المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تعليقات على مواضع من كتاب الحياة الكريمة



سعيد فودة
26-03-2005, 18:43
تعليقات على مواضع من
كتاب الحياة الكريمة
تأليف بيرتون بورتر
ترجمة د. أحمد حمدي محمود
يشير الكاتب في تمهيده للكتاب إلى وجود قدر من الحرية للناس في هذا العصر أكبر مما نمتع به الناس السابقون، إلا أنه ومع هذا القدر من الحرية، يوجد حالة من الارتياب واللايقين في تحديد طرق أفضل للحياة، وهو يشعر بذلك إلى الحالة الهائلة من الشك في المبادئ والفلسفات والأديان، التي تسود وتسيطر على أكثر الناس في هذا العالم.
ويصرح بذلك فيقول في ص 7 : «وبالمثل فإن تنازلنا عن حريتنا لن يساعد على تحقيق غايتنا سواء حدث ذلك باسم الماركسية أو باسم أنظمة جماعية أخرى كالبوذية أو العقائد الدينية أو الأصولية عند الغرب» اهـ.
ثم يعترف الكاتب بأن السبب في هذا الشكل والارتياب مع ما يسود من الحربة هو أن الأدلة التي تقدمها هذه المبادئ والأفكار غير مقنعة، فيقول ص 8: «فنحن نقدر احترامنا لذواتنا وحرياتنا إلى أبعد مما يحول دون قبولنا أية عقيدة تطالب باحتكار الإيمان بها، بغير برهان كاف وحتى وإن ساعدنا ذلك على التحرر من أثقال المسئولية الفردية» اهـ.
وفوق دلالة هذه العبارة على الشك في هذه المبادئ وعدم قوة أدلتها، ففيه إشارة إلى أن الحرية التامة لا تنسجم مع الالتزام بهذه المبادئ، وهذا صحيح إلى قدر كبير ولكن هذا الأمر لا يجوز أن يفهم سلباً ضد الالتزام بمبدأ أودين، إذ إن الحرية في حد ذاتها إذا لم تكن مقيدة ببعض القيود، فإنها لن تكون نافعة بل سوف يترتب عليها من الأذى ما لا يترتب على كثير من الأفكار والمبادئ المتحجرة.
فالمبدأ الصحيح هو إذن الذي يقيد حرية الإنسان، وفي نفس الوقت يقلل من لزوم المفاسد التي يمكن صدورها عن هذا التقييد، إلى أبعد حدٍ ممكن، ويزيد من امكانات الحصول على المصالح، والكمالات في هذا العالم بنفس هذه القيود.
الناس يحاولون اذا فعلوا فعلاً، أن يضفوا على هذا الفعل قيم أخلاقية ايجابية، وهم يفعلون ذلك حتى لو كان فعلهم ظاهر السوء والقبح، والسبب في ذلك أن هناك شعوراً داخلياُ في كل واحد بضرورة أن تكون أفعاله متناغمة مع نسقٍ معينٍ من الأخلاق.
ولذلك فإننا نرى الغزاة الذين يستعمرون البلاد ويحتلونها بغير حق يدافعون عن هذا الفعل بحجج ظاهرة البطلان، حتى يجرءون على القول بأن احتلالهم لهذا البلد أو ذلك إنما هو لمصلحة أهل البلاد، وهذا يعني أن الشيء يمكن أن يلصق الواحد به نقيض حكمه المعروف من أجل تخليص نفسه ولو ظاهراً من مخالفة بعض القيم الأخلاقية.
وهذه الحاجة كامنة في الإنسان، لا يستطيع أحد أن ينكر اضطراره إلى الاعتراف بها، وهو دليل على وجود ادراكات للقيم الأخلاقية في نفس الإنسان. فإذا عرفنا وجود مثل هذه القيم، فإننا نعرف أن هذه القيم إذا أردنا اختبارها، فإن طرق اختبارها يستحيل أن يكون بأساليب تجريبية ومادية، وذلك لأن القيم نفسها ليست من باب المواد والأجسام، فهل هذا يعني أنه لا توجد معايير لتحديد هذه القيم والتمييز بينها والمفاضلة بينهما بحيث نفضل بعضها على بعض، ونحكم بحسن بعض القيم وقبح بعضها الآخر.
