها على ما تقدم، إلا أنها يضعف فيها جَعْلُ " ونكونُ من المؤمنين " حالاً لكونه مضارعاً مُثْبَتاً إلا بتأويل بعيد كقوله:
1896-....................... نَجَوْتُ وأَرْهَنُهم مالكاً
أي: وأنا أَرْهَنُهم، وقولهم: " قمتُ وأصكُّ عينه " ، ويدل على حذف هذا المبتدأ قراءةُ أُبيٍّ: " ونحن نكونُ من المؤمنين ".

وقال الرازى

فأما قوله { وَلاَ نُكَذّبَ بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ففيه قولان: أحدهما: أنه داخل في التمني والتقدير أنهم تمنوا أن يردوا إلى الدنيا ولا يكونوا مكذبين وأن يكونوا مؤمنين. فإن قالوا هذا باطل لأنه تعالى حكم عليهم بكونهم كاذبين بقوله في آخر الآية { وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } والمتمني لا يوصف بكونه كاذباً. قلنا: لا نسلم أن المتمني لا يوصف بكونه كاذباً لأن من أظهر التمني، فقد أخبر ضمناً كونه مريداً لذلك الشيء فلم يبعد تكذيبه فيه، ومثاله أن يقول الرجل: ليت الله يرزقني مالاً فأحسن إليك، فهذا تمن في حكم الوعد، فلو رزق مالاً ولم يحسن إلى صاحبه لقيل إنه كذب في وعده. القول الثاني: أن التمني تمّ عند قوله { ياليتنا نُرَدُّ } وأما قوله { وَلاَ نُكَذّبَ بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } فهذا الكلام مبتدأ وقوله تعالى في آخر الآية { وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } عائد إليه وتقدير الكلام يا ليتنا نرد، ثم قالوا ولو رددنا لم نكذب بالدين وكنا من المؤمنين، ثم إنه تعالى كذبهم وبيّن أنهم لو ردوا لكذبوا ولأعرضوا عن الإيمان. المسألة الثانية: قرأ ابن عامر نرد ونكذب بالرفع فيهما ونكون بالنصب،وقرأ حمزة وحفص عن عاصم نرد بالرفع،ونكذب ونكون بالنصب فيهما، في الثلاثة، فحصل من هذا أنهم اتفقوا على الرفع في قوله { نُرَدُّ } وذلك لأنه داخلة في التمني لا محالة، فأما الذين رفعوا قوله { وَلاَ نُكَذّبَ وَنَكُونَ } ففيه وجهان: الأول: أن يكون معطوفاً على قوله { نُرَدُّ } فتكون الثلاثة داخل في التمني، فعلى هذا قد تمنوا الرد وأن لا يكذبوا وأن يكونوا من المؤمنين. والوجه الثاني: أن يقطع ولا نكذب وما بعده عن الأول، فيكون التقدير: يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، فهم ضمنوا أنهم لا يكذبون بتقدير حصول الرد. والمعنى يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا رددنا أو لم نرد أي قد عاينا وشاهدنا ما لا نكذب معه أبداً. قال سيبويه: وهو مثل قولك دعني ولا أعود، فههنا المطلوب بالسؤال تركه. فأما أنه لا يعود فغير داخل في الطلب، فكذا هنا قوله { يا ليتنا نُرَدُّ } الداخل في هذا التمني الرد، فأما ترك التكذيب وفعل الإيمان فغير داخل في التمني، بل هو حاصل سواء حصل الرد أو لم يحصل، وهذان الوجهان ذكرهما الزجاج والنحويون قالوا: الوجه الثاني أقوى، وهو أن يكون الرد داخلاً في التمني، ويكون ما بعده إخباراً محضاً. واحتجوا عليه بأن الله كذبهم في الآية الثانية فقال: { وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } والمتمني لا يجوز تكذيبه، وهذا اختيار أبي عمرو. وقد احتج على صحة قوله بهذه الحجة، إلا أنا قد أجبنا عن هذه الحجة، وذكرنا أنها ليست قوية، وأما من قرأ { وَلاَ نُكَذِّبَ وَنَكُونَ } بالنصب ففيه وجوه: الأول: بإضمار أن على جواب التمني، والتقدير: يا ليتنا نرد وأن لا نكذب.

والثاني: أن تكون الواو مبدلة من الفاء، والتقدير: يا ليتنا نرد فلا نكذب، فتكون الواو ههنا بمنزلة الفاء في قوله{ لَوْ أَنَّ لِى كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } [الزمر: 58] ويتأكد هذا الوجه بما روي أن ابن مسعود كان يقرأ { فَلا نُكَذّبَ } بالفاء على النصب، والثالث: أن يكون معناه الحال، والتقدير: يا ليتنا نرد غير مكذبين، كما تقول العرب ـ لا تأكل السمك وتشرب اللبن ـ أي لا تأكل السمك شارباً للبن. واعلم أن على هذه القراءة تكون الأمور الثلاثة داخلة في التمني. وأما أن المتمن كيف يجوز تكذيبه فقد سبق تقريره. وأما قراءة ابن عامر وهي أنه كان يرفع { وَلاَ نُكَذّبَ } وينصب { وَنَكُونَ } فالتقدير: أنه يجعل قوله { وَلاَ نُكَذّبَ } داخلاً في التمني، بمعنى أنا إن رددنا غير مكذبين نكن من المؤمنين والله أعلم. المسألة الثالثة: قوله { فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذّبَ } لا شبهة في أن المراد تمني ردهم إلى حالة التكليف لأن لفظ الرد إذا استعمل في المستقبل من حال إلى حال، فالمفهوم منه الرد إلى الحالة الأولى. والظاهر أن من صدر منه تقصير ثم عاين الشدائد والأحوال بسبب ذلك التقصير أنه يتمنى الرد إلى الحالة الأولى، ليسعى في إزالة جميع وجوه التقصيرات. ومعلوم أن الكفار قصروا في دار الدنيا فهم يتمنون العود إلى الدنيا لتدارك تلك التقصيرات، وذلك التدارك لا يحصل بالعود إلى الدينا فقط، ولا بترك التكذيب، و لا بعمل الإيمان بل إنما يحصل التدارك بمجموع هذه الأمور الثلاثة فوجب إدخال هذه الثلاثة تحت التمني. فإن قيل: كيف يحسن منهم تمني الرد مع أنهم يعلمون أن الرد يحصل لا ألبتة. والجواب من وجوه: الأول: لعلّهم لم يعلموا أن الرد لا يحصل. والثاني: أنهم وإن علموا أن ذلك لا يحصل إلا أن هذا العلم لا يمنع من حصول إرادة الرد كقوله تعالى:{ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ } [المائدة: 37] وكقوله{ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ } [الأعراف: 50] فلما صح أن يريدوا هذه الأشياء مع العلم بأنها لا تحصل، فبأن يتمنوه أقرب، لأن باب التمني أوسع، لأنه يصح أن يتمنى ما لا يصح أن يريد من الأمور الثلاثة الماضية.

اسامة محمد خيري
18-08-2019, 14:55
الجوهرة التاسعة والثمانون

{ وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ }

قال السمين:

قوله تعالى: { وَقَالُوۤاْ }: هل هذه الجملة معطوفة على جواب " لو " والتقدير: ولو رُدُّوا لعادوا ولقالوا، أو هي مستأنفة ليست داخلةً في حَيِّز " لو " ،/ أو هي معطوفةٌ على قوله: { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }؟ ثلاثة أوجه، ذكر الزمخشري الوجهين الأول والآخِر فإنه قال: " وقالوا عطف على " لعادوا " أي: لو رُدُّوا لكفروا ولقالوا: إنْ هي إلا حياتنا الدنيا، كما كانوا يقولون قبل معاينة القيامة، ويجوز أن يُعْطف على قوله: { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } على معنى: وإنهم لقوم كاذبون في كل شيء ". والوجهُ الأولُ منقول عن ابن زيد، إلا أن ابن عطية ردَّه فقال: " وتوقيفُ اللَّهِ لهم في الآية بعدها على البعث والإِشارة إليه في قوله{ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ } [آل عمران: 30] يردُّ على هذا التأويل ". وقد يُجاب عن هذا باختلاف حالين: فإنَّ إقرارَهم بالبعث حقيقةً إنما هو في الآخرة، وإنكارَهم ذلك إنما هو الدنيا بتقدير عَوْدِهم إلى الدنيا، فاعترافهم به في الدار الآخرة غيرُ منافٍ لإِنكارهم إياه في الدنيا.

{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }

قال السمين

قوله تعالى: { وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ }: فيه أوجهٌ، أحدها: أن يكون " مَنْ " مرفوعَ المحلِّ عطفاً على الجلالة، أي: يكفيك الله والمؤمنون، وبهذا فسَّر الحسن البصري وجماعة، وهو الظاهر، ولا مَحْذورَ في ذلك من حيث المعنى، وإن كان بعضُ الناسِ استَصْعَبَ كونَ المؤمنين يكونون كافِين النبي صلى الله عليه وسلم وتأوَّل الآيةَ على ما سنذكره.

الثاني: أن " مَنْ " مجرورةُ المحلِّ عطفاً على الكاف في " حَسْبُك " وهو رأيُ الكوفيين، وبهذا فسَّر الشعبي وابن زيد، قالا: معناه: وحسبُ مَن اتَّبعك. الثالث: أن محلَّه نصبٌ على المعيَّة. قال الزمخشري: " ومَن اتبعك ": الواو بمعنى مع، وما بعده منصوبٌ. تقول: " حَسْبُك وزيداً درهمٌ " ولا تَجُرُّ؛ لأن عطفَ الظاهرِ المجرورِ على المُكْنى ممتنعٌ. وقال:
2442ـ.................. فَحَسْبَكَ والضحاكَ سيفٌ مُهَنَّدُ
والمعنى: كفاك وكفى تُبَّاعَك المؤمنين [اللهُ] ناصراً " ، وقال الشيخ: " وهذا مخالف كلامَ سيبويه فإنه قال: " حَسْبُك وزيداً درهمٌ " لَمَّا كان فيه معنى كفاك، وقَبُح أن يَحْملوه على المضمر نَوَوا الفعل كأنه قال: بحسبك ويُحْسِب أخاك [درهمٌ] " ، ثم قال: " وفي ذلك الفعل المضمرِ ضميرٌ يعودُ على الدرهمِ، و النيةُ بالدرهم التقديمُ، فيكون مِنْ عطفِ الجمل. ولا يجوزُ أن يكونَ من باب الإِعمال، لأنَّ طلبَ المبتدأ للخبر وعملَه فيه ليس من قبيل طلب الفعل أو ما جرى مَجْراه ولا عمله فلا يُتَوَّهم ذلك فيه ". قلت: وقد سبق الزمخشري إلى كونه مفعولاً معه الزجاج، إلا أنه جَعَل " حسب " اسمَ فعلٍ فإنه قال: " حسبُ: اسمُ فعلٍ، والكافُ نصبٌ، والواو بمعنى مع " وعلى هذا يكون " اللهُ " فاعلاً، وعلى هذا التقدير يجوز في " ومَنْ " أن يكونَ معطوفاً على الكاف؛ لأنها مفعول باسم الفعل لا مجرورةٌ؛ لأن اسم الفعل لا يُضاف. ثم قال الشيخ: " إلا أن مذهب الزجاج خطأٌ لدخولِ العواملِ على " حَسْب " نحو: بحَسْبك درهم " ، وقال تعالى:
{ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ }
[الأنفال: 62]، ولم يَثْبُتْ في موضعٍ كونُه اسمَ فعلٍ فيُحْمل هذا عليه ".

وقال ابن عطية بعدما حكى عن الشعبي وابن زيد ما قَدَّمْتُ عنهما من المعنى: " فـ " مَنْ " في هذا التأويل في محلِّ نصب عطفاً على موضع الكاف؛ لأن موضعَها نصبٌ على المعنى بـ " يكفيك " الذي سَدَّتْ " حَسبك " مَسَدَّه ". قال الشيخ: " هذا ليس بجيد؛ لأن " حَسْبك " ليس ممَّا تكونُ الكافُ فيه في موضع نصب بل هذه إضافة صحيحة ليست مِنْ نصب، و " حسبك " مبتدأ مضافٌ إلى الضمير، وليس مصدراً ولا اسم فاعل، إلا إنْ قيل إنه عطف على التوهم، كأنه تَوَهَّم أنه قيل: يكفيك الله أو كفاك الله، لكن العطفَ على التوهُّم لا ينقاسُ، والذي ينبغي أن يُحمل عليه كلامُ الشعبي وابنِ زيد أن تكون " مَنْ " مجرورةً بـ " حَسْب " محذوفةً لدلالة " حَسْبك " عليها كقوله:

2443ـ أكلَّ امرئ تحسبين أمرأً ونارٍ توقَّدُ بالليل ناراً
أي: وكلَّ نارٍ، فلا يكونُ من العطف على الضمير المجرور ". قال ابن عطية: " وهذا الوجهُ مِنْ حَذْفِ المضاف مكروهٌ، بابُه ضرورةُ الشعر ". قال الشيخ: " وليس بمكروهٍ ولا ضرورة، بل أجازه سيبويه وخَرَّج عليه البيتَ وغيرَه من الكلام " ، قلت: قوله: " بل إضافةٌ صحيحة ليست من نصب " فيه نظر لأن النحويين على أنَّ إضافةَ " حسب " وأخواتِها إضافةٌ غيرُ محضة، وعَلَّلوا ذلك بأنها في قوةِ اسمِ فاعلٍ ناصبٍ لمفعولٍ به، فإن " حَسْبك " بمعنى كافيك وغيرك بمعنى مُغايرك، وقيد الأوابد بمعنى مقيِّدها قالوا: ويدل على ذلك أنها تُوصف بها النكرات فقال: " مررت برجلٍ حَسْبِك من رجلٍ ".

وجَوَّز أبو البقاء فيه الرفعَ من ثلاثة أوجه أحدها: أنه نسقٌ على الجلالةِ كما تقدَّم، إلا أنه قال: فيكون خبراً آخر كقولِك: " القائمان/ زيد وعمرو، ولم يُثَنِّ " حَسْبك " لأنه مصدرٌ. وقال قوم: هذا ضعيفٌ؛ لأن الواوَ للجمع ولا يَحْسُن ههنا، كما لا يَحْسُن في قولهم: " وشئت ". و " ثم " هنا أولى " ، قلت: يعني أنه من طريق الأدب لا يؤتى بالواو التي تقتضي الجمع، بل تأتي بـ " ثم " التي تقتضي التراخي، والحديثُ دالٌّ على ذلك. الثاني: أن يكونَ خبرَ مبتدأ محذوف تقديرُه: وحسب مَنْ اتبعك. والثالث: هو مبتدأ والخبر محذوف تقديره: ومَن اتبعك كذلك أي: حسبهم الله

اسامة محمد خيري
19-08-2019, 12:45
الجوهرة التسعون

{ قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ }

قال السمين

قوله: { وأُمَمٍ } يجوزُ أَنْ يكونَ مبتدأ، و " سنمتِّعهم " خبره، وفي مسوِّغ الابتداءِ وجهان، أحدهما: الوصفُ التقديري، إذ التقديرُ: وأممٌ منهم، أي: ممَّن معك كقولهم " السَّمْن مَنَوان بدرهم " فمنوان مبتدأٌ وُصِف بـ " منه " تقديراً. والثاني: أنَّ المسوِّغ لذلك التفصيلُ نحو: " الناسُ رجلان: رجلٌ أَهَنْتُ، وآخَرُ أكرمتُ " ومنه قولُ امرىء القيس:
2670 ـ إذا ما بكى مِنْ خَلْفِها انحرفَتْ له بشقٍّ وشِقٌّ عندنا لم يُحَوَّل
ويجوز أن يكونَ مرفوعاً بالفاعلية عطفاً على الضمير المستتر في " اهبط " وأغنى الفصلُ عن التأكيد بالضمير المنفصل، قاله أبو البقاء قال الشيخ: " وهذا التقديرُ والمعنى لا يصلحان، لأن الذين كانوا مع نوح في السفينة إنما كانوا مؤمنين لقوله: " ومَنْ آمنَ " ولم يكونوا كفَّاراً ومؤمنين، فيكون الكفار مأمورِين بالهبوط، إلا إنْ قُدِّر أنَّ مِن المؤمنين مَنْ يكفر بعد الهبوط، وأخبر عنهم بالحال التي يَؤُولون إليها فيمكن على بُعْدٍ ". قلت: وقد تقدَّم أنَّ مثلَ ذلك لا يجوز، في قول{ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ } [البقرة: 35] لأمرٍ صناعي، و " سنمتِّعُهم " على هذا صفةٌ لـ " أمم " ، والواوُ يجوز أن تكونَ للحال. قال الأخفش: " كما تقول: " كلَّمْتُ زيداً وعمروٌ جالس " ويجوز أن تكونَ لمجردِ النَّسَق ".

وقال الالوسي

وقال أبو البقاء: إن { أُمَمٌ } معطوف على الضمير في { اهْبِطْ } والتقدير اهبط أنت وأمم وكان الفصل بينهما مغنياً عن التأكيد، و { سَنُمَتّعُهُمْ } نعت لأمم، وفيه إن الذين كانوا مع نوح عليه السلام في السفينة كلهم مؤمنون لقوله تعالى:
{ وَمَنْ آمَنَ }
[هود: 40] ولم يكونوا قسمين كفاراً ومؤمنين ليؤمر الكفار بالهبوط معه اللهم إلا أن يلتزم أن من أولئك المؤمنين من علم الله سبحانه أنه يكفر بعد الهبوط فأخبر عنهم بالحالة التي يؤولون إليها وفيه بعد. وجوز أن تكون ـ من ـ في { مّمَّن مَّعَكَ } بيانية أي وعلى أمم هم الذين معك، وسموا أمماً لأنهم أمم متحزبة وجماعات متفرقة أو لأن جميع الأمم إنما تشعبت منهم فهم أمم مجازاً فحينئذٍ يكون المراد بالأمم المشار إليهم في قوله سبحانه: { وَأُمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ } بعض الأمم المتشعبة منهم وهي الأمم الكافرة المتناسلة منهم إلى يوم القيامة.

وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ }

قال الرازى

قال المفسرون: نزلت هذه الآية في عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخي لبيد بن ربيعة أتيا النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمانه ويجادلانه، ويريدان الفتك به، فقال أربد بن ربيعة أخو لبيد بن ربيعة: أخبرنا عن ربنا أمن نحاس هو أم من حديد، ثم إنه لما رجع أربد أرسل عليه صاعقة فأحرقته، ورمى عامراً بغدة كغدة البعير، ومات في بيت سلولية. واعلم أن أمر الصاعقة عجيب جداً وذلك لأنها تارة تتولد من السحاب، وإذا نزلت من السحاب فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان في لجة البحر، والحكماء بالغوا في وصف قوتها، ووجه الاستدلال أن النار حارة يابسة وطبيعتها ضد طبيعة السحاب، فوجب أن تكون طبيعتها في الحرارة واليبوسة أضعف من طبيعة النيران الحادثة عندنا على العادة، لكنه ليس الأمر كذلك، فإنها أقوى نيران هذا العالم، فثبت أن اختصاصها بمزيد تلك القوة لا بد وأن يكون بسبب تخصيص الفاعل المختار. واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل الأربعة قال: { وَهُمْ يُجَـٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ } والمراد أنه تعالى بين دلائل كمال علمه في قوله:
{ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ }
[الرعد: 8] وبين دلائل كمال القدرة في هذه الآيات. ثم قال: { وَهُمْ يُجَـٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ } يعني هؤلاء الكفار مع ظهور هذه الدلائل يجادلون في الله وهو يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يكون المراد الرد على الكافر الذي قال: أخبرنا عن ربنا أمن نحاس أم من حديد. وثانيها: أن يكون المراد الرد على جدالهم في إنكار البعث وإبطال الحشر والنشر. وثالثها: أن يكون المراد الرد عليهم في طلب سائر المعجزات. ورابعها: أن يكون المراد الرد عليهم في استنزال عذاب الاستئصال. وفي هذه الواو قولان: الأول: أنه للحال، والمعنى: فيصيب بالصاعقة من يشاء في حال جداله في الله، وذلك أن أربد لما جادل في الله أحرقته الصاعقة. والثاني: أنها واو الاستئناف كأنه تعالى لما تمم ذكر هذه الدلائل قال بعد ذلك: { وَهُمْ يُجَـٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ }.

اسامة محمد خيري
19-08-2019, 12:49
الجوهرة الواحدة والتسعون

وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ }

قال السمين:

قوله تعالى: { وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ }: يجوز فيه وجهان، أحدُهما: أن هذا جملةٌ مِنْ مبتدأ وخبر، أي: يجعلون لله البناتِ، ثم أخبر أنَّ لهم ما يَشْتَهون. وجوَّز الفراء والحوفيُّ والزمخشريُّ وأبو البقاء أن تكونَ " ما " منصوبةَ المحلِّ عطفاً على " البناتِ " و " لهم " عطفٌ على " الله " ، أي: ويجعلون لهم ما يشتهون.

قال الشيخ: " وقد ذَهَلُوا عن قاعدةٍ نحوية: وهو أنه لا يتعدَّى فِعْلُ المضمرِ المتصلِ إلى ضميره المتصل إلا في باب ظنَّ وفي عَدَمِ وفَقَد، ولا فرقَ بين أن يتعدَّى الفعلُ بنفسِه أو بحرفِ الجر، فلا يجوز: " زيدٌ ضربه " ، أي: ضربَ نفسَه، ولا " زيدٌ مَرَّ به " ، أي: مرَّ بنفسه، ويجوز: زيدٌ ظنَّه قائماً " ، و " زيدٌ فَقَده " و " عَدِمه " ، أي: ظنَّ نفسَه قائماً وفَقَد نفسه وعَدِمها. إذ تقرَّر هذا فَجَعْلُ " ما " منصوبةً عطفاً على " البنات " يؤدِّي إلى تعدَّي فِعْلِ المضمرِ المتصل وهو واو / " يَجْعَلون " إلى ضميرِه المتصل، وهو " هم " في " لهم ". انتهى ملخصاً.

وما ذكره يحتاج إلى إيضاحٍ أكثرَ مِنْ هذا فأقول فيها مختصراً: اعلمْ أنه لا يجوز تَعَدَّي فِعْلِ المضمرِ المتصلِ ولا فعلِ الظاهرِ إلى ضميرِهما المتصلِ، إلا في بابِ ظَنَّ وأخواتِها من أفعال القلوب، وفي فَقَد وعَدَمِ، فلا يجوز: " زيد ضربه " ولا " ضربه زيد " ، أي: ضربَ نفسه. ويجوز: " زيد ظنَّه قائماً " ، وظنَّه زيدٌ قائماً، و " زيد فَقَده وعَدِمه " ، و " فَقَدَه وعَدِمَه زيد " ، ولا يجوز تَعَدَّي فِعْلِ المضمر المتصل إلى ظاهره في بابٍ من الأبواب، لا يجوز " زيداً ضرب " ، أي: ضربَ نفسَه.

وفي قولي: " إلى ضميرِهما المتصلِ " قيدان أحدُهما: كونُه ضميراً فلو كان ظاهراً كالنفس لم يمتنع نحو: " زيدٌ ضَرَبَ نفسَه " و " ضَرَبَ نفسَه زيدٌ ". والثاني: كونُه متصلاً، فلو كان منفصلاً جاز نحو: " زيدٌ ما ضربَ إلا إياه " ، و " ما ضرب زيدٌ إلا إياه " ، وعِلَلُ هذه المسألةِ وأدلتُها موضوعُها غيرُ هذا الموضوعِ، وقد أَتْقَنْتُها في " شرح التسهيل ".

وقال مكي: " وهذا لا يجوزُ عند البصريين، كما لا يحوز جعلتُ لي طعاماً، إنما يجوز: جعلتُ لنفسي طعاماً، فلو كان لفظُ القرآن " ولأنفسِهم ما يَشْتَهون " جاز ما قال الفراء عند البصريين. وهذا أصلٌ يحتاج إلى تعليلٍ وبَسْطٍ كثير ".

قلت: ما أشارَ إليه من المَنْعِ قد عَرفْتَه ولله الحمدُ مما قدَّمْتُه لك.

وقال الشيخ بعد ما حكى أنَّ " ما " في موضعِ نصبٍ عن الفراءِ ومَنْ تبعه: " وقال ابو البقاء - وقد حكاه -: وفيه نظرٌ ". قلت: وأبو البقاء لم يجعلِ النظرَ في هذا الوجه، إنما جعله في تضعيفه بكونِه يؤدِّي إلى تَعَدِّي فِعْلِ المضمر المتصل إلى ضميره المتصل في غيرِ ما اسْتُثْني فإنه قال: " وضَعَّف قومٌ هذا الوجهَ وقالوا: لو كان كذلك لقال: ولأنفسهم، وفيه نظرٌ " فجعل النظرَ في تضعيفِه لا فيه.

وقد يُقال: وَجْهُ النظرِ الممتنعُ تعدَّي ذلك الفعلِ، أي: وقوعُه على ما جُرَّ بالحرف نحو: " زيدٌ مَرَّ به " فإن المرورَ واقعٌ بزيد، وأمَّا ما نحن فيه فليس الجَعْلُ واقعاً بالجاعِلِين، بل بما يَشْتهون، وكان الشيخُ يَعْترض دائماً على القاعدةِ المتقدمةِ بقوله تعالى:
{ وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ }
[مريم: 25]
{ وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ }
[القصص: 32] والجوابُ عنهما ما تقدَّم: وهو أنَّ الهَزَّ والضَّمَّ ليسا واقعين بالكاف، وقد تقدَّم لنا هذا في مكانٍ آخرَ، وإنما أَعَدْتُه لصعوبتِه وخصوصيةِ هذا بزيادةِ فائدةٍ.

تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً }

قال السمين

قوله: { جَنَّاتٍ }: يجوز أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ " خيراً " ، وأَنْ يكونَ عطفَ بيانٍ عند مَنْ يُجَوِّزه في النكراتِ، وأَنْ يكونَ منصوباً بإضمارِ أعني. و { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } صفةٌ.

قوله: { وَيَجْعَل لَّكَ } قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر برفع " ويجعَلُ " والباقون بإدغامِ لامِ " يَجْعَلْ " في لام " لك ". وأمَّا الرفعُ ففيه وجهان، أحدُهما: أنَّه مستأنفٌ. والثاني: أنه معطوفٌ على جوابِ الشرط. قال الزمخشري: " لأنَّ الشرطَ إذا وقع ماضياً جاز في جوابِه الجزمُ، والرفعُ كقولِه:
3474ـ وإنْ أتاه خليلٌ يومَ مَسْألةٍ يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ
قال الشيخ: " وليس هذا مذهبَ سيبويه، بل مذهبُه: أنَّ الجوابَ محذوفٌ، وأنَّ هذا المضارعَ مَنْوِيُّ به التقديمُ، ومذهبُ المبرد والكوفيين أنه جوابٌ على حَذْفِ الفاءِ. ومذهبُ آخرين: أنه جوابٌ لا على حَذْفِها، بل لمَّا كان الشرطُ ماضياً ضَعُفَ تأثيرُ " إنْ " فارتفع ". قلت: فالزمخشريُّ بنىٰ قولَه على هذين المذهبين. ثم قال الشيخ: " وهذا التركيبُ جائزٌ فصيحٌ. وزعم بعضُ أصحابِنا أنه لا يجيءُ إلاَّ في ضرورة ".

وأمَّا القراءةُ الثانيةُ فتحتمل وجهين، أحدُهما: أنَّ سكونَ اللامِ للجزمِ عطفاً على مَحَلِّ " جَعَل "؛ لأنَّه جوابُ الشرط. والثاني: أنه مرفوعٌ، وإنما سُكِّن لأجلِ الإِدغام. قال الزمخشري وغيرُه وفيه نظرٌ؛ من حيث إنَّ مِنْ جملةِ مَنْ قرأ بذلك ـ وهو نافعٌ والأخَوان وحفصٌ ـ ليس مِنْ أصولِهم الإِدغامُ، حتى يُدَّعَىٰ لهم في هذا المكانِ. نعم أبو عمرو أصلُه الإِدغامُ وهو يقرأ هنا بسكونِ اللامِ، فيُحتمل ذلك على قراءته، وهذا من محاسِنِ علمِ النحوِ والقراءاتِ معاً.

وقرأ طلحةُ بن سليمان " ويَجْعَلَ " بالنصبِ؛ وذلك بإضمارِ " أنْ " على جوابِ الشرطِ، واستضعفها ابنُ جني. ومثلُ هذه القراءة:
3475ـ فإنْ يَهْلَكْ أبو قابوسَ يَهْلَكْ رَبيعُ الناسِ والبَلدُ الحرامُ
ونَأْخُذْ بعدَه بذِنابِ عيشٍ أَجبَّ الظهرِ ليسَ له سَنامُ
بالتثليث في " نَأْخذ ".

اسامة محمد خيري
19-08-2019, 12:54
الجوهرة الثانية والتسعون

{ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ }

قال القرطبي

وقراءة العامة { وَيَضيقُ } { وَلاَ يَنْطَلِقُ } بالرفع على الاستئناف. وقرأ يعقوب وعيسى بن عمر وأبو حيوة { وَيَضِيقَ ـ وَلاَ يَنْطَلِقَ } بالنصب فيهما ردّاً على قوله: { أَنْ يُكَذِّبُونِ } قال الكسائي: القراءة بالرفع يعني في { يَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنْطَلِقُ لِسَانِي } يعني نسقاً على { إِنِّي أَخَافُ }. قال الفراء: ويقرأ بالنصب. حكي ذلك عن الأعرج وطلحة وعيسى بن عمر وكلاهما له وجه. قال النحاس: الوجه الرفع لأن النصب عطف على { يُكَذِّبُونِ } وهذا بعيد يدلّ على ذلك قوله عز وجل:{ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي } [طه: 27 ـ 28] فهذا يدلّ على أن هذه كذا.


وقال السمين:

قوله: { وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ }: الجمهورُ على الرفع. وفيه وجهان، أحدُهما: أنه مستأنفٌ، أخبر بذلك. والثاني: أنه معطوفٌ على خبر " إنَّ ". وقرأ زيد بن علي وطلحة وعيسىظ° والأعمش بالنصب فيهما. والأعرج بنصبِ الأولِ ورفعِ الثاني: فالنصبُ عطفٌ على صلة " أنْ " فتكونُ الأفعالُ الثلاثة: يُكَذِّبُونِ ، ويَضيقُ، ولا يَنْطَلِقُ، داخلةً في حَيِّز الخوف. قال الزمخشري: " والفرقُ بينهما ـ أي الرفع والنصب ـ أن الرفعَ فيه يُفيد أن فيه ثلاثَ عللٍ: خوفَ التكذيبِ، وضيقِ الصدر، وامتناعَ انطلاقِ اللسانِ. والنصبُ: على أنَّ خَوْفَه متعلقٌ بهذه الثلاثة. فإنْ قلتَ: في النصبِ تعليقُ الخوفِ بالأمور الثلاثةِ. وفي جُملتها نفيُ انطلاقِ اللسانِ، وحقيقةُ الخوف إنماهي غَمٌّ يَلْحَقُ الإِنسانَ لأمرٍ سيقعُ، وذلك كان واقعاً، فكيف جازَ تعليقُ الخوفِ به؟ قلت: قد عَلَّقَ الخوفَ بتكذيبهم، وبما يَحْصُل له [بسببِه] من ضيقِ الصدرِ، والحَبْسَةُ في اللسانِ زائدةٌ على ما كان به.على أن تلك الحَبْسَةَ التي كانَتْ به زالَتْ بدعوتِه. وقيل: بَقيَتْ منها بقيةٌ يسيرةٌ. فإنْ قلت: اعتذارُك هذا يَرُدُّه الرفعُ؛ لأن المعنى: إني خائفٌ ضَيِّقُ الصدرِ غيرُ منطلقِ اللسانِ. قلت: يجوز أن يكونَ هذا قبلَ الدعوةِ واستجابتِها. ويجوز أَنْ يريدَ القَدْرَ اليسيرَ الذي بقي ".

وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ }

قال السمين

قوله: { وَعَاداً وَثَمُودَاْ }: نصبٌ بأَهْلَكْنا مقدَّراً، أو عطفٌ على مفعولِ " فأَخَذْتُهم " ، أو على مفعول{ فَتَنَّا } [العنكبوت: 3] أول السورة وهو قولُ الكسائيِّ وفيه بُعْدٌ كبيرٌ. وتقدَّمَ تنوينُ ثمود وعدمه في هود.

وقرأ ابن وثاب " وعادٍ وثمودٍ " بالخفض عَطْفاً على " مَدْيَنَ " عُطِف لمجرَّد الدلالةِ، وإنْ لا يَلْزمْ أن يكون " شعيباً " مرسَلاً إليهما. وليس كذلك.

وقال الالوسي

وَعَاداً وَثَمُودَ } منصوبان بإضمار فعل ينبىء عنه ما قبله من قوله تعالى:{ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ } [العنكبوت: 37] أي وأهلكنا عاداً وثمود، وقوله تعالى: { وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مّن مَّسَـاكِنِهِمْ } عطف على ذلك المضمر أي وقد ظهر لكم أتم ظهور إهلاكنا إياهم من جهة مساكنهم أو بسببها، وذلك بالنظر إليها عند اجتيازكم بها ذهاباً إلى الشام وإياباً منه، وجوز كون { مِنْ } تبعيضية، وقيل: هما منصوبان بإضمار اذكروا أي واذكروا عاداً وثمود. / والمراد ذكر قصتهما أو باضمار اذكر خطاباً له صلى الله عليه وسلم، وجملة { قَد تَّبَيَّنَ } حالية، وقيل: هي بتقدير القول أي وقل: قد تبين، وجوز أن تكون معطوفة على جملة واقعة في حيز القول أي اذكر عاداً وثمود قائلاً قر مررتم على مساكنهم وقد تبين لكم الخ، وفاعل { تبين } الإهلاك الدال عليه الكلام أو مساكنهم على أن { مِنْ } زائدة في الواجب، ويؤيده قراءة الأعمش { مَسَـظ°كِنِهِمْ } بالرفع من غير من، وكون { مِنْ } هي الفاعل على أنها اسم بمعنى بعض مما لا يخفى حاله. وقيل: هما منصوبان بالعطف على الضمير في{ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ } [العنكبوت: 37] والمعنى يأباه، وقال الكسائي: منصوبان بالعطف على { الذين } من قوله تعالى:{ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } [العنكبوت: 3] وهو كما ترى، والزمخشري لم يذكر في ناصبهما سوى ما ذكرناه أولاً وهو الذي ينبغي أن يعول عليه. وقرأ أكثر السبعة { وَثَمُودَاْ } بالتنوين بتأويل الحي، وهو على قراءة ترك التنوين بتأويل القبيلة، وقرأ ابن وثاب { وَعَادٌ وَثَمُودُ } بالخفض فيهما والتنوين عطفاً على{ مَدْيَنَ } [العنكبوت: 36] على ما في «البحر» أي وأرسلنا إلى عاد وثمود.

اسامة محمد خيري
20-08-2019, 12:51
الجوهرة الثالثة والتسعون

{ وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ }

قال السمين

قوله: { وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ }: فيه وجهان، أحدهما: أنه عطفٌ على " ليَجْزِيَ " قال الزمخشري: " أي: وليعلمَ الذين أُوتُوا العِلْمَ عند مجيءِ الساعة ". قلت: إنما قَيَّده بقولِه: " عند مجيءِ السَّاعةِ " لأنه عَلَّق " ليجزيَ " بقوله: " لتأتينَّكم "؛ فبنى هذا عليه، وهو من أحسنِ ترتيب. والثاني: أنه مستأنَفٌ أخبر عنهم بذلك، و " الذي أُنْزِلَ " هو المفعول الأولُ و " هو " فصلٌ و " الحقَّ " مفعولٌ ثانٍ؛ لأنَّ الرؤيةَ عِْلمية.

وقرأ ابن أبي عبلة " الحقُ " بالرفع على أنه خبرُ " هو ". والجملةُ في موضعِ المفعول الثاني وهو لغةُ تميمٍ، يجعلون ما هو فصلٌ مبتدأً، و " مِنْ رَبِّك " حالٌ على القراءتين.

قوله: " ويَهْدِي " فيه أوجهٌ، أحدها: أنه مستأنفٌ. وفي فاعله احتمالان، أظهرهما: أنه ضميرُ الذي أُنْزِل. والثاني: ضميرُ اسمِ الله ويَقْلَقُ هذا لقولِه إلى صراط العزيز؛ إذ لو كان كذلك لقيل: إلى صراطه. ويُجاب: بأنه مِنْ الالتفاتِ، ومِنْ إبرازِ المضمر ظاهراً تنبيهاً على وَصْفِه بها بين الصفتين.

الثاني من الأوجه المتقدمة: أنه معطوفٌ/ على موضع " الحقَّ " و " أَنْ " معه مضمرةٌ تقديره: هو الحقَّ والهداية.

الثالث: أنه عطفٌ على " الحق " عطفُ فعلٍ على اسم لأنه في تأويلِه كقوله تعالى:{ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ } [الملك: 19] أي: وقابضاتٍ، كما عُطِفَ الاسمُ على الفعلِ لأن الفعلَ بمعناه.

كقول الشاعر:
3715 ـ فأَلْفَيْتُه يوماً يُبير عدوَّه وبحرَ عطاءٍ يستخِفُّ المعابرا
كأنه قيل: ولِيَروْه الحقَّ وهادياً.

الرابع: أنَّ " ويَهْدي " حالٌ من " الذي أُنْزِل " ، ولا بُدَّ من إضمارِ مبتدأ أي: وهو يَهْدي نحو:
3716 ـ............................... نَجَوْتُ وأَرْهَنُهُمْ مالِكا
وهو قليلٌ جداً.

وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ }

قال الالوسي

{ وَٱلطَّيْرَ } بالنصب وهو عند أبـي عمرو بن العلاء بإضمار فعل تقديره وسخرنا له الطير وحكى أبو عبيدة عنه أن ذاك بالعطف على { فَضْلاً } ولا حاجة إلى الإضمار لأن إيتاءها إياه عليه السلام تسخيرها له، وذكر الطيبـي أن ذلك كقوله:
علفتها تبنا وماء بارداً
وقال الكسائي: بالعطف أيضاً إلا أنه قدر مضافاً أي وتسبيح الطير ولا يحتاج إليه، وقال سيبويه: الطير معطوف على محل { جِبَالٍ } نحو قوله:
ألا يا زيد والضحاك سيرا
بنصب الضحاك، ومنعه بعض النحويين للزوم دخول يا على المنادى المعرف بأل. والمجيز يقول: رب شيء يجوز تبعاً ولا يجوز استقلالاً، وقال الزجاج: هو منصوب على أنه مفعول معه. وتعقبه أبو حيان بأنه لا يجوز لأن قبله { مَعَهُ } ولا يقتضي اثنين من المفعول معه إلا على البدل أو العطف فكما لا يجوز جاء زيد مع عمرو مع زينب إلا بالعطف كذلك هذا، وقال الخفاجي: لا يأباه { مَعَهُ } سواء تعلق بأوبـي على أنه ظرف لغو أو جعل حالاً لأنهما معمولان متغايران إذ الظرف والحال غير المفعول معه وكل منها باب على حده وإنما الموهم لذلك لفظ المعية فما اعترض به أبو حيان غير متوجه وإن ظن كذلك، وأقبح من الذنب الاعتذار حيث أجيب بأنه يجوز أن يقال حذفت واو العطف من قوله تعالى: { وَٱلطَّيْرُ } استثقالاً لاجتماع الواوين أو اعتبر تعلق الثاني بعد تعلق الأول.

وقرأ السلمي وابن هرمز وأبو يحيـى وأبو نوفل ويعقوب وابن أبـي عبلة وجماعة من أهل المدينة وعاصم في رواية { وَٱلطَّيْرُ } بالرفع وخرج على أنه معطوف على { جِبَالٍ } باعتبار لفظه وحركته لعروضها تشبه حركة الإعراب ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، وقيل معطوف على الضمير المستتر في { أوبِى } وسوغ ذلك الفصل بالظرف، وقيل: هو بتقدير ولتؤوب الطير نظير ما قيل في قوله تعالى:{ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ } [البقرة: 35]. وقيل: هو مرفوع بالابتداء والخبر محذوف أي والطير تؤوب.

وقال الماتريدى

وقوله: { وَٱلطَّيْرَ }.

من نصب الطير جعلها مسخرة له؛ كأنه قال: سخرنا له الطير. ومن رفعها جعله على النداء: يا طير أوبي معه، أي: سبحي معه.

اسامة محمد خيري
20-08-2019, 12:56
الجوهرة الرابعة والتسعون

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ }

قال السمين

قوله: { وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ }: هذا مستأنَفٌ غيرُ داخلٍ في جزاءِ الشرطِ، لأنه تعالى يمحو الباطلَ مطلقاً، وسَقَطت الواوُ منه لفظاً لالتقاءِ الساكنين في الدَّرْج، وخَطَّاً حَمْلاً للخط على اللفظِ كما كتبوا
{ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ }
[العلق: 18] عليه ولكن ينبغي أَنْ لا يجوزَ الوقفُ على هذا؛ لأنه إنْ وَقَفَ عليه بالأصلِ، وهو الواوُ، خالَفْنا خطَّ المصحفِ، وإنْ وَقَفْنا بغيرها موافَقَةً للرسمِ خالَفْنا الأصلَ، وقد مَرَّ لك بحثُ مثلِ هذا. وقد مَنَعَ مكي الوقفَ على نحوِ
{ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ }
[غافر: 9] وبابِه.

قوله: " ما تَفْعَلُون " قرأ الأخوَان وحفص " تَفْعلون " بالتاءِ مِنْ فوقُ نظراً إلى قولِه: " عن عبادِه ". والباقون بالخطاب إقبالاً على الناسِ عامَّة.

{ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ }

قال السمين

قوله: { أَوْ يُوبِقْهُنَّ }: عطفٌ على " يُسْكِنْ " قال الزمخشري: " لأنَّ المعنى: إنْ يَشَأْ يُسْكِن فيركَدْن. أو يَعْصِفْها فيَغْرَقْنَ بعَصْفِها ".

