المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كشف الأنوار عن أسرار القراءات



الصفحات : [1] 2 3

اسامة محمد خيري
23-10-2018, 06:34
بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام علي اشرف الانبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم

منذ سنوات عديدة وانا ابحث فى علم القراءات واثر هذا العلم علي المعنى والفهم فى التفسير

وجمعت الكثير من هذه القراءات التى تؤثر علي علم التفسير

فوجدتها تربو علي الاربعمائة قراءة مؤثرة فى التفسير مابين متواترة وشاذة

فعزمت العزم ان انشر انوار هذا العلم ولكن هنا افعل شيئا جديدا لم افعله من قبل و لا اعلم هل سبقنى به احد ام لا من المهتمين بالتفسير

اولا:اذكر القراءات فى القرآن كله من سورة الفاتحة الي الناس التى تؤثر فى علم التفسير وقد جمعتها كلها واستغرق الامر سنوات بحثا فى كتب التفسير فما تقراءه انت فى دقائق هو مجهود سنوات من العبد الفقير

ثانيا:وهو الاهم ابدا بالترتيب من اول سورة الفاتحة وحتى اخر القرآن وهنا الشيء المختلف عما فعلته فى ماسبق

وهنا يسهل الأمر علي طالب العلم فى البحث عن انوار هذا العلم

واعلم اخى الحبيب ان القراءات منها مالايؤثر فى التفسير وهو الاكثر ومنها مايؤثر

وهذا الصنف الثانى هو موضوع البحث باذن الله وقد جمعت مايزيد عن اربعمائة قراءة مؤثرة بين متواترة وشاذة وربما يزيد العدد اثناء رحلتنا باذن المولي فعلوم القرآن لامنتهى لها ولكل آية ظاهر وباطن وحد ومطلع

وسوف احاول بقدر المستطاع ذكر ترجيحات الامام الطبري فى وجوه القراءات اثناء هذه الرحلة المباركة

وارجو من المولي ان يكون عملا خالصا من غير رياء ولا سمعة

وارجو ممن اطلع عليه واستفاد ان يدعو لي دعوة بظهر الغيب عسي ان تنفعنى تحت التراب ويسترنى الله بها يوم اللقاء

كتبه/أسامة محمد خيري عبد الرحمن

اسامة محمد خيري
23-10-2018, 06:36
سورة الفاتحة

الجوهرة الاولي

{ الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }

قال ابن عطية فى تفسيره

وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجاج " الحمدَ لله " بفتح الدال وهذا على إضمار فعل.

وقال القرطبي

السابعة: وأجمع القرّاء السبعة وجمهور الناس على رفع الدال من «الحمدُ لله». ورُوي عن سفيان بن عُيينة ورؤُبة بن العَجَّاج: «الحمدَ لله» بنصب الدال؛ وهذا على إضمار فعل. ويقال: «الحمدُ لله» بالرفع مبتدأ وخبر، وسبيل الخبر أن يفيد؛ فما الفائدة في هذا؟ فالجواب أن سيبويه قال: إذا قال الرجل الحمدُ لله بالرفع ففيه من المعنى مثل ما في قولك: حمدت الله حمداً؛ إلا أن الذي يرفع الحمد يخبر أن الحمد منه ومن جميع الخلق لله؛ والذي ينصب الحمد يخبر أن الحمد منه وحده لله. وقال غير سيبويه. إنما يتكلم بهذا تعرّضاً لعفو الله ومغفرته وتعظيماً له وتمجيداً؛ فهو خلاف معنى الخبر وفيه معنى السؤال. وفي الحديث: " مَن شغل بذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " وقيل: إن مدحه عزّ وجلّ لنفسه وثناءه عليها ليعلِّم ذلك عباده؛ فالمعنى على هذا: قولوا الحمد لله

ملحوظة

يعجبنى فى هذا المقام مانقل عن العارف المرسي

علم الله عجز خلقه عن حمده فحمد نفسه فى ازلة فقال الحمد لله رب العالمين بمعنى قولوا الحمد

قلت انا اسامة وعلي هذا يجوز ان تفهم قراءة الرفع والنصب

والله اعلم

اسامة محمد خيري
23-10-2018, 06:38
الجوهرة الثانية

{ مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ }

قال الطبري

قال أبو جعفر القراء مختلفون فـي تلاوة «ملك يوم الدين»، فبعضهم يتلوه «مَلِكِ يوم الدين»، وبعضهم يتلوه { مالك يوم الدين } وبعضهم يتلوه { مالِكَ يوم الدين } بنصف الكاف. وقد استقصينا حكاية الرواية عمن رُوي عنه فـي ذلك قراءةٌ فـي «كتاب القراءات»، وأخبرنا بـالذي نـختار من القراءة فـيه، والعلة الـموجبة صحة ما اخترنا من القراءة فـيه، فكرهنا إعادة ذلك فـي هذا الـموضع، إذ كان الذي قصدنا له فـي كتابنا هذا البـيانَ عن وجوه تأويـل آي القرآن دون وجوه قراءتها. ولا خلاف بـين جميع أهل الـمعرفة بلغات العرب، أن الـمَلِكَ من «الـمُلْك» مشتقّ، وأن الـمالك من «الـمِلْك» مأخوذ. فتأويـل قراءة من قرأ ذلك { مَالِكِ يَوْمِ الدِّين } أن لله الـملك يوم الدين خالصا دون جميع خـلقه الذين كانوا قبل ذلك فـي الدنـيا ملوكاً جبـابرة ينازعونه الـمُلْك ويدافعونه الانفراد بـالكبرياء والعظمة والسلطان والـجبرية. فأيقنوا بلقاء الله يوم الدين أنهم الصَّغَرة الأذلة، وأن له دونهم ودون غيرهم الـمُلْك والكبرياء والعزّة والبهاء، كما قال جل ذكره وتقدست أسماؤه فـي تنزيـله
{ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىظ° عَلَى ظ±للَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ ظ±لْمُلْكُ ظ±لْيَوْمَ لِلَّهِ ظ±لْوَاحِدِ ظ±لْقَهَّارِ }
غافر 16 فأخبر تعالـى أنه الـمنفرد يومئذٍ بـالـمُلْك دون ملوك الدنـيا الذين صاروا يوم الدين من ملكهم إلـى ذلة وصَغَار، ومن دنـياهم فـي الـمعاد إلـى خسار. وأما تأويـل قراءة من قرأ { مالكِ يَوْمِ الدِّينِ } ، فما حدثنا به أبو كريب، قال حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، قال حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عبـاس { مالكِ يَوْمِ الدِّينِ } يقول لا يـملك أحد فـي ذلك الـيوم معه حكماً كملكهم فـي الدنـيا. ثم قال
{ لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ظ±لرَّحْمَـظ°نُ وَقَالَ صَوَاباً }
النبأ 38 وقال
{ وَخَشَعَتِ ظ±لأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـظ°نِ }
طه 108 وقال
{ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ظ±رْتَضَىظ° }
الأنبياء 28 قال أبو جعفر وأولـى التأويـلـين بـالآية وأصحّ القراءتـين فـي التلاوة عندي التأويـل الأول وهي قراءة من قرأ «مَلِك» بـمعنى «الـمُلْك» لأن فـي الإقرار له بـالانفراد بـالـملك إيجابـاً لانفراده بـالـملك وفضيـلة زيادة الـملك علـى الـمالك، إذ كان معلوماً أن لا ملِك إلا وهو مالك، وقد يكون الـمالك لا مَلِكاً. وبعد فإن الله جل ذكره قد أخبر عبـاده فـي الآية التـي قبل قوله { مَـظ°لِكِ يَوْمِ ظ±لدِّينِ } أنه مالك جميع العالـمين وسيدهم، ومصلـحهم والناظر لهم، والرحيـم بهم فـي الدنـيا والآخرة بقوله { ظ±لْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ ظ±لرَّحْمَـظ°نِ ظ±لرَّحِيمِ }. فإذا كان جل ذكره قد أنبأهم عن مُلْكهِ إياهم كذلك بقوله { رَبِّ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ } فأولـى الصفـات من صفـاته جل ذكره، أن يتبع ذلك ما لـم يحوه قوله { رَبِّ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ ظ±لرَّحْمـظ°نِ ظ±لرَّحِيمِ } مع قرب ما بـين الآيتـين من الـمواصلة والـمـجاورة، إذ كانت حكمته الـحكمة التـي لا تشبهها حكمة

وكان فـي إعادة وصفه جل ذكره بأنه مالك يوم الدين، إعادة ما قد مضى من وصفه به فـي قوله { رَبِّ العَالَـمِينَ } مع تقارب الآيتـين وتـجاور الصفتـين. وكان فـي إعادة ذلك تكرار ألفـاظ مختلفة بـمعانٍ متفقة، لا تفـيد سامع ما كرّر منه فـائدة به إلـيها حاجة. والذي لـم يحوه من صفـاته جل ذكره ما قبل قوله { مَـظ°لِكِ يَوْمِ ظ±لدِّينِ } الـمعنى الذي فـي قوله «ملك يوم الدين»، وهو وصفه بأنه الـمَلِك. فبـينٌ إذاً أن أولـى القراءتـين بـالصواب وأحق التأويـلـين بـالكتاب قراءة من قرأه «ملك يوم الدين»، بـمعنى إخلاص الـملك له يوم الدين، دون قراءة من قرأ مالك يوم الدين بـمعنى أنه يـملك الـحكم بـينهم وفصل القضاء متفرّداً به دون سائر خـلقه. فإن ظنّ ظانّ أن قوله { رَبِّ العَالَـمِينَ } نبأ عن ملكه إياهم فـي الدنـيا دون الآخرة يوجب وصله بـالنبأ عن نفسه أنه قد ملكهم فـي الآخرة علـى نـحو مِلْكه إياهم فـي الدنـيا بقوله { مالك يوم الدين } ، فقد أغفل وظن خطأ وذلك أنه لو جاز لظانّ أن يظنّ أن قوله { رَبِّ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ } مـحصور معناه علـى الـخبر عن ربوبـية عالـم الدنـيا دون عالـم الآخرة مع عدم الدلالة علـى أن معنى ذلك كذلك فـي ظاهر التنزيـل، أو فـي خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم به منقول، أو بحجة موجودة فـي الـمعقول، لـجاز لآخر أن يظن أن ذلك مـحصور علـى عالـم الزمان الذي فـيه نزل قوله رب العالـمين دون سائر ما يحدث بعده فـي الأزمنة الـحادثة من العالـمين، إذ كان صحيحاً بـما قد قدمنا من البـيان أن عالـم كل زمان غير عالـم الزمان الذي بعده. فإن غَبِـيَ عن علـم صحة ذلك بـما قد قدمنا ذو غبـاء، فإن فـي قول الله جل ثناؤه
{ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا بَنِى إِسْرظ°ءيلَ ظ±لْكِتَـظ°بَ وَظ±لْحُكْمَ وَظ±لنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَـظ°هُمْ مّنَ ظ±لطَّيّبَـظ°تِ وَفَضَّلْنَـظ°هُمْ عَلَى ظ±لْعَـظ°لَمينَ }
الجاثية 16 دلالة واضحة علـى أن عالَـم كل زمان غير عالـم الزمان الذي كان قبله وعالَـم الزمان الذي بعده. إذ كان الله جل ثناؤه قد فضل أمة نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم علـى سائر الأمـم الـخالـية، وأخبرهم بذلك فـي قوله
{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ }
آل عمران 110 الآية. فمعلوم بذلك أن بنـي إسرائيـل فـي عصر نبـينا، لـم يكونوا مع تكذيبهم به صلى الله عليه وسلم أفضل العالـمين، بل كان أفضل العالـمين فـي ذلك العصر وبعده إلـى قـيام الساعة، الـمؤمنون به الـمتبعون منهاجه، دونَ منْ سواهم من الأمـم الـمكذّبة الضالَّة عن منهاجه. فإذ كان بـينا فساد تأويـل متأوّل لو تأوّل قوله رب العالـمين أنه معنـيّ به أن الله ربُّ عالـميْ زمن نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم دون عالـمي سائر الأزمنة غيره، كان واضحاً فساد قول من زعم أن تأويـله رب عالـم الدنـيا دون عالـم الآخرة، وأن مالك يوم الدين استـحق الوصل به لـيُعلـم أنه فـي الآخرة من ملكهم وربوبـيتهم بـمثل الذي كان علـيه فـي الدنـيا.

وقال السمين

وقُرئ " مالِك " بالألف، قال الأخفش: " يقال: مَلِكٌ بَيِّنُ المُلْكِ بضم الميم، ومالكٌ بيِِّنُ المَِلْكِ بفتح الميم وكسرها " ، ورُوِي ضَمُّها أيضاً بهذا المعنى. ورُوي عن العربِ: " لي في هذا الوادي مَلْك ومُلْك ومَلْك " مثلثةَ الفاء، ولكنَّ المعروف الفرقُ بين الألفاظ الثلاثة، فالمفتوحُ الشدٌّ والربطُ، والمضمومُ هو القهرُ والتسلُّطُ على مَنْ يتأتَّى منه الطاعةُ، ويكونُ باستحقاقٍ وغيره، والمكسورُ هو التسلطُ على مَنْ يتأتَّى منه الطاعةُ ومَنْ لا يتأتَّى منه، ولا يكونُ إلا باستحقاق فيكونُ بين المكسور والمضموم عمومٌ وخصوصٌ من وجه. وقال الراغب: " والمِلْك - أي بالكسر - كالجنس للمُلْك - أي بالضم - فكل مِلْك - بالكسر - مُلك، وليس كل مُلك مِلكاً " ، فعلى هذا يكون بينهما عمومٌ وخصوصٌ مطلقٌ، وبهذا يُعرف الفرقُ بين مَلِك ومالِك، فإن مَلِكاً مأخوذ من المُلْك - بالضم، ومالِكاً مأخوذ من المِلْك بالكسر. وقيل: الفرقُ بينهما أن المَلِك اسمٌ لكل مَنْ يَمْلِكُ السياسة: إمَّا في نفسِه بالتمكُّن من زمام قُواه وصَرْفِها عَنْ هواها، وإمَّا في نفسه وفي غيره، سواءٌ تولَّى ذلك أم لم يتولَّ.

وقد رجَّح كلٌّ فريقٍ إحدى القراءتين على الأخرى ترجيحاً يكاد يُسْقِط القراءةَ الأخرى، وهذا غير مَرْضِيٍّ، لأنَّ كلتيهما متواترةٌ، ويَدُلُّ على ذلك ما رُوي عن ثعلب أنه قال: [ " إذا اختلف الإِعرابُ في القرآن] عن السبعة لم أفضِّلْ إعراباً على إعراب في القرآن، فإذا خَرَجْتُ إلى الكلام كلامِ الناس فضَّلْتُ الأقوى " نقله أبو عمر الزاهد في " اليواقيت ". وقال الشيخ شهابُ الدين أبو شامةَ: " وقد أكثر المصنفون في القراءات والتفاسير من الترجيحِ بين هاتين القراءتين، حتى إنَّ بعضَهُم يُبالِغُ في ذلك إلى حدٍّ يكاد يُسْقِطُ وجهَ القراءة الأخرى، وليس هذا بمحمودٍ بعد ثبوتِ القراءتين وصحةِ اتصافِ الربِّ تعالى بهما، ثم قال: " حتى إني أُصَلِّي بهذه في رَكْعةٍ وبهذه في رَكْعةٍ " ذكر ذلك عند قوله: " مَلِك يوم الدين ومالِك ".

وَلْنذكرْ بعضَ الوجوه المرجِّحة تنبيهاً على معنى اللفظ لا على الوجهِ الذي قَصَدوه. فمِمَّا رُجِّحَتْ به قراءةُ " مالك " أنها أمْدَحُ لعمومِ إضافتِه، إذ يقال: " مالِكُ الجِّن والإِنس والطير " ، وأنشدوا على ذلك:
46ـ سُبْحَانَ مَنْ عَنَتِ الوجوهُ لوجهِه مَلِكِ الملوكِ ومالِكِ العَفْوِ

وقالوا: " فلانٌ مالكُ كذا " لمَنْ يملكه، بخلاف " مِلك " فإنه يُضاف إلى غيرِ الملوك نحو: " مَلِك العرب والعجم " ، ولأنَّ الزيادةَ في البناءِ تدلُّ على الزيادةِ في المعنى كما تقدَّم في " الرحمن " ، ولأنَّ ثوابَ تالِيها أكثرُ من ثواب تالي " مَلِك ".

وممَّا رُجِّحَتْ به قراءةُ " مَلِك " ما حكاه الفارسي عن ابن السراج عن بعضِهم أنه وصَفَ نفسَه بأنه مالكُ كلِّ شيء بقوله: { رَبِّ ظ±لْعَالَمِينَ } فلا فائدةَ في قراءةِ مَنْ قَرَأَ: " مالك " لأنها تكرارٌ، قال أبو عليّ: " ولا حُجَّة فيه لأنَّ في التنزيل مِثلَه كثيراً، يُذْكَرُ العامُّ ثم الخاصُّ، نحو:
{ هُوَ ظ±للَّهُ ظ±لْخَالِقُ ظ±لْبَارِىءُ ظ±لْمُصَوِّرُ }
[الحشر: 24]. وقال أبو حاتم: " مالِك " أَبْلَغُ في مدح الخالق، و " مَلِك " أبلغُ في مدحِ المخلوقِ، والفرقُ بينهما أن المالِكَ من المخلوقين قد يكون غيرَ مَلِك، وإذا كان الله تعالَى مَلِكاً كان مالكاً. واختاره ابن العربي. ومنها: أنها أعمُّ إذ تضاف للمملوك وغيرِ المملوك، بخلافِ " مالك " فإنه لا يُضاف إلاَّ للمملوك كما تقدَّم، ولإِشعارِه بالكثرةِ، ولأنه تمدَّح تعالَى بمالكِ المُلْك، بقوله تعالى: " قل اللَّهُمَّ مالكَ المُلْكِ " ومَلِك مأخوذ منه كما تقدم، ولم يتمدَّح بمالِك المِلك -بكسر الميم- الذي مالِكٌ مأخوذٌ منه.

وقُرئَ مَلْك بسكون اللام، ومنه:
47ـ وأيامٍ لنا غُرٍّ طِوالٍ عَصَيْنا المَلْكَ فيها أنْ نَدِينا
ومَليك. ومنه:
48ـ فاقنَعْ بما قَسَم المَليكُ فإنَّما قَسَم الخلائِقَ بَيْنَنَا عَلاَّمُها
ومَلِكي، وتُرْوَى عن نافع.

إذا عُرف هذا فكونُ " مَلِك " نعتاً لله تعالى ظاهر، فإنه معرفةٌ بالإِضافة، وأمَّا " مالك " فإنْ أريد به معنى المُضِيِّ فجَعْلُه نعتاً واضحٌ أيضاً، لأنَّ إضافته محضة فَيَتعرَّف بها، ويؤيِّد كونَه ماضِيَ المعنى قراءةُ مَنْ قرأ: " مَلَكَ يومَ الدين " ، فجعل " مَلَك " فعلاً ماضياً، وإن أُريد به الحالُ أو الاستقبال فَيُشْكِلُ، لأنه: إمَّا أن يُجْعَلَ نعتاً لله ولا يجوز لأنَّ إضافةَ اسم الفاعل بمعنى الحالِ أو الاستقبال غيرُ مَحْضَةٍ فلا يُعَرَّف، وإذا لم يتعرَّفْ فلا يكونُ نعتاً لمعرفةٍ، لِمَا عَرَفْتَ فيما تقدَّم من اشتراطِ الموافقةِ تعريفاً وتنكيراً، وإمَّا أن يُجْعَلَ بدلاً وهو ضعيف لأنَّ البدلَ بالمشتقات نادرٌ كما تقدَّم. والذي ينبغي أن يُقالَ: إنه نعتٌ على معنى أنَّ تقييدَه بالزمانِ غيرُ معتَبَرٍ، لأنَّ الموصوفَ إذا عُرِّفَ بوصفٍ كان تقييدُه بزمانٍ غيرَ معتبرٍ، فكأنَّ المعنى - والله أعلم - أنه متصفٌ بمالكِ يومِ الدينِ مطلقاً، من غير نظرٍ إلى مضيٍّ ولا حالٍ ولا استقبالٍ، وهذا ما مالَ إليه أبو القاسم الزمخشري.

وإضافةُ مالك ومَلِك إلى " يوم الدين " من باب الاتِّساع، إذ متعلَّقُهما غيرُ اليوم، والتقدير: مالكِ الأمرِ كله يومَ الدين.

ونظيرُ إضافة " مالك " إلى الظرف هنا نظيرُ إضافة " طَبَّاخ " إلى " ساعات " من قول الشاعر:
49ـ رُبَّ ابنَ عَمِّ لسُلَيْمى مُشْمَعِلّْ طَبَّاخِ ساعاتِ الكَرَى زادَ الكَسِلْ
إلا أنَّ المفعولَ في البيت مذكورٌ وهو " زادَ الكَسِل " ، وفي الآيةِ الكريمةِ غيرُ مذكورٍ للدلالةِ عليه. ويجوز أن يكونَ الكلامُ على ظاهرهِ من غيرِ تقديرِ حَذْفٍ.

ونسبةُ المِلْكِ والمُلْك إلى الزمانِ في حقِّ الله تعالى غيرُ مُشْكِلَةٍ، ويؤيِّدُه ظاهرُ قراءةِ مَنْ قرأ: " مَلَكَ يومَ الدينِ " فعلاً ماضياً فإن ظاهرَها كونُ " يوم " مفعولاً به. والإضافة على معنى اللام لأنها الأصل، ومنهم مَنْ جعلها في هذا النحو على معنى " في " مستنداً إلى ظاهر قوله تعالى:
{ بَلْ مَكْرُ ظ±لَّيْلِ وَظ±لنَّهَارِ }
[سبأ: 33]، قال: " المعنى مَكْرٌ في الليل، إذ الليل لا يُوصَف بالمكرِ، إنما يُوصَفُ به العقلاءُ، فالمكرُ واقعٌ فيه ". والمشهورُ أن الإِضافةَ: إمَّا على معنى اللام وإمَّا على معنى " مَنْ " ، وكونها بمعنى " في " غيرُ صحيح. وأمَّا قولُه تعالى:
{ مَكْرُ ظ±لَّيْلِ }
فلا دَلالةَ فيه، لأن هذا من باب البلاغة، وهو التجوُّزُ في أَنْ جَعَلَ ليلَهم ونهارَهم ماكِرَيْنِ مبالغةً في كثرةِ وقوعِه منهم فيهما، فهو نظيرُ قولهم: نهارُه صائمٌ وليلُه قائم، وقولِ الشاعر:
50ـ أمَّا النهارُ ففي قَيْدٍ وسِلْسِلَةٍ والليلُ في قَعْرِ منحوتٍ من السَّاجِ
لمًّا كانت هذه الأشياءُ يكثرُ وقوعُها في هذه الظروفِ وَصَفُوها بها مبالغةً في ذلك، وهو مذهبٌ حَسَنٌ مشهورٌ في كلامهم

اسامة محمد خيري
23-10-2018, 06:40
الجوهرة الثالثة

غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّآلِّينَ }

قال ابن كثير

قرأ الجمهور غير بالجر على النعت، قال الزمخشري وقرىء بالنصب على الحال، وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب، ورويت عن ابن كثير. وذو الحال الضمير في عليهم. والعامل أنعمت. والمعنى اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ممن تقدم وصفهم ونعتهم، وهم أهل الهداية والاستقامة والطاعة لله ورسله وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره، غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحق، وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين، وهم الذين فقدوا العلم، فهم هائمون في الضلالة، لا يهتدون إلى الحق. وأكد الكلام بلا ليدل على أن ثَمّ مسلكين فاسدين، وهما طريقة اليهود والنصارى، وقد زعم بعض النحاة أن غير ههنا استثنائية، فيكون على هذا منقطعاً لاستثنائهم من المنعم عليهم، وليسوا منهم، وما أوردناه أولى لقول الشاعر
كَأَنَّكَ مِنْ جِمال بَني أُقَيْشٍ يُقَعْقَعُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ بِشَن
أي كأنك جمل من جمال بني أقيش، فحذف الموصوف، واكتفى بالصفة. وهكذا غير المغضوب عليهم، أي غير صراط المغضوب عليهم، اكتفى بالمضاف إليه عن ذكر المضاف، وقد دل عليه سياق الكلام، وهو قوله تعالى { ظ±هْدِنَا ظ±لصّرَاطَ ظ±لْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ظ±لَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ثم قال تعالى { غَيْرِ ظ±لْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } ومنهم من زعم أن لا في قوله تعالى { وَلاَ ظ±لضَّآلِّينَ } زائدة، وأن تقدير الكلام عنده غير المغضوب عليهم والضالين، واستشهد ببيت العجاج
في بئرٍ لا حَوَر سعى وما شَعَر
أي في بئرحور، والصحيح ما قدمناه، ولهذا روى أبو القاسم بن سلام في كتاب فضائل القرآن عن أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقرأ غير المغضوب عليهم، وغير الضالين، وهذا الإسناد صحيح، وكذلك حكي عن أبي بن كعب أنه قرأ كذلك، وهو محمول على أنه صدر منهما على وجه التفسير، فيدل على ما قلناه من أنه إنما جيء لتأكيد النفي لئلا يتوهم أنه معطوف على الذين أنعمت عليهم، وللفرق بين الطريقتين ليجتنب كل واحد منهما فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم، ولهذا الغضب لليهود، والضلال للنصارى لأن من علم وترك استحق الغضب، خلاف من لم يعلم

ملحوظة

هل يجوز علي قراءة النصب الاستثناء متصل فيكون من غضب عليه انعم عليه قبل ذلك وهم اهل الكتاب

وقال ابن عطية

قوله تعالى: { غير المغضوب عليهم ولا الضالين }.

اختلف القراء في الراء من غير، فقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي بخفض الراء، وقرأ بن كثير بالنصب، وروي عنه الخفض.

قال أبو علي: " الخفض على ضربين: على البدل، من { الذين } ، أو على الصفة للنكرة، كما تقول مررت برجل غيرك، وإنما وقع هنا صفة لـ { الذين } لأن { الذين } هنا ليس بمقصود قصدهم، فالكلام بمنزلة قولك إني لأمر بالرجل مثلك فأكرمه ".

قال: " والنصب في الراء على ضربين: على الحال كأنك قلت أنعمت عليهم لا مغضوباً عليهم، أو على الاستثناء كأنك قلت إلا المغضوب عليهم، ويجوز النصب على أعني ". وحكي نحو هذا عن الخليل.

ومما يحتج به لمن ينصب أن { غير } نكرة فكره أن يوصف بها المعرفة. والاختيار الذي لا خفاء به الكسر. وقد روي عن ابن كثير، فأولى القولين ما لم يخرج عن إجماع قراء الأمصار.

قال أبو بكر بن السراج: " والذي عندي أن { غير } في هذا الموضع مع ما أضيف إليه معرفة، وهذا شيء فيه نظر ولبس، فليفهم عني ما أقول: اعلم أن حكم كل مضاف إلى معرفة أن يكون معرفة، وإنما تنكرت غير ومثل مع إضافتهما إلى المعارف من أجل معناهما، وذلك إذا قلت رأيت غيرك فكل شيء سوى المخاطب فهو غيره، وكذلك إذا قلت رأيت مثلك فما هو مثله لا يحصى لكثرة وجوه المماثلة، فأنما صارا نكرتين من أجل المعنى فأما إذا كان شيء معرفة له ضد واحد وأردت إثباته، ونفي ضده، وعلم ذلك السامع فوصفته بغير وأضفت غير إلى ضده فهو معرفة، وذلك كقولك عليك بالحركة غير السكون، وكذلك قولك غير المغضوب لأن من أنعم عليه لا يعاقبه إلا من غضب عليه، ومن لم يغضب عليه فهو الذي أنعم عليه، فمتى كانت غير على هذه الصفة وقصد بها هذا المقصد فهي معرفة ".

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: أبقى أبو بكر { الذين } على حد التعريف، وجوز نعتها بـ { غير } لما بينه من تعرف غير في هذا الموضع، وغير أبي بكر وقف مع تنكر غير، وذهب إلى تقريب { الذين } من النكرة إذ هو اسم شائع لا يختص به معين، وعلى هذا جوز نعتها بالنكرة

اسامة محمد خيري
23-10-2018, 06:41
سورة البقرة

الجوهرة الرابعة

{ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ }

قال القرطبي

وقرىء: «غشاوةً» بالنصب على معنى وجعل، فيكون من باب قوله:
علفتُها تبْناً وماء بارداً

وقال الآخر:
يا ليت زوجَك قد غدا متقلِّداً سيفاً ورُمْحَا
المعنى وأسقيتها ماء، وحاملا رمحا؛ لأن الرمح لا يتقلد. قال الفارسي: ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سعة وظ±ختيار؛ فقراءة الرفع أحسن، وتكون الواو عاطفة جملة على جملة. قال: ولم أسمع من الغشاوة فعلاً متصرفاً بالواو. وقال بعض المفسرين: الغشاوة على الأسماع والأبصار؛ والوقف على «قلوبهم». وقال آخرون: الختم في الجميع، والغشاوة هي الختم؛ فالوقف على هذا على «غشاوة». وقرأ الحسن «غُشاوة» بضم الغين، وقرأ أبو حَيْوَةَ بفتحها؛ وروي عن أبي عمرو: غشوة؛ ردّه إلى أصل المصدر. قال ظ±بن كيسان: ويجوز غَشْوة وغُشْوة وأجودها غِشاوة؛ كذلك تستعمل العرب في كل ما كان مشتملاً على الشيء، نحو عِمامة وكِنانة وقِلادة وعِصابة وغير ذلك

وقال ابو حيان فى بحره

وقرأ الحسن باختلاف عنه وزيد بن علي: غشاوة بضم الغين ورفع التاء، وأصحاب عبد الله بالفتح والنصب وسكون الشين، وعبيد بن عمير كذلك، إلا أنه رفع التاء. وقرأ بعضهم غشوة بالكسر والرفع، وبعضهم غشوة وهي قراءة أبي حيوة، والأعمش قرأ بالفتح والرفع والنصب. وقال الثوري: كان أصحاب عبد الله يقرأونها غشية بفتح الغين والياء والرفع. اهـ. وقال يعقوب: غشوة بالضم لغة، ولم يؤثرها عن أحد من القراء.

قال بعض المفسرين: وأصوب هذه القراءات المقروء بها ما عليه السبعة من كسر الغين على وزن عمامة، والأشياء التي هي أبداً مشتملة، فهذا يجيء وزنها: كالصمامة، والعمامة، والعصابة، والريانة، وغير ذلك. وقرأ بعضهم: غشاوة بالعين المهملة المكسورة والرفع من العشي، وهو شبه العمى في العين.

اسامة محمد خيري
23-10-2018, 06:43
الجوهرة الخامسة

يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ }

قال ابن عطية فى تفسيره

واختلف القراء في يخادعون الثاني.

فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: " يخادعون ".

وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: " وما يخدعون ".

وقرأ أبو طالوت عبد السلام بن شداد والجارود بن أبي سبرة: " يُخدعون " بضم الياء.

وقرأ قتادة ومورق العجلي: " يُخَدِّعون " بضم الياء وفتح الخاء وكسر الدال وشدها. فوجه قراءة ابن كثير ومن ذكر إحراز تناسب اللفظ، وأن يسمى الفعل الثاني باسم الفعل الأول المسبب له ويجيء ذلك كما قال الشاعر: [عمرو بن كلثوم]: [الوافر].

ألاَ لاَ يجْهلنْ أحدٌ عليْنا فَنَجْهل فوق جهْل الجاهلينا
فجعل انتصاره جهلاً، ويؤيد هذا المنزع في هذه الآية أن فاعل قد تجيء من واحد كعاقبت اللص وطارقت النعل.

وتتجه أيضاً هذه القراءة بأن ينزل ما يخطر ببالهم ويهجس في خواطرهم من الدخول في الدين والنفاق فيه والكفر في الأمر وضده في هذا المعنى بمنزلة مجاورة أجنبيين فيكون الفعل كأنه من اثنين. وقد قال الشاعر: [الكميت] [الطويل].

تذكر من أَنَّى ومن أين شربه يؤامرُ نفسيه كذي الهجمة الأبل
وأنشد ابن الأعرابي: [المنسرح]

لم تدر ما لا ولست قائلها عمرك ما عشت آخر الأبد
ولم تؤامرْ نفسيك ممترياً فيـ ـهـا وفي أختها ولم تكد
وقال الآخر:

يؤامر نفسيهِ وفي العيشِ فُسْحَةٌ أيستوتغ الذوبانَ أمْ لا يـطورُها
وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي: [الطويل]

وكنتَ كذات الضنء لم تدر إذْ بَغَتْ تؤامرُ نفسيْها أتسرِقُ أم تزني
ووجه قراءة عاصم ومن ذكر، أن ذلكَ الفعل هو خدع لأنفسهم يمضي عليها، تقول: " خادعت الرجل " بمعنى أعملت التحيل عليه، فخدعته بمعنى تمت عليه الحيلة ونفذ فيه المراد، والمصدر " خِدع " بكسر الخاء وخديعة، حكى ذلك أبو زيد. فمعنى الآية وما ينفذون السوء إلا على أنفسهم فيها. ووجه قراءة أبي طالوت أحد أمرين إما أن يقدر الكلام وما يخدعون إلا عن أنفسهم فحذف حرف الجر ووصل الفعل كما قال تعالى:
{ واختار موسى قومه }
[الأعراف: 155] أي من قومه وإما أن يكون " يخدعون " أعمل عمل ينتقصون لما كان المعنى وما ينقصون ويستلبون إلا أنفسهم، ونحوه قول الله تعالى:
{ ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم }
[البقرة: 187] ولا تقول رفثت إلى المرأة ولكن لما كان بمعنى الإفضاء ساغ ذلك، ومنه قوله تعالى:
{ هل لك إلى أن تزكى }
[النازعات: 18] وإنما يقال هل لك في كذا، ولكن لما كان المعنى أجد بك إلى أن تزكى ساغ ذلك وحسن، وهو باب سني من فصاحة الكلام، ومنه قول الفرزدق: [الرجز]:

كيف تراني قالباً مجني قد قتل الله زياداً عنّي
لما كانت قتل قد دخلها معنى صرف. ومنه قول الآخر: [نحيف العامري]: [الوافر]

إذا رضيت عليّ بنو قشيرٍ لعمر اللَّهِ أعجبني رضاها
لما كانت رضيت قد تضمنت معنى أقبلت علي.

وأما الكسائي فقال في هذا البيت: " وصل رضي بوصل نقيضه وهو سخط وقد تجرى أمور في اللسان مجرى نقائضها ".

ووجه قراءة قتادة المبالغة في الخدع، إذ هو مصير إلى عذاب الله.

قال الخليل: " يقال خادع من واحد لأن في المخادعة مهلة، كما يقال عالجت المريض لمكان المهلة ".

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا من دقيق نظره وكأنه يرد فاعل إلى الاثنين، ولا بد من حيث ما فيه مهلة ومدافعة ومماطلة، فكأنه يقاوم في المعنى الذي تجيء فيه فاعل.

وقال الطبري

إن قال لنا قائل أولـيس الـمنافقون قد خدعوا الـمؤمنـين بـما أظهروا بألسنتهم من قيل الـحقّ عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم حتـى سلـمت لهم دنـياهم وإن كانوا قد كانوا مخدوعين فـي أمر آخرتهم؟ قـيـل خطأ أن يقال إنهم خدعوا الـمؤمنـين لأنا إذا قلنا ذلك أوجبنا لهم حقـيقة خدعة جاءت لهم علـى الـمؤمنـين، كما أنا لو قلنا قتل فلان فلاناً، أوجبنا له حقـيقة قتل كان منه لفلان. ولكنا نقول خادع الـمنافقون ربهم والـمؤمنـين، ولـم يخدعوهم بل خدعوا أنفسهم، كما قال جل ثناؤه، دون غيرها، نظير ما تقول فـي رجل قاتل آخر فقتل نفسه ولـم يقتل صاحبه قاتل فلان فلاناً ولـم يقتل إلا نفسه، فتوجب له مقاتلة صاحبه، وتنفـي عنه قتله صاحبه، وتوجب له قتل نفسه. فكذلك تقول خادع الـمنافق ربه والـمؤمنـين، ولـم يخدع إلا نفسه، فتثبت منه مخادعة ربه والـمؤمنـين، وتنفـي عنه أن يكون خدع غير نفسه لأن الـخادع هو الذي قد صحت له الـخديعة ووقع منه فعلها.

فـالـمنافقون لـم يخدعوا غير أنفسهم، لأن ما كان لهم من مال وأهل فلـم يكن الـمسلـمون ملكوه علـيهم فـي حال خداعهم إياهم عنه بنفـاقهم ولا قبلها فـيستنقذوه بخداعهم منهم، وإنـما دافعوا عنه بكذبهم وإظهارهم بألسنتهم غير الذي فـي ضمائرهم، ويحكم الله لهم فـي أموالهم وأنفسهم وذراريهم فـي ظاهر أمورهم بحكم ما انتسبوا إلـيه من الـملة، والله بـما يخفون من أمورهم عالـم. وإنـما الـخادع من خَتَلَ غيره عن شيئه، والـمخدوع غير عالـم بـموضع خديعة خادعه. فأما والـمخادَع عارف بخداع صاحبه إياه، وغير لاحقه من خداعه إياه مكروه، بل إنـما يتـجافـى للظان به أنه له مخادع استدراجاً لـيبلغ غاية يتكامل له علـيه الـحجة للعقوبة التـي هو بها موقع عند بلوغه إياها. والـمستدرج غير عالـم بحال نفسه عند مستدرجه، ولا عارف بـاطلاعه علـى ضميره، وأن إمهال مستدرجه وتركه إياه معاقبته علـى جرمه لـيبلغ الـمخاتل الـمخادع من استـحقاقه عقوبة مستدرجه بكثرة إساءته وطول عصيانه إياه وكثرة صفح الـمستدرج وطول عفوه عنه أقصى غاية، فإنـما هو خادع نفسه لا شك دون من حدثته نفسه أنه له مخادع. ولذلك نفـى الله جل ثناؤه عن الـمنافق أن يكون خدع غير نفسه، إذ كانت الصفة التـي وصفنا صفته. وإذ كان الأمر علـى ما وصفنا من خداع الـمنافق ربه وأهل الإيـمان به، وأنه غير سائر بخداعه ذلك إلـى خديعة صحيحة إلا لنفسه دون غيرها لـما يورطها بفعله من الهلاك والعطب،

فـالواجب إذا أن يكون الصحيح من القراءة { وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم } دون «وما يخادعون»، لأن لفظ الـمخادع غير موجب تثبـيت خديعة علـى صحة، ولفظ خادع موجب تثبـيت خديعة علـى صحة. ولا شك أن الـمنافق قد أوجب خديعة الله عز وجل لنفسه بـما ركب من خداعه ربه ورسوله والـمؤمنـين بنفـاقه، فلذلك وجبت الصحة لقراءة من قرأ { وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم }. ومن الدلالة أيضا علـى أن قراءة من قرأ { وما يَخْدَعُونَ } أولـى بـالصحة من قراءة من قرأ «وما يخادعون» أن الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم يخادعون الله والـمؤمنـين فـي أول الآية، فمـحال أن ينفـي عنهم ما قد أثبت أنهم قد فعلوه، لأن ذلك تضادّ فـي الـمعنى، وذلك غير جائز من الله جل وعز

اسامة محمد خيري
23-10-2018, 06:45
الجوهرة السادسة

{ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ }

قال الطبري

القول فـي تأويـل قوله تعالـى { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ }. اختلفت القراءة فـي قراءة ذلك، فقرأه بعضهم { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } مخففة الذال مفتوحة الـياء، وهي قراءة معظم أهل الكوفة. وقرأه آخرون { يُكَذِّبُونَ } بضم الـياء وتشديد الذال، وهي قراءة معظم أهل الـمدينة والـحجاز والبصرة. وكأن الذين قرءوا ذلك بتشديد الذال وضم الـياء رأوا أن الله جل ثناؤه إنـما أوجب للـمنافقـين العذاب الألـيـم بتكذيبهم نبـيهم مـحمداً صلى الله عليه وسلم وبـما جاء به، وأن الكذب لولا التكذيب لا يوجب لأحد الـيسير من العذاب، فكيف بـالألـيـم منه؟ ولـيس الأمر فـي ذلك عندي كالذي قالوا وذلك أن الله عزّ وجلّ أنبأ عن الـمنافقـين فـي أول النبأ عنهم فـي هذه السورة بأنهم يكذبون بدعواهم الإيـمان وإظهارهم ذلك بألسنتهم خداعاً لله عزّ وجلّ ولرسوله وللـمؤمنـين، فقال
{ وَمِنَ ظ±لنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِظ±للَّهِ وَبِظ±لْيَوْمِ ظ±لأْخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَـظ°دِعُونَ ظ±للَّهَ وَظ±لَّذِينَ ءامَنُوا }
البقرة 8-9 بذلك من قـيـلهم مع استسرارهم الشك، { وَمَا يَخْدَعُونَ } بصنـيعهم ذلك { إِلاَّ أَنْفُسَهُم } دون رسول الله صلى الله عليه وسلم والـمؤمنـين، { وَمَا يَشْعُرُونَ } بـموضع خديعتهم أنفسهم واستدراج الله عزّ وجل إياهم بإملائه لهم فـي قلوبهم شك أي نفـاق وريبة، والله زائدهم شكّاً وريبة بـما كانوا يكذبون الله ورسوله والـمؤمنـين بقولهم بألسنتهم

{ ءامَنَّا بِظ±للَّهِ وَبِظ±لْيَوْمِ ظ±لأْخِرِ }
البقرة 8 وهم فـي قـيـلهم ذلك كَذَبة لاستسرارهم الشك والـمرض فـي اعتقادات قلوبهم. فـي أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فأولـى فـي حكمة الله جل جلاله أن يكون الوعيد منه لهم علـى ما افتتـح به الـخبر عنهم من قبـيح أفعالهم وذميـم أخلاقهم، دون ما لـم يجز له ذكر من أفعالهم إذ كان سائر آيات تنزيـله بذلك نزل. وهو أن يفتتـح ذكر مـحاسن أفعال قوم ثم يختـم ذلك بـالوعيد علـى ما افتتـح به ذكره من أفعالهم، ويفتتـح ذكر مساوىء أفعال آخرين ثم يختـم ذلك بـالوعيد علـى ما ابتدأ به ذكره من أفعالهم. فكذلك الصحيح من القول فـي الآيات التـي افتتـح فـيها ذكر بعض مساوىء أفعال الـمنافقـين أن يختـم ذلك بـالوعيد علـى ما افتتـح به ذكره من قبـائح أفعالهم، فهذا مع دلالة الآية الأخرى علـى صحة ما قلنا وشهادتها بأن الواجب من القراءة ما اخترنا، وأن الصواب من التأويـل ما تأوّلنا من أن وعيد الله الـمنافقـين فـي هذه الآية العذاب الألـيـم علـى الكذب الـجامع معنى الشك والتكذيب، وذلك قول الله تبـارك وتعالـى
{ إِذَا جَاءكَ ظ±لْمُنَـظ°فِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ظ±للَّهِ وَظ±للَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَظ±للَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ لَكَـظ°ذِبُونَ ظ±تَّخَذُواْ أَيْمَـظ°نَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ظ±للَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }
المنافقون 1-2 والآية الأخرى فـي الـمـجادلة
{ ظ±تَّخَذْواْ أَيْمَـظ°نَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ظ±للَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ }
المجادلة 16 فأخبر جلّ ثناؤه أن الـمنافقـين بقـيـلهم ما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مع اعتقادهم فـيه ما هم معتقدون، كاذبون. ثم أخبر تعالـى ذكره أن العذاب الـمهين لهم علـى ذلك من كذبهم. ولو كان الصحيح من القراءة علـى ما قرأه القارئون فـي سورة البقرة { وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } لكانت القراءة فـي السورة الأخرى
{ وَظ±للَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ }
المنافقون 1 لـيكون الوعيد لهم الذي هو عقـيب ذلك وعيداً علـى التكذيب، لا علـى الكذب. وفـي إجماع الـمسلـمين علـى أن الصواب من القراءة فـي قوله
{ وَظ±للَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ لَكَـظ°ذِبُونَ }
المنافقون 1 بـمعنى الكذب، وأن إيعاد الله تبـارك وتعالـى فـيه الـمنافقـين العذاب الألـيـم علـى ذلك من كذبهم، أوضح الدلالة علـى أن الصحيح من القراءة فـي سورة البقرة { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } بـمعنى الكذب، وأن الوعيد من الله تعالـى ذكره للـمنافقـين فـيها علـى الكذب حق، لا علـى التكذيب الذي لـم يجز له ذكر نظير الذي فـي سورة الـمنافقـين سواء

ملحوظة

القراءتان متواترتان صحيحتان

اسامة محمد خيري
23-10-2018, 06:46
الجوهرة السابعة

{ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }

قال السمين

والمشهورُ فتحُ الياءِ من " يَمُدُّهم " ، وقُرئ شاذاً بِضمِّها، فقيل: الثلاثي والرباعي بِمعنى واحدٍ، تقول: مَدَّة وأَمَدَّه بكذا، وقيل: مَدَّه إذا زاده من جنسه، وأَمَدَّه إذا زادَه من غير جنسِه، وقيل: مَدَّه في الشرِّ، كقوله تعالى:
{ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ظ±لْعَذَابِ مَدّاً }
[مريم: 79]، وَأَمَدَّه في الخير، كقوله:
{ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ }
[نوح: 12]،
{ وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ }
[الطور: 22]،
{ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ }
[آل عمران: 124]، إلا أنَّه يُعَكِّر على هذين الفرقين أنه قرئ:
{ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ظ±لْغَيِّ }
[الأعراف: 202] باللغتين، ويمكن أن يُجَاب عنه بما ذكره الفارسي في توجيهِ ضَمِّ الياء أنه بمنزلةِ قولِهِ تعالى:
{ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ }
[آل عمران: 21]
{ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىظ° }
[الليل: 10]، يعني أبو علي ـ رحمه الله تعالى ـ بذلك أنه على سبيل التهكم.

وقال الزمخشري: " فإنْ قُلْتَ: لِمَ زعمت أنه من المَدَدِ دون المَدِّ في العُمْرِ والإِملاءِ والإِمهالِ؟ قلت: كفاك دليلاً على ذلك قراءةُ ابنِ كثير وابنِ محيصن: " ويُمِدُّهم " وقراءةُ نافعِ " " وإخوانُهم يُمِدُّونهم " على أنَّ الذي بمعنى أمهله إنما هو " مَدَّ له " باللام كأَمْلىوالمشهورُ فتحُ الياءِ من " يَمُدُّهم " ، وقُرئ شاذاً بِضمِّها، فقيل: الثلاثي والرباعي بِمعنى واحدٍ، تقول: مَدَّة وأَمَدَّه بكذا، وقيل: مَدَّه إذا زاده من جنسه، وأَمَدَّه إذا زادَه من غير جنسِه، وقيل: مَدَّه في الشرِّ، كقوله تعالى:
{ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ظ±لْعَذَابِ مَدّاً }
[مريم: 79]، وَأَمَدَّه في الخير، كقوله:
{ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ }
[نوح: 12]،
{ وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ }
[الطور: 22]،
{ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ }
[آل عمران: 124]، إلا أنَّه يُعَكِّر على هذين الفرقين أنه قرئ:
{ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ظ±لْغَيِّ }
[الأعراف: 202] باللغتين، ويمكن أن يُجَاب عنه بما ذكره الفارسي في توجيهِ ضَمِّ الياء أنه بمنزلةِ قولِهِ تعالى:
{ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ }
[آل عمران: 21]
{ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىظ° }
[الليل: 10]، يعني أبو علي ـ رحمه الله تعالى ـ بذلك أنه على سبيل التهكم.

وقال الزمخشري: " فإنْ قُلْتَ: لِمَ زعمت أنه من المَدَدِ دون المَدِّ في العُمْرِ والإِملاءِ والإِمهالِ؟ قلت: كفاك دليلاً على ذلك قراءةُ ابنِ كثير وابنِ محيصن: " ويُمِدُّهم " وقراءةُ نافعِ " " وإخوانُهم يُمِدُّونهم " على أنَّ الذي بمعنى أمهله إنما هو " مَدَّ له " باللام كأَمْلى له

اسامة محمد خيري
23-10-2018, 14:46
الجوهرة الثامنة

{ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ }

قال ابن عطية

وروي عن إبراهيم بن أبي عبلة أنه قرأ " يَضل " بفتح الياء " كثيرٌ " بالرفع " ويهدي به كثير. وما يضل به إلا الفاسقون " بالرفع.

قال أبو عمرو الداني: " هذه قراءة القدرية وابن أبي عبله من ثقات الشاميين ومن أهل السنة، ولا تصح هذه القرءة عنه، مع أنها مخالفة خط المصحف ".

وروي عن ابن مسعود أنه قرأ في الأولى: " يُضل " بضم الياء وفي الثانية " وما يَضل " بفتح الياء " به إلا الفاسقون ".

قال القاضي أبو محمد: وهذه قراءة متجهة لولا مخالفتها خط المصحف المجمع عليه.

اسامة محمد خيري
24-10-2018, 05:47
الجوهرة التاسعة

{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }

قال ابن عطية

وقرأ زيد بن علي " خليقة " بالقاف.

{ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَي حِينٍ }

قال السمين

قوله: { فَأَزَلَّهُمَا ظ±لشَّيْطَانُ عَنْهَا }: المفعولُ هنا واجبُ التقديمِ لأنه ضميرٌ متصلٌ، والفاعلُ ظاهرٌ، وكلُّ ما كان كذا فهذا حكمُه. قرأ حمزة: " فَأَزَالهما " والقِراءتان يُحتمل أن تكونا بمعنىً واحدٍ، وذلك أنَّ قراءةَ الجماعةِ " أَزَلَّهما " يجوز أَنْ تكونَ مِنْ " زَلَّ عن المكان " إذا تَنَحَّى عنه فتكونَ من الزوالِ كقراءَةِ حمزة، ويَدُلُّ عليه قولُ امرئ القيس:
378ـ كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللِّبْدُ عن حالِ مَتْنِهِ كما زَلَّتِ الصَّفْواءُ بالمُتَنَزَّلِ
وقال أيضاً:
379ـ يَزِلُّ الغلامُ الخِفُّ عن صَهَوَاتِهِ ويَلْوِي بأثوابِ العنيفِ المُثَقَّلِ
فَرَدَدْنا قراءَة الجماعة إلى قراءة حمزة، أو نَرُدُّ قراءَةَ حمزةَ إلى قراءَةِ الجماعة بأَنْ نقول: معنى أزالَهما أي: صَرَفَهُمَا عن طاعةِ الله تعالى فَأَوْقَعَهما في الزَلَّةِ لأنَّ إغواءَه وإيقاعَه لهُما في الزَلَةِ سببُ للزوالِ. ويُحتمل أن تفيدَ كلُّ قراءةٍ معنًى مستقلاً، فقراءةُ الجماعةُ تُؤْذِنُ بإيقاعهما في الزَّلَّةِ، فيكونُ زلَّ استنزل، وقراءةُ حمزة تؤذن بتنحيتِهما عن مكانِهما، ولا بُدَّ من المجازِ في كلتا القراءتينِ لأن الزَّلَل [أصلُه] في زَلَّة القَدَمِ، فاستُعْمِلَ هنا في زَلَّةِ الرأي، والتنحيةُ لا يَقْدِر عليها الشيطانُ، وإنما يَقْدِرُ على الوسوسَةِ التي هي في زَلَّة الرأي، والتحيةُ لا يقْدِر عليها الشيطانُ، وإنما يَقْدِرُ على الوسوسَةِ التي هي سببُ التنحيةِ. و " عنها " متعلقٌ بالفعلِ قبلَه. ومعنى " عَنْ " هنا السببيَّةُ إن أَعَدْنَا الضميرَ على " الشجرة " أي: أَوْقَعَهما في الزَّلَّةِ بسبب الشجرة. ويجوز أن تكونَ على بابِها من المجاوزة إن [عاد] الضميرُ على " الجَنَّةِ " ، وهو الأظهرُ، لتقدُّمِ ذِكْرِها، وتجيءُ عليه قراءةُ حمزة واضحةً، ولا تظهَرُ قراءتُهُ كلَّ الظهورِ على كونِ الضميرِ للشجرة، قال ابن عطية: " وأمَّا مَنْ قرأ " أَزَالهما " فإنَّه يعودُ على الجَنَّةِ فقط " ، وقيل: الضميرُ للطاعةِ أو للحالة أو للسماءِ وإن لم يَجْرِ لها ذِكْرٌ لدَلالةِ السياقِ عليها وهذا بعيدٌ جداً.

وقال الطبري

وأولـى القراءتـين بـالصواب قراءة من قرأ { فَأَزَلَّهُمَا } لأن الله جل ثناؤه قد أخبر فـي الـحرف الذي يتلوه بأن إبلـيس أخرجهما مـما كانا فـيه، وذلك هو معنى قوله فأزالهما، فلا وجه إذ كان معنى الإزالة معنى التنـحية والإخراج أن يقال «فأزالهما الشيطان عنها فأخرجهما مـما كانا فـيه»، فـيكون كقوله «فأزالهما الشيطان عنها فأزالهما مـما كانا فـيه»، ولكن الـمعنى الـمفهوم أن يقال فـاستزلهما إبلـيس عن طاعة الله، كما قال جل ثناؤه { فَأَزَلَّهُمَا ظ±لشَّيْطَانُ } وقرأت به القراء، فأخرجهما بـاستزلاله إياهما من الـجنة

فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }

قال ابن عطية

و { آدمُ } رفع بـ " تلقى " ، و { كلمات } نصب بها، والتلقي من آدم هو الإقبال عليها والقبول لها والفهم.

وحكى مكي قولاً: أنه أُلهِمَهاها فانتفع بها.

وقرأ ابن كثير: " آدمَ " بالنصب. " من ربه كلماتٌ " بالرفع، فالتلقي من الكلمات هو نيل آدم بسببها رحمة الله وتوبته

{ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوء الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَالِكُمْ بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ }

قال ابن عطية

وقرأ الجمهور " يذبِّحون " بشد الباء المكسورة على المبالغة، وقرأ ابن محيصن: " يذبحون " بالتخفيف، والأول أرجح إذ الذبح متكرر. كان فرعون على ما روي قد رأى في منامه ناراً خرجت من بيت المقدس فأحرقت بيوت مصر، فأولت له رؤياه أن مولوداً من بني إسرائيل ينشأ فيخرب ملك فرعون على يديه.

اسامة محمد خيري
24-10-2018, 06:07
الجوهرة العاشرة

{ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ }

قال القرطبي

الأولى: قوله تعالى: { وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىظ° أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } قرأ أبو عمرو «وَعَدْنَا» بغير ألفٍ، وظ±ختاره أبو عبيد ورجّحه وأنكر { وَاعَدْنَا } قال: لأن المواعدة إنما تكون من البشر، فأما الله جل وعز فإنما هو المنفرد بالوعد والوعيد. على هذا وجدنا القرآن؛ كقوله عز وجل:
{ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ظ±لْحَقِّ }
[إبراهيم: 14] وقوله:
{ وَعَدَ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ظ±لصَّالِحَاتِ }
[النور: 55]، وقوله:
{ وَإِذْ يَعِدُكُمُ ظ±للَّهُ إِحْدَى ظ±لطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ }
[الأنفال: 7]. قال مكيّ: وأيضاً فإن ظاهر اللفظ فيه وَعْدٌ من الله تعالى لموسى، وليس فيه وعد من موسى؛ فوجب حمله على الواحد، لظاهر النص أن الفعل مضاف إلى الله تعالى وحده؛ وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وأبي جعفر وشيبة وعيسى بن عمر؛ وبه قرأ قتادة وظ±بن أبي إسحظ°ق. قال أبو حاتم: قراءة العامة عندنا «وعدنا» بغير ألف؛ لأن المواعدة أكثر ما تكون بين المخلوقين والمتكافئين، كل واحد منهما يَعِد صاحبه. قال الجوهري: الميعاد: المواعدة والوقت والموضع. قال مكيّ: المواعدة أصلها من ظ±ثنين، وقد تأتي المفاعلة من واحد في كلام العرب؛ قالوا: طارقت النّعل، وداويت العليل، وعاقبت اللص؛ والفعل من واحد. فيكون لفظ المواعدة من الله خاصة لموسى كمعنى وعدنا؛ فتكون القراءتان بمعنىً واحد. والاختيار { وَاعَدْنَا } بالألف لأنه بمعنى «وعدنا» في أحد معنييه، ولأنه لا بدّ لموسى من وعد أو قبول يقوم مقام الوعد فتصح المفاعلة. قال النحاس: وقراءة { وَاعَدْنَا } بالألف أجود وأحسن، وهي قراءة مجاهد والأعرج وظ±بن كثير ونافع والأعمش وحمزة والكسائي؛ وليس قوله عز وجل: { وَعَدَ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ظ±لصَّالِحَاتِ } من هذا في شيء؛ لأن { وَاعَدْنَا مُوسَىظ° } إنما هو من باب الموافاة؛ وليس هذا من الوعد والوعيد في شيء، وإنما هو من قولك: موعدك يوم الجمعة، وموعدك موضع كذا. والفصيح في هذا أن يقال: واعدته. قال أبو إسحظ°ق الزجاج: { وَظ°عَدْنَا } ها هنا بالألف جيّد؛ لأن الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة؛ فمن الله جل وعز وَعْد، ومن موسى قبول وظ±تباع يجري مجرى المواعدة. قال ظ±بن عطية. ورجّح أبو عبيدة «وعدنا» وليس بصحيح؛ لأن قبول موسى لوعد الله والتزامه وظ±رتقابه يشبه المواعدة

وقال الطبري

اختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأ بعضهم { وَظ°عَدْنَا } بـمعنى أن الله تعالـى واعد موسى ملاقاة الطور لـمناجاته، فكانت الـمواعدة من الله لـموسى، ومن موسى لربه. وكان من حجتهم علـى اختـيارهم قراءة { وَظ°عَدْنَا } علـى «وعدنا» أن قالوا كل إيعاد كان بـين اثنـين للالتقاء أو الاجتـماع، فكل واحد منهما مواعد صاحبه ذلك، فلذلك زعموا أنه وجب أن يقضي لقراءة من قرأ { وَظ°عَدْنَا } بـالاختـيار علـى قراءة من قرأ «وعدنا». وقرأ بعضهم «وعَدْنا» بـمعنى أن الله الواعد موسى، والـمنفرد بـالوعد دونه. وكان من حجتهم فـي اختـيارهم ذلك، أن قالوا إنـما تكون الـمواعدة بـين البشر، فأما الله جل ثناؤه فإنه الـمنفرد بـالوعد والوعيد فـي كل خير وشرّ. قالوا وبذلك جاء التنزيـل فـي القرآن كله، فقال جل ثناؤه
{ إِنَّ ظ±للَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ظ±لْحَقِّ }
ابراهيم 22 وقال
{ وَإِذْ يَعِدُكُمُ ظ±للَّهُ إِحْدَى ظ±لطَّآئِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ }
الأنفال 7 قالوا فكذلك الواجب أن يكون هو الـمنفرد بـالوعد فـي قوله «وإذْ وَعَدْنا مُوسَى». والصواب عندنا فـي ذلك من القول، أنهما قراءتان قد جاءت بهما الأمة وقرأت بهما القراء، ولـيس فـي القراءة بإحداهما إبطال معنى الأخرى، وإن كان فـي إحداهما زيادة معنى علـى الأخرى من جهة الظاهر والتلاوة. فأما من جهة الـمفهوم بهما فهما متفقتان، وذلك أن من أخبر عن شخص أنه وعد غيره اللقاء بـموضع من الـمواضع، فمعلوم أن الـموعود ذلك واعد صاحبه من لقائه بذلك الـمكان، مثل الذي وعده من ذلك صاحبه إذا كان وعده ما وعده إياه من ذلك عن اتفـاق منهما علـيه. ومعلوم أن موسى صلوات الله علـيه لـم يَعِدْه ربه الطور إلا عن رضا موسى بذلك، إذ كان موسى غير مشكوك فـيه أنه كان بكل ما أمر الله به راضياً، وإلـى مـحبته فـيه مسارعاً. ومعقول أن الله تعالـى لـم يعد موسى ذلك إلا وموسى إلـيه مستـجيب. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الله عزّ ذكره قد كان وعد موسى الطور، ووعده موسى اللقاء، وكان الله عزّ ذكره لـموسى واعداً ومواعداً له الـمناجاة علـى الطور، وكان موسى واعداً لربه مواعدا له اللقاء. فبأيّ القراءتـين من «وعد» و«واعد» قرأ القارىء، فهو الـحقّ فـي ذلك من جهة التأويـل واللغة، مصيب لـما وصفنا من العلل قبل. ولا معنى لقول القائل إنـما تكون الـمواعدة بـين البشر، وأن الله بـالوعد والوعيد منفرد فـي كل خير وشرّ وذلك أن انفراد الله بـالوعد والوعيد فـي الثواب والعقاب والـخير والشرّ والنفع والضرّ الذي هو بـيده وإلـيه دون سائر خـلقه، لا يحيـل الكلام الـجاري بـين الناس فـي استعمالهم إياه عن وجوهه ولا يغيره عن معانـيه. والـجاري بـين الناس من الكلام الـمفهوم ما وصفنا من أن كل إيعاد كان بـين اثنـين فهو وعد من كل واحد منهما صاحبه ومواعدة بـينهما، وأن كل واحد منهما واعد صاحبه مواعد، وأن الوعد الذي يكون به الإنفراد من الواعد دون الـموعود إنـما هو ما كان بـمعنى الوعد الذي هو خلاف الوعيد.

{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }

قال القرطبي

وقرأ قتادة: فأقيلوا أنفسكم ـ من الإقالة ـ؛ أي ظ±ستقبلوها من العثرة بالقتل.

وقال ابن عطية

وقرأ قتادة: " فاقتالوا أنفسكم ": وقال: " هي من الاستقالة ".

قال أبو الفتح: " اقتال " هذه افتعل، ويحتمل أن يكون عينها واواً كاقتادوا، ويحتمل أن يكون ياء " كاقتاس " والتصريف يضعف أن تكون من الاستقالة، ولكن قتادة رحمه الله ينبغي أن يحسن الظن به في أنه لم يورد ذلك إلا بحجة عنده.

وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ }

قال ابن عطية

وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: " حطة " بالنصب.

وحكي عن ابن مسعود وغيره: أنهم أمروا بالسجود وأن يقولوا { حطة } فدخلوا يزحفون على أستاههم ويقولون حنطة حبة حمراء في شعرة، ويروى غير هذا من الألفاظ.

وقرأ نافع: " يُغفر " بالياء من تحت مضمومة.

وقرأ ابن عامر: " تُغفر " بالتاء من فوق مضمومة.

وقرأ أبو بكر عن عاصم: " يَغفر " بفتح الياء على معنى يغفر الله.

وقرأ الباقون: " نغفر " بالنون.

وقرأت طائفة " تغفر " كأن الحطة تكون سبب الغفران، والقراء السبعة على { خطاياكم } ، غير أن الكسائي كان يميلها.

وقرأ الجحدري: " تُغفر لكم خطيئتُكُمْ " بضم التاء من فوق وبرفع الخطيئة.

وقرأ الأعمش: " يغفر " بالياء من أسفل مفتوحة " خطيئتَكُم " نصباً.

وقرأ قتادة مثل الجحدري، وروي عنه أنه قرأ بالياء من أسفل مضمومة خطيئتكم رفعاً.

وقرأ الحسن البصري: " يغفر لكم خطيئاتِكم " أي يغفر الله.

وقرأ أبو حيوة: " تغفر " بالتاء من فوق مرفوعة " خطيئاتُكم " بالجمع ورفع التاء.

وقال السمين

قوله:حِطَّة " قُرِئ بالرفع والنصب، فالرفعُ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي: مسألتُنا حِطَّة أو أمرُك حِطَّة، قال الزمخشري: والأصلُ النصبُ، بمعنى حُطَّ عنا ذنوبَنا حِطَّةً، وإنما رُفِعَتْ لتعطِيَ [معنى] الثباتِ، كقوله:
484ـ شَكا إليَّ جَمَلي طُولَ السُّرَى صَبْرٌ جميلٌ فكِلانا مُبْتَلَى
والأصلُ: صَبْراً عليَّ، اصبرْ صبراً " ، فَجَعَلَه من بابِ
{ سَلاَمٌ عَلَيْكُم }
[الرعد: 24]، وتكون الجملةُ في محلِّ نصبٍ بالقولِ، وقال ابنُ عطية: " وقيل: أُمِروا أن يقولوها مرفوعةً على هذا اللفظِ " يعني على الحكايةِ، فعلى هذا تكونُ هي وحدَها من غيرِ تقديرِ شيءٍ مَعَها في مَحلِّ نصبٍ بالقول، وإنما مَنَعَ النصبَ حركةُ الحكايةِ. وقال أيضاً: " وقال عكرمة: أُمِروا أن يقولوا لا إله إلا اللهُ، لتُحَطَّ بها ذنوبهُم " وحكى قَوْلَيْن آخرين بمعناه، ثم قال: " فعلى هذه الأقوالِ تقتضي النصبَ، يعني أنه إذا كان المعنى على أنَّ المأمورَ به لا يتعيَّنُ أن يكونَ بهذا اللفظِ الخاصِّ، بل بأيِّ شيء يقتضي حَطَّ الخطيئةِ فكان ينبغي أن ينتصبَ ما بعد القول مفعولاً به نحو: قُلْ لزيد خيراً، المعنى: قل له ما هو من جنس الخُيور

وقال النحاس: " الرفعُ أَوْلى لِما حُكي عن العرب في معنى بَدَّل، قال أحمد بن يحيى: " يقال: بَدَّلْتُهُ أي غَيَّرْتُهُ ولم أُزِلْ عينَه، وأَبْدَلْتُه أَزَلْتُ عينَه وشخصَه كقوله:
485ـ عَزْلَ الأميرِ للأميرِ المُبْدَلِ
وقال تعالى:
{ ظ±ئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـظ°ذَآ أَوْ بَدِّلْهُ }
[يونس: 15]، ولحديث ابن مسعود " قالوا حِنْطة " تفسيرٌ على الرفع يعني أنَّ الله تعالى قال: " فبدَّل " الذي يقتضي التغييرَ لا زوالَ العَيْنِ، وهذا المعنى يَقْتضي الرفعَ لا النصبَ.

وقرأ ابنُ أبي عبلة " حِطَّةً " بالنصب، وفيها وجهان: أحدُهما: أنها مصدرٌ نائبٌ عن الفعلِ، نحو: ضَرْباً زيداً، والثاني: أن تكونَ منصوبةً بالقولِ أي: قولوا هذا اللفظَ بعينِه، كما تقدَّم في وجهِ الرفعِ، فهي على الأوَّلِ منصوبةٌ بالفعلِ المقدِّرِ، وذلك الفعلُ المقدَّرُ ومنصوبُه في محلِّ نصبٍ بالقولِ، ورجَّحَ الزمخشري هذا الوجهَ.

والحِطَّةُ: اسمٌ للهيئةِ من الحَطِّ كالجِلْسَةِ والقِعْدَة، وقيل: هي لفظةٌ أُمِروا بها ولا ندري مَعْناها، وقيل: هي التوبةُ، وأنشد:
486ـ فاز بالحِطَّة التي جَعَلَ اللـ ـهُ بها ذنبَ عبدهِ مَغْفُورا
قوله: " نَغْفِرْ " هو مجزومٌ في جوابِ الأمر، وقد تقدَّم الخلافُ: هل الجازمُ نفسُ الجملةِ أو شرطٌ مقدَّرٌ؟ أي: إنْ يقولوا نَغْفِرْ. وقُرئ " نَغْفِرْ " بالنون وهو جارٍ على ما قبله من قولِه " وإذ قلنا " و " تُغْفَرْ " مبنياً للمفعول بالتاءِ والياء. و " خَطاياكم " مفعولٌ لم يُسَمَّ فاعِلُه، فالتاءُ لتأنيثِ الخَطايا، والياءُ لأن تأنيثَها غيرُ حقيقي، وللفصلِ أيضاً بـ " لكم ". وقُرئ " يَغْفِرْ " مبنياً للفاعل وهو الله تعالى، وهي في معنى القراءةِ الأولى، إلا أنَّ فيه التفاتاً. و " لكم " متعلق بـ " نَغْفِرْ ". وأدغم أبو عمرو الراءَ في اللام، والنحاةُ يَسْتَضْعِفُونها، قالوا: لأنَّ الراءَ حرفُ تكريرٍ فهي أقوى من اللامِ، والقاعدةُ أنَّ الأضعفَ يُدْغَمُ في الأقوى من غيرِ عَكْسٍ، وليسَ فيها ضَعْفٌ؛ لأنَّ انحرافَ اللامِ يقاوِمُ تكريرَ الراءِ. وقد طَوَّل أبو البقاء وغيرُه في بيانِ ضَعْفِها وقد تقدَّم جوابُه.

{ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ }

قال القرطبي

الرابعة: قوله تعالى: { رِجْزاً } قراءة الجماعة «رِجْزاً» بكسر الراء، وظ±بن مُحَيْصِن بضم الراء. والرجز: العذاب (بالزاي)، و (بالسين): النَّتْن والقَذَر؛ ومنه قوله تعالى:
{ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىظ° رِجْسِهِمْ }
[التوبة: 125] أي نَتْناً إلى نَتْنِهم؛ قاله الكِسائي. وقال الفرّاء: الرَّجْز هو الرِّجْس. قال أبو عبيد: كما يقال السُّدْغ والزُّدْغ، وكذا رِجْس ورِجْز بمعنًى. قال الفرّاء: وذكر بعضهم أن الرُّجز (بالضم): ظ±سم صنم كانوا يعبدونه؛ وقرىء بذلك في قوله تعالى:
{ وَظ±لرُّجْزَ فَظ±هْجُرْ }
[المدثر: 5]. والرَّجَز (بفتح الراي والجيم): نوع من الشِّعْر؛ وأنكر الخليل أن يكون شِعراً. وهو مشتق من الرَّجَز؛ وهو داء يصيب الإبل في أعجازها، فإذا ثارت ظ±رتعشت أفخاذها

اسامة محمد خيري
24-10-2018, 06:37
الجوهرة الحادية عشر

{ وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ ٱهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ }


قال ابن عطية

وقال عطاء وقتادة: " الفوم جميع الحبوب التي يمكن أن تختبز كالحنطة والفول والعدس ونحوه ".

وقال الضحاك: " الفوم الثوم " ، وهي قراءة عبد الله بن مسعود بالثاء،...

{ اهبطوا } ، وتقدم ذكر معنى الهبوط، وكأن القادم على قطر منصب عليه، فهو من نحو الهبوط، وجمهور الناس يقرؤون " مصراً " بالتنوين وهو خط المصحف، إلا ما حكي عن بعض مصاحف عثمان رضي الله عنه.

وقال مجاهد وغيره ممن صرفها: " أراد مصراً من الأمصار غير معين " ، واستدلوا بما اقتضاه القرآن من أمرهم بدخول القرية، وبما تظاهرت به الرواية أنهم سكنوا الشام بعد التيه.

وقالت طائفة ممن صرفها: أراد مصر فرعون بعينها، واستدلوا بما في القرآن من أن الله تعالى أورث بني إسرائيل ديار آل فرعون وآثارهم، وأجازوا صرفها.

وقال الأخفش: " لخفتها وشبهها بهند ودعد " وسيبويه لا يجيز هذا.

وقال غير الأخفش: " أراد المكان فصرف ".

وقرأ الحسن وأبان بن تغلب وغيرهما: " اهبطوا مصر " بترك الصرف، وكذلك هي في مصحف أبيّ بن كعب وقالوا: " هي مصر فرعون ".

قال الأعمش: " هي مصر التي عليها صالح بن علي ".

وقال أشهب: " قال لي مالك: هي عندي مصر قريتك مسكن فرعون "...

وقال السمين

قوله: " الأنبياءَ " مفعولٌ به جمع نبيّ، والقُرَّاء على تَرْك الهمز في النُّبُوَّة وما تَصَرَّف منها، ونافعٌ المدنيُّ على الهمزِ في الجميع إلا موضعين: في سورةِ الأحزابِ " للنبيِّ إن أراد " " [لا تَدْخُلوا] بيوتَ النبيِّ إلاَّ " فإنَّ قالون حَكَى عنه في الوصلِ كالجماعةِ وسيأتي. فأمّا مَن هَمَز فإنه جَعَله مشتقاً من النبأ وهو الخبر، فالنبيُّ فعيل بمعنى فاعل، أي: مُنَبِّئٌ عن الله برسالته، ويجوزُ أن يكونَ بمعنى مَفْعول أي: إنه مُنَبَّأ مِن الله بأوامِره ونواهِيه، واستدلُّوا على ذلك بجَمْعِهِ على نُبَآء، كظريف وظُرَفاء، قال العباس ابن مرداس:
509ـ يا خاتَم النُّبَآء إنَّك مُرْسَلٌ بالخيرِ، كلُّ هدى السبيلِ هُداكا
فظهورُ الهمزتين يَدُلُّ على كونِهِ من النبأ، واستضعف بعضُ النحويين هذه القراءةَ، قال أبو علي: " قال سيبويه: " بلغنَا أنّ قوماً من أهل التحقيق يحقِّقون نَبيَّاً وبَريَّة، قال: وهو رديء " ، وإنما استردَأَه لأن الغالبَ التخفيفُ " وقال أبو عبيد: " الجمهورُ الأعظمُ من القُرَّاء والعوام على إسقاط الهمز من النبيّ والأنبياء، وكذلك أكثرُ العرب مع حديث رويناه، فذكر أنَّ رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا نبيءَ الله " فهمز، فقال: " لست نبيءَ الله " فهمز، " ولكن نبيُّ اللهِ " ولم يهمز، فأنكر عليه الهمز، قال: " وقال لي أبو عبيدة: العربُ تُبْدِل الهمزَ في ثلاثةِ أحرف: النبي والبريَّة والخابية وأصلهنَّ الهمزُ " ، قال أبو عبيدة: " ومنها حرف رابع: الذُّرِّيَّة من ذرأ يذرأ، ويدل على أن الأصلَ الهمزُ قولُ سيبويه: إنهم كلَّهم يقول: تنبَّأ مسيلمة فيهمزون، وبهذا لا ينبغي أن تُرَدَّ به قراءة هذا الإِمامِ الكبير. أمَّا الحديثُ فقد ضَعَّفوه، قال ابنُ عطية: " مِمَّا يُقَوِّيَ ضعفَه أنه لمَّا أَنْشده العباس: " يا خاتم النُّبآء " لم يُنْكِرهْ، ولا فرقَ بين الجمع والواحد " ، ولكنَّ هذا الحديثَ قد ذكره الحاكم في المستدرك، وقال: هو صحيحٌ على شرطِ الشيخين، ولم يُخْرجاه. قلت: فإذا كان ذلك كذلك فَلْيُلْتَمَسْ للحديثِ تخريجٌ يكونُ جواباً عن قراءة نافع، على أن القطعيَّ لا يُعارَضُ بالظني، وإنما نذكرُه زيادةَ فائدةِ والجواب عن الحديث أن أبا زيد حكى: " نَبَأْتُ من أرضِ كذا إلى أَرض كذا " أي: خَرَجْتُ منها إليها، فقوله: " يا نبيءَ الله " بالهمز يُوهم يا طريدَ الله الذي أخرجه من بلدِه إلى غيره، فنهاهُ عن ذلك لإِيهامِهِ ما ذكرنا، لا لسبب يتعلَّق بالقراءةِ.

ونظيرُ ذلك نَهْيُه للمؤمنين عن قولهم: " راعِنا " ، لَمَّا وَجَدَتِ اليهودُ بذلك طريقاً إلى السبِّ به في لغتهم، أو يكونُ حَضَّاً منه عليه السلام على تحرِّي أفصحِ اللغاتِ في القرآنِ وغيرِه.

وأمَّا مَنْ لم يَهْمِزْ فإنَّه يَحْتمل وجهين، أحدُهما: أنَّه من المهموزِ ولكِنْ خُفِّفَ، وهذا أَوْلى ليوافِقَ القراءتين ولظهورِ الهمزِ في قولِهم: تَنَبَّأ مُسَيلَمَةُ، وقولِه: " يا خاتَم النُّبآء ". والثاني: أنه أصلٌ آخرُ بنفسِه مشتقٌ من نَبا ينبو إذا ظَهَرَ وارتفع، ولا شك أن رتبة النبيِّ مرتفعةٌ ومنزلتَه ظاهرةٌ بخلاف غيره من الخَلْق....

اسامة محمد خيري
24-10-2018, 06:43
الجوهرة الثانية عشر

{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }

قال القرطبي

قوله تعالى: { وَظ±لصَّابِئِينَ } جمع صابىء، وقيل: صابٍ؛ ولذلك ظ±ختلفوا في همزه، وهمزه الجمهور إلا نافعاً. فمن همزه جعله من صَبأتِ النّجوم إذا طلعت، وَصَبَأتْ ثَنِيّةُ الغلامِ إذا خرجت. ومن لم يهمز جعله من صبا يصبو إذا مال.

فالصابىء في اللغة: من خرج ومال من دين إلى دين؛ ولهذا كانت العرب تقول لمن أسلم قد صبأ. فالصابئون قد خرجوا من دين أهل الكتاب.

وقال ابن عطية

والصابىء في اللغة من خرج من دين إلى دين، ولهذا كانت العرب تقول لمن أسلم قد صبا، وقيل إنها سمتهم بذاك لما أنكروا الآلهة تشبيهاً بالصابئين في الموصل الذين لم يكن لهم بر إلا قولهم لا إله إلا الله، وطائفة همزته وجعلته من صبأت النجوم إذا طلعت، وصبأت ثنية الغلام إذا خرجت، قال أبو علي: يقال صبأت على القوم بمعنى طرأت، فالصابىء التارك لدينه الذي شرع له إلى دين غيره، كما أن الصابىء على القوم تارك لأرضه ومتنقل إلى سواها، وبالهمزة قرأ القراء غير نافع فإنه لم يهمزه، ومن لم يهمز جعله من صبا يصبو إذا مال، أو يجعله على قلب الهمزة ياء، وسيبويه لا يجيزه إلا في الشعر

{ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }

قال القرطبي

وقرأ ظ±بن كَثير { يَعْمَلُونَ } بالياء؛ والمخاطبة على هذا لمحمد عليه السلام.

أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ }

قال ابن عطية

وقرأ الجمهور " أولا يعلمون " بالياء من أسفل، وقرأ ابن محيصن " أولا تعلمون " بالتاء خطاباً للمؤمنين،

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلوةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ }

قال ابن عطية

وقوله تعالى: { وقولوا للناس حسناً } ، أمر عطف على ما تضمنه { لا تعبدون إلا الله } وما بعده من معنى الأمر والنهي، أو على أحسنوا المقدر في قوله { وبالوالدين } ، وقرأ حمزة والكسائي " حَسَناً " بفتح الحاء والسين، قال الأخفش: هما بمعنى واحد كالبخل والبخل، قال الزجاج وغيره: بل المعنى في القراءتين وقولوا قولاً حسناً بفتح السين أو قولاً ذا " حُسن " بضم الحاء، وقرأ قوم " حسنى " مثل فعلى، ورده سيبويه لأنه أفعل وفعلى لا تجيء إلا معرفة إلا أن يزال عنها معنى التفضيل وتبقى مصدراً كالعقبى، فذلك جائز، وهو وجه القراءة بها، وقرأ عيسى بن عمر وعطاء بن أبي رباح " حُسُناً " بضم الحاء والسين، وقال ابن عباس: معنى الكلام قولوا لهم لا إلا إلا الله ومروهم بها، وقال ابن جريج: قولوا لهم حسناً في الإعلام بما في كتابكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال سفيان الثوري: معناه مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر، وقال أبو العالية: معناه قولوا لهم الطيب من القول وحاوروهم بأحسن ما تحبون أن تحاوروا به، وهذا حض على مكارم الأخلاق، وحكى المهدوي عن قتادة أن قوله تعالى { وقولوا للناس حسناً }: منسوخ بآية السيف.

اسامة محمد خيري
24-10-2018, 07:17
الجوهرة الثالثة عشر

ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ غڑ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

قال الرازى

قرأ نافع وعاصم والكسائي: أسارى تفادوهم بالألف فيهما، وقرأ حمزة وحده بغير ألف فيهما والباقون: «أسارى» بالألف و «تفدوهم» بغير ألف و «الأسرى» جمع أسير كجريح وجرحى، وفي أسارى قولان: أحدهما: أنه جمع أسرى كسكرى وسكارى، والثاني: جمع أسير، وفرق أبو عمرو بين الأسرى والأسارى، وقال: الأسارى الذين في وثاق، والأسرى الذين في اليد، كأنه يذهب إلى أن أسارى أشد مبالغة، وأنكر ثعلب ذلك، وقال علي بن عيسى: الاختيار أسارى بالألف لأن عليه أكثر الأئمة ولأنه أدل على معنى الجمع إذ كان يقال بكثرة فيه، وهو قليل في الواحد نحو شكاعى ولأنها لغة أهل الحجاز....

وقال السمين

قوله: { تُفَادُوهُمْ } قرأ نافع وعاصم والكسائي: " تُفادُوهم " ، وهو جوابُ الشرطِ فلذلك حُذِفَت نونُ الرفعِ، وهل القراءتان بمعنىً واحدٍ، ويكونُ معنى فاعَلَ مثلَ معنى فَعَل المجرد نحو: عاقَبْت وسافَرْت، أو بينهما فرقٌ؟ خلافٌ مشهورٌ، ثم اختلف الناسُ في ذلك الفرقِ ما هو؟ فقيل: مَعْنَى فَداه أَعْطى فيه فِداءٍ من مالٍ وفاداه أعطى فيه أسيراً مثلَه وأنشد:
592ـ ولكنِّني فادَيْت أمِّي بعدما عَلا الرأسَ كَبْرَةٌ ومَشِيبُ
بِعَبْدَيْن مَرْضِيَّيْنِ لم يَكُ فيهما لَئِنْ عُرِضا للناظِرين مَعِيبُ
وهذا القول يَرُدُّه قولُ العباس رضي الله عنه: " فادَيْت نفسي وفادَيْتَ عَقيلا " ومعلومٌ أنه لم يُعْطِ أسيرَه في مقابلة نفسِه ولا وَلَدِه، وقيل: " تَفْدُوهم بالصلح وتُفادُوهم بالعِتْقِ ". وقيل: " تَفْدُوهم تُعْطوا " فِدْيَتَهم، وتُفادوهم تَطْلبون من أعدائِكم فِدْيةَ الأسيرِ الذي في أيديكم، ومنه قول الشاعر:
593ـ قفي فادِي أسيرَكِ إنَّ قومي وقومَك لا أرى لهمُ اجتماعا
والظاهرُ أن " تُفادهم " على أصله من اثنين، وذلك أن الأسيرَ يعطي المالَ والآسِرَ يعطي الإِطلاقَ، وتَفْدُوهم على بابِه من غيرِ مشاركةٍ، وذلك أنَّ أَحدَ الفريقين يَفْدي صاحبه من الآخر بمالٍ أو غيره، فالفعلُ على الحقيقة من واحدٍ، والفداءُ ما يُفْتَدَى به، وإذا كُسِر أولُه جازَ فيه وجهان: المَدُّ والقَصْرُ فمِن المدِّ قولُ النابغة:
594ـ مَهْلاً فِداءً لكَ الأقوامُ كلُّهمُ وما أُثَمِّرُ مِنْ مالٍ ومِنْ وَلَدِ
ومن القَصْرِ قولُه:
595ـ................................. فِدَىً لَكَ مِنْ رَبٍّ طَريفي وتالدي
/ وإذا فُتِحَ فالقصرُ فقط، ومن العربِ مَنْ يكسِرُ " فِدى " مع لام الجر خاصةً، نحو: فِدَىً لكَ أبي وأمي يريدون الدعاءَ له بذلك، وفَدى وفَادىظ° يتعدَّيان لاثنينِ أحدُهما بنفسِه والآخرُ بحرفِ جر تقول: فَدَيْتُ أو فادَيْتُ الأسير بمال، وهو محذوفٌ في الآية الكريمة. قال ابن عطية: " وحَسُنَ لفظ الإِتيانِ من حيثُ هو في مقابلةِ الإِخراج فيظهرُ التضادُّ المُقْبِحُ لفِعْلِهم في الإِخراج " يعني أنه لا يناسِبُ مَنْ أَسَأْتُمْ إليه بالإِخراجِ مِنْ دارِه أَنْ تُحْسِنُوا إليه بالفِداء.

وقال القرطبي

الثالثة: قوله تعالى: { تُفَادُوهُمْ } كذا قرأ نافع وحمزة والكسائي. والباقون «تَفْدُوهم» من الفداء. والفداء: طلب الفِدية في الأسير الذي في أيديهم. قال الجوهري: «الفداء إذا كُسِر أوله يُمدّ ويقصر، وإذا فُتح فهو مقصور؛ يقال: قُمْ ـ فدًى لك أبي. ومن العرب من يكسر «فِداءً» بالتنوين إذا جاور لام الجر خاصة؛ فيقول: فِداءٍ لك، لأنه نكرة يريدون به معنى الدعاء. وأنشد الأصمعي للنابغة:
مَهْلاً فِداءٍ لك الأقوامُ كلُّهمُ وما أُثمِّرُ من مالٍ ومن وَلَدِ
ويقال: فَداه وفاداه إذا أعطى فِداءه فأنقذه. وفَداه بنفسه، وفدّاه يُفَدّيه إذا قال جعلت فَداك. وتَفَادَوْا؛ أي فَدَى بعضهم بعضاً». والفِدية والفَدَى والفِداء كله بمعنىً واحد. وفاديت نفسي إذا أطلقتها بعد أن دفعت شيئاً، بمعنى فديت؛ ومنه قول العباس للنبيّ صلى الله عليه وسلم: فاديتُ نفسي وفاديتُ عَقِيلاً. وهما فعلان يتعدّيان إلى مفعولين الثاني منهما بحرف الجر؛ تقول: فديت نفسي بمالي وفاديته بمالي؛ قال الشاعر:
قِفِي فادِي أسيرَكَ إن قومي وقومَك ما أرى لهمُ ظ±جتماعَا

اسامة محمد خيري
24-10-2018, 07:34
الجوهرة الرابعة عشر

{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمْ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ }


قال السمين

قوله: { وَأَيَّدْنَاهُ } معطوفٌ على قوله: { وَآتَيْنَا عِيسَى }. وقرأ الجمهور/ أيَّدْناه على فَعَّلْناه، وقرأ مجاهد وابن محيصن ـ ويروي عن أبي عمرو ـ " آيَدْنَاه " على: أَفْعَلْناه،...

والصحيحُ أن فَعَّل وأَفْعَل هنا بمعنى واحد وهو قَوَّيْناه. وقد فَرَّق بعضُهم بينهما فقال: " أمَّا المدُّ فمعناه القوةُ، وأمَّا القصرُ فمعناه التأييدُ والنَّصْرُ " ، وهذا في الحقيقةِ ليس بفرقٍ، وقد أبدلتِ العربُ في آيَدَ على أَفْعَل الياءَ جيماً فقالت: آجَدَهُ أي قوَّاه، قال الزمخشري: " يقال: " الحمدُ لله الذي آجَدَني بعد ضَعْفٍ وأَوْجَدني بعد فَقْر " ، وهذا كما أَبْدلوا من يائِه جيماً فقالوا: لا أَفْعَل ذلك جَدَ الدهرِ أي: يدَ الدهر، وهو إبدالٌ لا يَطَّرِدُ....

الجوهرة الخامسة عشر

وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ }

قال ابن عطية

وقرأ جمهور القراء " غلْف " بإسكان اللام على أنه جمع أغلف مثل " حمْر " و " صفْر " ، والمعنى قلوبنا عليها غَلَف وغشاوات فهي لا تفقه، قاله ابن عباس، وقال قتادة: " المعنى عليها طابع " ، وقالت طائفة: غلْف بسكون اللام جمع غلاف، أصله غلّف بتثقيل اللام فخفف.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا قلما يستعمل إلا في الشعر. وقرأ الأعمش والأعرج وابن محيصن " غلّف " بتثقيل اللام جمع غلاف، ورويت عن أبي عمرو، فالمعنى هي أوعية للعلم والمعارف بزعمهم، فهي لا تحتاج إلى علم محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: المعنى فكيف يعزب عنها علم محمد صلى الله عليه وسلم؟، فرد الله تعالى عليهم بقوله: { بل لعنهم الله بكفرهم }

اسامة محمد خيري
24-10-2018, 08:00
الجوهرة السادسة عشر

قال ابن عطية

وقوله تعالى: { وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت }: { ما } عطف على { السحر } فهي مفعولة، وهذا على القول بأن الله تعالى أنزل السحر على الملكين فتنة للناس ليكفر من اتبعه ويؤمن من تركه،أو على قول مجاهد وغيره: إن الله تعالى أنزل على الملكين الشيء الذي يفرق به بين المرء وزوجه دون السحر، أو على القول إنه تعالى أنزل السحر عليهما ليعلم على جهة التحذير منه والنهي عنه.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والتعليم على هذا القول إنما هو تعريف يسير بمبادئه، وقيل إن { ما } عطف على { ما } في قوله: { ما تتلو } ، وقيل: { ما } نافية، رد على قوله: { وما كفر سليمان } ، وذلك أن اليهود قالوا: إن الله أنزل جبريل وميكائل بالسحر فنفى الله ذلك، وقرأ ابن عباس والحسن والضحاك وابن أبزى " الملِكين " بكسر اللام، وقال ابن أبزى: هما داود وسليمان، وعلى هذا القول أيضاً فـ { ما } نافية، وقال الحسن: هما علجان كانا ببابل ملكين، { فما } على هذا القول غير نافية، وقرأها كذلك أبو الأسود الدؤلي، وقال: هما { هاروت وماروت } ، فهذا كقول الحسن....

الجوهرة السابعة عشر

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انْظُرْنَا وَاسْمَعُواْ وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ }

قال السمين

قوله تعالى: { لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا }: الجمهورُ على " راعِنا " أمرٌ من المُراعاة، وهي النظرُ في مصالحِ الإِنسانِ وتَدَبُّرِ أمورِه، و " راعِنا " يقتضي المشاركةَ لأنَّ معناه: ليكن منك رعايةٌ لنا وليكن منا رعايةٌ لك، فَنُهوا عن ذلك لأنَّ فيه مساواتِهم به عليه السلام.

وقرأ الحسنُ وأبو حَيْوَة: " راعِناً " بالتنوين، ووجهُه أنه صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: قولاً راعناً، وهو على طَريقِ النَسَب كلابن وتامر، والمعنى: لا تقولوا قولاً ذا رُعونة. والرُّعونة: الجَهْل والحُمْق والهَوَج، وأصلُ الرُّعونة: التفرُّقُ، ومنه: " جَيْشٌ أَرْعَنُ " أي: متفرِّقٌ في كل ناحية، ورجلٌ أَرْعَنُ: أي ليس له عَقْلٌ مجتمعٌ، وامرأةٌ رَعْنَاءٌ، وقيل للبَصْرةِ: الرَّعْناء، قال:
766 ـ لولا ابنُ عُتْبَةَ عمروٌ والرجاءُ له ما كانَتِ البصرةُ الرَّعْناءُ لي وَطَنا
قيل: سُمِّيت بذلك لأنها أَشْبَهت " رَعْنَ الجبلِ " وهو الناتِيءُ منه، وقال ابن فارس: " يقال: رَعَن الرجلُ يَرْعَنُ رَعَناً ". وقرأ أُبَيّ: راعُونا، وفي مصحف عبد الله كذلك، خاطَبوه بلفظِ الجمعِ تعظيماً، وفي مصحفِ عبدِ الله أيضاً، " ارْعَوْنا " لِما تقدَّم. والجملةُ في محل نصبٍ بالقول، وقَدَّم النهيَ على الأمرِ لأنه من باب التروك فهو أَسْهَلُ.

قوله: " انظُرْنا " الجملةُ أيضاً في محلِّ نَصْبٍ بالقولِ، والجمهورُ على " انظُرْنا " بوصلِ الهمزةِ وضَمِّ الظاء أمراً من الثلاثي، وهو نظرٌ من النَّظِرَة وهي التأخير، أي: أَخِّرْنا وتأنَّ علينا، قال امرؤ القيس:
668 ـ فإنَّكما إنْ تَنْظُرانيَ ساعةً من الدَّهْرِ يَنْفَعْني لدى أمِّ جُنْدَبِ
وقيل: هو من نَظَر أي: أبْصَرَ، ثم اتُّسِعَ فيه فَعُدِّيَ بنفسِه لأنه في الأصلِ يَتَعدَّى بـ " إلى " ، ومنه:
669 ـ ظاهراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنْظُرْ نَ كما يَنْظُرُ الأَراكَ الظباءُ
أي: إلى الأراك، وقيل: مِنْ نَظَر أي: تفكر ثم اتُّسِعَ فيه أيضاً فإنَّ أصلَه أَنْ يتعدَّى بفي، ولا بدَّ من حَذْفِ مضافٍ على هذا أي: انظُرْ في أمرنا

وقرأ أُبيّ والأعمش: " أَنْظِرْنَا " بفتحِ الهمزةِ وكسرِ الظاءِ أمراً من الرباعي بمعنى: أَمْهِلْنا وأخِّرْنا، قال الشاعر:
670 ـ أبا هندٍ فلا تَعْجَلْ عَلَيْنا وأَنْظِرْنا نُخْبِّرْكَ اليَقينا
أي: أَمْهِلْ علينا، وهذا القراءةُ تؤيِّد أنَّ الأولَ من النَّظْرةِ بمعنى التأخير لا من البصرِ ولا من البصيرةِ، وهذه الآيةُ نَظيرُ التي في الحديد::انظُرونا نقتبسْ " فإنها قُرِئَتْ بالوَجْهَيْنِ.

وقال الطبري

وقد حكي عن الـحسن البصري أنه كان يقرؤه «لا تَقُولُوا رَاعِنا» بـالتنوين، بـمعنى لا تقولوا قولاً راعنا، من الرعونة وهي الـحمق والـجهل.

وهذه قراءة الـمسلـمين مخالفة، فغير جائز لأحد القراءة بها لشذوذها وخروجها من قراءة الـمتقدمين والـمتأخرين وخلافها ما جاءت به الـحجة من الـمسلـمين. ومن نوّن «راعنا» نوّنه بقوله { لا تَقُولُوا } لأنه حينئذٍ عامل فـيه. ومن لـم ينوّنه فإنه ترك تنوينه لأنه أمر مـحكيٌّ لأن القوم كأنهم كانوا يقولون للنبـيّ صلى الله عليه وسلم { راعِنا } بـمعنى مسألته إما أن يرعيهم سمعه، وإما أن يرعاهم ويرقبهم علـى ما قد بـينت فـيـما قد مضى فقـيـل لهم لا تقولوا فـي مسألتكم إياه راعنا. فتكون الدلالة علـى معنى الأمر فـي «راعنا» حينئذٍ سقوط الـياء التـي كانت تكون فـي «يراعيه». ويدلّ علـيها أعنـي علـى الـياء الساقطة كسرة العين من «راعنا». وقد ذكر أن قراءة ابن مسعود «لا تقولوا راعونا» بـمعنى حكاية أمر صالـحة لـجماعة بـمراعاتهم. فإن كان ذلك من قراءته صحيحا وُجِّه أن يكون القوم كأنهم نهوا عن استعمال ذلك بـينهم فـي خطاب بعضهم بعضا كان خطابهم للنبـيّ صلى الله عليه وسلم أو لغيره، ولا نعلـم ذلك صحيحاً من الوجه الذي تصحّ منه الأخبـار...

القول فـي تأويـل قوله تعالـى { وَقُولُوا انْظُرْنا }. يعنـي بقوله جل ثناؤه { وَقُولُوا انْظُرْنَا } وقولوا أيها الـمؤمنون لنبـيكم صلى الله عليه وسلم انظرنا وارقبنا نفهم ونتبـين ما تقول لنا وتعلـمنا. كما حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال ثنا أبو عاصم، قال ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد { وَقُولُوا انْظُرْنَا } فهِّمْنا بـيِّنْ لنا يا مـحمد. حدثنـي الـمثنى، قال ثنا أبو حذيفة، قال ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد { وَقُولُوا انْظُرْنَا } فَهِّمنا بـيِّن لنا يا مـحمد. حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله. يقال منه نظرت الرجل أنظره نظرة بـمعنى انتظرته ورقبته. ومنه قول الـحطيئة
وَقَدْ نَظَرْتُكُمْ أعْشاءَ صَادِرَةٍ للـخمْسِ طالَ بِها حَوْزي وتَنْسَاسي
ومنه قول الله عز وجل
{ يَوْمَ يَقُولُ ظ±لْمُنَافِقُونَ وَظ±لْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ظ±نظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ }
الحديد 13 يعنـي به انتظرونا. وقد قرىء «أنْظِرنا» بقطع الألف فـي الـموضعين جميعا، فمن قرأ ذلك كذلك أراد أَخِّرنا، كما قال الله جل ثناؤه
{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىظ° يَوْمِ يُبْعَثُونَ }
الحجر 36 أي أخّرنـي. ولا وجه لقراءة ذلك كذلك فـي هذا الـموضع لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنـما أُمروا بـالدنوّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم والاستـماع منه وإلطاف الـخطاب له وخفض الـجناح، لا بـالتأخر عنه ولا بـمسألته تأخيرهم عنه. فـالصواب إن كان ذلك كذلك من القراءة قراءة من وصل الألف من قوله { انْظُرْنا } ولـم يقطعها بـمعنى انتظرنا. وقد قـيـل إن معنى «أَنْظِرنا» بقطع الألف بـمعنى «أمهلنا»، حكي عن بعض العرب سماعا أنظرنـي أكلـمك وذكر سامع ذلك من بعضهم أنه استثبته فـي معناه، فأخبره أنه أراد أمهلنـي.

فإن يكن ذلك صحيحا عنهم ف«انْظُرْ» و«أنْظِرْنا» بقطع الألف ووصلها متقاربـا بالمعنى. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن القراءة التـي أستـجيز غيرها قراءة من قرأ { وَقُولُوا انْظُرْنا } بوصل الألف بـمعنى انتظرنا، لإجماع الـحجة علـى تصويبها ورفضهم غيرها من القراءات

اسامة محمد خيري
24-10-2018, 10:58
الجوهرة السابعة عشر

{ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

قال السمين

وقرأ ابنُ عامر: " نُنْسِخْ " بضمِّ النونِ وكسر السينِ من أَنْسَخَ، قال أبو حاتم: " هو غلطٌ " وهذه جرأةٌ منه على عادَتِه، وقال أبو عليّ: ليسَتْ لغةٌ لأنه لا يُقال: نَسَخَ وأَنْسخ بمعنىً، ولا هي للتعديةِ لأنَّ المعنى يجيءُ الأمرُ كذلكَ، فلم يبقَ إلا أَنْ يكونَ المعنى: ما نَجِدْه منسوخاً كما يُقال: أَحْمَدْتُه وأَبْخلْتُه، أي: وَجَدْتُه كذلك ثم قال: " وليس نَجِدُه منسوخاً إلا بأَنْ يَنْسَخَه، فتنفقُ القراءتان في المعنى وإن اختلفا في اللفظ " ، فالهمزةُ عنده ليس للتعديةِ. وجَعَلَ الزمخشري وابنُ عطية الهمزةَ للتعديةِ، إلا أنهما اختلفا في تقدير المفعولِ الأولِ المحذوفِ وفي معنى الإِنساخ، فَجَعَل الزمخشري المفعولَ المحذوفَ جبريلَ عليه السلام، والإِنساخَ هو الأمرَ بنَسْخِها، أي: الإِعلامُ به، وجَعَلَ ابنُ عطية المفعولَ ضميرَ النبي عليهِ السلام، والإِنساخَ إباحةَ النَّسْخ لنبيِّه، كأنه لَمَّا نَسَخَها أباحَ لَه تَرْكَها، فَسَمَّى تلك الإِباحة إنساخاً.

وخرَّج ابنُ عطية القراءةَ على كَوْنِ الهمزةِ للتعديةِ مِنْ وجهٍ آخرَ، وهو مِنْ نَسْخ الكتابِ، وهو نَقْلُه من غير إزالةٍ له، قال: " ويكونُ المعنى: ما نَكْتُبْ ونُنَزِّلْ من اللوح المحفوظ أو ما نؤخِّرْ فيه ونَتْرُكْهُ فلا نُنُزِّلْه، أيَّ ذلك فَعَلْنا فإنما نأتي بخيرٍ من المؤخَّر المتروك أو بمثله، فيجيء الضميران في " منها " و " بمثلها " عائِدَيْنِ على الضمير في " نَنْسَأْها " قال الشيخ: " وذَهَلَ عن القاعدة وهي أنه لا بُدَّ من ضميرٍ يعودُ من الجزاء على اسم الشرطِ، و " ما " في قوله: " ما نَنْسَخْ " شرطيةٌ، وقولُه " أو نَنْسَأْها " عائدٌ على الآية، وإن كان المعنى ليس عائداً عليها من حيث اللفظُ والمعنى، بل إنما يعودُ عليها من حيث اللفظُ فقط نحو: عندي درهمٌ ونصفُه، فهو في الحقيقة على إضمار " ما " الشرطيةِ، التقدير: أو ما نَنْسَأْ من آيةٍ ضرورةَ أنَّ المنسوخِ غيرُ المَنْسُوء، ولكن يبقى قولُه: مَا نَنْسَخْ من آيةٍ مُفْلَتاً من الجوابِ، إذ لا رابطَ يعودُ منه إليه فَبَطَلَ هذا المعنى الذي قاله ".....

قولِه: { أَوْ نُنسِهَا } " أو " هنا للتقسيم، و " نُنْسِها " مجزومٌ عطفاً على فعل الشرطِ قبلَه. وفيها ثلاثَ عشرة قراءةً: " نَنْسَأها " بفتحِ حرفِ المضارعةَ وسكونِ النون وفتحِ السين مع الهمز، وبها قرأ أبو عمرو وابن كثير. الثانية: كذلك إلا أنه بغير همزٍ، ذكرها أبو عبيد البكري عن سعدِ بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال ابن عطية: " وأراه وَهِمَ ". الثالثة: " تَنْسَها " بفتح التاء التي للخطاب، بعدَها نونٌ ساكنةٌ وسينٌ مفتوحةٌ من غيرِ همزٍ، وهي قراءةُ الحسن، وتُرْوى عن ابن أبي وقاص، فقيل لسعدِ بنِ أبي وقاص: " إن سعيدَ بن المسيَّبَ يَقْرؤها بنونٍ أولى مضمومةٍ وسينٍ مكسورةٍ فقال: إن القرآن لم يَنْزِلْ على المسيَّب ولا على ابن المسيَّبِ " وتلا:
{ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ }
[الأعلى: 6]
{ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ }
[الكهف: 24] يعني سعدٌ بذلك أن نسبةَ النسيانِ إليه عليه السلامُ موجودةٌ في كتابِ الله فهذا مثلُه.

الرابعةُ: كذلك إلا أنه بالهمز: الخامسةُ: كذلك إلا أنَّه بضمِّ التاء وهي قراءةُ أبي حَيْوَة: السادسةُ: كذلك إلا أنَّه بغيرِ همزٍ وهي قراءةُ سعيدِ بن المسيَّبِ. السابعة: " نُنْسِها " بضمِّ حرفِ المضارعةِ وسكونِ النونِ وكَسْرِ السينِ من غيرِ همزٍ وهي قراءةُ باقي السبعةِ. الثامنةُ: كذلك إلا أنه بالهمز. التاسعةُ: نُنَسِّها بضمِّ حرفِ المضارعةِ وفتحِ النونِ وكسر السينِ مُشَدَّدَةً وهي قراءةُ الضحاك وأبي رجاء. العاشرةُ: " نُنْسِكَ. بضمِّ حرفِ المضارعةِ وسكونِ النونِ وكسرِ السينِ وكافٍ بعدها للخطاب. الحاديةَ عشرة: كذلك إلا أنه بفتح النون الثانيةِ وتشديد السين مكسورةً، وتروى عن الضحاك وأبي رجاء أيضاً. الثانيةَ عشرةَ: كذلك إلا أنه بزيادةِ ضمير الآية بعد الكاف: " نُنَسِّكَها " وهي قراءة حذيفة، وكذلك هي في مصحفِ سالم مولاه. الثالثةَ عشرةَ: " ما نُنْسِكَ من آيةٍ أو نَنْسَخْها نَجِىءْ بمثلِها " وهي قراءةُ الأعمش، وهكذا ثَبَتَتْ في مصحفِ عبد الله.

فأمَّا قراءةُ الهَمْز على اختلافِ وجوهِها فمعناها التأخيرُ من قولِهم: نَسَأَ الله وأَنْسَأَ اللهُ في أَجَلِكَ أي: أَخَّرَه، وبِعْتُه نسيئةً أي متأخراً، وتقولُ العرب: نَسَأْتُ الإِبلَ عن الحوضِ أَنْسَؤُها نَسْئَاً، وأنْسَأَ الإِبلَ: إذا أَخَّرَها عَنْ ورودِها يومَيْنِ فأكثرَ، فمعنى الآيةِ على هذا فيه ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: نؤخِّرُ نَسْخَها ونزولَها وهو قولُ عطاء. الثاني: نَمْحُها لفظاً وحكماً وهو قول ابن زيد. الثالث: نُمْضِها فلا نَنْسَخْها وهو قولُ أبي عبيد، وهو ضعيفٌ لقوله: نَأْتِ بخيرٍ منها، لأنَّ ما أُمْضِي وأُقِرَّ لا يُقال فيه: نَأْتِ بخير منه.

وأمَّا قراءةُ غيرِ الهَمْزِ على اختلافِ وجوهِها أيضاً ففيها احتمالان: أظهرُهما: أنها من النسيانِ، وحينئذٍ يُحْتَمَلُ أن يكونَ المرادُ به في بعض القراءاتِ ضدَّ الذِّكْرِ، وفي بعضِها التركَ. والثاني: أنَّ أصلَه الهمزُ من النَّسْء وهو التأخيرُ، إلا أنَّه أُبْدِلَ من الهمزةِ ألفٌ فحينئذٍ تتَّحِد القراءتان. ثم مَنْ قرأ مِنَ القُرَّاء: " نَنْسَاها " من الثلاثي فواضحٌ. وأمَّا مَنْ قرأ منهم مِنْ أَفْعَل، وهم نافع وابن عامر والكوفيون فمعناه عندهم: نُنْسِكَها، أي: نجعلُك ناسياً لها، أو يكونُ المعنى: نَأْمُرُ بتركها، يقال: أَنْسَيْتُهُ الشيءَ أي أَمَرْتُه بتركِه، ونَسِيْتُه تَرَكْتُه، وأنشدوا:
672 ـ إنَّ عليَّ عُقْبَةً أَقْضِيها لستُ بِناسِيها ولا مُنْسِيها
أي: لا تاركها ولا آمراً بتركها، وقد تكلَّم الزجاج في هذه القراءةِ فقال: " هذه القراءةُ لا يَتَوَجَّهُ فيها معنى الترك، لا يُقال: أَنْسَى بمعنى ترك قال الفارسي وغيرُه: " ذلك مُتَّجِهٌ لأنه بمعنى نَجْعَلُكَ تَتْرُكها " وقد ضَعَّفَ الزجاج أيضاً أَنْ تُحْمَلَ الآيةُ على معنى النسيانِ ضدَّ الذكرِ، وقال: " إنَّ هذا لم يكُنْ له عليه السلام ولا نَسي قرآناً " ، واحتجَّ بقوله تعالى:
{ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ }

[الإسراء: 86] أي لم نَفْعَل شيئاً من ذلك. وأجابَ الفارسي عنه بأنَّ معناه لم نُذْهِبْ بالجميع. وهذا نهايةُ ما وَقَعْتُ عليه من كلام الناس

وقال الطبري

وأولـى القراءات فـي قوله { أوْ نُنْسِها } بـالصواب من قرأ { أو نُنْسِها } ، بـمعنى نتركها لأن الله جل ثناؤه أخبر نبـيه صلى الله عليه وسلم أنه مهما بدّل حكما أو غيره أو لـم يبدّله ولـم يغيره، فهو آتـيه بخير منه أو بـمثله. فـالذي هو أولـى بـالآية إذ كان ذلك معناها، أن يكون إذ قدّم الـخبر عما هو صانع إذا هو غير وبدّل حكم آية أن يعقب ذلك بـالـخبر عما هو صانع، إذا هو لـم يبدّل ذلك ولـم يغير. فـالـخبر الذي يجب أن يكون عقـيب قوله { ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ } قوله أو نترك نسخها، إذ كان ذلك الـمعروف الـجاري فـي كلام الناس. مع أن ذلك إذا قرىء كذلك بـالـمعنى الذي وصفت، فهو يشتـمل علـى معنى الإنساء الذي هو بـمعنى الترك، ومعنى النَّساء الذي هو بـمعنى التأخير، إذْ كان كل متروك فمؤخر علـى حال مّا هو متروك. وقد أنكر قوم قراءة من قرأ «أوْ تُنْسَها» إذا عنـي به النسيان، وقالوا غير جائز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم نسي من القرآن شيئا مـما لـم ينسخ إلا أن يكون نسي منه شيئا ثم ذكره. قالوا وبعد، فإنه لو نسي منه شيئاً لـم يكن الذين قرءوه وحفظوه من أصحابه بجائز علـى جميعهم أن ينسوه. قالوا وفـي قول الله جل ثناؤه
{ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ }
الإسراء 86 ما ينبىء عن أن الله تعالـى ذكره لـم يُنْسِ نبـيه شيئاً مـما آتاه من العلـم. قال أبو جعفر وهذا قول يشهد علـى بطوله وفساده الأخبـار الـمتظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بنـحو الذي قلنا. حدثنا بشر بن معاذ، قال حدثنا يزيد بن زريع، قال حدثنا سعيد، عن قتادة، قال حدثنا أنس بن مالك إن أولئك السبعين من الأنصار الذين قتلوا ببئر معونة قرأنا بهم وفـيهم كتابـاً «بلغوا عنا قومنا أنا لقـينا ربنا فرضي عنا وأرضانا». ثم إن ذلك رفع. فـالذي ذكرنا عن أبـي موسى الأشعري أنهم كانوا يقرءون «لو أن لابن آدم واديـين من مال لابتغى لهما ثالثاً، ولا يـملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله علـى من تاب» ثم رُفع وما أشبه ذلك من الأخبـار التـي يطول بإحصائها الكتاب.

وغير مستـحيـل فـي فطرة ذي عقل صحيح ولا بحجة خبر أن ينسي الله نبـيه صلى الله عليه وسلم بعض ما قد كان أنزله إلـيه. فإذا كان ذلك غير مستـحيـل من أحد هذين الوجهين، فغير جائز لقائل أن يقول ذلك غير جائز. وأما قوله
{ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ }
الإسراء 86 فإنه جلّ ثناؤه لـم يخبر أنه لا يذهب بشيء منه، وإنـما أخبر أنه لو شاء لذهب بجميعه، فلـم يذهب به والـحمد لله بل إنـما ذهب بـما لا حاجة بهم إلـيه منه، وذلك أن ما نسخ منه فلا حاجة بـالعبـاد إلـيه، وقد قال الله تعالـى ذكره
{ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ * إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ }
الأعلى 6-7 فأخبر أنه ينسي نبـيه منه ما شاء، فـالذي ذهب منه الذي استثناه الله. فأما نـحن فإنـما اخترنا ما اخترنا من التأويـل طلب اتساق الكلام علـى نظام فـي الـمعنى، لا إنكار أن يكون الله تعالـى ذكره قد كان ٱتى نبـيه بعض ما نسخ من وحيه إلـيه وتنزيـله.....

اسامة محمد خيري
24-10-2018, 11:21
الجوهرة الثامنة عشر

{ وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَـانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي للسَّمَـوَات و الأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ } * { بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }

قال ابن عطية

قرأ هذه الآية عامة القراء " وقالوا " بواو تربط الجملة بالجملة، أو تعطف على
{ سعى }
[البقرة: 114]، وقرأ ابن عامر وغيره " قالوا " بغير واو، وقال أبو علي: وكذلك هي في مصاحف أهل الشام، وحذف منه الواو يتجه من وجهين، أحدهما أن هذه الجملة مرتبطة في المعنى بالتي قبلها فذلك يغني عن الواو، والآخر أن تستأنف هذه الجملة ولا يراعى ارتباطها بما تقدم، واختلف على من يعود الضمير في { قالوا } ، فقيل: على النصارى، لأنهم قالوا المسيح ابن الله.

قال القاضي أبو محمد: وذكرهم أشبه بسياق الآية، وقيل: على اليهود، ...

قضى } ، معناه قدر، وقد يجيء بمعنى أمضى، ويتجه في هذه الآية المعنيان، فعلى مذهب أهل السنة قدر في الأزل وأمضى فيه، وعلى مذهب المعتزلة أمضى عند الخلق والإيجاد.

والأمر واحد الأمور، وليس هنا بمصدر أمر يأمر، ويكون رفع على الاستئناف، قال سيبويه: " معناه فهو يكون " ، قال غيره: " يكون " عطف على " يقول " ، واختاره الطبري وقرره، وهو خطأ من جهة المعنى، لأنه يقتضي أن القول مع التكوين والوجود، وتكلم أبو علي الفارسي في هذه المسألة بما هو فاسد من جملة الاعتزال لا من جهة العربية.

وقرأ ابن عامر " فيكونَ " بالنصب، وضعفه أبو علي، ووجهه مع ضعفه على أن يشفع له شبه اللفظ، وقال أحمد بن موسى في قراءة ابن عامر: " هذا لحن ".

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: لأن الفاء لا تعمل في جواب الأمر إلا إذا كانا فعلين يطرد فيهما معنى الشرط، تقول أكرم زيداً فيكرمك، والمعنى إن تكرم زيداً يكرمك، وفي هذه الآية لا يتجه هذا، لأنه يجيء تقديره: إن تكن يكن، ولا معنى لهذا، والذي يطرد فيه معنى الشرط هو أن يختلف الفاعلان أو الفعلان فالأول أكرم زيداً فيكرمك والثاني أكرم زيداً فتسود.

وتلخيص المعتقد في هذه الآية، أن الله عز وجل لم يزل آمراً للمعدومات بشرط وجودها، قادراً مع تأخر المقدورات، عالماً مع تأخر وقوع المعلومات، فكل ما في الآية مما يقتضي الاستقبال، فهو بحسب المأمورات، إذ المحدثات تجيء بعد أن لم تكن، وكل ما يستند إلى الله تعالى من قدرة وعلم وأمر فهو قديم لم يزل، ومن جعل من المفسرين { قضى } بمعنى أمضى عند الخلق والإيجاد، فكأن إظهار المخترعات في أوقاتها المؤجلة قول لها { كن } ، إذ التأمل يقتضي ذلك، على نحو قول الشاعر [أبو النجم العجلي]: [الرجز]

وقالتِ الأقرابُ للبطن الحق
قال القاضي أبو محمد: وهذا كله يجري مع قول المعتزلة، والمعنى الذي تقتضيه عبارة { كن } هو قديم قائم بالذات، والوضوح التام في هذه المسألة يحتاج أكثر من هذا البسط....

وقال الطبري

وأولـى الأقوال بـالصواب فـي قوله { وَإِذَا قَضَى أمْراً فـانَّـمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ } أن يقال هو عامّ فـي كل ما قضاه الله وبرأه، لأن ظاهر ذلك ظاهر عموم، وغير جائز إحالة الظاهر إلـى البـاطن من التأويـل بغير برهان لـما قد بـينا فـي كتابنا «كتاب البـيان عن أصول الأحكام». وإذْ كان ذلك كذلك، فأمر الله جل وعز لشيء إذا أراد تكوينه موجودا بقوله { كُنْ } فـي حال إرادته إياه مكوّناً، لا يتقدّم وجودَ الذي أراد إيجاده وتكوينه إرادته إياه، ولا أمره بـالكون والوجود، ولا يتأخر عنه. فغير جائز أن يكون الشيء مأموراً بـالوجود مراداً كذلك إلا وهو موجود، ولا أن يكون موجوداً إلا وهو مأمور بـالوجود مراد كذلك. ونظير قوله { وَإِذَا قَضَى أمْرا فَـانَّـمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ } قوله
{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ظ±لسَّمَآءُ وَظ±لأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ظ±لأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ }
الروم 25 بأن خروج القوم من قبورهم لا يتقدّم دعاء الله، ولا يتأخر عنه. ويسأل من زعم أن قوله { وَإِذَا قَضَى أمْرا فَـانَّـمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ } خاصّ فـي التأويـل اعتلالاً بأن أمر غير الـموجود غير جائز، عن دعوة أهل القبور قبل خروجهم من قبورهم، أم بعده؟ أم هي فـي خاصّ من الـخـلق؟ فلن يقول فـي ذلك قولاً إلا أُلزم فـي الآخر مثله. ويسأل الذين زعموا أن معنى قوله جل ثناؤه { فَـانَّـمَا يَقُول لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ } نظير قول القائل قال فلان برأسه أو بـيده، إذا حرّكه وأومأ، ونظير قول الشاعر
تَقُولُ إذَا دَرأتُ لَهَا وَضِينِـي أهَذَا دِينُهُ أبَداً وَدِينِـي
وما أشبه ذلك؟ فإنهم لا صواب اللغة أصابوا ولا كتاب الله، وما دلت علـى صحته الأدلة اتبعوا. فـيقال لقائلـي ذلك إن الله تعالـى ذكره أخبر عن نفسه أنه إذا قضى أمراً قال له «كُنْ»، أفتنكرون أن يكون قائلاً ذلك؟ فإن أنكروه كذّبوا بـالقرآن، وخرجوا من الـملة، وإن قالوا بل نقرّ به، ولكنا نزعم أن ذلك نظير قول القائل قال الـحائط فمال ولا قول هنالك، وإنـما ذلك خبر عن ميـل الـحائط.

قـيـل لهم أفتـجيزون للـمخبر عن الـحائط بـالـميـل أن يقول إنـما قول الـحائط إذا أراد أن يـميـل أن يقول هكذا فـيـميـل؟ فإن أجازوا ذلك خرجوا من معروف كلام العرب، وخالفوا منطقها وما يعرف فـي لسانها. وإن قالوا ذلك غير جائز، قـيـل لهم إن الله تعالـى ذكره أخبرهم عن نفسه أن قوله للشيء إذا أراده أن يقول له كُنْ فـيكون، فأعلـم عبـاده قوله الذي يكون به الشيء وَوَصَفَه ووَكَّده. وذلك عندكم غير جائز فـي العبـارة عما لا كلام له ولا بـيان فـي مثل قول القائل قال الـحائط فمال. فكيف لـم يعلـموا بذلك فَرْقَ ما بـين معنى قول الله { وَإِذَا قَضَى أمْرا فـانَّـمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَـيَكُونَ } وقول القائل قال الـحائط فمال؟ وللبـيان عن فساد هذه الـمقالة موضع غير هذا نأتـي فـيه علـى القول بـما فـيه الكفـاية إن شاء الله. وإذا كان الأمر فـي قوله جل ثناؤه { وَإِذَا قَضَى أمْراً فَـانَّـمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ } هو ما وصفنا من أن حال أمره الشيء بـالوجود حال وجود الـمأمور بـالوجود، فتبـين بذلك أن الذي هو أولـى بقوله { فَـيَكُونُ } رفع علـى العطف علـى قوله { يقول } لأن القول والكون حالهما واحد. وهو نظير قول القائل تاب فلان فـاهتدى، واهتدى فلان فتاب لأنه لا يكون تائبـاً إلا وهو مهتد، ولا مهتديا إلا وهو تائب. فكذلك لا يـمكن أن يكون الله آمراً شيئاً بـالوجود إلا وهو موجود، ولا موجوداً إلا وهو آمره بـالوجود ولذلك استـجاز من استـجاز نَصْبَ «فَـيَكُونَ» مَنْ قَرأ
{ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }
النحل 40 بـالـمعنى الذي وصفنا علـى معنى أن نقول فـيكون. وأما رَفْعُ من رَفَعَ ذلك، فإنه رأى أن الـخبر قد تـمّ عند قوله
{ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ }
النحل 40 إذ كان معلوماً أن الله إذا حتـم قضاءه علـى شيء كان الـمـحتوم علـيه موجوداً، ثم ابتدأ بقوله «فـيكون، كما قال جل ثناؤه
{ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي ظ±لأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ }
الحج 5، وكما قال ابن أحمر
يُعالِـجُ عاقِراً أعْيَتْ عَلَـيْهِ لِـيُـلْقِحَها فَـيَنْتِـجُها حُوَارَا
يريد فإذا هو ينتـجها حُوَاراً. فمعنى الآية إذا وقالوا اتـخذ الله ولداً، سبحانه أن يكون له ولد بل هو مالك السموات والأرض وما فـيهما، كل ذلك مقرّ له بـالعبودية بدلالته علـى وحدانـيته. وأنَّى يكون له ولد، وهو الذي ابتدع السموات والأرض من غير أصل، كالذي ابتدع الـمسيح من غير والد بقدرته وسلطانه، الذي لا يتعذّر علـيه به شيء أراده بل إنـما يقول له إذا قضاه فأراد تكوينه «كُنْ»، فـيكون موجوداً كما أراده وشاءه. فكذلك كان ابتداعه الـمسيح وإنشاءه إذْ أراد خـلقه من غير والد.

ملحوظة

الاية بها مناظرات طويلة فى علم التوحيد وهى من ادلة اهل السنة علي قدم كلام الله ومنه القرآن

وقال القرطبي

السادسة: قوله تعالى: { فيَكُونُ } قُرىء برفع النون على الاستئناف. قال سيبويه: فهو يكون، أو فإنه يكون. وقال غيره: وهو معطوف على «يقول»؛ فعلى الأوّل كائناً بعد الأمر، وإن كان معدوماً فإنه بمنزلة الموجود إذ هو عنده معلوم؛ على ما يأتي بيانه. وعلى الثاني كائناً مع الأمر؛ وظ±ختاره الطبري وقال: أمره للشيء بـ «ـكن» لا يتقدّم الوجود ولا يتأخّر عنه؛ فلا يكون الشيء مأموراً بالوجود إلا وهو موجود بالأمر، ولا موجوداً إلا وهو مأمور بالوجود، على ما يأتي بيانه. قال: ونظيره قيام الناس من قبورهم لا يتقدّم دعاء الله ولا يتأخّر عنه؛ كما قال
{ ثُمَّ إذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ }
[الروم: 25]. وضعّف ظ±بن عطية هذا القول وقال: هو خطأ من جهة المعنى؛ لأنه يقتضي أن القول مع التكوين والوجود.

وتلخيص المعتقد في هذه الآية: أن الله عزّ وجلّ لم يزل آمراً للمعدومات بشرط وجودها، قادراً مع تأخر المقدورات، عالماً مع تأخّر المعلومات. فكلُّ ما في الآية يقتضي الاستقبال فهو بحسب المأمورات؛ إذ المحَدثات تجيء بعد أن لم تكن. وكل ما يُسند إلى الله تعالى من قدرة وعلم فهو قديم لم يزل. والمعنى الذي تقتضيه عبارة «كن»: هو قدم قائم بالذات.

وقال أبو الحسن الماوَرْدِي فإن قيل: ففي أي حال يقول له كن فيكون؟ أفي حال عدمه، أم في حال وجوده؟ فإن كان في حال عدمه ظ±ستحال أن يأمر إلا مأموراً، كما يستحيل أن يكون الأمر إلا من آمر؛ وإن كان في حال وجوده فتلك حال لا يجوز أن يأمر فيها بالوجود والحدوث؛ لأنه موجود حادث؟ قيل عن هذا السؤال أجوبة ثلاثة:

أحدها: أنه خبر من الله تعالى عن نفوذ أوامره في خلقه الموجود؛ كما أمر في بني إسرائيل أن يكونوا قِرَدَةً خاسئين؛ ولا يكون هذا وارداً في إيجاد المعدومات.

الثاني: أن الله عزّ وجلّ عالم بما هو كائن قبل كونه؛ فكانت الأشياء التي لم تكن وهي كائنة بعلمه قبل كونها مشابهة للتي هي موجودة؛ فجاز أن يقول لها: كوني، ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود؛ لتصوّر جمعيها له ولعلمه بها في حال العدم.

الثالث: أن ذلك خبر من الله تعالى عامّ عن جميع ما يُحدثه ويكوّنه إذا أراد خلقه وإنشاءه كان، ووجد من غير أن يكون هناك قول يقوله، وإنما هو قضاء يريده؛ فعبر عنه بالقول وإن لم يكن قولاً؛ كقول أبي النَّجْم:
قد قالتِ الأنْساع للبَطْنِ ظ±لْحَقِ
ولا قول هناك، وإنما أراد أن الظَّهْر قد لَحِق بالبطن، وكقول عمرو بن حممة الدُّوسِيّ:
فأصبحتُ مثلَ النسْر طارتِ فِراخُه إذا رامَ تطْياراً يقل له قَع
وكما قال الآخر:
قالت جناحاه لساقَيْهِ ظ±لحقا ونجّيَا لحمكما أن يمزّقا

اسامة محمد خيري
24-10-2018, 11:37
الجوهرة التاسعة عشر

{ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِظ±لْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ظ±لْجَحِيمِ }

قال القرطبي

قوله تعالى: { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِظ±لْحَقِّ بَشِيراً } «بشيراً» نصب على الحال، «ونَذِيراً» عطف عليه؛ وقد تقدّم معناهما. { وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ظ±لْجَحِيمِ } قال مقاتل: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " لو أنزل الله بأسه باليهود لآمنوا " ؛ فأنزل الله تعالى: { وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ظ±لْجَحِيمِ } برفع تسأل، وهي قراءة الجمهور، ويكون في موضع الحال بعطفه على { بَشِيراً وَنَذِيراً }. والمعنى إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً غير مسؤول. وقال سعيد الأخفش: ولا تَسألُ (بفتح التاء وضم اللام)؛ ويكون في موضع الحال عطفاً على { بَشِيراً وَنَذِيراً }. والمعنى: إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً غير سائل عنهم؛ لأن علم الله بكفرهم بعد إنذارهم يغني عن سؤاله عنهم. هذا معنى غير سائل. ومعنى غير مسؤول لا يكون مؤاخذاً بكفر من كفر بعد التبشير والإنذار. وقال ظ±بن عباس ومحمد بن كعب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: " ليت شعري ما فعل أبواي " فنزلت هذه الآية؛ وهذا على قراءة من قرأ «ولا تسألْ» جزماً على النّهي، وهي قراءة نافع وحده؛ وفيه وجهان:

أحدهما: أنه نهى عن السؤال عمن عصى وكفر من الأحياء؛ لأنه قد يتغيّر حاله فينتقل عن الكفر إلى الإيمان، وعن المعصية إلى الطاعة.

والثاني: وهو الأظهر، أنه نهى عن السؤال عمن مات على كفره ومعصيته، تعظيماً لحاله وتغليظاً لشأنه، وهذا كما يقال: لا تسأل عن فلان! أي قد بلغ فوق ما تحسب. وقرأ ظ±بن مسعود «ولن تسأل». وقرأ أُبَيّ «وما تسأل»؛ ومعناهما موافق لقراءة الجمهور، نَفي أن يكون مسؤولاً عنهم. وقيل: إنما سأل أيّ أبويه أحدث موتاً؛ فنزلت. وقد ذكرنا في كتاب «التذكرة» أن الله تعالى أحيا له أباه وأمّه وآمنَا به، وذكرنا " قوله عليه السلام للرجل: إن أبي وأباك في النار " وبيّنا ذلك، والحمد لله.

{ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ }

قال السمين

والجمهورُ على نصبِ " إبراهيم " ورفعِ " ربُّه " كما تقدَّم، وقرأ ابن عباس وأبو الشعثاء وأبو حنيفة بالعكس. قالوا: وتأويلُها دَعَا ربَّه، فسَمَّى دعاءَه ابتلاءً مجازاً لأنَّ في الدعاءِ طلبَ استكشافٍ لِما تجري به المقاديرُ....

قوله: { قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ظ±لظَّالِمِينَ } الجمهورُ على نصبِ " الظالمين " مفعولاً و " عَهْدي " فاعلٌ، أي: لا يَصِلُ عهدي إلى الظالمين فيدرِكَهم. وقرأ قتادة والأعمش وأبو رجاء/: " والظالمون " بالفاعلية، و " عهدي " مفعولٌ به، والقراءتان ظاهرتان، إذ الفعلُ يَصِحُّ نسبتُه إلى كلٍّ منهما فإنَّ مَنْ نالَكَ فقد نِلْتَه. والنَّيْلُ: الإدراك وهو العَطاءُ أيضاً، نال ينال نَيْلاً فهو نائل.

اسامة محمد خيري
24-10-2018, 11:53
الجوهرة العشرون

{ وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَٱلْعَاكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ }

قال السمين

قوله: { وَٱتَّخِذُواْ } قرأ نافعٌ وابنُ عامر: " واتَّخذوا " فعلاً ماضياً على لفظ الخبر، والباقون على لفظِ الأمرِ. فأمَّا قراءةُ الخبرِ ففيها ثلاثةُ أوجهٍ: أحدُها: أنه معطوفٌ على " جَعَلْنا " المخفوض بـ " إذ " تقديراً فيكون الكلامُ جملةً واحدةً. الثاني: أنه معطوفٌ على مجموعِ قولِه: " وإذ جَعَلْنا " فيحتاجُ إلى تقديرِ " إذ " أي: وإذ اتخذوا، ويكون الكلامُ جملتين. الثالث: ذكره أبو البقاء أن يكونَ معطوفاً على محذوفٍ تقديرُه: فثابوا واتخذوا.

وأمَّا قراءةُ الأمرِ ففيها أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّها عَطفٌ على " اذكروا " إذا قيل بأنَّ الخطابَ هنا لبني إسرائيل، أي: اذكروا نعمتي واتخذوا. والثاني: أنها عطفٌ على الأمر الذي تَضَمَّنه قولُه: " مثابةً " كأنه قال: ثُوبوا واتَّخِذوا، ذكرَ هذين الوجهين المهدوي.

الثالث: أنه معمولٌ لقولٍ محذوفٍ أي: وقُلْنا اتَّخِذوا إن قيل بأنَّ الخطابَ لإِبراهيمَ وذرّيَّتِه أو لمحمدٍ عليه السلام وأمَّتِه. الرابع: أن يكونَ مستأنفاً ذكرَه أبو البقاء....

وقال الطبري

والصواب من القول والقراءة فـي ذلك عندنا { وَاتّـخِذُوا } بكسر الـخاء، علـى تأويـل الأمر بـاتـخاذ مقام إبراهيـم مصلـى للـخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرناه آنفـاً، وأن عمرو بن علـيّ حدثنا قال ثنا يحيى بن سعيد، قال ثنا جعفر بن مـحمد، قال حدثنـي أبـي، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ { وَاتَّـخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيـمَ مُصَلًّـى

اسامة محمد خيري
24-10-2018, 12:01
الجوهرة الواحدة والعشرون

{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }


قال القرطبي

قَالَ وَمَن كَفَرَ } «مَن» في قوله «وَمَنْ كَفَرَ» في موضع نصب؛ والتقدير وظ±رزق من كفر، ويجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء، وهي شرط والخبر «فَأُمَتِّعُهُ» وهو الجواب.