ذكر المؤلف أن النظرية لكي تكون معقولة يجب توافر ثلاثة شروط بها:
الأول: توافقها مع نفسها ومع ما يترتب عليها.
الثاني: ارتباطها بالوقائع موضع البحث وعدم تعارضها معها.
الثالث: قدرتها على التزويد بأكثر التفسيرات احتمالاً للتجربة الانسانية.
وهذه الشروط صحيحة، إلا أن المفروض في الشرط الثالث أن يكون كلياً لا أكثرياً أو أن يقال أن وصف نظرية ما بأنها معقولة لا يستلزم كون غيرها غير معقول مطلقاً، فيكون مفهوم المعقولية هنا يقبل التفاوت شدة وضعفاً، وهو غير بعيد.
وقد لفت المؤلف النظر إلى أن الإنسان يعمل أحياناً كثيرة ما لا يعلم، أو ما يعلم خلافه وخطأه، والسبب في ذلك بعض المشاعر التي يحسها في نفسه كالإحباط والشعور بالذنب والخوف والعدوان والقلق وهكذا.
وهذا كلام صحيح، بل قد تكون العوامل النفسية مؤثرة في أفعال الإنسان أكثر من النظر العقلي لأنها أقرب تأثيراً على الارادة التي هي نوعٌ من الشوق والتوجه النفسي إلى بعض المحتملات.
كل اتجاه يخالف العقل والمعقول، إنما يدفع صاحبه ما قد يجره إليه التزامه بالطرق العقلية من أمور لا يرضى عنها.
فمخالفة المعقولية إذن هي عبارة عن حالة نفسية إذن وليست عبارة عن فلسفة عقلية، لاستحالة تناقض العقل مع نفسه.
1- الوقائع لا موضع لها في تحديد القيمة.
2- كشفت البحوث السيكولوجية أن المصلحة الذاتية مهمة جداً في أعمال الإنسان وحياته.
3- ليس من المنطقي القول بأن حقائق الطبيعة هي التي تزودنا بأسس القيم.
هذه ثلاث عبارات من كلام هذا المؤلف مع ملاحظة أن المستفاد من الأولى والثالثة واحد كما هو ظاهر. وهما يدلان على أن الأحكام القيمية كالوجوب والحرص لا يمكن أن تكون مستفادة من نفس الوجود الخارجي وهذا ظاهر وأما الثانية، فهي أساس القاعدة التي يعتمد عليها المذهب الفردي والرأسمالي والنفعي في قيامه ووجوده.
والمصنف ذكر بعد ذلك عبارة سقراط : « هل تحب الآلهة النفي أو المقدس لأنه مقدس، أم إنه مقدس لأن الآلهة تحبه»، وهذه العبارة هي أساس كبير في مسألة الحسن والقبح بتعبيرات أخرى، ولذلك يوضح المؤلف بعد ذلك حاصل هذا المعنى فيقول: «فرغم أنه إله إلا أنه ممنوع من تغيير القيم الأخلاقية أو تحريفها وكل ما باستطاعته أن يفعله هو أن يقر الأفعال الصائبة بطبيعتها وأن يحرم الأفعال التي هي خاطئة في صحيحها» اهـ.
فالدين ليس هو الذي يزود الأخلاق بأسسها بل أسس الأخلاق ثابتة قبل الدين ولو فرضنا انعدام الأديان، فلا يلزم أن تنعدم الأخلاق.
ومعلوم أن هذه الأفكار هي محاولة لإقامة العلمانية ذات الأخلاق، أي للتأكسد على أنه إذا تم الاستغناء عن الأديان، فإن ذلك لا يستلزم انعدام الأخلاق. وينسحب هذا على منشأ الأديان، أعني إثبات وجود الله، فلا يلزم عندهم إذا قالوا بنفي الإله انعدام الأخلاق.
قال مؤلف الكتاب:
قال براند بلانشار: «الاعتقاد بأن الأساس القصي للواجب هو إرادة الله، مسألة موضع شك، فهي تثير الشك أولاً لأنها تعني فيما يتعلق بالإله أنه يفعل ما يفعل لا لأنه حق، وإنما لأنه يرغب في ذلك وهذا يجعل شخصيته أدنى من شخصيتنا. وثانياً لأنها تعني ضمناً أنه إذا ارتأى قيامنا بارتكاب جريمة قتل فإن هذا سيجعل القتل حقاً، وهو ما يبدو بكل وضوح غير صحيح.