قال الشيخ: " ولا يَتَعَيَّنُ أَنْ يكونَ التقديرَ: أو يَعْصِفْها فيَغْرَقْنَ؛ لأنَّ إهْلاكَ السفنِ لا يَتَعَيَّنُ أَنْ يكونَ بعَصْفِ الريح، بل قد يُهْلِكُها بقَلْعِ لوحٍ أو خَسْفٍ ". قلت: والزمخشريُّ لم يذكُرْ أنَّ ذلك مُتَعَيِّنٌ، وإنما ذَكَرَ شيئاً مناسباً؛ لأنَّ قولَه: " يُسْكِنِ الريحَ " يقابِلُه " يعْصِفْها " فهو في غايةِ الحُسْنِ والطِّباق.

قوله: " ويَعْفُ " العامَّةُ على الجزمِ عطفاً على جزاءِ الشرط. واستشكلَه القُشَيْرِيُّ قال: " لأنَّ المعنَى: إن يَشَأ يُسْكِنِ الريحَ فتبقى تلك السفنُ رواكدَ، أو يُهْلِكْها بذنوبِ أهلها فلا يَحْسنُ عَطْفُ " ويَعْفُ " على هذا؛ لأنَّ المعنى يَصير: إنْ يَشَأْ يَعْفُ، وليس المعنى [على] ذلك بل المعنى: الإِخبارُ عن العفوِ مِنْ غير شرطِ المشيئةِ، فهو عطفٌ على المجزومِ من حيث اللفظُ لا من حيث المعنى. وقد قرأ قومٌ " ويَعْفُو " بالرفع وهي جيدةٌ في المعنى ". قال الشيخ: وما قاله ليس بجيدٍ إذ لم يَفْهَمْ مدلولَ التركيبِ والمعنى، إلاَّ أنَّه تعالى إنْ يَشَأْ أهلك ناساً وأَنْجَى ناساً على طريقِ العَفْوِ عنهم ".

وقرأ الأعمش " ويَعْفُوْ " بالواو. وهي تحتملُ أَنْ يكونَ كالمجزومِ، وثَبَتَتِ الواوُ في الجزمِ كثبوتِ الياء في
{ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ }
[يوسف: 90]. ويُحتمل أَنْ يكونَ الفعلُ مرفوعاً، أخبر تعالى أنَّه يَعْفو عن كثيرٍ من السيئات. وقرأ بعضُ أهلِ المدينة بالنصب، بإضمارِ " أَنْ " بعد الواوِ كنَصْبِه في قولِ النابغة:
3977 ـ فإنْ يَهْلَكْ أبو قابوسَ يَهْلَكْ ربيعُ الناسِ والبلدُ الحرَامُ
ونأخذْ بعدَه بذِنابِ عَيْشٍ أجَبَّ الظهرِ ليس له سَنامُ
بنصبِ " ونَأْخُذ " ورفعِه وجَزْمِه. وهذا كما قُرِئ بالأوجه الثلاثة بعد الفاءِ في قولِه تعالى:
{ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ }
[البقرة: 284] وقد تقدَّم تقريرُه آخرَ البقرةِ، ويكونُ قد عَطَفَ هذا المصدرَ المؤولَ مِنْ " أَنْ " المضمرةِ والفعلِ على مصدرٍ مُتَوَهَّمٍ من الفعلِ قبلَه. تقديرُه: أو يقع إيباقٌ وعَفْوٌ عن كثيرٍ. فقراءةُ النصبِ كقراءة الجزم في المعنى، إلاَّ أنَّ في هذه عَطْفَ مصدرٍ مؤولٍ على مصدرٍ مُتَوَهَّمٍ، وفي تَيْكَ عطفَ فعلٍ على مثلِه.

وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ }

قال السمين

قوله: { وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ }: قرأ نافعٌ وابنُ عامر برفعِه. والباقون بنصبِه. وقُرِئ بجزمِه أيضاً. فأمَّا الرفعُ فهو واضحٌ جداً، وهو يحتملُ وجهين: الاستئنافَ بجملةٍ فعليةٍ، والاستئنافَ بجملةٍ اسميةٍ، فتُقَدِّرُ قبل الفعل مبتدأً أي: وهو يعلمُ الذين، فالذين على الأول فاعلٌ، وعلى الثاني مفعولٌ. فأمَّا قراءةُ النصبِ ففيها أوجهٌ، أحدُها: قال الزجَّاج: " على الصَّرْف ". قال: " ومعنى الصرفِ صَرْفُ العطف عن اللفظ إلى العطفِ على المعنى ". قال: " وذلك أنَّه لَمَّا لم يَحْسُنْ عطفُ " ويعلَمْ " مجزوماً على ما قبلَه إذ يكونُ المعنى: إنْ يَشَأْ/ يَعْلَمْ، عُدِل إلى العطف على مصدرِ الفعلِ الذي قبلَه. ولا يتأتَّى ذلك إلاَّ بإضمار " أنْ " ليكونَ مع الفعلِ في تأويلِ اسم ".

الثاني: قولُ الكوفيين أنه منصوبٌ بواوِ الصرف. يَعْنُون أنَّ الواوَ نفسَها هي الناصبةُ لا بإضمارِ " أنْ " ، وتقدَّم معنى الصرف.

الثالث: قال الفارسيُّ - ونقله الزمخشري عن الزجاج - إن النصب على إضمار " أنْ "؛ لأنَّ قبلها جزاءً تقول: " ما تصنعْ أصنعْ وأكرمَك " وإنْ شِئْتَ: وأكرمُك، على وأنا أكرِمُك، وإنْ شِئْتَ " وأكرمْك " جزْماً. قال الزمخشري: " وفيه نظرٌ؛ لِما أَوْردَه سيبويه في كتابه " قال: " واعلَمْ أنَّ النصبَ بالواوِ والفاء في قوله: " إنْ تَأْتِني آتِك وأعطيكَ " ضعيفٌ، وهو نحوٌ مِنْ قولِه:
3978 ـ...................... وأَلْحَقُ بالحجازِ فَأَسْتريحا
فهذا لا يجوزُ، لأنه ليس بحَدِّ الكلامِ ولا وجهِه، إلاَّ أنه في الجزاء صار أقوى قليلاً؛ لأنه ليس بواجبٍ أنَّه يفعلُ، إلاَّ أَنْ يكونَ من الأولِ فِعْلٌ، فلمَّا ضارَعَ الذي لا يُوْجِبُهُ كالاستفهام ونحوِه أجازوا فيه هذا على ضَعْفِه ". قال الزمخشري: " ولا يجوزُ أَنْ تُحْمَلَ القراءةُ المستفيضةُ على وجهٍ ليس بحَدِّ الكلامِ ولا وجهِه، ولو كانَتْ من هذا البابِ لَما أَخْلَى سيبويه منها كتابَه، وقد ذَكَرَ نظائرَها مِن الآياتِ المُشْكِلة ".

الرابع: أَنْ ينتصِبَ عطفاً على تعليلٍ محذوفٍ تقديرُه: لينتقمَ منهم ويعلمَ الذين، ونحوُه في العطفِ على التعليلِ المحذوفِ غيرُ عزيزٍ في القرآن. ومنه:
{ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ }
[مريم: 21] وخَلَق اللَّهُ السماواتِ والأرضَ بالحقِّ، ولِتُجْزَى " قاله الزمخشري. قال الشيخ: " ويَبْعُدُ تقديرُه: لِيَنْتَقِمَ منهم؛ لأنه تَرَتَّبَ على الشرطِ إهلاكُ قومٍ ونجاةُ قومٍ فلا يَحْسُنُ لينتَقِمَ منهم. وأمَّا الآيتان فيمكنُ أَنْ تكونَ اللامُ متعلقةً بفعلٍ محذوفٍ تقديرُه: ولنجعلَه آيةً للناسِ فَعَلْنا ذلك، ولُتْجزَى كلُّ نفسٍ فَعَلْنا ذلك، وهو - كثيراً - يُقَدِّرُ هذا الفعل مع هذه اللامِ إذا لم يكنْ فعلٌ يتعلَّقُ به ". قلت: بل يَحْسُنُ تقديرُ " لينتقمَ " لأنَّه يعودُ في المعنى على إهلاكِ قومٍ المترتبِ على الشرط.

وأمَّا الجزمُ فقال الزمخشري: " فإنْ قلتَ: كيف يَصِحُّ المعنى على جزم " ويعلَمْ "؟ قلت: كأنه قيل: إنْ يَشَأْ يَجْمَعْ بين ثلاثةِ أمور: إهلاكِ قومٍ، ونجاةِ قومٍ، وتحذيرِ آخرين ". وإذا قُرِئَ بالجزم فتُكْسَرُ الميمُ لالتقاءِ الساكنين.

اسامة محمد خيري
20-08-2019, 13:06
الجوهرة الخامسة والتسعون

{ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ }

قال السمين

قوله: " أو يُرْسِل " قرأ نافعٌ " يُرْسِلُ " برفع اللامِ، وكذلك " فيوحِيْ " فسَكَنَتْ ياؤُه. والباقون بنصبهما. فأمَّا القراءةُ الأولى ففيها ثلاثة أوجهٍ، أحدها: أنَّه رفعٌ على إضمارِ مبتدأ أي: أو هو يُرْسِلُ. الثاني: أنه عطفٌ على " وَحْياً " على أنَّه حالٌ؛ لأنَّ وَحْياً في تقديرِ الحال أيضاً، فكأنه قال: إلاَّ مُوْحِياً أو مرسِلاً. الثالث: أَنْ يُعْطَفَ على ما يتعلَّقُ به " من وراءه " ، إذ تقديرُه: أو يُسْمِعُ مِنْ وراءِ حجاب، و " وَحْياً " في موضعِ الحال، عُطِف عليه ذلك المقدَّرُ المعطوفُ عليه " أَوْ يُرْسِلُ ". والتقدير: إلاَّ مُوْحِياً أو مُسْمِعاً مِنْ وراءِ حجابٍ، أو مُرْسِلاً.

وأمَّا الثانيةُ ففيها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أَنْ يُعْطَفَ على المضمرِ الذي يتعلَّقُ به { مِن وَرَآءِ حِجَابٍ } إذ تقديرُه: أو يُكَلِّمه مِنْ وراءِ حجابٍ. وهذا الفعلُ المقدَّر معطوفٌ على " وَحْياً " والمعنى: إلاَّ بوَحْي أو إسماعٍ مِنْ وراءِ حجاب أو إرسالِ رسولٍ. ولا يجوزُ أَنْ يُعَطفَ على " يكلِّمَه " لفسادِ المعنى. قلت: إذ يَصيرُ التقديرُ: وما كان لبشَرٍ أن يُرْسِلَ اللَّهُ رسولاً، فَيَفْسُدُ لَفْظاً ومعنى. وقال مكي: " لأنَّه يَلْزَم منه نَفْيُ الرسلِ ونفيُ المُرْسَلِ إليهم ".

الثاني: أَنْ يُنْصَبَ بـ " أنْ " مضمرةً، وتكونَ هي وما نَصَبَتْه معطوفَيْن على " وَحْياً " و " وَحْياً " حالٌ، فيكونَ هنا أيضاً [حالاً: والتقدير: إلاَّ مُوْحِياً أو مُرْسِلاً]. وقال الزمخشري: " وَحْياً وأَنْ يُرْسِلَ مصدران واقعان موقعَ الحال؛ لأنَّ أَنْ يُرْسِلَ في معنى إرسالاً. و { مِن وَرَآءِ حِجَابٍ } ظرفٌ واقعٌ موقعَ الحالِ أيضاً، كقوله:{ وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ } [آل عمران: 191]. والتقدير: وما صَحَّ أَنْ يُكَلَّم أحداً إلاَّ مُوْحياً أو مُسْمِعاً مِنْ وراءِ حجاب أو مُرسِلاً ". وقد رَدَّ عليه الشيخُ: بأنَّ وقوعَ المصدرِ موقعَ الحالِ غيرُ منقاسٍ، وإنما قاسَ منه المبردُ ما كان نوعاً للفعلِ فيجوزُ: " أتيتُه رَكْضاً " ويمنعُ " أَتَيْتُه بكاءً " أي: باكياً.

وبأنَّ " أَنْ يُرْسِلَ " لا يقعُ حالاً لنصِّ سيبويه على أنَّ " أَنْ " والفعلَ لا يَقَعُ حالاً، وإن كان المصدرُ الصريحُ يقع حالاً تقولُ: " جاء زيد ضَحِكاً " ، ولا يجوز " جاء أَنْ يضحكَ ".

الثالث: أنَّه عطفٌ على معنى " وَحْياً " فإنَّه مصدرٌ مقدَّرٌ بـ " أنْ " والفعلِ. والتقديرُ: إلاَّ بأَنْ يوحيَ إليه أو بأَنْ يُرْسِلَ، ذكره مكي وأبو البقاء.

وقال القرطبي

أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً» إلى الناس كافة. وقرأ الزهري وشيبة ونافع «أَوْ يرسلُ رسولاً فيوحِي» برفع الفعلين. الباقون بنصبهما. فالرفع على الاستئناف أي وهو يرسل. وقيل: «يرسل» بالرفع في موضع الحال والتقدير إلا موحياً أو مرسلاً. ومن نصب عطفوه على محل الوحي لأن معناه وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي أو يرسل. ويجوز أن يكون النصب على تقدير حذف الجار من أن المضمرة. ويكون في موضع الحال التقدير أو بأن يرسل رسولاً. ولا يجوز أن يعطف «أَوْ يُرْسِلَ» بالنصب على «أَنْ يُكَلِّمَهُ» لفساد المعنى لأنه يصير: ما كان لبشر أن يرسله أو أن يرسل إليه رسولاً، وهو قد أرسل الرسل من البشر وأرسل إليهم.

اسامة محمد خيري
20-08-2019, 13:24
الجوهرة السادسة والتسعون

{ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } * { وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }

قال السمين

قوله: { وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ }: فيه وجهان، أظهرهما: أنه معطوفٌ على " خَلْقِكم " المجرورِ بـ " في " والتقديرُ: وفي ما يَبُثُّ. والثاني: أنه معطوفٌ على الضميرِ المخفوضِ بالخَلْق، وذلك على مذهبِ مَنْ يرى العطفَ على الضميرِ المجرورِ دونَ إعادةِ الجارِّ واستقبحه الزمخشريُّ وإنْ أُكِّد نحو: " مررتُ بك أنت وزيدٍ " يُشير بذلك إلى مذهب الجرميِّ فإنَّه يقول: إن أُكِّد جازَ، وإلاَّ فلا، فقولُه مذهبٌ ثالثٌ.

قوله: { آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } و { آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } قرأ " آياتٍ " بالكسر في الموضعَيْن الأخوَان، والباقون برفعهما. ولا خلافَ في كسرِ الأولى لأنها اسمُ " إنَّ ". فأمَّا { آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } بالكسر فيجوزُ فيها وجهان، أحدهما: أنها معطوفةٌ على اسم " إنَّ " ، والخبرُ قولُه: " وفي خَلْقِكم ". كأنه قيل: وإنَّ في خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِنْ دابة آياتٍ. والثاني: أَنْ تكونَ كُرِّرَتْ تأكيداً لآيات الأُولى، ويكونُ " في خَلْقكم " معطوفاً على " في السماوات " كُرِّر معه حرفُ الجَرِّ توكيداً. ونظيرُه أَنْ تقولَ: " إنَّ في بيتك زيداً وفي السوق زيداً " فزيداً الثاني تأكيدٌ للأول، كأنك قلت: إنَّ زيداً زيداً في بيتك وفي السوق وليس في هذه عطفٌ على معمولَيْ عاملَيْن البتةَ.

وقد وَهِم أبو البقاء فجعلها مِنْ ذلك فقال: { آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } يُقرأ بكسر التاءِ، وفيه وجهان، أحدهما: أنَّ " إنَّ " مضمرةٌ حُذِفَتْ لدلالة " إنَّ " الأُولى عليها، وليسَتْ " آيات " معطوفةً على " آيات " الأولى لِما فيه من العطفِ على معمولَيْ عامليْن. والثاني: أَنْ تكونَ كُرِّرَتْ للتأكيد لأنها مِنْ لفظ " آيات " الأُوْلى، وإعرابُها كقولِك: " إن بثوبك دماً وبثوبِ زيد دماً " فـ " دم " الثاني مكررٌ؛ لأنَّك مُسْتغنٍ عن ذِكْرِه " انتهى.

فقوله: " وليسَتْ معطوفةً على آياتِ الأولى لِما فيه من العطفِ على عامِلَيْن " وَهَمٌ؛ أين معمولُ العاملِ الآخر؟ وكأنه توهَّمَ أنَّ " في " ساقطةٌ مِنْ قولِه: " وفي خَلْقِكم " أو اختلطَتْ عليه { آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } بهذه؛ لأنَّ تَيْكَ فيها ما يُوْهِمُ العطفَ على عامِلَيْن وقد ذكره هو أيضاً.

وأمَّا الرفعُ فمِنْ وجهَيْن أيضاً، أحدهما: أَنْ يكونَ " في خَلْقِكم " خبراً مقدَّماً، و " آياتٌ " مبتدأً مؤخراً، وهي جملةٌ معطوفةٌ على جملة مؤكدةٍ. بـ " إنَّ ". والثاني: أَنْ تكون معطوفةً على " آيات " الأولى باعتبار المحلِّ عند مَنْ يُجيزُ ذلك، لا سيما عند مَنْ يقولُ: إنه يجوز ذلك بعد الخبرِ بإجماعٍ.

وأمَّا قولُه: { وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } الآية فقد عَرَفْتَ أنَّ الأخَوَيْن يقرآن " آيات " بالكسرِ، وهي تحتاج إلى إيضاحٍ، فإن الناسَ قد تكلَّموا فيها كلاماً كثيراً، وخرَّجوها على أوجهٍ مختلفةٍ، وبها استدلَّ على جوازِ العطفِ على عاملين.

قلت: والعطفُ على عامِلَيْن لا يختصُّ بقراءةِ الأخوَيْن بل يجوز أَنْ يُسْتَدَلَّ عليه أيضاً بقراءة الباقين، كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى. فأما قراءةُ الأخوين ففيها أوجهٌ، أحدُها: أن يكونَ " اختلافِ الليلِ " مجروراً بـ " في " مضمرةً، وإنما حُذِفَتْ لتقدُّم ذكرِها مَرَّتَيْنِ، وحرفُ الجرِّ إذا دَلَّ عليه دليلٌ/ جاز حَذْفُه وإبقاءُ عملِه. وأنشَدَ سيبويه:
4023 ـ الآن قَرَّبْتَ تَهْجُونا وتَشْتِمُنا فاذهَبْ فما بك والأيامِ من عَجَبِ
تقديرُه: وبالأيام لتقدُّم الباءِ في " بك " ولا يجوزُ عَطْفُه على الكاف لأنه ليس مِنْ مذهبه - كما عَرَفْتَ - العطفُ على الضميرِ المجرورِ دونَ إعادةِ الجارِّ، فالتقديرُ في هذه الآيةِ: " وفي اختلافِ آيات " فـ " آيات " على ما تقدَّم من الوجهين في " آيات " قبلَها: العطفِ أو التأكيدِ. قالوا: ويَدُلُّ على ذلك قراءةُ عبد الله " وفي اختلافِ " تصريحاً بـ " في ". فهذان وجهان.

الثالث: أَنْ يُعْطَفَ " اختلافِ " على المجرورِ بـ " في " وآياتٍ على المنصوبِ بـ " إنَّ ". وهذا هو العطفُ على عاملَيْنِ، وتحقيقُه على معمولَيْ عاملين: وذلك أنَّك عَطَفْتَ " اختلاف " على خَلْق وهو مجرورٌ بـ " في " فهو معمولُ عاملٍ، وعَطَفْتَ " آياتٍ " على اسمِ " إنَّ " وهو معمولُ عاملٍ آخرَ، فقد عَطَفْتَ بحرفٍ واحدٍ وهو الواوُ معمولين وهما " اختلاف " و " آيات " على معمولَيْن قبلَهما وهما: خَلْق وآيات. وبظاهرِها استدلَّ مَنْ جَوَّز ذلك كالأخفشِ. وفي المسألة أربعةُ مذاهب: المَنْعُ مطلقاً، وهو مذهبُ سيبويه وجمهورِ البصريين. قالوا: لأنه يُؤَدِّي إلى إقامة حرفِ العطفِ مقامَ عاملين وهو لا يجوزُ؛ لأنه لو جاز في عامِلَيْن لجازَ في ثلاثةٍ، ولا قائل به، ولأنَّ حرفَ العطفِ ضعيفٌ فلا يَقْوَى أَنْ ينوبَ عن عاملَيْنِ ولأنَّ القائلَ بجوازِ ذلك يَسْتَضْعِفُه، والأحسنُ عنده أن لا يجوزَ، فلا ينبغي أَنْ يُحْمَلَ عليه كتابُ اللَّهِ، ولأنه بمنزلةِ التعديتَيْنِ بمُعَدٍّ واحد، وهو غيرُ جائزٍ.

قال ابن السراج: " العطفُ على عاملَيْن خطأٌ في القياسِ، غيرُ مَسْموع من العرب " ثم حَمَل ما في هذه الآيةِ على التكرارِ للتأكيد. قال الرمَّاني: " هو كقولِك: " إنَّ في الدارِ زيداً والبيتِ زيداً " فهذا جائزٌ بإجماعٍ فتدبَّرْ هذا الوجهَ الذي ذكره ابنُ السراجِ فإنه حسنٌ جداً، لا يجوزُ أَنْ يُحْمَلَ كتابُ اللَّهِ إلاَّ عليه. وقد بَيَّنْتُ القراءةَ بالكسرِ ولا عيبَ فيها في القرآن على وجهٍ، والعطفُ على عاملَيْن عيبٌ عند مَنْ أجازه ومَنْ لم يُجِزْه، فقد تناهى في العيب، فلا يجوزُ حَمْلُ هذه الآيةِ إلاَّ على ما ذكره ابنُ السَّراج دون ما ذهبَ إليه غيرُه ".

قلت: وهذا الحَصْرُ منه غيرُ مُسَلَّمٍ فإنَّ في الآيةِ تخريجاتٍ أُخَرَ غيرَ ما ذكره ابن السراج يجوزُ الحَمْلُ عليها. وقال الزجاج: " ومثلُه في الشعر:
4024 ـ أكلَّ امرِئٍ تَحْسَبين امْرَأً ونارٍ تَوَقَّدُ بالليلِ نارا
وأنشد الفارسيُّ للفرزدق:
4025 ـ وباشَرَ راعيها الصَّلا بلَبانِه وجَنْبَيْه حَرَّ النارِ ما يتحرَّق
وقول الآخر:
4026 ـ أَوْصَيْتُ مِنْ رُبْدَةَ قَلْباً حُرَّاً بالكلبِ خيراً والحَماةِ شَرا
قلت: أمَّا البيتُ الأولُ فظاهرُه أنه عَطَفَ و " نارٍ " على " امرئ " المخفوض بـ " كل " و " ناراً " الثانية على " امرَأ " الثاني. والتقدير: وتحسبين كلَّ نارٍ ناراً، فقد عطف على معمولَيْ عاملَيْن. والبيتُ الثاني عَطَفَ فيه " جَنْبَيْه " على " بلبانه " وعَطَفَ " حَرَّ النارِ " على " الصلا " ، والتقدير: وباشر بجَنْبَيْه حرَّ النار، والبيتُ الثالث عَطَفَ فيه " الحَماة " على " الكلب " و " شَرًّا " على " خيراً " ، تقديرُه وأَوْصَيْتُ بالحَماة شراً. وسيبويه في جميع ذلك يرى الجرَّ بخافضٍ مقدرٍ لكنه عُورض: بأنَّ إعمال حرفِ الجرِّ مضمراً ضعيفٌ جداً، ألا ترى أنَّه لا يجوزُ " مررتُ زيدٍ " بخفضِ " زيد " إلاَّ في ضرورةٍ كقولِه:
4027 ـ إذا قيلَ أيُّ الناسِ شرُّ قبيلةٍ أشارَتْ كليبٍ بالأكفِّ الأصابعُ
يريد: إلى كليب، وقولِ الآخر:
4028-...................... حتى تَبَذَّخَ فارتقى الأعلامِ
أي إلى الأعلام، فقد فَرَّ مِنْ شيءٍ فوقَع في أضعفَ منه. وأُجيب عن ذلك: بأنه لَمَّا تَقَدَّم ذِكْرُ الحرف في اللفظِ قَوِيَتِ الدلالةُ عليه، فكأنَّه ملفوظٌ به بخلافِ ما أَوْرَدْتموه في المثالِ والشعر.

والمذهب الثاني: التفصيلُ - وهو مذهب الأخفش - وذلك أنَّه يجوز بشرطَيْنِ، أحدُهما: أَنْ يكونَ أحدُ العاملَيْن جارًّا. والثاني: أن يتصلَ المعطوفُ بالعاطفِ أو يُفْصَلَ بلا، مثالُ الأولِ الآيةُ الكريمةُ والأبياتُ التي قَدَّمْتُها. ولذلك استصوب المبردُ استشهادَه بالآيةِ. ومثالُ الفَصْل بـ لا قولك: " ما في الدارِ زيدٌ ولا الحجرةِ عمروٌ " ، فلو فُقِدَ الشرطانِ نحو: إنَّ/ زيداً شَتَمَ بِشْراً، وواللَّهِ خالداً هنداً، أو فُقِدَ أحدُهما نحو: إنَّ زيداً ضربَ بَكْراً، وخالداً بشراً. فقد نَقَلَ ابنُ مالكٍ الامتناعَ عند الجميعِ. وفيه نظرٌ لِما سَتَعْرِفُه من الخلافِ.

الثالث: أنَّه يجوزُ بشرطِ أَنْ يكونَ أحدُ العامِلَيْنِ جارَّاً، وأَنْ يكونَ متقدماً، نحوَ الآيةِ الكريمةِ، فلو لم يتقدَّمْ نحوَ: " إنَّ زيداً في الدار، وعمراً السوقِ " لم يَجُزْ، وكذا لو لم يكنْ حرفَ جرٍّ كما تقدَّمَ تمثيلُه.

الرابع: الجوازُ، ويُعْزَى للفَرَّاء.

الوجهُ الرابعِ من أوجهِ تخريجِ القراءةِ المذكورة: أَنْ تنتصِبَ " آيات " على الاختصاصِ.

قاله الزمخشريُّ، وسيأتي فيما أَحْكيه عنه.

وأمَّا قراءةُ الرفعِ ففيها أوجهٌ، أحدُها: أَنْ يكونَ الأولُ والثاني ما تقدَّم في { آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ }. الثالث: أَنْ تكونَ تأكيداً لآيات التي قبلها، كما كانَتْ كذلك في قراءةِ النصبِ. الرابع: أَنْ تكونَ المسألةُ من بابِ العطفِ على عامِلَيْن؛ وذلك أنَّ " اختلافِ " عطفٌ على " خَلْقِكم " وهو معمولٌ لـ " في " و " آيات " معطوفةٌ على " آيات " قبلَها، وهي معمولةٌ للابتداءِ فقد عَطَفَ على معمولَيْ عامِلَيْنِ في هذه القراءةِ أيضاً. قال الزمخشري: " قُرِئَ { آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } بالرفع والنصبِ على قولِك: " إنَّ زيداً في الدار وعمراً في السوقِ، أو وعمروٌ في السوق ". وأمَّا قولُه: { آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } فمن العطفِ على عامِلَيْنِ سواءً نَصَبْتَ أم رَفَعْتَ فالعاملان في النصبِ هما: " إنَّ " ، و " في " أُقيمت الواوُ مُقامَهما فعَمِلَتْ الجرَّ في و { وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } والنصبَ في " آياتٍ ". وإذا رَفَعْتَ فالعاملانِ: الابتداءُ، و " في " عملت الرفع في " آيات " والجرَّ في " اختلاف " ". ثم قال في توجيهِ النصبِ: " والثاني أَنْ ينتصِبَ على الاختصاصِ بعد انقضاءِ المجرور ".

الوجهُ الخامسُ أَنْ يرتفعَ " آياتٌ " على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ أي: هي آياتٌ. وناقَشَه الشيخُ فقال: " ونسبةُ الجرِّ والرفعِ، والجرِّ والنصبِ للواوِ ليس بصحيحٍ؛ لأنَّ الصحيحَ من المذاهبِ أنَّ حرفَ العطفِ لا يعملُ " قلت: وقد ناقشه الشيخُ شهابُ الدين أبو شامةَ أيضاً فقال: " فمنهم مَنْ يقولُ: هو على هذه القراءةِ أيضاً - يعني قراءةَ الرفعِ - عطفٌ على عاملَيْنِ وهما حرفُ " في " ، والابتداءُ المقتضي للرفعِ. ومنهم مَنْ لا يُطْلِقُ هذه العبارةَ في هذه القراءةِ؛ لأنَّ الابتداءَ ليس بعاملٍ لفظي ".

وقُرئ " واختلافُ " بالرفعِ " آيةٌ " بالرفعِ والتوحيدِ على الابتداء والخبر، ...

وقال القرطبي

وقراءة العامة «وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ» «وتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ» بالرفع فيهما. وقرأ حمزة والكسائي بكسر التاء فيهما. ولا خلاف في الأوّل أنه بالنصب على اسم «إنّ» وخبرها «فِي السَّمَوَاتِ». ووجه الكسر في «آيَات» الثاني العطف على ما عملت فيه التقدير: إن في خلقكم وما يبث من دابة آياتٍ. فأما الثالث فقيل: إن وجه النصب فيه تكرير «آيَاتٌ» لما طال الكلام كما تقول: ضربت زيداً زيداً. وقيل: إنه على الحمل على ما عملت فيه «إنّ» على تقدير حذف «في» التقدير: وفي ٱختلاف الليل والنهار آيات. فحذفت «في» لتقدّم ذكرها. وأنشد سيبويه في الحذف:
أكُلَّ ٱمرىء تَحْسِبِين ٱمرأً ونارٍ تَوَقُّدُ بالليل نارا
فحذف «كل» المضاف إلى نار المجرورة لتقدّم ذكرها. وقيل: هو من باب العطف على عاملين. ولم يُجِزه سيبويه، وأجازه الأخفش وجماعة من الكوفيين فعطف «واخْتِلاَفِ» على قوله: { وَفِي خَلْقِكُمْ } ثم قال: { وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ آيَاتٌ } فيحتاج إلى العطف على عاملين، والعطف على عاملين قبيح من أجل أن حروف العطف تنوب مناب العامل، فلم تَقْوَ أن تنوب مناب عاملين مختلفين إذ لو ناب مناب رافع وناصب لكان رافعاً ناصباً في حال. وأما قراءة الرفع فحملا على موضع «إن» مع ما عملت فيه. وقد ألزم النحويون في ذلك أيضاً العطف على عاملين لأنه عَطَف «وَاخْتِلاَفِ» على «وفِي خَلْقِكُمْ»، وعطف «آيَات» على موضع «آيات» الأوّل، ولكنه يقدّر على تكرير «في». ويجوز أن يرفع على القطع مما قبله فيرفع بالابتداء، وما قبله خبره، ويكون عطف جملة على جملة. وحكى الفراء رفع «واختِلاف» و «آيات» جميعاً، وجعل الاختلاف هو الآيات.

وقال ابن عاشور

وقوله { آياتٌ لقوم يعقلون } برفع { آيات } فيهما على أنهما مبتدآن وخبراهما المجروران. وتقدّر في محذوفة في قوله { واختلاف الليل والنهار } لدلالة أختها عليها التي في قوله { وفي خلقكم }. والعطف في كلتا الجملتين عطف جملة لا عطف مفرد.وقرأها حمزة والكسائي وخلف { لآيات } في الموضعين بكسرة نائبة عن الفتحة فـــ { آياتٍ } الأول عطف على اسم { إنَّ } و { في خلقكم } عطف على خبر { إنّ } فهو عطف على معمولي عامل واحد ولا إشكال في جوازه وأما { آيات لقوم يعقلون } فكذلك، إلا أنه عطف على معمولي عَامِلَيْن مختلفين، أي ليسا مترادفين هما إنّ وفي على اعتبار أن الواو عاطفة { آيَات } وليست عاطفة جملة { في خلقكم } الآية، وهو جائز عند أكثر نحاة الكوفة وممنوع عند أكثر نحاة البصرة، ولذلك تأول سيبويه هذه القراءة بتقدير في عند قوله { واختلاف الليل والنهار } لدلالة أختها عليها وتبقى الواو عاطفة { آياتٍ } على اسم إنّ فلا يكون من العطف على معمولي عاملين.والحق ما ذهب إليه جمهور الكوفيين وهو كثير كثرة تنبو عن التأويل. وجعل ابن الحاجب في «أماليه» قراءة الجمهور برفع { آياتٌ } في الموضعين أيضاً من العطف على معمولي عاملين لأن الرفع يحتاج إلى عَاملٍ كما أن النصب يحتاج إلى عَاملٍ قال وأكثر الناس يفرض الإشكال في قراءة النصب لكون العامل لفظيًّا وهما سواء

اسامة محمد خيري
20-08-2019, 14:40
الجوهرة السابعة والتسعون

وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ }

قال السمين

قوله: { إِنَّ وعْدَ اللَّهِ }: العامَّةُ على كسرِ الهمزةِ: لأنها مَحْكِيَّةٌ بالقولِ. والأعرج وعمرو بن فائد بفتحها. وذلك مُخَرَّجٌ على لغة سُلَيْمٍ: يُجْرُون القولَ مُجْرى الظنِّ مطلقاً. وفيه قولُه:
4036 ـ إذا قلتُ أنِّي آيِبٌ أهلَ بلدةٍ ........................
قوله: " والساعةُ " قرأ حمزة بنصبِها عطفاً على " وعدَ الله ". والباقون برفعها، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ: الابتداءُ وما بعدها من الجملةِ المنفيَّة خبرُها. الثاني: العطفُ على محلِّ اسم " إنَّ " لأنَّه/ قبل دخولِها مرفوعٌ بالابتداءِ. الثالث: أنه عطفٌ على محلِّ " إنَّ " واسمِها معاً؛ لأنَّ بعضَهم كالفارسيِّ والزمخشريِّ يَرَوْنَ أنَّ لـ " إنَّ " واسمِها موضعاً، وهو الرفعُ بالابتداء

{ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً }

قال السمين

قوله: { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ }: يجوزُ أَنْ يكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ، لأنه لَمَّا تقدَّمَ: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ } دَلَّ على ذلك المقدَّرِ أي: هو أي: الرسولُ بالهدى محمدٌ، و " رسولُ " بدلٌ أو بيانٌ أو نعتٌ، وأن يكونَ مبتدأً أو خبراً، وأن يكونَ مبتدأً و " رسولُ اللَّهِ " على ما تقدَّم من البدلِ والبيانِ والنعتِ. و " الذين معه " عطفٌ على " محمدٌ " والخبرُ عنهم قوله: { أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ }. وابن عامر في روايةٍ " رسولَ الله " بالنصبِ على الاختصاصِ، وهي تؤيِّدُ كونَه تابعاً لا خبراً حالةَ الرفعِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ " والذين " على هذا الوجه مجروراً عطفاً على الجلالة أي: ورسولُ الذين آمنوا معه؛ لأنه لَمَّا أُرْسِل إليهم أُضيف إليهم فهو رسولُ اللَّهِ بمعنى: أنَّ اللَّهَ أرسله، ورسولُ أمتِه بمعنى: أنه مُرْسَلٌ إليهم، ويكون " أشدَّاءُ " حينئذٍ خبرَ مبتدأ مضمر أي: هم أشدَّاء. ويجوزُ أَنْ يكونَ تَمَّ الكلام على " رسولُ الله " و " الذين معه " مبتدأٌ و " أشدَّاءُ " خبره.....

قوله: { وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ } يجوزُ فيه وجهان، أحدُهما: أنَّه مبتدأٌ وخبرُه " كزَرْعٍ " فيُوقَفُ على قولِه: " في التوراة " فهما مَثَلان. وإليه ذهب ابن عباس. والثاني: أنه معطوفٌ على " مَثَلُهم " الأولِ، فيكونُ مَثَلاً/ واحداً في الكتابَيْن، ويُوْقَفُ حينئذٍ على " الإِنجيل " وإليه نحا مجاهدٌ والفراء، ويكون قولُه على هذا: " كزَرْع " فيه أوجهٌ، أحدها: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: مَثَلُهم كزَرْعٍ، فَسَّر بها المثل المذكور. الثاني: أنه حالٌ من الضمير في " مَثَلُهم " أي: مُماثِلين زَرْعاً هذه صفتُه. الثالث: أنها نعتُ مصدرٍ محذوفٍ أي: تمثيلاً كزرع، ذكره أبو البقاء. وليس بذاك. وقال الزمخشريُّ: " ويجوزُ أَنْ يكونَ " ذلك " إشارةً مُبْهَمَةً أُوْضِحَتْ بقولِه: " كَزَرْع " كقوله: { وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ } ".

وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ }

قال السمين

قوله: { وَقَوْمَ نُوحٍ }: قرأ الأخَوان وأبو عمرو بجرِّ الميم، والباقون/ بنصبها. وأبو السَّمَّال وابن مقسم وأبو عمرو في روايةِ الأصمعيِّ " وقومُ " بالرفع. فأمَّا الخفضُ ففيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه معطوفٌ على " وفي الأرض ". الثاني: أنه معطوفٌ على " وفي موسى " الثالث: أنه معطوفٌ على " وفي عاد ". الرابع: أنه معطوفٌ على " وفي ثمودَ " ، وهذا هو الظاهرُ لقُرْبِه وبُعْدِ غيرِه. ولم يذكرْ الزمخشريُّ غيرَه فإنه قال: " وقُرِىء بالجرِّ على معنى " وفي قوم نوح ". ويُقَوِّيه قراءةُ عبد الله " وفي قوم نوح ". ولم يَذْكُرْ أبو البقاء غيرَ الوجهِ الأخيرِ لظهورِه.

وأمّا النصبُ ففيه ستةُ أوجهٍ، أحدها: أنه منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ أي: وأهلَكْنا قومَ نوح؛ لأنَّ ما قبلَه يَدُلُّ عليه. الثاني: أنه منصوبٌ بـ اذْكُرْ مقدراً، ولم يَذْكُرْ الزمخشريُّ غيرَهما. الثالث: أنَّه منصوبٌ عطفاً على مفعول " فأَخَذْناه ". الرابع: أنه معطوفٌ على مفعول { فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ } وناسَبَ ذلك أنَّ قومَ نوح مُغْرقون من قبلُ. لكنْ يُشْكِلُ أنَّهم لم يَغْرَقوا في اليمِّ. وأصلُ العطفِ أَنْ يقتضيَ التشريكَ في المتعلَّقات. الخامس: أنَّه معطوفٌ على مفعولِ " فَأَخَذَتْهم الصاعقةُ ". وفيه إشكالٌ؛ لأنهم لم تأخُذْهم الصاعقةُ، وإنما أُهْلكوا بالغَرَقِ. إلاَّ أَنْ يُرادَ بالصاعقةِ الداهيةُ والنازلةُ العظيمة من أيِّ نوع كانت، فيَقْرُبُ ذلك. السادس: أنه معطوفٌ على محلِّ " وفي موسى " ، نقله أبو البقاء وهو ضعيفٌ.

وأما الرفعُ على الابتداءِ والخبرُ مقدَّرٌ أي: أهلَكْناهم. وقال أبو البقاء: " والخبرُ ما بعدَه " يعني مِنْ قولِه: إنهم كانوا قوماً فاسقين. ولا يجوز أَنْ يكونَ مرادُه قولَه: " من قبلُ "؛ إذ الظرفُ ناقصٌ فلا يُخبَرُ به.

اسامة محمد خيري
20-08-2019, 14:44
الجوهرة الثامنة والتسعون

وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ }

قال السمين

قوله: { وَالَّذِينَ آمَنُواْ }: فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه مبتدأٌ، والخبرُ الجملةُ من قولِه: { أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } والذُّرِّيَّةُ هنا تَصْدُق على الآباء وعلى الأبناء أي: إنَّ المؤمنَ إذا كان عملُه أكبرَ أُلْحِقَ به مَنْ دونَه في العمل، ابناً كان أو أباً، وهو منقولٌ عن ابن عباس وغيرِه. والثاني: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ. قال أبو البقاء: " على تقدير وأكرَمْنا الذين آمنوا ". قلت: فيجوزُ أَنْ يريدَ أنه من باب الاشتغالِ وأنَّ قولَه: { أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } مُفَسِّر لذلك الفعلِ من حيث المعنى، وأَنْ يريدَ أنه مضمرٌ لدلالةِ السياقِ عليه، فلا تكونُ المسألةُ من الاشتغالِ في شيء.

والثالث: أنه مجرورٌ عطفاً على " حورٍ عينٍ ". قال الزمخشري: " والذين آمنوا معطوفٌ على " حورٍ عينٍ " أي: قَرَنَّاهم بالحورِ وبالذين آمنوا أي: بالرُّفَقاءِ والجُلَساءِ منهم، كقوله:
{ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ }
[الحجر: 47] فيتمتَّعون تارةً بملاعبةِ الحُور، وتارةً بمؤانسةِ الإِخوانِ ". ثم قال الزمخشري: " ثم قال تعالى: { بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } أي: بسببِ إيمانٍ عظيمٍ رفيعِ المحلِّ وهو إيمانُ الآباءِ أَلْحَقْنا بدَرَجَتِهم ذرِّيَّتَهم، وإنْ كانوا لا يَسْتَأهِلُونها تَفَضُّلاً عليهم ".

قال الشيخ: " ولا يتخيَّلُ أحدٌ أنَّ " والذين آمنوا " معطوفٌ على " بحورٍ عينٍ " غيرُ هذا الرجلِ، وهو تخيُّلُ أعجميٍّ مُخالفٍ لِفَهْمِ العربيِّ القُحِّ ابنِ عباسٍ وغيرِه ". قلت: أمَّا ما ذكره أبو القاسم من المعنى فلا شكَّ في حُسْنِه ونَضارَتِه، وليس في كلامِ العربيِّ القُحِّ ما يَدْفَعُه، بل لو عُرِض على ابنِ عباسٍ وغيرِه لأَعْجبهم. وأيُّ مانعٍ معنوي أو صناعي يمنعُه

وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ }

قال السمين

قوله: { وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ }: العامَّة على كسرِ القافِ ورفعِ الراءِ اسمَ فاعلٍ ورفعِه خبراً لـ " كل " الواقعِ مبتدأً. وقرأ شَيْبَةُ بفتح القافِ، وتُروَى عن نافعٍ. قال أبو حاتم: " لا وجهَ لها " وقد وَجَّهها غيرُه على حَذْفِ مضافٍ، أي: وكلُّ أمرٍ ذو استقرار، أو زمانَ استقرارٍ أو مكانَ استقرارٍ، فجاز أن يكونَ مصدراً، وأن يكون ظرفاً زمانياً أو مكانياً، قال معناه الزمخشري.