وظ±ختلِف هل هذا القول من الله تعالى أو من إبراهيم عليه السلام؟ فقال أُبَيّ بن كعب وظ±بن إسحظ°ق وغيرهما: هو من الله تعالى، وقرأوا «فَأُمَتِّعُهُ» بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التاء. { ثُمَّ أَضْطَرُّهُ } بقطع الألف وضم الراء، وكذلك القرّاء السبعة خلا ظ±بن عامر فإنه سكّن الميم وخفّف التاء. وحكى أبو إسحظ°ق الزجاج أن في قراءة أُبَي «فنمتّعه قليلاً ثم نضطِّره» بالنون. وقال ظ±بن عباس ومجاهد وقتادة: هذا القول من إبراهيم عليه السلام. وقرأوا «فأَمْتعه» بفتح الهمزة وسكون الميم، «ثم ظ±ضطرَّه» بوصل الألف وفتح الراء، فكأن إبراهيم عليه السلام دعا للمؤمنين وعلى الكافرين، وعليه فيكون الضمير في «قال» لإبراهيم، وأعيد «قال» لطول الكلام، أو لخروجه من الدعاء لقوم إلى الدعاء على آخرين. والفاعل في «قال» على قراءة الجماعة ظ±سم الله تعالى، وظ±ختاره النحاس، وجعل القراءة بفتح الهمزة وسكون الميم ووصل الألف شاذة، قال: ونسق الكلام والتفسير جميعاً يدلاّن على غيرها؛ أمّا نسق الكلام فإن الله تعالى خبرّ عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: { رَبِّ ظ±جْعَلْ هَـظ°ذَا بَلَداً آمِناً } ثم جاء بقوله عز وجلّ: { وَظ±رْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ظ±لثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِظ±للَّهِ وَظ±لْيَوْمِ ظ±لآخِرِ } ولم يفصل بينه بقال، ثم قال بعدُ: «قَالَ وَمَنْ كَفَرَ» فكان هذا جواباً من الله، ولم يقل بعدُ: قال إبراهيم. وأمّا التفسير فقد صح عن ظ±بن عباس وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب. وهذا لفظ ظ±بن عباس: دعا إبراهيم عليه السلام لمن آمن دون الناس خاصّة، فأعلم الله عز وجل أنه يرزق من كفر كما يرزق من آمن، وأنه يمتّعه قليلاً ثم يضطّره إلى عذاب النار. قال أبو جعفر: وقال الله عز وجل:
{ كُلاًّ نُّمِدُّ هَـظ°ؤُلاغ¤ءِ وَهَـظ°ؤُلاغ¤ءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ }
[الإسراء: 20] وقال جل ثناؤه:
{ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ }
[هود: 48]. قال أبو إسحظ°ق: إنما علم إبراهيم عليه السلام أن في ذرّيته كفاراً فخصَّ المؤمنين؛ لأن الله تعالى قال: { لاَ يَنَالُ عَهْدِي ظ±لظَّالِمِينَ }.

وقال الطبري

القول فـي تأويـل قوله تعالـى { وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِـاللَّهِ وَالـيَوْمِ الآخِرِ }. وهذه مسألة من إبراهيـم ربه أن يرزق مؤمنـي أهل مكة من الثمرات دون كافريهم. وخصّ بـمسألة ذلك للـمؤمنـين دون الكافرين لـما أعلـمه الله عند مسألته إياه أن يجعل من ذرّيته أئمة يقتدي بهم أن منهم الكافر الذي لا ينال عهده، والظالـم الذي لا يدرك ولايته. فلـما أن علـم أن من ذرّيته الظالـم والكافر، خصّ بـمسألته ربه أن يرزق من الثمرات من سكان مكة الـمؤمن منهم دون الكافر، وقال الله له إنـي قد أجبت دعاءك، وسأرزق مع مؤمنـي أهل هذا البلد كافرهم، فأمتعه به قلـيلاً. وأما «مَنْ» فـي قوله { مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بـاللَّهِ وَالـيَوْمِ الآخِرِ } فإنه نصب علـى الترجمة، والبـيان عن الأهل، كما قال تعالـى
{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ظ±لشَّهْرِ ظ±لْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ }
البقرة 217 بـمعنى يسألونك عن قتال فـي الشهر الـحرام، وكما قال تعالـى ذكره
{ وَللَّهِ عَلَى ظ±لنَّاسِ حِجُّ ظ±لْبَيْتِ مَنِ ظ±سْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً }
آل عمران 97 بـمعنى ولله حجّ البـيت علـى من استطاع إلـيه سبـيلاً. وإنـما سأل إبراهيـم ربه ما سأل من ذلك لأنه حلّ بواد غير ذي زرع ولا ماء ولا أهل، فسأل أن يرزق أهله ثمراً، وأنه يجعل أفئدة الناس تهوي إلـيهم، فذكر أن إبراهيـم لـما سأل ذلك ربه نقل الله الطائف من فلسطين. حدثنـي الـمثنى، قال ثنا إسحاق بن الـحجاج، قال ثنا هشام، قال قرأت علـى مـحمد بن مسلـم أن إبراهيـم لـما دعا للـحرم { وَارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ } نقل الله الطائف من فلسطين. القول فـي تأويـل قوله تعالـى { قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً }. اختلف أهل التأويـل فـي قائل هذا القول وفـي وجه قراءته، فقال بعضهم قائل هذا القول ربنا تعالـى ذكره، وتأويـله علـى قولهم { قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً } برزقـي من الثمرات فـي الدنـيا إلـى أن يأتـيه أجله. وقرأ قائل هذه الـمقالة ذلك { فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً } بتشديد التاء ورفع العين. ذكر من قال ذلك حدثنـي الـمثنى، قال ثنا إسحاق، قال ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال حدثنـي أبو العالـية، عن أُبـيّ بن كعب فـي قوله { وَمَنْ كَفَرَ فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً ثُمَّ اضْطَرُّهُ إِلَـى عَذَابِ النّارِ } قال هو قول الربّ تعالـى ذكره. حدثنا ابن حميد، قال ثنا سلـمة، قال قال ابن إسحاق لـما قال إبراهيـم { رَبّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِـاللَّهِ وَالـيَوْمِ الآخِرِ } وعدل الدعوة عمن أبى الله أن يجعل له الولاية، انقطاعاً إلـى الله ومـحبة وفراقاً لـمن خالف أمره، وإن كانوا من ذريته حين عرف أنه كان منهم ظالـم لا ينال عهده، بخبره عن ذلك حين أخبره فقال الله { وَمَنْ كَفَرَ } فإنـي أرزق البرّ والفـاجر { فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً }.

وقال آخرون بل قال ذلك إبراهيـم خـلـيـل الرحمظ°ن علـى وجه الـمسألة منه ربه أن يرزق الكافر أيضا من الثمرات بـالبلد الـحرام، مثل الذي يرزق به الـمؤمن ويـمتعه بذلك قلـيلاً، ثم اضْطَرَّهُ إلـى عذاب النار بتـخفـيف «التاء» وجزم «العين» وفتـح «الراء» من اضْطَرَّه، وفصل «ثم اضطره» بغير قطع ألفها، علـى وجه الدعاء من إبراهيـم ربه لهم والـمسألة. ذكر من قال ذلك حدثنـي الـمثنى، قال ثنا إسحاق، قال ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال قال أبو العالـية كان ابن عبـاس يقول ذلك قول إبراهيـم يسأل ربه أن من كفر فأمتعه قلـيلاً. حدثنا الـمثنى، قال ثنا إسحاق، قال حدثنا ابن أبـي جعفر، عن لـيث، عن مـجاهد { وَمَنْ كَفَرَ فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً } يقول ومن كفر فأرزقه أيضا ثم اضطره إلـى عذاب النار. والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا والتأويـل، ما قاله أُبـيّ بن كعب وقراءته، لقـيام الـحجة بـالنقل الـمستفـيض دراية بتصويب ذلك، وشذوذ ما خالفه من القراءة. وغير جائز الاعتراض بـمن كان جائزاً علـيه فـي نقله الـخطأ والسهُو، علـى من كان ذلك غير جائز علـيه فـي نقله. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويـل الآية قال الله يا إبراهيـم قد أجبت دعوتك، ورزقت مؤمنـي أهل هذا البلد من الثمرات وكفـارهم متاعاً لهم إلـى بلوغ آجالهم، ثم اضطرّ كفـارهم بعد ذلك إلـى النار. وأما قوله { فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً } يعنـي فأجعل ما أرزقه من ذلك فـي حياته متاعاً يتـمتع به إلـى وقت مـماته. وإنـما قلنا إن ذلك كذلك لأن الله تعالـى ذكره إنـما قال ذلك لإبراهيـم جوابـاً لـمسألته ما سأل من رزق الثمرات لـمؤمنـي أهل مكة، فكان معلوماً بذلك أن الـجواب إنـما هو فـيـما سأله إبراهيـم لا فـي غيره. وبـالذي قلنا فـي ذلك قال مـجاهد، وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه. وقال بعضهم تأويـله فأمتعه بـالبقاء فـي الدنـيا. وقال غيره فأمتعه قلـيلاً فـي كفره ما أقام بـمكة، حتـى أبعث مـحمداً صلى الله عليه وسلم فـيقتله إن أقام علـى كفره أو يجلـيه عنها. وذلك وإن كان وجهاً يحتـمله الكلام فإن دلـيـل ظاهر الكلام علـى خلافه لـما وصفنا...

وقال الزمخشري

وقرأ ابن عباس «فأَمْتْعهُ قليلاً ثم اضطرَّه»، على لفظ الأمر. والمراد الدعاء من إبراهيم دعا ربّه بذلك. فإن قلت فكيف تقدير الكلام على هذه القراءة؟ قلت في قال ضمير إبراهيم، أي قال إبراهيم بعد مسئلته اختصاص المؤمنين بالرزق ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم اضطره. وقرأ ابن محيصن «فأطره»، بإدغام الضاد في الطاء كما قالوا اطجع، وهي لغة مرذولة، لأنّ الضاد من الحروف الخمسة التي يدغم هي فيها ما يجاورها ولا تدغم هي فيما يجاورها، وهي حروف «ضم شفر».

{ وَوَصَّى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ }

قال القرطبي

قال القُشَيْرِيّ: وقُرىء «يعقوب» بالنصب عطفاً على «بنيه» وهو بعيد؛ لأن يعقوب لم يكن فيما بين أولاد إبراهيم لمّا وصّاهم، ولم ينقل أن يعقوب أدرك جدّه إبراهيم، وإنما وُلد بعد موت إبراهيم، وأن يعقوب أوصى بنيه أيضاً كما فعل إبراهيم.

أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }

قال السمين

قوله: { وَإِلَـظ°هَ آبَائِكَ } أعاد ذكرَ الإِله لئلا يَعْطِفَ على الضمير المجرورِ دون إعادة الجارَّ، والجمهور على " آبائِك " وقرأ الحسن ويحيى وأبو رجاء " أبيك " ، وقرأ أُبَيّ: " وإلَه إبراهيم " فأسقط " آبائك ". فأمّا قراءةُ الجمهور فواضحةٌ. وفي " إبراهيم " وما بعدَه حينئذٍ ثلاثةُ أوجهٍ، أوحدُها: أنه بدلٌ. والثاني: أنه عطفُ بيانٍ، ومعنى البدلية فيه التفصيلُ. الثالثُ: أنه منصوبٌ بإضمار " أعني " ، فالفتحةُ على هذا علامةٌ للنصبِ، وعلى القَوْلين قبلَه علامةٌ للجرِّ لعدَمِ الصَّرْفِ، وفيه دليلٌ على تسمية الجَدِّ والعمِّ أباً، فإنَّ إبراهيمَ جَدُّه وإسماعيلَ عمُّه، كما يُطْلَقُ على الخالة أب، ومنه:
{ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ }
[يوسف: 100] في أحد القولين. قال بعضهم: " وهذا من باب التغليب، يعني أنه غَلَّب الأبَ على غيره وفيه نظرٌ، فإنه قد جاء هذا الإِطلاقُ حيث لا تثنيةٌ ولا جمعٌ فَيُغَلَّبُ فيهما، قال عليه السلام:
" رُدُّوا عليَّ أبي " يعني العباس.

وأمَّا قراءة " أَبيك " فتحتملُ وجهين، أحدُهما: أن يكونَ مفرداً غيرَ جمعٍ، وحينئذٍ: فإمّا أَنْ يكونَ واقعاً موقعَ الجمعِ أولا، فإن كان واقعاً موقع الجمعِ فالكلامُ في " إبراهيم " وما بعدَه كالكلامِ فيه على القراءة المشهورةِ، وإنْ لم يكنْ واقعاً موقعه بل أُريد به الإِفرادُ لفظاً ومعنىً فيكون " إبراهيم " وحدَه على الأوجه الثلاثة المتقدمة، ويكونُ إسماعيلُ وما بعدَه عطفاً على " أبيك " أي: وإله إسماعيل. الثاني: يكونَ جَمْعَ سلامةٍ بالياء والنون، وإنما حُذِفَت النون للإِضافة، وقد جاء جمعُ أب على " أَبُون " رفعاً، و " أبِين " جَرَّاً ونَصْباً حكاها سيبويه، قال الشاعر:
736 ـ فلمَّا تَبَيَّنَّ أصواتَنا بَكَيْنَ وفَدَّيْنَنَا بالأِبِينا
ومثله:
737 ـ فَقُلْنا أَسْلِموا إنَّا أَبُوكمْ ....................
والكلامُ في إبراهيمِ وما بعده كالكلامِ فيه بعد جمعِ التكسير. وإسحاق علم أعجمي ويكونُ مصدرَ أًسْحق، فلو سُمِّي به مذكرٌ لانصرَف، والجمعُ أساحِقة وأساحيق.

أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَـاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }

قال السمين

قوله تعالى: { أَمْ تَقُولُونَ }: قرأ حمزة والكسائي وحفص وابن عامر بتاءِ الخطابِ والباقون بالياء، فأمّا قراءةُ الخطابِ فتحتمل " أم " فيها وَجْهين " ، أحدُهما: أن تكونَ المتصلةَ، والتعادلُ بين هذه الجملةِ وبين قوله: " أتحاجُّوننا، فالاستفهامُ عن وقوعِ أحدِ هذين الأمْرَيْن: المُحاجَّةِ في اللهِ او ادِّعاءٍ على إبراهيمَ ومَنْ ذُكِرَ معه اليهوديَة والنصرانيةَ، وهو استفهامُ إنكارٍ وتويبخٍ كما تقدَّم فإنَّ كِلا الأمرين باطلٌ. والثاني: أن تكونَ المنقطعةَ فتتقدَّرَ بـ " بل " والهمزةِ، على ما تقرَّر في المنقطعة على أصحِّ المذاهبِ، والتقدير: بل أتقولون: والاستفهامُ للإنكار والتوبيخِ أيضاً فيكونُ قد انتقل عن قولِه: أتحاجُّوننا وأَخَذَ في الاستفهام عن قضيةٍ أخرى، والمعنى على إنكارِ نسبةِ اليهوديةِ والنصرانيةِ إلى إبراهيمَ ومَنْ ذُكِرَ معه.

وأمَّا قراءةُ الغَيْبة فالظاهرُ أنَّ " أم " فيها منقطعةٌ على المعنى المتقدَّم. وحكى الطبري عن بعضِ النحويين أنها متصلةٌ لأنك إذا قلت: أتقومُ أم يقولم عمروٌ: أيكونُ هذا أم هذا. وردَّ ابنُ عطية هذا الوجهَ فقال: " هذا المثالُ غيرُ جيدٍ، لأنَّ القائلَ فيه واحدٌ والمخاطَبُ واحدٌ، والقولُ في الآيةِ من اثنين والمخاطَبُ اثنان غَيْرانِ، وإنّما تَتَّجِهُ معادَلةُ " أم " للألفِ على الحكم المعنوي، كأنَّ معنى قُلْ أتحاجُّوننا: أيُحاجُّون يا محمد أم يقولون " انتهى. وقال الزمخشري: " وفيمَنْ قَرَأَ بالياء لا تكونُ إلا منقطعةً " قال الشيخ: " ويمكن الاتصالُ مع قراءةِ الياءِ، ويكون ذلك من الالتفاتِ إذ صارَ فيه [خروجٌ] من خطابٍ إلى غَيْبةِ، والضميرُ لناسٍ مخصوصين ". وقال أبو البقاء: " أم يقولونَ يُقْرأ بالياء ردَّاً على قوله: " فَسَيَكْفيكُهُم الله " فجَعَلَ هذه الجملةَ متعلقةً بقولِه: " فسيكفيكَهم " وحينئذٍ لا تكونُ إلا منقطعةً لِمَا عَرَفْتَ أنَّ من شرط المتصلةِ تقدُّمَ همزةِ استفهامٍ أو تسويةٍ مع أن المعنى ليس/ على أنَّ الانتقالَ مِن قولِه: " فَسَيَكْفيكهم " إلى قولِه " أم يقولون " حتى يَجْعَلَه ردَّاً عليه وهو بعيدٌ عنه لفظاً ومعنىً.

وقال الشيخ: " الأحسنُ في القراءتين أن تكونَ " أم " منقطعةً وكأنه أنكرَ عليهم مُحاجَّتَهم في الله ونسبة أنبيائِه لليهودية والنصرانية، وقد وَقَع منهم ما أَنْكَرَ عليهم، ألا ترى إلى قولِه:
{ قُلْ يظ°أَهْلَ ظ±لْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيغ¤ إِبْرَاهِيمَ }
[آل عمران: 65] الآيات وإذا جَعَلْناها متصلةً كان ذلك غيرَ متضمِّنٍ وقوعَ الجملتين، بل إحداهما، وصارَ السؤالُ عن تعيينِ إحداهما، وليس الأمرُ كذلك إذا وقعا معاً. وهذا الذي قاله الشيخُ حسنٌ جداً. و " أو " في قولِه: " هوداً أو نصارى " كهي في قولِه:
{ لَن يَدْخُلَ ظ±لْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىظ° }

انتهى الجزء الاول من القرآن

اسامة محمد خيري
25-10-2018, 06:29
الجزء الثانى

الجوهرة الثانية والعشرون

قال القرطبي

قوله تعالى: { إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ } قال عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: معنى «لنعلم» لنرى. والعرب تضع العلم مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم؛ كقوله تعالى:
{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ }
[الفيل: 1] بمعنى ألم تعلم. وقيل: المعنى إلاّ لتعلموا أننا نعلم؛ فإن المنافقين كانوا في شك من علم الله تعالى بالأشياء قبل كَوْنها. وقيل: المعنى لنميِّز أهل اليقين من أهل الشك؛ حكاه ٱبن فُورَك، وذكره الطبري عن ٱبن عباس. وقيل: المعنى إلا ليعلم النبيّ وأتباعه، وأخبر تعالى بذلك عن نفسه؛ كما يقال: فعل الأمير كذا، وإنما فعله أتباعه؛ ذكره المَهدَوِيّ وهو جيّد. وقيل: معناه ليعلم محمد؛ فأضاف علمه إلى نفسه تعالى تخصيصاً وتفضيلاً؛ كما كنَّى عن نفسه سبحانه في قوله: " يٱبن آدَم مَرِضتُ فلم تَعُدْنِي " الحديث. والأوّل أظهر، وأن معناه علم المعاينة الذي يوجب الجزاء، وهو سبحانه عالم الغيب والشهادة، عَلِم ما يكون قبل أن يكون، تختلف الأحوال على المعلومات وعلمه لا يختلف بل يتعلّق بالكل تعلُّقاً واحداً. وهكذا كل ما ورد في الكتاب من هذا المعنى من قوله تعالى:
{ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ }
[آل عمران: 140]،
{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِين }
[محمد: 31] وما أشبه. والآية جواب لقريش في قولهم:
{ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتهِمُ ٱلَّتِي كانُوا عَلَيْهَا }
[البقرة: 142] وكانت قريش تَأْلَف الكعبة، فأراد الله عز وجل أن يمتحنهم بغير ما أَلِفوه ليَظهر مَن يتبع الرسولَ ممن لا يتبعه. وقرأ الزّهري «إلا ليُعلم» فـ «ـمَن» في موضع رفع على هذه القراءة؛ لأنها ٱسم ما لم يُسَمّ فاعله. وعلى قراءة الجماعة في موضع نصب على المفعول...

وقال السمين

. وقرىء: " عمَّا يعملون " بالغَيْبة ردَّاً على الذين أوتوا الكتاب أو رَدَّاً على المؤمنين ويكون/ التفاتاً من خطابِهم بقولِه: " وجوهكم - كنتم ". وبالخطاب على ردِّه للمؤمنين وهو الظاهرُ، أو للذين على الالتفات تحريكاً لهم وتَنْشِيطاً

وقال ابن عطية

وقوله تعالى: { الحق من ربك } ، { الحقُّ } رفع على إضمار الابتداء والتقدير هو الحق، ويصح أن يكون ابتداء والخبر مقدر بعده، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه { الحقَّ } بالنصب، على أن العامل فيه { يعلمون } ، ويصح نصبه على تقدير: الزم الحق.

وقال السمين

قوله: { هُوَ مُوَلِّيهَا } جملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ في محلِّ رفعٍ لأنَّها صفةٌ لوِجْهَة، واختُلِف في " هو " على قولين، أحدَهما: أنه يعودُ على لفظِ " كل " / لا على معناها ولذلك أُفْرِدَ، والمفعول الثاني محذوف لفهمِ المعنى تقديرُه هو مُوَلِّيها وَجْهَه أو نفسَه، ويؤيد هذا قراءةُ ابن عامر: " مُوَلاَّها " على ما لم يُسَمَّ فاعلُه كما سيأتي. والثاني: أنه يعودُ على اللهِ تعالى أي: الله مُوَلِّي القبلةِ إياه، أي ذلك الفريقُ.

وقرأ الجمهورُ: " مُوَلِّيها " على اسمُ فاعل، وقد تقدَّم أنه حُذِفَ أحدُ مفعولَيْه، وقرأ ابن عامر - ويُعْزَى لابن عباس - مُوَلاَّها على اسمِ المفعول، وفيه ضميرٌ مرفوعٌ قائمٌ مقامَ الفاعلِ، والثاني هو الضميرُ المتصلُ به وهو " ها " العائدُ على الوجهة، وقيل: على التوليةِ ذكره أبو البقاء، وعلى هذه القراءةِ بتعيَّن عَوْدُ " هو " إلى الفريق، إذ يَسْتَحِيلُ في المعنى عَوْدُه على الله تعالى، وقرأ بعضُهم: " ولكلِّ وِجْهَةٍ " " بالإِضافة، ويُعزى لابنِ عامر، واختلفوا فيها على ثلاثةِ أقوالٍ أحدُها: - وهو قولُ الطبري -: أنها خطأ وهذا ليس بشيء، إذ الإِقدامُ على تخطئة ما ثَبَتَ عن الأئمةِ لا يَسْهُلُ.

والثاني - وهو قولُ الزمخشري وأبي البقاء: أنَّ اللامَ زائدةٌ في الأصلِ، قال الزمخشري: " المعنى وكلَّ وجهةٍ اللهُ مُولِّيها، فزيدتِ اللامُ لتقدُّمَ المفعولِ، كقولِك: لزيدٍ ضَرَبْتُ، ولزيدٍ أبوه ضاربه.

قال الشيخ: وهذا فاسدٌ لأنَّ العاملَ إذا تعدَّى لضمير الاسم لم يتعدَّ إلى ظاهرِه المجرورِ باللام لا تقولُ: لزيدٍ ضَرَبْتُه، ولا: لزيدٍ أنا ضَاربُه، لئلا يلزَم أحدُ محذورَيْن، وهما: إمَّا لأنه يكونُ العاملُ قوياً ضعيفاً، وذلك أنه من حيث تَعَدَّى للضمير بنفسِه يكون قوياً ومن حيث تَعَدَّى للظاهرِ باللامِ يكون ضعيفاً، وإمَّا لأنَّه يَصير المتعدِّي لواحدٍ متعدِّياً لاثنينِ، ولذلك تَأَوَّلَ النَّحْويون ما يُوهِمُ ذلك وهو قولُه:
771 ـ هذا سُراقَةُ للقرآنِ يَدْرُسُه والمرءُ عند الرُّشا إنْ يَلْقَهَا ذِيْبُ
على أنَّ الضميرَ في " يدرسه " للمصدرِ، أي: يدرس الدرسَ لا للقرآن، لأن الفعلَ قد تعدَّى إليه. وأمَّا تمثيلُه بقوله: " لزيدٍ ضَرَبْتُ " فليس نظيرَ الآية لأنه لم يَتَعَدَّ في هذا المثال إلى ضميره، ولا يجوز أن تكونَ المسألةُ من باب الاشتغال، فتقدِّرَ عاملاً في " لكلِّ وِجْهةٍ " يفسِّره " مُولِّيها " لأنَّ الاسمَ المشتغِلَ عنه إذا كان ضميره مجروراً بحرفٍ ينتصبُ ذلك الاسم بفعل يوافِقُ العاملَ الظاهرَ في المعنى، ولا يجوزُ جَرُّ المشتغلِ عنه بحرفٍ، تقول: زيداً مررت به أي: لابست زيداً مررتُ به، ولا يجوزُ: لزيدٍ مررتُ به، قال تعالى:
{ وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ }
[الإنسان: 31] وقال:
772 - أثعلبَةَ الفوارسٍ أم رياحا عَدَلْتَ بهم طُهَيَّةَ والخِشابا
فأتى بالمشتغَلِ عنه منصوباً، وأمَّا تمثيلُه بقولِه: لزيدٍ أبوه ضاربُه فتركيبٌ غيرُ عربي.

الثالث: أن " لكلَّ وجهةٍ " متعلِّقٌ بقوله: " فاستبقوا الخيراتِ " أي: فاستبقوا الخيراتِ لكلِّ وجهةٍ، وإنما قُدِّم على العاملِ للاهتمامِ به، كما يُقَدَّمُ المفعولُ، ذكرَه ابنُ عطية، ولا يجوزُ أَنْ تُوَجَّه هذه القراءةُ على أنَّ " لكلِّ وجهةٍ " في موضعِ المفعولِ الثاني لمولِّيها، والمفعولُ الأولُ هو المضافُ إليه اسمُ الفاعل الذي هو " مُوَلٍّ " وهو " ها " ، وتكون عائدةً على الطوائفِ، ويكونُ التقديرُ: وكلَّ وجهةٍ اللهُ مُوَلِّي الطوائفِ أصحابِ القِبْلاتِ، وزيدتْ اللامُ في المفعولِ لتقدُّمه ويكونُ العامِلُ فرعاً؛ لأنَّ النَحْويين نَصُّوا على أنه لا يجوزُ زيادةُ اللامِ للتقويةِ إلا في المتعدي لواحد فقط، و " مُوَلٍّ " مِمَّا يتعدَّى لاثنين، فامتنع ذلك فيه. وهذا المانعُ هو الذي مَنَعَ من الجوابِ عن الزمخشري فيما اعترَضَ به عليه الشيخُ من كونِ الفعلِ إذا تعدَّى للظاهرِ فلا يتعدَّى لضميرِه، وهو أنه كان يمكن أن يُجابَ عنه بأَنَّ الضميرَ المتصل بـ " مُوَلّ " ليس بضميرِ المفعولِ بل ضميرُ المصدرِ وهو التوليةُ، ويكون المفعولُ الأولُ محذوفاً، والتقدير: اللهُ " مُولِّي التوليةِ كلَّ وجهةٍ أصحابَها، فلما قُدِّمَ المفعولُ على العاملِ قَوِي باللامِ لولا أنهم نَصُّوا على المنعِ مِنْ زيادتِها في المتعدِّي لاثنينِ وثلاثة.

وقال الطبري

والصواب عندنا من القراءة فـي ذلك { وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّـيها } بـمعنى ولكلّ وجهة وقبلة، ذلك الكلُّ مولّ وجهه نـحوها، لإجماع الـحجة من القراء علـى قراءة ذلك كذلك وتصويبها إياها، وشذوذ من خالف ذلك إلـى غيره. وما جاء به النقل مستفـيضاً فحجة، وما انفرد به من كان جائزاً علـيه السهو والـخطأ فغير جائز الاعتراض به علـى الـحجة

اسامة محمد خيري
25-10-2018, 06:40
الجوهرة الثالثة والعشرون(القراءات والفقه الاسلامى)

{ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ }

قال ابن عطية

واختلف العلماء في السعي بين الصفا والمروة فمذهب مالك والشافعي أن ذلك فرض ركن من أركان الحج لا يجزي تاركه أو ناسيه إلا العودة، ومذهب الثوري وأصحاب الرأي أن الدم يجزيء تاركه وإن عاد فحسن، فهو عندهم ندب، وروي عن أبي حنيفة: إن ترك أكثر من ثلاثة أشواط فعليه دم، وإن ترك ثلاثة فأقل فعليه لكل شوط إطعام مسكين، وقال عطاء ليس على تاركه شيء لا دم ولا غيره، واحتج عطاء بما في مصحف ابن مسعود " أن لا يطوف بهما " وهي قراءة خالفت مصاحف الإسلام، وقد أنكرتها عائشة رضي الله عنها في قولها لعروة حين قال لها " أرأيت قول الله: { فلا جناح أن يطوف بهما }؟ فما نرى على أحد شيئاً ألا يطوف بهما " قالت: " يا عروة كلا لو كان ذلك لقال: فلا جناح عليه ألا يطوف بها ".

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وأيضاً فإن ما في مصحف ابن مسعود يرجع إلى معنى أن يطوف وتكون " لا " زائدة صلة في الكلام، كقوله
{ ما منعك ألا تسجد }
[الأعراف: 12]، وكقول الشاعر: [البسيط]

ما كان يرضى رسولُ اللَّهِ فِعْلَهُمُ والطِّيبانِ أبو بَكْرٍ ولا عمرُ
أي وعمر وكقول الآخر: [الرجز]

وما ألومُ البِيضَ أَنْ لا تَسْخَرَا
ومذهب مالك وأصحابه في العمرة أنها سنة إلا ابن حبيب فإنه قال بوجوبها، وقرأ قوم من السبعة وغيرهم " ومن يطوع " بالياء من تحت على الاستقبال والشرط، والجواب في قوله { فإن } ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم " تطوع " على بابه في المضي، فـ { من } على هذه القراءة بمعنى الذي، ودخلت الفاء في قوله { فإن } للإبهام الذي في { من } ، حكاه مكي، وقال أبو علي: يحتمل " تطوع " أن يكون في موضع جزم و { من } شرطية، ويحتمل أن تكون { من } بمعنى الذي والفعل صلة لا موضع له من الإعراب، والفاء مؤذنة أن الثاني وجب لوجوب الأول، ومن قال بوجوب السعي قال: معنى { تطوع } أي زاد براً بعد الواجب، فجعله عاماً في الأعمال، وقال بعضهم: معناه من تطوع بحج أو عمرة بعد حجة الفريضة، ومن لم يوجب السعي قال: المعنى من تطوع بالسعي بينهما، وفي قراءة ابن مسعود " فمن تطوع بخير "

{ إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ }

قال السمين

قوله: { وَظ±لْمَلاغ¤ئِكَةِ } الجمهورُ على جَرِّ الملائكة نَسفَاً على اسمِ الله. وقرأ الحسن بالرفع: { وَظ±لْمَلاغ¤ئِكَةِ وَظ±لنَّاسِ أَجْمَعِينَ } ، وخَرَّجَها النحويون على العطفِ على موضعِ اسمِ الله تعالى، فإنَّه وإنْ كان مجروراً بإضافةِ المصدرِ إليه فموضعُه رفعٌ بالفاعليةِ لأنَّ هذه المصدرَ ينحلُّ لحرفٍ مصدريٍ وفِعْلٍ، والتقدير: أَنْ لَعَنَهم، أو أَنْ يَلْعَنَهم اللهُ، فَعَطَفَ " الملائكةُ " على هذا التقدير، قال الشيخ: " وهذا ليس بجائزٍ على ما تقرَّر من العطفِ على الموضعِ، فإنَّ مِنْ شرطِه أن يكونَ ثَمَّ مُحْرِزٌ للموضع وطالبٌ له، والطالبُ للرفعِ وجودُ التنوينِ في المصدرِ، هذا إذا سَلَّمْنا أن " لعنة " تَنْحَلُّ لحرفٍ مصدري وفِعْلٍ، لأنَّ الانحلالِ لذلك شرطُه أَنْ يُقْصَدَ به العلاج، ألا ترى أنَّ قولَه:
{ أَلاَ لَعْنَةُ ظ±للَّهِ عَلَى ظ±لظَّالِمِينَ }
[هود: 18] ليس المعنى على تقديرِ: أَنْ يَلْعَنَ اللهُ على الظالمين، بل المرادُ اللعنةُ المستقرةُ، وأضيفت لله تعالى على سبيلِ التخصيص لا على سبيل الحدوث " ونقلَ عن سيبويه أن قولَك: " هذا ضاربُ زيدٍ غداً وعمراً " بنصب " عمراً " أنَّ نصبَه بفعلٍ محذوفٍ، وأبى أَنْ ينصِبَه بالعطفِ على الموضعِ، ثم بعد تسليمِه ذلك كلَّه قال: " المصدرُ المنوَّنُ لم يُسْمَعْ بعدَه فاعلٌ مرفوعٌ ومفعولٌ منصوبٌ، إنما قاله البصريون قياساً على أَنْ والفعل ومَنَعَه الفراء وهو الصحيح ".

ثم إنَّه خَرَّجَ هذه القراءةَ الشاذة على أحدِ ثلاثةِ أوجه، الأولُ: أَنْ تكونَ " الملائكةُ " مرفوعةً بفعلٍ محذوفٍ أي: وتَلْعَنُهم الملائكة، كما نَصَبَ سيبويه " عمراً " في قولك: " ضاربُ زيدٍ وعمراً " بفعلٍ محذوفٍ. الثاني: أن تكونَ الملائكةُ عطفاً على " لعنة " بتقديرِ حَذْفِ مضافٍ: ولَعْنَةُ الملائكةِ، فَلمَّا حُذِفَ المضافُ أٌقيم المضافُ إليه مُقامه. الثالث: أن يكونَ مبتدأً قد حُذِفَ خبرُه تقديره: والملائكةُ والناسُ أجمعون تَلْعَنُهم ". وهذه أوجهٌ متكلفة، وإعمالُ المصدرِ المنونِ ثابتٌ، غايةُ ما في الباب أنه قد يُحْذَفُ فاعله كقوله:
{ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً }
[البلد: 14] وأيضاً فقد أَتْبَعَتِ العربُ المجرورَ بالمصدرِ على مَوْضِعَيْه رفعاً على الشاعر:
784 -..................... مَشْيَ الهَلوكِ عليها الخَيْعَلُ الفَضُلَ
برفع " الفُضُلُ " وهي صفةٌ للهَلوك على الموضعِ؛ وإذا ثَبَتَ ذلك، في النعتِ ثَبَتَ في العطفِ لأنهما تابعان من التوابعِ الخمسةِ. و " أجمعين " من ألفاظِ التأكيدِ المعنوي بمنزلة " كل ".

اسامة محمد خيري
25-10-2018, 06:57
الجوهرة الرابعة والعشرون

قال القرطبي

قوله تعالى: { وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ } قرأ حمزة والكسائي «الريح» على الإفراد، وكذا في الأعراف والكهف وإبراهيم والنمل والرُّوم وفاطر والشُّورى والجاثية؛ لا خلاف بينهما في ذلك. ووافقهما ٱبن كثير في الأعراف والنمل والرُّوم وفاطر والشُّورى. وأفرد حمزة { الرِّيح لواقح }. وأفرد ٱبن كَثير { وَهُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ ٱلرِّيحَ } في الفُرقان. وقرأ الباقون بالجمع في جميعها سوى الذي في إبراهيم والشورى فلم يقرأهما بالجمع سوى نافع؛ ولم يختلف السبعة فيما سوى هذه المواضع. والذي ذكرناه في الرُّوم هو الثاني
{ ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ }
[الروم: 48]. ولا خلاف بينهم في
{ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ }
[الروم:46]. وكان أبو جعفر يزيد بن القَعْقَاع يجمع الرياح إذا كان فيها ألف ولام في جميع القرآن؛ سوى
{ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ }
[الحج: 31] و
{ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ }
[الذاريات: 41]. فإن لم يكن فيه ألف ولام أفرد. فمن وجّد الريح فلأنه ٱسم للجنس يدل على القليل والكثير. ومن جمع فلاختلاف الجهات التي تهبّ منها الرياح. ومن جمع مع الرحمة ووحّد مع العذاب فإنه فعل ذلك ٱعتباراً بالأغلب في القرآن؛ نحو: { ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ } و { ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ } فجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة مفردة مع العذاب؛ إلا في يونس في قوله:
{ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ }
[يونس: 22]. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذَا هَبت الرّيح: " اللَّهُمَّ ٱجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً " وذلك لأن ريح العذاب شديدة ملتئمة الأجزاء كأنها جسم واحد، وريح الرحمة ليّنة متقطّعة فلذلك هي رياح. فأفرِدت مع الفُلْك في «يونس»؛ لأن ريح إجراء السفن إنما هي ريح واحدة متّصلة ثم وُصفت بالطّيب فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب.

اسامة محمد خيري
25-10-2018, 07:09
الجوهرة الخامسة والعشرون

قال القرطبي

قوله تعالى: { وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ } قراءة أهل المدينة وأهل الشام بالتاء، وأهل مكة وأهل الكوفة وأبو عمرو بالياء؛ وهو ٱختيار أبي عبيد. وفي الآية إشكال وحذف؛ فقال أبو عبيد: المعنى لو يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة لعلموا حين يرونه أن القُوّة لله جميعاً. و «يرى» على هذا من رؤية البصر. قال النحاس في كتاب «معاني القرآن» له: وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير. وقال في كتاب «إعراب القرآن» له: وروي عن محمد بن يزيد أنه قال: هذا التفسير الذي جاء به أبو عبيد بعيد، وليست عبارته فيه بالجيدة؛ لأنه يقدّر: ولو يرى الذين ظلموا العذاب؛ فكأنه يجعله مشكوكاً فيه وقد أوجبه الله تعالى؛ ولكن التقدير وهو قول الأخفش: ولو يرى الذين ظلموا أن القوّة لله.

و «يرى» بمعنى يعلم؛ أي لو يعلمون حقيقة قوّة الله عزّ وجلّ وشدّة عذابه؛ فـ «ـيرى» واقعة على أن القوّة لله، وسدّت مَسدّ المفعولين. و «الذين» فاعل «يرى»، وجواب «لو» محذوف؛ أي ليتبيّنُوا ضرر ٱتخاذهم الآلهة؛ كما قال عزّ وجلّ:
{ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ }
[الأنعام: 27]،
{ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ }
[الأنعام: 30] ولم يأت لـ «ـلَوْ» جواب. قال الزهري وقتادة: الإضمار أشدّ للوعيد؛ ومثله قول القائل: لو رأيتَ فلاناً والسياط تأخذه! ومن قرأ بالتاء فالتقدير: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه وٱستعظامهم له لأقرّوا أن القوّة لله؛ فالجواب مضمر على هذا النحو من المعنى وهو العامل في «أنّ». وتقدير آخر: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه لعلمت أن القوّة لله جميعاً. وقد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم علم ذلك، ولكن خوطب والمراد أمّته؛ فإن فيهم من يحتاج إلى تقوية علمه بمشاهدة مثل هذا. ويجوز أن يكون المعنى: قل يا محمد للظالم هذا. وقيل: «أنّ» في موضع نصب مفعول من أجله؛ أي لأن القوة لله جميعاً. وأنشد سيبويه:
وأغفرُ عوراءَ الكريم ٱدّخارَه وأَعْرِضُ عن شتم اللئيم تكَرُّما
أي لادخاره؛ والمعنى: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب لأنّ القوّة لله لعلمت مبلغهم من النكال ولاستعظمت ما حَلَّ بهم. ودخلت «إذ» وهي لمَا مضى في إثبات هذه المستقبلات تقريباً للأمر وتصحيحاً لوقوعه. وقرأ ٱبن عامر وحده «يرون» بضم الياء، والباقون بفتحها. وقرأ الحسن ويعقوب وشَيبة وسَلاَّم وأبو جعفر «إن القوّة، وإن الله» بكسر الهمزة فيهما على الاستئناف أو على تقدير القول؛ أي ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب يقولون إن القوّة لله. وثبت بنصّ هذه الآية القوّة لله، بخلاف قول المعتزلة في نَفْيهم معاني الصفات القديمة؛ تعالى الله عن قولهم.

وقال السمين

قوله: { وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ } جوابُ لو محذوفٌ، واختُلِفَ في تقديره، ولا يَظْهَرُ ذلك إلا بعد ذِكْرِ القراءت الواردة في ألفاظِ هذه الآيةِ الكريمة: قرأ ابنُ عامر ونافع: " ولو ترى " بتاءِ الخطابِ، و " أن القوة " و " أن الله بفتحِهما، وقرأ ابنُ عامر: " إذ يُرَوْن " بضم الياء، والباقون بفتحِهما. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكوفيون: " ولو يرى " بياء الغيبة، " أنَّ القوة " و " أنَّ الله " بفتحِهما، وقرأ الحسن وقتادة وشيبة ويعقوب وأبو جعفر: " ولو تَرَى " بالخطاب، " إن القوة " و " إن الله " بكسرهما، وقرأت طائفةٌ: " ولو يرى " بياء الغيبة، " إن القوة " و " إن الله " بكسرهما. إذا تقرَّر ذلك فقد اختلفوا في تقديرِ جواب لو، فمنهم مَنْ قَدَّره قبل قولِه: " أن القوة " ومنهم مَنْ قدَّره بعد قولِه: " وأنَّ الله شديدُ العذابِ " / وهو قولُ أبي الحسن الأخفش والمبرد. أمَّا مَنْ قَدَّره قبل " أنَّ القوةَ " فيكونُ " أنَّ القوةَ " معمولاً لذلك الجوابِ. وتقديرُه على قراءةِ ترى - بالخطاب - وفتح أنَّ وأنَّ: لعلِمْتَ أيها السامعُ أنَّ القوةَ لله جميعاً، والمرادُ بهذا الخطابِ: إمّا النبيُّ عليه السلام وإمّا كلُّ سامعٍ. وعلى قراءةِ الكسرِ في " إنّ " يكونُ التقديرُ: لقلت إنَّ القوةَ لله جميعاً، والخلافُ في المرادِ بالخطاب كما تقدَّم، أو يكونُ التقديرُ: لاستعظَمت حالَهم، وإنما كُسِرَتْ " إنَّ " لأنَّ فيها معنى التعليل نحو قولك: لو قَدِمْتَ على زيد لأحْسنَ إليك إنَّه مكرمٌ للضِّيفان، فقولك: أنه مكرِمٌ للضِّيفان " عِلَّةٌ لقولِك " أَحْسَنَ إليك ".

وقال ابنُ عطية: " تقديرُه: ولو ترى الذين ظَلَموا في حال رؤيتهم العذابَ وفزعهم منه واستعظامِهم له لأقَرُّوا له لأقَرُّوا أنَّ القوةَ لله جميعاً " وناقشه الشيخ فقال: " كان ينبغي أن يقولَ: في وقتِ رؤيتهم العذابَ فيأتي بمرادف " إذ " وهو الوقتُ لا الحالُ، وأيضاً فتقديرُه لجوابِ " لو " غيرُ مُرَتَّبٍ على ما يلي " لو " ، لأنَّ رؤية السامعِ أو النبي عليه السلام الظالمينَ في وقتِ رؤيتهم لا يترتَُّبُ عليها إقرارُهم بأنّ القوة لله جميعاً، وهو نظيرُ قولِك: " يا زيدُ لو ترى عَمْراً في وقتِ ضَرْبِه لأقَرَّ أنَّ الله قادِرٌ عليه " فإقرارُه بقدرةِ الله ليست مترتبةً على رؤيةِ زيد " انتهى.

وتقديرُه على قراءةِ " يرى " بالغيبة: لعلموا أنَّ القوةَ، إنْ كان فاعل " يرى " " الذين ظلموا " ، وإن كان ضميراً يعودُ على السامعِ فيُقَدَّرُ: لَعَلِمَ أنَّ القوة.

وأمَّا مَنْ قَدَّره بعدَ قولِه: شديدُ العذاب فتقديرُه على قراءة " ترى " بالخطابِ: لاستعظَمْتَ ما حلَّ بهم، ويكونُ فتحُ " أنَّ " على أنه مفعولٌ من أجلِه، أي: لأنَّ القوةَ لله جميعاً، وكَسْرُها على معنى التعليلِ نحو: " أكرِمْ زيداً إنه عالم، وأَهِنْ عمراً إنَّه جاهلٌ " ، أو تكونُ جملةً معترضةً بين " لو " وجوابِها المحذوفِ. وتقديرُه على قراءةِ " ولو يرى " بالغيبة إن كان فاعلُ " يرى " ضميرَ السامعِ: لاستعظَمَ ذلك، وإنْ كان فاعلُه " الذين " كان التقديرُ: لاستعظَموا ما حَلَّ بهم، ويكونُ فتحُ " أنَّ " على أنها معمولةٌ ليرى، على أن يكونَ الفاعلُ " الذين ظلموا " ، والرؤيةُ هنا تحتِملُ أن تكونَ من رؤيةِ القلبِ فتسدَّ " أنَّ " مسدَّ مفعولهما، وأن تكونَ من رؤية البصرِ فتكونَ في موضعِ مفعولٍ واحدٍ.

وأمَّا قراءةُ " يرى الذين " بالغَيبة وكسرِ " إنَّ " و " إنَّ " فيكونُ الجوابُ قولاً محذوفاً وكُسِرتَا لوقوعِهما بعد القولِ، فتقديرُه على كونِ الفاعلِ ضميرَ الرأي: لقال إنَّ القوةَ؛ وعلى كونه " الذين ": لقالوا: ويكونُ مفعولُ " يرى " محذوفاً أي: لو يرى حالهم. ويُحتمل أن يكونَ الجوابُ: لاستَعْظَم أو لاستَعْظَموا على حَسَبِ القولين، وإنما كُسِرتا استئنافاً، وحَذْفُ جوابِ " لو " شائعٌ مستفيضٌ، وكثُر حَذْفهُ في القرآن. وفائدةُ حَذْفِه استعظامُه وذهابُ النفسِ كلَّ مذهبٍ فيه بخلافِ ما لو ذُكِر، فإنَّ السامعَ يقصُر هَمَّه عليه،....

وقراءةُ ابنِ عامر " يُرَوْنَ العذاب " مبنياً للمفعول مَنْ أَرَيْتُ المنقولةِ من رَأَيْتُ بمعنى أبصرتُ فتعدَّتُ لاثنين، أولُهما قامَ مَقامَ الفاعلِ وهو الواو، والثاني هو " العذابُ " ، وقراءةُ الباقين واضحةٌ.

وقال الراغبُ: " قوله ": " أنَّ القوة " بدلٌ من " الذين " قال: " وهو ضعيفٌ " قال الشيخ: " ويصيرُ المعنى: ولو تَرى قوةَ الله وقدرَتَه على الذين ظلموا ". وقال في " المنتخب ": " قراءةُ الياء عند بعضهم أَوْلَى من قراءة التاء " ، قال: " لأنَّ النبيَّ عليه السلام والمؤمنين قد عَلِموا قَدْرَ ما يُشَاهِدُه الكفارُ، وأمّا الكفارُ فلم يَعْلَمُوه فوجَبَ إسنادُ الفعلِ إليهم " وهذا ليس بشيءٍ فإنَّ القراءَتَيْنِ متواتِرتان.

وقال الطبري

قال أبو جعفر والصواب من القراءة عندنا فـي ذلك { وَلَوْ تَرَى الَّذِينَ ظَلَـمُوا } بـالتاء من «ترى» { إِذْ يَرَوْنَ العَذَابَ أن القُوَةَ للّهِ جَميعاً وأنَّ اللَّه شَدِيدُ العَذَابِ } بـمعنى لرأيت أن القوة للّه جميعاً وأن الله شديد العذاب، فـيكون قوله «لرأيت» الثانـية مـحذوفة مستغنى بدلالة قوله «ولو ترى الذين ظلـموا» عن ذكره، وإن كان جوابـاً للو ويكون الكلام وإن كان مخرجه مخرج الـخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم معنـيا به غيره، لأن النبـيّ صلى الله عليه وسلم كان لا شك عالـماً بأن القوّة لله جميعاً وأن الله شديد العذاب، ويكون ذلك نظير قوله
{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ }
البقرة 107 وقد بـيناه فـي موضعه. وإنـما اخترنا ذلك علـى قراءة الـياء لأن القوم إذا رأوا العذاب قد أيقنوا أن القوّة لله جميعاً، وأن الله شديد العذاب، فلا وجه أن يقال لو يرون أن القوّة لله جميعاً حينئذ، لأنه إنـما يقال «لو رأيت» لـمن لـم ير، فأما من قد رآه فلا معنى لأن يقال له «لو رأيت». ومعنى قوله { إذْ يَرَوْنَ العَذَابَ } إذ يعاينون العذاب. كما حدثت عن عمار بن الـحسن، قال ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع قوله { وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَـمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذَابَ أن القُوةَ لِلّهِ جَمِيعاً وأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذَابِ } يقول لو عاينوا العذاب. وإنـما عنى تعالـى ذكره بقوله { وَلَوْ تَرَى الَّذِينَ ظَلَـمُوا } ولو ترى يا مـحمد الذين ظلـموا أنفسهم فـاتـخذوا من دونـي أنداداً يحبونهم كحبكم إياي، حين يعاينون عذابـي يوم القـيامة الذي أعددت لهم، لعلـمتـم أن القوّة كلها لـي دون الأنداد والآلهة، وأن الأنداد والآلهة لا تغنـي عنهم هنالك شيئاً، ولا تدفع عنهم عذابـاً أحللت بهم، وأيقنتـم أنـي شديدٌ عذابـي لـمن كفر بـي وادّعى معي إلهاً غيري.

اسامة محمد خيري
25-10-2018, 07:38
الجوهرة السادسة والعشرون

{ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلٰوةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ }

قال القرطبي

قرأ حمزة وحفص «البِرَّ» بالنصب، لأن ليس من أخوات كان، يقع بعدها المعرفتان فتجعل أيهما شئت الاسم أو الخبر؛ فلما وقع بعد «ليس»: «البِرّ» نصبه؛ وجعل «أن تُوَلُّوا» الاسمِ، وكان المصدر أولى بأن يكون ٱسماً لأنه لا يتنكّر، والبرّ قد يتنكّر والفعل أقوى في التعريف. وقرأ الباقون «البِرُّ» بالرفع على أنه ٱسم ليس، وخبره «أن تُوَلُّوا»، تقديره: ليس البرّ توليتكم وجوهكم؛ وعلى الأوّل ليس توليتكم وجوهكم البرّ، كقوله:
{ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ }
[الجاثية: 25]،
{ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ أَن كَذَّبُواْ }
[الروم: 10]
{ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ }
[الحشر: 17] وما كان مثله. ويقوّي قراءة الرفع أن الثاني معه الباء إجماعاً في قوله:
{ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا }
[البقرة: 189] ولا يجوز فيه إلا الرفع؛ فحملُ الأوّل على الثاني أوْلى من مخالفته له. وكذلك هو في مصحف أُبَيّ بالباء «لَّيْسَ ٱلْبِرَّ بأَن تُوَلُّواْ» وكذلك في مصحف ٱبن مسعود أيضاً؛ وعليه أكثر القراء، والقراءتان حسنتان....


قوله تعالى: { وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ } فقيل: يكون «الموفون» عطفاً على «مَن» لأن من في موضع جمع ومحل رفع؛ كأنه قال: ولكن البرّ المؤمنون والموفون؛ قاله الفراء والأخفش. «والصابرين» نصب على المدح، أو بإضمار فعل. والعرب تنصب على المدح وعلى الذم كأنهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه أوّل الكلام، وينصبونه. فأمّا المدح فقوله:
{ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ }
[النساء: 162]. وأنشد الكسائي:
وكلُّ قومٍ أطاعوا أَمْرَ مُرْشِدِهم إلا نُميراً أطاعت أَمْرَ غاوِيها
الظاعنين ولما يُظْعِنوا أحدا والقائلون لِمَنْ دارٌ نُخلِّيها
وأنشد أبو عبيدة:
لا يَبْعَدن قومي الذين هُمُ سَمُّ العُدَاةِ وآفَةُ الجُزْرِ
النازلين بكل مُعْتَرَكٍ والطيبون مَعاقِدَ الأُزْرِ
وقال آخر:
نحن بني ضَبَّةَ أصحاب الجَمَل
فنصب على المدح. وأمّا الذّم فقوله تعالى:
{ مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ }
[الأحزاب: 61] الآية. وقال عُرْوَة بن الوَرْد:
سَقَوْني الخمر ثم تَكَنَّفُوني عُدَاةَ اللَّهِ من كَذِب وزورِ
وهذا مَهْيَع في النعوت، لا مطعن فيه من جهة الإعراب، موجود في كلام العرب كما بيّنا. وقال بعض من تعسّف في كلامه: إن هذا غلط من الكتاب حين كتبوا مصحف الإمام؛ قال: والدليل على ذلك ما روي عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال: أرى فيه لَحْناً وستقيمه العرب بألسنتها. وهكذا قال في سورة النساء
{ والْمُقِيمينَ الصَّلاَةَ }
[النساء: 162]، وفي سورة المائدة
{ وَٱلصَّابِئُونَ }
[المائدة: 69]. والجواب ما ذكرناه. وقيل: «الموفون» رفع على الابتداء والخبر محذوف، تقديره وهم الموفون. وقال الكسائي: «والصابرين» عطف على «ذوي القربى» كأنه قال: وآتى الصابرين. قال النحاس: «وهذا القول خطأ وغلط بيّن؛ لأنك إذا نصبت «والصابرين» ونسقته على «ذوي القربى» دخل في صلة «من» وإذا رفعت «والموفون» على أنه نسق على «مَن» فقد نسقت على «مَن» مِن قبل أن تتم الصلة، وفرّقت بين الصلة والموصول بالمعطوف». وقال الكسائي: وفي قراءة عبد اللَّه «والموفين، والصابرين». وقال النحاس: «يكونان منسوقين على «ذوي القربى» أو على المدح. قال الفرّاء: وفي قراءة عبد اللَّه في النساء
{ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ }
[النساء: 162]. وقرأ يعقوب والأعمش «والموفون والصابرون» بالرفع فيهما. وقرأ الجَحْدَرِيّ «بعهودهم». وقد قيل: إن «والمُوفُون» عطف على الضمير الذي في «آمن». وأنكره أبو عليّ وقال: ليس المعنى عليه؛ إذ ليس المراد أن البرِّ بِرّ من آمن بالله هو والموفون؛ أي آمنا جميعاً. كما تقول: الشجاع من أقدم هو وعمرو؛ وإنما الذي بعد قوله «من آمن» تعداد لأفعال من آمن وأوصافهم.

وقال السمين

قوله: { وَٱلْمُوفُونَ } في رفعه ثلاثةُ أوجه، أحدُها: - ولم يذكر الزمخشري غيرَه - أنه عطفٌ على " مَنْ آمن " ، أي: ولكنَّ البِرَّ المؤمنون والموفون. والثاني: أن يَرْتفعَ على خبرِ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هم المُوفون. وعلى هذينِ الوجهين فنصْبُ " الصابرين " على المدحِ بإضمارِ فعلٍ، وهو في المعنى عَطْفٌ على " مَنْ آمن " ، ولكنْ لَمَّا تكرَّرت الصفاتُ خُولف بين وجوه الإِعرابِ.

قال الفارسي: " وهو أبلغُ لأنَّ الكلامَ يَصِيرُ على جملٍ متعددةٍ، بخلافِ اتفاق الإِعراب فإنه يكونُ جملةً واحدةً، وليس فيها من المبالغةِ ما في الجملِ المتعددةِ.

فإن قيل: لِمَ لا يجوزُ على هذين الوجهين أن يكونَ معطوفاً على " ذوي القربى " أي: وآتى المالَ الصابرين؟ قيل: لئلاَّ يلزمَ من ذلك محذورٌ وهو الفصلُ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه الذي هو في حكمِ الصلة بأجنبي وهو الموفون. والثالث: أن يكونَ " الموفون " عطفاً على الضمير المستتر في " آمَنَ " ، ولم يُحْتَجْ إلى التأكيدِ بالضميِر المرفوعِ المنفصلِ لأنَّ طولَ الكلامِ أغنى عن ذلك. وعلى هذا الوجهِ يجوزُ في " الصابرين " وجهان، أحدُهما: النصبُ بإضمارِ فعلٍ كما تقدَّم، والثاني: العطفُ على " ذوي القربى " ، ولا يَمْنَعُ من ذلك ما تقدَّم من الفصلِ بالأجنبي، لأنَّ الموفين على هذا الوجه داخلٌ في الصلةِ فهو بعضُها لا أجنبيٌّ منها...

وقال الطبري

وقد زعم بعضهم أن قوله { وَالصَّابِرِينَ فِـي البَأساءِ } نصب عطفـاً علـى السائلـين، كأن معنى الكلام كان عنده وآتـى الـمال علـى حبه ذوي القربى والـيتامى والـمساكين وابن السبـيـل والسائلـين والصابرين فـي البأساء والضراء. وظاهر كتاب الله يدل علـى خطأ هذا القول، وذلك أن الصابرين فـي البأساء والضراء هم أهل الزمانة فـي الأبدان وأهل الإقتار فـي الأموال، وقد مضى وصف القوم بإيتاء من كان ذلك صفته الـمال فـي قوله { وَالَـمساكينَ وَابْنَ السَّبِـيـلِ وَالسَّائِلِـينَ } وأهل الفـاقة والفقر هم أهل البأساء والضراء، لأن من لـم يكن من أهل الضراء ذا بأساء لـم يكن مـمن له قبول الصدقة، وإنـما له قبولها إذا كان جامعاً إلـى ضرائه بأساء، وإذا جمع إلـيها بأساء كان من أهل الـمسكنة الذين قد دخـلوا فـي جملة الـمساكين الذين قد مضى ذكرهم قبل قوله { وَالصَّابرِينَ فـي البأساء }. وإذا كان كذلك ثم نصب الصابرين فـي البأساء بقوله { وآتـى الـمالَ علـى حُبِّهِ } كان الكلام تكريراً بغير فـائدة معنى، كأنه قـيـل وآتـى الـمال علـى حبه ذوي القربى والـيتامى والـمساكين، والله يتعالـى عن أن يكون ذلك فـي خطابه عبـاده ولكن معنى ذلك ولكنّ البرّ من آمن بـالله والـيوم الآخر، والـموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرين فـي البأساء والضراء. والـموفون رفع لأنه من صفة «مَنْ»، و«مَنْ» رفعٌ فهو معرب بإعرابه، والصابرين نصب وإن كان من صفته علـى وجه الـمدح الذي وصفنا قبل.

اسامة محمد خيري
25-10-2018, 11:05
الجوهرة السابعة والعشرون

{ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ }

قال السمين

قوله: { يُطِيقُونَهُ } الجمهورُ على " يُطِيقُونه " من أطاق يُطِيق، مثل أَقامَ يُقيم. وقَرَأَ حُميد: " يُطْوِقُونه " من أَطْوقَ، كقولهم: أَطْوَلَ في أَطال، وأَغْوَلَ في أَغال، وهذا تصحيحٌ شاذ، ومثله في الشذوذ من ذواتِ الواو: أَجْوَدَ بمعنى أجاد، ومِنْ ذوات الياء: أَغْيَمتِ السماءُ وأَجْيَلَت، وأَغْيَلَتِ المرأة، وأَطْيَبَت، وقد جاء الإِعلال في الكلِ وهو القياسُ، ولم يَقُلْ بقياسِ نحو: " أَغْيَمَت " و " أطْوَل " إلا أبو زيد.

وقرأ ابن عباس وابن مسعود: " يُطَوَّقونه " مبنياً للمفعول من طَوَّق مضعفاً على وزنِ قَطَّع. وقرأت عائشة وابن دينار: " يَطَّوَّقُونَه " بتشديد الطاء والواو من أَطْوَقَ، وأصلُه تَطَوَّق، فَلَمَّا أُريد إدغامُ التاءِ في الطاء قُلِبَتْ طاءً، واجْتُلِبَتِ همزةُ الوصل لتمكُّنِ الابتداءِ بالساكن، وقد تقدَّم تقريرُ ذلك في قولِه:
{ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا }
[البقرة: 158]. وقرأ عكرمة وطائفةٌ: " يَطَّيَّقونُه " بفتحِ الياء وتَشْدِيد الطاء والياء، وتُرْوى عن مجاهدٍ أيضاً. وقُرىء أيضاً هكذا لكن ببناءِ الفعل للمفعول.

وقد رَدَّ بعضُ الناسِ هذه القراءةَ. وقال ابن عطية: " تشديدُ الياء في هذه اللفظةِ ضعيفٌ " وإنما قالوا بِبُطْلاَنِ هذه القراءةِ لأنها عندهم من ذوات الواوِ وهو الطَّوْق، فمن أين تَجِيءُ الياءُ؟ وهذه القراءةُ ليست باطلةً ولا ضعيفةً، ولها تخريجٌ حسنٌ: وهو أنَّ هذه القراءةَ ليست مِنْ تَفَعَّل حتى يلزمَ ما قالوه من الإشكال، وإنما هي من تَفَيْعَل، والأصلُ: تَطَيْوَق من الطَّوْقِ، كتَدَيَّر وتَحَيَّر من الدَّوَران، والحَوْر، والأصلُ: تَدَيْوَر وتَحَيْوَرَ، فاجتمعت الياءُ والواوُ، وسبقت إحداهما بالسكونِ فقُلِبَت الواوُ ياءً، وأُدْغِمَت الياءُ في الياءِ، فكان الأصلُ: يَتَطَيْوَقُونه، ثم أُدْغِمَ بعد القلبِ، فَمَنْ قَرَأَه " يَطَّيَّقونه " بفتح الياءِ بناه للفاعل، ومَنْ ضَمَّها بَناه للمفعول. وتَحْتَمِل قراءةُ التشديد في الواوِ أو الياءِ أن تكونَ للتكلفِ، أي: يتكلَّفون إطاقَتَه، وذلك مجازٌ من الطَّوْقِ الذي هو القِلاَدَةُ، كأنه بمنزلةِ القِلادَةِ في أَعْنَاقِهِم.

وأَبْعَدَ مَنْ زَعَمَ أنَّ " لا " محذوفةٌ قبلَ " يُطِيقُونَه " وأنَّ التقديرَ: " لا يُطيقونه " ....

و " فِدْيَةٌ " مبتدأٌ، خبرُهُ في الجارِّ قبلَه. والجماعةُ على تنوينِ " فِدْيَة " ورفع " طعام " وتوحيدِ " مسكين " وهشامٌ كذلك إلاَّ أنه قرأ: " مساكين " جمعاً، ونافع وابنُ ذكوان بإضافة " فدية " إلى " طعام مساكين " جمعاً. فالقراءةُ الأولى يكونُ " طعام " بدلاً من " فِدْية " بَيَّن بهذا البدلِ المرادَ بالفدية، وأجازَ أبو البقاء أن يكونَ خبرَ مبتدأٍ محذوف، أي: هي طعام. وأما إضافة الفِدْية للطعامِ فمِنْ باب إضافة الشيء إلى جنسه، والمقصودُ به البيانُ كقولِك. خاتَمُ حديدٍ وثوبُ خَزٍّ وبابُ ساجٍ، لأنَّ الفِدْيَةَ تكونُ طعاماً وغيرَه. وقال بعضهم: " يجوزُ أن تكونَ هذه الإِضافة من بابِ إضافة الموصوفِ إلى الصفةِ، قال: " لأنَّ الفديةَ لها ذاتٌ وصفتُها أنَّها طعامٌ " وهذا فاسدٌ، لأنَّه: إمَّا أنَّ يريدَ بطعام المصدر بمعنى الإِطعام كالعَطاءِ بمعنى الإِعطاء، أو يريدَ به المفعولَ، وعلى كِلا التقديرين فلا يُوصف به؛ لأن المصدرَ لا يُوصَفُ به إلا عند المبالغةِ، وليسَتْ مُرادةً هنا، والذي بمعنى المفعولِ ليس جارياً على فِعْلٍ ولا ينقاسُ، لا تقولُ: ضِراب بمعنى مَضْروب، ولا قِتال بمعنى مَقْتُول، ولكونِها غيرَ جاريةً على فِعْلٍ لم تعملْ عَمَله، لا تقول: " مررت برجلٍ طعامٍ خبزُه " وإذا كانَ غيرَ صفةٍ فكيفَ يقال: أُضيف الموصوفُ لصفتِه؟

وإنَّما أُفْرِدَت " فِدْية " لوجهين، أحدُهما: أنَّها مصدرٌ والمصدرُ يُفْرَدُ، والتاء فيها ليست للمَرَّة، بل لِمُجَرَّدِ التأنيث. والثاني: أنه لَمَّا أضافها إلى مضافٍ إلى الجمع أَفْهَمَتِ الجَمْعَ/، وهذا في قراءةِ " مساكين " بالجمع. ومَنْ جمع " مساكين " فلمقابلةِ الجمع بالجمعِ، ومَنْ أَفْرَدَ فعلى مراعاةِ إفرادِ العمومِ، أي: وعلى كلِّ واحدٍ مِمَّن يُطيق الصومَ لكلِّ يوم يُفْطِرُه إطعامُ مسكين. ونظيرهُ:
{ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً }
[النور: 4].

وتَبَيَّن مِنْ إفراد " المسكين " أنَّ الحكم لِكلِّ يومٍ يُفْطِرُ فيه مسكينٌ، ولا يُفْهَم ذلك من الجَمْعِ. والطعامُ: المرادُ به الإِطعامُ، فهو مصدرٌ، ويَضْعُفُ أنْ يُراد به المفعولُ، قال أبو البقاء: " لأنه أضافه إلى المسكين، وليس الطعامُ للمسكين قبل تمليكِه إياه، فلو حُمِلَ على ذلك لكان مجازاً، لأنه يصير تقديرُه: فعليه إخراجُ طعامٍ يصيرُ للمساكين، فهو من باب تسميةِ الشيءِ، بما يَؤُول إليه، وهو وإنْ كان جائزاً إلا أنه مجازٌ والحقيقةُ أولى منه ".

وقال القرطبي

وٱختلف العلماء في المراد بالآية؛ فقيل: هي منسوخة. روى البخاري: «وقال ٱبن نُمير حدّثنا (الأعمش حدّثنا) عمرو بن مُرّة حدّثنا ٱبن أبي ليلى حدّثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: نزل رمضان فشّق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك الصوم ممن يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسختها { وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ }. وعلى هذا قراءة الجمهور «يطيقونه» أي يقدرون عليه؛ لأن فرض الصيام هكذا: من أراد صام ومن أراد أطعم مسكيناً. وقال ٱبن عباس: نزلت هذه الآيةُ رخصة للشيوخ والعجزة خاصّة إذا أفطروا وهم يطيقون الصوم، ثم نُسخت بقوله
{ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ }
[البقرة: 185] فزالت الرُّخصة إلا لمن عجز منهم. قال الفّراء: الضمير في «يطيقونه» يجوز أن يعود على الصيام؛ أي وعلى الذين يطيقون الصيام أن يطعموا إذا أفطروا، ثم نسخ بقوله: { وَأَن تَصُومُواْ }. ويجوز أن يعود على الفداء؛ أي وعلى الذين يطيقون الفداء فِدْية. وأما قراءة «يُطَوَّقونه» على معنى يكلَّفونه مع المشقة اللاحقة لهم؛ كالمريض والحامل فإنهما يقدران عليه لكن بمشقة تلحقهم في أنفسهم، فإن صاموا أجزأهم وإن ٱفتدوا فلهم ذلك. ففّسر ٱبن عباس ـ إن كان الإسناد عنه صحيحاً ـ «يطيقونه» يُطَوّقونه ويتكلفونه فأدخله بعض النقلة في القرآن....

اسامة محمد خيري
25-10-2018, 11:15
الجوهرة الثامنة والعشرون

شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }

قال السمين

قوله تعالى: { شَهْرُ رَمَضَانَ }: فيه قراءتان، المشهورةُ الرفعُ، وفيه أوجهٌ، أحدُها: أنه مبتدأٌ، وفي خبرهِ حينئذٍ قولان، الأولُ: أنه قولُه { ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ } ويكون قد ذَكَرَ هذه الجملةَ مَنْبَهَةً على فَضْلِه ومَنْزِلَتِه، يعني أنَّ هذا الشهر الذي أُنْزِلَ فيه القرآنُ هو الذي فُرِضَ عليكم صومُهُ، والقولُ الثاني: أنه قولُه: { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } وتكونُ الفاءُ زائدةً وذلك على رأي الأخفشِ، وليست هذه الفاء لا تزاد في الخبرِ لشبهِ المبتدأِ بالشرطِ، وإن كان بعضُهم زَعَم أنَّها مثلُ قولِهِ:
{ قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ }
[الجمعة: 8] وليس كذلك، لأنَّ قولِهِ: { ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ } يُتَوَهَّم فيه عمومٌ بخلاف شهر رمضان. فإنْ قيل: أين الرابطُ بين هذه الجملةِ وبين المبتدأِ؟ قيل: تكرارُ المبتدأِ بلفظِه كقوله:
843 ـ لا أَرى الموتَ يَسْبِقُ الموتَ شيءٌ ..........................
وهذا الإِعراب - أعني كون " شهر رمضان " مبتدأ - على قولِنا: إن الأيامَ المعدوداتِ هي غيرُ رمضان، أمَّا إذا قُلْنا إنها نفسُ رمضان ففيه الوجهان الباقيان.

أحدُهما: أن يكون خَبَرَ مبتدأٍ محذوفٍ، فقدَّرَهُ الفراء: ذلكم شهرُ رمضانَ، وقدَّره الأخفش: المكتوبُ شهرُ، والثاني: أن يكونَ بدلاً مِنْ قَوْلِهِ " الصيام " أي: كُتِبَ عليكم شهرُ رمضانَ، وهذا الوجهُ وإن كان ذهب إليه الكسائي بعيدٌ جداً لوجهين، أحدُهما: كثرةُ الفصلِ بين البدلِ والمُبْدَلِ منه. والثاني: أنه لا يكونُ إذ ذاك إلا مِنْ بدلِ الإِشمالِ وهو عكسُ بدلِ الاشتمالِ، لأنَّ بدلَ الاشتمال غالباً بالمصادرِ كقوله:
{ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ }
[البقرة: 217]، وقول الأعشى:
844 ـ لقد كانَ في حَوْلٍ ثَواءٍ ثَوَيْتُه تَقَضِّي لُباناتٍ وَيَسْأَمُ سائِمُ
وهذا قد أُبْدِلَ فيه الظرفُ من المصدرِ. ويمكن أن يوجَّهَ قولُه بأنَّ الكلامَ على حَذْفِ مضافٍ تقديرُهُ: صيامُ شهر رمضان، وحينئذٍ يكونُ من بابِ [بدلِ] الشيءِ من الشيءِ وهما لعينٍ واحدة. ويجوزُ أن يكونَ الرفعُ على البدلِ من قوله " أياماً معدوداتٍ " في قراءةِ مَنْ رَفَع " أياماً " ، وهي قراءة عبدِ الله وفيه بُعْدٌ.

وأَمَّا غيرُ المشهورِ فبالنصب، وفيه أوجهٌ، أجودُها، النصبُ بإضمار فعلٍ أي: صُوموا شهرَ رمضانَ. الثاني - وذَكَره الأخفشُ والرُمَّاني -: أن يكونَ بدلاً من قولِهِ " أياماً معدوداتٍ " ، وهذا يُقَوِّي كونَ الأيام المعدودات هي رمضانَ، إلا أن فيه بُعْداً من حيث كثرةُ الفَصْلِ. الثالثَ: نَصْبٌ على الإِغراء ذكره أبو عبيدة والحوفي. الرابع: أَنْ ينتصِبَ بقولِهِ: " وَأَنْ تصوموا " حكاه ابن عطية، وجَوَّزَهُ الزمخشري، وغَلَّطَهما الشيخُ: " بأنَه يَلْزَمُ منه الفصلُ بين الموصولِ وصلِتهِ بأجنبي، لأنَّ الخبرَ وهو " خيرٌ " أجنبي من الموصولِ، وقد تقدَّم أنه لا يُخْبَرُ عن الموصولِ إلا بعد تمامِ صلتِهِ، و " شهر " على رأيهم من تمامِ صلة " أَنْ " فامتنع ما قالوه.

وليس لقائلٍ أن يقول: يتخرَّجُ ذلك على الخلافِ في الظرفِ وحَرفِ الجر فإنه يُغْتَفَرُ فيه ذلك عند بعضهم لأنَّ الظاهرَ من نصبِهِ هنا أنه مفعولٌ به لا ظرفٌ ". الخامسُ: أنه منصوبٌ بـ " تَعْملون " على حَذْفِ مضافٍ، تقديرُهُ: تعلمونَ شرفَ شهرِ رمضان فَحُذِفَ المضافُ وأقيم المضافُ إليه مُقَامَهُ في الإِعرابِ.....

{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }

قال السمين

والجمهورُ على " يَرْشُدون " بفتح الياءِ وضمِّ الشينِ، وماضيه رَشَدَ بالفتح وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة بخلافٍ عنهما بكسر الشين، وقُرىء بفتحها. وماضيه رَشِد بالكسر، وقرىء، يُرْشَدون " مبنياً للمفعول، وقرىء: " يُرْشِدُونَ " بضم الياء وكسر الشين من أَرْشد. المفعولُ على هذا محذوفٌ تقديرُه: يُرْشِدون غيرَهم.

اسامة محمد خيري
25-10-2018, 11:21
الجوهرة التاسعة والعشرون

قال ابن عطية

وابتغوا ما كتب الله لكم }.

قال ابن عباس ومجاهد والحكم بن عتيبة وعكرمة والحسن والسدي والربيع والضحاك: معناه ابتغوا الولد.

وروي أيضاً عن ابن عباس وغيره أن المعنى وابتغوا ليلة القدر، وقيل: المعنى ابتغوا الرخصة والتوسعة، قاله قتادة، وهو قول حسن، وقرأ الحسن فيما روي عنه ومعاوية بن قرة " واتبعوا " من الاتباع، وجوزها ابن عباس، ورجح { ابتغوا } من الابتغاء.....

وقرأ الأعمش " في المسجد " بالإفراد، وقال: " وهو المسجد الحرام ".

قال مالك رحمه الله وجماعة معه: لا اعتكاف إلا في مساجد الجمعات، وروي عن مالك أيضاً أن ذلك في كل مسجد، ويخرج إلى الجمعة كما يخرج إلى ضروري أشغاله.

وقال قوم: لا اعتكاف إلا في أحد المساجد الثلاثة التي تشد المطي إليها حسب الحديث في ذلك.

وقالت فرقة لا اعتكاف إلا في مسجد نبي.....

وقال السمين

وقرىء: " واتَّبِعُوا " من الاتِّباع، وتُرْوى عن ابن عباس ومعاوية ابن قرة والحسن البصري. وفَسَّروا " ما كَتَبَ اللَّهُ " بليلةِ القدر، أي: اتَّبِعوا ثوابها، قال الزمخشري: " وهو قريبٌ من بِدَعِ التفاسير ".......

قوله { وَتُدْلُواْ بها } في " تَدْلُوا " ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه مجزومٌ عطفاً على ما قبلَه، ويؤيِّدهُ قراءة أُبيّ: " ولا تُدْلُوا " بإعادةِ لا الناهيةِ، والثاني: أنَّه منصوبٌ على الصرف، وقد تقدَّم معنى ذلك وأنه مذهبُ الكوفيين، وأنه لم يَثْبُتْ بدليلٍ. والثالث: أنه منصوبٌ بإضمارِ أنْ في جواب النهي، وهذا مذهبُ الأخفشِ، وجَوَّزَهُ ابنُ عطيَّة والزمخشري ومكي وأبو البقاء. قال الشيخ: " وأَمَّا إعرابُ الأخفشِ وتجويزُ الزمخشري ذلك هنا فتلك مسألةُ: " لا تأكل السمك وتشربَ اللبن ". قال النحويون: إذا نُصِبَ لِوَجْهَيْنِ، أحدُهما: أنَّ النهيَ عن الجمعِ لا يَسْتَلْزِمُ النهيَ عن كلِّ واحدٍ منهما على انفرادِهِ، والنهيُ عن كلِّ واحدٍ منهما يَسْتَلْزِمُ النهيَ عن الجمعِ بينهما؛ لأن الجمعَ بينهما حصولُ كلِّ واحدٍ منهما، وكلُّ واحدٍ منهما منهيٌّ عنه ضرورةً، ألا ترى أنَّ أَكْلَ المالِ بالباطلِ حرامٌ سواءً أُفْرِدَ أم جُمِعَ مع غيرهِ من المُحَرَّمات. والثاني - وهو أَقْوَى - أَنَّ قولَه " لِتأكلوا " عِلَّةٌ لِمَا قَبْلَهَا، فلو كان النهيُ عن الجمعِ لم تَصِحَّ العلةُ له، لأنه مركبٌ من شيئين لا تَصِحُّ العلةُ أن تَتَرتَّب على وجودهما، بل إنما تترتَّب على وجودِ أحدهما، وهو الإدلاء بالأموالِ إلى الحكام ".....

وقرأ الجمهورُ " الحج " بالفتح في جميعِ القرآنِ إلا حمزةَ والكسائي وحفصاً عن عاصم فقرؤوا
{ حِجُّ ظ±لْبَيْتِ }
[آل عمران: 97] بالكسر، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق بالكسر في جميع القرآن، وهل هما بمعنىً واحدٍ أو مختلفان؟ قال سيبويه: " هما مصدران " فالمفتوحُ كالردِّ والشدِّ، والمكسورُ كالذِّكر، وقيل: بالفتحِ هو مصدرٌ، وبالكسرِ هو اسمٌ.....

ملحوظة

سمعت من بعض الصالحين يفرق بين قراءة فتح وكسر الحج قائلا احدهما قصد البيت والاخري قصد رب البيت

اسامة محمد خيري
25-10-2018, 11:37
الجوهرة الثلاثون

{ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ }

قال ابن عطية

وقرأ حمزة والكسائي والأعمش " ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه فإن قتلوكم فاقتلوهم " بالقتل في الأربعة، ولا خلاف في الأخيرة أنها { فاقتلوهم } ، والمعنى على قراءة حمزة والكسائي: فإن قتلوا منكم فاقتلوهم أيها الباقون، وذلك كقوله تعالى:
{ قتل معه ربيون كثير فما وهنوا }
[آل عمران: 146] أي فما وهن الباقون، والانتهاء في هذه الآية هو الدخول في الإسلام، لأن غفران الله ورحمته إنما تكون مع ذلك....

وقال السمين

قوله: { وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ } قرأ الجمهورُ الأفعالَ الثلاثة: " ولا تُقاتلوهم حتى يقاتِلوكم، فإنْ قاتلوكم " بالألف من القتال، وقرأها حمزة والكسائي من غير ألف من القتل. فأما قراءة الجمهور فهي واضحةٌ لأنها نَهْيٌ عن مقدِّمات القتل، فدلالتها على النهي عن القتل بطريقِ الأوْلى. وأمّا قراءةُ الأخوين ففيها تأويلان، أحدُهما: أن يكونَ المجازُ في الفعل، أي: ولا تأخذوا في قتلهم حتى يأخذوا في قَتْلكم. ومنه { قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ } [آل عمران: 146] ثم قال: " فما وَهَنوا " أي ما وَهَن مَنْ بقيَ منهم، وقال الشاعر:
869 ـ فإنْ تَقْتُلونا نُقَتِّلْكُمُ وإنْ تَفْصِدوا الدَّمَ نَفْصِدِ
أي: فإنْ تقتلوا بعضنا. وأَجْمَعوا على " فاقتلوهم " أنَّه من القتل، وفيه بشارةٌ بأنهم إذا فعلوا ذلك فإنهم مُتَمَكِّنون منهم بحيثُ إنكم أَمَرْتُم بقتلِهم لا بقتالِهم لنصرتِكم عليهم وخُذْلانِهم، وهي تؤيِّد قراءةَ الأخوينِ، ويؤيِّدُ قراءةَ الجمهورِ: { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ }.

اسامة محمد خيري
25-10-2018, 13:01
الجوهرة الواحدة والثلاثون(القراءات والفقه الاسلامى)

{ وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ }

قال الرازى

فإن قيل: قرأ علي وابن مسعود والشعبـي { وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ } بالرفع وهذا يدل على أنهم قصدوا إخراج العمرة عن حكم الحج في الوجوب. قلنا: هذا مدفوع من وجوه الأول: أن هذه قراءة شاذة فلا تعارض القراءة المتواترة، الثاني: أن فيها ضعفاً في العربية، لأنها تقتضي عطف الجملة الإسمية على الجملة الفعلية الثالث: أن قوله: { وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ } معناه أن العمرة عبادة الله، ومجرد كونها عبادة الله لا ينافي وجوبها، وإلا وقع التعارض بين مدلول القراءتين، وهو غير جائز الرابع: أنه لما كان قوله: { وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ } معناه: والعمرة عبادة الله، وجب أن يكون العمرة مأموراً بها لقوله تعالى:
{ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ }
[البينة: 5] والأمر للوجوب، وحينئذ يحصل المقصود.

اسامة محمد خيري
25-10-2018, 13:09
الجوهرة الثانية والثلاثون

{ ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ }


قال ابن عطية

وقرأ نافع " فلا رفثَ ولا فسوقَ ولا جدالَ " بنصب الجميع، وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " فلا رفثٌ ولا فسوقٌ ولا جدالَ " بالرفع في الاثنين ونصب الجدال، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بالرفع في الثلاثة، ورويت عن عاصم في بعض الطرق، و { لا } بمعنى ليس في قراءة الرفع وخبرها محذوف على قراءة أبي عمرو، و { في الحج } خبر { لا جدال } وحذف الخبر هنا هو مذهب أبي علي، وقد خولف في ذلك، بل { في الحج } هو خبر الكل، إذ هو في موضع رفع في الوجهين، لأن { لا } إنما تعمل على بابها فيما يليها وخبرها مرفوع باق على حاله من خبر الابتداء، وظن أبو علي أنها بمنزلة ليس في نصب الخبر، وليس كذلك، بل هي والاسم في موضع الابتداء يطلبان الخبر، و { في الحج } هو الخبر في قراءة كلها بالرفع وفي قراءتها بالنصب، والتحرير أن { في الحج } في موضع نصب بالخبر المقدر كأنك قلت موجود في الحج، ولا فرق بين الآية وبين قولك زيد في الدار....

وقال السمين

وأمَّا مَنْ رفع الأوَّلَيْن وفتحَ الثالث: فالرفعُ على ما تقدَّم، وكذلك الفتحُ، إلا أنه ينبغي أَنْ يُتَنَبَّه لشيءٍ: وهو أنَّا إذا قلنا بمذهبِ سيبويه من كونِ " لا " وما بُني معها في موضعِ المبتدأ يكونُ " في الحج " خبراً عن الجميع، إذ ليس فيه إلا عَطْفُ مبتدأٍ على مبتدأ. وأمَّا على مذهبِ الأخفشِ فلا يجوز أن يكونَ " في الحج " إلا خبراً للمبتدأيْنِ أو خبراً لـ " لا ". ولا يجوزُ أن يكونَ خبراً للكلِّ لاختلافِ الطالبِ، لأنَّ المبتدأ يَطْلُبه خبراً له ولا يطلبُه خبراً له.

وإنما قُرِىء كذلك، قال الزمخشري: " لأنهما حَمَلا الأوَّلَيْنِ على معنى النهي، كأنه قيل: فلا يكونَنَّ رفثٌ ولا فسوقٌ، والثالِثُ على معنى الإِخبار بانتفاءِ الجدال، كأنه قيل: ولا شكَّ ولا خلافَ في الحج " واستدلَّ على أنّ المنهيَّ عنه هو الرفثُ والفسوقُ دونَ الجدالِ بقولِه عليه السلام: " مَنْ حَجَّ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ " وأنه لم يَذْكُرِ الجدالَ. وهذا الذي ذكره الزمخشري سبقه إليه صاحبُ هذه القراءة، إلا أنه أفصحَ عن مرادِه، قال أبو عمرو بن العلاء - أحد قارئيها -: الرفعُ بمعنى فلا يكونُ رفثٌ ولا فسوقٌ؛ أَيْ شيءٌ يَخْرُج من الحَجِّ، ثم ابتدأ النفيَ فقال: " ولا جدالَ " ، فأبو عمرو لم يجعل النفيَيْن الأوَّلَيْن نهياً، بل تركهما على النفي الحقيقي؛ فمِنْ ثَمَّ كان في قولِه هذا نظرٌ؛ فإنَّ جملة النفيِ بلا التبرئةِ قد يرادُ بها النهيُ أيضاً، وقيل ذلك في قوله:
{ لاَ رَيْبَ فِيهِ }
[البقرة: 2]. والذين يظهر في الجوابِ عن ذلك ما نقله أبو عبد الله الفاسي عن بعضهم فقال: " وقيل: الحُجَّةُ لمَنْ رفعهما أنَّ النفي فيهما ليس بعامٍّ، إذ قد يقع الرفث والفسوق في الحج من بعضِ الناسِ بخلاف نفي الجدال في أمر الحج فإنه عامٌّ... " وهذا يتمشَّى على عُرْفِ النحويين فإنهم يقولون: لا العاملةُ عملَ " ليس " لنفي الوَحْدة، والعاملةُ عملَ " إنَّ " لنفي الجنس، قالوا: ولذلك يُقال: لا رجلَ فيها بل رجلان أو رجال إذا رفعت، ولا يَحْسُن ذلك إذا بَنَيْتَ اسمَها أو نَصَبْتَ بها. وتوسَّط بعضُهم فقال: التي للتبرئة نصٌّ في العمومِ، وتلك ليست نَصَّاً، والظاهرُ أنَّ النكرةَ في سياق النفي مطلقاً للعموم.

اسامة محمد خيري
25-10-2018, 13:16
الجوهرة الثالثة والثلاثون

{ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }

قال السمين

وقرأ سعيد بن جبير: " الناسي " وفيها تأويلان، أحدهما: أنه يُراد به آدمُ عليه السلام، وأيَّدوه بقوله:
{ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً }
[طه: 115]. والثاني: أن يُراد به التاركُ للوقوف بمزدلفة، وهم جَمْعُ الناس، فيكون المرادُ بالناسي حنسَ الناسين. قال ابن عطية: " ويجوزُ عند بعضِهم حذفُ الياءِ، فيقول: " الناس كالقاضِ والهادِ " قال: أمّا جوازُه في العربية فذكره سيبويه، وأمّا جوازُه قراءَةً فلا أحفظه ". قال الشيخ: " لم يُجِزْ سيبويه ذلك إلا في الشعر، وأجازه الفراء في الكلامِ، وأمّا قوله: " لم أحفظْه " قد حَفِظَه غيرُه، حكاها المهدوي قراءةً عن سِعيد بن جبير أيضاً....

قوله: { وَيُشْهِدُ ظ±للَّهَ } في هذه الجملةِ وجهان، أظهرُهما: أنها عطفٌ على " يُعْجِبَك " ، فهي صلةٌ لا محلَّ لها من الإِعراب أو صفةٌ، فتكونُ في محلِّ رفعٍ على حَسَبِ القول في " مَنْ ". والثاني: أن تكونَ حاليةً، وفي صاحبِها حينئذٍ وجهان، أحدهُما: أنه الضميرُ المرفوعُ المستكنُّ في " يعجبك " ، والثاني: أنه الضميرُ المجرُور في " قوله " تقديرُه: يُعْجِبُك أَنْ يقولَ في أمر الدنيا، مُقْسِماً على ذلك. وفي جَعْلها حالاً نظرٌ من وجهين، أحدهُما: من جهةِ المعنى، والثاني من جهةِ الصناعة، وأمَّا الأول فلأنه يَلْزَمُ منه أن يكونَ الإعجابُ والقولُ مقيدين بحالٍ والظاهرُ خلافهُ. وأمَّا الثاني فلأنه مضارع مثبتٌ فلا يَقَعُ حالاً إلا في شذوذٍ، نحو: " قُمْتُ وأصُكُّ عينه، أو ضرورةً نحو:
894 ـ....................... نَجَوْتُ وأَرْهُنُهم مالِكا
وتقديرُه مبتدأً قبلَه على خلافِ الأصلِ، أي: وهو يُشْهِدُ.

والجمهورُ على ضَمِّ حرفِ المضارعة وكسرِ الهاء، مأخوذاً من أَشْهَدَ ونصبِ الجلالة مفعولاً به. وقرأ أبو حيوة وابن محيصن بفتحهِما ورفعِ الجلالةِ فاعلاً، وقرأ أُبيّ: " يستشهد الله ". فأمَّا قراءةُ الجمهور وتفسيرُهم فإن المعنى: يَحْلف بالله ويُشْهده إنه صادق، وقد جاءَتِ الشهادةُ بمعنى القَسَم في آية اللِّعان، قيل: فيكونُ اسمُ الله منتصباً على حَذْفِ حرفِ الجر أي: يُقْسِمُ بالله، وهذا سهوٌ من قائِله، لأنَّ المستعملَ بمعنى القسَم " شَهِد " الثلاثي لا " أَشْهَد " الرباعي، لا تقولُ: أُشْهِد بالله، بل: أَشْهَدُ بالله، فمعنى قراءةِ الجمهور: يَطَّلِعُ الله على ما في قلبه، ولا يَعْلَمُ به أحدٌ لشدةِ تكتُّمِه

وأمَّا تفسيرُ الجمهورِ فيحتاجُ إلى حَذْفِ ما يَصِحُّ به المعنى، تقديرُه: وَيْحْلِفُ بالله على خِلافِ ما في قلبه، لأنَّ الذي في قلبه هو الكفرُ، وهو لا يَحْلِفُ عليه، إنما يَحْلِفُ على ضدِّه وهو الذي يُعْجِبُ سامعَه، ويُقَوِّي هذا التأويلَ قراءةُ أبي حيوة؛ إذ معناها: وَيطَّلِعُ الله على ما في قلبه من الكفر.

وأمَّا قراءة أُبيّ فيَحْتمل استَفْعَل وجهين، أحدهما: أن يكونَ بمعنى أَفْعل فيوافِقَ قراءةَ الجمهور. والثاني: أنه بمعنى المجرد وهو شَهِد، وتكونُ الجلالةُ منصوبةً على إسقاطِ الخافضِ....

قوله: { وَيُهْلِكَ ظ±لْحَرْثَ } الجمهورُ على: " يُهْلِكَ " بضم الياء وكسر اللامِ ونصبِ الكافِ. " الحَرْثَ " مفعولٌ به، وهي قراءةٌ واضحةٌ من: أَهْلَكَ يُهْلك، والنصبُ عطفٌ على الفعِل قبلَهُ، وهذا شبيهٌ بقولِهِ تعالى:
{ وَمَلاغ¤ئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ }
[البقرة: 98] فإنَّ قولَه: " ليفسدَ " يشتملُ على أنه يُهْلكُ الحرثَ والنسلَ، فخصَّهُما بالذكر لذلك. وقرأ أُبيّ: " وليُهْلِكَ " بإظهارِ لامِ العلة وهي معنى قراءةِ الجمهور، وقرأ أبو حيوة - ورُويت عن ابن كثير وأبي عمرو - " وَيَهْلِكَ الحرثُ والنَّسْلُ " بفتح الياء وكسرِ اللام من هَلَك الثلاثي، و " الحرث " فاعل، و " النسلُ " عطفٌ عليه. وقرأ قوم: " ويُهْلِكُ الحرثَ " من أَهْلَكَ، و " الحرث " مفعولٌ به إلا أنهم رفعوا الكافَ. وخُرِّجتْ على أربعةِ أوجهٍ: أن تكونَ عطفاً على " يُعْجِبُك " أو على " سَعَى " لأنه في معنى المستقبل، أو على خبر مبتدأٍ محذوفٍ أي: وهو يُهْلِكُ، أو على الاستئنافِ. وقرأ الحسن: " ويُهْلَكَ " مبنياً للمفعول، " الحَرْثُ " رفعاً، وقرأ أيضاً: " ويَهَلَكُ " بفتح الياء واللامِ ورفعِ الكافِ، " الحرثُ " رفعاً على الفاعلية، وفتحُ عينِ المضارعِ هنا شاذٌّ لفَتْحِ عينِ ماضِيهِ، وليس عينُهُ ولا لامُهُ حرفَ حلقٍ فهو مثلُ رَكَنَ يَ‍رْكَنُ بالفتحِ فيهما

اسامة محمد خيري
25-10-2018, 13:35
الجوهرة الرابعة والثلاثون

{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ }


قال السمين

قولُه تعالى: { ٱلسِّلْمِ }: قرأ هنا " السَّلْم " بالفتحِ نافعُ والكسائي وابن كثير، والباقون بالكَسْر، وأمَّا التي في الأنفال فلم يَقْرَأها بالكسر إلا أبو بكر وحدَه عن عاصم، والتي في القتال فلم يَقْرأْها بالكسر إلا حمزةُ وأبو بكر وحدَه عن عاصم، والتي في القتال فلم يَقْرَأْها بالكسر إلا حمزةُ وأبو بكر أيضاً، وسيأتي. فقيل: هما بمعنىً وهو الصلحُ، ويُذَكَّر ويُؤَنَّث، قال تعالى:
{ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا }
، وحَكَوْا: " بنو فلان سِلْمٌ وسَلْمٌ " ، وأصلُه من الاستسلام وهو الانقيادُ، ويُطْلَقُ على الإِسلامِ، قاله الكسائي وجماعة، وأنشدوا:
906 ـ دَعَوْتُ عشيرتي للسِّلْمِ لَمَّا رأيُتُهمُ تَوَلَّوا مُدْبِرِينا
يُنْشَد بالكسر، وقال آخر في المفتوح:
907 ـ شرائِعُ السَّلْم قد بانَتْ معالِمُها فما يَرى الكفرَ إلا مَنْ بِه خَبَلُ
فالسِّلْمُ والسَّلْمُ في هذين البيتين بمعنى الإِسلام، إلاَّ أنَّ الفَتْح فيما هو بمعنى الإِسلام قليلٌ. وقرىء " السَّلَم " بفتحِهِما، وقيل: بل هما مختلفا المعنى: فبالكسر الإِسلامُ وبالفتحِ الصلحُ.

وقال الطبري


وأولـى التأويلات بقوله { ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ } قول من قال معناه ادخـلوا فـي الإسلام كافة. وأما الذي هو أولـى القراءتـين بـالصواب فـي قراءة ذلك، فقراءة من قرأ بكسر السين لأن ذلك إذا قرىء كذلك وإن كان قد يحتـمل معنى الصلـح، فإن معنى الإسلام ودوام الأمر الصالـح عند العرب، أغلب علـيه من الصلـح والـمسالـمة، وينشد بـيت أخي كندة
دَعَوْتُ عَشِيرَتـي للسِّلْـمِ لَـمَّا رأيْتُهُمْ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينا
بكسر السين، بـمعنى دعوتهم للإسلام لـما ارتدوا، وكان ذلك حين ارتدت كندة مع الأشعث بعد وفـاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كان أبو عمرو بن العلاء يقرأ سائر ما فـي القرآن من ذكر السلـم بـالفتـح سوى هذه التـي فـي سورة البقرة، فإنه كان يخصها بكسر سينها توجيها منه لـمعناها إلـى الإسلام دون ما سواها.

وإنـما اخترنا ما اخترنا من التأويـل فـي قوله { ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ } وصرفنا معناه إلـى الإسلام، لأن الآية مخاطب بها الـمؤمنون، فلن يعدو الـخطاب إذ كان خطابـاً للـمؤمنـين من أحد أمرين، إما أن يكون خطابـاً للـمؤمنـين بـمـحمد الـمصدّقـين به وبـما جاء به، فإن يكن ذلك كذلك، فلا معنى أن يقال لهم وهم أهل الإيـمان ادخـلوا فـي صلـح الـمؤمنـين ومسالـمتهم، لأن الـمسالـمة والـمصالـحة إنـما يؤمر بها من كان حربـاً بترك الـحرب. فأما الـموالـي فلا يجوز أن يقال له صالـح فلاناً، ولا حرب بـينهما ولا عداوة. أو يكون خطابـاً لأهل الإيـمان بـمن قبل مـحمد صلى الله عليه وسلم من الأنبـياء الـمصدقـين بهم، وبـما جاءوا به من عند الله الـمنكرين مـحمداً ونبوّته، فقـيـل لهم ادخـلوا فـي السلـم يعنـي به الإسلام لا الصلـح. لأن الله عز وجل إنـما أمر عبـاده بـالإيـمان به وبنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وإلـى ذلك دعاهم دون الـمسالـمة والـمصالـحة بل نهى نبـيه صلى الله عليه وسلم فـي بعض الأحوال عن دعاء أهل الكفر إلـى الإسلام، فقال
{ فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ }
محمد 35 وإنـما أبـاح له صلى الله عليه وسلم فـي بعض الأحوال إذا دعوه إلـى الصلـح ابتداء الـمصالـحة، فقال له جل ثناؤه { وَإنْ جَنَـحُوا للسَّلْـمِ فـاجنَـحْ لَهَا } فأما دعاؤهم إلـى الصلـح ابتداء فغير موجود فـي القرآن، فـيجوز توجيه قوله { ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ } إلـى ذلك. فإن قال لنا قائل فأيّ هذين الفريقـين دعى إلـى الإسلام كافة؟ قـيـل قد اختلف فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم دعى إلـيه الـمؤمنون بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به. وقال آخرون قـيـل دعي إلـيه الـمؤمنون بـمن قبل مـحمد صلى الله عليه وسلم من الأنبـياء الـمكذبون بـمـحمد. فإن قال فما وجه دعاء الـمؤمن بـمـحمد وبـما جاء به إلـى الإسلام؟ قـيـل وجه دعائه إلـى ذلك الأمر له بـالعمل بجميع شرائعه، وإقامة جميع أحكامه وحدوده، دون تضيـيع بعضه والعمل ببعضه. وإذا كان ذلك معناه، كان قوله كافّةً من صفة السلـم، ويكون تأويـله ادخـلوا فـي العمل بجميع معانـي السلـم، ولا تضيعوا شيئاً منه يا أهل الإيـمان بـمـحمد وما جاء به. وبنـحو هذا الـمعنى كان يقول عكرمة فـي تأويـل ذلك. حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قوله { ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ كافَّةً } قال نزلت فـي ثعلبة وعبد الله بن سلام وابن يامين وأسد وأسيد ابنـي كعب وشعبة بن عمرو وقـيس بن زيد، كلهم من يهود، قالوا يا رسول الله يوم السبت يوم كنا نعظمه فدعنا فلنسبت فـيه، وإن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها بـاللـيـل فنزلت { يَا أيُّها الّذينَ آمَنُوا ادْخُـلُوا فـي السِّلْـمِ كافةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطانِ }.

فقد صرّح عكرمة بـمعنى ما قلنا فـي ذلك من أن تأويـل ذلك دعاء للـمؤمنـين إلـى رفض جميع الـمعانـي التـي لـيست من حكم الإسلام، والعمل بجميع شرائع الإسلام، والنهي عن تضيـيع شيء من حدوده. وقال آخرون بل الفريق الذي دعى إلـى السلـم فقـيـل لهم ادخـلوا فـيه بهذه الآية هم أهل الكتاب، أمروا بـالدخول فـي الإسلام. ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال قال ابن عبـاس فـي قوله { ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ كافَّةً } يعنـي أهل الكتاب. حدثت عن الـحسين بن الفرج، قال سمعت أبـا معاذ الفضل بن خالد يقول أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال سمعت الضحاك يقول فـي قول الله عزّ وجلّ { ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ كافَّةً } قال يعنـي أهل الكتاب. والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال إن الله جل ثناؤه أمر الذين آمنوا بـالدخول فـي العمل بشرائع الإسلام كلها، وقد يدخـل فـي الذين آمنوا الـمصدقون بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وبـما جاء به، والـمصدّقون بـمن قبله من الأنبـياء والرسل، وما جاءوا به، وقد دعا الله عز وجل كلا الفريقـين إلـى العمل بشرائع الإسلام وحدوده، والـمـحافظة علـى فرائضه التـي فرضها، ونهاهم عن تضيـيع شيء من ذلك، فـالآية عامة لكل من شمله اسم الإيـمان، فلا وجه لـخصوص بعض بها دون بعض. وبـمثل التأويـل الذي قلنا فـي ذلك كان مـجاهد يقول. حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عز وجل { ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ كافَّةً } قال ادخـلوا فـي الإسلام كافة، ادخـلوا فـي الأعمال كافة

اسامة محمد خيري
25-10-2018, 13:44
الجوهرة الخامسة والثلاثون

{ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ }

قال السمين

قوله: { فِي ظُلَلٍ } فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يتعلَّق بيأتِيَهم، والمعنى: يأتيهم أمرُه أو قُدْرَتُه أو عقابُه أو نحوُ ذلك، أو يكونُ كنايةً عن الانتقام؛ إذ الإتيان يمتنعُ إسنادُه إلى الله تعالى حقيقةً. والثاني: أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ، وفي صاحبها وجهان، أحدُهما: هو مفعولُ يأتيهم، أي: في حالِ كونِهم مستقرين في ظُلَل وهذا حقيقةٌ. والثاني: أنه الله تعالى بالمجاز المتقدَّم، أي: أمرُ الله في حال كونه مستقراً في ظُلَل. الثالث: أن تكونَ " في " بمعنى الباء، وهو متعلقٌ بالإِتيانِ، أي: إلاَّ أَنْ يأتيهم بظُلَل. ومِنْ مجيءِ " في " بمعنى الباءِ قوله:
913 ـ................. خَبيرون في طَعْنِ الكُلى والأباهِرِ
لأنَّ " خبيرين " إنَّما يتعدَّى بالباءِ كقوله:
914 ـ................ خبيرٌ بأَدْواءِ النِّساء طَبيبُ
الرابع: أن يكونَ حالاً من " الملائكة " مقدَّماً عليها، والأصل: إلاَّ أَنْ يأتيَهم اللهُ والملائكةُ في ظُلَلٍ، ويؤيَّد هذا قراءة عبد الله إياه كذلك، وبهذا أيضاً يَقِلُّ المجازُ، فإنَّه والحالةُ هذه لم يُسْنَدْ إلى اللهِ تعالى إلا الإِتيانُ فقط بالمجازِ المتقدِّم....

والجمهور: " الملائكةُ " رفعاً عطفاً على اسم " الله ". وقرأ الحسن وأبو جعفر: " والملائكةِ " جراً وفيه وجهان، أحدُهما: الجر عطفاً على " ظُلَلٍ " ، أي: إلا أن يأتيهم في ظللٍ وفي الملائكة؛ والثاني: الجر عطفاً على " الغمام " أي: من الغمام ومن الملائكة، فتوصفُ الملائكة بكونِهَا ظُللاً على التشبيه.

وقال الرازى

الوجه السادس: وهو أوضح عندي من كل ما سلف: أنا ذكرنا أن قوله تعالى:
{ يَـظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءَامَنُواْ ظ±دْخُلُواْ فِي ظ±لسّلْمِ كَافَّةً }
[البقرة: 208] إنما نزلت في حق اليهود، وعلى هذا التقدير فقوله:
{ فَإِن زَلَلْتُمْ مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ ظ±لْبَيّنَـظ°تُ فَظ±عْلَمُواْ أَنَّ ظ±للَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }
[البقرة: 209] يكون خطاباً مع اليهود، وحينئذ يكون قوله تعالى: { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ظ±للَّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ ظ±لْغَمَامِ وَظ±لْمَلَـظ°ئِكَةُ } [البقرة: 210] حكاية عن اليهود، والمعنى: أنهم لا يقبلون دينك إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة، ألا ترى أنهم فعلوا مع موسى مثل ذلك فقالوا:
{ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىظ° نَرَى ظ±للَّهَ جَهْرَةً }
[البقرة: 55] وإذا كان هذا حكاية عن حال اليهود ولم يمنع إجراء الآية على ظاهرها، وذلك لأن اليهود كانوا على مذهب التشبيه، وكانوا يجوزون على الله المجيء والذهاب، وكانوا يقولون: إنه تعالى تجلى لموسى عليه السلام على الطور في ظلل من الغمام وطلبوا مثل ذلك في زمان محمد عليه الصلاة والسلام، وعلى هذا التقدير يكون هذا الكلام حكاية عن معتقد اليهود القائلين بالتشبيه، فلا يحتاج حينئذ إلى التأويل، ولا إلى حمل اللفظ على المجاز، وبالجملة فالآية تدل على أن قوماً ينتظرون أن يأتيهم الله، وليس في الآية دلالة على أنهم محقون في ذلك الانتظار أو مبطلون، وعلى هذا التقدير يسقط الإشكال. فإن قيل: فعلى هذا التأويل كيف يتعلق به قوله تعالى: { وَإِلَى ظ±للَّهِ تُرْجَعُ ظ±لأُمُورُ }. قلنا: الوجه فيه أنه تعالى لما حكى عنادهم وتوقفهم في قبول الدين على هذا الشرط الفاسد، فذكر بعده ما يجري مجرى التهديد فقال: { وَإِلَى ظ±للَّهِ تُرْجَعُ ظ±لأُمُورُ } وهذا الوجه أظهر عندي من كل ما سبق، والله أعلم بحقيقة كلامه. الوجه السابع: في التأويل ما حكاه الفقال في «تفسيره» عن أبـي العالية، وهو أن الإتيان في الظلل مضاف إلى الملائكة فأما المضاف إلى الله جل جلاله فهو الإتيان فقط، فكان حمل الكلام على التقديم والتأخير، ويستشهد في صحته بقراءة من قرأ { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ظ±للَّهُ وَظ±لْمَلَـئِكَةُ فِي ظُلَلٍ مّنَ ظ±لْغَمَامِ } قال القفال رحمه الله: هذا التأويل مستنكر.

وقال الطبري

ويوضح أيضاً صحة ما اخترنا فـي قراءة قوله { وَالـمَلائِكَةُ } بـالرفع علـى معنى وتأتـيهم الـملائكة، ويبـين عن خطأ قراءة من قرأ ذلك بـالـخفض لأنه أخبر صلى الله عليه وسلم أن الـملائكة تأتـي أهل القـيامة فـي موقـفهم حين تفطر السماء قبل أن يأتـيهم ربهم فـي ظلل من الغمام، إلا أن يكون قارىء ذلك ذهب إلـى أنه عز وجل عنى بقوله ذلك إلا أن يأتـيهم الله فـي ظلل من الغمام، وفـي الـملائكة الذين يأتون أهل الـموقـف حين يأتـيهم الله فـي ظلل من الغمام فـيكون ذلك وجهاً من التأويـل وإن كان بعيداً من قول أهل العلـم ودلالة الكتاب وآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة

{ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }

قال السمين

قوله تعالى: { زُيِّنَ }: إنَّما لم تَلْحَقِ الفعلَ علامةُ تأنيثٍ لكونِهِ مؤنثاً مجازياً، وحَسَّن ذلك الفصلُ. وقرأ ابن أبي عبلة: " زُيِّنَتْ " بالتأنيث مراعاةً للفظِ. وقرأ مجاهد وأبو حيوة: " زَيَّنَ " مبنياً للفاعل، و " الحياة " مفعولٌ، والفاعلُ هو الله تعالى، والمعتزلةُ يقولون: إنه الشيطان

اسامة محمد خيري
26-10-2018, 12:40
الجوهرة السادسة والثلاثون

{ كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } * { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ }


قال ابن عطية

وقرأ ابن مسعود " كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث " ، وكل من قدر { الناس } في الآية مؤمنين قدر في الكلام فاختلفوا، وكل من قدرهم كفاراً كانت بعثة { النبيين } إليهم،...

وقال الفراء: في الكلام قلب، واختاره الطبري، قال: وتقديره فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلفوا فيه. ودعاه إلى هذا التقدير خوف أن يحتمل اللفظ أنهم اختلفوا في الحق فهدى الله المؤمنين لبعض ما اختلفوا فيه وعساه غير الحق في نفسه، نحا إلى هذا الطبري في حكايته عن الفراء.

قال القاضي أبو محمد: وادعاء القلب على لفظ كتاب الله دون ضرورة تدفع إلى ذلك عجز وسوء نظر، وذلك أن الكلام يتخرج على وجهه ورصفه، لأن قوله { فهدى } يقتضي أنهم أصابوا الحق، وتم المعنى في قوله { فيه } ، وتبين بقوله { من الحق } جنس ما وقع الخلاف فيه.

قال المهدوي: " وقدم لفظ الخلاف على لفظ الحق اهتماماً، إذ العناية إنما هي بذكر الاختلاف ".

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وليس هذا عندي بقوي، وفي قراءة عبد الله بن مسعود " لما اختلفوا عنه من الحق " أي عن الإسلام....

وقرا نافع " يقولُ " بالرفع، وقرأ الباقون " يقولَ " بالنصب، فـ { حتى } غاية مجردة تنصب الفعل بتقدير إلى أن، وعلى قراءة نافع كأنها اقترن بها تسبيب فهي حرف ابتداء ترفع الفعل، وأكثر المتأولين على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين، ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال النصر لا على شك ولا ارتياب،

وقال السمين

قوله: { حَتَّىٰ يَقُولَ } قرأ الجمهورُ: " يقولُ " نصباً، وله وجهان، أحدُهما: أنَّ " حتى " بمعنى " إلى " ، أي: إلى أن يقولَ، فهو غايةٌ لما تقدَّم من المسِّ والزلزالِ، و " حتى " إنما يُنْصَبُ بعدها المضارعُ المستقبلُ، وهذا قد وقع ومَضَى. فالجوابُ: أنه على حكايةِ الحالِ، حكى تلك الحالَ. والثاني: أنَّ " حتى " بمعنى " كي " ، فتفيدُ العِلَّةَ، وهذا ضَعيفٌ؛ لأنَّ قولَ الرسول والمؤمنين ليس علةً للمسِّ والزلزالِ، وإن كان ظاهرُ كلامِ أبي البقاء على ذلك فإنه قال: " ويُقْرَأ بالرفعِ على أن يكونَ التقديرُ: زُلْزِلُوا فقالوا: فالزَّلْزَلَةُ سببُ القولِ " و " أَنْ " بعد " حتى " مضمرةٌ على كِلا التقديرين. وقرأ نافع برفِعِهِ على أنَّه حالٌ، والحالُ لا يُنْصَبُ بعد " حتى " ولا غيرِها، لأنَّ الناصبَ يُخَلِّصُ للاستقبالِ فتَنَافيا.

واعلم أنَّ " حتى " إذا وَقَعَ بعدها فعلٌ: فإمَّا أن يكونَ حالاً أو مستقبلاً أو ماضياً، فإنْ كان حالاً رُفِعَ نحو: " مَرِض حتى لا يَرْجونه " أي في الحال. وإن كان مستقبلاً نُصِبَ، تقول: سِرْتُ حتى أدخلَ البلدَ وأنت لم تدخُلْ بعدُ. وإن كان ماضياً فتحكيه، ثم حكايتُك له: إمَّا أَنْ تَكونَ بحسَب كونِهِ مستقبلاً، فتنصبَه على حكايةِ هذه الحالِ، وإمَّا أن يكونَ بحسَبِ كونِهِ حالاً، فترفَعَهُ على حكايةِ هذه الحالِ، فيصدُقُ أن تقولَ في قراءةِ الجماعةِ: حكايةُ حالٍ، وفي قراءةِ نافع أيضاً: حكايةُ حالٍ. وإنَّما نَبَّهْتُ على ذلك لأنَّ عبارةَ بعضِهم تَخُصُّ حكايةً الحالِ بقراءةِ الجمهورِ، وعبارَةَ آخرين تَخُصُّها بقراءةِ نافع. قال أبو البقاء في قراءةِ الجمهور: " والفعلُ هنا مستقبلٌ حُكِيت به حالُهم والمعنى على المُضِيِّ " وكان قد تقدَّم أنه وجَّه الرفعَ بأنَّ " حتى " للتعليلِ.

اسامة محمد خيري
26-10-2018, 12:54
الجوهرة السابعة والثلاثون

{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلـظ°ئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }

قال القرطبي

وقرأ عكرمة «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قَتْلٍ فيه قُلْ قتلٌ» بغير ألف فيهما. وقيل: المعنى يسألونك عن الشهر الحرام وعن قتال فيه؛ وهكذا قرأ ظ±بن مسعود؛ فيكون مخفوضاً بعن على التّكرير، قاله الكسائيّ. وقال الفرّاء: هو مخفوض على نية عن. وقال أبو عبيدة: هو مخفوض على الجوار. قال النحاس: لا يجوز أن يُعربَ الشيء على الجوار في كتاب الله ولا في شيء من الكلام، وإنما الجوار غلط؛ وإنما وقع في شيء شاذ، وهو قولهم: هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ؛ والدليل على أنه غلط قول العرب في التّثنية: هذان: حجرا ضَبّ خَرِبان، وإنما هذا بمنزلة الإقواء، ولا يجوز أن يحمل شيء من كتاب الله على هذا، ولا يكون إلا بأفصح اللغات وأصحها. قال ظ±بن عطية: وقال أبو عبيدة: هو خفض على الجوار؛ وقوله هذا خطأ. قال النحاس: ولا يجوز إضمار عن؛ والقول فيه أنه بدل. وقرأ الأعرج «يَسْأَلُونكَ عَنِ الشَّهْرِ الحرام قتالٌ فيه» بالرفع. قال النحاس: وهو غامض في العربية، والمعنى فيه يسألونك عن الشهر الحرام أجائز قتال فيه؟ فقوله: «يسألونك» يدل على الاستفهام؛ كما قال ظ±مرؤ القيس:
أَصاحِ تَرى بَرْقاً أُرِيكَ وَمِيضَه كَلَمْعِ اليدَيْن في حَبيٍّ مُكَلَّلِ
والمعنى: أترى برقاً، فحذف ألف الاستفهام؛ لأن الألف التي في «أصاح» تدل عليها وإن كانت حرف نداء؛ كما قال الشاعر:
تَـرُوحُ مِـن الحَـيّ أم تَبْتَكِـر
والمعنى: أتروح؛ فحذف الألف لأن أم تدل عليها....

وقال ابن عطية

وقوله تعالى: { قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس } الآية، قال ابن عباس والربيع: الإثم فيهما بعد التحريم، والمنفعة فيهما قبله، وقالت طائفة: الإثم في الخمر ذهاب العقل والسباب والافتراء والإذاية والتعدي الذي يكون من شاربها، والمنفعة اللذة بها كما قال حسان بن ثابت:

وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكَنَا ملوكاً وَأسْداً ما يُنَهْنِهُنَا اللقَاءُ
إلى غير ذلك من أفراحها، وقال مجاهد: " المنفعةَ بها كسب أثمانها " ثم أعلم الله عز وجل أن الإثم أكبر من النفع وأعود بالضرر في الآخرة، فهذا هو التقدمة للتحريم، وقرأ حمزة والكسائي " كثير " بالثاء المثلثة، وحجتها أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الخمر ولعن معها عشرة: بائعها، ومبتاعها، والمشتراة له، وعاصرها، والمعصورة له، وساقيها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها، فهذه آثام كثيرة، وأيضاً فجمع المنافع يحسن معه جمع الآثام، و " كثير " بالثاء المثلثة يعطي ذلك، وقرأ باقي القراء وجمهور الناس " كبير " بالباء بواحدة، وحجتها أن الذنب في القمار وشرب الخمر من الكبائر فوصفه بالكبير أليق، وأيضاً فاتفاقهم على { أكبر } حجة لكبير بالباء بواحدة، وأجمعوا على رفض أكثر بالثاء مثلثة، إلا ما في مصحف ابن مسعود فإن فيه " قل فيهما إثم كثير وإثمهما أكثر " بالثاء مثلثة في الحرفين،..

وقرأ جمهور الناس " العفو " بالنصب، وقرأ أبو عمرو وحده " العفُو " بالرفع، واختلف عن ابن كثير، وهذا متركب على { ماذا } ، فمن جعل " ما " ابتداء و " ذا " خبره بمعنى الذي وقدر الضمير في { ينفقونه } عائداً قرأ " العفوُ " بالرفع، لتصح مناسبة الجمل، ورفعه على الابتداء تقديره العفو إنفاقكم، أو الذي تنفقون العفو، ومن جعل { ماذا } اسماً واحداً مفعولاً بـ { ينفقون } ، قرأ " قل العفوَ " بالنصب بإضمار فعل، وصح له التناسب، ورفع " العفوُ " مع نصب " ما " جائز ضعيف، وكذلك نصبه مع رفعها.

اسامة محمد خيري
26-10-2018, 13:12
الجوهرة الثامنة والثلاثون(القراءات والفقه)

{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ }

قال ابن عطية

وقوله تعالى: { ولا تقربوهن حتى يطهرن } قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه " يطْهُرْنَ " بسكون الطاء وضم الهاء، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل عنه " يطَّهَّرْنَ " بتشديد الطاء والهاء وفتحهما، وفي مصحف أبيّ وعبد الله { حتى يتطهرن } ، وفي مصحف أنس بن مالك " ولا تقربوا النساء في محيضهن، واعتزلوهن حتى يتطهرن " ، ورجح الطبري قراءة تشديد الطاء وقال: هي بمعنى يغتسلن لإجماع الجميع على أن حراماً على الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع الدم حتى تطهر، قال: وإنما الاختلاف في الطهر ما هو؟ فقال قوم: هو الاغتسال بالماء. وقال قوم: هو وضوء كوضوء الصلاة. وقال قوم: هو غسل الفرج وذلك يحلها لزوجها وإن لم تغتسل من الحيضة. ورجح أبو علي الفارسي قراءة تخفيف الطاء إذ هو ثلاثي مضاد لطمثت، وهو ثلاثي.

قال القاضي أبو محمد: وكل واحدة من القراءتين تحتمل أن يراد به الاغتسال بالماء وأن يراد بها انقطاع الدم وزوال أذاه، وما ذهب إليه الطبري من أن قراءة شد الطاء مضمنها الاغتسال وقراءة التخفيف مضمنها انقطاع الدم: أمر غير لازم، وكذلك ادعاؤه الإجماع، أما إنه لا خلاف في كراهة الوطء قبل الاغتسال بالماء، وقال ابن عباس والأوزاعي: من فعله تصدق بنصف دينار، ومن وطىء في الدم تصدق بدينار، وأسند أبو داود عن ابن عباس


" عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: " يتصدق بدينار أو بنصف دينار " ، وقال ابن عباس: " الدينار في الدم، والنصف عند انقضائه " ، ووردت في الشدة في هذا الفعل آثار، وجمهور العلماء على أنه ذنب عظيم يتاب منه ولا كفارة فيه بمال، وذهب مالك رحمه الله وجمهور العلماء إلى أن الطهر الذي يحل جماع الحائض التي يذهب عنها الدم هو تطهرها بالماء كطهور الجنب، ولا يجزي من ذلك تيمم ولا غيره، وقال يحيى بن بكير وابن القرظي: إذا طهرت الحائض وتيممت حيث لا ماء حلّت لزوجها وإن لم تغتسل. وقال مجاهد وعكرمة وطاوس: انقطاع الدم يحلها لزوجها ولكن بأن تتوضأ.....

اسامة محمد خيري
26-10-2018, 13:23
الجوهرة التاسعة والثلاثون

{ ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ }

قال السمين

والقراءةُ في " يخافا " بفتحِ الياءِ واضحةٌ، وقرأها حمزة بضمِّها على البناء للمفعول. وقد استشكلها جماعة وطعن فيها آخرون لعدم معرفتهم بلسان العرب.

وقد ذكروا فيها توجيهاتٍ كثيرةً. أحسنُها أَنْ يكونَ " أَنْ يقيما " بدلاً من الضميرِ في " يخافا " لأنه يَحُلُّ مَحَلَّه، تقديرُه: إلا أَنْ يُخاف عدمُ إقامتهما حدودَ الله، وهذا من بدلِ الاشتمال كقولك: " الزيدان أعجباني عِلْمُهما " ، وكان الأصلُ: إلا أن يخاف الولاةُ الزوجين ألاَّ يقيما حدودَ الله، فَحُذِفَ الفاعلُ الذي هو " الوُلاةُ " للدلالة عليه، وقامَ ضميرُ الزوجين مقامَ الفاعلِ، وبقيتْ " أَنْ " وما بعدها في محلِّ رفعٍ بدلاً كما تقدَّم تقديرُه.

وقد خَرَّجه ابن عطية على أنَّ " خاف " يتعدَّى إلى مفعولين كاستغفر، يعني إلى أحدِهما بنفسِه وإلى الآخرِ بحرفِ الجَرِّ، وجَعَلَ الألِفَ هي المفعولَ الأولَ قامَتْ مقامَ الفاعلِ، وأَنْ وما في حَيِّزها هي الثاني، وجَعَل " أَنْ " في محلِّ جرٍ عند سيبويه والكسائي. وقد رَدَّ عليه الشيخ هذا التخريج بأنَّ " خافَ " لا يتعدَّى لاثنين، ولم يَعُدَّه النحويون حين عَدُّوا ما يَتَعدَّى لاثنين، ولأنَّ المنصوبَ الثاني بعده في قولك: " خِفْتُ زيداً ضَرْبَه " ، إنما هو بدلٌ لا مفعولٌ به، فليس هو كالثاني في " استغفرت الله ذنباً " ، وبأن نسبة كَوْن " أَنْ " في محلِّ جر عند سيبويه ليس بصحيح، بل مذهبُه أنها في محلِّ نصب وتبعه الفراء، ومذهبُ الخليل أنها في محلِّ جر، وتَبِعه الكسائي. وهذا قد تقدَّم غيرَ مرةٍ.

وقال غيرُه كقولِه، إلاَّ أنَّه قَدَّر حرفَ الجرِّ " على " والتقدير: إلاَّ أن يَخاف الولاةُ الزوجين على ألاّ يقيما، فبُني للمفعولِ، فقام ضميرُ الزوجينِ مَقامَ الفاعلِ، وحُذِفَ حرفُ الجر مِنْ " أَنْ " ، فجاء فيه الخلافُ المتقدمُ بين سيبويه والخليلِ.

وهذا الذي قاله ابنُ عطيةُ سَبَقَه إليه أبو علي، إلاَّ أنه لم يُنْظِّرْه بـ " استغفر ".

وقد استشكل هذا القراءةَ قومٌ وطَعَنَ عليها آخرون، لا علمَ لهم بذلك، فقال النحاس: " لا أعلمُ في اختيارِ حمزة أبعدَ من هذا الحرفِ، لأنه لا يُوجِبه الإِعرابُ ولا اللفظُ ولا المعنى: أمّا الإِعرابُ فلأنَّ ابنَ مسعود قرأ { إلاَّ أَنْ تخافوا ألاَّ يقيموا } فهذا إذا رُدَّ في العربيةِ لما لم يُسَمَّ فاعلُه كان ينبغي أَنْ يُقال: { إلاَّ أَنْ يُخاف }. وأمَّا اللفظُ: فإنْ كان على لفظِ " يُخافا " وَجَبَ أَنْ يقال: فإن خيف، وإن كان على لفظ " خِفْتُم " وَجَب أن يقال: إلاَّ أَنْ تَخافوا. وأمَّا المعنى: فَأَسْتبعدُ أن يُقالَ: " ولا يَحِلُّ لكم أن تأخذوا مِمَّا آتيتموهُنَّ شيئاً إلا أن يَخاف غيرُكم، ولم يَقُلْ تعالى: ولا جُنَاح عليكم أن تَأْخُذوا له منها فديةً، فيكون الخَلْعُ إلى السلطان والفَرْضُ أنَّ الخَلْعَ لا يحتاج إلى السلطانِ ".

وقد رَدَّ الناسُ على النحاس: أمَّا ما ذكره من حيث الإِعرابُ فلا يَلْزَمُ حمزةَ ما قرأ به عبد الله. وأمَّا مِنْ حيثُ اللفظُ فإنه من باب الالتفاتِ كما قَدَّمْتُه أولاً، ويَلْزَمُ النحاسَ أنه كان ينبغي على قراءةِ غيرِ حمزةَ أن يَقْرأ: " فإنْ خافا " ، وإنَّما هو في القراءتين من الالتفاتِ المستحسنِ في العربيةِ. وأمَّا من حيثُ المعنى فلأنَّ الولاةَ هم الأًصلُ في رفعِ التظالمِ بين الناس وهم الآمرون بالأخْذِ والإِيتاء.

ووجَّه الفراء قراءةَ حمزةَ بأنه اعتبرَ قراءةَ عبدِ الله { إلا أن تَخافوا } وخَطَّأَهُ الفارسي وقال: " لم يُصِبْ، لأنَّ الخوفَ في قراءةِ عبدِ الله واقعٌ على " أَنْ " ، وفي قراءة حمزةَ واقعٌ على الرجلِ والمرأةِ ". وهذا الذي خَطَّأَ به القرَّاء ليس بشيءٍ، لأنَّ معنى قراءةِ عبدِ الله: إلاَّ أَنْ تخافُوهُمَا، أي الأولياءُ الزوجين ألاَّ يُقيما، فالخوفُ واقعٌ على " أَنْ " وكذلك هي في قراءةِ حمزةَ: الخوفُ واقعٌ عليها أيضاً بأحدِ الطريقينِ المتقدِّمَيْنِ: إمَّا على كونِها بدلاً من ضميرِ الزوجينِ كما تقدَّم تقريرُه، وإمَّا على حَذْفِ حرفِ الجَرِّ وهو " على ".

والخوفُ هنا فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه على بابِه من الحَذَرِ والخَشْيَةِ، فتكونُ " أَنْ " في قراءةِ غير حمزةَ في محلِّ جَرٍّ أو نصبٍ على حَسَبِ الخلافِ فيها بعدَ حذفِ حرفِ الجرِّ، إذ الأصلُ، مِنْ أَلاَّ يُقيما، أو في محلِّ نصبٍ فقط على تعديةِ الفعلِ إليها بنفسِهِ كأنه قيل: إلاَّ أَنْ يَحْذَرَا عدَمَ إقامةِ حدودِ اللَّهِ. والثاني: أنه بمعنى العلمِ وهو قَوْلُ أبي عبيدة، وأنشد:
975 ـ فقلتُ لهم خافُوا بألفَيْ مُدَجَّجٍ سَراتُهُمُ في الفارسِيِّ المُسَرَّدِ
ومنه أيضاً:
976 ـ ولا تَدْفِنَنِّي في الفَلاةِ فإنَّني أخافُ إذا ما مِتُّ أَلاَّ أَذُوقُها/
ولذلك رُفِعَ الفعلُ بعدَ أَنْ، وهذا لا يَصِحُّ في الآيةِ لظهورِ النصبِ. وأمَّا البيتُ فالمشهورُ في روايتِهِ " فقلت لهم ظُنُّوا بألفَيْ ". والثالث: الظنَّ، قاله الفراء، ويؤيِّده قراءةُ أُبَيّ: { إلاَّ أنْ يَظُنَّا } وأنشد:
977 ـ أتاني كلامٌ مِنْ نُصَيْبٍ يقولُه وما خِفْتُ يا سَلاَّمُ أنَّكَ عائِبي
وعلى هذينِ الوجهينِ فتكونُ " أَنْ " وما في حَيِّزها سادةً مَسَدَّ المفعولَيْنِ عند سيبويه ومسدَّ الأول والثاني محذوف عند الأخفش كما تقدَّم تقريرُه غيرَ مرة، والأولُ هو الصحيحُ، وذلك أَنَّ " خافَ " مِنْ أفعالِ التوقع، وقد يميل فيه الظنُّ إلى أحدِ الجائِزَيْنِ، ولذلك قال الراغب: " الخوفُ يُقال لِما فيه رجاءٌ ما، ولذلك لا يُقال: خِفْتُ أَلاَّ أقدر على طلوعِ السماءِ أو نَسْفِ الجبالِ "....

اسامة محمد خيري
26-10-2018, 14:12
الجوهرة الاربعون

{ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }


قال ابن عطية

وقوله تعالى: { لمن أراد أن يتم الرضاعة } مبني على أن الحولين ليسا بفرض لا يتجاوز، وقرأ السبعة " أن يُتم الرضاعةَ " بضم الياء ونصب الرضاعة، وقرأ مجاهد وابن محيصن وحميد والحسن وأبو رجاء " تَتم الرضاعةُ " بفتح التاء الأولى ورفع الرضاعة على إسناد الفعل إليها، وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة والجارود بن أبي سبرة كذلك، إلا أنهم كسروا الراء من الرضاعة، وهي لغة كالحَضارة والحِضارة، وغير ذلك. وروي عن مجاهد أنه قرأ " الرضعة " على وزن الفعلة، وروي عن ابن عباس أنه قرأ " أن يكمل الرضاعة " بالياء المضمومة،....

لا تكلف نفس إلا وسعها } ، وقرأ جمهور الناس: " تُكلف " بضم التاء " نفسٌ " على ما لم يُسمَّ فاعله، وقرأ أبو رجاء " تَكَلَّفُ " بفتح التاء بمعنى تتكلف " نفسٌ " فاعله، وروى عنه أبو الأشهب " لا نُكَلِّف " بالنون " نفساً " بالنصب، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وأبان عن عاصم " لا تضارُ والدة " بالرفع في الراء، وهو خبر معناه الأمر، ويحتمل أن يكون الأصل " تضارِر " بكسر الراء الأولى فوالدة فاعل، ويحتمل أن يكون " تضارَر " بفتح الراء الأولى فوالدة مفعول لم يسم فاعله، ويعطف مولود له على هذا الحد في الاحتمالين، وقرأ نافع وحمزة والكسائي وعاصم { لا تضارَّ } بفتح الراء المشددة، وهذا على النهي، ويحتملَ أصله ما ذكرنا في الأولى، ومعنى الآية في كل قراءة: النهي عن أن تضار الوالدة زوجها المطلق بسبب ولدها، وأن يضارها هو بسبب الولد، أو يضار الظئر، لأن لفظة نهيه تعم الظئر، وقد قال عكرمة في قوله: { لا تضار والدة }: معناه الظئر، ووجوه الضرر لا تنحصر، وكل ما ذكر منها في التفاسير فهو مثال. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ " لا تضارَرُ " براءين الأولى مفتوحة. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع " لا تضارْ " بإسكان الراء وتخفيفها، وروي عنه الإسكان والتشديد، وروي عن ابن عباس " لا تضارِر " بكسر الراء الأولى....

وأما قوله تعالى: { إذا أسلمتم } فمخاطبة للرجال خاصة، إلا على أحد التأويلين في قراءة من قرأ " أتيتم " ، وقرأ الستة من السبعة " آتيتم " بالمد، المعنى أعطيتم، وقرأ ابن كثير " أتيتم " بمعنى ما جئتم وفعلتم كما قال زهير: [الطويل].


وما كان من خير أتوه فإنما توارثه آباء آبائهم قبلُ
قال أبو علي: " المعنى إذا سلمتم ما أتيتم نقده أو إعطاءه أو سوقه، فحذف المضاف وأقيم الضمير مقامه فكان التقدير ما أتيتموه، ثم حذف الضمير من الصلة ".

قال القاضي أبو محمد: ويحتمل اللفظ معنى آخر قاله قتادة، وهو إذا سلمتم ما أتيتم من إرادة الاسترضاع، أي سلم كل واحد من الأبوين ورضي وكان ذلك عن اتفاق منهما وقصد خير وإرادة معروف من الأمر. وعلى هذا الاحتمال. فيدخل في الخطاب بـ { سلمتم } الرجال والنساء، وعلى التأويل الذي ذكره أبو علي وغيره: فالخطاب للرجال، لأنهم الذين يعطون أجر الرضاع، قال أبو علي: ويحتمل أن تكون { ما } مصدرية، أي إذا سلمتم الإتيان، والمعنى كالأول، لكن يستغنى عن الصنعة من حذف المضاف، ثم حذف الضمير، قال مجاهد: " المعنى إذا سلمتم إلى الأمهات أجرهن بحساب ما أرضعن إلى وقت إرادة الاسترضاع " ، وقال سفيان: " المعنى إذا سلمتم إلى المسترضعة وهي الظئر أجرها بالمعروف ". وباقي الآية أمر بالتقوى وتوقيف على أن الله تعالى بصير بكل عمل، وفي هذا وعيد وتحذير، أي فهو مجاز بحسب عملكم.