فالقانون الأخلاقي قانون ثابت وموضوعي، وسر صموده هو أن الخير خير بحق، والشر شر، والأخلاق التي تستند إلى هذه الدعامة هي وحدها الأخلاق السليمة.
إن من يقبل الأخلاق لأنها إرادة الله سيستخلص بطريقة طبيعية أنه إذا فقد إيمانه فإنه سيفقد كل سبب أو مبرر للأخلاق أيضاً.
ومن الاعتراضات الشائعة التي تقام ضد هذه الحجة آنفة الذكر أنه إذا كان الله هو الخالق كما ينظر إليه في نطاق الدين التقليدي في الغرب، فإنه آنئذ سيكون قد خلق القيم الأخلاقية أيضاً، وسيكون باستطاعته تغييرها لو أراد، والله لن يجعل القسوة حقاً والرحمة خطأ، ولكن هذا لا يعني أنه ليس قادراً على جعلهما كذلك فبوصفه الكائن الأسمى الذي خلق السماوات والأرض فإنه مسئول أيضاً عن المعايير الأخلاقية للجنس البشري» اهـ.
أقول:
هذه الفقرة مهمة جداً، لأنها تحتوي على خلاصة أفكار ومبادئ تدور في أذهان العلمانيين وبعض الفرق الاسلامية.
وأول هذه الأفكار هو أن الواجب والإيجاب، والوجوب، هل ثبت في الوجود بفعل الله تعالى، الفرق الإسلامية.
وأول هذه الأفكار هو أن الواجب والإيجاب والوجوب، هل ثبت في الوجود بفعل الله تعالى، أم ثبت فعل الله تعالى لوجوده أي لوجود الواجب.
وبعبارة أخرى هل الأحكام القيمية سابقة على الأدلة الشرعية أم تابعة لها.
وقبل الكلام في هذا المبحث العويص نوضح بعض جهاته المهمة والمبادئ التي ينبغي الانتباه إليها قبل الخوض في ذلك.
وأهم المهمات توضيح المفاهيم، والمفهوم موضوع الكلام ههنا هو الوجوب والواجب فما هو المقصود بالواجب.
نحن نقول: يجب كون الجسم متميزاً، ويجب كون الموجود المتميز جسماً. فأطلقنا الوجوب على وصف التميز, فهل المقصود بذلك، أنه لو لم يكن الجسم متميزاً لأثم من جعل الجسم كذلك أي تميز متميز؟!
من الواضح الجلي أن المعنى المراد ليس هو ذلك بل المقصود، أننا لا نستطيع أن نتصور مفهوم الجسم إلا بتضمن كونه متحيزاً. فهل يعني ذلك أن اشتراط الغير للجسم إنما هو بسبب نقس قدرتنا وعدم كفايتها على تصور جسم غير متحيز، بالطبع لا، بل المراد أن الجسم في ذاته، يحكم عليه العقل أنه هو المتحيز، ولو كان شيء غير متحيز لما كان جسماً، فكل ما كان جسماً يجب أن يكون متحيزاً بمعنى يلزمه أن يكون كذلك. وهذا اللزوم ليس حكماً أخلاقياً بل هو حكم وجودي، ونسميه حكماً عقلياً.
وهذا النوع من الأحكام لا يلزم عنه قيمة خلقية معينة كما هو ظاهر.
وأحيانأً نحن نقول يجب عليك أن تكرم الضيف! أي يلزمك أن تكرم الضيف، فهذا الوجوب من البين لدى تحليله أنه قد يقع وقد لا يقع، بمعنى أنك قد تكرمه وقد لا تفعل. فيمكن تصورك بدون إكرام الضيف. وهذا بين وخلاف الوجوب العقلي الذي عرفنا أنه يمتنع فيه قطع التلازم في التصور. وفي حالة اكرام الضيف أو عدمها يترتب على ذلك مدح وثناء، أو ذم وسباب. ولم يترتب هذان على الحكم العقلي فلو قلنا الجسم متغير، لما ترتب على ذلك عندنا مدح ولا ذم. ثم إن ترتب المدح والذم على إكرام الضيف وعدمه، قد يقع أيضاً وقد لا يقع، ولو وقع فقد يوافق عليه جميع الناس، وقد يخالف فيه بعضهم، وهذا ليس كما في مثال الجسم والتميز فلا يمكن لأحد ادعاء كون الجسم غير متميز، لأنه حينذاك يتكلم عما لا يعقل ولا يمكن تصوره.