وقرأ أبو جعفر وزيد بن علي بكسر القاف وجَرِّ الراء وفيها أوجهٌ، أحدُها: ولم يَذْكُرْ الزمخشريُّ غيرَه أَنْ يكونَ صفةً لأمر. ويرتفعُ " كلُّ " حينئذٍ بالعطفِ على " الساعة " ، فيكونُ فاعلاً، أي: اقتربَتِ الساعةُ وكلُّ أمرٍ مستقرٍ. قال الشيخ: " وهذا بعيدٌ لوجودِ الفصلِ بجملٍ ثلاثٍ، وبعيدٌ أَنْ يوجدَ مثلُ هذا التركيبِ في كلام العربِ نحو: أكلتُ خبزاً، وضربْتُ خالداً، وإن يَجِىءْ زيدٌ أُكْرِمْه، ورَحَل إلى بني فلان، ولحماً، فيكونُ " ولحماً " معطوفاً على " خبزاً " بل لا يوجَدُ مثلُه في كلام العربِ. انتهى ". قلت: وإذا دلَّ دليلٌ على المعنى فلا نبالي بالفواصلِ. وأين فصاحةُ القرآن من هذا التركيبِ الذي ركَّبه هو حتى يَقيسَه عليه في المنع؟

الثاني: أَنْ يكونَ " مُسْتقرٍ " خبراً لـ " كلُّ أمرٍ " وهو مرفوعٌ، إلاَّ أنه خُفِضَ على الجِوار، قاله أبو الفضل الرازي. وهذا لا يجوزُ؛ لأن الجِوارَ إنما جاء في النعتِ أو العطفِ، على خلافٍ في إثباته، كما قدَّمْتُ لك الكلامَ فيه مستوفى في سورةِ المائدة. فكيف يُقال في خبر المبتدأ: هذا ما لا يجوزُ؟ الثالث: أنَّ خبرَ المبتدأ قولُه " حكمةٌ بالغةٌ " أخبر عن كلِّ أمرٍ مستقرٍ بأنَّه حكمةٌ بالغةٌ، ويكون قولُه: " ولقد جاءهم من الأنباءِ ما فيه مُزْدَجَرٌ " جملةَ اعتراضٍ بين المبتدأ وخبرِه. الرابع: أنَّ الخبرَ مقدرٌ، فقدَّره أبو البقاء: معمولٌ به، أو أتى. وقدَّره غيرُه: بالغوه لأنَّ قبلَه { وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ } ، أي: وكلُّ أمرٍ مستقرٍّ لهم في القَدَر مِن خيرٍ أو شرٍّ بالغوه.

وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ }

قال السمين

قوله: { وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ }: قرأ ابنُ عامر بنصب الثلاثة. وفيه ثلاثةُ أوجهٍ: النصبُ على الاختصاص، أي: وأخُصُّ الحبَّ، قاله الزمخشري. وفيه نظرٌ؛ لأنه لم يَدْخُلْ في مُسَمَّى الفاكهة والنخل حتى يَخُصَّه مِنْ بَيْنِها، وإنما أراد إضمارَ فعلٍ وهو أَخَصُّ، فليس هو الاختصاصَ الصناعيَّ. الثاني: أنَّه معطوفٌ على الأرض. قال مكي: " لأنَّ قولَه " والأرضَ وَضَعَها " ، أي: خلقها، فعطف " الحَبَّ " على ذلك ". الثالث: أنَّه منصوبٌ بـ " خَلَق " مضمراً، أي: وخلق الحَبَّ. قال مكي: " أو وخَلَقَ الحَبَّ " وقرأ به موافقةً لرَسْم مصاحِف بلده، فإنَّ مصاحفَ الشامِ " ذا " بالألف. وجَوَّزوا في " الرَّيْحان " أن يكونَ على حَذْفِ مضافٍ، أي: وذا الريحان فحُذِفَ/ المضافُ، وأٌقيم المضافُ إليه مُقامَه كـ
{ وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ }
[يوسف: 82].

وقرأ الأخَوان برفع الأَوَّلين وجَرِّ " الرَّيْحان " عطفاً على " العَصْفِ " ، وهي تؤيِّدُ قولَ مَنْ حذفَ المضافَ في قراءةِ ابنِ عامرٍ. والباقون برفع الثلاثةِ عطفاً على فاكهة، أي: وفيها أيضاً هذه الأشياءُ. ذكر أولاًّ ما يتلذَّذُون به من الفواكه، وثانياً الشيءَ الجامعَ بين التلذُّذِ والتغذِّي وهو ثَمَرُ النَخْلِ، وثالثاً ما يَتَغَذَّى به فقط، وهو أعظمُها، لأنه قُوْتُ غالبِ الناسِ. ويجوز في الرَّيْحان على هذه القراءةِ أَنْ يكونَ معطوفاً على ما قبلَه، أي: وفيها الرَّيْحانُ أيضاً، وأَنْ يكونَ مجروراً بالإِضافةِ في الأصلِ، أي: وذو الرَّيحْان ففُعِلَ به ما تقدَّم.

اسامة محمد خيري
20-08-2019, 14:52
الجوهرة التاسعة والتسعون

{ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ }

قال السمين

قوله: { شُوَاظٌ }: قرأ ابن كثير بكسر الشين. والباقون بضمِّها، وهما لغتان بمعنىً واحدٍ. والشُواظُ: قيل: اللَّهَبُ معه دُخانٌ. وقيل: بل هو اللهبُ الخالِصُ. وقيل: اللَّهَبُ الأحمرُ. وقيل: هو الدخانُ الخارجُ مِن اللهَب. وقال رؤبة:
4178ـ ونارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظا
وقال حسان:
4179ـ هَجَوتُكَ فاخْتَضَعْتَ لها بذُلٍّ بقافِيَة تَأَجَّجُ كالشُّواظِ
و " يُرْسَلُ " مبنيٌّ للمفعولِ؛ وهو قراءةُ العامَّةِ. وزيد بن علي " نُرْسِلُ " بالنونِ، " شواظاً ونُحاساً " بالنصب. و " مِنْ نار " صفةٌ لشواظ أو متعلِّقٌ بـ " يُرْسَلُ ".

قوله: " ونُحاس " قرأ ابنُ كثير وأبو عمروٍ بجرِّه عطفاً على " نارٍ " ، والباقون برفعِه عطفاً على " شُواظ ". والنحاس قيل: هو الصُّفْرُ المعروفُ، يذيبه اللَّهُ تعالى ويُعَذِّبهم به. وقيل: الدخان الذي لا لَهَبَ معه

وقال القرطبي

وَنُحَاسٌ } قراءة العامة «وَنُحَاسٌ» بالرفع عطف على «شُوَاظ». وقرأ ٱبن كثير وٱبن محيصن ومجاهد وأبو عمرو «ونُحَاسٍ» بالخفض عطفاً على النار. قال المهدوي: من قال إن الشّواظ النارُ والدخان جميعاً فالجر في «نُحَاس» على هذا بيّن. فأما الجر على قول من جعل الشواظ اللهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف كأنه قال: { يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ } وشيء من نحاس فشيء معطوف على شواظ، ومن نحاس جملة هي صفة لشيء، وحذف شيء، وحذفت مِن لتقدم ذكرها في «مِنْ نَارٍ» كما حذفت على من قولهم: على من تنزل أنزل أي عليه. فيكون «نُحَاس» على هذا مجروراً بمن المحذوفة. وعن مجاهد وحُميد وعكرمة وأبي العالية «ونِحاسٍ» بكسر النون لغتان كالشِّواظ والشُّواظ. والنِّحاس بالكسر أيضاً الطبيعة والأصل يقال: فلان كريم النِّحاس والنُّحاس أيضاً بالضم أي كريم النِّجار. وعن مسلم بن جُنْدَب «ونَحْسٌ» بالرفع. وعن حنظلة بن مرّة بن النعمان الأنصاري «ونَحْسٍ» بالجر عطف على نار. ويجوز أن يكون «ونِحاسٍ» بالكسر جمع نَحْسٍ كصَعْب وصِعاب «ونَحْسٌ» بالرفع عطف على «شواظ» وعن الحسن «ونُحُسٍ» بالضم فيها جمع نَحْس. ويجوز أن يكون أصله ونُحُوس فقصر بحذف واوه حسب ما تقدّم عند قوله:{ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } [النحل:16]. وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة «وَنَحُسُّ» بفتح النون وضم الحاء وتشديد السين من حَسَّ يَحُسّ حَسًّا إذا ٱستأصل ومنه قوله تعالى:{ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } [آل عمران:152] والمعنى ونقتل بالعذاب. وعلى القراءة الأولى «ونُحَاسٌ» فهو الصُّفْر المذاب يُصَبُّ على رؤوسهم قاله مجاهد وقتادة، وروي عن ٱبن عباس. وعن ٱبن عباس أيضاً وسعيد بن جُبير أن النحاس الدخان الذي لا لهب فيه وهو معنى قول الخليل وهو معروف في كلام العرب بهذا المعنى قال نابغة بني جَعْدة:
يُضِيءُ كضَوْءِ سِرَاج السَّلِيـ ـطِ لم يَجْعَلِ اللَّهُ فيه نُحَاسَا
قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول السَّليط دهن السّمسم بالشام ولا دخان فيه. وقال مقاتل: هي خمسة أنهار من صُفْر مُذَاب، تجري من تحت العرش على رؤوس أهل النار ثلاثة أنهار على مقدار الليل ونهران على مقدار النهار. وقال ٱبن مسعود: النُّحَاس المُهْل. وقال الضحاك: هو دُرْديّ الزَّيت المغليّ. وقال الكسائي: هو النار التي لها ريح شديدة.

اسامة محمد خيري
21-08-2019, 12:40
الجوهرة المائة

وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ }

قال السمين:

قوله: { وَٱلَّذِينَ آمَنُوا }: [مبتدأ] و " أولئك " مبتدأ ثان و " هم " يجوز أَنْ يكونَ مبتدأ ثالثاً و " الصِّدِّيقون " خبرُه، وهو مع خبرِه خبرُ الثاني، والثاني وخبرُهُ خبرُ الأول. ويجوزُ أَنْ يكون " هم " فصلاً فأولئك وخبرُه خبرُ الأول.

قوله { وَٱلشُّهَدَآءُ } يجوز فيه وجهان: أنه معطوفٌ على ما قبلَه، ويكون الوقفُ على الشهداء تاماً. أخبر عن الذين آمنوا أنهم صِدِّيقون شهداءُ. فإنْ قيل: الشهداءُ مخصوصون بأوصافٍ أُخَرَ زائدةٍ على ذلك كالسبعَةِ المذكورين. أجيب: بأنَّ تَخْصِيصَهم بالذِّكْر لشَرَفِهم على غيرِهم لا للحَصْر.

والثاني: أنه مبتدأٌ، وفي خبرِه وجهان، أحدهما: أنه الظرفُ بعده. والثاني: أنه قولُه " لهم أَجْرهُم " إمَّا الجملةُ، وإمَّا الجارُّ وحدَه، والمرفوع فاعلٌ به. والوقفُ لا يَخْفَى على ما ذكَرْتُه من الإِعراب

وقال ابن كثير

قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى { وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ } هذه مفصولة { وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ } وقال أبو الضحى { أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ } ثم استأنف الكلام فقال { وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ } وهكذا قال مسروق والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم. وقال الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى { أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ } قال هم ثلاثة أصناف يعني المصدقين، والصديقين، والشهداء كما قال تعالى{ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ } النساء 69 ففرق بين الصديقين والشهداء، فدل على أنهما صنفان، ولا شك أن الصديق أعلى مقاماً من الشهيد كما رواه الإمام مالك بن أنس، رحمه الله، في كتابه " الموطأ " عن صفوان بن سليم، عن عطاء ابن يسار، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل مابينهم " قالوا يارسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال " بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين " اتفق البخاري ومسلم على إخراجه من حديث مالك، به. وقال آخرون بل المراد من قوله تعالى { أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ } فأخبر عن المؤمنين با لله ورسله بأنهم صديقون وشهداء، حكاه ابن جرير عن مجاهد، ثم قال ابن جرير حدثني صالح بن حرب أبو مَعْمَر، حدثنا إسماعيل بن يحيى، حدثنا ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن البراء بن عازب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " مؤمنو أمتي شهداء " قال ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية { وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ } هذا حديث غريب.

اسامة محمد خيري
21-08-2019, 12:48
الجوهرة الواحدة بعد المائة

{ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ }

قال السمين:

قوله: { وَجِبْرِيلُ } يجوزُ أَنْ يكون عطفاً على اسمِ الله تعالى ورُفِعَ نظراً إلى محلِّ اسمِها، وذلكَ بعد استكمالِها خبرَها، وقد عَرَفْتَ مذاهبَ الناسِ فيه، ويكونَ " جبريلُ " وما بعده داخلَيْن في الولايةِ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ويكونَ جبريلُ ظهيراً له بدخولِه في عمومِ الملائكةِ، ويكونَ " الملائكة " مبتدأً و " ظهيرٌ " خبرَه، أُفْرِدَ لأنه بزنةِ فَعيل. ويجوزُ أَنْ يكونَ الكلامُ تمَّ عند قولِه: " مَوْلاه " ويكونُ " جبريل " مبتدأ، وما بعده عَطْفٌ عليه.

و " ظهيرٌ " خبرُ الجميع، فتختصُّ الولايةُ بالله، ويكون " جبريل " قد ذُكر في المعاونةِ مرَّتين: مرةً بالتنصيصِ عليه، ومرةً بدخولِه في عموم الملائكةِ، وهذا عكس ما في البقرة مِنْ قوله: { مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ } فإنه ذكر الخاصَّ بعد العامِّ تشريفاً له، وهنا ذُكِر العامُّ بعد الخاصِّ، لم يَذْكُرِ الناسُ إلاَّ القسمَ الأول.

وقوله: { وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ } الظاهرُ أنه مفردٌ، ولذلك كُتب بالحاء دونَ واوِ الجمع. وجَوَّزوا أن يكونَ جمعاً بالواو والنون، حُذِفَتْ النونُ للإِضافة، وكُتِبَ دون واوٍ اعتباراً بلفظه لأنَّ الواوَ ساقطةٌ لالتقاء الساكنين نحو:{ وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ } بالشورى: 24] و{ يَدْعُ ٱلدَّاعِ } { سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ } [العلق: 18] إلى غيرِ ذلك، ومثل هذا ما جاء في الحديثِ: " أهلُ القرآن أهلُ الله وخاصَّتُه " قالوا: يجوز أن يكونَ مفرداً، وأن يكونَ جمعاً كقولِه:{ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا } [الفتح: 11] وحُذِفَتِ الواوُ لالتقاء الساكنين لفظاً، فإذا كُتِب هذا فالأحسنُ أَنْ يُكتبَ بالواوِ لهذا الغرضِ، وليس ثَمَّ ضرورةٌ لحَذْفِها كما مَرَّ في مرسوم الخط.

وجَوَّزَ أبو البقاء في " جبريلُ " أن يكونَ معطوفاً على الضمير في " مَوْلاه " يعني المستتَر، وحينئذ يكون الفصلُ بالضميرِ المجرورِ كافياً في تجويزِ العطفِ عليه. وجوَّز أيضاً أَنْ يكونَ مبتدأ و " صالحُ " عطفٌ عليه. والخبرُ محذوفٌ أي: مَواليه.

{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَآ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

قال السمين

قوله: { وَيُدْخِلَكُمْ } قراءةُ العامةِ بالنصبِ عطفاً على " يُكَفِّر " وابنُ أبي عبلة بسكون الراء، فاحتمل أَنْ يكونَ من إجراء المنفصل مُجْرَى المتصل، فسَكَنَتِ الكسرةُ؛ لأنه يُتَخيل من مجموع " يُكَفِّرَ عنكم " مثل: نِطَع وقِمَع فيقال فيهما: نِطْع وقِمْع. ويُحتمل أَنْ يكونَ عطفاً على محلِّ " عسى أَنْ يُكَفِّر " كأنه قيل: تُوبوا يُوْجبْ تكفيرَ سيئاتِكم ويُدْخِلْكم، قاله الزمخشري، يعني أنَّ " عسى " في محلِّ جزم جواباً للأمر؛ لأنه لو وقع موقعَها مضارع لا نجزم كما مَثَّل به الزمخشري، وفيه نظرٌ؛ لأنَّا لا نُسَلِّمُ أنَّ " عسى " جوابٌ، ولا تقع جواباً لأنها للإِنشاء.

قوله: { يَوْمَ لاَ يُخْزِى } منصوبٌ بـ " يُدْخلكم " أو بإضمار اذكُرْ.

قوله: { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ } يجوز فيه وجهان أحدُهما:/ أن يكونَ مَنْسوقاً على النبيِّ [أي]: ولا يُخْزي الذين آمنوا. فعلى هذا يكون " نُورُهم يسعى " مستأنفاً أو حالاً. والثاني: أن يكونَ مبتدأ، وخبره " نورُهم يَسْعى " و " يقولون " خبرٌ ثانٍ أو حال. وتقدَّم إعرابُ مثلِ هذه الجملِ في الحديد فعليك باعتبارِه. وتقدَّمَ إعرابُ ما بعدَها في براءة.

وقال الماتريدى

وقوله - تعالى -: { وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ }.

وللمعتزلة بهذه الآية تعلق، وهو أن قالوا بأن الله تعالى أخبر أنه لا يخزي النبي والمؤمنين، والإخزاء يقع بالعذاب؛ فقد وعد ألا يعذب الذين آمنوا، ولو كان أصحاب الكبائر مؤمنين لم يخف عليهم العذاب؛ إذ قد وعد ألا يخزي المؤمنين ومن قولكم: إنهم يُخاف عليهم العقاب؛ فثبت أنهم ليسوا بمؤمنين.

ولكن نقول: إن هذا السؤال يلزمهم من الوجه الذي أرادوا إلزام خصومهم؛ لأن في الآية وعدا بألا يخزي الذين آمنوا، وهم مقرون بأن أهل الكبائر ممن قد آمنوا، ولكنهم بعد ارتكابهم الكبائر ليسوا بمؤمنين، والآية لم تنطق بنفي الإخزاء عن المؤمنين؛ لأنه لم يقل: يوم لا يخزي الله النبي والمؤمنين، وإنما قال: { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ } ، وهم يقطعون القول بإخزاء من قد آمن؛ فصاروا هم المحجوجين بهذه الآية، ثم حق هذه الآية عندنا أن نقف على قوله: { ٱلنَّبِيَّ } ، أي: لا يخزيه الله تعالى في أن يرد شفاعته أو يعذبه، وقوله: { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ } ، ابتداء كلام وخبره { نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ }؛ وهو كقوله - تعالى -:{ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ } [آل عمران: 7].

أو لا نخزي الذين آمنوا بعد شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.

ويحتمل أن الإخزاء هو الفضيحة، أي: لا يفضحهم يوم القيامة بين أيدي الكفار، ويجوز أن يعذبهم على وجه لا يقف عليه الكفرة، والخزي: هو الفضيحة، وهتك الستر، ولا يفعل ذلك بالمؤمنين بفضله، والله أعلم.

اسامة محمد خيري
21-08-2019, 12:54
الجوهرة الثانية بعد المائة

وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً }

قال السمين

قوله: { وَدَانِيَةً }: العامة على نصبِها وفيها أوجهٌ، أحدُها: أنها عطفُ على محلِّ " لا يَرَوْن ". الثاني: أنها معطوفة على " مُتَّكئين " ، فيكونُ فيها ما فيها. قال الزمخشري: " فإنْ قلتَ: ودانيةً عليهم ظلالُها علامَ عُطِف؟ قلت: على الجملةِ التي قبلها، لأنَّها في موضع الحال من المَجْزِيِّيْنَ، وهذه حالٌ مثلُها عنهم، لرجوعِ الضميرِ منها إليهم في " عليهم " إلاَّ أنَّها اسمٌ مفردٌ، وتلك جماعةٌ في حكمِ مفردٍ، تقديره: غيرَ رائين فيها شَمْساً ولا زَمْهريراً ودانية. ودخلت الواوُ للدَّلالة على أن الأمرَيْن مجتمعان لهم. كأنَّه قيل: وجَزاهم/ جنةً جامِعِيْنَ فيها: بين البُعْدِ عن الحَرِّ والقُرِّ ودُنُوِّ الظِّلالِ عليهم. الثالث: أنها صفةٌ لمحذوفٍ أي: وجنةً دانِيَةً، قاله أبو البقاء. الرابع: أنها صفةٌ لـ " جنةٌ " الملفوظِ بها، قاله الزجَّاج.

وقرأ أبو حيوةَ " ودانِيَةٌ " بالرفع. وفيها وجهان، أظهرهما: أَنْ يكونَ " ظلالُها " مبتدأ و " دانيةٌ " خبرٌ مقدمٌ. والجملةُ في موضعِ الحال. قال الزمخشري: " والمعنى: لا يَرَوْنَ فيها شَمْساً ولا زَمْهريراً، والحالُ أنَّ ظلالَها دانِيَةٌ عليهم ". والثاني: أَنْ ترتفعَ " دانيةٌ " بالابتداء، و " ظلالُها " فاعلٌ به، وبها استدلَّ الأخفشُ على جوازِ إعمالِ اسمِ الفاعلِ، وإنْ لم يَعْتَمِدْ نحو: " قائمٌ الزيدون " ، فإنَّ " دانية " لم يعتمِدْ على شيءٍ مِمَّا ذكره النَّحْويُّون، ومع ذلك فقد رُفِعَتْ " ظلالُها " وهذا لا حُجَّة له فيه؛ لجوازِ أَنْ يكونَ مبتدأً وخبراً مقدَّماً كما تقدَّم.

وقال أبو البقاء: " وحُكِيَ بالجَرِّ أي: في جنَّةٍ دانية. وهو ضعيفٌ؛ لأنه عُطِفَ على الضميرِ المجرورِ من غيرِ إعادةِ الجارِّ ". قلت: يعني أنَّه قُرِىء شاذاً " ودانِيَةٍ " بالجَرِّ على أنها صفةٌ لمحذوفٍ، ويكونُ حينئذٍ نَسَقاً على الضميرِ المجرورِ بالجَرِّ مِنْ قولِه: " لا يَرَوْنَ فيها " أي: ولا في جنةٍ دانيةٍ. وهو رَأْيُ الكوفيين: حيث يُجَوِّزون العطفَ على الضميرِ المجرورِ مِنْ غيرِ إعادةِ الجارِّ؛ ولذلك ضَعَّفَه، وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك مُشْبعاً في البقرة.

وأمَّا رَفْعُ " ظلالُها " فيجوزُ أَنْ يكونَ مبتدأً و " عليهم " خبرٌ مقدمٌ، ولا يرتفع بـ " دانية "؛ لأنَّ " دنا " يتعدَّى بـ " إلى " لا بـ " على ". والثاني: أنها مرفوعةٌ بـ " دانية " على أَنْ تُضَمَّن معنى " مُشْرِفَة " لأنَّ " دنا " و " أَشْرَفَ " يتقاربان، قال معناه أبو البقاء، وهذان الوجهان جاريان في قراءةِ مَنْ نصبَ " دانيةً " أيضاً

ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ }

قال السمين

قوله: { ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ }: العامَّةُ على رَفْعِ العينِ استئنافاً أي: ثم نحن نُتْبِعُهم، كذا قَدَّره أبو البقاء. وقال: " وليس بمعطوفٍ؛ لأنَّ العَطْفَ يوجِبُ أَنْ يكونَ المعنى: أَهْلَكْنا الأوَّلِيْن، ثم أَتْبَعْناهم الآخِرين في الهلاكِ. وليس كذلكَ؛ لأنَّ هلاكَ الآخرين لم يَقَعْ بعدُ ". قلت: ولا حاجةَ في وجهِ الاستئنافِ إلى تقديرِ مبتدأ قبلَ الفعل، بل يُجْعَلُ الفعلُ معطوفاً على مجموع الجملةِ من قولِه: " ألم نُهْلِك " ويَدُّلُّ على هذا الاستئنافِ قراءةُ عبدِ الله " ثم سَنُتْبِعُهم " بسينِ التنفيسِ. وقرأ الأعرجُ والعباسُ عن أبي عمروٍ بتكسيِنها. وفيها وجهان، أحدُهما: أنه تسكينٌ للمرفوعِ فهو مستأنف كالمرفوعِ لفظاً. والثاني: أنَّه معطوفٌ على مجزومٍ. والمَعْنِيُّ بالآخِرين حينئذٍ قومُ شُعَيْبٍ ولوطٍ وموسى، وبالأوَّلِيْنَ قومُ نوحٍ وعادٍ وثمودَ.

{ فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ }

قال السمين

قوله: { وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ } عطفٌ على " قريةٍ " ، وكذلك و " قَصْرٍ " أي: وكأيِّن من بئرٍ وقصرٍ أَهْلكناها أيضاً، هذا هو الوجهُ. وفيه وجهٌ ثانٍ: أَنْ تكونَ معطوفةً وما بعدها على " عروشِها " أي: خاوية على بئرٍ وقصرٍ أيضاً. وليس بشيءٍ.

اسامة محمد خيري
22-08-2019, 14:50
الجوهرة الثالثة بعد المائة

فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً }

قوله تعالى: { فَقَاتِلْ }: في هذه الفاءِ خمسةُ أوجه، أحدها: أنها عاطفةٌ هذه الجملةَ على جملةِ قوله
{ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ }
[النساء: 74]. الثاني: أنها عاطفتها على جملةِ قوله
{ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ }
[النساء: 76]. الثالث: أنها عاطفتها على جملة قوله:
{ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ }
[النساء: 75]. الرابع: أنها عاطفتها على جملة قوله
{ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً }
[النساء: 74].الخامس: أنها جوابُ شرط مقدر أي: إنْ أردت فقاتِل، وأولُ هذه الأقوال هو الأظهر....

اسامة محمد خيري
22-08-2019, 15:04
{ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لأَيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }

قال السمين

قوله: " وجنَّات " الجمهور على كسر التاء من " جنات " لأنها منصوبة نسقاً على نبات أي: فأخرجنا بالماء النبات وجنات، وهو من عطف الخاص على العام تشريفاً لهذين الجنسين على غيرهما كقوله تعالى:{ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ } [البقرة: 98] وعلى هذا فقوله { وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ } جملةٌ معترضة وإنما جيء بهذه الجملة معترضة، وأبرزت في صورة المبتدأ والخبر تعظيماً للمِنَّة به؛ لأنه من أعظم قوت العرب؛ لأنه جامع بين التفكُّه والقوت، ويجوز أن ينتصب " جنات " نسقاً على " خضراً ". وجوَّز الزمخشري - وَجَعَلَهُ الأحسنَ - أن ينتصب على الاختصاص كقوله " والمقيمي الصلاة " قال: " بفضلِ هذين الصنفين " وكلامُهُ يُفْهم أن القراءة الشهيرة عنده برفع " جنات " ، والقراءة بنصبها شاذة، فإنه أولُ ما ذكر توجيهُ الرفع كما سيأتي، ثم قال: " وقرئ " وجنات " بالنصب " فذكر الوجهين المتقدمين.

وقرأ الأعمش ومحمد بن أبي ليلى وأبو بكر في رواية عنه عن عاصم " وجنات " بالرفع وفيها ثلاثة أوجه، أحدها: أنها مرفوعة بالابتداء، والخبر محذوف. واختلفت عبارة المعربين في تقديره: فمنهم مَنْ قَدَّره متقدِّماً، ومنهم من قَدَّره متأخراً، فقدَّره الزمخشري متقدماً أي: وثَمَّ جنات، وقدَّره أبو البقاء " ومن الكرم جنات " ، وهذا تقدير حسن لمقابلة قوله " ومن النخل " أي: من النخل كذا ومن الكرم كذا، وقَدَّره النحاس " ولهم جنَّات " ، وقدَّره ابن عطية: " ولكم جنات " ، ونظيره قراءة { وَحُورٌ عِينٌ } [الواقعة: 22] بعد قوله: { يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكوابٍ } أي: ولهم حورٌ عين، ومثل هذا اتَّفَقَ على جوازه سيبويهِ والكسائي والفراء.

وقدَّره متأخراً فقال: أي وجنات من أعناب أخرجناها. قال الشيخ: " ودل على تقديره [قوله] قبلُ " فأخرجنا " كما تقول: أكرمت عبد الله وأخوه أي: وأخوه أكرمته ". قلت: وهذا التقدير سبقه إليه ابن الأنباري، فإنه قال: " الجناتُ " رُفِعت بمضمر بعدها تأويلها: وجناتٌ من أعناب أخرجناها، فجرى مَجْرَى قول العرب: " أكرمت عبدَ الله وأخوه " تريد: وأخوه أكرمته. قال الفرزدق:
2020ـ غداةَ أحلَّتْ لابنِ أَصْرَمَ طَعْنَةٌ حصينٍ عَبيطاتِ السَّدائِفِ والخمرُ
فرفع " الخمر " وهي مفعولة، على معنى: والخمر أَحَلَّها الطعنة. الوجه الثاني: أن يرتفع عطفاً على " قنوان " ، تغليباً للجوار، كما قال الشاعر:
2021ـ...................... وزجَّجْنَ الحواجبَ والعيونا
فنسق " العيون " على " الحواجب " تغليباً للمجاورة، والعيونُ لا تُزَجَّج، كما أن الجنات من الأعناب لا يَكُنَّ من الطَّلْع، هذا نصُّ مذهب ابن الأنباري أيضاً، فتحصَّل له في الآية مذهبان، وفي الجملة فالجواب ضعيف، وقد تقدم أنه من خصائص النعت.

والثالث: أن يعطف على " قنوان ". قال الزمخشري: " على معنى: محاطة أو مُخْرجة من النخل قنوان، وجنات من أعناب أي: من نبات أعناب. قال الشيخ: " وهذا العطفُ هو على أن لا يُلْحَظَ فيه قيدٌ من النخل فكأنه قال: ومن النخل قنوان دانية وجنات من أعناب حاصلة كما تقول: " من بني تميم رجل عاقل ورجل من قريش منطلقان ". قلت: وقد ذكر الطبري أيضاً هذا الوجه أعني عطفها على " قنوان " ، وضعَّفه ابن عطية، كأنه لم يظهر له ما ظهر لأبي القاسم من المعنى المشار إليه، ومنع أبو البقاء عطفه على " قنوان " قال: " لأن العنب لا يخرج من النخل ". وأنكر أبو عبيد وأبو حاتم هذه القراءة. قال أبو حاتم: " هذه القراءة محال؛ لأن الجنات من الأعناب. لا تكون من النخل ". قلت: أمَّا جواب أبي البقاء فيما قاله الزمخشري، وأمَّا جوابُ أبي عبيد وأبي حاتم فيما تقدم من توجيه الرفع. و " من أعناب " صفة لجنات فتكون في محل رفع ونصب بحسب القراءتين، وتتعلق بمحذوف.

قوله: { وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ } لم يقرأهما أحد إلا منصوبين، ونصبهما: إمَّا عطفٌ على جنات وإمَّا على نبات، وهذا ظاهر قول الزمخشري، فإنه قال: " وقرئ " وجنات " بالنصب عطفاً على " نباتَ كل شيء " أي: وَأَخْرَجْنا به جناتٍ من أعناب،/ وكذلك قوله: والزيتونَ والرُّمَّان ".

ونصَّ أبو البقاء على ذلك فقال: " وجنات بالنصب عطفاً على نبات، ومثله: الزيتونَ والرمانَ ". وقال ابن عطية: " عطفاً على " حَبَّاً ". وقيل على " نبات " وقد تقدم لك أن في المعطوف الثالث فصاعداً احتمالين، أحدهما: عطفه على ما يليه، والثاني: عطفه على الأول نحو: مررت بزيدٍ وعمروٍ وخالد، فخالد يحتمل عطفه على زيد أو عمرو، وقد تقدم أن فائدة الخلاف تظهر في نحو: " مررت بك وبزيد وبعمرو " فإن جعلته عطفاً على الأول لَزِمَت الباء وإلاَّ جازت.

{ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } * { وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }

قال السمين

قوله { وَأَنَّ هَـٰذَا } قرأ الأخوان بكسر " إن " على الاستئناف و " فاتبعوه " جملة معطوفة على الجملة قبلها. وهذه الجملة الاتئنافية تفيد التعليل لقوله " فاتبعوه " ، ولذلك استشهد بها الزمخشري على ذلك كما تقدَّم، فعلى هذا يكون الكلام في الفاء في " فاتَّبِعوه " كالكلام فيها في قراءة غيرهما وستأتي.

وقرأ ابن عامر " وأَنْ " بفتح الهمزة وتخفيف النون، والباقون بالفتح أيضاً والتشديد. فأمَّا قراءة الجماعة ففيها أربعة أوجه، أحدها:ـ وهو الظاهر ـ أنها في محل نصب نَسَقاً على ما حرَّم أي: أتل ما حرم وأتل أنْ هذا صراطي، والمراد بالمتكلم النبي صلى الله عليه وسلم لأنَّ صراطه صراط لله عز وجل، وهذا قول الفراء قال: " بفتح " أن " مع وقوع " أتلُ " عليها يعني: أتل عليكم أنَّ هذا صراطي مستقيماً. والثاني: أنها منصوبة المحل أيضاً نسقاً على " أن لا تشركوا " إذا قلنا بأنَّ " أَنْ " المصدرية وأنها وما بعدها بدل من " ما حَرَّم " قاله الحوفي.


الثالث: أنها على إسقاط لام العلة أي: ولأنَّ هذا صراطي مستقيماً فاتَّبِعوه كقوله تعالى:{ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ } [الجن: 14] قال أبو علي: " من فتح " أنَّ " فقياس قول سيبويه أنَّه حَمَلها على " فاتَّبعوه " والتقدير: ولأن هذا صراطي مستقيماً فاتَّبعوه كقوله:{ وَأنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } [المؤمنون: 52]. قال سيبويه: " ولأن هذه أمتكم " وقال في قوله تعالى: " وأن المساجد لله ": ولأن المساجد ". قال بعضهم: وقد صرَّح بهذه اللام في نظير هذا التركيب كقوله تعالى:{ لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِهِمْ... فَلْيَعْبُدُواْ } [قريش: 1]، والفاء على هذا كهي في قولك: زيداً فاضرب، وبزيد فامرر. وقد تقدم تقريره في البقرة. قال الفارسي: " قياس قول سيبويه في فتح الهمزة أن تكون الفاء زائدة كهي في " زيد فقائم " قلت: سيبويه لا يجوِّز زيادتها في مثل هذا الخبر، وإنما أراد أبو علي بنظيرها في مجرد الزيادة وإن لم يَقُلْ به، بل قال به غيرُه. الرابع: أنها في محل جر نسقاً على الضمير المجرور في " به " أي: ذلكم وصَّاكم به وبأن هذا، وهو قول الفراء أيضاً. وردَّه أبو البقاء بوجهين أحدهما: العطف على الضمير المجرور من غير إعادةِ الجار. والثاني: أنه يصير المعنى: وَصَّاكم باستقامة الصراط وهذا فاسدٌ ". قلت: والوجهان مردودان، أمَّا الأول فليس هذا من باب العطف على المضمر من غير إعادة الجار لأن الجارَّ هنا في قوة المنطوق به، وإنما حُذِفَ لأنه يَطَّرد حَذْفُه مع أنَّ وأنْ لطولهما بالصلة، ولذلك كان مذهب الجمهور أنها في محل جر بعد حذفه لأنه كالموجود، ويدل على ما قلته ما قال الحوفي قال: " حُذِفت الباء لطول الصلة وهي مرادة، ولا يكون في هذا عَطْفُ مُظْهَرٍ على مضمر لإِرادتها ". وأمَّا الثاني فالمعنى صحيح غير فاسد؛ لأن معنى توصيتنا باستقامة الصراط أن لا نتعاطى ما يُخْرِجنا عن الصراط، فوصيتنا باستقامته مبالغة في اتباعه.

وأمَّا قراءةُ ابنِ عامر فقالوا: " أنْ " فيها مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الأمر والشأن أي: " وأنَّه " كقوله تعالى:{ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ } [يونس: 10] وقوله:
2122ـ............... أنْ هالكٌ كلُّ مَنْ يَْحفَى ويَنْتَعِلُ
وحينئذٍ ففيها أربعةُ الأوجه المذكورة في المشددة. و " مستقيماً " حال، العامل: إمَّا " ها " التنبيه، وإمَّا اسم الإِشارة، وفي مصحف عبد الله " وهذا صراطي " بدون " أنَّ " وهي قراءة الأعمش، وبها تتأيَّد قراءةُ الكسر المؤذنة بالاستئناف.

اسامة محمد خيري
25-08-2019, 14:19
الجوهرة الثالثة بعد المائة

{ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }

قال السمين

قوله: { وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا } الجمهورُ على رفع " كلمة " على الابتداء، و " هي " يجوزُ أَنْ تكونَ مبتدأ ثانياً، و " العُلْيا " خبرها، والجملة خبر الأول، ويجوز أن تكونَ " هي " فصلاً و " العليا " الخبر. وقُرِىء " وكلمةَ الله " بالنصب نسقاً على مفعولَيْ جَعَلَ، أي: وجعل كلمة الله هي العليا. قال أبو البقاء: " وهو ضعيفٌ لثلاثة أوجه، أحدها: وَضْعُ الظاهرِ موضعَ المضمر، إذ الوجهُ أن تقولَ: وكَلِمَتُه. الثاني: أن فيه دلالةً على أنَّ كلمة الله كانت سُفْلى فصارت عليا، وليس كذلك. الثالث: أن توكيدَ مثلِ ذلك بـ " هي " بعيد، إذ القياسُ أن يكونَ " إياها ". قلت: أما الأولُ فلا ضعفَ فيه لأنَّ القرآنَ ملآنُ من هذا النوع وهو مِنْ أحسنِ ما يكون لأن فيه تعظيماً وتفخيماً. وأمّا الثاني فلا يلزمُ ما ذكر وهو أن يكون الشيء المصيَّر على الضد الخاص، بل يدل التصيير على انتقال ذلك الشيء المُصَيَّر عن صفةٍ ما إلى هذه الصفة. وأمَّا الثالث فـ " هي " ليست تأكيداً البتة إنما " هي " ضمير فصل على حالها، وكيف يكون تأكيداً وقد نَصَّ النحويون على أن المضمر لا يؤكد المظهر؟

وقال الرازى

فإن قيل: وجب أن يكون قوله: { فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } المراد منه أنه أنزل سكينته على قلب الرسول، والدليل عليه أنه عطف عليه قوله: { وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } وهذا لا يليق إلا بالرسول، والمعطوف يجب كونه مشاركاً للمعطوف عليه، فلما كان هذا المعطوف عائداً إلى الرسول وجب في المعطوف عليه أن يكون عائداً إلى الرسول. قلنا: هذا ضعيف، لأن قوله: { وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } إشارة إلى قصة بدر وهو معطوف على قوله: { فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ } وتقدير الآية إلا تنصروه فقد نصره الله في واقعة الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها في واقعة بدر، وإذا كان الأمر كذلك فقد سقط هذا السؤال

{ وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }

قال السمين

قوله تعالى: { أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ }: " أُذُن " خبر مبتدأ محذوف، أي: قل هو أُذُنُ خيرٍ. والجمهور على جرِّ " خيرٍ " بالإِضافة. وقرأ الحسن ومجاهد وزيد بن علي وأبو بكر عن عاصم " أُذنٌ " بالتنوين، " خيرٌ " بالرفع وفيها وجهان، أحدهما: أنها وصف لـ " أُذُن ". والثاني: أن يكون خبراً بعد خبر. و " خير " يجوز أن تكون وصفاً من غير تفضيل، أي: أُذُنُ ذو خيرٍ لكم، ويجوز أن تكونَ للتفضيل على بابها، أي: أكثر خير لكم. وجوَّز صاحب " اللوامح " أن يكونَ " أذن " مبتدأ و " خير " خبرها، وجاز الابتداءُ هنا بالنكرة لأنها موصوفةٌ تقديراً، أي: أذنٌ لا يؤاخذكم خير لكم مِنْ أُذُنٍ يؤاخذكم.

ويقال: رَجُلٌ أُذُنٌ، أي: يسمع كل ما يقال. وفيه تأويلان أحدهما: أنه سُمِّي بالجارحة لأنها آلة السماع، وهي معظم ما يُقْصد منه كقولهم للربيئة: عين. وقيل: المرادُ بالأذن هنا الجارحة، وحينئذٍ تكونُ على حَذْف مضاف، أي: ذو أذن. والثاني: أن الأذن وصفٌ على فُعُل كأُنُف وشُلل، يقال: أَذِن يَأْذَن فهو أُذُن، قال:
2506 ـ وقد صِرْتَ أُذْناً للوُشاة سَميعةً ينالُون مِنْ عِرْضي ولو شئتَ ما نالوا
قوله: { وَرَحْمَةٌ } ، قرأ الجمهور: " ورحمة " ، رفعاً نسقاً على " أذن ورحمة " ، فيمن رفع " رحمة ". وقال بعضهم: هو عطف على " يؤمن "؛ لأن يؤمن " في محل رفع صفة لـ " أذن " تقديره: أذن مؤمنٌ ورحمةٌ. وقرأ حمزةُ والأعمش: " ورحمة " بالجر نسقاً على " خير " المخفوض بإضافة " أذن " إليه. والجملة على هذه القراءة معترضةٌ بين المتعاطفين تقديره: أذن خير ورحمة. وقرأ ابن أبي عبلة: " ورحمةً نصباً على أنه مفعول من أجله، والمعلل محذوف، أي: يَأْذَنُ لكم رحمةً بكم، فحذف لدلالة قوله: { قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ

ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }

قال السمين

قوله تعالى: { ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ }: فيه أوجه، أحدهما: أنه مرفوعٌ علىٰ إضمارِ مبتدأ، أي: هم الذين. الثاني: أنه في محل رفع بالابتداء و " من المؤمنين " حالٌ مِن " المطَّوِّعين " ، و " في الصدقات " متعلق بـ " يَلْمِزون ". و { وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ } نسقٌ على " المطَّوِّعين " أي: يَعيبون المياسير والفقراء.