وقال السمين

وقرأ يحيى بن يعمر: " الوَرَثَة " بلفظ الجمعِ، والمشارُ إليه بقوله " مثلُ ذلك " إلى الواجبِ من الرزق والكسوة، وهذا أحسنُ مِنْ قول مَنْ يقول: أُشير به إلى الرزق والكسوة. وأشير بما للواحدِ للاثنين كقوله:
{ عَوَانٌ بَيْنَ ذظ°لِكَ }
[البقرة: 68]. وإنما كان أحسنَ لأنه لا يُحْوِج إلى تأويل، وقيل: المشارُ إليه هو عَدَمُ المُضَارَّة، وقيل: أجرةُ المثلِ، وغيرُ ذلك.

اسامة محمد خيري
27-10-2018, 06:44
الجوهرة الواحدة والاربعون

{ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ

قال السمين

وقرأ الجمهورُ: " تَمَسُّوهُنَّ " ثلاثياً وهي واضحةٌ. وقرأ حمزة والكسائي: " تماسُّوهُنَّ " من المفاعلَةِ، فيُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ فاعَلَ بمعنى فَعَل كسافر، فتوافِقَ الأولى، ويُحْتَمل أَنْ تكونَ على بابِها من المشاركَةِ، فإنَّ الفعلَ مِن الرجلِ والتمكينَ من المرأةِ، ولذلك قيلَ لها زانيةٌ. ورجَّح الفارسي قراءة الجمهورِ بأنَّ أفعالَ هذا البابِ كلَّها ثلاثيةٌ نحو: نكح فرع سفد وضربَ الفحلُ.....

وقرأ الجمهورُ: " المُوسِعِ " بسكونِ الواو وكسرِ السينِ اسمَ فاعِلٍ من أَوْسع يُوسع. وقرأ أبو حيوة بفتح الواو والسين مشددة، اسمَ مفعولٍ من " وسَّعَ ". وقرأ حمزة والكسائي وابن ذكوان وحفص: " قَدَرَه " بفتحِ الدالِ في الموضعين، والباقون بسكونِها.

واختلفوا: هل هما بمعنىً واحدٍ أو مختلفان؟ فذهب أبو زيد والأخفش وأكبرُ أئمةِ العربيةِ إلى أنهما بمعنىً واحدٍ، حكى أبو زيد: " خُذْ قَدَر كذا وقَدْر كذا " ، بمعنى واحدٍ، قال: " ويُقْرَأُ في كتابِ اللَّهِ: " فسالتْ أوديةٌ بقدَرها " و " قَدْرها " ، وقال:
{ وَمَا قَدَرُواْ ظ±للَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ }
[الرعد: 17] ولو حُرِّكَت الدالُ لكان جائزاً. وذهبَ جماعةٌ إلى أنهما مختلفانِ، فالساكنُ مصدرٌ والمتحركُ اسمٌ كالعَدِّ والعَدَدِ والمَدِّ والمَدَد، وكأنَّ القَدْر بالتسكين الوُسْعُ، يقال: " هو يُنفق على قَدْرِهِ " أي وُسْعِهِ. وقيل: بالتسكين الطاقةُ، وبالتحريك المقدارُ. قال أبو جعفر: " وأكثرُ ما يُسْتَعْمَل بالتحريكِ إذا كان مساوياً للشيءِ، يُقال: " هذا على قدَر هذا ".

وقرأ بعضهم بفتحِ الراء، وفي نصبِه وجهان، أحدُهما: أن يكونَ منصوباً على المعنى، قال أبو البقاء: " وهو مفعولٌ على المعنى، لأنَّ معنى " مَتِّعوهن " لِيُؤَدِّ كلٌّ منكم قدَرَ وُسْعِهِ " وشَرْحُ ما قاله أن يكونَ من باب التضمين، ضَمَّنَ " مَتِّعوهنَّ " معنى " أدُّوا ". والثاني: أن يكونَ منصوباً بإضمارِ فعلٍ تقديرُهُ: فَأَوْجِبوا على الموسِعِ قَدَره. وجعله أبو البقاء أجودَ من الأول. وفي السجاوندي: "

وقال ابن أبي عبلة: " قَدَرَه أي قَدَرَه الله " انتهى. وظاهِرُ هذا أنه قرأ بفتحِ الدالِ والراءِ، فيكونُ " قَدَرَه " فعلاً ماضياً، وجَعَلَ فيه ضميراً فاعلاً يعودُ على اللِّهِ تعالى، والضميرُ المنصوبُ يعود على المصدرِ المفهومِ من " مَتِّعوهن ". والمعنى: أنَّ الله قَدَرَ وكَتَبَ الإِمتاعَ على المُوسِعِ وعلى المُقْتِرِ.

وقال ابن عطية

وأن تعفو أقرب للتقوى } أي يا جميع الناس، وهذه قراءة الجمهور بالتاء باثنتين من فوق، وقرأ أبو نهيك والشعبي " وأن يعفو " بالياء، وذلك راجع إلى الذي بيده عقدة النكاح، وقرأ الجمهور " ولا تنسوا الفضل " ، وقرأ علي بن أبي طالب ومجاهد وأبو حيوة وابن أبي عبلة " ولا تناسوا الفضل " ، وهي قراءة متمكنة المعنى لأنه موضع تناس لا نسيان إلا على التشبيه،

{ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }

قال القرطبي

قوله تعالى: { وَصِيَّةً } قرأ نافع وظ±بن كثير والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر «وصيّةٌ» بالرفع على الابتداء، وخبره { لأَزْوَاجِهِمْ }. ويحتمل أن يكون المعنى عليهم وصية، ويكون قوله { لأَزْوَاجِهِمْ } صفة؛ قال الطبري: قال بعض النحاة: المعنى كتبت عليهم وصية، ويكون قوله { لأَزْوَاجِهِمْ } صفة، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود. وقرأ أبو عمرو وحمزة وظ±بن عامر «وصيّةً» بالنصب، وذلك حمل على الفعل، أي فليُوصُوا وصيةً. ثم الميت لا يوصي، ولكنه أراد إذا قَرُبوا من الوفاة، و «لأَزْوَاجِهِمْ» على هذه القراءة أيضاً صفة. وقيل: المعنى أوصى الله وصية. «مَتَاعاً» أي متعوهنّ متاعاً: أو جعل الله لهنّ ذلك متاعاً لدلالة الكلام عليه، ويجوز أن يكون نصباً على الحال أو بالمصدر الذي هو الوصية؛ كقوله:
{ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَة يَتِيماً }
[البلد: 15] والمتاعُ هظ°هنا نفقةُ سنتها.

وقال ابن عطية

فيضاعفه } فقرأ ابن كثير " فيضعّفُه " برفع الفاء من غير ألف وتشديد العين في جميع القرآن وقرأ ابن عامر كذلك إلا أنه نصب الفاء في جميع القرآن، ووافقه عاصم على نصب الفاء إلا أنه أثبت الألف في " فيضاعفه " في جميع القرآن، وكان أبو عمرو لا يسقط الألف من ذلك كله إلا من سورة الأحزاب. قوله تعالى:
{ يضعف لها العذاب }
[الأحزاب: 30]، فإنه بغير ألف كان يقرأه، وقرأ حمزة والكسائي ونافع ذلك كله بالألف ورفع الفاء. فالرفع في الفاء يتخرج على وجهين: أحدهما العطف على ما في الصلة.

وهو يقرض، والآخر أن يستأنف الفعل ويقطعه، قال أبو علي: " والرفع في هذا الفعل أحسن ".

قال القاضي أبو محمد: لأن النصب إنما هو بالفاء في جواب الاستفهام، وذلك إنما يترتب إذا كان الاستفهام عن نفس الفعل الأول ثم يجيء الثاني مخالفاً له. تقول: أتقرضني فأشكرك، وها هنا إنما الاستفهام عن الذي يقرض لا عن الإقراض، ولكن تحمل قراءة ابن عامر وعاصم في النصب على المعنى، لأنه لم يستفهم عن فاعل الإقراض إلا من أجل الإقراض، فكأن الكلام أيقرض أحد الله فيضاعفه له، ونظير هذا في الحمل على المعنى قراءة من قرأ
{ من يضلل الله فلا هادي له ونذرهم }
[الأعراف: 186] بجزم { نذرهم } ، لما كان معنى قوله
{ فلا هادي له }
[الأعراف: 186] فلا يهد...

وقرأ جمهور الناس " نقاتلْ " بالنون وجزم اللام على جواب الأمر، وقرأ الضحاك وابن أبي عبلة " يقاتلُ " بالياء ورفع الفعل، فهو في موضع الصفة للملك...

اسامة محمد خيري
27-10-2018, 07:23
الجوهرة الثانية والاربعون

{ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ }

قال القرطبي

قوله تعالى: { إِلاَّ مَنِ ظ±غْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ } الاغتراف: الأخذ من الشيء باليد وبآلة، ومنه المِغْرفَة، والغَرْف مثل الاغتراف. وقرىء «غَرْفة» بفتح الغين وهي مصدر، ولم يقل اغترافة؛ لأن معنى الغَرْف والاغتراف واحد. والغَرفة المرة الواحدة. وقرىء «غُرْفَة» بضم الغين وهي الشيء المُغْتَرَفُ. وقال بعض المفسرين: الغَرْفة بالكفِّ الواحد والغُرْفة بالكفَّيْن. وقال بعضهم: كلاهما لغتان بمعنى واحد

وقال الطبري

. ثم اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله { إلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِـيَدِهِ } فقرأه عامة قراء أهل الـمدينة والبصرة «غَرْفَةً» بنصب الغين من الغرفة، بـمعنى الغرفة الواحدة، من قولك اغترفت غَرفة، والغَرْفَة هي الفعل بعينه من الاغتراف. وقرأه آخرون بـالضم، بـمعنى الـماء الذي يصير فـي كفّ الـمغترف، فـالغُرْفة الاسم، والغَرْفة الـمصدر. وأعجب القراءتـين فـي ذلك إلـيّ ضمّ الغين فـي الغرفة بـمعنى إلا من اغترف كفـا من ماء، لاختلاف غرفة إذا فتـحت غينها، وما هي له مصدر وذلك أن مصدر اغترف اغترافة، وإنـما غَرْفة مصدر غَرَفْت، فلـما كانت غَرفة مخالفة مصدر اغترف، كانت الغُرفة التـي بـمعنى الاسم علـى ما قد وصفنا أشبه منها بـالغَرفة التـي هي بـمعنى الفعل وذكر لنا أن عامتهم شربوا من ذلك الـماء، فكان من شرب منه عطش، ومن اغترف غُرفة روي. ذكر من قال ذلك حدثنـي بشر، قال ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قتادة { فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَـيْسَ مِنِّـي ومَنْ لـمْ يَطْعَمْهُ فإنَّهُ مِنِّـي إلاَّ مَن اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِـيَدِهِ فَشَربُوا مِنْهُ إلاّ قَلِـيلاً مِنْهُمْ } فشرب القوم علـى قدر يقـينهم. أما الكفـار فجعلوا يشربون فلا يروون، وأما الـمؤمنون فجعل الرجل يغترف غرفة بـيده فتَـجزيه وتُرويه..

. وأما القراء فإنها اختلفت فـي قراءة قوله { وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ }. فقرأته جماعة من القراء { وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ } علـى وجه الـمصدر من قول القائل دفع الله عن خـلقه، فهو يدفع دفعاً. واحتـجت لاختـيارها ذلك بأن الله تعالـى ذكره، هو الـمتفرّد بـالدفع عن خـلقه، ولا أحد يدافعه فـيغالبه. وقرأت ذلك جماعة أخرى من القراء «وَلَوْلاَ دِفَـاعُ اللَّهِ النَّاسَ» علـى وجه الـمصدر من قول القائل دافع الله عن خـلقه، فهو يدافع مدافعة ودفـاعاً. واحتـجت لاختـيارها ذلك بأن كثـيراً من خـلقه يعادون أهل دين الله، وولايته والـمؤمنـين به، فهو بـمـحاربتهم إياهم ومعادتهم لهم لله مدافعون ببـاطلهم، ومغالبون بجهلهم، والله مدافعهم عن أولـيائه وأهل طاعته والإيـمان به. والقول فـي ذلك عندي أنهما قراءتان قد قرأت بهما القراء وجاءت بهما جماعة الأمة، ولـيس فـي القراءة بأحد الـحرفـين إحالة معنى الآخر. وذلك أن من دافع غيره عن شيء، فمدافعه عنه دافع، ومتـى امتنع الـمدفوع عن الاندفـاع، فهو لـمدافعه مدافع ولا شكّ أن جالوت وجنوده كانوا بقتالهم طالوت وجنوده، مـحاولـين مغالبة حزب الله وجنده، وكان فـي مـحاولتهم ذلك مـحاولة مغالبة الله ودفـاعه، عما قد تضمن لهم من النصرة، وذلك هو معنى مدافعة الله عن الذين دافع الله عنهم بـمن قاتل جالوت وجنوده من أولـيائه. فتبـين إذا أن سواء قراءة من قرأ { وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض } وقراءة من قرأ { وَلَوْلا دِفـاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } فـي التاويـل والـمعنى

وقال القرطبي

وقال أبو حاتم: دافع ودَفَعَ بمعنى واحد؛ مثل طرقت النعل وطارقت؛ أي خَصَفْت إحداهما فوق الأُخرىظ°، والخصف: الخرز. واختار أبو عبيدة قراءة الجمهور «وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ». وأنكر أن يقرأ «دِفَاعُ» وقال: لأن الله عزّ وجلّ لا يغالبه أحد. قال مكيّ: هذا وَهْمٌ توهّم فيه باب المفاعلة وليس به، واسم «الله» في موضع رفع بالفعل، أي لولا أن يدفع الله. و «دِفَاعُ» مرفوع بالابتداء عند سيبويه. «النّاسَ» مفعول، «بَعْضَهُمْ» بدل من الناس، «بِبَعْضٍ» في موضع المفعول الثاني عند سيبويه، وهو عنده مثل قولك: ذهبت بزيد، فزيد في موضع مفعول فظ±علمه.

انتهى الجزء الثانى

اسامة محمد خيري
27-10-2018, 11:28
الجزء الثالث

الجوهرة الثالثة والاربعون

قال السمين

وقوله: { لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ } إلى آخره: الجملةُ المنفيَّةُ صفةٌ لـ " يوم " فمحلُّها الرفعُ. وقرأ/ " بَيْعٌ " وما بعدَه مرفوعاً منوناً نافع والكوفيون وابن عامر، وبالفتح أبو عمرو وابن كثير، وتوجيهُ ذلك، مذكورٌ في قوله:
{ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ }
[البقرة: 197] فليُنْظر ثَمَّةَ......

{ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }

قال السمين

قولُه تعالى: { وَظ±لَّذِينَ كَفَرُوغ¤اْ أَوْلِيَآؤُهُمُ }: الذين مبتدأٌ أولُ، وأولياؤهم مبتدأٌ ثانٍ، والطاغوتُ: خبرُه، والجملةُ خبرُ الأول. وقرأ الحسن [ " الطواغيت " بالجمعِ، وإن كان أصلُه مصدراً لأنه لمَّا] أطلق على المعبودِ مِنْ دونِ الله اختلفَت أنواعُه، ويؤيِّد ذلك عَوْدُ الضمير مَجْمُوعاً من قولِهِ: " يُخْرِجونهم...

{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }


قال ابن عطية

وقرأ الجمهور: " فبُهِتَ " الذي بضم الباء وكسر الهاء، يقال بهت الرجل: إذا انقطع وقامت عليه الحجة. قال ابن سيده: ويقال في هذا المعنى: " بَهِتَ " بفتح الباء وكسر الهاء، " وَبَهُت " بفتح الباء وضم الهاء. قال الطبري: وحكي عن بعض العرب في هذا المعنى، " بَهَت " بفتح الباء والهاء.

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هكذا ضبطت اللفظة في نسخة ابن ملول دون تقييد بفتح الباء والهاء، قال ابن جني: قرا أبو حيوة: " فبَهُت " بفتح الباء وضم الهاء هي لغة في بهت بكسر الهاء، قال: وقرأ ابن السميفع: " فبَهَت " بفتح الباء والهاء على معنى فبهت إبراهيم الذي كفر، فالذي في موضع نصب، قال: وقد يجوز أن يكون " بَهَتَ " بفتحهما لغة في بهت. قال: وحكى أبو الحسن الأخفش قراءة " فبهِت " بكسر الهاء كَخَرِقَ ودهِش، قال: والأكثر بالضم في الهاء، قال ابن جني: يعني أن الضم يكون للمبالغة، قال الفقيه أبو محمد: وقد تأول قوم في قراءة من قرأ { فبهت } بفتحهما أنه بمعنى سب وقذف، وأن نمرود هو الذي سب إبراهيم حين انقطع ولم تكن له حيلة

قال السمين

قوله: { لَمْ يَتَسَنَّهْ } هذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال. وزعم بعضُهم أن المضارعَ المنفيَّ بـ " لم " إذا وَقَع حالاً فالمختارُ دخولُ واوِ الحال وأنشد:/
1051 ـ بأَيْدي رجالٍ لم يَشِيْموا سيوفَهُمْ ولم تَكْثُر القَتْلى بها حينَ سُلَّتِ
وزعم آخرون أنَّ الأَوْلَى نفيُ المضارعِ الواقعِ حالاً بما ولمَّا وكلا الزعمين غيرُ صحيحين. لأنَّ الاستعمالَيْنِ واردان في القرآنِ، قال تعالى:
{ فَظ±نْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ظ±للَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوغ¤ءٌ }
[آل عمران: 174]، وقال تعالى:
{ أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ }
[الأنعام: 93] فجاء النفيُ بـ لم مع الواوِ ودونِها.

قيل: قد تقدَّم شيئاَن وهما " طعامِك وشرابِك " ولم يُعِدِ الضميرَ إلا مفرداً، وفي ذلك ثلاثةُ أجوبةٍ، أحدُها: أنهما لمَّا كانا متلازِمَيْنِ، بمعنى أنَّ أحدَهما لا يُكْتَفَى به بدونِ الآخر صارا بمنزلةِ شيءٍ واحدٍ حتى كأنه [قال:] فانظُرْ إلى غذائِك. الثاني: أنَّ الضميرَ يعودُ إلى الشراب فقط، لأنه أقربُ مذكورٍ، وثَمَّ جملةٌ أخرى حُذِفَتْ لدلالةِ هذه عليها. والتقديرُ: وانظرْ إلى طعامِكَ لم يَتَسَنَّهْ وإلى شرابِك لم يَتَسَنَّهْ، أو يكونُ سكتَ عن تغيُّرِ الطعامِ تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، وذلك أنه إذا لم يتغيَّرِ الشرابُ مع نَزْعَة النفس إليه فَعَدَمُ تغيُّر الطعامِ أَوْلَى، قال معناه أبو البقاء. والثالث: أنه أفردَ في موضِعِ التثنيةِ، قاله أبو البقاء وأنشد:
1052 ـ فكأنَّ في العينين حَبَّ قَرَنْفُلٍ أو سُنْبَلٍ كُحِلَتْ به فانْهَلَّتِ
وليس بشيءٍ.

وقرأ حمزةُ والكسائي: " لم يَتَسَنَّهْ " بالهاء وقفاً وبحذفها وصلاً، والباقون بإثباتِها في الحالين. فأمَّا قراءتهما فالهاءُ فيها للسكتِ. وأمَّا قراءةُ الجماعَةِ فالهاء تحتملُ وجهين، أحدُهما: أن تكونَ أيضاً للسكتِ، وإنما أُثبتت وصلاً إجراء للوصلِ مُجْرى الوقفِ، وهو في القرآن كثيرٌ، سيمرُّ بك منه مواضعُ، فعلى هذا يكون أصلُ الكلمةِ: إمَّا مشتقاً من لفظ " السَّنة " على قولنا إنَّ لامَها المحذوفةَ واوٌ، ولذلكَ تُرَدُّ في التصغير والجمع، قالوا: سُنَيَّة وسَنَوات، وعلى هذه اللغة قالوا: " سانَيْتُ " أُبْدِلَتِ الواوُ ياءً لوقوعِها رابعةً، وقالوا: أَسْنَتَ القومُ، فقلبوا الواوَ تاءً، والأصل أَسْنَوُوا، فأَبْدَلوها في تُجاه وتُخَمة كما تقدَّم، فأصله: يَتَسَنَّى فحُذِفَتْ الألفُ جزماً، وإمَّا مِنْ لفظ " مَسْنون " وهو المتغيِّرُ ومنه
{ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ }
[الحجر: 26]، والأصل: يتَسَنَّنُ بثلاثِ نونات، فاسْتُثْقِلَ توالي الأمثال، فَأَبْدَلْنَا الأخيرةَ ياءً، كما قالوا في تَظَنَّنَ: تظَنَّى، وفي قَصَّصْت أظفاري: قَصَّيْت، ثم أَبْدَلْنَا الياء ألفاً لتحرُّكِها وانفتاح ما قبلَها، ثم حُذِفَتْ جزماً، قاله أبو عمرو، وخَطَّأَه الزجاج، قال: " لأنَّ المسنونَ المصبوبَ على سَنَنِ الطريق ".

وحُكِيَ عن النقاش أنه قال: " هو مأخوذٌ من أَسِنَ الماءُ " أي تغيَّر، وهذا وإن كان صحيحاً معنىً فقد رَدَّ عليه النحويون قولَه لأنه فاسدٌ اشتقاقاً، إذ لو كان مشتقاً من " أَسِنَ الماء " لكان ينبغي حين يُبْنَى منه تفعَّل أن يقال تأسَّن.

ويمكن أَنْ يُجَابَ عنه أنه يمكنُ أن يكونَ قد قُلِبَت الكلمةُ بَنْ أُخِّرَتْ فاؤها - وهي الهمزة - إلى موضِع لامِها فبقي: يَتَسَنَّأ بالهمزةِ آخِراً، ثم أُبْدِلَت الهمزةُ ألفاً كقولِهم في قرأ: " قَرَا " ، وفي استَهْزا " ثم حُذِفَتْ جزماً.

والوجه الثاني: أن تكونَ الهاءُ أصلاً بنفسِها، ويكونُ مشتقاً من لفظ " سنة " أيضاً، ولكن في لغةِ من يَجْعَلُ لامَها المحذوفَةَ هاءً، وهم الحجازيون، والأصلِ: سُنَيْهَة، يَدُلُّ على ذلك التصغيرُ والتكسير، قالوا: سُنَيْهَة وسُنَيْهات وسانَهْتُ، قال شاعرهم:
1053 ـ وليسَتْ بِسَنْهَاء ولا رُجَّبِيَّةٍ ولكنْ عرايا في السنينِ الجوائِحِ
ومعنى " لم يَتَسَنَّهْ " على قولِنا: إنه من لفظِ السَّنَة، أي: لم يتغيَّر بمَرِّ السنين عليه، بل بقي على حالِه، وهذا أَوْلى من قولِ أبي البقاء في أثناءِ كلامه " من قولك أَسْنى يُسْنِي إذا مَضَتْ عليه سِنونَ " لأنه يَصِيرُ المعنى: لم تَمْضِ عليه سنونَ، وهذا يخالِفُهُ الحِسُّ والواقعُ.

وقرأ أُبَيّ: " لم يَسَّنَّه " بإدغام التاء في السين، والأصل: " لم يَتَسَنَّه " كما قرىء
{ لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىظ° ظ±لْمَلإِ }
[الصافات: 8]، والأصل: يَتَسَمَّعون فَأُدْغِم.

وقرأ طلحة بن مصرف: " لمئة سنة ".

الجوهرة الرابعة والاربعون

وقال ابن عطية

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: " نَنْشُرُها " بضم النون الأولى وبالراء، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. " ننشزها " بالزاي، وروى أبان عن عاصم " نَنشرُها " بفتح النون الأولى وضم الشين وبالراء، وقرأها كذلك ابن عباس والحسن وأبو حيوة. فمن قرأها " نُنشرها " بضم النون الأولى وبالراء فمعناه نحييها. يقال أنشر الله الموتى فنشروا، قال الله تعالى:
{ ثم إذا شاء أنشره }
[عبس: 22].

وقال الأعشى: [السريع]

يَا عَجَبا للميِّت النَّاشِرِ
وقراءة عاصم: " نَنشرها " بفتح النون الأولى يحتمل أن تكون لغة في الإحياء، يقال: نشرت الميت وأنشرته فيجيء نشر الميت ونشرته، كما يقال حسرت الدابة وحسرتها، وغاض الماء وغضته، ورجع زيد ورجعته. ويحتمل أن يراد بها ضد الطيّ، كأن الموت طيّ للعظام والأعضاء، وكأن الإحياء وجمع بعضها إلى بعض نشر. وأما من قرأ: " ننشزها " بالزاي بمعناه: نرفعها، والنشز المرتفع من الأرض، ومنه قول الشاعر:

ترى الثَّعْلَبَ الْحَوليَّ فيها كأنَّهُ إذا مَا علا نَشْزاً حِصَانٌ مُجَلَّلُ
قال أبو علي وغيره: فتقديره ننشزها برفع بعضها إلى بعض للإحياء، ومنه نشوز المرأة وقال الأعشى: [الطويل]

قُضَاعِيَّةٌ تَأْتي الْكَواهِنَ ناشِزا
يقال نشز وأنشزته.

قال القاضي أبو محمد: ويقلق عندي أن يكون معنى النشوز رفع العظام بعضها إلى بعض، وإنما النشوز الارتفاع قليلاً قليلاً، فكأنه وقف على نبات العظام الرفات وخروج ما يوجد منها عند الاختراع، وقال النقاش: ننشزها معناه ننبتها، وانظر استعمال العرب تجده على ما ذكرت، من ذلك نشز ناب البعير، والنشز من الأرض على التشبيه بذلك، ونشزت المرأة كأنها فارقت الحال التي ينبغي أن تكون عليها، وقوله تعالى:
{ وإذا قيل انشزوا فانشزوا }
[المجادلة: 11] أي فارتفعوا شيئاً شيئاً كنشوز الناب. فبذلك تكون التوسعة، فكأن النشوز ضرب من الارتفاع. ويبعد في الاستعمال أن يقال لمن ارتفع في حائط أو غرفة: نشز. وقرأ النخعي " نَنشُزُها " بفتح النون وضم الشين والزاي، وروي ذلك عن ابن عباس وقتادة. وقرأ أبي بن كعب: " كيف ننشيها " بالياء. والكسوة: ما وارى من الثياب،وشبه اللحم بها، وقد استعاره النابغة للإسلام فقال:
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسيتُ من الإسلامِ سربالا
وروي أنه كان يرى اللحم والعصب والعروق كيف تلتئم وتتواصل...

وقال الطبري

والقول فـي ذلك عندي أن معنى الإنشار ومعنى الإنشاز متقاربـان، لأن معنى الإنشاز التركيب والإثبـات وردّ العظام من العظام وإعادتُها لا شك أنه ردّها إلـى أماكنها ومواضعها من الـجسد بعد مفـارقتها إياها. فهما وإن اختلفـا فـي اللفظ، فمتقاربـا الـمعنى، وقد جاءت بـالقراءة بهما الأمة مـجيئاً يقطع العذر ويوجب الـحجة، فبأيهما قرأ القارىء فمصيب لانقـياد معنـيـيهما، ولا حجة توجب لإحداهما من القضاء بـالصواب علـى الأخرى. فإن ظنّ ظان أن الإنشار إذا كان إحياء فهو بـالصواب أولـى، لأن الـمأمور بـالنظر إلـى العظام وهي تنشر إنـما أمر به لـيرى عيانا ما أنكره بقوله { أَوْ كَظ±لَّذِى مَرَّ عَلَىظ° قَرْيَةٍ وَهِىَ } فإن إحياء العظام لا شك فـي هذا الـموضع إنـما عنى به ردّها إلـى أماكنها من جسد الـمنظور إلـيه، وهو يحيا، لا إعادة الروح التـي كانت فـارقتها عند الـمـمات. والذي يدل علـى ذلك قوله { ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا } ولا شك أن الروح إنـما نفخت فـي العظام التـي أنشرت بعد أن كسيت اللـحم. وإذا كان ذلك كذلك، وكان معنى الإنشاز تركيب العظام وردّها إلـى أماكنها من الـجسد، وكان ذلك معنى الإنشار، وكان معلوماً استواء معنـيـيهما، وأنهما متفقا الـمعنى لا مختلفـاه، ففـي ذلك إبـانة عن صحة ما قلنا فـيه. وأما القراءة الثالثة فغير جائزة القراءة بها عندي، وهي قراءة من قرأ «كَيْفَ نَنْشُرُها» بفتـح النون وبـالراء، لشذوذها عن قراءة الـمسلـمين وخروجها عن الصحيح الفصيح من كلام العرب

الجوهرة الخامسة والاربعون

وقال السمين

قوله: { قَالَ أَعْلَمُ } الجمهورُ على " قال " مبنياً للفاعلِ. وفي فاعلِهِ على قراءةِ حمزة والكسائي: " اعْلَمْ " أمراً من " عَلِمَ " قولان، أظهرِهُما: أنه ضميرٌ يعودُ على اللِّهِ تعالى أو على المَلِكِ، أي: قال اللَّهُ أو المَلِكُ أو المَلِكُ لذلك المارِّ اعْلَمْ. والثاني: أنه ضميرٌ يعودُ على المارِّ نفسهِ، نَزَّلَ نفسَه منزلَةَ الأجنبي فخاطَبَهَا، ومنه:


1058 ـ وَدِّعْ هُرَيْرَةَ......... .....................
[وقوله]:
1059 ـ ألم تَغْتَمِضْ عيناك... ............................
[قوله]:
1060 ـ تطاولَ ليلُك......... ....................
يعني نفسَه. قال أبو البقاء: " ما تقولُ لنفسِك: اعلمْ يا عبدَ الله، ويُسَمَّى هذا التجريدَ " يعني كأنه جَرَّد من نفسه مخاطباً يخاطِبُه.

وأمَّا على قراءةِ غيرهما: " أعلمُ " مضارعاً للمتكلمِ ففاعلُ " قال " ضميرُ المارِّ، أي: قال المارُّ: أعلَمُ أنا

اسامة محمد خيري
27-10-2018, 12:06
قال الطبري

وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك قراءة من قرأ «اعْلَـمْ» بوصل الألف وجزم الـميـم علـى وجه الأمر من الله تعالـى ذكره للذي قد أحياه بعد مـماته بـالأمر بأن يعلـم أن الله الذي أراه بعينـيه ما أراه من عظيـم قدرته وسلطانه من إحيائه إياه وحماره بعد موت مائة عام وبلائه حتـى عادا كهيئتهما يوم قبض أرواحهما، وحفظ علـيه طعامه وشرابه مائة عام حتـى ردّه علـيه كهيئته يوم وضعه غير متغير علـى كل شيء قادر كذلك. وإنـما اخترنا قراءة ذلك كذلك وحكمنا له بـالصواب دون غيره لأن ما قبله من الكلام أمر من الله تعالـى ذكره قولاً للذي أحياه الله بعد مـماته وخطابـا له به، وذلك قوله { فَظ±نظُرْ إِلَىظ° طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَظ±نظُرْ إِلَىظ° حِمَارِكَ وَظ±نظُرْ إِلَى ظ±لعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا } فلـما تبـين له ذلك جوابـاً عن مسألته ربه { أَوْ كَظ±لَّذِى مَرَّ عَلَىظ° قَرْيَةٍ وَهِىَ } ظ° قال الله له اعلـم أن الله الذي فعل هذه الأشياء علـى ما رأيت علـى غير ذلك من الأشياء قدير كقدرته علـى ما رأيت وأمثاله، كما قال تعالـى ذكره لـخـلـيـله إبراهيـم صلى الله عليه وسلم، بعد أن أجابه عن مسألته إياه فـي قوله
{ رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ظ±لْمَوْتَىظ° }
البقرة 260
{ وَظ±عْلَمْ أَنَّ ظ±للَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }
البقرة 260 فأمر إبراهيـم بأن يعلـم بعد أن أراه كيفـية إحيائه الـموتـى أنه عزيز حكيـم، وكذلك أمر الذي سأل فقال { أَوْ كَظ±لَّذِى مَرَّ عَلَىظ° قَرْيَةٍ وَهِىَ } بعد أن أراه كيفـية إحيائه إياها أن يعلـم أن الله علـى كل شيء قدير....

الجوهرة السادسة والاربعون

{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }

قال السمين

قوله: { فَصُرْهُنَّ } قرأ حمزة بكسر الصادِ، والباقونَ بضمِّها وتخفيفِ الراء. واختُلِف في ذلك فقيل: القراءتان يُحتمل أَنْ تكونا بمعنىً واحدٍ، وذلك أنه يقال: صارَه يَصُوره ويَصِيره، بمعنى قَطَعه أو أماله فاللغتان لفظٌ مشتركٌ بين هذين المعنيين، والقراءتان تَحْتَمِلهما معاً، وهذا مذهبُ أبي عليّ. وقال الفراء: " الضمُّ مشتركٌ بين المعنيين، وأمَّا الكسرُ فمعناه القطعُ فقط ". وقال غيرُه: " الكسرُ بمعنى القَطْعِ والضمُّ بمعنى الإِمالةِ ". ونُقِل عن الفراء أيضاً أنه قال: " صَارَه " مقلوبُ من قولهم: " صَراه عن كذا " أي: قَطَعه عنه. ويقال: صُرْتُ الشيءَ فانصار أي: قالت الخنساء:
1063 ـ فلو يُلاقي الذي لاقَيْتُه حَضِنٌ لَظَلَّتِ الشمُّ منه وَهْيَ تَنْصارُ

أي: تَنْقَطِعُ. واختُلف في هذه اللفظةِ: هل هي عربيةٌ او مُعَرَّبة؟ فعن ابنِ عباس أنها مُعَرَّبةٌ من النبطية، وعن أبي الأسود أنها من السريانية، والجمهورُ على أنها عربيةٌ لا معرَّبةٌ.

و " إليك " إنْ قلنا: إنَّ " صُرْهُنَّ " بمهنى أمِلْهُنَّ تعلَّق به، وإنَّ قلنا: إنه بمعنى قَطِّعْهُنَّ تعلَّقَ بـ " خُذْ ".

وقرأ ابن عباس: " فَصُرَّهُنَّ " بتشديد الراءِ مع ضَم الصادِ وكسرِها، مِنْ: صَرَّه يَصُرُّه إذا جَمَعه؛ إلا أنَّ مجيءَ المضعَّفِ المتعدِّي على يَفْعِل بكسر العين في المضارعِ قليلٌ. ونقل أبو البقاء عَمَّنْ شَدَّد الراءَ أنَّ منهم مَنْ يَضُمُّها، ومنهم مَنْ يفتَحُها، ومنهم مَنْ يكسِرُها مثل: " مُدَّهُنَّ " فالضمُّ على الإِتباعِ، والفتحُ للتخفيفِ، والكسرُ على أصلِ التقاءِ الساكنينِ.

ولمَّا فَسَّر أبو البقاء " فَصُرْهُنَّ " بمعنى " أَمِلْهُنَّ " قَدَّر محذوفاً بعده تقديرُه: فَأَمِلْهُنَّ إليك ثم قَطِّعْهُنَّ، ولمَّا فسَّره بقطِّعْهن قَدَّر محذوفاً يتعلَّق به " إلى " تقديرُه: قَطِّعْهُنَّ بعد أَنْ تُميلَهُنَّ [إليك]. ثم قال: " والأجودُ عندي أن يكونَ " إليك " حالاً من المفعولِ المضمرِ تقديرُه: فَقَطِّعْهُنَّ مُقَرَّبةً إليك أو ممالةً أو نحوُ ذلك.

وقال الرازى

قوله تعالى: { فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة { فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } بكسر الصاد، والباقون بضم الصاد، أما الضم ففيه قولان الأول: أن من صرت الشيء أصوره إذا أملته إليه ورجل أصور أي مائل العنق، ويقال: صار فلان إلى كذا إذا قال به ومال إليه، وعلى هذا التفسير يحصل في الكلام محذوف، كأنه قيل: أملهن إليك وقطعهن، ثم اجعل على كل جبل منهن جزأ، فحذف الجملة التي هي قطعهن لدلالة الكلام عليه كقوله { أَنِ ظ±ضْرِب بّعَصَاكَ ظ±لْبَحْرَ فَظ±نفَلَقَ } على معنى: فضرب فانفلق لأن قوله { ثُمَّ ظ±جْعَلْ عَلَىظ° كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جزءاً } يدل على التقطيع. فإن قيل: ما الفائدة في أمره بضمها إلى نفسه بعد أن يأخذها؟. قلنا: الفائدة أن يتأمل فيها ويعرف أشكالها وهيآتها لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء، ولا يتوهم أنها غير تلك. والقول الثاني: وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد { صرهن إليك } معناه قطعهن، يقال: صار الشيء يصوره صوراً، إذ قطعه، قال رؤبة يصف خصماً ألد: صرناه بالحكم، أي قطعناه، وعلى هذا القول لا يحتاج إلى الإضمار، وأما قراءة حمزة بكسر الصاد، فقد فسّر هذه الكلمة أيضاً تارة بالإمالة، وأخرى بالتقطيع، أما الإمالة فقال الفرّاء: هذه لغة هذيل وسليم: صاره يصيره إذا أماته، وقال الأخفش وغيره { صرهن } بكسر الصاد: قطعهن. يقال: صاره يصيره إذا قطعه، قال الفرّاء: أظن أن ذلك مقلوب من صرى يصري إذا قطع، فقدمت ياؤها، كما قالوا: عثا وعاث، قال المبرّد: وهذا لا يصح، لأن كل واحد من هذين اللفظين أصل في نفسه مستقل بذاته، فلا يجوز جعل أحدهما فرعاً عن الآخر.

المسألة الثانية: أجمع أهل التفسير على أن المراد بالآية: قطعهن، وأن إبراهيم قطع أعضاءها ولحومها وريشها ودماءها، وخلط بعضها على بعض، غير أبي مسلم فإنه أنكر ذلك، وقال: إن إبراهيم عليه السلام لما طلب إحياء الميت من الله تعالى أراه الله تعالى مثالا قرب به الأمر عليه، والمراد بصرهن إليك الإمالة والتمرين على الإجابة، أي فعود الطيور الأربعة أن تصير بحيث إذا دعوتها أجابتك وأتتك، فإذا صارت كذلك، فاجعل على كل جبل واحداً حال حياته، ثم ادعهن يأتينك سعياً، والغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة وأنكر القول بأن المراد منه: فقطعهن. واحتج عليه بوجوه الأول: أن المشهور في اللغة في قوله { فَصُرْهُنَّ } أملهن وأما التقطيع والذبح فليس في الآية ما يدل عليه، فكان إدراجه في الآية إلحاقاً لزيادة بالآية لم يدل الدليل عليها وأنه لا يجوز والثاني: أنه لو كان المراد بصرهن قطعهن لم يقل إليك، فإن ذلك لا يتعدى بإلي وإنما يتعدى بهذا الحرف إذا كان بمعنى الإمالة. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: فخذ إليك أربعة من الطير فصرهن. قلنا: التزام التقديم والتأخير من غير دليل ملجىء إلى التزامه خلاف الظاهر والثالث: أن الضمير في قوله { ثُمَّ ظ±دْعُهُنَّ } عائد إليها لا إلى أجزائها، وإذا كانت الأجزاء متفرقة متفاصلة وكان الموضوع على كل جبل بعض تلك الأجزاء يلزم أن يكون الضمير عائداً إلى تلك الأجزاء لا إليها، وهو خلاف الظاهر، وأيضاً الضمير في قوله { يَأْتِينَكَ سَعْيًا } عائداً إليها لا إلى إجزائها وعلى قولكم إذا سعى بعض الأجزاء إلى بعض كان الضمير في { يَأْتِينَكَ } عائداً إلى أجزائها لا إليها،....

وقال الطبري

ففـيـما ذكرنا من أقوال من روينا قوله فـي تأويـل قوله { فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } أنه بـمعنى فقطعهن إلـيك، دلالة واضحة علـى صحة ما قلنا فـي ذلك، وفساد قول من خالفنا فـيه. وإذ كان ذلك كذلك، فسواء قرأ القارىء ذلك بضم الصاد فصُرْهن إلـيك أو كسرها فصِرْهن أن كانت اللغتان معروفتـين بـمعنى واحد، غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن أحبهما إلـيّ أن أقرأ به «فصُرْهن إلـيك» بضم الصاد، لأنها أعلـى اللغتـين وأشهرهما وأكثرهما فـي أحياء العرب.

اسامة محمد خيري
27-10-2018, 14:31
الجوهرة السابعة والاربعون

قال القرطبي

قوله تعالىظ°: { وَظ±للَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } وعد ووعيد. وقرأ الزهريّ «يعملون» بالياء كأنه يريد به الناس أجمع، أو يريد المنفقين فقط؛ فهو وعد محض.

وقال ابن عطية

إلا أن تغمضوا } أي تستحيي من المهدي أن تقبل منه ما لا حاجة لك فيه، ولا قدر له في نفسه.

قال القاضي أبو محمد: وهذا يشبه كون الآية في التطوع، وقال ابن زيد معنى الآية: ولستم بآخذي الحرام إلا أن تغمضوا في مكروهه، وقرأ جمهور الناس " إلا أن تُغْمِضوا " بضم التاء وسكون الغين وكسر الميم. وقرأ الزهري بفتح التاء وكسر الميم مخففاً، وروي عنه أيضاً " تُغْمِّضُوا " بضم التاء وفتح الغين وكسر الميم مشددة، وحكى مكي عن الحسن البصري " تغمَّضوا " مشددة الميم مفتوحة وبفتح التاء. وقرأ قتادة بضم التاء وسكون الغين وفتح الميم مخففاً قال أبو عمرو معناه: إلا أن يغمض لكم.

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: هذه اللفظة تنتزع إما من قول العرب أغمض الرجل في أمر كذا إذا تساهل فيه ورضي ببعض حقه وتجاوز، فمن ذلك قول الطرماح بن حكيم: [الخفيف]

لَمْ يَفُتنا بِالْوِتْرِ قَوْمٌ وللذُ لِّ أُنَاسٌ يَرْضَونَ بالإغْمَاضِ
وإما أن تنتزع من تغميض العين لأن الذي يريد الصبر على مكروه يغمض عنه عينيه ومنه قول الشاعر:

إلى كم وكم أشياء منكمْ تريبني أغمض عنها لست عنها بذي عمى
وهذا كالإغضاء عند المكروه، وقد ذكر النقاش هذا المعنى في هذه الآية وأشار إليه مكي، وإما من قول العرب أغمض الرجل إذا أتى غامضاً من الأمر كما تقول: أعمن إذا أتى عمان، وأعرق إذا أتى العراق، وأنجد، وأغور، إذا أتى نجداً والغور الذي هو تهامة، ومنه قول الجارية: وإن دسر أغمض فقراءة الجمهور تخرج على التجاوز وعلى التغميض العين لأن أغمض بمنزلة غمض وعلى أنها بمعنى حتى تأتوا غامضاً من التأويل والنظر في أخذ ذلك إما لكونه حراماً على قول ابن زيد، وإما لكونه مهدياً أو مأخوذاً في دين على قول غيره، وأما قراءة الزهري الأولى فمعناها تهضموا سومها من البائع منكم فيحطكم، قال أبو عمرو معنى قراءتي الزهري حتى تأخذوا بنقصان.

قال القاضي أبو محمد: وأما قراءته الثانية فهذا مذهب أبي عمرو الداني فيها. ويحتمل أن تكون من تغميض العين. وأما قراءة قتادة فقد ذكرت تفسير أبي عمرو لها. وقال ابن جني: معناها توجدوا قد غمضتم في الأمر بتأولكم أو بتساهلكم وجريتم على غير السابق إلى النفوس، وهذا كما تقول: أحمدت الرجل وجدته محموداً إلى غير ذلك من الأمثلة، ثم نبه تعالى على صفة الغنى أي لا حاجة به إلى صدقاتكم، فمن تقرب وطلب مثوبة فليفعل ذلك بما له قدر.....

وقرأ الجمهور " من يؤت الحكمة " على بناء الفعل للمفعول. وقرأ الزهري ويعقوب " ومن يؤت " بكسر التاء على معنى ومن يؤت الله الحكمة { فمن } مفعول أول مقدم و { الحكمة } مفعول ثان، وقرأ الأخفش: " ومن يؤته الحكمة " ، وقرأ الربيع بن خثيم " تؤتي الحكمة من تشاء " بالتاء في " تؤتي " و " تشاء " منقوطة من فوق، " ومن يؤت الحكمة " بالياء،

الجوهرة الثامنة والاربعون

قال القرطبي

{ وَيُكَفِّرُ } اختلف القراء في قراءته؛ فقرأ أبو عمرو وابن كَثير وعاصم في رواية أبي بكر وقتَادة وابن أبي إسحاق «ونُكَفِّرُ» بالنون ورفع الراء. وقرأ (نافع) وحمزة والكسائي بالنون والجزم في الراء؛ ورُوي مثل ذلك أيضاً عن عاصم. وروى الحسين بن عليّ الجَعْفِيّ عن الأعمش «يُكَفِّرَ» بنصب الراء. وقرأ ظ±بن عامر بالياء ورفع الراء؛ ورواه حفص عن عاصم، وكذلك روى عن الحسن، ورُوي عنه بالياء والجزم. وقرأ ابن عباس «وتُكَفِّرْ» بالتاء وكسر الفاء وجزم الراء. وقرأ عكرمة «وتُكَفَّرْ» بالتاء وفتح الفاء وجزم الراء. وحكى المَهْدَوِيّ عن ابن هُرْمُز أنه قرأ «وتُكَفِّرُ» بالتاء ورفع الراء. وحُكي عن عكرمة وشَهْر بن حَوشب أنهما قرءا بتاء ونصب الراء. فهذه تسع قراءات أَبْيَنُهَا «ونُكَفِّرُ» بالنون والرفع. هذا قول الخليل وسيبويه. قال النحاس قال سيبويه: والرفع هاهنا الوجه وهو الجيِّد، لأن الكلام الذي بعد الفاء يجري مجراه في غير الجزاء. وأجاز الجزم بحمله على المعنى؛ لأن المعنى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء يكن خيراً لكم ونكفر عنكم. وقال أبو حاتم: قرأ الأعمش «يُكَفِّرُ» بالياء دون واو قبلها. قال النحاس: والذي حكاه أبو حاتم عن الأعمش بغير واو جزماً يكون على البدل كأنه في موضع الفاء. والذي روي عن عاصم «ويُكَفِّرُ» بالياء والرفع يكون معناه ويُكَفِّرُ الله؛ هذا قول أبي عُبَيد. وقال أبو حاتم: معناه يكفِّر الإعطاء. وقرأ ابن عباس «وتُكَفِّرْ» يكون معناه وتكفِّر الصدقات. وبالجملة فما كان من هذه القراءات بالنون فهي نون العظمة، وما كان منها بالتاء فهي الصدقة فاعلمه؛ إلا ما رُوي عن عكرمة من فتح الفاء فإن التاء في تلك القراءة إنما هي للسيئات، وما كان منها بالياء فالله تعالى هو المكفِّر، والإعطاء في خفاء مكفِّر أيضاً كما ذكرنا، وحكاه مَكِّيّ

وأما رفع الراء فهو على وجهين: أحدهما أن يكون الفعل خبر ابتداء تقديره ونحن نكفِّر أو وهي تكفِّر، أعني الصدقة، أو والله يكفِّر. والثاني القطع والاستئناف لا تكون الواو العاطفة للاشتراك لكن تعطف جملة كلام على جملة. وقد ذكرنا معنى قراءة الجزم. فأما نصب «ونُكَفِّرَ» فضعيف وهو على إضمار أن وجاز على بُعْد. قال المَهْدَوِيّ: وهو مشبه بالنصب في جواب الاستفهام، إذ الجزاء يجب به الشيء لوجوب غيره كالاستفهام. والجزم في الراء أفصح هذه القراءات، لأنها تُؤْذن بدخول التكفير في الجزاء وكونه مشروطاً إن وقع الإخفاء. وأما الرّفع فليس فيه هذا المعنى.

قلت: هذا خلاف ما اختاره الخليل وسيبويه....

وقال ابن عطية

وقال ابن عباس رضي الله عنه ومجاهد وابن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي وابن زيد: معنى قوله: { لا يقومون } من قبورهم في البعث يوم القيامة، قال بعضهم: يجعل معه شيطان يخنفة، وقالوا كلهم يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتاً عند جمع المحشر، ويقوي هذا التأويل المجمع عليه في أن قراءة عبد الله بن مسعود " لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم ".

اسامة محمد خيري
27-10-2018, 14:59
الجوهرة التاسعة والاربعون

{ يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ }

قال الحافظ ابن كثير

وقوله { وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ } قرىء بضم الياء والتخفيف، من ربا الشيء يربو، وأرباه يربيه، أي كثره، ونماه ينميه، وقرىء يربي بالضم والتشديد من التربية، قال البخاري حدثنا عبد الله بن منير، أخبرنا كثير سمع أبا النضر، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه، حتى يكون مثل الجبل " كذا رواه في كتاب الزكاة،...

ملحوظة

بالتشديد قراءة ابن الزبير شاذة

اسامة محمد خيري
27-10-2018, 15:04
الجوهرة الخمسون

{ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ }

قال السمين

قوله تعالى: { فَأْذَنُواْ }: قرأ حمزة وأبو بكر عن عاصمٍ: " فآذِنوا " بألف بعد الهمزةِ، والباقون بدونِ ألف، ساكنَ الهمزةِ.

فالأُولى من آذَنَه بكذا أي: أَعْلمه كقولِهِ:
{ فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَىظ° سَوَآءٍ }
[الأنبياء: 109] والمعنى: أَعْلِمُوا غيرَكم. أُمِرَ المخاطبون بتركِ الربا أَنْ يُعْلِمُوا غيرَهم مِمَّنْ هو على حالهم في المَقامِ بالرِّبا بمحاربةِ اللِّهِ ورسولِهِ، فالمفعولُ هنا محذوفٌ، وقد صَرَّحَ به الشاعرُ في قولِهِ:
1114 - آذَنَتْنَا بِبَيْنِها أسماءُ رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ منه الثَّواءُ
وفي قولِهِ تعالى: { آذَنتُكُمْ }. وقيل: الهمزةُ في " فَأْذَنُوا " للصيرورةِ لا للتعديةِ، والمعنى: صِيروا عالِمين بالحربِ، قاله أبو البقاء، وفيه بُعْدٌ كبير.

وقراءةُ الباقين أَمْرٌ من: أَذِنَ يَأْذَنُ أي عَلِمَ يَعْلَمُ أي: فاعلَموا يُقال: أَذِن به فهو أَذِين، أي: عَلِمَ به فهو عليم.

ورجَّح جماعةٌ قراءةَ حمزةَ. قال مكيّ: " لولا أَنَّ الجماعَةَ على القصرِ لكان الاختيارُ المدَّ. ووجَّه ذلك أن آذَنَ بالمدِّ أَعَمُّ من أَذِنَ بالقصر، لأنهم إذا أَعلمُوا غيرَهم فقد عَلِموا هم ضرورةً، من غيرِ عكسٍ، أو يَعْلَمُون هم بأنفسِهم ولا يَعْلَمُ غيرُهُم ". قال: " وبالقصرِ قرأ علي بن أبي طالب وجماعةٌ ".

وعَكَسَ أبو حاتمٍ فرجَّح قراءةَ القصرِ، واستبعدَ قراءةَ المَدِّ قال: " إذ الأمرُ فيه بالحربِ لغيرِهم والمرادُ هم؛ لأنهم المخاطَبون بتركِ الربا " وهذا الذي قالَه غيرُ لازمٍ؛ لأنك إذا كنتَ على حالةٍ فقلتُ لك يا فلان: " أعلِمْ فلاناً أنه مرتكبُ قبيحاً " وهو شيءٌ مماثِلٌ لِما أنت عليه عِلِمْتَ قطعاً أنك مأمورٌ به أيضاً، بل هو أَبْلَغُ من أمري لك مواجهةً. وكذلك قال ثعلب، قال: " الاختيارُ قراءةُ العامة من الإِذن لأنه يُفَسِّر كونوا على إذْنٍ وعِلْمٍ، ولأنَّ الكلامَ يَجْرى به على وجهٍ واحدٍ وهو أَدَلُّ على المرادِ، وأقربُ في الأفهام ". وقال أبو عبيدة: " يقال: أَذِنْتُه بالشيء فَأَذِنَ به " ، أي: عَلِمَ، مثل: أَنْذَرْتُهُ بالشيء فَنَذِرَ به، فجعله مطاوعاً لأفْعَلَ.

وقال أبو عليّ: " وإذا أُمرِوا بإعلامِ غيرِهم عَلِموا هم لا محالَةَ، ففي إعلامِهِم علمُهم، ليس في علمِهم إعلامُهم غيرَهم، فقراءةُ المدِّ أرجحُ لأنها أبلغُ وأكدُ.

وقال الطبري: " قراءةُ القصرِ أَرْجَحُ لأنها تختصُّ بهم، وإنما أُمِرُوا على قراءةِ المدِّ بإعلام غيرِهم ".

وقال الزمخشري: " وقُرِىء فآذِنُوا: فَأَعْلِموا بها غيرَكم، وهو من الإِذْن وهو الإِسماع، لأنه من طرق العلمِ. وقرأ الحسنُ: " فَأَيْقِنُوا " وهو دليلٌ لقراءةِ العامةِ " يعني بالقصرِ، لأنها نصٌّ في العلمِ لا في الإِعلام.

وقال ابنُ عطية: " والقراءتان عندي سواءٌ، لأنَّ المخاطَبَ محصورٌ، لأنه كلُّ مَنْ لا يَذَرُ ما بقي من الربا.

فإنْ قيل: " فَأْذَنوا " فقد عَمَّهم الأمرُ، وإنْ قيلَ " فآذِنُوا " بالمدِّ فالمعنى: أعلِمُوا أنفسَكم أو بعضكم بعضاً، وكأنَّ هذه القراءةَ تقتضي فَسْحاً لهم في الارتياءِ والتثبُّتِ أي: فَأْعِلموا نفوسَكم هذا، ثم انظُروا في الأرجحِ لكم: تَركِ الربا أو الحربِ ".....

قوله: { فَنَظِرَةٌ } الفاءُ جوابُ الشرط و " نَظِرةٌ " خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: فالأمرُ أو فالواجِبُ، أو مبتدأٌ خبرُهُ محذوفٌ، أي: فعليكم نظرةٌ، أو فاعلٌ بفعلٍ مضمرٍ، أي: فتجِبُ نظرةٌ.

وقرأ العامة: " نَظِرة " بزنة " نَبِقَة ". وقرأ الحسن ومجاهد وأبو رجاء: " فَنَظْرة " بتسكين العين، وهي لغةٌ تميمية يقولون: " كَبْد " في " كَبِد " و " كَتْف " في " كَتِف ". وقرأ عطاء " فناظِرَة " على فاعِلَة، وقد خَرَّجَهَا أبو إسحاق على أنها مصدرٌ نحو:
{ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةً }
[الواقعة: 2]
{ يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ظ±لأَعْيُنِ }
[غافر: 19]
{ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ }
[القيامة: 25]. وقال الزمخشري " فناظِرُهُ أي فصاحبُ الحقِ ناظرُه أي: منتظره، أو صاحبُ نظرته على طريقةِ النسب، كقولِهِم: " مكان عاشِب وباقل " بمعنى ذو عشبٍ وذو بَقْلٍ، وعنه: " فناظِرْهُ " على الأمرِ بمعنى: فسامِحْهُ بالنظرةِ وباشِره بها " فنقلُه عنه القراءةَ الأولى يقتضي أن تكونَ قراءتُهُ " ناظِر " اسمَ فاعل مضافاً لضميرِ ذي العُسْرَةِ بخلافِ القراءةِ التي قَدَّمْتُها عن عطاء، فإنها " ناظرةٌ " بتاء التأنيث، ولذلك خَرَّجها الزجاج على المصدرِ. وقرأ عبد الله، " فناظِرُوه " أمراً للجماعةِ بالنظرةِ، فهذه ستُ قراءاتٍ مشهورُها واحدٌ.

وهذه الجملةُ لفظُها خبرٌ ومعناها الأمرُ، كقولِهِ:
{ وَظ±لْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ }
[البقرة: 233] وقد تقدَّم. والنظرةُ من الانتظارِ وهو الصبرُ والإِمهالُ.....

وقال الرازى

قرأ عاصم { تَصَدَّقُواْ } بتخفيف الصاد والباقون بتشديدها، والأصل فيه: أن تتصدقوا بتاءين، فمن خفف حذف إحدى التاءين تخفيفاً، ومن شدد أدغم إحدى التاءين في الأخرى. المسألة الثانية: في التصدق قولان الأول: معناه: وأن تصدقوا على المعسر بما عليه من الدين إذ لا يصح التصدق به على غيره، وإنما جاز هذا الحذف للعلم به، لأنه قد جرى ذكر المعسر وذكر رأس المال فعلم أن التصدق راجع إليهما، وهو كقوله
{ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىظ° }
[البقرة: 237] والثاني: أن المراد بالتصدق الإنظار لقوله عليه السلام " " لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة " " وهذا القول ضعيف، لأن الإنظار ثبت وجوبه بالآية الأولى، فلا بد من حمل هذه الآية على فائدة جديدة

وقال ابن عطية

وقوله تعالى: { واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله } إلى آخر الآية، وعظ لجميع الناس وأمر يخص كل إنسان، و { يوماً } منصوب على المفعول لا على الظرف. وقرأ أبو عمرو بن العلاء " تَرجِعون " بفتح التاء وكسر الجيم، وقرأ باقي السبعة " تُرجعَون " بضم التاء وفتح الجيم، فمثل قراءة أبي عمرو
{ إن إلينا إيابهم }
[الغاشية: 25] ومثل قراءة الجماعة
{ ثم ردوا إلى الله }
[الأنعام: 62]
{ ولئن رددت إلى ربي }
[الكهف: 36] المخاطبة في القراءتين بالتاء على جهة المبالغة في الوعظ والتحذير، وقرأ الحسن " يرْجعون " بالياء على معنى يرجع جميع الناس.

قال ابن جني كأن الله تعالى رفق بالمؤمنين على أن يواجههم بذكر الرجعة إذ هي مما تنفطر له القلوب. فقال لهم: { واتقوا يوماً } ، ثم رجع في ذكر الرجعة إلى الغيبة رفقاً بهم،

اسامة محمد خيري
27-10-2018, 19:31
الجوهرة الواحدة والخمسون

قال السمين

قوله: { أَن تَضِلَّ } قرأ حمزةُ بكسر " إنْ " على أنَّها شرطيةٌ، والباقون بفتحِها، على أنَّها المصدريةُ الناصبةٌ، فأمَّا القراءةُ الأولى فجوابُ الشرطِ فيها قولُه " فتذكِّرُ " ، وذلك أنَّ حمزةَ رحمه الله يقرأ: " فَتُذَكِّرُ " بتشديدِ الكافِ ورفعِ الراءِ فَصَحَّ أن تكونَ الفاءُ وما في حَيِّزها جواباً للشرطِ، ورَفَعَ الفعلَ لأنه على إضمارِ مبتدأ أي: فهي تُذِكِّر، وعلى هذه القراءةِ فجملةُ الشرطِ والجزاءِ هل لها محلُّ من الإِعراب أم لا؟ فقال ابن عطيةَ: " إنَّ محلَّها الرفعُ صفةً لامرأتين " ، وكان قد تقدَّم أنَّ قولَه: " مِمَّنْ تَرْضَوْن " صفةٌ لقولِه " فرجلٌ وامرأتان " قال الشيخ: " فصار نظيرَ " جاءني رجلٌ وامرأتان عقلاءُ حُبْلَيَان " وفي جوازِ مثلِ هذا التركيبِ نظرٌ، بل الذي تقتضيه الأقيسةُ تقديمُ " حُبْلَيَان " على " عقلاء "؛ وأمَّا إذا قيل بأنَّ " ممَّنْ تَرْضَوْن " بدلٌ من رجالكم، أو متعلِّقٌ باستشهدوا فيتعذَّرُ جَعْلُه صفةً لامرأتين للزومِ الفصلِ بين الصفةِ والموصوف بأجنبي ". قلت: وابن عطية لم يَبْتَدِعْ هذا الإِعرابَ، بل سَبَقَه إليه الواحدي فإنه قال: " وموضعُ الشرطِ وجوابُه رفعٌ بكونِهما وصفاً للمذكورين وهما " امرأتان " في قوله: " فرجلٌ وامرأتان " لأنَّ الشرطَ والجزاءَ يُوصَفُ بهما، كما يُوصَلُ بهما في قولِه
{ ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ }
[الحجر: 41].

والظاهرُ أنَّ هذه الجملةَ الشرطيةَ مستأنفةٌ للإِخبار بهذا الحكمِ، وهي جوابٌ لسؤالٍ مقدَّر، كأن قائلاً قال: ما بالُ امرأتين جُعِلَتا بمنزلةِ رجل؟ فأُجيبَ بهذه الجملةِ.

وأمَّا القراءةُ الثانيةُ فـ " أَنْ " فيها مصدريةٌ ناصبةٌ بعدَها، والفتحةُ فيه حركةُ إعرابٍ، بخلافِها في قراءةِ حمزة، فإنها فتحةُ التقاءِ ساكنين، إذ اللامُ الأولى ساكنةٌ للإِدغامِ في الثانية، والثانيةُ مُسَكَّنةٌ للجزم، ولا يمكنُ إدغامٌ في ساكنٍ، فَحرَّكْنا الثانيةَ بالفتحةِ هرباً من التقائِهما، وكانتِ الحركةُ فتحةً، لأنها أَخَفُّ الحركاتِ، وأَنْ وما في حَيَّزها في محلِّ نصبٍ أو جرٍّ بعدَ حذفٍ حرفِ الجر، وهي لامُ العلة، والتقديرُ: لأنْ تَضِلَّ، أو إرادةَ أَنْ تَضِلَّ.

وفي متعلَّقِ هذا الجارِّ ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنه فِعْلٌ مضمرٌ دَلَّ عليه الكلامُ السابق، إذ التقديرُ: فاستشهِدوا رجلاً وامرأتين لأنْ تَضِلَّ إحداهما، ودَلَّ على هذا الفعلِ قولُه: { فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ } قالَه الواحدي، ولا حاجةَ إليه، لأنَّ الرافعَ لرجل وامرأتين مُغْنٍ عن تقدير شيءٍ آخرَ، وكذلك الخبرُ المقدَّرُ لقولِك: " فرجلٌ وامرأتان " إذ تقديرُ الأولِ: فَلْيَشْهد رجلٌ، وتقديرُ الثاني: فرجلٌ وامرأتان يشهدون لأَنْ تَضِلَّ، وهذان التقديرانِ هما الوجهُ الثاني والثالثُ من الثلاثةِ المذكورةِ.

وهنا سؤالٌ واضحٌ جَرَتْ عادةُ المُعْرِبين والمفسِّرين يسألونَه وهو: كيف جُعِل ضلالُ إحداهما علةً لتطلُّبِ الإِشهاد أو مراداً لله تعالى، على حَسَبِ التقديرَيْن المذكورَيْن أولاً؟ وقد أجابَ سيبويه وغيرُه عن ذلك بأن الضلالَ لَمَّا كان سبباً للإِذكار، والإِذكارُ مُسَبَّباً عنه، وهم يُنَزَّلون كلَّ واحدٍ من السببِ والمُسَبَّب منزلةَ الآخرِ لالتباسِهما واتصالِهما كانَتْ إرادةُ الضلالِ المُسَبَّبِ عنه الإِذكارُ إرادةً للإِذكارِ. فكأنه قيل: إرادَةَ أَنْ تُذَكِّر إحداهما الأخرى إنْ ضَلَّتْ، ونظيرُه قولُهم: " أَعْدَدْتُ الخشبةَ أَنْ يميلَ الحائطُ فأدعمَه، وأعدْدتُ السلاحَ ان يجيءَ عدوٌ فأدفعَه " فليس إعدادُك الخشبةَ لأَنْ يميلَ الحائطُ ولا إعدادُك السلاحَ لأنْ يجيءَ عدوٌ، وإنما هما للإِدغام إذا مالَ/ وللدفع إذا جاء العدوُ، وهذا مِمَّا يعدُ إليه المعنى ويُهْجَرُ فيه جانبُ اللفظَ.

وقد ذهب الجرجاني في هذه الآيةِ إل أنَّ التقديرَ: مخافةَ أَنْ تَضِلَّ، وأنشد قول عمروٍ:
1125 ـ.................. فَعَجَّلْنا القِرى أَنْ تَشْتِمُونا
أي: مخافَةَ أَنْ تَشْتِمونا " وهذا صحيحٌ لو اقتُصِر عليه مِنْ غيرِ أَنْ يُعْطَفَ عليه قولُه " فَتُذَكِّرَ " لأنه كان التقديرُ: فاستشهِدوا رجلاً وامرأتين مخافةَ أَنْ تضِلَّ إحداهما، ولكنَّ عَطْفَ قوله: " فتذكِّر " يُفْسِده، إذ يَصِيرُ التقديرُ: مخافةَ أَنْ تذكر إحداهما الأخرى، وإذكارُ إحداهما الأخرى ليس مخوفاً منه، بل هو المقصودُ، قال أبو جعفر: " سمعتُ عليَّ بن سليمان يَحْكي عن أبي العباس أن التقديرَ كراهةَ أَنْ تَضِلَّ " قال أبو جعفر: " وهو غلطٌ إذ يصيرُ المعنى: كراهةَ أَنْ تُذَكِّر إحداهُما الأخرى " انتهى.

وذهب الفراء إلى أغربَ مِنْ هذا كلِّه فَزَعَمَ أَنَّ تقديرَ الآيةِ الكريمة: " كي تذكِّر أحداهما الأخرى إنْ ضَلَّت " فلَّما قُدِّم الجزاءُ اتصلَ بما قبلَه ففُتِحَتْ " أَنْ " ، قال: " ومثلُه من الكلامِ: " إنه ليعجبُني أَنْ يسألَ السائلُ فيُعْطى " معناه: إنه ليعجبني أَن يُعْطَى السائلُ إن سَأَلَ؛ لأنه إنما يُعْجِبُ الإِعطاءُ لا السؤالُ، فلمَّا قَدَّموا السؤالَ على العَطِيَّة أصحبوه أَنْ المفتوحة لينكشِفَ المعنى " ، فعنده " أنْ " في " أَنْ تَضِلَّ " للجزاءِ، إلاَّ أنه قُدِّم وفُتِح وأصلُه التأخيرُ.....

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " فَتُذِكِرَ " بتخفيفِ الكافِ ونصبِ الراءِ من أَذْكَرْتُه أي: جَعَلْتُه ذاكراً للشيءِ بعدَ نِسْيانِه، فإنَّ المرادَ بالضلالِ هنا النسيانُ كقولِه تعالى:
{ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ }
[الشعراء: 20] وأنشدوا الفرزدق:
1126 ـ ولقد ضَلَلْتَ أباكَ يَدْعُو دارمِاً كضلالِ ملتمسٍ طريقَ وِبارِ
فالهمزةُ في " أَذْكَرْتُه " للنقلِ والتعديةِ، والفعلُ قبلَها متعدٍّ لواحدٍ، فلا بُدَّ من آخرَ، وليسَ في الآية إلا مفعولٌ واحدٌ فلا بُدَّ من اعتقادِ حذفِ الثاني، والتقديرُ فَتُذْكِرَ إحداهما الأخرى الشهادةَ بعد نِسْيانِها إن نَسِيَتْهَا، وهذا التفسيرُ هو المشهورُ.

وقد شَذَّ بعضُهم فقال: " معنى فَتُذْكِرَ إحداهما الأخرى أي: فتجعلَها ذَكَراً، أي: تُصَيِّرُ حكمَها حكمَ الذَّكَرِ في قَبولِ الشهادةِ. وروى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: " فَتُذَكِّر إحداهما الأخرى بالتشديدِ فهو من طريقِ التذكير بعد النسيان، تقول لها: هل تَذْكُرين إذ شَهِدْنا كذا يومَ كذا في مكان كذا على فلانٍ أو فلانة، ومَنْ قرأ " فَتُذْكِرَ " بالتخفيف فقال: إذا شَهِدَتِ المرأةُ ثم جاءَتِ الأخرى فَشَهِدَتْ معها فقد أَذْكَرَتْها لقيامِهما مقامَ ذَكَر " ولم يَرْتَضِ هذا من أبي عمرو المفسرون وأهلُ اللسان، بل لم يُصَحِّحوا روايةَ ذلك عنه لمعرفتِهم بمكانتِه من العلمِ، ورَدُّوه على قائله من وجوهٍ منها: أنَّ الفصاحةَ تقتضي مقابلةَ الضلالِ المرادِ به النسيانُ بالإِذكار والتذكيرِ، ولا تناسُبَ في المقابلةِ بالمعنى المنقولِ عنه. ومنها: أنَّ النساءَ لو بَلَغْنَ ما بلغْنَ من العَدَدِ لا بد معهنَّ مِنْ رجلٍ يَشْهَدُ معهم، فلو كان ذلك المعنى صحيحاً لذكَّرَتْها بنفسِها من غيرِ انضمامِ رجلٍ، هكذا ذَكَروا، وينبغي أَنْ يكونَ ذلك فيما يُقْبَلُ فيه الرجلُ مع المرأتينِ، وإلاَّ فقد نَجِدُ النساءَ يَتَمَحَّضْنَ في شهاداتٍ من غيرِ انضمامِ رجلٍ إليهنَّ، ومنها: أنها لو صَيَّرَتْها ذَكَراً لكان ينبغي أَنْ يكونَ ذلك في سائرِ الأحكامِ، ولا يُقْتَصرُ به على ما فيه.

وفيه نظرٌ أيضاً، إذ هو مشتركٌ الإِلزامِ/ لأنه يُقال: وكذا إذا فَسَّرْتموه بالتذكير بعد النسيانِ لم يَعُمَّ الأحكامَ كلَّها، فما أُجيب به فهو جوابُهم أيضاً.

وقال الزمخشري: " ومِنْ بِدَع التفاسيرِ: " فَتُذَكِّرَ " فتجعلَ إحداهما الأخرى ذَكَرَاً، يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلةِ الذَّكَر " انتهى. ولم يَجْعَلْ هذا القولَ مختصاً بقراءةٍ دونَ أُخْرى.

وأمَّا نصبُ الراءِ فنسقٌ على " أَنْ تَضِلَّ " لأنَّهما يَقْرآن: " أَنْ تَضِلَّ " بأَنْ الناصبةِ، وقرأ الباقون بتشديدِ الكافِ من " ذَكَّرْتُه " بمعنى جَعَلْتُه ذاكِراً أيضاً، وقد تقدَّم أنَّ حمزةَ وحدَه هو الذي يَرْفع الراء.

وخَرَجَ من مجموعِ الكلمتين أنَّ القُرَّاءَ على ثلاثِ مراتبَ: فحمزة وحدَه: " إنْ تَضِلَّ فتذكَّرُ " بكسر " إنْ " وتشديدِ الكافِ ورفعِ الراء، وأبو عمرو وابنُ كثير بفتح " أنْ " وتخفيفِ الكافِ الراء، والباقون كذلك، إلا أنهم يُشَدِّدون الكافَ.

والمفعولُ الثاني محذوفٌ أيضاً في هذه القراءة كما في قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وفَعَّل وأَفْعَل هنا بمعنى، [نحو]: أَكْرَمْتُه وَكَرَّمته، وفَرَّحته وأَفْرحته. قالوا: والتشديدُ في هذا اللفظ أكثرُ استعمالاً من التخفيفِ، وعليه قولُه:
1127 ـ على أنني بعدَ ما قد مضى ثلاثونَ للهَجْرِ حَوْلاً كميلا
يُذَكِّرُنِيك حنينُ العَجولِ ونَوْحُ الحمامةِ تَدعُو هَدِيلا
وقرأ عيسى بن عمر والجحدري: " تُضَلَّ " مبنياً للمفعول، وعن الجحدري أيضاً: " تُضِلَّ " بضمِ التاء وكسر الضاد من أَضَلَّ كذا أي: أضاعه، والمفعولُ محذوفٌ أي: تُضِلَّ الشهادة. وقرأ حميد بن عبد الرحمن ومجاهد: " فَتَذْكُرُ " برفع الراء وتخفيف الكاف، وزيد بن أسلم: " فتُذاكِرُ " من المذاكرة.....

وقرأ السلمي: { ولا يَسْأَموا أَنْ يَكْتبوه } بالياءِ من تحتُ فيهما. والفاعلُ على هذه القراءةِ ضميرُ الشهداءِ، ويجوزُ أن يكونَ من بابِ الالتفاتِ، فيعودُ: إمَّا على المتعامِلِين وإمَّا على الكُتَّاب....

وقرأ عاصم هنا " تجارةً " بالنصب، وكذلك " حاضرةً " لأنها صفتُها، وفي النساء وافقه الأخوان، والباقون قرؤوا بالرفعِ فيهما. فالرفعُ فيه وجهان، أحدُهما: أنها التامةُ أي: إلا أَنْ تَحْدُثَ أو تقعَ تجارةً، وعلى هذا فتكونُ " تُديرونها " في محلِّ رفعٍ صفةً لتجارةً أيضاً، وجاء هنا على الفصيحِ، حيث قَدَّم الوصفَ الصريحَ على المؤول.

والثاني: ان تكونَ الناقصةَ، واسمُها " تجارةٌ " والخبرُ هو الجملةُ من قوله: " تُديرونها " كأنه قيل: إلا أن تكونَ تجارةٌ حاضرةٌ مدارةً، وسَوَّغ مجيءَ اسمِ كان نكرةً وصفُه، وهذا مذهبُ الفراء وتابعه آخرون.

وأمَّا قراءةُ عاصم فاسمُها مضمرٌ فيها، فقيل: تقديرُه: إلا أَنْ تكونَ المعاملةُ أو المبايَعَةُ أو التجارةُ. وقَدَّره الزجاج إلاَّ أَنْ تكونَ المداينةُ، وهو أحسنُ....

قوله: { وَلاَ يُضَآرَّ } العامة على فتح الراء جزماً، و " لا " ناهيةٌ، وفُتِح الفعلُ لما تقدم في قراءةِ حمزةَ: " إن تَضِلَّ ".

ثم هذا الفعلُ يحتملُ أن يكونَ مبنياً للفاعلِ، والأًصلُ: " يضارِرْ " بكسر الراءِ الأولى فيكونُ " كاتب " و " شهيد " فاعلَيْن نُهِيا عن مُضَارَّةِ المكتوبِ له والمشهودِ له، نُهِيَ الكاتبُ عن زيادةِ حرفٍ يُبْطل به حقاً أو نقصانِه، ونُهِيَ الشاهدُ [عن] كتمِ الشهادةِ، واختاره الزجاج، ورجَّحه بأنَّ الله تعالى قال: { فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ } ، ولا شك أنَّ هذا من الكاتبِ والشاهدِ فِسْقٌ، ولا يَحْسُنُ أن يكونَ إبرامُ الكاتبِ والشهيدِ والإِلحاحُ عليهما فسقاً. ونُقل في التفسير عن ابن عباس ومجاهد وطاووس هذا المعنى. ونَقَل الداني عن عمر وابن عباس ومجاهد وابن أبي إسحاق أنهم قرؤوا الراءَ الأولى بالكسرِ حين فَكُّوا.

ويُحْتمل أن يكونَ الفعلُ فيها مبنياً للمفعول، والمعنى: أَنَّ أحداً لا يُضارِرُ الكاتبَ ولا الشاهدِ، ورُجِّح هذا بأنه لو كان النهيُّ متوجِّهاً نحو الكاتبِ والشهيدِ لقال: وإنْ تفعلا فإنه فسوقٌ بكما، ولأنَّ السياقَ من أولِ الآيات إنما هو للمكتوبِ له والمشهودِ له. ونُقِل في التفسير هذا المعنى عن ابن عباس ومَنْ ذُكِر معه. وذكر الداني أيضاً عنهم أنهم قرؤوا الراءَ الأولى بالفتح. قلت: ولا غَرْوَ في هذا إذ الآيةُ عندهم مُحْتَمِلةٌ للوجهين فَسَّروا وقرؤوا بهذا المعنى تارةً وبالآخرِ أخرى.

وقرأ أبو جعفر وعمرو بن عبيد: " ولا يُضارّ " بتشديد الراءِ ساكنةً وَصْلاً، وفيها ضعفٌ من حيث الجمعُ بين ثلاثِ سواكن، لكنه لمَّا كانت الألفُ حرفَ مدٍّ قام مَدُّها مقامَ حركةٍ، والتقاءُ الساكنين مغتفرٌ في الوقف، ثم أُجْري الوصلُ مُجْرى الوقف في ذلك.

وقرأ عكرمة/: " ولا يُضارِرْ كاتباً ولا شهيداً " بالفكِّ وكسرِ الراءِ الأولى، والفاعلُ ضميرُ صاحب الحق، ونَصْبِ " كاتباً " و " شهيداً " على المفعولِ به أي: لا يضارِرْ صاحبُ حقٍ كاتباً ولا شهيداً بأن يُجْبِرَهُ ويُبْرِمَه بالكتابة والشهادةِ؛ أو بأَنْ يحمِلَه على ما لا يَجُوز.

وقرأ ابن محيصن: " ولا يُضارُّ " برفع الراء، وهو نفيٌ فيكونُ الخبر بمعنى النهي كقوله:
{ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقْ }
[البقرة: 197] وقرأ عكرمة في رواية مُقْسِم: " ولا يُضارِّ " بكسر الراءِ مشددةً على أصلِِ التقاءِ الساكنين. وقد تقدَّم لك تحقيقُ هذه الأشياءِ عند قولِه
{ لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا }
[البقرة: 233].

وقال القرطبي

قوله تعالىٰ: { أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا } قال أبو عبيد: معنى تَضِلّ تنسى. والضلال عن الشهادة إنما هو نِسْيَان جزء منها وذكر جزء، ويبقى المرء حَيْران بين ذلك ضَالاًّ. ومن نسي الشهادة جُمْلةً فليس يُقال: ضل فيها. وقرأ حمزة «إن» بكسر الهمزة على معنى الجزاء، والفاء في قوله «فَتُذَكِّرُ» جوابه، وموضع الشرط وجوابه رفع على الصفة للمرأتين والرجل، وارتفع «تُذَكِّرُ» على الإستئناف؛ كما ارتفع قوله
{ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ }
[المائدة: 95] هذا قول سيبويه. ومن فتح «أن» فهي مفعول له والعامل (فيها) محذوف. وانتصب «فَتُذَكِّرَ» على قراءة الجماعة عطفاً على الفعل المنصوب بأن. قال النحاس؛ ويجوز «تَضَلّ» بفتح التاء والضاد، ويجوز تِضَلّ بكسر التاء وفتح الضاد. فمن قال: «تضل» جاء به على لغة من قال: ضَلِلْتَ تَضَل. وعلى هذا تقول تِضَل فتكسر التاء لتدلَّ على أن الماضي فَعِلت. وقرأ الجحدريّ وعيسىٰ بن عمر «أَنْ تُضَلّ» بضم التاء وفتح الضاد بمعنى تُنسىٰ، وهكذا حكى عنهما أبو عمرو الدانيّ. وحكى النقّاش عن الجْحَدرِيّ ضم التاء وكسر الضاد بمعنى أن تُضِلّ الشهادة. تقول: أضْلَلْتُ الفرس والبعير إذا تلفا لك وذهبا فلم تجدهما.

السابعة والثلاثون ـ قوله تعالىٰ: { فَتُذَكِّرَ } خفّف الذال والكاف ابن كثِير وأبو عمرو؛ وعليه فيكون المعنى أن تَرُدّها ذَكَراً في الشهادة؛ لأن شهادة المرأة نصفُ شهادة؛ فإذا شهِدتا صار مجموعهما كشهادة ذَكَرٍ؛ قال سفيان بن عيينة وأبو عمرو بن العلاء.

وفيه بعدٌ؛ إذْ لا يحصل في مقابلة الضَّلال الذي معناه النسيان إلاَّ الذِّكْر، وهو معنى قراءة الجماعة «فَتُذَكِّرَ» بالتشديد، أي تنبِّهها إذا غَفلت ونَسِيت.

قلت: وإليها ترجع قراءة أبي عمرو، أي إنْ تَنسَ إحداهما فتُذْكِرُها الأُخْرَىٰ؛ يُقال: تذَكَّرت الشيء وأذْكَرْتُه غيرِي وذَكَّرْتُه بمعنىً؛ قاله في الصحاح.

وقال الطبري

والصواب من القراءة عندنا فـي ذلك قراءة من قرأه بفتـح «أن» من قوله { أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا } وبتشديد الكاف من قوله { فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلاْخْرَىٰ } ونصب الراء منه، بـمعنى فإن لـم يكونا رجلـين فلـيشهد رجل وامرأتان كي إن ضلت إحداهما ذكرتها الأخرى. وأما نصب «فتذكر» فبـالعطف علـى «تضلّ»، وفتـحت «أن» بحلولها مـحل «كي»، وهي فـي موضع جزاء، والـجواب بعده اكتفـاءً بفتـحها، أعنـي بفتـح «أن» من «كي» ونسق الثانـي، أعنـي «فتذكر» علـى «تضلّ»، لـيعلـم أن الذي قام مقام ما كان يعمل فـيه وهو ظاهر قد دلّ علـيه وأدّى عن معناه وعمله، أي عن «كي». وإنـما اخترنا ذلك فـي القراءة لإجماع الـحجة من قدماء القراء والـمتأخرين علـى ذلك، وانفراد الأعمش ومن قرأ قراءته فـي ذلك بـما انفرد به عنهم، ولا يجوز ترك قراءة جاء بها الـمسلـمون مستفـيضة بـينهم إلـى غيرها. وأما اختـيارنا «فتذكِّر» بتشديد الكاف، فإنه بـمعنى تأدية الذكر من إحداهما علـى الأخرى وتعريفها بإنهاء ذلك لتذكر، فـالتشديد به أولـى من التـخفـيف. وأما ما حكي عن ابن عيـينة من التأويـل الذي ذكرناه، فتأويـل خطأ لا معنى له لوجوه شتـى أحدها أنه خلاف لقول جميع أهل التأويـل. والثانـي أنه معلوم بأن ضلال إحدى الـمرأتـين فـي الشهادة التـي شهدت علـيها إنـما هو خطؤها عنها بنسيانها إياها كضلال الرجل فـي دينه إذا تـحير فـيه، فعدل عن الـحقّ، وإذا صارت إحداهما بهذه الصفة فكيف يجوز أن تصير الأخرى ذكراً معها مع نسيانها شهادتها وضلالها فـيها؟ فـالضالة منهما فـي شهادتها حينئذ لا شك أنها إلـى التذكير أحوج منها إلـى الإذكار، إلا إن أراد أن الذاكرة إذا ضعفت صاحبتها عن ذكر شهادتها ستـجرئها علـى ذكر ما ضعفت عن ذكره فنسيته، فقوّتها بـالذكر حتـى صيرتها كالرجل فـي قوّتها فـي ذكر ما ضعفت عن ذكره من ذلك، كما يقال للشيء القويّ فـي عمله ذكر، وكما يقال للسيف الـماضي فـي ضربه سيف ذكر، ورجل ذكر، يراد به ماض فـي عمله، قويّ البطش، صحيح العزم. فإن كان ابن عيـينة هذا أراد، فهو مذهب من مذاهب تأويـل ذلك؟ إلا أنه إذا تأوّل ذلك كذلك، صار تأويـله إلـى نـحو تأويـلنا الذي تأوّلناه فـيه، وإن خالفت القراءة بذلك الـمعنى القراءة التـي اخترناها بأن تغير القراءة حينئذ الصحيحة بـالذي اختار قراءته من تـخفـيف الكاف من قوله فتذكر، ولا نعلـم أحدا تأوّل ذلك كذلك، ويستـحبّ قراءته كذلك بذلك الـمعنى.

فـالصواب فـي قوله إذ كان الأمر عاما علـى ما وصفنا ما اخترنا.

اسامة محمد خيري
27-10-2018, 19:41
الجوهرة الثانية والخمسون

{ وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَنٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ }


قال السمين

قوله تعالى: { وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً }: العامةُ على " كاتباً " اسمَ فاعل. وقرأ أُبَيّ ومجاهد وأبو العالية: " كِتاباً " ، وفيه وجهان، أحدهما: أنه مصدرٌ أي ذا كتابة. والثاني: أنه جَمْع كاتبٍ، كصاحب وصِحاب. ونقل الزمخشري هذه القراءة عن أُبَيّ وابن عباس فقط، وقال: " وقال ابن عباس: أرأيتَ إن وجدتَ الكاتبَ ولم تَجِدْ الصحيفةَ والدَّواة ". وقرأ ابن عباس والضحاك: " كُتَّاباً " على الجمع، اعتباراً بأنَّ كلَّ نازلةٍ لها كاتبٌ. وقرأ أبو العالية: " كُتُباً " جمع كتاب، اعتباراً بالنوازلِ، قلت: قولُ ابن عباس: " أرأيتَ إنْ وجدت الكاتب الخ " ترجِيحٌ للقراءةِ المرويَّةِ عنه واستبعادٌ لقراءةِ غيرِه/ " كاتباً " ، يعني أن المرادَ الكتابُ لا الكاتبُ....

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: " فَرُهُنٌّ " بضم الراء والهاء، والباقون " فَرِهَانٌ " بكسر الراء وألف بعد الهاء، رُوي عن ابن كثير وأبي عمرو تسكينُ الهاءِ في رواية.

فأمَّا قراءةُ ابن كثير فجمع رَهْن، وفَعل يُجْمع على فُعل نحو: سَقْف وسُقُف. ووقع في أبي البقاء بعد قوله: " وسَقْف وسُقُف، وأَسَد وأُسُد، وهو [وهم] " ولكنهم قالوا: إن فُعُلاً جَمعُ فَعْل قليل، وقد أورد منه الأخفش ألفاظاً منها: رَهْن ورُهُن، ولَحْد القبر ولُحُد، وقَلْب النخلة وقُلُب، ورجلٌ ثَطٌّ وقومٌ ثُطٌّ، وفرس وَرْدٌ وخيلٌ وُرُدٌ، وسهم حَشْر وسهام حُشُر. وأنشد أبو عمرو حجةً لقراءتهِ قولَ قعنب:
1135 ـ بانَتْ سعادُ وأمسى دونَها عدنُ وَغلَّقَتْ عندَها مِنْ قبلِك الرُّهُنُ
وقال أبو عمرو: " وإنما قَرَأت فَرُهُن للفصلِ بين الرهانِ في الخيلِ وبين جمع " رَهْن " في غيرها " ومعنى هذا الكلام أنما اخترتُ هذه القراءةَ على قراءة " رهان " ، لأنه لا يجوزُ له أَنْ يفعلَ ذلك كما ذَكَر دونَ اتِّباع روايةٍ.

واختار الزجاجِ قراءتَه هذه قال: " وهذه القراءة وافَقَت المصحفَ، وما وافقَ المصحفَ وصَحَّ معناه، وقَرَأت به القُرَّاء فهو المختارُ ". قلت: إن الرسم الكريم " فرهن " دون ألفٍ بعد الهاء، مع أنَّ الزجاج يقول: " إنَّ فُعُلاً جمعَ فَعْلٍ قليلٌ " ، وحُكي عن أبي عمرو أنه قال: " لا أعرفُ الرِّهان إلا في الخيل لا غير ". وقال يونس: " الرَّهْنُ والرِّهان عربيان، والرُّهُنْ في الرَّهْنِ أكثرُ، والرِّهان في الخيلِ أكثرُ " وأنشدوا أيضاً على رَهْن ورُهُن قوله - البيت -


1136 ـ آلَيْتُ لا نُعْطِيه من أَبْنائِنا رُهُناً فيُفْسِدَهم كَرَهْنٍ أَفْسدا
وقيل: إنَّ رُهُنا جمعُ رِهان، ورِهان جمعُ رَهْن، فهو جَمْعُ الجمع، كما قالوا في ثِمار جمعَ ثَمَر، وثُمُر جَمعُ ثِمار، وإليه ذهب الفراء وشيخه، ولكنَّ جَمْعَ الجمعِ غيرُ مطرَّدٍ عند سيبويه وجماهيرِ أتباعه.

وأمَّا قراءةُ الباقين " رِهانِ فرِهان جمعُ " رَهْن " وفَعْل وفِعال مطردٌ كثير نحو: كَعْب/ وكِعَاب، وكَلْب وكِلاب، ومَنْ سَكَّن ضمةَ الهاءِ في " رُهُن " فللتخفيفِ وهي لغةٌ، يقولون: سُقْف في سُقُف جمعَ سَقْف....

وقرأ ابن أبي عبلة - فيما نقل عنه الزمخشري - " أَثِم قلبَه " جعل " أثم " فعلاً ماضياً مشدد العين، وفاعلُه مستترٌ فيه، " قلبه " مفعول به أي: جعل قلبَه آثماً أي: أثم هو، لأنه عَبَّر بالقلب عن ذاتِه كلها لأنه أشرفُ عضوٍ فيها.

وقرأ أبو عبد الرحمن: " ولا يَكْتُموا " بياء الغَيْبَةِ، لأنَّ قبلَه غيباً وهم من ذَكَر في قولِه: { كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } ، وهو وإنْ كان بلفظِ الإِفراد فالمرادُ به الجَمْعُ، ولذلك اعتبَرَ معناه في قراءة أبي عبد الرحمن فجَمَعَ في قوله: " ولا يكتموا "....

قوله تعالى: { فَيَغْفِرُ } قرأ ابن عامر وعاصم برفع " يغفرُ " و " يعذبُ " ، والباقون من السبعةِ بالجزم. وقرأ ابنُ عباس والأعرج وأبو حيوة: " فيغفرَ " بالنصب.

فأمَّا الرفعُ فيجوزُ أَنْ يكونَ رفعُه على الاستئنافِ، وفيه احتمالان، أحدُهما: أن يكونَ خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ أي: فهو يغفرُ. والثاني: أنَّ هذه جملةٌ فعليةٌ من فعلٍ وفاعلٍ عُطِفَتْ على ما قبلها. وأمّا الجزمُ فللعطفِ على الجزاءِ المجزوم.

وأمَّا النصبُ فبإضمارِ " أَنْ " وتكونُ هي وما في حَيِّزها بتأويلِ مصدرٍ معطوف على المصدر المتوهَّم من الفعلِ قبلَ ذلك تقديره: تكنْ محاسبةٌ فغفرانٌ وعذابٌ. وقد رُوي قولُ النابغة بالأوجهِ الثلاثة وهو:
1144 ـ فإنْ يَهْلِكْ أبو قابوسَ يَهْلِكْ ربيعُ الناسِ والبلدُ الحرامُ
ونأخذْ بعدَه بذِنابِ عيشٍ أجَبَّ الظهرِ ليسَ له سَنامُ
بجزمِ " نأخذ " عطفاً على " يَهْلك ربيع " ونصبهِ ورفعِه، على ما ذكرتُه لك في " فَيغفر " وهذه قاعدةٌ مطردةٌ: وهي أنه إذا وقع بعدَ جزاءِ الشرط فعلٌ بعد فاءٍ أو واوٍ جازَ فيه هذه الأوجُهُ الثلاثةُ، وإن توسَّطَ بين الشرطِ والجزاءِ جاز جزمُه ونصبُه وامتنع رفعُه نحو: إن تأتني فَتَزُرْني أو فتزورَني، أو وتزرْني أو وتزورَني.

وقرأ الجعفيّ وطلحة بن مصرف وخلاد: " يَغْفِرْ " بإسقاطِ الفاء، وهي كذلك في مصحفِ عبد الله، وهي بدلٌ من الجوابِ كقوله تعالى:
{ وَمَن يَفْعَلْ ذظ°لِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ ظ±لْعَذَابُ }
[الفرقان: 68-69]. وقال أبو الفتح: " وهي على البدلِ من " يُحاسِبْكم " فهي تفسيرٌ للمحاسبة " قال الشيخ: " وليس بتفسيرٍ، بل هما مترتِّبان على المحاسَبَةِ ". قال الزمخشري: " ومعنى هذا البدلِ التفصيلُ لجملة الحساب لأنَّ التفصيلَ أوضحُ من المفصَّلِ، فهو جارٍ مجرى بَدَلِ البعضِ من الكلِ أو بدلِ الاشتمال، كقولك: " ضربتُ زيداً رأسه " و " أحببتُ زيداً عقله " ، وهذا البدلُ واقعٌ في الأفعالِ وقوعَه/ في الأسماءِ لحاجةِ القبيلين إلى البيان ".

قال الشيخ: " وفيه بعضُ مناقشةٍ: أمَّا الأولُ فقولُه: " ومعنى هذا البدلِ التفصيلُ لجملةِ الحسابِ " وليس العذابُ والغفرانُ تفصيلاً لجملةِ الحسابِ، لأنَّ الحسابَ إنما هو تعدادُ حسناتِه وسيئآتِه وحصرُها، بحيث لا يَشُذُّ شيءٌ منها، والغفرانُ والعذابُ مترتِّبان على المحاسَبَة، فليست المحاسبةُ مفصَّلةً بالغفرانِ والعذابِ. وأمَّا ثانياً فلقوله بعد أَنْ ذَكَر بدلَ البعض من الكل وبدلَ الاشتمال: " وهذا البدلُ واقعٌ في الأفعالِ وقوعَه في الأسماء لحاجةِ القبيلين إلى البيان " أمَّا بدلُ الاشتمال فهو يمكنُ، وقد جاءَ لأنَّ الفعلَ يَدُلُّ على الجنسِ وتحتَه أنواعٌ يشتمِلُ عليها، ولذلك إذا وَقَع عليه النفيُ انتفَتْ جميعُ أنواعه، وأمَّا بدلُ البعضِ من الكلِّ فلا يمكنُ في الفعل إذ الفعلُ لا يقبلُ التجزُّؤ، فلا يُقال في الفعلِ له كل وبعض إلا بمجازٍ بعيدٍ، فليس كالاسم في ذلك، ولذلك يَسْتَحِيل وجود بدل البعض من الكل في حق الله تعالى، إذ الباري تعالى لا يتقسم ولا يتبعض.

قلت: ولا أدري ما المانعُ من كونِ المغفرةِ والعذابِ تفسيراً أو تفصيلاً للحساب، والحسابُ نتيجتُه ذلك، وعبارةُ الزمخشري هي بمعنى عبارة ابن جني....

ملحوظة

تتبع السمين كثيرا شيخه صاحب البحر فى تعقيباته علي الزمخشري فى الكشاف

قال ابن عطية

والإيمان بكتبه هو التصديق بكل ما أنزل على الأنبياء الذين تضمن ذكرهم كتاب الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، أو ما أخبر هو به، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر " وكتبه " على الجمع، وقرؤوا في التحريم و " كتابه " على التوحيد، وقرأ أبو عمرو هنا وفي التحريم " وكتبه " على الجمع، وقرأ حمزة والكسائي " وكتابه " على التوحيد فيهما، وروى حفص عن عاصم ها هنا وفي التحريم " وكتبه " مثل أبي عمرو، وروى خارجة عن نافع مثل ذلك، وبكل قراءة من هذه قرأ جمهور من العلماء، فمن جمع أراد جمع كتاب، ومن أفرد أراد المصدر الذي يجمع كل مكتوب كان نزوله من عند الله تعالى...

وقرأ جمهور الناس " لا نفرق " بالنون، والمعنى يقولون لا نفرق، وقرأ سعيد ابن جبير ويحيي بن يعمر وأبو زرعة بن عمر بن جرير ويعقوب " لا يفرق " بالياء، وهذا على لفظ { كل } ، قال هارون وهي في حرف ابن مسعود " لا يفرقون " ، ومعنى هذه الآية أن المؤمنين ليسوا كاليهود والنصارى في أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض....

وقال السمين

وقرأ أُبَيّ: " ربَّنا ولا تُحَمِّلْ علينا إصْراً " بتشديد الميم.قال الزمخشري: " فإنْ قلت: أَيُّ فرق بين هذه الشديدةِ والتي في " ولا تُحَمِّلْنا؟ قلت: هذه للمبالغةِ في حَمَّل عليه، وتلك لنقل " حَمَلَه " من مفعولٍ واحدٍ إلى مفعولَيْن ". انتهى يعني أنَّ التضعيفَ في الأولِ للمبالغةِ ولذلك لم يتعدَّ إلا لمفعولٍ واحدٍ، وفي الثانيةِ للتعدية، ولذلك تعدَّى إلى اثنين أولُهما " نا " والثاني { مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ }.

انتهت سورة البقرة

اسامة محمد خيري
28-10-2018, 09:16
سورة ال عمران

الجوهرة الثالثة والخمسون


الۤمۤ } * { ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ }

قال ابن عطية

وقرأ السبعة " المَ الله " بفتح الميم والألف ساقطة، وروي عن عاصم أنه سكن الميم ثم قطع الألف، روى الأولى التي هي كالجماعة حفص وروى الثانية أبو بكر، وذكرها الفراء عن عاصم، وقرأ أبو جعفر الرؤاسي وأبو حيوة بكسر الميم للالتقاء وذلك رديء لأن الياء تمنع من ذلك والصواب الفتح قراءة جمهور الناس. قال أبو علي: حروف التهجي مبنية على الوقف فالميم ساكنة واللام ساكنة فحركت الميم بالفتح كما حركت النون في قولك: " من الله ومنَ المسلمين " إلى غير ذلك.

قال أبو محمد: ومن قال بأن حركة الهمزة ألقيت على الميم فذلك ضعيف لإجماعهم على أن الألف الموصولة في التعريف تسقط في الوصل فيما يسقط فلا تلقى حركته، قاله أبو علي

ملحوظة

ربما فى قراءة ابي جعفر بالسكت اسرار الله اعلم بها من اسرار الحروف

رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ }

قال ابن عطية

وهذه الآية حجة على المعتزلة في قولهم، إن الله لا يضل العباد، ولو لم تكن الإزاغة من قبله لما جاز أن يدعي في دفع ما لا يجوز عليه فعله و { تزغ } معناه، تمل قلوبنا عن الهدى والحق، وقرأ أبو واقد، والجراح " ولا تزغ قلوبُنا " بإسناد الفعل إلى القلوب، وهذه أيضاً رغبة إلى الله تعالى. وقال أبو الفتح: ظاهر هذا ونحوه الرغبة إلى القلوب وإنما المسؤول الله تعالى، وقوله الرغبة إلى القلوب غير متمكن، ومعنى الآية على القراءتين، أن لا يكن منك خلق الزيغ فيها فتزيغ هي. قال الزجاج: وقيل: إن معنى الآية لا تكلفنا عبادة ثقيلة تزيغ منها قلوبنا.

قال الفقيه الإمام: وهذا قول فيه التحفظ من خلق الله تعالى الزيغ والضلالة في قلب أحد من العباد، و { من لدنك } معناه: من عندك ومن قبلك، أن تكون تفضلاً لا عن سبب منا ولا عمل، وفي هذا استسلام وتطارح، والمراد هب لنا نعيماً صادراً عن الرحمة لأن الرحمة راجعة إلى صفات الذات فلا تتصور فيها الهبة.....

قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ }

قال السمين

قوله تعالى: { سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ } قرأ الأخَوان هذين الفعلين بالغَيْبة، والباقون بالخطاب، والغيبة والخطاب في مثل هذا التركيب واضحانِ كقولِك: " قل لزيد: قم " على الحكاية، وقل لزيد: يقوم، وقد تقدم نحوٌ من هذا في قولِه:
{ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ }
[البقرة: 83]. وقال الشيخ في قراءةِ الغَيْبة: " الظاهرُ أنَّ الضميرَ للذين كفروا، وتكونُ الجملةُ إذ ذاك ليست محكيةً بقل، بل محكيةٌ بقول آخر، التقديرُ: قُلْ لهم قَوْلي سَيُغْلَبُون وإخباري أنه ستقعُ عليهم الغَلَبَةُ، كما قال:
{ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ }
[الأنفال: 38] فبالتاءِ أخبرهم بمعنى ما أُخْبر به من أنهم سَيُغْلبون، وبالياء أخبرهم باللفظ الذي أُخبر به أنهم سَيُغْلبون ".

وهذا الذي قاله سبقَه إليه الزمخشري فأخَذَه منه، ولكنَّ عبارةَ أبي القاسم أوضحُ فَلْنوردها، قال رحمه الله: " فإنْ قلت: أيُّ فرق بين القراءتين من حيث المعنى؟ قلت: معنى القراءة بالتاء ـ أي من فوق ـ الأمرُ بأَنْ يُخْبرهم بما سَيَجْري عليهم من الغَلَبة والحَشْر إلى جهنم، فهو إخبار بمعنى سَتُغْلبون وتُحْشَرون فهو كائن من نفسِ المتوعَّدِ به، وهو الذي يدل عليه اللفظُ، ومعنى القراءةِ بالياء الأمرُ بأَنْ يحكي لهم ما أَخْبره به من وعيدِهم بلفظه كأنَّه قال: أدِّ إليهم هذا القولَ الذي هو قَوْلي لك سَيُغْلبون ويُحْشَرُون ".

وجَوَّز الفراء وثعلب أن يكونَ الضميرُ في " سَيُغْلبون ويُحْشرون " لكفار قريش، ويرادُ بالذين كفروا اليهودُ، والمعنى: قُلْ لليهود: " سَتُغْلَبُ قريش " ، هذا إنما يتجه على قراءة الغيبة فقط. قال مكي: " ويُقَوِّي القراءة بالياء ـ أي: من تحت ـ إجماعُهم على الياء في قوله: { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ } ، قال: " والتاء ـ يعني من فوق ـ أحَبُّ إليَّ لإِجماع الحرميين وعاصم وغيرهم على ذلك " قلت: ومثلُ إجماعهم على قوله: { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ } إجماعُهم على قولِه:
{ قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ }
[النور: 30]
{ قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ }
[الجاثية: 14].

وقال الفراء: " مَنْ قرأ بالتاء جَعَل اليهود والمشركين داخلين في الخطاب، ثم يجوزُ في هذا المعنى الياءُ والتاءُ، كما تقول في الكلام: " قل لعبد الله: إنه قائم وإنك قائم " ، وفي حرفِ عبد الله: { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } ، ومَنْ قرأ بالياء فإنه ذهب إلى مخاطبةِ اليهود، وأنَّ الغلبةَ تقع على المشركين، كأنه قيل: قل يا محمد لليهود سَيُغْلَبُ المشركون ويُحْشرون، فليس يجوزُ في هذا المعنى إلا الياءُ لأنَّ المشركين غَيْبٌ.

وقال الطبري

اختلفت القراء في ذلك فقرأه بعضهم { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ } بالتاء على وجه الخطاب للذين كفروا بأنهم سيغلبون. واحتجوا لاختيارهم قراءة ذلك بالتاء بقوله { قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ } قالوا ففي ذلك دليل على أن قوله { سَتُغْلَبُونَ } كذلك خطاب لهم. وذلك هو قراءة عامة قرّاء الـحجاز والبصرة وبعض الكوفـيـين. وقد يجوز لـمن كانت نـيته فـي هذه الآية أن الـموعودين بأن يغلبوا هم الذين أمر النبـيّ صلى الله عليه وسلم بأن يقول ذلك لهم أن يقرأه بـالـياء والتاء، لأن الـخطاب الوحي حين نزل لغيرهم، فـيكون نظير قول القائل فـي الكلام قلت للقوم إنكم مغلوبون، وقلت لهم إنهم مغلوبون. وقد ذكر أن فـي قراءة عبد الله { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ تَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَكُمْ } وهي فـي قراءتنا { إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ }. وقرأت ذلك جماعة من قراء أهل الكوفة «سيغلبون ويحشرون» علـى معنى قل للـيهود سيغلب مشركو العرب ويحشرون إلـى جهنـم. ومن قرأ ذلك كذلك علـى هذا التأويـل لـم يجز فـي قراءته غير الـياء. والذي نـختار من القراءة فـي ذلك قراءة من قرأه بـالتاء، بـمعنى قل يا مـحمد للذين كفروا من يهود بنـي إسرائيـل الذين يتبعون ما تشابه من آي الكتاب الذي أنزلته إلـيك ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويـله، ستغلبون وتـحشرون إلـى جهنـم وبئس الـمهاد. وإنـما اخترنا قراءة ذلك كذلك علـى قراءته بـالـياء لدلالة قوله { قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ } علـى أنهم بقوله ستغلبون مخاطبون خطابهم بقوله قد كان لكم، فكان إلـحاق الـخطاب بـمثله من الـخطاب أولـى من الـخطاب بخلافه من الـخبر عن غائب. وأخرى أن أبـا كريب حدثنا، قال ثنا يونس بن بكير، عن مـحمد بن إسحاق، قال ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد، عن سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس، قال لـما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا يوم بدر فقدم الـمدينة، جمع يهود فـي سوق بنـي قـينقاع فقال " يا مَعْشَرَ يَهُودَ، أسْلِـمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكُمْ مِثْل ما أصَابَ قُرَيشا " ، فقالوا يا مـحمد لا تغرّنك نفسك إنك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نـحن الناس، وأنك لـم تأت مثلنا! فأنزل الله عزّ وجلّ فـي ذلك من قولهم { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهَادُ } إلـى قوله { لأُوْلِى الأبْصَـارِ }....

اسامة محمد خيري
28-10-2018, 09:29
الجوهرة الرابعة والخمسون

{ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ }

قال السمين

قوله: { يَرَوْنَهُمْ } قرأ نافع وحده من السبعةِ ويعقوب وسهل: " تَرَوْنهم " بالخطابِ، والباقون من السعبة بالغَيْبة. فأمَّا قراءةُ نافع ففيها ثمانية أوجه، أحدُها: أن الضميرَ في " لكم " والمرفوعَ في " تَرَوْنهم " للمؤمنين، والضميرَ المنصوب في " تَرَوْنهم " والمجرورَ في " مِثْلَيْهم " للكافرين. والمعنى: قد كان لكم أيها المؤمنون آيةٌ في فئتين بأَنْ رأيتم الكفارَ مثلي أنفسهم في العدد وهو أبلغُ في القدرةِ حيث رأى المؤمنون الكافرين مثلي عددِ الكافرين، ومع ذلك انتصروا عليهم وغَلَبوهم وأَوْقَعوا بهم الأفاعيلَ. ونحُوه:
{ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ }
[البقرة: 249] واستبَعَدَ بعضُهم هذا التأويلَ لقوله تعالى في الأنفالِ:
{ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً }
[الآية: 44]، فالقصةُ واحدةٌ، وهناك تَدُلُّ الآية على أن الله تعالى قَلَّل المشركين في أعين المؤمنين لئلا يَجْبُنوا عنه، وعلى هذا التأويلِ المذكور هنا يكون قد كَثَّرهم في أعينهم. ويمكنُ أن يُجابَ عنه باختلافِ حالَيْنِ، وذلك أنه في وقتٍ أراهم إيَّاهم مثلي عددهم ليمتحنهم ويبتليهم، ثم قَلَّلهم في أعينهم ليقدُموا عليهم، فالإِتيانُ باعتبارين ومثلُه:
{ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ }
[الرحمن: 39] مع:
{ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }
[الحجر: 92]،
{ وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً }
[النساء: 42] مع:
{ هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ }
[المرسلات: 35]. وقال الفراء: " المرادُ بالتقليل التهوينُ كقولِك: " رأيتُ كثيرَهم قليلاً " لهوانِهِم عندكَ، وليس من تقليلِ العدد في شيء ".

الثاني: أن يكونَ الخطاب في " تَرَوْنهم " للمؤمنين أيضاً، والضميرُ المنصوبُ في " ترونهم " للكافرين أيضاً، والضميرُ المجرورِ في " مِثْلَيْهم " للمؤمنين، والمعنى: تَرَوْن أيها المؤمنون الكافرين مثلي عددِ أنفسكم، وهذا تقليلٌ للكافرين عند المؤمنين في رأيِ العين، وذلك أنَّ الكفارَ كانوا ألفاً ونَيِّفاً والمسلمونُ على الثلث منهم، فأراهم إياهم مِثْلَيْهم، على ما قَرَّر عليهم من مقاومةِ الواحدِ للاثنين في قوله تعالى:
{ فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ }

الأنفال: 66] بعد ما كُلِّفوا أن يقاومَ واحدٌ العشرةَ في قوله تعالى:
{ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ }
[الأنفال: 65]. قال الزمخشري: " وقراءةُ نافع لا تساعد عليه " عين على هذا التأويلِ المذكور، ولم يُبَيِّنْ وجه عدمِ المساعدةِ، وكأنَّ الوجَه في ذلك ـ والله أعلم ـ أنه كان ينبغي أن يكونَ التركيب: " تَرَوْنهم مثليكم " بالخطاب في " مثليكم " لا بالغَيْبة. وقال أبو عبد الله الفاسي ـ بعد ما ذكرته عن الزمخشري: " قلت: بل يساعِدُ عليه إن كان الخطابُ في الآية للمسلمين، وقد قيل ذلك " انتهى، فلم يأتِ أبو عبد الله بجوابٍ، إذ الإِشكالُ باقٍ.

وقد أجابَ بعضُهم عن ذلك بجوابين، أحدُهما: أنه من باب الالتفات من الخطاب إلى الغَيبة وأن حقَّ الكلام: " مِثْلَيْكم " بالخطاب، إلا أنه التفتَ إلى الغَيْبة، ونظَّره بقوله تعالى:
{ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم }
[يونس: 22]. والثاني: أن الضميرَ في " مِثْلَيْهم " وإن كان المرادُ به المؤمنين إلا أنه عادَ على قوله: { فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } ، والفئةُ المقاتِلة هي عبارةٌ عن المؤمنين المخاطبينَ، والمعنى: تَرَوْن أيها المؤمنون الفئةَ الكافرة مِثْلَيْ الفئةِ المقاتلةِ في سبيل الله، فكأنه قيل: تَرَوْنَهم أيَها المؤمنون مِثْلَيْكُم. وهوَ جوابٌ حسنٌ ومعنى واضحٌ.

الثالث: أن يكونَ الخطاب في " لكم " وفي " تَرَوْنَهم " للكفار، وهم قريش، والضميرُ المنصوبُ والمجرور للمؤمنين، أي: قد كان لكم أيها المشركون/ آيةٌ حيث تَرَوْن المؤمنين مِثْلَي أنفسِهم في العدَدِ، فيكون قد كَثَّرهم في أعينِ الكفار ليجبنُوا عنهم، فيعودُ السؤالُ المذكور بين هذه الآية وآية الأنفال، وهي قوله تعالى:
{ وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ }
[الأنفال: 44]، فكيف يقال هنا إنه كَثَّرهم فيعودُ الجواب بما تقدَّم من اختلافِ حالتين، وهو أنه قَلَّلهم أولاً ليجترىءَ عليهم الكفارُ، فلمَّا التقى الجمعان كَثَّرهم في أعيِنِهم ليحصُل لهم الخَورُ والفَشَلُ.

الرابع: كالثالث، إلاَّ أنَّ الضميرَ في " مِثْلَيْهم " يعودُ على المشركين فيعودُ ذلك السؤال، وهو أنه كان ينبغي أن يُقال " مِثْليكم " ليتطابق الكلامُ فيعودَ الجوابان وهما: إمَّا الالتفاتُ من الخطاب إلى الغَيْبة، وإمَّا عودُه على لفظِ الفئة الكافرة، لأنها عبارةٌ عن المشركين، كما كان ذلك الضميرُ عبارةً عن الفئةِ المقاتلَةِ، ويكونُ التقديرُ: تَرَوْنَ أيها المشركون المؤمنين مِثْلَيْ فئتِكم الكافرة، وعلى هذا فيكونون قد رَأَوا المؤمنين مِثْلَي أنفسِ المشركين ألفين ونيفاً، وهذا مَدَدٌ من الله تعالى، حيث أرى الكفارَ المؤمنينَ مِثْلَي عددِ المشركين حتى فَشِلوا وجَبُنوا، فَطَمِعَ المسلمون فيهم فانتصروا عليهم، ويؤيِّده: { وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ } فالإراءة هنا بمنزلة المَدَدِ بالملائكةِ في النصرةِ بكليهما، ويعودُ السؤالُ حينئذٍ بطريق الأَوْلى: وهو كيف كثَّرهم إلى هذه الغايةِ مع قولِهِ في الأنفال: { وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ }؟ ويعود الجواب.

الخامس: أنَّ الخطابَ في " لكم " و " تَرَوْنهم " لليهود، والضميران المنصوبُ والمجرورُ على هذا عائدان على المسلمين على معنى: تَرَوْنَهم لو رأيتموهم مِثْلَيْهم، وفي هذا التقدير تكلُّفٌ لا حاجةً إليه، وكأن هذا القائلَ اختار أن يكونَ الخطابُ في الآية المنقضية وهي قولُه: { قَدْ كَانَ لَكُمْ } لليهود، فَجَعَلهُ في " تَرَوْنَهم " لهم أيضاً، ولكنَّ الخروجَ من خطاب اليهود إلى خطاب قوم آخرين أَوْلى من هذا التقدير المتكلَّفِ، لأنَّ اليهود لم يكونوا حاضري الوقعةِ حتى يُخاطَبوا برؤيتِهم لهم كذلكَ. ويجوز على هذا القولِ أن يكونَ الضميرانِ المنصوبُ والمجرورُ عائِدَيْنِ على الكفار، أي: إنهم كَثَّر في أعينِهم الكفارَ حتى صاروا مِثْلي عددِ الكفارِ، ومع ذلك غلبَهم المؤمنون وانتصروا عليهم، فهو أَبْلَغُ في القدرةِ. ويجوزُ أنْ يعودَ المنصوبُ على المسلمين والمجرورُ على المشركين، أي: تَرَوْنَ أيها اليهودُ المسلمينَ مِثْلَي عددِ المشركين مهابةً لهم وتهويلاً لأمرِ المؤمنين، كما كان ذلك في حق المشركين فيما تقدَّم من الأقوال. ويجوز أن يعودَ المنصوبُ على المشركين والمجرورُ على المسلمين، والمعنى: تَرَوْنَ أيها اليهودُ لو رأيتم المشركينَ مِثْلَي عددِ المسلمين، وذلك أنهم قُلِّلُوا في أعينهم ليحصُل لهم الفزعُ والغَمُّ؛ لأنه كان يَغُمُّهُم قلةُ الكفارِ ويعجبُهم كثرتُهُم ونصرتُهم على المسلمين حسداً وَبَغْياً فهذه ثلاثة أوجهٍ مترتبةٌ على الوجه الخامسِ، فتصيرُ ثمانية أوجهٍ في قراءة نافع.

وأمَّا قراءةُ الباقين ففيها أوجه، أحدُها: أنها كقراءةِ الخطاب، فكلُّ ما قيل في المراد به الخطابُ هناك قيل به هنا، ولكنه جاء على بابِ الالتفاتِ أي: التفاتٌ من خطاب إلى غيبة. الثاني: أن الخطاب في " لكم " للمؤمنين، والضميرُ المرفوعُ في " يَرَوْنَهم " للكفار، والمنصوبُ والمجرورُ للمسلمين، والمعنى: يَرَى المشركون المؤمنين مِثْلَي عدد المؤمنين ستمئة ونيفاً وعشرين، أراهم الله ـ مع قِلَّتهم ـ إياهم ضِعْفَيْهم ليَهَابُوهم ويَجْبُنوا عنهم. الثالث: أنَّ الخطاب في " لكم " للمؤمنين أيضاً، والمرفوعُ في " يَرَوْنَهم " للكفار، والمنصوبُ للمسلمين والمجرورُ للمشركين، أي: يرى المشركونَ المؤمنين مِثْلَي عددِ المشركين، أراهم الله المؤمنينَ أضعافَهم لِما تَقدَّم في الوجه قبله. الرابع: أن يعودَ الضميرُ المرفوع في " يَرَونهم " على الفئةِ الكافرة؛ لأنها جَمْعٌ في المعنى، والضميرُ المنصوب والمجرورُ على ما تقدم من احتمالِ عودِهما على الكافرينَ أو المسلمين أو أحدِهما لأحدِهم.

والذي تَقَوَّى في هذه الآيةِ من جميعِ ما قَدَّمْتُهُ من حيِث المعنى أَنْ يكونَ مَدارُ الآيةِ على تقليلِ المسلمينَ وتكثيرِ الكافرين، لأنَّ مقصودَ الآية ومساقَها الدلالةُ على قُدْرَةِ الله الباهرةِ وتأييدِهِ بالنصر لعبادِه المؤمنين مع قلةِ عددِهم وخذلانِ الكافرين مع كثرةِ عددِهم، وتحزُّبهم، ليُعْلَمَ أنَّ النصرَ كلَّه من عند الله، وليس سببُه كثرتَكم وقلةَ عدوكم، بل سببُه ما فعلَه تبارك وتعالى من إلقاءِ الرعبِ في قلوبِ أعدائِكم، ويؤيِّده قولُه بعد ذلك/: { وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ } وقال في موضع آخر:

{ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً }
[التوبة: 25]. قال الشيخ أبو شامة ـ بعد ذِكْره هذا المعنى وَجَعَلَهُ قوياً ـ: " فالهاءُ في تَرَوْنَهم للكفارِ سواءً قُرىء بالغَيْبَةِ أم بالخطاب والهاءُ في " مثليهم " للمسلمين. فإنْ قلت: إن كان المرادُ هذا فهلا قيل: يَرَونْهَم ثلاثةَ أمثالهم. فكان أبلغَ في الآية، وهي نصرُ القليلِ على هذا الكثيرِ، والعُدَّةُ كانت كذلك أو أكثرَ. قلت: أخبرَ عن الواقعِ، وكان آيةً أخرى مضمومةً إلى آية البصرِ، وهي تقليلُ الكفارِ في أعينِ المسلمين وقُلِّلُوا إلى حدٍّ وُعِدَ المسلمونَ النصرَ عليهم فيه، وهو أن الواحدَ من المسلمين يَغْلِبُ الاثنين، فلم تكن حاجةٌ إلى التقليلِ بأكثرَ من هذا، وفيه فائدةٌ: وقوعُ ما ضَمِنَ لهم من النصر فيه " انتهى. قلت: وإلى هذا المعنى ذهب الفراء، أعني أنهم يَرَوْنَهم ثلاثةَ أمثالهم، فإنه قال: " مِثْليهم: ثلاثةَ أمثالهم، كقول القائل: " عندي ألف وأنا محتاجٌ إلى مثليها " وغَلَّطه أبو إسحاق في هذا، وقال: " مثلُ الشيء ما ساواه، ومِثْلاه ما ساواه مرتين ". قال ابن كيسان: " الذي أَوْقَع الفراء في ذلك أن الكفار كانوا يومَ بدر ثلاثةَ أمثالِهم، فتوهَّمَ أنه لا يجوزُ أن يَرَوْهم إلا على عُدَّتهم، والمعنى ليس عليه، وإنما أراهم الله على غيرِ عُدَّتهم لجهتين، إحداهما: أنه رأى الصلاحَ في ذلك؛ لأن المؤمين [تُقَوَّى قلوبُهم بذلك، والأخرى] أنه آيةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم.

والجملةُ على قراءةِ نافع تَحْتَمِلُ أن تكونَ مستأنفةً لا محلَّ لها من الإِعراب، ويُحتُمل أن يكونَ لها محلٌّ، وفيه حينئذٍ وجهان، أحدُهما: النصبُ على الحال من " كم " في " لكم " أي: قد كان لكم حالَ كونِكم تَرَوْنهم. والثاني: الجرُّ نعتاً لفئتين، لأنَّ فيها ضميراً يَرْجِع عليهما، قاله أبو البقاء.

وأمَّا على قراءةِ الغَيْبةِ فتحتملُ الاستئنافُ، وتحتملُ الرفعَ صفةً لإِحدى الفئتين، وتحتمل الجرَّ صفةً لفئتين أيضاً، على أَنْ تكونَ الواوُ في " يَرَوْنَهم " تَرْجِعُ إلى اليهود، لأنَّ في الجملة ضميراً يعودُ على الفئتين.....

وقال القرطبي

وقرأ نافع «تَرَوْنَهُم» بالتاء والباقون بالياء. { مِّثْلَيْهِمْ } نصب على الحال من الهاء والميم في «ترونهم». والجمهور من الناس على أن الفاعل بترون هم المؤمنون، والضمير المتصل هو للكفار. وأنكر أبو عمرو أن يقرأ «ترونهم» بالتاء؛ قال: ولو كان كذلك لكان مِثليكم. قال النحاس: وذا لا يلزم، ولكن يجوز أن يكون مِثلى أصحابكم. قال مكيّ: «تَرَوْنَهُم» بالتاء جرى على الخطاب في { لَكُم } فيحسن أن يكون الخطاب للمسلمين، والهاء والميم للمشركين. وقد كان يلزم من قرأ بالتاء أن يقرأ مثليكم بالكاف، وذلك لا يجوز لمخالفة الخط؛ ولكن جرى الكلام على الخروج من الخطاب إلى الغيبة؛ كقوله تعالى:
{ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم }
[يونس: 22]، وقوله تعالى:
{ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ }
[الروم: 39] فخاطب ثم قال:
{ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ }
[الروم: 39] فرجع إلى الغيبة. فالهاء والميم في { مِثْلَيْهِم } يحتمل أن يكون للمشركين، أي ترون أيها المسلمون المشركين مثليْ ما هم عليه من العدد؛ وهو بعيد في المعنى؛ لأن الله تعالى لم يُكْثر المشركين في أعين المسلمين بل أعلمنا أنه قلَّلَهم في أعين المؤمنين، فيكون المعنى ترون أيها المؤمنون المشركين مِثليْكم في العدد وقد كانوا ثلاثة أمثالهم، فقلَّلَ الله المشركين في أعين المسلمين فأراهم إياهم مِثَليْ عِدّتهم لتقوى أنفُسهم ويقع التجاسُر، وقد كانوا أُعلِموا أنّ المائة منهم تغلب المائتين من الكفار، وقلّل المسلمين في أعين المشركين ليجْتَرئوا عليهم فينْفُذ حكم الله فيهم.

ويحتمل أن يكون الضمير في { مِثليْهِم } للمسلمين، أي ترون أيها المسلمون المسلمين مِثليْ ما أنتم عليه من العدد، أي ترون أنفسكم مثليْ عددكم؛ فعل الله ذلك بهم لتقوى أنفسهم على لقاء المشركين. والتأويل الأوّل أولى؛ يدل عليه قوله تعالى:
{ إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً }
[الأنفال: 43] وقوله:
{ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً }
[الأنفال: 44]. وروى عن ٱبن مسعود أنه قال: قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أظنهم مائة. فلما أخذنا الأسارى أخبرونا أنهم كانوا ألفاً. وحكى الطبريّ عن قوم أنهم قالوا: بل كثر الله عدد المؤمنين في عيون الكافرين حتى كانوا عندهم ضِعفيْهم. وضعَّف الطبري هذا القول. قال ٱبن عطية: وكذلك هو مردود من جهات. بل قلّل الله المشركين في أعين المؤمنين كما تقدّم. وعلى هذا التأويل كان يكون «ترون» للكافرين، أي ترون أيها الكافرون المؤمنين مثليهم، ويحتمل مثليكم، على ما تقدّم. وزعم الفرّاء أنّ المعنى تروْنَهم مثلَيْهم ثلاثةَ أمثالهم. وهو بعيدٌ غير معروف في اللغة. وقال الزجاج: وهذا باب الغلط، فيه غلط في جميع المقاييس؛ لأنا إنما نعقل مثل الشيء مساوياً له، ونعقِل مثليْه ما يساويه مرتين. قال ٱبن كَيْسان: وقد بين الفرّاء قوله بأن قال: كما تقول وعندك عبدٌ: أحتاج إلى مثله، فأنت محتاج إليه وإلى مثله. وتقول: أحتاج إلى مثليه، فأنت محتاج إلى ثلاثة. والمعنى على خلاف ما قال، واللغةُ. والذي أوقع الفرّاء في هذا أن المشركين كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين يوم بدر؛ فتوهّم أنه لا يجوز أن يكونوا يرونهم إلا على عِدّتهم، وهذا بعيد وليس المعنى عليه. وإنما أراهم الله على غير عِدّتهم لجهتين: إحداهما أنه رأى الصلاح في ذلك؛ لأن المؤمنين تقوى قلوبهم بذلك. والأخرى أنه آية للنبيّ صلى الله عليه وسلم. وسيأتي ذكر وقعة بدر إن شاء الله تعالى. وأمّا قراءة الياء فقال ٱبن كيسان: الهاء والميم في { يرونهم } عائدة على { وَأُخْرَى كَافِرَةٌ } والهاء والميم في { مثليْهم } عائدة على { فِئَةٌ تُقَاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ } وهذا من الإضمار الذي يدل عليه سياق الكلام، وهو قوله: { يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ }. فدل ذلك على أن الكافرين كانوا مِثْلَي المسلمين في رأي العين وثلاثة أمثالهم في العدد. قال: والرؤية هنا لليهود. وقال مكيّ: الرؤية للفئة المقاتلة في سبيل الله، والمرئية الفئة الكافرة؛ أي ترى الفئةُ المقاتلة في سبيل الله الفئةَ الكافرة مثْلَي الفئة المؤمنة، وقد كانت الفئة الكافرة ثلاثة أمثال المؤمنة فقلّلهم الله فى أعينهم على ما تقدّم. والخطاب في { لكم } لليهود. وقرأ ٱبن عباس وطلحة «تُرَوْنَهم» بِضم التاء، والسلميّ بالتاء مضمومة على ما لم يسم فاعله....

وقال الطبري

وأولـى هذه القراءات بـالصواب قراءة من قرأ { يَرَوْنَهُمْ } بـالـياء، بـمعنى وأخرى كافرة، يراهم الـمسلـمون مثلـيهم، يعنـي مثلـي عدد الـمسلـمين، لتقلـيـل الله إياهم فـي أعينهم فـي حال، فكان حزرهم إياهم كذلك، ثم قللهم فـي أعينهم عن التقلـيـل الأول، فحزروهم مثل عدد الـمسلـمين، ثم تقلـيلاً ثالثاً، فحزروهم أقل من عدد الـمسلـمين. كما حدثنـي أبو سعيد البغدادي، قال ثنا إسحاق بن منصور، عن إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن أبـي عبـيدة، عن عبد الله، قال لقد قللوا فـي أعيننا يوم بدر حتـى قلت لرجل إلـى جنبـي تراهم سبعين؟ قال أراهم مائة. قال فأسرنا رجلاً منهم، فقلنا كم كنتـم؟ قال ألفـاً. وقد رُوي عن قتادة أنه كان يقول لو كانت «تُرونهم»، لكانت «مثلـيكم». حدثنـي الـمثنى، قال ثنـي عبد الرحمن بن أبـي حماد، عن ابن الـمعرك، عن معمر، عن قتادة بذلك. ففـي الـخبرين اللذين روينا عن عبد الله بن مسعود ما أبـان عن اختلاف حزر الـمسلـمين يومئذٍ عدد الـمشركين فـي الأوقات الـمختلفة، فأخبر الله عز وجل ـ عما كان من اختلاف أحوال عددهم عند الـمسلـمين ـ الـيهود علـى ما كان به عندهم، مع علـم الـيهود بـمبلغ عدد الفئتـين، إعلاماً منه لهم أنه مؤيد الـمؤمنـين بنصره، لئلا يغتروا بعددهم وبأسهم، ولـيحذروا منه أن يحل بهم من العقوبة علـى أيدي الـمؤمنـين، مثل الذي أحل بأهل الشرك به من قريش علـى أيديهم ببدرهم.

اسامة محمد خيري
28-10-2018, 10:04
الجوهرة الخامسة والخمسون

{ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ }

قال ابن عطية

قرأ جمهور الناس " زُين " على بناء الفعل للمفعول ورفع " حبُّ " على أنه مفعول لم يسم فاعله، وقرأ الضحاك ومجاهد " زَين " على بناء الفعل للفاعل ونصب " حبَّ " على أنه المفعول، واختلف الناس من المزين؟ فقالت فرقة: الله زين ذلك وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأنه قال لما نزلت هذه الآية: قلت الآن يا رب حين زينتها لنا فنزلت:
{ قل أؤنبئكم بخير من ذلكم }
[آل عمران: 15]، وقالت فرقة: المزين هو الشيطان، وهذا ظاهر قول الحسن بن أبي الحسن، فإنه قال من زينها؟ ما أحد أشد لها ذماً من خالقها.

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وإذا قيل زين الله، فمعناه بالإيجاد والتهيئة لانتفاع وإنشاء الجبلة عن الميل إلى هذه الأشياء، وإذا قيل زين الشيطان فمعناه بالوسوسة والخديعة وتحسين أخذها من غير وجوهها. والآية تحتمل هذين النوعين من التزيين ولا يختلف مع هذا النظر، وهذه الآية على كلا الوجهين ابتداء وعظ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توضح لمعاصري محمد عليه السلام من اليهود وغيرهم....

شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }

قال السمين

قوله تعالى: { شَهِدَ ٱللَّهُ }: العامةُ على " شَهِدَ " فعلاً ماضياً مبنياً للفاعلِ، والجلالةُ الكريمةُ رفعٌ بهِ. وقرأ أبو الشعثاء: " شُهِدَ " مبيناً للمفعول، والجلالةُ المعظمةُ قائمةٌ مقامَ الفاعلِ، وعلى هذه القراءةِ، فيكونُ { أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } في محلِّ رفع بدلاً من اسمِ اللهِ تعالى بدلَ اشتمالٍ، تقديرهُ: شَهِدَ وحدانيةَ اللهِ وألوهيتَه، ولمَّا كان المعنى على هذه القراءةِ كذا أَشْكَل عَطْفُ { وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ } على الجلالةِ الكريمة، فَخُرِّج ذلك على عَدَمِ العطف، بل: إمَّا على الابتداءِ والخبرُ محذوفٌ لدلالةِ الكلامِ عليه تقديرُه: والملائكةُ وأولو العلمِ يَشهدون بذلك، يَدُلُّ عليه قولُه تعالى: { شَهِدَ ٱللَّهُ } ، وإمَّا على الفاعليةِ بإضمارِ محذوفٍ، تقديرُه: وشَهِدَ الملائكةُ وأولو العلم بذلك، وهو قريبٌ من قولهِ تعالى: { يُسَبَّح لَهُ فِيهَا بِٱلْغَدوِّ وَٱلآصَالِ رِجَالٌ } [النور: 36] في قراءةِ مَنْ بناه للمفعول، وقوله:
1201ـ لِيُبْكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ ..........................
في أحد الوجهين.

وقرأ أبو المهلب عمُّ محارب بن دثار: " شهداءَ الله " جمعاً على فُعَلاء كظُرَفاء منصوباً، ورُوي عنه وعن أبي نُهَيْك كذلك، إلا أنه مرفوع، وفي كِلتا القراءتين مضافٌ للجلالة. فأمَّا النصبُ فعلى الحال، وصاحبُها هو الضميرُ المستتر في " المستغفرين " قاله ابن جني، وتَبِعَه غيرُه كالزمخشري وأبي البقاء. وأمَّا الرفعُ فعلى إضمارِ مبتدأ، أي: هم شهداءُ الله. و " شهداء " يَحْتمل أن يكونَ جمع شاهر كشاعِر وشُعَراء، وأَنْ يكونَ جمعَ شهيد كظريف وظُرَفاء.