الآن، لنركز قليلاً على الاحكام من النوع الثاني، وهي المسماة بالاحكام الخلقية أو القيمية، ولنسأل أنفسنا هل يمكن أن توجد هذه الأحكام بين الجمادات أو النباتات، والجواب المحتم أنها لا يمكن ثبوتها في ذلك الخير والمجال، وأما في مجال وحقل الإنسان فهي ثابتة قطعاً.
ولكن ثبوتها في حيز الإنسان وعالمه، هل هو مطلق كثبوت الاحكام العقلية، التي لا يتوقف ثبوتها على تواطئ واتفاق ولو على تفاهم مسبق متوقف على الإرادة بين الحالم وغيره، إن من الجلي أن الأحكام الخلقية لا تتصف جميعها بذلك أي إن بعض الأحكام الأخلاقية يتوقف على نوع تواطئ واتفاق ورضا بين الأطراف وقسم آخر قد يُدّعى فيه مع كونه أخلاقياً أنه لا يتوقف على ذلك بل هو مطلق كالحكم العقلي، ومثال ذلك الحكم على التصرف بأمور الغير بالبطلان وعدم الأخلاقية.
فقد يقول البعض: لا يصح التصرف في أمر الغير إلا بإذن، وإلا فيكون التصرف قبيحاً.
وقد يقول الآخرون: إن التصرف في أمور الغير قد يكون حسناً ولو لم يوافق هو على ذلك،
وقد يتم الخلاف في حدود جواز ذلك التصرف وصحته، في بعض المصاديق، فيقال مثلاً الصدق إذا كان يتوقف عليه ثبوت حق لإنسان فهو واجب قطعاً أي يجب أن نعمله، وإذا لزم عن الصدق في أمر ما الضرر بإنسان فهو قبيح. فالصدق من حيث هو مفهوم كلي قد يتم الاختلاف في حسن وقبح بعض مصاديقه لاعتبارات أخرى خارجة عن كونه صادقاً، ككون المنفعة مترتبة عليه أو المضرة. وهكذا الكذب.
إذن ينتج من هذا كله، أن الحكم الخلقي لا يمكن حصول الإجماع عليه من حيث هو ومن حيث جميع مصاديقه، بل قد يقع في بعضها خلاف بخلاف الحكم العقلي الوجودي فالمخالف فيه متعنت، ولكن المخالف في بعض الأحكام الأخلاقية قد يكون له وجهة نظر.
والحاصل من هذا كله، اختلاف حقيقة الحكم العقلي عن حقيقة الحكم الأخلاقي
واختلاف كيفية وحيثية ثبوتها.
والاختلاف التلازم بين طرفيهما.
وأيضاً نضيف إلى ذلك كله، أن الحكم الخلقي محصورٌ في مجال معين هو أفعال الإنسان أو أفعال الفاعل المختار مطلقاً، أما غير المختار، فلا ترد عليه ولا يحكم عليه بها وهذا فارق مبني على بعض الجهات التي ألمحنا إليها سابقاً من علاقة الحكم الأخلاقي بالإرادة والاختيار بخلاف الحكم العقلي.


يتبع ....

سعيد فودة
28-03-2005, 16:55
وبناء على هذه المقدمة نقول:
إن الحكم بوجود الله تعالى في ذاته، ليس حكماً خلقياً، بل هو حكم عقلي.
ولكن الحكم على صدور بعض الأفعال عن الله تعالى، هل هو حكم عقلي أم هو حكم خلقي. بمعنى إذا قلنا إن الله خلق العالم، فهل خلقه للعالم واجب عليه عقلاً أو واجب عليه خلقاً أو ليس بواجب عليه لا عقلاً ولا خلقياً.
هذا هو السؤال المهم. وهو أصل مبني كلام المؤلف في فقرته السابقة.
وإذا خلق العالم، فهل يلزمه أن يخلق العالم على صورة معينة من بين عدة صور ممكنة أم إنه لا توجد هناك أصلاً إلا صورة واحدة ممكنة للعالم.