وقال مكي: " والذين " خفضٌ عطفاً على " المؤمنين " ، ولا يَحْسُن عَطْفُه على " المطَّوِّعين " ، لأنه لم يتمَّ اسماً بعد، لأن " فيسخرون " عطف على " يَلْمِزُون " هكذا ذكره النحاس في " الإِعراب " له، وهو عندي وهمٌ منه ". قلت: الأمر فيه كما ذكر فإن " المطَّوِّعين " قد تَمَّ من غيرِ احتياجٍ لغيره.

وقوله: { فَيَسْخَرُونَ } نسقٌ على الصلة، وخبر المبتدأ الجملةُ من قوله: { سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ } ، هذا أظهرُ إعرابٍ قيل هنا. وقيل: { وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ } نسقٌ علىٰ " الذين يَلْمزون " ، ذكره أبو البقاء. وهذا لا يجوزُ؛ لأنه يلزمُ الإِخبارُ عنهم، بقوله: { سَخِرَ ٱللَّهُ مِنْهُمْ } وهذا لا يكون إلا بأَنْ كان الذين لا يَجِدون منافقين، وأمَّا إذا كانوا مؤمنين كيف يَسْخر الله منهم؟ وقيل: { وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ } نسقٌ على المؤمنين، قاله أبو البقاء. وقال الشيخ: " وهو بعيدٌ جداً " ، قلت: وَجْهُ بُعْدِ أنه يُفْهِمُ أن الذين لا يجدون ليسوا مؤمنين؛ لأنَّ أصلَ العطفِ الدلالةُ على المغايرة فكأنه قيل: يَلْمِزون المطَّوِّعين من هذين الصنفين: المؤمنين والذين لا يجدون، فيكون الذين لا يجدون مطَّوِّعين غيرَ مؤمنين.

اسامة محمد خيري
25-08-2019, 14:28
الجوهرة الرابعة بعد المائة

{ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ }

قال السمين:

قوله تعالى: { وَٱلسَّابِقُونَ }: فيه وجهان، أظهرهما: أنه مبتدأ، وفي خبره ثلاثة أوجه، أحدُهما ـ وهو الظاهر ـ أنه الجملة الدعائية من قوله: " رضي الله عنهم ". والثاني: أن الخبر قوله: " الأوَّلون " والمعنى: والسابقون أي بالهجرة [هم] الأوَّلون مِنْ أهل هذه المِلَّة، أو السابقون إلى الجنة الأولون من أهل الهجرة. الثالث: أن الخبرَ قولُه: { مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ } والمعنى فيه الإِعلام بأن السَّابقين من هذه/ الأمة من المهاجرين والأنصار، ذكر ذلك أبو البقاء، وفي الوجهين الأخيرين تكلُّفٌ.

الثاني من وجهي " السابقين ": أن يكون نَسَقاً على { مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ } أي: ومنهم السابقون. وفيه بُعْدٌ.

والجمهورُ على جَرِّ " الأنصار " نسقاً على المهاجرين. يعني أن السابقين من هذين الجنسين. وقرأ جماعة كثيرة أَجِلاَّء: عمر بن الخطاب وقتادة والحسن وسلام وسعيد بن أبي سعيد وعيسى الكوفي وطلحة ويعقوب: " والأنصارُ " برفعها. وفيه وجهان أحدهما: أنه مبتدأ، وخبرُه " رضيَ الله عنهم ". والثاني: عطف على " السابقون ". وقد تقدم ما فيه فيُحكم عليه بحكمه

وقال الرازى

المسألة الثالثة: روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقرأ { وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلأَنْصَـٰرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ } فكان يعطف قوله: { الأنصار } على قوله: { وَٱلسَّـٰبِقُونَ } وكان يحذف الواو من قوله: { وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ } ويجعله وصفاً للأنصار، وروي أن عمر رضي الله عنه كان يقرأ هذه الآية على هذا الوجه. قال أبي: والله لقد أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الوجه، وإنك لتبيع القرظ يومئذ ببقيع المدينة، فقال عمر رضي الله عنه: صدقت، شهدتم وغبنا، وفرغتم وشغلنا، ولئن شئت لتقولن نحن أوينا ونصرنا. وروي أنه جرت هذه المناظرة بين عمر وبين زيد بن ثابت واستشهد زيد بأبي بن كعب، والتفاوت أن على قراءة عمر، يكون التعظيم الحاصل من قوله: { وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ } مختصاً بالمهاجرين ولا يشاركهم الأنصار فيها فوجب مزيد التعظيم للمهاجرين، والله أعلم. وروي أن أبيا احتج على صحة القراءة المشهورة بآخر الأنفال وهو قوله:{ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ } [الأنفال: 75] بعد تقدم ذكر المهاجرين والأنصار في الآية الأولى، وبأواسط سورة الحشر وهو قوله:{ وَٱلَّذِينَ جاؤوا مّن بَعْدِهِمْ } [الحشر: 10] وبأول سورة الجمعة وهو قوله:{ وَءاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ } [الجمعة: 3].

{ وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ }

قال السمين

قوله: { يَعْقُوبَ } قرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم بفتح الباء، والباقون برفعها. فأمَّا القراءةُ الأولىٰ فاختلفوا فيها: هل الفتحةُ علامةُ نصب أو جر؟ والقائلون بأنها علامة نصب اختلفوا: فقيل: هو منصوبٌ عطفاً على قوله: " بإسحاق " قال الزمخشري: " كأنه قيل: ووهَبْنا له إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب على طريقة قوله:
2683 ـ............ ليسوا مصلحين عشيرةً ولا ناعِبٍ......................
يعني أنه عطف على التوهم فنصب، كما عطف الشَّاعرُ على توهُّم وجود الباء في خبر " ليس " فجرَّ، ولكنه لا ينقاس. وقيل: هو منصوبٌ بفعلٍ مقدر تقديرُه: ووهبْنا يعقوب، وهو على هذا غيرُ داخلٍ في البشارة. ورجَّح الفارسيُّ هذا الوجه. وقيل: هو منصوبٌ عطفاً على محل " بإسحاق " لأن موضعَه نصب كقوله: { وَأَرْجُلَكُمْ } [المائدة: 6] بالنصب عطفاً على " برؤوسكم ". والفرق بين هذا والوجه الأول: أن الأولَ ضمَّن الفعل معنى: " وَهَبْنا " توهُّماً، وهنا باقٍ على مدلوله من غير توهُّم.

ومن قال بأنه مجرورٌ جعله عطفاً على " بإسحاق " والمعنى: أنها بُشِّرت بهما. وفي هذا الوجه والذي قبله بحثُ: وهو الفصلُ بالظرف بين حرف العطف والمعطوف، وقد تقدَّم ذلك مستوفى في النساء فعليك بالالتفات إليه.

ونسب مكي الخفضَ للكسائي ثم قال: " وهو ضعيف إلا بإعادة الخافض، لأنك فَصَلْت بين الجار والمجرور بالظرف ".

قوله: " بإعادة الخافض " ليس ذلك لازماً، إذ لو قُدِّم ولم يُفْصَل لم يُلْتزم الإِتيان به.

وأمَّا قراءةُ الرفع ففيها أوجه، أحدها: أنه مبتدأ وخبره الظرف السابق فقدَّره الزمخشري " مولود أو موجود " وقدّره غيره بكائن. ولمَّا حكى النحاس هذا قال: " والجملة حالٌ داخلة في البشارة أي: فَبَشَّرْناها بإسحاق متصلاً به يعقوبُ ". والثاني: أنه مرفوع على الفاعلية بالجارِّ قبله، وهذا يجيء على رَأْي الأخفش. والثالث: أن يرتفع بإضمار فعل أي: ويحدث من وراء إسحاق يعقوب، ولا مَدْخَلَ له في البشارة. والرابع: أنه مرفوعٌ على القطع يَعْنُون الاستئناف، وهو راجع لأحد ما تقدَّم مِنْ كونه مبتدأ وخبراً، أو فاعلاً بالجارِّ بعده، أو بفعل مقدر.

وقال القرطبي

الرابعة عشرة: قوله تعالى: { وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ } قرأ حمزة وعبد الله بن عامر «يعقوبَ» بالنصب. ورفع الباقون؛ فالرفع على معنى: ويحدث لها من وراء إسحاق يعقوبُ. ويجوز أن يرتفع بالفعل الذي يعمل في «من» كأن المعنى: وثبت لها من وراء إسحق يعقوبُ. ويجوز أن يرتفع بالابتداء، ويكون في موضع الحال؛ أي بشّروها بإسحاق مقابلاً له يعقوب. والنصب على معنى: ووهبنا لها من وراء إسحاق يعقوبُ. وأجاز الكسائيّ والأخفش وأبو حاتم أن يكون «يعقوب» في موضع جرّ على معنى: وبشرناها من وراء إسحظ°ق بيعقوب. قال الفراء: ولا يجوز الخفض إلا بإعادة الحرف الخافض؛ قال سيبويه ولو قلت: مررت بزيد أوّل من أمس وأمس عمرٍو كان قبيحاً (خبيثاً)؛ لأنك فرقت بين المجرور وما يشركه وهو الواو، كما تفرق بين الجار والمجرور؛ لأن الجار لا يفصل بينه وبين المجرور، ولا بينه وبين الواو.

اسامة محمد خيري
06-09-2019, 14:55
الجوهرة الخامسة بعد المائة

{ وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَٰمِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَٰذِبٌ وَٱرْتَقِبُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ }

قال القرطبي

مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ } أي يهلكه. و «من» في موضع نصب، مثل{ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ } [البقرة: 220] { وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ } عطف عليها.

وقيل: أي وسوف تعلمون من هو كاذب منا. وقيل في محل رفع تقديره: ويخزي من هو كاذب. وقيل: تقديره ومن هو كاذب فسيعلم كذبه، ويذوق وبال أمره. وزعم الفرّاء أنهم إنما جاؤوا بـ«هو» في «وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ» لأنهم لا يقولون مَن قائم إنما يقولون: مَن قام، ومَن يقوم، ومَن القائم فزادوا «هو» ليكون جملة تقوم مقام فعل ويفعل. قال النحاس: ويدل على خلاف هذا قوله:
مَنْ رَسُولِي إلى الثُّرَيّا بِأَنِّي ضِقْتُ ذَرْعاً بِهَجْرِهَا والكتابِ

اسامة محمد خيري
16-09-2019, 12:22
الجوهرة السادسة بعد المائة

{ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ }

قال الالوسي

وَٱلطَّيْرُ } عطف على { ٱلْجِبَالُ } أو مفعول معه، وفي الآثار تصريح بأنها كانت تسبح معه عليه السلام كالجبال. وقرىء { وَٱلطَّيْرُ } بالرفع على الابتداء والخبر محذوف أي والطير مسخرات، وقيل: على العطف على الضمير في { يُسَبّحْنَ } ومثله جائز عند الكوفيين، وقوله تعالى: { وَكُنَّا فَـٰعِلِينَ } تذييل لما قبله أي من شأننا أن نفعل أمثاله فليس ذلك ببدع منا وإن كان بديعاً عندكم.

{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ }

قال السمين:

قوله: " ويَعْلَم " العامةُ على فتحِ الميم وفيها تخريجان، أشهرهما: أنَّ الفعلَ منصوبٌ. ثم هل نصبُه بـ " أَنْ " مقدرةً بعد الواوِ المقتضيةِ للجمع كهي في قولِك: " لا تأكلِ السمكَ وتَشْربَ اللبن " أي: لا تجمع بينهما وهو مذهب البصريين، أو بواو الصرف، وهو مذهب الكوفيين، يَعْنُون أنه كان مِنْ حَقِّ هذا الفعل أن يُعْرَبَ بإعراب ما قبله، فلمَّا جاءت الواو صَرَفَتْه إلى وجهٍ آخرَ من الإِعراب. وتقرير المذهبين في غيرِ هذا الموضوع.

والثاني: أنَّ الفتحةَ فتحةُ التاء ساكنين والفعلُ مجزومٌ، فلمَّا وقع بعده ساكنٌ آخرُ احتيج إلى تحريك آخره فكانت الفتحةُ أَوْلَى لأنها أخف وللإِتباع لحركة اللام، كما قيل ذلك في أحدِ التخريجين لقراءةِ: { وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ } بفتح الميم، والأولُ هو الوجه.

وقرأ الحسن وابن يعمر وأبو حيوة بكسرِ الميم عطفاً على " يَعْلَمِ " المجزوم بـ " لم ".

وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو بن العلاء: " وَيَعْلَمُ " بالرفع، وفيه وجهان، أظهرهما: أنه مستأنفٌ، أخبر تعالى/ بذلك. وقال الزمخشري: " على أن الواو للحال، كأنه [قال]: ولَمَّا يُجاهِدوا وأنتم صابرون. قال الشيخ: " ولا يَصِحُّ ما قال، لأنَّ واوَ الحال لا تدخل على المضارعِ، لا يجوزُ: " جاء زَيدٌ ويضحك " وأنت تريد: جاء زيد يضحك، لأنَّ المضارع واقع موقع اسم الفاعل، فكما لا يجوز " جاء زيد وضاحكاً " كذلك لا يجوز: جاء زيد ويضحك، فإنْ أُوِّلَ على أنَّ المضارعَ خبرُ مبتدأ محذوف أَمْكَنَ ذلك التقديرُ أي: وهو يعلمُ الصابرين كما أَوَّلُوا قولَ الشاعر:
1450ـ.......................... نَجَوْتُ وَأَرْهُنُــهـــمْ مالِــكـــا
ِأي: وأنا أَرْهُنُهم " قلت: قولُه: " لا تَدْخُل على المضارعِ " هذا ليس على إطلاقِه، بل ينبغي أن يقولَ: على المضارعِ المثبت أو المنفي بـ " لا " لأنها تدخُل على المضارع المنفيِّ بـ لم ولما، وقد عُرِف ذلك غير مرة.

وقال القرطبي

وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } منصوب بإضمار أن؛ عن الخليل. وقرأ الحسن ويحيى بن يَعمَر «يَعْلَمِ الصَّابرينَ» بالجزم على النسق. وقرىء بالرفع على القطع، أي وهو يعلم. وروى هذه القراءة عبد الوارث عن أبي عمرو. وقال الزجاج. الواو هنا بمعنى حتى، أي ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم حتى يعلم صبرهم كام تقدّم آنفاً.

{ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }

قال السمين

قوله { وَأَنَّ هَـٰذَا } قرأ الأخوان بكسر " إن " على الاستئناف و " فاتبعوه " جملة معطوفة على الجملة قبلها. وهذه الجملة الاتئنافية تفيد التعليل لقوله " فاتبعوه " ، ولذلك استشهد بها الزمخشري على ذلك كما تقدَّم، فعلى هذا يكون الكلام في الفاء في " فاتَّبِعوه " كالكلام فيها في قراءة غيرهما وستأتي.

وقرأ ابن عامر " وأَنْ " بفتح الهمزة وتخفيف النون، والباقون بالفتح أيضاً والتشديد. فأمَّا قراءة الجماعة ففيها أربعة أوجه، أحدها:ـ وهو الظاهر ـ أنها في محل نصب نَسَقاً على ما حرَّم أي: أتل ما حرم وأتل أنْ هذا صراطي، والمراد بالمتكلم النبي صلى الله عليه وسلم لأنَّ صراطه صراط لله عز وجل، وهذا قول الفراء قال: " بفتح " أن " مع وقوع " أتلُ " عليها يعني: أتل عليكم أنَّ هذا صراطي مستقيماً. والثاني: أنها منصوبة المحل أيضاً نسقاً على " أن لا تشركوا " إذا قلنا بأنَّ " أَنْ " المصدرية وأنها وما بعدها بدل من " ما حَرَّم " قاله الحوفي.

الثالث: أنها على إسقاط لام العلة أي: ولأنَّ هذا صراطي مستقيماً فاتَّبِعوه كقوله تعالى:{ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ } [الجن: 14] قال أبو علي: " من فتح " أنَّ " فقياس قول سيبويه أنَّه حَمَلها على " فاتَّبعوه " والتقدير: ولأن هذا صراطي مستقيماً فاتَّبعوه كقوله:{ وَأنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } [المؤمنون: 52]. قال سيبويه: " ولأن هذه أمتكم " وقال في قوله تعالى: " وأن المساجد لله ": ولأن المساجد ". قال بعضهم: وقد صرَّح بهذه اللام في نظير هذا التركيب كقوله تعالى:{ لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِهِمْ... فَلْيَعْبُدُواْ } [قريش: 1]، والفاء على هذا كهي في قولك: زيداً فاضرب، وبزيد فامرر. وقد تقدم تقريره في البقرة. قال الفارسي: " قياس قول سيبويه في فتح الهمزة أن تكون الفاء زائدة كهي في " زيد فقائم " قلت: سيبويه لا يجوِّز زيادتها في مثل هذا الخبر، وإنما أراد أبو علي بنظيرها في مجرد الزيادة وإن لم يَقُلْ به، بل قال به غيرُه. الرابع: أنها في محل جر نسقاً على الضمير المجرور في " به " أي: ذلكم وصَّاكم به وبأن هذا، وهو قول الفراء أيضاً. وردَّه أبو البقاء بوجهين أحدهما: العطف على الضمير المجرور من غير إعادةِ الجار. والثاني: أنه يصير المعنى: وَصَّاكم باستقامة الصراط وهذا فاسدٌ ". قلت: والوجهان مردودان، أمَّا الأول فليس هذا من باب العطف على المضمر من غير إعادة الجار لأن الجارَّ هنا في قوة المنطوق به، وإنما حُذِفَ لأنه يَطَّرد حَذْفُه مع أنَّ وأنْ لطولهما بالصلة، ولذلك كان مذهب الجمهور أنها في محل جر بعد حذفه لأنه كالموجود، ويدل على ما قلته ما قال الحوفي قال: " حُذِفت الباء لطول الصلة وهي مرادة، ولا يكون في هذا عَطْفُ مُظْهَرٍ على مضمر لإِرادتها ". وأمَّا الثاني فالمعنى صحيح غير فاسد؛ لأن معنى توصيتنا باستقامة الصراط أن لا نتعاطى ما يُخْرِجنا عن الصراط، فوصيتنا باستقامته مبالغة في اتباعه.

وأمَّا قراءةُ ابنِ عامر فقالوا: " أنْ " فيها مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الأمر والشأن أي: " وأنَّه " كقوله تعالى:{ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ } [يونس: 10] وقوله:
2122ـ............... أنْ هالكٌ كلُّ مَنْ يَْحفَى ويَنْتَعِلُ
وحينئذٍ ففيها أربعةُ الأوجه المذكورة في المشددة. و " مستقيماً " حال، العامل: إمَّا " ها " التنبيه، وإمَّا اسم الإِشارة، وفي مصحف عبد الله " وهذا صراطي " بدون " أنَّ " وهي قراءة الأعمش، وبها تتأيَّد قراءةُ الكسر المؤذنة بالاستئناف.

اسامة محمد خيري
16-09-2019, 12:33
الجوهرة السابعة بعد المائة

{ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً }

قال السمين

قوله: { قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ } فيه أوجهٌ، أحدها: أنه عطفٌ على " الصلاة " ، أي: وأَقِمْ قرآنَ الفجرِ، والمرادُ به صلاةُ الصبحِ، عَبَّر عنها ببعضِ أركانِها. والثاني: أنه منصوبٌ على الإِغراء، أي: وعليك قرآنَ الفجر، كذا قدَّره الأخفشُ وتَبِعه أبو البقاء، وأصولُ البصريين تَأْبَى هذا؛ لأنَّ أسماءَ الأفعالِ لا تعملُ مضمرةً. الثالث: أنه منصوبٌ بإضمار فعلٍ، أي: كَثِّر قرآنَ أو الزَمْ قرآنَ الفجرِ.

{ وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ }

قال السمين:

قوله: { وَقَوْمَ نُوحٍ }: قرأ الأخَوان وأبو عمرو بجرِّ الميم، والباقون/ بنصبها. وأبو السَّمَّال وابن مقسم وأبو عمرو في روايةِ الأصمعيِّ " وقومُ " بالرفع. فأمَّا الخفضُ ففيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه معطوفٌ على " وفي الأرض ". الثاني: أنه معطوفٌ على " وفي موسى " الثالث: أنه معطوفٌ على " وفي عاد ". الرابع: أنه معطوفٌ على " وفي ثمودَ " ، وهذا هو الظاهرُ لقُرْبِه وبُعْدِ غيرِه. ولم يذكرْ الزمخشريُّ غيرَه فإنه قال: " وقُرِىء بالجرِّ على معنى " وفي قوم نوح ". ويُقَوِّيه قراءةُ عبد الله " وفي قوم نوح ". ولم يَذْكُرْ أبو البقاء غيرَ الوجهِ الأخيرِ لظهورِه.

وأمّا النصبُ ففيه ستةُ أوجهٍ، أحدها: أنه منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ أي: وأهلَكْنا قومَ نوح؛ لأنَّ ما قبلَه يَدُلُّ عليه. الثاني: أنه منصوبٌ بـ اذْكُرْ مقدراً، ولم يَذْكُرْ الزمخشريُّ غيرَهما. الثالث: أنَّه منصوبٌ عطفاً على مفعول " فأَخَذْناه ". الرابع: أنه معطوفٌ على مفعول { فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ } وناسَبَ ذلك أنَّ قومَ نوح مُغْرقون من قبلُ. لكنْ يُشْكِلُ أنَّهم لم يَغْرَقوا في اليمِّ. وأصلُ العطفِ أَنْ يقتضيَ التشريكَ في المتعلَّقات. الخامس: أنَّه معطوفٌ على مفعولِ " فَأَخَذَتْهم الصاعقةُ ". وفيه إشكالٌ؛ لأنهم لم تأخُذْهم الصاعقةُ، وإنما أُهْلكوا بالغَرَقِ. إلاَّ أَنْ يُرادَ بالصاعقةِ الداهيةُ والنازلةُ العظيمة من أيِّ نوع كانت، فيَقْرُبُ ذلك. السادس: أنه معطوفٌ على محلِّ " وفي موسى " ، نقله أبو البقاء وهو ضعيفٌ.

وأما الرفعُ على الابتداءِ والخبرُ مقدَّرٌ أي: أهلَكْناهم. وقال أبو البقاء: " والخبرُ ما بعدَه " يعني مِنْ قولِه: إنهم كانوا قوماً فاسقين. ولا يجوز أَنْ يكونَ مرادُه قولَه: " من قبلُ "؛ إذ الظرفُ ناقصٌ فلا يُخبَرُ به

{ وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ }

قال السمين:

قوله تعالى: { وَيُعَلِّمُهُ }: قرأ نافع وعاصم: " ويُعَلِّمُه " بياء الغَيْبَة، والباقون بنونِ المتكلمِ المعظِّمِ نفسَه، وعلى كلتا القراءتين ففي محلِّ هذه الجملة أوجهٌ، أَحَدُها: أنها معطوفةٌ على " يُبَشِّرُكِ " أي: إن الله يبشرك بكلمةُ ويُعَلِّمُ ذلك المولودَ المعبَّرَ عنه بالكلمةِ. الثاني: أنها معطوفةٌ على " يَخْلُق " أي: كذلك اللهُ يَخْلُق ما يشاء ويعلمه، وإلى هذين الوجهين ذهب جماعةٌ منهم الزمخشري وأبو عليّ الفارسي. وهذا الوجهان ظاهران على قراءة الياء. وأمَّا قراءةُ النون فلا يظهرُ هذان الوجهان عليها إلا بتأويلِ الالتفاتِ من ضمير الغَيْبة إلى ضميرِ المتكلم إيذاناً بالفخامةِ والتعظيم. فأمَّا عطفُهُ على " يُبَشِّرُكِ " فقد استبعَدَه الشيخ جداً قال: " لطولِ الفصلِ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه " وأمَّا عطفُه على " يَخْلُق " فقال الشيخ: " وهو معطوفٌ عليه سواءً كانت ـ يعني يخلق ـ خبراً عن اللهِ تعالى أم تفسيراً لما قبلها، إذا أَعْرَبْتَ لفظ " الله " مبتدأً، وما قبلَه الخبرُ " يعني أنه قد تقدَّم في إعرابِ " كذلك اللهُ " في قصة زكريا أوجهٌ أحدُها: ما ذَكر، فـ " يُعَلِّمُه معطوفٌ على " يَخْلُق " بالاعتبارينِ المذكورينِ، إذ لا مانعَ من ذلك. وعلى هذا الذي ذكرَه الشيخُ وغيرُه تكون الجملةُ الشرطيةُ معترضةً بين المعطوفِ والمعطوف عليه، والجملةُ من " يُعَلِّمُهُ " في الوجهينِ المتقدِّمين مرفوعةُ المحلِّ لرفعِ محلِّ ما عَطَفَتْ عليه.

الثالث: أَنْ يُعْطَفَ على " يُكَلِّمُ " فيكون منصوباً على الحالِ، والتقديرُ: يُبَشِّرُكِ بكلمةٍ مُكَلِّماً ومُعَلِّماً الكتابَ، وهذا الوجهُ جَوَّزه ابنُ عطية وغيره.

الرابع: أن يكونَ معطوفاً على " وجيهاً " لأنه في تأويلِ اسمٍ منصوب على الحالِ، كما تقدَّم تقريرُهُ في قوله: " ويكلِّم ". وهذا الوجهُ جَوزَّه الزمخشري واستبعدَ الشيخُ هذين الوجهين الأخيرين ـ أعني الثالث والرابع ـ قال: " لطولِ الفصلِ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه، ومثلُه لا يُوجَدُ في لسانِ العرب ".

الخامس: أَنْ يَكُون معطوفاً على الجملةِ المحكية بالقولِ، وهي: " كذلك الله يخلق " قال الشيخ: " وعلى كلتا القراءتين هي معطوفةٌ على الجملةِ المَقُولَةِ، وذلك أنَّ الضميرَ في قوله: " قال كذلك " الله تعالى، والجملةُ بعدَه هي المقولةُ، وسواءً كانَ لفظُ " الله " مبتدأً خبرُهُ ما قبلَه أم مبتدأً وخبرُه " يَخلق " على ما مَرَّ إعرابُهُ في " قال: كذلك اللهُ يفعل ما يشاء " فيكونُ هذا من المقولِ لمريم على سبيلِ الاغتباطِ والتبشيرِ بهذا الولدِ الذي يُوجِدُهُ اللهُ منها.

السادس: أن يكونَ مستأنفاً لا محلَّ له من الإِعراب، قال الزمخشري بعد أَنْ ذَكَرَ فيه أنه يجوزُ أَنْ يكونَ معطوفاً على " نبشِّرك " أو " يَخْلُق " أو " وجيهاً ": " أو هو كلامٌ مبتدأٌ " يعني مستأنفاً.

قال الشيخ: " فإنْ عنى أنه استنئافُ إخبار من الله أو عن الله على اختلاف القراءتين، فمن حيث ثبوتُ الواو لا بد أن يكون معطوفاً على شيء قبله، فلا يكون ابتداءَ كلام، إلا أن يُدَّعَى زيادةُ الواو في " ويُعَلِّمه " فحينئذٍ يَصِحُّ أن يكونَ ابتداءَ كلام، وإنْ عنى أنه ليس معطوفاً على ما ذكر فكان ينبغي أن يبيِّن ما عُطِفَ عليه، وأن يكونَ الذي عُطِفَ عليه ابتداءَ كلامٍ حتى يكونَ المعطوفُ كذلك " قلت: وهذا الاعتراضُ غيرُ لازمٍ لأنه لا يلزم مِنْ جَعْلِهِ كلاماً مستأنفاً أَنْ يُدَّعَى زيادةُ الواو، ولا أنه لا بد من معطوف عليه، لأنَّ النحْويين وأهلَ البيان نَصُّوا على أن الواو تكون للاستئناف، بدليلِ أنَّ الشعراءَ يأتُونَ بها في أوائلِ أشعارهم من غير تقدُّم شيء يكون ما بعدَها معطوفاً عليه، والأشعارُ مشحونةٌ/ بذلك، ويُسَمُّونَها واوَ الاستئنافِ، ومَنْ مَنَع ذلكَ قَدَّر أنَّ الشاعِرَ عَطَفَ كلامه على شيء مَنْوِيٍّ في نفسهِ، ولكنَّ الأولَ أشهرُ القولين.

وقال الطبري: " قراءةُ الياءِ عَطْفٌ على قولِهِ " يَخْلُقُ ما يشاء " ، وقراءةُ النونِ عطفٌ على قولِهِ " نُوحِيهِ إِلَيكَ ". قال ابن عطية: " وهذا القولُ الذي قاله في الوجهين مُفْسِدٌ للمعنى " ولم يبيِّن أو محمد جهةَ إفسادِ المعنى: قال الشيخ: " أمَّا قراءةُ النونِ فظاهِرٌ فسادٌ عطفِهِ على " نُوحيه " من حيثُ اللفظُ ومن حيثُ المعنى: أمَّا من حيث اللفظُ فمثلُه لا يَقْعُ في لسانِ العرب لبُعْدِ الفصلِ المُفْرِطِ وتعقيدِ التركيبِ وتنافرِ الكلامِ، وأمَّا من حيث المعنى فإنَّ المعطوفَ بالواوِ شريكُ المعطوف عليه فيصيرُ المعنى بقوله: { ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ } أي: إخبارُك يا محمد بقصةِ امرأةِ عمران وودلاتِها لمريم وكفالتِها زكريا، وقصتُه في ولادةِ يَحْيى له وتبشيرُ الملائكةِ لمريمَ بالاصطفاءِ والتطهيرِ، كلُّ ذلك مِنْ أخبارِ الغيب نُعَلِّمه، أي: نُعَلِّم عيسى الكتابَ، فهذا كلامٌ لا ينتظم معناه مع معنى ما قبله. وأمَّا قراءةُ الياءِ وعطفُ " ويعلِّمه " على " يَخْلُق " فليست مُفسِدَةً للمعنى، بل هو أَوْلَى وأَصَحُّ ما يُحْمل عليه عَطْفُ " ويُعَلِّمه " لقرب لفظِهِ وصحةِ معناه، وقد ذَكَرْنَا جوازَهُ قبلُ، ويكونُ الله أَخْبَرَ مريمَ بأنه تعالى يَخْلُقُ الأشياءَ الغريبةَ التي لم تَجْرِ العادةُ بمثلِها مثلَ ما خلق لك ولداً من غير أبٍ، وأنه تعالى يُعَلِّم هَذا الولدَ الذي يَخْلُقه ما لم يُعَلِّمه مَنْ قَبْلَه مِن الكتاب والحكمة والتوراة والإِنجيل، فيكونُ في هذا الإِخبار أعظمُ تبشيرٍ لها بهذا الولدِ وإظهارٌ لبركته، وأنه ليس مُشْبِهاً أولادَ الناس من بني إسرائيل، بل هو مخالِفٌ لهم في أصلِ النشأةِ، وفيما يُعَلِّمه تعالى من العلمِ، وهذا يَظْهَرُ لي أنه أحسنُ ما يُحْمَلُ عَطْفُ " ويُعَلِّمه ".

انتهى.

وقال أبو البقاء: " ويُقْرَأُ بالنونِ حَمْلاً على قولِهِ: { ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ } ، ويُقْرَأُ بالياءِ حَمْلاً على " يُبَشِّرك " وموضعُهُ حالٌ معطوفَةٌ على " وجيهاً ". قال الشيخ: " وقالَ بعضُهم: ونُعَلِّمُه بالنون حَمْلاً على " نُوحيه ". إنْ عنى بالحَمْلِ العطفَ فلا شيءَ أبعدُ من هذا التقديرِ، وإنْ عنى بالحَمْل أنه من بابِ الالتفاتِ فهو صحيح ". قلت: يتعيَّن أَنْ يَعني بقولِهِ " حَمْلاً " الالتفاتَ ليس إلا، ولا يجوز أنْ يَعْني به العطفَ لقوله: " وموضعُهُ حالٌ معطوفةٌ على وجيهاً " كيف يَسْتقيم أن يريدَ عطفَهُ على " نبشرك " أو " نوحيه " مع حُكْمِه. عليه بأنه معطوفٌ على " وجيهاً "؟ هذا ما لا يَسْتقيم أبداً.

وقال الرازى

المسألة الأولى: قرأ نافع، وعاصم { وَيُعَلّمُهُ } بالياء والباقون بالنون، أما الياء فعطف على قوله { يَخْلُقُ مَا يَشَاء } وقال المبرد عطف على يبشرك بكلمة، وكذا وكذا { وَيُعَلّمُهُ ٱلْكِتَـٰبَ } ومن قرأ بالنون قال تقدير الآية أنها: قالت رب أنى يكون لي ولد فقال لها الله { كَذٰلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذا وإن كان إخباراً على وجه المغايبة، فقال { ونعلمه } لأن معنى قوله { قَالَ كَذٰلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء } معناه: كذلك نحن نخلق ما نشاء ونعلمه الكتاب والحكمة والله أعلم

اسامة محمد خيري
16-09-2019, 12:38
الجوهرة الثامنة بعد المائة

{ وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وٱلأَبْرَصَ وَأُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }

قال السمين:

قوله تعالى: { وَرَسُولاً }: في " رسول " وجهان، أحدُهما: أنه صفةٌ بمعنى مُرْسَل فهو صفةٌ على فُعُول كالصبور والشكور. والثاني: أنه في الأصلِ مصدرٌ، ومن مجيءِ " رسول " مصدراً قولُه:
1291ـ لقد كَذَبَ الواشُون ما بُحْتُ عندَهم بِسِرٍّ ولا أَرْسَلْتُهمْ برسولِ
أي: برسالة، وقال آخر:
1292ـ أُبَلِّغْ أبا سلمى رسولاً تَرُوعه .........................
أي: أُبَلِّغُه رسالةً، ومنه قولُه تعالى:{ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [الشعراء: 16] على أحدِ التأولين، أي: إنَّا ذوا رسالةِ رب العالمين، وعلى الوجهين يترتَّبُ الكلامُ في إعراب " رسول ":

فعلى الأولِ يكونُ في نصبهِ ستةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ معطوفاً على " يُعَلِّمه " إذا أعربناه حالاً معطوفاً على " وجيهاً " إذ التقديرُ: وجيها ومُعَلِّماً ومُرْسَلاً، قاله الزمخشري وابن عطية. قال الشيخ: " وهو مَبْنِيٌّ على إعراب " ويُعَلِّمه " ، وقد بَيَّنَّا ضعفَ إعرابِ مَنْ يقولُ إنَّ " ويُعَلِّمه " معطوفٌ على " وجيهاً " للفصلِ المُفْرِطِ بين المتعاطِفَيْن ".

الثاني: أن يكونَ نسقاً على " كَهْلاً " الذي هو حالٌ من الضميرِ المستتر في " ويُكَلِّم " أي: يُكَلِّم الناسَ طفلاً وكهلاً ومُرْسَلاً إلى بني إسرائيل، جَوَّز ذلك ابنُ عطية. واستبعده الشيخُ لطولِ الفصلِ بين المعطوف والمعطوف عليه. قلت: ويظهرُ أن ذلك لا يجوز من حيث المعنى، إذ يصيرُ التقديرُ: يُكَلِّمُ الناسَ في حالِ كونِه رسولاً إليهم، وهو إنما صار رسولاً بعد ذلك بأزمنةٍ، فإن قيل: هي حالٌ مقدَّرة كقولهم: " مررت برجل معه صقرٌ صائداً به غداً " وقوله:{ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ } [الزمر: 73]، قيل: الأصلُ في الحالِ أن تكونَ مقارنةً، ولا تكونُ مقدرةً إلا حيث لا لَبْسَ.

الثالث: أن يكونَ منصوباً بفعلٍ مضمرٍ لائقٍ بالمعنى، تقديرُه: ونجعلُه رسولاً، لَمَّا رأَوه لا يَصِحُّ عَطْفُه على مفاعيلِ التعليم أضمروا له عاملاً يناسبه، وهذا كما قالوا في قوله تعالى:{ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ } [الحشر: 9] وقوله:
1293ـ يا ليـتَ زوجَـك قـد غـدا متقلِّــداً سيفـــاً ورمحـــا
وقول الآخر:
1294ـ عَلَفْتُها تِبْناً وماءً باردا .......................
وقوله:
1295ـ.................... وزَجَّجْـنَ الحواجـبَ والعُيـونــا
أي: واعتقدوا الإِيمانَ، ومعتقلاً رمحاً، وسَقَيْتُها ماءً بارداً، وكَحَّلْنَ العيونَ، وهذا على أحدِ التأويلين في هذه الأمثلةِ.

الرابع: أن يكونَ منصوباً بإضمار فعلٍ من لفظِ " رسول " ، ويكون ذلك الفعلُ معمولاً لقولٍ مضمر أيضاً هو من قولِ عيسى.

الخامس: أنَّ الرسولَ فيه معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم. ويُوَضِّح هذين الوجهين الأخيرين ما قاله الزمخشري، قاله رحمه الله: " فإن قلت: علامَ تَحْمِلُ " ورسولاً ومصدقاً " من المنصوبات المتقدمة، وقوله: { أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ } و { لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ } يأبى حَمْلَه عليها؟ قلت: هو من المُضايِق، وفيه وجهان، أحدهما: أن تُضْمِرَ له " وأُرْسِلْتُ " على إرادة القول، تقديرُه: ويُعَلِّمه الكتابَ والحكمة ويقول: أُرْسِلْتُ رسولاً باني قد جئتكم ومُصَدِّقاً لِما بين يديَّ.

والثاني: أن الرسول والمُصَدِّق فيهما معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم ومصدقاً لما بين يديّ " انتهى. إنما احتاج إلى إضمار ذلك كلِّه تصحيحاً للمعنى واللفظ، وذلك أنَّ ما قبله / من المنصوبات لا يَصِحُّ عطفُه عليه في الظاهر؛ لأنَّ الضمائر المتقدمة غيبٌ، والضميران المصاحبان لهذين المنصوبين للمتكلم، فاحتاج إلى ذلك التقدير لتتناسَبَ الضمائرُ. قال الشيخ: " وهذا الوجهُ ضعيفٌ؛ إذ فيه إضمارُ شيئين: القولِ ومعمولهِ الذي هو " أُرْسِلْتُ " ، والاستغناءُ عنهما باسم منصوبٍ على الحال المؤكِّدة، إذ يُفْهَمُ من قوله " وأُرْسِلْتُ " أنه رسولٌ فهي حال مؤكِّدة ". واختار الشيخُ الوجَه الثالث قال: " إذ ليس فيه إلا إضمارُ فعلٍ يَدُلُّ عليه المعنى، ويكون قوله: { أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ } معمولاً لرسول أي: ناطقاً بأني قد جئتكم، على قراءة ِ الجمهور.

السادس: أن يكونَ حالاً من مفعولِ " ويُعَلِّمه " وذلك على زيادة الواو، كأنه قيل: ويُعَلِّمه الكتابَ حالَ كونِه رسولاً، قاله الأخفش، وهذا على أصلِ مذهبهِ من تجويزِه زيادةَ الواوِ، وهو مذهبُ مرجوحٌ.

وعلى الثاني في نصبِه وجهان، أنه مفعولٌ به عطفاً على المفعولِ الثاني ليُعَلِّمه أي: ويُعَلِّمه الكتابَ ورسالةً أي: يعلمه الرسالة أيضاً، والثاني: أنه مصدرٌ في موضع الحال، وفيه التأويلاتُ المشهورةُ في: رجلٌ عَدْلٌ.

وقرأ اليزيدي: " ورسولٍ " بالجر، وخَرَّجها الزمخشري على أنها منسوقةٌ على قوله: " بكلمة " أي: نبشِّرك بكلمة وبرسولٍ. وفيه بُعْدٌ لكثرةِ الفصلِ بين المتعاطِفَيْنِ، ولكن لا يَظْهَر لهذه القراءةِ الشاذة غيرُ هذا التخريجِ....

{ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ }

قال ابن عطية

وقرأ ابن مسعود " آمنوا والذين يقيمون " بواو، وقوله تعالى: { وهم راكعون } جملة معطوفة على جملة، ومعناها وصفهم بتكثير الصلاة وخص الركوع بالذكر لكونه من أعظم أركان الصلاة، وهو هيئة تواضع فعبر به عن جميع الصلاة، كما قال{ والركع السجود } [البقرة:125] وهي عبارة عن المصلين، وهذا قول جمهور المفسرين، ولكن اتفق أن علياً بن أبي طالب أعطى صدقة وهو راكع، قال السدي: هذه الآية في جمع المؤمنين ولكن علياً بن أبي طالب مر به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه، وروي في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من بيته وقد نزلت عليه الآية فوجد مسكيناً فقال له هل أعطاك أحد شيئاً فقال نعم، أعطاني ذلك الرجل الذي يصلي خاتماً من فضة، وأعطانيه وهو راكع، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم فإذا الرجل الذي أشار إليه علي بن أبي طالب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، الله أكبر وتلا الآية على الناس.