وقرأ أبو المهلب أيضاً في رواية: " شُهُداً اللهَ " بضم الشين والهاء والتنوين ونصبِ الجلالةِ المعظمةِ، وهو منصوبٌ على الحالِ، جمع شهيد نحو: نَذِير ونُذُر، واسمُ اللهِ منصوبٌ على التعظيم أي: يَشْهدون اللهَ أي: وحدانيتَه.

ورَوى النقاش أنه قُرىء كذلك، إلا أنه قال: " برفعِ الدال ونصبها " والإِضافةُ للجلالةِ المعظمة. فالنصبُ والرفعُ على ما تقدَّم في " شهداء " ، وأما الإِضافةُ فتحتملُ أنْ تكونَ محضةً، بمعنى أنك عَرَّفْتهم بإضافتِهم إليه من غير تَعَرُّضٍ لحدوثِ فِعْلٍ، كقولك: عباد الله، وأَنْ تكونَ مِنْ نصبٍ كالقراءةِ قبلَها فتكونَ غيرَ محضةٍ. وقد نقل الزمخشري أنه قُرىء: " شُهَداء لله " جَمْعاً على فُعَلاء وزيادةِ لامِ جر داخلةً على اسمِ اللهِ، وفي الهمزةِ الرفعُ والنصبُ وخَرَّجهما على ما تقدَّم من الحالِ والخبر.

وعلى هذه القراءاتِ كلِّها ففي رفعِ " الملائكة " وما بعدَها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها الابتداءُ/ والخبرُ محذوفٌ. والثاني: أنه فاعلٌ بفعلٍ مقدرٍ وقد تَقدَّم تحريرُها. الثالث ـ ذَكَره الزمخشري ـ: وهو النسقُ على الضمير المستكنِّ في " شهداء الله " قال: " وجاز ذلك لوقوعِ الفاصلِ بينهما ".

قوله: " أنه " العامَّةُ على فتحِ الهمزةِ، وإنما فُتِحَتْ لأنها على حَذْفِ حرفِ، الجر، أي: شَهِدَ الله بأنه لا إله إلا هو، فَلَّما حُذِفَ الحرفُ جازَ أن يكونَ محلُّها نصباً وأن يكونَ محلُّها جَرَّاً كما تقدَّم تقديره.


وقرأ ابن عباس: " إنه " بكسرِ الهمزةِ، وفيها تخريجان، أحدُهما: إجراءُ " شَهِدَ " مُجْرى القولِ لأنه بمعناه، وكذَا وقَعَ في التفسير: شَهِد الله أي: قال الله، ويؤيِّده ما نَقَله المؤرِّج أن " شَهِد " بمعنى " قال " لغةُ قيس بن عيلان. والثاني: أنها جملةُ اعتراضٍ بين العامل ـ وهو شهد ـ وبين معمولهِ ـ وهو قولُه { إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ } ، وجازَ ذلك لِما في هذه الجملةِ من التأكيدِ وتقويةِ المعنى، وهذا إنما يتجه على قراءةِ فَتْحِ " أَنَّ " من " أنَّ الدينَ " ، وأمَّا على قراءةِ الكسرِ فلا يجوزُ، فيتعيَّنُ الوجهُ الأولُ.

والضميرُ في " أنه " يَحْتمل العَوْدَ على الباري لتقدُّمِ ذكرهِ، ويَحْتمل أن يكونَ ضميرَ الأمر، ويؤيِّدُ ذلك قراءةُ عبد الله: { شَهِدَ الله أَنْ لا إلهَ إلا هو } فأَنْ مخففةٌ في هذه القراءةِ، والمخففةُ لا تعملُ إلاَّ في ضميرِ الشأنِ ويُحْذَفُ حينئذٍ، ولا تَعْمَلُ في غيرِه إلا ضرورةً..

{ إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ }

قال السمين

قوله تعالى: { إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ }: قرأ الكسائي بفتحِ الهمزةِ والباقون بكسرِها. فأمَّا قراءةُ الجماعَةِ فعلى الاستئنافِ، وهي مؤكدةٌ للجملة الأولى: قال الزمخشري: " فإنْ قلت: ما فائدةُ هذا التوكيدِ؟ قلتْ: فائدتُهُ أنَّ قولَه: " لا إله إلا هو " توحيدٌ، وقولَه: " قائماً بالقِسْطِ " تعديلٌ، فإذا أَردْفه قولَه: { إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ } فقد آذن أن الإِسلام هو العدلُ والتوحيد، وهو الدينُ عند الله، وماعداه فليس في شيء من الدين عنده ".

وأمَّا قراءةُ الكسائي ففيها أوجهٌ، أحدُها: أنها بدلٌ من " أنه لا إله إلا هو " على قراءةِ الجمهور في " أنه لا إله إلا هو " وفيه وجهان، أحدهما: أنه من بدلِ الشيءِ من الشيء، وذلك أنَّ الدين الذي هو الإِسلام يتضمَّنُ العدْلَ والتوحيدَ وهو هو في المعنى. والثاني: أنه بدلُ اشتمالٍ لأنَّ الإِسلامَ يشتمِلُ على التوحيدِ والعَدْلِ.

الثاني من الأوجه السابقة أن يكونَ " أنَّ الدين " بدلاً من قوله " قائماً بالقسط " ثم لك اعتباران، أحدُهما: أَنْ تَجْعَله بدلاً من لفظِهِ فيكونُ محلُّ " أنَّ الدين " الجرَّ. والثاني: أن تجعلَه بدلاً مِنْ مَوْضِعِه فيكونُ محلُّها نصباً. وهذا الثاني لا حاجةَ إليه وإن كان أبو البقاء ذكره، وإنما صَحَّ البدلُ في المعنى؛ لأنَّ الدينَ الذي هو الإِسلامُ قِسْطٌ وعَدْلٌ، فيكونُ أيضاً من بدلِ الشيءِ من الشيء، وهما لعينٍ واحدةٍ/. ويجوزُ أَنْ يكونَ بدلَ اشتمال لأنَّ الدينَ مشتملٌ على القسطِ وهو العدلُ. وهذه التخاريجُ لأبي علي الفارسي، وتَبِعَهُ الزمخشري في بَعْضِها. قال الشيخ: " وأبو علي معتزلي فلذلِكَ يشتمل كلامُه على لفظِ المعتزلةِ من العدلِ والتوحيد " قلت: ومَنْ يرغَبُ عن التوحيدِ والعدلِ من أهلِ السنةِ حتى يَخُصَّ به المعتزلَة؟ وإنما رأى في كلامِ الزمخشري هذه الألفاظَ كثيراً، وهو عنده معتزليٌّ، فَمَن تَكَلَّم بالتوحيدِ والعَدْلِ كان عندَه معتزلياً.

ثم قال: " وعلى البدل من " أنه " خَرَّجه هو وغيرُه، وليس بجيد لأنه يُؤَدِّي إلى تركيبٍ بعيدٍ أَنْ يأتيَ مثلُه في كلامِ العربِ وهو: " عَرَف زيدٌ أنه لا شجاعَ إلا هو وبنو دارم ملاقياً للحروب لا شجاع إلا هو البطل الحامي أنَّ الخَصْلَةَ الحميدةَ هي البسالةُ " وتقريبُ هذا المثال: " ضرب زيدٌ عائشةً والعُمَران حَنِقاً أختَك " فَحَنِقاً حالٌ من زيد، وأختَك بدلٌ من عائشةً، ففصل بين البدلِ والمبدلِ منه بالعطفِ، وهو لا يجوزُ، وبالحالِ لغيرِ المُبْدَلِ منه، وهو لا يجوزُ، لأنه فُصِلَ بأجنبي بين المُبْدَلِ منه والبدل " انتهى.....


الثالث من الأوجه: أَنْ يكونَ " أنَّ الدينَ " معطوفاً على " أنه لا إله إلا هو " ، حُذِفَ منه حرفُ العطفِ، قاله ابن جرير، وضَعَّفَهُ ابنُ عطيَّة، ولم يبيِّن وجهَ ضَعْفِهِ.

قال الشيخ: " وَجْهُ ضَعفِهِ أنه متنافِرُ التركيب مع إضمارِ حرفِ العطفِ، فَيُفْصَلُ بين المتعاطِفَيْنِ المرفوعَيْن بالمنصوبِ المفعولِ، وبين المتعاطفين المنصوبين بالمرفوعِ وبجملتي الاعتراضِ، وصار في التركيبِ نظيرَ قولِك: " أكل زيدٌ خبزاً وعمروُ سمكاً " يعني فَفَصْلتَ بين " زيد " وبين " عمر " بـ " خبزاً " ، وفصلْتَ بين " خبزاً " وبين " سمكاً " بعمرٍو، إذ الأصلُ قبل الفصل: " أكل زيدٌ وعمر خبزاً وسمكاً ".

الرابعُ: أَنْ يكونَ معمولاً لقولِهِ: " شهِدَ الله " أي: شَهِدَ الله بأنَّ الدينَ، فلمَّا حُذِفَ الحرفُ جازَ أَنْ يَحْكُمَ على موضِعِه بالنصب أو بالجرِّ. فإنْ قلت: إنما يتجهُ هذا التخريجُ على قراءةِ ابن عباس، وهي كسرُ إنَّ الأولى، وتكون حينئذٍ الجملةُ اعتراضاً بين " شَهِدَ " وبين معمولِهِ كما قَدَّمْتُهُ، وأمَّا على قراءةِ فَتْحِ " أنَّ " الأولى، وهي قراءةُ العامة فلا يَتَجِهُ ما ذكرْتُهُ من التخريج، لأن الأولى معمولةٌ له استَغْنَى بها. فالجوابُ: أنَّ ذلك متجهٌ أيضاً مع فتحِ الأولى وهو أَنْ تَجْعَلَ الأولى على حَذْفِ لامِ العلة، تقديرُهُ: شهد الله أنَّ الدين عندَ اللهِ الإِسلامُ لأنه لا إله إلا هو، وكان يَحِيك في نفسي هذا التخريجُ مدةً، ولم أَرَهم ذكروه حتى رأيتُ الواحديَّ ذَكَرَه، وقال: " وهذا معنى قول الفراء حيث يقولُ في الاحتجاجِ للكسائي: " إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ " أنه " على الشرطِ، وجَعَلْتَ الشهادةَ واقعةً على قولِهِ: { إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ } وتكونُ " أنَّ " الأولى يصلُح فيه الخَفْضُ كقولِك: " شهد اللهُ لوحدانيتِهِ أنَّ الدينَ عن اللهِ الإسلامُ ".

وهو كلامٌ مُشْكِلٌ في نفسِهِ، ومعنى قولِهِ: " على الشرط " أي: العلة، سَمَّى العلةَ شرطاً لأنَّ المشروطَ متوقفٌ عليه كتوقُّفِ المعلولِ على علتِهِ، فهو علَّةٌ، إلا أنه خلافُ اصطلاحِ النحويين.

ثم اعترَضَ الواحديُّ على هذا التخريجِ بأنه لو كانَ كذلك لم يَحْسُنْ إعادةُ اسمِ الله ولكانَ التركيبُ { إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ } ، لان الاسمَ قد سَبَقَ فالوجهُ الكنايةُ، ثم أجاب بأنَّ العربَ ربما أعادت الاسمَ موضعَ الكناية وأنشد:
1206ـ لا أَرَى الموتَ يَسْبِقُ الموتَ شيءٌ نَغَّصَ الموتُ ذا الغِنى والفقيرا
يعني أنه من بابِ إيقاعِ الظاهِرِ موقعَ المضمرِ، ويزيدُهُ هنا حُسْناً أنه في/ موضِعِ تعظيمٍ وتفخيمٍ.

الخامس: أَنْ تكونَ على حَذْفِ حرفِ الجر معمولةً لِلَفْظِ " الحكيم " كأنه قيل: الحكيم بأن، أي: الحاكم بأن، فحكيم مثالُ مبالغةُ مُحَوَّلٌ من فاعِل، فهو كالعليم والخبير والبصير، أي: المبالِغُ في هذه الأوصاف، وإنما عَدَلَ عن لفظ " حاكم " إلى " حكيم " مع زيادةِ المبالغة لموافقةِ العزيز. ومعنى المبالغةِ تكرارُ حكمهِ بالنسبة إلى الشرائع أنَّ الدين عند الله هو الإِسلام، أو حَكَمَ في كلِّ شريعة بذلك. وهذا الوجهُ ذكره الشيخ وكأنه من تخريجه ثم قال: " فإن قلت: لِمَ حَمَلْتَ الحكيم على أنه مُحَوَّلٌ من فاعل إلى فعيل للمبالغة، وهلاَّ جَعَلْتَه فعيلاً بمعنى مُفْعِل، فيكون بمعنى مُحْكِم، كما قالوا: أليم بمعنى مُؤْلِم وسميع بمعنى مُسْمِع من قولِ الشاعر:
1207ـ أَمِنْ ريحانَةَ الداعي السميعُ .......................
فالجوابُ أَنَّا لا نُسَلِّمُ أَنَّ فعيلاً بمعنى مُفْعِل، وقد يُؤَوَّل أليمِ وسميع علىغير مُفْعِل، ولئن سَلَّمْنَا ذلك فهو من النُّدورِ والشذوذ بحيث لا يَنْقَاسُ، بخلاف فَعيل مُحَوَّلٌ من فاعِل فإنه كثيرٌ جداً خارجٌ عن الحصرِ كعليم فإنَّ العربيَّ القُحَّ الباقي على سَجِيَّتِهِ لم يَفْهَمْ عن " حكيم " إلا أنه مُحَوَّلٌ من فاعل للمبالغةِ، ألا ترى أنه لَمَّا سَمِعَ قارئاً يقرأ: " والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيدَيهما جزاءً بما كَسَبَا نكالاً من الله والله غفور رحيم " أنكر أن تكونَ فاصلةُ هذا التركيبِ السابقِ: " والله غفور رحيم " فقيل له: التلاوةُ: " والله عزيز حكيم " ، فقال: هكذا يكون: عَزَّ فحكم فقطع " فَفَهِمَ من حكيم أنه محولٌ للمبالغة السالفة من " حاكم " ، وفَهْمُ هذا العربي حجةٌ قاطعةٌ بما قلناه، وهذا تخريجٌ سهل سائغُ جداً، يُزيل تلك التكلفاتِ والتركيباتِ العَقِدَةَ التي يُنَزَّه كتابُ الله عنها.

وأمَّا على قراءة ابنِ عباس فكذلك نقول، ولا نجعل " أنَّ الدين " معمولاً لـ " شهد " كما زَعَمُوا وأن " إنه لا إله إلا هو " اعتراضٌ ـ يعني بين الحال وصاحبها وبين " شهد " ومعمولِهِ، وسيأتي إيضاحُ ذلك ـ بل نقولُ: معمولُ " شَهِدَ " هو " إنه " بالكسرِ على تخريجِ مَنْ خَرَّجَ أنَّ " شهد " لَمَّا كان بمعنى القولِ كُسِرَ ما بعدَه إجراءً له مُجْرَى القولِ، أو نقول " إنه " معموله وعُلِّقَتْ، ولم تَدْخُلِ اللامُ في الخبر لأنه منفيٌّ، بخلافِ أَنْ لو كان مثبتاً فإنك تقول: " شهدت إنَّ زيداً لمنطلقٌ " فَتُعَلَّقُ بإنَّ مع وجودِ اللام لأنه لو لم تكن اللامُ لفَتَحْتَ " أنَّ " فقلت: شهدت أنَّ زيداً منطلق، فَمَنْ قرأ بفتح " أنه " فإنه لم يَنْوِ التعليق، ومَنْ كَسَرَ فإنَّه نوى التعليقَ ولم تدْخُل اللامُ في الخبرِ لأنه منفيٌّ كما ذكرنا " انتهى.

وكان الشيخ ـ لَمَّا ذَكَرَ الفصلَ والاعتراضَ بين كلماتِ هذه الآيةِ ـ قال ما نصه: " وأما قراءةُ ابنِ عباس فَخُرِّجَ على { أنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ } هو معمولُ شهد، ويكونُ في الكلامِ اعتراضان أحدُهما: بين المعطوفِ عليه والمعطوفِ، وهو " إنه لا إله إلا هو " ، والثاني: بين المعطوفِ والحالِ وبين المفعولِ لشَهِدَ وهو: " لا إله إلا هو العزيز الحكيم " وإذا أعْرَبنا " العزيز الحكيم " خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ كان ذلك ثلاثةَ اعتراضات. فانظر إلى هذه التوجيهاتِ البعيدةِ التي لا يَقْدِرُ أحدٌ أن يأتيَ بنظيرِهِنَّ من كلامِ العرب، وإنما حَمَل على ذلك العجمةُ وعدمُ الإِمعانِ في تراكيب كلام العرب وحفظِ أشعارها، وكما أشرنا إليه في خطبة هذا الكتاب أنه لن يكفيَ النحوُ وحدَه في علم الفصيح من كلام العرب، بل لا بُدَّ من الاطلاع على كلامِ العرب والتطبُّع بطبَاعها والاستكثارِ من ذلك ".

قلت: ونسبتُه كلامَ أعلامِ الأمة إلى العُجْمَةِ وعَدَمِ معرفتِهِم بكلام العرب وحَمْلُهم كلامَ الله على ما لا يجوز، وأنَّ هذا الوجه الذي ذكره هو تخريجُ سهل واضح غير مقبولةٍ ولا مُسَلَّمةٍ، بل المتبادرُ إلى الذهن ما نقله الناس، وتلك الاعتراضاتُ بين أثناء كلماتِ الآية الكريمة موجودٌ نظيرُها في كلامِ العرب، وكيف يَجْهل الفارسي والزمخشري والفراء وأضرابُهم ذلك، وكيف يتبَجَّح باطِّلاعه على ما لم يَطَّلِعْ عليه مثلُ هؤلاء، وكيف يَظُّنُّ بالزمخشري أنه لا يعرِفُ مواقعَ النَّظْم وهو المُسَلَّمُ له في علم المعاني والبيان والبديع، ولا يشك أحد أنه لا بد لمَنْ يتعرَّض إلى علم التفسير أن يعرف جملةً صالحةً/ من هذه العلوم، وانظر إلى ما حكى صاحب " الكشاف " في خطبته عن الجاحظ وما ذَكَرَهُ في حقِّ الجاهل بهذه العلومِ، ولكن الشيخَ يُنْكِرُ ذلك ويَدَّعِي أنه لا يُحْتَاجُ إلى هذه العلومِ البتة، فَمِنْ ثَمَّ صدر ما ذكرته عنه.

اسامة محمد خيري
28-10-2018, 10:20
الجوهرة السادسة والخمسون

قال ابن عطية

{ بغير حق } مبالغة في التحرير للذنب إذ في الإمكان أن يقتضي ذلك أمر الله تعالى بوجه ما من تكرمة نبي أوغير ذلك، وعلى هذا المعنى تجيء أفعل من كذا إذا كان فيها شياع مثل أحب وخير وأفضل ونحوه مقولة من شيئين ظاهرهما الاشتراك بينهما.

وقرأ جمهور الناس: " ويقتلون الذين " وقرأ حمزة وجماعة من غير السبعة " ويقاتلون الذين " وفي مصحف ابن مسعود " وقاتلوا الذين " ، وقرأها الأعمش، وكلها متوجهة وأبينها قراءة الجمهور، ..

وقرأ جمهور الناس " ليَحكم " بفتح الياء أي ليحكم الكتاب، وقرأ الحسن وأبو جعفر وعاصم الجحدري " ليُحكم " بضم الياء وبناء الفعل للمفعول...

وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر:الميْت " بسكون الياء في جميع القرآن، وروى حفص عن عاصم " من الميّت " بتشديد الياء، وقرأ نافع وحمزة والكسائي " الميّت " بتشديد الياء في هذه الآية، وفي قوله:
{ لبلد ميت }
[الأعراف: 57]، و
{ إلى بلد ميت }
[فاطر:9] وخفف حمزة والكسائي غير هذه الحروف، قال أبو علي: { الميت } هو الأصل والواو التي هي عين منه انقلبت ياء لإدغام الياء فيها وميت التخفيف محذوف منه عينه أعلت بالحذف كما أعلت بالقلب، والحذف حسن والإتمام حسن وما مات وما لم يمت في هذا الباب يستويان في الاستعمال.

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وذهب قوم إلى أن " الميْت " بالتخفيف إنما يستعمل فيما قد مات، وأما " الميّت " بالتشديد فيستعمل فيما مات وفيما لم يمت بعد....

وقال القرطبي

قوله تعالى: { وَظ±للَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } هو على قراءة من قرأ «وضعتُ» بضم التاء من جملة كلامها؛ فالكلام متّصل. وهي قراءة أبي بكر وظ±بن عامر، وفيها معنى التسليم لله والخضوع والتنزيه له (أن يخفى عليه شيء)، ولم تقله على طريق الإخبار لأن علم الله في كل شيء قد تقرّر في نفس المؤمن، وإنما قالته على طريق التعظيم والتنزيه لله تعالى. وعلى قراءة الجمهور هو من كلام الله عز وجل قُدّم، وتقديره أن يكون مؤخّراً بعد { وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ظ±لشَّيْطَانِ ظ±لرَّجِيمِ } والله أعلم بما وضعت؛ قاله المَهْدوِيّ. وقال مكيّ: هو إعلام من الله تعالى لنا على طريق التثبيت فقال: والله أعلم بما وضعت أمّ مريم قالته أو لم تقله. ويقوِّي ذلك أنه لو كان من كلام أُمّ مريم لكان وجه الكلام: وأنت أعلم بما وضعتُ؛ لأنها نادته في أوّل الكلام في قولها: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى.

ورُوي عن ظ±بن عباس «بما وضعتِ» بكسر التاء، أي قيل لها هذا......

قوله تعالى: { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } أي ضَمها إليه. أبو عبيدة: ضِمن القيام بها. وقرأ الكوفيون «وكفّلها» بالتشديد، فهو يتعدّى إلى مفعولين؛ والتقدير وكفّلها ربُّها زكريا، أي ألزمه كفالتها وقدّر ذلك عليه ويَسّره له. وفي مصحف أُبَيّ «وأكفلها» والهمزة كالتشديد في التعدّي؛ وأيضاً فإن قَبْله «فتقبلها، وأنبتها» فأخبر تعالى عن نفسه بما فعل بها؛ فجاء «كفّلها» بالتشديد على ذلك. وخففه الباقون على إسناد الفعل إلى زكريا. فأخبر الله تعالى أنه هو الذي تولّى كفالتها والقيامَ بها؛ بدلالة قوله:
{ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ }
[آل عمران: 440]. قال مَكِّيّ: وهو الاختيار؛ لأن التشديد يرجع إلى التخفيف، لأن الله تعالى إذا كفّلها زكريا كفَلها بأمر الله، ولأن زكريا إذا كفلها فعن مشيئة الله وقدرته؛ فعلى ذلك فالقراءتان متداخلتان. وروى عمرو بن موسى عن عبد الله بن كَثِير وأبي عبد الله المُزَنِي «وكَفِلها» بكسر الفاء. قال الأخفش: يقال كَفَلَ يَكْفُلُ وكَفِلَ يَكْفَلُ ولم أسمع كَفُلَ، وقد ذُكِرت. وقرأ مجاهد «فتقبّلْها» بإسكان اللام على المسألة والطلب. «رَبّها» بالنصب نداء مضاف. «وأنبتْها» بإسكان التاء «وكفلْها» بإسكان اللام «زكرياء» بالمدّ والنصب. وقرأ حفص وحمزة والكسائي «زكريا» بغير مد ولا همز، ومدّه الباقون وَهَمزوه. وقال الفَرّاء: أهل الحجاز يمدّون «زكرياء» ويُقْصرونه، وأهل نَجْد يحذفون منه الألف ويصرفونه فيقولون: زكريٌّ.

وقال السمين

وقوله: { وَكَفَّلَهَا } قرأ الكوفيون: " وكَفَّلَها " بتشديد العين، " زكريا " بالقصر، إلا أبا بكر فإنه قرأه بالمدِّ كالباقين، ولكنه يَنْصِبُه، والباقون يرفعونه كما سيأتي.

وقرأ مجاهد: " فتقبَّلْها " بسكون اللام، " ربَّها " منصوباً، و " أنبِتها " بكسر الباء وسكون التاء، و " كَفِّلْها " بكسر الفاء وسكون اللام، وقرأ أُبَيٌّ: " وأَكْفَلَها " كـ " أَكْرَمَها " فعلاً ماضياً.

وقرأ عبد الله المزني " وكَفِلَها " بكسر الفاء والتخفيف.

فأمَّا قراءةُ الكوفيين فإنهم عَدَّوا الفعلَ بالتضعيف إلى مفعولين، ثانيهما " زكريا " فَمَنْ قَصَره كالأخوين وحفص عنده مقدَّر النصبِ، ومن مدَّه كأبي بكر عن عاصم أظهر فيه الفتحة، وهكذا قَرَأْتُه.

وأمَّا قراءة بقية السبعة فَكَفَلَ مخففٌ عندهم متعدٍّ لواحد وهو ضمير مريم، وفاعله " زكريا " ، ولا مخالفةَ بين القراءتين؛ لأنَّ الله لَمَّا كَفَّلها إياه كَفَلها، وهو في قراءتهم ممدودٌ مرفوعٌ بالفاعلية.

وأمَّا قراءةُ " أَكْفَلَها " فإنه عَدَّاه بالهمزة كما عَدَّاه غيرُه بالتضعيف نحو: خَرَّجْته/ وأَخْرجته، وكَرَّمته وأَكْرمته، وهذه كقراءة الكوفيين في المعنى والإِعراب، فإنَّ الفاعل هو الله تعالى، والمفعولُ الأول هو ضمير مريم والثاني هو " زكريا ".

وأمَّا قراءة: " وكَفِلها " بكسر الفاء فإنها لغةٌ في كَفَلَ، يقال: كَفَلَ يَكْفُل، كَقَتَل يقتُل، وهي الفاشية، وكَفِلَ يَكْفَلَ كَعلِمَ يَعْلَم، وعليها هذه القراءة، وإعرابُها كإعرابِ قراءةِ الجماعة في كون " زكريا " فاعلاً.

وأَمَّا قراءةُ مجاهد فإنها كلَّها على لفظِ الدعاءِ مِنْ أُمِّ مريم لله تعالى بأَنْ يفعلَ لها ما سألته. و " ربَّها " منصوب على النداء أي: فتقبَّلْها يا ربَّها وأَنْبِتْها وكَفِّلْها يا ربَّها. و " زكريا " في هذه القراءةِ مفعولٌ ثانٍ أيضاً كقراءةِ الكوفيين.....


قولُه تعالى: { فَنَادَتْهُ ظ±لْمَلاغ¤ئِكَةُ }: قرأ الأخَوان: " فناداه " من غيرِ تاء تأنيث، والباقون: " فنادَتْه " بتاء التأنيث. والتذكيرُ والتأنيث باعتبار الجمع المكسر، فيجوز في الفعل المسند إليه التذكيرُ باعتبار الجمع، والتأنيثُ باعتبار الجماعة، ومثل هذا:
{ إِذْ يَتَوَفَّى ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ ظ±لْمَلاغ¤ئِكَةُ }
[الأنفال: 50] يُقرأ بالتاء والياء، وكذا قوله:
{ تَعْرُجُ ظ±لْمَلاَئِكَةُ }
[المعارج: 4]. قال الزجاج: " يَلْحقها التأنيثُ للفظ الجماعة، ويجوزُ أَنْ يُعَبِّر عنها بلفظ التذكير لأنه يقال: جَمْعُ الملائكة، وهذا كقوله:
{ وَقَالَ نِسْوَةٌ }
[يوسف: 30] انتهى وإنما حَسَّنَ الحذفَ هنا الفصلُ بين الفعلِ وفاعِله.

وقد تَجَرَّأ بعضُهم على قراءة العامة فقال: " أكرهُ التأنيث لِمَا فيه من مو-افقة دعوى الجاهلية؛ لأن الجاهلية زعمت أن الملائكة إناث. وتجرَّأ/ أبو البقاء على قراءة الأخوين فقال: " وكره قوم قراءة التأنيث لموافقة الجاهلية، فلذلك قرأ مَنْ قرأ: " فناداه " بغير تاءٍ، والقراءةُ به غيرُ جيدة لأنَّ الملائكةَ جمعٌ، وما اعتلُّوا به ليس بشيء، لأنَّ الإِجماع على إثبات التاء في قوله:
{ وَإِذْ قَالَتِ ظ±لْمَلاَئِكَةُ }
[آل عمران: 42]. وهذان القولان الصادران من أبي البقاء وغيرِه ليسا بجيدين، لأنهما قراءتان متواترتان، فلا ينبغي أن تُرَدَّ إحداهما البتة.

والأخَوان على أصلِهما مِنْ إمالةِ " فناداه " ، والرسمُ يَحتمل القراءتين معاً أعني التذكيرَ والتأنيثَ.

والجمهورُ على أنَّ الملائكةَ المرادُ بهم واحدٌ وهو جبريلُ. قال الزجاج: " أتاه النداء من هذا الجِنس الذين هم الملائكةُ كقولِك: " فلان يركب السفنَ " أي: هذا الجنسَ " ومثلُه:
{ ظ±لَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ظ±لنَّاسُ }
[آل عمران: 173] وهم نعيم بن مسعود. وقوله " إنَّ الناس " يعني أبا سفيان، ولَمَّا كان جبريل رئيسَ الملائكة أَخْبَرَ عنه إخبارَ الجماعة تعظيماً له. وقيل: " الرئيس لا بُدَّ له من أتباع، فلذلك أَخْبَر عنه وعنهم، وإنْ كان النداءُ إنما صدر منه " ، ويؤيِّدُ كونَ المنادى جبريلَ وحدَه قراءةُ عبدِ الله، وكذا في مصحفه: " فناداه جبريل " ، والعطفُ بالفاء في قوله: { فَنَادَتْهُ } مُؤْذِنٌ بأنَّ الدعاء مُعْتَقِبٌ بالتبشير...

اسامة محمد خيري
28-10-2018, 13:26
الجوهرة السابعة والخمسون

قال ابن عطية

وقوله تعالى: { إذا قضى } معناه إذا أراد إيجاده، والأمر واحد الأمور وهو مصدر سمي به، والضمير في { له } عائد على الأمر والقول على جهة المخاطبة، قال مكي: وقيل المعنى يقول لأجله، وهذا ينحو إلى ما نورده عن أبي علي بعد، وقرأ جمهور السبعة " فيكونُ " بالرفع، وقرأ ابن عامر وحده " فيكونَ " بالنصب، فوجه الرفع العطف على { يقول } ، أو تقدير فهو يكون، وأما قراءة ابن عامر فغير متجهة لأن الأمر المتقدم خطاب للمقضي وقوله: { فيكون } ، خطاب للمخبر، فليس كقوله قم فأحسن إليك، لكن وجهها أنه راعى الشبه اللفظي في أن تقدم في الكلام لفظ أمر كما قال أبو الحسن الأخفش في نحو قوله تعالى:
{ قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة }
[ابراهيم: 31] أنه مجرى جواب الأمر، وإن لم يكن جواباً في الحقيقة، فكذلك على قراءة ابن عامر يكون قوله، فيكون بمنزلة جواب الأمر وإن لم يكن جواباً، وذهب أبو علي في هذه المسألة إلى أن القول فيها ليس بالمخاطبة المحضة، وإنما هو قول مجازي كما قال: امتلأ الحوض وقال قطني وغير ذلك، قال: لأن المنتفي ليس بكائن فلا يخاطب كما لا يؤمر، وإنما المعنى فإنما يكونه فهو يكون، فهذه نزعة اعتزالية غفر الله له...

{ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَرَسُولاً إِلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِى أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ }

قرأ نافع وعاصم " ويعلمه " بالياء، وذلك عطف على
{ يبشرك بكلمة }
[آل عمران: 45] كذا قال أبو علي: ويحتمل أن يكون في موضع الحال عطفاً على
{ ويكلم }
[آل عمران: 46]، وقرأ الباقون، و " نعلمه " بالنون، وهي مثل قراءة الياء في المعنى لكن جاءت بنون العظمة، قال الطبري: قراءة الياء عطف على قوله:
{ يخلق ما يشاء }
[آل عمران: 47]، وقراءة النون عطف على قوله:
{ نوحيه إليك }
[آل عمران: 43].

قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا الذي قاله خطأ في الوجهين مفسد للمعنى....

وقال السمين

وقال الطبري: " قراءةُ الياءِ عَطْفٌ على قولِهِ " يَخْلُقُ ما يشاء " ، وقراءةُ النونِ عطفٌ على قولِهِ " نُوحِيهِ إِلَيكَ ". قال ابن عطية: " وهذا القولُ الذي قاله في الوجهين مُفْسِدٌ للمعنى " ولم يبيِّن أو محمد جهةَ إفسادِ المعنى: قال الشيخ: " أمَّا قراءةُ النونِ فظاهِرٌ فسادٌ عطفِهِ على " نُوحيه " من حيثُ اللفظُ ومن حيثُ المعنى: أمَّا من حيث اللفظُ فمثلُه لا يَقْعُ في لسانِ العرب لبُعْدِ الفصلِ المُفْرِطِ وتعقيدِ التركيبِ وتنافرِ الكلامِ، وأمَّا من حيث المعنى فإنَّ المعطوفَ بالواوِ شريكُ المعطوف عليه فيصيرُ المعنى بقوله: { ذظ°لِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ظ±لْغَيْبِ } أي: إخبارُك يا محمد بقصةِ امرأةِ عمران وودلاتِها لمريم وكفالتِها زكريا، وقصتُه في ولادةِ يَحْيى له وتبشيرُ الملائكةِ لمريمَ بالاصطفاءِ والتطهيرِ، كلُّ ذلك مِنْ أخبارِ الغيب نُعَلِّمه، أي: نُعَلِّم عيسى الكتابَ، فهذا كلامٌ لا ينتظم معناه مع معنى ما قبله. وأمَّا قراءةُ الياءِ وعطفُ " ويعلِّمه " على " يَخْلُق " فليست مُفسِدَةً للمعنى، بل هو أَوْلَى وأَصَحُّ ما يُحْمل عليه عَطْفُ " ويُعَلِّمه " لقرب لفظِهِ وصحةِ معناه، وقد ذَكَرْنَا جوازَهُ قبلُ، ويكونُ الله أَخْبَرَ مريمَ بأنه تعالى يَخْلُقُ الأشياءَ الغريبةَ التي لم تَجْرِ العادةُ بمثلِها مثلَ ما خلق لك ولداً من غير أبٍ، وأنه تعالى يُعَلِّم هَذا الولدَ الذي يَخْلُقه ما لم يُعَلِّمه مَنْ قَبْلَه مِن الكتاب والحكمة والتوراة والإِنجيل، فيكونُ في هذا الإِخبار أعظمُ تبشيرٍ لها بهذا الولدِ وإظهارٌ لبركته، وأنه ليس مُشْبِهاً أولادَ الناس من بني إسرائيل، بل هو مخالِفٌ لهم في أصلِ النشأةِ، وفيما يُعَلِّمه تعالى من العلمِ، وهذا يَظْهَرُ لي أنه أحسنُ ما يُحْمَلُ عَطْفُ " ويُعَلِّمه ".

وقال ابن عطية

وقرأ أبو جعفر بن القعقاع، " كهيئة الطائر فأنفخ فيه فيكون طائراً " على الإفراد في الموضعين، فالأول اسم الجنس والثاني مفرد، أي يكون طائراً من الطيور، وقرأ نافع وحده، " كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طائراً " بالإفراد في الأخير، وهكذا قرأ في المائدة الباقون " كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً " بالجمع فيهما، وكذلك في سورة المائدة، ومعاني هذه القراءات بينة، ...

وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله تعالى: { حرم عليكم } إشارة إلى ما حرمه الأحبار بعد موسى وشرعوه، فكأن عيسى رد أحكام التوراة " إلى حقائقها التي نزلت من عند الله تعالى، وقال عكرمة: " حرم عليكم " بفتح الحاء والراء المشددة، وإسناد الفعل إلى الله تعالى أو إلى موسى عليه السلام، وقرأ الجمهور { وجئتكم بآية } وفي مصحف عبد الله بن مسعود، " وجئتكم بآيات " من ربكم، وقوله تعالى: { فاتقوا الله وأطيعون } تحذير ودعاء إلى الله تعالى.

وقرأ جمهور الناس { إن الله ربي وربكم } بكسر الألف على استئناف الخبر، وقرأه قوم " أن الله ربي وربكم " بفتح الألف قال الطبري: " إن " بدل من " آية " ، في قوله { جئتكم بآية } ، وفي هذا ضعف وإنما التقدير أطيعون، لأن الله ربي وربكم، أو يكون المعنى، لأن الله ربي وربكم فاعبدوه،......

وقال السمين

وقرأ العامة: " سواءٍ " بالجر نعتاً لكلمة بمعنى عدل، ويَدُلُّ عليه قراءةُ عبد الله: " ِإلى كلمة عدل " وهذا تفسيرٌ لا قراءة. و " سواء " في الأصل مصدر، ففي الوصف التأويلاتُ الثلاثة المعروفةَ، ولذلك لم يُؤَنَّث كما لم يُؤَنَّث بـ " امرأة عدل ".

وقرأ الحسن: " سواء " بالنصبِ وفيها وجهان، أحدهما: نصبُها على المصدر، قال الزمخشري: " بمعنى استوت استواءً " ، وكذا الحوفي. والثاني: أنه منصوبٌ على الحال، وجاءت الحالُ من النكرة، وقد نَصَّ سيبويه عليه واقتاسه، وكذا قال الشيخ، ولكنَّ المشهورَ غيرُه، والذي حَسَّن مجيئَها من النكرةِ هنا كونُ الوصفِ بالمصدر على خلاف الأصل، والصفة والحال متلاقيان من حيث المعنى، وكأن الشيخ غَضَّ من تخريج الزمخشري والحوفي فقال: " والحالُ والصفة متلاقيان من حيث المعنى، والمصدرُ يحتاج إلى إضمار عامل وإلى تأويل " سواء " بمعنى استواء، والأشهرُ استعمال " سواء " بمعنى اسم الفاعل أي: " مُسْتَوٍ " قلت: وبذلك فَسَّرها ابن عباس فقال: " إلى كلمةٍ مستوية ".

اسامة محمد خيري
29-10-2018, 04:52
الجوهرة الثامنة والخمسون

{ وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }

قال ابن عطية

وقرأ ابن كثير وحده بين السبعة " آن يؤتى " بالمد على جهة الاستفهام الذي هو تقرير، وفسر أبو علي قراءة ابن كثير على أن الكلام كله من قول الطائفة، إلا الاعتراض الذي هو: { قل إن الهدى هدى الله } فإنه لا يختلف أنه من قول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم قال: فلا يجوز مع الاستفهام أن يحمل { أن يؤتى } على ما قبله من الفعل، لأن الاستفهام قاطع، فيجوز أن تكون - أن - في موضع رفع بالابتداء وخبره محذوف تقديره تصدقون به أو تعترفون، أو تذكرونه لغيركم، ونحو هذا مما يدل عليه الكلام ويكون { يحاجوكم } على هذا معطوفاً على { أن يؤتى } قال أبو علي: ويجوز أن يكون موضع - أن - منصوباً، فيكون المعنى: أتشيعون أو أتذكرون { أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم }؟ ويكون ذلك بمعنى قوله تعالى عنهم{ أتحدثونهم بما فتح الله عليكم } [البقرة: 76] فعلى كل الوجهين معنى الآية، توبيخ من الأحبار للأتباع على تصديقهم بأن محمداً نبي مبعوث، ويكون قوله تعالى: { أو يحاجوكم } في تأويل نصب أن أي أو تريدون أن يحاجوكم. قال أبو علي: و { أحد } على قراءة ابن كثير هو الذي يدل على الكثرة، وقد منع الاستفهام القاطع من أن يشفع لدخوله النفي الذي في أول الكلام، فلم يبق إلا أن يقدر أن أحداً الذي في قولك، أحد وعشرون وهو يقع في الإيجاب لأنه بمعنى واحد، وجمع ضميره في قوله { أو يحاجوكم } حملاً على المعنى، إذ لأحد المراد بمثل النبوة اتباع، فهو في معنى الكثرة، قال أبو علي: وهذا موضع ينبغي أن ترجح فيه قراءة غير ابن كثير على قراءة ابن كثير، لأن الأسماء المفردة ليس بالمستمر أن تدل على الكثرة.

قال القاضي: إلا أن أحداً في مثل النبوة يدل عليها من حيث يقتضي الاتباع، وقرأ الأعمش، وشعيب بن أبي حمزة - " إن يؤتى " - بكسر الهمزة بمعنى، لم يعط أحد مثل ما أعطيتم من الكرامة وهذه القراءة يحتمل بمعنى فليحاجوكم، وهذا على التصميم على أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتي، ويحتمل أن تكون بمعنى، إلا أن يحاجوكم، وهذا على تجويز أن تؤتى أحد ذلك إذا قامت الحجة له، فهذا ترتيب التفسير والقراءات على قول من قال: الكلام كله من قول الطائفة.


وقال السدي وغيره: الكلام كله من قوله { قل إن الهدى هدى الله } ،إلى آخر الآية هو مما أمر به محمد عليه السلام أن يقوله لأمته، وحكى الزجّاج وغيره أن المعنى: قل إن الهدى هو هذا الهدى، لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، وحكي عن بعض النحويين أن المعنى: أن لا يؤتى أحداً، وحذفت -لا- لأن في الكلام دليلاً عليها، كما في قوله تعالى:{ يبين الله لكم أن تضلوا } [النساء: 176] أي أن لا تضلوا، وحكي عن أبي العباس المبرد: لا تحذف لا، وإنما المعنى كراهة أن تضلوا، وكذلك هنا كراهة " أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم " ، أي ممن خالف دين الإسلام، لأن الله لا يهدي من هو كاذب كفار، فهدى الله بعيد من غير المؤمنين.

قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وتبعد من هذا القول قراءة ابن كثير بالاستفهام والمد، وتحمل عليه قراءة الأعمش وابن أبي حمزة - إن يؤتى-، بكسر الألف، كأنه عليه السلام يخبر أمته أن الله لا يعطي أحداً ولا أعطى فيما سلف مثل ما أعطى أمة محمد عليه السلام لكونها وسطاً ويكون قوله تعالى: { أو يحاجوكم } على هذه المعاني التي ترتبت في قول السدي، تحتمل معنيين أحدهما " أو فليحاجوكم عند ربكم " ، يعني اليهود، فالمعنى لم يعط أحد مثل حظكم وإلا فليحاجوكم من ادعى سوى ذلك، والمعنى الثاني: أن يكون قوله، { أو يحاجوكم } بمعنى التقرير والإزراء باليهود، كأنه قال: أو هل لهم أن يحاجوكم أو يخاصموكم فيما وهبكم الله وفضلكم به؟ وقوله: { هدى الله } على جميع ما تقدم خبران.

وقال قتادة والربيع: الكلام من قوله { قل إن الهدى هدى الله } إلى آخر الآية، هو مما أمر به محمد عليه السلام أن يقوله للطائفة التي قالت { لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } وتتفق مع هذا القول قراءة ابن كثير بالاستفهام والمد، وتقدير الخبر المحذوف { أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم } ، حسدتم وكفرتم، ويكون قوله { أو يحاجوكم } محمولاً على المعنى، كأنه قال: أتحسدون أو تكفرون لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؟ { أو يحاجوكم } على ما أوتوه فإنه يغلبونكم بالحجة، وأما على قراءة غير ابن كثير بغير المد، فيحتمل أن يكون بمعنى التقرير بغير حرف استفهام، وذلك هو الظاهر من لفظ قتادة فإنه قال: يقول لما أنزل الله كتاباً مثل كتابكم وبعث نبياً مثل نبيكم حسدتموهم على ذلك، ويحتمل أن يكون قوله: { أن يؤتى } بدلاً من قوله { هدى الله } ويكون المعنى: قل إن الهدى هدى الله، وهو أن يؤتى أحد كالذي جاءنا نحن، ويكون قوله { أو يحاجوكم } بمعنى، أو فليحاجوكم، فإنه يغلبونكم، ويحتمل قوله، { أن يؤتى } خبر - " إن " ويكون قوله { هدى الله } بدلاً من الهدى، وهذا في المعنى قريب من الذي قبله، وقال ابن جريج: قوله تعالى: { أن يؤتى } هو من قول محمد صلى الله عليه وسلم لليهود، وتم الكلام في قوله { أوتيتم } وقوله تعالى: { أو يحاجوكم } متصل بقول الطائفة { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } ومنه، وهذا القول يفسر معانيه ما تقدم في قول غيره من التقسيم والله المستعان.

وقرأ ابن مسعود: " أن يحاجوكم " بدل { أو } ، وهذه القراءة تلتئم مع بعض المعاني التي تقدمت ولا تلتئم مع بعضها، وقوله { عند ربكم } يجيء في بعض المعاني على معنى عند ربكم في الآخرة، ويجيء في بعضها على معنى عند كتب ربكم، والعلم الذي جعل في العباد، فأضاف ذلك إلى الرب تشريفاً، وكأن المعنى أو يحاجوكم عند الحق، وقرأ الحسن " إن يؤتى " أحد بكسر الهمزة والتاء، على إسناد الفعل إلى { أحد } ، والمعنى: أن إنعام الله لا يشبهه إنعام أحد من خلقه، وأظهر ما في القراءة أن يكون خطاباً من محمد عليه السلام لأمته، والمفعول محذوف تقديره إن يؤتي أحد أحداً.

وقال السمين

...

الثالث: أَنْ يكونَ " أَنْ يُؤْتَى " مجروراً بحرفِ العلة وهو اللام، والمُعَلَّلُ محذوفٌ تقديرُه: لأنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أُوتيتم قلتم ذلك ودَبَّرتموه، لا لشيء آخرَ، وعلى هذا يكونُ كلامُ الطائفةِ قد تَمَّ عند قوله { إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } ، ولنوضَّحْ هذا الوجه بما قاله الزمخشري. قال رحمه الله: " أو تمَّ الكلامُ عند قوله: { إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } ، على معنى: ولا تُؤمِنُوا هذا الإِيمانَ الظاهرَ وهو إيمانهم وجهَ النهار إلا لِمَنْ تَبعَ دينكم، إلا لِمَنْ كانوا تابِعين لديِنكم مِمَّنْ أسلموا منكم، لأنَّ رجوعَهم كانَ أَرْجَى عندهم مِنْ رُجُوعِ مَنْ سِواهم، ولأنَّ إسلامَهم كان أغيظَ لهم، وقوله: { أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ } معناه: لأنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم قلتم ذلك ودَبَّرْتموه لا لشيء آخر، يَعْني أن ما بكم من الحسد والبغي أَنْ يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قُلْتُم ما قلتم، والدليلُ عليه قراءة ابن كثير: " أَأَن يُؤْتَى أحد " بزيادةِ همزةِ الاستفهام للتقرير والتوبيخ بمعنى: ألأنْ يُؤْتَى أحدٌ؟ فإن قلت: فما معنى قوله " أو يُحاجُّوكم " على هذا؟ قلت: معناه دَبَّرْتُم ما دَبَّرْتُم لأنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلُ ما أُوتيتم ولِمَا يتصلُ به عند كُفْرِكُم به مِنْ مُحَاجَّتِهم لكم عند رَبِّكم "....

وقرأ الحسن: " أَنْ يُؤْتى أحدٌ " على بناءِ الفعل للفاعل. ولَمَّا نقل هذه القراءةَ بعضُهم لم يتعرَّض لـ " ان " بفتحٍ ولا كسرٍ كأبي البقاء، وتعرَّض لها بعضُهم فقيَّدها بكسرِ " إنْ " وفسَّرها بـ " إنْ " النافية، والظاهر في معناها أن إنعام الله لا يشبهه إنعام أحد من خلقه، وهي خطابٌ من النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، والمفعولُ محذوف تقديره: إنْ يؤتي أحدٌ أحداً مثلَ ما أوتيتم، فحُذِفَ المفعولُ الأولُ وهو " أحداً " لدلالة المعنى عليه، وأُبْقِيَ الثاني. وهذا ما تلخَّص مِنْ كلام الناس في هذه الآية مع اختلافه ولله الحمد. قال الواحدي: " وهذه الآية من مشكلات القرآن وأصعبهِ تفسيراً، ولقد تدبَّرْتُ أقوال أهل التفسير والمعاني في هذه الآية، فلم أَجِدْ قولاً يَطَّرِدُ في هذه الآية من أولِها إلى آخِرها مع بيان المعنى وصحة النظم....

ملحوظة

صدق السمين هذه الاية واية المائدة اصعب ايات القرآن فهما وتفسيرا

اسامة محمد خيري
29-10-2018, 05:02
الجوهرة التاسعة والخمسون

{ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ } * { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ }

قال ابن عطية

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: " تعْلمون " بسكون العين، وتخفيف اللام، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي " تُعلِّمون " مثقلاً، بضم التاء وكسر اللام، وهذا على تعدية الفعل بالتضعيف، والمفعول الثاني على هذه القراءة محذوف، تقديره: تعلمون الناس الكتاب.

قال الفقيه الإمام: والقراءتان متقاربتا المعنى، وقد رجحت قراءة التخفيف بتخفيفهم { تدرسون } وبأن العلم هو العلة التي توجب للموفق من الناس أن يكون ربانياً، وليس التعليم شرطاً في ذلك، ورجحت الأخرى بأن التعليم يتضمن العلم، والعلم لا يتضمن التعليم، فتجيء قراءة التثقيل أبلغ في المدح....

قال الرازى

قرأ عاصم وحمزة وابن عامر { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ } بنصب الراء، والباقون بالرفع أما النصب فوجهه أن يكون عطفاً على { ثُمَّ يَقُولُ } وفيه وجهان أحدهما: أن تجعل { لا } مزيدة والمعنى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة أن يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيّين أرباباً، كما تقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ويستخف بي والثاني: أن تجعل { لا } غير مزيدة، والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى قريشاً عن عبادة الملائكة، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح، فلما قالوا: أتريد أن نتخذك رباً؟ قيل لهم: ما كان لبشر أن يجعله الله نبياً ثم يأمر الناس بعبادة نفسه وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء، وأما القراءة بالرفع على سبيل الاستئناف فظاهر لأنه بعد انقضاء الآية وتمام الكلام، ومما يدل على الانقطاع عن الأول ما روي عن ابن مسعود أنه قرأ { وَلَنْ يَأْمُرُكُمْ }....

وقال السمين

وتابع الزمخشريُّ الطبريَّ في عطف " يَأْمركم " على " يقول " وجَوَّز في " لا " الداخلةِ عليه وجهين، أحدُهما: أَنْ تكونَ لتأسيس النفي، والثاني: أنها مزيدةٌ لتأكيده، فقال: " وقُرىء " ولا يأمركم " بالنصب عطفاً على " ثم يقول " ، وفيه وجهان، أحدهما: أَنْ تَجْعَلَ " لا " مزيدةً لتأكيد معنى النفي في قوله: { مَا كَانَ لِبَشَرٍ } والمعنى: ما كان لبشر أن يستنبئه الله وينصِّبه للدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة وتركِ الأندادِ، ثم يأمرَ الناسَ بأن يكونوا عباداً له ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً كقولك: ما كان لزيدٍ أن أكرمه ثم يهينَني ولا يستَخِفَّ بي. والثاني: أن تَجْعَلَ " لا " غيرَ مزيدة، والمعنى: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهى قريشاً على عبادةِ الملائكة، واليهودَ والنصارى عن عبادةِ عُزير والمسيح، فلمَّا قالوا له: أَنتخذك رَبّاً قيل لهم: ما كان لبشَر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادته وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء ". قلت: وهذا الذي أورده الزمخشري كلامٌ صحيح ومعنى واضح على كلا تقديري كونِ " لا " لتأسيسِ النفي أو تأكيدِهِ، فكيف يجعل الشيخ كلام الطبري فاسداً على أحد التقديرين وهو كونُها لتأسيس النفي؟ فقد ظهر والحمد لله صحة كلام الطبري بكلام أبي القاسم الزمخشري وظهر أن ردَّ ابن عطيةَ عليه مردود.

اسامة محمد خيري
29-10-2018, 05:16
الجوهرة الستون

{ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ الشَّاهِدِينَ }

قال ابن عطية

وقرأ حمزة وغيره سوى السبعة: " لما " بكسر اللام، وهي لام الجر، والتقدير لأجل ما آتيناكم، إذ أنتم القادة والرؤوس، ومن كان بهذه الحال فهو الذي يؤخذ ميثاقه، و " ما " في هذه القراءة بمعنى الذي الموصولة، والعائد إليها من الصلة تقديره آتيناكموه، و " من " لبيان الجنس، وقوله، { ثم جاءكم } الآية، جملة معطوفة على الصلة، ولا بد في هذه الجملة من ضمير يعود على الموصول، فتقديره عند سيبويه: رسول به مصدق لما معكم، وحذف تخفيفاً كما حذف الذي في الصلة بعينها لطول الكلام، كما قال تعالى:{ أهذا الذي بعث الله رسولاً } [الفرقان: 41] والحذف من الصلات كثير جميل، وأما أبو الحسن الأخفش، فقال قوله تعالى: { لما معكم }. هو العائد عنده على الموصول، إذ هو في المعنى بمنزلة الضمير الذي قدر سيبويه، وكذلك قال الأخفش في قوله تعالى:{ إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } [يوسف: 90] لأن المعنى لا يضيع أجرهم، إذ المحسنون هم من يتقي ويصبر، وكذلك قوله تعالى:{ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملاً } [الكهف: 30] وكذلك ما ضارع هذه الآيات، وسيبويه رحمه الله لا يرى أن يضع المظهر موقع المضمر، كما يراه أبو الحسن، واللام في { لتؤمِننَّ } ، هي اللام المتعلقة للقسم الذي تضمنه أخذ الميثاق وفصل بين القسم والمقسم عليه بالجار والمجرور وذلك جائز.

وقرأ سائر السبعة: " لَما " بفتح اللام، وذلك يتخرج على وجهين، أحدهما أن تكون " ما " موصولة في موضع رفع بالابتداء، واللام لام الابتداء، وهي متلقية لما أجري مجرى القسم من قوله تعالى: { وإذ أخذ الله ميثاق } وخبر الابتداء قوله { لتؤمنن } ، و { لتؤمنن } متعلق بقسم محذوف، والمعنى والله لتؤمنن، هكذا قال أبو علي الفارسي، وفيه من جهة المعنى نظر، إذا تأملت على أي شيء وقع التحليف لكنه متوجه بأن الحلف يقع مرتين تأكيداً فتأمل، والعائد الذي في الصلة، والعائد الذي في الجملة المعطوفة على الصلة هنا في هذه القراءة هما على حد ما ذكرناهما في قراءة حمزة، أما أن هذا التأويل يقتضي عائداً من الخبر الذي هو { لتؤمنن } فهو قوله تعالى: { به } فالهاء من { به } عائدة على " ما " ، ولا يجوز أن تعود على { رسول } فيبقى الموصول حينئذ غير عائد عليه من خبره ذكر، والوجه الثاني الذي تتخرج عليه قراءة القراء " لما " بفتح اللام، هو أن تكون " ما " للجزاء شرطاً، فتكون في موضع نصب بالفعل الذي بعدها وهو مجزوم و { جاءكم } معطوف في موضع جزم، واللام الداخلة على " ما " ليست المتلقية للقسم، ولكنها الموطئة المؤذنة بمجيء لام القسم، فهي بمنزلة اللام في قوله تعالى:

لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض } [الأحزاب: 60] لانها مؤذنة بمجيء المتلقية للقسم في قوله، لنغرينك بهم وكذلك هذه مؤذنة بمجيء المتلقية للقسم في قوله: { لتؤمِننَّ } وهذه اللام الداخلة على " أن " لا يعتمد القسم عليها، فلذلك جاز حذفها تارة وإثباتها تارة، كما قال تعالى:{ وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم } [المائدة: 73]. قال الزجاج: لأن قولك، والله لئن جئتني لأكرمنك، إنما حلف على فعلك، لأن الشرط معلق به، فلذلك دخلت اللام على الشرط، وما في هذا الوجه من كونها جزاء لا تحتاج إلى عائد لأنها مفعولة والمفعول لا يحتاج إلى ذكر عائد.

والضمير في قوله تعالى: { لتؤمِننَّ به } عائد على { رسول } ، وكذلك هو على قراءة من كسر اللام، وأما الضمير في قوله { ولَتنصرنَه } فلا يحتمل بوجه إلا العود على رسول، قال أبو علي في الإغفال: وجزاء الشرط محذوف بدلالة قوله { لتؤمنن } عليه، قال سيبويه: سألته، يعني الخليل عن قوله تعالى: { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيناكم } فقال: " ما " هنا بمنزلة الذي ودخلتها اللام كما دخلت على إن، حين قلت: لئن فعلت لأفعلن، ثم استمر يفسر وجه الجزاء قال أبو علي: أراد الخليل بقوله: هي بمنزلة الذي، أنها اسم كما أن الذي اسم ولَم يرد أنها موصولة كالذي، وإنما فرّ من أن تكون " ما " حرفاً كما جاءت حرفاً في قوله تعالى:{ وإن كلاًّ لما ليوفينهم ربك أعمالهم } [هود: 111] وفي قوله{ وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا } [الزخرف: 35]، والله المستعان، وحكى المهدوي ومكي عن سيبويه والخليل: أن خبر الابتداء فيمن جعل " ما " ابتداء على قراءة من فتح اللام هو في قوله: { من كتاب وحكمة } ولا أعرف من أين حكياه لأنه مفسد لمعنى الآية لا يليق بسيبويه، والخليل، وإنما الخبر في قوله، { لتؤمنن } كما قال أبو علي الفارسي ومن جرى مجراه كالزجاج وغيره،

وقرأ الحسن: " لمّا آتيناكم " بفتح اللام وشدها قال أبو إسحاق: أي لما آتاكم الكتاب والحكمة أخذ الميثاق، وتكون اللام تؤول إلى الجزاء، كما تقول لما جئتني أكرمتك.

وقال السمين

مِيثَاقَ } يجوز أَنْ يكونَ مضافاً لفاعله أو لمفعوله. وفي مصحف أُبي وعبد الله وقراءاتِهما: " ميثاقَ الذين أوتوا الكتاب " مثلَ ما آخر السورة، وعن مجاهد بن جبر كذلك، وقال: " أخطأ الكاتب " وهذا خطأٌ من قائله كائناً مَنْ كان، ولا أظنُّه يصِحُّ عن مجاهد، وفإنه قرأ عليه مثلُ ابنِ كثير وأبي عمرو ابن العلاء، ولم ينقلْ واحدٌ منهما عنه شيئاً من ذلك.

والمعنى على القراءةِ الشهيرة صحيحٌ، وقد ذَكَر الناسُ فيها أوجهاً، أحدُها: أنَّ الكلامَ على ظاهره وأن الله تعالى أخذ الأنبياء مواثيق أنهم يُصَدِّقون بعضَهم بعضاً وينصرُ بعضُهم بعضاً، بمعنى أنه يوصي قومه أن ينصروا ذلك النبيَّ الذي بعدَه ولا يَخْذُلوه، وهذا مَرْوِيٌّ عن جماعة. الثاني: أن الميثاق مضاف لفاعله والموثَقُ عليه غيرُ مذكورٍ لفَهْمِ المعنى، والتقدير: ميثاقَ النبيين على أممهم، ويؤيده قراءةُ أُبيّ وعبد الله، ويؤيدُه أيضاً قولُه: { فَمَنْ تَوَلَّىظ° بَعْدَ ذظ°لِكَ }. الثالث: أنه على حذف مضاف تقديرُه: ميثاقُ أمم الأنبياء أو أتباعِ، ويؤيده ما أيَّد ما قبله أيضاً وقوله: { ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ }. الرابع: قال الزمخشري: " أَنْ يُراد أهلُ الكتاب، وأَنْ يَرُدَّ على زَعْمهم تهكماً بهم لأنهم كانوا يقولون: نحن أَوْلى بالنبوة من محمد صلى الله عليه وسلم، لأنَّا أهل كتاب ومنا كان النبيون " وهذا الذي قاله بعيد جداً، كيف يُسَمِّيهم أنبياءً تهكماً بهم، ولم يكن ثَم قرينةٌ تبيِّن ذلك؟....

وقال فى قراءة حمزة

...

الثاني: أن اللامَ للتعليل، وهذا الذي ينبغي ألاَّ يُحادَ عنه وهي متعلقة بـ " لتؤمِنُنَّ " ، و " ما " حينئذٍ مصدريةٌ، قال الزمخشري: " ومعناه لأجلِ إيتائي إياكم بعضَ الكتابِ والحكمة، ثم لمجيء رسولٍ مصدِّقٍ لتؤمِنُنَّ به، على أنَّ " ما " مصدريةٌ، والفعلان معها أعني: " آتيناكم " و " جاءكم " في معنى المصدرين، واللامُ داخلةٌ للتعليل، والمعنى: أخَذَ الله ميثاقَهم لتؤمِنُنَّ بالرسول ولتنصُرُنَّه لأجل أن آتيتكم الحكمة، وأنَّ الرسول الذي أمركم بالإِيمان ونصرتِه موافقٌ لكم غيرُ مخالِفٍ. قال الشيخ: " ظاهر هذه التعليل الذي ذكره والتقدير الذي قدره أنه تعليلٌ للفعلِ المُقْسَم عليه، فإنْ عَنَى هذا الظاهرَ فهو مُخالِفٌ لظاهر الآية، لأنَّ ظاهرَ الآيةِ يقتضي أن يكونَ تعليلاً لأخْذِ الميثاق لا لمتعلَّقه وهو الإِيمان، فاللامُ متعلقةٌ بأخذ، وعلى ظاهر تقدير الزمخشري تكون متعلقةً بقوله: لتؤمِنُنَّ به " ، ويمتنع ذلك من حيث إنَّ اللام المتلقَّى بها القسمُ لا يعمل ما بعدَها فيما قبلها، تقول: والله لأضربَنَّ زيداً، ولا يجوزُ: والله زيداً لأضربنَّ، فعلى هذا لا يجوزُ أن تتعلق اللام في " لِما " بقوله: " لتؤمِننَّ ". وقد أجاز بعضُ النحويين في معمول الجواب ـ إذا كان ظرفاً أو مجروراً ـ تقدُّمَه، وجَعَلَ من ذلك:
1350ـ......................... ...... عَوْضُ لا نَتَفَرَّقُ
وقولَه تعالى:{ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ } [المؤمنون: 40] فعلى هذا يجوز أن تتعلق بقوله: " لَتُؤْمِنُنَّ " وفي هذ المسألةِ تفصيلٌ يُذْكَرُ في علم النحو، قلت: أمَّا تعلُّق اللامِ بلتؤمِنُنَّ من حيث المعنى فإنَّه أظهرُ مِنْ تعلُّقِها بأخذ، وهو واضحٌ فلم يَبْقَ إلاَّ ما ذَكَر مِنْ مَنْع تقديمِ معمولِ الجواب المقترنِ باللام عليه وقد عُرف، وقد يكون الزمخشري مِمَّن يرى جوازه....

انتهى الجزء الثالث

اسامة محمد خيري
29-10-2018, 10:29
الجزء الرابع

الجوهرة الواحدة والستون

قال القرطبي

وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ } قرأ الأعمش وظ±بن وَثّاب وحمزة والكِسائي وحفص وخَلَف بالياء فيهما؛ إخباراً عن الأمة القائمة، وهي قراءة ظ±بن عباس وظ±ختيار أبي عبيد. وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب؛ لقوله تعالىظ°: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ }. وهي ظ±ختيار أبي حاتم، وكان أبو عمرو يرى القراءتين جميعاً الياء والتاء. ومعنى الآية: وما تفعلوا من خير فلن تُجحدوا ثوابه بل يُشكَر لكم وتُجازون عليه.

وقال الطبري

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا { وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ } بـالـياء فـي الـحرفـين كلـيهما، يعنـي بذلك الـخبر عن الأمة القائمة، التالـية آيات الله. وإنـما اخترنا ذلك، لأن ما قبل هذه الآية من الآيات خبر عنهم، فإلـحاق هذه الآية إذ كان لا دلالة فـيها تدلّ علـى الانصراف عن صفتهم بـمعانـي الآيات قبلها أولـى من صرفها عن معانـي ما قبلها. وبـالذي اخترنا من القراءة كان ابن عبـاس يقرأ.

وقال ابن عطية

وقوله تعالى: { إن الله بما يعملون محيط } وعيد، والمعنى محيط جزاؤه وعقابه وبالقدر والسلطان، وقرأ الحسن: " بما تعملون " بالتاء، وهذا إما على توعد المؤمنين في اتخاذ هؤلاء بطانة، وإما على توعد هؤلاء المنافقين بتقدير: قل لهم يا محمد.

اسامة محمد خيري
29-10-2018, 10:44
الجوهرة الثانية والستون

{ بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ }

قال السمين

قوله تعالى: { مُسَوِّمِينَ }: كقوله: مُنْزَلين ". وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بكسر الواو على اسم الفاعل، والباقون بفتحها على اسم المفعول. فأما القراءة الأولى فتحتمل أن تكون من السَّوْم وهو تَرْكُ الماشية ترعى، والمعنى أنهم سَوَّموا خيلَهم أي: أعطَوها سَوْمَها من الجري والجوَلان وتركوها كذلك كما يَفْعل مَنْ يَسِيمُ ماشِيتَه في المَرْعى، ويحتمل أن يكون من السَّوْمَة وهي العلامة، على معنى أنهم سَوَّموا أنفسهم أو خيلهم، ففي التفسير أنهم كانوا بعمائَم بيضٍ إلا جبريلَ فبعمامةٍ صفراء، وروُي أنه كانوا على خيل بُلْق. ورجَّح ابن جرير هذه القراءة بما وَرَد في الحديث عنه عليه السلام يوم بدر " تَسوَّموا فإنَّ الملائكة قد سَوَّمَتْ ".

وأما القراءة الثانية فواضحةٌ بالمعنيين المذكورين فمعنى السَّوْم فيها: أنَّ الله أرسلهم، إذ الملائكة كانوا مُرْسَلين مِنْ عندِ الله لنصرةِ نبيِّه والمؤمنين. حكى أبو زيد: سَوَّم الرجل خيلَه: أي أرسلها، وحكى بعضهم: " سَوَّمْتُ غُلامي " أي: أرسلْتُه، ولهذا قال أبو الحسن الأخفش: " معنى مُسَوَّمين: مُرْسَلين ". ومعنى السَّومةِ فيها أنَّ الله تعالى سَوَّمَهم أي: جَعَل عليهم علامَةً وهي العمائم، أو الملائكةُ جَعَلوا خيلَهم نوعاً خاصاً وهي البُلْق، فقد سَوَّموا خيلَهم.

وقال الطبري

وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأ بكسر الواو، لتظاهر الأخبـار عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل التأويـل منهم ومن التابعين بعدهم، بأن الـملائكة هي التـي سوّمت أنفسها من غير إضافة تسويـمها إلـى الله عزّ وجلّ أو إلـى غيره من خـلقه. ولا معنى لقول من قال إنـما كان يختار الكسر فـي قوله { مُسَوّمِينَ } لو كان فـي البشر، فأما الـملائكة فوصفهم غير ذلك ظناً منه بأن الـملائكة غير مـمكن فـيها تسويـم أنفسها إن كانوا ذلك فـي البشر وذلك أن غير مستـحيـل أن يكون الله عز وجل مكنها من تسويـم أنفسها بحقّ تـمكينه البشر من تسويـم أنفسهم، فسوموا أنفسهم بحقّ الذي سوّم البشر طلبـاً منها بذلك طاعة ربها، فأضيف تسويـمها أنفسها إلـيها، وإن كان ذلك عن تسبـيب الله لهم أسبـابه، وهي إذا كانت موصوفة بتسويـمها أنفسها تقرّبـاً منها إلـى ربها، كان أبلغ فـي مدحها لاختـيارها طاعة الله من أن تكون موصوفة بأن ذلك مفعول بها. ذكر الأخبـار بـما ذكرنا من إضافة من أضاف التسويـم إلـى الـملائكة دون إضافة ذلك إلـى غيرهم، علـى نـحو ما قلنا فـيه حدثنـي يعقوب، قال أخبرنا ابن علـية، قال أخبرنا ابن عون، عن عمير بن إسحاق، قال إن أوّل ما كان الصوف لـيومئذٍ، يعنـي يوم بدر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تَسَوَّمُوا فإنَّ الـمَلائِكَةَ قَدْ تَسَوَّمَتْ "

وقال ابن عطية

وقرا نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية حفص: " قَرْح " بفتح القاف، وقرأ حمزة الكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: " قُرْح " بضم القاف، وكلهم سكن الراء، قال أبو علي: هما لغتان كالضَّعف والضُّعف والكَره والكُره، والفتح أولى لأنها لغة أهل الحجاز والأخذ بها أوجب لأن القرآن عليها نزل.

قال القاضي أبو محمد: هذه القراءات لا يظن إلا أنها مروية عن النبي عليه السلام: وبجميعها عارض جبريل عليه السلام مع طول السنين توسعة على هذه الأمة، وتكملة للسبعة الأحرف حسب ما بيناه في صدر هذا التعليق، وعلى هذا لا يقال: هذه أولى من جهة نزول القرآن بها، وإن رجحت قراءة فبوجه غير وجه النزول، قال أبو الحسن الأخفش: " القَرح " و " القُرح " مصدران بمعنى واحد، ومن قال القَرح بالفتح الجراحات بأعيانها، والقُرح بضم القاف ألم الجراحات قبل منه إذا أتى برواية، لأن هذا مما لا يعلم بقياس، وقال بهذا التفسير الطبري، وقرأ الأعمش " إن تمسسكم ": بالتاء من فوق، " قروح " بالجمع، " فقد مس القوم قرح مثله " ...

وقال السمين

قوله: " ويَعْلَم " العامةُ على فتحِ الميم وفيها تخريجان، أشهرهما: أنَّ الفعلَ منصوبٌ. ثم هل نصبُه بـ " أَنْ " مقدرةً بعد الواوِ المقتضيةِ للجمع كهي في قولِك: " لا تأكلِ السمكَ وتَشْربَ اللبن " أي: لا تجمع بينهما وهو مذهب البصريين، أو بواو الصرف، وهو مذهب الكوفيين، يَعْنُون أنه كان مِنْ حَقِّ هذا الفعل أن يُعْرَبَ بإعراب ما قبله، فلمَّا جاءت الواو صَرَفَتْه إلى وجهٍ آخرَ من الإِعراب. وتقرير المذهبين في غيرِ هذا الموضوع.

والثاني: أنَّ الفتحةَ فتحةُ التاء ساكنين والفعلُ مجزومٌ، فلمَّا وقع بعده ساكنٌ آخرُ احتيج إلى تحريك آخره فكانت الفتحةُ أَوْلَى لأنها أخف وللإِتباع لحركة اللام، كما قيل ذلك في أحدِ التخريجين لقراءةِ: { وَلَمَّا يَعْلَمِ ظ±للَّهُ } بفتح الميم، والأولُ هو الوجه.

وقرأ الحسن وابن يعمر وأبو حيوة بكسرِ الميم عطفاً على " يَعْلَمِ " المجزوم بـ " لم ".

وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو بن العلاء: " وَيَعْلَمُ " بالرفع، وفيه وجهان، أظهرهما: أنه مستأنفٌ، أخبر تعالى/ بذلك. وقال الزمخشري: " على أن الواو للحال، كأنه [قال]: ولَمَّا يُجاهِدوا وأنتم صابرون. قال الشيخ: " ولا يَصِحُّ ما قال، لأنَّ واوَ الحال لا تدخل على المضارعِ، لا يجوزُ: " جاء زَيدٌ ويضحك " وأنت تريد: جاء زيد يضحك، لأنَّ المضارع واقع موقع اسم الفاعل، فكما لا يجوز " جاء زيد وضاحكاً " كذلك لا يجوز: جاء زيد ويضحك، فإنْ أُوِّلَ على أنَّ المضارعَ خبرُ مبتدأ محذوف أَمْكَنَ ذلك التقديرُ أي: وهو يعلمُ الصابرين كما أَوَّلُوا قولَ الشاعر:
1450ـ.......................... نَجَوْتُ وَأَرْهُنُــهـــمْ مالِــكـــا
ِأي: وأنا أَرْهُنُهم " قلت: قولُه: " لا تَدْخُل على المضارعِ " هذا ليس على إطلاقِه، بل ينبغي أن يقولَ: على المضارعِ المثبت أو المنفي بـ " لا " لأنها تدخُل على المضارع المنفيِّ بـ لم ولما، وقد عُرِف ذلك غير مرة.

وقال ابن عطية

خلت } معناه مضت وسفلت، وصارت إلى الخلاء من الأرض. وقرأ جمهور الناس " الرسل " بالتعريف، وفي مصحف ابن مسعود " رسل " دون تعريف، وهي قراءة حطان بن عبد الله، فوجه الأولى تفخيم ذكر الرسل، والتنويه، بهم على مقتضى حالهم من الله تعالى، ووجه الثانية، أنه موضع تيسير لأمر النبي عليه السلام في معنى الحياة، ومكان تسوية بينه وبين البشر في ذلك، فجي تنكير " الرسل " جارياً في مضمار هذا الاقتصاد به صلى الله عليه وسلم، وهكذا يفعل في مواضع الاقتصاد بالشي، فمنه قوله تعالى:{ وقليل من عبادي الشكور } [سبأ: 13] وقوله تعالى:{ وما آمن معه إلا قليل } [هود: 40] إلى غير ذلك من الأمثلة، ذكر ذلك أبو الفتح، والقراءة بتعريف " الرسل " أوجه في الكلام،

اسامة محمد خيري
29-10-2018, 11:22
الجوهرة الثالثة والستون

{ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ }

قال القرطبي

ومعنى الآية تشجيع المؤمنين، والأمر بالاقتداء بمن تقدّم من خِيار أتباع الأنبياء؛ أي كثير من الأنبياء قُتِل معه رِبِّيُّون كثير، أو كثير من الأنبياء قتِلوا فما ظ±رتدّ أممهم؛ قولان: الأوّل للحسن وسعيد بن جبير. قال الحسن: ما قُتِل نبي في حرب قط. وقال ابن جبير: ما سمعنا أن نبياً قتل في القتال. والثاني عن قتادة وعكرمة. والوقف ـ على هذا القول ـ على «قُتِل» جائز، وهي قراءة نافع وابن جبير وأبي عمرو ويعقوب.

وهي قراءة ابن عباس وظ±ختارها أبو حاتم. وفيه وجهان: أحدهما أن يكون «قُتِل» واقعاً على النبيّ وحده، وحينئذ يكون تمام الكلام عند قوله «قُتِل» ويكون في الكلام إضمار، أي ومعه ربيون كثير؛ كما يقال: قُتِل الأمير معه جيش عظيم، أي ومعه جيش. وخرجْتُ معي تجارة؛ أي ومعي. الوجه الثاني أن يكون القتل نال النبيّ ومن معه من الربِّيّين، ويكون وجه الكلام قتِل بعض من كان معه؛ تقول العرب: قتلنا بني تميم وبني سليم، وإنما قتلوا بعضهم. ويكون قوله { فَمَا وَهَنُوا } راجعاً إلى من بقي منهم. قلت: وهذا القول أشبه بنزول الآية وأنسب، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقتل، وقُتِل معه جماعة من أصحابه.

وقرأ الكوفيون وابن عامر «قَاتَلَ» وهي قراءة ابن مسعود؛ واختارها أبو عبيْد وقال. إن الله إذا حَمِد من قاتل كان من قُتِل داخلاً فيه، وإذا حمِد من قُتِل لم يدخل فيه غيرهم؛ فقاتل أعمّ وأمدح. و «الرِّبيون» بكسر الراء قراءة الجمهور. وقراءة عليّ رضي الله عنه بضمها. وابن عباس بفتحها؛ ثلاث لغات. والرِّبِّيون الجماعات الكثيرة؛ عن مجاهد وقتادة والضّحاك وعِكرمة، واحدهم رُبِّيّ بضم لراء وكسرها؛ منسوب إلى الرِّبة بكسر الراء أيضاً وضمها، وهي الجماعة. وقال عبد الله بن مسعود: الربِّيُّون الألوف الكثيرة. وقال ابن زيد: الربِّيُّون الأتباع. والأوّل أعرف في اللغة؛ ومنه يقال للخِرقة التي تجمع فيها القِدَاح: رِبّةٌ ورُبّة. والرِّبَاب قبائل تجَمَّعَت. وقال أَبَان بن ثعلب: الرِّبي عشرة آلاف. وقال الحسن: هم العلماء الصُّبُر. ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع والسّدي: الجمْعُ الكثير؛ قال حسّان:
وإذا مَعْشَرٌ تَجَافَوْا عن الحَـ ـقِّ حمَلْنَا عليهمُ رُبِّيَا


وقال الزجاج: ها هنا قراءتان «رُبِّيُّون» بضم الراء «ورِبِّيُّون» بكسر الراء؛ أما الرُّبيون (بالضم): الجماعات الكثيرة. ويقال: عشرة آلاف. قلت: وقد روي عن ابن عباس «رَبِّيُّون» بفتح الراء منسوب إلى الرب. قال الخليل: الرِّبِّي الواحد من العبّاد الذين صبروا مع الأنبياء. وهم الربانيون نسبوا إلى التَألُّه والعبادة ومعرِفة الربُوبِية لِلّه تعالى، والله أعلم.

وقال الطبري

وأولـى القراءتين فـي ذلك عندنا بـالصواب، قراءة من قرأ بضمّ القاف «قُتِل مَعَهُ رِبِّـيُون كَثِـيرٌ» لأن الله عزّ وجلّ إنـما عاتبَ بهذه الآية، والآيات التي قبلها من قوله { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ظ±لْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ جَـظ°هَدُواْ مِنكُمْ } الذين انهزموا يوم أُحد، وتركوا القتال، أو سمعوا الصائح يصيح إن مـحمداً قد قتل، فعذلهم الله عزّ وجلّ علـى فرارهم وتركهم القتال، فقال أفَئِنْ مات مـحمد أو قتل أيها الـمؤمنون ارتددتـم عن دينكم، وانقلبتـم علـى أعقابكم؟ ثم أخبرهم عما كان من فعل كثـير من أتبـاع الأنبـياء قبلهم وقال لهم هلا فعلتـم كما كان أهل الفضل والعلـم من أتبـاع الأنبـياء قبلكم يفعلونه إذا قتل نبـيهم من الـمضيّ علـى منهاج نبـيهم والقتال علـى دينه أعداء دين الله علـى نـحو ما كانوا يقاتلون مع نبـيهم، ولـم تهنوا ولـم تضعفوا كما لـم يضعف الذين كانوا قبلكم من أهل العلـم والبصائر من أتبـاع الأنبـياء إذا قتل نبـيهم، ولكنهم صبروا لأعدائهم حتـى حكم الله بـينهم وبـينهم! وبذلك من التأويـل جاء تأويـل الـمتأوّل.

وقال السمين

ورَجَّح كونَ " قُتِل " مسنداً إلى ضميرِ النبي أنَّ القصةَ بسبب غزوة أحد وتجادل المؤمنين حين قيل: إنَّ محمداً قد مات مقتولاً، ويؤيِّدهُ قولُه:{ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ } [آل عمران: 144] وإليه ذهب ابن عباسِ والطبري وجماعةٌ، وعن ابن عباس في قوله:{ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ } [آل عمران: 161]: " النبي يُقْتل فكيف لا يُخان. وذهب الحسن وابن جبير وجماعة إلى أنَّ القَتْلَ للربّيّين قالوا: لأنه لم يُقْتَل نبيٌّ في حربٍ قط. ونَصَر الزمخشري هذا بقراءة " قُتِّل " بالتشديد، يعني أن التكثير لا يتأتَّى في الواحد وهو النبي. وهذا الذي ذَكَره الزمخشري سَبَقَهُ إليه ابن جني، وسيأتي تأويل هذا.

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: " قُتِل " مبنياً للمفعول، وقتادة كذلك إلا أنه شدَّد التاء، وباقي السبعة: " قاتَل " ، وكلٌّ مِنْ هذه الأفعال يَصْلُح أَنْ يرفعَ ضمير " نبي " وأن يرفعَ ربِّيِّين على ما تقدَّم تفصيلُه. وقال ابن جني: " إنَّ قراءة " قُتِّل " بالتشديد يتعيَّن أن يُسْنَدَ الفعل فيها إلى الظاهر، أعني ربيين. قال: " لأنَّ الواحدَ لا تكثيرَ فيه ". قال أبو البقاء: " ولا يمتنعُ أنْ يكونَ فيه ضمير الأول لأنه في معنى الجماعة " انتهى. يعني أنَّ " من نبي " المرادُ به الجنسُ فالتكثيرُ بالنسبة لكثرةِ الأشخاصِ لا بالنسبةِ إلى كلِّ فردٍ فردٍ، إذ القتلُ لا يتكثَّر في كلِّ فرد. وهذا الجوابُ الذي أجابَ به أبو البقاء استشعر به أبو الفتح وأجابَ عنه. قال: " فإِنْ قيل: يُسْنَدُ إلى " نبي " مراعاةً لمعنى " كم " فالجوابُ: أنَّ اللفظَ قد فَشَا على جهةِ الإِفرادِ في قوله: { مِّن نَّبِيٍّ } ، ودلَّ الضميرُ المفردُ في " معه " على أن المرادَ إنما هو التمثيلُ بواحدٍ، فخرج الكلامُ عن معنَى " كم ". قال: " وهذه القراءةُ تُقَوِّي قولَ مَنْ قال: إنَّ " قُتِل " و " قاتَل " يُسْندان إلى الربِّيِّين....

قوله تعالى: { وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ }: الجمهورُ على نصبِ " قولَهم " خبراً مقدماً، والاسمُ هو " أَنْ " وما في حَيِّزها تقديرُه: وما كان قولَهم إلا قولُهم هذا الدعاءَ، أي: هو دَأْبُهم ودَيْدَنُهم. وقرأ ابن كثير وعاصم في روايةٍ عنهما برفع " قولُهم " على أنه اسم، والخبر " أَنْ " وما في حَيِّزها. وقراءةُ الجمهور أَوْلى؛ لأنه إذا اجتمعَ معرفتان فالأَوْلى أن يُجْعَل الأعرفُ اسماً، و " أن " وما في حَيِّزها أعرفُ، قالوا: لأنها تُشْبِهُ المُضْمَرَ مِنْ حيثُ إنها لا تُضْمَرُ ولا تُوصَفُ ولا يُوصف بها، و " قولهم " مضافٌ لمضمرٍ فهو في رتبة العَلَم فهو أقلُّ تعريفاً.

ورَجَّح أبو البقاء قراءة الجمهور بوجهين، أحدهما هذا، والآخر: أنَّ ما بعد " إلاَّ " مُثْبَتٌ، والمعنى: كان قولُهم: ربنا اغفر لنا دَأْبَهم في الدعاء وهو حسن، والمعنى: وما كان قولُهم شيئاً من الأقوال إلا هذا القولَ الخاص...

{ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }

وقرأ الجحدري: { فأثابهم }: من لفظِ الثواب....

قوله تعالى: { بَلِ اللَّهُ مَوْلاَكُمْ }: مبتدأ وخبر، وقرأ الحسن: " اللهَ " بنصب الجلالة على إضمار فعل يَدُلُّ عليه الشرط الأول، والتقدير: " لا تُطيعوا الذين كفروا بل أطيعوا الله...

اسامة محمد خيري
29-10-2018, 12:25
الجوهرة الرابعة والستون

قال السمين

والجمهور على " تُصْعدون " بضم التاء وكسر العين من أصْعد في الأرض إذا ذهب فيها، والهمزة فيه للدخول نحو: " أصْبح زيدٌ " أي: دخل في الصباح، فالمعنى: إذ تَدْخُلون في الصُّعود، ويبيِّن ذلك قراءةُ أُبيّ: " تُصْعِدون في الوادي ". والحسن والسلمي: " تَصْعَدون " من صَعِد في الجبل أي رَقِي، والجمع بين القراءتين: أنهم أولاً أَصْعَدوا في الوادي، ثم لَمَّا حَزَبهم العدوُّ صَعِدوا في الجبل، وهذا على رأي مَنْ يفرِّقُ بين: أَصْعَدَ وصَعِد. وأبو حيوة: " تَصَعَّدُون " بالتشديد، وأصلها: تَتصَعَّدون، فحُذفت إحدى التاءين: إمَّا تاءُ المضارعة أو تاء تَفَعَّل، والجمع بين قراءته وقراءة غيره كما تقدم. والجمهور " تُصْعِدون " بتاء الخطاب، وابن محيصن ـ ويروى عن ابن كثير ـ بياء الغَيْبة على الالتفات وهو حسن، ويجوز أن يعود الضمير على المؤمنين أي: والله ذو فضل على المؤمنين إذ يُصْعِدون، فالعامل في إذ: " فَضْل ".

يقال: أصعد: أبعد في الذهاب، قال القتبي: " كأنه أبعد كإبعاد الارتفاع " قال الشاعر:
1466ـ ألا أيُّهذا السائلي أينَ أَصْعَدَتْ فإنَّ لَها في أهل يَثْربَ مَوْعدا
وقال آخر:
1467ـ قد كُنْتِ تبكين على الإِصعادِ فاليومَ سُرِّحْتِ وصاح الحادي
وقال الفراء وأبو حاتم: " الإِصعادُ: ابتداء السفر والمخرج، والصعود مصدر صَعِد [إذا] رَقِي من سُفْل إلى علوّ " ففرَّقوا هؤلاء بين صَعِد وأَصْعد. وقال المفضل: " صَعِد وصَعَّد وأَصْعد بمعنى واحد، والصعيدُ وجهُ الأرض ".
...

وقرأ حميد بن قيس: " على أُحُد " بضمتين، يريد الجبل، والمعنى على مَنْ في جبل أحد، وهو النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن عطية: " والقراءةُ الشهيرة أقوى لأنه لم يكن على الجبل إلا بعد ما فرَّ الناس عنه، وإصعادُهم إنما كان وهو يَدْعوهم ".....

قوله: { يَغْشَىظ° } قرأ حمزة والكسائي بالتاء من فوق، والباقون بالياء من تحت، وخَرَّجوا قراءةَ حمزة والكسائي على أنها صفةُ لـ " أمَنَة " مراعاةً لها....

وقال ابن عطية

وقرأ جمهور الناس " لَبَرَز " بفتح الراء والباء على معنى: صاروا في البراز من الأرض، وقرأ أبو حيوة " لبُرِّز " بضم الباء وكسر الراء وشدها، وقرأ جمهور الناس: " عليهم القَتل " أي كتب عليهم في قضاء الله وتقديره، وقرأ الحسن والزهري: " عليهم القتال " وتحتمل هذه القراءة معنى الاستغناء عن المنافقين، أي لو تخلفتم أنتم لبرز المؤمنون الموقنون المطيعون في القتال المكتوب عليهم،...

وقال ابن عاشور

وقرأ الجمهور، { ممَّا تجمعون } ـــ بتاء الخطاب ـــ وقرأ حفص عن عاصم ـــ بياء الغائب ـــ على أنّ الضّمير عائد إلى المشركين أي خير لكم من غنائم المشركين الّتي جمعوها وطمعتم أنتم في غنمها...

وقال السمين

وقوله: { فَإِذَا عَزَمْتَ } الجمهورُ على فتح التاء خطاباً له عليه السلام. وقرأ عكرمة وجعفر الصادق بضمها، على أنها لله تعالى على معنى: فإذا أرشَدْتُك إليه وجَعَلْتُكَ تَقْصِدُه، وجاء قوله: { عَلَى ظ±للَّهِ } من الالتفات، إذ لو جاء على نَسَقِ هذا الكلامِ لقيل: فتوكَّلْ عليَّ، وقد نُسِبَ العزمُ إليه تعالى في قول أم سلمة: " ثم عَزَمَ الله لي " وذلك على سبيل المجاز.

اسامة محمد خيري
29-10-2018, 12:43
الجوهرة الخامسة والستون

قال السمين


قوله تعالى: { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ }: [ " أَنْ يَغُلًّ " في محلِّ رفعٍ اسمَ كان، و " لنبي " خبرٌ مقدم] أي: ما كان له غُلول أو إغْلال على حَسَبِ القراءتين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بفتح الياء وضم الغين مِنْ " غَلَّ " مبنياً للفاعل، ومعناه: أنه لا يَصِحُّ أن يقع من النبي غُلول لتنافِيهما، فلا يجوزُ أن يُتَوَهَّمَ ذلك فيه البتة. وقرأ الباقون " يُغَلَّ " مبنِيّاً للمفعول. وهذه القراءةُ فيها احتمالان، أحدُهما: أن يكونَ من " غَلَّ " ثلاثياً، والمعنى: ما صَحَّ لنبيٍّ أَنْ يَخُونَه غيرُه ويَغُلَّه، فهو نفيٌ في معنى النهي أي: لا يَغُلُّه أحدٌ. والاحتمال الثاني: أَنْ يكونَ مِنْ أغلَّ رباعياً، وفيها وجهان، أحدُهما: أَنْ يكونَ من أَغَلَّه: أي نَسَبه إلى الغُلول كقولِهم: أَكْذَبْتُه أي: نَسَبْتُه إلى الكذب، وهذا في المعنى كالذي قبله أي: نفيٌ في معنى النهي أي: لا يَنْسِبه أحدٌ إلى الغُلول. والثاني: أن يكونَ مِنْ أَغَلَّه أي وجده غالاًّ كقولهِم: أَحْمَدْتُ الرجلَ وأَبْخَلْتُه وأجبنتُه أي: وجدته محموداً وبخيلاً وجباناً. والظاهر أن قراءة " يَغُلَّ " بالياء للفاعل لا يُقَدَّر فيها مفعولٌ محذوفٌ؛ لأنَّ الغَرَضَ نفيُ هذه الصفة عن النبي من غيرِ نظرٍ إلى تَعَلُّقٍ بمفعولٍ كقولك: " هو يعطي ويمنع " تريدُ إثباتَ هاتَين الصفتين. وقَدَّر له أبو البقاء مفعولاً فقال: " تقديرُه: أَنْ يَغُلَّ المالَ أو الغنيمةَ ".

واختار أبو عبيد والفارسي قراءةَ البناء للفاعل قالا: لأنَّ الفعلَ الواردَ بعدُ " ما كان لكذا أن يفعل " أكثرُ ما يَجِيءُ منسوباً إلى الفاعل نحو:{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ } [آل عمران: 145]{ مَّا كَانَ ظ±للَّهُ لِيَذَرَ } [آل عمران: 179] وبابه ورجَّحها بعضُهم بقولِه: { وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ } فهذا يُوافِقُ هذه القراءةَ، ولا حُجَّة في ذلك لأنها موافقةٌ للأخرى...

وقال الطبري

وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك عندي قراءة من قرأ { وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } بـمعنى ما الغلول من صفـات الأنبـياء، ولا يكون نبـياً من غلّ. وإنـما اخترنا ذلك، لأن الله عزّ وجلّ أوعد عقـيب قوله { وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } أهل الغلول، فقال { وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ظ±لْقِيَـظ°مَةِ }... الآية، والتـي بعدها، فكان فـي وعيده عقـيب ذلك أهل الغلول، الدلـيـل الواضح علـى أنه إنـما نهى بذلك عن الغلول، وأخبر عبـاده أن الغلول لـيس من صفـات أنبـيائه بقوله { وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } لأنه لو كان إنـما نهى بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالغلول، لعقب ذلك بـالوعيد علـى التهمة، وسوء الظنّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بـالوعيد علـى الغلول، وفـي تعقـيبه ذلك بـالوعيد علـى الغلول بـيان بـين، أنه إنـما عرف الـمؤمنـين وغيرهم من عبـاده أن الغلول منتف من صفة الأنبـياء وأخلاقهم، لأن ذلك جرم عظيـم، والأنبـياء لا تأتـي مثله. فإن قال قائل مـمن قرأ ذلك كذلك فأولـى منه وَما كان لنبـيّ أن يخونه أصحابه إن ذلك كما ذكرت، ولـم يعقب الله قوله { وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } إلا بـالوعيد علـى الغلول، ولكنه إنـما وجب الـحكم بـالصحة لقراءة من قرأ «يُغَلَّ» بضم الـياء وفتـح الغين، لأن معنى ذلك وما كان للنبـيّ أن يغله أصحابه، فـيخونوه فـي الغنائم قـيـل له أفكان لهم أن يغلوا غير النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـيخونوه، حتـى خصوا بـالنهي عن خيانة النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فإن قالوا نعم، خرجوا من قول أهل الإسلام، لأن الله لـم يبح خيانة أحد فـي قول أحد من أهل الإسلام قط. وإن قال قائل لـم يكن ذلك لهم فـي نبـيّ ولا غيره؟ قـيـل فما وجه خصوصهم إذاً بـالنهي عن خيانة النبـيّ صلى الله عليه وسلم وغلوله وغلول بعض الـيهود، بـمنزلة فـيـما حرّم الله علـى الغالّ من أموالهما، وما يـلزم الـمؤتـمن من أداء الأمانة إلـيهما. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن معنى ذلك هو ما قلنا من أن الله عزّ وجلّ نفـى بذلك أن يكون الغلول والـخيانة من صفـات أنبـيائه، ناهياً بذلك عبـاده عن الغلول، وآمراً لهم بـالاستنان بـمنهاج نبـيهم، ...

الجوهرة السادسة والستون

{ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ }


قال الالوسي

وفي قراءة رسول الله وفاطمة صلى الله تعالى عليه وعليها وسلم { مّنْ أَنفُسِهِمْ } بفتح الفاء أي من أشرفهم لأنه صلى الله عليه وسلم من أشرف القبائل وبطونها وهو أمر معلوم غني عن البيان ينبغي اعتقاده لكل مؤمن

اسامة محمد خيري
29-10-2018, 12:56
الجوهرة السابعة والستون

وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }

قال السمين

قوله تعالى: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ }: مفعول أول، و " أمواتاً " مفعولٌ ثان، والفاعلُ: إمَّا ضميرُ كل مخاطب أو ضميرُ الرسول عليه السلام كما تقدَّم في نظائره.

وقرأ حميد بن قيس وهشام ـ بخلاف عنه ـ " يَحْسَبَنَّ " بياء الغيبة. وفي الفاعلِ وجهان، أحدهما: أنه مضمرٌ: إمَّا ضميرُ الرسول، أو ضمير مَنْ يَصْلُح للحُسْبان أَيِّ حاسبٍ. والثاني: ـ قاله الزمخشري ـ وهو أن يكون " الذين قُتِلوا " قالِ: " ويجوزُ أَنْ يكون " الذين قُتِلوا " فاعلاً، والتقدير: ولا يَحْسَبَنَّهم الذين قتلوا أمواتاً أي: ولا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً. فإنْ قلت: كيف جاز حَذْفُ المفعول الأول؟ قلت: هو في الأصل مبتدأ فَحُذِف كما حُذِف المبتدأ في قوله: " بل أحياءٌ " أي: هم أحياءٌ، لدلالة الكلام عليهما.

ورَدَّ عليه الشيخ بأنَّ هذا التقديرَ يؤدي إلى تقديمِ الضميرِ على مفسَّره، وذلك لا يجوزُ إلا في أبوابٍ محصورةٍ، وعدَّ باب: رُبَّه رجلاً، ونِعْم رجلاً زيدٌ، والتنازع عند إعمال الثاني في رأي سيبويه، والبدلُ على خلاف فيه، وضمير الأمر. قال: " وزاد بعضُ أصحابنا أن يكون [الظاهر] المفسِّر خبراً، وبأنّ حَذْفَ أحد مفعولي " ظن " اختصاراً إنما يتمشى له عند الجمهور مع أنه قليلٌ جداً، نَصَّ عليه الفارسي، ومَنَعه ابن ملكون البتة ".

وهذا من تَحَمُّلاته عليه. أمَّا قولُه " يؤدي إلى تقديم المضمر إلى آخره " فالزمخشري لم يقدِّرْه صناعةً بل إيراداً للمعنى المقصود، ولذلك لَمَّا أراد أن يُقَدَّر الصناعة النحويةَ قَدَّره بلفظ " أنفسهم " المنصوبةِ وهي المفعول الأول، وأظنُ أنَّ الشيخَ تَوَهَّم أنها مرفوعةٌ تأكيدٌ للضمير في " قُتلوا " ، ولم ينتبه أنه إنما قَدَّرها مفعولاً أولَ منصوبةً. وأمَّا تمشيتُه قولَه على مذهب الجمهور فيكفيه ذلك، وما عليه من ابنِ مَلْكون؟ وستأتي مواضع يَضْطَرُّ هو وغيرُه إلى حَذْفِ أحد المفعولين كما ستقف عليه قريباً. وتقدَّم الكلام على مادة " حَسِب " ولغاتِها وقراءاتها.

وقرأ ابن عامر: " قُتِّلوا " بالتشديد، وهشام وحده في " لو أطاعونا ما قُتِّلوا " ، والباقون بالتخفيف. فالتشديد للتكثير، والتخفيف صالح لذلك.

وقرأ الجمهور " أحياءٌ " رفعاً على " بل هم أحياء " وقرأ ابن أبي عبلة: " أحياءً " وخَرَّجها أبو البقاء على وجهين، أحدهما: أن تكون عطفاً على " امواتاً " قال: " كما تقول: " ظننت زيداً قائماً بل قاعداً ". والثاني: ـ وإليه ذهب الزمخشري أيضاً ـ أن يكونَ منصوباً بإضمار فعلٍ تقديره: بل أحسَبُهم أحياءً ". وهذا الوجه سبق إليه أبو إسحاق الزجاج، إلاَّ أنَّ الفارسي رَدَّه عليه في " الإِغفال " قال: " لأنَّ الأمرَ تعيَّن فلا يجوزُ أن يُؤمر فيه بمحسبة، ولا يَصِحُّ أن يُضْمَرَ له إلا فعلُ المحسبة، فوجهُ قراءة ابن أبي عبلة أن تُضْمِر فعلاً غيرَ المحسبة: اعتقِدْهم أو اجْعَلْهم، وذلك ضعيفٌ إذ لا دلالة في الكلام على ما يُضْمَر " انتهى.

وقال ابن عطية

ثم أكد تعالى استبشارهم بقوله: { يستبشرون بنعمة } ثم بين تعالى بقوله: { وفضل } فوقع إدخاله إياهم الجنة الذي هو فضل منه لا بعمل أحد، وأما النعمة في الجنة والدرجات فقد أخبر أنها على قدر الأعمال، وقرأ الكسائي وجماعة من أهل العلم: " وإن الله " - بكسر الألف من " أن " ، وقرأ باقي السبعة وجمهور العلماء: " وأن الله " - بفتح الألف، فمن قرأ بالفتح فذلك داخل فيما يستبشر به، المعنى، بنعمة وبأن الله، ومن قرأ بالكسر فهو إخبار مستأنف، وقرأ عبد الله " وفضل والله لا يضيع ".

اسامة محمد خيري
29-10-2018, 17:45
الجوهرة الثامنة والستون

إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ }

قال ابن عطية

{ يخوف أولياءه } خبر عن الشيطان، والجملة خبر الابتداء الأول، وهذا الإعراب خير في تناسق المعنى من أن يكون { الشيطان } خبر { ذلكم } لأنه يجيء في المعنى استعارة بعيدة، و { يخوف } فعل يتعدى إلى مفعولين، لكن يجوز الاقتصار على أحدهما إذ الآخر مفهوم من بنية هذا الفعل، لأنك إذا قلت: خوفت زيداً، فمعلوم ضرورة أنك خوفته شيئاً حقه أن يخاف، وقرأ جمهور الناس { يخوف أولياءه } فقال قوم المعنى: يخوفكم أيها المؤمنون أولياءه الذين هم كفار قريش، فحذف المفعول الأول وقال قوم: المعنى يخوف المنافقين ومن في قلبه مرض وهم أولياؤه، فإذاً لا يعمل فيكم أيها المؤمنون تخويفه، إذ لستم بأوليائه، والمعنى: يخوفهم كفار قريش، فحذف هنا المفعول الثاني واقتصر على الأول، وقرأ ابن عباس فيما حكى أبو عمرو الداني " يخوفكم أولياءه " المعنى يخوفكم قريش ومن معهم، وذلك بإضلال الشيطان لهم وذلك كله مضمحل، وبذلك قرأ النخعي وحكى أبو الفتح بن جني عن ابن عباس أنه قرأ " يخوفكم أولياءه " فهذه قراءة ظهر فيها المفعولان، وفسرت قراءة الجماعة " يخوف أولياءه " قراءة أبي بن كعب " يخوفكم بأوليائه " والضمير في قوله { فلا تخافوهم } لكفار قريش وغيرهم من أولياء الشيطان، حقر الله شأنه وقوى نفوس المؤمنين عليهم، وأمرهم بخوفه هو تعالى وامتثال أمره، من الصبر والجلد، ثم قرر بقوله تعالى: { إن كنتم مؤمنين } كما تقول: إن كنت رجلاً فافعل كذا....

اسامة محمد خيري
29-10-2018, 17:59
الجوهرة التاسعة والستون

قال القرطبي

قوله تعالىٰ: { وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ } الإملاء طول العمر ورَغَد العيش. والمعنى: لا يحسبن هؤلاء الذين يُخَوّفون المسلمين؛ فإن الله قادر على إهلاكهم. وإنما يُطوِّل أعمارهم ليعملوا بالمعاصي، لا لأنه خير لهم. ويُقال: «أنما نملِي لهم» بما أصابوا من الظَّفَر يومَ أُحُد لم يكن ذلك خيراً لأنفسهم؛ وإنما كان ذلك ليزدادوا عقوبة. ورُوي عن ابن مسعود أنه قال: ما من أحد بَرّ ولا فاجر إلاَّ والموتُ خير له، لأنه إِنْ كان بَرّاً فقد قال الله تعالىٰ: { وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ } وإن كان فاجراً فقد قال الله: { إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً }. وقرأ ٱبن عامرٍ وعاصم «لا يَحَسبن» بالياء ونصب السين. وقرأ حمزة: بالتاء ونصب السين. والباقون: بالياء وكسر السين. فمن قرأ بالياء فالذين فاعلون. أي فلا يحسبن الكفار. و { أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ } تسدّ مسدّ المفعولين. و «مَا» بمعنى الذي، والعائد محذوف، و «خير» خبر «أنّ». ويجوز أن تقدّر «ما» والفعل مصدراً؛ والتقدير ولا يحسبن الذين كفروا أن إملاءنا لهم خير لأنفسهم. ومن قرأ بالتاء فالفاعل هو المخاطب، وهو محمد صلى الله عليه وسلم. و «الذِين» نصب على المفعول الأوّل لتحسب. وأن وما بعدها بدل من الذين، وهي تسدّ مسدّ المفعولين، كما تسد لو لم تكن بدلاً. ولا يصلح أن تكون «أنّ» وما بعدها مفعولاً ثانياً لتحسب؛ لأن المفعول الثاني في هذا الباب هو الأوّل في المعنى: لأن حسِب وأخواتها داخلة على المبتدأ والخبر؛ فيكون التقدير: ولا تحسبن أنما نُملي لهم خير. هذا قول الزجاج. وقال أبو عليّ: لو صحّ هذا لقال «خيراً» بالنصب؛ لأن «أنّ» تصير بدلاً من «الذين كفروا»؛ فَكَأَنَّه قال: لا تحسبن إملاء الذين كفروا خيراً؛ فقوله «خيراً» هو المفعول الثاني لحسِب. فإذاً لا يجوز أن يقرأ «لا تحسبن» بالتاء إلاَّ أن تكسر «إنّ» في «أنما» وتنصب خيراً، ولم يُرْوَ ذلك عن حمزة، والقراءة عن حمزة بالتاء؛ فلا تصح هذه القراءة إذاً. وقال الفَرَّاء والكسائيّ: قراءة حمزة جائزة على التكرير؛ تقديره ولا تحسبن الذين كفروا، ولا تحسبن أنما نملي لهم خير؛ فسدّت «أن» مسدّ المفعولين لتحسب الثاني، وهي وما عملت مفعول ثانٍ لتحسب الأوّل. قال القشيرِيّ؛ وهذا قريب مما ذكره الزجاج في دعوى البدل، والقراءة صحيحة. فإذاً غرض أبي عليّ تغليظ الزجاج. قال النحاس: وزعم أبو حاتم أنّ قراءة حمزة بالتاء هنا، وقوله: { وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ } لحن لا يجوز. وتبعه على ذلك جماعة.

قلت: وهذا ليس بشيء؛ لما تقدم بيانه من الإعراب، ولصحة القراءة وثبوتها نقلاً. وقرأ يحيى بن وثاب «إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ» بكسر إنّ فيهما جميعاً.

قال أبو جعفر: وقراءة يحيى حسنة. كما تقول: حسبت عمراً أبوه خالد. قال أبو حاتم: وسمعت الأخفش يذكر كسر «إن» يحتج به لأهل القدر؛ لأنه كان منهم. ويجعل على التقديم والتأخير «وَلاَ يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً إنما نُملي لهم خير لأنفسهم». قال: ورأيت في مصحفٍ في المسجد الجامع قد زادوا فيه حرفاً فصار «إنما نملي لهم إيماناً» فنظر إليه يعقوب القارىء فتبين اللحن فحكه. والآية نصٌّ في بطلان مذهب القدرية؛ لأنه أخبر أنه يطيل أعمارهم ليزدادوا الكفر بعمل المعاصي، وتوالي أمثاله على القلب. كما تقدم بيانه في ضده وهو الإيمان. وعن ابن عباس قال: ما من بَرّ ولا فاجر إلاَّ والموت خير له ثم تلا: { إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً } وتلا { وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ } أخرجه رزِين.

وقال الرازى (ينقل قول المعتزلة ويرد عليهم)

وثانيها: أن يكون الكلام على التقديم والتأخير، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما إنما نملي لهم خير لأنفسهم

....

وأما السؤال الرابع: وهو التقديم والتأخير. فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن التقديم والتأخير ترك للظاهر. وثانيها: قال الواحدي رحمه الله: هذا إنما يحسن لو جازت قراءة { أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ } بكسر «إنما» وقراءة { إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } بالفتح....

وقال السمين

فأمَّا قراءةُ الجمهور فتخريجُها واضحٌ، وهو أنه يجوز أَنْ يكونَ الفعلُ مسنداً إلى " الذين " ، و " أنَّ " وما اتصل بها سادٌّ مسدَّ المفعولين عند سيبويه ومَسَدَّ أحدِهما والآخرُ محذوفٌ عند الأخفش حَسْبما تقدم غير مرة. ويجوز أن يكون مسنداً إلى ضمير غائب يُراد به النبيُّ صلى الله عليه وسلم أي: ولا يحسبن النبيُّ عليه السلام، فعلى هذا يكون " الذين كفروا " مفعولاً أول، وأما الثاني فسيأتي الكلام عليه في قراءة حمزة، فتتَّحِدُ هذه القراءةُ على هذا الوجه مع قراءة حمزة ـ رحمه الله ـ، وسيأتي تخريجها. و " ما " يجوز أَنْ تكونَ موصولة اسمية، فيكونُ العائد محذوفاً لاستكمال الشروط، أي: أنَّ الذي نُمْليه، وأن تكونَ مصدرية أي: إملاءنَا، وهي اسم " أنَّ " و " خير " خبرُها. قال أبو البقاء: " ولا يجوزُ أَنْ تكونَ كافةً ولا زائدةً، إذ لو كانت كذلك لانتصَبَ " خيرٌ " بـ " نُمْلي " ، واحتاجت " أنَّ " إلى خبرٍ إذا كانت " ما " زائدةً، أو قُدِّر الفعلُ يليها، وكلاهما ممتنعٌ ". انتهى. وهو من الواضحات، وكتبوا " أنما " في الموضعين متصلةً، وكان من حقِّ الأولى الفصلُ لأنها موصولة.

وأمَّا قراءة حمزة فاضطربت فيها أقوالُ الناس وتخاريجُهم حتى إنه نُقِل عن أبي حاتم أنها لحن. قال النحاس: " وتابعه على ذلك خلقٌ كثير " وهذا لا يُلْتفت إليه لتواتُرها. وفي تخريجها ستةٌ أوجهٍ، أحدها: أن يكون فاعلُ " تحسَبَنَّ " ضميرَ النبي صلى الله عليه وسلم، و { ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } مفعولٌ أولُ، و { أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ } مفعولٌ ثانٍ. ولا بد على هذا التخريجِ مِنْ حَذْفِ مضافٍ: أمَّا من الأولِ تقديرُه: " ولا تَحْسَبَنَّ شأنَ الذين كفروا " ، وإمَّا من الثاني تقديرُه: " أصحابَ أنَّ إملاءنا خيرٌ لهم " ، وإنما احتجنا إلى هذا التأويل؛ لأنَّ " أنما نُمْلي " بتأويلِ مصدرٍ، والمصدرُ معنىً من المعاني لا يَصْدُق على الذين كفروا، والمفعولُ الثاني في هذا البابِ هو الأولُ في المعنى.

الثاني: أن يكونُ { أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ } بدلٌ من { ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وإلى هذا ذهب الكسائي والفراء وتَبِعهما جماعةٌ منهم الزمخشري والزجاج وابن الباذش.....

الثالث: ـ وهو أغربُها ـ أن يكونَ " الذين " فاعلاً بـ " تَحْسَبَنَّ " على تأويلِ أَنْ تكونَ التاءُ في الفعلِ للتأنيثِ كقولِه:{ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ } [الشعراء: 105] أي: " ولا تَحْسَبَنَّ القومَ الذين كفروا " و " الذين " وصفُ " القوم " كقوله:{ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ } [الأعراف: 137] فعلى هذا تَتَّحد هذه القراءةُ مع قراءة الغَيْبة، وتخريجُها كتخريجِها، ذكر ذلك أبو القاسم الكرماني في تفسيرِه المسمى: بـ " اللباب ". وفيه نظرٌ ...

الرابع: أن يكونَ { أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ } بدلاً من { ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بدلَ الاشتمالِ أي: إملاءَنا، و " خيرٌ " بالرفعِ خبرُ مبتدأ محذوف أي: هو خيرٌ لأنفسهم، والجملةُ هي المفعولُ الثاني. نقل ذلك الشيخ شهاب الدين أبو شامة عن بعضهم...

الخامس: أن يكون { ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } مفعولاً أولَ، و { إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً } في موضع المفعول الثاني، و { أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ } مبتدأ وخبر، اعترض به بين مفعولي " وَتحْسَبَنَّ " ، وفي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، نُقِل ذلك عن الأخفش. قال أبو حاتم: " سمعت الأخفش يذكر فتحَ " أَنَّ " يحتجُّ بها لأهل القَدَر لأنه كان منهم، ويجعله على التقديمِ والتأخير، كأنه قال: " ولا تَحْسَبَنَّ الذين [كفروا] إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً، أنما نملي لهم خيرٌ لأنفسِهم " انتهى. وإنما جاز أن تكون " أَنَّ " المفتوحة مبتدأً بها أولُ الكلامِ لأنَّ مذهب الأخفشِ ذلك، وغيرُه يمنع ذلك، فإنْ تَقَدَّم خبرُها عليها نحو: " في ظني أنك منطلقٌ " أو أمَّا التفصيلية نحو: " أما أنك منطلقٌ فعندي " جاز ذلك إجماعاً، وقولُ أبي حاتم: " يذكرُ فتحَ أنَّ " يعني بها التي في قولهِ: { أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ }. ووجهُ تمسُّكِ القَدَريَّة به أنَّ الله تعالى لا يجوزُ أَنْ يُملي لهم إلا ماهو خيرٌ لأنفسِهم، لأنه يجبُ عندهم رعايةُ الأصلحِ.....

اسامة محمد خيري
29-10-2018, 18:13
الجوهرة السبعون

قال السمين

وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي الأنفال: " يُمَيِّز " بالتشديد، والباقون بالتخفيف. وعن ابن كثير أيضاً " يُميز " من أماز، فهذه ثلاث لغات، يقال مازَه ومَيَّزه وأمازه. والتشديد والهمزة ليسا للنقل، لأنَّ الفعل قبلهما متعدٍ، وإنما فَعَّل بالتشديد وأَفْعَل بمعنى المجرد، وهل ماز ومَيّز بمعنى واحد أو بمعنيين مختلفين؟ قولان. ثم القائلون بالفرق اختلفوا، فقال بعضهم: لا يقال " ماز " إلا في كثير من كثير، فأما واحد من واحد فَمَيَّزت، ولذلك قال أبو معاذ: يقال: " مَيَّزْتُ بين الشيئين ومِزْتُ بين الأشياء ". وقال بعضُهم عكسَ هذا: مِزْتُ بين الشيئين ومَيَّزْتُ بين الأشياءِ، وهذا هو القياسُ، فإنَّ التضعيفَ يُؤْذِنُ بالتكثير وهو لائقٌ بالمتعددات. ورجَّح بعضُهم " مَيَّز " بالتشديد بأنه أكثر استعمالاً، ولذلك لم يُسْتعمل المصدرُ إلا منه فقالوا: التمييز، ولم يقولوا: " المَيْز " يعني لم يقولوه سماعاً وإلا فهو جائز قياساً....

قوله تعالى: { وَلاَ يَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ يَبْخَلُونَ }: قرأ حمزة بالخطاب، والباقون بالغيبة. فأمَّا قراءةُ حمزة فـ " الذين " مفعولٌ أولُ، و " خيراً " هو الثاني، ولا بُدَّ من حذف مضاف لِيَصْدُقَ الخبرُ على المبتدأِ، تقديرُه: ولا تَحْسَبَنَّ بُخْلَ الذين يبخلون. قال أبو البقاء: " وهو ضعيفٌ لأنَّ فيه إضمارَ البخلِ قبل ذِكْر ما يَدُلُّ عليه " وفيه نظرٌ، لأنَّ الدلالةَ على المحذوف قد تكونُ متقدمةً وقد تكون متأخرةً، وليس هذا من بابِ الإِضمارِ في شيء حتى يُشْتَرَطَ فيه تقدُّمُ ما يَدُلُّ على ذلك الضميرِ.

و " هو " فيه وجهان، أحدُهما: أنه فَصْلٌ بين مفعولي " تحسبن ". والثاني ـ قاله أبو البقاء ـ: أنه توكيدٌ، وهو خطأ، لأنَّ المضمر لا يُؤكِّد المُظْهَر، والمفعول الأول اسمٌ مظهر ولكنه حُذِف كما تقدم، وبعضُهم يُعَبِّر عنه فيقول: " أُضمر المفعولُ الأولُ " يعني حُذِفَ فلا يُغْتَرَّ بهذه العبارةِ، و " هو " في هذه المسألةِ يتعيَّن فَصْلِيَّتُه لأنه لا يخلو: إمَّا أَنْ يكونَ مبتدأً أو بدلاً أو توكيداً، والأولُ منتفٍ لنصبِ ما بعده ـ وهو خيراً ـ وكذا الثاني لأنه كان يلزمُ أَنْ يوافِقَ ما قبلَه في الإِعرابِ فكان ينبغي أَنْ يُقالَ إياه لا " هو " ، وكذا الثالثُ لِما تقدَّم.

وأمَّا قراءةُ الجماعةِ فيجوزُ فيها أَنْ يكونَ الفعلُ مسنداً إلى ضمير غائب: إمَّا الرسولُ أو حاسِبٌ ما، ويجوزُ أَنْ يكونَ مسنداً إلى " الذين " ، فإنْ كان مسنداً إلى ضميرِ غائبٍ فـ " الذين " مفعولٌ أولُ على حَذْفِ مضافٍ كما تقدَّم ذلك في قراءةِ حمزة أي: بخلَ الذين، والتقدير: ولا يَحْسَبَنَّ الرسولُ ـ أو أحدُ ـ بخلَ الذين يبخلون خيراً. و " هو " فصل كما تقدَّم، فتتحدُ القراءاتان معنىً وتخريجاً. وإنْ كان مسنداً لـ " الذين " ففي المفعولِ الأولِ وجهان، أحدُهما: أنه محذوفٌ لدلالةِ " يبخلون " عليه كأنه قيل: " ولا يَحْسَبَنَّ الباخِلون بخلَهم هو خيراً لهم " و " هو " فصلٌ. قال ابن عطية: " ودَلَّ على هذا البخلِ " يبخلون " كما دَلَّ " السفيه " على " السَّفَه " في قوله:
1501ـ إذا نُهِي السَّفيهُ جرى إليه وخالَفَ والسفيهُ إلى خلافِ
أي: جرى إلى السفة ". قال الشيخ: " وليست الدلالةُ فيها سواءً لوجهين، أحدُهما: أنَّ دلالةَ الفعلِ على المصدرِ أَقْوى مِنْ دلالةِ اسمِ الفاعلِ عليه وأكثرُ، ولا يوجَدُ ذلك إلا في هذا البيت أوغيرِه إن ورد. الثاني: أنَّ البيتَ فيه إضمارٌ لا حذفٌ، والآيةُ فيها حَذْفٌ.

الوجه الثاني: أنَّ المفعولَ نفس " هو " ، وهو ضميرُ البخل الذي دَلَّّ عليه " يبخلون " كقولِه: ظ±عْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىظ° } [المائدة: 8]، قاله أبو البقاء، وهو غلطٌ أيضاً؛ لأنه ينبغي أَنْ يأتِيَ به بصيغةِ المنصوب فيقول: " إياه " لكونِه منصوباً بـ " يَحْسَبَنَّ " ، ولا ضرورةَ بنا إلى أَنْ نَدَّعي أنه من بابِ استعارةِ ضميرِ الرفع مكانَ النصبِ كقولِهم " ما أنا كأنت، ولا أنت كأنا " فاستعار ضميرَ الرفعِ مكانَ ضميرِ الجر.....

وقال الطبري

وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك عندي، قراءة من قرأ { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ يَبْخَلُونَ } بـالتاء بتأويـل ولا تـحسبنّ أنت يا مـحمد بخـل الذين يبخـلون بـما أتاهم الله من فضله، هو خيراً لهم، ثم ترك ذكر البخـل، إذ كان فـي قوله هو خيراً لهم، دلالة علـى أنه مراد فـي الكلام، إذ كان قد تقدّمه قوله { ظ±لَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتَـظ°هُمُ ظ±للَّهُ مِن فَضْلِهِ }. وإنـما قلنا قراءة ذلك بـالتاء أولـى بـالصواب من قراءته بـالـياء، لأن الـمـحسبة من شأنها طلب اسم وخبر، فإذا قرىء قوله { وَلاَ يَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ يَبْخَلُونَ } بـالـياء لـم يكن للـمـحسبة اسم يكون قوله { هُوَ خَيْراً لَّهُمْ } خبراً عنه، وإذا قرىء ذلك بـالتاء كان قوله { ظ±لَّذِينَ يَبْخَلُونَ } اسماً له، قد أدّى عن معنى البخـل الذي هو اسم الـمـحسبة الـمتروك، وكان قوله { هُوَ خَيْراً لَّهُمْ } خبراً لها، فكان جارياً مـجرى الـمعروف من كلام العرب الفصيح.

فلذلك اخترنا القراءة بـالتاء فـي ذلك علـى ما بـيناه، وإن كانت القراءة بـالـياء غير خطأ، ولكنه لـيس بـالأفصح ولا الأشهر من كلام العرب

وقال ابن عطية

{ سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَآءِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ * الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَـا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ }

قرأ حمزة وحده " سيكتب " بالياء من أسفل على بناء الفعل للمفعول و " قتلُهم " برفع اللام عطفاً على المفعول الذي لم يسم فاعله، و " يقول " بالياء من أسفل، وقرأ الباقون بنون الجمع، فإما أنها نون العظمة، وإما هي للملائكة و { ما } على هذه القراءة مفعولة بها، و " قتلَهم " بنصب اللام عطفاً على { ما } { ونقول } بالنون على نحو { سنكتب } والمعنى في هاتين القراءتين قريب بعضه من بعض، قال الكسائي: وفي قراءة عبد الله بن مسعود " ويقال ذوقوا " وقال أبو معاذ النحوي في حرف ابن مسعود: " سنكتب ما يقولون ويقال لهم ذوقوا " وقرأ طلحة بن مصرف " سنكتب ما يقولون " وحكى أبو عمرو عنه أيضاً أنه قرأ " ستكتب " بتاء مرفوعة { ما قالوا } ، بمعنى: ستكتب مقالتهم، وهذه الآية وعيد لهم، أي سيحصى عليهم قولهم، والكتب فيما قال كثير من العلماء هو في صحف تقيده الملائكة فيها، وتلك الصحف المكتوبة هي التي توزن وفيها يخلق الله الثقل والخفة بحسب العلم المكتوب فيها، وذهب قوم إلى أن الكتب عبارة عن الإحصاء وعدم الإهمال، فعبر عن ذلك بما تفهم العرب منه غاية الضبط والتقييد، فمعنى الآية: أن أقوال هؤلاء تكتب وأعمالهم، ويتصل ذلك بأفعال آبائهم من قتل الأنبياء بغير حق ونحوه

اسامة محمد خيري
29-10-2018, 18:40
الجوهرة الواحدة والسبعون

لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }

قال ابن عطية

وقرأ جمهور الناس: " أتوا " بمعنى فعلوا، كما تقول أتيت أمر كذا، وقرأ مروان بن الحكم وإبراهيم النخعي: " آتوا " بالمد، بمعنى أعطوا بفتح الهمزة والطاء.

قال أبو محمد: وهي قراءة تستقيم على بعض المعاني التي تقدمت، وقرأ سعيد بن جبير وأبو عبد الرحمن السلمي، " أوتوا " بمعنى أعطوا، وقد تقدمت مع معناها وقرأ أبو عمرو وابن كثير، { لا يحسبن الذين يفرحون } " فلا يحسِبنهم " بالياء من تحت فيهما وبكسر السين وبرفع الباء في يحسبنهم، قال أبو علي: { الذين } رفع بأنه فاعل " يحسب " ، ولم تقع " يحسبن " على شيء، وقد تجيء هذه الأفعال لغواً لا في حكم الجمل المفيدة نحو قول الشاعر: [الطويل]

وما خلت أبقى بيننا من مودة عراض المذاكي المسنفات القلائصا
وقال الخليل: العرب تقول: ما رأيته يقول ذلك إلا زيد، وما ظننته يقول ذلك إلا زيد فتتجه القراءة بكون قوله: " فلا تحسبنهم " بدلاً من الأول وقد عدي إلى مفعوليه وهما الضمير، وقوله { بمفازة } فاستغني بذلك عن تعدية الأول إليها كما استغني في قول الشاعر: [الطويل]

بأيّ كِتابٍ أَوْ بأيَّةِ سُنَّةٍ تَرَى حُبَّهُمْ عاراً عليَّ وَتَحْسِبُ؟
فاستغني بتعدية أحد الفعلين عن تعدية الآخر، والفاء في قوله { فلا تحسبنهم } زائدة، ولذلك حسن البدل، إذ لا يتمكن أن تكون فاء عطف ولا فاء جزاء، فلم يبق إلا أن تكون زائدة لا يقبح وجودها بين البدل والمبدل منه، وقوله على هذه القراءة " فلا يحسبنهم " ، فيه تعدي فعل الفاعل إلى ضمير نفسه، نحو ظننتني أخاه، ورأيتني الليلة عند الكعبة، ووجدتني رجعت من الإصغاء، وذلك أن هذه الأفعال وما كان في معناها لما كانت تدخل على الابتداء والخبر أشبهت " أن " وأخواتها، فكما تقول: إني ذاهب، فكذلك تقول: ظننتني ذاهباً، ولو قلت: أظن نفسي أفعل كذا لم يحسن، كما يحسن: أظنني فاعلاً، قرأ نافع وابن عامر: " لا يحسبن الذين " بالياء من تحت وفتح الباء، وكسر نافع السين، وفتحها ابن عامر " فلا تحسبنهم " بالتاء من فوق، وفتح الباء، والمفعولان اللذان يقتضيهما قوله " لا يحسبن الذين " محذوفان لدلالة ما ذكر بعده، والكلام في ذلك كما تقدم في قراءة ابن كثير، إلا أنه لا يجوز في هذا البدل الذي ذكره في قراءة ابن كثير وأبي عمرو لاختلاف الفعلين واختلاف فعليهما، وقرأ حمزة " لا تحسبن " بالتاء من فوق وكسر السين " فلا تحسبنهم " بالتاء من فوق وكسر السين وفتح الباء فـ { الذين } على هذه القراءة مفعول أول " لتحسبن " ، والمفعول الثاني محذوف لدلالة ما يجيء بعد عليه، كما قيل آنفاً في المفعولين، وحسن تكرار الفعل في قوله " فلا تحسبنهم " لطول الكلام، وهي عادة العرب وذلك تقريب لذهن المخاطب، وقرأ الضحاك بن مزاحم " فلا تحسبنهم " بالتاء من فوق وفتح السين وضم الباء، ...

الجوهرة الثانية والسبعون

وقال السمين

وقرأ جمهور السبعة: " وقاتَلوا وقُتِلوا " ببناء الأول للفاعل من المفاعلة، والثاني للمفعول، وهي قراءةُ واضحة. وابن عامر وابن كثير كذلك، إلا أنهما شَدَّدا التاء من " قُتِّلوا " للتكثير، وحمزة والكسائي بعكس هذا، ببناء الأول للمفعول، والثاني للفاعل.

وتوجيهُ هذه القراءةِ بأحدِ معنيين: إما أنَّ الواوَ لا تقتضي الترتيب فلذلك قُدِّم معها ما هو متأخرٌ في المعنى، هذا إن حملنا ذلك على اتِّحاد الأشخاص الذين صَدَر منهم هذان الفعلان. الثاني: أن يُحْمل ذلك على التوزيع، أي: منهم مَنْ قُتِل ومنهم مَنْ قاتل. وهذه الآية في المعنى كقوله: { قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ } [آل عمران: 146]، والخلافُ في هذه كالخلاف في قوله{ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } [الآية: 111] في براءة، والتوجيهُ هناك كالتوجيه هنا.

وقرأ عمر بن عبد العزيز: " وقَتَلوا وقُتِلوا " ببناء الأول للفاعل من " فَعَل " ثلاثياً، والثاني للمفعول، وهي كقراءة الجماعة.

وقرأ محارب بن دثار: " قَتَلوا وقاتلوا " ببنائهما للفاعل. وقرأ طلحة ابن مصرف: " وقُتِّلوا وقاتَلوا " كقراءةِ حمزة والكسائي، إلاَّ أنَّه شدَّد التاءَ، والتخريجُ كتخريج قراءتهما. ونقل الشيخ عن الحسن وأبي رجاء: " قاتلوا وقُتِّلوا " بتشديد التاء من " قُتِّلوا " ، وهذه هي قراءة ابن كثير وابن عامر كما تقدَّم، وكأنه لم يَعْرف أنها قراءتُهما.

اسامة محمد خيري
30-10-2018, 08:04
سورة النساء

الجوهرة الثالثة والسبعون

قال القرطبي

قوله تعالى: { وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ } كرّر الاتقاء تأكيداً وتنبيهاً لنفوس المأمورين. و «الذي» في موضع نصب على النعت. «وَالأَرحَامَ» معطوف. أي اتقوا الله أن تعصوه. واتقوا الأرحام أن تقطعوها. وقرأ أهل المدينة «تَسَّاءلُونَ» بإدغام التاء في السين. وأهل الكوفة بحذف التاء، لاجتماع تائين، وتخفيف السين؛ لأن المعنى يعرف؛ وهو كقوله:{ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ظ±لإِثْمِ } [المائدة: 2] و «تَنَزَّلُ» وشبهه.

وقرأ إبراهيم النخعي وقتادة والأعْمَش وحَمْزة { وَظ±لأَرْحَامِ } بالخفض. وقد تكلم النحويون في ذلك. فأما البصريون فقال رؤساؤهم: هو لَحْن لا تحِلّ القراءة به. وأما الكوفيون فقالوا: هو قبيح؛ ولم يزيدوا على هذا ولم يذكروا عِلّة قبحه؛ قال النحاس: فيما علمتُ.

وقال سيبويه: لم يعطف على المضمر المخفوض؛ لأنه بمنزلة التنوين، والتنوين لا يعطف عليه. وقال جماعة: هو معطوف على المكنِيّ؛ فإنهم كانوا يتساءلون بها، يقول الرجل: سألتك بالله والرحِم؛ هكذا فسره الحسن والنخعِيّ ومجاهد، وهو الصحيح في المسألة، على ما يأتي. وضعّفه أقوام منهم الزجاج، وقالوا: يقبح عطف الاسم الظاهر على المضمر في الخفض إلا بإظهار الخافض؛ كقوله{ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ظ±لأَرْضَ } [القصص: 81] ويقبح «مررت به وزيدٍ» قال الزجاج عن المازني: لأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان، يحل كل واحد منهما محل صاحبه؛ فكما لا يجوز «مررت بزيد وبك» كذلك لا يجوز «مررت بك وزيد». وأما سيبويه فهي عنده قبيحة ولا تجوز إلاّ في الشعر؛ كما قال:
فاليوم قرّبتَ تَهجُونا وتشتِمُنا فاذهبْ فما بكَ والأيامِ من عَجَب
عطف «الأيام» على الكاف في «بك» بغير الباء للضرورة. وكذلك قول الآخر:
نعلِّق في مِثل السَّوَارِي سيوفنا وما بينها والكَعْبِ مَهْوى نَفَانِفُ

عطف «الكعب» على الضمير في «بينها» ضرورة. وقال أبو عليّ: ذلك ضعيف في القياس. وفي (كتاب التذكرة المهدية) عن الفارسي أن أبا العباس المبرّد قال: لو صليتُ خلف إمام يقرأ { مَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيِّ } و«اتَّقُوا الله الذَّي تَسَاءَلُوَن بِه وَالأْرحَامِ» لأخذت نعلي ومضيت. قال الزجاج: قراءة حَمْزَةَ مع ضعفها وقبحها في العربية خطأ عظيم في أصول أمر الدين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تحلفوا بآبائكم " فإذا لم يجز الحلف بغير الله فكيف يجوز بالرّحِم. ورأيت إسماعيل بن إسحاق يذهب إلى أن الحلِف بغير الله أمر عظيم، وأنه خاص لله تعالى. قال النحاس: وقول بعضهم { وَظ±لأَرْحَامَ } قَسَمٌ خطأ من المعنى والإعراب؛ لأن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على النصب. وروى شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: " كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء قوم من مضر حُفاةً عراةً، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير لِما رأى من فاقتهم، ثم صلى الظهر وخطب الناس فقال: { يَأَيُّها النَّاسُ ظ±تقُوا رَبَّكُمُ } ، إلى { وَالأَرْحَامَ }؛ ثم قال: «تصدّق رجل بديناره تصدّق رجل بدرهمه تصدّق رجل بصاع تمره» " وذكر الحديث. فمعنى هذا على النصب؛ لأنه حضّهم على صلة أرحامهم وأيضاً فقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم: " من كان حالِفا فليحلف بالله أو ليصمت " فهذا يرّد قول من قال: المعنى أسألك بالله وبالرّحم. وقد قال أبو إسحاق: معنى { تَسَاءَلُونَ بِهِ } يعني تطلبون حقوقكم به. ولا معنى للخفض أيضاً مع هذا.

قلت: هذا ما وقفت عليه من القول لعلماء اللسان في منع قراءة «وَالأَرْحَامِ» بالخفض، واختاره ابن عطية.