وإذا وجد عدة صور ممكنة، فهل اختياره للصورة الحالية واجب عليه عقلاً أم خلقياً، أم هو ليس بواجب أصلاً بل تابع لاختياره وإرادته.
إن هذه الأبحاث تناقش بتوسع ومن عدة جهات في علم الكلام، وفي الفلسفة.
والخلاصة التي نقول بها إن وجود العالم ممكنة في ذاته، وليس واجباً على الله تعالى لا عقلاً ولا عادة، أي لا عقلاً ولا خلقياً، ولا نحكم أيضاً بلزوم صدور العالم على هذه الصورة القائمة حالياً دون غيرها من الصور المحتملة. بل وجودها أصلاً هو بإرادة الله تعالى.
الآن، هل يحكم العقل على الله بأن يخلق الإنسان على هذا النحو. وبمعنى آخر، نسأل هل إذا كان الإنسان على غير هذه الصورة يكون إنساناً، أي ما الذي جعل الإنسان إنساناً والجواب الواضح على ذلك، إن هذه الماهية والصفات التي يوجد عليها هذا المخلوق هي التي من أجلها نسميه إنساناً، وأي موجود يوجد بهذه الصفات فهو إنسان ومن ضمن هذه الصفات كون الإنسان حساساً شاعراً بالألم واللذة، وكونه محتاجاً في قيام شؤونه وبقائه إلى غيره من الناس وهكذا. فلو وجد مخلوق له صورة الإنسان الجسمانية، وليس فيه قابلية المشاعر مثلاً، ولا يتوقف نموه ومصالحه على غيره بأنه إنسان حقيقة مع علمنا بذلك، بل صورته صورة الإنسان فقط.
وهذا الكلام جارٍ على نفس النسق السابق من الكلام على كون الجسم متميزاً، فكون الإنسان شاعراً هو جزء من ماهيته كإنسان، ولو انتفى ذلك لاستحال كونه إنساناً.
أقول: لو تصورنا الإنسان كآلة من الآلات الربوطية، التي لا حياة فيها ولا إحساس ولا مشاعر، وتصورنا أن آلة منها دمرت وأهلكت غيرها من الآلات فهل نقول: إن هذه الآلة القاتلة يجب عقابها، وأخذ القصاص منها أو سجنها مثلاً.
ومثال آخر: لو شغلنا عدة سيارات وتركنا النفوذ حراً فيها جميعها، وأطلقناها في ساحة كبيرة، فاصطدمت سيارة بأخرى وحطمتها، فهل يصح لك أن تعاقب هذه السيارة.
من البين أن معاقبة الآلات، أمر خارج عن حيز الأخلاق نفسها.
ومن البين أن الحكم على الآلات بأن بعضها يمدح والثاني يذم ويعاقب، حكم ساذج يبعث على السخرية من نفس الحاكم.
والآن، لو رجعنا إلى ملاحظة أن الله تعالى خلق الإنسان على هذه الصورة بمحض إرادته، وأقصد بهذه الصورة كونه شاعراً بوجود قيم أخلاقية، فهل يستلزم ذلك بالضرورة أن تكون هذه القيم الأخلاقية قيداً لله تعالى نفسه، فنحكم على الله تعالى بأنه يجب عليه أن يفعل ما يجب على الإنسان، أو يحرم عليه أن يفعل ما يحرم على الإنسان وهكذا.
هل هذا المعايير الاخلاقية صالحة لأن تعمم في مصداقها على الخالق أم إنها محصورة في المخلوق؟ وفي هذا النوع من المخلوقات أو ما يشاكله في حقيقته؟!
إنه من الواضح لدى النظر أن الله تعالى، أراد مع خلقه للإنسان كونه على هذا النمط من الأخلاق، ولكن هل هذه الأخلاق التي أرادها الله للإنسان، يجوز لنا أن نحكم بها على الله تعالى نفسه؟!
المنطق الصحيح والفكر المتسق مع نفسه، ومع الواقع يقرر بكل وضوح عدم صحة ذلك، لأن هذه القيم إنما عرفناها من ملاحظة وجودنا نحن، فلا يجوز الحكم بها على وجود الله تعالى، فحرمة إيلام الغير مثلاً، إنما هو قانون يسري بين البشر على بعضهم البعض، فلا يصح لأحد منهم أن يؤلم الآخرين، ولكن هل نقول إن نفس هذا المنع والتحريم يصح تعميمه لينطبق على الله تعالى في معلقات قدرته بالناس مثلاً؟!