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وقال مجاهد: نزلت الآية في علي بن أبي طالب تصدق وهو راكع، وفي هذا القول نظر، والصحيح ما قدمناه من تأويل الجمهور، وقد قيل لأبي جعفر نزلت هذه الآية في علي، فقال علي من المؤمنين، والواو على هذا القول في قوله { وهم } واو الحال، وقام قوم نزلت الآية من أولها بسبب عبادة بن الصامت وتبريه من بني قينقاع, وقال ابن الكلبي نزلت بسبب قوم أسلموا من أهل الكتاب فجاؤوا فقالوا يا رسول الله بيوتنا بعيدة ولا متحدث لنا إلا مسجدك وقد أقسم قومنا أن لا يخالطونا ولا يوالونا، فنزلت الآية مؤنسة لهم

اسامة محمد خيري
16-09-2019, 12:45
الجوهرة التاسعة بعد المائة

{ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ }

قال السمين

قوله: { وَٱلْجُلُودُ } فيه وجهان، أظهرُهما: عَطْفُه على " ما " الموصولة أي: يُذابُ الذي في بطونِهم من الأمعاءِ، وتُذاب أيضاً الجلودُ أي: يُذاب ظاهرُهم وباطنُهم,. والثاني: أنه مرفوعٌ بفعلٍ مقدَّرٍ أي: وتُحْرَقُ الجلودُ. قالوا: لأن الجلدَ لا يُذابُ، إنما يَنْقَبِضُ وينكمشُ إذا صَلِي النارَ وهو في التقدير كقوله:
3378ـ عَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارداً ........................
[وقوله].
3379ـ......................... وزَجَّجْنَ الحواجــبَ والعيونـــا
[وقولِه تعالىٰ]:{ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ } [الحشر: 9]. فإنه على تقديرِ: وسَقَيْتُها ماءً، وكَحَّلُنَ العُيونا، واعتقدوا الإِيمانَ

{ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ }

قال السمين

قوله: { وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ }: على تقديرِ أَنْ يكونوا فيها كقولِه:{ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَاوَاتِ } [الرحمن: 33] أي: على تقديرِ أَنْ يكونوا فيها. وقال ابن زيد والفراء: " معناه ولا مَنْ في السماءِ أي: يُعْجِزُ إنْ عَصَى " يعني: أنَّ مَنْ في السماواتِ عطفٌ على " أنتم " بتقدير: إنْ يَعْصِ. قال الفراء: " وهذا من غوامضِ العربيةِ ". قلت: وهذا على أصلِه حيث يُجَوِّز حَذْفَ الموصولِ الاسميِّ وتَبْقى صلتُه. وأنشد:
3637 ـ أمَن يهْجُو رسولَ الله منكُمْ ويَنْصُرُه ويَمْدَحُه سَواءُ
وأبعدُ مِنْ ذلك مَنْ قدَّر موصولين محذوفين أي: وما أنتم بمعجِزِين مَنْ في الأرض مِن الإِنسِ والجنِّ ولا مَنْ في السماء من الملائكة، فكيف تُعْجِزُون خالقِها؟ وعلى قولِ الجمهورِ يكونُ المفعولُ محذوفاً أي: وما أنتم بمعجِزين أي: فائِتينَ ما يريدُ اللَّهُ بكم

وقال الالوسي

{ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } له تعالى عن إجراء حكمه وقضائه عليكم { فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء } أي بالهرب في الأرض الفسيحة أو الهبوط في مكان بعيد الغور والعمق بحيث لا يوصل إليه فيها ولا بالتحصن في السماء التي هي أفسح منها أو التي هي أمنع لمن حل فيها عن أن تناله أيدي الحوادث فيما ترون لو استطعتم الرقي إليها كما في قوله تعالى:{ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَـارِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ } [الرحمٰن: 33] أو البروج والقلاع المرتفعة في جهتها على ما قيل، وهو خلاف الظاهر، وقال ابن زيد والفراء: إن { فِى ٱلسَّمَاء } صلة موصول محذوف هو مبتدأ محذوف الخبر؛ والتقدير ولا من في السماء بمعجز، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، وضعف بأن فيه حذف الموصول مع بقاء صلته وهو لا يجوز عند البصريين إلا في الشعر كقول حسان:
أمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء
على ما هو الظاهر فيه، على أن ابن مالك اشترط في جوازه عطف الموصول المحذوف على موصول آخر مذكور كما في هذا البيت، وبأن فيه حذف الخبر أيضاً مع عدم الحاجة إليه، ولهذا جعل بعضهم الموصول معطوفاً على أنتم ولم يجعله مبتدأ محذوف الخبر ليكون العطف من عطف الجملة على الجملة، وزعم بعضهم أن الموصول محذوف في موضعين وأنه مفعول به لمعجزين وقال: التقدير وما أنتم بمعجزين من في الأرض أي من الإنس والجن ولا من في السماء أي من الملائكة عليهم السلام فكيف تعجزون الله عز وجل، ولا يخفى أن هذا في غاية البعد ولا ينبغي أن يخرج عليه كلام الله تعالى. وقيل ليس في الآية حذف أصلاً، والسماء هي المظلة إلا أن { أَنتُمْ } خطاب لجميع العقلاء فيدخل فيهم الملائكة ويكون السماء بالنظر إليهم والأرض بالنظر إلى غيرهم من الإنس والجن وهو كما ترى

اسامة محمد خيري
09-10-2019, 07:36
الجوهرة العاشرة بعد المائة

{ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ }

قال ابن الجوزى

قوله تعالى: { من الجِنَّة والناس } الجِنَّة: الجن. ومن معنى الآية قولان.

أحدهما: يوسوس في صدور الناس جِنَّتهم وناسهم، فسمى الجن هاهنا ناساً، كما سمَّاهم رجالاً في قوله تعالى{ يعوذُون برجال من الجن } [الجن:6] وسماهم نفراً بقوله تعالى:{ استَمَعَ نفر من الجن } [الجن:1] هذا قول الفراء. وعلى هذا القول يكون الوسواس موسوساً للجن، كما يوسوس للإنس.

والثاني: أن الوسواس: الذي يوسوس في صدور الناس، هو من الجِنَّة، وهم من الجن. والمعنى: من شر الوسواس الذي هو من الجن. ثم عطف قوله تعالى: «والناس» على «الوسواس». والمعنى: من شر الوسواس، ومن شر الناس، كأنه أمر أن يستعيذ من الجن والإنس، هذا قول الزجاج.

قال السمين:

قوله: { مِنَ ٱلْجِنَّةِ }: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه بدلٌ من " شَرِّ " بإعادة العاملِ، أي: مِنْ شَرِّ الجِنة. الثاني: أنه بدلٌ مِنْ ذي الوَسواس؛ لأنَّ المُوَسْوِسَ من الجنِّ والإِنس. الثالث: أنَّه حالٌ من الضمير في " يُوَسْوِسُ " أي: يُوَسْوِس حالَ كونِه مِنْ هذين الجنسَيْنِ. الرابع: أنه بدلٌ من " الناس " وجَعَلَ " مِنْ " تَبْييناً. وأَطْلَقَ على الجِنِّ اسمَ الناس؛ لأنهم يتحرَّكون في مُراداتهم، قاله أبو البقاء. إلاَّ أنَّ الزمخشري أبطلَ فقال بعد أَنْ حكاه: " واسْتَدَلُّوا بـ{ نَفَرٌ } [الجن: 1] و{ رِجَالٌ } [الجن: 6] ما أحقَّه؛ لأن الجنَّ سُمُّوا جِنَّاً لاجتنانِهم والناسَ ناساً لظهورِهم، من الإِيناس وهو الإِبصار، كما سُمُّوا بَشَراً. ولو كان يقع الناسُ على القبيلَيْنِ وصَحَّ وثَبَتَ لم يكن مناسِباً لفصاحةِ القرآن وبعده مِنَ التَصَنُّع، وأَجْوَدَ من أن يرادَ بالناس الناسي كقولِه:{ يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ } القمر: 6] وكما قرئ { مِنْ حيث أفاضَ الناسي } ثم بُيِّنَ بالجِنة والناس؛ لأنَّ الثَّقَلَيْن هما النوعان الموصوفانِ بنِسْيان حَقِّ اللَّهِ تعالى " قلت: يعني أنه اجتُزِئ بالكسرةِ عن الياء، والمرادُ اسمُ الفاعلِ، وقد تقدَّم تحقيق هذا في البقرة، وأَنْشَدْتُ عليه هناك شيئاً من الشواهد.

الخامس: أنه بيانٌ للذي يوسوِسُ، على أن الشيطان ضربان: إنسِيُّ وجنيُّ، كما قال{ شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ } [الأنعام: 112]. وعن أبي ذر: أنه قال لرجل: هل اسْتَعَذْتَ من شياطينِ الإِنس؟ السادس: أنَّه يتعلَّق بـ " يُوَسْوِس " و " مِنْ " لابتداءِ الغاية، أي: يُوَسْوِسُ في صدورِهم من جهة الجنِّ ومِنْ جهة الإِنس. السابع: أنَّ " والناس " عطفٌ على " الوَسْواس " أي: مِنْ شَرِّ الوَسْواس والناس. ولا يجوزُ عطفُه على الجِنَّةِ؛ لأنَّ الناسَ لا يُوَسْوِسُوْنَ في صدورِ الناس إنما يُوَسْوِس الجنُّ، فلمَّا استحالَ المعنى حُمِل على العطف على الوَسْواس، قاله مكي وفيه بُعْدٌ كبيرٌ لِلَّبْسِ الحاصلِ. وقد تقدَّم أنَّ الناسَ يُوَسْوِسون أيضاً بمعنىً يليقُ بهم.

الثامن: أنَّ { مِنَ ٱلْجِنَّةِ } حالٌ من " الناس " ، أي: كائنين من القبيلين، قاله أبو البقاء، ولم يُبَيِّنْ: أيُّ الناسِ المتقدمُ أنه صاحبُ الحالِ؟ وعلى كلِّ تقديرٍ فلا يَصِحُّ معنى الحاليةِ [في شيءٍ منها]، لا الأولُ ولا ما بعدَه. ثم قال: " وقيل: هو معطوف على الجِنَّة " يريد " والناسِ " الأخيرَ معطوفٌ على " الجِنة " وهذا الكلامُ يَسْتدعي تقدُّمَ شيءٍ قبلَه: وهو أَنْ يكونَ " الناس " عطفاً على غير الجِنة كما قال به مكي ثم يقول: " وقيل هو معطوفٌ على " الجِنة " وفي الجملة فهو كلامٌ متسامَحٌ فيه [سامَحَنا الله] وإياه وجميعَ خلقِه بمنِّة وكَرَمِه وخَتَمَ لنا منه بخيرٍ، وخَتَم لنا رِضاه عنَّا وعن جميع المسلمين.

اسامة محمد خيري
09-10-2019, 07:40
{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ }

قال السمين:

قوله: { وَلاَ مَوْلُودٌ }: جوَّزوا فيه وجهين، أحدهما: أنه مبتدأٌ، وما بعدَه الخبرُ. والثاني: أنه معطوفٌ على " والدٌ " ، وتكون الجملةُ صفةً له. وفيه إشكالٌ: وهو أنه نَفَى عنه أن يَجْزيَ، ثم وَصَفَه بأنه جازٍ. وقد يُجاب عنه: بأنه وإن كان جازياً عنه في الدنيا فليس جازياً عنه يوم القيامة فالحالان باعتبار زَمَنين.

وقد منع المهدويُّ أَنْ يكونَ مبتدأً قال: " لأنَّ الجملةَ بعده صفةٌ له فيبقى بلا خبرٍ، ولا مُسَوِّغَ غيرُ الوصف ". وهو سهوٌ. لأنَّ النكرةَ متى اعتمدَتْ على نفيٍ ساغ الابتداءُ بها. وهذا مِنْ أشهرِ مُسَوِّغاتِه. وقال الزمخشري: " فإن قلت: قوله: { وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً } وارِدٌ على طريقٍ من التوكيد لم يَرِدْ عليه ما هو معطوفٌ عليه. قلت: الأمر كذلك لأنَّ الجملةَ الاسميَّةَ آكدُ من الفعلية، وقد انضَمَّ إلى ذلك قولُه: " هو " وقوله: " مولودٌ ". قال: " ومعنى التوكيدِ في لفظِ المولود: أنَّ الواحدَ منهم لو شَفَعَ للوالدِ الأَدْنَى الذي وُلِد منه لم تُقْبَلْ منه فضلاً أَنْ يَشْفَعَ لمَنْ فوقَه مِنْ أجدادِه لأنَّ " الولدَ " يقع على الولدِ وولدِ الولدِ، بخلاف المولودِ فإنه للذي وُلِد منك " قال: " والسببُ في مجيئِه على هذا السَّنَنِ أنَّ الخطابَ للمؤمنين، وعِلِّيَّتُهم قُبِضَ آباؤُهم على الكفر، فأريد حَسْمُ أطماعِهم وأطماعِ الناسِ فيهم ".

والجملةُ مِنْ قولِه: " لا يَجْزِي " صفةٌ لـ " يومٍ " ، والعائدُ محذوفٌ أي: فيه، فحُذِف برُمَّتهِ أو على التدريج.

وقرأ عكرمة " لا يُجْزَى " مبنياً للمفعول. وأبو السَّمَّال وأبو السِّوار " لا يُجْزِئ " بالهمز، مِنْ أَجْزأ عنه أي: أغنى

اسامة محمد خيري
09-10-2019, 07:46
{ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ }

قال السمين

قوله: " والعملُ الصالحُ " العامَّةُ على الرفعِ. وفيه وجهان، أحدهما: أنَّه معطوفٌ على " الكلمُ الطيبُ " فيكون صاعداً أيضاً. و " يَرْفَعُه " على هذا استئنافُ إخبارٍ من اللَّهِ تعالى بأنه يرفعُهما، وإنِّما وُحِّد الضميرُ، وإنْ كان المرادُ الكَلِمَ والعملَ ذهاباً بالضميرِ مَذْهَبَ اسمِ الإِشارة، كقوله:{ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ } [البقرة: 68]. وقيل: لاشتراكِهما في صفةٍ واحدةٍ، وهي الصعودُ. والثاني: أنه مبتدأٌ، و " يرفَعُه " الخبرُ، ولكن اختلفوا في فاعل " يَرْفَعُه " على ثلاثةِ أوجهٍ، أحدُها: أنه ضميرُ اللَّهِ تعالى أي: والعملُ الصالحُ يرفعه اللَّهُ إليه. والثاني: أنه ضميرُ العملِ الصالحِ. وضميرُ النصبِ على هذا فيه وجهان، أحدُهما: أنه يعودُ على صاحب العمل، أي يَرْفَعُ صاحبَه. والثاني: أنه ضميرُ الكلمِ الطيبِ أي: العمل الصالح يرفع الكلمَ الطيبَ. ونُقِلَ عن ابن عباس. إلاَّ أنَّ ابنَ عطية منع هذا عن ابن عباس، وقال: " لا يَصِحُّ؛ لأنَّ مَذْهَبَ أهلِ السنَّة أنَّ الكلمَ الطيبَ مقبولٌ، وإنْ كان صاحبُه عاصياً ". والثالث: أنَّ ضميرَ الرفعِ للكَلِمِ، والنصبِ للعملِ، أي: الكَلِمُ يَرْفَعُ العملَ.

وقرأ ابن أبي عبلة وعيسى بنصبِ " العمل الصالح " على الاشتغالِ، والضميرُ المرفوعُ للكلم أو للَّهِ تعالى، والمنصوبُ للعملِ.

{ إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ }

قال السمين:

قوله: " والسَّلاسِلُ " العامَّةُ على رَفْعِها. وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه معطوفٌ على الأغلال، وأخبر عن النوعَيْن بالجارِ، فالجارُّ في نية التأخير. والتقديرُ: إذ الأغلالُ والسَّلاسلُ في أعناقِهم. الثاني: أنه مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ لدلالةِ خبر الأولِ عليه. الثالث: أنه مبتدأٌ أيضاً، وخبرُه الجملةُ مِنْ قولِه " يُسْحَبُون ". ولا بُدَّ مِنْ ذِكْرٍ يعودُ عليه منها. والتقديرُ: والسَّلاسل يُسْحَبُون بها حُذِفَ لقوةِ الدلالةِ عليه. فَيُسْحَبُون مرفوع المحلِّ على هذا الوجهِ. وأمَّا في الوجهَيْن المتقدِّمين فيجوز فيه النصبُ على الحالِ من الضمير المَنْوِيِّ في الجارِّ، ويجوزُ أَنْ يكونَ مستأنفاً.

وقرأ ابن مسعود وابنُ عباس وزيد بن علي وابن وثاب والمسيبي في اختيارِه " والسلاسلَ " نَصْباً " يَسْحَبون " بفتح الياءِ مبنياً للفاعلِ، فيكون " السلاسلَ " مفعولاً مقدماً، ويكونُ قد عَطَفَ جملةً فعليةً على جملةٍ اسميةٍ. قال ابن عباس في معنى/ هذه القراءة: " إذ كانوا يَجُرُّوْنها، فهو أشدُّ عليهم يُكَلَّفون ذلك، ولا يُطيقونه ". وقرأ ابنُ عباس وجماعةٌ " والسلاسلِ " بالجرِّ، " يُسْحَبون " مبنياً للمفعولِ. وفيها ثلاثةُ تأويلاتٍ، أحدُها: الحَمْلُ على المعنى تقديرُه: إذ أعناقُهم في الأغلالِ والسلاسلِ، فلمَّا كان معنى الكلام ذلك حُمِل عليه في العطف. قال الزمخشري: " ووجهُه أنه لو قيل: إذ أعناقُهم في الأغلال، مكانَ قوله: { إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ } لكان صحيحاً مستقيماً، فلمَّا كانتا عبارتين مُعْتَقِبتين حَمَلَ قولَه: " والسلاسل " على العبارةِ الأخرى.

ونظيرُه:
3941 ـ مَشائيمُ ليسوا مُصْلِحين عشيرةً ولا ناعِبٍ إلاَّ بِبَيْنٍ غُرابُها
كأنه قيل: بمُصْلحين " وقُرِئ " بالسلاسِل ". وقال ابن عطية: " تقديرُه: إذ أعناقُهم في الأغلالِ والسلاسِل، فعُطِفَ على المرادِ من الكلام لا على ترتيبِ اللفظِ، إذ ترتيبُه فيه قَلْبٌ وهو على حَدِّ قولِ العرب " أَدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رأسي ". وفي مصحف أُبَيّ { وفي ٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ }. قال الشيخ بعد قولِ ابنِ عطيةَ والزمخشريِّ المتقدِّم: " ويُسمَّى هذا العطفَ على التوهُّم، إلاَّ أنَّ تَوَهُّمَ إدخالِ حرفِ الجرِّ على " مُصْلِحين " أقربُ مِنْ تغييرِ تركيب الجملةِ بأَسْرها، والقراءةُ مِنْ تغييرِ تركيبِ الجملةِ السابقة بأَسْرِها. ونظيرُ ذلك قولُه:
3942 ـ أجِدَّكَ لن تَرَى بثُعَيْلِباتٍ ولا بَيْداءَ ناجيةً ذَمُوْلا
ولا متدارِكٍ والليلُ طَفْلٌ ببعضِ نواشِغِ الوادي حُمُوْلا
التقدير: لستَ براءٍ ولا متداركٍ. وهذا الذي قالاه سَبَقهما إليه الفراء فإنه قال: " مَنْ جَرَّ السلاسل حَمَله على المعنى، إذ المعنى: أعناقُهم في الأغلال والسلاسل ".

الوجه الثاني: أنه عطفٌ على " الحميم " ، فقدَّم على المعطوف عليه، وسيأتي تقريرُ هذا. الثالث: أن الجرَّ على تقدير إضمار الخافِضِ، ويؤيِّدُه قراءةُ أُبيّ " وفي السلاسل " وقرأه غيرُه " وبالسلاسل " وإلى هذا نحا الزجَّاج. إلاَّ أنَّ ابنَ الأنباري رَدَّه وقال: " لو قلتَ: " زيد في الدارِ " لم يَحْسُنْ أَنْ تُضْمَر " في " فتقول: " زيدٌ الدارِ " ثم ذكر تأويلَ الفراء. وخَرَّج القراءةَ عليه ثم قال: كما تقول: " خاصَمَ عبدُ الله زيداً العاقلَيْن " بنصب " العاقلين " ورفعِه؛ لأنَّ أحدَهما إذا خاصمه صاحبه، فقد خاصمه الآخرُ. وهذه المسألةُ ليسَتْ جاريةً على أصول البصريين، ونَصُّوا على مَنْعها، وإنما قال بها من الكوفيين ابنُ سعدان. وقال مكيٌّ: " وقد قُرِئَ والسلاسلِ، بالخفضِ على العطف على " الأَعْناق " وهو غَلَط؛ لأنه يَصير: الأغلال في الأعناق وفي السلاسل، ولا معنى للأغلال في السلاسل ". قلت: وقوله على العطفِ على " الأعناقِ " ممنوعٌ بل خَفْضُه على ما تقدَّم. وقال أيضاً: " وقيل: هو معطوفٌ على " الحميم " وهو أيضاً لا يجوزُ؛ لأنَّ المعطوفَ المخفوضَ لا يتقدَّم على المعطوفِ عليه، لو قلت: " مررتُ وزيدٍ بعمروٍ " لم يَجُزْ، وفي المرفوع يجوزُ نحو: " قام وزيدٌ عمرو " ويَبْعُد في المنصوب، لا يَحْسُنُ: " رأيتُ وزيداً عمراً " ولم يُجِزْه في المخفوض أحدٌ ".

قلت: وظاهرُ كلامِه أنه يجوزُ في المرفوع بعيدٌ، وقد نصُّوا أنه لا يجوزُ إلاَّ ضرورةً بثلاثة شروطٍ: أن لا يقعَ حرفُ العطفِ صدراً، وأَنْ يكونَ العاملُ متصرفاً، وأَنْ لا يكونَ المعطوفُ عليه مجروراً، وأنشدوا:
3943 ـ........................ عليكِ ورحمةُ اللَّهِ السَّلامُ
إلى غيرِ ذلك من الشواهدِ، مع تَنْصيصِهم على أنه مختصُّ بالضرورة

وقال القرطبي

وٱلسَّلاَسِلُ } بالرفع قراءة العامة عطفاً على الأغلال. قال أبو حاتم: { يُسْحَبُونَ } مستأنف على هذه القراءة. وقال غيره: هو في موضع نصب على الحال، والتقدير: «إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ» مسحوبين. وقرأ ابن عباس وأبو الجوزاء وعكرمة وابن مسعود «والسَّلاسِلَ» بالنصب «يُسْحَبُونَ» بفتح الياء والتقدير في هذه القراءة ويسحبون السلاسل. قال ابن عباس: إذا كانوا يجرونها فهو أشدّ عليهم. وحكي عن بعضهم «والسلاسِلِ» بالجر ووجهه أنه محمول على المعنى لأن المعنى أعناقهم في الأغلال والسلاسلِ قاله الفرّاء. وقال الزجاج: ومن قرأ «والسلاسِلِ يسحبون» بالخفض فالمعنى عنده وفي «السلاسِلِ يُسْحَبُونَ». قال ابن الأنباري: والخفض على هذا المعنى غير جائز لأنك إذا قلت زيد في الدار لم يحسن أن تضمر «في» فتقول زيد الدارِ، ولكن الخفض جائز على معنى إذ أعناقهم في الأغلال والسلاسل، فتخفض السلاسل على النسق على تأويل الأغلال لأن الأغلال في تأويل الخفض كما تقول: خاصم عبد الله زيداً العاقلين فتنصب العاقلين. ويجوز رفعهما لأن أحدهما إذا خاصم صاحبه فقد خاصمه صاحبه أنشد الفرّاء:
قد سَالَم الحياتِ مِنه القدَمَا الأُفْعُوَانَ والشُّجاعَ الشَّجْعَما
فنصب الأفعوان على الإتباع للحيات إذا سالمت القدم فقد سالمتها القدم. فمن نصب السلاسل أو خفضها لم يقف عليها.

اسامة محمد خيري
09-10-2019, 07:57
وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ }

قال السمين

قوله: { وَقَوْمَ نُوحٍ }: قرأ الأخَوان وأبو عمرو بجرِّ الميم، والباقون/ بنصبها. وأبو السَّمَّال وابن مقسم وأبو عمرو في روايةِ الأصمعيِّ " وقومُ " بالرفع. فأمَّا الخفضُ ففيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه معطوفٌ على " وفي الأرض ". الثاني: أنه معطوفٌ على " وفي موسى " الثالث: أنه معطوفٌ على " وفي عاد ". الرابع: أنه معطوفٌ على " وفي ثمودَ " ، وهذا هو الظاهرُ لقُرْبِه وبُعْدِ غيرِه. ولم يذكرْ الزمخشريُّ غيرَه فإنه قال: " وقُرِىء بالجرِّ على معنى " وفي قوم نوح ". ويُقَوِّيه قراءةُ عبد الله " وفي قوم نوح ". ولم يَذْكُرْ أبو البقاء غيرَ الوجهِ الأخيرِ لظهورِه.

وأمّا النصبُ ففيه ستةُ أوجهٍ، أحدها: أنه منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ أي: وأهلَكْنا قومَ نوح؛ لأنَّ ما قبلَه يَدُلُّ عليه. الثاني: أنه منصوبٌ بـ اذْكُرْ مقدراً، ولم يَذْكُرْ الزمخشريُّ غيرَهما. الثالث: أنَّه منصوبٌ عطفاً على مفعول " فأَخَذْناه ". الرابع: أنه معطوفٌ على مفعول { فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ } وناسَبَ ذلك أنَّ قومَ نوح مُغْرقون من قبلُ. لكنْ يُشْكِلُ أنَّهم لم يَغْرَقوا في اليمِّ. وأصلُ العطفِ أَنْ يقتضيَ التشريكَ في المتعلَّقات. الخامس: أنَّه معطوفٌ على مفعولِ " فَأَخَذَتْهم الصاعقةُ ". وفيه إشكالٌ؛ لأنهم لم تأخُذْهم الصاعقةُ، وإنما أُهْلكوا بالغَرَقِ. إلاَّ أَنْ يُرادَ بالصاعقةِ الداهيةُ والنازلةُ العظيمة من أيِّ نوع كانت، فيَقْرُبُ ذلك. السادس: أنه معطوفٌ على محلِّ " وفي موسى " ، نقله أبو البقاء وهو ضعيفٌ.

وأما الرفعُ على الابتداءِ والخبرُ مقدَّرٌ أي: أهلَكْناهم. وقال أبو البقاء: " والخبرُ ما بعدَه " يعني مِنْ قولِه: إنهم كانوا قوماً فاسقين. ولا يجوز أَنْ يكونَ مرادُه قولَه: " من قبلُ "؛ إذ الظرفُ ناقصٌ فلا يُخبَرُ به.......

{ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ }

قال السمين:

قوله: { وَالَّذِينَ آمَنُواْ }: فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه مبتدأٌ، والخبرُ الجملةُ من قولِه: { أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } والذُّرِّيَّةُ هنا تَصْدُق على الآباء وعلى الأبناء أي: إنَّ المؤمنَ إذا كان عملُه أكبرَ أُلْحِقَ به مَنْ دونَه في العمل، ابناً كان أو أباً، وهو منقولٌ عن ابن عباس وغيرِه. والثاني: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ. قال أبو البقاء: " على تقدير وأكرَمْنا الذين آمنوا ". قلت: فيجوزُ أَنْ يريدَ أنه من باب الاشتغالِ وأنَّ قولَه: { أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } مُفَسِّر لذلك الفعلِ من حيث المعنى، وأَنْ يريدَ أنه مضمرٌ لدلالةِ السياقِ عليه، فلا تكونُ المسألةُ من الاشتغالِ في شيء.

والثالث: أنه مجرورٌ عطفاً على " حورٍ عينٍ ". قال الزمخشري: " والذين آمنوا معطوفٌ على " حورٍ عينٍ " أي: قَرَنَّاهم بالحورِ وبالذين آمنوا أي: بالرُّفَقاءِ والجُلَساءِ منهم، كقوله:{ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ } [الحجر: 47] فيتمتَّعون تارةً بملاعبةِ الحُور، وتارةً بمؤانسةِ الإِخوانِ ". ثم قال الزمخشري: " ثم قال تعالى: { بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } أي: بسببِ إيمانٍ عظيمٍ رفيعِ المحلِّ وهو إيمانُ الآباءِ أَلْحَقْنا بدَرَجَتِهم ذرِّيَّتَهم، وإنْ كانوا لا يَسْتَأهِلُونها تَفَضُّلاً عليهم ".

قال الشيخ: " ولا يتخيَّلُ أحدٌ أنَّ " والذين آمنوا " معطوفٌ على " بحورٍ عينٍ " غيرُ هذا الرجلِ، وهو تخيُّلُ أعجميٍّ مُخالفٍ لِفَهْمِ العربيِّ القُحِّ ابنِ عباسٍ وغيرِه ". قلت: أمَّا ما ذكره أبو القاسم من المعنى فلا شكَّ في حُسْنِه ونَضارَتِه، وليس في كلامِ العربيِّ القُحِّ ما يَدْفَعُه، بل لو عُرِض على ابنِ عباسٍ وغيرِه لأَعْجبهم. وأيُّ مانعٍ معنوي أو صناعي يمنعُه؟......

{ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ }

قال السمين

قوله: { أَوْ تَفْرِضُواْ } فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أنه مجزومٌ عطفاً على " تَمَسُّوهُنَّ " ، و " أَو " على بابها من كونِها لأحدِ الشيئين، قاله ابن عطية. والثاني: أنه منصوبٌ بإضمار أَنْ عطفاً على مصدرٍ متوهمٍ، و " أو " بمعنى إلاَّ التقدير: ما لم تَمَسُّوهُنَّ إلا أَنْ تَفْرِضُوا، كقولِهِم: لألزَمَنَّكَ أو تقضيَني حقي، قاله الزمخشري. والثالث: أنه معطوفٌ على جملةٍ محذوفةٍ تقديره: " فَرَضْتُم أو لم تَفْرِضُوا " فيكونُ هذا من بابِ حذفِ الجزمِ وإبقاءِ عمله، وهو ضعيفٌ جداً، وكأنَّ الذي حَسَّنَ هذا كونُ لفظِ " لم " موجوداً قبل ذلك. والرابع: أن تكونَ " أو " بمعنى الواو، و " تَفْرِضُوا " عطفاً على " تَمَسُّوهُنَّ " فهو مجزومٌ أيضاً.

وقال القرطبي

الخامسة ـ قوله تعالى: { مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ } «ما» بمعنى الذي، أي إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن. و «تمسوهن» قرىء بفتح التاء من الثلاثي، وهي قراءة نافع وٱبن كثير وأبي عمرو وعاصم وٱبن عامر. وقرأ حمزة والكسائيّ «تماسوهن» من المفاعلة لأن الوطء تَمّ بهما وقد يَرِد في باب المفاعلة فاعل بمعنى فَعل نحو طارقت النعل، وعاقبت اللّصّ. والقراءة الأُولى تقتضي معنى المفاعلة في هذا الباب بالمعنى المفهوم من المس ورجحها أبو علي لأن أفعال هذا المعنى جاءت ثلاثية على هذا الوزن، جاء: نَكَح وسَفَد وقَرَع ودَفَط وضَرَب الفحلُ والقراءتان حسنتان. و «أو» في «أَوْ تَفْرِضُوا» قيل هو بمعنى الواو أي ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن كقوله تعالى:{ وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ } [الأعراف: 4] أي وهم قائلون. وقولِه:{ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } [الصافات: 147] أي ويزيدون. وقوله:{ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً } [الإنسان: 24] أي وكفورا. وقوله:{ وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ } [النساء: 43] معناه وجاء أحد منكم من الغائط وأنتم مرضى أو مسافرون. وقوله:{ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ } [الأنعام: 146] وما كان مِثله. ويعتضد هذا بأنه تعالى عطف عليها بعد ذلك المفروض لها فقال: { وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً }. فلو كان الأوّل لبيان طلاق المفروض لها قبل المسِيس لما كرّره.

وقال ابن العربي فى اخكام القران

اختلف الناسُ في تقديرها؛ فمنهم مَنْ قال: معناها لا جُناحَ عليكم إنْ طلقتُم النساءَ المفروضَ لهنّ الصداق من قَبْل الدخول ما لم تمسوهنّ، وغير المفروض لهنّ قبل الفَرْض؛ قاله الطبري واختاره.
ومنهم من قال: معناها إنْ طلّقْتُم النساءَ ما لم تمسوهنّ ولم تفرضوا لهنّ فريضة. وتكون أو بمعنى الواو.
الثالث: أن يكون في الكلام حذفٌ تقديرُه لا جناحَ عليكم إنْ طلقتم النساء فرضتم أو لم تفرضوا.
وهذه الأقوال ترجع إلى معنيين:
أحدهما: أن تكون أو بمعنى الواو.
الثاني: أن يكون في الكلام حذْفٌ تقدَّرُ به الآية، وتَبْقَى أو على بابها، وتكون بمعنى التفصيل والتقسيم والبيان، ولا ترجع إلى معنى الواو، كقوله تعالى: {ولا تُطِعْ منهم آثِماً أو كَفُوراً} [الإنسان:24]. فإنها للتفصيل.
واحتجّ من قال إنها بمعنى الواو بأنه عطفَ عليها بعد ذلك المفروض لهن. فقال تعالى: {وإنْ طلَّقْتموهنَّ من قبل أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وقد فرضْتُم لهن فَرِيضةً فنِصْفُ ما فَرَضْتُم}، فلو كان الأولُ لبيان طلاق المفروض لهنّ قبل المسيس لما كرَّره، وهذا ظاهر.

اسامة محمد خيري
09-10-2019, 08:12
{ إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }

قال ابن الجوزى

قوله تعالى: { أن يقتلوا أو يصلبوا } اختلف العلماء هل هذه العقوبة على الترتيب، أم على التخيير؟ فمذهب أحمد رضي الله عنه أنها على الترتيب، وأنهم إِذا قتلوا، وأخذوا المال، أو قتلوا ولم يأخذوا، قُتِلوا وصلِّبوا، وإِن أخذوا المال، ولم يقتلوا، قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإِن لم يأخذوا المال، نُفوا. قال ابن الأنباري: فعلى هذا تكون «أو» مبعّضة، فالمعنى: بعضهم يفعل به كذا، وبعضهم كذا، ومثله قوله:{ كونوا هوداً أو نصارى } [البقرة: 135].

المعنى: قال بعضهم هذا، وقال بعضهم هذا. وهذا القول اختيار أكثر اللغويين.

وقال الشافعي: إِذا قتلوا وأخذوا المال، قُتِلوا وصُلِّبوا، وإِذا قتلوا ولم يأخذوا المال، قُتلوا ولم يُصلَّبوا، وإِذا أخذوا المال ولم يَقتلوا، قُطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف.

وقال مالك: الإِمام مخير في إِقامة أيِّ الحدود شاء، سواء قتلوا أو لم يقتلوا، أخذوا المال أو لم يأخذوا، والصلب بعد القتل. وقال أبو حنيفة، ومالك: يُصْلب ويُبعج برمحٍ حتى يموت. واختلفوا في مقدار زمان الصّلب، فعندنا أنه يُصلب بمقدار ما يشتهر صلبُه. واختلف أصحاب الشافعي، فقال بعضهم: ثلاثة أيام، وهو مذهب أبي حنيفة، وقال بعضهم: يترك حتى يسيل صديده. قال أبو عبيدة: ومعنى «من خلاف» أن تُقطَع يدُه اليُمنى ورجله اليسرى، يُخالَف بين قطعهما. فأما «النفي» فأصله الطرد والإِبعاد.

{ إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ }

قال السمين:

وحكى الزمخشري أنه قرىء: " وهذا النبيِّ " بالنصب والجر، فالنصبُ نسق على مفعول " اتبعوه " فيكون النبي صلى الله عليه وسلم قد اتَّبعه غيرُه كما اتبع إبراهيم، والتقدير: للذين اتبعوا إبراهيم وهذا النبيُّ: ويكون قوله: " والذين آمنوا " نسقاً على قوله: " للَّذين اتبعوه ". والجر نسقٌ على " إبراهيم " ، أي: إن أولى الناس بإبراهيم وبهذا النبي للذين اتبعوه، وفيه نظرٌ من حيث إنه كان ينبغي أَنْ يُثَنَّى الضمير في " اتبعوه " فيقال: اتبعوهما، اللهم إلا أن يقال: هو من باب{ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } [التوبة: 62].

{ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ }

قال السمين

قوله تعالى: { وَأَنِ ٱحْكُم }: فيه أربعةُ أوجه، أحدها: أنَّ محلَّها النصبُ عطفاً على الكتاب، أي: وأَنْزلنا إليكم الحكمَ. والثاني: أنها في محلِّ جرٍ عطفاً على " بالحق " أي: أَنْزلناه بالحقِّ وبالحكم " وعلى هذا الوجهِ فيجوزُ في محلِّ " أَنْ " النصبُ والجرُّ على الخلافِ المشهور. والثالث: أنَّها في محلِّ رفعٍ على الابتداء وفي تقديره خبره احتملان أحدُهما: أنْ تقدِّر متأخراً أي: حكمُك بما أنزلَ اللّهُ أمرُنا أو قولنا، والآخر: أن تقدِّره متقدماً أي: ومن الواجبِ أن احكم أي: حكمُك. والرابع: أنها تفسيريةٌ، قال أبو البقاء: " وهو بعيدٌ لأن الواو تمنع من ذلك، والمعنى يُفْسِدُ ذلك، لأنَّ " أَنْ " التفسيريةَ ينبغي أن يَسْبِقها قولٌ يُفَسَّر بها " أمَّا ما ذكره مِنْ مَنْعِ الواو أَنْ تكون " أَنْ " تفسيريةً فواضح، وأمَّا قولُه: " يسبِقُها قولٌ " إصلاحُه أن يقولَ: " ما هو بمعنى القول لا حروفه " ثم قال: " ويمكنُ تصحيحُ هذا القولِ بأن يكون التقدير: وأمرناك، ثم فَسَّر هذا الأمرَ بـ " احكم " ومنع الشيخُ من تصحيحِ هذا القول بما ذكره أبو البقاء، قال: " لأنه لم يُحْفَظْ من لسانِهم حذفُ الجملةِ المفسَّرة بـ " أَنْ " وما بعدها " وهو كما قال

وقال القرطبي

قوله تعالى: { وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ } تقدم الكلام فيها، وأنها ناسخة للتخيير. قال ابن العربي: وهذه دعوى عريضة فإن شروط النسخ أربعة: منها معرفة التاريخ بتحصيل المتقدّم والمتأخر، وهذا مجهول من هاتين الآيتين فامتنع أن يدعى أن واحدة منهما ناسخة للأُخرى، وبقي الأمر على حاله. قلت: قد ذكرنا عن أبي جعفر النحاس أن هذه الآية متأخرة في النزول فتكون ناسخة إلا أن يقدّر في الكلام { وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ } إن شئت لأنه قد تقدّم ذكر التخيير له، فآخر الكلام حُذف التخيير منه لدلالة الأوّل عليه لأنه معطوف عليه، فحكم التخيير كحكم المعطوف عليه، فهما شريكان وليس الآخر بمنقطع مما قبله إذ لا معنى لذلك ولا يصح، فلا بد من أن يكون قوله: { وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ } معطوفاً على ما قبله من قوله:{ وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ } [المائدة: 42] ومن قوله:{ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } [المائدة: 42] فمعنى { وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ } أي أحكم بذلك إن حكمت واخترت الحكم فهو كله محكم غير منسوخ لأن الناسخ لا يكون مرتبطاً بالمنسوخ معطوفاً عليه، فالتخيير للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك محكم غير منسوخ، قاله مكي رحمه الله. «وَأَنِ ٱحْكُمْ» في موضع نصب عطفاً على الكتاب أي وأنزلنا إليك أن احكم بينهم بما أنزل الله، أي بحكم الله الذي أنزله إليك في كتابه. { وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ } «أَنْ» بدل من الهاء والميم في «وَاحْذَرْهُمْ» وهو بدل اشتمال، أو مفعول من أجله أي من أجل أن يفتنوك. وعن ابن إسحاق قال ابن عباس: اجتمع قوم من الأحبار منهم ابن صُوريا وكعب بن أسد وابن صَلُوبَا وشَأس بن عديّ وقالوا: اذهبوا بنا إلى محمد فلعلنا نفتِنه عن دينه فإنما هو بشر فأتوه فقالوا: قد عرفت يا محمد أنّا أحبار اليهود، وإن اتبعناك لم يخالفنا أحد من اليهود، وإن بيننا وبين قوم خصومة فنحاكمهم إليك، فٱقِض لنا عليهم حتى نؤمِن بك فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية.

اسامة محمد خيري
09-10-2019, 08:16
{ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ }

قال القرطبي

وقد تقدم القول في الطاغوت، أي وجعل منهم من عَبَد الطاغوتَ، والموصول محذوف عند الفراء. وقال البصريون: لا يجوز حذف الموصول والمعنى من لعنه الله وعَبَد الطاغوتَ. وقرأ ٱبن وثّاب والنَّخَعيّ «أُنْبِئُكُمْ» بالتخفيف. وقرأ حمزة: «عَبُدَ الطَّاغُوت» بضم الباء وكسر التاء جعله إسماً على فَعُل كعَضُد فهو بناء للمبالغة والكثرة كيَقُظ ونَدُس وحَذُر، وأصله الصفة ومنه قول النابغة.
مِن وَحْشِ وَجْرة مَوْشِيّ أَكَارِعُه طَاوِي المَصِيرِ كَسيف الصَّيْقَل الفَرُد
بضم الراء. ونصبه بـ «جعل» أي جعل منهم عَبُداً للطاغوتِ، وأضاف عَبُد إلى الطاغوت فخفضه. وجَعَل بمعنى خلق، والمعنى: وجَعَل منهم من يبالغ في عِبادة الطاغوت. وقرأ الباقون بفتح الباء والتاء وجعلوه فعلاً ماضياً، وعَطفوه على فعل ماض وهو غَضِب ولَعَن والمعنى عندهم من لَعَنه الله ومن عَبَد الطاغوتَ، أو منصوباً بـ «جعل» أي جَعَل منهم القِردة والخنازير وَعَبد الطاغوتَ. ووحد الضمير في عَبَد حملاً على لفظ «مَنْ» دون معناها. وقرأ أُبيّ وٱبن مسعود «وَعَبَدُوا الطاغوتَ» على المعنى. ٱبن عباس: «وعُبُدَ الطَّاغُوتِ»، فيجوز أن يكون جمع عَبْد كما يقال: رَهْن ورُهُن، وسَقْف وسُقُف، ويجوز أن يكون جمع عِباد كما يقال: مِثَال ومُثُل، ويجوز أن يكون جمع عَبِيد كرغيف ورُغُفٍ ويجوز أن يكون جمع عابد كبازِل وبُزُل والمعنى: وخدم الطّاغوتِ. وعن ٱبن عباس أيضاً «وعُبَّدَ الطَّاغوتَ» جعله جمع عابد كما يقال: شَاهِد وشُهَّد وغَايب وغُيَّب. وعن أَبي واقد: وعُبَّاد الطاغوتِ للمبالغة، جمع عابد أيضاً كعامل وعُمّال، وضارب وضُرّاب. وذكر محبوب أن البصريين قرءوا: «وعِبَادَ الطاغوتِ» جمع عابد أيضاً، كقائم وقيَام، ويجوز أن يكون جمع عَبْد. وقرأ أبو جعفر الرؤاسي «وعُبِدَ الطّاغُوتُ» على المفعول، والتقدير: وعُبِدَ الطاغوتُ فيهم. وقرأ عون العُقَيْليّ وٱبن بُرَيدة: «وعَابِدُ الطَّاغُوتِ» على التوحيد، وهو يؤدّي عن جماعة. وقرأ ٱبن مسعود أيضاً «وعُبَدَ الطَّاغُوتِ» وعنه أيضاً وأُبيّ «وعُبِدَتِ الطَّاغُوتُ» على تأنيث الجماعة كما قال تعالى:{ قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ } [الحجرات: 14]. وقرأ عبيد بن عمير: «وَأَعْبُدَ الطَّاغُوتِ» مثل كلب وأكلب. فهذه ٱثنا عشر وجهاً

وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ وَٱتَّقُوهُ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }

قال السمين

قوله تعالى: { وَأَنْ أَقِيمُواْ }: فيه أقوال أحدها: أنها في محل نصب بالقول نسقاً على قوله: إنَّ هُدَى الله هو الهدى أي: قل هذين الشيئين. والثاني: أنه نسقٌ على " لِنُسْلَم " والتقدير: وأمرنا بكذا للإِسلام ولنقيم الصلاة، و " أن " توصل بالأمر كقولهم: " كتبت إليه بأن قم " حكاه سيبويه وهذا رأي الزجاج، والثالث: أنه نسق على " ائتنا " قال مكي: " لأن معناه أن ائتنا " وهو غير ظاهر. والرابع: أنه معطوف على مفعول الأمر المقدَّر والتقدير: وأُمِرْنا بالإِيمان وبإقامة الصلاة، قاله ابن عيطة.