وردّه الإمام أبو النصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيريّ، واختار العطف فقال: ومثل هذا الكلامِ مردود عند أئمة الدين؛ لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القرّاء ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم تواتراً يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن ردّ ذلك فقد ردّ على النبي صلى الله عليه وسلم، واستقبح ما قرأ به وهذا مقام محذور، ولا يقلَّد فيه أئمة اللغة والنحو؛ فإن العربية تُتلقّى من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يشك أحد في فصاحته. وأما ما ذكر من الحديث ففيه نظر؛ لأنه عليه السلام قال لأبي العُشَرَاء. " وأبِيك لو طعنت في خاصرته " ثم النهي إنما جاء في الحلفِ بغير الله، وهذا توسل إلى الغير بحق الرّحم فلا نهي فيه. قال القشيري: وقد قيل هذا إقسام بالرّحم، أي اتقوا الله وحق الرحم، كما تقول: افعل كذا وحقِّ أبيك.

وقد جاء في التنزيل: «والنَّجْمِ، والطّورِ، والتِّينِ، لَعْمرُك» وهذا تكلفٌ.

قلت: لا تكلف فيه فإنه لا يبعد أنه يكون «وَالأَرْحَامِ» من هذا القبيل، فيكون أقسم بها كما أقسم بمخلوقاته الدالة على وحدانيته وقدرته تأكيداً لها حتى قرنها بنفسه. والله أعلم.

ولِلّهِ أن يُقسِم بما شاء ويبيح ما شاء، فلا يبعد أن يكون قسماً. والعرب تُقسم بالرحم. ويصح أن تكون الباء مرادةً فحذفها كما حذفها في قوله:
مَشائيمُ ليسوا مُصلِحِينَ عَشِيرةً ولا ناعِبٍ إلاّ بِبَيْنٍ غُرابُها
فجر وإن لم يتقدّم باء. قال آبن الدَّهان أبو محمد سعيد بن مبارك: والكوفي يُجيز عطف الظاهر على المجرور ولا يمنع منه. ومنه قوله:
آبَكَ أيِّهْ بِيَ أو مُصَدَّرِ من حُمُر الجِلّةِ جَأْبٍ حَشْوَرِ
ومنه:
فاذْهَبْ فما بِكَ والأيَّامِ مِنْ عَجَبِ
وقـول الآخـر:
وما بَيْنها والكَعْبِ غَوْطٌ نَفَانِفُ
ومنه:
فحسبُك والضَّحّاكِ سَيْفٌ مُهَنَّدُ
وقول الآخر:
وقد رَامَ آفاقَ السّماءِ فلم يَجِدْ له مَصعَداً فيها ولا الأرْضِ مَقْعَدَا
وقول الآخر:
ما إنْ بها والأُمورِ مِنْ تَلَفٍ ما حُمّ مِنْ أمرِ غَيْبِهِ وَقَعَا
وقول الآخر:
أمُرُّ على الكَتِيبَة لَسْتُ أدرِي أحَتْفِيَ كان فيها أمْ سِواها
فـ «سواها» مجرور الموضع بفِي. وعلى هذا حمل بعضهم قوله تعالى:{ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ } [الحجر: 20] فعطف على الكاف والميم. وقرأ عبدالله بن يزيد «وَالأَرْحَامُ» بالرفع على الآبتداء، والخبر مقدر، تقديره: والأرحام أهل أن توصل. ويحتمل أن يكون إغراء لأن من العرب من يرفع المغرى. وأنشد الفراء:
إن قوما منهم عُمَيْرٌ وأشْبَا هُ عُمَيْرٍ ومنهم السفّاحُ
لَجَديرون باللِّقاء إذا قا ل أخو النّجْدَةِ السلاحُ السلاحُ
وقد قيل: إنّ { وَالأَرحَامَ } بالنصب عطف على موضع به؛ لأن موضعه نصب، ومنه قوله:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وكانوا يقولون: أنشُدُك بالله والرّحِمَ. والأظهر أنه نصب بإضمار فعلٍ كما ذكرنا...

وقال السمين

قوله: { وَظ±لأَرْحَامَ } الجمهور/ على نصب ميم " والأرحام " وفيه وجهان، أحدهما: أنه عطفٌ على لفظ الجلالة أي: واتقوا الأرحام أي: لا تقطعوها. وقَدَّر بعضهم مضافاً أي: قَطْعَ الأرحام، ويقال: " إنَّ هذا في الحقيقة من عطفِ الخاص على العام، وذلك أن معنى اتقوا الله: اتقوا مخالفَتَه، وقطعُ الأرحام مندرجٌ فيها ". والثاني: أنه معطوفٌ على محل المجرور في " به " نحو: مررت بزيد وعمراً، لَمَّا لَم يَشْرَكْه في الإِتباع على اللفظِ تبعه على الموضع. ويؤيد هذا قراءة عبد الله: " وبالأرحام ". وقال أبو البقاء: " تُعَظِّمونه والأرحام، لأنَّ الحَلْفَ به تعظيمٌ له ".

وقرأ حمزة " والأرحامِ " بالجر، وفيها قولان، أحدهما: أنه عطفٌ على الضمير المجرور في " به " من غير إعادة الجار، وهذا لا يجيزه البصريون، وقد تقدَّم تحقيقُ القول في هذه المسألة، وأنَّ فيها ثلاثةَ مذاهب، واحتجاجُ كل فريق في قوله تعالى:{ وَكُفْرٌ بِهِ وَظ±لْمَسْجِدِ } [البقرة: 217].

وقد طَعَنَ جماعة على هذه القراءة كالزجاج وغيره، حتى يحكى عن الفراء الذي مذهبه جوازُ ذلك أنه قال: " حَدَّثني شريك بن عبد الله عن الأعمش عن إبراهيم قال: " والأرحامِ " ـ بخفض الأرحام ـ هو كقولهم: " أسألك بالله والرحمِ " قال: " وهذا قبيحٌ " لأنَّ العرب لا تَرُدُّ مخفوضاً على مخفوضٍ قد كُنِيَ عنه ".

والثاني: أنه ليس معطوفاً على الضمير المجرور بل الواوُ للقسم وهو خفضٌ بحرفِ القسم مُقْسَمٌ به، وجوابُ القسم: " إنَّ الله كان عليكم رقيباً ". وضُعِّف هذا بوجهين، أحدهما: أن قراءتَيْ النصبِ وإظهار حرف الجر في " بالأرحام " يمنعان من ذلك، والأصل توافقُ القراءات. والثاني: أنه نُهِيَ أن يُحْلَف بغير الله تعالى والأحاديثُ مصرحةٌ بذلك.

وقدَّر بعضُهم مضافاً فراراً من ذلك فقال: " تقديره: وربِّ الأرحام: قال أبو البقاء: وهذا قد أَغْنى عنه ما قبله " يعني الحلف بالله تعالى. ولقائل [أن يقول:] " إنَّ لله تعالى أن يُقْسِم بما شاء كما أقسم بمخلوقاتِه كالشمس والنجم والليل، وإن كنا نحن مَنْهيين عن ذلك " ، إلا أنَّ المقصودَ من حيث المعنى ليس على القسمِ، فالأَوْلى حَمْلُ هذه القراءةِ على العطفِ على الضمير، ولا التفاتَ إلى طَعْنِ مَنْ طَعَن فيها، وحمزةُ بالرتبة السَّنِيَّة المانعةِ له مِنْ نقلِ قراءة ضعيفة.

وقرأ عبد الله أيضاً: " والأرحامُ " رفعاً وهو على الابتداء، والخبر محذوفٌ فقدَّره ابن عطية: " أهلٌ أَنْ توصل " ، وقَدَّره الزمخشري: و " الأرحامُ مِمَّا يتقى، أو: مما يُتَساءل به " ، وهذا أحسنُ للدلالة اللفظية والمعنوية، بخلاف الأول، فإنه للدلالة المعنوية فقط، وقَدَّره أبو البقاء: " والأرحامُ محترمة " أي: واجبٌ حرمتُها......

{ أَن لاَ تَعُولُواْ } في محلِّ نصب أو جَرٍّ على الخلافِ المشهور في " أن " بعد حذف حرف الجر، وفي ذلك الحرف المحذوف ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: " إلى " أي: أدنى إلى ألاَّ تعولوا. والثاني: " اللام " والتقدير: أدنى لئلا تعولوا. والثالث: وقَدَّره الزمخشري: مِنْ أن لا تميلوا، لأن أفعل التفضيل يَجْري مجرى فِعله، فما تعدَّى به فعلُه تعدَّى هو به، وأَدْنى من دنا، و " دنا " يتعدَّى بـ إلى واللام ومِنْ. تقول: دَنَوْت إليه وله ومنه.

وقرأ الجمهور: " تَعُولوا " مِنْ عالَ يَعُول إذا مال وجار، والمصدر: العَوْل والعِيالة، وعالَ الحاكم أي: جار، قال أبو طالب في النبيّ صلى الله عليه وسلم:
1536ـ........................ له حاكمٌ من نفسِه غيرُ عائِل
وعالَ الرجل عيالَه يَعُولهم أي: مانَهم من المَؤُونة، ومنه: " ابدَأْ بنفسك ثم بمن تعول " ، وحكى ابن الأعرابي: عال الرجل يعول: كثر عياله، وعالَ يَعِيل افتقر وصار له عائلةٌ. والحاصل: أن " عال " يكونُ لازماً ومتعدياً، فاللازمُ يكون بمعنى مالَ وجارَ، ومنه " عال الميزانُ " ، وبمعنى كَثُر عيالُه، وبمعنى تفاقم الأمرُ، والمضارعُ من هذا كلِّه يعولُ، وعالَ الرجل، افتقر، وعالَ في الأرض ذهب فيها، والمضارع من هذين يَعِيل، والمتعدي يكون بمعنى أثقل وبمعنى مان من المؤونة وبمعنى غَلَب، ومنه " عيل صبري " /، ومضارع هذا كله: يَعُول، وبمعنى أعجز، تقول: أعالني الأمر أي: أعجزني، ومضارع هذا يَعيل، والمصدر عَيْل ومَعِيل. فقد تلخص من هذا أن " عال " اللازم يكون تارة من ذوات الواو وتارة من ذوات الياء باختلاف المعنى، وكذلك " عال " المتعدي أيضاً.

وفَسَّر الشافعي " تَعُولوا " بمعنى: يكثرُ عيالُكم، وردَّ هذا القولَ جماعة كأبي بكر بن داود الرازي والزجاج وصاحب " النظم ". قال الرازي: " هذا غلطٌ من جهة المعنى واللفظ: أما الأول فلإِباحة السراري مع أنه مَظَنَّة كثرة العيال كالتزوج، وأما اللفظ فلأن مادة " عال " بمعنى كَثُر عياله من ذوات الياء لأنه من العَيْلَة، وأما " عال " بمعنى جار فمِنْ ذواتِ الواو فاختلفت المادتان، وأيضاً فقد خالَفَ المفسرين ". وقال صاحب النظم: " قال أولاً " ألاَّ تعدلوا " فوجَبَ أن يكونَ ضدُّه الجورَ ".

وقد ردَّ الناسُ على هؤلاء، أمَّا قولهم: التسرِّي أيضاً يكثُر معه العيال من أنه مباح " فممنوعٌ، وذلك لأنَّ الأمةَ ليست كالمنكوحةِ، ولهذا يَعْزِلُ عنها بغيرِ إذنها ويُؤْجرُها ويأخذ أُجرتها ينفقها عليه وعليها وعلى أولادها. وقال الزمخشري: " وجهُه أَنْ يُجعل من قولِك: " عالَ الرجل عِياله يعولهم " كقولك: مانَهم يَمُونهم أي: أنفق عليهم، لأنَّ مَنْ كثر عياله لزمه أن يَعُولهم، وفي ذلك ما يَصْعُب عليه المحافظة من كسبِ الحلال والأخذِ من طيب الرزق " ثم أثنى على الشافعي ثناءً جميلاً، وقال: " ولكنْ للعلماء طرقٌ وأساليبُ، فسلك في تفسير هذه الكلمة مَسْلَكَ الكنايات ". انتهى.

وأمَّا قولُهم: " خالفَ المفسرين " فليس بصحيح، بل قاله زيد ابن أسلم وابن زيد. وأمَّا قولُهم " اختلف المادتان " فليس بصحيح أيضاً؛ لأنه قد تقدَّم حكايةُ ابن الأعرابي عن العرب: " عال الرجل يَعُول: كثر عياله " ، وحكاها الكسائي أيضاً، قال: " يقال: عال الرجل يَعُول، وأعال يُعيل: كَثُر عياله " ونقلها أيضاً الدوري المقرىء لغةً عن حِمْير وأنشد:
1537ـ وإنَّ الموتَ يأخذُ كلَّ حَيٍّ بلا شك وإنْ أَمْشى وعَالا
أمشىظ°: كثرت ماشيته، وعال: كَثُر عياله، ولا حجةَ في هذا؛ لاحتمال أن يكونَ " عال " من ذوات الياء، وهم لا يُنْكرون أنَّ " عال " يكون بمعنى كَثُر عياله، ورُوي عنه أيضاً أنه فسَّر " تَعُولوا " بمعنى تفتقروا، ولا يُريد به أنَّ تَعولوا وتَعيلوا بمعنى، بل قصدَ الكناية أيضاً، لأن كثرة العيال سببُ الفقر.

وقرأ طلحة: " تَعيلوا " بفتح تاء المضارعة من عالَ يعيل: افتقر، قال:
1538ـ وما يَدْري الفقيرُ متى غِناه وما يَدْري الغنيُّ متى يَعِيل
وقرأ طاوس: " تُعيلوا " بضمها من أعال: كَثُر عياله، وهي تعضُد تفسيرَ الشافعي المتقدم من حيث المعنى. وقال الراغب: " عاله وغاله يتقاربان، لكن الغَوْل فيما يُهْلِك، والعَوْل فيما يُثْقِل، وعالت الفريضة: إذا زادت في القِسمة المسماة لأصحابها بالنصِّ ".....

وقرأ نافع وابن عامر: " قِيَماً " وباقي السبعة: " قِياماً " وابن عمر: " قِواماً " بكسر القاف، والحسن وعيسى بن عمر: " قَواماً " بفتحها، ويروى عن أبي عمرو. وقرىء " قِوَماً " بزنة عِنَب.

فأما قراءة نافع وابنِ عامر ففيها ثلاثة أوجه، أحدهما: أنَّ " قِيَماً " مصدرٌ كالقيام وليس مقصوراً منه، قال الكسائي والأخفش والفراء، فهو مصدر بمعنى القيام الذي يُراد به الثباتُ والدوامُ.

وقد رُدَّ هذا القول بأنه كان ينبغي أن تَصِحَّ الواو لتحصُّنِها بتوسُّطِها، كما صَحَّت واو " عِوَض " و " حِوَل ". وأُجيب عنه بأنه تبع فعلَه في الإِعلال. فكما أُعِلَّ فعلُه أُعِلَّ هو، ولأنه بمعنى القِيام فَحُمِل عليه في الإِعلال. وحَكَى الأخفَشُ: قِيَماً وقِوَماً قال: " والقياسُ تصحيحُ الواو، وإنما اعتلَّت على وجهِ الشذوذِ كقولهم: " ثِيَرة " ، وقولِ بني ضبة: " طِيال " في جمع طويل، وقولِ الجميع " جِياد " جمع جَواد، وإذا أعلُّوا " دِيَماً " لاعتلالِ " دِيْمة " فاعتلالُ المصدر لاعتلال فعلِه أَوْلى، ألا ترى إلى صحة الجمع مع اعتلالِ مفردِه في معيشة ومعايش، ومقامة ومقاوِم، ولم يصححوا مصدراً أعلُّوا فِعْلَه.

الثاني: أنه مقصورٌ من " قيام " ، فحذفوا الألف تخفيفاً كما قالوا: خيَم في " خِيام " و " مِخْيَط " و " مِقْول " في: " مِخْياط " و " مِقْوال ".

والثالث: أنه جمع " قِيمة " كـ " دِيَم " في جمع دِيْمَة، والمعنى: أنَّ الأموالَ كالقيم للنفوس لأنَّ بقاءها بها. وقد رَدَّ الفارسي هذا الوجهَ، وإنْ كان هو قولَ البصريين غيرَ الأخفش بأنه قد قُرِىء قوله تعالى:{ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ } [الأنعام: 161] وقوله: { ظ±لْبَيْتَ ظ±لْحَرَامَ قِيَماً لِّلنَّاسِ } [المائدة: 97] ولا يَصِحُّ معنى القِيَمة فيهما. وقد ردَّ عليه الناس بأنه لا يلزَمُ من عدم صحةِ معناه في الآيتين المذكورتين ألاَّ يصِحَّ هنا، إذ معناه هنا لائقٌ، وهناك معنىً آخرُ يليق بالآيتين المذكورتين كما سيأتي.

وأمَّا قراءةُ باقي السبعة فهو مصدرُ " قام " والأصلُ قِوام، فَأُبْدلت الواوُ ياءً للقاعدةِ المعروفة، والمعنى: التي جَعَلَها الله سبب قيامِ أبدانكم أي: بقائِها. وقال الزمخشري: " أي تقومون بها وتنتعشون ".

وأما قراءة عبد الله بن عمر ففيها وجهان، أحدهما: أنه مصدر قاوَمَ كـ لاوَذَ لِواذاً، صحَّت الواو في المصدر/ كما صحت في الفعل. والثاني: أنه اسم لما يقوم به الشيء، وليس بمصدرٍ كقولهم: هذا مِلاك الأمر " أي ما يُمْلك به.

وأما قراءة الحسن ففيها وجهان، أحدهما: أنه اسم مصدر كالكَلام والدوام والسلام. والثاني: أنه لغة في القِوام المراد به القامة، والمعنى: التي جعلها الله سببَ بقاءِ قاماتكم، يقال: جارية حسنةُ القِوام والقَوام والقَامة، كلُّه بمعنىً واحد. وقال أبو حاتم: " قَوام بالفتح خطأٌ " قال: " لأنَّ القوام امتداد القامة " ، وقد تقدَّم تأويل ذلك على أن الكسائي قال: " هو بمعنى القِوام " أي بالكسرِ، يعني أنه مصدر....

اسامة محمد خيري
30-10-2018, 08:51
الجوهرة الرابعة والسبعون

قال الالوسي:

{ مّنْهُمْ رُشْداً } أي اهتداءاً إلى ضبط الأموال وحسن التصرف فيها، وقيل: صلاحاً في دينهم وحفظاً لأموالهم، وتقديم الجار والمجرور لما مر غير مرة، وقرىء (رشداً) بفتحتين، و (رشداً) بضمتين، وهما بمعنى رشداً، وقيل: الرشد بالضم في الأمور الدنيوية والأخروية، وبالفتح في الأخروية لا غير....

وقال ابن عطية

وقوله تعالى: { وله أخ أو أخت } الآية، الضمير في له عائد على الرجل، واكتفى بإعادته عليه دون المرأة، إذ المعنى فيهما واحد، والحكم قد ضبطه العطف الأول، وأصل { أخت }: أخوة، كما أصل بنت: بنية، فضم أول أخت إذ المحذوف منها واو، وكسر أول بنت إذ المحذوف ياء، وهذا الحذف والتعليل على غير قياس، وأجمع العلماء على أن الإخوة في هذه الآية الإخوة لأم، لأن حكمهم منصوص في هذه الآية على صفة، وحكم سائر الإخوة مخالف له، وهو الذي في كلالة آخر السورة، وقرأ سعد بن أبي وقاص " وله أخ أو أخت لأمه " والأنثى والذكر في هذه النازلة سواء، وشركتهم في الثلث متساوية وإن كثروا،........

ومعنى الآية على هذا القول: { لا يحل لكم } أن تجعلوا النساء كالمال، يورَثن عن الرجال الموتى، كما يورث المال، والمتلبس بالخطاب أولياء الموتى، وقال بعض المتأولين: معنى الآية: { لا يحل لكم } عضل النساء اللواتي أنتم أولياء لهن وإمساكهن دون تزويج حتى يمتن فتورث أموالهن.

قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا القول فالموروث مالها لا هي، وروي نحو هذا عن ابن عباس وغيره، والمتلبس بالخطاب أولياء النساء وأزواجهن، إذا حبسوهن مع سوء العشرة طماعية أن يرثها

وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عمرو وابن كبير: " كَرهاً " بفتح الكاف حيث وقع في النساء وسورة التوبة وفي الأحقاف، وقرأ حمزة والكسائي جميع ذلك بضم الكاف، وقرأ عاصم وابن عامر في النساء والتوبة بفتح الكاف، وفي الأحقاف في الموضعين بضمها، والكَره والكُره لغتان كالضعف والضعف، والفقر والفقر، قاله أبو علي، وقال الفراء: هو بضم الكاف المشقة وبفتحها إكراه غير، وقاله ابن قتيبة،

الجوهرة الخامسة والسبعون

قال الرازى

المسألة الثالثة: قرأ نافع وأبو عمرو { مُّبَيّنَةٍ } بكسر الياء و{ آيات مُّبَيّنَـظ°تٍ } [النور: 34] بفتح الياء حيث كان، قال لأن في قوله: { مُبَيّنَـظ°تٍ } قصد إظهارها، وفي قوله: { بِفَـظ°حِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } لم يقصد اظهارها، وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم بالفتح فيهما، والباقون بكسر الياء فيهما، أما من قرأ بالفتح فله وجهان: الأول: أن الفاحشة والآيات لا فعل لهما في الحقيقة، إنما الله تعالى هو الذي بينهما. والثاني: ان الفاحشة تتبين، فان يشهد عليها أربعة صارت مبينة، وأما الآيات فان الله تعالى بينها، وأما من قرأ بالكسر فوجهه أن الآيات إذا تبينت وظهرت صارت أسبابا للبيان وإذا صارت أسبابا للبيان جاز إسناد البيان اليها، كما أن الاصنام لما كانت أسبابا للضلال حسن اسناد الاضلال اليها كقوله تعالى:{ رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ ظ±لنَّاسِ } [إبراهيم: 36

اسامة محمد خيري
30-10-2018, 10:10
الجزء الخامس

الجوهرة السادسة والسبعون

{ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَنُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً }

قال السمين

قوله تعالى: { وَظ±لْمُحْصَنَاتُ }: قرأ الجمهور هذه اللفظة سواء كانت معرفة بـ " أل " أم نكرة بفتح الصاد، والكسائي بكسرها في الجمع إلا قوله { وَظ±لْمُحْصَنَاتُ مِنَ ظ±لنِّسَآءِ } في رأس الجزء فإنه وافق الجمهور. فأمَّا الفتحُ ففيه وجهان، أشهرهما: أنه أَسْند الإِحصان إلى غيرهن، وهو إمَّا الأزواج أو الأولياء، فإن الزوج يُحْصِنُ امرأته أي: يُعِفُّها، والوليَّ يُحصِنُها بالتزويجِ أيضاً والله يُحْصِنُها بذلك. والثاني: أن هذا المفتوحَ الصادِ بمنزلة المكسور، يعني أنه اسمُ فاعل، وإنما شَذَّ فتحُ عين اسم الفاعل في ثلاثة ألفاظَ: أَحْصَنَ فهو مُحْصَن وأَلْقح فهو مُلْقَح، وأَسْهَب فهو مُسْهَب.

وأمَّا الكسر فإنه أسند الإِحصان إليهن؛ لأنهن يُحْصِنَّ أنفسهن بعفافهن، أو يُحْصِنَّ فروجهن بالحفظ، أو يُحْصِنَّ أزواجهن. وأما استثناء الكسائي التي في رأس الجزء قال: " لأن المراد بهن المُزَوَّجات فالمعنى: أن أوزاجَهُنَّ أحصنوهن، فهن مفعولاتٌ " ، وهذا على أحدِ الأقوال في المحصنات هنا مَنْ هن؟ على أنه قد قرىء ـ شاذاً ـ التي في رأس الجزء بالكسر أيضاً، وإنْ أُريد بهن المزوَّجات؛ لأنَّ المراد أحصنَّ أزواجهنّ أو فروجهنّ، وهو ظاهر. وقرأ يزيد بن قطيب: و " المُحْصُنات " بضم الصاد، كأنه لم يَعْتَدَّ بالساكن فأتبعَ الصاد للميم كقولهم: " مُنْتُن ".

وأصلُ هذه المادة الدلالةُ على المَنْعِ ومنه " الحِصْن " لأنه يُمْنع به، و " حِصان " للفرس من ذلك. ويقال: أَحْصَنَتِ المرأةُ وحَصُنَتْ، ومصدرُ حَصُنَت: " حُصْن " عن سيبويه و " حَصانة " عن الكسائي وأبي عبيدة، واسمُ الفاعلِ من أَحْصَنَتْ مُحْصَنة، ومن حَصُنت حاصِن، قال:
1569ـ وحاصِنٍ من حاصناتٍ مُلْسِ مِن الأذى ومن قِراف الوَقْسِ
ويقال لها: " حَصان " أيضاً بفتح الحاء، قال حسان يصف عائشة رضي الله عنها:
1570ـ حَصانٌ رزانٌ ما تُزَنُّ بريبةٍ وتصبحُ غَرْثَى مِنْ لُحومِ الغَوافل
والإِحصانُ في القرآن وَرَد، ويُراد به أحدُ أربعة معان: التزوج والعفة والحرية والإِسلام،وهذا تنفعك معرفته في الاستثناء الواقع بعده: فإن أُريد به هنا التزوُّجُ كان المعنى: وحُرِّمت عليكم المحصنات أي: المزوجات إلا النوعَ الذي ملكته أيمانكم: إما بالسَّبْي أو بمِلْكٍ مِنْ شَرْي وهبة وإرثٍ، وهو قولُ بعضِ أهل العلم، ويدلُ على الأول قولُ الفرزدق:
1571ـ وذاتِ حَليلٍ أَنْكَحَتْها رماحُنا حَلالٌ لِمَنْ يَبْني بها لم تُطَلَّقِ
يعني: أنَّ مجردَ سبائِها أحلَّهَا بعد الاستبراءِ. وإنْ أُريد به الإِسلام أو العفةُ فالمعنى أنَّ المسلماتِ أو العفيفاتِ حرامٌ كلهن، يعني فلا يُزْنى بهن إلا ما مُلِك منهن بتزويجٍ أو مِلْك يمين، فيكون المرادُ بـ { مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ } التسلُّطَ عليهن وهو قَدْرٌ مشترك، وعلى هذه الأوجه الثلاثة يكونُ الاستثناء متصلاً. وإنْ أريد به الحرائرُ فالمرادُ إلا ما مُلِكت بمِلْكِ اليمينِ، وعلى هذا فالاستثناءُ منقطع...

{ فَظ±نكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِظ±لْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ظ±لْمُحْصَنَاتِ مِنَ ظ±لْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ظ±لْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَظ±للَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.


قال ابن عطية

وقوله تعالى: { فإذا أحصنَّ } الآية قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر " أُحصن " على بناء الفعل للمفعول, وقرأ حمزة والكسائي على بناء الفعل للفاعل، واختلف عن عاصم, فوجه الكلام أن تكون القراءة الأولى بالتزوج، والثانية بالإسلام أو غيره مما هو من فعلهن، ولكن يدخل كل معنى منهما على الآخر، واختلف المتأولون فيما هو الإحصان هنا، فقال الجمهور: هو الإسلام، فإذا زنت الأمة المسلمة حدت نصف حد الحرة - وإسلامها هو إحصانها الذي في الآية، وقالت فرقة: إحصانها الذي في الآية هو التزويج لحر، فإذا زنت الأمة المسلمة التي لم تتزوج فلا حد عليها، قاله سعيد بن جبير والحسن وقتادة، وقالت فرقة: الإحصان - في الآية التزوج، إلا أن الحد واجب على الأمة المسلمة بالسنة، وهي الحديث الصحيح في مسلم والبخاري، أنه " قيل: يا رسول الله، الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ فأوجب عليها الحد " قال الزهري: فالمتزوجة محدودة بالقرآن والمسلمة غير المتزوجة محدودة بالحديث.

قال القاضي أبو محمد: وهذا الحديث والسؤال من الصحابة يقتضي أنهم فهموا من القرآن أن معنى { أحصنَّ } تزوجن، وجواب النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك يقتضي تقرير المعنى ومن أراد أن يضعف قول من قال: إنه الإسلام بأن الصفة لهن بالإيمان قد تقدمت وتقررت فذلك غير لازم، لأنه جائز أن يقطع في الكلام ويزيد، فإذا كن على هذه الحالة المتقدمة من الإيمان { فإن أتين بفاحشة فعليهن } ، وذلك سائغ صحيح، والفاحشة هنا: الزنى بقرينة إلزام الحد، و { المحصنات } في هذه الآية الحرائر، إذ هي الصفة المشروطة في الحد الكامل، والرجم لا يتنصف، فلم يرد في الآية بإجماع، ثم اختلف، فقال ابن عباس والجمهور: على الأمة نصف المائة لا غير ذلك، وقال الطبري وجماعة من التابعين: على الأمة نصف المائة ونصف المدة، وهي نفي ستة أشهر, والإسشارة بذلك إلى نكاح الأمة،

وقال ابن كثير

وقوله تعالى { فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـظ°حِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ظ±لْمُحْصَنَـظ°تِ مِنَ ظ±لْعَذَابِ } اختلف القراء في أحصن، فقرأه بعضهم بضم الهمزة وكسر الصاد، مبني لما لم يسم فاعله، وقرىء بفتح الهمزة والصاد، فعل لازم، ثم قيل معنى القراءتين واحد، واختلفوا فيه على قولين أحدهما أن المراد بالإحصان ههنا الإسلام، وروي ذلك عن عبد الله بن مسعود وابن عمر وأنس والأسود بن يزيد وزر بن حبيش وسعيد ابن جبير وعطاء وإبراهيم النخعي والشعبي والسدي، وروى نحوه الزهري عن عمر بن الخطاب، وهو منقطع، وهذا هو القول الذي نص عليه الشافعي في رواية الربيع، قال وإنما قلنا ذلك استدلالاً بالسنة، وإجماع أكثر أهل العلم.

وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثاً مرفوعاً، قال حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله، حدثنا أبي عن أبيه، عن أبي حمزة، عن جابر، عن رجل، عن أبي عبد الرحمن، عن علي بن أبي طالب، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { فَإِذَآ أُحْصِنَّ } قال " إحصانها إسلامها وعفافها " وقال المراد به ههنا التزويج. قال وقال علي اجلدوهن، ثم قال ابن أبي حاتم وهو حديث منكر. قلت وفي إسناده ضعف، وفيه من لم يسم، ومثله لا تقوم به حجة. وقال القاسم وسالم إحصانها إسلامها وعفافها. وقيل المراد به ههنا التزويج، وهو قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة وطاوس وسعيد ابن جبير والحسن وقتادة وغيرهم. ونقله أبو علي الطبري في كتابه الإيضاح عن الشافعي، فيما رواه أبو الحكم بن عبد الحكم عنه. وقد روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد أنه قال إحصان الأمة أن ينكحها الحر، وإحصان العبد أن ينكح الحرة، وكذا روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس، رواهما ابن جرير في تفسيره، وذكره ابن أبي حاتم عن الشعبي والنخعي.

وقيل معنى القراءتين متباين، فمن قرأ أحصن بضم الهمزة، فمراده التزويج، ومن قرأ بفتحها، فمراده الإسلام. اختاره أبو جعفر بن جرير في تفسيره، وقرره ونصره، والأظهر، والله أعلم أن المراد بالإحصان ههنا التزويج لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول سبحانه وتعالى { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ظ±لْمُحْصَنَـظ°تِ ظ±لْمُؤْمِنَـظ°تِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـظ°نُكُم مِّن فَتَيَـظ°تِكُمُ ظ±لْمُؤْمِنَـظ°تِ } والله أعلم. والآية الكريمة سياقها كلها في الفتيات المؤمنات، فتعين أن المراد بقوله { فَإِذَآ أُحْصِنَّ } أي تزوجن كما فسره ابن عباس ومن تبعه،

وعلى كل من القولين إشكال على مذهب الجمهور، وذلك أنهم يقولون إن الأمة إذا زنت، فعليها خمسون جلدة، سواء كانت مسلمة أو كافرة، مزوجة أو بكراً، مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لاحد على غير المحصنة ممن زنى من الإماء. وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك، فأما الجمهور فقالوا لاشك أن المنطوق مقدم على المفهوم. وقد وردت أحاديث عامة في إقامة الحد على الإماء، فقدمناها على مفهوم الآية. فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن علي رضي الله عنه أنه خطب فقال يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لنبي الله صلى الله عليه وسلم فقال أحسنت، اتركها حتى تماثل " ، وعند عبد الله بن أحمد عن غير أبيه " فإذا تعالت من نفسها حُدّها خمسين " وعن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إذا زنت أمة أحدكم، فتبين زناها، فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثانية، فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة، فتبين زناها، فليبعها، ولو بحبل من شعر " ولمسلم " إذا زنت ثلاثاً، فليبعها في الرابعة " ، وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش، فجلدنا ولائد من ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنا. الجواب الثاني جواب من ذهب إلى أن الأمة إذا زنت ولم تحصن، فلا حد عليها، وإنما تضرب تأديباً، وهو المحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما. وإليه ذهب طاوس وسعيد بن جبير وأبو عبيد القاسم بن سلام وداود بن علي الظاهري في رواية عنه، وعمدتهم مفهوم الآية، وهو من مفاهيم الشرط، وهو حجة عند أكثرهم، فقدم على العموم عندهم، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال " إن زنت فحدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير " .....

وقال الرازى

{ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الكسائي { ظ±لْمُحْصَنَـظ°تِ } بكسر الصاد، وكذلك { مُحْصَنَـظ°ت غَيْرَ مُسَـظ°فِحَـظ°تٍ } وكذلك { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ظ±لْمُحْصَنَـظ°تِ } كلها بكسر الصاد، والباقون بالفتح، فالفتح معناه ذوات الأزواج، والكسر معناه العفائف والحرائر، والله أعلم

وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً }

قال السمين

قوله تعالى: { وَمَن يَفْعَلْ }: " مَنْ " شرطية مبتدأ، والخبر: " فسوف " ، والفاء هنا واجبة لعدم صلاحية الجواب للشرط، و " ذلك " إشارةٌ إلى قَتْل الأنفس. و " عدواناً وظلماً " حالان أي: معتدياً ظالماً أو مفعولٌ من أجلِها، وشروطُ النصب متوفرة. وقرىء: " عِدواناً " بكسر العين.

وقرأ الجمهور " نُصْليه " من أصلى والنون للتعظيم. وقرأ الأعمش: " نُصَلِّيه " مشدداً، وقرىء " نَصليه " بفتح النون، من صَلَيْتُه النار. ومنه " شاة مَصْلِيَّة ". و " يَصْليه " بياء الغيبة. وفي الفاعلِ احتمالان، أحدُهما: أنه ضمير الباري تعالى. والثاني: أنه ضمير عائد على ما أشير بـ " ذلك " إليه من القتل، لأنه سببٌ في ذلك. ونَكَّر " ناراً " تعظيماً

اسامة محمد خيري
30-10-2018, 11:21
الجوهرة السابعة والسبعون

قال القرطبي

و { مَآ } في قوله: { بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ } مصدرية، أي بحفظ الله لهنّ. ويصح أن تكون بمعنى الذي، ويكون العائد في «حفظ» ضمير نصب وفي قراءة أبي جعفر «بما حفط الله» بالنصب قال النحاس: الرفع أبين أي حافظات لمغيب أزواجهن بِحفظ الله ومعونته وتسديده. وقيل: بما حفِظهن الله في مهورهن وعشرتهن. وقيل: بما استحفظهن الله إياه من أداء الأمانات إلى أزواجهن. ومعنى قراءة النصب: بحفظهن الله؛ أي بحفظهن أمره أو دينه. وقيل في التقدير: بما حفظن الله، ثم وُحِّد الفعل؛ كما قيل:
فـإن الحـوادث أَودَى بهـا
وقيل: المعنى بحفظٍ الله؛ مثل حفِظتُ الله.........

وقال ابن عطية

وحذفت النون من { تكن } لكثرة الاستعمال، وشبهها خفة بحروف المد واللين، وقرأ جمهور السبعة " حسنةً " بالرفع على نقصان " كان " واسمها مضمر تقديره وإن تك زنة الذرة حسنة، وقرأ نافع وابن كثير " حسنةٌ " بالرفع على تمام " كان " التقدير: وإن تقع حسنة أو توجد حسنة، و { يضاعفها } جواب الشرط، وقرأ ابن كثير وابن عامر " يضعفها " مشددة العين بغير ألف، قال ابو علي: المعنى فيهما واحد، وهما لغتان، وقرأ الحسن " يضْعفها " بسكون الضاد وتخفيف العين، ومضاعفة الشيء في كلام العرب: زيادة مثله إليه، فإذا قلت: ضعفت, فقد أتيت ببنية التكثير، وإذا كانت صيغة الفعل دون التكثير تقتضي الطي مرتين فبناء التكثير يقتضي أكثر من المرتين إلى أقصى ما تريد من العدد، وإذا قلت ضاعفت فليس ببنية تكثير، ولكنه فعل صيغته دالة على الطي مرتين فما زاد، هذه أصول هذا الباب على مذهب الخليل وسيبويه، وقد ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتاب المجاز: أن " ضاعفت " يقتضي مراراً كثيرة، وضعفت يقتضي مرتين، وقال مثله الطبري ومنه نقل، ويدلك على تقارب الأمر في المعنى ما قرىء به في قوله

فيضاعفه له أضعافاً كثيرة } [البقرة:245] فإنه قرىء " يضاعفه ويضعفه " وما قرىء به في قوله تعالى:{ يضاعف لها العذاب ضعفين } [الأحزاب: 30] فإنها قرىء " يضعف لها العذاب ضعفين....

اسامة محمد خيري
30-10-2018, 11:30
الجوهرة الثامنة والسبعون

قال ابن عطية

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم { لامستم } وقرأ حمزة والكسائي " لمستم " وهي في اللغة لفظة قد تقع للمس الذي هو الجماع، وفي اللمس الذي هو جس اليد والقبلة ونحوه، إذ في جميع ذلك لمس، واختلف أهل العلم في موقعها هنا: فمالك رحمه الله يقول: اللفظة هنا على أتم عمومها تقتضي الوجهين، فالملامس بالجماع يتيمم، والملامس باليد يتيمم، لأن اللمس نقض وضوءه، وقالت طائفة: هي هنا مخصصة للمس اليد، والجنب لا ذكر له إلا مع الماء، ولا سبيل له إلى التيمم، وإنما يغتسل الجنب أو يدع الصلاة حتى يجد الماء، روي هذا القول عن عمر رضي الله عنه وعن عبد الله بن مسعود وغيرهما، وقال أبو حنيفة: هي هنا مخصصة للمس الذي هو الجماع، فالجنب يتيمم، واللامس باليد لم يجر له ذكر فليس بحدث، ولا هو ناقض لوضوء، فإذا قبّل الرجل امرأته للذة لم ينتقض وضوءه، ومالك رحمه الله يرى: أن اللمس ينقض إذا كان للذة، ولا ينقض إذا لم يقصد به اللذة، ولا إذا كان لابنة أو لأم، والشافعي رحمه الله يعمم لفظة { النساء } ، فإذا لمس الرجل عنده أمه أو ابنته على أي وجه كان انتقض وضوءه، وعدم وجود الماء يترتب للمريض وللمسافر حسبما ذكرناه

وقال الطبري

قال أبو جعفر وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال عنى الله بقوله { أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَاء } الجماع دون غيره من معاني اللمس، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قبَّل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ. حدثني بذلك إسماعيل بن موسى السديّ، قال أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة، قالت «كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يتوضأ ثم يقبّل، ثم يصلي ولا يتوضأ». حدثنا أبو كريب، قال ثنا وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة «أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قبَّل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ»، قلت من هي إلا أنتِ؟ فضحكت.

اسامة محمد خيري
30-10-2018, 13:11
الجوهرة التاسعة والسبعون

{ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً }

اخى الحبيب راجع قراءة راعنا بالتنوين فى البقرة من الرعونة شاذة ...

فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً }

قال السمين

والضمير في قولِه: { فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ }: عائدٌ على إبراهيم أو على القرآنِ أو على الرسول محمدٍ صلى الله عليه وسلم، أو على ما أوتيه إبراهيم عليه السلام. وقرأ الجمهور: " صَدَّ " بفتح الصاد، وقرأ ابن مسعود وابن عباس وعكرمة " صُدَّ " بضمها. وقرأ أبو رجاء وأبو الجوزاء بكسرها، وكلتا القراءتين على البناء / للمفعول...

مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً }

قال السمين

وقرأت عائشة: " فَمَنْ نفسُك " بفتح ميم " من " ورفع السين، على الابتداء والخبر، أي: أيُّ شيءٍ نفسُك حتى يُنْسَب إليها فِعْلٌ؟...

وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً }

قال السمين

والضمير في " تقول " يحتمل أن يكون ضمير خطاب للرسول عليه السلام أي: غيرَ الذي تقول وترسم به يا محمد. ويؤيِّده قراءة عبد الله: " بَيَّتَ مُبَيِّتٌ منهم " وأن يكونَ ضميرَ غَيْبة للطائفة أي: تقول هي. وقرأ يحيى ابن يعمر: " يقول " بياء الغيبة، فيحتمل أن يعود الضميرُ على الرسول بالمعنى المتقدم، وأن يعود على الطائفة. ولم يؤنث الضميرَ لأن الطائفة في معنى الفريق والقوم.

اسامة محمد خيري
30-10-2018, 13:53
الجوهرة الثمانون

{ إِلاَّالَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ظ±للَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً }

قال الالوسي

وقوله تعالى: { حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ } حال بإضمار قد، ويؤيده قراءة الحسن ـ حصرة صدورهم ـ وكذا قراءة ـ حصرات وحاصرات ـ واحتمال الوصفية السببية لقوم لاستواء النصب والجر بعيد. وقيل: هو صفة لموصوف محذوف هو حال من فاعل جاءوا أي جاءُكم قوماً حصرت صدورهم ولا حاجة حينئذ إلى تقدير قد، وما قيل: إن المقصود بالحالية هو الوصف لأنها حال موطئة فلا بد من قد سيما عند حذف الموصوف فما ذكر التزام لزيادة الإضمار من غير ضرورة غير مسلم، وقيل: بيان لجاءوكم وذلك كما قال الطيبـي لأن مجيئهم غير مقاتلين و { حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ } أن يقاتلوكم بمعنى واحد، وقال العلامة الثاني: من جهة أن المراد بالمجيء الاتصال وترك المعاندة والمقاتلة لا حقيقة المجيء، أو من جهة أنه بيان لكيفية المجيء، وقيل: بدل اشتمال من { جَاءوكُمْ } لأن المجيء مشتمل على الحصر وغيره،

وقيل: إنها جملة دعائية، ورد بأنه لا معنى للدعاء على الكفار بأن لا يقاتلوا قومهم، بل بأن يقع بينهم اختلاف وقتل، والحصر بفتحتين الضيق والانقباض....

وَلَوْ شَاء ظ±للَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ } / بأن قوى قلوبهم وبسط صدورهم وأزال الرعب عنهم { فَلَقَـظ°تَلُوكُمْ } عقيب ذلك ولم يكفوا عنكم، واللام جوابية لعطفه على الجواب، ولا حاجة لتقدير لو، وسماها مكي وأبو البقاء لام المجازاة والازدواج، وهي تسمية غريبة، وفي الإعادة إشارة إلى أنه جواب مستقل والمقصود من ذلك الامتنان على المؤمنين، وقرىء [فلقتلوكم] بالتخفيف والتشديد ...

وقال ابن عطية

وقال الربيع: { السلم } هاهنا الصلح، وكذا قرأته عامة القراء، وقرأ الجحدري " السلّم " بسكون اللام، وقرأ الحسن " السّلِمْ " بكسر السين وسكون اللام، فمعنى جملة هذه الآية، خذوا المنافقين الكافرين واقتلوهم حيث وجدتموهم، إلا من دخل منهم في عداد من { بينكم وبينه ميثاق }...

وقال القرطبي

الثالثة عشرة ـ قوله تعالى: { وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ } هذا في الذمِّي والمعاهد يقتل خطأ فتجب الدية والكفارة؛ قاله ابن عباس والشَّعْبِيّ والنَّخَغِيّ والشافعيّ. واختاره الطبريّ قال: إلا أن الله سبحانه وتعالى أبهمه ولم يقل وهو مؤمن، كما قال في القتيل من المؤمنين ومن أهل الحرب. وإطلاقه ما قيّد قبلُ يدلّ على أنه خلافه. وقال الحسن وجابر بن زيد وإبراهيم أيضاً: المعنى وإن كان المقتول خطأ مؤمناً من قوم معاهدين لكم فعهدهم يوجب أنهم أحقّ بدية صاحبهم، فكفارته التحرير وأداء الدية. وقرأها الحسن: «وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ وَهُوَ مُؤْمِنٌ». قال الحسن: إذا قتل المسلم الذميّ فلا كفارة عليه. قال أبو عمر: وأما الآية فمعناها عند أهل الحجاز مردود على قوله: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً } ثم قال تعالى: { وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ } يريد ذلك المؤمن. والله أعلم. قال ابن العربيّ: والذي عندي أن الجملة محمولةٌ حملَ المطلق على المقيَّد.

قلت: وهذا معنى ما قاله الحسن وحكاه أبو عمر عن أهل الحجاز. وقوله: { فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ } على لفظ النكرة ليس يقتضي ديةً بعينها. وقيل: هذا في مشركي العرب الذين كان بينهم وبين النبيّ عليه السلام عهد على أن يُسلموا أو يؤذَنوا بحرب إلى أجل معلوم: فمن قُتل منهم وجبت فيه الديّة والكفارة ثم نسخ بقوله تعالى:{ بَرَآءَةٌ مِّنَ ظ±للَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ظ±لَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ظ±لْمُشْرِكِينَ } [التوبة: 1].

ملحوظة

ربما هذه القراءة الشاذة ترجح الخلاف الفقهى المشهور فى الاية

قال الرازى

واعلم أن فائدة هذا البحث تظهر في مسألة شرعية، وهي أن مذهب أبي حنيفة أن دية الذمي مثل دية المسلم، وقال الشافعي رحمه الله تعالى: دية اليهودي والنصراني ثلث دية المجوسي، ودية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم. واحتج أبو حنيفة على قوله بهذه الآية: { وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ } المراد به الذمي، ثم قال: { فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ } فأوجب تعالى فيهم تمام الدية، ونحن نقول: إنا بينا أن الآية نازلة في حق المؤمنين لا في حق أهل الذمة فسقط الاستدلال، وأيضا بتقدير أن يثبت لهم أنها نازلة في أهل الذمة لم تدل على مقصودهم، لأنه تعالى أوجب في هذه الآية دية مسلمة، فهذا يقتضي إيجاب شيء من الأشياء التي تسمى دية، فلم قلتم إن الدية التي أوجبها في حق الذمي هي الدية التي أوجبها في حق المسلم؟ ولم لا يجوز أن تكون دية المسلم مقداراً معينا. ودية الذمي مقداراً آخر، فإن الدية لا معنى لها إلا المال الذي يؤدى في مقابلة النفس، فإن ادعيتم أن مقدار الدية في حق المسلم وفي حق الذمي واحد فهو ممنوع، والنزاع ما وقع إلا فيه، فسقط هذا الاحتجاج،والله أعلم.

اسامة محمد خيري
31-10-2018, 04:52
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ }
قال السمين

". وقرأ النخعي: " ويُريدون أَنْ تَضُلُّوا " بتاءِ الخطاب، والمعنى: وتريدون أيها المؤمنون أن تَدَّعوا الصوابَ/. وقرأ الحسن: " أن تُضِلُّوا " من " أضلَّ ". وقرىء: " أَنْ تُضَلُّوا السبيل " بضم التاء وفتح الضاد على ما لم يُسَمَّ فاعلُه. و " السبيل " مفعول به كقولك: " أخطأ الطريق " ، وليس بظرفٍ، وقيل: يتعدَّى بـ " عَنْ " تقول: " ضَلَلْتُ السبيل، وعن السبيل

الجوهرة الواحدة والثمانون

{ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا فَعِنْدَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً }

قال ابن عطية

وقرأ جمهور السبعة { فتبينوا } وقرأ حمزة والكسائي " فتثبتوا " بالثاء مثلثة في الموضعين وفي الحجرات، وقال قوم: " تبينوا " أبلغ وأشد من " تثبتوا " ، لأن المتثبت قد لا يتبين، وقال أبو عبيد: هما متقاربان.

قال القاضي أبو محمد: والصحيح ما قال أبو عبيد، لأن تبين الرجل لا يقتضي أن الشيء بان له، بل يقتضي محاولة اليقين، كما أن ثبت تقتضي محاولة اليقين، فهما سواء، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة وابن كثير في بعض طرقه، " السَّلَم " بتشديد السين وفتحه وفتح اللام، ومعناه: الاستسلام أي ألقى بيده واستسلم لكم وأظهر دعوتكم، وقرأ بقية السبعة " السلام " يريد سلم ذلك المقتول على السرية، لأن سلامه بتحية الإسلام مؤذن بطاعته وانقياده، ويحتمل أن يراد به الانحياز والترك، قال الأخفش: يقال: فلان سلام إذا كان لا يخالط أحداً، وروي في بعض طرق عاصم " السِّلْم " بكسر السين وسكون اللام وهو الصحيح، والمعنى المراد بهذه الثلاثة يتقارب، وقرأ الجحدري " السَّلْم " بفتح السين وسكون اللام، والعرض: هو المتيع والجمل، أو الغنيمة التي كانت للرجل المقتول،

وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وأبو حمزة واليماني " لست مؤمَناً " بفتح الميم، أي لسنا نؤمنك في نفسك،

وقال الطبري

واختلفت القرّاء في قراءة قوله { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ } فقرأ ذلك عامة قرّاء المكيين والمدنيين والكوفيين «السَّلَمَ» بغير ألف، بمعنى الاستسلام، وقرأه بعض الكوفيين والبصريين { ٱلسَّلَـٰمُ } بألف، بمعنى التحية. والصواب من القراءة في ذلك عندنا «لِمَنْ ألْقَى إلَيْكُمُ السَّلَمَ» بمعنى من استسلم لكم مذعناً لله بالتوحيد مقرّاً لكم بملتكم. وإنما اخترنا ذلك لاختلاف الرواية في ذلك، فمن راوٍ روى أنه استسلم بأن شهد شهادة الحقّ وقال إني مسلم ومن راو روى أنه قال السلام عليكم، فحياهم تحية الإسلام، ومن راو روى أنه كان مسلماً بإسلام قد تقدم منه قبل قتلهم إياه. وكل هذه المعاني يجمعها السلم، لأن المسلم مستسلم، والمحِّيـي بتحية الإسلام مستسلم، والمتشهد شهادة الحقّ مستسلم لأهل الإسلام، فمعنى السَّلم جامع جميع المعاني التي رويت في أمر المقتول الذي نزلت في شأنه هذه الآية، وليس كذلك في السلام، لأن السلام لا وجه له في هذا الموضع إلا التحية، فلذلك وصفنا السَّلم بالصواب.

اسامة محمد خيري
31-10-2018, 05:08
الجوهرة الثانية والثمانون

لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً

قال ابن عطية


في قوله: { لا يستوي } إبهام على السامع هو أبلغ من تحديد المنزلة التي بين المجاهد والقاعد، فالمتأمل يمشي مع فكرته ولا يزال يتخيل الدرجات بينهما، و { القاعدون } عبارة عن المتخلفين، إذ القعود هيئة من لا يتحرك إلى الأمر المقعود عنه في الأغلب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة، " غيرُ أولي الضرر " برفع الراء من غير، وقرأ الأعمش وأبو حيوة " غيرِ " بكسر الراء فمن رفع جعل غير صفة للقاعدين عند سيبويه، كما هي عنده صفة في قوله تعالى:{ غير المغضوب } [الفاتحة:7] بجر غير صفة، ومثله قول لبيد: [الرمل]

وَإذَا جُوزِيتَ قِرْضاً فاجْزِهِ إنَّما يُجْزَى الْفَتى غَيْرَ الْجَمَلْ
قال المؤلف: كذا ذكره أبو علي، ويروى ليس الجمل، ومن قرأ بنصب الراء جعله استثناء من القاعدين، قال أبو الحسن: ويقوي ذلك أنها نزلت بعدها على طريق الاستثناء والاستدراك.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقد يتحصل الاستدراك بتخصيص القاعدين بالصفة، قال الزجّاج: يجوز أيضاً في قراءة الرفع أن يكون على جهة الاستثناء، كأنه قال: " لا يستوي القاعدون والمجاهدون إلا أولو الضرر " فإنهم يساوون المجاهدين.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا مردود، لأن { أولي الضرر } لا يساوون المجاهدين، وغايتهم أن خرجوا من التوبيخ والمذمة التي لزمت القاعدين من غير عذر، قال: ويجوز في قراءة نصب الراء أن يكون على الحال، وأما كسر الراء فعلى الصفة للمؤمنين

وقال القرطبي


قوله تعالى: { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ } أي من دون الله { إِلاَّ إِنَاثاً }؛ نزلت في أهل مكة إذ عبدوا الأصنام. و { إِنٍ } نافية بمعنى { مَآ }. و { إِنَـظ°ثاً } أصناماً، يعني اللاّت والعُزَّى ومَنَاةَ. وكان لكل حيٍّ صنم يعبدونه ويقولون: أنثى بني فلان، قاله الحسن وابن عباس، وأتى مع كل صنم شيطانه يتراءى للسدنة والكهنة ويكلمهم؛ فخرج الكلام مخرج التعجب؛ لأنّ الأنثى من كل جنس أخسّه؛ فهذا جهل ممن يشرك بالله جماداً فيسميه أنثى، أو يعتقده أنثى. وقيل: { إِلاَّ إِنَاثاً } مواتا؛ لأن الموَات لا روح له، كالخشبة والحجر. والموَات يخبر عنه كما يخبر عن المؤنث لاتّضاع المنزلة؛ تقول: الأحجار تعجبني، كما تقول: المرأة تعجبني. وقيل: { إِلاَّ إِنَـظ°ثاً } ملائكة؛ لقولِهِم: الملائكة بنات الله، وهي شفعاؤنا عند الله؛ عن الضحاك. وقراءة ابن عباس «إلاّ وَثَنا» بفتح الواو والثاء على إفراد اسم الجنس؛ وقرأ أيضاً «وُثُنا» بضم الثاء والواو، جمع وثن. وأوثان أيضاً جمع وَثَن مثل أسد وآساد. النحاس: ولم يقرأ به فيما علمت.

قلت: قد ذكر أبو بكر الأنباري ـ حدّثنا أبي حدّثنا نصر بن داود حدّثنا أبو عبيد حدّثنا حجاج عن ابن جريج عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقرأ: «إن يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلاّ أَوْثَاناً». وقرأ ظ±بن عباس أيضاً «إلا أُثُناً» كأنه جمع وَثَناً على وِثان؛ كما تقول: جمل وجِمال، ثم جمع وِثانا على وُثُن؛ كما تقول: مثال ومُثُل؛ ثم أبدل من الواو همزة لما ظ±نْضمت؛ كما قال عز وجل:{ وَإِذَا ظ±لرُّسُلُ أُقِّتَتْ } [المرسلات: 11] من الوقت؛ فأُثنُ جمع الجمع. وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم «إلا أُنُثا» جمع أَنِيث، كغَدِير وغُدُر. وحكى الطبري أنه جمع إنَاث كثِمَار وثُمُر. حكى هذه القراءة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أبو عَمرو الدّانِيّ؛ قال: وقرأ بها ابن عباس والحسن وأبو حَيْوَة

اسامة محمد خيري
31-10-2018, 05:22
الجوهرة الثالثة والثمانون

قال ابن عطية

وقوله تعالى: { وأن تلووا أو تعرضوا } قال ابن عباس: هو في الخصمين يجلسان بين يدي القاضي فيكون ليّ القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر, فاللّي على هذا مطل الكلام وجره حتى يفوت فصل القضاء وإنقاذه للذي يميل القاضي عليه، وقد شاهدت بعض القضاة يفعلون ذلك، والله حسيب الكل، وقال ابن عباس أيضاً، ومجاهد، وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم: هي في الشاهد يلوي الشهادة بلسانه ويحرفها، فلا يقول الحق فيها، أو يعرض عن أداء الحق فيها.

قال القاضي أبو محمد - رحمه الله -: ولفظ الآية يعم القضاء والشهادة والتوسط بين الناس، وكل إنسان مأخوذ بأن يعدل، والخصوم مطلوبون بعدل ما في القضاة فتأمله، وقرأ جمهور الناس " تلووا " بواوين من لوى يلوي على حسب ما فسرناه،

وقرأ حمزة وابن عامر وجماعة في الشاذ " وأن تلُو " بضم اللام وواو واحدة، وذلك يحتمل أن يكون أصله " تلئوا " على القراءة الأولى، همزت الواو المضمومة كما همزت في أدؤر، وألقيت حركتها على اللام التي هي فاء " لوى " ثم حذفت لاجتماع ساكنين، ويحتمل أن تكون " تلوا " من قولك ولي الرجل الأمر، فيكون في الطرف الآخر من { تعرضوا } كأنه قال تعالى للشهود وغيرهم: وإن وليتم الأمر وأعرضتم عنه فالله تعالى خبير بفعلكم ومقصدكم فيه، فالولاية والإعراض طرفان، والليّ والإعراض في طريق واحد، وباقي الآية وعيد

وقال الطبري

. واختلفت القرّاء في قراءة قوله { وَإِن تَلْوُواْ } فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار سوى الكوفة { وَإِن تَلْوُواْ } بواوين من لواني الرجل حقي، والقوم يلوونني دَيْني، وذلك إذا مَطَلوه، لَيًّا. وقرأ ذلك جماعة من قرّاء أهل الكوفة «وَإنْ تَلُوا» بواو واحدة ولقراءة من قرأ ذلك كذلك وجهان أحدهما أن يكون قارئها أراد همز الواو لانضمامها، ثم أسقط الهمز، فصار إعراب الهمز في اللام إذ أسقطه، وبقيت واو واحدة، كأنه أراد تلوؤا، ثم حذف الهمز. وإذا عني هذا الوجه كان معناه معنى من قرأ { وَإِن تَلْوُواْ } بواوين غير أنه خالف المعروف من كلام العرب، وذلك أن الواو الثانية من قوله { تَلْوُواْ } واو جمع، وهي علم لمعنى، فلا يصحّ همزها ثم حذفها بعد همزها، فيبطل علم المعنى الذي له أدخلت الواو المحذوفة. والوجه الآخر أن يكون قارئها كذلك، أراد إن تلوا، من الولاية، فيكون معناه وإن تلوا أمور الناس، أو تتركوا. وهذا معنى إذا وجه القارىء قراءته على ما وصفنا إليه، خارج عن معاني أهل التأويل وما وجه إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون تأويل الآية. فإذا كان فساد ذلك واضحاً من كلا وجهيه، فالصواب من القراءة الذي لا يصلح غيره أن يقرأ به عندنا { وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ } بمعنى الليّ الذي هو مطل، فيكون تأويل الكلام وإن تدفعوا القيام بالشهادة على وجهها لمن لزمكم القيام له بها، فتغيروها، وتبدّلوا، أو تعرضوا عنها، فتتركوا القيام له بها، كما يلوي الرجل دين الرجل، فيدافعه بأدائه إليه على ما أوجب عليه له مطلاً منه له، كما قال الأعشى
يَلْوِينَنِي دَيْنِي النَّهارَ وأقْتَضِي دَيْنِي إذا وَقَذَ النُعَّاسُ الرُّقَّدَا

انتهى الجزء الخامس بفضل الله وكرمه وعطائه

اسامة محمد خيري
31-10-2018, 08:25
الجزء السادس

الجوهرة الرابعة والثمانون

{ لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً }

قال ابن عطية

واختلف القراء في قوله تعالى { إلا من ظلم } وقراءة جمهور الناس بضم الظاء وكسر اللام، وقرأ ابن أبي إسحاق وزيد بن أسلم ومسلم بن يسار وغيرهم " إلا من ظَلَم " بفتح الظاء واللام، واختلف المتأولون على القراءة بضم الظاء، فقالت فرقة: المعنى لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول " إلا من ظُلم " فلا يكره له الجهر به، ثم اختلفت هذه الفرقة في كيفية الجهر بالسوء وما هو المباح من ذلك، فقال الحسن: هو الرجل يظلم الرجل فلا يدع عليه، ولكن ليقل: اللهم أعنّي عليه، اللهم استخرج لي حقي، اللهم حلْ بيني وبين ما يريد من ظلمي، وقال ابن عباس وغيره: المباح لمن ظُلم أن يدعو على من ظلمه، وإن صبر فهو أحسن له، وقال مجاهد وغيره: هو في الضيف المحول رحله، فإنه يجهر الذي لم يكرمه بالسوء من القول، فقد رخص له أن يقول فيه: وفي هذا نزلت الآية، ومقتضاها ذكر الظلم وتبيين الظلامة في ضيافة وغيرها، وقال ابن عباس والسدي: لا بأس لمن ظَلم أن ينتصر ممن ظلمه بمثل ظلمه، ويجهر له بالسوء من القول.

قال القاضي رحمه الله: فهذه الأقوال على أربع مراتب:

قول الحسن دعاء في المدافعة، وتلك أقل منازل السوء من القول.

وقول ابن عباس الدعاء على الظالم بإطلاق في نوع الدعاء.

وقول مجاهد، ذكر الظلامة والظلم.

وقول السدي الانتصار بما يوازي الظلامة.

وقال ابن المستنير: { إلا من ظلم } معناه إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول كفراً أو نحوه، فذلك مباح، والآية في الإكراه، واختلف المتأولون على القراءة بفتح الضاد واللام، فقال ابن زيد: المعنى " إلا من ظلم " في قول أو فعل، فاجهروا له بالسوء من القول في معنى النهي عن فعله والتوبيخ والرد عليه، قال: وذلك أنه لما أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم في الدرك الأسفل من النار، كان ذلك جهراً بالسوء من القول. ثم قال لهم بعد ذلك{ ما يفعل الله بعذابكم } [النساء: 147] الآية، على معنى التأنيس والاستدعاء إلى الشكر والإيمان، ثم قال للمؤمنين: " ولا يحب الله أن يجهر بالسوء من القول إلا لمن ظلم " في إقامته على النفاق، فإنه يقال له: ألست المنافق الكافر الذي لك في الآخرة الدرك الأسفل؟ ونحو هذا من الأقوال، وقال قوم معنى الكلام: " ولا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول " ثم استثنى استثناء منقطعاً، تقديره: لكن من ظلم فهو يجهر بالسوء وهو ظالم في ذلك وإعراب { من } يحتمل في بعض هذه التأويلات النصب، ويحتمل الرفع على البدل من أحد المقدر، و " سميع عليم ": صفتان لائقتان بالجهر بالسوء وبالظلم أيضاً، فإنه يعلمه ويجازي عليه، ولما ذكر تعالى عذر المظلوم في أن يجهر بالسوء لظالمه، أتبع ذلك عرض إبداء الخير وإخفائه، والعفو عن السوء،

وقال الطبري

قال أبو جعفر وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك قراءة من قرأ { إلاَّ مَنْ ظُلِـمَ } بضمّ الظاء، لإجماع الـحجة من القرّاء وأهل التأويـل علـى صحتها، وشذوذ قراءة من قرأ ذلك بـالفتـح. فإذ كان ذلك أولـى القراءتـين بـالصواب، فـالصواب فـي تأويـل ذلك لا يحبّ الله أيها الناس أن يجهر أحد لأحد بـالسوء من القول { إلاَّ مَنْ ظُلِـمَ } بـمعنى إلا من ظُلـم فلا حرج علـيه أن يخبر بـما أسيء إلـيه. وإذا كان ذلك معناه، دخـل فـيه إخبـار من لـم يُقْرَ أو أسيء قِرَاه، أو نـيـل بظلـم فـي نفسه أو ماله عَنوة من سائر الناس، وكذلك دعاؤه علـى من ناله بظلـم أن ينصره الله علـيه، لأن فـي دعائه علـيه إعلاماً منه لـمن سمع دعاءه علـيه بـالسوء له. وإذ كان ذلك كذلك، فـ «مَنْ» فـي موضع نصب، لأنه منقطع عما قبله، وأنه لا أسماء قبله يستثنى منها، فهو نظير قول{ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ* إِلاَّ مَن تَوَلَّىظ° وَكَفَرَ } الغاشية 22-23.

وقال السمين

قوله تعالى: { فَقَدْ سَأَلُواْ }: في هذه الفاءِ قولان، أحدهما: أنها عاطفةٌ على جملة محذوفة، قال ابن عطية: " تقديره: فلا تبال يا محمد بسؤالِهم وتشطيطهِم فإنها عادتُهم، فقد سألوا موسى أكبرَ من ذلك.

والثاني: أنها جوابُ شرطٍ مقدر، قال الزمخشري أي: إنْ استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا " و " أكبَرَ " صفةٌ لمحذوف أي: سؤالاً أكبر من ذلك. والجمهور: " أكبرَ " بالباء الموحدة، وقراءة الحسن " أكثر " بالثاء المثلثة

اسامة محمد خيري
31-10-2018, 08:49
الجوهرة الخامسة والثمانون

لَّـكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلوةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَـئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً }

قال السمين

قوله: والمقيمين " قراءةُ الجمهورِ بالياء، وقرأ جماعة كثيرة " والمقيمون " بالواو منهم ابن جبير وأبو عمرو بن العلاء في رواية يونس وهارون عنه، ومالك بن دينار وعصمة عن الأعمش، وعمرو بن عبيد، والجحدري وعيسى بن عمر وخلائق.

فأما قراءة الياء فقد اضطربت فيها اقوال النحاة، وفيها ستةُ أقوال،

أظهرهما: وعزاه مكي لسيبويه، وأبو البقاء للبصريين - أنه منصوبٌ على القطع، يعني المفيدَ للمدح كما في قطع النعوت، وهذا القطعُ مفيدٌ لبيان فضل الصلاة فَكَثُر الكلامُ في الوصفِ بأن جُعِل في جملة أخرى، وكذلك القطعُ في قوله { وَظ±لْمُؤْتُونَ ظ±لزَّكَاةَ } على ما سيأتي هو لبيانِ فَضْلِها أيضاً، لكن على هذا الوجه يجب أن يكونَ الخبرُ قولَه: " يؤمنون " ولا يجوز أن يكون قوله { أُوْلَـغ¤ئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ } لأن القطع إنما يكونَ بعد تمامِ الكلام. قال مكي: " ومَنْ جَعلَ نَصْبَ " المقيمين " على المدحِ جَعَلَ خبرَ " الراسخين ": " يؤمنون " ، فإنْ جَعَل الخبر " أولئك " سنؤتيهم " لم يجز نصب " المقيمين " على المدح، لأنه لا يكون إلا بعد تمام الكلام " وقال الشيخ: " ومَنْ جعل الخبرَ: أولئك سنؤتيهم فقوله ضعيفٌ " قلت: هذا غيرُ لازمٍ، لأنه هذا القائلَ لا يَجْعَلُ نصبَ " المقيمين " حينئذٍ منصوباً على القطع، لكنه ضعيفٌ بالنسبةِ إلى أنه ارتكبَ وجهاً ضعيفاً في تخريج " المقيمين " كما سيأتي. وحكى ابنُ عطية عن قومٍ مَنْعَ نصبه على القطع من أجلِ حرف العطف، والقطعُ لا يكونُ في العطف، إنما ذلك في النعوت، ولما استدلَّ الناسُ بقول الخرنق:

1674- لا يَبْعَدَن قومي الذين همُ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ
النازلين بكلِّ معتَركٍ والطيبون معاقدَ الأزْرِ
على جواز القطع فَرَّق هذا القائلُ بأن البيت لا عطفَ فيه؛ لأنها قطعت " النازين " فنصبته، و " الطيبون " فرفعَتْه عن قولِها " " قومي " ، وهذا الفرقُ لا أثرَ له؛ لأنه في غيرِ هذا البيت ثبت القطع مع حرف العطف، أنشد سيبويه:
1675- ويَأْوي إلى نِسْوةٍ عُطَّلٍ وشُعْثاً مراضيعَ مثلَ السَّعالِي
فنصب " شعثاً " وهو معطوف.

الثاني: أن يكونَ معطوفاً على الضمير في " منهم " أي: لكن الراسخون في العلمِ منهم ومن المقيمين الصلاة.

الثالث: أن يكون معطوفاً على الكاف في " إليك " أي: يؤمنون بما أُنْزل إليك وإلى المقيمين الصلاةَ وهم الأنبياء.

الرابع: أن يكونَ معطوفاً على " ما " في " بما أُنْزِل " أي: يؤمنون " بما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم وبالمقيمين، ويُعْزَى هذا الكسائي.

واختلفت عبارة هؤلاء في " المقيمين " فقيل: هم الملائكة قال مكي: " ويؤمنون بالملائكة الذين صفتُهم إقامةُ الصلاةِ كقوله:{ يُسَبِّحُونَ ظ±لْلَّيْلَ وَظ±لنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ } [الأنبياء: 20]. وقيل: هم الأنبياء، وقيل: هم المسلمون، ويكون على حَذْفِ مضافٍ أي: وبدين المقيمين.

الخامس: أن يكونَ معطوفاً على الكاف في " قبلك " أي: ومِنْ قبلِ المقيمين، ويعني بهم الأنبياءَ أيضاً.

السادس: أن يكونَ معطوفاً على نفسِ الظرف، ويكونَ على حَذْفِ مضاف أي: ومن قبل المقيمين، فحُذِف المضافُ وأقيم المضافُ إليه مُقامه. فهذا نهايةُ القولِ في تخريجِ هذه القراءةِ.

وقد زعم قومٌ لا اعتبارَ بهم أنهم لحنٌ، ونقلوا عن عائشة وأبان بن عثمان أنها خطأ من جهةِ غلط كاتبِ المصحف، قالوا: وأيضاً فهي في مصحفِ ابن مسعود بالواو فقط نقله الفراء، وفي مصحف أُبيّ كذلك، وهذا لا يَصحُّ عن عائشة ولا أبان، وما أحسن قولَ الزمخشري رحمه الله: " ولا يُلتفت إلى ما زعموا مِنْ وقوعِه لَحْناً في خط المصحف، وربما التفت إليه مَنْ لم ينظر في الكتاب الكتاب ومَنْ لم يعرف مذاهبَ العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وغَبِيَ عليه أنَّ السابقين الأولين الذين مَثَلُهم في التوراة ومثلُهم في الانجيل كانوا أبعدَ همةً في الغَيْرة عن الاسلام وذَبَّ المطاعنِ عنه من ان يقولوا ثُلْمَةً في كتاب اله ليسُدَّها مَنْ بعدهم، وخَرْقاً يَرْفوه مَنْ يلحق بهم "

وأمَّا قراءةُ الرفعِ فواضحةٌ.

وقال الطبري

وأولـى الأقوال عندي بـالصواب، أن يكون الـمقـيـمين فـي موضع خفض نسقاً علـى «ما» التـي فـي قوله { بِـمَا أُنْزِلَ إلَـيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ } وأن يوجه معنى الـمقـيـمين الصلاة إلـى الـملائكة، فـيكون تأويـل الكلام والـمؤمنون منهم يؤمنون بـما أنزل إلـيك يا مـحمد من الكتاب وبـما أنزل من قبلك من كتبـي وبـالـملائكة الذين يقـيـمون الصلاة ثم يرجع إلـى صفة الراسخين فـي العلـم فـيقول لكن الراسخون فـي العلـم منهم، والـمؤمنون بـالكتب، والـمؤتون الزكاة، والـمؤمنون بـالله والـيوم الآخر. وإنـما اخترنا هذا علـى غيره، لأنه قد ذكر أن ذلك فـي قراءة أبـيّ بن كعب «والـمقـيـمين»، وكذلك هو فـي مصحفه فـيـما ذكروا، فلو كان ذلك خطأ من الكاتب لكان الواجب أن يكون فـي كل الـمصاحف غير مصحفنا الذي كتبه لنا الكاتب الذي أخطأ فـي كتابه بخلاف ما هو فـي مصحفنا. وفـي اتفـاق مصحفنا ومصحف أبـيّ فـي ذلك، ما يدلّ علـى أن الذي فـي مـصحفنا من ذلك صواب غير خطأ، مع أن ذلك لو كان خطأ من جهة الـخط، لـم يكن الذين أخذ عنهم القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلـمون من علـموا ذلك من الـمسلـمين علـى وجه اللـحن، ولأصلـحوه بألسنتهم، ولقنوه للأمة تعلـيـماً علـى وجه الصواب. وفـي نقل الـمسلـمين جميعاً ذلك قراءة علـى ما هو به فـي الـخطّ مرسوماً أدلّ الدلـيـل علـى صحة ذلك وصوابه، وأن لا صنع فـي ذلك للكاتب. وأما من وجه ذلك إلـى النصب علـى وجه الـمدح للراسخين فـي العلـم وإن كان ذلك قد يحتـمل علـى بعد من كلام العرب لـما قد ذكرنا قبل من العلة، وهو أن العرب لا تعدل عن إعراب الاسم الـمنعوت بنعت فـي نعته إلا بعد تـمام خبره، وكلام الله جلّ ثناؤه أفصح الكلام، فغير جائز توجيهه إلا إلـى الذي هو به من الفصاحة. وأما توجيه من وجه ذلك إلـى العطف به علـى الهاء والـميـم فـي قوله { لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِـي العِلْـمِ مِنْهُمْ } أو إلـى العطف به علـى الكاف من قوله { بِـمَا أُنْزِلَ إلَـيْكَ } أو إلـى الكاف من قوله { وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ } فإنه أبعد من الفصاحة من نصبه علـى الـمدح لـما قد ذكرت قبل من قبح ردّ الظاهر علـى الـمكنـي فـي الـخفض. وأما توجيه من وجه الـمقـيـمين إلـى الإقامة، فإنه دعوى لا برهان علـيها من دلالة ظاهر التنزيـل ولا خبر تثبت حجته، وغير جائز نقل ظاهر التنزيـل إلـى بـاطن بغير برهان

وقال الالوسي

وَءاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً } عطف على { أَوْحَيْنَا } داخل في حكمه لأن إيتاء الزبور من باب الإيحاء، وكما آتينا داود زبوراً ـ وإيثاره على أوحينا إلى داود ـ لتحقق المماثلة في أمر خاص، وهو إيتاء الكتاب بعد تحققها في مطلق الإيحاء؛ والزبور بفتح الزاي عند الجمهور وهو فعول بمعنى مفعول ـ كالحلوب والركوب ـ كما نص عليه أبو البقاء. وقرأ حمزة وخلف { زَبُوراً } بضم الزاي حيث وقع، وهو جمع زبر بكسر فسكون بمعنى مزبور أي مكتوب، أو زَبْر بالفتح والسكون كفلس وفلوس، وقيل: إنه مصدر كالقعود والجلوس، وقيل: إنه جمع زبور على حذف الزوائد، وعلى العلات جعل اسماً للكتاب المنزل على داود عليه السلام،

وقال السمين

وقرأ يحيى بن وثاب والنخعي: " وكَلَّم اللَّهَ موسى " بنصب الجلالة، وهي واضحةٌ أيضاً.

وقال ابن عطية

ثم أخبر تعالى عن الكافرين الذين يصدون الناس عن سبيل الله أنهم قد بعدوا عن الحق و { ضلوا ضلالاً بعيداً } لا يقرب رجوعهم عنه ولا تخلصهم معه، وقرأ عكرمة وابن هرمز " وصُدوا " بضم الصاد.

وقال السمين

وقوله: { أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } تقدم نظيره وقرأ الحسن: " إنْ يكونُ " بكسرِ الهمزة ورفع " يكون " على أن " إنْ " نافية أي: ما يكون له ولد، فعلى قراءته يكون هذا الكلامُ جملتين، وعلى قراءة العامة يكون جملة واحدة.

انتهت سورة النساء

اسامة محمد خيري
31-10-2018, 10:04
سورة المائدة

الجوهرة السادسة والثمانون

قال القرطبي

{ أَن صَدُّوكُمْ } أصحابهم، بفتح الهمزة مفعول من أجله؛ أي لأن صدّوكم. وقرأ أبو عمرو وظ±بن كثير بكسر الهمزة «إن صدّوكم» وهو ظ±ختيار أبي عبيد. وروي عن الأعمش «إنْ يصدّوكم». قال ظ±بن عطية: فإن للجزاء؛ أي إن وقع مثل هذا الفعل في المستقبل. والقراءة الأُولى أمكن في المعنى. وقال النحاس: وأما «إن صدوكم» بكسر «إن» فالعلماء الجِلّة بالنحو والحديث والنظر يمنعون القراءة بها لأشياء: منها أن الآية نزلت عام الفتح سنة ثمانٍ، وكان المشركون صدّوا المسلمين عام الحديبية سنة سِتٍّ، فالصدّ كان قبل الآية؛ وإذا قرىء بالكسر لم يجز أن يكون إلاَّ بعده؛ كما تقول: لا تعطِ فلاناً شيئاً إن قاتلك؛ فهذا لا يكون إلاَّ للمستقبل، وإن فتحت كان للماضي، فوجب على هذا ألاّ يجوز إلاَّ «أَنْ صَدُّوكُمْ». وأيضاً فلو لم يصح هذا الحديث لكان الفتح واجباً؛ لأن قوله: «لا تُحِلّوا شَعَائِر ظ±للَّهِ» إلى آخر الآية يدل على أن مَكّة كانت في أيديهم، وأنهم لا ينهون عن هذا إلاَّ وهم قادرون على الصدّ عن البيت الحرام، فوجب من هذا فتح «أن» لأنه لِما مضى....

وقال الطبري

القول فـي تأويـل قوله تعالـى أنْ صَدُّوكُمْ عنْ الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ أنْ تَعْتَدُوا. اختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعض أهل الـمدينة وعامة قرّاء الكوفـيـين { أَنْ صَدُّوكُمْ } بفتـح الألف من «أَن» بـمعنى لا يجرمنكم بغض قوم بصدّهم إياكم عن الـمسجد الـحرام أن تعتدوا. وكان بعض قرّاء الـحجاز والبصرة يقرأ ذلك { وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ إنْ يَصُدُّوئكُمْ } بكسر الألف من «إن» بـمعنى ولا يجرمنكم شنآن قوم إن هم أحدثوا لكم صدًّا عن الـمسجد الـحرام، أن تعتدوا. فزعموا أنها فـي قراءة ابن مسعود { إنْ يَصُدُّوكُمْ } فقرءوا ذلك كذلك اعتبـاراً بقراءته. والصواب من القول فـي ذلك عندي، أنهما قراءتان معروفتان مشهورتان فـي قراءة الأمصار، صحيح معنى كلّ واحدة منهما. وذلك أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم صدّ عن البـيت هو وأصحابه يوم الـحديبـية، وأنزلت علـيه سورة الـمائدة بعد ذلك. فمن قرأ { أنْ صَدُّوكُمْ } بفتـح الألف من «أن» فمعناه لا يحملنكم بغض قوم أنها الناس من أجل أن صدوكم يوم الـحديبـية عن الـمسجد الـحرام، أن تعتدوا علـيهم. ومن قرأ { إنْ صَدُّوكُمْ } بكسر الألف، فمعناه لا يجرمنكم شنآن قوم إن صَدوكم عن الـمسجد الـحرام إذا أردتـم دخوله، لأن الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قريش يوم فتـح مكة قد حاولوا صَدّهم عن الـمسجد الـحرام فتقدم اللّه إلى المؤمنين في قول من قرأ ذلك بكسرإن بالنهي عن الإعتداءعليهم إن هم صَدّوهم عن المسجد الحرام، قبل أن يكون ذلك من الصَّادّين.

غير أن الأمر وإن كان كما وصفت، فإن قراءة ذلك بفتـح الألف أبـين معنى، لأن هذه السورة لا تَدَافُع بـين أهل العلـم فـي أنها نزلت بعد يوم الـحُدَيْبِـيَة. وإذ كان ذلك كذلك، فـالصدّ قد كان تقدّم من الـمشركين، فنهى الله الـمؤمنـين عن الاعتداء علـى الصادين من أجل صدّهم إياهم عن الـمسجد الـحرام،

وقال ابن عطية

وقرأ ابن مسعود " أن يصدوكم " وهذه تؤيد قراءة أبي عمرو وابن كثير.

وقال ابن عطية

وقرأ جمهور الناس " مكَلّبين " بفتح الكاف وشد اللام والمكلب معلم الكلاب ومضريها ويقال لمن يعلم غير كلب مكلب لأنه يرد ذلك الحيوان كالكلب، وقرأ الحسن وأبو زيد " مكْلبين " بسكون الكاف وتخفيف اللام ومعناه أصحاب كلاب يقال: أمشى الرجل كثرت ماشيته وأكلب كثرت كلابه، وقال بعض المفسرين: المكلب بفتح الكاف وشد اللام صاحب الكلاب.

اسامة محمد خيري
31-10-2018, 11:19
الجوهرة السابعة والثمانون(القراءات والفقه)

قال السمين

قوله: { وَأَرْجُلَكُمْ } قرأ نافع وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم: " أرجلكم " نصباً، وباقي السبعة: وأرجلكم " جراً، والحسن بن أبي الحسن: " وأرجلُكم " رفعاً، فأمَّا قراءة النصب ففيها تخريجان، أحدُهما: أنها معطوفةٌ على " ايديكم " فإنَّ حكمَها الغُسْلُ كالأوجه والأيدي، كأنه قيل: " واغسلوا أرجلكم " إلا أنَّ هذا التخريجَ أفسده بعضُهم بأنه يلزم منه الفصلُ بين المتعاطِفَيْنِ بجملةٍ غير اعتراضية لأنها مُنْشِئَةٌ حمكاً جديداً فليس فيها تأكيد للأول. وقال ابن عصفور- وقد ذكر الفصلَ بين المتعاطِفَيْن -: " وأقبحُ ما يكونُ ذلك بالجمل " فدلَّ قولُه على أنه لا يجوزُ تخريجُ الآية على ذلك. وقال أبو البقاء عكسَ هذا فقال: " وهو معطوفٌ على الوجوه " ثم قال " وذلك جائزٌ في العربية بلا خلاف " وجَعَلَ السنِّيَّة الواردة بغسل الرجلين مقويةً لهذا التخريج، وليس بشيء، فإنَّ لقائل أن يقول: يجوز أن يكون النصب على محلِّ المجرور وكان حكمُها المسحَ ولكن نُسِخ ذلك بالسنَّة وهو قولٌ مشهورٌ للعلماء. والثاني: أنه منصوبٌ عطفاً على محل المجرور قبله، كما تقدَّم تقريرُه قبل ذلك.

وأمَّا قراءةُ الجر ففيها أربعةُ تخاريجَ، أحدها: أنه منصوبٌ في المعنى عطفاً على الأيدي المغسولة، وإنما خُفض على الجوار، كقولهم: " هذا جُحْرُ ضبٍّ خَرِبٍ " بجر " خرب " وكان مِنْ حَقِّه الرفعُ لأنه صفة في المعنى للجحر لصحة اتصافه به، والضَّبُّ لا يوصف به، وإنما جَرُّه على الجوار، وهذه المسألة عند النحويين لها شرط وهو أن يُؤْمَنَ اللبس كما تقدم تمثيله، بخلاف: " قام غلام زيد العاقل " إذا جعلت " العاقل " نعتاً للغلام امتنع جَرُّه على الجوار لأجل اللَّبْس، وأنشد أيضاً قول الشاعر:
1701- كأنما ضَرَبَتْ قُدَّامَ أعينِها قُطْناً بمستحصِدِ الأوتارِ ....

وممن نَصَّ على ضعفِ تخريجِ الآية على الجوارمكي بن أبي طالب وغيرُه، قال مكي: " وقال الأخفش وأبو عبيدة: " الخفضُ فيه على الجوار، والمعنى للغسل " وهو بعيد لا يُحْمل القرآن عليه " وقال أبو البقاء " وهو الإِعرابُ الذي يقال: هو على الجوار، وليس بممتنع أن يقع في القرآن لكثرته فقد جاء في القرآن والشعر، فَمِنَ القرآن قولُه تعالى:{ وَحُورٌ عِينٌ } [الواقعة: 22] على قراءة مَنْ جَرَّ، وهو معطوفٌ على قوله: { بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ } وهو مختلفُ المعنى، إذ ليس المعنى: يَطُوف عليهم وِلْدان مخلَّدون بحورٍ عين. وقال النابغة:
1706- لم يَبْقَ إلاَّ أسيرٌ غيرُ مُنْفَلِتٍ أو مُوْثَقٍ في حبال القومِ مَجْنُوبِ
والقوافي مجرورةٌ، والجوارُ مشهورٌ عندهم في الإِعراب ....


التخريج الثاني: أنه معطوفٌ على " برؤوسكم " لفظاً ومعنى، ثم نُسِخ ذلك بوجوبِ الغسل، أو هو حكمٌ باقٍ، وبه قال جماعة، أو يُحمل مسحُ الأرجلِ على بعضِ الأهوال وهو لُبْسُ الخفِّ، ويُعزى للشافعي. التخريج الثالث: انها جُرَّت مَنْبَهَةً على عدم الإِسراف باستعمال الماء لأنها مَظَنَّةٌ لصبِّ الماءِ كثيراً، فَعَطَفَتْ على الممسوح، والمرادُ غَسْلُها لِما تقدم، وإليه ذَهَب الزمخشري. قال: " وقيل: " إلى الكعبين " فجيء بالغاية إماطة لظنَّ ظانَّ يَحْسَبُها ممسوحة، لأنَّ المسح لم تُضْرب له غايةٌ في الشريعة " وكأنه لم ترتضِ هذا القول الدافعَ لهذا الوهمِ وهو كما قال. التخريج الرابع: أنها مجرورةٌ بحرفِ جرٍ مقدرٍ دَلَّ عليه المعنى، ويتعلَّق هذا الحرفُ بفعلٍ محذوفٍ أيضاً يليق بالمحل، فيُدَّعى حذفُ جملةٍ فعلية وحَذْفُ حرفِ جر، قالوا: وتقديرُه: " وافعَلُوا بأرجلِكم غسلاً ".

قال أبو البقاء: " وحَذْفُ حرفِ الجر وإبقاءُ الجرِ جائزٌ كقوله:
1708- مشائيمُ ليسوا مُصْلِحينَ عشيرةً ولا ناعبٍ إلا بِبَيْنٍ غرابُها
وقال الآخر:
1709- بدا ليَ أنِّي لستُ مُدْرِكَ ما مضى ولا سابقٍ شيئاً إذا كان جائِيا
فجُرَّ بتقديرِ الباء، وليس بموضعِ ضرورةٍ، وقد أَفْرَدْتُ لهذه المسألةِ كتاباً " قوله: " وإبقاء الجر " ليس على إطلاقهِ، وإنما يَطَّرد منه مواضعُ نصَّ عليها أهلُ اللسانِ ليس هذا منها، وأمَّا البيتان فالجرُّ فيهما عند النحاة يسمى " العطف على التوهُّم " يعني كأنه توهَّم وجودَ الباء زائدةً في خبر " ليس " لأنها يكثُر زيادتُها، ونَظَّروا ذلك بقوله تعالى:{ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ } [المنافقون: 10] بجزم " أَكُنْ " عطفاً على " فأصَّدَّق " على توهُّم سقوط الفاء من " فأصَّدَّق " نَصَّ عليه سيبويه وغيرُه، فظهرَ فساد هذا التخريج.

وأمَّا قراءةُ الرفع فعلى الابتداء والخبر محذوف أي: وأرجلُكم مغسولةٌ أو ممسوحة على ما تقدم في حكمها. والكلام في قوله: " إلى الكعبين " كالكلام في " إلى المرفقين ". والكعبان فيهما قولان مشهوران، أشهرهما: أنهما العَظْمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، في كل رِجْلٍ كعبان. والثاني: أنه العظم الناتئ في وجه القدم حيث يجتمع شِراك النعل، ومرادُ الآية هو الأول. والكعبة: كلُّ بيتٍ مربع، وسيأتي بيانُه في موضعِه....

وقال الطبري


فإذا كان فـي الـمسح الـمعنـيان اللذان وصفنا من عموم الرجلـين بـالـماء، وخصوص بعضهما به، وكان صحيحاً بـالأدلة الدالة التـي سنذكرها بعد أن مراد الله من مسحهما العموم، وكان لعمومهما بذلك معنى الغسل والـمسح فبـين صواب القراءتـين جميعاً، أعنـي النصب فـي الأرجل والـخفض، لأن فـي عموم الرجلـين بـمسحهما بـالـماء غسلهما، وفـي إمرار الـيد وما قام مقام الـيد علـيهما مسحهما، فوجه صواب قراءة من قرأ ذلك نصبـاً لـما فـي ذلك من معنى عمومهما بإمرار الـماء علـيهما. ووجه صواب قراءة من قرأه خفضاً لـما فـي ذلك من إمرار الـيد علـيهما، أو ما قام مقام الـيد مسحاً بهما. غير أن ذلك وإن كان كذلك وكانت القراءتان كلتاهما حسناً صوابـاً، فأعجب القراءتـين إلـيّ أن أقرأها قراءة من قرأ ذلك خفضاً لـما وصفت من جمع الـمسح الـمعنـيـين اللذين وصفت، ولأنه بعد قوله { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ } فـالعطف به علـى الرؤوس مع قربه منه أولـى من العطف به علـى الأيدي، وقد حيـل بـينه وبـينها بقوله { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ }. فإن قال قائل وما الدلـيـل علـى أن الـمراد بـالـمسح فـي الرجلـين العموم دون أن يكون خصوصاً نظير قولك فـي الـمسح بـالرأس؟ قـيـل الدلـيـل علـى ذلك تظاهر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " وَيْـلٌ للأَعْقابِ وَبُطُونِ الأقْدَامِ منَ النارِ " ، ولو كان مسح بعض القدم مـجزياً عن عمومها بذلك لـما كان لها الويـل بترك ما ترك مسحه منها بـالـماء بعد أن يـمسح بعضها، لأن من أدّى فرض الله علـيه فـيـما لزمه غسله منها لـم يستـحقّ الويـل....

وقال القرطبي

قوله تعالى: { وَأَرْجُلَكُمْ } قرآ نافع وابن عامر والكسائي «وَأَرْجُلَكمْ» بالنصب؛ وروى الوليد بن مسلم عن نافع أنه قرأ «وَأَرْجُلُكُمْ» بالرفع وهي قراءة الحسن والأعمش سليمان؛ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة «وَأَرْجُلِكُم» بالخفض وبحسب هذه القراءات اختلف الصحابة والتابعون؛ فمن قرأ بالنصب جعل العامل «أَغْسِلُوا» وبنى على أن الفرض في الرِّجلين الغَسل دون المسح، وهذا مذهب الجمهور والكافّة من العلماء، وهو الثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، واللازم من قوله في غير ما حديث، وقد رأى قوماً يتوضئون وأعقابهم تلُوح فنادى بأعلى صوته:ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء " ثم إن الله حدَّهما فقال: «إلَى الْكَعْبين» كما قال في اليدين «إلَى المْرَافِق» فدّل على وجوب غسلهما؛ والله أعلم. ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء، قال ابن العربي: ٱتفقت العلماء على وجوب غسلهما، وما علمت من رَدّ ذلك سوى الطَبري من فقهاء المسلمين، والرّافضة من غيرهم، وتعلق الطبري بقراءة الخفض.

قلت: قد رُوي عن ابن عباس أنّه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان. وروى أن الحجاج خطب بالأهْوَاز فذكر الوضوء فقال: ٱغسلوا وجوهكم وأيديكم وٱمسحوا برءوسكم وأرجلكم، فإنه ليس شيء من ٱبن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما. فسمع ذلك أنس ابن مالك فقال: صدق الله وكذب الحجاج؛ قال الله تعالى { وَٱمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلكُمْ } قال: وكان إذا مسح رجليه بلّهما، وروى عن أنس أيضاً أنه قال: نزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل. وكان عِكرمة يمسح رجليه وقال: ليس في الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح. وقال عامر الشعبي: نزل جبريل بالمسح؛ ألا ترى أن التيمم يمسح فيه ما كان غسلاً، ويُلغي ما كان مسحاً. وقال قتادة: افترض الله غسلتين ومسحتين. وذهب ابن جرير الطبري إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح، وجعل القراءتين كالروايتين؛ قال النحاس؛ـ ومن أحسن ما قيل فيه؛ أن المسح والغسل واجبان جميعاً؛ فالمسح واجب على قراءة من قرأ بالخفض، والغسل واجب على قراءة من قرأ بالنصب، والقراءتان بمنزلة آيتين. قال ٱبن عطية: وذهب قوم ممن يقرأ بالكسر إلى أن المسح في الرّجلين هو الغسل.

قلت: وهو الصحيح؛ فإن لفظ المسح مشترك، يطلق بمعنى المسح ويطلق بمعنى الغسل؛ قال الهروي: أخبرنا الأزهري أخبرنا أبو بكر محمد بن عثمان بن سعيد الدَّاريّ عن أبي حاتم عن أبي زيد الأنصاري قال: المسح في كلام العرب يكون غسلاً ويكون مسحاً، ومنه يقال: للرجل إذا توضأ فغسل أعضاءه: قد تَمسَحّ؛ ويقال: مسح الله ما بك إذا غسلك وطهرك من الذنوب، فإذا ثبت بالنقل عن العرب أن المسح يكون بمعنى الغسل فترجح قول من قال: إن المراد بقراءة الخفض الغَسل؛ بقراءة النصب التي لا احتمال فيها، وبكثرة الأحاديث الثابتة بالغَسل، والتوعّد على ترك غَسلها في أخبار صحاح لا تُحصى كثرة أخرجها الأئمة؛ ثم إن المسح في الرأس إنما دخل بين ما يغسل لبيان الترتيب على أنه مفعول قبل الرّجلين، التقدير؛ فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وأمسحوا برءوسكم؛ فلما كان الرأس مفعولاً قبل الرِّجلين قُدَّم عليهما في التلاوة ـ والله أعلم ـ لا أنهما مشتركان مع الرأس لتقدّمه عليهما في صفة التطهير. وقد روى عاصم بن كليب عن أبي عبد الرحمن السّلمي قال: قرأ الحسن والحسين ـ رحمة الله عليهما ـ عَلَيَّ «وَأَرْجُلِكُمْ» فسمع عليٌّ ذلك وكان يقضي بين الناس فقال: { وَأَرْجُلَكُمْ } هذا من المقدّم والمؤخر من الكلام.....

اسامة محمد خيري
31-10-2018, 11:46
الجوهرة الثامنة والثمانون

قال ابن عطية

قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد " يُخافون " بضم الياء، وقرأ الجمهور " يَخافون " بفتح الياء، وقال أكثر المفسرين: الرجلان يوشع بن نوف وهو ابن أخت موسى وكالب بن يوفنا، ويقال فيه كلاب، ويقال كالوث بثاء مثلثة ويقال في اسم أبيه يوفيا، وهو صهر " موسى " على أخته، قال الطبري: اسم زوجته مريم بنت عمران، ومعنى { يخافون } أي الله، وأنعم عليهما بالإيمان الصحيح وربط الجأش والثبوت في الحق، وقال قوم المعنى يخافون العدو لكن { أنعم الله عليهما } بالإيمان والثبوت مع خوفهما، ويقوي التأويل الأول أن في قراءة ابن مسعود: " قال رجلان من الذين يخافون الله أنعم عليهما ".

وأما من قرأ بضم الياء فلقراءته ثلاثة معان، أحدها ما روي من أن الرجلين كانت من الجبارين آمنا بموسى واتبعاه، فكانا من القوم الذين يخافون لكن { أنعم الله عليهما } بالإيمان بموسى فقالا نحن أعلم بقومنا، والمعنى الثاني أنهما يوشع وكالوث لكنهما من الذين يوقرون ويسمع كلامهم ويهابون لتقواهم وفضلهم، فهم " يخافون " بهذا الوجه. والمعنى الثالث أن يكون الفعل من أخاف والمعنى من الذين يخافون بأوامر الله ونواهيه ووعيده وزجره، فيكون ذلك مدحاً لهم على نحو المدح في قوله تعالى:{ أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى } [الحجرات:3...

اسامة محمد خيري
31-10-2018, 12:52
وقال الطبري

ورُوي عن سعيد بن جبـير أنه كان يقرأ ذلك «قال رَجُلانِ منَ الَّذِينَ يُخافونَ» بضم الـياء «أنعم اللّهُ عَلَـيْهِما». حدثنـي بذلك أحمد بن يوسف، قال ثنا القاسم بن سلام، قال ثنا هشيـم، عن القاسم بن أبـي أيوب، ولا نعلـمه أنه سمع منه، عن سعيد بن جبـير أنه كان يقرؤها بضم الـياء من «يُخافُونَ». وكأنَّ سعيداً ذهب فـي قراءته هذه إلـى أن الرجلـين اللذين أخبر الله عنهما أنهما قالا لبنـي إسرائيـل ادخـلوا علـيهم البـاب فإذا دخـلتـموه فإنكم غالبون، كانا من رهط الـجبـابرة، وكانا أسلـما واتبعا موسى، فهما من أولاد الـجبـابرة، الذين يخافهم بنو إسرائيـل وإن كان لهم فـي الدين مخالفـين. وقد حُكِي نـحو هذا التأويـل عن ابن عبـاس. حدثنـي الـمثنى، قال ثنا عبد الله قال ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله{ ظ±دْخُلُوا ظ±لأَرْضَ ظ±لمُقَدَّسَةَ ظ±لَّتِي كَتَبَ ظ±للَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىظ° أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَظ°سِرِينَ } المائدة 21 قال هي مدينة الـجبـارين، لـما نزل بها موسى وقومه، بعث منهم اثنـي عشر رجلاً، وهم النقبـاء الذين ذكر نعتهم لـيأتوه بخبرهم.

فساروا، فلقـيهم رجل من الـجبـارين، فجعلهم فـي كسائه، فحملهم حتـى أتـى بهم الـمدينة، ونادى فـي قومه، فـاجتـمعوا إلـيه، فقالوا من أنتـم؟ فقالوا نـحن قوم موسى، بعثنا إلـيكم لنأتـيه بخبركم، فأعطوهم حبة من عنب بوقر الرجل، فقالوا لهم اذهبوا إلـى موسى وقومه، فقولوا لهم اقدُروا قدر فـاكهتهم فلـما أتوهم، قالوا لـموسى{ ظ±ذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاغ¤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } المائدة 24 { قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَـيْهِما } وكانا من أهل الـمدينة أسلـما واتبعا موسى وهارون، فقالا لـموسى { ادْخُـلُوا عَلَـيْهِمُ البـابَ فإذَا دَخَـلْتُـمُوهُ فَإنَّكُمْ غالِبونَ وَعلى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُـمْ مُؤْمِنِـينَ }. فعلـى هذه القراءة وهذا التأويـل لـم يكتـم من الاثنى عشر نقـيبـاً أحداً ما أمرهم موسى بكتـمانه بنـي إسرائيـل مـما رأوا وعاينوا من عظم أجسام الـجبـابرة وشدّة بطشهم وعجيب أمورهم، بل أفشوا ذلك كله. وإنـما القائل للقوم ولـموسى ادخـلوا علـيهم البـاب، رجلان من أولاد الذين كان بنو إسرائيـل يخافونهم ويرهبون الدخول علـيهم من الـجبـابرة، كانا أسلـما وتبعا نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم. وأولـى القراءتـين بـالصواب عندنا، قراءة من قرأ { مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَـيْهِما } لإجماع قرّاء الأمصار عليها وأن ما استفاضت به القراءة عنهم فحجة لايجوز خلافها وما انفرد به الواحد فجائز فـيه الـخطأ والسهو. ثم فـي إجماع الـحجة فـي تأويـلها علـى أنهما رجلان من أصحاب موسى من بنـي إسرائيـل وأنهما يوشع وكلاب، ما أغنى عن الاستشهاد علـى صحة القراءة بفتـح الـياء فـي ذلك وفساد غيره، وهو التأويـل الصحيح عندنا لـما ذكرنا من أجماعها علـيه.....

الجوهرة التاسعة والثمانون

{ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }

قال القرطبي

الثالثة ـ قوله تعالى: { وَظ±لْعَيْنَ بِظ±لْعَيْنِ } قرأ نافع وعاصم والأعمش وحمزة بالنصب في جميعها على العطف، ويجوز تخفيف «أَنَّ» ورفع الكل بالابتداء والعطف. وقرأ ظ±بن كثير وظ±بن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بنصب الكل إلا الجروح. وكان الكِسائيّ وأبو عبيد يقرءان «وَظ±لْعَيْنُ بِظ±لْعَيْنِ وَظ±لأَنْفَ بِظ±لأَنْفِ وَظ±لأُذُنُ بِظ±لأُذُنِ وَظ±لسِّنُّ بِظ±لسِّنِّ وَظ±لْجُرُوحُ» بالرفع فيها كلها. قال أبو عبيد: حدّثنا حجاج عن هرون عن عبّاد بن كثير عن عقيل عن الزّهريّ عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ «وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ظ±لنَّفْسَ بِظ±لنَّفْسِ وَظ±لْعَيْنُ بِظ±لْعَيْنِ وَظ±لأَنْفُ بِظ±لأَنْفِ وَظ±لأُذُنُ بِظ±لأُذُنِ وَظ±لسِّنُّ بِظ±لسِّنِّ وَظ±لْجُرُوحُ قِصَاصٌ». والرفع من ثلاث جهات؛ بالابتداء والخبر، وعلى المعنى على موضع «أَنَّ النَّفْسَ»؛ لأن المعنى قلنا لهم: النفس بالنفس. والوجه الثالث ـ قاله الزجاج ـ يكون عطفاً على المضمر في النفس؛ لأن الضمير في النفس في موضع رفع؛ لأن التقدير أن النفس هي مأخوذة بالنفس؛ فالأسماء معطوفة على هي. قال ظ±بن المنذر: ومن قرأ بالرفع جعل ذلك ظ±بتداء كلام حُكْم في المسلمين؛ وهذا أصح القولين، وذلك أنها قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم «وَالْعَيْنُ بِالْعَيْنِ» وكذا ما بعده. والخطاب للمسلمين أُمِروا بهذا. ومن خص الجروح بالرفع فعلى القطع مما قبلها والاستئناف بها؛ كأن المسلمين أُمِروا بهذا خاصة وما قبله لم يواجهوا به

ملحوظة

قد يستدل بالقراءات فى الاية فى مسألة شرع من قبلنا شرع لنا والمسألة فى كتب اصول الفقه

جاء فى شرح مختصر الروضة

الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي قِصَّةِ الرُّبَيِّعِ بِالْقِصَاصِ فِي السِّنِّ، " وَقَالَ: كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ: السِّنُّ بِالسِّنِّ إِلَّا مَا حُكِيَ فِيهِ عَنِ التَّوْرَاةِ " بِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ: " {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ} إِلَى قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ: {وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} [الْمَائِدَةِ: 45] ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَضَى بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَلَمْ يَكُنْ شَرْعًا لَهُ، لَمَّا قَضَى بِهِ...

وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَلَيْسَ إِشَارَةً إِلَى حُكْمِ التَّوْرَاةِ، بَلْ إِمَّا إِلَى عُمُومِ قَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [الْبَقَرَةِ: 194] ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الْعُدْوَانَ فِي السِّنِّ وَغَيْرِهَا، أَوْ إِلَى عُمُومِ قَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [الْمَائِدَةِ: 45] عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: (وَالْجُرُوحُ) بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَهُوَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَلَى ذَلِكَ يَكُونُ مِنْ كِتَابِنَا وَشَرْعِنَا، لَا مِنَ التَّوْرَاةِ وَشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا.

اسامة محمد خيري
31-10-2018, 17:28
الجوهرة التسعون

{ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ }

قال الرازى

ثم قال تعالى: { وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ } قرأ حمزة { وَلْيَحْكُمْ } بكسر اللام وفتح الميم، جعل اللام متعلقة بقوله{ وآتيناه الانجيل } [المائدة: 46] لأن إيتاء الإنجيل إنزال ذلك عليه، فكان المعنى آتيناه الإنجيل ليحكم، وأما الباقون فقرؤا بجزم اللام والميم على سبيل الأمر، وفيه وجهان: الأول: أن يكون التقدير: وقلنا ليحكم أهل الإنجيل، فيكون هذا إخباراً عما فرض عليهم في ذلك الوقت من الحكم بما تضمنه الإنجيل، ثم حذف القول لأن ما قبله من قوله { وَكَتَبْنَا وَقَفَّيْنَا } يدل عليه، وحذف القول كثير كقوله تعالى:{ وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } [الرعد: 23] أي يقولون سلام عليكم، والثاني: أن يكون قوله { وَلْيَحْكُمْ } ابتداء أمر للنصارى بالحكم في الإنجيل. فإن قيل: كيف جاز أن يؤمروا بالحكم بما في الإنجيل بعد نزول القرآن؟ قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن المراد ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه من الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو قول الأصم. والثاني: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، مما لم يصر منسوخاً بالقرآن، والثالث: المراد من قوله { وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ } زجرهم عن تحريف ما في الإنجيل وتغييره مثل ما فعله اليهود من إخفاء أحكام التوراة، فالمعنى بقوله { وَلْيَحْكُمْ } أي وليقر أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه على الوجه الذي أنزله الله فيه من غير تحريف ولا تبديل

اسامة محمد خيري
31-10-2018, 17:48
الجوهرة الواحدة والتسعون

قال القرطبي

وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ } أي عالياً عليها ومرتفعاً. وهذا يدل على تأويل من يقول بالتفضيل أي في كثرة الثواب، على ما تقدّمت إليه الإشارة في «الفاتحة» وهو ٱختيار ٱبن الحصّار في كتاب شرح السنة له. وقد ذكرنا ما ذكره في كتابنا في شرح الأسماء الحسنى والحمد لله. وقال قَتَادة: المهيمِن معناه الشاهد. وقيل: الحافظ. وقال الحسن: المصدّق؛ ومنه قول الشاعر:
إن الكتاب مُهيمِن لنبيّنا والحق يعرفه ذوو الألباب
وقال ابن عباس: «وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ» أي مؤتمناً عليه. قال سعيد بن جُبَير: القرآن مؤتمَن على ما قبله من الكتب. وعن ٱبن عباس والحسن أيضاً: المهيمن الأمين. قال المبرّد: أصله مُؤَيْمن أبدل من الهمزة هاء؛ كما قيل في أرَقْت الماء هَرَقت، وقاله الزجاج أيضاً وأبو عليّ. وقد صرف فقيل: هَيْمَنَ يُهيمِن هَيْمَنةً، وهو مُهَيْمِن بمعنى كان أميناً. الجوهريّ: هو من آمن غيره من الخوف؛ وأصله أأْمَنَ فهو مُؤَأمن بهمزتين، قلبت الهمزة الثانية ياء كراهة لاجتماعهما فصار مُؤَيْمن، ثم صيرت الأُولى هاء كما قالوا: هَرَاق الماء وأرَاقه؛ يقال منه: هَيْمن على الشيء يُهيمِن إذا كان له حافظاً، فهو مُهيمن؛ عن أبي عُبيد. وقرأ مجاهد وابن مُحيصن: «وَمُهَيْمَناً عَلَيْهِ» بفتح الميم. قال مجاهد: أي محمد صلى الله عليه وسلم مؤتمن على القرآن.

وقال ابن عطية

وقال مجاهد قوله تعالى: { ومهيمناً عليه } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم هو مؤتمن على القرآن.

قال القاضي أبو محمد: وغلط الطبري رحمه الله في هذه الألفاظ على مجاهد فإنه فسر تأويله على قراءة الناس " مهيمِناً " بكسر الميم الثانية فبعد التأويل ومجاهد رحمه الله إنما يقرأ هو وابن محيصن " ومهيمَناً " عليه بفتح الميم الثانية فهو بناء اسم المفعول. وهو حال من الكتاب معطوفة على قوله: { مصدقاً } وعلى هذا يتجه أن المؤتمن عليه هو محمد صلى الله عليه وسلم و { عليه } في موضع رفع على تقدير أنها مفعول لم يسم فاعله. هذا على قراءة مجاهد وكذلك مشى مكي رحمه الله، وتوغل في طريق الطبري في هذا الموضع قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد رحمه الله: " مهيمن " أصله " مويمن " بني من أمين، وأبدلت همزته هاء كما قالوا أرقت الماء وهرقته، قال الزجاج: وهذا حسن على طريق العربية، وهو موافق لما جاء في التفسير من أن معنى " مهيمن " مؤتمن، وحكى ابن قتيبة هذا الذي قال المبرد في بعض كتبه، فحكى النقاش أن ذلك بلغ ثعلباً فقال: إن ما قال ابن قتيبة رديء، وقال هذا باطل، والوثوب على القرآن شديد وهو ما سمع الحديث من قوي ولا ضعيف وإنما جمع الكتب، انتهى كلام ثعلب.

قال القاضي أبو محمد: ويقال من مهيمن هيمن الرجل على الشيء إذا حفظه وحاطه وصار قائماً عليه أميناً، ويحتمل أن يكون { مصدقاً ومهيمناً } حالين من الكاف في { إليك }. ولا يخص ذلك قراءة مجاهد وحده كما زعم مكي

وقال السمين

وقرأ ابن محيصن ومجاهد: " ومُهَيْمَنا " بفتح الميم الثانية على أنه اسمُ معفولٍ بمعنى أنه حوفظ عليه من التبديل والتغيير، والفاعل هو الله تعالى:{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [الحجر: 9] أو لحافظ له في كل بلد، حتى إنه إذا غُيِرت منه الحركةُ تنبَّه لها الناسُ ورَدُّوا على قارئِها بالصواب، والضمير في " عليه " على هذه القراءة عائد على الكتاب الأول، وعلى القراءةِ المشهورة عائد على الكتاب الثاني. وروي ابن أبي نجيح عن مجاهد قراءته بالفتح وقال: " معناه: محمد مُؤْتَمَنٌ على القرآن " قال الطبري: " فعلى هذا يكون " مهيمناً " حالاً من الكاف في " إليك " وطَعَن على هذا القول لوجود الواو في " ومهيمنا " لأنها عطف على " مصدقاً " و " مصدقاً " حال من الكتاب لا حال من الكاف؛ إذ لو كان حالاً منها لكان التركيب: " لما بين يديك " بالكاف.

قال الشيخ: " وتأويلُه على أنه من الالتفات من الخطاب إلى الغيبة بعيدٌ عن نظم القرآن، وتقديره: " وجعلناك يا محمد مهيمناً " أبعدُ " يعني أن هذين التأويلين يصلحان أن يكونا جوابين عن قول مجاهد، لكن الأول بعيدٌ والثاني أبعدُ منه. وقال ابن عطية هنا بعد أن حكى قراءةَ مجاهد وتفسيرَه محمداً عليه السلام أنه أمين على القرآن: " قال الطبري: وقولُه ومهيمناً على هذا حالٌ من الكاف في قوله " إليك " قال: وهذا تأويلٌ بعيدٌ من المفهوم " قال: " وغَلِط الطبري في هذه اللفظةِ على مجاهد، فإنه فَسَّر تأويلَه على قراءة الناس: " مهيمناً " بكسر الميم الثانية فَبَعُدَ التأويل، ومجاهد - رحمة الله - إنما يقرأ هو وابن محيصن: " ومهيمَنا " بفتح الميم الثانية فهو بناء اسم المفعول، وهو حالٌ من الكتاب معطوف على قوله: " مصدقاً " وعلى هذا يتجه أنَّ المؤتَمَنَ عليه هو محمد عليه السلام.

قال: و " كذلك مشى مكي رحمه الله " قلت: وما قاله أبو محمد ليس فيه ما يَرُدُّ على الطبري، فإنَّ الطبري استشكل كونَ " مهيمنا " حالاً من الكاف على قراءة مجاهد، وأيضاً فقد قال ابن عطية بعد ذلك: " ويحتمل أن يكون " مصدقاً ومهيمناً " حالَيْن من الكاف في " إليك " ، ولا يَخُصُّ ذلك قراءةَ مجاهد وحده كما زعم مكي، فالناس إنما استشكلوا كونَهما حالين من كاف " إليك " لقلق التركيب، وقد تقدَّم ما فيه وما نقله الشيخُ من التأويلين، وقوله: " لا يخص ذلك " كلامٌ صحيح، وإنْ كان مكي التزمه وهو الظاهر.

و " عليه " في موضع رفع على قراءة ابن محيصن ومجاهد لقيامِه مقامَ الفاعل، كذا قال ابن عَطية، قلت: هذا إذا جعلنا " مهيمناً " حالاً من الكتاب، أمَّا إذا جعلناه حالاً من كاف " إليك " فيكونُ القائمُ مقامَ الفاعلِ ضميراً مستتراً يعودُ على النبي عليه السلامِ، فيكون " عليه " أيضاً في محلِّ نصبٍ كما لو قُرِئ به اسمَ فاعل.

وقال ابن عطية

أفحكم الجاهلية } ، وقرأ ابن عامر " تبغون " بالتاء على الخطاب لهم أي قل لهم. وباقي السبعة " يبغون " بالياء من تحت

اسامة محمد خيري
31-10-2018, 17:55
الجوهرة الثانية والتسعون

{ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهُـؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ }

قال ابن عطية

اختلف القراء في هذه الآية فقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع " يقول " بغير واو عطف وبرفع اللام. وكذلك ثبت في مصاحف المدينة ومكة. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم " ويقول " بإثبات الواو. وكذلك ثبت في مصاحف الكوفيين. وقال الطبري كذلك هي في مصاحف أهل الشرق. وقرأ أبو عمرو وحده " ويقولَ " بإثبات الواو وبنصب اللام. قال أبو علي وروى علي بن نصر عن أبي عمرو والنصب والرفع في اللام. فأما قراءة ابن كثير ونافع فمتعاضدة مع قراءة حمزة والكسائي. لأن الواو ليست عاطفة مفرد على مفرد مشركة في العامل وإنما هي عاطفة جملة على جملة وواصلة بينهما والجملتان متصلتان بغير واو. إذ في الجملة الثانية ذكر من الجملة المعطوف عليها. إذ الذين يسارعون وقالوا نخشى ويصبحون نادمين هم الذين قيل فيهم. { أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم } فلما كانت الجملتان هكذا حسن العطف بالواو وبغير الواو. كما أن قوله تعالى:{ سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم } [الكهف:22] لما كان في كل واحدة من الجملتين ذكر ما تقدم اكتفى بذلك عن الواو، وعلى هذا قوله تعالى:{ أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [البقرة:39 الأعراف:36 يونس: 27] ولو دخلت الواو فقيل " وهم فيها خالدون " كان حسناً.

قال القاضي أبو محمد: ولكن براعة الفصاحة في الإيجاز، ويدل على حسن دخول الواو قوله تعالى:{ ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم } [الكهف:22] فحذف الواو من قوله { ويقول الذين آمنوا } كحذفها من هذه الآية، وإلحاقها في قوله { ثامنهم }.

قال القاضي أبو محمد: وذهب كثير من المفسرين إلى أن هذا القول من المؤمنين إنما هو إذا جاء الفتح حصلت ندامة المنافقين وفضحهم الله تعالى، فحينئذ يقول المؤمنون { أهؤلاء الذين أقسموا } [المائدة: 53] الآية. وتحتمل الآية أن تكون حكاية لقول المؤمنين في وقت قول الذين في قلوبهم مرض{ نخشى أن تصيبنا دائرة } [المائدة:52] وعند أفعالهم ما فعلوا في حكاية بني قينقاع. فظهر فيها سرهم وفهم منهم أن تمسكهم بهم إنما هو إرصاد لله ولرسوله. فمقتهم النبي والمؤمنون، وترك النبي صلى الله عليه وسلم بني قينقاع لعبد الله بن أبيّ رغبة في المصلحة والألفة، وبحكم إظهار عبد الله أن ذلك هو الرأي من نفسه وأن الدوائر التي يخاف إنما هي ما يخرب المدينة وعلم المؤمنون وكل فطن أن عبد الله في ذلك بخلاف ما أبدى. فصار ذلك موطناً يحسن أن يقول فيه المؤمنون { أهؤلاء الذين أقسموا } الآية، وأما قراءة أبي عمرو ويقول بنصب اللام فلا يتجه معها أن يكون قول المؤمنين إلا عند الفتح وظهور ندامة المنافقين وفضيحتهم، لأن الواو عاطفة فعل على فعل مشركة في العامل، وتوجه عطف { ويقول } مطرد على ثلاثة أوجه، أحدها على المعنى، وذلك أن قوله

{ فعسى الله أن يأتي بالفتح } [المائدة:52] إنما المعنى فيه فعسى الله أن يأتي بالفتح فعطف قوله تعالى: { يقول } على { يأتي } اعتماداً على المعنى، وإلا فلا يجوز أن يقال عسى الله أن يقول المؤمنون. وهكذا قوله تعالى:{ لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن } [المنافقون:10] لما كان المعنى " أخرني إلى أجل قريب " أصدق وحمل { أكن } على الجزم الذي يقتضيه المعنى في قوله { فأصدق } ، والوجه الثاني أن يكون قوله{ أن يأتي بالفتح } [المائدة: 52] بدلاً من اسم الله عز وجل كما أبدل من الضمير في قوله تعالى:{ وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره } [الكهف:63] ثم يعطف { ويقول } على أن يأتي لأنه حينئذ كأنك قلت عسى أن يأتي، والوجه الثالث أن يعطف قوله { ويقول } على{ فيصبحوا } [المائدة:52] إذ هو فعل منصوب بالفاء في جواب التمني، إذ قوله عسى الله تمن وترج في حق البشر، وفي هذا الوجه نظر وكذلك عندي في منعهم جواز عسى الله أن يقول المؤمنون نظر، إذ الله تعالى يصيرهم يقولون بنصره وإظهار دينه، فينبغي أن يجوز ذلك اعتماداً على المعنى...

وقال السمين

قوله تعالى: { وَيَقُولُ }: قرأ أبو عمرو والكوفيون بالواو قبل " يقول " والباقون بإسقاطها، إلا أنَّ أبا عمرو ونصب الفعل بعد الواو، وروى عنه علي بن نصر الرفع كالكوفيين، فتحصَّل فيه ثلاثُ قراءات: " يقول " من غير واو " ويقول " بالواو والنصب، و " يقول " بالواو والرفع. فأمَّا قراءةُ مَنْ قرأ " يقول " من غير واو فهي جملةٌ مستأنفة سِيقَتْ جواباً لسؤالٍ مقدر، كأنه لمَّا تقدَّم قولُه تعالى: { فَعَسَى ظ±للَّهُ أَن يَأْتِيَ بِظ±لْفَتْحِ } إلى قوله: { نَادِمِينَ } سأل سائل فقال: ماذا قال المؤمنون حنيئذ؟ فأجيبَ بقوله تعالى: { وَيَقُولُ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ } إلى آخره، وهو واضح، والواو ساقطةٌ في مصاحف مكة والمدينة والشام، والقارئ بذلك هو صاحبُ هذه المصاحف، فإن القارئين بذلك ابنُ كثير المكي وابن عامر الشامي ونافع المدني، فقراءتُهم موافقةٌ لمصاحفهم، وليس في هذا أنهم إنما قرؤوا كذلك لأجلِ المصحف فقط، بل وافَقَتْ روايتُهم مصاحفَهم على ما بيَّنَتْهُ غيرَ مرة.

وأمَّا قراءة الواو والرفع فواضحة أيضاً لأنها جملة ابتُدئ بالإِخبار بها، فالواوُ استئنافيةٌ لمجرد عطف جملة على جملة، فالواو ثابتة في مصاحف الكوفة والمشرق، والقارئُ بذلك هو صاحبُ هذا المصحف، والكلام كما تقدَّم أيضاً.

وأمَّا قراءةُ أبي عمرو فهي التي تحتاج إلى فَضْلِ نظر، واختلف الناسُ في ذلك على ثلاثةِ أوجه، أحدُها: أنه منصوب عطفاً على " فيصحبوا " على أحد الوجهين المذكورين في نصبِ " فيُصْبحوا " وهو الوجه الثاني، أعني كونَه منصوباً بإضمار " أَنْ " في جوابِ الترجِّي بعد الفاء إجراءً للترجِّي مُجْرى التمني، وفيه خلافٌ مشهور بين البصريين والكوفيين، فالبصريون يمنعونَه والكوفيون يُجيزونه مستدلِّين على ذلك بقراءِة نافع: { لعله يزَّكى أو يَذَّكَّرُ فتنفعَه } بنصب " تنفعه " وبقراءة عاصم في رواية حفص: " لعلي أبلغُ الأسبابَ أسبابَ السماواتِ فأطَّلِعَ " بنصب " فأطَّلِعَ " وسيأتي الجوابُ عن الآيتين الكريمتين في موضعِه. وهذا الوجهُ - أعني عطفَ " ويقول " على " فيصبحوا " قال الفارسي وتبعه جماعةٌ، ونقله عنه أبو محمد بن عطية، وذكرَه أبو عمرو بن الحاجب أيضاً، قال الشيخ شهابُ الدين أبو شامة بعد ذكره الوجهَ المتقدِّم: " وهذا وجهٌ جيد أفادنيه الشيخ أبو عمرو بن الحاجب ولم أَرَه لغيرِه، وذكروا وجوهاً كلُّها بعيدةٌ متعسِّفة " انتهى. قلت: وهذا - كما رأيتَ - منقولٌ مشهور عن أبي علي الفارسي، وأمَّا استجادتُه هذا الوجهَ فإنما يتمشى على قول الكوفيين، وهو مرجوحٌ كما تقرر في علم النحو.

الثاني: أنه منصوبٌ عطفاً على المصدر قبلَه وهو الفتحُ كأنه قيل: فعسى اللَّهُ أن يأتِيَ بالفتحِ وبأَنْ يقولَ، أي: وبقولِ الذين آمنوا، وهذا الوجهُ ذكره أبو جعفر النحاس، / ونظَّره بقول الشاعر:

1743- لَلُبْسُ عباءةٍ وتَقَرَّ عيني أحبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفوفِ
وقول الآخر:
1744- لقد كانَ في حَوْلٍ ثَواءٍ ثويتُه تَقَضِّي لُباناتٍ ويَسْأَمَ سائِمُ
وهذا مردودٌ من ثلاثةِ أوجه، أحدُها: أنه يؤدِّي ذلك إلى الفصل بين أبعاضِ الصلةِ بأجنبي، وذلك أنَّ الفتحَ على قوله مؤولٌ بـ " أَنْ " والفعلِ تقديرُه: أَنْ يأتِيَ بأن يفتحَ وبأَنْ يقولَ، فيقعُ الفصلُ بقوله: { فيُصبحوا } وهو أجنبي لأنه معطوفٌ على " يأتي " الثاني: أن هذا المصدرَ - وهو الفتح - ليس يُراد به انحلالُه لحرفٍ مصدري وفعلٍ، بل المرادُ به مصدرٌ غيرُ مرادٍ به ذلك نحو: يعجبني ذكاؤك وعلمك. الثالث: أنه وإنْ سُلِّم انحلالُه لحرف مصدري وفعل فلا يكون المعنى على: " فعسى الله أن يأتيَ بأَنْ يقولَ الذين آمنوا " فإنه نابٍ عنه نُبُوّاً ظاهراً.

الثالث- من أوجه نصبِ " ويقول " -: أنه منصوبٌ عطفاً على قوله: " يأتي " أي: فعسى اللَّهُ أَنْ يأتيَ ويقولَ، وإلى ذلك ذهب الزمخشري ولم يَعْتَرض عليه بشيء، وقد رُدَّ ذلك بأنه يلزمُ عطفُ ما لا يجوز أن يكون خبراً على ما هو خبر، وذلك أنَّ قولَه: { أن يأتيَ } خبرُ عسى وهو صحيحٌ، لأنَّ فيه رابطاً عائداً على اسم " عسى " وهو ضميرُ الباري تعالى، وقولُه: " ويقول " ليس فيه ضميرٌ يعودُ على اسم " عسى " فكيف يَصِحُّ جَعْلُه خبراً؟ وقد اعتذر مَنْ أجازَ ذلك عنه بثلاثة أوجه، أَحدُها: أنه من باب العطفِ على المعنى، والمعنى: فَعَسى أَنْ يأتي الله بالفتح وبقولِ الذين آمنوا، فتكون " عسى " تامةً لإِسنادها إلى " أَنْ " وما في حَيِّزها، فلا تحتاجُ حينئذ إلى رابط، وهذا قريبٌ من قولهم " العطف على التوهم " نحو:{ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ظ±لصَّالِحِينَ } [المنافقون: 10]. الثاني أنّ { أَنْ ياتي } بدلٌ من اسم الله لا خبرٌ، وتكونُ " عسى " حينئذ تامةً، كأنه قيل: فعسى أن يقولَ الذين آمنوا، وهذان الوجهان منقولان عن أبي عليّ الفارسيّ؟ إلا أنَّ الثاني لا يَصِحُّ لأنهم نَصُّوا على أنَّ عسى واخلولق وأوشك من بين سائر أخواتها يجوز أن تكونَ تامةً بشرطِ أن يكونَ مرفوعُها: " أن يفعل " قالوا: ليوجَدَ في الصورةِ مسندٌ ومسندٌ إليه، كما قالوا / ذلك في " ظن " وأخواتِها: إنَّ " أَنْ " و " أَنَّ " تسدُّ مسدَّ مفعوليها. والثالث: أن ثم ضميراً محذوفاً هو مصحِّحٌ لوقوعِ " ويقول " خبراً عن عسى، والتقدير: ويقولُ الذين آمنوا به أي: بالله، ثم حُذِفَ للعلم به، ذكر ذلك أبو البقاء، وقال ابن عطية بعد حكايتِه نصبَ " ويقولَ " عطفاً على " يأتي ": " وعندي في منع " عسى الله أن يقول المؤمنون " نظرٌ، إذ الله تعالى يُصَيِّرهم يقولون ذلك بنصرِه وإظهاره دينه " قلت: قولُ ابن عطية في ذلك يشبه قولَ أبي البقاء في كونِه قَدَّره ضميراً عائداً على اسم " عسى " يَصِحُّ به الربط.

وبعضُ الناسِ يُكْثِرُ هذه الأوجه ويوصلُها إلى سبعة وأكثر، وذلك باعتبار تصحيحِ كلِّ وجهٍ من الأوجه الثلاثة التي ذكرتها لك، ولكن لا يخرج حاصلُها عن ثلاثة، وهو النصبُ: إمَّا عطفاً على " أن يأتي " وإما على " فيصبحوا " وإمَّا على " بالفتح " ، وقد تقدَّم لك تحقيقها

اسامة محمد خيري
01-11-2018, 04:50
الجوهرة الثالثة والتسعون

يَـأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }

قال ابن عطية

واختلف القراء في إعراب { الكفار } فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم وحمزة: " والكفارَ " نصباً، وقرأ أبو عمرو والكسائي " والكفارِ " خفضاً، وروى حسين الجعفي عن أبي عمرو النصب، قال أبو علي: حجة من قرأ بالخفض حمل الكلام على أقرب العاملين وهي لغة التنزيل.

قال القاضي أبو محمد: ويدخل " الكفار " على قراءة الخفض فيمن اتخذ دين المؤمنين هزؤاً، وقد ثبت استهزاء الكفار في قوله:{ إنا كفيناك المستهزئين } [الحجر:95] وثبت استهزاء أهل الكتاب في لفظ هذه الآية، وثبت استهزاء المنافقين في قولهم لشياطينهم{ إنا معكم إنما نحن مستهزئون } [البقرة:14]، ومن قرأ " الكفارَ " بالنصب حمل على الفعل الذي هو { لا تتخذوا } ، ويخرج الكفار من أن يتضمن لفظ هذه الآية استهزاءهم، وقرأ أبيّ بن كعب " ومن الكفار " بزيادة " من " فهذه تؤيد قراءة الخفض، وكذلك في قراءة ابن مسعود " من قبلكم من الذي أشركوا "...

وقوله تعالى: { وجعل } هي بمعنى صير، وقال أبو علي في كتاب الحجة هي بمعنى خلق.

قال القاضي أبو محمد: وهذه منه رحمه الله نزعة اعتزالية، لأن قوله: { وعبد الطاغوت } تقديره ومن عبد الطاغوت، والمعتزلة لا ترى أن الله يصير أحداً عابد الطاغوت، وقد تقدم قصص مسخهم قردة في سورة البقرة، وأما مسخهم خنازير، فروي أن ذلك بسبب امرأة كانت مؤمنة من بني إسرائيل وكفر ملك بهم في مدينة من مدنهم وكفر معه أهل مملكته، فدعت المرأة قوماً إلى نصرة الدين فأجابوها فخرجت بهم فهزموا ثم فعلت ذلك ثانية وثالثة في كل مرة يهزم جمعها، فيئست وباتت مهمومة، فلما أصبح رأت أهل تلك المدينة ينفقون في نواحيها خنازير فقالت: الآن أعلم أن الله أعز دينه وآثر دينه، قال عمرو بن كثير بن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري ما كان مسخ بني إسرائيل إلا على يدي تلك المرأة، وقوله تعالى: { وعبد الطاغوت } تقديره ومن عبد الطاغوت، وذلك عطف على قوله: { من لعنه الله } أو معمول لـ { جعل } وفي هذا يقول أبو علي: إن { جعل } بمعنى خلق، واختلفت القراءة في هذا الحرف فقرأ حمزة وحده " وعَبُد الطاغوت " بفتح العين وضم الباء وكسر التاء من الطاغوت وذلك أن " عبد " لفظ مبالغة كيقظ وندس فهو لفظ مفرد يراد به الجنس وبني بناء الصفات، لأن " عبداً " في الأصل صفة وإن كان استعمل استعمال الأسماء، وذلك لا يخرجه عن حكم الصفة فلذلك لم يمتنع أن يبنى منه بناء الصفات، وقرأ بهذه القراءة الأعمش ويحيى بن وثاب، ومنه قول الشاعر: [أوس بن حجر].


أبني لبينى إن أمكم أمة وإن أباكم عبد
ذكره الطبري وغيره بضم الباء

وقرأ الباقون " وعَبَد الطاغوت " بفتح العين والباء على الفعل الماضي وإعماله في الطاغوت وقد تقدم ذكره، وقرأ أبي بن كعب " عبدوا الطاغوت " ، على إسناد الفعل الماضي إلى ضمير جمع، وقرأ ابن مسعود فيما روى عبد الغفار عن علقمة عنه " وعَبُد الطاغوتُ " بفتح العين وضم الباء ورفع التاء من الطاغوت، وذلك على أن يصير له أن " عبد " كالخلق والأمر المعتاد المعروف، فهي في معنى فقه وشرف وظرف، وقرأ ابن عباس وإبراهيم بن أبي عبلة " وعَبَد الطاغوتِ " بفتح العين والباء وكسر التاء من الطاغوت، وذلك على أن المراد عبدة الطاغوت وحذفت الهاء تخفيفاً ومثله قول الزاجر:

قام ولاها فسقوها صرخدا
أراد ولاتها فحذف تخفيفاً، وقرأ الحسن بن أبي الحسن في رواية عباد عنه " وعَبْد الطاغوتِ " بفتح العين وسكون الباء وكسر التاء من الطاغوت وهذا على أنه اسم جنس مفرد يراد به جميع، وروي عن الحسن من غير طريق عباد أنه قرأ بفتح العين والدال وسكون الباء ونصب التاء من الطاغوت، وهذه تتجه على وجهين أحدهما أنه أراد و " عبداً الطاغوت " فحذف التنوين كما حذف في قول الشاعر:

ولا ذاكر الله إلا قليلا
والوجه الآخر أن يريد " عبد " الذي هو فعل ماض وسكن الباء على نحو ما هي عين الفعل مسكنة في قول الشاعر:

وما كل مغبون ولو سلْف صفقة
فإن اللام من سلف مسكنة ونحو هذا قول أبي السمال " ولعْنوا بما قالوا " بسكون العين، فهذه قراءات العين فيها مفتوحة، وقرأ أبو واقد الأعرابي في رواية العباس بن الفضل عنه " وعُبَّادَ الطاغوتِ " بضم العين وشد الباء المفتوحة وألف بعدها وفتح الدال وكسر التاء من الطاغوت وذلك جمع عابد، وقرأ عون العقيلي فيما روى عنه العباس بن الفضل أيضاً " وعابدُ الطاغوت " على وزن فاعل, والدال مرفوعة، قال أبو عمرو تقديره وهم عابد الطاغوت.....