إن العاقل يقول لا، لأن امتناع الإسلام على الآخرين إنما حكمنا به لتساوي الناس بعضهم مع بعض ولعدم أولوية الإيلام من أحدهم للآخر من أن يكون العكس، ولكن هذا لا يصح تعميمه على الخالق لأنه ليس كمثله شيء.
وأيضاً فلا أحد من الناس أعطى الوجود لغيره، والله تعالى أعطى الوجود لكل ما سواه. وهكذا بهذا الطريق من التفكير نعلم يقيناً أنه لا يجوز الحكم على الله تعالى بمقتضى الأحكام الأخلاقية التي تحكم ما بين الناس.
فالخلاصة إذن أن الأحكام الأخلاقية المنتشرة بين الناس هي عبارة عن أحكام لازمة أو عارضة للوجود الإنساني، وليس لمطلق الوجود. فإذا كان الأمر كذلك فلا يمكن صحة القياس بين الخالق والمخلوق كما مضى بيانه.
وإذا عرفنا ذلك، عرفنا أن الله تعالى إنما خلق العالم على هذه الصورة وأنزل الشرائع الملائمة لهذه المخلوقات، ونص في كتابه العزيز على أنه إنما يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر، ولذلك عرفنا أن الشريعة أنزلت لكمالنا، ونستطيع أن نعرف ذلك أيضاً بقليل من النظر العقلي في هذا الكون، ومقارنة خصائص الوجود بقواعد وأحكام الشريعة، لنعلم بعد ذلك أن الشريعة هي الأكثر تلاؤماً لحقيقة هذا الوجود ولو كان الوجود على صورة أخرى لكانت الشريعة على نظام آخر، مع قول الله تعالى بأن الشريعة إنما هي لكمال الإنسان والمخلوقات.
فالشريعة وضع إلهي مساومٌ للإنسان باختياره المحمود إلى ما هو الخير بالذات والمكمل له. وإنما وضعها الله تعالى على هذا النحو لأنه خلق العالم على هذا النحو. فتأمل في هذا، لتعلم أن الأحكام القيمية الواردة في الشريعة ليست هي عين الأحكام العقلية التي لا يمكن غيرها، بل هي أحكام معقولة ملائمة لهذا الوجود كما قلنا.
ولذلك فقد حكم العلماء المتكلمون، بتغاير حقيقة الحكم الشرعي والحكم العقلي، مع كونهما غير متعارضين: وهذا معنى دقيق يحسن بالقارئ أن يحسنه وتيقنه.
ولهذا التحليل، يمكن الجواب على كثير من الاشكالات التي تدور حول هذا الأصل قديماً على يد المعتزلة والفلاسفة، وحديثاً، وكما نراه في كلام مؤلف هذا الكتاب في الفقرة التي نقلناها.
فبالنظر إلى العالم وحده، فهو ممكن من هذه الناحية لا يمتنع أن يريد الله تعالى إرادة مستقلة إفناء العالم أو يريد جعل المؤمنين في النار، والكفار في الجنة، وهذا كله ليس بممتنع في نظر العقل كما بينه علماؤنا في علم الكلام, ولكن بمراعاة هذه الجهة في النظر، وإذا لاحظنا أن إرادة الله تعلقت بإيحاء العالم والإنسان، وإنزال الشريعة الحاكمة بحكم الله بأن من آمن فهو في الجنة ومن كفر فإلى النيران، فهذا الحكم بهذا الاعتبار ومن هذه الجهة يستحيل تغيره، لأن ما تعلقت به إرادة الله واقع قطعاً، ومن هذا الوجه نقول بأن ما حكمت الشريعة بحسنه فهو حسن، وما حكمت الشريعة بقبحه فهو قبيح. ويبقى الأمر كذلك لأن الشريعة دائمة وباقية تبعاً وهذا العام. ولكن في اليوم الآخر والحياة الأخرى تتغير الأحوال والأحكام كما لا يخفى على أحد، وما ذلك إلا لتغير حقيقة الوجود الحادث بإرادة الله، فيكون هناك أحكام إلهية أخرى غير ما تعلمه في هذه الحياة الدنيا.