قال الشيخ: " وهذا لا بأسَ به إذ لا بد من التقدير المفعول الثاني لـ " أُمِرْنا " ويجوز حَذْفُ المعطوف عليه لفهم المعنى، تقول: أضربت زيداً؟ فيجيب: نعم وعمراً، التقدير: ضربته وعمراً. وقد أجاز الفراء: " جاءني الذي وزيد قائمان " التقدير: الذي هو وزيدٌ قائمان، فحذف " هو " لدلالة المعنى عليه " وهذا الذي قال إنه لا بأس به ليس من أصول البصريين. وأمَّا " نَعَمْ وعَمْراً " فلا دلالة فيه لأنَّ " نَعَمْ " قامَتْ مقامَ الجملة المحذوفة. وقال مكي قريباً من هذا القول إلا أنه لم يُصَرِّحْ بحذف المعطوف عليه فإنه قال: " وأن في موضع نصب بحذفِ الجارِّ تقديرُه: وبأَنْ أَقيموا " فقوله: وبأن أقيموا هو معنى قول ابنِ عطية، إلا أن ذاك أوضحه بحذف المعطوف عليه.

وقال الزمخشري: " فإن قلت: علام عطف قوله { وَأَنْ أَقِيمُواْ }؟ قلت: على موضع " لِنُسْلِمَ " كأنه قيل: وأُمِرْنا أن نسلم وأن أقيموا " قال الشيخ: " وظاهر هذا التقدير أنَّ " لنسلم " في موضع المفعول الثاني لـ " أُمِرْنا " وعُطِفَ عليه " وأَنْ أقيموا " فتكون اللام على هذا زائدة وكان قد قدَّم قبل هذا أن اللام تعليل للأمر فتناقض كلامه، لأن ما يكون علةً يستحيل أن يكون مفعولاً ويدل على أنه أراد بقوله: " أن نسلَم في موضع المفعول الثاني " قوله بعد ذلك " ويجوز أن يكونَ التقديرُ: وأُمِرْنا لأن نسلم ولأن أقيموا أي للإِسلام ولإِقامة الصلاة، وهذا قول الزجاج، فلو لم يكن هذا القول مغايراً لقوله الأول لاتَّحد قولاه وذلك خُلْف ".

وقال الزجاج: " أن أقيموا عطف على قوله " لِنُسْلِمَ " تقديره: وأُمِرْنا لأن نُسْلِمَ وأن أقيموا " قال ابن عطية: " واللفظ يمانعه لأنَّ " نُسْلِمَ " مُعْربٌ و " أقيموا " مبني وعطف المبنيِّ على المعرب لا يجوز؛ لأنَّ العطفَ يقتضي التشريك في العامل ".

قال الشيخ " وما ذُكِرَ من أنه لا يُعْطف المبني على المعرب ليس كما ذكر، بل يجوز ذلك نحو: " قام زيد وهذا " وقال تعالى:{ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ } [هود: 98]، غاية ما في الباب أنَّ العمل يؤثر في المعرب ولا يؤثر في المبني، وتقول: " إنْ قام زيد ويقصدْني أُكرمه " فـ " إن " لم تؤثر في " قام " لأنه مبنيٌّ وأثَّرت في " يقصِدْني " لأنه معرب " ثم قال ابن عطية: " اللَّهم إلا أن تجعل العطف في " إنْ " وحدها، وذلك قلق، وإنما يتخرَّج على أن يقدَّر قوله " وأن أقيموا " بمعنى " ولنقم " ثم خرجَتْ بلفظ الأمرِ لما في ذلك جزالةِ اللفظ، فجاز العطف على أن يُلغى حكم اللفظ ويُعَوَّلَ على المعنى، ويُشْبه هذا من جهةِ ماحكاه يونس عن العرب: " ادخلوا الأول فالأول " وإلاَّ فلا يجوز إلا: الأولَ فالأولَ بالنصب "

قال الشيخ: " وهذا الذي استدركه بقوله " اللهم إلا " إلى آخره هو الذي أراده الزجاج بعينه، وهو أنَّ " أَنْ أقيموا " معطوفٌ على " أن نُسْلِمَ " وأنَّ كليهما علة للمأمور به المحذوف؛ وإنما قلق عند ابن عطية لأنه أراد بقاء " أن أقيموا " على معناها من موضوع الأمر وليس كذلك، لأنَّ " أَنْ " إذا دخلت على فعل الأمر وكانت المصدرية انسبك منها ومن الأمر مصدر، وإذا انسبك منهما مصدر زال معنى الأمر، وقد أجاز النحويون سيبوبه وغيره أن تُوْصَلَ أَنْ المصدرية الناصبةُ للمضارع بالماضي والأمر. قال سيبويه: " وتقول: كتبت إليه بأَنْ قم، أي بالقيام " فإذا كان الحكم كذا كان قوله " لنُسْلِمَ و " أَنْ أقيموا " في تقدير: للإِسلام ولإِقامة الصلاة، وأمَّا تشبيه ابن عطية له بقوله: " ادخلوا الأولُ فالأولُ " بالرفع فليس بشبيهٍ لأن " ادخلوا " لا يمكن لو أزيل عنه الضمير أن يتسلط على ما بعده بخلاف " أَنْ " فإنها توصلُ بالأمر فإذن لا شبه بينهما " انتهى.

أمَّا قولُ الشيخ " وإنما قَلِقَ عند ابن عطية لأنه أراد بقاء " أَنْ أقيموا " على معناها من موضوع الأمر " فليس القلقُ عنده لذلك فقط كما حصره الشيخ، بل لأمرٍ آخر من جهة اللفظ وهو أنَّ السِّياقَ التركيبي يقتضي على ما قاله الزجاج أن يكون " لنسلم " وأن نقيم، فتأتي في الفعل الثاني بضمير فلما لم يقل ذلك قلق عنده، ويدلُّ على ما ذكرته قول ابن عطية " بمعنى ولنقم، ثم خرجت بلفظ الأمر " إلا آخره.

والخامس: أنه محمول على المعنى، إذ المعنى: قيل لنا: أسْلِموا وأن أقيموا.

وقال القرطبي

ويجوز أن يكون «وأن أقيموا الصلاة» عطفاً على المعنى، أي يدعونه إلى الهدى ويدعونه أن أقيموا الصلاة؛ لأن معنى ٱئتنا أنِ ٱئتنا

اسامة محمد خيري
09-10-2019, 13:14
{ ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ }

قال السمين

قوله تعالى: { ثُمَّ آتَيْنَا }: أصل " ثم " المهلة في الزمان، وقد تأتي للمهلة في الأخبار. وقال الزجاج: " هو معطوف على " أتل " تقديره: أتل ما حَرَّم ثم أتل آتينا، وقيل: هو عطف على " قل " على / إضمار قل أي: ثم قل آتينا. وقيل: تقديره ثم أخبركم آتينا. وقال الزمخشري: " عطف على وصَّاكم به ". قال: " فإن قلت: كيف صح عطفه عليه بـ ثم، والإِيتاء قبل التوصية به بدهر طويل؟ قلت: هذه التوصية قديمة لم يزل تتواصاها كل أمة على لسان نبيها فكأنه قيل: ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديماً وحديثاً، ثم أعظم من ذلك أنَّا آتينا موسى الكتاب. وقيل: هو معطوف على ما تقدم قبل شطر السورة من قوله{ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ } [الأنعام: 84]. وقال ابن عطية: " مُهْلَتُها في ترتيب القول الذي أمر به محمد صلى الله عليه وسلم كأنه قال: ثم ممَّا وصَّيناه أنَّا آتينا موسى الكتاب ويدعو إلى ذلك أن موسى عليه السلام متقدِّم بالزمان على محمد عليه السلام ". وقال ابن القشيري: " في الكلام محذوف تقديره: ثم كنَّا قد آتينا موسى الكتاب قبل إنزالنا القرآن على محمد عليه الصلاة والسلام ". وقال الشيخ: " والذي ينبغي أن يُسْتعمل للعطف كالواو من غير اعتبار مهلة، وبذلك قال بعض النحويين ". قلت: وهذه استراحة، وأيضاً لا يلزمُ من انتفاء المهلة انتفاء الترتيب فكان ينبغي أن يقول من غير اعتبار ترتيب ولا مُهْلَةٍ على أن الفرض في هذه الآية عدمُ الترتيب في الزمان

{ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }

قال السمين

قوله: { فَيُضِلُّ } استئنافُ إخبارٍ، ولا يجوز نصبُه عطفاً على ما قبله، لأنَّ المعطوفَ كالمعطوف عليه في المعنى، والرسلُ اُرْسِلَتْ للبيانِ لا للإِضلالِ. قال الزجاج: لو قَرِئ بنصبِه على أنًّ اللامَ لامُ العاقبة جاز

{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ }

قال السمين

قوله: { وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ }: فيه أوجهٌ أحدُها: أنه مرفوعٌ بفعلٍ مضمرٍ تقديرُه: ويَسْجُدُ له كثيرٌ من الناس. وهذا عند مَنْ يمنعُ استعمالَ المشتركِ في معَنيْيه، أو الجمعَ بين الحقيقة والمجازِ، في كلمةٍ واحدةٍ؛ وذلك أنَّ السجودَ المسندَ لغيرِ العقلاءِ غيرُ السجود المسندِ للعقلاءِ، فلا يُعْطَفُ " كثيرٌ من الناس " على ما قبلَه لاختلافِ الفعلِ المسندِ إليهما في المعنىٰ. ألا ترىٰ أنَّ سجودَ غيرِ العقلاءِ هو الطَّواعيةُ والإِذعانُ لأمرِه، وسجودَ العقلاءِ هو هذه الكيفيةُ المخصوصةٌ.

الثاني: أنَّه معطوفٌ على ما تقدَّمه. وفي ذلك ثلاثةُ تأويلاتٍ أحدُها: أنَّ المرادَ بالسجودِ القَدْرُ المشتركُ بين الكلِّ العقلاءِ وغيرِهم وهو الخضوعُ والطواعيةُ، وهو من بابِ الاشتراكِ المعنويِّ. والتأويلُ الثاني: أنه مشتركٌ اشتراكاً لفظياً، ويجوز استعمالُ المشتركِ في معنييه. والتأويلُ الثالث: أنَّ السجودَ المسندَ للعقلاءِ حقيقةٌ ولغيرِهم مجازٌ. ويجوز الجمعُ بين الحقيقةِ والمجازِ. وهذه الأشياءُ فيها خلافٌ، لتقريرِه موضوعٌ هو أليقُ به من هذا.

الثالثُ من الأوجه المتقدمة: أن يكونَ " كثيرٌ " مرفوعاً بالابتداء. وخبرُه محذوفٌ وهو " مُثابٌ " لدلالة خبرِ مقابلِه عليه، وهو قولُه: { وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ } كذا قَدَّره الزمخشريُّ. وقَدَّره أبو البقاء: " مُطيعون أو مُثابون أو نحوُ ذلك ".

الرابع: أَنْ يرتفعَ " كثيرٌ " على الابتداءِ أيضاً، ويكون خبرُه " من الناس " أي: من الناس الذين هم الناسُ على الحقيقةِ، وهم الصالحون والمتَّقون.

والخامسُ: أن يرتفعَ بالابتداءِ أيضاً. ويُبالَغَ في تكثير المحقوقينِ بالعذاب، فيُعطفَ " كثيرٌ " على " كثير " ثم يُخْبَرَ عنهم بـ { حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ } ذكر ذلك الزمخشري. قال الشيخ: ـ بعد أن حكىٰ عن الزمخشريِّ الوجهين الآخرين ـ قال: " وهذان التخريجان ضعيفان " ولم يُبَيِّنْ وجهَ ضعفِهما.

قلت: أمَّا أوَّلُهما فلا شكَّ في ضعفِه؛ إذ لا فائدةَ طائلةٌ في الإِخبارِ بذلك./ وأمَّا الثاني فقد يظهر: وذلك أنَّ التكريرَ يفيد التكثيرَ، وهو قريبٌ مِنْ قولِهم: " عندي ألفٌ وألفٌ " ، وقوله:
3376ـ لو عُدَّ قبرٌ وقبرٌ كنتَ أَكْرَمَهم ..........................
وقرأ الزهري " والدَّوابُ " مخففَ الباءِ. قال أبو البقاء: " ووجهُها: أنه حَذَف الباءَ الأولى كراهيةَ التضعيفِ والجمعِ بين ساكنين ". وقرأ جناح بن حبيش و " كبيرٌ " بالباء الموحدة. وقرىء " وكثيرٌ حَقَّاً " بالنصب.

وناصبُه محذوفٌ وهو الخبرُ، تقديرُه: وكثير حَقَّ عليه العذابُ حقاً. " والعذابُ " مرفوع بالفاعلية. وقُرِىء " حُقَّ " مبنياً للمفعولِ.

وقال ابن عطية: { وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ } يحتمل أن يكونةَ معطوفاً على ما تقدَّم أي: وكثير حَقَّ عليه العذابُ يسجد أي كراهيةً وعلى رَغْمِه: إما بظلِّه، وإمَّا بخضوعِه عند المكاره ". قلت: فقولُه: " معطوفٌ على ما تقدَّم " يعني عطفَ الجملِ لا أنه هو وحدَه عطفٌ على ما قبله، بدليلِ أنه قَدَّره مبتدأً. وخبرُه قوله: " يَسْجد

وقال القرطبي

ثم قال: { وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ } وهذا مشكل في الإعراب، كيف لم ينصب ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل مثل{ وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } [الإنسان: 31]؟ فزعم الكسائي والفرّاء أنه لو نصب لكان حسناً، ولكن اختِير الرفع لأن المعنى وكثير أبى السجود فيكون ابتداء وخبراً، وتم الكلام عند قوله «وكثير من الناس». ويجوز أن يكون معطوفاً، على أن يكون السجود التذلُّلَ والانقيادَ لتدبير الله عز وجل من ضعف وقوّة وصحة وسقم وحسن وقبح، وهذا يدخل فيه كل شيء. ويجوز أن ينتصب على تقدير: وأهان كثيراً حق عليه العذاب، ونحوه. وقيل: تم الكلام عند قوله: «والدّوابُّ» ثم ابتدأ فقال: «وكثير من الناس» في الجنة «وكثير حق عليه العذاب». وكذا روي عن ابن عباس أنه قال: المعنى وكثير من الناس في الجنة وكثير حق عليه العذاب ذكره ابن الأنباري. وقال أبو العالية: ما في السموات نجم ولا قمر ولا شمس إلا يقع ساجداً لله حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيرجع من مطلعه. قال القُشَيري: وورد هذا في خبر مسند في حق الشمس فهذا سجود حقيقي، ومن ضرورته تركيب الحياة والعقل في هذا الساجد. قلت: الحديث المسند الذي أشار إليه خرجه مسلم،

اسامة محمد خيري
09-10-2019, 13:30
{ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ }

قال السمين

قوله: { وَلُؤْلُؤاً } قرأ نافعٌ وعاصمٌ بالنصبِ. والباقون بالخفضِ. فأمَّا النصبُ ففيه أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أنَّه منصوبٌ بإضمار فعلٍ تقديرُه: ويُؤْتَوْن لُؤْلؤاً. ولم يذكر الزمخشريُّ غيرَه/، وكذا أبو الفتح حَمَله على إضمار فعلٍ. الثاني: أنَّه منصوبٌ نَسَقاً على موضع " مِنْ أساور " ، وهذا كتخريجِهم " وأرجُلَكُمْ " بالنصب عطفاً على محلِّ { برؤوسكم } [المائدة: 6]، ولأن { يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ } في قوة: " يَلْبَسون أساور " فَحُمِل هذا عليه. والثالث: أنه عطفٌ على " أساور "؛ لأنَّ " مِنْ " مزيدةٌ فيها كما تقدَّم تقريرُه. الرابع: أنه معطوفٌ على ذلك المفعولِ المحذوفِ. التقديرُ: يُحَلَّوْن فيها الملبوسَ مِنْ أساور ولؤلؤاً. فـ " لؤلؤاً " عطفٌ على الملبوس.

وأمَّا الجرُّ فعلى وجهَيْن، أحدُهما: عطفُه على " أساور ". والثاني: عَطْفُه على " مِنْ ذهبٍ " لأنَّ السِّوارَ يُتَّخَذُ من اللؤلؤ أيضاً، يُنْظَمُ بعضُه إلى بعضٍ. وقد منع أبو البقاء العطفَ على " ذهب " قال: " لأنَّ السِّوار لا يكونَ مِنْ لؤلؤ في العادة ويَصِحُّ أن يكونَ حُلِيّاً ".

{ وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُمْ مِّنَ ٱلْمَقْبُوحِينَ }

قال السمين

قوله: { وَيَوْمَ القِيَامَةِ } فيه أوجهٌ، أحدها: أَنْ يتعلَّقَ بـ " المقبوحين " علىٰ أنّ أل ليست موصولةً، أو موصولةٌ واتُّسِع فيه، وأن يتعلَّقَ بمحذوفٍ يُفَسِّره المقبوحين، كأنه قيل: وقُبِّحُوا يومَ القيامةِ نحو:{ لِعَمَلِكُمْ مِّنَ ٱلْقَالِينَ } [الشعراء: 168] أو يُعْطَفَ على موضع " في الدنيا " أي: وأَتْبَعْناهم لعنةً يوم القيامة، أو معطوفةٌ على " لعنةً " على حذفِ مضافٍ أي: ولعنةَ يوم القيامة. والوجهُ الثاني أظهرُها


وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ }

قال السمين

قوله: { وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ }: فيه وجهان، أحدهما: أنه عطفٌ على " ليَجْزِيَ " قال الزمخشري: " أي: وليعلمَ الذين أُوتُوا العِلْمَ عند مجيءِ الساعة ". قلت: إنما قَيَّده بقولِه: " عند مجيءِ السَّاعةِ " لأنه عَلَّق " ليجزيَ " بقوله: " لتأتينَّكم "؛ فبنى هذا عليه، وهو من أحسنِ ترتيب. والثاني: أنه مستأنَفٌ أخبر عنهم بذلك، و " الذي أُنْزِلَ " هو المفعول الأولُ و " هو " فصلٌ و " الحقَّ " مفعولٌ ثانٍ؛ لأنَّ الرؤيةَ عِْلمية.

وقرأ ابن أبي عبلة " الحقُ " بالرفع على أنه خبرُ " هو ". والجملةُ في موضعِ المفعول الثاني وهو لغةُ تميمٍ، يجعلون ما هو فصلٌ مبتدأً، و " مِنْ رَبِّك " حالٌ على القراءتين.

قوله: " ويَهْدِي " فيه أوجهٌ، أحدها: أنه مستأنفٌ. وفي فاعله احتمالان، أظهرهما: أنه ضميرُ الذي أُنْزِل. والثاني: ضميرُ اسمِ الله ويَقْلَقُ هذا لقولِه إلى صراط العزيز؛ إذ لو كان كذلك لقيل: إلى صراطه. ويُجاب: بأنه مِنْ الالتفاتِ، ومِنْ إبرازِ المضمر ظاهراً تنبيهاً على وَصْفِه بها بين الصفتين.

الثاني من الأوجه المتقدمة: أنه معطوفٌ/ على موضع " الحقَّ " و " أَنْ " معه مضمرةٌ تقديره: هو الحقَّ والهداية.

الثالث: أنه عطفٌ على " الحق " عطفُ فعلٍ على اسم لأنه في تأويلِه كقوله تعالى:{ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ } [الملك: 19] أي: وقابضاتٍ، كما عُطِفَ الاسمُ على الفعلِ لأن الفعلَ بمعناه.

كقول الشاعر:
3715 ـ فأَلْفَيْتُه يوماً يُبير عدوَّه وبحرَ عطاءٍ يستخِفُّ المعابرا
كأنه قيل: ولِيَروْه الحقَّ وهادياً.

الرابع: أنَّ " ويَهْدي " حالٌ من " الذي أُنْزِل " ، ولا بُدَّ من إضمارِ مبتدأ أي: وهو يَهْدي نحو:
3716 ـ............................... نَجَوْتُ وأَرْهَنُهُمْ مالِكا
وهو قليلٌ جداً.

وقال القرطبي

والرؤية بمعنى العلم، وهو في موضع نصب عطفاً على «لِيَجْزِي» أي ليجزي وليرى، قاله الزجاج والفرّاء. وفيه نظر، لأن قوله: { لِّيَجْزِيَ } متعلق بقوله: «لَتَأْتِيَنَّكُمْ السَّاعَةَ»، ولا يقال: لتأتينكم الساعة ليرى الذين أوتوا العلم أن القرآن حق، فإنهم يرون القرآن حقًّا وإن لم تأتهم الساعة. والصحيح أنه رفع على الاستئناف، ذكره القشيريّ. قلت: وإذا كان «ليَجْزِيَ» متعلقاً بمعنى أثبت ذلك في كتاب مبين، فيحسن عطف «وَيَرَى» عليه، أي وأثبت أيضاً ليرى الذين أوتوا العلم أن القرآن حق. ويجوز أن يكون مستأنفاً. { ٱلَّذِيۤ } في موضع نصب على أنه مفعول أوّل لـ«ـيرى» { هُوَ ٱلْحَقَّ } مفعول ثان، و«هو» فاصلة. والكوفيون يقولون «هو» عماد. ويجوز الرفع على أنه مبتدأ. و«الْحَقّ» خبره، والجملة في موضع نصب على المفعول الثاني، والنصب أكثر فيما كانت فيه الألف واللام عند جميع النحويين، وكذا ما كان نكرة لا يدخله الألف واللام فيشبه المعرفة. فإن كان الخبر اسماً معروفاً نحو قولك: كان أخوك هو زيد، فزعم الفراء أن الاختيار فيه الرفع. وكذا كان محمد هو عمرو. وعلّته في اختياره الرفع أنه لما لم تكن فيه الألف واللام أشبه النكر في قولك: كان زيد هو جالس، لأن هذا لا يجوز فيه إلا الرفع

{ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ }

قال القرطبي

«والطَّيرُ» بالرفع قراءة ابن أبي إسحاق ونصر عن عاصم وابن هرمز ومسلمة بن عبد الملك، عطفاً على لفظ الجبال، أو على المضمر في «أَوِّبِي» وحسّنه الفصل بمع. الباقون بالنصب عطفاً على موضع «يَا جِبَالُ» أي نادينا الجبال والطير، قاله سيبويه. وعند أبي عمرو بن العلاء بإضمار فعل على معنى وسخرنا له الطير. وقال الكسائي: هو معطوف، أي وآتيناه الطير، حملاً على «وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً». النحاس: يجوز أن يكون مفعولاً معه، كما تقول: استوى الماء والخشبة. وسمعت الزجاج يجيز: قمت وزيداً، فالمعنى أوّبي معه ومع الطير

اسامة محمد خيري
09-10-2019, 13:40
{ وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ }

قال السمين:

قوله: { وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ }: يجوزُ في " وهذه " وجهان، أحدهما: أَنْ تكونَ مبتدأةً، والواوُ للحالِ. والأنهارُ صفةٌ لاسمِ الإِشارةِ، أو عطفُ بيانٍ. و " تجري " الخبرُ. والجملةُ حالٌ مِنْ ياء " لي ". والثاني: أنَّ " هذه " معطوفةٌ على " مُلْك مِصْرَ " ، و " تَجْري " على هذا حالٌ أي: أليس مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهارُ جاريةً أي: الشيئان

{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ }

قال القرطبي

وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ } أي أنزل الحديد ليعلم من ينصره. وقيل: هو عطف على قوله تعالى: { لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ } أي أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم الكتاب، وهذه الأشياء ليتعامل الناس بالحق

قال الالوسي

وقوله سبحانه: { وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ } عطف على محذوف يدل عليه السياق أو الحال لأنها متضمنة للتعليل أي لينفعهم وليعلم الله علماً يتعلق به الجزاء من ينصره ورسله باستعمال آلات الحرب من الحديد في مجاهدة أعدائه، والحذف للإشعار بأن الثاني هو المطلوب لذاته وأن الأول مقدمة له، وجوز تعلقه بمحذوف مؤخر والواو اعتراضية أي وليعلم الخ أنزله أو مقدم والواو عاطفة والجملة معطوفة على ما قبلها وقد حذف المعطوف وأقيم متعلقه مقامه، وقوله تعالى: { بِٱلْغَيْبِ } حال من فاعل (ينصر)، أو من مفعوله أي غائباً منهم أو غائبين منه.

وَبَرّاً بِوَٰلِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً }

قال السمين

قوله تعالى: { وَبَرّاً }: العامَّةُ بفتحِ الباء، وفيه تأويلان، أحدُهما: أنه منصوبٌ نَسَقاً على " مباركاً " ، أي: وجَعَلَنِي بَرَّاً. والثاني: أنَّه منصوبٌ بإضمارِ فعلٍ. واخْتِير هذا على الأولِ لأنَّ فيه فَصْلاً كثيراً بجملةِ الوصيَّةِ ومتعلِّقِها.

وقُرئ " بِرَّاً " بكسرِ الباءِ: إمَّا على حَذْفِ مضاف، وإمَّا على المبالغة في جَعْلِه نفسَ المصدر. وقد تقدَّم في البقرة أنه يجوز أن يكونَ وصفاً على فِعْل. وحكى الزهراويُّ وأبو البقاء أنه قُرئ بكسر الباء والراء. وتوجيهُه: أنه نَسَقٌ على " الصلاة " ، أي: وأوصاني بالصلاةِ وبالزكاةِ وبالبِرِّ. و " بوالَديَّ " متعلقٌ بالبَرّ أو البِرّ

وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ }

قال القرطبي

قوله تعالى: { وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ } أي جعلنا عيسى يقفو آثارهم، أي آثار النبيين الذين أسلموا. { مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } يعني التوراة فإنه رأى التوراة حقاً، ورأى وجوب العمل بها إلى أن يأتي ناسخ. «مُصَدِّقاً» نصِب على الحال من عيسى. { فِيهِ هُدًى } في موضع رفع بالابتداء. { وَنُورٌ } عطف عليه. { وَمُصَدِّقاً } فيه وجهان يجوز أن يكون لعيسى وتعطفه على مصدقاً الأوّل، ويجوز أن يكون حالاً من الإنجيل، ويكون التقدير: وآتيناه الإنجيل مستقراً فيه هدًى ونور ومصدقاً. { وَهُدًى وَمَوْعِظَةً } عطف على «مُصَدِّقاً» أي هادياً وواعظاً. { لِّلْمُتَّقِينَ } وخصهم لأنهم المنتفعون بهما. ويجوز رفعهما على العطف على قوله: { فِيهِ هُدًى وَنُورٌ

انتهي

وقال السمين فى سورة البقرة

قوله تعالى: { وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ }: هذه الجملةُ معطوفةٌ على مجموعِ الجملةِ السابقةِ من قولِه: " ولمَّا جاءَهم " إلى آخرها.

وقال أبو البقاء: " إنها معطوفةٌ على " أُشْرِبوا " أو على " نَبَذَ فريقٌ " ، وهذا ليس بظاهر، لأنَّ عطفَها على " نَبَذَ " يقتضي كونَها جواباً لقولِه: { وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ } واتِّباعُهم لِما تتلو الشياطينُ ليس مترتِّباً على مجيء الرسولِ بل كان اتِّباعُهم لذلك قبله، فالأَوْلَى أن تكونَ معطوفةً على جملةٍ لا كما تقدم. و " ما " موصولةٌ، وعائدُها محذوفٌ، والتقديرُ: تَتْلوه. وقيل: " ما " نافيةٌ وهذا غَلَطٌ فاحش لا يَقْتَضِيه نَظْمُ الكلامِ البتةَ، نقل ذلك ابنُ العربي

ملحوظة

ذكرنا اية البقرة من قبل

اسامة محمد خيري
10-10-2019, 06:31
{ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَٰفِرِينَ }

قال السمين:

قولُه تعالى: { أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }: في " أو " خمسة أقوال، أظهرهُا: أنها للتفصيلِ بمعنى أنَّ الناظرينَ في حالِ هؤلاء منهم مَنْ يُشَبِّهُهُمْ بحال المستوقدِ الذي هذه صفتُهُ، ومنهم مَنْ يُشَبِّهُهُمْ بأصحاب صَيِّبٍ هذه صفتُه. الثاني: أنها للإِبهام، أي: إن الله أَبْهَم على عباده تشبيهَهم بهؤلاء أو بهؤلاء، الثالث: أنها للشَّكِّ، بمعنى أن الناظر يَشُكُّ في تشبيههم. الرابع: أنها للإِباحة. الخامس: أنها للتخيير، أي: أًُبيح للناس أن يشبِّهوهم بكذا أو بكذا، وخُيِّروا في ذلك. وزاد الكوفيون فيها معنيين آخرين، أحدُهما: كونُها بمعنى الواو, وأنشدوا:
225ـ جاء الخلافةَ أو كانَتْ له قَدَراً كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ
والثاني: كونُها بمعنى بل، وأنشدوا:
226ـ بَدَتْ مثلَ قَرْن الشمسِ في رَوْنَقِ الضُّحَى وصورتِها أَوْ أَنْتَ في العينِ أَمْلَحُ
أي: بل أنت.

{ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ }

قال السمين:

قوله: { أَوْ يَزِيدُونَ }: في " أو " هذه سبعةُ أوجهٍ قد تقدَّمَتْ بتحقيقِها ودلائلها في أولِ البقرةِ عند قولِه{ أَوْ كَصَيِّبٍ } [الآية: 19] فعليكَ بالالتفاتِ إليهما ثَمَّةَ: فالشَّكُّ بالنسبةِ إلى المخاطبين، أي: إن الرائي يَشُكُّ عند رؤيتِهم، والإِبهامُ بالنسبةِ إلى أن الله تعالى أَبْهَمَ أمْرَهم، والإِباحةُ أي: إن الناظرَ إليهم يُباح له أن يَحْزِرَهم بهذا القَدْر، أو بهذا القَدْرِ، وكذلك التخييرُ أي: هو مُخَيَّرٌ بين أَنْ يَحْزِرَهم كذا أو كذا، والإِضرابُ ومعنى الواوِ واضحان

وقال النحاس :

وقول الفراء أنها بمعنى "بل"، وقول غيره أنها بمعنى الواو. وأنه لا يصحّ هذان القولان، لأن "بل" ليس هذا من مواضعها، لأنه للإِضراب عن الأول والإِيجاب لما بعده. وتعالى الله عز وجل عن ذلك أو الخروج من شيءٍ إلى شيءٍ، وليس هذا موضع ذلك. والواو معناها خلاف معنى "أو" فلو كانت إحداهما بمعنى الأخرى لبطلت المعاني، ولو جاز ذلك لكان وأرسلناه إلى أكثر من مائة ألف أَخَصَر، وفي الآية قولان سوى هذين: أحدهما أنّ المعنى وأرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم لقلتم هم مائة ألف أو أكثر، وإنما خُوطِبَ العباد على ما تعرفون، والقول الآخر أنه كما تقول: جاءني زيد أو عمرو، وأنت تعرف من جاءك منهما إلاّ أنك أبهمت على المُخَاطَبِ. وفي قراءة ابن مسعود {فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ حتى حِينٍ} [148] والمعنى واحد.

{ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ }

قال الالوسي:

{ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً } أي لو ثبت أن لي قوة ملتبسة بكم بالمقاومة على دفعكم بنفسي لفعلت ـ فلو ـ شرطية وجوابها محذوف كما حذف في قوله سبحانه:{ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ } [الرعد: 31] وجوز أن تكون للتمني، و { بِكُمْ } حال من { قُوَّةَ } كما هو المعروف في صفة النكرة إذا قدمت عليها، وضعف تعلقه بها لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه في المشهور. وقوله: { أَوْ ءَاويٰ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ } عطف على ما قبله بناءاً على ما علمت من معناه الذي يقتضيه مذهب المبرد، والمضارع واقع موقع الماضي، واستظهر ذلك أبو حيان، وقال الحوفي: إنه عطف على ما تقدم باعتبار أن المراد أو أني آوي، وجوز ذلك أبو البقاء، وكذا جوز أن تكون الجملة مستأنفة، و ـ الركن ـ في الأصل الناحية من البيت أو الجبل، ويقال: ركن بضم الكاف، وقد قرىء به ويجمع على أركان، وأراد عليه السلام به القوى شبهه بركن الجبل في شدته ومنعته أي أو أنضم إلى قوي أتمنع به عنكم وأنتصر به عليكم، وقد عد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول منه عليه السلام بادرة واستغربه، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: " رحم الله تعالى أخي لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد " يعني عليه الصلاة والسلام به الله تعالى فإنه لا ركن أشد منه عز وجل:
إذا كان غير الله للمرء عدة أتته الرزايا من وجوه الفوائد
وجاء أنه سبحانه لهذه الكلمة لم يبعث بعد لوط نبياً إلا في منعة من عشيرته، وفي «البحر» ((أنه يجوز على رأي الكوفيين أن تكون { أَوْ } بمعنى بل ويكون عليه السلام قد أضرب عن الجملة السابقة، وقال: بل آوي في حالي معكم إلى ركن شديد وكني به عن جناب الله تعالى)) ولا يخفى أنه يأبـى الحمل على هذه الكناية تصريح الأخبار الصحيحة بما يخالفها، وقرأ شيبة وأبو جعفر { أَوَي } بالنصب على إضمار أن بعد { أَوْ } فيقدر بالمصدر عطفاً على { قُوَّةَ } ونظير ذلك قوله:
ولولا رجال من رزام أعزة وآل سبيع أو أسوأك علقماً
أي لو أن لي بكم قوة أو أوياً،

اسامة محمد خيري
14-10-2019, 07:24
{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ }

قال السمين

قوله: { وَلِيَعْلَمَ } عطفٌ على قولِه " ليقومَ الناسُ " ، أي: لقد أَرْسَلْنَا رُسُلَنا وفَعَلْنا كيتَ وكيتَ ليقومَ الناسُ وليعلَمَ اللَّهُ. وقال الشيخ: " علةٌ لإِنزالِ الكتابِ والميزانِ والحديدِ " ، والأول أظهرُ لأنَّ نصرةَ اللَّهِ ورسلِه مناسبة للإِرسال.

وقال القرطبي

وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ } أي أنزل الحديد ليعلم من ينصره. وقيل: هو عطف على قوله تعالى: { لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ } أي أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم الكتاب، وهذه الأشياء ليتعامل الناس بالحق،

اسامة محمد خيري
18-11-2019, 07:20
التقديم والتأخير فى كتاب الله

للتقديم والتأخير أثر علي التفسير فى كتاب الله لذلك رأيت ان اذكر بعض الأمثلة البسيطة علي أثر التقديم والتأخير علي فهم المعنى فى كتاب الله ومن يبحث سيجد أكثر وأكثر


الجوهرة الاولي

{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }


اخى الحبيب الاختلاف فى هل ذبح الخليل عليه السلام الطير وقطعها ام لا راجع الى هل هناك تقديم وتاخير فى الاية ام لا؟

فمن قال ان اليك متعلقة بصرهن يكون معنى صرهن اى اضممهن واملهن اليك ويكون الخليل لم يقطع ويذبح الطير

اما من قال فصرهن اى قطعهن فعنده اليك متعلقة بخذ فيكون المعنى فخذ اربعة من الطير اليك فصرهن

قال الرازی:

المسألة الثانية: أجمع أهل التفسير على أن المراد بالآية: قطعهن، وأن إبراهيم قطع أعضاءها ولحومها وريشها ودماءها، وخلط بعضها على بعض، غير أبي مسلم فإنه أنكر ذلك، وقال: إن إبراهيم لما طلب إحياء الميت من الله تعالى أراه الله تعالى مثالا قرب به الأمر عليه، والمراد بصرهن إليك الإمالة والتمرين على الإجابة، أي فعود الطيور الأربعة أن تصير بحيث إذا دعوتها أجابتك وأتتك، فإذا صارت كذلك، فاجعل على كل جبل واحداً حال حياته، ثم ادعهن يأتينك سعياً، والغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة وأنكر القول بأن المراد منه: فقطعهن. واحتج عليه بوجوه الأول: أن المشهور في اللغة في قوله فَصُرْهُنَّ أملهن وأما التقطيع والذبح فليس في الآية ما يدل عليه، فكان إدراجه في الآية إلحاقاً لزيادة بالآية لم يدل الدليل عليها وأنه لا يجوز والثاني: أنه لو كان المراد بصرهن قطعهن لم يقل إليك، فإن ذلك لا يتعدى بإلي وإنما يتعدى بهذا الحرف إذا كان بمعنى الإمالة.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: فخذ إليك أربعة من الطير فصرهن.

قلنا: التزام التقديم والتأخير من غير دليل ملجىء إلى التزامه خلاف الظاهر والثالث: أن الضمير في قوله ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ عائد إليها لا إلى أجزائها، وإذا كانت الأجزاء متفرقة متفاصلة وكان الموضوع على كل جبل بعض تلك الأجزاء يلزم أن يكون الضمير عائداً إلى تلك الأجزاء لا إليها، وهو خلاف الظاهر، وأيضاً الضمير في قوله يَأْتِينَكَ سَعْيًا عائداً إليها لا إلى إجزائها وعلى قولكم إذا سعى بعض الأجزاء إلى بعض كان الضمير في يَأْتِينَكَ عائداً إلى أجزائها لا إليها، واحتج القائلون بالقول المشهور بوجوه الأول: أن كل المفسرين الذين كانوا قبل أبي مسلم أجمعوا على أنه حصل ذبح تلك الطيور وتقطيع أجزائها، فيكون إنكار ذلك إنكاراً للإجماع والثاني: أن ما ذكره غير مختص بإبراهيم ، فلا يكون له فيه مزية على الغير والثالث: أن إبراهيم أراد أن يريه الله كيف يحيي الموتى، وظاهر الآية يدل على أنه أجيب إلى ذلك، وعلى قول أبي مسلم لا تحصل الإجابة في الحقيقة والرابع: أن قوله ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءا يدل على أن تلك الطيور جعلت جزأ جزأ، قال أبو مسلم في الجواب عن هذا الوجه: أنه أضاف الجزء إلى الأربعة فيجب أن يكون المراد بالجزء هو الواحد من تلك الأربعة والجواب: أن ما ذكرته وإن كان محتملاً إلا أن حمل الجزء على ما ذكرناه أظهر والتقدير: فاجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزأً أو بعضاً....

وقال السمين فی الدر المصون:

" إليك " إنْ قلنا: إنَّ " صُرْهُنَّ " بمهنى أمِلْهُنَّ تعلَّق به، وإنَّ قلنا: إنه بمعنى قَطِّعْهُنَّ تعلَّقَ بـ " خُذْ ".....

اسامة محمد خيري
18-11-2019, 07:22
الجوهرة الثانية

إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

قال الحافظ ابن كثير فى تفسيره

اختلف المفسرون في قوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ فقال قتادة وغيره: هذا من المقدم والمؤخر، تقديره إني رافعك إلي ومتوفيك، يعني: بعد ذلك.

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: إني متوفيك، أي: مميتك. وقال محمد بن إسحاق عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: توفاه الله ثلاث ساعات من أول النهار حين رفعه الله إليه، قال ابن إسحاق: والنصارى يزعمون أن الله توفاه سبع ساعات، ثم أحياه. وقال إسحاق بن بشر، عن إدريس عن وهب: أماته الله ثلاثة أيام، ثم بعثه، ثم رفعه. وقال مطر الوراق: إني متوفيك من الدنيا، وليس بوفاة موت، وكذا قال ابن جريح: توفيه هو رفعه، وقال الأكثرون: المراد بالوفاة ههنا ــــ النوم،

كما قال تعالى:
وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ
[الأنعام: 60] الآية. وقال تعالى:
ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِـهَا

وقال ابن الجوزى فى زاد المسير:

وفي هذا التوفي قولان.

أحدهما: أنه الرفع إلى السماء.

والثاني: أنه الموت.


فعلى القول الأول يكون نظم الكلام مستقيماً من غير تقديم ولا تأخير، ويكون معنى «متوفيك» قابضك من الأرض وافياً تاماً من غير أن ينال منك اليهود شيئاً، هذا قول الحسن، وابن جريج، وابن قتيبة، واختاره الفراء. ومما يشهد لهذا الوجه قوله تعالى:
فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم
[المائدة: 117]. أي: رفعتني إلى السماء من غير موت، لأنهم إنما بدلوا بعد رفعه، لا بعد موته.

وعلى القول الثاني يكون في الآية تقديم وتأخير، تقديره: إني رافعك إليَّ ومطهِّرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك، هذا قول الفراء، والزجاج في آخرين. فتكون الفائدة في إعلامه بالتوفي تعريفه أن رفعَه إلى السماء لا يمنع من موته.

اسامة محمد خيري
18-11-2019, 07:24
الجوهرة الثالثة

وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلَٰـقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ .

انظر الجوهرة الاولى من جواهر العطف أخى الحبيب

الجوهرة الرابعة

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ

قال ابن الجوزى فى زاد المسير:


وفي قوله: عفا الله عنها قولان.

أحدهما: أنه إِشارة إِلى الأشياء.