وقال الطبري

وأما قراءة القرّاء فبأحد الوجهين اللذين بدأت بذكرهما، وهو «وَعَبدَ الطَّاغُوتَ» بنصب الطاغوت وإعمال «عَبَدَ» فـيه، وتوجيه «عبد» إلـى أنه فعل ماض من العبـادة. والآخر «وعَبُدَ الطَّاغُوتِ» علـى مثال فَعُل، وخفض «الطاغوت» بإضافة «عبُد» إلـيه. فإذا كانت قراءة القرّاء بأحد هذين الوجهين دون غيرهما من الأوجه التـي هي أصحّ مخرجاً فـي العربـية منهما، فأولاهما بـالصواب من القراءة قراءة من قرأ ذلك { وعَبَدَ الطَّاغُوتَ } بـمعنى وجعل منهم القردة والـخنازير، ومن عبد الطاغوت لأنه ذكر أن ذلك فـي قراءة أبـيّ بن كعب وابن مسعود «وَجَعَلَ مِنْهُمْ القِردَةَ والـخنازيرَ وَعَبَدُ والطَّاغُوتَ» بـمعنى والذين عبدوا الطاغوت. ففـي ذلك دلـيـل واضح علـى صحة الـمعنى الذي ذكرنا من أنه مراد به ومن عبد الطاغوت، وأن النصب بـالطاغوت أولـى علـى ما وصفت فـي القراءة لإعمال «عبد» فـيه، إذ كان الوجه الآخر غير مستفـيض فـي العرب ولا معروف فـي كلامها علـى أن أهل العربـية يستنكرون إعمال شيء فـي «مَنْ» و«الذي الـمضمرين مع «مِنْ» و«فـي» إذا كفت «مِنْ» أو «فـي» منهما، ويستقبحونه، حتـى كان بعضهم يحيـل ذلك ولا يجيزه. وكان الذي يحيـل ذلك يقرؤه «وعَبُدَ الطاغوتِ»، فهو علـى قوله خطأ ولـحن غير جائز. وكان آخرون منهم يستـجيزونه علـى قبح، فـالواجب علـى قولهم أن تكون القراءة بذلك قبـيحة وهم مع استقبـاحهم ذلك فـي الكلام قد اختاروا القراءة بها، وإعمال وجعل فـي «مَنْ» وهي مـحذوفة مع «مِن» ولو كنا نستـجيز مخالفة الـجماعة فـي شيء مـما جاءت به مـجمعة علـيه، لاخترنا القراءة بغير هاتـين القراءتـين، غير أن ما جاء به الـمسلـمون مستفـيضاً، فهم لا يتناكرونه، فلا نستـجيز الـخروج منه إلـى غيره فلذلك لـم نستـجز القراءة بخلاف إحدى القراءتـين اللتـين ذكرنا أنهم لـم يعدوهما.

وإذ كانت القراءة عندنا ما ذكرنا، فتأويـل الآية قل هل أنبئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله من لعنه، وغضب علـيه، وجعل منهم القردة والـخنازير، ومن عبد الطاغوت...

وقال ابن عطية

{ وإن لم تفعل } معناه وإن لم تستوف، ونحو هذا قول الشاعر:
سئلت فلم تمنع ولم تعط نائلاً فسيان لا ذم عليك ولا حمد
أي ولم تعط ما يعد نائلاً وإلا فيتكاذب البيت، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي " فما بلغت رسالته " على الإفراد، وقرؤوا في الأنعام{ حيث يجعل رسالته } [الأنعام: 124] على الجمع، وكذلك في الأعراف{ برسالاتي } [الأعراف:144]، وقرأ ابن كثير في المواضع الثلاثة بإفراد الرسالة، وقرأ نافع " رسالاته " بالجمع، وكذلك في الأنعام, وأفرد في الأعراف, وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر بجمع الرسالة في المواضع الثلاثة، وروى حفص عن عاصم الإفراد في العقود والأنعام، والجمع في الأعراف، فمن أفرد الرسالة فلأن الشرع كله شيء واحد وجملة بعضها من بعض، ومن جمع فمن حيث الشرع معان كثيرة وورد دفعاً في أزمان مختلفة، وقالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: من زعم أن محمداً كتم شيئاً من الوحي فقد أعظم الفرية.....

وقال الزجاج المراد بقوله: { إن الذين آمنوا } المنافقون، فالمعنى أن الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم.

قال القاضي أبو محمد: فكأن ألفاظ الآية عدت الطوائف التي يمكن أن تنتقل إلى الإيمان، ثم نفى عنهم الخوف والحزن بشرط انتقالهم إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، وعلى التأويل الأول يكون قوله { من آمن } في حيز المؤمنين بمعنى ثبت واستمر، وقد تقدم تفسير { هادوا } وتفسير " الصابئين " وتفسير { النصارى } في سورة البقرة، واختلف القراء في إعراب الصابئين في هذه الآية فقرأ الجمهور و " الصابئون " بالرفع وعليه مصاحف الأمصار والقراء السبعة،

وقرأ عثمان بن عفان وعائشة وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والجحدري " والصابين " وهذه قراءة بينة الإعراب، وقرأ الحسن بن أبي الحسن والزهري " والصابيون " بكسر الباء وضم الياء دون همز, وقد تقدم في سورة البقرة,

وأما قراءة الجمهور " والصابئون " فمذهب سيبويه والخليل ونحاة البصرة أنه من المقدم الذي معناه التأخير وهو المراد به، كأنه قال " إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصابئون والنصارى " كذلك، وأنشد الزجاج نظيراً في ذلك:
وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق
فقوله وأنتم مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى أي وأنتم كذلك،

وحكى الزجّاج عن الكسائي والفراء أنهما قالا: و { الصابئون } عطف على { الذين } ، إذ الأصل في { الذين } الرفع وإذ نصب { إن } ضعيف وخطأ الزجّاج هذا القول وقال: { إن } أقوى النواصب،

وحكي أيضاً عن الكسائي أنه قال و { الصابئون } عطف على الضمير في { هادوا } والتقدير هادوا هم الصابئون، وهذا قول يرده المعنى لأنه يقتضي أن الصابئين هادوا،

وقيل إن معنى نعم، وما بعدها مرفوع بالابتداء، وروي عن بعضهم أنه قرأ " والصابئون " بالهمز، واتصال هذه الآية بالتي قبلها هو أن قيل لهم ليس الحق في نفسه على ما تزعمون من أنكم أبناء الله وأحباؤه، بل لستم على شيء مستقيم حتى تؤمنوا وتقيموا الكتب المنزلة، ثم استأنف الإخبار عن الحق في نفسه بأنه من آمن في كل العالم فهو الفائز الذي لا خوف عليه.

وقال ابن الجوزى فى زاد المسير

قوله تعالى: { وحسبوا أن لا تكون فتنة } قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر: «تكون» بالنصب، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «تكون» بالرفع، ولم يختلفوا في رفع «فتنة». قال مكي بن أبي طالب: من رفع جعل «أن» مخفّفة من الثقيلة، وأضمر معها «الهاء» وجعل «حسبوا» بمعنى: أيقنوا، لأن «أن» للتأكيد، والتأكيد لا يجوز إِلا مع اليقين. والتقدير: أنه لا تكون فتنة. ومن نصب جعل «أن» هي الناصبة للفعل، وجعل «حسبوا» بمعنى: ظنوا. ولو كان قبل «أن» فعلٌ لا يصلح للشك، لم يجز أن تكون إِلا مخففة من الثقيلة، ولم يجز نصب الفعل بها، كقوله:{ أفلا يرون ألا يرجع إِليهم } [طه: 89] و{ علم أن سيكون } [المزمل: 20] وقال أبو علي: الأفعال ثلاثة: فعلٌ يدلُ على ثبات الشيء واستقراره، نحو العلم والتيقّن، وفعلٌ يدلُ على خلاف الثبات والاستقرار، وفعلٌ يجذب إِلى هذا مرة، وإِلى هذا أُخرى، فما كان معناه العلم، وقعت بعده «أن» الثقيلة، لأن معناها ثبوت الشيء واستقراره، كقوله:{ ويعلمون أن الله هو الحق المبين } [النور: 25]{ ألم يعلم بأن الله يرى } [العلق: 14] وما كان على غير وجه الثبات والاستقرار نحو: أطمع وأخاف وأرجو، وقعت بعده «أن» الخفيفة، كقوله:{ فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله } [البقرة: 229]{ تخافون أن يتخطفكم الناس } [الأنفال: 26]{ فخشينا أن يرهقهما } [الكهف: 80]{ أطمع أن يغفر لي } [الشعراء: 82] وما كان متردداً بين الحالين مثل حسبتُ وظننت، فإنه يُجعلُ تارةً بمنزلة العلم، وتارةً بمنزلة أرجو وأطمع وكلتا القراءتين في { وحسبوا ألا تكون فتنة } قد جاء بها التنزيل. فمثل مذهب من نصب{ أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم } [الجاثية: 21]{ أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا } [العنكبوت: 4]{ أحسب الناس أن يتركوا } [العنكبوت: 2] ومثلُ مذهب مَنْ رفع{ أيحسبون أنما نمدّهم } [المؤمنون: 55]{ أم يحسبون انا لا نسمع سرهم } [الزخرف: 80].

قال ابن عباس: ظنوا أن الله لا يعذبهم، ولا يبتليهم بقتلهم الأنبياء، وتكذبيهم الرسل....

اسامة محمد خيري
01-11-2018, 05:25
الجزء السابع

الجوهرة الرابعة والتسعون

{ لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }

قال ابن عطية

وقوله تعالى: { بما عقدتم } معناه شددتم، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو " عقّدتم " مشددة القاف، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي " عقَدتم " خفيفة القاف، وقرأ ابن عامر " عاقدتم " بألف على وزن فاعلتم، قال أبو علي من شدد القاف احتمل أمرين أحدهما أن يكون لتكثير الفعل لأنه خاطب جماعة والآخر يكون عقد مثل ضعف لا يراد به التكثير كما أن ضاعف لا يراد به فعل من اثنين. ومن قرأ " عقَدتم " فخفف القاف جاز أن يراد به الكثير من الفعل والقليل، وعقد اليمين كعقد الحبل والعهد، وقال الحطيئة:

قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا
ومن قرأ " عاقدتم " فيحتمل ضربين أحدهما أن يكون كطارقت النعل وعاقبت اللص، والآخر أن يراد به فاعلت الذي يقتضي فاعلين كأن المعنى يؤاخذكم بما عاقدتم عليه الإيمان، ويعدى عاقد بـ " على " لما هو في معنى عاهد، قال الله تعالى:{ ومن أوفى بما عاهد عليه الله } [الفتح:10] وهذا كما عديت{ ناديتم إلى الصلاة } [المائدة: 58] بـ " إلى " وبابها أن تقول ناديت زيداً و{ ناديناه من جانب الطور الأيمن } [مريم:52] لكن لما كانت بمعنى دعوت إلى كذا كقوله تعالى{ ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله } [فصلت:33] عديت نادى بـ " إلى " ، ثم يتسع في قوله تعالى " عاقدتم " عليه الإيمان فيحذف الجار، ويصل الفعل إلى المفعول، ثم يحذف من الصلة الضمير الذي يعود على الموصول، وتقديره يؤاخذكم بما عقدتموه الأيمان. كما حذف من قوله تعالى{ فاصدع بما تؤمر } [الحجر:94]...

وقال السمين

وقرأ الجمهور: " كِسوتهم " بكسر الكاف. وقرأ إبراهيم النخعي وأبو عبد الرحمن السلمي وسعيد بن المسيب بضمها، وقد تقدم في البقرة أنهما لغتان في المصدر وفي الشيء المكسوِّ، قال الزمخشري: " كالقِدوة في القُدوة، والإِسوةُ في الأُسوة، إلا أن قرأ في البقرة بضمِّها هو طلحة فلم يذكروه هنا، ولا ذكروا هؤلاء هناك.

وقرأ سعيد بن جبير وابن السَّمَيْفَع: " أو كأُسْوَتِهم " بكاف الجر الداخلة على " أُسْوة " قال الزمخشري: " بمعنى: أو مثلُ ما تطعمون أهليكم إسرافاً كان أو تقتيراً، لا تُنْقصونهم عن مقدارِ نفقتِهم، ولكن تواسُون بينهم. فإنْ قلت: ما محلُّ الكاف؟ قلت: الرفعُ: تقديرُه: أو طعامُهم كأسوتِهم، بمعنى: كمثل طعامِهم إن لم يُطْعموهم الأوسطَ " انتهى. وكان قد تقدم أنه يَجْعل " من أوسط " مرفوعَ المحلِّ خبراً لمبتدأ محذوف، فتكونُ الكاف عنده مرفوعةً عطفاً على " مِنْ أوسطِ " وقال أبو البقاء قريباً من هذا فإنه قال: " فالكافُ في موضعِ رفعٍ أي: أو مثلُ أسوةِ أهليكم " وقال الشيخ: " إنه في موضعِ نصبٍ عطفاً على محلِّ " مِنْ أوسط " ، لأنه عنده مفعولٌ ثان.

إلاَّ أنَّ هذه القراءة تنفي الكسوةَ من الكَفَّارة، وقد اجمع الناس على أنها إحدى الخصالِ الثلاث، لكن لصاحبِ هذه القراءةِ أن يقول: " استُفيدت الكسوةُ من السنَّة " أمَّا لو قام الإِجماع على أن مستندَ الكسوة في الكفارة من الآية فإنه يَصِحُ الردُّ على هذا القارئ.....

وقال القرطبي

قوله تعالى: { فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ } قرأها ظ±بن مسعود «متتابعات» فيقيد بها المطلق؛ وبه قال أبو حنيفة والثوريّ، وهو أحد قولي الشافعيّ واختاره المُزَنيّ قياساً على الصوم في كفّارة الظِّهار، واعتباراً بقراءة عبد الله. وقال مالك والشافعي في قوله الآخر: يجزئه التفريق؛ لأن التتابع صفة لا تجب إلا بنصّ أو قياس على منصوص وقد عُدِما.....

وقال ابن عطية

قال القاضي أبو محمد: والظاهر أن الله تعالى خص الأيدي بالذكر لأنها عظم المتصرف في الاصطياد، وهي آلة الآلات وفيها تدخل الجوارح والحبالات، وما عمل باليد من فخاخ وشباك، وخص الرماح بالذكر لأنها عظم ما يجرح به الصيد وفيها يدخل السهم ونحوه، واحتج بعض الناس على أن الصيد للآخذ لا للمثير بهذه الآية، لأن المثير لم تنل يده ولا رمحه بعد شيئاً، وقوله تعالى { ليعلم } معناه ليستمر علمه عليه وهو موجود إذ علم تعالى ذلك في الأزل. وقرأ الزهري " ليُعلِم الله " بضم الياء وكسر اللام أي ليعلم عباده،

اسامة محمد خيري
01-11-2018, 05:52
الجوهرة الخامسة والتسعون(الفقه والقراءات)

{ يَـظ°أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ }


قال الرازى

المسألة الثالثة: ظاهر الآية يدل على أنه يجب أن يكون جزاء الصيد مثل المقتول، إلا أنهم اختلفوا في المثل، فقال الشافعي ومحمد بن الحسن: الصيد ضربان: منه ما له مثل، ومنه ما لا مثل له، فما له مثل يضمن بمثله من النعم، وما لا مثل له يضمن بالقيمة. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: المثل الواجب هو القيمة. وحجة الشافعي: القرآن، والخبر، والإجماع، والقياس، أما القرآن فقوله تعالى: { وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ظ±لنَّعَمِ } والاستدلال به من وجوه أربعة: الأول: أن جماعة من القراء قرؤا { فَجَزَاء } بالتنوين، ومعناه: فجزاء من النعم مماثل لما قتل، فمن قال إنه مثله في القيمة فقد خالف النص، وثانيها: أن قوماً آخرين قرؤا { فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ } بالإضافة، والتقدير: فجزاء ما قتل من النعم، أي فجزاء مثل ما قتل يجب أن يكون من النعم، فمن لم يوجبه فقد خالف النص، ثالثها: قراءة ابن مسعود { فَجَزَاؤُهُ مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ظ±لنَّعَمِ } وذلك صريح فيما قلناه: ورابعها: أن قوله تعالى: { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ هَدْياً بَـظ°لِغَ ظ±لْكَعْبَةِ } صريح في أن ذلك الجزاء الذي يحكم به ذوا عدل منهم، يجب أن يكون هدياً بالغ الكعبة. فإن قيل: إنه يشري بتلك القيمة هذا الهدى. قلنا: النص صريح في أن ذلك الشيء الذي يحكم به ذوا عدل يجب أن يكون هدياً وأنتم تقولون: الواجب هو القيمة، ثم إنه يكون بالخيار إن شاء اشترى بها هدياً يهدي إلى الكعبة، وإن شاء لم يفعل، فكان ذلك على خلاف النص، وأما الخبر: فما روى جابر بن عبد الله أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع، أصيد هو؟ فقال " ": نعم، وفيه كبش إذا أخذه المحرم " " ، وهذا نص صريح. وأما الاجماع: فهو أن الشافعي رحمه الله قال: تظاهرت الروايات عن علي وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر في بلدان مختلفة وأزمان شتى: أنهم حكموا في جزاء الصيد بالمثل من النعم، فحكموا في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش ببقرة، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الظبي بشاة، وفي الأرنب بجفرة، وفي رواية بعناق، وفي الضب بسخلة، وفي اليربوع بجفرة وهذا يدل على أنهم نظروا إلى أقرب الأشياء شبهاً بالصيد من النعم لا بالقيمة ولو حكموا بالقيمة لاختلف باختلاف الأسعار والظبي هو الغزال الكبير الذكر والغزال هو الأنثى واليربوع هو الفأرة الكبيرة تكون في الصحراء، والجفرة الأنثى من أولاد المعز إذا انفصلت عن أمها والذكر جفر والعناق الأنثى من أولاد المعز إذا قويت قبل تمام الحول.

وأما القياس فهو أن المقصود من الضمان جزاء الهالك ولا شك أن المماثلة كلما كانت أتم كان الجزاء أتم فكان الايجب أولى. حجة ابي حنيفة رحمه الله تعالى: لا نزاع أن الصيد المقتول إذا لم يكن له مثل فإنه يضمن بالقيمة فكان المراد بالمثل في قوله { فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ظ±لنَّعَمِ } هو القيمة في هذه الصورة، فوجب أن يكون في سائر الصور كذلك لأن اللفظ الواحد لا يجوز حمله إلا على المعنى الواحد. والجواب: أن حقيقة المماثلة أمر معلوم والشارع أوجب رعاية المماثلة فوجب رعايتها بأقصى الامكان فإن أمكنت رعايتها في الصورة وجب ذلك وإن لم يكن رعايتها إلا بالقيمة وجب الاكتفاء بها للضرورة....

وقال القرطبي

الثانية عشرة ـ قوله تعالى: { فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ظ±لنَّعَمِ } فيه أربع قراءات؛ «فَجَزَاءٌ مِثْلُ» برفع جزاء وتنوينه، و «مِثْلُ» على الصفة. والخبر مضمر، التقدير فعليه جزاء مماثل واجب أو لازم من النَّعم. وهذه القراءة تقتضي أن يكون المِثل هو الجزاء بعينه. و «جَزَاءُ» بالرفع غير منون و «مِثْلِ» بالإضافة أي فعليه جزاءُ مثل ما قتل، و «مثل» مقحمة كقولك أنا أكرم مثلك، وأنت تقصد أنا أكرمك. ونظير هذا قوله تعالى:{ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ظ±لنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ظ±لظُّلُمَاتِ } [الأنعام: 122] التقدير كمن هو في الظلمات، وقوله:{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [الشورى: 11] أي ليس كهو شيء. وهذه القراءة تقتضي أن يكون الجزاء غير المثل؛ إذ الشيء لا يضاف إلى نفسه. وقال أبو علي: إنما يجب عليه جزاء المقتول، لا جزاء مثل المقتول، والإضافة توجب جزاء المثل لا جزاء المقتول. وهو قول الشافعي على ما يأتي...

الرابعة عشرة ـ ما يُجزى من الصيد شيئان: دوابٌ وطيرٌ فيُجزَى ما كان من الدواب بنظيره في الخلقة والصّورة، ففي النّعامة بَدنَة، وفي حمار الوحش وبقرة الوحش بقرة، وفي الظبي شاة؛ وبه قال الشافعي. وأقل ما يَجزى عند مالك ما استيسر من الهدي وكان أضحية؛ وذلك كالجَذَع من الضأن والثنيّ مما سواه، وما لم يبلغ جزاؤه ذلك ففيه إطعام أو صيام. وفي الحمام كله قيمته إلا حمام مكة؛ فإن في الحمامة منه شاة ظ±تباعاً للسّلف في ذلك. والدُّبْسي والفَوَاخِت والقُمْريّ وذوات الأطواق كلّه حمام. وحكى ظ±بن عبد الحَكَمْ عن مالك أن في حمام مكة وفراخها شاة؛ قال: وكذلك حمام الحرم؛ قال: وفي حمام الحِلّ حكومة. وقال أبو حنيفة: إنما يعتبر المثل في القيمة دون الخِلْقة، فيقوم الصيد دراهم في المكان الذي قتله فيه، أو في أقرب موضع إليه إن كان لا يباع الصيد في موضع قتله؛ فيشتري بتلك القيمة هديا إن شاء، أو يشتري بها طعاماً ويُطْعم المساكين كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر. وأما الشافعي فإنه يرى المثل من النعم ثم يقوِّم المثل كما في المتلفات يقوّم المثل، وتؤخذ قيمة المثل كقيمة الشيء فإن المثل هو الأصل في الوجوب؛ وهذا بيّن وعليه تخرج قراءة الإضافة «فَجَزَاءُ مِثْلِ».

ظ±حتج أبو حنيفة فقال: لو كان الشبه من طريق الخلقة معتبراً. في النّعامة بَدَنة، وفي الحمار بقرة، وفي الظبي شاة، لما أوقفه على عَدلين يحكمان به؛ لأن ذلك قد علم فلا يحتاج إلى الإرتياء والنظر؛ وإنما يفتقر إلى العدول والنظر ما تشكل الحال فيه، ويضطرب وجه النظر عليه. ودليلنا عليه قول الله تعالى: { فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ظ±لنَّعَمِ } الآية. فالمثل يقتضي بظاهره المثل الخِلْقي الصّوري دون المعنى؛ ثم قال: { مِنَ ظ±لنَّعَمِ } فبين جنس المثل

وقال السمين

وقرأ أهلُ الكوفة: " فجزاءٌ مثلُ " بتنوين جزاء ورفعه ورفع " مثل " ، وباقي السبعة برفعه مضافاً إلى " مثل " ، ومحمد بن مقاتل بتنوين " جزاءً " ونصبِه ونصب " مثلَ " والسُلمي برفع " جزاء " منوناً ونصبِ " مثل " ، وقرأ عبد الله: { فجزاؤُه } برفع " جزاء " مضافاً لضمير " مثل " رفعاً.

فأمَّا قراءةُ الكوفيين فلأنَّ " مثل " صفةٌ لـ " جزاء " أي: فعليه جزاءٌ موصوفٌ بكونه " مثلَ ما قتله " أي مماثِلَه. وجَوَّز مكي وأبو البقاء وغيرُهما أَنْ يرتفعَ " مثل " على البدلِ، وذكر الزجاج وجهاً غريباً وهو أن يرتفعَ " مثل " على أنه خبرٌ لـ " جزاء " ويكونُ " جزاء " مبتدأً قال: " والتقديرُ: فجزاءُ ذلك الفعلِ مثلُ ما قتل " قلت: ويؤيد هذا الوجهَ / قراءةُ عبد الله: " فجزاؤُه مثلُ " إلا أن الأحسنَ أن يقدِّر ذلك المحذوفُ ضميراً يعودُ على المقتول لا أَنْ يُقَدِّره: " فجزاءُ ذلك الفعل " و " مثل " بمعنى مماثل قاله جماعةٌ: الزمخشري وغيره، وهو معنى اللفظِ، فإنِّها في قوةِ اسمِ فاعل، إلاَّ أنَّ مكّياً تَوَهَّم أنَّ " مِثْلاً " قد يكون بمعنى غير مماثل فإنه قال: " ومثل " في هذه القراءة - يعني قراءة الكوفيين - بمعنى مُماثِل، والتقديرُ: فجزاءٌ مماثلٌ لِما قَتَل يعني في القيمةِ أو في الخِلْقة على اختلافِ العلماء، ولو قَدَّرْتَ مِثْلاً على لفظه لصار المعنى: فعليه جزاءٌ مثلُ المقتولِ من الصيد، وإنما يلزمه جزاء المقتول بعينِه لا جزاءٌ مثلُه، لأنه إذا وَدَى جزاءً مثلَ المقتول صار إنما وَدَى جزاءَ ما لم يُقْتَل؛ لأنَّ مثلَ المقتول لم يَقْتُلْه، فصَحَّ أن المعنى: فعليه جزاءٌ مماثِلٌ للمقتول، ولذلك بَعُدَتِ القراءةُ بالإِضافة عند جماعة.

قلت: " مثل " بمعنى مُماثِل أبداً فكيف يقول " ولو قَدَّرْتَ مِثْلاً على لفظه "؟ وأيضاً فقوله: " لصار المعنى إلى آخره " هذا الإِشكالُ الذي ذكره لا يُتَصَوَّرُ مجيئُه في هذه القراءةِ أصلاً، وإنما ذَكَره الناسُ في قراءةِ الإِضافة كما سيأتي، وكأنه نَقَل هذا الإِشكالَ من قراءةِ الإِضافة إلى قراءةِ التنوين.

وأمَّا قراءةُ باقي السبعة فاستبعَدها جماعةٌ، قال الواحدي: " ولا ينبغي إضافةُ الجزاءِ إلى المِثْلِ لأنَّ عليه جزاءَ المقتولِ لا جزاءَ مثله فإنه لا جزاءَ عليه لَمَّا لم يقتلْه " وقال مكي بعد ما قَدَّمْتُه عنه: " ولذلك بَعُدَت القراءةُ بالإِضافة عند جماعةٍ لأنها تُوجِبُ جزاءً مثلَ الصيدِ المقتول " قلت: ولا التفاتَ إلى هذا الاستبعادِ فإنَّ أكثرَ القراء عليها. وقد أجاب الناسُ عن ذلك بأجوبةٍ سديدةٍ، لَمَّا خفيت على أولئك طَعَنوا في المتواتر، منها: أنَّ " جزاء " مصدرٌ مضافٌ لمفعوله تخفيفاً، والأصل: فعليه جزاءٌ مثلُ ما قتل، أي: أن يَجزي مثلَ ما قتل، ثم أُضيف، كما تقول: " عجبت من ضربٍ زيداً " ثم " من ضرب زيدٍ " ذَكَر الزمخشري وغيره، وبَسْطُ ذلك أنَّ الجزاءَ هنا بمعنى القضاء والأصل: فعليه أن يُجْزَى المقتولُ من الصيد مثلَه من النعم، ثم حُذِف المفعولُ الأول لدلالة الكلامِ عليه وأُضيف المصدرُ إلى ثانيهما، كقولك: " زيدٌ فقيرٌ ويعجبني إعطاؤك الدرهمَ " أي: إعطاؤك إياه. ومنها: أنَّ " مثل " مقحمةٌ كقولهم: " مِثْلُك لا يفعل ذلك " أي: أنت لا تفعل ذلك، ونحو قوله تعالى:{ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ } [البقرة: 137] أي: بما آمنتم [به] وكقوله:{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [الشورى: 11] فـ " مثل " زائدةٌ، وهذا خلاف الأصلِ، فالجوابُ ما قَدَّمْتُه. و " ما " يجوزُ أْن تكونَ موصولةً اسمية أو نكرةً موصوفةً، والعائدُ محذوفٌ على كِلا التقديرين أي: مثلُ ما قتله من النعم....

قوله: { أَوْ كَفَّارَةٌ } عطفٌ على قولِه: { فَجَزَآءٌ } و " أو " هنا للتخييرِ، ونُقِل عن ابن عباس أنها ليسَتْ للتخيير، بل للترتيب، وهذا على قراءةِ مَنْ رفع " فجزاءٌ " وأمَّا مَنْ نَصَبَه فقال الزمخشري " جَعَلَها خبرَ مبتدأ محذوفٍ كأنه قيل: أو الواجبُ عليه كفارةٌ، ويجوزُ أَنْ تُقَدِّر: فعليه ان يَجْزي جزاءً أو كفارةً، فتَعْطِفَ " كفارة " على " أَنْ يَجْزي " يعني أنَّ " عليه " يكونُ خبراً مقدماً، وأَنْ يَجْزي " مبتدأً مؤخراً، فَعَطَفْتَ " الكفارة " على هذا المبتدأ. وقرأ نافع وابن عامر بإضافة { كفارة } لِما بعدها، والباقون بتنوينِها ورفعِ ما بعدها. فأمَّا قراءةُ الجماعةِ فواضحةٌ، ورفعُ " طعام " على أحد ثلاثة أوجه، أحدها: أنه بدل من " كفارة " إذ هي من جنسِه. الثاني: أنه بيانٌ لها كما تقدَّم، قاله الفارسي وردَّه الشيخ بأنَّ مذهبَ البصريين أختصاصُ عطفِ البيان بالمعارفِ دونَ النكراتِ. قلت: أبو علي يُخالِفُ في ذلك ويستدل بأدلة، منها:{ شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ } [النور: 35]، فـ " زيتونةٍ " عنده عطف بيان لـ " شجرة " ، وكذا قولُه تعالى:{ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ } [إبراهيم: 16]، فـ " صديد " عنده بدلٌ من " ماء " والبدلُ فيهما محتملٌ فلا حُجَّةَ له، والبدلُ قد يجيء للبيان. الثالث: أنه خبر مبتداً محذوف.

أي: هي طعام أي: تلك الكفارة. وأمَّا قراءة نافع وابن عامر فوجهُها أنّ الكفارة لَمَّا تنوَّعت إلى تكفير بالطعام وتكفير بالجزاء المماثل وتكفير بالصيام حَسُن إضافتها لأحدِ أنواعها تبييناً لذلك، والإِضافةُ تكون بأدنى ملابسه كقوله:
1811- إذا كوكبُ الخَرْقاءِ لاحَ بسُحْرَةٍ سهيلٌ أذاعَتْ غَزْلَها في القَرائبِ
أضاف الكوكبَ إليها لقيامِها عند طلوعِه فهذا أَوْلَى. ووجَّهَها الزمخشري فقال: " وهذه الإِضافة مبيِّنة، كأنه قيل: أو كفارةٌ مِنْ طعام مساكين، كقولك: " خاتمُ فضةٍ " بمعنى مِنْ فضة ". قال الشيخ: " أمَّا ما زعمه فليس من هذا البابِ لأنَّ " خاتم فضة " من باب إضافةِ الشيء إلى جنسه والطعامُ ليس جنساً للكفارةِ إلا بتجوُّزٍ بعيداً جداً " انتهى. قلت: كان مِنْ حَقِّه أَنْ يقولَ: والكفارةُ ليست جنساً للطعام لأنَّ الكفارةَ في التركيب نظيرُ " خاتم " في أنَّ كلاً منهما هو المضافُ إلى ما بعده، فكما أن " خاتماً " هو الضافُ إلى جنسه ينبغي أَنْ يُقال: الكفارةُ ليست جنساً للطعام لأجل المقابلةِ، لكن لا يمكنُ أَنْ يُقال ذلك فإنَّ الكفارةَ كما تقدَّم جنسٌ للطعامِ والجزاءِ والصومِ، فالطريقُ في الردِّ على أبي القاسم أن يُقال: شرطُ الإِضافة بمعنى " مِنْ " أن يُضاف جزءٌ إلى كل بشرطٍ صِدْقٍ اسمِ الكلِ على الجزءِ نحو: " خاتمُ فضة " و " كفارة طعامٍ " ليس كذلك، بل هي إضافة " كل " إلى جزء. وقد استشكل جماعةٌ هذه القراءة من حيث إنَّ الكفارةَ ليست للطعام إنما هي لقتلِ الصيد، كذا قاله أبو علي الفارسي وغيره، وجوابُه ما تقدَّم. ولم يخلتفِ السبعةُ في جمع " مساكين " هنا وإن اختلفوا في البقرة، قالوا: والفرقُ بينهما أنَّ قَتْل الصيد لا يُجْزيء فيه إطعامُ مسكينٍ واحد. على أنه قد قرأ عيسى بن عمر والأعرج بتنوين " كفارة " ورفع " طعام مسكين " بالتوحيد، قالوا: ومرادُهما بيانُ الجنسِ لا التوحيدُ....

وقال ابن الجوزى

قوله تعالى: { فجزاء مثل ما قتل من النعم } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو وابن عامر: { فجزاء مثل } مضافة وبخفض «مثل». وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «فجزاءٌ» منون «مثلُ» مرفوع. قال أبو علي: من أضاف، فقوله: { من النعم } يكون صفة للجزاء، وإِنما قال: مثل ما قتل، وإِنما عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله، لأنهم يقولون: أنا أُكرِمُ مثلك، يريدون: أن أُكرِمُك، فالمعنى: جزاء ما قتل.

ومَن رفع «المثل»، فالمعنى: فعليه جزاء من النعم مماثل للمقتول، والتقدير: فعليه جزاء....

قوله تعالى: { أو كفّارة } قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: { أو كفارةٌ } منوناً { طعامُ } رفعاً. وقرأ نافع، وابن عامر: { أو كفارة } رفعاً غير منوّن { طعام المساكين } على الاضافة. قال أبو علي: من رفع ولم يضف، جعله عطفاً على الكفارة عطف بيان، لأن الطعام هو الكفارة، ولم يضف الكفارة إِلى الطعام، لأن الكفارة لقتل الصيد، لا للطعام، ومن أضاف الكفارة إِلى الطعام، فلأنه لما خيّر المكفِّر بين الهدي، والطعام، والصيام، جازت الإِضافة لذلك، فكأنه قال: كفارةُ طعامٍ، لا كفارة هدي، ولا صيام. والمعنى: أو عليه بدل الجزاء والكفارة، وهي طعامُ مساكين.

وقال ابن عطية

وقوله تعالى: { أو عدل ذلك صياماً } قرأ الجمهور بفتح العين ومعناه: نظير الشيء بالموازنة والمقدار المعنوي، وقرأ ابن عباس وطلحة بن مصرف والجحدري: " أو عِدل " بكسر العين، قال أبو عمرو الداني ورواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعض الناس " العَدل " بالفتح قدر الشيء من غير جنسه، وعِدله بالكسر قدره من جنسه، نسبها مكي إلى الكسائي وهو وهم والصحيح عن الكسائي: أنهما لغتان في المثل، وهذه المنسوبة عبارة معترضة وإنما مقصد قائلها أن " العِدل " بالكسر قدر الشيء موازنة على الحقيقة كعدلي البعير، وعدله قدره من شيء آخر موازنة معنوية، كما يقال في ثمن فرس هذا عدله من الذهب، ولا يتجه هنا كسر العين فيما حفظت، والإشارة بذلك في قوله { عدل ذلك } يحتمل أن تكون إلى الطعام، وعلى هذا انبنى قول من قال من الفقهاء الأيام التي تصام هي على عدد الأمداد أو الأصوع أو أنصافها حسب الخلاف الذي قد ذكرته في ذلك. ويحتم أن تكون الإشارة بـ { بذلك } إلى الصيد المقتول، وعلى هذا انبنى قول من قال من العلماء: الصوم في قتل الصيد إنما هو على قدر المقتول، وقال ابن عباس رضي الله عنه إن قتل المحرم ظبياً فعليه شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وإن قتل أيلاً فعليه بقرة، فإن لم يجد فإطعام عشرين مسكيناً، فإن لم يجد صام عشرين يوماً، وإن قتل نعامة أو حمار وحش فعليه بدنة، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكيناً، فإن لم يجد صام ثلاثين يوماً.

اسامة محمد خيري
01-11-2018, 07:55
الجوهرة السادسة والتسعون

قال السمين

قوله تعالى: { إِن تُبْدَ } شرط، وجوابه " تَسُؤكم " ، وهذه الجملة الشرطية في محل جر صفة لـ " أشياء " ، وكذا الشرطية المعطوفة ايضاً. وقرأ ابن عباس: " إن تَبءدُ لكم تَسُؤْكم " ببناء الفعلين للفاعل مع كون حرف المضارعة تاءً مثناة من فوق، والفاعل ضمير " أشياء ". وقرأ الشعبي - فيما نقله عنه أبو محمد ابن عطية: { إنْ يَبْدُ } بفتح الياء مت تحت وضم الدال، " يَسُؤْكم " بفتح الياء من تحت، والفاعل ضمير عائد على ما يليق تقديره بالمعنى، أي: إن يَبْدُ لكم سؤالكم أو سؤلكم يسؤكم، ولا جائز أن تعود على " أشياء " لأنه جارٍ مجرى المؤنث المجازي، ومتى أسند فعلٌ إلى ضمير مؤنث مطلقاً وَجَبَ لَحاقُ العلامة على الصحيح، ولا يُلتفت لضرورة الشعر، ونقل غيره من الشعبي أنه قرأ: { يُبْدَ لكم يَسُؤْكم } بالياء من تحت فيهما إلا أنه ضمَّ الياء الأولى وفتح الثانية، والمعنى إنْ يُبْدَ - أي يظْهَر - السؤال عنها يَسُؤكم ذلك السؤالُ أي جوابه، أو هو، لأنه سببٌ في لك والمُبْدِية هو اللَّهُ تعالى...


قال القرطبي(هذه اصعب ايات القران فهما ومعنى)



الثالثة والشعرون ـ قوله تعالىظ°: { فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا } يعني في الأيمان أو في الشهادة؛ وقال «آخَرَانِ» بحسب أن الورثة كانا ظ±ثنين. وظ±رتفع «آخران» بفعل مضمر «يَقُومَانِ» في موضع نعت. «مَقَامَهُمَا» مصدر، وتقديره: مقاماً مثل مقامِهما، ثم أُقيم النعت مقام المنعوت، والمضاف مقام المضاف إليه.

الرابعة والعشرون ـ قوله تعالىظ°: { مِنَ ظ±لَّذِينَ ظ±سْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ظ±لأَوْلَيَانِ } قال ابن السَّرِيّ: المعنى استحق عليهم الإيصاء؛ قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل فيه؛ لأنه لا يُجعل حرف بدلاً من حرف؛ وظ±ختاره ابن العربي؛ وأيضاً فإن التفسير عليه؛ لأن المعنى عند أهل التفسير: من الذين استحقت عليهم الوصية. و «الأَوْلَيَانِ» بدل من قوله: «فآخَرَانِ» قاله ابن السَّرِيّ، واختاره النحاس، وهو بدل المعرفة من النكرة وإبدال المعرفة من النكرة جائز. وقيل: النكرة إذا تقدّم ذكرها ثم أُعيد ذكرها صارت معرفة؛ كقوله تعالىظ°:{ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ } [النور: 35] ثم قال:{ ظ±لْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ } [النور: 35] ثم قال:{ ظ±لزُّجَاجَةُ } [النور:35] وقيل: هو بدل من الضمير في «يَقُومَانِ» كأنه قال: فيقوم الأوليان، أو خبر ظ±بتداء محذوف؛ التقدير: فآخران يقومان مقامهما هما الأوليان. وقال ظ±بن عيسى: «الأَوْلَيَانِ» مفعول «ظ±سْتُحِقَّ» على حذف المضاف؛ أي ظ±ستحق فيهم وبسببهم إثم الأوليين، فعليهم بمعنى فيهم، مثل{ عَلَىظ° مُلْكِ سُلَيْمَانَ } [البقرة: 102] أي في ملك سليمان. وقال الشاعر:
متى ما تُنكروها تَعرفوها على أَقطارها عَلَقٌ نَفِيثُ
أي في أقطارها. وقرأ يحيى بن وَثّاب والأعمش وحمزة «الأَوَّلِينَ» جمع أوّل على أنه بدل من «الَّلذِينَ» أو من الهاء والميم في «عَلَيْهمُ». وقرأ حفص: «ظ±سْتَحَقَّ» بفتح التاء والخاء، ورُوي عن أبيّ بن كعب: وفاعله «الأَولَيان» والمفعول محذوف، والتقدير: من الذين ظ±ستحق عليهم الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها. وقيل: استحق عليهم الأَوليان ردّ الأيمان. وروي عن الحسن: «الأَوَّلاَنِ». وعن ابن سيرين: «الأَوَّلَيْنِ» قال النحاس: والقراءتان لَحْنٌ؛ لا يُقال في مُثنّى: مثَنَّان، غير أنه قد روي عن الحسن «الأَوَّلاَنِ».

وقال الزمخشري

{ فَإِنْ عُثِرَ } فإن اطلع { عَلَىظ° أَنَّهُمَا ظ±سْتَحَقَّا إِثْماً } أي فعلا مّا أوجب إثماً، واستوجبا أن يقال إنهما لمن الآثمين { فَآخَرَانِ } فشاهدان آخران { يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ ظ±لَّذِينَ ظ±سْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ } أي من الذين استحق عليهم الإثم. معناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرتهم. وفي قصة بديل أنه لما ظهرت خيانة الرجلين، حلف رجلان من ورثته أنه إناء صاحبهما، وأن شهادتهما أحق من شهادتهما. { ظ±لأَوْلَيَانِ } الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، وارتفاعهما على هما الأوليان كأنه قيل ومن هما؟ فقيل الأوليان. وقيل هما بدل من الضمير في يقومان، أو من آخران. ويجوز أن يرتفعا باستحق، أي من الذين استحق عليهم انتداب الأوليين منهم للشهادة لإطلاعهم على حقيقة الحال. وقرىء «الأوّلين» على أنه وصف للذين استحق عليهم، مجرور، أو منصوب على المدح. ومعنى الأولية التقدم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحقّ بها. وقرىء «الأولين» على التثنية، وانتصابه على المدح. وقرأ الحسن «الأولان»، ويحتج به من يرى رد اليمين على المدعي. وأبو حنيفة وأصحابه لا يرون ذلك. فوجهه عندهم أن الورثة قد ادعوا على النصرانيين أنهما قد اختانا فحلفا، فلما ظهر كذبهما ادعيا الشراء فيما كتما، فأنكر الورثة فكانت اليمين على الورثة لإنكارهم الشراء. فإن قلت فما وجه قراءة من قرأ استحق عليهم الأوليان على البناء للفاعل، وهم علي وأبيّ وابن عباس؟ قلت معناه من الورثة الذي استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة، أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين

وقال الرازى

أما قوله { الأوليان } ففيه وجوه: الأول: أن يكون خبر المبتدأ محذوف والتقدير: هما الأوليان وذلك لأنه لما قال { فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا } فكأنه قيل: ومن هما فقيل الأوليان: والثاني: أن يكون بدلاً من الضمير الذي في يقومان والتقدير فيقوم الأوليان، والثالث: أجاز الأخفش أن يكون قوله { ظ±لاْوْلَيَانِ } صفة لقوله { فَآخَرَانِ } وذلك لأن النكرة إذا تقدم ذكرها ثم أعيد عليها الذكر صارت معرفة، كقوله تعالى{ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ } [النور: 35] فمصباح نكرة قم قال { ظ±لْمِصْبَاحُ } ثم قال في { زُجَاجَةٍ } ثم قال { ظ±لزُّجَاجَةُ } ، وهذا مثل قولك رأيت رجلاً، ثم يقول إنسان من الرجل، فصار بالعود إلى ذكره معرفة. الرابع: يجوز أن يكون قوله { ظ±لاْوْلَيَانِ } بدلاً من قوله آخران، وإبدال المعرفة من النكرة كثير. المسألة الرابعة: إنما وصفهما بأنهما أوليان لوجهين: الأول: معنى الأوليان الأقربان إلى الميت. الثاني: يجوز أن يكون المعنى الأوليان باليمين، والسبب فيه أن الوصيين قد ادعيا أن الميت باع الإناء الفضة فانتقل اليمين إلى موالي الميت، لأن الوصيين قد ادعيا أن مورثهما باع الإناء وهما أنكرا ذلك، فكان اليمين حقاً لهما، وهذا كما أن إنساناً أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادعى الدين أولاً لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه. المسألة الخامسة: القراءة المشهورة للجمهور استحق بضم التاء وكسر الحاء، والأوليان تثنية الأولى، وقد ذكرنا وجهه وقراءة حمزة وعاصم في رواية أبي بكر الأولين بالجمع، وهو نعت لجميع الورثة المذكورين في قوله { مِنَ ظ±لَّذِينَ ظ±سْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ } وتقديره من الأولين الذين استحق عليهم مالهم وإنما قيل لهم الأولين من حيث كانوا أولين في الذكر، ألا ترى أنه قد تقدم{ يِـأَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ شَهَـظ°دَةُ بَيْنِكُمْ } [المائدة: 106] وكذلك{ ظ±ثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ } [المائدة: 106] ذكرا في اللفظ قبل قوله { أو آخران من غيركم } وقرأ حفص وحده بفتح التاء والحاء الأوليان على التثنية، ووجهه أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصاية ولما خانا في مال الورثة صح أن يقال إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان، وقرأ الحسن الأولان، ووجهه ظاهر مما تقدم...

وقال ابن الجوزى

فآخران يقومان مقامهما } أي: مقام هذين الخائنين { من الذين استحق عليهم الأولَيان }.

قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: «استُحِق» بضم التاء، «الأولَيان» على التثنية. وفي قوله { من الذين استحق عليهم } قولان.

أحدهما: أنهما الذمّيان.

والثاني: الوليّان فعلى الأول في معنى { استحق عليهم } أربعة أقوال.

أحدها: استحق عليهم الإِيصاء، قال ابن الأنباري: المعنى: من القوم الذين استحق فيهم الإِيصاء، استحقه الأوليان بالميت، وكذلك قال الزجاج: المعنى: من الذين استحقت الوصية أو الإِيصاء عليهم.

والثاني: أنه الظلم، والمعنى: من الذين استحق عليهم ظلم الأولَيان، فحذف الظلم، وأقام الأوليين مقامه، ذكره ابن القاسم أيضاً.

والثالث: أنه الخروج مما قاما به من الشهادة، لظهور خيانتهما.

والرابع: أنه الإثم، والمعنى: استحق منهم الإثم، ونابت «على» عن «مِن» كقوله:{ على الناس يستوفون } [المطففين: 2] أي: منهم. وقال الفراء: «على» بمعنى «في» كقوله:{ على مُلك سليمان } [البقرة: 102] أي: في ملكه، ذكر القولين أبو علي الفارسي. وعلى هذه الأقوال مفعول «استُحق» محذوف مُقدّر. وعلى القول الثاني في معنى { استحق عليهم } قولان.

أحدهما: استحق منهم الأوليان، وهو اختيار ابن قتيبة.

والثاني: جني عليهم الإثم، ذكره الزجاج.

فأما «الأوليان» فقال الأخفش: الأوليان: اثنان، واحدهما: الأولى، والجمع: الأولون. ثم للمفسرين فيهما قولان.

أحدهما: أنهما أولياء الميت، قاله الجمهور. قال الزجاج: «الأوليان» في قول أكثر البصريين يرتفعان على البَدَلِ مما في «يقومان» والمعنى: فليقم الأوليان بالميت مقام هذين الخائنين. وقال أبو علي: لا يخلو الأوليان أن يكون ارتفاعهما على الابتداء، أو يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: فآخران يقومان مقامهما، هما الأوليان، أو يكون بدلاً من الضمير الذي في «يقومان». والتقدير: فيقوم الأوليان.

والقول الثاني: أن الأوليان: هما الذّميان، والمعنى: أنهما الأوليان بالخيانة، فعلى هذا يكون المعنى: يقومان، إِلا من الذين استحق عليهم. قال الشاعر:
فليت لنا مِنْ ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ على طهيان
أي: بدلاً من ماء زمزم. وروى قُرَّة عن ابن كثيرٍ، وحفصٍ وعاصمٍ: «استحق» بفتح التاء والحاء «الأوليان» على التثنية، والمعنى: استحق عليهم الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها، فحذف المفعول.

وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم: «استحق» برفع التاء، وكسر الحاء، «الأولين» بكسر اللام، وفتح النون على الجمع، والتقدير: من الأولين الذين استحق فيهم الإِثم، أي: جني عليهم، لأنهم كانوا أولين في الذكر. ألا ترى أنه قد تقدم { ذوا عدلٍ منكم } على قوله: { أو آخران من غيركم }. وروى الحلبي عن عبد الوارث «الأوَّلَين» بفتح الواو وتشديدها، وفتح اللام، وسكون الياء، وكسر النون، وهي تثنية: أوَّل. وقرأ الحسن البصري: «استحق» بفتح التاء والحاء، «الأولون» تثنية «أوَّل» على البدل من قوله: «فآخران» وقال ابن قتيبة: أشبه الأقوال بالآية أن الله تعالى أراد أن يعرِّفنا كيف يشهد بالوصية عند حضور الموت، فقال: { ذوا عدل منكم } أي: عدلان من المسلمين [تشهدونهما على الوصية]، وعلم أن من الناس من يسافر فيصحبه في سفره أهل الكتاب دون المسلمين، وينزل القرية التي لا يسكنها غيرهم، ويحضره الموت، فلا يجد من يشهده من المسلمين، فقال: { أو آخران من غيركم } أي: من غير أهل دينكم، [ { إذا ضربتم في الأرض } أي: سافرتم { فأصابتكم مصيبة الموت } وتم الكلام. فالعدلان من المسلمين للحضر والسفر خاصة إِن أمكن إِشهادهما في السفر] والذميان في السفر خاصة إِذا لم يوجد غيرهما [ثم قال] { تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إِن إرتبتم } أراد: تحبسونهما من بعد صلاة العصر إِن ارتبتم في شهادتهما، وخشيتم أن يكونا قد خانا، أو بدَّلا، فإذا حلفا، مضت شهادتهما. فإن عثر [بعد هذه اليمين] أي: ظهر على أنهما استحقا إِثماً، أي: حنثا في اليمين بكذب [في قول] أو خيانة [في وديعة]، فآخران، أي: قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت الذين استحق منهم الأوليان، وهما الوليان، يقال: هذا الأولى بفلان، ثم يحذف من الكلام «بفلان»، فيقال: هذا الأولى، وهذان الأوليان، و«عليهم» بمعنى: «منهم». فيحلفان بالله: لقد ظهرنا على خيانة الذميين، وكذبهما، وما اعتدينا عليهما، ولشهادتنا أصح، لكفرهما وإِيماننا، فيرجع على الذّميين بما اختانا، وينقض ما مضى من الحكم بشهادتهما تلك. وقال غيره: لشهادتنا، أي: ليميننا أحق، وسميت اليمين شهادة، لأنها كالشهادة على ما يحلفُ عليه أنه كذلك.

وقال الطبري

واختلفت القرّاء في قراءة قوله { مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ } فقرأ ذلك قرّاء الحجاز والعراق والشام «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ» بضم التاء. ورُوِي عن عليّ وأبي بن كعب والحسن البصري أنهم قرءوا ذلك { مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ } بفتح التاء. واختلفت أيضاً في قراءة قوله { الأوْلَيانِ } فقرأته عامَّة قرّاء أهل المدينة والشام والبصرة { الأوْلَيانِ } ، وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة «الأولين». وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك «مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوَّلانِ». وأولى القراءتين بالصواب في قوله «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِم» قراءة من قرأ بضمّ التاء، لإجماع الحجة من القرّاء عليه، مع مساعدة عامَّة أهل التأويل على صحة تأويله، وذلك إجماع عامتهم على أن تأويله فآخران من أهل الميت الذين استحقّ المؤتمنان على مال الميت الإثم فيهم، يقومان مقام المستحقّ الإثم فيهما بخيانتهما ما خانا من مال الميت. وقد ذكرنا قائل ذلك أو أكثر قائليه فيما مضى قبل، ونحن ذاكروا باقيهم إن شاء الله تعالى ذلك. حدثني محمد بن عمرو، قال ثنا أبو عاصم، قال ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى { شَهادَةُ بَيْنِكُمْ } أن يموت المؤمن فيحضر موته مسلمان أو كافران لا يحضره غير اثنين منهم، فإن رضي ورثته ما عاجل عليه من تركته فذاك، وحلف الشاهدان إن اتهما إنهما لصادقان، فإن عثر وجد لطخ حلف الاثنان الأوليان من الورثة، فاستحقا، وأبطلا أيمان الشاهدين.

وأحسب أن الذين قرءوا ذلك بفتح التاء، أرادوا أن يوجهوا تأويله إلى فَآخران يقومان مقامهما مقام المؤتمنين اللذين عثر على خيانتهما في القسم والاستحقاق به عليهما دعواهما قبلهما من الذين استحقّ على المؤتمنين على المال على خيانتهما القيام مقامهما في القسم والاستحقاق في الأوليان بالميت. وكذلك كانت قراءة من رُوِيت هذه القراءة عنه، فقرأ ذلك { مِنَ الَّذِينَ استَحَقَّ } بفتح التاء على معنى الأوليان بالميت وماله. وذلك مذهب صحيح وقراءة غير مدفوعة صحتها، غير أنا نختار الأخرى لإجماع الحجة من القرّاء عليها مع موافقتها التأويل الذي ذكرنا عن الصحابة والتابعين. حدثنا ابن وكيع، قال ثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن وكريب عن عليّ، أنه كان يقرأ «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ». حدثنا ابن وكيع، قال ثنا مالك بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن وائل مولى أبي عبيد، عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر، عن أبيّ بن كعب، أنه كان يقرأ «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ».

وأما أولى القراءات بالصواب في قوله { الأَوْلَيانِ } عندي، فقراءة من قرأ { الأوْلَيانِ } بصحة معناها وذلك لأن معنى فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق فيهم الإثم، ثم حذف «الإثم» وأقيم مقامه «الأوليان»، لأنهما هما اللذان ظلما وأثما فيهما بما كان من خيانة اللذين استحقا الإثم وعثر عليهما بالخيانة منهما فيما كان ائتمنهما عليه الميت، كما قد بينا فيما مضى من فعل العرب مثل ذلك من حذفهم الفعل اجتزاء بالاسم، وحذفهم الاسم اجتزاء بالفعل. ومن ذلك ما قد ذكرنا في تأويل هذه القصة، وهو قوله{ شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ } ومعناه أن يشهد اثنان، وكما قال{ فَيُقْسِمان باللّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي به ثَمَناً } فقال «به»، فعاد بالهاء على اسم «الله» وإنما المعنى لا نشتري بقسمنا بالله، فاجتزىء بالعود على اسم الله بالذكر، والمراد به لا نشتري بالقسم بالله استغناء بفهم السامع بمعناه عن ذكر اسم القسم. وكذلك اجتزىء بذكر الأوليين من ذكر الإثم الذي استحقه الخائنان لخيانتهما إياها، إذ كان قد جرى ذكر ذلك بما أغنى السامع عند سماعه إياه عن إعادته، وذلك قوله { فإنْ عُثِرَ على أنَّهُما اسْتَحَقَّا إثْماً }. وأما الذين قرءوا ذلك «الأوّلين» فإنهم قصدوا في معناه إلى الترجمة به عن «الذين»، فأخرجوا ذلك على وجه الجمع، إذ كان «الذين» جمعاً وخفضاً، إذ كان «الذين» مخفوضاً. وذلك وجه من التأويل، غير أنه إنما يقال للشيء أوّل إذا كان له آخر هو له أوّل، وليس للذين استحقّ عليهم الإثم آخرهم له أوّل، بل كانت أيمان الذين عثر على أنهما استحقا إثماً قبل أيمانهم، فهم إلى أن يكونوا إذ كانت أيمانهم آخراً أولى أن يكونوا آخرين من أن يكونوا أوّلين وأيمانهم آخرة لأولى قبلها.

وأما القراءة التي حكيت عن الحسن، فقراءة عن قراءة الحجة من القرّاء شاذّة، وكفى بشذوذها عن قراءتهم دليلاً على بعدها من الصواب. واختلف أهل العربية في الرافع لقوله { الأوْلَيانِ } إذا قرىء كذلك، فقال بعض نحويي البصرة يزعم أنه رفع ذلك بدلاً من «آخران» في قوله { فآخَرَانِ يَقومانِ مَقامَهُما } وقال إنما جاز أن يبدل الأوليان وهو معرفة من آخران وهو نكرة، لأنه حين قال { يَقُومانِ مَقامهمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتحقّ عَلَيْهِم } كان كأنه قد حدَّهما حتى صارا كالمعرفة في المعنى، فقال «الأوْلَيانِ»، فأجرى المعرفة عليهما بدلاً. قال ومثل هذا مما يجري على المعنى كثير. واستشهد لصحة قوله ذلك بقول الراجز
عَلَيَّ يوْمَ يمْلِكُ الأمُورَا صَوْمَ شُهورٍ وَجَبتْ نُذورَاً وبَادِنا مُقَلَّدا مَنْحورَاً
قال فجعله «عليّ واجب»، لأنه في المعنى قد أوجب. وكان بعض نحويي الكوفة ينكر ذلك ويقول لا يجوز أن يكون «الأوليان» بدلاً من «آخران» من أجل أنه قد نَسَق «فيقسمان» على «يقومان» في قوله { فَآخَرَانِ يَقُومانِ } فلم يتمّ الخبر عند من قال لا يجوز الإبدال قبل إتمام الخبر، كما قال غير جائز «مررت برجل قام زيد وقعد» وزيد بدل من رجل. والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال «الأوليان» مرفوعان بما لم يسمّ فاعله، وهو قوله «اسْتُحِقَّ عَلَيْهِم» وأنهما موضع الخبر عنهما، فعمل فيهما ما كان عاملاً في الخبر عنهما وذلك أن معنى الكلام فآخران يقومان مقامهما من الذين استحقّ عليهم الإثم بالخيانة، فوضع «الأوليان» موضع «الإثم» كما قال تعالى في موضع آخر أجَعَلْتُمْ سقايَةَ الحاجّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرَام كمَنْ آمَنَ باللّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ومعناه أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر؟ وكما قال وأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ، وكما قال بعض الهذليين
يُمَشِّي بَيْنَنا حانُوتُ خَمْرٍ مِنَ الخُرْسِ الصَّرَاصِرَةِ القِطاطِ
وهو يعني صاحب حانوت خمر، فأقام الحانوت مقامه لأنه معلوم أن الحانوت لا يمشي، ولكن لما كان معلوماً عنده أنه لا يخفى على سامعه ما قصد إليه من معناه حذف الصاحب، واجتزأ بذكر الحانوت منه، فكذلك قوله «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ» إنما هو من الذين استحقّ فيهم خيانتهما، فحذفت «الخيانة» وأقيم «المختانان» مقامها، فعمل فيهما ما كان يعمل في المحذوف ولو ظهر. وأما قوله «عليهم» في هذا الموضع، فإن معناها فيهم، كما قال تعالى{ وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ على مُلْكِ سُلَيْمانَ } يعني في ملك سليمان، وكما قال ولأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ف «في» توضع موضع «على»، و «على» في موضع «في» كل واحدة منهما تعاقب صاحبتها في الكلام، ومنه قول الشاعر


مَتَى ما تُنْكِرُوها تَعْرِفُوها على أقْطارِها عَلَقٌ نَفِيثُ
وقد تأوّلت جماعة من أهل التأويل قول الله تعالى «فإنْ عُثَر على أنَّهُما اسْتَحَقَّا إثْماً فَآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ» أنهما رجلان آخران من المسلمين، أو رجلان أعدل من المُقسِمَين الأوّلين. ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن المثنى، قال ثنا عبد الأعلى، قال ثنا داود بن أبي هند، عن عامر، عن شريح في هذه الآية{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّة اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ } قال إذا كان الرجل بأرض غُرْبة، ولم يجد مسلماً يشهده على وصيته، فأشهد يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً، فشهادتهم جائزة. فإن جاء رجلان مسلمان، فشهدا بخلاف شهادتهم، أجيزت شهادة المسلمين وأبطلت شهادة الآخرين. حدثنا بشر بن معاذ، قال ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قتادة { فإنْ عُثِرَ } أي اطلع منهما على خيانة على أنهما كذبا أو كتما، فشهد رجلان هما أعدل منهما بخلاف ما قالا، أجيزت شهادة الآخرين وأبطلت شهادة الأوّلين. حدثنا ابن وكيع، قال ثنا جرير، عن عبد الملك، عن عطاء، قال كان ابن عباس يقرأ «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأوَّلَيْنِ» قال كيف يكون «الأَوْلَيان»، أرأيت لو كان الأوليان صغيرين؟ حدثنا هناد وابن وكيع، قال ثنا عبدة، عن عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس، قال كان يقرأ «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأوَّلَيْنِ» قال وقال أرأيت لو كان الأوليان صغيرين، كيف يقومان مقامهما؟ قال الإمام أبو جعفر فذهب ابن عباس فيما أرى إلى نحو القول الذي حكيت عن شريح وقتادة، من أن ذلك رجلان آخران من المسلمين يقومان مقام النصرانِييَّن، أو عَدْلان من المسلمين هما أعدل وأجوز شهادة من الشاهدين الأوّلين أو المُقسِمَين. وفي إجماع جميع أهل العلم على أن لا حكم لله تعالى يجب فيه على شاهد يمين فيما قام به من الشهادة، دليل واضح على أن غير هذا التأويل الذي قاله الحسن ومن قال بقوله في قول الله تعالى { فَآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما } أولى به. وأما قوله { الأوْلَيانِ } فإن معناه عندنا الأولى بالميت من المقسمين الأوّلين فالأولى، وقد يحتمل أن يكون معناه الأولى باليمين منهما فالأولى، ثم حذف «فيهما» والعرب تفعل ذلك فتقول فلان أفضل، وهي تريد أفضل منك، وذلك إذا وضع أفعل موضع الخبر. وإن وقع موقع الاسم وأدخلت فيه الألف واللام، فعلوا ذلك أيضاً إذا كان جواباً لكلام قد مضى، فقالوا هذا الأفضل، وهذا الأشرف يريدون هو الأشرف منك. وقال ابن زيد معنى ذلك الأوليان بالميت......

وقال ابن عطية

قال مكي بن أبي طالب رضي الله عنه: هذه الآيات عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعراباً ومعنى وحكماً.

قال القاضي أبو محمد: وهذا كلام من لم يقع له الثلج في تفسيرها،...

اسامة محمد خيري
01-11-2018, 10:04
الجوهرة السابعة والتسعون

يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ }


قال السمين

والجمهور على " أُجِبْتم " مبنياً للمفعول، وفي حذف الفاعل هنا ما لا يُبْلَغُ كُنهُه من الفصاحة والبلاغة حيث اقتصر على خطاب رسله غيرَ مذكورٍ معهم غيرُهم، رفعاً من شأنهم وتشريفاً واختصاصاً. وقرأ ابن عباس وأبو حيوة " أَجَبْتم " مبنياً للفاعل والمفعول محذوف أي: مذا أَجَبْتم أممكم حين كَذَّبوكم وآذَوْكم، وفيه توبيخٌ للأمم، وليست في البلاغةِ كالأولى.....

وقال الالوسي

{ إِذْ أَيَّدتُّكَ } ظرف لنعمتي أي اذكر إنعامي عليكما وقت تأييدي لكما أو حال منها أي اذكرها كائنة وقت ذلك، وقيل: بدل اشتمال منها وهو في المعنى تفسير لها. وجوز أبو البقاء أن يكون مفعولاً به على السعة. وقرىء «آيدتك» بالمد ووزنه عند الزمخشري أفعلتك وعند ابن عطية فاعلتك، قال أبو حيان «ويحتاج إلى نقل مضارعه من كلام العرب فإن كان يؤايد فهو فاعل / وإن كان يؤيد فهو أفعل» ومعناه ومعنى أيد واحد، وقيل: معناه بالمد القوة وبالتشديد النصر وهما ـ كما قيل ـ متقاربان لأن النصر قوة...


وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِى إِسْرظ°ءيلَ عَنكَ } يعني اليهود حين هموا بقتله ولم يتمكنوا منه. { إِذْ جِئْتَهُمْ بِظ±لْبَيّنَـظ°تِ } أي المعجزات الواضحة مما ذكر وما لم يذكر وهو ظرف لكففت مع اعتبار قوله تعالى: { فَقَالَ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـظ°ذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } وهو مما يدل على أنهم قصدوا اغتياله عليه الصلاة والسلام المحوج إلى الكف أي كففتهم عنك حين قالوا ذلك عند مجيئك إياهم بالبينات، ووضع الموصول موضع ضميرهم لذمهم بما في حيز الصلة. فكلمة من بيانية وهذا إشارة إلى ما جاء به. وقرأ حمزة والكسائي «إلا ساحر» فالإشارة إلى عيسى عليه الصلاة والسلام، وجعل الإشارة إليه على القراءة الأولى وتأويل السحر بساحر لتتوافق القراءتان لا حاجة إليه....

الجوهرة الثامنة والتسعون

قال القرطبي

{ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ }. قراءة الكسائيّ وعليّ وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد «هل تستطيع» بالتاء «ربَّك» بالنصب. وأدغم الكسائيّ اللام من «هل» في التاء. وقرأ الباقون بالياء، «رَبُّك» بالرفع، وهذه القراءة أشكل من الأولى؛ فقال السدي: المعنى هل يطيعك ربك إن سألته { أَن يُنَزِّلَ } فيستطيع بمعنى يطيع؛ كما قالوا: استجاب بمعنى أجاب، وكذلك استطاع بمعنى أطاع. وقيل المعنى: هل يقدر ربك، وكان هذا السؤال في ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله عز وجل؛ ولهذا قال عيسى في الجواب عند غلطهم وتجويزهم على الله ما لا يجوز: { ظ±تَّقُواْ ظ±للَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ } أي لا تشكوا في قدرة الله تعالى.

قلت: وهذا فيه نظر؛ لأن الحواريين خلصان الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم كما قال:{ مَنْ أَنَّصَارِيغ¤ إِلَى ظ±للَّهِ قَالَ ظ±لْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ظ±للَّهِ } [الصف: 14]. وقال عليه السلام: " لكل نبيّ حواري وحواري الزبير " ومعلوم أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جاؤوا بمعرفة الله تعالى وما يجب له وما يجوز وما يستحيل عليه وأن يبلغوا ذلك أممهم؛ فكيف يخفى ذلك على من باطنهم وظ±ختص بهم حتى يجهلوا قدرة الله تعالى؟ إلا أنه يجوز أن يقال: إن ذلك صدر ممن كان معهم، كما قال بعض جهال الأعراب للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ظ±جعل لنا ذات أنواطٍ كما لهم ذات أنواط، وكما قال من قال من قوم موسى:{ ظ±جْعَلْ لَّنَآ إِلَـظ°هاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } [الأعراف: 138] على ما يأتي بيانه في «الأعراف» إن شاء الله تعالى. وقيل: إن القوم لم يشكوا في استطاعة الباري سبحانه لأنهم كانوا مؤمنين عارفين عالمين، وإنما هو كقولك للرجل: هل يستطيع فلان أن يأتي وقد علمت أنه يستطيع، فالمعنى: هل يفعل ذلك؟ وهل يجيبني إلى ذلك أم لا؟ وقد كانوا عالمين باستطاعة الله تعالى لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر فأرادوا علم معاينة كذلك؛ كما قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم:{ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ظ±لْمَوْتَىظ° } [البقرة: 260] على ما تقدّم، وقد كان إبراهيم علم لذلك علم خبر ونظر، ولكن أراد المعاينة التي لا يدخلها ريب ولا شبهة، لأن علم النظر والخبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات، وعلم المعاينة لا يدخله شيء من ذلك، ولذلك قال الحواريون: { وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا } كما قال إبراهيم: { وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي }.

قلت: وهذا تأويل حسن، وأحسن منه أن ذلك كان من قول من كان مع الحواريين؛ على ما يأتي بيانه. وقد أدخل ظ±بن العربيّ المستطيع في أسماء الله تعالى، وقال: لم يرد به كتاب ولا سنة ظ±سما وقد ورد فعلا، وذكر قول الحواريين: { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ }.

ورده عليه ظ±بن الحصّار في كتاب شرح السنة له وغيره؛ قال ابن الحصار: وقوله سبحانه مخبرا عن الحواريين لعيسى: { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } ليس بشك في الاستطاعة، وإنما هو تلطف في السؤال، وأدب مع الله تعالى؛ إذ ليس كل ممكن سبق في علمه وقوعه ولا لكل أحد، والحواريون هم كانوا خيرة من آمن بعيسى، فكيف يظنّ بهم الجهل باقتدار الله تعالى على كل شيء ممكن؟! وأما قراءة «التاء» فقيل: المعنى هل تستطيع أن تسأل ربك، هذا قول عائشة ومجاهد ـ رضي الله عنهما؛ قالت عائشة رضي الله عنها: كان القوم أعلم بالله عز وجل من أن يقولوا { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } قالت: ولكن «هل تستطيع ربّك». وروي عنها أيضاً أنها قالت: كان الحواريون لا يشكون أن الله يقدر على إنزال مائدة ولكن قالوا: «هل تستطيع ربك». وعن معاذ بن جبل قال: أقرأنا النبي صلى الله عليه وسلم " هل تستطيع ربك " قال معاذ: وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم مراراً يقرأ بالتاء " هل تستطيع ربك " وقال الزجاج: المعنى هل تستدعي طاعة ربك فيما تسأله. وقيل: هل تستطيع أن تدعو ربك أو تسأله؛ والمعنى متقارب، ولا بد من محذوف؛ كما قال: { وَظ±سْأَلِ ظ±لْقَرْيَةَ } وعلى قراءة الياء لا يحتاج حذف....

وقال الطبري

وأولى القراءتين عندي بالصواب قراءة من قرأ ذلك { هَلْ يَسْتَطِيعُ } بالياء { رَبُّكَ } برفع الربّ، بمعنى هل يستجيب لك إن سألته ذلك ويطيعك فيه؟ وإنما قلنا ذلك أولى القراءتين بالصواب لما بينا قبل من أن قوله { إذْ قالَ الحَوَارِيُّونَ } من صلة «إذ أوحيت»، وأن معنى الكلام وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي { إذْ قالَ الحَوَارِيُّونَ يا عيِسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ }. فبين إذ كان ذلك كذلك، أن الله تعالى ذكره قد كره منهم ما قالوا من ذلك واستعظمه، وأمرهم بالتوبة ومراجعة الإيمان من قيلهم ذلك، والإقرار لله بالقدرة على كلّ شيء، وتصديق رسوله فيما أخبرهم عن ربهم من الأخبار. وقد قال عيسى لهم عند قيلهم ذلك له استعظاماً منه لما قالوا { اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } ففي استتابة الله إياهم، ودعائه لهم إلى الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم عند قيلهم ما قالوا من ذلك، واستعظام نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كلمتهم، الدلالة الكافية من غيرها على صحة القراءة في ذلك بالياء ورفع الربّ إذ كان لا معنى في قولهم لعيسى لو كانوا قالوا له هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزّل علينا مائدة من السماء؟ أن تستكبر هذا الاستكبار.

فإن ظنّ ظانّ أن قولهم ذلك له إنما هو استعظام منهم، لأن ذلك منهم كان مسألة آية، فإن الآية إنما يسألها الأنبياء من كان بها مكذّباً، ليتقرّر عنده حقيقة ثبوتها وصحة أمرها، كما كانت مسألة قريش نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم أن يحوّل لهم الصفا ذهباً ويفجِّر فجاج مكة أنهاراً من سأله من مشركي قومه، وكما كانت مسألة صالح الناقة من مكذّبي قومه، ومسألة شعيب أن يسقط كِسْفاً من السماء من كفار من أرسل إليهم. وكان الذين سألوا عيسى أن يسأل ربه أن ينزّل عليهم مائدة من السماء، على هذا الوجه كانت مسألتهم، فقد أحلهم الذين قرءوا ذلك بالتاء ونصب الربّ محلاًّ أعظم من المحلّ الذي ظنوا أنهم نزّهوا ربهم عنه، أو يكونوا سألوا ذلك عيسى وهم موقنون بأنه لله نبيّ مبعوث ورسول مرسل، وأن الله تعالى على ما سألوا من ذلك قادر. فإن كانوا سألوا ذلك وهم كذلك، وإنما كانت مسألتهم إياه ذلك على نحو ما يسأل أحدهم نبيه، إذا كان فقيراً أن يسأل له ربه أن يغنيه، وإن عرضت به حاجة أن يسأل له ربه أن يقضيها، فأنَّى ذلك من مسألة الآية في شيء؟ بل ذلك سؤال ذي حاجة عرضت له إلى ربه، فسأل نبيه مسألة ربه أن يقضيها له. وخبر الله تعالى عن القوم ينبىء بخلاف ذلك، وذلك أنهم قالوا لعيسى، إذ قال لهم{ اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أنْ نَأكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا } فقد أنبأ هذا من قيلهم أنهم لم يكونوا يعلمون أن عيسى قد صدقهم، ولا اطمأنت قلوبهم إلى حقيقة نبوّته، فلا بيان أبين من هذا الكلام في أن القوم كانوا قد خالط قلوبهم مرض وشكّ في دينهم وتصديق رسولهم، وأنهم سألوا ما سألوا من ذلك اختباراً. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.....


وقال السمين


{ قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ }

وقرأ الجمهور: { ونَعْلَمَ }: و " نكون " بنون المتكلم مبنياً للفاعل، و قرأ ابن جبير - فيما نقله عنه ابن عطية - " وتُعْلَم " بضم التاء على أنه مبني للمفعول، والضميرُ عائدٌ على القلوب أي: وتُعْلَمَ قلوبُنا، ونُقل عنه " ونُعْلَم " بالنون مبنياً للمفعول، وقرئ: " يُعْلم " بالياء مبنياً للمفعول، والقائمُ مقام الفاعل: " أَنْ قد صدقتنا " أي: ويُعْلَمَ صِدْقُك لنا، ولا يجوز أن يكونَ الفعلُ في هذه القراءةِ مسنداً لضميرِ القلوب لأنه جارٍ مَجْرى المؤنثِ المجازي، ولا يجوزُ تذكيرُ فعلِ ضميرِه.

وقرأ الأعمش: و " تَعْلَم " بتاء والفعل مبني للفاعل، وهو ضمير القلوب، ولا يجوزُ أن تكونَ التاءُ للخطاب لفسادِ المعنى، ورُوي: " وتِعْلَم " بكسر حرف المضارعة، والمعنى على ما تقدَّم وقُرئ: و " تَكون " بالتاء والضمير للقلوب...

قوله تعالى: { وَآيَةً }: عطف على " عيداً " ، و " منك " صفتها. وقرأ اليماني: " وإنَّه " بـ " إنَّ " المشددة، والضمير: إما للعيد وإما للإِنزال.....

قَالَ اللَّهُ هَـذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }

قوله تعالى: { يَوْمُ يَنفَعُ }: الجمهور على رفعه من غير تنوين، ونافع على نصبه من غير تنوين، ونقل الزمخشري عن الأعمش " يوماً " بنصبه منوناً، وابن عطية عن الحسن بن عياش الشامي: " يوم " برفعه منوناً، فهذه أربع قراءات. فأما قراءة الجمهور فواضحةٌ على المبتدأ والخبر، والجملةُ في محل نصب بالقول. وأمَّا قراءة نافع ففيها أوجه، أحدها: أنَّ " هذا " مبتدأ، و " يوم " خبره كالقراءة الأولى، وإنما بُنِي الظرفُ لإِضافتِه إلى الجملة الفعلية وإن كانت معربةً، وهذا مذهب الكوفيين، واستدلُّوا عليه بهذه القراءةِ، وأمَّا البصريون فلا يجيزون البناء إلا إذا صُدِّرت الجملةُ المضافُ إليها بفعلٍ ماض، وعليه قولُ النابغة:
1858- على حينَ عاتبتُ المشيبَ على الصِّبا فقلتُ: أَلمَّا أًصْحُ والشيبُ وازعُ
وخَرَّجوا هذه القراءةَ على أن " يوم " منصوبٌ على الظرف، وهو متعلق في الحقيقةِ بخبر المبتدأ أي: واقعٌ أو يقع في يوم ينفع، فيستوي هذا مع تخريج القراءة الأولى والثانية أيضاً في المعنى، ومنهم مَنْ خَرَّجه على أنَّ " هذا " منصوبٌ بـ " قال " وأُشير به إلى المصدرِ فنصبُه على المصدر، وقيل: بل أُشير به إلى الخبر والقِصَص المتقدمةِ فيجري في نصبه خلافٌ: هل هو منصوبٌ نصبَ المفعول به أو نصبَ المصادر؟ لأنه متى وقع بعد القول ما يُفْهم كلاماً نحو: " قلت شهراً وخطبة " جَرَى فيه هذا الخلاف، وعلى كلِّ تقدير فـ " يوم " منصوبٌ على الظرف بـ " قال " أي: قال الله هذا القولَ أو هذه الأخبارَ في وقتِ نفع الصادقين، و " ينفع " في محلِّ خفضٍ بالإِضافة، وقد تقدَّم ما يجوزُ إضافتُه إلى الجمل، وأنه أحد ثلاثةِ أشياء، وأمَّا قراءةُ التنوين فرفعُه على الخبريةِ كقراءة الجماعة، ونصبُه على الظرفِ كقراءة نافع، إلا أنَّ الجملةَ بعده في القراءتين في محل الوصفِ لِما قبلها، والعائدُ محذوفٌ، وهي نظيرَةُ قولِه تعالى:{ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً } [البقرة: 48]، فيكونُ محلُّ هذه الجملةُ إما رفعاً أو نصباً...

قوله: { صِدْقُهُمْ } مرفوع بالفاعلية، وهذه قراءة العامة، وقُرِئ شاذاً بنصبه وفيه أربعة أوجه، أحدها: أنه منصوب على المفعول من أجله، أي: ينفعهم لأجلِ صِدْقِهم، ذكر ذلك أبو البقاء وتبعه الشيخ وهذا لا يجوزُ لأنه فاتَ شرطٌ من شروط النصب، وهو اتحاد الفاعل، فإنَّ فاعلَ النفعِ غيرُ فاعلِ الصدقِ، وليس لقائلٍ أن يقولَ: " يُنْصب بالصادقين فكأنه قيل: الذين يَصْدُقون لأجل صدقهم فيلزمُ اتحادُ الفاعل " لأنه يؤدي إلى أنَّ الشيء علة لنفسِه، وللقولِ فيه مجال. الثاني: على إسقاطِ حرف الجر أي: بصدقِهم، وهذا قد عَرَفْتَ ما فيه أيضاً من أنّ حَذْف الحرفَ لا يطَّرد. الثالث: أنه منصوب على المفعول به، والناصب له اسم الفاعل في " الصادقين " أي: الذين صَدَقوا صدقهم، مبالغةً نحو: " صَدَقْت القتال " كأنك وَعَدْتَ القتالَ فلم تَكْذِبْه، وقد يُقَوِّي هذا نصبُه على المفعول له، والعامل فيه اسم الفاعل قبله. الرابع: أنه مصدرٌ مؤكد كأنه قيل: الذين يَصْدُقون الصدقَ كما تقول: " صَدَق الصدقَ " وعلى هذه الأوجه كلِّها ففاعلُ " ينفع " ضميرٌ يعود على الله تعالى

اسامة محمد خيري
01-11-2018, 11:09
الجوهرة التاسعة والتسعون

سورة الانعام

{ قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ }* { مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ }

قال السمين

قوله: { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } القراءة المشهورة ببناء الأول للفاعل والثاني للمفعول، والضمير لله تعالى، والمعنى: وهو يَرْزق ولا يُرْزَق، وهو موافقٌ لقوله تعالى:{ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ } [الذاريات: 57]. وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد بن جبر والأعمش وأبو حيوة وعمرو بن عبيد وأبو عمرو بن العلاء في رواية عنه: " ولا يَطْعَمُ " بفتح الياء والعين بمعنى ولا يأكل، والضمير لله تعالى.

وقرأ ابن أبي عبلة ويمان العماني: ولا يُطْعِم، بضم الياء وكسر العين كالأول، فالضميران - أعني هو والمستكنُّ في " يطعم " - عائدان على الله تعالى، والضمير في ولا يُطْعِم للوليّ. وقرأ يعقوب في رواية ابن المأمون.


وهو يُطْعَمُ ولا يُطْعِم " ببناء الأول للمفعول، والثاني للفاعل، على عكس القراءة المشهورة، والضمائر الثلاثة أعني هو والمستترَيْنِ في الفعلين للولي فقط، أي: وذلك الوليُّ يُطْعمه غيره ولا يُطْعِمُ هو أحداً لعَجْزه.

وقرأ الأشهب: { وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعِم } ببنائهما للفاعل. وذكر الزمخشري فيها تخريجين ثانيهما لنفسه، فإنه قال - بعد أن حكى القراءة -: " وفُسِّر بأن معناه وهو يُطْعِم ولا يَسْتَطْعِم ". وحكى الأزهري: أطعمت بمعنى استطعمت، ونحوه: أَفَدْت، ويجوز أن يكون المعنى: وهو يُطْعِم تارة ولا يُطْعم أخرى على حسب المصالح كقولك: هو يعطي ويمنع ويَقْدِر ويبسط ويغني ويفقر " قلت: [هكذا ذكر الشيخ هذه القراءة، وقراءةُ الأشهب هي] كقراءة ابن أبي عبلة والعماني سواء، لا تخالُفَ بينهما، فكان ينبغي أن يذكر هذه القراءة لهؤلاء كلِّهم، وإلاَّ يوهمْ هذا أنهما قراءتان متغايرتان وليس كذلك.

وقرئ شاذاً: { يَطْعَم } بفتح الياء والعين، ولا يُطْعِم بضم الياء وكسر العين أي: وهو يأكل ولا يُطْعِم غيره، ذكر هذه القراءةَ أبو البقاء وقال: " والضمير راجع على الولي الذي هو غير الله. فهذه ست قراءات وفي بعضها - وهي تَخَالُفُ الفعلين - من صناعة البديع تجنيس التشكيل: وهو أن يكون الشكل فارقاً بين الكلمتين، وسمَّاه أسامة بن منقذ تجنيس التحريف، وهو تسمية فظيعة، فتسميتُه بتجنيس التشكيل أَوْلى.....

قوله تعالى: { مَّن يُصْرَفْ }: " مَنْ " شرطية، ومحلُّها يحتمل الرفع والنصب كما سيأتي بيانه بعد ذِكْر القراءتين فنقول: قرأ الأخوان وأبو بكر عن عاصم: " يَصْرِف " بفتح الياء وكسر الراء على تسمية الفاعل. والباقون بضمِّ الياء وفتح الراء على ما لم يُسَمَّ فاعله.

فأمَّا القراءة الأولى فـ " مَنْ " فيها تحتمل الرفع والنصب: فالرفع من وجه واحد وهو الابتداء، وخبرها فعل الشرط أو الجواب أو هما، على حسب الخلاف، وفي مفعول " يَصْرِف " حينئذ احتمالان، أحدهما: أنه مذكور وهو " يومئذ " ، ولا بد من حذف مضاف أي: يَصْرِف الله عنه هَوْل يؤمئذ - أو عذاب يومئذ - فقد رحمه، فالضمير في " يَصْرِف " يعود على الله تعالى، ويدلُّ عليه قارءة أُبَيّ بن كعب " مَنْ يَصْرِف اللَّهُ " بالتصريح به. والضميران في " عنه " و " رَحِمَة " لـ " مَنْ " والثاني: أنه محذوف لدلالة ما ذكر عليه قبل ذلك أي: مَنْ يَصْرف اللَّهُ عنه العذابَ. و " يومئذ " منصوبٌ على الظرف. وقال مكي: " ولا يَحْسُن أن تقدَّرَ هاءً؛ لأن الهاء إنما تُحْذف من الصلات ". قلت: يعني أنه لا يُقَدَّرُ المفعولُ ضميراً عائداً على عذاب يوم؛ لأن الجملة الشرطية عنده صفةٌ لـ " عذاب " والعائد منها محذوف، لكنَّ الحذف إنما يكون من الصلة لا من الصفة، وهذا معنى قول الواحدي أيضاً، إلا أنَّ قولَ مكيّ " إنما يُحْذف من الصلات " يريد في الأحسن، وإلاَّ فيحذف من الصفات والأخبار والأحوال، ولكنه دون الصلة.

والنصب من وجهين أحدهما: أنه مفعول مقدَّمٌ لـ " يَصْرِف " والضمير في " عنه " على هذا يتعيَّن عَوْدُه على العذاب المتقدم، والتقدير: أيَّ شخص يَصْرِف اللَّهُ عن العذاب. والثاني: أنه منصوب على الاشتغال بفعل مضمر لا يبرز، يفسره هذا الظاهر من معناه لا من لفظه، والتقدير: مَنْ نُكْرِمْ أو مَنْ نُنَجِّ يَصْرِفِ الله. والضمير في " عنه " للشرطية. وأمَّا مفعول " يَصْرِفْ " على هذا فيحتمل الوجهين المتقدمين، أعني كونه مذكوراً وهو " يومئذ " على حذفِ مضاف، أو محذوفاً اختصاراً.

وأمَّا القراءة الثانية فـ " مَنْ " تحتمل وجهين، أحدهما: أنها في محل رفعٍ بالابتداء، وخبره ما بعده على ما تقدَّم، والفاعل المحذوف هو الله تعالى، يدلُّ عليه قراءة أبي المتقدمة، وفي القائمِ مَقامَه أربعةُ أوجه، أحدهما: أنه ضمير العذاب، والضمير في " عنه " يعود على " مَنْ " فقط، والظرف فيه حينئذ ثلاثة أوجه، أحدها: أنه منصوب بـ " يُصْرَف " الثاني: أنه منصوب بالعذاب أي: الذي قام ضميره مقام الفاعل، قاله أبو البقاء، ويلزم منه إعمال المصدر مضمراً، وقد يقال: يُغْتفر ذلك في الظروف.

الثالث: قال أبو البقاء: " إنه حال من الضمير " قلت: يعني الضمير الذي قام مقام الفاعل، وجاز وقوعُ الحال ظرف زمان لأنها عن معنًى لا عن جثة.

الثاني من الأوجه الأربعة: أن القائم الفاعل ضمير " مَنْ " والضمير في " عنه " يعود على العذاب، والظرف منصوب: إمَّا بـ " يُصْرف " ، وإمَّا على الحال من هاء " عنه ". والثالث من أوجه العامل في " يومئذ " متعذ‍َّر هنا وهو واضح، والتقدير: أي شخصٍ يُصْرف هو عن العذاب. الثالث: أن القائم مقام الفاعل " يومئذ " إمَّا على حذف مضاف أي: من يُصرف عنه فَزَعُ يومئذ أو هول يومئذ، وإمَّا على قيام الظرف دون مضاف كقولك: " سير يوم الجمعة " وإنما بُني " يومئذ " على الفتح لإِضافته إلى غير متمكن، ولو قرئ بالرفع لكان جائزاً في الكلام، وقد قرئ: { ومِنْ خزي يؤمئذ } فتحاً وجراً بلاعتبارين، وهما اعتباران متعايران، فإن قيل: يلزمُ على عدم تقدير حذف المضاف إقامةُ الظرف غير التام مقامَ الفاعل، وقد نصُّوا على أن الظرف المقطوع عن الإِضافة لا يُخبر به ولا يقوم مقام فاعل، لو قلت: " ضُرب قبلُ " لم يجز، والظرف هنا في حكم المقطوع عن الإِضافة فلا يجوز قيامه مقام / الفاعل إلا على حذف مضاف، فالجواب أن هذا في قوة الظرف المضاف، إذ التنوين عوضٌ عنه، وهذا ينتهض على رأي الجمهور، أما الأخفش فلا، لأن التنوين عنده تنوين صَرْفٍ والكسر كسر إعراب، وقد أوضحت ذلك إيضاحاً شافياً في غير هذا الموضوع.

الرابع: أن القائم مَقامَه " عنه " والضمير في " عنه " يعود على " مَنْ " و " يومئذ " منصوب على الظرف، والعامل فيه " يُصْرَفْ " ولا يجوز الوجهان الأخيران، أعني نصبَه على الحال؛ لأنَّ الضميرَ للجُثَّة، والزمانُ لا يقع حالاً عنهما كما لا يقع خبراً، وأعني كونَه معمولاً للعذاب، إذ ليس هو قائماً مقام الفاعل.

والثاني من وجهي " مَنْ ": أنها في محل نصب بفعل مضمر يفسره الظاهر بعده، وهذا إذا جعلنا " عنه " في محل نصب بأَنْ يُجْعَلَ القائم مقام الفاعل: إمَّا ضميرَ العذاب وإمَّا " يومئذ " والتقدير: مَنْ يكرم اللَّهُ أو من يُنَجِّ يُصْرف عنه العذابُ أو هولُ يومئذ، ونظيره: " زيدٌ مُرَّ به مرورٌ حسن " ، أقمت المصدر فبقي " عنه " منصوب المحل، والتقدير: جاوزت زيداً مُرَّ به مرورٌ حسن. وأمَّا إذا جُعل " عنه " قائماً مقام الفاعل تعيَّن رَفْعُه بالابتداء.

واعلم أنه متى قلت: منصوب على الاشتغال فإنما يُقَدَّر بعد " مَنْ " لأنَّ لها صدر الكلام، ولذلك لم أُظْهِره إلا مؤخراً، ولهذه العلَّةِ منه بعضهم الاشتغالَ فيما له صدر الكلام كالاستفهام والشرط. والتنوين في " يومئذ " عوض عن جملة محذوفة تضمَّنها الكلام السابق، التقدير: يوم إذ يكون الجزاء، وإنما قلت كذلك لأنه لم يتقدَّم في الكلام جملةٌ مُصَرَّحٌ بها يكون التنوين عوضاً منها، وقد تقدَّم خلاف الأخفش.

وهذه الجملة الشرطية يجوز فيها وجهان: الاستئناف والوصف لـ " عذاب يوم " ، فحيث جعلنا فيها ضميراً يعود على عذاب يوم إمَّا مِنْ " يُصْرف " وإمَّا مِنْ " عنه " جاز أن تكونَ صفةً وهو الظاهر، وأن تكونَ مستأنفةً، وحيث لم نجعلْ فيها ضميراً يعود عليه - وقد عرفت كيفية ذلك - تَعَيَّن أن تكون مستأنفة، ولا يجوز أن تكون صفةً لخلوِّها من الضمير.

وقد تكلَّم الناس في ترجيح إحدى هاتين القراءتين على الأخرى، وذلك على عادتهم، فقال أبو علي الفارسي: " قراءة " يَصْرِفْ " يعني المبنيَّ للفاعل أحسن لمناسبة قوله " رحمه ". يعني أن كلاً منهما مبني للفاعل ولم يقل " فقط رُحِمَ ". واختارها أبو حاتم وأبو عبيد، ورجَّح بعضهم قراءة المبني للمفعول بإجماعهم على قراءة قوله: { ليس مصروفاً عنهم } يعني في كونه أتى بصيغة اسم المفعول المسند إلى ضمير العذاب المذكور أولاً. ورجَّحها محمد بن جرير بأنها أقلُّ إضماراً ومكي - رحمه الله - تلعثهم في كلامه في ترجيحه لقراءة الأخوين وأتى بأمثلةٍ فاسدةٍ في كتاب " الهداية " له، قاله ابن عطية. وقد قدَّمْتُ أول الكتاب عن العلماء ثعلب وغيره أن ذلك - أعني ترجيحَ إحدى القراءات المتواترة على الأخرى بحيث تُضَعَّفُ الأخرى - ولا يجوز. ...

اسامة محمد خيري
01-11-2018, 11:20
الجوهرة المائة

{ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ }

قال السمين

قوله: { وَقْراً } عطفٌ على " أَكِنَّة " فينصبُ انتصابَه، أي: وجَعَلْنا في آذانهم وقراً. و " في آذانهم " كقوله " على قلوبهم " وقد تقدَّم أنَّ " جَعَل " يَحْتمل معانيَ ثلاثةً فيكونُ هذا الجار مبنيَّاً عليها مِنْ كونه مفعولاً ثانياً قُدِّمَ، أو متعلقاً بها نفسِها أو حالاً.

والجمهور على فتح الواو من " وَقْراً " وقرأ طلحة بن مصرف بكسرها والفرق بين الوَقْر والوِقْر أنَّ المفتوح هو الثِّقل في الأذن، يُقال منه: وَقَرِتْ أذنه بفتح القاف وكَسْرِها، والمضارع تَقِر وتَوْقَر بحسب الفعلين كـ تَعِد وتَوْجَل. وحكى أبو زيد: أذنٌ مَوْقورة، وهو جارٍ على القياس، ويكون فيه دليلٌ على أن وَقَر الثلاثي يكون متعدِّياً، وسُمِع " أذن مُوْقَرَة " والفعل على هذا أَوْقَرْتُ رباعياً كأكرم. والوِقْر - بالكسر - الحِمْل للحمار والبغل ونحوهما، كالوسَق للبعير، قال تعالى:{ فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً } [الذاريات: 2] فعلى هذا قراءةُ الجمهور واضحة أي: وجَعَلْنا في آذانهم ثِقَلاً أي: صَمَماً. وأمَّا قراءةُ طلحة فكأنه جَعَلَ آذانهم وَقِرت من/ الصَّمَم كما تُوْقَرُ الدابة بالحِمْل، والحاصل أن المادَّة تدلُّ على الثِّقَل والرِّزانة، ومنه الوَقار للتُّؤَدة والسَّكينة

اسامة محمد خيري
01-11-2018, 11:33
الجوهرة الواحدة بعد المائة

وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } * { بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }

قال الرازى

فأما قوله { وَلاَ نُكَذّبَ بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ففيه قولان: أحدهما: أنه داخل في التمني والتقدير أنهم تمنوا أن يردوا إلى الدنيا ولا يكونوا مكذبين وأن يكونوا مؤمنين. فإن قالوا هذا باطل لأنه تعالى حكم عليهم بكونهم كاذبين بقوله في آخر الآية { وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } والمتمني لا يوصف بكونه كاذباً. قلنا: لا نسلم أن المتمني لا يوصف بكونه كاذباً لأن من أظهر التمني، فقد أخبر ضمناً كونه مريداً لذلك الشيء فلم يبعد تكذيبه فيه، ومثاله أن يقول الرجل: ليت الله يرزقني مالاً فأحسن إليك، فهذا تمن في حكم الوعد، فلو رزق مالاً ولم يحسن إلى صاحبه لقيل إنه كذب في وعده. القول الثاني: أن التمني تمّ عند قوله { ياليتنا نُرَدُّ } وأما قوله { وَلاَ نُكَذّبَ بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } فهذا الكلام مبتدأ وقوله تعالى في آخر الآية { وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } عائد إليه وتقدير الكلام يا ليتنا نرد، ثم قالوا ولو رددنا لم نكذب بالدين وكنا من المؤمنين، ثم إنه تعالى كذبهم وبيّن أنهم لو ردوا لكذبوا ولأعرضوا عن الإيمان.

المسألة الثانية: قرأ ابن عامر نرد ونكذب بالرفع فيهما ونكون بالنصب،وقرأ حمزة وحفص عن عاصم نرد بالرفع،ونكذب ونكون بالنصب فيهما، في الثلاثة، فحصل من هذا أنهم اتفقوا على الرفع في قوله { نُرَدُّ } وذلك لأنه داخلة في التمني لا محالة،

فأما الذين رفعوا قوله { وَلاَ نُكَذّبَ وَنَكُونَ } ففيه وجهان: الأول: أن يكون معطوفاً على قوله { نُرَدُّ } فتكون الثلاثة داخل في التمني، فعلى هذا قد تمنوا الرد وأن لا يكذبوا وأن يكونوا من المؤمنين. والوجه الثاني: أن يقطع ولا نكذب وما بعده عن الأول، فيكون التقدير: يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، فهم ضمنوا أنهم لا يكذبون بتقدير حصول الرد. والمعنى يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا رددنا أو لم نرد أي قد عاينا وشاهدنا ما لا نكذب معه أبداً. قال سيبويه: وهو مثل قولك دعني ولا أعود، فههنا المطلوب بالسؤال تركه. فأما أنه لا يعود فغير داخل في الطلب، فكذا هنا قوله { يا ليتنا نُرَدُّ } الداخل في هذا التمني الرد، فأما ترك التكذيب وفعل الإيمان فغير داخل في التمني، بل هو حاصل سواء حصل الرد أو لم يحصل، وهذان الوجهان ذكرهما الزجاج والنحويون قالوا: الوجه الثاني أقوى، وهو أن يكون الرد داخلاً في التمني، ويكون ما بعده إخباراً محضاً. واحتجوا عليه بأن الله كذبهم في الآية الثانية فقال: { وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } والمتمني لا يجوز تكذيبه، وهذا اختيار أبي عمرو. وقد احتج على صحة قوله بهذه الحجة، إلا أنا قد أجبنا عن هذه الحجة، وذكرنا أنها ليست قوية،

وأما من قرأ { وَلاَ نُكَذِّبَ وَنَكُونَ } بالنصب ففيه وجوه: الأول: بإضمار أن على جواب التمني، والتقدير: يا ليتنا نرد وأن لا نكذب.

والثاني: أن تكون الواو مبدلة من الفاء، والتقدير: يا ليتنا نرد فلا نكذب، فتكون الواو ههنا بمنزلة الفاء في قوله{ لَوْ أَنَّ لِى كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } [الزمر: 58] ويتأكد هذا الوجه بما روي أن ابن مسعود كان يقرأ { فَلا نُكَذّبَ } بالفاء على النصب، والثالث: أن يكون معناه الحال، والتقدير: يا ليتنا نرد غير مكذبين، كما تقول العرب ـ لا تأكل السمك وتشرب اللبن ـ أي لا تأكل السمك شارباً للبن. واعلم أن على هذه القراءة تكون الأمور الثلاثة داخلة في التمني. وأما أن المتمن كيف يجوز تكذيبه فقد سبق تقريره. وأما قراءة ابن عامر وهي أنه كان يرفع { وَلاَ نُكَذّبَ } وينصب { وَنَكُونَ } فالتقدير: أنه يجعل قوله { وَلاَ نُكَذّبَ } داخلاً في التمني، بمعنى أنا إن رددنا غير مكذبين نكن من المؤمنين والله أعلم.

وقال القرطبي


قوله تعالىٰ: { فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بالرفع في الأفعال الثلاثة عطفاً قراءة أهل المدينة والكسائيّ؛ وأبو عمرو أبو بكر عن عاصم بالضم. ابن عامر على رفع «نكذّبُ» ونصب «ونكونَ» وكله داخل في معنى التمني؛ أي تَمَنُّوا الردّ وَأَلاّ يُكذبوا وأن يكونوا من المؤمنين. واختار سيبويه القطع في «وَلا نكذّبُ» فيكون غير داخل في التمني؛ المعنى: ونحن لا نُكذّبُ على معنى الثبات على ترك التكذيب؛ أي لا نكذبُ رُدِدنا أو لم نُردّ؛ قال سيبويه: وهو مثل قوله دعني ولا أعود أي لا أعود على كل حال تركتني أو لم تتركني. وٱستدل أبو عمرو على خروجه من التمني بقوله: { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } لأن الكذب لا يكون في التمني إنما يكون في الخبر. وقال من جعله داخلاً في التمني: المعنى وإنهم لكاذبون في الدنيا في إنكارهم البعث وتكذيبهم الرسل. وقرأ حمزة وحفص بنصب { نُكَذِّبَ } و { وَنَكُونَ } جواباً للتمني؛ لأنه غير واجب، وهما داخلان في التمني على معنى أنهم تمَنَّوا الرد وترك التكذيب والكون مع المؤمنين. قال أبو إسحاق: معنى { وَلاَ نُكَذِّبَ } أي إن رُدِدنا لم نكذب. والنصب في «نكذب» و «نكون» بإضمار «أَنْ» كما ينصب في جواب الاستفهام والأمر والنهي والعَرْض؛ لأن جميعه غير واجب ولا واقع بعد، فينصب الجواب مع الواو كأنه عطف على مصدر الأوّل؛ كأنهم قالوا: يا ليتنا يكون لنا رَدٌّ، وانتفاءٌ من الكذِب، وكَونٌ من المؤمنين؛ فحملا على مصدر { نُرَدُّ } لانقلاب المعنى إلى الرفع، ولم يكن بدّ من إضمار «أَنْ» فيه يتم النصب في الفعلين. وقرأ ابن عامر «وَنَكُونَ» بالنصب على جواب التمني كقولك: ليتك تصير إلينا ونكرمك، أي ليت مصيرك يقع وإكرامنا يقع، وأدخل الفعلين الأوّلين في التمني، أو أراد: ونحن لا نكرمك على القطع على ما تقدّم؛ يحتمل. وقرأ أبيّ «وَلاَ نكذب بِآيَاتِ ربنا أبداً». وعنه وابن مسعود { يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ } بالفاء والنصب، والفاء ينصب بها في الجواب كما ينصب بالواو؛ عن الزجاج. وأكثر البصريين لا يجيزون الجواب إلاَّ بالفاء

وقال الزمخشري

يَٰلَيْتَنَا نُرَدُّ } تم تمنيهم. ثم ابتدؤا { وَلاَ نُكَذّبَ بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } واعدين الإيمان، كأنهم قالوا ونحن لا نكذب ونؤمن على وجه الإثبات. شبهة سيبويه بقولهم دعني ولا أعود، بمعنى دعني وأنا لا أعود، تركتني أو لم تتركني. ويجوز أن يكون معطوفاً على نردّ، أو حالاً على معنى يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين، فيدخل تحت حكم التمني. فإن قلت يدفع ذلك قوله { وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } لأن المتمنّي لا يكون كاذباً. قلت هذا تمنٍّ قد تضمن معنى العدة، فجاز أن يتعلق به التكذيب، كما يقول الرجل ليت الله يرزقني مالاً فأحسن إليك وأكافئك على صنيعك، فهذا متمنّ في معنى الواعد، فلو رزق مالاً ولم يحسن إلى صاحبه ولم يكافئه كذب، كأنه قال إن رزقني الله مالاً كافأتك على الإحسان. وقرىء «ولا نكذب ونكون» بالنصب بإضمار أن على جواب التمني ومعناه إن رددنا لم نكذب ونكن من المؤمنين

وقال الطبري

والقراءة التي لا أختار غيرها في ذلك «يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذّبَ بآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ» بالرفع في كليهما، بمعنى يا ليتنا نردّ، ولسنا نكذّب بآيات ربنا إن رددنا، ولكنا نكون من المؤمنين على وجه الخبر منهم عما يفعلون إن هم ردّوا إلى الدنيا، لا على التمني منهم أن لا يكذّبوا بآيات ربهم ويكونوا من المؤمنين لأن الله تعالى ذكره قد أخبر عنهم أنهم لو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه، وأنهم كذبة في قيلهم ذلك.

ولو كان قيلهم ذلك على وجه التمني لاستحال تكذيبهم فيه، لأن التمني لا يكذّب، وإنما يكون التصديق والتكذيب في الأخبار. وأما النصب في ذلك، فإني أظنّ بقارئه أنه برجاء تأويل قراءة عبد الله التي ذكرناها عنه، وذلك قراءته ذلك «يا لَيْتَنا نُرَدُّ فَلا نُكَذّبَ بآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ» على وجه جواب التمني بالفاء. وهو إذا قرىء بالفاء كذلك لا شكّ في صحة إعرابه، ومعناه في ذلك أن تأويله إذا قرىء كذلك لو أنا رُددنا إلى الدنيا ما كذّبنا بآيات ربنا، ولكنا من المؤمنين. فإن يكن الذي حَكَي عن العرب من السماع منهم الجواب بالواو و«ثم» كهئية الجواب بالفاء صحيحاً، فلا شكّ في صحة قراءة من قرأ ذلك{ يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذّبَ بآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ } نصباً على جواب التمني بالواو، على تأويل قراءة عبد الله ذلك بالفاء، وإلا فإن القراءة بذلك بعيدة المعنى من تأويل التنزيل. ولست أعلم سماع ذلك من العرب صحيحاً، بل المعروف من كلامها الجواب بالفاء والصرف بالواو.

اسامة محمد خيري
02-11-2018, 10:52
قبل ان نكمل رحلتنا نذكر قراءة شاذة ربما غفلنا عنها فى سورة المائدة

فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ }

قال السمين

وقرأ الحسن: { فآتاهم }: مِنْ آتاه كذا أي: أعطاه، والقراءةُ الشهيرةُ أَوْلى؛ لأنَّ الإِثابةَ فيها مَنْبَهَةٌ على أنَّ ذلك لأجلِ عملٍ، بخلاف الإِيتاء، فإنه يكونُ على عملٍ وعلى غيره. وقوله: { جَنَّاتٍ } مفعول ثان لـ " أثابَهم " أو لـ " آتاهم " عل حَسَبِ القراءتين...

الجوهرة الثانية بعد المائة

قال ابن عطية

وقرأ نافع وحده " ليُحزنك " من أحزن، وقرأ الباقون " ليَحزنك " من حزن الرجل، وقرأ أبو رجاء " لِيحزِنْك " بكسر اللام والزاي وجزم النون، وقرأ الأعمش أنه بفتح الهمزة " يحزنك " بغير لام، قال أبو علي الفارسي تقول العرب حزن الرجل بكسر الزاي يحزن حزناً وحزناً وحزنته أنا، وحكي عن الخليل أن قولهم حزنته ليس هو تغيير حزن على نحو دخل وأدخلته، ولكنه بمعنى جعلت فيه حزناً كما تقول كحلته ودهنته، قال الخليل ولو أردت تغيير حزن لقلت أحزنته، وحكى أبو زيد الأنصاري في كتاب خباة العرب أحزنت الرجل، قال أبو علي وحزنت الرجل أكثر استعمالاً عندهم من أحزنته، فمن قرأ " ليُحزنك " بضم الياء فهو على القياس في التغيير، ومن قرأ " ليَحزنُك " بفتح الياء وضم الزاي فهو على كثرة الاستعمال، و { الذي يقولون } لفظ يعم جميع أقوالهم التي تتضمن الرد على النبي صلى الله عليه وسلم والدفع في رئيَ من الجن ونحو هذا

وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمر وعاصم وحمزة { لا يكذبونك } بتشديد الدال وفتح الكاف، وقرأها ابن عباس وردها على قارىء عليه " يُكذبونك " بضم الياء، وقال: إنهم كانوا يسمونه الأمين، وقرأ نافع والكسائي بسكون الكاف وتخفيف الذال، وقرأها علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهما قراءتان مشهورتان صحيحتان، ,اختلف المتأولون في معناهما فقالت فرقة: هما بمعنى واحد كما تقول:

سقيت وأسقيت وقللت وأقللت وكثرت وأكثرت، حكى الكسائي أن العرب تقول كذبت الرجل إذا نسبت الكذب إليه وأكذبته إذا نسبت الكذب إلى ما جاء به دون أن تنسبه إليه، وتقول العرب ايضاً أكذبت الرجل إذا وجدته كذاباً كما تقول أحمدية إذا وجدته محموداً، فالمعنى على قراءة من قرأ " يكذّبونك " بتشديد الذال أي لا تحزن " فإنهم لا يكذبونك " تكذيباً على جهة الإخبار عنهم أنهم لا يكذبون وأنهم يعلمون صدقه ونبوته ولكنهم يجحدون عناداً منهم وظلماً، والآية على هذا لا تتناول جميع الكفار بل تخص الطائفة التي حكى عنها أنها كانت تقول: إنا لنعلم أن محمداً صادقاً ولكن إذا آمنا به فضلتنا بنو هاشم بالنبوة فنحن لا نؤمن به أبداً، رويت هذه المقالة عن أبي جهل ومن جرى مجراه، وحكى النقاش أن الآية نزلت في الحارث بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف، فإنه كان يكذب في العلانية ويصدق في السر ويقول نخاف أن تتخطفنا العرب ونحن أكلة رأس

والمعنى على قراءة من قرأ " يكذبونك " بتخفيف الذال يحتمل ما ذكرناه أولاً في " يكذبونك " أي لا يجدونك كاذباً في حقيقتك ويحتمل هذين الوجهين اللذين ذكرت في " يكذّبونك " بشد الذال، وآيات الله علاماته وشواهد نبيه محمد صلى الله عليه وسلم

اسامة محمد خيري
02-11-2018, 11:19
الجوهرة الثالثة بعدالمائة

قال ابن الجوزى فى زاده

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «أنه من عمل منكم سوءاً» «فانه غفور» بكسر الألف فيهما. وقرأ عاصم، وابن عامر، بفتح الألف فيهما. وقرأ نافع: بنصب ألف «أنه» وكسر ألف «فانه غفور» قال أبو علي: من كسر ألف «إنه» جعله تفسيرا للرحمة، ومن كسر ألف { فانه غفور } فلأن ما بعد الفاء حكم الابتداء، ومن فتح ألف «أنه من عمل» جعل «أنَّ» بدلا من الرحمة، والمعنى: كتب ربكم «أنه من عمل»، ومن فتحها بعد الفاء، أضمر خبراً تقديره: فله { أنه غفور رحيم } والمعنى: فله غفرانه، وكذلك قوله تعالى:{ فإن له نار جهنم } [التوبة: 63] معناه: فله أن له نار جهنم، وأما قراءة نافع، فانه أبدل من الرحمة، واستأنف ما بعد الفاء....

قوله تعالى: { ولتستبين } وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: «ولتستبين» بالتاء «سبيل» بالرفع. وقرأ نافع، وزيد عن يعقوب: بالتاء أيضا، إلا أنهما نصبا السبيل. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «وليستبين» بالياء، «سبيل» بالرفع. فمن قرأ «ولتستبين» بالياء أو التاء، فلأن السبيل تذكر وتؤنث على ما بينا في (آل عمران)، ومن نصب اللام، فالمعنى: ولتستبين أنت يا محمد سبيل المجرمين

الجوهرة الرابعة بعد المائة

قال السمين

قوله: { يَقُصُّ ظ±لْحَقَّ } قرأ نافع وابن كثير وعاصم: " يقص " بصاد مهملة مشددة مرفوعة، وهي قراءة ابن عباس، والباقون بضاد معجمة مخففة مكسورة، وهاتان في المتواتر. وقرأ عبد الله وأُبَيّ ويحيى بن وثاب والنخعي والأعمش وطلحة: " يقضي بالحق " من القضاء. وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد: " يقضي بالحق وهو خير القاضين " فأمَّا قراءة " يقضي " فمِن القضاء. ويؤيده قوله: " وهو خير الفاصلين " فإنَّ الفصل يناسب القضاء، ولم يُرْسَم إلا بضاد، كأن الباء حُذِفَتْ خَطَّاً كما حذفت لفظاً لالتقاء الساكنين، كما حذفت من نحو:{ فَمَا تُغْنِ ظ±لنُّذُرُ } [القمر: 5]، وكما حُذِفَتْ الواو في{ سَنَدْعُ ظ±لزَّبَانِيَةَ } [العلق: 18]{ وَيَمْحُ ظ±للَّهُ ظ±لْبَاطِلَ } [الشورى: 24] لما تقدم.

وأمَّا نصب " الحق " بعده ففيه أربعة أوجه، أحدها: أنه منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف أي: يقضي القضاء الحق. والثاني: أنه ضمَّن " يقضي " معنى يُنْفِذ، فلذلك عدَّاه إلى المفعول به، الثالث: أن " قضى " بمعنى صنع فيتعدَّى بنفسه من غير تضمين، ويدل على ذلك قوله:
1936- وعليهما مَسْرُودتان قضاهُما داودُ....................
أي: صَنَعَهما. الرابع: أنه على إسقاط حرف الجر أي: يقضي بالحق، فلما حذف انتصب مجروره على حَدِّ قوله:
1937- تمرُّون الدِّيار فلم تَعْوجوا .................
ويؤيد ذلك: القراءةُ بهذا الأصل.

وأما قراءة " يَقُصُّ " فمِنْ " قَصَّ الحديث " أو مِنْ " قصَّ الأثر " أي: تَتَبَّعه. وقال تعالى:{ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ظ±لْقَصَصِ } [يوسف: 3]. ورجحَّ أبو عمرو بن العلاء القراءة الأولى بقوله: " الفاصلين " ، وحُكي عنه أنَّه قال: " أهو يَقُصُّ الحقَّ أو يقضي الحقَّ أو يقضي الحق " فقالوا: " يقصُّ " فقال: " لو كان " يقص " لقال: " وهو خير القاصِّين " اقرأ أحدٌ بهذا؟ وحيث قال: { وَهُوَ خَيْرُ ظ±لْفَاصِلِينَ } فالفصل إنما يكون في القضاء " وكأن أبا عمرو لم يَبْلُغْه " وهو خير القاصِّين " قراءةً. وقد أجاب أبو علي الفارسي عما ذكره ابن العلاء فقال: " القصصُ هنا بمعنى القول، وقد جاء الفصل في القول أيضاً قال تعالى:{ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ } [طارق: 13] وقال تعالى:{ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ } [هود: 1]. وقال تعالى:{ وَنُفَصِّلُ ظ±لآيَاتِ } [التوبة: 11] فقد حمل الفَصْل على القول، واستُعمل معه كما جاء مع القضاء فلا يلزم " من الفاصلين " أن يكون مُعَيِّناً ليقضي....

قوله تعالى: { مَفَاتِحُ }: فيه ثلاثة أقوال، أحدها: أنه جمعُ مِفْتح بكسر الميم والقصر، وهو الآلة التي يُفتح بها نحو: مُنْخُل ومَنَاخل. والثاني: أنه جمع مَفْتَح بفتح الميم، وهو المكان، ويؤيده تفسير ابن عباس هي خزائن المطر. والثالث: أنه جمع مِفتاح بكسر الميم والألف، وهو الآلة أيضاً، إلا أنَّ هذا فيه ضعفٌ من حيث إنه كان ينبغي أن تُقلب ألف المفرد ياء فيقال: مفاتيح كدنانير، ولكنه قد نُقِل في جمع مصباح مصابح، وفي جمع مِحْراب مَحارِب، وفي جمع قُرْقُرر قراقِر، وهذا كما أتوا بالياء في جمع ما لا مَدَّةَ في مفرده كقولهم: دراهيم وصياريف في جمع دِرْهَم وصَيْرَف، قال:
1938- تَنْفي يداها الحصى في كل هاجِرَةٍ نَفْيَ الدارهيمِ تَنْقادُ الصَّياريفِ
وقالوا: عيِّل وعَياييل. قال:
1939- فيها عياييلُ أُسودٌ ونُمُرْ
الأصل: عيايل ونمور، فزاد في ذلك ونَقَّصَ مِنْ هذا.

وقد قُرِئ " مفاتيح " بالياء وهي تؤيد أنَّ مفاتح جمع مفتاح، وإنما حُذِفَتْ مدَّتْه. وجَوَّز الواحدي أن يكون مفاتح جمع مَفْتَح بفتح الميم على أنه مصدر، قال بعد كلام حكاه عن أبي إسحاق: " فعلى هذا مفاتح جمع المَفْتح بمعنى الفتح " ، كأن المعنى: " وعنده فتوح الغيب " أي: هو يفتح الغيب على مَنْ يشاء من عباده. وقال أبو البقاء: " مفاتح جمع مَفْتَح، والمَفْتَحُ الخزانة، فأمَّا ما يُفتح به فهو المفتاحُ، وجمعه مفاتيح وقد قيل مَفْتح أيضاً " انتهى. يريد جمع مَفتح أي بفتح الميم. وقوله: " وقد قيل: مَفْتَح يعني أنها لغة قليلة في الآلة والكثير فيها المدُّ، وكان ينبغي أن يوضِّح عبارته فإنها موهمة ولذلك شرحتها....

قوله: { وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ } هذه الجملة تحتمل وجهين، أظهرهما: أنها حال من " رسلنا " والثاني: أنها استئنافية سيقت للإِخبار عنهم بهذه الصفة، والجمهور على التشديد في " يُفْرِّطون " ومعناه لا يُقَصِّرون. وقرأ عمرو بن عبيد والأعرج: " يُفْرِطون " مخففاً من أفرط، وفيها تأويلان أحدهما: أنها بمعنى لا يجاوزون الحدَّ فيما أُمِروا به. قال الزمخشري: " فالتفريط: التواني والتأخير عن الحدِّ،و الإِفراط: مجاوزة الحدِّ أي: لا يُنْقصون ممَّا أمروا به ولا يَزيدون " والثاني: أن معناه لا يتقدمون على أمر الله، وهذا يحتاج إلى نَقْلِ أنَّ أفرط بمعنى فَرَّط أي تَقَدَّم. وقال الجاحظ قريباً من هذا فإنه قال: " معنى لا يُفْرِطون: لا يَدَعون أحداً يفرُط عنهم أي: يَسْبقهم ويفوتهم " وقال أبو البقاء: " ويُقرأ بالتخفيف أي: لا يزيدون على ما أُمِروا به " وهو قريب مِمَّا تقدم.

اسامة محمد خيري
02-11-2018, 11:58
الجوهرة الخامسة بعد المائة

قال ابن عطية

تدعونه } ، والتضرع صفة بادية على الإنسان، { وخفية } معناه الاختفاء والسر، فكأن نسق القول: تدعونه جهراً وسراً هذه العبارة بمعان زائدة، وقرأ الجميع غير عاصم: " وخُفية " بضم الخاء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر " وخِفية " بكسر الخاء، وقرأ الأعمش: " وخيفة " من الخوف ...

وقال السمين

والصُّور: الجمهورُ على قراءته ساكنَ [العين] وقرأه الحسن البصري بفتحها، فأمَّا قراءة الجمهور فاختلفوا في معنى الصُّور فيها، فقال جماعة: الصُّور جمع صُورة كالصُّوف جمع صُوفة، والثُّوم جمع ثومة، وهذا ليس جمعاً صناعياً وإنا هو اسم جنس، إذ يُفَرَّق بينه وبين واحده بتاء التأنيث، وأيَّدوا هذا القولَ بقراءة الحسنِ المتقدمة.

وقال جماعةٌ: إن الصُّور هو القَرْن، قال بعضهم: هي لغة اليمنِ وأنشد:
1955- نحن نَطَحْناهُمْ غَداة الجَمْعَيْنْ بالشامخات في غبار النَّقْعَيْنْ
نَطْحاً شديداً لا كنطح الصُّوْرَيْن
وأيَّدوا ذلك بما ورد الأحاديث الصحيحة، قال عليه السلام: " كيف أَنْعَمُ وصاحبُ القَرْن قد التقمه " وقيل: في صفته إنه قَرْنٌ مستطيل فيه أبخاش، وأن أرواحَ الناس كلهم فيه، فإذا نفخ فيه إسرافيل خرجَتْ روحُ كلِّ جسدٍ من بخش من تلك الأبخاش. وأنحى أبو الهيثم على مَنْ ادَّعى أن الصُّور جمع صُوره فقال: " وقد اعترض قومٌ فأنكروا أن يكون الصُّور قرناً كما أنكروا العرش والميزان والصراط، وادَّعَوا أن الصور جمع الصورة كالصوف جمع الصوفة، ورَوَوْا ذلك عن أبي عبيدة، وهذا خطأٌ فاحشٌ وتحريفٌ لكلام الله عز وجل عن مواضعه لأن الله قال:{ وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ } [غافر: 64]{ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ } [الكهف: 99] فَمَنْ قرأها: " ونُفِخ في الصُّوَرِ " أي بالفتح، وقرأ " فَأَحْسَنَ صُوْرَكم " أي بالسكون فقد افترى الكذبَ على الله، وكان أبو عبيد صاحبَ أخبارٍ وغريب ولم يكن له معرفة بالنحو " قال الأزهري: " قد احتجَّ أبو الهيثم فأحسن الاحتجاج، ولا يجوز عندي غيرُ ما ذهب إليه وهو قول أهل السنة والجماعة " أنتهى، ولا ينبغي أن ينسب ذلك إلى هذه الغاية التي ذكرها أبو الهيثم. وقال الفراء: " يُقال: نَفَخ في الصور ونَفَخَ الصورَ " وأنشد:
1956- لولا ابنُ جَعْدَةَ لم يُفْتَح قُهَنْدُزُكُمْ ولا خراسانُ حتى يُنْفَخَ الصُّورُ
وفي المسألة كلامٌ أكثرُ من هذا تركتُه إيثاراً للاختصار.

اسامة محمد خيري
02-11-2018, 12:07
الجوهرة السادسة بعد المائة

قال ابن عطية

قال القاضي أبو محمد: وقد ثبت أن اسمه تارح فله على هذا القول اسمان كيعقوب وإسرائيل، وهو في الإعراب على هذا بدل من الأب المضاف في موضع خفض وهو اسم علم، وقال مجاهد بل هو اسم صنم وهو في موضع نصب بفعل مضمر تقديره: أتتخذ أصناماً.

قال القاضي أبو محمد: وفي هذا ضعف، وقال بعضهم بل هو صفة ومعناه هو المعوج المخطىء.

قال القاضي أبو محمد: ويعترض هذا بأن " آزر " إذا كان صفة فهو نكرة ولا يجوز أن تنعت المعرفة بالنكرة ويوجه ذلك على تحامل بأن يقال أريدت فيه الألف واللام وإن لم يلفظها، وإلى هذا أشار الزجّاج لأنه قدر ذلك فقال لأبيه المخطىء، وبأن يقال إن ذلك مقطوع منصوب بفعل تقديره اذن المعوج أو المخطىء، وإلا تبقى فيه الصفة بهذه الحال.

قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقيل نصبه على الحال كأنه قال: وإذ قال إبراهيم لأبيه وهو في حال عوج وخطأ، وقرأ أبي ابن كعب وابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم بضم الراء على النداء ويصح مع هذا أن يكون { آزر } اسم أبي إبراهيم، ويصح أن يكون بمعنى المعوج والمخطىء، وقال الضحاك: { آزر } بمعنى شيء، ولا يصح مع هذه القراءة أن يكون { آزر } صفة، وفي مصحف أبيّ " يا أزر " بثبوت حرف النداء " اتخذت أصناماً " بالفعل الماضي، وقرأ ابن عباس فيما روي عنه أيضاً: " أَزْراً تتخذ " بألف الاستفهام وفتح الهمزة من آزر وسكون الزاي ونصب الراء وتنوينها وإسقاط ألف الاستفهام من " اتخذ " ومعنى هذه القراءة عضداً وقوة مظاهرة على الله تعالى تتخذ، وهو من نحو قوله تعالى:{ أشدد به أزري } [طه:31] وقرأ أبو اسماعيل رجل من أهل الشام بكسر الهمزة من هذا الترتيب ذكرها أبو الفتح، ومعناها: أنها مبدلة من واو كوسادة وإسادة فكأنه قال: أوزراً ومأثماً تتخذ أصناماً، ونصبه على هذا بفعل مضمر، ورويت أيضاً عن ابن عباس، وقرأ الأعمش: " إزْراً تتخذ " بكسر الهمزة وسكون الزاي دون ألف توقيف....

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر " نرفع درجاتِ من نشاء " بإضافة الدرجات إلى { من } ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي " نرفع درجاتٍ من نشاء ".

قال القاضي أبو محمد: وهما مأخذان من الكلام، والمعنى المقصود بهما واحد،....

وقرأ جمهور الناس " تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون " بالتاء من فوق في الأفعال الثلاثة، فمن رأى أن الاحتجاج على بني إسرائيل استقامت له هذه القراءة وتناسقت مع قوله: { وعلمتم ما لم تعلموا } ومن رأي أن الاحتجاج إنما هو على كفار العرب فيضطر في هذه القراءة إذا لا يمكن دفعها إلى أن يقول إنه خرج من مخاطبة قريش في استفهامهم وتقريرهم إلى مخاطبة بني إسرائيل بتوبيخهم وتوبيخ أفعالهم.

قال القاضي أبو محمد: وهذا مع بعده أسهل من دفع القراءة، فكأنه على هذا التأويل قال لقريش من أنزل الكتاب على موسى، ثم اعترض على بني إسرائيل فقال لهم خلال الكلام تجعلونه أنتم يا بني إسرائيل قراطيس، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً " بالياء في الأفعال الثلاثة، فمن رأى الاحتجاج على قريش رآه إخباراً من الله عز جل بما فعلته اليهود من الكتاب، ويحتمل أن يكون الإخبار بذلك لقريش أو للنبي صلى الله عليه وسلم وحده، وما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن فأمته متلقية ذلك،

وقال الالوسي


قرأ { تجعلونه - وتبدون - وتخفون } ـــ بتاء الخطاب ـــ مَن عدا ابنَ كثير، وأبَا عمرو، ويعقوب، من العشرة، فإمّا أن يكون الخطاب لغير المشركين إذ الظاهر أن ليس لهم عمل في الكتاب الذي أنزل على موسى ولا باشروا إبداء بعضه وإخفاء بعضه فتعيّن أن يكون خطاباً لليهود على طريقة الإدماج أي الخروج من خطاب إلى غيره تعريضاً باليهود وإسماعاً لهم وإن لم يكونوا حاضرين من باب إياكَ أعنِي واسمَعي يا جارة، أو هو التفات من طريق الغيبة الّذي هو مقتضى المقام إلى طريق الخطاب. وحقّه أن يقال يجعلونه ـــ بياء المضارع للغائب ـــ كما قرأ غير هؤلاء الثّلاثة القرّاء. وإمّا أن يكون خطاباً للمشركين. ومعنى كونهم يجعلون كتابَ موسى قراطيس يبدون بعضها ويخفون بعضها أنّهم سألوا اليهود عن نبوءة محمّد صلى الله عليه وسلم فقرأوا لهم ما في التّوراة من التمسّك بالسبتِ، أي دين اليهود، وكتموا ذكر الرّسول صلى الله عليه وسلم الّذي يأتي من بعدُ، فأسند الإخفاء والإبداءُ إلى المشركين مجازاً لأنّهم كانوا مظهراً من مظاهر ذلك الإخفاء والإبداء. ولعلّ ذلك صدر من اليهود بعد أن دخل الإسلام المدينة وأسلم مَن أسلم من الأوس والخزرج، فعلم اليهود وبال عاقبة ذلك عليهم فأغروا المشركين بما يزيدهم تصميماً على المعارضة. وقد قدّمتُ ما يرجّح أنّ سورة الأنعام نزلت في آخر مدّة إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكّة، وذلك يوجب ظننّا بأنّ هذه المدّة كانت مبدأ مداخلة اليهود لقريش في مقاومة الدّعوة الإسلاميّة بمكّة حين بلغت إلى المدينة. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب { يجعلونه، ويُبدونها، ويخفون } ـــ بالتحتيّة ـــ فتكون ضمائرُ الغيبة عائدة إلى معروف عند المتكلّم، وهم يهود الزّمان الّذين عُرفوا بذلك

اسامة محمد خيري
02-11-2018, 12:18
الجوهرة السابعة بعد المائة



{ لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون }

قال ابو حيان فى تفسيره

قرأ جمهور السبعة { بينكم } بالرفع على أنه اتسع في الظرف وأسند الفعل إليه فصار اسماً كما استعملوه اسماً في قوله:{ ومن بيننا وبينك حجاب } [فصلت: 5] وكما حكى سيبويه هو أحمر بين العينين ورجحه الفارسي أو على أنه أريد بالبين الوصل أي لقد تقطع وصلكم قاله أبو الفتح والزهراوي والمهدوي وقطع فيه ابن عطية وزعم أنه لم يسمع من العرب البين بمعنى الوصل وإنما انتزع ذلك من هذه الآية أو على أنه أريد بالبين الافتراق وذلك مجاز عن الأمر البعيد، والمعنى: لقد تقطعت المسافة بينكم لطولها فعبر عن ذلك بالبين، وقرأ نافع والكسائي وحفص { بينكم } بفتح النون وخرجه الأخفش على أنه فاعل ولكنه مبني على الفتح حملاً على أكثر أحوال هذا الظرف وقد يقال لإضافته إلى مبني كقوله:{ ومِنَّا دون ذلك } [الجن: 11] وخرجه غيره على أن منصوب على الظرف وفاعل { تقطع } التقطع، قال الزمخشري: وقع التقطع بينكم كما تقول: جمع بين الشيئين تريد أوقع الجمع بينهما على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التأويل انتهى. وظاهره ليس بجيد وتحريره أنه أسند الفعل إلى ضمير مصدره فأضمره فيه لأنه إن أسنده إلى صريح المصدر، فهو محذوف فلا يجوز حذف الفاعل وهو مع هذا التقدير فليس بصحيح لأن شرط الإسناد مفقود فيه وهو تغاير الحكم والمحكوم عليه، ولذلك لا يجوز قام ولا جلس وأنت تريد قام هو أي القيام، وقيل: الفاعل مضمر يعود على الاتصال الدال عليه قوله: { شركاء } ولا يقدر الفاعل صريح المصدر كما قاله ابن عطية قال: ويكون الفعل مستنداً إلى شيء محذوف تقديره: لقد تقطع الاتصال والارتباط بينكم أو نحو هذا وهذا وجه واضح وعليه فسره الناس مجاهد والسدّي وغيرهما انتهى، وقوله إلى شيء محذوف ليس بصحيح لأن الفاعل لا يحذف، وأجاز أبو البقاء أن يكون بينكم صفة لفاعل محذوف أي لقد تقطع شيء بينكم أو وصل وليس بصحيح أيضاً لأن الفاعل لا يحذف والذي يظهر لي أن المسألة من باب الإعمال تسلط على { ما كنتم تزعمون } تقطع وضل فأعمل الثاني وهو ضل وأضمر في { تقطع } ضمير ما وهم الأصنام فالمعنى { لقد تقطع بينكم } { ما كنتم تزعمون } وضلوا عنكم كما قال تعالى:{ وتقطعت بكم الأسباب } [البقرة: 166] أي لم يبق اتصال بينكم وبين { ما كنتم تزعمون } أنهم شركاء فعبدتموهم وهذا إعراب سهل لم يتنبه له أحد، وقرأ عبد الله ومجاهد والأعمش { ما بينكم } والمعنى تلف وذهب ما { بينكم } وبين { ما كنتم تزعمون } ومفعولاً { تزعمون } محذوفان التقدير تزعمونهم شفعاء حذفاً للدلالة عليهما كما قال الشاعر:
تـرى حبهـم عـاراً علـيّ وتحسـب
أي وتحسبه عاراً

وقال ابن عطية
، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي " فمستقَر " بفتح القاف على أنه موضع استقرار، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " فمستقِر " بكسر القاف على أنه اسم فاعل، وأجمعوا على فتح الدال من " مستودَع " بأن يقدر موضع استيداع، وأن يقدر أيضاً مفعولاً ولا يصح ذلك في مستقر لأن استقر لا يتعدى فيبنى منه مفعول أما أنه روى هارون الأعور عن أبي عمرو " ومستودِع " بكسر الدال، فمن قرأ " فمستقَر ومستودِع " على أنها موضع استقرار وموضع استيداع علقها بمجرور تقديره فلكم مستقر ومستودع، ومن قرأ " فمستقِر ومستودع " على اسم الفاعل في " مستقِر " واسم المفعول في " مستودَع " علقها بمجرور تقديره فمنكم مستقر ومستودع....

وقوله تعالى: { انظروا } وهو نظر بصر يترتب عليه فكرة قلب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم " إلى ثَمَره " بفتح الثاء والميم وهو جمع ثمرة كبقرة وبقر وشجرة وشجر، وقرأ يحيى بن وثاب ومجاهد " ثُمُره " بضم الثاء والميم قالا وهي أصناف المال. قال القاضي أبو محمد: كأن المعنى انظروا إلى الأموال التي تتحصل منه....