وبهذا التحليل، نفهم كيف أنه مع قولنا بكون الحسن والقبح شرعيين، إلا أنهما معقول ولو إجمالا، ولا يتغيران، وأنهما موافقان ومتناسقان مع طبيعة وحقيقة هذا الوجود، وهذا المعنى هو المحقق لكون الله مختاراً متفضلاً على مخلوقاته.
فالخير الشرعي سيبقى خيراً، والشر شر ولا يتغيران إلا بتغير هذا الوجود.
وأما علاقة الأخلاق بالدين، فهل إذا انعدم الدين تنعدم الأخلاق، فهذا يحتاج إلا بحث مفصل أرجو أن ييسر الله تعالى لي إنجازه، ولكن القول المجمل اللائق في هذا المحل هو أن الأخلاق تعتمد على الدين اعتماداً كبيراً، ولكن لا يستلزم ذلك انعدامها بالكلية لانعدام الدين، لأن بعض الأحكام الدينية مدركة ببداهة العقول، فمتى فرضنا انعدام الشرائع والأديان، فلا يلزم أن لا يتنبه أحد من الناس إلى هذا القدر الضروري من الأخلاق والأحكام القيمية. نعم سوف يزيد الاختلاف لانتشار الأهواء ولكن هذا أمر وانعدامها بالكلية أمر آخر.

يتبع.....

سعيد فودة
30-03-2005, 10:59
ثم قال المؤلف: «غير أن علماء اللاهوت لا يفترضون قط إن الله تعالى قادر على فعل كل شيء، فمثلاً ليس بمقدوره أن يغفر للآثمين، وأن لا يغفر لغير الآثمين في ذات الوقت، وأن يجيء بالمعجزات وأن يعجز عن تقديم المعجزات، وأن يخلق العالم وأن لا يخلق العالم في الوقت نفسه، إن بمقدوره أن يمحو أفعاله وأن يبدأ مرة ثانية، غير أنه في كل بداية جديدة سيلتزم نفس الحدود، وباختصار فإن الله غير قادر على فعل ما هو متناقض ذاتياً من الناحية المنطقية، وهذا هو أساس النظر إليه دائماً على أنه الله» اهـ.
أقول:
هذه الفقرة مهمة جداً، وتبين لنا بعض جهات الإشكال التي يفكر فيها الغربيون سواء في الفكر الديني أو سواه. وهذه المسألة قد نظر فيها علماء الكلام، وقرروا أن التناقض الحقيقي يستحيل وجوده، فالوجود والعدم متنافيان لا يجتمعان في الوجود معاً في محل واحد وكذلك كل شيء وسلبه كما الأمثلة التي أوردها المؤلف. وهذا يسمى بعدم قابلية الوجود أي إنه لا توجد في المتنافيات قابلية للوجود، ولذلك لا تتعلق بها قدرة الباري، ولا يقال إن الله لا يقدر عليها، لما يوهمه هذا اللفظ من عجز الباري، وليس الأمر عجزاً بل عدم قابلية، فإن العجز هو عدم القدرة على المقدورات، والمقدورات هي الممكنات، وأما المستحيلات فليست مقدورات.
وأما القسم الثاني من كلامه، ففيه بحث ونظر من جهة أنه كيف يقول إن الله لو بدأ خلق العالم مرة جديدة فإنه يجب أن يلتزم بنفس الحدود. فإن هذا لا يصح إلا إذا كانت هذه الأمور والحدود واجبة عقلاً، أي لو استحال تصور العالم بغير هذه الصورة التي هو عليها، يصح هذا القول، ولكن لو أمكن تصوره على غير هذه الصورة، لما صح قوله.
ومن الجلي للعقل جوازاً وجود عالمٍ آخر غير هذا العالم، وعالم ثالث، فالإمكانات للعوالم غير محدودة عقلاً بهذه الصورة الواقعة، وبناء على ذلك لا يصح ادعاء هذا المؤلف نعم قد يوافقه عليه الفلاسفة ومن وافقهم في ذلك من الشيعة وغيرهم، ولكن الفلاسفة يبنون فكرتهم على أن الله علة والعالم معلول ومعلول العلة واحد ذو صورة واحدة.. والمعتزلة والشيعة يبنون على اللطف والصلاح واذا كان واحداً فسوف لا توجد إلا صورة واحدة للعالم، ولكن إذا قلنا بإمكان تعدد صور اللطف والصلاح، فقد يمكن التعدد.