والثاني: إِلى المسألة.

فعلى القول الأول في الآية تقديم وتأخير. والمعنى: لا تسألوا عن أشياء إِن تبد لكم تسؤكم، عفا الله عنها. ويكون معنى: عفا الله عنها: أمسك عن ذكرها، فلم يوجب فيها حكماً.

وعلى القول الثاني، الآية على نظمها، ومعنى: عفا الله عنها: لم يؤاخذ بها.

الجوهرة الخامسة

فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ

قال ابن الجوزى الحنبلى فى زاد المسير:

وفي معنى الآية أربعة أقوال.

أحدها: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن قتيبة. فعلى هذا، في الآية تقديم وتأخير، ويكون تعذيبهم في الآخرة بما صنعوا في كسب الأموال وإنفاقها.

والثاني: أنها على نظمها، والمعنى: ليُعذبهم بها في الدنيا بالمصائب في الأموال والأولاد، فهي لهم عذاب، وللمؤمنين أجر، قاله ابن زيد.

والثالث: أن المعنى ليعذبهم بأخذ الزكاة من أموالهم والنفقة في سبيل الله، قاله الحسن. فعلى هذا، ترجع الكناية إلى الأموال وحدها.

والرابع: ليعذبهم بسبي أولادهم وغنيمة أموالهم، ذكره الماوردي. فعلى هذا، تكون في المشركين.

وقال السمين الحلبى فى الدر المصون:

قوله تعالى: ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا : فيه وجهان

أحدهما: أنه متعلق بـ " تعجبك " ويكون قول إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا جملةَ اعتراض والتقدير: فلا تعجبك في الحياة. ويجوز أن يكونَ الجارُّ حالاً من أموالهم. وإلى هذا نحا ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن قتيبة قالوا: في الكلام تقديمٌ وتأخير، والمعنىٰ: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد ليعذبهم بها في الآخرة.

والثاني: أن " في الحياة " متعلقٌ بالتعذيب، والمراد بالتعذيب الدنيويِّ مصائبُ الدنيا ورزاياها، أو ما لزمهم من التكاليف الشاقة، فإنهم لا يرجون عليها ثواباً. قاله ابن زيد، أو ما فُرِض عليهم من الزكوات قاله الحسن، وعلى هذا فالضمير في " بها " يعود على الأموال فقط، وعلى الأول يعود على الأولاد والأموال.

اسامة محمد خيري
18-11-2019, 11:57
الجوهرة السادسة

وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ

قال ابن الجوزى فى زاد المسير:

اختلف العلماء في توجيه هذه الآية على أربعة أقوال.

أحدها: أن معناه: و لا تصدقوا إلا من تبع دينكم، ولا تصدقوا أن يؤتى أحدٌ مما أوتيتم من العلم، وفلق البحر، والمنِّ، والسلوى، وغير ذلك، ولا تصدقوا أن يجادلوكم عند ربكم، لأنكم أصح ديناً منهم، فيكون هذا كله من كلام اليهود بينهم، وتكون اللام في «لمن» صلة، ويكون قوله تعالى: قل إِنَّ الهدى هدى الله كلاماً معترضاً بين كلامين، هذا معنى قول مجاهد، والأخفش.

والثاني: أن كلام اليهود تام عند قوله: لمن تبع دينكم والباقي من قول الله تعالى، لا يعترضه شيءٌ من قولهم، وتقديره: قل يا محمد: إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم يا أمة محمد، إلاّ أن تجادلكم اليهود بالباطل، فيقولون: نحن أفضل منكم، هذا معنى قول الحسن، وسعيد بن جبير. قال الفراء: معنى: «أن يؤتى» أن لا يؤتى.

والثالث: أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، تقديره: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم، إلا من تبع دينكم، فأخرت «أن»، وهي مقدمة في النية على مذهب العرب في التقديم والتأخير، ودخلت اللام على جهة التوكيد، كقوله تعالى:
عسى أن يكون رَدِفَ لكم
[النمل: 72] أي ردفكم.

وقال الشاعر:ما كنتُ أخدعُ للخليل بخلَّة حتى يكون ليَ الخليلُ خَدوعا
أراد: ما كنت أخدع الخليل.

وقال الآخر:يذمّون للدنيا وهم يحلبونها أفاويقَ حتى ما يَدِرُّ لها ثُعْل
أراد: يذمون الدنيا، ذكره ابن الأنباري.

والرابع: أن اللام غير زائدة، والمعنى: لا تجعلوا تصديقكم النبي في شيء مما جاء به إلا لليهود، فإنكم إن قلتم ذلك للمشركين، كان عوناً لهم على تصديقه، قاله الزجاج. وقال ابن الأنباري: لا تؤمنوا أن محمداً وأصحابه على حق، إلا لمن تبع دينكم، مخافة أن يطلع على عنادكم الحق، ويحاجوكم به عند ربكم. فعلى هذا يكون معنى الكلام: لا تقروا بأن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، وقد ذكر هذا المعنى مكي بن أبي طالب النحوي

الجوهرة السابعة

قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ

قال الامام الرازى فى تفسيره:

.....

وسادسها: أن يكون في الكلام تقديم وتأخير كأنه قال: بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم فتكون إضافة الفعل إلى كبيرهم مشروطاً بكونهم ناطقين فلما لم يكونوا ناطقين امتنع أن يكونوا فاعلين

الجوهرة الثامنة

هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ


قال ابن كثير

وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ يقول: والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والله تعالى يجيء فيما يشاء، وهي في بعض القراءات هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام وهي كقوله
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَـٰمِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلَـٰۤئِكَةُ تَنزِيلاً
[الفرقان: 25].

وقال السمين

قوله: { فِي ظُلَلٍ } فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يتعلَّق بيأتِيَهم، والمعنى: يأتيهم أمرُه أو قُدْرَتُه أو عقابُه أو نحوُ ذلك، أو يكونُ كنايةً عن الانتقام؛ إذ الإتيان يمتنعُ إسنادُه إلى الله تعالى حقيقةً. والثاني: أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ، وفي صاحبها وجهان، أحدُهما: هو مفعولُ يأتيهم، أي: في حالِ كونِهم مستقرين في ظُلَل وهذا حقيقةٌ. والثاني: أنه الله تعالى بالمجاز المتقدَّم، أي: أمرُ الله في حال كونه مستقراً في ظُلَل. الثالث: أن تكونَ " في " بمعنى الباء، وهو متعلقٌ بالإِتيانِ، أي: إلاَّ أَنْ يأتيهم بظُلَل. ومِنْ مجيءِ " في " بمعنى الباءِ قوله:
913 ـ................. خَبيرون في طَعْنِ الكُلى والأباهِرِ
لأنَّ " خبيرين " إنَّما يتعدَّى بالباءِ كقوله:
914 ـ................ خبيرٌ بأَدْواءِ النِّساء طَبيبُ
الرابع: أن يكونَ حالاً من " الملائكة " مقدَّماً عليها، والأصل: إلاَّ أَنْ يأتيَهم اللهُ والملائكةُ في ظُلَلٍ، ويؤيَّد هذا قراءة عبد الله إياه كذلك، وبهذا أيضاً يَقِلُّ المجازُ، فإنَّه والحالةُ هذه لم يُسْنَدْ إلى اللهِ تعالى إلا الإِتيانُ فقط بالمجازِ المتقدِّم....

والجمهور: " الملائكةُ " رفعاً عطفاً على اسم " الله ". وقرأ الحسن وأبو جعفر: " والملائكةِ " جراً وفيه وجهان، أحدُهما: الجر عطفاً على " ظُلَلٍ " ، أي: إلا أن يأتيهم في ظللٍ وفي الملائكة؛ والثاني: الجر عطفاً على " الغمام " أي: من الغمام ومن الملائكة، فتوصفُ الملائكة بكونِهَا ظُللاً على التشبيه.

قوله: { وَقُضِيَ ٱلأُمُورُ } الجمهور على " قُضِيَ " فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول وفيه وجهان، أحدُهما: أن يكونَ معطوفاً على " يَأْتِيهم " وهو داخلٌ في حَيِّز الانتظار، ويكونُ ذلك من وَضْعِ الماضي موضعَ المستقبل، والأصل، ويُقْضى الأمر، وإنما جِيء به كذلك لأنه محققٌ كقوله:{ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ } [النحل: 1]. والثاني: أن يكونَ جملةً مستأنفةً برأسِها، أَخْبر الله تعالى بأنه قد فَرَغَ من أمرهم، فهو من عطفِ الجملِ وليس داخلاً في حَيِّز الانتظار، وقرأ معاذ ابن جبل " وقضاء الأمر " قال الزمخشري: " على المصدرِ المرفوع عطفاً على الملائكة ". وقال غيرُه: بالمدِّ والخفض عطفاً على " الملائكة " قيل: " وتكون على هذا " في " بمعنى الباء " أي: بُظللٍ وبالملائكةِ وبقضاء الأمر، فيكونُ عن معاذ قراءتان في الملائكة: الرفعُ والخفضُ، فنشأ عنهما قراءتان له في قوله: " وقُضي الأمر ".

اسامة محمد خيري
18-11-2019, 12:00
الجوهرة التاسعة

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ

قال ابو حيان فى بحره:

وقالت طائفة: في الكلام تقديم وتأخير، التقدير: حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله؟ فيقول الرسول: ألا إن نصر الله قريب، فقدم الرسول في الرتبة لمكانته، وقدم قول المؤمنين لتقدمه في الزمان.

قال ابن عطية وهذا تحكم وحمل الكلام على وجهه غير متعذر. انتهى. وقوله حسن، إذ التقديم والتأخير مما يختصان بالضرورة.

الجوهرة العاشرة

وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ

قال ابن الجوزى فى زاد المسير:

والقول الثالث: أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، تقديره: ولقد همت به، ولولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها، فلما رأى البرهان، لم يقع منه الهم، فقُدِّم جواب «لولا» عليها ....

الجوهرة الحادية عشر

لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ

قال ابن الجوزى فى زاد المسير:

وفي قوله: يحفظونه من أمر الله سبعة أقوال:

أحدها: يحرسونه من أمر الله ولا يقدرون، هذا على قول من قال: هي في المشركين المحترسين من أمر الله.

والثاني: أن المعنى: حِفْظُهم له من أمر الله، قاله ابن عباس، وابن جُبير، فيكون تقدير الكلام: هذا الحفظ مما أمرهم الله به.

والثالث: يحفطونه بأمر الله، قاله الحسن، ومجاهد، وعكرمة. قال اللغويون: والباء تقوم مقام «مِنْ» وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض.

والرابع: يحفظونه من الجن، قاله مجاهد، والنخعي. وقال كعب: لولا أن الله تعالى وكَّل بكم ملائكة يَذُبُّون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعَوْرَاتِكم، إِذاً لتخطَّفَتْكم الجن. وقال مجاهد: ما من عَبْدٍ إِلا ومَلَكٌ موكّل به يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإِنس والهوامِّ، فإذا أراده شيء، قال: وراءك وراءك، إِلا شيء قد قضي له أن يصيبه. وقال أبو مجلز: جاء رجل من مُراد إِلى عليّ ، فقال: احترس، فإن ناساً من مُراد يريدون قتلك، فقال: إِن مع كل رجل ملَكين يحفظانه مما لم يقدَّر، فاذا جاء القدر خلَّيا بينه وبينه، وإِن الأجل جُنَّة حصينة.

والخامس: أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، والمعنى: له معقِّبات من أمر الله يحفظونه، قاله أبو صالح، والفراء......

الجوهرة الثانية عشر

يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

قال ابو حيان فى بحره:


وجوّزوا أن يكون، في الدنيا، متعلقاً بقوله: يبين لكم. الآيات، لا: بتتفكرون، ويتعلق بلفظ: يبين، أي: يبين الله في الدنيا والآخرة. وروي هذا عن الحسن.

ولا بد من تأويل على هذا إن كان التبيين للآيات يقع في الدنيا، فيكون التقدير في أمر الدنيا والآخرة، وإن كان يقع فيهما، فلا يحتاج إلى تأويل، لأن الآيات، وهي: العلامات يظهرها الله تعالى في الدنيا والآخرة.

وجعل بعضهم هذا القول من باب التقديم والتأخير، إذ تقديره عنده: كذلك يبين الله لكم الآيات في الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون. وقال: ويمكن الحمل على ظاهر الكلام لتعلق: في الدنيا والآخرة، بتتفكرون، ففرض التقديم والتأخير، على ما قاله الحسن، يكون عدولاً عن الظاهر لا الدليل، وإنه لا يجوز، وليس هذا من باب التقديم والتأخير، لأن: لعل، هنا جارية مجرى التعليل، فهي كالمتعلقة: بيبين، وإذا كانت كذلك فهي والظرف من مطلوب: يبين، وتقدّم أحد المطلوبين، وتأخر الآخر، لا يكون ذلك من باب التقديم والتأخير.

اسامة محمد خيري
18-11-2019, 12:05
الجوهرة الثالثة عشر

وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ

قال القرطبي فى تفسير الايه الثانية:

هذه آية مُشْكِلة، ولا سِيّما وفيها وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ . قيل: المعنى ونقلب أفئدتهم وأنظارهم يوم القيامة على لهب النار وحرِّ الجمر؛ كما لم يؤمنوا في الدنيا. «وَنَذَرُهُمْ» في الدنيا، أي نمهلهم ولا نعاقبهم؛ فبعض الآية في الآخرة، وبعضها في الدنيا. ونظيرها
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ
[الغاشية: 2] فهذا في الآخرة. «عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ» في الدنيا. وقيل: ونقلب في الدنيا؛ أي نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآية، كما حُلنا بينهم وبين الإيمان أوّل مرة؛ لمّا دعوتَهم وأظهرتَ المعجزة. وفي التنزيل:
وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
[الأنفال: 24]. والمعنى: كان ينبغي أن يؤمنوا إذا جاءتهم الآية فرأوها بأبصارهم وعرفوها بقلوبهم؛ فإذا لم يؤمنوا كان ذلك بتقليب الله قلوبَهم وأبصارهم. كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ودخلت الكاف على محذوف، أي فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أوّل مرة؛ أي أوّل مرة أتتهم الآيات التي عجزوا عن معارضتها مثل القرآن وغيره. وقيل: ونقلِّب أفئدة هؤلاء كيلا يؤمنوا؛ كما لم تؤمن كفار الأممِ السالفة لما رأوا ما ٱقترحوا من الآيات.

وقيل: في الكلام تقديم وتأخير؛ أي أنها إذا جاءت لا يؤمنون كما لم يؤمنوا أوّل مرة ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم.

الجوهرة الرابعة عشر

إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا

قال ابن الجوزى فى زاد المسير:

قوله تعالى: ولا يخاف عقباها قرأ أبو جعفر، ونافع، وابن عامر، «فلا يخاف» بالفاء، وكذلك هو في مصاحف أهل المدينة والشام. وقرأ الباقون بالواو، وكذلك هي في مصاحف مكة، والكوفة، والبصرة

وفي المشار إليه ثلاثة أقوال.

أحدها: أنه الله ، فالمعنى: لا يخاف الله من أحد تَبِعَةً في إهلاكهم، ولا يخشى عقبى ما صنع، قاله ابن عباس، والحسن.

والثاني: أنه الذي عقرها، فالمعنى: أنه لم يخف عقبَى ما صنع، وهذا مذهب الضحاك والسدي، وابن السائب. فعلى هذا في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: إذ انبعث أشقاها وهو لا يخاف عقباها.

والثالث: أنه نبي الله صالح لم يخف عقباها، حكاه الزجاج.

الجوهرة الخامسة عشر

فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ * ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ

قال القرطبي فى تفسيره:

واحتج بعض أهل العلم في تثبيت عذاب القبر بقوله: ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً ما دامت الدنيا. كذلك قال مجاهد وعكرمة ومقاتل ومحمد بن كعب كلهم قال: هذه الآية تدل على عذاب القبر في الدنيا، ألا تراه يقول عن عذاب الآخرة: وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ .

وجعل الفرّاء في الآية تقديماً وتأخيراً مجازه: «أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ». «النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا» فجعل العرض في الآخرة، وهو خلاف ما ذهب إليه الجمهور من انتظام الكلام على سياقه على ما تقدّم. والله أعلم.

الجوهرة السادسة عشر

خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ

قال ابن الجوزى فى زاد المسير:

قوله تعالى: وإخوانهم في هذه الهاء والميم قولان.

أحدهما: أنها عائدة على المشركين؛ فتكون هذه الآية مقدَّمة على التي قبلها، والتقدير: وأعرض عن الجاهلين، وإخوان الجاهلين، وهم الشياطين. يمدُّونهم في الغَيِّ .....

وقال القرطبي فى تفسيره:

قيل: المعنىٰ وإخوان الشياطين وهم الفجّار من ضُلاّل الإنس تمدّهم الشياطين في الغيّ. وقيل للفجار إخوان الشياطين لأنهم يقبلون منهم. وقد سبق في هذه الآية ذكر الشيطان. هذا أحسن ما قيل فيه؛ وهو قول قتادة والحسن والضحاك. ومعنىٰ «لاَ يُقْصِرُونَ» أي لا يتوبون ولا يرجعون. وقال الزجاج: في الكلام تقديم وتأخير؛ والمعنىٰ: والذين تدعون من دونه لا يستطيعون لكم نصراً ولا أنفسهم ينصرون، وإخوانهم يمدّونهم في الغيّ

الجوهرة السابعة عشر

قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ ٱلأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ

قال القرطبي فى تفسيره:

قال النحويون هو استثناء ليس من الأوّل؛ وأجاز أبو إسحاق أن يكون من الأوّل على أنهم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه الأصنام، فأعلمهم أنه تبرأ مما يعبدون إلا الله. وتأوّله الفراء على الأصنام وحدها والمعنى عنده: فإنهم لو عبدتُهم عدوّ لي يوم القيامة؛ على ما ذكرنا

. وقال الجرجاني: تقديره: أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون إلا رب العالمين فإنهم عدوّ لي. وإلا بمعنى دون وسوى؛ كقوله:
لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ

الجوهرة الثامنة عشر

وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يٰمُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ * ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ

قال الالوسي فى تفسيره:

والظاهر أن من الرهب متعلق باضمم

وقال أبو البقاء: هو متعلق بولي. وقيل بمدبراً.

وقيل بمحذوف: أي تسكن من الرهب، وقيل باضمم. ولا يخفى ما في تعلقه بسوى اضمم وإن أشار إلى تعلقه بولى أو مدبراً كلام ابن جريج على ما أخرجه عنه ابن المنذر حيث جعل الآية من التقديم والتأخير. والمراد ولي مدبراً من الرهب.

وقال ابن الجوزى فى زاد المسير:

وللمفسرين في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال.

أحدها: أنَّه لمَّا هرب من الحيَّة أمره الله أن يَضُم إِليه جناحه ليذهب عنه الفزع. قال ابن عباس: المعنى: اضمم يدك إِلى صدرك من الخوف ولا خوف عليك. وقال مجاهد: كلٌّ مَنْ فَزِع فضَمَّ جناحه إِليه ذهب عنه الفَزَع.

والثاني: أنَّه لمَّا هاله بياض يده وشعاعها، أُمِر أن يُدْخِلها في جيبه، فعادت إلى حالتها الأولى.

والثالث: أن معنى الكلام: سَكِّن رَوْعَك، وثَبِّت جأْشَك. قال أبو علي: ليس يراد به الضَّمُّ بين الشيئين، إِنما أُمِر بالعزم [على ما أُمِر به] والجدِّ فيه، ومثله: اشدد حيازيمك للموت.

الجوهرة التاسعة عشر

وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً

قال الرازى فى تفسيره:

المسألة الأولى: اعلم أنه يمكن تفسير الآية بحيث يكون الوالدان والأقربون وراثاً، ويمكن أيضا بحيث يكونان موروثا عنهما.

أما الأول: فهو أن قوله: وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ أي: ولكل واحد جعلنا ورثة في تركته، ثم كأنه قيل: ومن هؤلاء الورثة؟ فقيل: هم الوالدان والأقربون، وعلى هذا الوجه لا بد من الوقف عند قوله: مّمَّا تَرَكَ .

وأما الثاني: ففيه وجهان: الأول: أن يكون الكلام على التقديم والتأخير، والتقدير: ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي، أي: ورثة

اسامة محمد خيري
18-11-2019, 12:09
الجوهرة العشرون

وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً

قال ابن الجوزى فى زاد المسير:

قوله تعالى: لا تبعتم الشيطان إِلا قليلاً في معنى هذا الاستثناء ثلاثة أقوال.

أحدها: أنه راجع إِلى الإِذاعة، فتقديره: أذاعوا به إِلا قليلاً. وهذا قول ابن عباس، وابن زيد، واختاره الفراء، وابن جرير.

والثاني: أنه راجع إِلى المستنبطين، فتقديره: لَعلمه الذين يستنبطونه منهم إِلا قليلاً، وهذا قول الحسن، وقتادة، واختاره ابن قتيبة. فعلى هذين القولين، في الآية تقديم وتأخير.

والثالث: أنه راجع إلى اتِّباع الشيطان، فتقديره: لاتبعتم الشيطان إِلا قليلاً منكم، وهذا قول الضحاك، واختاره الزجاج. وقال بعض العلماء: المعنى: لولا فضل الله بإرسال النبي إِليكم، لضللتم إلا قليلاً منكم كانوا يستدركون بعقولهم معرفة الله، ويعرفون ضلال من يَعبُد غيره، كقس بن ساعدة.

الجوهرة الواحدة والعشرون

وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ

قال الرازى فى تفسيره:

أما الواو في قوله: وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ ففيه (ثلاثة أقول):

أحدها: أنها واو عطف والمعنى أن اليهود أحرص الناس على حياة وأحرص من الذين أشركوا كقولك: هو أسخى الناس ومن حاتم. هذا قول الفراء والأصم. فإن قيل: ألم يدخل الذين أشركوا تحت الناس؟ قلنا: بلى ولكنهم أفردوا بالذكر لأن حرصهم شديد وفيه توبيخ عظيم لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بالمعاد وما يعرفون إلا الحياة الدنيا فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقياً باعظم التوبيخ، فإن قيل: ولم زاد حرصهم على حرص المشركين؟ قلنا: لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك.

القول الثاني: أن هذه الواو واو استئناف وقد تم الكلام عند قوله: «على حياة» (و) تقديره ومن الذين أشركوا أناس يود أحدهم على حذف الموصوف كقوله:
وَمَا مِنَّا إِلاَّ له مَقَامٌ مَّعْلُومٌ
[الصافات: 164].

القول الثالث: أن فيه تقديماً وتأخيراً وتقديره. ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على حياة، ثم فسر هذه المحبة بقوله: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وهو قول أبي مسلم، والقول الأول أولى لأنه إذا كانت القصة في شأن اليهود خاصة فالأليق بالظاهر أن يكون المراد: ولتجدن اليهود أحرص على الحياة من سائر الناس ومن الذين أشركوا ليكون ذلك أبلغ في إبطال دعواهم وفي إظهار كذبهم في قولهم. إن الدار الآخرة لنا لا لغيرنا والله أعلم.

الجوهرة الثانية والعشرون

قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ * فَلَمَّا

دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ
قال ابن الجوزى فى زاد المسير:

وفي قوله: إِن شاء الله آمنين أربعة أقوال.

أحدها: أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، فالمعنى: سوف أستغفر لكم ربي إِن شاء الله، إِنه هو الغفور الرحيم، هذا قول ابن جريج.

والثاني: أن الاستثناء يعود إِلى الأمن. ثم فيه قولان. أحدهما: أنه لم يثق بانصراف الحوادث عنهم. والثاني: أن الناس كانوا فيما خلا يخافون ملوك مصر، فلا يدخلون إِلا بجوارهم.

والثالث: أنه يعود إِلى دخول مصر، لأنه قال لهم هذا حين تلقَّاهم قبل دخولهم، على ما سبق بيانه.

والرابع: أن «إِن» بمعنى: «إِذ» كقوله:
إِن أَرَدْنَ تحصُّناً

الجوهرة الثالثة والعشرون

إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ * إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ

قال القرطبي فى تفسيره:

قلت: وقيل إن معنى قول من قال أكاد أخفيها من نفسي؛ أي إن إخفاءها كان من قِبلي ومن عندي لا من قِبل غيري. وروي عن ابن عباس أيضاً: أكاد أخفيها من نفسي؛ ورواه طلحة بن عمرو عن عطاء. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: لا أظهر عليها أحداً. وروي عن سعيد بن جبير قال: قد أخفاها. وهذا على أن كاد زائدة. أي إن الساعة آتية أخفيها، والفائدة في إخفائها التخويف والتهويل. وقيل: تعلق «لتجزى» بقوله تعالى: وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ فيكون في الكلام تقديم وتأخير؛ أي أقم الصلاة لتذكرني. «لِتُجْزَى كل نفسٍ بِما تسعى» أي بِسعيها إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا . والله أعلم

. وقيل: هي متعلقة بقوله: «آتية» أي إن الساعة آتية لتجزى

الجوهرة الرابعة والعشرون

وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ

قال القرطبي فى تفسيره:

وقيل: كان هذا الرجل من بني إسرائيل يكتم إيمانه من آل فرعون؛ عن السّدي أيضاً. ففي الكلام على هذا تقديم وتأخير، والتقدير: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون

الجوهرة الخامسة والعشرون

إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ وَٱلنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ

قال السمين الحلبي فى الدر المصون:

قوله تعالى: وَٱلصَّابِئُونَ : الجمهور على قراءته بالواو وكذلك هو في مصاحف الأمصار. وفي رفعةِ تسعة أوجه، أحدها: وهو قول جمهورِ أهلِ البصرة: الخليل وسيبويه وأتباعِهما - أنه مرفوع بالابتداء وخبرُه محذوفٌ لدلالةِ خبر الأول عليه، والنيةُ به التأخيرُ، والتقدير: إنَّ الذين آمنوا والذين هادُوا مَنْ آمنَ بهم إلى آخره والصابئون كذلك، ونحوه: " إن زيداً وعمروٌ قائمٌ " أي: إنَّ زيداً قائم وعمرو قائم

اسامة محمد خيري
18-11-2019, 12:38
الجوهرة السادسة والعشرون

{ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ }

قال الرازى

وفيه وجوه مشهورة أحدها: أن جبريل دنا من النبي صلى الله عليه وسلم أي بعد ما مد جناحه وهو بالأفق عاد إلى الصورة التي كان يعتاد النزول عليها وقرب من النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا ففي { تدلى } ثلاثة وجوه أحدها: فيه تقديم وتأخير تقديره ثم تدلى من الأفق الأعلى فدنا من النبي صلى الله عليه وسلم الثاني: الدنو والتدلي بمعنى واحد كأنه قال دنا فقرب الثالث: دنا أي قصد القرب من محمد صلى الله عليه وسلم وتحرك عن المكان الذي كان فيه فتدلى فنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم الثاني: على ما ذكرنا من الوجه الأخير في قوله{ وَهُوَ بِٱلأفُقِ ٱلأَعْلَىٰ } [النجم: 7] أن محمداً صلى الله عليه وسلم دنا من الخلق والأمة ولان لهم وصار كواحد منهم { فتدل } أي فتدلى إليهم بالقول اللين والدعاء الرفيق فقال:{ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ } [فصلت: 6] وعلى هذا ففي الكلام كما لان كأنه تعالى قال إلا وحي يوحي جبريل على محمد، فاستوى محمد وكمل فدنا من الخلق بعد علوه وتدلى إليهم وبلغ الرسالة الثالث: وهو ضعيف سخيف، وهو أن المراد منه هو ربه تعالى وهو مذهب القائلين بالجهة والمكان، اللّهم إلا أن يريد القرب بالمنزلة، وعلى هذا يكون فيه ما في قوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن ربه تعالى " " من تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، ومن مشى إليّ أتيته هرولة " " إشارة إلى المعنى المجازي، وههنا لما بيّن أن النبي صلى الله عليه وسلم استوى وعلا في المنزلة العقلية لا في المكان الحسي قال وقرب الله منه تحقيقاً لما في قوله " " من تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً ".

(وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ )

قال ابو حيان فى بحره

وليس في هذه الجملة ما يمكن أن يعود عليه الضمير إلا الاختلاف كما قال الحسن وعطاء، أو الرحمة كما قال مجاهد، وقتادة، أو كلاهما كما قال ابن عباس. وقد أبعد المتأولون في تقدير غير هذه الثلاث، فروي أنه إشارة إلى ما بعده.
وفيه تقديم وتأخير أي: وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجِنة والناس أجمعين، ولذلك خلقهم أي لملء جهنم منهم، وهذا بعيد جداً من تراكيب كلام العرب. وقيل: إشارة إلى شهود ذلك اليوم المشهود، وقيل: إلى قوله:
فمنهم شقي وسعيد
[هود: 105] وقيل: إشارة إلى أن يكون فريق في الجنة وفريق في السعير، وقيل: إشارة إلى قوله:
ينهون عن الفساد في الأرض
[هود: 116] وقيل: إشارة إلى العبادة، وقيل: إلى الجنة والنار، وقيل: للسعادة والشقاوة. وقال الزمخشري: ولذلك إشارة إلى ما دل عليه الكلام، أولاً من التمكين والاختيار الذي عنه الاختلاف، خلقهم ليثيب مختار الحق بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره انتهى. وهو على طريقة الاعتزال. ولولا أن هذه الأقوال سطرت في كتب التفسير لضربت عن ذكرها صفحاً.

الجوهرة السابعة والعشرون

وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ

قال الالوسي فى تفسيره

فَضَحِكَتْ من الضحك المعروف والمراد به حقيقته عند الكثير، وكان ذلك عند بعضهم سروراً بزوال الخوف عن إبراهيم ، والنساء لا يملكن أنفسهم كالرجال إذا غلب عليهن الفرح، وقيل: كان سروراً بهلاك أهل الفساد، وقيل: بمجموع الأمرين، وقال ابن الأنباري: إن ضحكها كان سروراً بصدق ظنها لأنها كانت تقول لإبراهيم: اضمم إليك لوطاً فإني أرى العذاب سينزل بقومه وكان لوط ابن أخيه وقيل: ابن خالته وقيل: كان أخا سارة وقد مر آنفاً أنها بنت عم إبراهيم ، وعن ابن عباس أنها ضحكت من شدة خوف إبراهيم وهو في أهله وغلمانه، والذين جاؤوه ثلاثة وهي تعهده يغلب الأربعين، وقيل: المائة، وقال قتادة: كان ذلك من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم، وقال السدي: ضحكت من إمساك الأضياف عن الأكل وقالت: عجبا لأضيافنا نخدمهم بأنفسنا وهم لا يأكلون طعامنا، وقال وهب بن منبه: وروي أيضاً عن ابن عباس أنها ضحكت من البشارة بإسحاق، وفي الكلام على ذلك تقديم وتأخير،

وقيل: ضحكت من المعجز الذي تقدم نقله عن جبريل ، / ولعل الأظهر ما ذكرناه أولاً عن البعض، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالضحك التبسم ويستعمل في السرور المجرد نحو
مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ
، [عبس: 38-39] ومنه قولهم: روضة تضحك. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ وغيرهما عن ابن عباس أن ضحكت بمعنى حاضت، وروي ذلك عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ومجاهد وعكرمة، وقولهم: ضحكت الأرنب بهذا المعنى أيضاً، وأنكر أبو عبيدة وأبو عبيد والفراء مجيء ضحك بمعنى حاض، وأثبت ذلك جمهور اللغويين، وأنشدوا له قوله:
وضِحْكُ الأرانب فوق الصفا كمثل دم الجوف يؤم اللقا

الجوهرة الثامنة والعشرون

قَالُواْ يَٰأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ

قال القرطبي فى تفسيره
قال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير؛ وذلك أن إخوة يوسف قالوا لأبيهم: «أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً» الآية؛ فحينئذ قال أبوهم: «إنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ» فقالوا حينئذ جواباً لقوله: «مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ»

الجوهرة التاسعة والعشرون

ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ * وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ

قال ابن عطية فى المحرر الوجيز

قالت جماعة من أهل التأويل: هذه المقالة هي من يوسف ، وذلك: ليعلم العزيز سيدي أني لم أخنه في أهله وهو غائب، وليعلم أيضاً أن الله تعالى لا يهدي كيد خائن ولا يرشد سعيه.

قال القاضي أبو محمد: والهدى للكيد مستعار، بمعنى لا يكلمه ولا يمضيه على طريق إصابة، ورب كيد مهدي إذا كان من تقي في مصلحة.

واختلفت هذه الجماعة فقال ابن جريج: هذه المقالة من يوسف هي متصلة بقوله للرسول:
إن ربي بكيدهن عليم
[يوسف: 50]،

وفي الكلام تقديم وتأخير، فالإشارة بقوله: ذلك - على هذا التأويل - هي إلى بقائه في السجن والتماسه البراءة أي هذا ليعلم سيدي أني لم أخنه.

وقال بعضهم: إنما قال يوسف هذه المقالة حين قالت امرأة العزيز كلامها، إلى قولها:
وإنه لمن الصادقين
[يوسف: 51] فالإشارة - على هذا - إلى إقرارها، وصنع الله تعالى فيه، وهذا يضعف، لأنه يقتضي حضوره مع النسوة عند الملك، وبعد هذا يقول الملك:
ائتوني به
[يوسف: 54].

وقالت فرقة من أهل التأويل: هذه الآية من قول امرأة العزيز، وكلامها متصل، أي قولي هذا وإقراري ليعلم يوسف أني لم أخنه في غيبته بأن أكذب عليه أو أرميه بذنب هو بريء منه؛ والتقدير - على هذا التأويل توبتي وإقراري ليعلم أني لم أخنه وأن الله لا يهدي..

وعلى أن الكلام من يوسف يجيء التقدير: وليعلم أن الله لا يهدي كيد الخائنين.

الجوهرة الثلاثون

وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ
قال القرطبي فى تفسيره
قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ هذا متصل بقوله:
لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ
[الرعد: 27]. وذلك أن نفراً من مشركي مكة فيهم أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية المخزوميّان جلسوا خلف الكعبة، ثم أرسلوا إلى رسول الله فأتاهم؛ فقال له عبد الله: إن سرّك أن نتبعك فسَيِّر لنا جبال مكة بالقرآن، فأَذْهبها عنّا حتى تنفسح؛ فإنها أرض ضيّقة، واجعل لنا فيها عيوناً وأنهاراً، حتى نغرس ونزرع؛ فلستَ كما زعمتَ بأهون على ربك من داود حين سخّر له الجبال تسير معه، وسَخِّر لنا الريح فنركبها إلى الشام نقضي عليها مِيرتنا وحوائجنا، ثم نرجع من يومنا؛ فقد كان سليمان سخّرت له الريح كما زعمتَ؛ فلستَ بأهون على ربك من سليمان بن داود، وأَحْيِ لنا قُصَيّا جدّك، أو من شئتَ أنت من موتانا نسأله؛ أحقُّ ما تقول أنت أم باطل؟ فإن عيسى كان يحيـي الموتى، ولست بأهون على الله منه؛ فأنزل الله تعالى: «وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ» الآية؛ قال معناه الزّبير بن العوام ومجاهد وقَتَادة والضّحاك؛ والجواب محذوف تقديره: لكان هذا القرآن، لكن حذف إيجازاً، لما في ظاهر الكلام من الدلالة عليه؛ كما قال ٱمرؤ القيس:
فَلَوْ أَنَّهَا نَفْسٌ تَموتُ جَمِيعةً ولكِنَّها نفسٌ تَسَاقَطُ أَنْفُسَا
يعني لهان عليّ؛ هذا معنى قول قَتَادة؛ قال: لو فَعَل هذا قرآن قبل قرآنكم لفعله قرآنكم

. وقيل: الجواب متقدم، وفي الكلام تقديم وتأخير؛ أي وهم يكفرون بالرحمن لو أنزلنا القرآن وفعلنا بهم ما اقترحوا. الفراء: يجوز أن يكون الجواب لو فعل بهم هذا لكفروا بالرحمن «وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً» إلى قوله: «الْمَوْتَى» لما آمنوا، والجواب المضمر هنا ما أظهر في قوله:
وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ
[الأنعام: 111] إلى قوله:
مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ
[الأنعام: 111].

اسامة محمد خيري
18-11-2019, 12:58
الجوهرة الواحدة والثلاثون

ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ
قال الامام الرازى فى تفسيره
أما قوله: تَرَوْنَهَا ففيه أقوال: الأول: أنه كلام مستأنف والمعنى: رفع السموات بغير عمد. ثم قال: تَرَوْنَهَا أي وأنتم ترونها أي مرفوعة بلا عماد. الثاني: قال الحسن في تقرير الآية تقديم وتأخير تقديره: رفع السموات ترونها بغير عمد.

واعلم أنه إذا أمكن حمل الكلام على ظاهره كان المصير إلى التقديم والتأخير غير جائز. والثالث: أن قوله: تَرَوْنَهَا صفة للعمد، والمعنى: بغير عمد مرئية، أي للسموات عمد. ولكنا لا نراها قالوا: ولها عمد على جبل قاف وهو جبل من زبرجد محيط بالدنيا ولكنكم لا ترونها. وهذا التأويل في غاية السقوط، لأنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام ليكون حجة على وجود الإله القادر ولو كان المراد ما ذكروه لما ثبتت الحجة لأنه يقال إن السموات لما كانت مستقرة على جبل قاف فأي دلالة لثبوتها على وجود الإله، وعندي فيه وجه آخر أحسن من الكل وهو أن العماد ما يعتمد عليه وقد دللنا على أن هذه الأجسام إنما بقيت واقفة في الجو العالي بقدرة الله تعالى وحينئذ يكون عمدها هو قدرة الله تعالى فنتج أن يقال إنه رفع السماء بغير عمد ترونها أي لها عمد في الحقيقة إلا أن تلك العمد هي قدرة الله تعالى وحفظه وتدبيره وإبقاؤه إياها في الجو العالي وأنهم لا يرون ذلك التدبير ولا يعرفون كيفية ذلك الإمساك.

الجوهرة الثانية والثلاثون

أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَـاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

قال السمين فی دره:

وقال في " ريّ الظمآن ": " في الآيةِ تقديمُ وتأخيرُ، والتقديرُ: ومَنْ أظلمُ مِنَ الله مِمَّنْ كَتَمَ شهادةً حَصَلَتْ له كقولِك: " ومَنْ أظلمُ من زيدٍ من جملةِ الكلمتين للشهادة " والمعنى: لو كانَ إبراهيمُ وبنوه يهوداً أو نصارى، ثم إنَّ الله كَتَمَ هذه الشهادةَ لم يكن أحدٌ مِمَّنْ يكتمُ الشهادةَ أظلمَ منه، لكن لمَّا استحال ذلك مع عَدْلِه وتنزيهه عن الكذبِ عَلِمْنا أنَّ الأمرَ ليس كذلك

". قال الشيخ: " وهذا متكلفٌ جداً من حيث التركيبُ ومن حيث المدلولُ: أمَّا التركيبُ فإنَّ التقديمَ والتأخيرَ من الضرائرِ عند الجمهور، وأيضاً فيبقى قوله: " مِمَّن كتم " متعلِّقاً إمَّا بأظلم، فيكونُ ذلك على طريق البدليَّةِ، ويكون إذ ذاك بدلَ عامٍ من خاص وليس بثابتٍ، وإنْ كان بعضُهم زَعَمَ ورودَه، لكنَّ الجمهور تأوَّلوه بوضعِ العامِّ موضعَ الخاص، أو تكونُ " مِنْ " متعلقةً بمحذوف فتكونُ في موضعِ الحال أي: كائناً من الكاتمين. وأمَّا من حيث المدلولُ فإنَّ ثبوتَ الأظلميَّة لمن جُرَّ بـ " مِنْ " يكونُ على تقدير، أي: إنْ كَتَمها فلا أحدَ أظلمُ منه، وهذا كلُّه معنىً لا يَليقُ به تعالى ويُنَزَّه كتابُه عنه ".

الجوهرة الثالثة والثلاثون

ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
قال السمين الحلبي فى الدر المصون:
قوله تعالى: ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ استشكل الناسُ مجيءَ " ثم " هنا من حيث إنَّ الإِفاضة الثانية هي الإِفاضةُ الأولى؛ لأنَّ قريشاً كانت تَقِفُ بمزدلفة وسائرُ الناسِ بعرفة، فأُمروا أن يَفيضوا من عرفةَ كسائرِ الناسِ، فكيف يُجاء بـ " ثم " التي تقتضي الترتيب والتراخيَ؟ وفي ذلك أجوبةٌ:

أحدُها: أنَّ الترتيبَ في الذِّكر لا في الزمانِ الواقعِ فيه الأفعالُ، وحَسَّنَ ذلك أن الإِفاضةَ الأولى غيرُ مأمورٍ بها، إنما المأمورُ به ذكرُ اللهِ إذا فُعِلَت الإِفاضةَ.

والثاني: أن تكونَ هذه الجملة معطوفةً على قولِه: واتقوني يا أولي ففي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ وهو بعيدٌ.

الثالث: أن تكونَ " ثم " بمعنى الواو، وقد قال به بعضُ النحويين، فهي لعطفِ كلامٍ على كلامٍ منقطعٍ من الاول.

الرابع: أن الإِفاضة الثانيةَ هي من جَمْعٍ إلى مُنى، والمخاطبون بها جميعُ الناس، وبهذا قال جماعةٌ كالضحاك ورجَّحه الطبري، وهو الذي يقتضيه ظاهرُ القرآنِ وعلى هذا فـ " ثم " على بابها،

الجوهرة الرابعة والثلاثون

وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ * لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ * كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ * ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ

قال الماتريدى فى تفسيره:

وقال بعضهم: هو على التقديم: أي: آتيناك المثاني والقرآن العظيم؛ أنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة والإنجيل على اليهود والنصارى؛ فهم المقتسمون كتاب الله؛ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض.

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ * بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ

قال ابن الجوزى فى زاد المسير

قوله تعالى: بالبينات والزُّبُر في هذه «الباء» قولان:

أحدهما: أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، تقديره: وما أرسلنا من قبلك إِلاّ رجالاً أرسلناهم بالبينات...

الجوهرة الخامسة والثلاثون

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً

قال الالوسي فى تفسيره

وحكى ابن الأنباري أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، وأن يَقِيناً / متعلق بقوله تعالى: بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ .

وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ وَلاَ مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

قال السمين الحلبي فى الدر المصون:

قوله: " فممَّا " الفاء قد تقدم أنها: إمَّا جوابُ الشرط، وإما زائدةٌ في الخبر على حَسَب القولين في " مَنْ ". وفي هذه الآية سبعة أوجه،....


السابع ـ وهو أغربُها ونُقِل عن جماعة منهم ابن جرير ـ " أن في الآية تقديماً وتأخيراً وأن التقدير: ومَنْ لم يستطع منكم طوْلاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فلينكح بعضُكم من بعض الفتيات، فـ " بعضُكم " فاعل ذلك الفعل المقدر، فعلى هذا يكون قوله: وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ معترضاً بين ذلك الفعل المقدر وفاعِله. ومثلُ هذا لا ينبغي أن يقال

الجوهرة السادسة والثلاثون

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

قال الماتريدى فى تفسيره

قوله: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا روي عن عبد الله بن عباس أنه كان يقرؤها: (حتى تسـتأذنوا وتسلموا على أهلها). وقال: تَسْتَأْنِسُواْ وهم من الكاتب.

وقال بعضهم: الاستئناس: الاستئذان.

وقال بعضهم: الاستئناس: الاستعلام، وهو أن يطلب من أهل البيت الإذن بالدخول، والاستئذان هو طلب الإذن منهم للدخول.

وروي عن أبي أيوب قال: " قلنا: يا رسول الله، هذا السلام قد عرفناه فما الاستئذان؟ قال: " أن يرفع صوته بالتحميد أو بالتسبيح أو بالتكبير ليؤذن للدخول " فإن ثبت هذا فهو إلى الاستعلام أقرب وهو كقوله:
فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً
[النساء: 6] أي: علمتم.

ثم قال بعضهم: قوله: (حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها) على التقديم والتأخير، أي: حتى تسلموا وتستأنسوا، وهو أن يبدأ فيقول: السلام عليكم ورحمة الله! أدخل أو لا؟ ثم يستأذن، وهو ما روي: " السلام قبل الكلام ".

ولكن عندنا أن الاستئذان للدخول فإذا أذن بالدخول فدخل فعند ذلك يسلم عليهم كقوله:
فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً
[النور: 61] فإنما أمر بالسلام بعد الدخول؛ فعلى ذلك هذا يستأذن للدخول فإذا أذن له فدخل فبعد الدخول يسلم عليهم؛ لأنه لو سلم أولا ثم استأذن احتاج إلى أن يسلم ثانياً إذا دخل؛ فهذا الذي ذكرنا أشبه بعمل الناس وظاهر الآية، والله أعلم.

الجوهرة السابعة والثلاثون

وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِالَّيلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ

قال القرطبي

قيل: في هذه الآية تقديم وتأخير، والمعنى: ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار؛ فحذِف حرف الجر لاتصاله بالليل وعطفه عليه، والواو تقوم مقام حرف الجر إذا اتصلت بالمعطوف عليه في الاسم الظاهر خاصة؛ فجعل النوم بالليل دليلاً على الموت، والتصرفُ بالنهار دليلاً على البعث.

الجوهرة الثامنة والثلاثون

وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ العِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَي يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَـكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ

قال ابو حيان في بحره

الذين أوتوا العلم : هم الملائكة والأنبياء والمؤمنون. في كتاب الله : فيما وعد به في كتابه من الحشر والبعث والعلم يعم الإيمان وغيره، ولكن نص على هذا الخاص تشريفاً وتنبيهاً على محله من العلم. وقيل: في كتاب الله : اللوح المحفوظ، وقيل: في علمه، وقيل: في حكمه. وقرأ الحسن: البعث، بفتح العين فيهما، وقرىء: بكسرها، وهو اسم، والمفتوح مصدر.

وقال قتادة: هو على التقديم والتأخير،

تقديره: أوتوا العلم في كتاب الله والإيمان. لقد لبثتم : وعلى هذا تكون في بمعنى الباء، أي العلم بكتاب الله، ولعل هذا القول لا يصح عن قتادة، فإن فيه تفكيكاً للنظم لا يسوغ في كلام غير فصيح، فكيف يسوغ في كلام الله؟ وكان قتادة موصوفاً بعلم العربية، فلا يصدر عنه مثل هذا القول

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ

قال القرطبي في تفسيره

وقيل في الكلام تقديم وتأخير؛ والمعنى: قل يتوفاكم مَلَك الموت الَّذِي وُكِّل بكم فلا تكن في مِرْية من لقائه؛ فجاء معترضاً بين وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وبين وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ

الجوهرة التاسعة والثلاثون
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ ٱلْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً


قال الرازي

المسألة الأولى: قوله: إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ إما أن يكون فيه تقديم وتأخير تقديره ولا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم، فلا يكون منعاً من الدخول في غير وقت الطعام بغير الإذن،

وإما أن لا يكون فيه تقديم وتأخير فيكون معناه ولا تدخلوا إلا أن يؤذن لكم إلى طعام فيكون الإذن مشروطاً بكونه إلى الطعام فإن لم يؤذن لكم إلى طعام فلا يجوز الدخول فلو أذن لواحد في الدخول لاستماع كلام لا لأكل طعام لا يجوز، نقول المراد هو الثاني ليعم النهي عن الدخول، وأما قوله فلا يجوز إلا بالإذن الذي إلى طعام، نقول: قال الزمخشري الخطاب مع قوم كانوا يجيئون حين الطعام ويدخلون من غير إذن فمنعوا من الدخول في وقته بغير إذن، والأولى أن يقال المراد هو الثاني لأن التقديم والتأخير خلاف الأصل وقوله: إِلَىظ° طَعَامٍ من باب التخصيص بالذكر فلا يدل على نفي ما عداه، لا سيما إذا علم أن غيره مثله فإن من جاز دخول بيته بإذنه إلى طعامه جاز دخوله إلى غير طعامه بإذنه، فإن غير الطعام ممكن وجوده مع الطعام، فإن من الجائز أن يتكلم معه وقتما يدعوه إلى طعام ويستقضيه في حوائجه ويعلمه مما عنده من العلوم مع زيادة الإطعام، فإذا رضي بالكل فرضاه بالبعض أقرب إلى الفعل ...

الجوهرة الاربعون

وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَـذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَـظ°ذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

قال الالوسي

وجاء في سورة النحل [14]
وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ
بتقديم مَوَاخِرَ وتأخير فِيهِ وعكس هظ°هنا فقيل في وجه لأنه علق فِيهِ هنا بترى وثمت بمواخر، ولا يحسم مادة السؤال. والذي يظهر لي في ذلك أن آية النحل سيقت لتعداد النعم كما يؤذن بذاك سوابقها ولواحقها وتعقيب الآيات بقوله سبحانه:
وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا
[إبراهيم: 34] فكان الأهم هناك تقديم ما هو نعمة وهو مخر الفلك للماء بخلاف ما هنا فإنه إنما سيق استطراداً أو تتمة للتمثيل كما علمت آنفاً فقدم فيه فِيهِ إيذاناً بأنه ليس المقصود بالذات ذلك، وكأن الاهتمام بما هناك اقتضى أن يقال في تلك الآية وَلِتَبْتَغُواْ بالواو، ومخالفة ما هنا لذلك / اقتضت ترك الواو في قوله سبحانه: لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ أي من فضل الله تعالى بالنقلة فيها وهو سبحانه وإن لم يجر له ذكر في الآية فقد جرى له تعالى ذكر فيما قبلها ولو لم يجر لم يشكل لدلالة المعنى عليه عز شأنه

اسامة محمد خيري
19-11-2019, 07:47
الجوهرة الواحدة والاربعون

هَـذَا عَطَآؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ

قال ابن الجوزى فى زاد المسير

قوله تعالى: { بغير حساب } قال الحسن: لا تَبِعَةَ عليك في الدُّنيا ولا في الآخرة. وقال سعيد بن جبير: ليس عليك حسابٌ يومَ القيامة. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير تقديره: هذا عطاؤنا بغير حساب فامْنُنْ أو أمْسِكْ

{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ }

قال الرازي

المسألة الأولى: في الآية حذف وفيها أيضاً تقديم وتأخير، أما الحذف فتقديره لمقت الله إياكم، وأما التقديم والتأخير فهو أن التقدير أن يقال لمقت الله لكم حال ما تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم....

الجوهرة الثانية والاربعون

وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ }

قال القرطبي

سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ } قال الحسن: المعنى في أربعة أيام مستوية تامة.

الفراء: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: وقدر فيها أقواتها سواء للمحتاجين. واختاره الطبري. وقرأ الحسن البصري ويعقوب الحضرمي «سَوَاءٍ لِلسَّائِلِينَ» بالجر. وعن ابن القعقاع «سَواءٌ» بالرفع؛ فالنصب على المصدر و«سَوَاءً» بمعنى استواء أي استوت استواء. وقيل: على الحال والقطع؛ والجر على النعت لأيام أو لأربعة أي «فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ» مستوية تامة. والرفع على الابتداء والخبر «لِلسَّائِلِينَ» أو على تقدير هذه «سَوَاءٌ لِلسَّائِلِينَ». وقال أهل المعاني: معنى «سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ» ولغير السائلين؛ أي خلق الأرض وما فيها لمن سأل ولمن لم يسأل، ويعطي من سأل ومن لا يسأل.

وقال السمين

قوله: " للسَّائلين " فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه متعلقٌ بـ " سواء " بمعنى: مُسْتويات للسائلين. الثاني: أنه متعلِّقٌ بـ " قَدَّر " أي: قَدَّر فيها أقواتَها لأجلِ الطالبين لها المحتاجين المُقتاتين. الثالث: أَنْ يتعلَّق بمحذوفٍ كأنه قيل: هذا الحَصْرُ لأجلِ مَنْ سأل: في كم خُلِقَتِ الأرضُ وما فيها؟

الجوهرة الثالثة والاربعون

وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }

قال القرطبي

الثانية: قال بعض أهل التأويل: الآية فيها تقديم وتأخير، والمعنى { وَللَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ } إلى ما كانوا عليه من الجماع { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } لما قالوا؛ أي فعليهم تحرير رقبة من أجل ما قالوا: فالجار في قوله: «لِمَا قَالُوا» متعلق بالمحذوف الذي هو خبر الابتداء وهو عليهم؛ قاله الأخفش.

وقال السمين

الثاني: أنَّ اللامَ تتعلَّقُ بـ " تحرير ". وفي الكلامَ تقديمٌ وتأخيرٌ. والتقدير: والذين يُظاهرون مِنْ نِسائِهم فعليهم تحريرُ رقبةٍ؛ لِما نَطقوا به من الظِّهار ثم يعودُون للوَطْءِ بعد ذلك. وهذا ما نقله مكيٌّ وغيرُه عن أبي الحسن الأخفش. قال الشيخ: " وليس بشيءٍ لأنه يُفْسِدُ نَظْمَ الآية ". وفيه نظرٌ. لا نُسَلِّم فسادَ النظمِ مع دلالةِ المعنى على التقديمِ والتأخير، ولكنْ نُسَلِّم أنَّ ادعاءَ التقديمِ والتأخيرِ لا حاجةَ إليه؛ لأنه خلافُ الأصل....

وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

قال الرازي

فإن قيل: في الآية سؤالان أحدهما: أنه لا يقال: تبوأ الإيمان والثاني: بتقدير أن يقال: ذلك لكن الأنصار ما تبوءوا الإيمان قبل المهاجرين والجواب عن الأول من وجوه أحدها: تبوءوا الدار وأخلصوا الإيمان كقوله:
ولقد رأيتك في الوغى متقلداً سيفاً ورمحاً
وثانيها: جعلوا الإيمان مستقراً ووطناً لهم لتمكنهم منه واستقامتهم عليه، كما أنهم لما سألوا سلمان عن نسبه فقال: أنا ابن الإسلام وثالثها: أنه سمى المدينة بالإيمان، لأن فيها ظهر الإيمان وقوي والجواب: عن السؤال الثاني من وجهين الأول: أن الكلام على التقديم والتأخير، والتقدير: والذين تبوءوا الدار من قبلهم والإيمان والثاني: أنه على تقدير حذف المضاف والتقدير: تبوءوا الدار والإيمان من قبل هجرتهم،

الجوهرة الرابعة والاربعون

وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً }

قال الرازي

وهو قوله: { وَعَذَّبْنَـهَا عَذَاباً نُّكْراً } أي عذاباً منكراً عظيماً، فسر المحاسبة بالتعذيب. وقال الكلبي: هذا على التقديم والتأخير، يعني فعذبناها في الدنيا وحاسبناها في الآخرة حساباً شديداً، والمراد حساب الآخرة وعذابها

اسامة محمد خيري
19-11-2019, 07:54
الجوهرة الخامسة والاربعون

وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ }

قال القرطبي

قوله تعالى: { جَهْرَةً } مصدر في موضع الحال، ومعناه علانية. وقيل عِيانا؛ قاله ٱبن عباس. وأصل الجهر الظهور؛ ومنه الجهر بالقراءة إنما هو إظهارها. والمجاهرة بالمعاصي: المظاهرة بها. ورأيت الأمير جِهاراً وجهرة؛ أي غير مستتر بشيء. وقرأ ٱبن عباس «جَهَرة» بفتح الهاء. وهما لغتان؛ مثل زَهْرة وزَهَرة. وفي الجهر وجهان: أحدهما: أنه صفة لخطابهم لموسى أنهم جهروا به وأعلنوا؛ فيكون في الكلام تقديم وتأخير؛ والتقدير: وإذ قلتم جهرة يا موسى. الثاني: أنه صفة لما سألوه من رؤية الله تعالى أن يروه جهرة وعِيانا؛ فيكون الكلام على نسقه لا تقديم فيه ولا تأخير. وأكّد بالجهر فرقاً بين رؤية العيان ورؤية المنام.

{ فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَٰناً وَتَوْفِيقاً }

قال الرازى

قوله تعالى { وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً } وفيه مسألتان المسألة الأولى في قوله { فِى أَنفُسِهِمْ } وجوه الأول أن في الآية تقديما وتأخيرا، والتقدير وقل لهم قولا بليغا في أنفسهم مؤثرا في قلوبهم يغتمون به اغتماما ويستشعرون منه الخوف استشعاراً. الثاني أن يكون التقدير وقل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا، وإن الله يعلم ما في قلوبكم فلا يغني عنكم إخفاؤه، فطهروا قلوبكم من النفاق وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك أو شراً من ذلك وأغلظ

الجوهرة السادسة والاربعون

{ وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ }

قال ابن الجوزى

قوله تعالى: { وكم من قرية أهلكناها } «كم» تدل على الكثرة، و«رب» موضوعة للقلة. قال الزجاج: المعنى: وكم من أهل قرية، فحذف الأهل، لأن في الكلام دليلاً عليه.

وقوله تعالى: { فجاءها بأسنا } محمول على لفظ القرية؛ والمعنى: فجاءهم بأسنا غفلة وهم غير متوقعين له؛ إما ليلاً وهم نائمون، أو نهاراً وهم قائلون. قال ابن قتيبة: بأسنا: عذابنا. وبياتا: ليلاً. وقائلون: من القائلة نصف النهار. فان قيل: إنما أتاها البأس قبل الإهلاك، فكيف يقدَّم الهلاك؟ فعنه ثلاثة أجوبة.

أحدها: أن الهلاك والبأس، يقعان معاً، كما تقول: أعطيتني فأحسنت؛ وليس الإحسان بعد الإِعطاء ولا قبله، وإنما وقعا معاً، قاله الفراء.

والثاني: أن الكون مضمر في الآية، تقديره: أهلكناها، وكان بأسنا قد جاءها، فأُضمر الكون، كما أُضمر في قوله:{ واتبعوا ما تتلوا الشياطين } [البقرة: 102] أي: ما كانت الشياطين تتلوه. وقوله تعالى:{ إن يسرق } [يوسف: 77] أي: إن يكن سرق.

والثالث: أن في الآية تقديماً وتأخيراً، تقديره: وكم من قرية جاءها بأسنا بياتاً، أو هم قائلون، فأهلكناها، كقوله تعالى:{ إني متوفيك ورافعك إليَّ } [آل عمران: 55] أي: رافعك ومتوفيك، ذكرهما ابن الانباري

اسامة محمد خيري
19-11-2019, 08:01
الجوهرة السابعة والاربعون

{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }

قال ابن الجوزى

قوله تعالى: { كأنك حَفِيٌّ عنها } فيه أربعة أقوال.

أحدها: أنه من المقدَّم والمؤخَّر، فتقديره: يسألونك عنها كأنك حفي، أي: بَرٌّ بهم، كقوله:
{ إنه كان بي حفياً }
[مريم: 47]. قال العوفي عن ابن عباس، وأسباط عن السدي: كأنك صديق لهم.

والثاني: كأنك حفي بسؤالهم، مجيب لهم. قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: كأنك يعجبك سؤالهم. وقال خصيف عن مجاهد: كأنك تحبُّ أن يسألوك عنها. وقال الزجاج: كأنك فَرِح بسؤالهم.

والثالث: كأنك عالم بها، قاله الضحاك عن ابن عباس، وهو قول ابن زيد، والفراء.

والرابع: كأنك استحفيت السؤال عنها حتى علمتها، قاله ابن ابي نجيح عن مجاهد. وقال عكرمة: كأنك سؤول عنها. وقال ابن قتيبة: كأنك معنيٌّ بطلب علمها. وقال ابن الانباري: فيه تقديم وتأخير، تقديره: يسألونك عنها كأنك حفيٌّ بها، والحفيُّ في كلام العرب: المعنيُّ.

انتهي

قال القرطبي

قوله تعالى: { وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ } ابتداء وخبر. أي قوم منافقون؛ يعني مُزَينة وجُهَينة وأسْلَم وغِفَار وأَشْجَعَ. { وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ } أي قوم مردوا على النفاق. وقيل: «مردوا» من نعت المنافقين؛ فيكون في الكلام تقديم وتأخير، المعنى. وممن حولكم من الأعراب منافقون مردوا على النفاق، ومن أهل المدينة مثل ذلك. ومعنى: «مرَدُوا» أقاموا ولم يتوبوا؛ عن ٱبن زيد

انتهي

قال الالوسي فى يونس

ونقل عن صاحب كتاب «تبصرة المتذكر» أنه يجوز أن يكون الاستثناء متصلاً بما قبل قوله تعالى: { وَلاَ يَعْزُبُ } ويكون في الآية تقديم وتأخير، وترتيبها وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا في كتاب مبين إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه إليَّ ولا أكبر، وتلخيصه وما من شيء إلا وهو في اللوح المحفوظ ونحن نشاهده في كل آن. ونظر فيه البلقيني في رسالته المسماة «بالاستغناء بالفتح المبين في الاستثناء» في { وَلآ أَكْبَرَ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ } بأنه على ما فيه من التكلف يلزم عليه القول بتركيب في الكلام المجيد لم يوجد في كلام العرب مثله أعني إلا في كتاب مبين إلا كنا عليكم شهوداً وليس ذلك نظير. أمرر بهم الا الفتى إلا العلا. كما لا يخفى. وأنت تعلم أن أقل الأقوال تكلفا القول بالانقطاع، وأجلها قدراً وأدقها سراً القول بالاتصال وإخراج الكلام مخرج
{ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ }
[النساء: 23] ونظائره الكثيرة نثراً ونظماً، ولا عيب فيه إلا أن الآية عليه أبلغ فليفهم، ثم إنه تعالى لما عمم وعده ووعيده في حق كافة من أطاع وعصى أتبعه سبحانه بشرح أحوال أوليائه تعالى المخلصين فقال عز من قائل: { أَلا إِنَّ أَوْلِيَآء ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ... }.


انتهي

اسامة محمد خيري
20-11-2019, 07:21
الجوهرة الثامنة والاربعون

قال ابن الجوزى

واختلفوا في معنى { إِن أَرَدْنَ تحصُّناً } على أربعة أقوال.

أحدها: أن الكلام ورد على سبب، وهو الذي ذكرناه، فخرج النهي عن صفة السبب، وإِن لم يكن شرطاً فيه.

والثاني: إِنه إِنما شرط إِرادة التحصُّن، لأن الإِكراه لا يُتَصور إِلا عند إِرادة التحصُّن، فأما إِذا لم ترد المرأة التحصُّن، فانها تبغي بالطبع.

والثالث: أن «إِنْ» بمعنى «إِذ»، ومثله:
{ وذروا ما بقي من الربا إِن كنتم مؤمنين }
[البقرة:278]
{ وأنتم الأعلون إِن كنتم مؤمنين }
[آل عمران:139].

والرابع: أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، تقديره: { وأنكحوا الأيامى } إِلى قوله { وإِمائكم } { إِن أردن تحصناً } ولا تُكرهوا فتياتكم على البغاء { لتبتغوا عرض الحياة الدنيا } وهو كسبهن وبيع أولادهن { ومن يُكْرِهْهُنَّ فَان الله من بعد إِكراههن غفور } للمُكْرَهات { رحيم }

انتهي

قال ابن الجوزى

{ فانظُر ماذا يَرْجِعون } أي: ماذا يَرُدُّون من الجواب.

فإن قيل: إِذا تولَّى عنهم فكيف يعلم جوابهم؟ فعنه جوابان.

أحدهما: أن المعنى: ثم تولَّ عنهم مستتراً من حيث لا يرونك، فانظر ماذا يردُّون من الجواب، وهذا قول وهب بن منبِّه.

والثاني: أن في الكلام تقديماًَ وتأخيراً، تقديره: فانظر ماذا يرجعِون ثم تولّ عنهم، وهذا مذهب ابن زيد

انتهي

قال السمين

قوله: { مَنَامُكُم بِالْلَّيْلِ وَالنَّهَارِ }: قيل: في الآية تقديمٌ وتأخيرٌ ليكونَ كلُّ واحدٍ مع ما يلائمه. والتقدير: ومِنْ آياتِه منامُكم بالليل وابتغاؤكم مِنْ فضلِه بالنهارِ، فحُذِف حرفُ الجرِّ لاتصالِه بالليل وعَطْفِه عليه؛ لأنَّ حرفَ العطفِ قد يقومُ مَقامَ الجارِّ. والأحسنُ أَنْ يُجْعَلَ على حالِه، والنومُ بالنهار ممَّا كانَتِ العربُ تَعُدُّه نعمةً من الله، ولا سيما في أوقاتِ القَيْلولة في البلاد الحارَّة.

ملحوظة

لاحظ لم يقل وبالنهار وقال بالليل

انتهي

قال القرطبي فى سورة محمد

الثالث ـ أنها ناسخة؛ قاله الضحاك وغيره. روى الثوري عن جُوَيْبِر عن الضحاك: { فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } قال: نسخها «فَإمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإمَّا فِدَاءً». وقال ابن المبارك عن ابن جُرَيج عن عطاء: «فَإمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإمَّا فِدَاءً» فلا يُقتل المشرك ولكن يُمَنّ عليه ويُفادى؛ كما قال الله عز وجل. قال أشعث: كان الحسن يكره أن يقتل الأسير، ويتلو { فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً }. وقال الحسن أيضاً: في الآية تقديم وتأخير؛ فكأنه قال: فضرب الرّقاب حتى تضع الحرب أوزارها. ثم قال: { حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ }. وزعم أنه ليس للإمام إذا حصل الأسير في يديه أن يقتله؛ لكنه بالخيار في ثلاث منازل: إما أن يَمُنّ، أو يفادي، أو يسترق.

انتهي

قال القرطبي

وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } * { إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ }

وروي عن ٱبن عباس أيضاً قال: خَلَقهم فريقين، فريقاً يرحمه وفريقاً لا يرحمه. قال المهدويّ: وفي الكلام على هذا التقدير تقديم وتأخير؛ المعنى: ولا يزالون مختلفين إلا من رحِم ربك، وتمت كلمة ربك لأملأنّ جهنم من الجنة والناس أجمعين؛ ولذلك خلقهم. وقيل: هو متعلق بقوله:
{ ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ }
[هود: 103] والمعنى: ولشهود ذلك اليوم خلقهم. وقيل: هو متعلق بقوله: «فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ» أي للسّعادة والشّقاوة خلقهم

انتهي

وقال القرطبي

{ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ } «أَكْبَرُ» من مقت بعضكم بعضاً يوم القيامة؛ لأن بعضهم عادى بعضاً ومقته يوم القيامة، فأذعنوا عند ذلك، وخضعوا وطلبوا الخروج من النار. وقال الكلبي: يقول كل إنسان من أهل النار لنفسه مقتك يا نفس؛ فتقول الملائكة لهم وهم في النار: لمقت الله إياكم إذ أنتم في الدنيا وقد بعث إليكم الرسل فلم تؤمنوا أشد من مقتكم أنفسكم اليوم. وقال الحسن: يعطون كتابهم فإذا نظروا إلى سيئاتهم مقتوا أنفسهم فينادون «لَمَقْتُ اللَّهِ» إياكم في الدنيا { إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ } { أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ } اليوم. وقال معناه مجاهد

انتهي

قال الالوسي

وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءوا ٱلدَّارَ وَٱلإيمَـٰنَ } الأكثرون على أنه معطوف على{ الْمُهَاجِرِينَ } [الحشر: 8] والمراد بهم الأنصار. والتبوّؤ النزول في المكان، ومنه المباءة للمنزل؛ ونسبته إلى الدار - والمراد بها المدينة - ظاهر، وأما نسبته إلى الإيمان فباعتبار جعله مستقراً ومتوطناً على سبيل الاستعارة المكنية التخييلية. والتعريف في (الدار) للتنويه كأنها الدار التي تستحق أن تسمى داراً وهي التي أعدها الله تعالى لهم ليكون تبوّؤهم إياها مدحاً لهم. وقال غير واحد: الكلام من باب:
علفتها تبناً وماءاً بارداً
أي تبوأوا الدار وأخلصوا الإيمان، وقيل: التبوؤ مجاز مرسل عن اللزوم وهو لازم معناه فكأنه قيل: لزموا الدار والإيمان، وقيل في توجيه ذلك: إن أل في (الدار) للعهد، والمراد دار الهجرة وهي تغني غناء الإضافة وفي { وَٱلإِيمَـٰنَ } حذف مضاف أي ودار الإيمان / فكأنه قيل تبوأوا دار الهجرة ودار الإيمان على أن المراد بالدارين المدنية، والعطف كما في قولك: رأيت الغيث والليث وأنت تريد زيداً، ولا يخفى ما فيه من التكلف والتعسف، وقيل: إن الإيمان مجاز عن المدينة سمي محل ظهور الشيء باسمه مبالغة وهو كما ترى، وقيل: الواو للمعية والمراد تبوأوا الدار مع إيمانهم أي تبوأوها مؤمنين، وهو أيضاً ليس بشيء، وأحسن الأوجه ما ذكرناه أولاً، وذكر بعضهم أن الدار علم بالغلبة على المدينة كالمدينة، وأنه أحد أسماء لها منها طيبة وطابة ويثرب وجابرة إلى غير ذلك. وأخرج الزبير بن بكار عن زيد بن أسلم حديثاً مرفوعاً يدل على ذلك.

{ مِن قَبْلِهِمُ } أي من قبل المهاجرين، والجار متعلق بتبوأوا، والكلام بتقدير مضاف أي من قبل هجرتهم فنهاية ما يلزم سبق الإيمان الأنصار على هجرة المهاجرين، ولا يلزم منه سبق إيمانهم على إيمانهم ليقال: إن الأمر بالعكس، وجوز أن لا يقدر مضاف، ويقال: ليس المراد سبق الأنصار لهم في أصل الإيمان بل سبقهم إياهم في التمكن فيه لأنهم لم ينازعوا فيه لما أظهروه. وقيل: الكلام على التقديم والتأخير، والتقدير تبوأوا الدار من قبلهم والإيمان فيفيد سبقهم إياهم في تبوىء الدار فقط وهو خلاف الظاهر على أن مثله لا يقبل ما لم يتضمن نكتة سرية وهي غير ظاهرة هٰهنا؛ وقيل: لا حاجة إلى شيء مما ذكر، وقصارى ما تدل الآية عليه تقدم مجموع تبوىء الأنصاري وإيمانهم على تبوىء المهاجرين وإيمانهم، ويكفي في تقدم المجموع تقدم بعض أجزائه وهو هٰهنا تبوؤ الدار، وتعقب بمنع الكفاية ولو سلمت لصح أن يقال: بتقدم تبوىء المهاجرين وإيمانهم على تبوىء الأنصار وإيمانهم لتقدم إيمان المهاجرين.

اسامة محمد خيري
20-11-2019, 07:33
الجوهرة التاسعة والاربعون

قال القرطبي

العاشرة ـ قوله تعالى: { بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ } ابتداء وخبر؛ كقولك زيد في الدار. والمعنى أنتم بنو آدم. وقيل: أنتم مؤمنون. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير؛ المعنى: ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصناتِ المؤمناتِ فلْينكِح بعضُكم من بعض: هذا فتاة هذا، وهذا فتاة هذا. فبعضكم على هذا التقدير مرفوع بفعله وهو فلينكح. والمقصود بهذا الكلام تَوْطِئة نفوس العرب التي كانت تستهجن ولد الأَمَة وتُعيّره وتُسمِّيه الهَجِين، فلما جاء الشرع بجواز نكاحها علموا أن ذلك التهجين لا معنى له، وإنما انحطت الأَمَة فلم يجز للحرّ التزوّج بها إلا عند الضرورة؛ لأنه تسبب إلى إرقاق الولد، وأن الأَمَة لا تَفرُغ للزّوج على الدوام، لأنها مشغولة بخدمة المَوْلَى

انتهي

وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }

قال القرطبي:

هذه آية مُشْكِلة، ولا سِيّما وفيها { وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }. قيل: المعنى ونقلب أفئدتهم وأنظارهم يوم القيامة على لهب النار وحرِّ الجمر؛ كما لم يؤمنوا في الدنيا. «وَنَذَرُهُمْ» في الدنيا، أي نمهلهم ولا نعاقبهم؛ فبعض الآية في الآخرة، وبعضها في الدنيا. ونظيرها{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ } [الغاشية: 2] فهذا في الآخرة. «عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ» في الدنيا. وقيل: ونقلب في الدنيا؛ أي نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآية، كما حُلنا بينهم وبين الإيمان أوّل مرة؛ لمّا دعوتَهم وأظهرتَ المعجزة. وفي التنزيل:{ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ } [الأنفال: 24]. والمعنى: كان ينبغي أن يؤمنوا إذا جاءتهم الآية فرأوها بأبصارهم وعرفوها بقلوبهم؛ فإذا لم يؤمنوا كان ذلك بتقليب الله قلوبَهم وأبصارهم. { كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } ودخلت الكاف على محذوف، أي فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أوّل مرة؛ أي أوّل مرة أتتهم الآيات التي عجزوا عن معارضتها مثل القرآن وغيره. وقيل: ونقلِّب أفئدة هؤلاء كيلا يؤمنوا؛ كما لم تؤمن كفار الأممِ السالفة لما رأوا ما اقترحوا من الآيات. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير؛ أي أنها إذا جاءت لا يؤمنون كما لم يؤمنوا أوّل مرة ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم

ملحوظة

قلت انا اسامة خيري

ربما من ذهب الى هذا التقديم والتأخير فى الاية لان عنده نقلب فى الاخرة فى النار وليس فى الدنيا فلايظهر ارتباطها بكما لم يؤمنوا ومن هنا قال بهذا التقديم والتأخير

وربما يكون المعنى التقليب فى الاخرة وتكون الكاف فى كما للتعليل

وربما يكون التقليب فى الدنيا والكاف علي ظاهرها لم يؤمنوا كما لم يؤمنوا اول مرة

والله اعلم

وكلها محاولات من الفقير لفهم كتاب الله

انتهي

{ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ }

قال القرطبي

قوله تعالىٰ: { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } لما ذكر نعمه ذكر ابتداء خلقه. وقد تقدّم معنى الخلق في غير موضع. «ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ» أي خلقناكم نُطفاً ثم صوّرناكم، ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة ٱسجدوا لآدم. وعن ابن عباس والضحاك وغيرهما: المعنى خلقنا آدم ثم صوّرناكم في ظهره. وقال الأخفش: «ثم» بمعنى الواو. وقيل: المعنى «وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ» يعني آدم عليه السَّلام، ثم قلنا للملائكة ٱسجدوا لآدم، ثم صورناكم على التقديم والتأخير. وقيل: «وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ» يعني آدم ذكر بلفظ الجمع لأنه أبو البشر. «ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ» راجع إليه أيضاً. كما يُقال: نحن قتلناكم أي قتلنا سيدكم. { ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ } وعلى هذا لا تقديم ولا تأخير عن ابن عباس أيضاً. وقيل: المعنى ولقد خلقناكم، يريد آدم وحوّاء فآدم من التراب وحوّاء من ضلع من أضلاعه، ثم وقع التصوير بعد ذلك. فالمعنى: ولقد خلقنا أبوَيْكم ثم صوّرناهما قاله الحسن. وقيل: المعنى خلقناكم في ظهر آدم ثم صوّرناكم حين أخذنا عليكم الميثاق. هذا قول مجاهد، رواه عنه ابن جريج وٱبن أبي نجيح. قال النحاس: وهذا أحسن الأقوال. يذهب مجاهد إلى أنه خلقهم في ظهر آدم، ثم صوّرهم حين أخذ عليهم الميثاق، ثم كان السجود بعد. ويقوّي هذا{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } [الأعراف: 172]. والحديث. " أنه أخرجهم أمثال الذَّرِّ فأخذ عليهم الميثاق " وقيل: «ثم» للإخبار، أي ولقد خلقناكم يعني في ظهر آدم صلى الله عليه وسلم، ثم صَوّرناكم أي في الأرحام. قال النحاس: هذا صحيح عن ابن عباس. قلت: كل هذه الأقوال محتمل، والصحيح منها ما يَعْضُده التنزيل قال الله تعالىٰ:{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ } [المؤمنون: 12] يعني آدم. وقال:{ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } [النساء: 1]. ثم قال: «جَعَلْنَاهُ» أي جعلنا نسله وذريته{ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ } [ المؤمنون: 13] الآية. فآدم خُلِق من طين ثم صوّر وأكرم بالسجود، وذريته صُوِّروا في أرحام الأُمهات بعد أن خُلقوا فيها وفي أصلاب الآباء. وقد تقدّم في أوّل سورة «الأنعام» أن كل إنسان مخلوق من نطفة وتُرْبَة فتأمله. وقال هنا: { خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } وقال في آخر الحشر:{ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ ٱلْمُصَوِّرُ } [الحشر: 24]. فذكر التصوير بعد البَرء. وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالىٰ. وقيل: معنى «وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ» أي خلقنا الأرواح أوّلاً ثم صوّرنا الأشباح آخراً.

انتهي

{ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ }

قال القرطبي

قوله تعالى: { وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ } ابتداء وخبر. أي قوم منافقون يعني مُزَينة وجُهَينة وأسْلَم وغِفَار وأَشْجَعَ. { وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ } أي قوم مردوا على النفاق. وقيل: «مردوا» من نعت المنافقين فيكون في الكلام تقديم وتأخير، المعنى. وممن حولكم من الأعراب منافقون مردوا على النفاق، ومن أهل المدينة مثل ذلك

انتهي

وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }

قال القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: { وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً } الضمير في «جَعَلَهَا» عائد على قوله: { إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي }. وضمير الفاعل في «جَعَلَهَا» للّه عز وجل أي وجعل الله هذه الكلمة والمقالة باقية في عقبه، وهم ولده وولد ولده أي إنهم توارثوا البراءة عن عبادة غير الله، وأوصى بعضهم بعضاً في ذلك. والعقب من يأتي بعده. وقال السدي: هم آل محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس: قوله: «فِي عَقِبِهِ» أي في خلفه. وفي الكلام تقديم وتأخير المعنى فإنه سيهدين لعلهم يرجعون وجعلها كلمة باقية في عقبه. أي قال لهم ذلك لعلهم يتوبون عن عبادة غير الله. قال مجاهد وقتادة: الكلمة لا إلٰه إلا الله. قال قتادة: لا يزال من عقبه من يعبد الله إلى يوم القيامة. وقال الضحاك: الكلمة أن لا تعبدوا إلا الله. عكرمة: الإسلام لقوله تعالى:{ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ } [الحج: 78]. القرظي: وجعل وصية إبراهيم التي وصّى بها بنيه وهو قوله:{ يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ } [البقرة: 123] ـ الآية المذكورة في البقرة ـ كلمَةً باقية في ذريته وبنيه. وقال ابن زيد: الكلمة قوله:{ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [البقرة: 131] وقرأ { هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ }. وقيل: الكلمة النبوّة. قال ابن العربي: ولم تزل النبوّة باقية في ذرية إبراهيم. والتوحيد هم أصله وغيرهم فيه تبع لهم

اسامة محمد خيري
20-11-2019, 07:40
الجوهرة الخمسون

إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً }

قال السمين:

قوله: { نَّبْتَلِيهِ } يجوزُ في هذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها حالٌ مِنْ فاعل " خَلَقْنا " ، أي: خَلَقْنا حالَ كونِنا مُبْتَلِين له. والثاني: أنَّها حالٌ من " الإنسان " ، وصَحَّ ذلك لأنَّ في الجملة ضميرَيْن كلٌّ منهما يعودُ على ذي الحال. ثم هذه الحالُ يجوزُ أَنْ تكونَ مقارِنَةً إنْ كان المعنى بـ " نَبْتَليه ": نُصَرِّفُه في بطنِ أمِّه نُطْفَةً ثم عَلَقَةً. وهو قولُ ابن عباس، وأَنْ تكونَ مقدرةً إنْ كان المعنى بـ " نَبْتَليه ": نَخْتَبره بالتكليفِ؛ لأنَّه وقتَ خَلْقِهِ غيرُ مكلَّفٍ. وقال الزمخشري: " ويجوزُ أَنْ يكونَ المرادُ: ناقلين له مِنْ حالٍ إلى حالٍ، فُسُمِّي ذلك ابتلاءً على طريق الاستعارةِ ". قلت: هذا هو معنى قولِ ابنِ عباس المتقدَّمِ. وقال بعضُهم: " في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ. والأصلُ: إنَّا جَعَلْناه سميعاً بصيراً نَبْتَليه، أي: جَعَلْنا/ له ذلك للابْتلاءِ " وهذا لا حاجةَ إليه.

انتهي

وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ }

قال الالوسي:

{ وَقَالُواْ } بيان لأحكام إضلالهم والختم على سمعهم وقلوبهم وجعل / غشاوة على أبصارهم فالضمير لمن باعتبار معناه أو للكفرة { مَا هِيَ } أي ما الحياة { إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا } التي نحن فيها، ويجوز أن يكون الضمير للحال والحياة الدنيا من جملة الأحوال فيكون المستثنى من جنس المستثنى منه أيضاً لاستثناء حال الحياة الدنيا من أعم الأحوال ولا حاجة إلى تقدير حال مضافاً بعد أداة الاستثناء أي ما الحال إلا حال الحياة الدنيا { نَمُوتُ وَنَحْيَا } حكم على النوع بحملته من غير اعتبار تقديم وتأخير إلا أن تأخير نحيا في النظم الجليل للفاصلة أي تموت طائفة وتحيا طائفة ولا حشر أصلاً، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي نحيا ونموت وليس بذاك، وقيل: أرادوا بالموت عدم الحياة السابق على نفخ الروح فيهم أي نكون نطفاً وما قبلها وما بعدها ونحيا بعد ذلك، وقيل: أرادوا بالحياة بقاء النسل والذرية مجازاً كأنهم قالوا: نموت بأنفسنا ونحيا ببقاء أولادنا وذرارينا، وقيل: أرادوا يموت بعضنا ويحيا بعض على أن التجوز في الإسناد، وجوز أن يريدوا بالحياة على سبيل المجاز إعادة الروح لبدن آخر بطريق التناسخ وهو اعتقاد كثير من عبدة الأصنام ولا يخفى بعد ذلك. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { ونحيا } بضم النون

وقال القرطبي

قوله تعالى: { وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا } هذا إنكار منهم للآخرة وتكذيب للبعث وإبطال للجزاء. ومعنى: «نَمُوتُ وَنَحْيَا» أي نموت نحن وتحيا أولادنا قاله الكلبي. وقرىء «ونُحْيَا» بضم النون. وقيل: يموت بعضنا ويحيا بعضنا. وقيل: فيه تقديم وتأخير أي نحيا ونموت وهي قراءة ابن مسعود

{ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ }

قال القرطبي

قوله تعالى: { إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا } «هي» كناية عن الدنيا أي ما الحياة إلا ما نحن فيه لا الحياة الآخرة التي تعدنا بعد البعث. { نَمُوتُ وَنَحْيَا } يقال: كيف قالوا نموت ونحيا وهم لا يقرّون بالبعث؟ ففي هذا أجوبة منها أن يكون المعنى: نكون مواتا، أي نُطَفا ثم نحيا في الدنيا. وقيل: فيه تقديم وتأخير أي إن هي إلا حياتنا الدنيا نحيا فيها ونموت كما قال:{ وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي } [آل عمران: 43]. وقيل: «نموت» يعني الآباء، «ونحيا» يعني الأولاد. { وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } أي بعد الموت.

ملحوظة

لاحظ اخى الحبيب ان منكر البعث لايعتقد بحياة بعد الموت وهذا سر من ذهب للتقديم والتأخير فى الاية

والتقديم والتأخير بحر متلاطم الامواج فى القرآن قعره بعيد يحتاج لغواص ماهر لاستخراج الدر والياقوت منه

اسامة محمد خيري
05-12-2019, 15:12
الجوهرة الواحدة والخمسون

قال القرطبي

القول في الاستعاذة

أمر الله تعالى بالاستعاذة عند أول كل قراءة فقال تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم‏}‏ ‏.‏ أي إذا أرت أن تقرأ؛ فأوقع الماضي موقع المستقبل كما قال الشاعر‏:‏

وإني لآتيكم لذكرى الذي مضى من الود واستئناف ما كان في غد

أراد ما يكون في غد؛ وقيل‏:‏ في الكلام تقديم وتأخير، وأن كل فعلين تقاربا في المعنى جاز تقديم أيهما شئت؛ كما قال تعالى‏{‏ثم دنا فتدلى‏}‏ ‏.‏ المعنى فتدلى ثم دنا؛ ومثله‏{‏اقتربت الساعة وانشق القمر‏}‏ ‏.‏ وهو كثير‏.‏