قال السمين


قوله: " وجنَّات " الجمهور على كسر التاء من " جنات " لأنها منصوبة نسقاً على نبات أي: فأخرجنا بالماء النبات وجنات، وهو من عطف الخاص على العام تشريفاً لهذين الجنسين على غيرهما كقوله تعالى:{ وَمَلاغ¤ئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ } [البقرة: 98] وعلى هذا فقوله { وَمِنَ ظ±لنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ } جملةٌ معترضة وإنما جيء بهذه الجملة معترضة، وأبرزت في صورة المبتدأ والخبر تعظيماً للمِنَّة به؛ لأنه من أعظم قوت العرب؛ لأنه جامع بين التفكُّه والقوت، ويجوز أن ينتصب " جنات " نسقاً على " خضراً ". وجوَّز الزمخشري - وَجَعَلَهُ الأحسنَ - أن ينتصب على الاختصاص كقوله " والمقيمي الصلاة " قال: " بفضلِ هذين الصنفين " وكلامُهُ يُفْهم أن القراءة الشهيرة عنده برفع " جنات " ، والقراءة بنصبها شاذة، فإنه أولُ ما ذكر توجيهُ الرفع كما سيأتي، ثم قال: " وقرئ " وجنات " بالنصب " فذكر الوجهين المتقدمين.

وقرأ الأعمش ومحمد بن أبي ليلى وأبو بكر في رواية عنه عن عاصم " وجنات " بالرفع وفيها ثلاثة أوجه، أحدها: أنها مرفوعة بالابتداء، والخبر محذوف. واختلفت عبارة المعربين في تقديره: فمنهم مَنْ قَدَّره متقدِّماً، ومنهم من قَدَّره متأخراً، فقدَّره الزمخشري متقدماً أي: وثَمَّ جنات، وقدَّره أبو البقاء " ومن الكرم جنات " ، وهذا تقدير حسن لمقابلة قوله " ومن النخل " أي: من النخل كذا ومن الكرم كذا، وقَدَّره النحاس " ولهم جنَّات " ، وقدَّره ابن عطية: " ولكم جنات " ، ونظيره قراءة { وَحُورٌ عِينٌ } [الواقعة: 22] بعد قوله: { يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكوابٍ } أي: ولهم حورٌ عين، ومثل هذا اتَّفَقَ على جوازه سيبويهِ والكسائي والفراء.

وقدَّره متأخراً فقال: أي وجنات من أعناب أخرجناها. قال الشيخ: " ودل على تقديره [قوله] قبلُ " فأخرجنا " كما تقول: أكرمت عبد الله وأخوه أي: وأخوه أكرمته ". قلت: وهذا التقدير سبقه إليه ابن الأنباري، فإنه قال: " الجناتُ " رُفِعت بمضمر بعدها تأويلها: وجناتٌ من أعناب أخرجناها، فجرى مَجْرَى قول العرب: " أكرمت عبدَ الله وأخوه " تريد: وأخوه أكرمته. قال الفرزدق:
2020ـ غداةَ أحلَّتْ لابنِ أَصْرَمَ طَعْنَةٌ حصينٍ عَبيطاتِ السَّدائِفِ والخمرُ
فرفع " الخمر " وهي مفعولة، على معنى: والخمر أَحَلَّها الطعنة. الوجه الثاني: أن يرتفع عطفاً على " قنوان " ، تغليباً للجوار، كما قال الشاعر:
2021ـ...................... وزجَّجْنَ الحواجبَ والعيونا
فنسق " العيون " على " الحواجب " تغليباً للمجاورة، والعيونُ لا تُزَجَّج، كما أن الجنات من الأعناب لا يَكُنَّ من الطَّلْع، هذا نصُّ مذهب ابن الأنباري أيضاً، فتحصَّل له في الآية مذهبان، وفي الجملة فالجواب ضعيف، وقد تقدم أنه من خصائص النعت.

والثالث: أن يعطف على " قنوان ". قال الزمخشري: " على معنى: محاطة أو مُخْرجة من النخل قنوان، وجنات من أعناب أي: من نبات أعناب. قال الشيخ: " وهذا العطفُ هو على أن لا يُلْحَظَ فيه قيدٌ من النخل فكأنه قال: ومن النخل قنوان دانية وجنات من أعناب حاصلة كما تقول: " من بني تميم رجل عاقل ورجل من قريش منطلقان ". قلت: وقد ذكر الطبري أيضاً هذا الوجه أعني عطفها على " قنوان " ، وضعَّفه ابن عطية، كأنه لم يظهر له ما ظهر لأبي القاسم من المعنى المشار إليه، ومنع أبو البقاء عطفه على " قنوان " قال: " لأن العنب لا يخرج من النخل ". وأنكر أبو عبيد وأبو حاتم هذه القراءة. قال أبو حاتم: " هذه القراءة محال؛ لأن الجنات من الأعناب. لا تكون من النخل ". قلت: أمَّا جواب أبي البقاء فيما قاله الزمخشري، وأمَّا جوابُ أبي عبيد وأبي حاتم فيما تقدم من توجيه الرفع. و " من أعناب " صفة لجنات فتكون في محل رفع ونصب بحسب القراءتين، وتتعلق بمحذوف.

اسامة محمد خيري
02-11-2018, 12:30
الجوهرة الثامنة بعد المائة

{ وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَٰتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَٰنَهُ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ }

قال السمين

قوله تعالى: { شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ }: الجمهور على نصب " الجن " وفيه خمسة أوجه، أحدها: وهو الظاهر أنَّ " الجن " هو المفعول الأول، والثاني هو " شركاء " قُدِّم، و " لله " متعلِّق بشركاء. والجَعْل هنا بمعنى التصيير، وفائدةُ التقديم كما قالَه الزمخشري استعظامُ أن يُتَّخَذَ لله شريكٌ مَنْ كان مَلَكاً أو جنِّيَّاً أو إِنسِيَّاً ولذلك قُدِّم اسم الله على الشركاء " انتهى. ومعنى كونهم جعلوا الجن شركاء لله هو أنهم يعتقدون أنهم يخلقون من المضارِّ والحيَّات والسباع كما جاء في التفسير. وقيل: ثم طائفة من الملائكة يسمَّون الجن كان بعض العرب يعبدها.

الثاني: أن يكون " شركاء " مفعولاً أول و " لله " متعلقٌ بمحذوف على أنه المفعول الثاني، و " الجنّ " بدل من " شركاء " ، أجاز ذلك الزمخشري وابن عطية والحوفي وأبو البقاء ومكي بن أبي طالب، إلا أنَّ مكِّيَّاً لمَّا ذَكَرَ هذا الوجهَ جَعَلَ اللامَ مِنْ " لله " متعلقةً بجَعَلَ فإنه قال: " الجنَّ مفعولٌ أولُ لَجَعَلَ و " شركاءَ " مفعولٌ ثانٍ مقدَّم، واللام في " لله " متعلقة بشركاء، وإن شِئْتَ جَعَلْتَ " شركاء " مفعولاً أول، والجن بدلاً من شركاء، و " لله " في موضع المفعول الثاني، واللام متعلقة بجعل ". قلت: بعد أن جعل " لله " مفعولاً ثانياً كيف يُتَصَوَّر أن يَجْعَلَ اللامَ متعلقةً بالجعلِ؟ هذا ما لا يجوز لأنَّه لما صار مفعولاً ثانياً تعيَّنَ تعلُّقُهُ بمحذوف على ما عرفته غيرَ مرة. قال الشيخ: " وما أجاوزه - يعني الزمخشري ومن ذُكِرَ معه - لا يجوز؛ لأنه يصِحُّ للبدل أن يحلَّ محلَّ المبدل منه فيكونَ الكلام منتظماً، لو قلت: وجعلوا لله الجنَّ لم يَصِحَّ، وشرطُ البدل أن يكون على نية تكرار العامل على أشهر القولين أو معمولاً للعامل في المبدل منه على قول، وهذا لا يَصِحُّ هنا البتَةَ لِما ذكرنا " قلت: هذا القول المنسوب للزمخشري ومَنْ ذُكِرَ معه سبقهم إليه الفراء وأبو إسحاق فإنهما أجازا أن يكونا مفعولين قُدِّم ثانيهما على الأول وأجازا أن يكون " الجن " بدلاً من " الشركاء " ومفسِّراً للشركاء هذا نصُّ عبارتهم، وهو معنى صحيح أعني كونَ البدل مفسراً، فلا معنى لردِّ هذا القول، وأيضاً فقد رَدَّ هو على الزمخشري عند قوله تعالى{ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ } [المائدة: 117] فإنه لا يلزم في كل بدلٍ أن يحل مَحَلَّ المبدلِ منه، قال: " ألا ترى إلى تجويز النحويين " زيد مررت به أبي عبد الله " ولو قلت: " زيد مررت بأبي عبد الله " لم يجز إلا على رأي الأخفش " وقد سبق هذا في المائدة، فقد قرر/ هو أنه لا يلزم حلول البدل محلَّ المبدل منه فكيف يَرُدُّ به هنا؟

الثالث: أن يكون " شركاء " هو المفعول الأول و " الجن " هو المفعول الثاني، قاله الحوفي، وهذا لا يَصِحُّ لِما عرفت أن الأول في هذا الباب مبتدأ في الأصل والثاني خبر في الأصل، وتقرَّر أنه إذا اجتمع معرفة ونكرة جَعَلْتَ المعرفة مبتدأ والنكرة خبراً، من غير عكس إلا في ضرورة، تقدَّم التنبيه على الوارد منها.

الرابع: أن يكون " شركاء الجن " مفعولين على ما تقدَّم بيانه. و " لله " متعلق بمحذوف على أنه حال من " شركاء "؛ لأنه لو تأخر عنها لجاز أن يكون صفة لها قاله أبو البقاء، وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنه يصير المعنى: جعلوهم شركاء في حال كونهم لله أي: مملوكين، وهذه حال لازمة لا تنفك، ولا يجوز أن يقال إنها غير منتقلة لأنها مؤكدة إذ لا تأكيدَ فيها هنا، وأيضاً فإنَّ فيه تهيئةَ العامل في معمول وقَطْعَه عنه؛ فإن " شركاء " يطلب هذا الجارَّ ليعمل فيه والمعنى منصبٌّ على ذلك.

الخامس: أن يكون " الجنَّ " منصوباً بفعل مضمر جواب لسؤال مقدَّر، كأن سائلاً سأل فقال بعد قوله تعالى { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ }: مَنْ جعلوا لله شركاء؟ فقيل: الجنَّ، أي: جعلوا الجن، نقله الشيخ عن شيخه أبي جعفر بن الزبير، وجعله أحسن مما تقدَّم قال: " ويُؤَيِّد ذلك قراءةُ أبي حيوة ويزيد بن قطيب " الجنُّ " رفعاً على تقدير: هم الجن، جواباً لمن قال: [من] جعلوا لله شركاء؟ فقيل: هم الجن، ويكون ذلك على سبيل الاستعظام لما فعلوه والاستنقاص بمن جعلوه شريكاً لله تعالى. وقال مكي: " وأجاز الكسائي رفع " الجن " على معنى هم الجن " ، فلم يَرْوِها عنه قراءةً، وكأنه لم يطَّلع على أن غيرَه قرأها كذلك.

وقرأ شعيب بن أبي حمزة ويزيد بن قطيب وأبو حيوة في رواية عنهما أيضاً " شركاءَ الجنِّ " بخفض " الجن " ، قال الزمخشري: " وقرئ بالجر على الإِضافة التي للتبيين فالمعنى: أشركوهم في عبادتهم لأنهم أطاعوهم كما أطاعوا الله ". قال الشيخ: " ولا يتضح معنى هذه القراءة، إذ التقدير: وجعلوا شركاء الجن لله ". قلت: معناها واضح بما فسَّره الزمخشري في قوله، والمعنى: أَشْرَكوهم في عبادتهم إلى آخره ولذلك سَمَّاها إضافة تبيين، أي إنه بيَّن الشركاء كأنه قيل: الشركاء المطيعين للجن.

قوله: { وَخَلَقَهُمْ } الجمهور على " خَلَقَهم " بفتح اللام فعلاً ماضياً، وفي هذه الجملة احتمالان، أحدهما: أنها حالية فـ " قد " مضمرةٌ عند قومٍ وغير مضمرة عند آخرين.

والثاني: أنها مستأنفة لا محَلَّ لها، والضمير في " خلقهم " فيه وجهان، أحدهما: أنه يعود على الجاعلين أي: جعلوا له شركاء مع أنه خلقهم وأوجدهم منفرداً بذلك من غير مشاركة له في خلقهم فكيف يشركون به غيره ممَّن لا تأثيرَ له في خلقهم؟ والثاني: أنه يعود على الجن أي: والحال أنه خلق الشركاء فكيف يجعلون مخلوقه شريكاً له؟

وقرأ يحيى بن يعمر: " وَخَلْقهم " بسكون اللام. قال الشيخ: " وكذا في مصحف عبد الله ". قلت: قوله " وكذا في مصحف عبد الله " فيه نظر من حيث إن الشكل الاصطلاحي أعني ما يدل على الحركات الثلاث وما يدل على السكون كالجزء منه كانت مصاحفُ السَّلفِ منها مجردة، والضبط الموجود بين أيدينا اليوم أمرٌ حادث، يقال: إن أول مَنْ أحدثه يحيى بن يعمر، فكيف يُنسب ذلك لمصحف عبد الله بن مسعود؟ وفي هذه القراءة تأويلان أحدهما: أن يكون " خَلْقهم " مصدراً بمعنى اختلاقهم. قال الزمخشري: أي اختلاقهم للإِفك يعني: وجعلوا لله خَلْقَهم حيث نسبوا قبائحهم إلى الله في قولهم " والله أمَرَنا بها " انتهى. فيكون " لله " هو المفعول الثاني قُدِّم على الأول. والتأويل الثاني: أن يكون " خَلْقهم " مصدراً بمعنى مخلوقهم. فيكون عطفاً على " الجن " ، ومفعوله الثاني محذوف تقديره: وجعلوا مخلوقَهم وهو ما ينحِتون من الأصنام كقوله تعالى:{ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ } شركاءَ لله تعالى.

قوله تعالى: " وخَرَقوا " قرأ الجمهور " خَرَقوا " بتخفيف الراء ونافع بتشديدها. وقرأ ابن عباس بالحاء المهملة والفاء وتخفيف الراء، وابن عمر كذلك أيضاً إلا أنه شدد الراء، والتخفيف في قراءة الجماعة بمعنى الاختلاق. قال الفراء: " يقال خلق الإِفك وخَرَقه واختلقه وافتراه وافتعله وخَرَصَه بمعنى كَذَب فيه " ، والتشديد للتكثير لأن القائلين بذلك خلق كثير وجمٌّ غفير، وقيل: هما لغتان، والتخفيف هو الأصل. وقال الزمخشري: " ويجوز/ أن يكون مِنْ خرق الثوب إذا شقَّه أي: اشتقُّوا له بنين وبنات ". وأمَّا قراءة الحاء المهملة فمعناها التزوير أي: زوَّروا له أولاداً لأن المزوِّر محرِّف ومغيِّرٌ الحقَّ إلى الباطل.

اسامة محمد خيري
02-11-2018, 12:35
الجوهرة التاسعة بعد المائة

قال ابن عطية

وقرأت طائفة " ولْيقولوا درست " بسكون اللام على جهة الأمر ويتضمن التوبيخ والوعيد. وقرأ الجمهور " ولِيقولوا " بكسر اللام على أنها لام كي وهي على هذا لام الصيرورة كقوله{ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً } [القصص:8] إلى ذلك، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي " درست " أي يا محمد درست في الكتب القديمة ما تجيبنا به، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " دارست " أي أنت يا محمد دارست غيرك في هذه الأشياء أي قارأته وناظرته، وهذا إشارة منهم إلى سلمان وغيره من الأعاجم واليهود، وقرأ ابن عامر وجماعة من غير السبعة " درستْ " بإسناد الفعل إلى الآيات كأنهم أشاروا إلى أنها ترددت على أسماعهم حتى بليت في نفوسهم وامحت، قال أبو علي واللام في { ليقولوا } على هذه القراءة بمعنى لئلا يقولوا أي صرفت الآيات وأحكمت لئلا يقولوا هذه الأساطير قديمة قد بليت وتكررت على الأسماع، واللام على سائر القراءات لام الصيرورة، وقرأت فرقة " دارست " كأنهم أرادوا دراستك يا محمد أي الجماعة المشار إليها قبل من سلمان واليهود وغيرهم، وقرأت فرقة " درُست " بضم الراء وكأنها في معى درست أي بليت، وقرأ قتادة " دُرِست " بضم الدال وكسر الراء وهي قراءة ابن عباس بخلاف عنه ورويت عن الحسن، قال أبو الفتح في " درست " ضمير الآيات، ويحتمل أن يراد عفيت وتنوسيت، وقرأ أبي بن كعب " درس " وهي في مصحف عبد الله، قال المهدوي وفي بعض مصاحف عبد الله أيضاً " درس " ، ورويت عن الحسن، وقرأت فرقة " درّس " بتشديد الراء على المبالغة في درس، وهذه الثلاثة الأخيرة مخالفة لخط المصحف، واللام في قوله و { ليقولوا } وفي قوله { ولنبينه } متعلقان بفعل متأخر تقديره صرفناها، وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود " ولتبينه " بالتاء على مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأه فرقة " وليبينه " بياء أي الله تعالى, وذهب بعض الكوفيين إلى أن لا مضمرة بعد أن المقدرة في قوله { وليقولوا } فتقدير الكلام عندهم وأن لا يقولوا كما أضمروها في قوله{ يبين الله لكم أن تضلوا } [النساء:176].

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا قلق ولا يجيز البصريون إضمار لا في موضع من المواضع.

وقال ابن الجوزى فى زاده



فأما «دارست» فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «دارست» بالألف وسكون السين وفتح التاء ومعناها: ذاكرت أهل الكتاب. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: «درست» بسكون السين وفتح التاء، من غير ألف، على معنى: قرأت كتب أهل الكتاب. قال المفسرون: معناها: تعلمت من جبر، ويسار. وسنبين هذا في قوله:{ إنما يعلِّمه بشر } [النحل: 103] إن شاء الله. وقرأ ابن عامر، ويعقوب: «درست» بفتح الراء والسين وسكون التاء من غير ألف. والمعنى: هذه الأخبار التي تتلوها علينا قديمة قد درست. أي: قد مضت وامّحت. وجميع من ذكرنا فتح الدال في قراءته. وقد روي عن نافع أنه قال: «دُرِسَت» برفع الدال وكسر الراء وتخفيف التاء، وهي قراءة ابن يعمر؛ ومعناها: قُرئت. وقرأ أبي بن كعب: «دَرُسَتْ» بفتح الدال والسين وضم الراء وتسكين التاء. قال الزجاج: وهي بمعنى: «دَرَسَتْ» أي: امّحت؛ إلا أن المضمومة الراء أشد مبالغة. وقرأ معاذ القارىء، وأبو العالية، ومورِّق: «دُرِّسْتَ» برفع الدال، وكسر الراء وتشديدها ساكنة السين. وقرأ ابن مسعود، وطلحة بن مصرّف: «دَرَسَ» بفتح الراء والسين بلا ألف ولا تاء. وروى عصمة عن الأعمش: «دارس» بألف

وقال السمين

قوله { عَدْواً } الجمهور على فتح العين وسكون الدال وتخفيف الواو، ونصبه من ثلاثة أوجه أحدها: أنه منصوب على المصدر لأنه نوعُ من العامل فيه، لأن السَّبَّ من جنس العَدْوِ. والثاني: أنه مفعول من أجله أي لأجل العدو، وظاهر كلام الزجاج أنه خلط القولين فجعلهما قولاً واحداً، فإنه قال: " وعَدْواً منصوبٌ على المصدر لأن المعنى: فَتَعْدُوا/ عَدْواً " قال: " ويكون بإرادة اللام والمعنى: فيسُبُّوا الله للظلم. والثالث: أنه منصوب على أنه واقع موقع الحال المؤكدة لأن السَّبَّ لا يكون إلا عَدْواً. وقرأ الحسن وأبو رجاء ويعقوب وقتادة وسلام وعبد الله بن زيد " عُدُوَّاً " بضم العين والدال وتشديد الواو، وهو مصدرُ أيضاً لـ " عدا " وانتصابُه على ما تقدَّم من ثلاثة الأوجه. وقرأ ابن كثير في رواية - وهي قراءة أهل مكة فيما نقله النحاس - " عَدُوَّا " بفتح العين وضم الدال وتشديد الواو بمعنى أعداء، ونصبه على الحال المؤكدة و " عدوّ " يجوز أن يقع خبراً عن الجمع، قال تعالى:{ هُمُ ظ±لْعَدُوُّ } [المنافقون: 4] وقال تعالى{ إِنَّ ظ±لْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً } [النساء: 101]. ويقال: عَدا يَعْدُوا عَدْواً وعُدُوَّاً وعُدْواناً وعَداءً.

اسامة محمد خيري
02-11-2018, 12:44
الجوهرة العاشرة بعد المائة

وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ }


قال السمين

وقرأ العامَّة " أنها " بفتح الهمزة، وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر ـ بخلاف عنه ـ بكسرها. فأمَّا على قراءةِ الكسر فواضحةٌ استجودها الناس: الخليل وغيره؛ لأن معناها استئناف إخبار بعدم إيمان مَنْ طُبع على قلبه ولو جاءتهم كلُّ آية. قال سيبويه: " سألْتُ الخليل عن هذه القراءة ـ يعني قراءة الفتح ـ فقلت: ما منع أن يكون كقولك: ما يدريك أنه لا يفعل؟ فقال: لا يَحْسُن ذلك في هذا الموضع، إنما قال " وما يُشْعركم " ، ثم ابتدأ فأوجب فقال { إِنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } ولو فَتَح فقال: { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } لكان عُذْراً لهم ". وقد شرح الناس قولَ الخليل وأوضحوه فقال الواحدي وغيره: " لأنك لو فتحت " أنَّ " وجعلتها التي في نحو " بلغني أن زيداً منطلق " لكان عذراً لمن أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون، لأنه إذا قال القائل: " إن زيداً لا يؤمن " فقلت: وما يدريك أن لا يؤمن، كان المعنى أنَّه يؤمن، وإذا كان كذلك كان عذراً لمَنْ نفى عنه الإِيمان، وليس مرادُ الآية الكريمة إقامةَ عُذْرِهم ووجودَ إيمانهم. وقال الزمخشري " وقرئ " إنها " بالكسر، على أن الكلام قد تمَّ قبله بمعنى: وما يشعركم ما يكون منهم، ثم أخبرهم بعلمه فيهم فقال: إنها إذا جاءت لا يؤمنون ".

وأمَّا قراءة الفتح فقد وجَّهها الناس على ستة أوجه، أظهرها: أنها بمعنى لعلَّ...

فـ " أنَّ " في هذه المواضع كلها بمعنى لعلَّ، قالوا: ويدل على ذلك أنها في مصحف أُبَيّ وقراءته " وما أدراكم لعلَّها إذا جاءت لا يؤمنون " ونُقِلَ عنه: { وَمَا يُشْعِرُكُمْ لعلها إِذَا جَآءَتْ } ، ذكر ذلك أبو عبيد، وغيره، ورجَّحوا ذلك أيضاً بأنَّ " لعل " قد كَثُرَ ورودها في مثل هذا التركيب كقوله تعالى:{ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ظ±لسَّاعَةَ قَرِيبٌ } [الشورى: 17]{ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىظ° } [عبس: 3] وممَّنْ جعل " أنَّ " بمعنى " لعل " أيضاً يحيى بن زياد الفراء.

ورجَّح الزجاج ذلك، فقال: " زعم سيبويه عن الخليل أن معناها " لعلها " قال: " وهذا الوجه أقوى في العربية وأجود " ،/ ونسب القراءة لأهل المدينة، وكذا أبو جعفر. قلت: وقراءة الكوفيين والشاميين أيضاً، إلا أن أبا علي الفارسي ضعَّف هذا القول الذي استجوده الناس وقوَّوه تخريجاً لهذه القراءة فقال: " التوقع الذي تدل عليه " لعلَّ " لا يناسب قراءة الكسر لأنها تدل على حكمه تعالى عليهم بأنهم لا يؤمنون " ولكنه لمَّا منع كونها بمعنى " لعل " لم يجعلها معمولة لـ " يُشْعِركم " بل جعلها على حذف لام العلة أي لأنها، والتقدير عنده: قل إنما الآيات عند الله لأنها إذا جاءت لا يؤمنون، فهو لا يأتي بها لإِصْرارهم على كفرهم، فيكون نظير{ وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِظ±لآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ظ±لأَوَّلُونَ } [الإِسراء: 59] أي بالآيات المقترحة، وعلى هذا فيكون قوله " وما يُشْعركم " اعتراضاً بين العلة والمعلول.

الثاني: أن تكون " لا " مزيدةً، وهذا رأيُ الفراء وشيخه قال: " ومثله{ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } [الأعراف: 12] أي: أن تسجد، فيكون التقدير: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون، والمعنى على هذا: أنها لو جاءت لم يؤمنوا، وإنما حملها على زيادتها ما تقدَّم من أنها لو تُقَدَّر زائدةً لكان ظاهرُ الكلام عذراً للكفار وأنهم يُؤْمنون، كما عرَفْتَ تحقيقَه أولاً. إلا أن الزجاج نسب ذلك إلى الغلط فقال " والذي ذكر أن " لا " لغوٌ غالط، لأنَّ ما يكون لغواً لا يكون غيرَ لغو، ومَنْ قرأ بالكسر فالإِجماع على أن " لا " غير لغو " فليس يجوز أن يكون معنى لفظة مرةً النفيَ ومرةً الإِيجابَ في سياق واحد.....

الثالث: أن الفتح على تقديرِ لامِ العلة، والتقدير: إنما الآيات التي يقترحونها عند الله لأنها إذا جاءت لا يؤمنون، وما يُشْعركم اعتراض، كما تقدَّم تحقيق ذلك عن أبي علي فأغنى عن إعادته، وصار المعنى: إنما الآيات عند الله أي المقترحة لا يأتي بها لانتفاء إيمانهم وإصرارهم على كفرهم.

الرابع: أنَّ في الكلام حذفَ معطوفٍ على ما تقدَّم. قال أبو جعفر في معانيه: " وقيل في الكلام حذف، المعنى: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون " فحذف هذا لعلم السامع، وقَدَّره غيره: ما يشعركم بانتفاء الإِيمان أو وقوعه.

الخامس: أنَّ " لا " غير مزيدة، وليس في الكلام حَذْفٌ بل المعنى: وما يدريكم انتفاء إيمانهم، ويكون هذا جواباً لمن حكم عليهم بالكفر أبداً ويئس من إيمانهم. وقال الزمخشري: " وما يشعركم وما يدريكم أنها - أن الآيات التي يقترحونها - إذا جاءت لا يؤمنون بها، يعني: أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها وأنتم لا تَدْرُون بذلك، وذلك أن المؤمنين كانوا حريصين على إيمانهم وطامعين فيه إذا جاءت تلك الآية ويتمنَّون مجيئها فقال عز وجل: " وما يدريكم أنهم لا يؤمنون " على معنى: أنكم لا تَدْرُوْنَ ما سَبَقَ علمي بهم أنهم لا يؤمنون، ألا ترى إلى قوله:{ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [الأنعام: 110] انتهى. قلت بَسْطُ قولِه إنهم كانوا يطمعون في إيمانهم ما جاء في التفسير أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنزل علينا الآية التي قال الله فيها { إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ظ±لسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ } ونحن والله نؤمن فأنزل الله تعالى: وما يُشْعركم إلى آخرها/. وهذا الوجه هو اختيار الشيخ فإنه قال: " ولا يحتاج الكلام إلى زيادة " لا " ولا إلى هذا الإِضمار " - يعني حَذْفَ المعطوف - " ولا إلى " أنَّ " بمعنى لعلَّ، وهذا كله خروج عن الظاهر لغير ضرورةٍ، بل حَمْلُه على الظاهر أَوْلى وهو واضح سائغ أي: وما يشعركم ويدريكم بمعرفة انتفاء إيمانهم لا سبيل لكم إلى الشعور بها ".

السادس: أنَّ " ما " حرف نفي، يعني أنه نَفَى شعورَهم بذلك، وعلى هذا فيُطْلَبُ لـ " يُشْعركم " فاعلٌ.

فقيل: هو ضمير الله تعالى أُضْمر للدلالة عليه، وفيه تكلُّفٌ بعيد أي: وما يُشْعِرُكم الله أنها إذا جاءت الآيات المقترحة لا يؤمنون. وقد تقدَّم في البقرة كيفيةُ قراءةِ أبي عمرو لـ{ يُشْعِرُكُمْ } [الأنعام: 109] و{ يَنصُرْكُمُ } [آل عمران: 160] ونحوِهما عند قوله{ إِنَّ ظ±للَّهَ يَأْمُرُكُمْ } [البقرة: 67]، وحاصلها ثلاثة أوجه: الضم الخالص، والاختلاس، والسكون المحض.

وقرأ الجمهور: " لا يؤمنون " بياء الغيبة، وابن عامر وحمزة بتاء الخطاب، وقرآ أيضاً في الجاثية [الآية: 6]{ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ظ±للَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ } بالخطاب، وافقهما عليها الكسائي وأبو بكر عن عاصم، والباقون بالياء للغيبة، فَتَحَصَّل من ذلك أنَّ ابن عامر وحمزة يقرآن بالخطاب في الموضعين، وأنَّ نافعاً وابن كثير وأبا عمرو وحفصاً عن عاصم بالغيبة في الموضعين، وأن الكسائي وأبا بكر عن عاصم بالغيبة هنا وبالخطاب في الجاثية، فقد وافقا أحد الفريقين في إحدى السورتين والآخر في أخرى.

فأما قراءة الخطاب هنا فيكون الظاهر من الخطاب في قوله " وما يشعركم " أنه للكفار، ويتضح معنى هذه القراءة على زيادة " لا " أي: وما يُشْعركم أنكم تؤمنون إذا جاءت الآيات التي طلبتموها كما أَقْسَمْتُمْ عليه ويتضح أيضاً على كونِ " أنَّ " بمعنى لعلَّ مع كون " لا " نافيةً، وعلى كونِها علةً بتقديرِ حَذْفِ اللامِ أي: إنما الآيات عند الله فلا يأتيكم بها؛ لأنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، ويتضح أيضاً على كون المعطوف محذوفاً أي: وما يدريكم بعدم إيمانكم إذا جاءت الآيات أو وقوعه، لأنَّ مآل أمرِكم مُغَيَّبٌ عنكم فكيف تُقْسِمون على الإِيمان عند مجيء الآيات؟ وإنما يُشْكل إذا جَعَلْنا " أنَّ " معمولةً لـ " يُشْعركم " وجَعَلْنَا " لا " نافيةً غير زائدة، إذ يكون المعنى: وما يدريكم أيها المشركون بانتفاء إيمانكم إذا جاءتكم، ويزول هذا الإِشكال بأنَّ المعنى: أيُّ شيء يدريكم بعدم إيمانكم إذا جاءتكم الآيات التي اقترحتموها؟ يعني لا يمرُّ هذا بخواطركم، بل أنتم جازِمُون بالإِيمان عند مجيئها لا يَصُدُّكم عنه صادٌّ، وأنا أعلم أنكم لا تؤمنون وقت مجيئها لأنكم مطبوعٌ على قلوبكم.

وأمَّا على قراءة الغَيْبة فتكون الهمزةُ معها مكسورةً، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي بكر عن عاصم، ومفتوحة وهي قراءة نافع والكسائي وحفص عن عاصم.

فعلى قراءة ابن كثير ومَنْ معه يكون الخطاب في " وما يشعركم " جائزاً فيه وجهان، أحدهما: أنه خطاب للمؤمنين أي: وما يشعركم أيها المؤمنون إيمانهم، ثم استأنف إخباراً عنهم بأنهم لا يؤمنون فلا تَطْمعوا في إيمانهم والثاني: أنه للكفار أي: وما يُشْعركم أيُّها المشركون ما يكون منكم، ثم استأنف إخباراً عنهم بعدم الإِيمان لعلمه السابق فيهم، وعلى هذا ففي الكلام التفاتٌ من خطاب إلى غيبة.

وعلى قراءة نافع يكون الخطابُ للكفار، وتكون " أنَّ " بمنى لعلَّ، كذا قاله أبو شامة وغيره.

وقال الشيخ في هذه القراءة: " الظاهر أن الخطاب للمؤمنين، والمعنى: وما يدريكم أيها المؤمنون أن الآية التي تقترحونها إذا جاءت لا يؤمنون " يعني أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، ثم ساق كلام الزمخشري بعينه الذي قَدَّمْتُ ذِكْرَه عنه في الوجه الخامس قال: " ويبعد جداً أن يكون الخطاب في " وما يشعركم " للكفار ". قلت: إنما استبعده لأنه لم يَرَ في " أنَّ " هذه أنها بمعنى لعل كما حكيتُه عنه. وقد جعل الشيخُ في مجموع { أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } بالنسبة إلى كسر الهمزة وفتحِها والخطاب والغَيْبة أربع قراءات قال: " وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والعليمي والأعشى عن أبي بكر، وقال ابن/ عطية: " ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية داود الإِيادي: إنها بكسر الهمزة، وقرأ باقي السبعة بفتحها، وقرأ ابن عامر وحمزة " لا تؤمنون " بتاء الخطاب والباقون بياء الغيبة، فترتَّب أربع قراءات: الأولى: كَسْرُ الهمزة والياء وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي بكر بخلاف عنه في كسر الهمزة " ثم قال: " القراءة الثانية: كَسْرُ الهمزة والتاء وهي رواية العليمي والأعشى عن أبي بكر عن عاصم، والمناسب أن يكون الخطاب للكفار في هذه القراءة كأنه قيل: وما يدريكم أيها الكفار ما يكون منكم؟ ثم أخبرهم على جهة الجزم أنهم لا يؤمنون على تقدير مجيئها، ويبعد جداً أن يكون الخطاب في " وما يُشْعركم " للمؤمنين وفي " تؤمنون " للكفار. ثم ذكر القراءة الثالثة نظرٌ لا يخفى: وذلك أنه لَمَّا حكى قراءة الخطاب في " تؤمنون " لم يحكها إلا عن حمزة وابنِ عامر فقط، ولم يدخل معهما أبو بكر لا من طريق العليمي والأعشى ولا من طريق غيرهما، والفرض أن حمزة وابن عامر يفتحان همزة " أنها " ، وأبو بكر يكسرها ويفتحها، ولكنه لا يقرأ " يؤمنون " إلا بياء الغيبة فمن أين تجيء لنا قراءةٌ بكسر الهمزة والخطاب؟ وإنما أتيتُ بكلامه برُمَّته ليُعْرَفَ المأخذ عليه ثم إني جَوَّزْتُ أن تكون هذه روايةً رواها فكشفتُ كتابه في القراءات، وكان قد أفرد فيه فصلاً انفرد به العليمي في روايته، فلم يذكر أنه قرأ " تؤمنون " بالخطاب البتة، ثم كشفت كتباً في القراءات عديدةً فلم أرهم ذكروا ذلك فعرفتُ أنه لَمَّا رأى للهمزة حالتين ولحرف المضارعة في " يؤمنون " حالتين ضرب اثنين في اثنين فجاء من ذلك أربعُ قراءات ولكن إحداهما مهملة....

انتهى الجزء السابع

اسامة محمد خيري
02-11-2018, 17:15
ترجيحات للطبري فى النصف الثانى من الجزء السابع غفلنا عنها قبل الانتقال للجزء الثامن

1:وأولى القراءتين بالصواب عندي في «السبيل» الرفع، لأن الله تعالى ذكره فصّل آياته في كتابه وتنزيله، ليتبَيَّن الحقّ بها من الباطل جميع من خوطب بها، لا بعض دون بعض. ومن قرأ «السبيل» بالنصب، فإنما جعل تبيين ذلك محصوراً على النبيّ صلى الله عليه وسلم. وأما القراءة في قوله { وَلِتَسْتَبِينَ } فسواء قُرِئت بالتاء أو بالياء، لأن من العرب من يذكر السبيل وهم تميم وأهل نجد، ومنهم من يؤنث السبيل وهم أهل الحجاز، وهما قراءتان مستفيضتان في قرّاء الأمصار ولغتان مشهورتان من لغات العرب، وليس في قراءة ذلك بإحداهما خلاف لقراءته بالأخرى ولا وجه لاختيار إحداهما على الأخرى بعد أن يرفع السبيل للعلة التي ذكرنا.......

2:{ يَقُصُّ الحَقَّ } ، وقال نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ. وقرأ ذلك جماعة من قرّاء الكوفة والبصرة «إن الحُكْمُ إلاَّ لِلّهِ يَقْضِي الحَقَّ» بالضاد من القضاء بمعنى الحكم والفصل بالقضاء. واعتبروا صحة ذلك بقوله { وَهُوَ خَيْرُ الفاصلِين } َ وأن الفصل بين المختلفين إنما يكون بالقضاء لا بالقصص. وهذه القراءة عندنا أولى القراءتين بالصواب لما ذكرنا لأهلها من العلة. فمعنى الكلام إذن ما الحكم فيما تستعجلون به أيها المشركون من عذاب الله وفيما بيني وبينكم، إلاَّ لله الذي لا يجور في حكمه، وبيده الخلق والأمر، يقضي الحقّ بيني وبينكم، وهو خير الفاصلين بيننا بقضائه وحكمه.....

3:وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال عني بقوله { وما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ } مشركو قريش. وذلك أن ذلك في سياق الخبر عنهم أوّلاً، فأن يكون ذلك أيضاً خبراً عنهم أشبه من أن يكون خبراً عن اليهود ولما يجر لهم ذكر يكون هذا به متصلاً، مع ما في الخبر عمن أخبر الله عنه في هذه الآية من إنكاره أن يكون الله أنزل على بشر شيئاً من الكتب وليس ذلك مما تدين به اليهود، بل المعروف من دين اليهود الإقرار بصحف إبراهيم وموسى وزبور داود. وإذا لم يكن بما روي من الخبر بأن قائل ذلك كان رجلاً من اليهود خبر صحيح متصل السند، ولا كان على أن ذلك كان كذلك من أهل التأويل إجماع، وكان الخبر من أوّل السورة ومبتدئَها إلى هذا الموضع خبراً عن المشركين من عبدة الأوثان، وكان قوله { وَما قَدَرُوا حَقَّ اللّهَ قَدْرِهِ } موصولاً بذلك غير مفصول منه، لم يجز لنا أن ندّعي أن ذلك مصروف عما هو به موصول إلاَّ بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل ولكني أظنّ أن الذين تأوّلوا ذلك خبراً عن اليهود، وجدوا قوله «قُلْ مَنْ أنزل الكتابَ الَّذِي جاء بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى للنَّاسِ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيراً وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ وَلا آباؤكُمْ» فوجهوا تأويل ذلك إلى أنه لأهل التوراة، فقرءوه على وجه الخطاب لهم { تجعلونه قراطِيس تبدونها وتخفون كثيراً وعلَّمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم } فجعلوا ابتداء الآية خبراً عنهم، إذ كانت خاتمتها خطاباً لهم عندهم. وغير ذلك من التأويل والقراءة أشبه بالتنزيل، لما وصفت قبل من أن قوله { وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } في سياق الخبر عن مشركي العرب وعبدة الأوثان، وهو به متصل، فالأولى أن يكون ذلك خبراً عنهم. والأصوب من القراءة في قوله «يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيراً» أن يكون بالياء لا بالتاء، على معنى أن اليهود يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً، ويكون الخطاب بقوله { قُلْ منْ أنزلَ الكتابَ } لمشركي قريش. وهذا هو المعنى الذي قصده مجاهد إن شاء الله في تأويل ذلك، وكذلك كان يقرأ. حدثني المثنى، قال ثنا الحجاج بن المنهال، قال ثنا حماد، عن أيوب، عن مجاهد أنه كان يقرأ هذا الحرف «يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيراً». القول في تأويل قوله تعالى «قُلْ مَنْ أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى للنَّاسِ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيراً». يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم { قُلْ } يا محمد لمشركي قومك القائلين لك ما أنزل على بشر من شيء، قل { مَنْ أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا } يعني جلاء وضياء من ظلمة الضلالة { وَهُدًى للنَّاسِ } يقول بياناً للناس، يبين لهم له الحقّ من الباطل فيما أشكل عليهم من أمر دينهم، يجعلونه قراطيس يبدونها.

فمن قرأ ذلك { تَجْعَلُونَهُ } جعله خطاباً لليهود على ما بيَّنت من تأويل من تأوّل ذلك كذلك، ومن قرأه بالياء «يَجْعَلُونَهُ» فتأويله في قراءته يجعله أهله قراطيس، وجرى الكلام في «يبدونها» بذكر القراطيس، والمراد منه المكتوب في القراطيس، يراد يبدون كثيراً مما يكتبون في القراطيس، فيظهرونه للناس ويخفون كثيراً مما يثبتونه في القراطيس فيسرّونه ويكتمونه الناس. ومما كانوا يكتمونه إياهم ما فيها من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوّته....

4:وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه { وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ } بتأويل قرأت وتعلمت لأن المشركين كذلك كانوا يقولون للنبيّ صلى الله عليه وسلم وقد أخبر الله عن قيلهم ذلك بقوله{ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِيّ مُبِينٌ } فهذا خبر من الله ينبىء عنهم أنهم كانوا يقولون إنما يتعلم محمد ما يأتيكم به من غيره. فإذ كان ذلك كذلك، فقراءة { وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ } يا محمد، بمعنى تعلمت من أهل الكتاب، أشبه بالحقّ وأولى بالصواب من قراءة من قرأه «دَارَسْتَ» بمعنى قارأتهم وخاصمتهم، وغير ذلك من القراءات. .....

5:وأولى التأويلات في ذلك بتأويل الآية، قول من قال ذلك خطاب من الله للمؤمنين به من أصحاب رسوله، أعنى قوله { وَما يُشْعِرُكُمْ أنَّها إذَا جاءَتْ لا يُؤمِنُونَ } ، وأن قوله «أنها» بمعنى «لعلها». وإنما كان ذلك أولى تأويلاته بالصواب لاستفاضة القراءة في قرّاء الأمصار بالياء من قوله { لا يُؤْمِنُونَ } ولو كان قوله { وَما يُشْعِرُكُمْ } خطاباً للمشركين، لكانت القراءة في قوله { لا يُؤْمِنُونَ } بالتاء، وذلك وإن كان قد قرأه بعض قراء المكيين كذلك، فقراءة خارجة عما عليه قرّاء الأمصار، وكفى بخلاف جميعهم لها دليلاً على ذهابها وشذوذها. وإنما معنى الكلام وما يدريكم أيها المؤمنون لعلّ الآيات إذا جاءت هؤلاء المشركين لا يؤمنون فيعاجَلوا بالنقمة والعذاب عند ذلك ولا يؤخَّروا به.....

ملحوظة

لايجوز رد قراءة متواترة

ملحوظة اخري

قال القرطبي فى الاية

والجَهْد (بفتح الجيم): المشقّة؛ يقال: فعلت ذلك بجَهْد. والجُهْد (بضمها): الطاقة يقال: هذا جُهْدي، أي طاقتي. ومنهم من يجعلهما واحداً، ويحتج بقوله:{ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ } [التوبة: 79]. وقرىء «جَهْدهم» بالفتح؛ عن ظ±بن قتيبة.

الي اللقاء باذن الله مع الجزء الثامن

اسامة محمد خيري
02-11-2018, 17:59
الجزء الثامن

الجوهرة الحادية عشر بعد المائة


{ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ }

قال ابن عطية

وقرأ نافع وابن عامر وغيرهما " قِبَلاً " بكسر القاف وفتح الباء، ومعناه مواجهة ومعاينة قاله ابن عباس، وغيره نصبه على الحال، وقال المبرد: المعنى ناحية كما تقول له قبل فلان دين.

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: فنصبه على هذا هو على الظرف، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وغيرهم " قُبُلاً " بضم القاف والباء، وكذلك قرأ ابن كثير وأبو عمرو هنا وقرأ{ العذاب قبلاً } [الكهف:55] مكسورة القاف واختلف في معناه فقال عبد الله بن زيد ومجاهد وابن زيد: " قبل " جمع قبيل أي صنفاً صنفاً ونوعاً نوعاً كما يجمع قضيب على قضب وغيره، وقال الفراء والزجّاج هو جميع قبيل وهو الكفيل " وحشرنا عليهم كل شيء كفلاء " بصدق محمد وذكره الفارسي وضعفه، وقال بعضهم قبل الضم بمعنى قبل بكسر القاف أي مواجهة كما تقول قبل ودبر، ومنه قوله تعالى:{ قدّ من قبل } [يوسف:26] ومنه قراءة ابن عمر{ لقبل عدتهن } [الطلاق:1] أي لاستقبالها ومواجهتها في الزمن وقرأ الحسن وأبو رجاء وأبو حيوة " قُبْلاً " بضم القاف وسكون الباء، وذلك على جهة التخفيف.

وقرأ طلحة بن مصرف " قَبْلاً " بفتح القاف وإسكان الباء، وقرأ أبيّ والأعمش " قبيلاً " بفتح القاف وكسر الباء وزيادة ياء، والنصب في هذه كله على الحال، ...

وقال الطبري


وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين والبصريين { وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } بضم القاف والباء. وإذا قرىء كذلك كان له من التأويل ثلاثة أوجه أحدها أن يكون القُبُل جمع قَبِيل كالرُّغُف التي هي جمع رغيف، والقُضُب التي هي جمع قضيب، ويكون القُبُل الضمناء والكفلاء وإذا كان ذلك معناه، كان تأويل الكلام وحشرنا عليهم كلّ شيء كفلاء يكفلون لهم بأن الذي نعدُهم على إيمانهم بالله إن آمنوا أو نوعدهم على كفرهم بالله إن هلكوا على كفرهم، ما آمنوا إلا أن يشاء الله. والوجه الآخر أن يكون «القُبُل» بمعنى المقابلة والمواجهة، من قول القائل أتيتك قُبُلاً لا دُبُراً، إذا أتاه من قِبَل وجهه. والوجه الثالث أن يكون معناه وحشرنا عليهم كلّ شيء قبيلة قبيلة، صنفاً صنفاً، وجماعة جماعة. فيكون القُبُل حينئذٍ جمع قَبيل الذي هو جمع قبيلة، فيكون القُبل جمع الجمع. وبكلّ ذلك قد قالت جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال معنى ذلك معاينة. حدثني المثنى، قال ثنا عبد الله بن صالح، قال ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس { وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } يقول معاينة. حدثنا بشر، قال ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قتادة { وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } حتى يعاينوا ذلك معاينة { ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلاَّ أنْ يَشاءَ اللّهُ }. ذكر من قال معنى ذلك قبيلة قبيلة صنفاً صنفاً. حدثني المثنى، قال ثنا إسحاق، قال ثنا عبد الله بن يزيد، من قرأ { قُبُلاً } معناه قبيلاً قبيلاً. حدثنا القاسم، قال ثنا الحسين، قال ثني حجاج، عن ابن جريج، قال قال مجاهد { قُبُلاً } أفواجاً، قبيلاً قبيلاً. حدثني المثنى، قال ثنا إسحاق، قال ثنا أحمد بن يونس، عن أبي خيثمة، قال ثنا أبان بن تغلب، قال ثني طلحة أن مجاهداً قرأ في الأنعام { كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } قال قبائل، قبيلاً قبيلاً وقبيلاً. ذكر من قال معناه مقابلة. حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله { وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتَى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } يقول لو استقبلهم ذلك كله، لَمْ يُؤْمِنُوا إلاَّ أنْ يَشاءَ اللّهُ. حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد، في قوله { وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } قال حشروا إليهم جميعاً، فقابلوهم وواجهوهم. حدثني المثنى، قال ثنا إسحاق، قال ثنا عبد الله بن يزيد، قرأ عيسى { قُبُلاً } ومعناه عياناً. وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندنا، قراءة من قرأ { وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } بضمّ القاف والباء لما ذكرنا من احتمال ذلك الأوجه التي بينا من المعاني، وأن معنى القِبَلِ داخل فيه، وغير داخل في القِبَلِ معاني القُبُل....

وقال ابن عطية
{ ولتصغى إليه } معناه لتميل يقال صغى يصغى وأصلها يصغى بكسر العين لكن رده حرف الحلق إلى الفتح ويقال صغى يصغو وأصغى يصغي ويصغى و { أفئدة } جمع فؤاد و " يقترفون " معناه يواقعون ويجترحون، وهي مستعملة أكثر ذلك في الشر والذنوب ونحوه، والقراء على كسر اللام في الثلاثة الأفعال على أنها لام كي، فإما أن تكون معطوفة على{ غروراً } [الأنعام:112]، وإما أن تكون متعلقة بفعل مؤخر تقديره فعلوا ذلك أو جعلنا ذلك، فهي لام صيرورة قاله الزجّاج، ولا يحتمل أن تكون هذه اللامات على هذه القراءة لام الأمر وضمنها الوعيد، وتبقى في " لتصغى " على نحو ما جاء من ذلك في قول الشاعر:

ألم يأتيك الخ..............
إلى غير ذلك مما قد قرىء به، قال أبو الفتح قرأها الحسن بالتسكين في الثلاثة وهي لام كي وهي معطوفة على قوله{ غروراً } [الأنعام:112] التقدير لأجل الغرور " ولْتصغى " وإسكان هذه اللام شاذ في الاستعمال قوي في القياس.

قال القاضي أبو محمد: ويظهر أن تحمل قراءة الحسن بسكون اللامات الثلاثة على أنها لام الأمر المضمن الوعيد والتهديد، والخط على هذه القراءة " ولتصغ " ذكر أبو عمر الداني أن تسكينه في اللامات الثلاثة وكذلك قال أبو الفتح وذكر أن الحسن إنما يسكن اللامين الثانية والثالثة.

قال القاضي أبو محمد: وذلك يخالفه خط المصحف في " ولتصغى ".

قال القاضي أبو محمد: ويتحصل أن يسكن اللام في { ولتصغى } على ما ذكرناه في قراءة الجماعة، قال أبو عمرو: وقراءة الحسن إنما هي " لتصغي " بكسر الغين، وقراءة إبراهيم النخعي " لتُصغي " بضم التاء وكسر الغين من أصغى يصغي، وكذلك قرأ الجراح بن عبد الله

اسامة محمد خيري
02-11-2018, 18:14
الجوهرة الثانية عشر بعد المائة

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }


قال السمين

والذي تُحْمَلُ عليه هذه القراءة ما تقدَّم من المختار وهو النصب بمضمر. وفاعل " يُضِلّ " على هذه القراءة ضمير يعود على الله تعالى على معنى يجده ضالاً أو يخلُق فيه الضلال، لا يُسأل عما يَفعل. ويجوز أن يكون ضمير " مَنْ " أي: أعلم مَنْ يضلُّ الناس. والمفعول محذوف. وأمَّا على القراءة الشهيرة فالفاعل ضمير " مَنْ " فقط. و " مَنْ " يجوز أن تكون موصولةً وهو الظاهر، وأن تكون نكرةً موصوفة، ذكره أبو البقاء....

قوله { لَّيُضِلُّونَ } قرأ الكوفيون بضم الياء، وكذا التي في يونس [الآية: 88]{ رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ } والباقون بالفتح، وسيأتي لذلك نظائر في إبراهيم وغيرها، و القراءتان واضحتان فإنه يقال: ضَلَّ في نفسه وأضلَّ غيره، فالمفعول محذوف على قراءة الكوفيين، وهي أبلغُ في الذمِّ فإنها تتضمَّن قُبْحَ فِعْلهم حيث ضلَّوا في أنفسهم وأَضَلُّوا غيرهم كقوله تعالى:{ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ظ±لسَّبِيلِ } [المائدة: 77] وقراءةُ الفتح لا تحوج إلى حذف فرجَّحها بعضهم بهذا، وأيضاً فإنهم أجمعوا على الفتح في ص عند قوله{ إِنَّ ظ±لَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ظ±للَّهِ } [الآية: 26].....

قال ابن عطية

وقرأ جمهور الناس والسبعة سوى ابن كثير " ضيِّقاً " بكسر الياء وتشديدها، وقرأ ابن كثير " ضيْقاً " بسكون الياء وكذلك قرأ في الفرقان، قال أبو علي وهما بمنزلة الميِّت والميْت، قال الطبري وبمنزلة الهيِّن والليِّن والهيْن والليْن، قال ويصح أن يكون الضيق مصدراً من قولك ضاق والأمر يضيق ضيقاً وضيقاً، وحكي عن الكسائي أنه قال الضِّيق بشد الضاد وكسرها في الأجرام والمعاش، والضَّيِق بفتح الضاد: في الأمور والمعاني....

اسامة محمد خيري
02-11-2018, 18:40
الجوهرة الثالثة عشر بعد المائة

{ وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ }


قال القرطبي

في الآية أربع قراءات، أصحها قراءة الجمهور: «وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ» وهذه قراءة أهل الحرمين وأهل الكوفة وأهل البصرة. «شركاؤهم» رفع بـ«زين»؛ لأنهم زَيّنوا ولم يقتلوا. «قَتْل» نصب بـ«زين» و«أولادهم» مضاف إلى المفعول، والأصل في المصدر أن يضاف إلى الفاعل؛ لأنه أحدثه ولأنه لا يستغنى عنه ويستغنى عن المفعول؛ فهو هنا مضاف إلى المفعول لفظاً مضافٌ إلى الفاعل معنًى؛ لأن التقدير زَيّن لكثير من المشركين قتلهم أولادهم شركاؤهم، ثم حذف المضاف وهو الفاعل كما حذف من قوله تعالى:{ لاَّ يَسْأَمُ ظ±لإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ظ±لْخَيْرِ } [فصلت: 49] أي من دعائه الخير. فالهاء فاعلة الدعاء، أي لا يسأم الإنسان من أن يدعو بالخير. وكذا قوله: زيّن لكثير من المشركين في أن يقتلوا أولادهم شركاؤهم. قال مكيّ: وهذه القراءة هي الاختيار؛ لصحة الإعراب فيها ولأن عليها الجماعة. القراءة الثانية «زُيّن» (بضم الزاي). «لكثير من المشركين قتلُ» (بالرفع). «أولادِهم» بالخفض. «شركاؤهم» (بالرفع) قراءة الحسن. ظ±بنُ عامر وأهل الشام «زُيّنَ» بضم الزاي «لكثير من المشركين قتلُ أولادَهم برفع «قتل» ونصب «أولادهم». «شركائهم» بالخفض فيما حكى أبو عبيد؛ وحكى غيره عن أهل الشام أنهم قَرءوا «وكذلك زُيّنَ» بضم الزاي «لكثير من المشركين قتلُ» بالرفع «أولادِهم» بالخفض «شركائهم» بالخفض أيضاً. فالقراءة الثانية قراءة الحسن جائزة، يكون «قتل» ظ±سم ما لم يُسم فاعله، «شركاؤهم»؛ رفع بإضمار فعل يدل عليه «زَيّنَ»، أي زيّنه شركاؤهم. ويجوز على هذا ضُرِب زيدٌ عمروٌ، بمعنى ضربه عمرو، وأنشد سيبويه:
لِيُبْك يَزِيـدُ ضارِعٌ لخصومـةٍ
أي يبكيه ضارع. وقرأ ابن عامر وعاصم من رواية أبي بكر{ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِظ±لْغُدُوِّ وَظ±لآصَالِ * رِجَالٌ } [النور: 36-37] التقدير يسبحه رجال. وقرأ إبراهيم بن أبي عَبْلَة{ قُتِلَ أَصْحَابُ ظ±لأُخْدُودِ * ظ±لنَّارِ ذَاتِ ظ±لْوَقُودِ } [البروج: 4 ـ 5] بمعنى قتلهم النار. قال النحاس: وأما ما حكاه أبو عبيد عن ابن عامر وأهل الشام فلا يجوز في كلام ولا في شعر، وإنَّمَا أجاز النحويون التفريق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف لأنه لا يَفصِل، فأما بالأسماء غير الظروف فلَحْنٌ.

قال مَكِّيّ: وهذه القراءة فيها ضعف للتفريق بين المضاف والمضاف إليه؛ لأنه إنما يجوز مثل هذا التفريق في الشعر مع الظروف لاتساعهم فيها وهو في المفعول به في الشعر بعيد، فإجازته في القراءة أبعد. وقال المهدوِيّ: قراءة ابن عامر هذه على التفرقة بين المضاف والمضاف إليه، ومثله قول الشاعر:
فزَجَجْتُها بِمزجّة زَجَّ القَلوصَ أبي مَزادة
يريد: زجّ أبي مزادة القَلوصَ. وأنشد:
تَمُرّ على ما تستمر وقد شفت غلائلَ عبدُ القيس منها صُدُورِها
يريد شفت عبدُ القيس غلائل صدورها. وقال أبو غانم أحمد بن حمدان النحوي: قراءة ظ±بن عامر لا تجوز في العربية؛ وهي زلّة عالم، وإذا زل العالم لم يجز ظ±تباعه، ورُدّ قوله إلى الإجماع، وكذلك يجب أن يُرَدّ من زلّ منهم أو سها إلى الإجماع؛ فهو أولى من الإصرار على غير الصواب. وإنما أجازوا في الضرورة للشاعر أن يفرق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف؛ لأنه لا يفصل. كما قال:
كما خُطّ الكتاب بكفِّ يوماً يَهودِيٍّ يُقَارِبُ أو يُزيلُ
وقال آخر:
كأنّ أصواتَ مِن إيغالهن بنا أواخِرِ المَيْسِ أصواتُ الفَرارِيج
وقال آخر:
لمّا رأت سَاتيدَما ظ±ستعبَرَتْ لِلَّهِ دَرُّ اليومَ مَن لاَمَها
وقال القشيري: وقال قوم هذا قبيح، وهذا محال، لأنه إذا ثبتت القراءة بالتواتر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فهو الفصيح لا القبيح. وقد ورد ذلك في كلام العرب وفي مصحف عثمان «شركائهم» بالياء وهذا يدل على قراءة ابن عامر. وأضيف القتل في هذه القراءة إلى الشركاء؛ لأن الشركاء هم الذين زيّنوا ذلك وَدَعَوْا إليه؛ فالفعل مضاف إلى فاعله على ما يجب في الأصل، لكنه فرق بين المضاف والمضاف إليه، وقدّم المفعول وتركه منصوباً على حاله؛ إذْ كان متأخراً في المعنى، وأخر المضاف وتركه مخفوضاً على حاله؛ إذْ كان متقدّماً بعد القتل. والتقدير: وكذلك زُيّن لكثير من المشركين قَتْلُ شركائهم أولادَهم. أي أَنْ قتلَ شركاؤهم أولادَهم. قال النحاس: فأما ما حكاه غير أبي عبيد (وهي القراءة الرابعة) فهو جائز. على أن تبدل شركاءهم من أولادهم؛ لأنهم شركاؤهم في النسب والميراث....

وقال الطبري

والقراءة التي لا أستجيز غيرها { وكذلكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكيِنَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤهُمْ } بفتح الزاي من «زيَّن» ونصب «القتل» بوقوع «زيَّن» عليه وخفض «أولادهم» بإضافة «القتل» إليهم، ورفع «الشركاء» بفعلهم لأنهم هم الذين زينوا للمشركين قتل أولادهم على ما ذكرت من التأويل. وإنما قلت لا أستجيز القراءة بغيرها لإجماع الحجة من القرّاء عليه، وأن تأويل أهل التأويل بذلك ورد، ففي ذلك أوضح البيان على فساد ما خالفها من القراءة. ولولا أن تأويل جميع أهل التأويل بذلك ورد ثم قرأ قارىء «وكذلكَ زُيَّنَ لِكَثير مِنَ المُشْرِكينَ قَتْلُ أوْلادِهِمْ شُرَكائِهمْ» بضم الزاي من «زيَّن» ورفع «القتل» وخفض «الأولاد» «والشركاء»، على أن «الشركاء» مخفوضون بالردّ على «الأولاد» بأن «الأولاد» شركاء آبائهم في النسب والميراث كان جائزاً. ولو قرأه كذلك قارىء، غير أنه رفع «الشركاء» وخفض «الأولاد» كما يقال ضُرِب عبد الله أخوك، فيظهر الفاعل بعد أن جرى الخبر بما لم يسمّ فاعله، كان ذلك صحيحاً في العربية جائزاً.

قال ابن عطية

وقرأ جمهور الناس " حِجْر " بكسر الحاء وسكون الجيم، وقرأ قتادة والحسن والأعرج " حُجْر " بضم الحاء وسكون الجيم، وقرأ ابن عباس وأبيّ وابن مسعود وابن الزبير والأعمش وعكرمة وعمرو بن دينار " جِرْج " بكسر الحاء وتقديم الراء على الجيم وسكونها، فالأولى والثانية بمعنى التحجير وهو المنع والتحريم، والأخيرة من الحرج وهو التضييق والتحريم، وكانت هذه الأنعام على ما قال ابن زيد محللة للرجال محرمة على النساء، وقيل كانت وقفاً لمطعم سدنة بيوت الأصنام وخدمتها، حكاه المهدوي، فذلك المراد بقوله { من نشاء } وقوله { بزعمهم } أي بتقولهم الذي هو أقرب إلى الباطل منه إلى الحق، و " زعمهم " هنا هو في قولهم " حجر " وتحريمهم بذلك ما لم يحرم الله تعالى...

والهاء في { خالصة } قيل هي للمبالغة كما هي في رواية غيرها، وهذا كما تقول فلان خالصتي وإن كان باب هاء المبالغة أن يلحق بناء مبالغة كعلامة ونسابة وبصيرة ونحوه، وقيل هي لتأنيث الأنعام إذ ما في بطونها أنعام أيضاً، وقيل هي على تأنيث لفظ { ما } لأن { ما } واقعة في هذا الموضع موقع قولك جماعة وجملة، وقرأ جمهور القراء والناس " خالصةٌ " بالرفع، وقرأ عبد الله بن مسعود وابن جبير وابن أبي عبلة والأعمش " خالصٌ " دون هاء ورفع هاتين القراءتين على خبر الابتداء.

وقرأ ابن عباس بخلاف والأعرج وقتادة وسفيان بن حسين " خالصةً " بالنصب، وقرأ سعيد بن جبير فيما ذكر أبو الفتح " خالصاً " ونصب هاتين القراءتين على الحال من الضمير الذي في قوله { في بطون } ، وذلك أن تقدير الكلام: وقالوا ما استقر هو في بطون هذه الأنعام فحذف الفعل وحمل المجرور الضمير، والحال من الضمير والعامل فيها معنى الاستقرار، قال أبو الفتح ويصح أن يكون حالاً من { ما } على مذهب أبي الحسن في إجازته تقديم الحال على العامل فيها، وقرأ ابن عباس أيضاً وأبو حيوة والزهري " خالصه " بإضافة " خالص " إلى ضمير يعود على { ما } ، ومعناه ما خلص وخرج حياً، والخبر على قراءة من نصب " خالصة " في قوله { لذكورنا } ...

اسامة محمد خيري
03-11-2018, 09:44
الجوهرة الرابعة عشر بعد المائة

سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ }

قال الرازى

المسألة الأولى: اعلم أن المعتزلة زعموا أن هذه الآية تدل على قولهم في مسألة إرادة الكائنات من سبعة أوجه: فالوجه الأول: أنه تعالى حكى عن الكفار صريح قول المجبرة وهو قولهم: لو شاء الله منا أن لا نشرك لم نشرك، وإنما حكى عنهم هذا القول في معرض الذم والتقبيح، فوجب كون هذا المذهب مذموماً باطلاً. والوجه الثاني: أنه تعالى قال: { كَذَّبَ } وفيه قراءتان بالتخفيف وبالتثقيل. أما القراءة بالتخفيف فهي تصريح بأنهم قد كذبوا في ذلك القول، وذلك يدل على أن الذي تقوله المجبرة في هذه المسألة كذب. وأما القراءة بالتشديد، فلا يمكن حملها على أن القوم استوجبوا الذم بسبب أنهم كذبوا أهل المذاهب، لأنا لو حملنا الآية عليه لكان هذا المعنى ضداً لمعنى الذي يدل عليه قراءة { كَذَّبَ } بالتخفيف، وحينئذ تصير إحدى القراءتين ضداً للقراءة الأخرى، وذلك يوجب دخول التناقض في كلام الله تعالى، وإذا بطل ذلك وجب حمله على أن المراد منه أن كل من كذب نبياً من الأنبياء في الزمان المتقدم، فإنه كذبه بهذا الطريق، لأنه يقول الكل بمشيئة الله تعالى، فهذا الذي أنا عليه من الكفر، إنما حصل بمشيئة الله تعالى، فلم يمنعني منه، فهذا طريق متعين لكل الكفار المتقدمين والمتأخرين في تكذيب الأنبياء، وفي دفع دعوتهم عن أنفسهم، فإذا حملنا الآية على هذا الوجه صارت القراءة بالتشديد مؤكدة للقراءة بالتخفيف ويصير مجموع القراءتين دالاً على إبطال قول المجبرة.....

والجواب المعتمد في هذا الباب أن نقول: إنا بينا أن هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على صحة قولنا ومذهبنا، ونقلنا في كل آية ما يذكرونه من التأويلات وأجبنا عنها بأجوبة واضحة قوية مؤكدة بالدلائل العقلية القاطعة. وإذا ثبت هذا، فلو كان المراد من هذه الآية ما ذكرتم، لوقع التناقض الصريح في كتاب الله تعالى فإنه يوجب أعظم أنواع الطعن فيه. إذا ثبت هذا فنقول: إنه تعالى حكى عن القوم أنهم قالوا { لَوْ شَاء ظ±للَّهُ مَا أَشْرَكْنَا } ثم ذكر عقيبه { كَذظ°لِكَ كَذَّبَ ظ±لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } فهذا يدل على أن القوم قالوا لما كان الكل بمشيئة الله تعالى وتقديره، كان التكليف عبثاً، فكانت دعوى الأنبياء باطلة، ونبوتهم ورسالتهم باطلة، ثم إنه تعالى بين أن التمسك بهذا الطريق في إبطال النبوة باطل، وذلك لأنه إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا اعتراض عليه لأحد في فعله، فهو تعالى يشاء الكفر من الكافر، ومع هذا فيبعث إليه الأنبياء ويأمره بالإيمان، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع.

فالحاصل: أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم يتمسكون بمشيئة الله تعالى في إبطال نبوة الأنبياء، ثم إنه تعالى بين أن هذا الاستدلال فاسد باطل، فإنه لا يلزم من ثبوت المشيئة لله في كل الأمور دفع دعوة الأنبياء، وعلى هذا الطريق فقط سقط هذا الاستدلال بالكلية، وجميع الوجوه التي ذكرتموها في التقبيح والتهجين عائد إلى تمسككم بثبوت المشيئة لله على دفع دعوة الأنبياء، فيكون الحاصل: أن هذا الاستدلال باطل، وليس فيه البتة ما يدل على أن القول بالمشية باطل. فإن قالوا: هذا العذر إنما يستقيم إذ قرأنا قوله تعالى: { كَذظ°لِكَ كَذَّبَ } بالتشديد. وأما إذا قرأناه بالتخفيف، فإنه يسقط هذا العذر بالكلية فنقول فيه وجهان. الأول: أنا نمنع صحة هذه القراءة، والدليل عليه أنا بينا أن هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على قولنا: فلو كانت هذه الآية دالة على قولهم، لوقع التناقض، ولخرج القرآن عن كونه كلاماً لله تعالى، ويندفع هذا التناقض بأن لا تقبل هذه القراءة، فوجب المصير إليه. الثاني: سلمنا صحة هذه القراءة لكنا نحملها على أن القوم كذبوا في أنه يلزم من ثبوت مشيئة الله تعالى في كل أفعال العباد سقوط نبوة الأنبياء وبطلان دعوتهم، وإذا حملناه على هذا الوجه لم يبق للمعتزلة بهذه الآية تمسك البتة، والحمد لله الذي أعاننا على الخروج من هذه العهدة القوية....

قلت انا اسامة خيري المعتزلة رجحوا قراءة التخفيف لانها تنصر ان ماقالوه كذب لا من التكذيب الذى رجحه اهل السنة هذا قصد الرازى ولنا بحث عميق جدا وطويل جدا عن اسرار علم الكلام فى القرآن

اسامة محمد خيري
03-11-2018, 09:59
الجوهرة الخامسة عشر بعد المائة

{ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }

قال ابن عطية

الإشارة هي إلى الشرع الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بجملته، وقال الطبري: الإشارة هي إلى هذه الوصايا التي تقدمت من قوله{ قل تعالوا أتل } [الأنعام:151] قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو " وأنّ هذا " بفتح الهمزة وتشديد النون " صراطي " ساكن الياء, وقرأ حمزة والكسائي " وإنّ " بكسر الألف وتشديد النون، وقرأ عبد الله بن أبي إسحاق وابن عامر من السبعة " وأنْ " بفتح الهمزة وسكون النون " صراطيَ " مفتوح الياء، فأما من فتح الألف فالمعنى عنده كأنه قال ولأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، أي اتبعوه لكونه كذا وتكون الواو على هذا إنما عطفت جملة، ويصح غير هذا أن يعطف على { أن لا تشركوا } وكأن المحرم من هذا اتباع السبيل والتنكيب عن الصراط الأقوم، ومن قرأ بتخفيف النون عطف على قوله { أن لا تشركوا } ومذهب سيبويه أنها المخففة من الثقيلة، وأن التقدير وأنه هذا صراطي، ومن قرأ بكسر الألف وتشديد النون فكأنه استأنف الكلام وقطعه من الأول، وفي مصحف ابن مسعود " وهذا صراطي " بحذف أن،

وقال ابن الجوزى فى زاده


قوله تعالى: { تماماً على الذي أحسن } في قوله «تماماً» قولان.

أحدهما: أنها كلمة متصلة بما بعدها، تقول: أعطيتك كذا تماماً على كذا، وتماما لكذا، وهذا قول الجمهور.

والثاني: أن قوله «تماماً»: كلمة قائمة بنفسها غير متصلة بما بعدها، والتقدير: آتينا موسى الكتاب تماماً، أي: في دفعة واحدة لم نفرِّق إنزاله كما فُرِّق إنزال القرآن، ذكره أبو سليمان الدمشقي.

وفي المشار إليه بقوله { أحسن } أربعة أقوال.

أحدها: أنه الله عز وجل. ثم في معنى الكلام قولان. أحدهما: تماماً على إحسان الله إلى أنبيائه، قاله ابن زيد. والثاني: تماما على إحسان الله تعالى إلى موسى، وعلى هذين القولين، يكون { الذي } بمعنى «ما».

والقول الثاني: أنه إبراهيم الخليل عليه السلام، فالمعنى: تماماً للنعمة على إبراهيم الذي أحسن في طاعة الله، وكانت نُبُوَّة موسى نعمة على إبراهيم، لأنه من ولده ذكره الماوردي.

والقول الثالث: أنه كل محسن من الانبياء، وغيرهم. وقال مجاهد: تماماً على المحسنين، أي: تماماً لكل محسن. وعلى هذا القول، يكون «الذي» بمعنى «مَن» و«على» بمعنى لام الجر؛ ومن هذا قول العرب: أتم عليه، وأتم له، قال الراعي:
رعته أشهرا وخلا عليها
أي: لها.

قال ابن قتيبة: ومثل هذا أن تقول: أوصي بمالي للذي غزا وحج؛ تريد: للغازين والحاجِّين.

والقول الرابع: أنه موسى، ثم في معنى { أحسن } قولان.

أحدهما: أَحْسَنَ في الدنيا بطاعة الله عز وجل. قال الحسن، وقتادة: تماما لكرامته في الجنة إلى إحسانه في الدنيا. وقال الربيع: هو إحسان موسى بطاعته. وقال ابن جرير: تماماً لنعمنا عنده على إحسانه في قيامه بأمرنا ونهينا.

والثاني: أحْسَنَ من العلم وكُتُبَ اللهِ القديمةِ؛ وكأنه زيد على ما أحسنه من التوراة؛ ويكون «التمام» بمعنى الزيادة، ذكره ابن الانباري. فعلى هذين القولين يكون «الذي» بمعنى: «ما».

وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو رزين، والحسن، وابن يعمر: «على الذي أحسنُ»، بالرفع. قال الزجاج: معناه على الذي هو أحسن الأشياء.

وقرأ عبد الله بن عمرو، وأبو المتوكل، وأبو العالية: «على الذي أُحْسِنَ» برفع الهمزة وكسر السين وفتح النون؛ وهي تحتمل الإحسان، وتحتمل العلم

اسامة محمد خيري
03-11-2018, 10:08
الجوهرة السادسة عشر بعد المائة

قال القرطبي

قوله تعالىٰ: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } قرأه حمزة والكِسائي فارقوا بالألف، وهي قراءة عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه؛ من المفارقة والفراق. على معنى أنهم تركوا دينهم وخرجوا عنه. وكان عليّ يقول: واللَّهِ ما فرّقوه ولكن فارقوه. وقرأ الباقون بالتشديد؛ إلاَّ النَّخَعِيّ فإنه قرأ «فَرَقوا» مُخَفَّفاً؛ أي آمنوا ببعض وكفروا ببعض

وقال الطبري


اختلف القرّاء في قراءة قوله { فَرَّقُوا } فرُوي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، ما حدثنا ابن وكيع، قال ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن دينار، أن عليًّا رضي الله عنه، قرأ «إنَّ الَّذِينَ فارَقُوا دينَهُمْ». حدثنا ابن وكيع، قال ثنا جرير، قال قال حمزة الزيات، قرأها عليّ رضي الله عنه «فارَقُوا دِينَهُمْ». وقال ثنا الحسن بن عليّ، عن سفيان، عن قتادة «فارَقُوا دينَهُمْ». وكأن عليًّا ذهب بقوله «فارَقُوا دينَهُمْ» خرجوا فارتدّوا عنه من المفارقة. وقرأ ذلك عبد الله بن مسعود، كما حدثنا ابن وكيع، قال ثنا يحيى بن رافع، عن زهير، قال ثنا أبو إسحاق أن عبد الله كان يقرؤها { فَرَّقُوا دينَهُمْ }. وعلى هذه القراءة، أعني قراءة عبد الله، قرّاء المدينة والبصرة وعامة قرّاء الكوفيين. وكأن عبد الله تأوّل بقراءته ذلك كذلك أن دين الله واحد، وهو دين إبراهيم الحنيفية المسلمة، ففرّق ذلك اليهود والنصارى، فتهوّد قوم، وتنصَّر آخرون، فجعلوه شيعاً متفرّقة. والصواب من القول في ذلك أن يقال إنهما قراءتان معروفتان، قد قرأتْ بكلّ واحدة منهما أئمة من القرّاء، وهما متفقتا المعنى غير مختلفتيه. وذلك أن كلّ ضالّ فلدينه مفارق، وقد فرّق الأحزاب دين الله الذي ارتضاه لعباده، فتهوّد بعض، وتنصَّر آخرون، وتمجّس بعض، وذلك هو التفريق بعينه ومصير أهله شيعاً متفرّقين غير مجتمعين، فهم لدين الله الحقّ مفارقون وله مفرّقون فبأيّ ذلك قرأ القارىء فهو للحقّ مصيب، غير أنّي أختار القراءة بالذي عليه عظم القرّاء، وذلك تشديد الراء مِن «فرّقوا

اسامة محمد خيري
03-11-2018, 10:26
الجوهرة السابعة عشر بعد المائة

سورة الاعراف



آتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أوْلِيَآءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ }

قال السمين

وقرأ الجحدري: " ابتَغُوا " بالغين المعجمة من الابتغاء

وقال القرطبي

{ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ } اللام لام القسم، والجواب «لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ». وقيل: «لَمَنْ تَبِعَكَ» لام توكيد. «لأَمْلأَنّ» لام قَسَم. والدليل على هذا أنه يجوز في غير القراءة حذف اللام الأولىظ°، ولا يجوز حذف الثانية. وفي الكلام معنىظ° الشرط والمجازاة؛ أي من تبعك عذبته. ولو قلت: من تبعك أعذبه لم يجز؛ إلا أن تريد لأعذبه. وقرأ عاصم من رواية أبي بكر بن عَيَّاش «لِمن تبِعك منهم» بكسر اللام. وأنكره بعض النحويين. قال النحاس: وتقديره ـ والله أعلم ـ من أجل من تبعك. كما يقال أكرمت فلاناً لك. وقد يكون المعنى: الدّحر لمن تبعك.

{ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـظ°ذِه الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ }

قال ابن عطية

وقرأ جمهور الناس " ملَكين " بفتح اللام وقرأ ابن عباس ويحيى بن أبي كثير والضحال " مِلكين " بكسر اللام، ويؤيد هذه القراءة قوله في آية أخرى{ وملك لا يبلى } [طه:120].

اسامة محمد خيري
03-11-2018, 12:31
الجوهرة الثامنة عشر بعد المائة

قال ابن الجوزى

وأكثر القراء قرؤوا: «وريشاً». وقرأ ابن عباس، والحسن وزرّ بن حبيش، وقتادة، والمفضل، وأبان عن عاصم: «ورياشاً» بألف. قال الفراء: يجوز أن تكون الرياش جمع الريش، ويجوز أن تكون بمعنى الريش كما قالوا: لِبس، ولباس.

قال الشاعر:
فلما كَشَفْنَ اللِّبْس عنه مَسَحْنَهُ بأطراف طَفْل زانَ غَيْلاً مُوَشَّماً
قال ابن عباس، ومجاهد: «الرياش»: المال؛ وقال عطاء: المال والنعيم. وقال ابن زيد الريش: الجَمال؛ وقال معبد الجهني: الريش: الرزق؛ وقال ابن قتيبة: الريش والرياش: ما ظهر من اللباس. وقال الزجاج: الريش: اللباس وكل ما ستر الإِنسان في جسمه ومعيشته. يقال: تريَّش فلان، أي: صار له ما يعيش به. أنشد سيبويه:
رياشي منكُم وهوايَ مَعْكُمْ وإن كَانَتْ زيارتُكم لِماما
وعلى قول الأكثرين: الريش والرياش بمعنى. قال قطرب: الريش والرياش واحد. وقال سفيان الثوري: الريش: المال، والرياش: الثياب.

قوله تعالى: { ولباس التقوى } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة: «ولباسُ التقوى» بالرفع. وقرأ ابن عامر، ونافع، والكسائي: بنصب اللباس. قال الزجاج: من نصب اللباس، عطف به على الريش؛ ومن رفعه، فيجوز أن يكون مبتدأً، ويجوز أن يكون مرفوعاً باضمار: هو؛ المعنى: وهو لباس التقوى، أي: وستر العورة لباس المتقين....

وقال الطبري

وهذه القراءة أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب، أعني نصب قوله «وَلِباسَ التَّقْوَى» لصحة معناه في التأويل على ما بينت، وأن الله إنما ابتدأ الخبر عن إنزاله اللباس الذي يواري سوآتنا والرياش توبيخاً للمشركين الذين كانوا يتجرّدون في حال طوافهم بالبيت، ويأمرهم بأخذ ثيابهم والاستتار بها في كلّ حال مع الإيمان به واتباع طاعته، ويعلمهم أن كلّ ذلك خير من كلّ ما هم عليه مقيمون من كفرهم بالله وتعرّيهم، لا أنه أعلمهم أن بعض ما أنزل إليهم خير من بعض.

وما يدلّ على صحة ما قلنا في ذلك الآيات التي بعد هذه الآية، وذلك قوله{ يا بَني آدَمَ لايَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كمَا أخُرَجَ أبَوَيْكُمْ مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوآتِهِما } وما بعد ذلك من الآيات إلى قوله { وأنْ تَقُولُوا على اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ } فإنه جلّ ثناؤه يأمر في كلّ ذلك بأخذ الزينة من الثياب واستعمال اللباس وترك التجرّد والتعرّي وبالإيمان به واتباع أمره والعمل بطاعته، وينهي عن الشرك به واتباع أمر الشيطان مؤكداً في كل ذلك ما قد أجمله في قوله { يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوَارِي سَوآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباس التَّقْوَى ذلكَ خَيْرٌ }. وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله «وَلِباسَ التَّقْوَى» استشعار النفوس تقوى الله في الانتهاء عما نهى الله عنه من معاصيه والعمل بما أمر به من طاعته وذلك يجمع الإيمان والعمل الصالح والحياء وخشية الله والسمت الحسن، لأن من اتقى الله كان به مؤمناً وبما أمره به عاملاً ومنه خائفاً وله مراقباً، ومن أن يرى عند ما يكرهه من عباده مستحيياً. ومن كان كذلك ظهرت آثار الخير فيه، فحسن سمته وهديه ورُؤيت عليه بهجة الإيمان ونوره. وإنما قلنا عنى بلباس التقوى استشعار النفس والقلب ذلك لأن اللباس إنما هو ادّراع ما يلبس واحتباء ما يكتسي، أو تغطية بدنه أو بعضه به، فكلّ من ادّرع شيئاً أو احتبى به حتى يرى هو أو أثره عليه، فهو له لابس ولذلك جعل جلّ ثناؤه الرجال للنساء لباساً وهنّ لهم لباساً، وجعل الليل لعباده لباساً. ذكر من تأوّل ذلك بالمعنى الذي ذكرنا من تأويله إذا قرىء قوله { وَلِباسُ التَّقْوَى } رفعاً حدثني محمد بن الحسين، قال ثنا أحمد بن المفضل، قال ثنا أسباط، عن السديّ { وَلِباسُ التَّقْوَى } الإيمان { ذلكَ خَيْرٌ } يقول ذلك خير من الرياش واللباس يواري سوآتكم....

وقال ابن عطية

قال الحسن بن أبي الحسن وقتادة وابن عباس ومجاهد: المراد بقوله: { كما بدأكم تعودون } الإعلام بالبعث أي كما أوجدكم واخترعكم كذلك يعيدكم بعد الموت فالوقف على هذا التأويل { تعودون } ، و { فريقاً } نصب بـ { هدى } ، والثاني منصوب بفعل تقديره: وعذب فريقاً أو أضل " فريقاً حق عليهم " ، وقال ابن عباس أيضاً وأبو العالية ومحمد بن كعب ومجاهد أيضاً وسعيد بن جبير والسدي وجابر بن عبد الله وروي معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم: المراد بقوله { كما بدأكم تعودون } الإعلام بأن أهل الشقاء والكفر في الدنيا الذين كتب عليهم هم أهل الشقاء في الآخرة وأهل السعادة والإيمان الذين كتب لهم في الدنيا هم أهلها في الآخرة لا يتبدل من الأمور التي أحكمها ودبرها وأنفذها شيء، فالوقف في هذا التأويل في قوله { تعودون } غير حسن، و { فريقاً } على هذا التأويل نصب على الحال والثاني عطف على الأول، وفي قراءة أبي بن كعب " تعودون فريقين فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة...

وقوله تعالى: { ولكل أمة أجل } الآية، يتضمن الوعيد والتهديد، والمعنى ولكل أمة أي فرقة وجماعة، وهي لفظة تستعمل في الكثير من الناس، أجل مؤقت لمجيء العذاب إذا كفروا وخالفوا أمر ربهم، فأنتم أيتها الأمة كذلك قاله الطبري وغيره، وقرأ الحسن " فإذا جاء آجالهم " بالجمع. وهي قراءة ابن سيرين، قال أبو الفتح هذا هو الأظهر لأن لكل إنسان أجلاً فأما الإفراد فلأنه جنس وإضافته إلى الجماعة حسنت الإفراد، ومثله قول الشاعر: [الرجز]

في حلقكم عظم وقد شجينا
وقوله: { ساعة } لفظ عين به الجزء القليل من الزمن، والمراد جميع أجزائه أي لا يستأخرون ساعة ولا أقل منها ولا أكثر، وهذا نحو قوله تعالى:{ إن الله لا يظلم مثقال ذرة } [النساء:40] فإنما هي عبارة يقام الجزء فيها مقام الكل.

قال القاضي أبو محمد: وكأنه يظهر بين هذه الآية وبين قوله تعالى:{ ويؤخركم إلى أجل مسمى } [إبراهيم:10، نوح: 4] تعارض لأن تلك تقتضي الوعد بتأخير إن آمنوا والوعيد بمعاجلة إن كفروا.

قال القاضي أبو محمد: والحق مذهب أهل السنة أن كل أحد إنما هو بأجل واحد لا يتأخر عنه ولا يتقدم. وقوم نوح كان منهم من سبق في علم الله تعالى أنه يكفر فيعاجل، وذلك هو أجله المحتوم، ومنه من يؤمن فيتأخر إلى أجله المحتوم وغيب عن نوح تعيين الطائفتين فندب الكل إلى طريق النجاة وهو يعلم أن الطائفة إنما تعاجل أو تؤخر بأجلها، فكأنه يقول: فإن آمنتم علمنا أنكم ممن قضى الله له بالإيمان والأجل المؤخر، وإن كفرتم علمنا أنكم ممن قضي له بالأجل المعجل والكفر....

وقال القرطبي

ثم قال «خَالِصَةٌ» بالرفع وهي قراءة ابن عباس ونافع. { خَالِصَةً يَوْمَ ظ±لْقِيَامَةِ } أي يُخلِص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء كما كان لهم في الدنيا من الاشتراك فيها. ومجاز الآية: قل هي للذين آمنوا مشتركة في الدنيا مع غيرهم، وهي للمؤمنين خالصةٌ يوم القيامة. فخالصةٌ مستأنف على خبر مبتدأ مضمر. وهذا قول ابن عباس والضحاك والحسن وقتادة والسدّي وابن جريج وابن زيد. وقيل: المعنى أن هذه الطيبات الموجودات في الدنيا هي خالصةٌ يوم القيامة، للمؤمنين في الدنيا؛ وخلوصها أنهم لا يعاقبون عليها ولا يعذبون فقوله: «فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» متعلق «بِآمِنُوا». وإلى هذا يشير تفسير سعيد بن جبير. وقرأ الباقون بالنصب على الحال والقطع؛ لأن الكلام قد تمّ دونه. ولا يجوز الوقف على هذه القراءة على «الدُّنْيَا»؛ لأن ما بعده متعلق بقوله: «لِلَّذِينَ آمَنُوا» حالاً منه؛ بتقدير قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها لهم يوم القيامة؛ قاله أبو عليّ. وخبر الابتداء «لِلَّذِينَ آمَنُوا». والعامل في الحال ما في اللام من معنى الفعل في قوله: «لِلَّذِينَ» واختار سيبويه النصب لتقدم الظرف.

اسامة محمد خيري
03-11-2018, 13:10
الجوهرة التاسعة عشر بعد المائة

قال القرطبي

{ وَلَـظ°كِن لاَّ يَعْلَمُونَ } على قراءة من قرأ بالياء؛ أي لا يعلم كل فريق ما بالفريق الآخر، إذ لو علم بعض من في النار أن عذاب أحد فوق عذابه لكان نوع سلوة له. وقيل: المعنى «ولَكِنْ لاَ تَعْلَمُونَ» بالتاء، أي ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون ما يجدون من العذاب. ويجوز أن يكون المعنى ولكن لا تعلمون يا أهل الدنيا مقدار ما هم فيه من العذاب...

قال ابن عطية

{ الجمل } كما عهد والـ { سم } كما عهد، وقرأ جمهور المسلمين: " الجمل " ، واحد الجمال، وقال الحسن هو الجمل الذي يقوم بالمديد ومرة لما أكثروا عليه قال هو الأشتر وهو الجمل بالفارسية، ومرة قال هو الجمل ولد الناقة وقاله ابن مسعود.

قال القاضي أبو محمد: وهذه عبارة تدل على حرج السائل لارتياب السائلين لا شك باللفظة من أجل القراءات المختلفة، وذكر الطبري عن مجاهد عن ابن مسعود أنه كان يقرأ: " حتى يلج الجمل الأصفر " ، وقرأ أبو السمال " الجمْل " بسكون الميم وقرأ ابن عباس وعكرمة ومجاهد وابن جبير الشعبي ومالك بن الشخير وأبو رجاء: " الجُمّل " بضم الجيم وتشديد الميم وهو حبل السفينة، وقرأ سالم الأفطس وابن خير وابن عامر أيضاً: " الجُمْل " بتخفيف الميم من الجمل وقالوا هو حبل السفن، وروى الكسائي أن الذي روى تثقيل الميم عن ابن عباس كان أعجمياً فشدد الميم لعجمته.

قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لكثرة أصحاب ابن عباس على القراءة المذكورة وقرأ سعيد بن جبير فيما روى عنه: " الجُمْل " بضم الجيم وسكون الميم، وقرأ ابن عباس أيضاً: " الجُمُل " بضم الجيم والميم، و " السم ": الثقب من الإبرة وغيرها يقال سَم وسِم بفتح السين وكسرها وضمها، وقرأ الجمهور بفتح السين، وقرأ ابن سيرين بضمها، وقرأ أبو حيوة بضمها وبكسرها، وروي عنه الوجهان

وقال السمين

وفي قوله: { صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ } فائدةٌ جليلة وهو أنهم لم يَلْتفتوا إلى جهة النار إلا مجبورين على ذلك لا باختيارهم لأنَّ مكان الشر محذور. وقد تقدَّم خلافُ القراء في نحو " تلقاء أصحاب " بالنسبة إلى إسقاط إحدى الهمزتين أو إثباتها أو تسهيلها في أوائل البقرة. وقرأ الأعمش: " وإذا قُلِبَتْ " وهي مخالفةٌ للسواد، كقراءة { لم يدخلوها وهم ساخطون } أو { وهم طامِعُون } على أنَّ هذه أقرب. و " قالوا " هو جوابُ " إذا " والعامل فيها.

وقال ابن عطية

، ثم نادت أصحاب الأعراف { ادخلوا الجنة } ، وقال بعض المتأولين: الإشارة بهؤلاء إلى أهل الجنة، والمخاطبون هم أهل الأعراف والذين خوطبوا هم أهل النار، والمعنى أهؤلاء الضعفاء في الدنيا الذين حلفتم أن الله لا يعبأ بهم قيل لهم ادخلوا الجنة، وقد تقدم ما قال النقاش من أن القسم هو في الآخرة على أهل الأعراف، وقرأ الحسن وابن هرمز " أدخِلوا الجنة " بفتح الألف وكسر الخاء معنى أدخلوا أنفسكم، أو على أن تكون مخاطبة للملائكة ثم ترجع المخاطبة بعد إلى البشر في { عليكم } ، وقرأ عكرمة مولى ابن عباس " دخلوا الجنة " على الإخبار بفعل ماض، وقرأ طلحة بن مصرف وابن وثاب والنخعي " أُدخلوا الجنة " خبر مبني للمفعول.

قال القاضي أبو محمد: وترتيب كل قراءة من هذه على الأقوال في المخاطب والمخاطب بقوله تعالى: { أهؤلاء } ممكن بأيسر تناول فاختصرته إيجازاً، وكذلك ما في الآية من الرجوع من مخاطبة فريق إلى مخاطبة غيره،....

وقوله تعالى: { ولقد جئناهم بكتاب } الآية، ذكر الاعذار إليهم إثر ذكر ما يفعل بهم واللام في قوله: { لقد } لام قسم والضمير في { جئناهم } لمن تقدم ذكره، وقال يحيى بن سلام تم الكلام في { يجحدون } وهذا الضمير لمكذبي محمد صلى الله عليه وسلم ابتداء كلام آخر، والمراد بالكتاب القرآن العزيز.

قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون اسم جنس في جميع الكتب المنزلة على تأويل من يرى الضمير في { جئناهم } لمن تقدم ذكره، وقرأ جمهور الناس " فصلناه " من تفصيل الآيات وتبيينها، وقرأ ابن محيصن " فضلناه " بضاد منقوطة،

اسامة محمد خيري
03-11-2018, 13:25
الجوهرة العشرون بعد المائة

قال السمين

قوله: { يُغْشِي ظ±لْلَّيْلَ ظ±لنَّهَارَ } قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص هنا وفي سورة الرعد " يُغْشي " مخففاً مِنْ أغشى على أفْعَل، والباقون على التشديد مِنْ غشَّى على فَعَّل، فالهمزةُ والتضعيفُ كلاهما للتعدية أكسبا الفعلَ مفعولاً ثانياً، لأنه في الأصل متعدٍ لواحدٍ فصار الفاعل مفعولاً. وقرأ حميد بن قيس " يَغْشى " بفتح الياءِ والشين، " الليلُ " رفعاً، " النهار " نصباً هذه رواية الداني عنه. وروى ابن جني عنه نصب " الليل " ورفع " النهار ". قال ابن عطية: " ونَقْلُ ابن جني أَثْبَتُ " وفيه نظرٌ من حيث إن الداني أعنى من أبي الفتح بهذه الصناعة وإن كان دونه في العلم بطبقات، ويؤيد روايةَ الداني أيضاً أنها موافقةٌ لقراءة العامة من حيث المعنى، وذلك أنه جعل الليل فاعلاً لفظاً ومعنى، والنهار مفعولاً لفظاً ومعنى، وفي قراءة الجماعة: الليل فاعل معنى، والنهار مفعول لفظاً ومعنى، وذلك أن المفعولَيْن في هذا الباب متى صَلُح أن يكونَ كلٌّ منهما فاعلاً ومفعولاً في المعنى وَجَبَ تقديمُ الفاعل معنى لئلا يُلْبِسَ نحو: " أعطيت زيداً عمراً " فإن لم يُلْبس نحو: " أعطيت زيداً درهماً، وكَسَوْتُ عمراً جبةً " جاز، وهذا كما في الفاعل والمفعول الصريحين نحو: ضرب موسى عيسى، وضرب زيد عمراً، وهذه الآيةُ الكريمةُ من باب " أعطيت زيداً عمراً " لأن كلاً من الليل والنهار يَصْلُح أن يكون غاشياً مغشِّياً فوجَبَ جَعْلُ " الليل " في قراءة الجماعة هو الفاعل المعنوي و " النهار " هو المفعول من غير عكس، وقراءة الداني موافقةٌ لهذه لأنها المصرَِّحةُ بفاعلية الليل، وقراءة ابن جني مخالفةٌ لها، وموافقةُ الجماعة أولى. قلت: وقد روى الزمخشري قراءةَ حميد كما رواها أبو الفتح فإنه قال: " يُغَشِّي " بالتشديد: أي يلحق الليل بالنهار أو النهار بالليل، يحتملهما جميعاً، والدليل على الثاني قراءةُ حميد بن قيس " يَغْشى " بفتح الياء ونصب الليل ورفع النهار " انتهى. وفيما/ قاله أبو القاسم نظر لِما ذَكَرْتُ لك من أن الآية الكريمة مما يجب فيها تقديمُ الفاعل المعنوي، وكأن أبا القاسم تبع أبا الفتح في ذلك فلم يلتفتْ إلى هذه القاعدةِ المذكورة سهواً...

قوله: { وَظ±لشَّمْسَ } قرأ ابن عامر هنا وفي النحل برفع " الشمس " وما عُطف عليها ورفع " مُسَخَّرات " ، وافقه حفص عن عاصم في النحل خاصة على رفع { وَظ±لنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ } ، والباقون بالنصب في الموضعين. وقرأ أبان ابن تغلب هنا برفع " النجوم " وما بعدها فقط، كحفص في النحل.

فأما قراءةُ ابن عامر فعلى الابتداء والخبر، جعلها جملةً مستقلة بالإِخبار بأنها مسخرات لنا من الله تعالى لمنافعنا. وأما قراءة الجماعة فالنصبُ في هذه السورة على عطفها على " السماوات " أي: وخلق الشمس، وتكون " مسخرات " على هذا حالاً من هذه المفاعيل. ويجوز أن تكون هذه منصوبة بـ " جَعَل " مقدراً، فتكون هذه المنصوباتُ مفعولاً أول، ومسخرات مفعولاً ثانياً.

وأما قراءةُ حفص في النحل فإنه إنما رفع هناك لأن الناصبَ هناك " سخَّر " وهو قولُه تعالى { وَسَخَّرَ لَكُمُ ظ±للَّيْلَ وَظ±لْنَّهَارَ وَظ±لشَّمْسَ وَظ±لْقَمَرَ } ، فلو نصب النجوم ومسخرات لصار اللفظ: سَخَّرها مسخرات، فيلزم التأكيد فلذلك قطعهما على الأول ورفعهما جملةً مستقلة. والجمهورُ يخرِّجونها على الحال المؤكدة وهو مستفيضٌ في كلامهم، أو على إضمار فعل قبل " والنجوم " أي: وجعل النجوم مسخرات، أو يكون " مسخرات " جمع مُسَخَّر المراد به المصدر، وجُمِع باعتبار أنواعه كأنه قيل: وسخَّر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم تسخيرات أي أنواعاً من التسخير....

وقال ابن عطية

قال القاضي أبو محمد: وهذا خروج كثير عن ما فهم من العرش في غير ما حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر " يُغشي " من أغشى، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي " يغشّي " بالتشديد من غشّى، وهما طريقان في تعدية " غشي " إلى مفعول ثان، وقرأ حميد " يغَشَى " بفتح الياء والشين ونصب " الليلَ " ورفع " النهارُ " ، كذا قال أبو الفتح وقال أبو عمرو الداني برفع " الليلُ ".

قال القاضي أبو محمد: وأبو الفتح أثبت و { حثيثاً } معناه سريعاً، و { يطلبه حثيثاً } حال من الليل بحسب اللفظ على قراءة الجماعة، ومن النهار بحسب المعنى، وأما على قراءة حميد فمن النهار في الوجهين، ويحتمل أن يكون حالاً منهما، ومثله قوله تعالى:{ فأتت به قومها تحمله } [مريم:27] فيصح أن يكون { تحمله } حالاً منها، وأن يكون حالاً منه وأن يكون حالاًَ منهما و { مسخرات } في موضع الحال، وقرأ ابن عامر وحده من السبعة و " الشمسُ والقمرُ والنجومُ مسخراتٌ " بالرفع في جميعها، ونصب الباقون هذه الحروف كلها، وقرأ أبان بن تغلب و " الشمسَ والقمرَ " بالنصب، و " النجومُ مسخراتٌ " بالرفع.....

{ ادعوا ربكم } معناه اعبدوا ربكم { تضرعاً وخفية } أي باستكانة واعتقاد ذلك في القلوب، وقرأ جميع السبعة " وخُفية " بضم الخاء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر هنا وفي الأنعام و " خِفية " بكسرها وهما لغتان، وقد قيل إن " خِفية " بكسر الخاء بمعنى الخوف والرهبة، ويظهر ذلك من كلام أبي علي.

وقرأت فرقة " وخِيفة " من الخوف، أي ادعوه باستكانة وخوف ذكرها ابن سيده في المحكم ولم ينسبها، وقال أبو حاتم قرأها الأعمش فيما زعموا

وقال ابن الجوزى

{ الرياح } على الجمع. وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: «الريح» على التوحيد. وقد يأتي لفظ التوحيد، ويراد به الكثرة، كقولهم: كثر الدرهم في أيدي الناس، ومثله:{ إن الإنسان لفي خسر } [العصر: 2].

قوله تعالى: { نشراً } قرأ أبو عمرو، وابن كثير، ونافع، { نُشراً } بضم النون والشين، أرادوا جمع نشور، وهي الريح الطيبة الهبوب، تهب من كل ناحية وجانب. قال أبو عبيدة: النُشُر: المتفرقة من كل جانب. وقال أبو علي: يحتمل أن تكون النشور بمعنى المنشر، وبمعنى المنتشر، وبمعنى الناشر؛ يقال: أنشر الله الريح، مثل أحياها، فنشرت، أي: حييت. والدليل على أن إنشار الربح إحياؤها قولُ الفقعسي:
وهبَّتْ له رِيْحُ الجَنُوبِ وأُحْيِيَتْ له رَيْدَةٌ يُحيي المِيَاهَ نَسِيْمُهَا
ويدل على ذلك أن الريح قد وصفت بالموت.

قال الشاعر:
إنِّي لأرْجُو أَنْ تَمُوْتَ الرِّيْحُ فَأقْعُدَ اليَوْمَ وَأسْتَرِيْحُ
والرَّيدة والريدانة: الريح. وقرأ ابن عامر، وعبد الوارث، والحسن البصري: «نُشْراً» بالنون مضمومة وسكون الشين، وهي في معنى «نُشُراً» يقال: كُتُبْ وكُتْب، ورُسُل ورُسْل. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، والمفضل عن عاصم: «نَشْرا» بفتح النون وسكون الشين. قال الفراء: النَّشْر: الريح الطيبة الليَّنِّة التي تنشىء السحاب. وقال ابن الانباري: النَّشْر: المنتشرة الواسعة الهبوب. وقال أبو علي: يحتمل النَّشْر أن يكون خلاف الطيِّ، كأنها كانت بانقطاعها كالمطويَّة. ويحتمل أن يكون معناها ما قاله أبو عبيدة في النشر: أنها المتفرقة في الوجوه؛ ويحتمل أن يكون معناها: النشر الذي هو الحياة، كقول الشاعر:
[حتَّى يقولَ النَّاسُ ممَّا رَأَوْا] يا عَجَباً لِلْمِّيتِ النَّاشِرِ
قال: وهذا هو الوجه. وقرأ أبو رجاء العطاردي، وإبراهيم النخعي، ومسروق، ومورِّق العجلي: «نَشَراً» بفتح النون والشين. قال ابن القاسم: وفي النَّشَر وجهان.

أحدهما: أن يكون جمعاً للنشور، كما قالوا: عَمود وَعَمد، وإهاب وأهَب.

والثاني: أن يكون جمعاً، واحده ناشر، يجري مجرى قوله: غائب وغَيَبٌ، وحافد وحَفَدٌ، وكل القرَّاء نوَّن الكلمة. وكذلك اختلافهم في [الفرقان: 48] و[النمل: 63]. هذه قراءات من قرأ بالنون. وقد قرأ آخرون بالباء، فقرأ عاصم إلا المفضل: «بُشْرى» بالباء المضمومة وسكون الشين مثل فُعْلى: قال ابن الانباري: وهي جمع بشيرة، وهي التي تبشِّر بالمطر، والأصل ضم الشين، إلا أنهم استثقلوا الضمتين. وقرأ ابن خثيم، وابن جذلم: مثله إلا أنهما نوَّنا الراء. وقرأ ابو الجوزاء، وأبو عمران، وابن أبي عبلة: بضم الباء والشين، وهذا على أنها جمع بشيرة. والرحمة هاهنا: المطر؛ سماه رحمة لأنه كان بالرحمة

اسامة محمد خيري
03-11-2018, 17:52
الجوهرة الواحدة والعشرون بعد المائة


{ إنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَآءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ }

قال القرطبي

قوله تعالى: { إِنَّكُمْ } قرأ نافع وحفص على الخبر بهمزة واحدة مكسورة، تفسيراً للفاحشة المذكورة، فلم يحسن إدخال الاستفهام عليه لأنه يقطع ما بعده مما قبله. وقرأ الباقون بهمزتين على لفظ الاستفهام الذي معناه التوبيخ، وحسُن ذلك لأن ما قبله وبعده كلام مستقل. واختار الأوّل أبو عبيد والكِسائي وغيرهما؛ وٱحتجوا بقوله عز وجل:{ أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ } [الأنبياء: 34] ولم يقل أفهم. وقال:{ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ } [آل عمران: 144] ولم يقل أنقلبتم. وهذا من أقبح الغلط لأنهما شبَّها شيئين بما لا يشتبهان؛ لأن الشرط وجوابه بمنزلة شيء واحد كالمبتدأ والخبر؛ فلا يجوز أن يكون فيهما استفهامان. فلا يجوز: أفإن مِت أفهم، كما لا يجوز أزيد أمنطلق...

اسامة محمد خيري
03-11-2018, 18:01
الجزء التاسع

الجوهرة الثانية والعشرون بعد المائة

{ أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ }

قال السمين

قوله تعالى: { أَوَلَمْ يَهْدِ }: قرأ الجمهور " يَهْدِ " بالياء من تحت. وفي فاعله حينئذ ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه المصدر المؤول من " أنْ " وما في حَيِّزها، والمفعولُ محذوفٌ والتقدير: أو لم يَهْدِ أي: يبيِّن ويوضِّح للوارثين مآلهم وعاقبةَ أمرهم وإصابتنا إياهم بذنوبهم لو شِئْنا ذلك، فقد سَبَكْنا المصدر من " أنْ " ومن جواب لو. الثاني. أنَّ الفاعلَ هو ضميرُ اللهِ تعالى أي: أو لم يبيِّن الله، ويؤيده قراءةُ مَنْ قرأ " نَهْدِ " بالنون. الثالث: أنه ضميرٌ عائد على ما يُفْهَمُ مِنْ سياق الكلام أي: أو لم يَهْدِ ما جَرَى للأممِ السابقة كقولهم: " إذا كان غداً فَأْتني " أي: إذا كان ما بيني وبينك مما دلَّ عليه السياق. وعلى هذين الوجهين فـ " أنْ " وما في حيِّزها بتأويل مصدر كما تقدَّم في محلِّ المفعول والتقدير: أو لم يُبَيِّن ويوضح الله أو ما جَرَى للأمم إصابتنا إياهم بذنوبهم لو شئنا ذلك.

وقرأ مجاهد " نَهْدِ " بنون العظمة و " أنْ " مفعول فقط، و " أنْ " هي المخففةُ من الثقيلة، " ولو " فاصلةٌ بينها وبين الفعل، وقد تقدَّم أن الفصلَ بها قليلٌ. و " نشاء " وإن كان مضارِعاً لفظاً فهو ماضٍ معنىً؛ لأنَّ " لو " الامتناعيةَ تخلِّصُ المضارع للمضيّ. وفي كلامِ ابنِ الأنباري خلافُه فإنه قال في " ونطبعُ ": " هذا فعلٌ مستأنف ومنقطع مما قبله، لأنَّ قولَه " أَصَبْنا " ماضٍ و " نَطْبع " مستقبل ثم قال: " ويجوز أن يكونَ معطوفاً على " أَصَبْنا " إذ كان بمعنى نُصيب، والمعنى: لو يشاء يصيبهم ويطبع، فَوَضَع الماضي موضع المستقبل عند وضوح معنى الاستقبال كقوله تعالى:{ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ } [الفرقان: 10] أي: يجعل، بدليل قوله " ويجعل لك ". قلت: فهذا ظاهرٌ قويٌّ في أنَّ " لو " هذه لا تخلِّصُ المضارع للمضيّ، وتنظيرُه بالآيةِ الأخرى مُقَوٍّ له أيضاً، وسيأتي تحقيق ذلك عند قوله " ونطبع ".

وقال الفراء: " وجاز أن تَرُدَّ " يَفْعل " على فَعَلَ في جواب " لو " كقوله:{ وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ } [يونس: 11] قوله: " فَنَذَرُ " مردودٌ على " لقُضِي ". قلت: وهذا هو قول الجمهور، ومفعولُ " يشاء " محذوفٌ لدلالة جواب " لو " عليه، والتقدير: لو يشاء تعذيبَهم أو الانتقامَ منهم. وأتى/ جوابُها بغير لام وإن كان مبنيَّاً على أحد الجائزين، وإن كان الأكثرُ خلافَه، كقوله تعالى:{ لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً } [الواقعة: 70]

اسامة محمد خيري
03-11-2018, 18:13
الجوهرة الثالثة والعشرون بعد المائة

قال الرازى

المسألة الثالثة: قرأ نافع { حقيق عَلَىَّ } مشدد الياء والباقون بسكون الياء والتخفيف. أما قراءة نافع { فحقيق } يجوز أن يكون بمعنى فاعل. قال الليث: حق الشيء معناه وجب، ويحق عليك أن تفعل كذا، وحقيق علي أن أفعله، بمعنى فاعل. والمعنى: واجب علي ترك القول على الله إلا بالحق، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول، وضع فعيل في موضع مفعول.

تقول العرب: حق علي أن أفعل كذا وإني لمحقوق على أن أفعل خيراً، أي حق علي ذلك بمعنى استحق. إذا عرفت هذا فنقول: حجة نافع في تشديد الياء أن حق يتعدى بعلي. قال تعالى:{ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبّنَا } [الصافات: 31] وقال:{ فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ } [الإسراء: 16] فحقيق يجوز أن يكون موصولاً بحرف على من هذا الوجه، وأيضاً فإن قوله: { حَقِيقٌ } بمعنى واجب، فكما أن وجب يتعدى بعلي، كذلك حقيق إن أريد به وجب، يتعدى بعلي.

وأما قراءة العامة { حَقِيقٌ عَلَىَّ } بسكون الياء. ففيه وجوه: الأول: أن العرب تجعل الباء في موضع «علي» تقول: رميت على القوس وبالقوس، وجئت على حال حسنة، وبحال حسنة. قال الأخفش: وهذا كما قال:{ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صِرٰطٍ تُوعِدُونَ } [الأعراف: 86] فكما وقعت الباء في قوله: { بِكُلّ صِرٰطٍ } موضع «علي» كذلك وقعت كلمة «علي» موقع الباء في قوله: { حَقِيقٌ عَلَىَّ أَنْ لا أَقُولَ } يؤكد هذا الوجه قراءة عبدالله { حَقِيقٌ بِأَنَّ لا أَقُولَ } وعلى هذه القراءة فالتقدير: أنا حقيق بأن لا أقول، وعلى قراءة نافع يرتفع بالابتداء، وخبره { أَن لا أَقُولَ } الثاني: أن الحق هو الثابت الدائم، والحقيق مبالغة فيه، وكان المعنى: أنا ثابت مستمر على أن لا أقول إلا الحق. الثالث: الحقيق ههنا بمعنى المحقوق، وهو من قولك: حققت الرجل إذا ما تحققته وعرفته على يقين، ولفظة { عَلَىَّ } ههنا هي التي تقرن بالأوصاف اللازمة الأصلية، كقوله تعالى:{ فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا } [الروم: 30] وتقول: جاءت فلان على هيئته وعادته، وعرفته وتحققته على كذا وكذا من الصفات، فمعنى الآية: أني لم أعرف ولم أتحقق إلا على قول الحق. والله أعلم.

وقال الطبري


اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله { حَقِـيقٌ عَلـى أن لا أقُولَ علـى اللَّهِ إلاَّ الـحَقَّ } فقرأه جماعة من قرّاء الـمكيـين والـمدنـيـين والبصرة والكوفة { حَقِـيقٌ علـى أن لا أقُولَ } بإرسال الـياء من «علـى» وترك تشديدها، بـمعنى أنا حقـيق بأن لا أقول علـى الله إلا الـحقّ، فوجهوا معنى علـى إلـى معنى البـاء، كما يقال رميت بـالقوس وعلـى القوس، وجئت علـى حال حسنة، وبحال حسنة. وكان بعض أهل العلـم بكلام العرب يقول إذا قرىء ذلك كذلك، فمعناه حريص علـى أن لا أقول إلا بحقّ. وقرأ ذلك جماعة من أهل الـمدينة «حَقِـيقٌ عَلـىَّ أنْ لا أقُولَ» بـمعنى واجب علـيّ أن لا أقول، وحُقّ علـيّ أن لا أقول. قال أبو جعفر والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا الـمعنى، قد قرأ بكلّ واحدة منهما أئمة من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب فـي قراءته الصواب

وقال السمين

وقراءةُ نافعٍ واضحةٌ وفيها ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكونَ الكلامُ قد تمَّ عند قولِه " حقيق " ، و " عليَّ " خبر مقدم، و " أنْ لا أقول " مبتدأ مؤخَّر كأنه قيل: عليَّ عدمُ قول غير الحق أي: فلا أقول إلا الحق. الثاني: أن يكون " حقيق " خبراً مقدَّماً، و " أن لا أقول " مبتدأٌ على ما تقدَّم بيانه. الثالث: " أَنْ لا أقول " فاعِلٌ بـ " حقيق " كأنه قيل: يحقُّ ويجب أن لا أقول، وهذا أَعْرَبُ الوجوهِ لوضوحه لفظاً ومعنى، وعلى الوجهين الأخيرين تتعلَّق " عليَّ " بـ " حقيق " لأنك تقول: " حَقَّ عليه كذا ". قال تعالى: { أولئك الذين حَقَّ عليهم القولُ }. وعلى الوجهِ الأولِ يتعلَّقُ بمحذوفٍ على ما عُرِفَ غيرَ مرة.

اسامة محمد خيري
03-11-2018, 18:16
الجوهرة الرابعة والعشرون بعد المائة

قال القرطبي

قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْراً } أي جائزة ومالاً. ولم يقل فقالوا بالفاء؛ لأنه أراد لما جاءوا قالوا: وقرىء «إنَّ لَنَا» على الخبر. وهي قراءة نافع وابن كثير. ألزموا فرعونَ أن يجعل لهم مالاً إن غَلَبوا؛ فقال لهم فرعون: { نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ظ±لْمُقَرَّبِينَ } أي لمن أهل المنزلة الرفيعة لدينا، فزادهم على ما طلبوا. وقيل: إنهم إنما قطعوا ذلك لأنفسهم في حكمهم إن غلبوا. أي قالوا: يجب لنا الأجر إن غلبنا. وقرأ الباقون بالاستفهام على جهة الاستخبار. استخبروا فرعون: هل يجعل لهم أجراً إن غلبوا أولا؛ فلم يقطعوا على فرعون بذلك: إنما استخبروه هل يفعل ذلك؛ فقال لهم «نعم» لكم الأجر والقُرْب إن غلَبَتم.

وقال ابن عطية

قبل أن آذن لكم } دليل على وهن أمره لأنه إنما جعل ذنبهم مفارقة الإذن ولم يجعله نفس الإيمان إلا بشرط، وقرأ عاصم في رواية حفص عنه في كل القرآن " آمنتم " على الخبر، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر " آمنتم " بهمزة ومدة على الاستفهام وكذلك في طه والشعراء، وقرأ حمزة والكسائي في الثلاثة المواضيع " أآمنتم " بهمزتين الثانية ممدودة، ورواها الأعمش عن أبي بكر عن عاصم، وقرأ ابن كثير في رواية أبي الأخريط عنه " وآمنتم " وهي على ألف الاستفهام إلا أنه سهلها واواً فأجرى المنفصل مجرى المتصل في قولهم تودة في تؤدة، وقرأ قنبل عن القواس " وآمنتم " وهي على القراءة بالهمزتين " اآمنتم " إلا أنه سهل ألف الاستفهام واواً وترك ألف أفعلتم على ما هي عليه،

اسامة محمد خيري
03-11-2018, 18:26
الجوهرة الخامسة والعشرون بعد المائة

{ وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ }

قال السمين

قوله تعالى: { وَيَذَرُكَ }: قرأ العامَّةُ: " ويَذَرَك " بياء الغيبة ونصبِ الراء. وفي النصبِ وجهان: أظهرهما: أنه على العطف على " ليُفْسدوا ". والثاني: أنه منصوبٌ على جواب الاستفهام، كما يُنصب في جوابه بعد الفاء كقول الحطيئة:
2265ـ ألم أكُ جارَكُم ويكونَ بيني وبينكمُ المودةُ والإِخاءُ
والمعنى: كيف يكون الجمعُ بين تَرْكِكَ موسى وقومه مفسدين وبين تركِهم إيَّاك وعبادةِ آلهتك، أي لا يمكنُ وقوعُ ذلك.

وقرأ الحسن في روايةٍ عنه ونعيم بن ميسرة " ويذرُك " برفع الراء. وفيها ثلاثةُ أوجه، أظهرُها: أنه نسقٌ على " أتذر " أي: أتطلق له ذلك. الثاني: أنه استئنافُ إخبار بذلك. الثالث: أنه حالٌ. ولا بدَّ من/ إضمارِ مبتدأ، أي: وهو يَذَرُك.

وقرأ الحسن أيضاً والأشهب العقيلي: " ويذرْك " بالجزم وفيها وجهان، أحدهما: أنه جزم ذلك عطفاً على التوهم، كأنه توهَّم جَزْمَ " يُفْسدوا " في جواب الاستفهام فعطف عليه بالجزم كقوله: { فأصَّدَّق وأكنْ } [المنافقين: 10] بجزم " وأكن ". الثاني: أنها تخفيفٌ كقراءةِ أبي عمرو " يَنْصُرْكم " وبابه.

وقرأ أنس بن مالك: " ونذرُك " بنون الجماعة ورفع الراء، تَوَعَّدوه بذلك، أو أنَّ الأمرَ يُؤول إلى ذلك فيكون خبراً محضاً. وقرأ عبد الله والأعمش بما يخالف السواد فلا حاجةَ إلى ذِكْره.

وقرأ العامَّة: " وآلهتكَ " بالجمع. وفي التفسير: أنه كان يعبدُ آلهةً متعددة كالبقر والحجارة والكواكب، أو آلهته التي شَرَع عبادتَها لهم وجَعَل نفسَه الإِلَه الأعلى في قوله { أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ }.

وقرأ علي بن أبي طالب وابن مسعود وأنس وجماعة كثيرة: " وإلاهتك ". وفيها وجهان، أحدهما: أن " إلاهة " اسم للمعبود، ويكون المرادُ بها معبودَ فرعونِ وهي الشمس، وفي التفسير أنه كان يعبد الشمس، والشمس تسمَّى " إلاهةً " علَماً عليها، ولذلك مُنِعت الصرف للعلمية والتأنيث. والثاني: أن " إلاهة " مصدر بمعنى العبادة، أي: ويذر عبادَتك لأنَّ قومه كانوا يعبدونه. ونقل ابن الأنباري عن ابن عباس أنه كان يُنْكر قراءة العامة، ويقرأ " وإلاهتك " وكان يقول: إن فرعون كان يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ.....

اسامة محمد خيري
04-11-2018, 04:57
الجوهرة السادسة والعشرون بعد المائة

قال ابن عطية

وقرأ جمهور الناس بالياء وشد الطاء والياء الأخيرة " يطيّروا " ، وقرأ عيسى بن عمرو وطلحة بن مصرف بالتاء وتخفيف الطاء " تطيروا " ، وقرأ مجاهد " تشاءموا بموسى " بالتاء من فوق وبلفظ الشؤم....

وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم وابن مسعود وأنس بن مالك والحسن وأبو جعفر وشيبة ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم وابن عامر " دكاً " ، وقرأ حمزة والكسائي وابن عباس والربيع بن خثيم وغيرهم " دكاء " على وزن حمراء، والدكاء الناقة التي لا سنام لها، فالمعنى جعله أرضاً دكاء تشبيهاً بالناقة،....

وقال السمين

وقرأ الحسن البصري: " سأُوْريكم " بواو خالصة بعد الهمزة وفيها تخريجان، أحدهما ـ قاله الزمخشري ـ: " وهي لغةٌ فاشية بالحجاز يُقال: أَوْرَني كذا وأَوْرَيْتُه، فوجهه أن يكون مِنْ أَوْرَيْتُ الزندَ فإن المعنى: بَيِّنْه لي وأَنِرْه لأستبينَه. والثاني: ـ ذكره ابن جني ـ وهو أنه على الإِشباع فيتولَّد منها الواو قال: " وناسب هذا كونَه موضعَ تهديدٍ ووعيد فاحتمل الإِتيان بالواو " قلت: وهذا كقول الآخر:
2292ـ اللهُ يعلمُ أنَّا في تَلَفُّتِنا يومَ اللقاء إلى أحبابنا صورُ
وأنني حيثما يثني الهوى بَصَري من حيث ما سلكوا أَدْنُو فانظورُ
لكن الإِشباعَ بابُه الضرورة عند بعضِهم. وقرأ ابن عباس وقسامة ابن زيد: " سأُوْرِثكم ". قال الزمخشري: " وهي قراءة حسنة يصححها قوله تعالى{ وَأَوْرَثْنَا ظ±لْقَوْمَ } [الأعراف: 137].

وقال الالوسي

وقرأ حمزة. والكسائي { الرشد } بفتحتين، وقرىء { الرشاد } وثلاثها لغات كالسقم والسقم والسقام، وفرق / أبو عمرو كما قال الجبائي بين الرشد والرشد بأن الرشد بالضم الصلاح في الأمر والرشد بالفتح الاستقامة في الدين، والمشهور عدم الفرق...

وقال ابن عطية

و " الخوار " صوت البقر، ويروى أن هذا العجل إنما خار مرة واحدة، وذلك بحيلة صناعية من السامري أو بسحر تركب له من قبضه القبضة من أثر الرسول، أو بأن الله أخار العجل لفتن بني إسرائيل، وقرأت فرقة له " جوار " بالجيم وهو الصياح قال أبو حاتم وشدة الصوت، ....

وقول بني إسرائيل { لئن لم يرحمنا ربنا } إنما كان بعد رجوع موسى وتغييره عليهم ورؤيتهم أنهم قد خرجوا عن الدين ووقعوا في الكفر، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم والحسن والأعرج وأبو جعفر وشيبة بن نصاح ومجاهد وغيرهم " قالوا لئن لم يرحمنا ربنا " بالياء في يرحمنا وإسناد الفعل إلى الرب تعالى، " ويغفر " بالياء، وقرأ حمزة والكسائي والشعبي وابن وثاب والجحدري وطلحة بن مصرف والأعمش وأيوب " ترحمنا ربَّنا " بالتاء في " ترحمنا " ونصب لفظة ربنا على جهة النداء " وتغفر " بالتاء، من فوق، وفي مصحف أبيّ " قالوا ربنا لئن لم ترحمنا وتغفر لنا لنكونن من الخاسرين...

وقرأ جمهور الناس " فلا تُشْمِت بي الأعداء " بضم التاء وكسر الميم ونصب الأعداء، وقرأ مجاهد فيما حكاه أبو حاتم " فلا تَشمَت بي " بفتح التاء من فوق والميم ورفع " الأعداءُ " أي لا يكون ذلك منهم لفعل تفعله أنت بي، وقرأ حميد بن قيس " تَشمِت " بتاء مفتوحة وميم مكسورة ورفع " الأعداءُ " حكاها أبو حاتم، وقرأ مجاهد أيضاً فيما حكاه أبو الفتح " فلا تَشمَت بي الأعداءَ " بفتح التاء من فوق والميم ونصب الأعداء، هذا على أن يعدى شمت يشمت، وقد روي ذلك، قال أبو الفتح: فلا تشمت بي أنت يا رب، وجاز هذا كما قال تعالى: يستهزىء بهم } [البقرة:15] ونحو ذلك، ثم عاد إلى المراد فأضمر فعلاً نصب به الأعداء كأنه قال: لا تشمت بي الأعداء كقراءة الجماعة.

قال القاضي أبو محمد: وفي كلام أبي الفتح هذا تكلف، وحكى المهدوي عن ابن محيصن: " تَشِمت " بفتح التاء وكسر الميم، " الأعداءَ " بالنصب، والشماتة: فرحة العدو بمصاب عدوه

اسامة محمد خيري
04-11-2018, 05:11
الجوهرة السابعة والعشرون بعد المائة(القراءات واصول الدين وقد مرت امثلة علي هذا من قبل)

قال ابن عطية

{ عذابي أصيب به من أشاء } وقرأ الحسنَ وطاوس وعمرو بن فائد " من أساء " من الإساءة أي من عمل غير صالح، وللمعتزلة بهذه القراءة تعلق من وجهين: أحدهما إنفاذ الوعيد، والآخر خلق المرء أفعاله وإن أساء لا فعل فيه لله، وهذان التعلقان فيهما احتمال ينفصل عنه كما ينفصل عن سائر الظواهر إلا أن القرأة أطنبوا في التحفظ من هذه القراءة، وقال أبو عمرو الداني: لا تصح هذه القراءة عن الحسن وطاوس، وعمرو بن فائد رجل سوء، وذكر أبو حاتم أن سفيان بن عيينة قرأها مرة واستحسنها فقام إليه عبد الرحمن المقبري وصاح به وأسمعه فقال سفيان: لم أدر ولم أفطن لما يقول أهل البدع وهذا إفراط من المقربين وحملهم على ذلك شحهم على الدين وظنهم أن الانفصال عن تعلق المعتزلة متعذر.

اسامة محمد خيري
04-11-2018, 05:18
الجوهرة الثامنة والعشرون بعد المائة

قال ابن عطية

، وقرأ السبعة والحسن وأبو رجاء ومجاهد وغيرهم " حطةٌ " بالرفع، وقرأ الحسن بن أبي الحسن " حطةً " بالنصب، الرفع على خبر ابتداء تقديره طلبنا حطة، والنصب على المصدر أي حط ذنوبنا حطةً، وهذا على أن يكلفوا قول لفظة معناها حطة، وقد قال قوم كلفوا قولاً حسناً مضمنة الإيمان وشكر الله ليكون حطة لذنوبهم، فالكلام على هذا كقولك قل خيراً.. وتوفية هذا مذكور في سورة البقرة.

وقرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي " نغفر " بالنون " لكم خطيئاتكم " بالتاء مهموز على الجمع، وقرأ أبو عمرو " نغفر " بالنون " لكم خطاياكم " نحو قضاياكم وهي قراءة الحسن والأعمش، وقرأ نافع " تُغفر " بتاء مضمومة " لكم خطيئاتُكم " بالهمز وضم التاء على الجمع، ورواها محبوب عن أبي عمرو، وقرأ ابن عامر " تُغفر " بتاء مضمومة " لكم خطيئتُكم " واحدة مهمزوة مرفوعة، قال أبو حاتم: وقرأها الأعرج وفرقة " تُغفر بالتاء وفتحها على معنى أن الحطة تغفر إذ هي سبب الغفران....

وقال السمين

وقرأ شهر بن حوشب وأبو نهيك: " يَعَدُّون " بفتح العين وتشديد الدال، وهذه تشبه قراءةَ نافع في قوله " لا تَعَدُّوا في السبت " والأصل " تَعْتَدُّوا " فأدغم التاءَ في الدال لمقاربتها لها. وقُرئ " تُعِدُّون " بضمِ التاء وكسرِ العين وتشديد الدال من أعدَّ يُعِدُّ إعداداً: إذا هَيَّأ آلاتِه. وفي التفسير: أنهم كانوا مأمورين في السبت فيتركونها ويُهَيِّئون آلاتِ الصيد.

وقال ابن عطية

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي " معذرةٌ " بالرفع، أي موعظتنا، معذرة أي إقامة عذر، وقرأ عاصم في بعض ما روي عنه وعيسى بن عمر وطلحة بن مصرف " معذرةً " بالنصب أي وعظنا معذرة، قال أبو علي حجتها أن سيبويه قال: لو قال رجل لرجل معذرة إلى الله وإليك من كذا لنصب.

قال القاضي أبو محمد: الرجل القائل في هذا المثال معتذر عن نفسه وليس كذلك الناهون من بني إسرائيل فتأمل،...

وقال السمين

وقرأ العامَّة: " يُمَسِّكون " بالتشديد مِنْ مَسَّك بمعنى تمسَّك، حكاه أهلُ التصريف، أي: إنَّ فَعَّل بمعنى تَفَعَّل، وعلى هذا فالباء للآلة كهي في: تمسَّكْتُ بالحبل. وقرأ أبو بكر عن عاصم ـ ورُوِيت عن أبي عمرو وأبي العالية: " يُمْسِكون " بسكون الميم وتخفيف السين مِنْ أَمْسَك، وهما لغتان يقال: مَسَكْت وأَمْسكت، وقد جمع كعب بن زهير بينهما في قوله:
2330ـ ولا تُمَسِّكُ بالعَهْدِ الذي زَعَمَتْ إلا كما يُمْسِكُ الماءَ الغرابيلُ
ولكن أمسك متعدّ. قال تعالى:{ وَيُمْسِكُ ظ±لسَّمَآءَ } فعلى هذا مفعولُه محذوفٌ تقديرُه: " يُمْسِكون دينَهم وأعمالهم بالكتاب " ، فالباءُ يجوز أن تكونَ للحال وأن تكونَ للآلة، أي: مصاحبين للكتاب، أي لأوامره ونواهيه. وقرأ الأعمش وهي قراءة عبد الله " استمسكوا ". وأُبَيّ " تَمَسَّكوا " ماضيَيْن....

ملحوظة

لطيفة زمخشرية غفلنا عنها

فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ }

{ وَظ±لَّذِينَ مَعَهُ } قيل كانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأة. وقيل تسعة، بنوه سام وحام ويافث، وستة ممن آمن به. فإن قلت { فِى ظ±لْفُلْكِ } بم يتعلق؟ قلت هو متعلق بمعه، كأنه قيل والذين استقروا معه في الفلك أو صحبوه في الفلك. ويجوز أن يتعلق بفعل الإنجاء، أي أنجيناهم في السفينة من الطوفان { عَمِينَ } عمى القلوب غير مستبصرين. وقرىء «عامين». والفرق بين العمى والعاميّ أن العمى يدلّ على عمى ثابت، والعاميّ على حادث. ونحوه قوله{ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ } هود 12.

اسامة محمد خيري
04-11-2018, 05:42
الجوهرة التاسعة والعشرون بعد المائة

قال ابن عطية

وقوله: { شهدنا } يحتمل أن يكون من قول بعض النسم لبعض أي شهدنا عليكم لئلا تقولوا يوم القيامة غفلنا عن معرفة الله والإيمان به فتكون مقالة من هؤلاء لهؤلاء، ذكره الطبري، وعلى هذا لا يحسن الوقف على قوله: { بلى } ويحتمل أن يكون قوله { شهدنا } من قول الملائكة فيحسن الوقف على قوله { بلى } ، قال السدي: المعنى قال الله وملائكته شهدنا، ورواه عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ السبعة غير أبي عمرو: " أن تقولوا " على مخاطبة حاضرين، وقرأ أبو عمرو وحده، " أن يقولوا " على الحكاية عن غائبين وهي قراءة ابن عباس وابن جبير وابن محيصن والقراءتان تتفسر بحسب المعنيين المذكورين،....

وقرأ الجمهور " فأتبعه " بقطع الألف وسكون التاء، وهي راجحة لأنها تتضمن أنه لحقه وصار معه، وكذلك{ فأتبعه شهاب } [الحجر:18] و{ فأتبعهم فرعون } [يونس:90] وقرأ الحسن فيما روى عنه هارون " فاتّبعه " بصلة الألف وشد التاء وكذلك طلحة بن مصرف بخلاف، وكذلك الخلاف عن الحسن على معنى لازمه " اتبعه " بالإغواء حتى أغواه، و { من الغاوين } أي من الضالين....