الغائبة:
تحت هذا العنوان قال مؤلف الكتاب ص 56
«وعندما تتسع الفجوة بين الوسائل والآليات، فإن العدل واستقامة الخلق سيتعرضان للخطر، فشن الحرب من أجل الحفاظ على السلام، وقتل القتلة كوسيلة لردع القتلة أو الحفاظ على العدالة بالحكم ظلماً على أحد الأشخاص باعتباره شخصه مهدداً لنظام العدالة، من المفارقات التي تخلق توتراً أخلاقياً يحدث اضطراباً عميقاً، ولا تحدث مثل هذه المواقف ذات طابع المفارقات إلا إذا اتبعنا الغائبة في أفعالنا، يعني عندما تهدف إلى غاية خيرة ما ونرضى عن الوسائل البشعة لتحقيق هذه الغاية. ومن الهنات الكامنة في النظرة الغائبة أنها قد تبيح مثل هذا التصدع وتتيح الفرصة للعمل الخاطئ ما دام يسفر عن نتائج خيرة، وهكذا سيكون بالمقدور اتخاذ خيرية النتيجة كذريعة للحكم بأحقية الفعل الخاطئ» اهـ.
أقول:
هذا وصفٌ واقعي صحيح ومنطبق على ما يؤول إليه حال من يتبع المذهب النفعي البراغماتي، ولو تأملنا قليلاً لرأينا أن الحكومة الأمريكية في هذا العصر الذي تمثل قمة ما وصل إليه هذا المبدأ الفلسفي، قد وقعت بجميع هذه التناقضات، كإنشاء الحروب على الدول الأخرى، فقط من أجل تنمية مصلحتها، لا من أجل الدفاع عن نفسها، فالحرب من أجل الدفاع قد تكون صحيحة، ولكن أن تشن حرباً يقتل فيها الآلاف من الأبرياء لمجرد تشغيل مصانعك ومن أجل بقاء الثروة بين يديك. هذا أمر في غاية القبح والشناعة.
ولذلك يقال إن السياسة الأمريكية تكيل بمكيالين يعني إنها لا تتبع إلا رغباتها هي ولا يهمها كثيراً النظر في الوسائل هل هي مسوغة أم لا.
وهذه التناقضات الأخلاقية التي تقع فيها هذه المذاهب تؤدي بلا شك وعلى مر الزمان إلى كشف تهافت الفلسفات التي تقوم عليها ومعارضتها وتناقضها مع مصلحة البشر وإنما يحتاج هذا إلى زمان، في نظر عامة الناس وجماهير الخلق، لأن أصحاب هذه المذاهب لا يزالون يخترعون من الوسائل المتتالية ما يقدرون عليه لصرف أنظار الناس عن حقيقة ما يفعلون، ومحاولة تصوير فعلهم على أنه حق سائغ لهم. وكما نعلم فإن عامة الخلق إذا فقدوا من يوجههم ومن يكشف لهم هذه التلاعبات والتهافتات فالنتيجة الحتمية هي استمرار ودوام انخداعهم بهذه اللافتات البراقة.
ولذلك فنحن نقول دائماً، يجب على أهل العلم دائماً التنبه والتنبيه والى خطورة هذه المذاهب بالكشف الصحيح عن تهافتها النظري والعملي، ولا يصح لهم الاكتفاء فقط بالدعايات والتهويش والسباب والخطابات العاطفية، فإن تأثير هذه الأساليب محدود، وغير دائم، ولا يحرك أصحاب الفكر إلا بمقدار ما ينطوي في هذا الخطاب من عقلانية صحيحة.
ملاحظة: قوله وقتل القتلة كوسيلة... الخ، لا يصح إذا قصد قتل القتلة قبل أن يتلبسوا بالقتل بالفعل كوسيلة إلى منعهم من القتل، فهذا غير صحيح، وأما قتل القاتل بعد قيامه بالقتل فصحيح وليس من المذهب الذرائعي ولا النفعي كما لا يخفى.
انتهى