وقال السمين

وقرأ الحسن والأعمش وعيسى بن عمر: " ساء مثلُ القوم " برفع " مثل " مضافاً للقوم. والجحدري رُوِي عنه كذلك، وروي عنه كسرُ الميم وسكونُ الثاء ورفعُ اللام وجَرُّ القوم. وهذه القراءةُ المنسوبةُ لهؤلاء الجماعة تحتمل وجهين، أحدهما: أن تكون " ساء " للتعجب مبنية تقديراً على فَعُل بضم العين كقولهم: " لقَضُو الرجل " ، و " مثل القوم " فاعل بها، والتقدير: ما أسوأ مثلَ القوم، والموصولُ على هذا في محلِّ جرٍ نعتاً لقوم. والثاني: أنها بمعنى بئس، ومَثَلُ القوم فاعل، والموصولُ على هذا في محل رفعٍ لأنه المخصوصُ بالذمِّ، وعلى هذا فلا بد مِنْ حَذْف مضاف ليتصادقَ الفاعلُ والمخصوصُ على شيءٍ واحد. والتقدير: ساءَ مثلُ القومِ مثل الذين. وقَدَّر الشيخ تمييزاً في هذه القراءة وفيه نظرٌ، إذ لا يحتاج إلى تمييز إذا كان الفاعلُ ظاهراً حتى جَعَلوا الجمع بينهما ضرورةً كقوله:
2340ـ تَزوَّدْ مثلَ زادِ أبيك فينا فنعمَ الزَّادُ زادُ أبيك زادا
وفي المسألة ثلاثةُ مذاهب: الجوازُ مطلقاً، والمنع مطلقاً، والتفصيل: فإن كان مغايراً للفظِ ومفيداً فائدةً جديدة جاز نحو: نعم الرجل شجاعاً زيد، وعليه قوله:
2341ـ تخيَّرَهُ فلم يَعْدِلْ سواه فنِعْمَ المرءُ مِنْ رجلٍ تَهامي

اسامة محمد خيري
04-11-2018, 05:48
الجوهرة الثلاثون بعد المائة

قال السمين

قوله: { يُلْحِدُونَ } قرأ حمزة هنا وفي النحل وحم السجدة: يَلْحدون بفتح الياء والحاء مِنْ لحد ثلاثياً. والباقون بضم الياء وكسرِ الحاء مِنْ أَلْحد. فقيل: هما بمعنى واحد، وهو المَيْل والانحراف. ومنه لَحْد القبر لأنه يُمال، بحفره إلى جانبه، بخلاف الضريح فإنه يُحْفر في وسطه، ومن كلامهم " ما فعل الواجد؟ قالوا لَحَدَه اللاحد ". وإلى كونهما بمعنى واحد ذهب ابن السِّكِّيت وقال: " هما العدول عن الحق ". وأَلْحد أكثر استعمالاً مِنْ لَحَدَ قال:
2348ـ ليس الإِمام بالشحيح المُلْحِدِ
وقال غيره: " لَحَدَ بمعنى رَكَنَ وانضوى، وألحد: مال وانحرف " قاله الكسائي. ونُقل عنه أيضاً: أَلْحَدَ: أعرض، ولحد: مال. قالوا: ولهذا وافق حمزة في النحل إذ معناه: يميلون إليه.

وروى أبو عبيدة عن الأصمعي: " ألحد: مارى وجادل، ولحد: حاد ومال. ورُجِّحت قراءةُ العامة بالإِجماع على قوله " بإلحاد ". وقال الواحدي: " ولا يكاد يُسْمع من العرب لاحد ". قلت: فامتناعُهم من مجيء اسم فاعل الثلاثي يدل على قلَّته وقد قَدَّمْتُ من كلامهم " لحده اللاحِد ". ومعنى الإِلحاد فيها أن اشتقوا منها أسماءً لآلهتهم فيقولون: اللات من لفظ الله، والعزَّى من لفظ العزيز، ومناة مِنْ لفظ المَنَّان، ويجوز أن يُراد سَمَّوه بما لا يليق بجلاله.

وقال ابن عطية

وقوله: { أملي } معناه أؤخر ملاءة من الدهر أي مدة وفيها ثلاث لغات فتح الميم وضمها وكسرها، وقرأ عبد الحميد عن ابن عامر " أن كيدي " على معنى لأجل أن كيدي، وقرأ جمهور الناس وسائر السبعة " إن كيدي " على القطع والاستئناف،...

قال السمين

قوله: { كَأَنَّكَ حَفِيٌّ } هذه الجملة التشبيهية في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ مفعولِ " يسألونك ". وفي " عنها " وجهان، أحدهما: أنها متعلقةٌ بيسألونك وكأنك حَفِيٌّ معترض، وصلتها محذوفة تقديره: حَفِيٌّ بها.

وقال أبو البقاء: " في الكلام تقديمٌ وتأخير، ولا حاجةَ إلى ذلك لأن هذه كلَّها متعلقاتٌ للفعل فإنَّ قولَه:/ " كأنك حفيٌّ " حال كما تقدم. والثاني أنَّ " عن " بمعنى الباء كما أن الباء بمعنى عن كقوله:{ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً } [الفرقان: 59]{ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ظ±لسَّمَآءُ بِظ±لْغَمَامِ } [الفرقان: 25] لأن حَفِي لا يتعدَّى بـ " عن " بل بالباءِ كقوله:{ كَانَ بِي حَفِيّاً } [مريم: 47] ويُضَمَّن معنى شيء يتعدَّى بـ " عن " ، أي: كأنك كاشف بحفاوتك عنها.

والحَفِيُّ: المستقصي عن الشيء، المهتبل به، المعتني بأمره قال:
2355ـ سؤال حفيٍّ عن أخيه كأنه بذُكْرَتِهِ وَسْنانُ أو مُتَواسِنُ
وقال آخر:
2356ـ فلمَّا التقينا بَيَّن السيفُ بيننا لسائلةٍ عنا حَفِيٍّ سؤالُها
وقال الأعشى:
2357ـ فإنْ تَسْأَلي عني فيا رُبُّ سائلٍ حَفِيٍّ عن الأعشى به حيث أَصْعَدا
والإِحْفاءُ: الاستقصاء ومنه " إحفاء الشوارب " والحافي، لأنه حَفِيَتْ قدمُه في استقصاء السَّير. والحفاوة: البرُّ واللطف.

وقرأ عبد الله " حَفِيٌّ بها " وهي تَدُلُّ لمن ادَّعى أن " عَنْ " بمعنى الباء. وحَفِيٌّ فعيل بمعنى مفعول أي: محفوٌّ. وقيل: بمعنى فاعل أي: كأنك مبالِغٌ في السؤال عنها ومتطلع إلى عِلْمِ مجيئها

اسامة محمد خيري
04-11-2018, 06:08
الجوهرة الواحدة والثلاثون بعد المائة

قال السمين

قوله: { فَمَرَّتْ } الجمهورُ على تشديد الراء ومعناه: استمرت به، أي: قامَتْ وقعدت. وقيل: هو على القلب، أي: فمرَّ بها، أي استمر ودام.

وقرأ ابن عباس وأبو العالية ويحيى بن يعمر وأيوب " فَمَرَتْ " خفيفةَ الراء، وفيها تخريجان، أحدهما: أن أصلها التشديد، ولكنهم كرهوا التضعيف في حرف مكرر فتركوه، وهذا كقراءة " وقَرْن " بفتح القاف إذا جَعَلْناه من القرار. والثاني: أنه من المِرْية وهو الشك، أي: فشكَّتْ بسببه أهو حَمْل أم مرض؟

وقرأ عبد الله بن عمرو بن العاص والجحدري: " فمارَتْ " بألف وتخفيف الراء. وفيها أيضاً وجهان، أحدهما: أنها مِنْ مار يمور، أي جاء وذهب، ومارَتِ الريح، أي: جاءت وذهبَتْ وتصرَّفَتْ في كل وجه، ووزنه حينئذ فَعَلَتْ والأصل مَوَرَتْ، ثم قُلبت الواو ألفاً فهو كطافَتْ تطوف. والثاني: أنها من المِرْية أيضاً قاله الزمخشري وعلى هذا فوزنه فاعَلَت والأصل: مارَيَتْ كضارَبَتْ، فتحرك حرف العلة وانفتح ما قبله فَقُلِبَ ألفاً، ثم حُذِفَتْ لالتقاء الساكنين فهو كبارَتْ ورامت.

وقرأ سعد بن أبي وقاص وابن عباس أيضاً والضحاك " فاسْتَمَرَّتْ به " وهي واضحة. وقرأ أُبَيّ " فاستمارَتْ " وفيها الوجهان المتقدمان في " فمارَتْ " ، أي: أنه يجوز/ أن يكون من المِرْية، والأصل " اسْتَمْرَيَتْ " ، وأن يكون من المَوْر والأصل: استَمْوَرَتْ.....

اسامة محمد خيري
04-11-2018, 06:09
الجوهرة الثانية والثلاثون بعد المائة

قال الطبري

. واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله { شُرَكاءَ } فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الـمدينة وبعض الـمكيـين والكوفـيـين «جَعَلا لَهُ شِرْكاً» بكسر الشين، بـمعنى الشركة. وقرأه بعض الـمكيـين وعامة قرّاء الكوفـيـين وبعض البصريـين { جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ } بضمّ الشين، بـمعنى جمع شريك. وهذه القراءة أولـى القراءتـين بـالصواب، لأن القراءة لو صحت بكسر الشين لوجب أن يكون الكلام فلـما آتاهما صالـحاً جعلا لغيره فـيه شركاً لأن آدم وحوّاء لـم يَدينا بأن ولدهما من عطية إبلـيس ثم يجعلا لله فـيه شركاً لتسميتهما إياه بعبد الله، وإنـما كانا يدينان لا شكّ بأن ولدهما من رزق الله وعطيته، ثم سمياه عبد الـحرث، فجعلا لإبلـيس فـيه شركاً بـالاسم، فلو كانت قراءة من قرأ «شِرْكاً» صحيحة وجب ما قلنا أن يكون الكلام جعلا لغيره فـيه شركاً، وفـي نزول وحي الله بقوله { جَعَلا لَهُ } ما يوضح عن أن الصحيح من القراءة { شُرَكاءَ } بضم الشين علـى ما بـينت قبل. فإن قال قائل فإن آدم وحوّاء إنـما سميا ابنهما عبد الـحرث، والـحرث واحد، وقوله { شُرَكاءَ } جماعة، فكيف وصفهما جلّ ثناؤه بأنهما جعلا له شركاء، وإنـما أشركا واحداً؟ قـيـل قد دللنا فـيـما مضى علـى أن العرب تـخرج الـخبر عن الواحد مخرج الـخبر عن الـجماعة إذا لـم تقصد واحدا بعينه ولـم تسمه، كقوله{ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ } وإنـما كان القائل ذلك واحداً، فأخرج الـخبر مخرج الـخبر عن الـجماعة، إذ لـم يقصد قصده، وذلك مستفـيض فـي كلام العرب وأشعارها

وقال السمين

وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم " شِرْكاً " بكسر الشين وتسكين الراء وتنوين الكاف. والباقون بضمَّ الشين وفتح الراء ومدِّ الكافِ مهموزةً من غير تنوين، جمع شريك، فالشِرْك مصدرٌ ولا بد من حَذْف مضاف، أي: ذوي شِرْك بمعنى إشراك، فهو في الحقيقة اسمُ مصدر. وقيل: المرادُ بالشرك النصيبُ، وهو ما جعلاه مِنْ رزقهما له يأكله معهما، وكانا يأكلان ويشربان وحدَهما. فالضمير في " له " يعود على الولد الصالح. وقيل: الضمير في " له " لإِبليس ولم يَجْرِ له ذِكْر. وهذان الوجهان لا معنى لهما. وقال مكي وأبو البقاء وغيرهما: إن التقدير يجوز أن يكون: جَعَلا لغيره شِرْكاً. قلت: هذا الذي قدَّروه هؤلاء قد قال فيه أبو الحسن: " كان ينبغي لمَنْ قرأ " شِرْكاً " أن يقول: المعنى: جعلا لغيره شِرْكاً [فيما أتاهما] لأنهما لا يُنْكِران أن الأصل لله، فالشرك إنما لجعله لغيره ".

قوله: { فَتَعَالَى ظ±للَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } قيل: هذه جملةٌ استئنافية، والضميرُ في " يشركون " يعود على الكفار، والكلامُ قد تَمَّ قبله. وقيل: يعودُ على آدم وحواء وإبليس، والمرادُ بالإِشراك تسميتهُما لولدٍ ثالث بعبد الحرث، وكان أشار بذلك إبليس، فالإِشراك في التسمية فقط. وقيل: لم يكن آدمُ عَلِم، ويؤيد الوجهَ الأولَ قراءةُ السلمي " عَمَّا تشركون " بتاء الخطاب، وكذلك " أَتُشرِكون " بالخطاب أيضاً وهو التفات.

وقال ابو حيان

فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما } من جعل الآية في آدم وحواء جعل الضمائر والإخبار لهما وذكروا في ذلك محاورات جرت بين إبليس وآدم وحواء لم تثبت في قرآن ولا حديث صحيح فأطرحت ذكرها، وقال الزمخشري: والضمير في { آتيتنا } و { لنكونن } لهما ولكلّ من تناسل من ذريتهما { فلما آتاهما } ما طلبا من الولد الصالح السويّ { جعلا له شركاء } أي جعل أولادهما له شركاء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه وكذلك فيما آتاهما أي آتى أولادهما وقد دلّ على ذلك بقوله تعالى { فتعالى الله عما يشركون } حيث جمع الضمير، وآدم وحواء بريئان من الشرك ومعنى إشراكهم فيما آتاهم الله بتسمية أولادهم بعبد العزّى وعبد مناف وعبد شمس وما أشبه ذلك مكان عبد الله وعبد الرحمن وعبد الرحيم انتهى، وفي كلامه تفكيك للكلام عن سياقه وغيره ممن جعل الكلام لآدم وحواء جعل الشرك تسميتهما الولد الثالث عبد الحرث إذ كان قد مات لهما ولدان قبله كانا سمّيا كل واحد منهما عبد الله فأشار عليهما إبليس في أن يسميا هذا الثالث عبد الحرث فسمّياه به حرصاً على حياته فالشرك الذي جعلا الله هو في التسمية فقط ويكون الضمير في { يشركون } عائداً على آدم وحواء وإبليس لأنه مدبّر معهما تسمية الولد عبد الحرث، وقيل { جعلا } أي جعل أحدهما يعني حواء وأما من جعل الخطاب للناس وليس المراد في الآية بالنفس وزوجها آدم وحواء أو جعل الخطاب لمشركي العرب أو لقريش على ما تقدم ذكره فيتّسق الكلام اتساقاً حسناً من غير تكلف تأويل ولا تفكيك.

وقال السدّي والطبري: ثم أخبر آدم وحواء في قوله فيما آتاهما وقوله { فتعالى الله عما يشركون } كلام منفصل يراد به مشركو العرب، قال ابن عطية: وهذا تحكّم لا يساعده اللفظ انتهى، والضمير في { له } عائد على الله ومن زعم أنه عائد على إبليس فقوله بعيد لأنه لم يجر له ذكر وكذا يبعد قول من جعله عائداً على الولد الصالح وفسّر الشرك بالنصيب من الرزق في الدنيا وكانا قبله يأكلان ويشربان وحدهما ثم استأنف فقال: { فتعالى الله عن ما يشركون } يعني الكفار، وقرأ ابن عباس وأبو جعفر وشيبة وعكرمة ومجاهد وإبان بن ثعلب ونافع وأبو بكر عن عاصم شركاً على المصدر وهو على حذف مضاف أي ذا شرك ويمكن أن يكون أطلق الشرك على الشريك كقوله: زيد عدل، قال الزمخشري: أو أحدثا لله إشراكاً في الولد انتهى، وقرأ الأخوان وابن كثير وأبو عمر وشركاء على الجمع ويبعد نوجيه الآية أنها في آدم وحواء على هذه القراءة وتظهر باقي الأقوال عليها، وفي مصحف أبيّ { فلما آتاهما صالحاً } أشركا فيه، وقرأ السلمي { عما تشركون } بالتاء التفاتاً من الغيبة للخطاب وكان الضمير بالواو وانتقالاً من التثنية للجمع وتقدم توجيه ضمير الجمع على من يعود....

وقال ابن عطية

وقرأ نافع والحسن وأبو جعفر وأبو عمرو وعاصم " عما يشركون أيشركون " بالياء من تحت فيهما، وقرأ أبو عبد الرحمن " عما تشركون " بالتاء من فوق " أتشركون مالا يخلق " الآية، وروى بعض من قال إن الآيات في آدم وحواء أن إبليس جاء إلى آدم وقد مات له ولد اسمه عبد الله فقال: إن شئت أن يعيش لك الولد فسمه عبد شمس، فولد له ولد فسماه كذلك وإياه عنى بقوله { أيشركون مالا يخلق شيئاً } ، { وهم يخلقون } على هذا عائد على آدم وحواء والابن المسمى عبد شمس، ومن قال بالقول الآخر قال إن هذه في مشركي الكفار الذين يشركون الأصنام في العبادة وإياها أراد بقوله { ما لا يخلق } ، وعبر عنها بهم كأنها تعقل على اعتقاد الكفار فيها وبحسب أسمائها، و { يخلقون } معناه ينحتون ويصنعون، ويحتمل على قراءة " يشركون " بالياء من تحت أني كون المعنى وهؤلاء المشركون يخلقون، أي فكان قولهم أن يعتبروا بأنهم مخلوقون فيجعلون إلههم خالقهم لا من لا يخلق شيئاً.

قوله تعالى: { ولا يستطيعون } الآية، هذه تخرج على تأويل من قال إن المراد آدم وحواء والشمس على ما تقدم، ولكن بقلق وتعسف من المتأول في المعنى، وإنما تتسق هذه الآيات ويروق نظمها ويتناصر معناها على التأويل الآخر، والمعنى ولا ينصرون أنفسهم من أمر الله وإرادته، ومن لا يدفع عن نفسه فأحرى أن لا يدفع عن غيره.

وقوله تعالى: { وإن تدعوهم إلى الهدى } الآية، من قال إن الآيات في آدم عليه السلام قال إن هذه مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته مستأنفة في أمر الكفار المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم، و { لهم } الهاء والميم من { تدعوهم } ، ومن قال بالقول الآخر قال إن هذه مخاطبة للمؤمنين والكفار على قراءة من قرأ " يشركون " بالياء من تحت، وللكفار فقط على من قرأ بالتاء من فوق على جهة التوقيف، أي إن هذه حال الأصنام معكم إن دعوتموهم لم يجيبوكم إذ ليس لهم حواس ولا إدراكات، وقرأ نافع وحده " لا يتْبَعوكم " بسكون التاء وفتح الباء وقرأ الباقون " لا يتَّبِعوكم " بشد التاء المفتوحة وكسر الباء والمعنى واحد،....

اسامة محمد خيري
04-11-2018, 06:30
الجوهرة الثالثة والثلاثون بعد المائة

إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }

قال السمين

قوله تعالى: { إِنَّ ظ±لَّذِينَ }: العامَّة على تشديد إنَّ فالموصولُ اسمُها وعبادٌ خبرها. وقرأ سعيد بن جبير بتخفيف " إنْ " ونصب " عباد " و " أمثالكم ". وقد خَرَّجها أبو الفتح ابن جني وغيره أنها " إنْ " النافيةُ، وهي عاملةٌ عملَ " ما " الحجازية، وهذا مذهب الكسائي وأكثرُ الكوفيين غيرَ الفراء، وقال به من البصريين ابن السراج والفارسي وابن جني، واختلف النقل عن سيبويه والمبرد. والصحيح أن إعمالَها لغةٌ ثابتة نظماً ونثراً وأنشدوا:
2360ـ إنْ هو مستولياً على أحد إلا على أَضْعف المجانين
ولكن قد استشكلوا هذه القراءة من حيث إنها تنفي كونهم عباداً أمثالهم، والقراءة الشهيرة تُثْبت ذلك، ولا يجوز التناقض في كلام الله تعالى. وقد أجابوا عن ذلك بأن هذه القراءة تُفْهم تحقيرَ أمرِ المعبود من دون الله وغباوةَ عابدِه، وذلك أن العابدين أتمُّ حالاً وأقدرُ على الضرِّ والنفع من آلهتهم فإنها جمادٌ لا تفعل شيئاً من ذلك فكيف يَعْبُد الكاملُ مَنْ هو دونَه؟ فهي موافقةٌ للقراءة المتواترة بطريق الأَوْلى.

وقد ردَّ أبو جعفر هذه القراءة بثلاثة أوجه، أحدها: مخالفتُها لسواد المصحف. الثاني: أن سيبويه يختار الرفع في خبر " إنْ " المخففة فيقول: " إنْ زيد منطلق " لأن عَمَلَ " ما " ضعيف و " إنْ " بمعناها فهي أضعف منها. الثالث: أن الكسائي لا يرى أنها تكون بمعنى " ما " إلا أن يكون بعدها إيجاب. وما ردَّ به النحاس ليس بشيء لأنها مخالَفَةٌ يسيرة. قال الشيخ: " ويجوز أن يكون كتب المنصوب على لغة ربيعة في الوقف على المنون المنصوب بغير ألف فلا تكون فيه مخالِفَةً للسواد ". وأما سيبويه فاختلف الناس في الفهم عنه في ذلك. وأما الكسائي فهذا القيد غير معروف له. وخرَّج الشيخ القراءة على أنها " إنْ " المخففة قال: " وإنْ المخففة تعمل في القراءة المتواترة كقراءة " وإنْ كلاً " ، ثم إنها قد ثبت لها نصب الجُزْأَين، وأنشد:
2361ـ................ ............... إنَّ حُرَّاسنا أُسْدا
قال: " وهي لغة ثابتة " ثم قال: " فإن تأوَّلنا ما ورد من ذلك نحو:
2362ـ يا ليت أيامَ الصِّبا رواجعا
أي: تُرى رواجعا/ فكذلك هذه يكون تأويلها: إن الذين تدعون من دون الله خلقناهم عباداً أمثالكم ". قلت: فيكون هذا التخريج مبنياً على مذهبين أحدهما: إعمال المخففة وقد نصَّ جماعة من النحويين على أنه أقل من الإِهمال، وعبارة بعضهم " إنه قليل " ولا أرتضيه لوروده في المتواتر. والثاني: أن " إنَّ " وإخواتها تنصب الجزأين وهو مذهب مرجوح. وقد تحصَّل في تخريج هذه القراءة ثلاثة أوجه: كون " إنْ " نافيةً عاملةً، أو المخففة الناصبة للجزأين، أو النصب بفعل مقدر هو خبر لها في المعنى....

وقال القرطبي

. وقرأ سعيد بن جبير: «إن الذين تدعون من دون الله عباداً أمثالكم» بتخفيف «إن» وكسرها لالتقاء الساكنين، ونصب «عبَاداً» بالتنوين، «أمثالَكم» بالنصب. والمعنى: ما الذين تدعون من دون الله عباداً أمثالكم، أي هي حجارة وخشب؛ فأنتم تعبدون ما أنتم أشرف منه. قال النحاس: وهذه قراءة لا ينبغي أن يقرأ بها من ثلاث جهات: أحدها ـ أنها مخالفة للسّواد. والثانية ـ أن سيبويه يختار الرفع في خبر إنْ إذا كانت بمعنى ما، فيقول: إنْ زيد منطلق؛ لأن عمل «ما» ضعيف، و «إنْ» بمعناها فهي أضعف منها. والثالثة ـ إن الكسائيّ زعم أن «إنْ» لا تكاد تأتي في كلام العرب بمعنى «ما»، إلا أن يكون بعدها إيجاب؛ كما قال عز وجل: { إِنِ ظ±لْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ }

وقال ابن عطية

وقرأ سعيد بن جبير " إن الذين تدعون من دون الله عباداً أمثالكم " بتخفيف النون من " إنْ " على أن تكون بمعنى ما وبنصب قوله " عباداً وأمثالكم " ، والمعنى بهذه القراءة تحقير شأن الأصنام ونفي مماثلتهم للبشر، بل هم أقل وأحقر إذ هي جمادات لا تفهم ولا تعقل، وسيبويه يرى أن " إن " إذا كانت بمعنى " ما " فإنها تضعف عن رتبة " ما " فيبقى الخبر مرفوعاً وتكون هي داخلة على الابتداء والخبر لا ينصبه، فكان الوجه عنده في هذه القراءة " إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم " وأبو العباس المبرد يجيز أن تعمل عمل " ما " في نصب الخبر، وزعم الكسائي أن " إن " بمعنى " ما " لا تجيء إلا وبعدها إلا كقوله تعالى:{ إن الكافرون إلا في غرور } [الملك:20]

ملحوظة

قلت انا اسامة اعجبنى قول ان غرض القراءة الشاذة تحقير الاصنام ويظهر هذا فى الاية بعدها للمتأمل الهم ارجل ومن هنا تفهم قول الرازى :

اعلم أن هذا نوع آخر من الدليل في بيان أنه يقبح من الإنسان العاقل أن يشتغل بعبادة هذه الأصنام. وتقريره أنه تعالى ذكر في هذه الآية أعضاء أربعة، وهي الأرجل والأيدي والأعين والآذان، ولا شك أن هذه الأعضاء إذا حصل في كل واحدة منها ما يليق بها من القوى المحركة والمدركة تكون أفضل منها إذا كانت خالية عن هذه القوى، فالرجل القادرة على المشي واليد القادرة على البطش أفضل من اليد والرجل الخاليتين عن قوة الحركة والحياة، والعين الباصرة والأذن السامعة أفضل من العين والأذن الخاليتين عن القوة الباصرة والسامعة، وعن قوة الحياة، وإذا ثبت هذا ظهر أن الإنسان أفضل بكثير من هذه الأصنام، بل لا نسبة لفضيلة الإنسان إلى فضل هذه الأصنام البتة، وإذا كان كذلك فكيف يليق بالأفضل الأكمل الأشرف أن يشتغل بعبادة الأخس الأدون الذي لا يحس منه فائدة البتة، لا في جلب المنفعة ولا في دفع المضرة. هذا هو الوجه في تقرير هذا الدليل الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية، وقد تعلق بعض أغمار المشبهة وجهاً لهم بهذه الآية في إثبات هذه الأعضاء لله تعالى. فقالوا: إنه تعالى جعل عدم هذه الأعضاء لهذه الأصنام دليلاً على عدم إلهيتها، فلو لم تكن هذه الأعضاء موجودة لله تعالى لكان عدمها دليلاً على عدم الإلهية وذلك باطل، فوجب القول بإثبات هذه الأعضاء لله تعالى. والجواب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن المقصود من هذه الآية: بيان أن الإنسان أفضل وأكمل حالاً من الصنم، لأن الإنسان له رجل ماشية، ويد باطشة، وعين باصرة، وأذن سامعة، والصنم رجله غير ماشية، ويده غير باطشة، وعينه غير مبصرة، وأذنه غير سامعة، وإذا كان كذلك كان الإنسان أفضل وأكمل حالاً من الصنم، واشتغال الأفضل الأكمل بعبادة الأخس الأدون جهل، فهذا هو المقصود من ذكر هذا الكلام، لا ما ذهب إليه وهم هؤلاء الجهال.....

اسامة محمد خيري
04-11-2018, 06:40
الجوهرة الرابعة والثلاثون بعد المائة

إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ }

قال السمين

قوله تعالى: { إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ }: العامة على تشديد " وليي " مضافاً لياء المتكلم المفتوحة وهي قراءة واضحة. أضاف الوليّ إلى نفسه.

وقرأ أبو عمرو في بعض طرقه: " إن وليَّ " بياء واحدة مشددة مفتوحة، وفيها تخريجان أحدهما: قال أبو علي: " إن ياء فعيل مدغمةٌ في ياء المتكلم، وإن الياء التي هي لام الكلمة محذوفةٌ، ومنع من العكس. والثاني: أن يكون " وليَّ " اسمها وهو اسمٌ نكرةٌ غيرُ مضاف لياء المتكلم والأصل: إن ولياً الله، فولياً اسمُها واللهُ خبرها، ثم حذف التنوين لالتقاء الساكنين كقوله:
2363ـ فالفيته غيرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذاكرَ اللهَ إلا قليلا
وكقراءة من قرأ: { قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدُ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ } [الصمد: 1-2]. ولم يبق إلا الإِخبارُ عن نكرةٍ بمعرفة وهو واردٌ، قال الشاعر:
2364ـ وإنَّ حراماً أن أَسُبَّ مجاشعاً بآبائي الشمِّ الكرام الخضارم
وقرأ الجحدري في رواية: " إن وليِّ الله " بكسر الياء مشددة، وأصلُها أنه سَكَّن ياء المتكلم فالتقت مع لام التعريف، فحذفت لالتقاء الساكنين وبقيت الكسرة تدلُّ عليها نحو: إنَّ غلامِ الرجلُ. وقرأه في رواية أخرى: " إن وليَّ الله " بياء مشددة والجلالة بالجر، نقلها عنه أبو عمرو الداني، أضاف الوليّ إلى الجلالة. وذكر الأخفش وأبو حاتم هذه القراءة عنه، ولم يذكرا نصب الياء. وخرَّجها الناس على ثلاثة أوجه، الأول ـ قولُ الأخفش ـ وهو أن يكون وليّ الله اسمها، والذي نزَّل الكتاب خبرها، والمراد بالذي نزَّل الكتاب جبريل، يدلُّ عليه قولُه تعالى{ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ } [الشعراء: 193]{ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ } [النحل: 102] إلا أن الأخفش قال في قوله " وهو يتولى الصالحين " هو مِنْ صفة الله قطعاً لا من صفة جبريل، وفي تَحَتُّم ذلك نظرٌ. والثاني: أن يكون الموصوف بتنزيل الكتاب هو الله تعالى، والمراد بالموصول النبي صلى الله عليه وسلم ويكون ثَمَّ عائدٌ محذوف لفهم المعنى، والتقدير: إنَّ وليَّ الله النبيُّ الذي نَزَّل الله الكتاب عليه، فحذف " عليه " وإن لم يكن مشتملاً على شروط الحذف لكنه قد جاء قليلاً كقوله:/
2365ـ وإن لساني شُهْدةٌ يُشْتفى بها وهُوَّ على مَنْ صَبَّه الله عَلْقَمُ
أي: صَبَّه الله عليه. وقال آخر:
2366ـ فأصبح من أسماء قيسٍ كقابضٍ على الماء لا يدري بما هو قابضُ
أي: بما هو قابض عليه. وقال آخر:
2367ـ لعلَّ الذي أَصْعَدْتِني أن يَرُدَّني إلى الأرض إن لم يَقْدِرِ الخيرَ قادرُهْ
أي: أَصْعَدْتني به. وقال آخر:
2368ـ ومِنْ حَسَدٍ يجورُ عليَّ قومي وأيُّ الدهر ذو لم يحسُدوني
وقال آخر:
2369ـ فقلت لها لا والذي حَجَّ حاتمٌ أخونُكِ عهداً إنني غيرُ خَوَّانِ
أي: حجَّ إليه. وقال آخر:
2370ـ فَأَبْلِغَنَّ خالدَ بنَ عَضْلَةٍ والمَرْءُ مَعْنِيٌّ بلومِ مَنْ يثقْ
أي: يثق به، وإذا ثَبَتَ أن الضميرَ يُحْذف في مثل هذه الأماكن وإن لم يكمل شرطُ الحذف فلهذه القراءة في التخريج المذكور أسوة بها. والثالث: أن يكون الخبر محذوفاً تقديره: إن وليَّ الله الصالحُ أو مَنْ هو صالح، وحُذف لدلالة قوله " وهو يتولَّى الصالحين " وكقوله:{ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ } [أي: معذَّبون، وكقوله:{ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ } [الحج: 25].

اسامة محمد خيري
04-11-2018, 06:46
الجوهرة الخامسة والثلاثون بعد المائة

قال القرطبي

قوله تعالىظ°: { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ } يريد الشرك والمعاصي. { إِذَا مَسَّهُمْ طَيْفٌ مِّنَ ظ±لشَّيْطَانِ } هذه قراءة أهل البصرة وأهل مكة وقراءة أهل المدينة وأهلِ الكوفة «طَائِفٌ». وروي عن سعيد بن جبير «طَيّفٌ» بتشديد الياء. قال النحاس: كلام العرب في مثل هذا «طَيْفٌ» بالتخفيف؛ على أنه مصدر من طاف يَطِيفُ. قال الكسائيّ: هو مخّفف من «طَيِّف» مثل مَيْتٌ ومَيِّتٌ. قال النحاس: ومعنىظ° «طَيْف» في اللغة ما يُتخيلَّ في القلب أو يُرَىظ° في النوم؛ وكذا معنىظ° طائف. وقال أبو حاتم: سألت الأصْمَعيّ عن طَيّف؛ فقال: ليس في المصادر فيعل. قال النحاس: ليس هو بمصدر، ولكن يكون بمعنىظ° طائف. والمعنىظ°: إن الذين ظ±تقوا المعاصي إذا لحقهم شيء تفكروا في قدرة الله عز وجل وفي إنعامه عليهم فتركوا المعصية؛ وقيل: الطَّيْفُ والطّائِفُ معنيان مختلفان. فالأول ـ التخيّل. والثاني ـ الشيطان نفسه. فالأول مصدر طاف الخيال يَطُوف طَيْفاً؛ ولم يقولوا من هذا طائف في اسم الفاعل. قال السهيلِيّ: لأنه تخَيُّل لا حقيقة له. فأما قوله:{ فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ } [القلم: 19] فلا يقال فيه: طيْفٌ؛ لأنه اسم فاعل حقيقة، ويقال: إنه جبريل. قال الزجاج: طفت عليهم أطوف، وطاف الخيال يَطيف. وقال حسان:
فَدَعْ هذا ولكن مَن لِطَيْف يُؤَرّقُني إذا ذهب العِشَاء
مجاهد: الطّيْف الغضب. ويسمىظ° الجنون والغضب والوسوسة طَيْفاً؛ لأنه لَمَّةٌ من الشيطان تُشَبَّه بَلّمة الخيال....

وقرأ نافع «يُمِدُّونَهُمْ» بضم الياء وكسر الميم. والباقون بفتح الياء وضم الميم. وهما لغتان مَدّ وأمَدّ. ومَدّ أكثر، بغير الألف؛ قاله مكيّ. النحاس: وجماعة من أهل العربية ينكرون قراءة أهل المدينة؛ منهم أبو حاتم وأبو عبيد، قال أبو حاتم: لا أعرف لها وجهاً، إلا أن يكون المعنىظ° يزيدونهم في الغيّ. وحكى جماعة من أهل اللغة منهم أبو عبيد أنه يقال إذا كَثّر شيء شيئاً بنفسه مدّه، وإذا كثّرة بغيره قيل أمَدّه؛ نحو{ يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاغ¤فٍ مِّنَ ظ±لْمَلاغ¤ئِكَةِ مُسَوِّمِينَ } [آل عمران: 125]. وحكي عن محمد بن يزيد أنه احتج لقراءة أهل المدينة قال: يقال مددت له في كذا أي زيّنته له واستدعيته أن يفعله. وأمددته في كذا أي أعنته برأي أو غير ذلك. قال مكيّ: والاختيار الفتح؛ لأنه يقال: مددت في الشر، وأمددت في الخير؛ قال الله تعالىظ°:{ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } [البقرة: 15]. فهذا يدل على قوة الفتح في هذا الحرف؛ لأنه في الشر، والغيّ هو الشر، ولأن الجماعة عليه. وقرأ عاصم الجَحْدَرِيّ «يُمَادُّونهُمْ فِي الغيّ».....

وقال ابن عطية

وقرأ جميع السبعة غير نافع " يمدونهم " من مددت، وقرأ نافع وحده " يُمدونهم " بضم الياء من أمددت، فقال أبو عبيدة وغيره: مد الشيء إذا كانت الزيادة من جنسه وأمده شيء آخر.

قال القاضي أبو محمد: وهذا غير مطرد، وقال الجمهور هما بمعنى واحد إلا أن المستعمل في المحبوب أمد فمنه قوله تعالى:{ إنما نمدهم به من مال وبنين } [المؤمنون:55] وقوله{ وأمددناهم بفاكهة } [الطور:22] وقوله{ أتمدونني بمال } [النمل:36] والمستعمل في المكروه مد فمنه قوله تعالى:{ ويمدهم في طغيانهم } [البقرة:15] ومد الشيطان للكفرة في الغي هو التزيين لهم والإغواء المتتابع: فمن قرأ في هذه الآية " يمُدونهم " بضم الميم فهو على المنهاج المستعمل، ومن قرأ " يمدونهم " فهو مقيد بقوله في الغي كما يجوز أن تقيد البشارة فتقول بشرته بشر، وقرأ الجحدري " يمادّونهم " ، وقوله { ثم لا يقصرون } عائد على الجمع أي هؤلاء لا يقصرون في الطاعة للشياطين والكفر بالله عز وجل، وقرأ جمهور الناس " يُقصرون " من أقصر، وقرأ ابن أبي عبلة وعيسى بن عمر " يَقصرون " من قصر.

وقال ابن الجوزى

قوله تعالى: { ثم لا يقصرون } وقرأ الزهري، وابن أبي عبلة: «لا يقصِّرون» بالتشديد. قال الزجاج: يقال: أقصر يُقْصِر، وقصّر يقصِّر. قال ابن عباس: لا الإنس يقصِّرون عما يعملون من السيئات، ولا الشياطين تُقصِر عنهم؛ فعلى هذا يكون قوله: «يقصرون» من فعل الفريقين، وهذا على القول المشهور؛ ويخرّج على القول الثاني أن يكون هذا وصفاً للاخوان فقط.

اسامة محمد خيري
04-11-2018, 10:34
الجوهرة السادسة والثلاثون بعد المائة

سورة الانفال

قال ابن عطية

والأكثر في هذه الآية أن السؤال إنما هو عن حكم " الأنفال " فهو من الضرب الأول، وقالت فرقة إنما سألوه الأنفال نفسها أن يعطيهم إياها، واحتجوا في ذلك بقراءة سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وعلي بن الحسين وأبي جعفر محمد بن علي وزيد بن علي وجعفر بن محمد وطلحة بن مصرف وعكرمة والضحاك وعطاء " يسألونك الأنفال " ، وقالوا في قراءة من قرأ عن أنها بمعنى " من " ، فهذا الضرب الثاني من السؤال......

وقال ابن الجوزى فى تفسيره

وفي «عن» قولان.

أحدهما: أنها زائدة، والمعنى: يسألونك الأنفال، وكذلك قرأ سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وأُبيُّ بن كعب، وأبو العالية: «يسألونك الأنفال» بحذف { عن }.

والثاني: أنها أصل، والمعنى: يسألونك عن الأنفال لمن هي؟ أو عن حكم الأنفال؛ وقد ذكرنا في سبب نزولها ما يتعلق بالقولين. وذُكر أنهم إنما سألوا عن حكمها لأنها كانت حراماً على الأُمم قبلهم.

اسامة محمد خيري
04-11-2018, 11:16
الجوهرة السابعة والثلاثون بعد المائة

قال الطبري

حُدثت عن الـحسين، قال سمعت أبـا معاذ، قال ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال سمعت الضحاك يقول فـي قوله { بألْفٍ مِنَ الـمَلائِكَةِ مُرْدِفِـينَ } يقول متتابعين يوم بدر. واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة «مُرْدَفِـينَ» بنصب الدال. وقرأه بعض الـمكيـين وعامَّة قرّاء الكوفـيـين والبصريـين { مُرْدِفِـينَ }. وكان أبو عمرو يقرؤه كذلك، ويقول فـيـما ذُكر عنه هو من أردف بعضهم بعضاً. وأنكر هذا القول من قول أبـي عمرو بعض أهل العلـم بكلام العرب، وقال إنـما الإرداف أن يحمل الرجل صاحبه خـلفه، قال ولـم يسمع هذا فـي نعت الـملائكة يوم بدر. واختلف أهل العلـم بكلام العرب فـي معنى ذلك إذا قرىء بفتـح الدال أو بكسرها، فقال بعض البصريـين والكوفـيـين معنى ذلك إذا قرىء بـالكسر أن الـملائكة جاءت يتبع بعضهم بعضاً علـى لغة من قال أردفته وقالوا العرب تقول أردفته وردفته، بـمعنى تبعته وأتبعته. واستشهد لصحة قولهم ذلك بـما قال الشاعر
إذَا الـجَوْزَاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيَّا ظَنَنْتُ بِآلِ فـاطِمَة الظُّنُونا
قالوا فقال الشاعر «أردفت»، وإنـما أراد «ردفتُ» جاءت بعدها، لأن الـجوزاء تـجىء بعد الثريا. وقالوا معناه إذا قرىء { مُرْدَفِـينَ } أنه مفعول بهم، كأن معناه بألف من الـملائكة يُردف الله بعضهم بعضاً. وقال آخرون معنى ذلك إذا كسرت الدال أردفت الـملائكة بعضها بعضاً، وإذا قرىء بفتـحها أردف الله الـمسلـمين بهم. والصواب من القراءة فـي ذلك عندي قراءة من قرأ { بألْفٍ مِنَ الـمَلائِكَةِ مُرْدِفِـينَ } بكسر الدال لإجماع أهل التأويـل علـى ما ذكرت من تأويـلهم أن معناه يتبع بعضهم بعضا ومتتابعين. ففـي إجماعهم علـى ذلك من التأويـل الدلـيـل الواضح علـى أن الصحيح من القراءة ما اخترنا فـي ذلك من كسر الدال، بـمعنى أردف بعض الـملائكة بعضاً، ومسموع من العرب جئت مِرْدِفـا لفلان أي جئت بعده. وأما قول من قال معنى ذلك إذا قرىء «مُرْدَفِـينَ» بفتـح الدال أن الله أردف الـمسلـمين بهم، فقول لا معنى له إذ الذكر الذي فـي مردفـين من الـملائكة دون الـمؤمنـين. وإنـما معنى الكلام أن يـمدّكم بألف من الـملائكة يردَف بعضهم ببعض، ثم حذف ذكر الفـاعل، وأخرج الـخبر غير مسمى فـاعله، فقـيـل { مُرْدَفِـينَ } بـمعنى مردَف بعضُ الـملائكة ببعض، ولو كان الأمر علـى ما قاله من ذكرنا قوله وجب أن يكون فـي الـمردَفـين ذكر الـمسلـمين لا ذكر الـملائكة، وذلك خلاف ما دلّ علـيه ظاهر القرآن. وقد ذكر فـي ذلك قراءة أخرى، وهي ما حدثنـي الـمثنى، قال ثنا إسحاق، قال قال عبد الله بن يزيد «مُرْدِفِـينَ»، ومُرْدَفِـينَ و «مُرْدِّفِـينَ»، مثقل علـى معنى مُرْتَدِفـين. حدثنا الـمثنى، قال ثنا إسحاق، قال ثنا يعقوب بن مـحمد الزهري، قال ثنـي عبد العزيز بن عمران عن الربعي، عن أبـي الـحويرث، عن مـحمد بن جبـير، عن علـيّ رضي الله عنه، قال نزل جبريـل فـي ألف من الـملائكة عن ميـمنة النبـيّ صلى الله عليه وسلم، وفـيها أبو بكر رضي الله عنه، ونزل ميكائيـل علـيه السلام فـي ألف من الـملائكة عن ميسرة النبـيّ صلى الله عليه وسلم، وأنا فـيها.

اسامة محمد خيري
04-11-2018, 11:26
الجوهرة الثامنة والثلاثون بعد المائة

قال ابن عطية

، وقرأ نافع " يُغْشيكم " بضم الياء وسكون الغين وهي قراءة الأعرج وأبي حفص وابن نصاح، وقرأ عاصم وحمزة وابن عامر والكسائي " يغَشِّيكم " بفتح الغين وشد الشين المكسورة وهي قراءة عروة بن الزبير وأبي رجاء والحسن وعكرمة وغيرهم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " يَغشاكم " بفتح الياء وألف بعد الشين وهي قراءة مجاهد وابن محيصن وأهل مكة " النعاسُ " بالرفع، وحجة من قرأ " يغشاكم " إجماعهم في آية أحد على{ يغشى طائفة منكم } [آل عمران:154]، وحجة من قرأ " يغشيكم " أن يجيء الكلام متسقاً مع { ينزل } ، ومعنى { يغشيكم } يغطيكم به ويفرغه عليكم، وهذه استعارة

وقال السمين

قوله: { مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ } العامَّةُ على " ماءً " بالمد. و " ليطهركم " متعلِّقٌ بـ " يُنَزِّل ". وقرأ الشعبي " ما ليطهركم " بألفٍ مقصورة، وفيها تخريجان أظهرهما ـ وهو الذي ذكره ابن جني وغيره ـ أنَّ " ما " بمعنى الذي، و " ليطهِّرَكم " صلتُها، وقال بعضهم: تقديره: الذي هو ليطهركم، فقدَّر الجارَّ خبراً لمبتدأ محذوفٍ، والجملةُ صلة لـ " ما ". وقد ردَّ الشيخ هذين التخريجين بأن لامَ " كي " لا تقعُ صلةً. والثاني: أن " ما " هو ماء بالمد، ولكن العرب قد حَذَفَتْ همزتَه فقالوا: " شربت ماً " بميم منونة، حكاه ابن مقسم، وهذا لا نظيرَ له إذ لا يجوز أن يُنْتَهَك اسمٌ مُعْرَبٌ بالحذف حتى يبقى على حرفٍ واحد.

وقال السمين

والعامة على " رِجز " بكسرِ الراء والزاي. وقرأ ابن محيصن بضم الراء، وابنُ أبي عبلة بالسين. وقد تقدَّم الكلامُ على كل واحد منها. ومعنى " رجز الشيطان " هنا ما ينشأُ عن وسوسته.

ملحوظة

قال فى البقرة

{ فَبَدَّلَ الذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ }

والرِّجْزُ: العَذَابُ، وفيه لغةٌ أخرى وهي ضَمُّ الراءِ، وقُرِئ بهما وقيل: المضمومُ اسمُ صَنَمٍ، ومنه:{ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ } [المدثر: 5] وذلك لأنَه سببُ العذابِ. وقال الفراء: " الرِّجْزُ والرِّجْسُ ـ بالزاي والسين ـ بمعنَىً كالسُّدْغِ والزُّدْغِ، والصحيحُ أن الرِّجْزَ: القَذَرُ وسيأتي بيانُه، والرَّجَزُ داءٌ يُصيبُ الإِبلِ فترتعشُ منه، ومنه بَحْر الرَّجَز في الشعر.

وقال السمين

قوله: { وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ } قرأ نافع وابن عامر وحفصٌ عن عاصم بالفتح والباقون بالكسر. فالفتح من أوجه أحدها: أنه على لام العلة تقديره: ولأن الله مع المؤمنين كان كيت وكيت. والثاني: أنَّ التقدير: ولأن الله مع المؤمنين امتنع عنادهم. والثالث: أنه خبرُ مبتدأ محذوف، أي: والأمر أن الله مع المؤمنين. وهذا الوجهُ الأخيرُ يَقْرُب في المعنى مِنْ قراءة الكسر لأنه استئناف.

اسامة محمد خيري
04-11-2018, 12:43
الجوهرة التاسعة والثلاثون بعد المائة

{ وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ

قال ابن عطية

هذه الآية تحتمل تأويلات، أسبقها إلى النفس أن يريد الله أن يحذر جميع المؤمنين من فتنة إن أصابت لم تخص الظلمة فقط، بل تصيب الكل من ظالم وبريء، وهذا التأويل تأول فيها الزبير بن العوام رضي الله عنه، فإنه قال يوم الجمل وما علمت أنَّا أردنا بهذه الآية إلا اليوم، وما كنت أظنها إلا فيمن خوطب بها ذلك الوقت، وكذلك تأول الحسن البصري، فإنه قال: هذه الآية في علي وعمار وطلحة والزبير، وكذلك تأول ابن عباس، فإنه قال: أمر الله المؤمنين في هذه الآية أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب، وبينه القتبي فيما ذكر مكي عنه بياناً شافياً.

قال القاضي أبو محمد: فيجيء قوله { لا تصيبن } على هذا التأويل صفة لـ { فتنة } ، فكان الواجب إذا قدرنا ذلك أن يكون اللفظ لا تصيب وتلطف لدخول النون الثقيلة في الخبر عن الفتنة فقال الزجّاج: زعم بعض النحويين أن الكلام جزاء فيه طرق من النهي، قال ومثله قوله تعالى:{ ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم } [النمل:18] فالمعنى أن تدخلوا لا يحطمنكم فكذلك هذا إن تتقوا لا تصيبن، وقال قوم: هو خبر بمعنى الجزاء فلذلك أمكن دخول النون، وقال المهدوي: وقيل هو جواب قسم مقدر تقديره واتقوا فتنة لا تصيبن، ودخلت النون مع لا حملاً على دخولها مع اللام فقط.

قال القاضي أبو محمد: وهذا في القول تكره، لأن جواب القسم إذا دخلته " لا " أو كان منفياً في الجملة لم تدخل النون، وإذا كان موجباً دخلته اللام والنون الشديدة كقوله والله لا يقوم زيد والله ليقومن زيد، هذا هو قانون الباب ولكن معنى هذه الآية يستقيم مع التكره الذي ذكرناه والتأويل الآخر في الآية هو أن يكون قوله { واتقوا فتنة } خطاباً عاماً لجميع المؤمنين مستقلاً بنفسه تم الكلام عنده ثم ابتدأ نهي الظلمة خاصة عن التعرض للظلم فتصيبهم الفتنة خاصة وأخرج النهي على جهة المخاطبة للفتنة فهو نهي محول.

والعرب تفعل هذا كما قالوا لا أرينك ها هنا يريدون لا تقم ها هنا فتقع مني رؤيتك، ولم يريدوا نهي الإنسان الرائي نفسه، فكذلك المراد في الآية لا يقع من ظلمتكم ظلم فتقع من الفتنة إصابتهم، نحا إليه، الزجّاج، وهو قول أبي العباس المبرد وحكاه النقاش عن الفراء، ونهي الظلمة ها هنا بلفظ مخاطبة الجمع كما تقول لقوم لا يفعل سفهاءكم كذا وكذا وأنت إنما تريد نهي السفهاء فقط، و { خاصة } نعت لمصدر محذوف تقديره إصابة خاصة، فهي نصب على الحال لما انحذف المصدر من الضمير في { تصيبن } وهذا الفعل هو العامل، ويحتمل أن تكون { خاصة } حالاً من الضمير في { ظلموا } ولا يحتاج إلى تقدير مصدر محذوف والأول أمكن في المعنى،

وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبو جعفر محمد بن علي والربيع بن أنس وأبو العالية وابن جماز " لتصيبن " باللام على جواب قسم، والمعنى على هذا وعيد الظلمة فقط، قال أبو الفتح: يحتمل أن يراد بهذه القراءة " لا تصيبن " فحذف الألف من " لا " تخفيفاً واكتفاء بالحركة كما قالوا أم والله ويحتمل أن يراد بقراءة الجماعة، " لا تصيبن " فمطلت حركة اللام فحدثت عنها ألف.......

وقال القرطبي

واختلف النحاة في دخول النون في «لاَ تُصِيبنَّ». قال الفراء: هو بمنزلة قولك: ظ±نزل عن الدابة لا تطرحنّك؛ فهو جواب الأمر بلفظ النهي؛ أي إن تنزل عنها لا تطرحنّك. ومثله قوله تعالىظ°:{ ظ±دْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ } [النمل: 18]. أي إن تدخلوا لا يحطمنكم؛ فدخلت النون لما فيه من معنىظ° الجزاء. وقيل: لأنه خرج مخرج القَسَم، والنون لا تدخل إلا على فعل النهي أو جواب القَسَم. وقال أبو العباس المبّرد: إنه نهي بعد أمر، والمعنىظ° النّهْيُ للظالمين؛ أي لا تقربن الظلم. وحكى سيبويه: لا أرينّك هاهنا؛ أي لا تكن هظ°هنا؛ فإنه من كان هظ°اهنا رأيته. وقال الجُرْجانيّ: المعنىظ° ظ±تقوا فتنة تصيب الذين ظلموا خاصة. فقوله { لاَّ تُصِيبَنَّ } نهي في موضع وصف النكرة؛ وتأويله الإخبار بإصابتها الذين ظلموا. وقرأ عليّ وزيد بن ثابت وأبَيّ وظ±بن مسعود «لتصيبن» بلا ألف. قال المهدَوِيّ: من قرأ «لتصيبن» جاز يكون مقصوراً من «لا تصيبن» حذفت الألف كما حذفت من «ما» وهي أخت «لا» في نحو أمَ والله لأفعلنّ، وشبهه. ويجوز أن تكون مخالفة لقراءة الجماعة؛ فيكون المعنى أنها تصيب الظالم خاصة.

وقال السمين

قوله تعالى: { وَإِذْ يَمْكُرُ }: هذا الظرفُ معطوفٌ على الظرف قبله، و " ليُثْبتوك " متعلِّقٌ بـ " يَمْكُرُ ". والتثبيتُ هنا الضربُ حتى لا يبقى للمضروبِ حركةٌ قال:
2408ـ فقلت وَيْحَكَ ماذا في صحيفتكمْ قالوا الخليفةُ أمسى مُثْبَتاً وجِعا
وقرأ ابن وثاب " لِيُثَبِّتوك " فعدَّاه بالتضعيف. وقرأ النخعي " ليُبَيِّتُوك " من البيات.

وقال ابن عطية

وقرأ حمزة والكسائي " ليُمَيّز " بضم الياء وفتح الميم وشد الياء، وهي قراءة الأعرج وطلحة بن مصرف والأعمش والحسن أيضاً عيسى البصري، تقول ميزت أميز إذا فرقت بين شيئين فصاعداً، وفي القرآن{ تميز من الغيظ } [الملك:8] فهو مطاوع ميز ومعناه تتفص...

وقال السمين

{ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }

قوله تعالى:/ " { وَيَكُونَ }: العامةُ على نصبِه نسقاً على المنصوب قبله. وقرأه الأعمشُ مرفوعاً على الاستئناف. وقرأ الحسن ويعقوب وسليمان بن سلام " بما تَعْملون " بتاء الخطاب، والباقون بياء الغيبة.

انتهى الجزء التاسع

اسامة محمد خيري
04-11-2018, 18:47
الجزء العاشر

الجوهرة الاربعون بعد المائة

فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ }

قال السمين

قوله تعالى: { فَشَرِّدْ }: العامَّةُ على الدال المهملة والتشريدُ: التطريد والتفريقُ والتسميع، وهذه المعاني كلُّها لائقة بالآية. وقرأ الأعمش بخلافٍ عنه بالذال المعجمة. قال الشيخ: " وكذا هي في مصحف عبد الله ". قلت: وقد تقدم أن النَّقْط والشَّكْلَ أمرٌ حادثٌ أحدثه يحيى بن يعمر فكيف يُوْجَد ذلك في مصحف ابن مسعود؟ قيل: وهذه المادة أعني الشين والراء والذال المعجمة مهملةٌ في لغة العرب. وفي هذه القراءةِ أوجه أحدها: أن الذالَ بدلٌ من مجاورتها كقولهم: لحم خراديل وخراذيل. الثاني: أنه مقلوبٌ مِنْ شذر من قولهم: تفرقوا شَذَر مَذَر، ومنه الشَّذْر المُلْتَقَطُ من المعدن لتفرُّقِه، قال:
2433ـ غرائِرُ في كِنٍّ وصَوْنٍ ونَعْمة يُحَلَّيْنَ ياقوتاً وشَذْراً مُفَقَّرا
الثالث: أنه مِنْ " شَذَر في مقاله " إذا أكثر فيه، قاله أبو البقاء، ومعناه غير لائق هنا. وقال قطرب: " شرذ " بالمعجمة: التنكيل، وبالمهملة التفريق، وهذا يقوِّي قول مَنْ قال: إن هذه المادة ثابتةٌ في لغة العرب.

قوله: " مَنْ خَلْفَهم " مفعولُ " شَرِّد ". وقرأ الأعمش ـ بخلافٍ عنه ـ وأبو حيوة " مِنْ خلفِهم " جاراً ومجروراً. والمفعولُ على هذه القراءةِ محذوفٌ أي: فَشَرِّدْ أمثالَهم من الأعداء أو ناساً يعملون بعملهم....

{ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ }

قال السمين

قوله تعالى: { وَلاَ يَحْسَبَنَّ }: قرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم " يَحْسَبَنَّ " بياء الغيبة هنا، وفي النور في قوله " لا يَحْسَبَنَّ الذين كفروا معجزين [في الأرض] " كذلك خلا حَفْصاً. والباقون بتاء الخطاب.

وفي قراءة الغَيْبةِ تخريجاتٌ كثيرة سَبَقَ نظائرُها في أواخر آل عمران. ولا بد مِنْ ذكر ما ينبِّهك هنا على ما تقدَّم فمنها: أن الفعلَ مسندٌ إلى ضميرٍ يُفَسِّره السياق تقديره: ولا يَحْسَبَنَّ هو أي قبيل المؤمنين أو الرسول أو حاسب، أو يكون الضمير عائداً على مَنْ خلفهم. وعلى هذه الأقوالِ فيجوزُ أن يكون " الذين كفروا " مفعولاً أولَ، و " سبقوا " جملة في محل نصب مفعولاً ثانياً. وقيل: الفعلُ مسندٌ إلى " الذين كفروا " ثم اختلفوا هؤلاء في المفعولين: فقال قوم: الأولُ محذوفٌ تقديره: ولا يَحْسَبَنَّهم الذين كفروا سبقوا، فـ " هم " مفعول أول، و " سَبَقوا " في محلِّ الثاني، أو يكون التقدير: لا يَحْسَبنَّ الذين كفروا أنفسَهم سَبَقوا، وهو في المعنى كالذي قبله. وقال قومٌ: بل " أن " الموصولة محذوفة، وهي وما في حيِّزها سادةٌ مَسَدَّ المفعولين، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أنْ سبقوا، فحذفت " أن " الموصولة وبقيت صلتها كقوله{ وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ } [الروم: 24]، أي: أن يريكم وقولهم: " تَسْمَعُ بالمُعَيْدِيِّ خيرٌ من أن تراه " وقوله:
2434ـ ألا أيُّهذا الزاجري أحضرُ الوغى ................
ويؤيد هذا الوجهَ قراءةُ عبد الله " أنهم سبقوا ". وقال قوم: " بل " سبقوا " في محلِّ نصبٍ على الحال، والسادُّ مَسَدَّ المفعولين " أنهم لا يعجزون " في قراءة مَنْ قرأ بفتح " أنهم " وهو ابن عامر، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا سابقين أنهم لا يعجزون، وتكون " لا " مزيدةً ليصح المعنى ".

قال الزمخشري بعد ذِكْره هذه الأوجهَ: " وليست هذه القراءةُ التي تَفَرَّد بها حمزةُ بنيِّرة ". وقد رَدَّ عليه جماعةٌ هذا القولَ وقالوا: لم ينفرد بها حمزةُ بل وافقه عليها مِنْ قُرَّاء السبعةِ ابنُ عامر أسنُّ القراءِ وأعلاهم إسناداً، وعاصمٌ في رواية حفص، ثم هي قراءةُ أبي جعفر المدني شيخِ نافع وأبي عبد الرحمن السلمي وابن محيصن وعيسى والأعمش والحسن البصري وأبي رجاء وطلحة وابن أبي ليلى. وقد رَدَّ الشيخ عليه أيضاً أنَّ " لا يحسبَنَّ " واقع على " أنهم لا يُعْجِزون " وتكونُ " لا " صلة بأنه لا يتأتَّى على قراءة حمزة، فإنَّ حمزة يقرأ بكسر الهمزة يعني فكيف تلتئم قراءةُ حمزة على هذا التخريج؟ قلت: هو لم يلتزم التخريج على قراءةِ حمزة في الموضعين: أعني " لا يَحْسَبَنَّ " وقولهم " أنهم لا يعجزون " حتى نُلْزِمه ما ذكر.

وأمَّا قراءةُ الخطاب فواضحةٌ أي: لا تَحْسبَنَّ يا محمدُ أو يا سامعُ، و " الذين كفروا " مفعولٌ أولُ، والثاني " سبقوا " ، وكان قد تقدَّم في آل عمران وجهٌ: أنه يجوز أن يكون الفاعلُ الموصولَ، وإنما أتى بتاءِ التأنيث لأنه بمعنى القوم كقوله:{ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ } [الشعراء: 105]، وتقدَّمَ لك فيه بحثٌ وهو عائدٌ ههنا.

وأمَّا قراءةُ الباقين في النور ففيها ما ذُكِر ههنا إلا الوجهَ الذي فيه تقديرُ " أنْ " الموصولة لتعذُّرِ ذلك، ولكن يَخْلُفُه وجهٌ آخر لا يتأتى ههنا: وهو أن يكون " الذين كفروا " فاعلاً، و " مُعْجزين " مفعول أول و " في الأرض " الثاني. أي: لا تَحْسَبوا أحداً يعجز الله في الأرض أي بقوته. وأمَّا قراءةُ الخطاب فواضحةٌ على ما قدَّمته لك.

وقرأ الأعمش: " ولا يَحْسَبَ الذين كفروا " بفتح الباء. وتخريجها أن الفعلَ مؤكَّد بنون التوكيد الخفيفة، فَحَذَفَها لالتقاء الساكنين، كما يُحْذَفُ له التنوين فهو كقول الآخر:
2435ـ لا تُهينَ الفقير عَلَّكَ أَنْ تَرْ كَعَ يوماً والدهرُ قد رفعهْ
أي: لا تهينَنَّ. ونقل بعضهم: " ولا تحسَبِ الذين " من غير توكيدٍ البتة. وهذه القراءةُ بكسرِ الباء على أصل التقاء الساكنين.

قولهم: { إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ } قرأ ابن عامر بالفتح، والباقون بالكسر. فالفتح: إمَّا على حَذْفِ لام العلة، أي: لأنهم. واستبعد أبو عبيد وأبو حاتم قراءة ابن عامر. ووجهُ الاستبعادِ أنها تعليل للنهي أي: لا تَحْسَبَنَّهم فائتين لأنهم لا يُعْجزون، أي: لا يقع منك حسبانٌ لقولهم لأنهم لا يُعْجزون، وإمَّا على أنها بدلٌ من مفعول الحسبان.

وقال أبو البقاء: " إنه متعلقٌ بتحسب:/ إمَّا مفعولٌ أو بدلٌ من " سَبَقوا " ، وعلى كلا الوجهين تكون " لا " زائدةً. وهو ضعيفٌ لوجهين: أحدهما: زيادة لا، والثاني: أن مفعول " حَسِب " إذا كان جملةً وكان مفعولاً ثانياً كانت " إنَّ " فيه مكسورة لأنه موضعُ ابتداء وخبر "....

قال الطبري

والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأ «لا تَحْسَبن» بالتاء «الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إنهُمْ» بكسر الألف من «إنهُمْ لا يُعْجِزُونَ» بمعنى ولا تحسبنّ أنت يا محمد الذين جحدوا حجج الله وكذّبوا بها سبقونا بأنفسهم، ففاتونا، إنهم لا يعجزوننا أي يفوتوننا بأنفسهم، ولا يقدرون على الهرب منا. كما حدثني محمد بن الحسين، قال ثنا أحمد بن المفضل، قال ثنا أسباط، عن السديّ { وَلا يَحْسَبنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ } يقول لا يفوتون

اسامة محمد خيري
04-11-2018, 18:57
الجوهرة الواحدة والاربعون بعد المائة

قال السمين

وقرأ الحسن ويعقوب ورواها ابن عقيل عن أبي عمرو " تُرَهِّبون " مضعَّفاً عدَّاه بالتضعيف كما عدَّاه العامة بالهمزة، والمفعول الثاني على كلتا القراءتين محذوف لأن الفعل قبل النقل بالهمزة/ أو بالتضعيف متعدٍّ لواحد نحو: رَهَّبْتُك، والتقدير: تُرَهِّبون عدوَّ الله قتالكم أو لقاءَكم. وزعم أبو حاتم أنَّ أبا عمرو نَقَلَ قراءةَ الحسن بياء الغيبة وتخفيف " يُرْهبون " وهي قراءة واضحة، فإن الضميرَ حينئذٍ يَرْجع إلى من يرجع إليه ضمير " لهم " ، فإنهم إذا خافوا خَوَّفوا مَنْ وراءهم.....

وقال ابن عطية

قوله { حرض } معناه حثهم وحضهم، قال النقاش وقرئت " حرص " بالصاد غير منقوطة والمعنى متقارب والحارض الذي هو القريب من الهلاك لفظة مباينة لهذه ليست منها في شيء، وقالت فرقة من المفسرين: المعنى حرض على القتال حتى يبين لك فيمن تركه أنه حرض....

وقرأ عاصم وحمزة وشيبة وطلحة " ضَعْفاً " بفتح الضاد وسكون العين، وكذلك اختلافهم في سورة الروم، وقرأ عيسى بن عمر " ضُعُفاً " بضم الضاد والعين وذكره النقاش، وهي مصادر بمعنى واحد، قال أبو حاتم: من ضم الضاد جاز له ضم العين وهي لغة، وحكى سيبويه الضَّعْف والضُّعْف لغتان بمنزلة الفَقْر والفُقر، حكى الزهراوي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: ضم الضاد لغة أهل الحجاز وفتحها لغة تميم ولا فرق بينهما في المعنى، وقال الثعالبي في كتاب فقه اللغة له: الضَّعف بفتح الضاد في العقل والرأي، والضُّعف بضمها في الجسم....

وقال السمين

قوله: { يُؤْتِكُمْ } جواب الشرط. وقرأ الأعمش: " يُثِبْكم " من الثواب. وقرأ الحسن وأبو حيوة وشيبة وحميد " ممَّا أَخَذَ " مبنياً للفاعل، وهو الله تعالى.

قال القرطبي

{ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ } وقرأ يحيى بن وثَّاب والأعمش وحمزة «من وِلايتهم» بكسر الواو. وقيل هي لغة. وقيل: هي من وليت الشيء؛ يقال: ولِيٌّ بيّن الوَلاية. ووالٍ بيّن الوِلاية. والفتح في هذا أبيَن وأحسن؛ لأنه بمعنى النصرة والنسب. وقد تطلق الوِلاية والوَلاية بمعنى الإمارة

وقال السمين

قوله: { مِّن وَلاَيَتِهِم } قرأ حمزة هنا وفي الكهف [الآية: 44]:{ الْوَلاَيَةُ لِلَّهِ } هو والكسائي بكسر الواو. والباقون بفتحها فقيل: لغتان. وقيل: بالفتح مِن المَوْلَى، يقال: مَوْلى بيِّن الوَلاية، وبالكسر مِنْ وِلاية السلطان، قاله أبو عبيدة. وقيل: بالفتح مِنَ النُّصْرَة والنسب، وبالكسر من الإِمارة قاله الزجاج. قال: " ويجوز الكسرُ لأنَّ في تَوَلِّي بعضِ القوم بعضاً جنساً من الصناعة والعمل، وكلُّ ما كان من جنس الصناعة مكسورٌ مثل الخِياطة والقِصارة. وقد خَطَّأ/ الأصمعيُّ قراءةَ الكسرِ، وهو المُخْطِئُ لتواترها.

وقال أبو عبيد: " والذي عندنا الأَخْذُ بالفتح في هذين الحرفين، لأنَّ معناهما مِنَ الموالاة في الدين ". وقال الفارسي: " الفتحُ أَجْود لأنها في الدين " ، وعَكَس الفراء هذا فقال: " يُريد مِنْ مواريثهم، بكسر الواو أحبُّ إليَّ من فتحها، لأنها إنما تفتح إذا كانت نصرة، وكان الكسائي يذهب بفتحها إلى النصرة، وقد سُمع الفتح والكسر في المعنيين جميعاً ". وقرأ السلمي والأعرج " والله بما يعملون " بالياء للغيبة، وكأنه التفات أو إخبار عنهم....

قوله تعالى: { إِنْ لا تَفْعَلُوهُ }: الهاءُ تعود: إمَّا على النصر أو الإِرث أو الميثاق أي: حِفْظه، أو على جميع ما تقدَّم ذِكْرُه، وهو معنى قول الزمخشري " إنْ لا تَفْعلوا ما أَمَرْتُكم به ". والعامة قرؤوا [كبير] بالباء الموحدة. وقرأ الكسائي فيما حكى عنه أبو موسى الحجازي: " كثير " بالثاء المثلثة، وهذا قريبٌ ممَّا في البقرة وهو يقرؤها كذلك.

اسامة محمد خيري
05-11-2018, 07:49
الجوهرة الثانية والاربعون بعد المائة

سورة التوبة

قال السمين

قوله: { وَرَسُولِهِ } الجمهورُ على رَفْعِه، وفيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه مبتدأٌ والخبرُ محذوفٌ أي: ورسولُه بريءٌ منهم، وإنما حُذِفَ للدلالةِ عليه. والثاني: أنه معطوفٌ على الضميرِ المستتر في الخبر، وجاز ذلك للفصلِ المسوِّغ للعطف فرفعُه على هذا بالفاعلية. الثالث: أنه معطوفٌ على محل اسم " أنَّ " ، وهذا عند مَنْ يُجيز ذلك في المفتوحةِ قياساً على المكسورة. قال ابن عطية: " ومذهبُ الأستاذ ـ يعني ابن الباذش ـ على مقتضى كلامِ سيبويهِ أن لا موضعَ لِما دخلَتْ عليه " أنَّ "؛ إذ هو مُعْرَبٌ قد ظهر فيه عملُ العامل، وأنه لا فرقَ بين " أَنَّ " وبين " ليت " ، والإِجماعُ على أن لا موضعَ لِما دَخَلَتْ عليه هذه ". قال الشيخ: " وفيه تعقُّبٌ؛ لأن علةَ كونِ " أنَّ " لا موضعَ لِما دَخَلَتْ عليه ليس ظهورَ عملِ العامل بدليل: " ليس زيد بقائم " و " ما في الدار مِنْ رجل " فإنه ظهر عملُ العامل ولهما موضع، وقولُه: " بالإِجماع " ـ يريد أن " ليت " لا موضعَ لِما دَخَلَتْ عليه بالإِجماع ـ ليس كذلك؛ لأن الفراءَ خالَفَ، وجعل حكمَ " ليت " وأخواتِها جميعِها حكمَ " إنَّ " بالكسر ".

قلت: قوله: " بدليل ليس زيدٌ بقائم " إلى آخره قد يَظْهر الفرق بينهما فإن هذا العاملَ وإنْ ظهر عملُه فهو في حكمِ المعدوم؛ إذ هو زائد فلذلك اعتبرنا الموضعَ معه بخلاف " أنَّ " بالفتح فإنه عاملٌ غيرُ زائد، وكان ينبغي أن يُرَدَّ عليه قولُه: " وأن لا فرقَ بين " أنَّ " وبين " ليت " ، فإنَّ الفرقَ قائمٌ، وذلك أن حكمَ الابتداء قد انتسخ مع ليت ولعل وكأن لفظاً ومعنىً بخلافه مع إنَّ وأنَّ فإن معناه معهما باقٍ.

وقرأ عيسى بن عمر وزيد بن علي وابن أبي إسحاق " ورسولَه " بالنصب. وفيه وجهان، أظهرُهما: أنه عطفٌ على لفظ الجلالة. والثاني: أنه مفعولٌ معه، قاله الزمخشري.

وقرأ الحسن " ورسولِه " بالجر وفيها وجهان، أحدهما: أنه مقسمٌ به أي: ورسولِه إن الأمر كذلك، وحُذِفَ جوابُه لفهم المعنىظ°. والثاني: أنه على الجِوار، كما أنهم نَعَتوا وأكَّدوا على الجِوار، وقد تقدَّم تحقيقُه. وهذه القراءةُ يَبْعُد صحتُها عن الحسن للإِبهام، حتى يحكى أن أعرابياً سمع رجلاً يقرأ " ورسولِه " بالجر. فقال الأعرابي: إن كان الله قد بَرِىء مِنْ رسوله فأنا بريء منه، فَلَبَّبه القارىء إلى عمر رضي الله عنه، فحكى الأعرابيُّ الواقعةَ، فحينئذ أَمَرَ عمرُ بتعليم العربية. ويُحكى أيضاً هذه عن أمير المؤمنين عليّ وأبي الأسود الدؤلي. قال أبو البقاء: " ولا يكون عطفاً على المشركين لأنه يؤدي إلى الكفر ". وهذا من الوضحات......

قوله: { ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً } الجمهور " يَنْقُصوكم " بالصاد مهملةً، وهو يتعدَّى لواحدٍ ولاثنين. ويجوز ذلك فيه هنا، فـ " كُمْ " مفعولٌ، و " شيئاً ": إمَّا مفعول ثان وإمَّا مصدرٌ، أي: شيئاً من النقصان، أو لا قليلاً و [لا] كثيراً من النقصان. وقرأ عطاء بن السائب الكوفي وعكرمة وابن السَّمَيْفَع/ وأبو زيد " يَنْقُضوكم " بالضاد المعجمة، وهي على حَذْفِ مضاف أي: ينقضوا عهدكم، فحُذف المضاف وأُقيم المضافُ إليه مُقامه. قال الكرماني: " وهي مناسِبة لِذِكْرِ العهد " أي: إنَّ النقضَ يُطابق العهدَ، وهي قريبة من قراءة العامة؛ فإنَّ مَنْ نقض العهد فقد نقص من المدة، إلا أن قراءةَ العامة أوقعُ لمقابلها التمام....

اسامة محمد خيري
05-11-2018, 07:58
الجوهرة الثالثة والاربعون بعد المائة

قال ابن عطية

لا يرقبوا } معناه لا يراعوا ولا يحافظوا وأصل الارتقاب بالبصر، ومنه الرقيب في الميسر وغيره، ثم قيل لكل من حافظ على شيء وراعاه راقبه وارتقبه، وقرأ جمهور الناس " إلاً " وقرأ عكرمة مولى ابن عباس بياء بعد الهمزة خفيفة اللام " إيلاً " وقرأت فرقة " ألاً " بفتح الهمزة، فأما من قرأ " إلاً " فيجوز أن يراد به الله عز وجل قاله مجاهد وأبو مجلز، وهو اسمه بالسريانية، ومن ذلك قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين سمع كلام مسيلمة فقال هذا كلام لم يخرج من إل، ويجوز أن يراد به العهد والعرب تقول للعهد والخلق والجوار ونحو هذه المعاني إلاً، ومنه قول أبي جهل: [الطويل]

لإل علينا واجب لا نضيعه متين فواه غير منتكث الحبل
ويجوز أن يراد به القرابة، فإن القرابة في لغة العرب يقال له إل، ومنه قول ابن مقبل: [الرمل]

أفسد الناس خلوفٌ خلّفوا قـطعوا الإل وأعراق الرحم
أنشده أبو عبيدة على القرابة، وظاهره أنه في العهود، ومنه قول حسان [الوافر]

لعمرك أن إلَّك في قريش كإل السقب من رال النعام
وأما من قرأ " ألاً " بفتح الهمزة فهو مصدر من فعل للإل الذي هو العهد، ومن قرأ " إيلاً " فيجوز أن يراد به الله عز وجل، فإنه يقال أل وأيل، وفي البخاري قال جبر، وميك، وسراف: عبد بالسريانية، وأيل الله عز وجل، ويجوز أن يريد { إلاً } المتقدم فأبدل من أحد المثلين ياء كما فعلوا ذلك في قولهم أما وأيما، ومنه قول سعد بن قرط يهجو أمه: [البسيط]

يا ليت أمنا شالت نعامتها أيما إلى جنة أيما إلى نار
ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: [الطويل]

رأت رجلاً أيما إذا الشمس عارضت فيضحي وأما بالعشي فيخصر
وقال آخر:[ الرجز]

لا تفسـدوا آبـا لكـم أيـمـا لنـا أيمـا لـكم
قال أبو الفتح ويجوز أن يكون مأخوذاً من آل يؤول إذا ساس.

قال القاضي أبو محمد: كما قال عمر بن الخطاب: قد ألنا وإيل علينا فكان المعنى على هذا لا يرقبون فيكم سياسة ولا مداراة ولا ذمة، وقلبت الواو ياء لسكونها والكسرة قبلها، والذمة " أيضاً بمعنى المتات والحلف والجوار، ونحوه قول الأصمعي الذمة كل ما يجب أن يحفظ ويحمى، ومن رأى الإل أنه العهد جعلها لفظتين مختلفتين لمعنى واحد أو متقارب، ومن رأى الإل لغير ذلك فهما لفظان لمعنيين...

وقرأ الناس الجم الغفير لا " أيمان لهم " على جمع يمين، وليس المراد نفي الأيمان جملة، وإنما المعنى لا أيمان لهم يوفى بها ويبر، وهذا المعنى يشبه الآية، وقرأ الحسن وعطاء وابن عامر وحده من السبعة " لا إيمان لهم " ، وهذا يحتمل وجهين أحدهما لا تصديق، قال أبو علي وهذا غير قوي لأنه تكرير وذلك أنه وصف أئمة الكفر بأنهم " لا إيمان لهم " فالوجه في كسر الألف أنه مصدر من آمنه إيماناً، ومنه قوله تعالى:{ آمنهم من خوف } [قريش:4] فالمعنى أنهم لا يؤمنون كما يؤمن أهل الذمة الكتابيون، إذ المشركون لم يكن لهم إلا الإسلام أو السيف، قال أبو حاتم فسر الحسن قراءته لا إسلام لهم...

اسامة محمد خيري
05-11-2018, 08:02
الجوهرة الرابعة والاربعون بعد المائة

قال السمين

قوله تعالى: { وَيُذْهِبْ }: الجمهورُ على ضم الياء وكسرِ الهاء مِنْ أَذْهب. و " غَيْظ " مفعول به. وقرأت طائفةٌ: " ويَذْهَبْ " بفتح الياء والهاء، جَعَله مضارعاً لذهب، " غيظ " فاعل به. وقرأ زيد بن علي كذلك، إلا أنه رفع الفعل مستأنفاً ولم ينسقْه على المجزومِ قبلَه،

كما قرؤوا: " ويتوبُ " بالرفع عند الجمهور. وقرأ زيد بن علي والأعرج وابن أبي إسحاق وعمرو بن عبيد، وعمرو بن فائد، وعيسى الثقفي، وأبو عمرو ـ في رواية ـ ويعقوب: " ويتوبَ " بالنصب.

فأمَّا قراءةُ الجمهورِ فإنها استئنافُ إخبارٍ، وكذلك وقع فإنه قد أَسْلَمَ ناسٌ كثيرون. قال الزجاج وأبو الفتح: " وهذا أمرٌ موجودٌ سواءً قوتلوا أم يُقاتَلوا، ولا وجهَ لإِدخال التوبة في جوابِ الشرط الذي في " قاتِلوهم ". يَعْنيان بالشرط ما فُهِمَ من الجملةِ الأمرية.

وأمَّا قراءةُ زيد وَمَنْ ذُكِر معه، فإنَّ التوبةَ تكونُ داخلةً في جوابِ الأمر من طريقِ المعنى. وفي توجيهِ ذلك غموضٌ: فقال بعضهم: إنَّه لمَّا أَمَرَهُمْ بالمقاتلة شَقَّ ذلك على بعضِهم، فإذا أقدموا على المقاتلةِ، صار ذلك العملُ جارياً مَجْرى التوبة من تلك الكراهة. قلت: فيصير المعنى: إن تقاتلوهم يُعَذِّبْهم ويتبْ عليكم من تلك الكراهة لقتالهم. وقال آخرون في توجيه ذلك: إنَّ حصولَ الظفر وكثرةَ الأموال لذَّةٌ تُطلب بطريقٍ حرامٍ، فلمَّا حَصَلَتْ لهم بطريقٍ حلالٍ، كان ذلك داعياً لهم إلى التوبة ممَّا تقدم، فصارت التوبةُ معلقةً على المقاتلة.

وقال ابن عطية في توجيهِ ذلك أيضاً: " يتوجَّه ذلك عندي إذا ذُهِب إلى أن التوبةَ يُراد بها هنا [أنَّ] قَتْلَ الكافرين والجهاد في سبيل الله هو توبةٌ لكم أيُّها المؤمنون وكمالٌ لإِيمانكم، فتدخلُ التوبة على هذا في شرطِ القتال ". قال الشيخ: " وهذا الذي قدَّره من كونِ التوبة تدخل تحت جوابِ الأمر، وهو بالنسبة للمؤمنين الذين أُمِرُوا بقتال الكفار. والذي يظهر أنَّ ذلك بالنسبة إلى الكفار، والمعنى: على مَنْ يشاء من الكفار، لأنَّ قتالَ الكفارِ وغلبةَ المسلمين إياهم، قد يكونُ سبباً لإِسلام كثير. ألا ترى إلى فتح مكة كيف أسلم لأجله ناسٌ كثيرون، وحَسُن إسلامُ بعضِهم جداً، كابن أبي سرح وغيره ". قلت: فيكون هذا توجيهاً رابعاً، ويصيرُ المعنى: إن تقاتلوهم يتب الله على مَنْ يشاء من الكفار أي: يُسْلِمُ مَنْ شاء منهم.

اسامة محمد خيري
05-11-2018, 08:35
الجوهرة الخامسة والاربعون بعد المائة

قال ابن عطية

وقرأ جمهور الناس " والله خبير بما تعملون " بالتاء على المخاطبة، وقرأ الحسن ويعقوب في رواية رويس وسلام بالياء على الحكاية عن الغائب، وقوله تعالى { ما كان للمشركين } الآية، معناه ما كان للمشركين بحق الواجب أن يعمروا، وهذا هو الذي نفى الله عز وجل وإلا فقد عمروا مساجده قديماً وحديثاً وتغلباً وظلماً، وقرأ حماد بن أبي سلمة عن ابن كثير والجحدري " مسجد الله " بالإفراد في الموضعين، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي والأعرج وشيبة وأبو جعفر ومجاهد وقتادة وغيرهم " مساجد " بالجمع في الموضعين، وقرأ ابن كثير أيضاً وأبو عمرو " مسجد " بالإفراد في هذا الموضع الأول و " مساجد " بالجمع في الثاني، كأنه ذكر أولاً فيه النازلة ذلك الوقت، ثم عمت المساجد ثانياً في الحكم الثابت ما بقيت الدنيا، ولفظ الجمع يقتضي عموم المساجد كلها، ويحتمل أن يراد به المسجد الحرام في الموضعين وحده على أن يقدر كل موضع سجود فيه مسجداً ثم يجمع، ولفظ الإفراد في الموضعين يقتضي خصوص المسجد الحرام وحده، ويحتمل أن يراد به الجنس فيعم المساجد كلها ولا يمنع من ذلك إضافته كما ذهب إليه من لا بصر له، وقال أبو علي الثاني في هذه القراءة يراد به الأول وسائر المساجد كلها حكمها حكم المسجد الحرام،...

وقال السمين

قوله: { سِقَايَةَ ظ±لْحَاجِّ وَعِمَارَةَ } الجمهور على قراءتهما مصدرين على فِعالة، كالصِّيانة والوِقاية والتِّجارة، ولم تُقْلب الياء همزة، لتحصُّنها بتاء التأنيث بخلاف رِداء، وعَباءة لطُروء تاء التأنيث فيها، وحينئذٍ فلا بُدَّ مِن حذف مضاف: إمَّا من الأول، وإمَّا من الثاني ليتصادقَ المجعولان، والتقدير: أجعلتمْ أهلَ سقايةِ الحاجِّ وعِمارةَ المسجد الحرام كمَنْ آمن، أو أَجَعَلْتم السقاية والعِمارة كإيمان مَنْ آمن، أو كعملِ مَنْ آمن.

وقرأ ابن الزبير والباقر وأبو وَجْرة " سُقاة " و " عَمَرَة " بضم السين وبعد الألف تاء التأنيث، وعَمَرة بفتح العين والميم دون ألف. وهما جمع ساقٍ وعامر كما يُقال: قاضٍ وقُضَاة ورَام ورُماة وبارّ وبَرَرة وفاجِر وفَجَرة. والأصل: سُقَيَة، فَقُلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها. ولا حاجةَ إلى تقديرِ حذفِ مضافٍ، وإن احتيج إليه في قراءة الجمهور.

وقرأ سعيد بن جبير كذلك إلا أنه نَصَبَ " المسجد الحرام " بـ " عَمَرَة " وحَذَفَ التنوينَ لالتقاء الساكنين كقوله:
2475 ـ.................. ولا ذاكرَ اللَّهَ إلا قليلا
وقوله: { قُل هُوَ ظ±للَّهُ أَحَدُ ظ±للَّهُ ظ±لصَّمَدُ } [الإخلاص: 1-2].

وقرأ الضحاك " سُقاية " بضم السين و " عمرة " ، وهما جمعان أيضاً، وفي جمع " ساقٍ " على فُعالة نظرٌ لا يَخْفى. والذي ينبغي أن يُقالَ ولا يُعْدَلَ [عنه] أن يُجعل هذا جمعاً لسِقْي، والسِّقْي هو الشيء المَسْقِيّ كالرِّعْي والطِّحْن، وفِعْل يُجمع على فُعال، قالوا: ظِئْر وظُؤار، وكان مِنْ حقه أن لا تدخلَ عليه تاءُ التأنيث كما لم تدخل في " ظُؤَار " ، ولكنه أنَّث الجمعَ كما أنَّث في قولهم حِجارة وفُحولة. ولا بد حينئذٍ من تقديرِ مضافٍ أي: أجعلتم أصحابَ الأشياءِ المَسْقِيَّة كمَنْ آمن.

وقال ابن عطية

وقرأ عيسى بن عمر " أن استحبوا " بفتح الألف من " أن " وقرأ الجمهور " إن بكسر الألف على الشرط...

وقوله تعالى { يوم يحمى عليها } الآية: { يوم } ظرف والعامل فيه { أليم } وقرأ جمهور الناس " يحمى " بالياء بمعنى يحمى الوقود، وقرأ الحسن بن أبي الحسن " تحمى " بالتاء من فوق بمعنى تحمى النار والضمير في عليها عائد على الكنوز أو الأموال حسبما تقدم،

اسامة محمد خيري
05-11-2018, 09:17
الجوهرة السادسة والاربعون بعد المائة

قال السمين

وقوله: { يُضَلُّ بِهِ } قرأ الأخوان وحفص: " يُضَلُّ " مبنياً للمفعول، والباقون مبنياً للفاعل والموصول فاعل به. وقرأ ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة ويعقوب وعمرو بن ميمون: " يُضِلُّ " مبنياً للفاعل مِنْ أضل. وفي الفاعل وجهان أحدهما: ضمير الباري تعالى أي:/ يُضِلُّ الله الذين كفروا. والثاني: أن الفاعل " الذين كفروا " وعلى هذا فالمفعول محذوف أي: يُضل الذين كفروا أتباعهم. وقرأ أبو رجاء " يَضَلُّ " بفتح الياء والضاد، وهي مِنْ ضَلِلْت بكسر اللام أضَلُّ بفتحها، والأصل: أَضْلَلُ، فنُقِلت فتحة اللام إلى الضاد لأجل الإِدغام. وقرأ النخعي والحسن في رواية محبوب: " نُضِلُّ " بضم نون العظمة و " الذين " مفعول، وهذه تقوِّي أن الفاعل ضمير الله في قراءة ابن مسعود....

قوله: " زُيِّنَ " الجمهورُ على " زُيِّن " مبنياً للمفعول، والفاعلُ المحذوف هو الشيطان. وقرأ زيد بن علي ببنائه للفاعل وهو الشيطان أيضاً، و " سوء " مفعوله

وقال ابن عطية

{ وكلمة الله هي العليا } قيل يريد لا إله الا الله، وقيل الشرع بأسره، وقرأ جمهور الناس " وكلمةُ " بالرفع على الابتداء، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ويعقوب " وكلمةَ " بالنصب على تقدير وجعل كلمة، قال الأعمش: ورأيت في مصحف أنس بن مالك المنسوب إلى أبيّ بن كعب " وجعل كلمته هي العليا

وقال السمين

قوله: { وَكَلِمَةُ ظ±للَّهِ هِيَ ظ±لْعُلْيَا } الجمهورُ على رفع " كلمة " على الابتداء، و " هي " يجوزُ أَنْ تكونَ مبتدأ ثانياً، و " العُلْيا " خبرها، والجملة خبر الأول، ويجوز أن تكونَ " هي " فصلاً و " العليا " الخبر. وقُرِىء " وكلمةَ الله " بالنصب نسقاً على مفعولَيْ جَعَلَ، أي: وجعل كلمة الله هي العليا. قال أبو البقاء: " وهو ضعيفٌ لثلاثة أوجه، أحدها: وَضْعُ الظاهرِ موضعَ المضمر، إذ الوجهُ أن تقولَ: وكَلِمَتُه. الثاني: أن فيه دلالةً على أنَّ كلمة الله كانت سُفْلى فصارت عليا، وليس كذلك. الثالث: أن توكيدَ مثلِ ذلك بـ " هي " بعيد، إذ القياسُ أن يكونَ " إياها ". قلت: أما الأولُ فلا ضعفَ فيه لأنَّ القرآنَ ملآنُ من هذا النوع وهو مِنْ أحسنِ ما يكون لأن فيه تعظيماً وتفخيماً. وأمّا الثاني فلا يلزمُ ما ذكر وهو أن يكون الشيء المصيَّر على الضد الخاص، بل يدل التصيير على انتقال ذلك الشيء المُصَيَّر عن صفةٍ ما إلى هذه الصفة. وأمَّا الثالث فـ " هي " ليست تأكيداً البتة إنما " هي " ضمير فصل على حالها، وكيف يكون تأكيداً وقد نَصَّ النحويون على أن المضمر لا يؤكد المظهر؟

وقال ابن عطية

وقوله تعالى { ولو أرادوا الخروج } الآية، حجة على المنافقين، أي ولو أرادوا الخروج بنياتهم لنظروا في ذلك واستعدوا له قبل كونه، و " العدة " ما يعد للأمر ويروى له من الأشياء، وقرأ جمهور الناس " عُدة " بضم العين وتاء تأنيث، وقرأ محمد بن عبد الملك بن مروان وابنه معاوية بن محمد " عُدة " بضم العين وهاء إضمار يريد " عدته " فحذفت تاء التأنيث لما أضاف، كما قال " وأقام الصلاة " يريد إقامة الصلاة، هذا قول الفراء، وضعفه أبو الفتح، وقال إنما خذف تاء التأنيث وجعل هاء الضمير عوضاً منها، وقال أبو حاتم: هو جمع عدة على عد، كبرة وكبر ودرة ودر، والوجه فيه عدد ولكن لا يوافق خط المصحف، وقرأ عاصم فيما روى عنه أبان وزر بن حبيش " عِده " بكسر العين وهاء إضمار وهو عندي اسم لما يعد كالريح والقتل لأن العدو سمي قتلاً إذ حقه أن يقتل هذا في معتقد العرب حين سمته...

وقرأ ابن أبي عبلة " ما زادكم " بغير واو، وقرأ جمهور الناس { لأوضعوا } ومعناه لأسرعوا السير، و { خلالكم } معناه فيما بينكم من هنا إلى هنا يسد الموضع الخلة بين الرجلين، والإيضاع سرعة السير، وقال الزجّاج { خلالكم } معناه فيما يخل بكم.

قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وماذا يقول في قوله:{ فجاسوا خلال الديار } [الاسراء:5] وقرأ مجاهد فيما حكى النقاش عنه، " ولأوفضوا " وهو أيضاً بمعنى الإسراع ومنه قوله تعالى:{ إلى نصب يوفضون } [المعارج:43]، وحكي عن الزبير أنه قرأ " ولأرفضوا " قال أبو الفتح: هذه من رفض البعير إذا أسرع في مشيه رقصاً ورقصاناً، ومنه قول حسان بن ثابت: [الكامل]

رقص القلوص براكب مستعجل
ووقعت " ولا أوضعوا " بألف بعد " لا " في المصحف، وكذلك وقعت في قوله{ أو لأذبحنه } [النمل: 21]، قيل وذلك لخشونة هجاء الأولين قال الزجّاج: إنما وقعوا في ذلك لأن الفتحة في العبرانية وكثير من الألسنة تكتب ألفاً.

قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن تمطل حركة اللام فيحدث بين اللام والهمزة التي من أوضع،

وقال ابن الجوزى

قوله تعالى: { وما منعهم أن تُقبلَ منهم نفقاتُهم } قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: «تقبل» بالتاء. وقرأ حمزة، والكسائي: «يقبل» بالياء. قال أبو علي: من أنَّث، فلأن الفعل مسند إلى مؤنَّث في اللفظ، ومن قرأ بالياء، فلأنه ليس بتأنيث حقيقي، فجاز تذكيره، كقوله:{ فمن جاءه موعظة من ربه } [البقرة: 275] وقرأ الجحدري: «أن يَقبل» بياء مفتوحة، «نفقاتِهم» بكسر التاء. وقرأ الأعمش: «نفقتهم» بغير ألف مرفوعة التاء. وقرأ أبو مجلز، وأبو رجاء، «أن يَقبل» بالياء، «نفقتهم» بنصب التاء على التوحيد.

اسامة محمد خيري
05-11-2018, 09:50
الجوهرة السابعة والاربعون بعد المائة

قال ابن عطية

الملجأ " من لجأ يلجأ إذا أوى واعتصم، وقرأ جمهور الناس " أو مَغارات " بفتح الميم، وقرأ سعيد بن عبد الرحمن بن عوف " أو مُغارات " بضم الميم وهي الغيران في أعراض الجبال ففتح الميم من غار الشيء إذا دخل كما تقول غارت العين إذا دخلت في الحجاج، وضم الميم من أغار الشيء غيره إذا أدخله، فهذا وجه من اشتقاق اللفظة، وقيل إن العرب تقول: غار الرجل وأغار بمعنى واحد أي دخل، قال الزجّاج: إذا دخل الغور فيحتمل أن تكون اللفظة أيضاً من هذا.

قال القاضي أبو محمد: ويصح في قراءة ضم الميم أن تكون من قولهم حبل مُغار أي مفتول ثم يستعار ذلك في الأمر المحكم المبروم، فيجيء التأويل على هذا: لو يجدون عصرة أو أموراً مرتبطة مشددة تعصمهم منكم أو مدخلاً لولوا إليه، وقرأ جمهور الناس " أو مُدخلاً " أصله مفتعل وهو بناء تأكيد ومبالغة ومعناه السرب والنفق في الأرض، وبما ذكرناه في الملجأ والمغارات، " والمُدخل " فسر ابن عباس رضي الله عنه، وقال الزجّاج " المُدخل " معناه قوماً يدخلونهم في جملتهم وقرأ مسلمة بن محارب والحسن وابن أبي إسحاق وابن محيصن وابن كثير بخلاف عنه " أو مَدخلاً " فهذا من دخل وقرأ قتادة وعيسى بن عمر والأعمش " أو مدّخّلاً " بتشديدهما وقرأ أبي بن كعب " مندخلاً " قال أبو الفتح هذا كقول الشاعر [الكميت]: [البسيط]

ولا يدي في حميت السمن تندخل
قال القاضي أبو محمد: وقال أبو حاتم: قراءة أبي بن كعب " متدخلاً " بتاء مفتوحة، وروي عن الأعمش وعيسى " مُدخلاً " بضم الميم فهو من أدخل، وقرأ الناس { لولوا } وقرأ جد أبي عبيدة بن قرمل " لوالوا " من الموالاة، وأنكرها سعيد بن مسلم وقال: أظن لوالوا بمعنى للجؤوا، وقرأ جمهور الناس، " يجمحون " معناه يسرعون مصممين غير منثنين، ومنه قول مهلهل: [ البسيط ]
لقد جمحت جماحاً في دمائهم حتى رأيت ذوي أحسابهم خمدوا
وقرأ أنس بن مالك " يجمزون " ومعناه يهربون، ومنه قولهم في حديث الرجم: فلما إذ لقته الحجارة جمزة، ....

وقرأ جمهور الناس " يلمِزك " بكسر الميم، وقرأ ابن كثير فيما روى عنه حماد بن سلمة " يلمُزك " بضم الميم، وهي قراءة أهل مكة وقراءة الحسن وأبي رجاء وغيرهم، وقرأ الأعمش " يُلمّزك " ، وروى أيضاً حماد بن سلمة عن ابن كثير " يلامزك " ، وهي مفاعلة من واحد لأنه فعل لم يقع من النبي صلى الله عليه وسلم

اسامة محمد خيري
05-11-2018, 10:10
الجوهرة الثامنة والاربعون بعد المائة

قال السمين

قوله تعالى: { أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ }: " أُذُن " خبر مبتدأ محذوف، أي: قل هو أُذُنُ خيرٍ. والجمهور على جرِّ " خيرٍ " بالإِضافة. وقرأ الحسن ومجاهد وزيد بن علي وأبو بكر عن عاصم " أُذنٌ " بالتنوين، " خيرٌ " بالرفع وفيها وجهان، أحدهما: أنها وصف لـ " أُذُن ". والثاني: أن يكون خبراً بعد خبر. و " خير " يجوز أن تكون وصفاً من غير تفضيل، أي: أُذُنُ ذو خيرٍ لكم، ويجوز أن تكونَ للتفضيل على بابها، أي: أكثر خير لكم. وجوَّز صاحب " اللوامح " أن يكونَ " أذن " مبتدأ و " خير " خبرها، وجاز الابتداءُ هنا بالنكرة لأنها موصوفةٌ تقديراً، أي: أذنٌ لا يؤاخذكم خير لكم مِنْ أُذُنٍ يؤاخذكم.

ويقال: رَجُلٌ أُذُنٌ، أي: يسمع كل ما يقال. وفيه تأويلان أحدهما: أنه سُمِّي بالجارحة لأنها آلة السماع، وهي معظم ما يُقْصد منه كقولهم للربيئة: عين. وقيل: المرادُ بالأذن هنا الجارحة، وحينئذٍ تكونُ على حَذْف مضاف، أي: ذو أذن. والثاني: أن الأذن وصفٌ على فُعُل كأُنُف وشُلل، يقال: أَذِن يَأْذَن فهو أُذُن، قال:
2506 ـ وقد صِرْتَ أُذْناً للوُشاة سَميعةً ينالُون مِنْ عِرْضي ولو شئتَ ما نالوا
قوله: { وَرَحْمَةٌ } ، قرأ الجمهور: " ورحمة " ، رفعاً نسقاً على " أذن ورحمة " ، فيمن رفع " رحمة ". وقال بعضهم: هو عطف على " يؤمن "؛ لأن يؤمن " في محل رفع صفة لـ " أذن " تقديره: أذن مؤمنٌ ورحمةٌ.

وقرأ حمزةُ والأعمش: " ورحمة " بالجر نسقاً على " خير " المخفوض بإضافة " أذن " إليه. والجملة على هذه القراءة معترضةٌ بين المتعاطفين تقديره: أذن خير ورحمة. وقرأ ابن أبي عبلة: " ورحمةً نصباً على أنه مفعول من أجله، والمعلل محذوف، أي: يَأْذَنُ لكم رحمةً بكم، فحذف لدلالة قوله: { قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ }.....

{ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذلِكَ الخِزْيُ الْعَظِيمُ }

قوله تعالى: { أَلَمْ يَعْلَمُوغ¤اْ }: الجمهورُ: على " يَعْلموا " بياء الغيبة رَدَّاً على المنافقين. وقرأ الحسن والأعرج: " تَعْلموا " بتاء الخطاب. فقيل: هو التفاتٌ من الغَيْبة إلى الخطاب إن كان المرادُ المنافقين. وقيل الخطابُ للنبي عليه السلام، وأتىظ° بصيغةِ الجمع تعظيماً كقوله:
2509 ـ وإن شِئْتِ حرَّمْتُ النساءَ سواكم ......................
وقيل: الخطابُ للمؤمنين، وبهذه التقادير الثلاثةِ يختلف معنى الاستفهام: فعلى الأول يكونُ الاستفهامُ للتقريع والتوبيخ، وعلى الثاني يكون للتعجبِ مِنْ حالِهم، وعلى الثالث يكون للتقرير...

وقال ابن عطية

وقرأ جميع السبعة سوى عاصم " إن يعف عن طائفة " بالياء " تعذب " بالتاء، وقرأ الجحدري " إن يعف " بالياء على تقديره يعذب الله طائفة " بالنصب، وقرأ عاصم وزيد بن ثابت وأبو عبد الرحمن " إن نعف " بالنون " نعذب " بنون الجميع أيضا ً، وقرأ مجاهد " إن تعفُ " بالتاء المضمومة على تقدير إن تعف هذه الذنوب " تعذب " بالتاء أيضاً.

اسامة محمد خيري
05-11-2018, 11:07
الجوهرة التاسعة والاربعون بعد المائة

قال ابن عطية

وقرأ جمهور " جُهدهم " بضم الجيم، وقرأ الأعرج وجماعة معه " جَهدهم " بالفتح، وقيل هما بمعنى واحد، وقاله أبو عبيدة، وقيل هما لمعنيين الضم في المال والفتح في تعب الجسم، ونحوه عن الشعبي،...

وقال السمين

قوله: { خِلاَفَ } فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه منصوبٌ على المصدر بفعلٍ مقدرٍ مدلولٍ عليه بقوله: " مَقْعدهم " ، لأنه في معنى تخلَّفوا، أي: تخلفوا خلاف رسول الله. الثاني: أنَّ " خلاف " مفعولٌ من أجله، والعامل فيه: إمَّا فرح، وإما مَقْعد، أي: فَرِحوا لأجل مخالفتهم رسول الله حيث مضى هو للجهاد وتَخَلَّفوا هم عنه، أو بقعودِهم لمخالفَتهم له، وإليه ذهب الطبري والزجاج ومؤرِّج، ويؤيد ذلك قراءةُ منْ قرأ " خُلْف " بضم الخاءِ وسكون اللام، والثالث: أنْ ينتصب على الظرف، أي: بعد رسول الله. يُقال: " أقام زيد خلاف القوم " ، أي: تخلف بعد ذهابهم، و " خلافَ " يكون ظرفاً قال:
2520 ـ عَقَبَ الربيعُ خِلافَهُمْ فكأنما بَسَطَ الشَّواطِبُ بينهن حصيرا
وقال الآخر:
2521 ـ فقلْ للذي يَبْقى خِلاَفَ الذي مَضَىظ° تَهَيَّأْ لأُِخْرىظ° مِثلها وكأنْ قَدِ
وإليه ذهب أبو عبيدة وعيسى بن عمر والأخفش، ويؤيد هذا قراءة ابن عباس وأبي حيوة وعمرو بن ميمون " خَلْفَ " بفتح الخاء وسكون اللام.

وقال ابن الجوزى

قوله تعالى: { وجاء المعذِّرون } وقرأ ابن مسعود: «المعتذرون». وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن يعمر، ويعقوب: «المُعْذِرون» بسكون العين وتخفيف الذال. وقرأ ابن السميفع: «المعاذرون» بألف. قال أبو عبيدة: المعذِّرون من يعذِّر، وليس بجادّ، وإنما يعرِّض بما لا يفعله، أو يُظهر غير ما في نفسه. وقال ابن قتيبة: يقال: عذَّرتُ في الأمر: إذا قصَّرتَ، وأعذرتُ: جَدَدْتَ. وقال الزجاج: من قرأ «المعذِّرون» بتشديد الذال، فتأويله: المعتذرون الذين يعتذرون، كان لهم عذر، أو لم يكن، وهو هاهنا أشبه بأن يكون لهم عذر، وأنشدوا:
إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلاَمِ عَليْكُما ومن يَبْكِ حوْلاً كاملاً فَقَدِ اعْتَذَرْ
أي: فقد جاء بعذر. ويجوز أن يكون { المعذِّرون } الذين يعذِّرون، يوهمون أن لهم عذراً، ولا عذر لهم. ويجوز في النحو: المعِذِّرون، بكسر العين، والمعُذِّرون، بضم العين، غير أنه لم يُقرأ بهما، لأن اللفظ بهما يثقل. ومن قرأ «المعْذرون»: بتسكين العين، فتأويله: الذين أُعذروا وجاؤوا بعذر. وقال ابن الأنباري: المعذِّرون هاهنا: المعتذرون بالعذر الصحيح. وأصل الكلمة عند أهل النحو: المعتذرون، فحوِّلت فتحة التاء إلى العين، وأبدلت الذال من التاء، وأدغمت في الذال التي بعدها، فصارتا ذالاً مشددة. ويقال في كلام العرب: اعتذر: إذا جاء بعذر صحيح، وإذا لم يأت بعذر. قال الله تعالى: { قل لا تعتذروا } فدل على فساد العذر، وقال لبيد:
وَمَنْ يَبْكِ حَوْلاً كَاملاً فَقَد اعْتَذَر
أي: فقد جاء بعذر صحيح. وكان ابن عباس يقرأ: { المعذِّرون } ويقول: لعن الله المعذِّرين. يريد: لعن الله المقصِّرين من المنافقين وغيرهم. والمعْذرون: الذين يأتون بالعذر الصحيح، فبان من هذا الكلام أن لهم عذراً على قراءة من خفف. وهل يثبت لهم عذر على قراءة من شدد؟ فيه قولان

وقال الطبري

فإن قال قائل فكيف قيل { وَجَاءَ المُعَذّرُونَ } وقد علمت أن المعذِّر في كلام العرب إنما هو الذي يُعَذِّر في الأمر، فلا يبالغ فيه ولا يُحكمه، وليست هذه صفة هؤلاء، وإنما صفتهم أنهم كانوا قد اجتهدوا في طلب ما ينهضون به مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدوّهم، وحرصوا على ذلك، فلم يجدوا إليه السبيل، فهم بأن يوصفوا بأنهم قد أعذروا أولى وأحقّ منهم بأن يوصفوا بأنهم عذروا. إذا وصفوا بذلك. فالصواب في ذلك من القراءة ما قرأه ابن عباس، وذلك ما حدثنا المثنى، قال ثنا إسحاق، قال ثنا ابن أبي حماد، قال ثنا بشر بن عمار، عن أبي روق عن الضحاك، قال كان ابن عباس يقرأ { وّجاء المُعْذِرُونَ } مخففة، ويقول هم أهل العذر. مع موافقة مجاهد إياه وغيره عليه؟ قيل إن معنى ذلك على غير ما ذهبت إليه، وإن معناه وجاء المعتذرون من الأعراب ولكن التاء لما جاورت الذال أدغمت فيها، فصُيرتا ذالاً مشددة لتقارب مخرج إحداهما من الأخرى، كما قيل يَذَّكَّرون في يتذكرون، ويذَّكر في يتذكر. وخرجت العين من المعذرين إلى الفتح، لأن حركة التاء من المعتذرين وهي الفتحة نقلت إليها فحركت بما كانت به محركة، والعرب قد توجه في معنى الاعتذار إلى الإعذار، فتقول قد اعتذر فلان في كذا، يعني أعذر، ومن ذلك قول لبيد
إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما وَمَنْ يَبْكِ حَوْلاً كامِلاً فقدِ اعْتَذَرْ
فقال فقد اعتذر، بمعنى فقد أعذر. على أن أهل التأويل، قد اختلفوا في صفة هؤلاء القوم الذين وصفهم الله بأنهم جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم معذِّرين، فقال بعضهم كانوا كاذبين في اعتذارهم، فلم يعذرهم الله. ذكر من قال ذلك حدثني أبو عبيدة عبد الوارث بن عبد الصمد، قال ثني أبي، عن الحسين، قال كان قتادة يقرأ { وجَاءَ المُعَذَّرُونَ مِنَ الأعْرَابِ } قال اعتذروا بالكتب. حدثني الحرث، قال ثنا عبد العزيز، قال ثنا يحيى بن زكريا، عن ابن جريج، عن مجاهد { وجَاءَ المُعَذَّرُونَ مِنَ الأعْرَابِ } قال نفر من بني غفار جاءوا فاعتذروا، فلم يعذرهم الله. فقد أخبر من ذكرنا من هؤلاء أن هؤلاء القوم إنما كانوا أهل اعتذار بالباطل لا بالحقّ. فغير جائز أن يوصفوا بالإعذار إلا أن يوصفوا بأنهم أعذروا في الاعتذار بالباطل.

فأما بالحقّ على ما قاله من حكينا قوله من هؤلاء، فغير جائز أن يوصفوا به. وقد كان بعضهم يقول إنما جاءوا معذرين غير جادّين، يعرضون ما لا يريدون فعله. فمن وجهه إلى هذا التأويل فلا كلفة في ذلك، غير أني لا أعلم أحداً من أهل العلم بتأويل القرآن وجّه تأويله إلى ذلك، فأستحبّ القول به. وبعد، فإن الذي عليه من القراءة قرّاء الأمصار التشديد في الذال، أعني من قوله { المُعَذّرُونَ } ففي ذلك دليل على صحة تأويل من تأوّله بمعنى الاعتذار لأن القوم الذين وصفوا بذلك لم يكلفوا أمراً عذروا فيه، وإنما كانوا فرقتين إما مجتهد طائع وإما منافق فاسق لأمر الله مخالف، فليس في الفريقين موصوف بالتعذير في الشخوص مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو معذر مبالغ، أو معتذر. فإذا كان ذلك كذلك، وكانت الحجة من القرّاء مجمعة على تشديد الذال من «المعذرين»، علم أن معناه ما وصفناه من التأويل. وقد ذكر عن مجاهد في ذلك موافقة ابن عباس. حدثني المثنى، قال أخبرنا إسحاق، قال ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن حميد، قال قرأ مجاهد «وَجاءَ المُعْذِرُونَ» مخففة، وقال هم أهل العلم العذر. حدثنا ابن حميد، قال ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال كان المعذرون.

اسامة محمد خيري
05-11-2018, 11:36
الجزء الحادى عشر

الجوهرة الخمسون بعد المائة

قال السمين

قوله: { عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ظ±لسَّوْءِ } هذه الجملةُ معترضة بين جمل هذه القصة وهي دعاءٌ على الأعراب المتقدمين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو هنا " السُّوء " وكذا الثانية في الفتح بالضم، والباقون بالفتح. وأما الأولى في الفتح وهي " ظنَّ السَّوْ " فاتفق على فتحها السبعة. فأما المفتوح، فقيل: هو مصدر. قال الفراء: " يقال: سُؤْتُه سُوْءاً ومَساءةً وسَوائِية ومَسَائِية، وبالضم الاسم " قال أبو البقاء: " وهو الضَّرر وهو مصدر في الحقيقة ". قلت: يعني أنه في الأصل كالمفتوح في أنه مصدرٌ ثم أُطْلِق على كل ضررٍ وشرٍّ. وقال مكي: " مَنْ فتح السينَ فمعناه الفساد والرداءة، ومَنْ ضمَّها فمعناه الهزيمةُ والبلاءُ والضرر ". وظاهر هذا أنهما اسمان لِما ذكر، ويحتمل أن يكونا في الأصل مصدراً ثم أُطْلِقا على ما ذكر. وقال غيرُه: الضموم: العذاب والضرر، والمفتوح: الذم، ألا ترىظ° أنه أْجُمع على فتح{ ظَنَّ ظ±لسَّوْءِ } [الفتح: 6] وقوله:{ مَا كَانَ أَبُوكِ ظ±مْرَأَ سَوْءٍ } [مريم: 28] ولا يليق ذِكْرُ العذاب بهذين الموضعين.

وقال الزمخشري فأحسن: " المضموم: العذاب، والمفتوحُ ذمٌّ لدائرة، كقولك: " رجلُ سَوْء " في نقيض " رجل عدل " ، لأنَّ مَنْ دارَتْ عليه يَذُمُّها " يعني أنها من باب إضافة الموصووف إلى صفته فوُصِفَتْ في الأصل بالمصدر مبالغةً، ثم أُضِيْفَتْ لصفتِها كقولِه تعالىظ°:{ مَا كَانَ أَبُوكِ ظ±مْرَأَ سَوْءٍ } [مريم: 28]. قال الشيخ: " وقد حُكي بالضم " وأنشد:
2537 ـ وكنت كذئبِ السُّوء لمَّا رأى دماً بصاحبه يوماً أحال على الدَّم
وفي الدائرة مذهبان أظهرهُما: أنها صفةٌ على فاعِلة كقائمة. وقال الفارسي: " إنها يجوز أن تكون مصدراً كالعافية ".....

وقال السمين

قوله تعالى: { وَظ±لسَّابِقُونَ }: فيه وجهان، أظهرهما: أنه مبتدأ، وفي خبره ثلاثة أوجه، أحدُهما ـ وهو الظاهر ـ أنه الجملة الدعائية من قوله: " رضي الله عنهم ". والثاني: أن الخبر قوله: " الأوَّلون " والمعنى: والسابقون أي بالهجرة [هم] الأوَّلون مِنْ أهل هذه المِلَّة، أو السابقون إلى الجنة الأولون من أهل الهجرة. الثالث: أن الخبرَ قولُه: { مِنَ ظ±لْمُهَاجِرِينَ وَظ±لأَنْصَارِ } والمعنى فيه الإِعلام بأن السَّابقين من هذه/ الأمة من المهاجرين والأنصار، ذكر ذلك أبو البقاء، وفي الوجهين الأخيرين تكلُّفٌ.

الثاني من وجهي " السابقين ": أن يكون نَسَقاً على { مَن يُؤْمِنُ بِظ±للَّهِ } أي: ومنهم السابقون. وفيه بُعْدٌ.

والجمهورُ على جَرِّ " الأنصار " نسقاً على المهاجرين. يعني أن السابقين من هذين الجنسين. وقرأ جماعة كثيرة أَجِلاَّء: عمر بن الخطاب وقتادة والحسن وسلام وسعيد بن أبي سعيد وعيسى الكوفي وطلحة ويعقوب: " والأنصارُ " برفعها. وفيه وجهان أحدهما: أنه مبتدأ، وخبرُه " رضيَ الله عنهم ". والثاني: عطف على " السابقون ". وقد تقدم ما فيه فيُحكم عليه بحكمه.

وقال الطبري

. والقراءة على خفض «الأنصار» عطفا بهم على «المهاجرين». وقد ذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ «الأنصارُ» بالرفع عطفا بهم على «السابقين». والقراءة التي لا أستجيز غيرها الخفض في «الأنصار»، لإجماع الحجة من القرّاء عليه، وأن السابق كان من الفريقين جميعاً من المهاجرين والأنصار. وإنما قصد الخبر عن السابق من الفريقين دون الخبر عن الجميع، وإلحاق الواو في «الذين اتبعوهم بإحسان»، لأن ذلك كذلك في مصاحف المسلمين جميعاً، على أن التابعين بإحسان غير المهاجرين والأنصار. وأما السابقون فإنهم مرفوعون بالعائد من ذكرهم في قوله { رَضِي اللَّهُ عَنْهُمْ ورضُوا عَنْهُ } ومعنى الكلام رضي الله عن جميعهم لما أطاعوه وأجابوا نبيه إلى ما دعاهم إليه من أمره ونهيه، ورضي عنه السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان لما أجزل لهم من الثواب على طاعتهم إياه وإيمانهم به وبنبيه عليه الصلاة والسلام، وأعدّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار يدخلونها خالدين فيها لابثين فيها أبداً لا يموتون فيها ولا يخرجون منها، { ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ }.

ملحوظة

قلت انا اسامة خيري

ربما بقول النبي فى كل قرن من امتى سابقون تترجح قراءة الجر والله اعلم

اسامة محمد خيري
05-11-2018, 17:34
الجوهرة الواحدة والخمسون بعد المائة

قال السمين

{ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }

قوله تعالى: { وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ }: قرأ نافع وابن عامر: " الذين اتخذوا " بغير واو، والباقون بواو العطف. فأمَّا قراءةُ نافع وابن عامر فلموافقة مصاحفِهم، فإنَّ مصاحف المدينة والشام حُذفت منها الواوُ وهي ثابتةٌ في مصاحف غيرهم. و " الذين " على قراءة مَنْ أسقط الواوَ قبلها فيها أوجه، أحدها: أنها بدلٌ مِنْ " آخرون " قبلها. وفيه نظر لأن هؤلاء الذين اتخذوا مسجداً ضِراراً، لا يُقال في حَقِّهم إنهم مُرْجَوْن لأمر الله، لأنه يُروى في التفسير أنهم من كبار المنافقين كأبي عامر الراهب.

الثاني: أنه مبتدأ وفي خبره حينئذٍ أقوالٌ أحدها: أنه " أفَمَنْ أَسَّسَ بنيانَه " والعائد محذوفٌ تقديره: بنيانَه منهم. الثاني: أنه " لا يزال بنيانُهم " قاله النحاس والحوفي، وفيه بُعْدٌ لطول الفصل. الثالث: أنه " لا تقمْ فيه " قاله الكسائي. قال ابن عطية: " ويتجه بإضمارٍ: إمَّا في أول الآية، وإمَّا في آخرها بتقدير: لا تقم في مسجدهم ". الرابع: أن الخبرَ محذوفٌ تقديرُه: معذَّبون ونحوه، قاله المهدوي.

الوجه الثالث أنه منصوبٌ على الاختصاص. وسيأتي هذا الوجهُ أيضاً في قراءة الواو.

وأمَّا قراءةُ الواو ففيها ما تقدَّم، إلا أنه يمتنع وجهُ البدل مِنْ " آخرون " لأجل العاطف. وقال الزمخشري: " فإن قلت: " والذين اتخذوا " ما محلُّه من الإِعراب؟ قلت: محلُّه النصب على الاختصاص، كقوله تعالى:{ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ } [النساء: 162]. وقيل: هو مبتدأ وخبرُه محذوفٌ معناه: فيمَنْ وَصَفْنا الذين اتخذوا، كقوله:{ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ } [المائدة: 38]، قلت: يريد على مذهب سيبويه فإن تقديره: فيما يُتْلى عليكم السارق، فحذف الخبرَ وأبقى المبتدأ كهذه الآية......

اسامة محمد خيري
05-11-2018, 17:42
الجوهرة الثانية والخمسون بعد المائة

قال ابن عطية

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي " إلا أن تُقطع قلوبهم " بضم التاء وبناء الفعل للمفعول، وقرأ ابن عامر وحمزة وعاصم بخلاف عن " إلا أن تَقطع " بفتح التاء على أنها فاعلة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ومجاهد وقتادة ويعقوب: " إلى أن تقطع " على معنى إلى أن يموتوا، وقرأ بعضهم: " إلى أن تقطع " وقرأ أبو حيوة " إلا أن يُقطِع " بالياء مضمومة وكسر الطاء ونصب " القلوبَ " أي بالقتل، وأما على القراءة الأولى فقيل بالموت قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد وغيرهم، وقيل، بالتوبة وليس هذا بالظاهر إلا أن يتأول: أو يتوبوا توبة نصوحاً يكون معها من الندم والحسرة على الذنب ما يقطع القلوب هماً وفكرة، وفي مصحف ابن مسعود " ولو قطعت قلوبهم " ، وكذلك قرأها أصحابه وحكاها أبو عمرو " وان قطَعت " بتخفيف الطاء، وفي مصحف أبيّ " حتى الممات " وفيه " حتى تقطع "

وقال السمين

قوله: { إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ } المستثنى منه محذوفٌ والتقدير: لا يزال بنيانُهم ريبةً في كل وقت إلا وقتَ تقطيعِ قلوبهم، أو في كل حال إلا حالَ تقطيعها. وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص " تَقَطَّع " بفتح التاء، والأصل: تتقطع بتاءَيْن فحُذفت إحداهما. وقرأ الباقون " تُقَطَّع " بضمِّها، وهو مبني للمفعول مضارع قَطَّع بالتشديد. وقرأ أُبَيّ " تَقْطَع " مخففاً مِنْ قطع. وقرأ الحسن ومجاهد وقتادة ويعقوب " إلى أن " بإلى الجارة وأبو حَيْوة كذلك. وهي قراءةٌ واضحةٌ في المعنى، إلا أن أبا حيوة قرأ " تُقَطِّع " بضم التاء وفتح القاف وكسر الطاء مشددةً، والفاعلُ ضميرُ الرسول. " قلوبَهم " نصباً على المفعول، والمعنى بذلك أن يقتلهم ويتمكَّن منهم كلَّ تمكُّن. وقيل: الفاعلُ ضمير الرِّيبة، أي: إلى أن تَقْطَع الرِّيبةُ قلوبَهم. وفي مصحف عبد الله " ولو قُطِّعَتْ " وبها قرأ أصحابُه، وهي مخالفةٌ لسوادِ مصاحف الناس.....

وقال ابن عطية

وقوله { يقاتلون في سبيل الله } مقطوع ومستأنف وذلك على تأويل سفيان بن عيينة، وأما على تأويل الجمهور من أن الشراء والبيع إنما هو مع المجاهدين فهو في موضع الحال، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وأبو عمرو والحسن وقتادة وأبو رجاء وغيرهم: " فيَقتلون " على البناء للفاعل " ويُقتلون " على البناء للمفعول، وقرأ حمزة والكسائي والنخعي وابن وثاب وطلحة والأعمش بعكس ذلك، والمعنى واحد إذ الغرض أن المؤمنين يقاتلون فيوجد فيهم من يَقتل وفيهم من يُقتل وفيهم من يجتمعان له وفيهم من لا تقع له واحدة منهما، وليس الغرض أن يجتمع ولا بد لكل واحد واحد، وإذا اعتبر هذا بان، ...

اسامة محمد خيري
05-11-2018, 18:09
الجوهرة الثالثة والخمسون بعد المائة

قال القرطبي

قوله تعالى: { مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ } «قلوبُ» رفع بـ «تزيغ» عند سيبويه. ويضمر في «كاد» الحديث تشبيهاً بكان؛ لأن الخبر يلزمها كما يلزم كان. وإن شئت رفعتها بكاد، ويكون التقدير: من بعد ما كاد قلوب فريق منهم تزيغ. وقرأ الأعمش وحمزة وحفص «يزيغ» بالياء، وزعم أبو حاتم أن من قرأ «يزيغ» بالياء فلا يجوز له أن يرفع القلوب بكاد. قال نحاس: والذي لم يجزه جائز عند غيره على تذكير الجميع. حكى الفرّاء: رَحُب البلاد وأرحبت، ورَحُبت لغة أهل الحجاز. واختلف في معنى تزيغ، فقيل: تتلف بالجهد والمشقة والشدة.

وقال السمين

وقرأ جمهور الناس: " خُلِّفوا " ، مبنياً للمفعول مشدداً مِنْ خلَّفه يُخَلِّفه. وقرأ أبو مالك كذلك إلا أنه خفف اللام. وقرأ عكرمة وزر بن حبيش وعمر بن عبيد وعكرمة بن هارون المخزومي ومعاذ القارىء: " خَلَفوا " ، مبنياً للفاعل مخففاً مِنْ خَلَفَه، والمعنى: الذين خلفوا، أي: فَسَدوا، مِنْ خُلوف فم الصائم. ويجوز أن يكون المعنى: أنهم خلفوا الغازين في المدينة. وقرأ أبو العالية وأبو الجوزاء كذلك إلا أنهم شدَّدا اللام. وقرأ أبو رزين وعلي ابن الحسين وابناه زيد ومحمد الباقر وابنه جعفر الصادق: " خالفوا " ، بألف، أي: لم يوافقوا الغازين في الخروج. قال الباقر: " ولو خُلِّفوا لم يكن لهم ". والظن هنا بمعنى العلم كقوله:
2553 ـ فقلتُ لهم ظُنُّوا بأَلْفَي مُدَجَّجٍ سَرَاتُهمُ كالفارِسي المُسَرَّدِ
وقيل: هو على بابه.....

وقال ابن عطية

وقوله: { أولا يرون أنهم يفتنون } الآية، وقرأ الجمهور " أولا يرون " بالياء على معنى أو لا يرى المنافقون، وقرأ حمزة " أولا ترون " بالتاء على معنى أو لا ترون أيها المؤمنون، فهذا تنبيه للمؤمنين، وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب والأعمش " أولا ترى " أي أنت يا محمد....

وقرأ عبد الله بن قسيط المكي " من أنفَسكم " بفتح الفاء من النفاسة،...

وخصص { العرش } بالذكر إذ هو أعظم المخلوقات، وقرأ ابن محيصن " العظيمُ " برفع الميم صفة للرب...

اسامة محمد خيري
06-11-2018, 04:55
قبل الانتقال لسورة يونس

نذكر قراءة شاذة غفلنا عنها وجدتها اثناء المراجعة لما مر

قال السمين

قوله: { لِيُؤْذَنَ لَهُمْ } متعلقٌ بـ " جاء " وحُذِفَ الفاعلُ وأُقيم الجارُّ مُقَامه للعلمِ به، أي: ليأذن لهم الرسول. وقرأ الجمهور " كَذَبوا " بالتخفيف، أي: كذبوا في إيمانهم. وقرأ الحسن ـ في المشهور عنه ـ وأُبَيٌّ وإسماعيل " كذَّبوا " بالتشديد، أي: لم يُصَدِّقُوا ما جاء به الرسول عن ربه ولا امتثلوا أمره.

انتهى

ذكرت الخلاف فى قراءة المعذرون من قبل فليراجع

الجوهرة الرابعة والخمسون بعد المائة

سورة يونس

قال ابن عطية

وقرأ جمهور الناس وهي قراءة نافع وأبي عمرو وابن عامر " إن هذا لسحر مبين " ، وقرأ مسروق بن الأجدع وابن جبير والباقون من السبعة وابن مسعود وأبو رزين ومجاهد وابن وثاب وطلحة والأعمش وعيسى بن عمر بخلاف، وابن محيصن وابن كثير بخلاف عنه " إن هذا لساحر " والمعنى متقارب، وفي مصحف أبي " قال الكافرون ما هذا إلا سحر مبين " ، وقولهم في الإنذار والبشارة سحر إنما هو بسبب أنه فرق بذلك كلمتهم وحال بين القريب وقريبه فأشبه ذلك ما يفعله الساحر فظنوه من ذلك الباب.....

وقال السمين

قوله: { إِنَّهُ يَبْدَأُ } الجمهورُ على كسر الهمزة للاستئناف. وقرأ عبد الله وابن القعقاع والأعمش وسهل بن شعيب بفتحها. وفيها تأويلاتٌ، أحدها: أن تكونَ فاعلاً بما نصب " حقاً " ، أي: حَقَّ حَقَّاً بَدْءُ الخلق، ثم إعادتُه، كقوله:
2567 ـ أحقاً عبادَ الله أَنْ لستُ جائِياً ............................
البيت. وهو مذهبُ الفراء فإنه قال: " والتقدير: يحقُّ أنه يبدأ الخلق. الثاني: أنه منصوبٌ بالفعل الذي نَصَبَ " وعد الله " أي: وَعَدَ الله تعالى بَدْء الخلق ثم إعادتَه، والمعنىظ° إعادة الخلق بعد بَدْئه. الثالث: أنه على حَذْف لام الجر أي: لأنه، ذكر هذا الأوجهَ الثلاثة الزمخشري وغيره. الرابع: أنه بدلٌ من " وَعْدَ الله " قاله ابن عطية. الخامس: أنه مرفوعٌ بنفس " حقاً " أي: بالمصدر المنون، وهذا إنما يتأتَّىظ° على جَعْل " حقاً " غيرَ مؤكدٍ؛ لأنَّ المصدر المؤكدَ لا عملَ له إلا إذا ناب عن فعلِه، وفيه بحثٌ. السادس: أن يكونَ " حقاً " مشبهاً بالظرف خبراً مقدماً و " أنَّه " في محلِّ رفعٍ مبتدأً مؤخراً كقولهم: أحقاً أنك ذاهب قالوا: تقديره: أفي حقٍ ذهابك....

اسامة محمد خيري
06-11-2018, 05:09
الجوهرة الخامسة والخمسون بعد المائة

قال السمين

قوله تعالى: { وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ }: أي: ولا أَعْلمكم الله به، مِنْ دَرَيْتُ، أي: علمتُ. ويقال: دَرَيْتُ بكذا وأَدْرَيْتك بكذا، أي: أحطت به بطريق الدِّراية، وكذلك في " علمت به " فَتَضَمَّن العلمُ معنى الإِحاطة فتعَدَّى تَعْدِيَتَها.

وقرأ ابنُ كثير ـ بخلاف عن البزي ـ " ولأَدْراكم " بلام داخلة على " أَدْراكم " مثبتاً. والمعنى: ولأُعْلِمَكم به من غير وساطتي: إمَّا بوساطة مَلَكٍ أو رسولٍ غيري من البشر، ولكنه خَصَّني بهذه الفضيلة. وقراءةُ الجمهور " لا " فيها مؤكدةٌ؛ لأنَّ المعطوفَ على المنفيّ منفيّ، وليست " لا " هذه هي التي يُنْفَى بها الفعل، لأنه لا يَصِحُّ نفيُ الفعل بها إذا وقع جواباً، والمعطوفُ على الجواب جواب، ولو قلت: " لو كان كذا لا كان كذا " لم يَجُزْ، بل تقول: " ما كان كذا ".

وقرأ ابن عباس والحسن وابن سيرين وأبو رجاء: { ولا أَدْرَأْتُكم به } بهمزةٍ ساكنةٍ بعد الراء. وفي هذه القراءةِ تخريجان، أحدهما: أنها مُبْدَلةٌ من ألف، والألف منقلبةٌ عن ياءٍ لانفتاحِ ما قبلها وهي لغةٌ لعُقَيْلٍ حكاها قطرب، يقولون في أعطيتك: أعطأتك. وقال أبو حاتم: " قَلَبَ الحسنُ الياءَ ألفاً، كما في لغة بني الحرث يقولون: عَلاَك وإلاك، ثم هَمَزَ على لغة من قال في العالم: العَأْلَم، وقيل: بل أُبْدلت الهمزة من نفس الياء نحو: " لَبَأْتُ بالحج " و " رثَأْت فلاناً " ، أي: لبَّيْتُ ورَثَيْتُ. والثاني: أن الهمزة أصلية وأن اشتقاقه مِنَ الدَّرْء وهو الدّفْع كقوله:{ وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ظ±لْعَذَابَ } [النور: 8]، ويقال: أَدْرأته، أي: جَعَلْته دارِئاً، والمعنىظ°: ولأَجْعَلَنَّكم بتلاوته خُصَماء تَدْرَؤُونني بالجدال. قال أبو البقاء: " وقيل: هو غلط " ، لأنَّ قارِئَها ظَنَّ أنها من الدَّرْءِ وهو الدَّفْعُ. وقيل: ليس بغلطٍ والمعنىظ°: لو شاء اللَّه لدَفَعَكم عن الإِيمان به ".

وقرأ شهر بن حوشب والأعمش: " ولا أَنْذَرْتُكم " من الإِنذار، وكذلك/ هي في حرف عبد الله....

وقال الطبري

والقراءة التي لا أستجيز أن تعدوها هي القراءة التي عليها قرّاء الأمصار { لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أدْرَاكُمْ بِهِ } بمعنى ولا أعلمكم به، ولا أشعركم به.

الجوهرة السادسة والخمسون بعد المائة

قال السمين

قوله تعالى: { يُسَيِّرُكُمْ }: قراءةُ ابنِ عامر مِن النَّشْر ضد الطيّ، والمعنىظ°: يُفَرِّقكم ويَبُثُّكم. وقرأ الحسن: " يُنْشِركم " مِنْ أَنْشَر، أي: أَحْيا وهي قراءةُ ابنِ مسعود أيضاً. وقرأ بعض الشاميين " يُنْشِّركم " بالتشديد للتكثير مِن النَّشْر الذي هو مطاوع الانتشار. وقرأ الباقون " يُسَيِّركم " من التَّسْيير، ....

وقرأ أبو الدَّرْدَاء وأمُّ الدرداء " في الفُلْكيّ " بياء النسب. وتخريجُها يَحْتمل وجهين، أحدهما: أن يُراد به الماءُ الغَمْرُ الكثيرُ الذي لا يَجْْري الفُلْكُ إلا فيه، كأنه قيل: كنتم في اللُّلجِّ الفُلْكِيِّ، ويكونُ الضمير في " جَرَيْنَ " عائداً على الفلك لدلالةِ " الفلكي " عليه لفظاً ولزوماً. والثاني: أن يكونَ من باب النسبةِ إلى الصفة لقولهم: " أَحْمَريّ " كقوله:
2576 ـ أَطَرَباً وأنت قِنَّسْرِيُّ والدهرُ بالإِنسان دوَّارِيُّ

وكنِسْبَتهم إلى العَلَم في قولهم: " الصَّلَتَانيّ " كقوله:
2577 ـ أَنَا الصَّلَتَانِيُّ الذي قد عَلِمْتُمُ .....................
فزاد ياءَي النسبِ في اسمه....

قوله: { قِطَعاً } قرأ ابن كثير والكسائي " قِطْعاً " بسكون الطاء، والباقون بفتحها. فأما القراءة الأولى فاختلفت عبارات الناس فيها، فقال أهل اللغة: " القِطْع " ظلمة آخر الليل. وقال الأخفش في قوله: " بقِطْع من الليل " بسواد من الليل. وقال بعضهم: " طائف من الليل " ، وأنشد الأخفش:
2589 ـ افتحي الباب فانظري في النجومِ كم علينا من قِطْعِ ليلٍ بَهيم
وأمَّا قراءةُ الباقين فجمعُ " قِطْعة " نحو: دِمْنة وَدِمَن، وكِسْرة وكِسَر وعلى القراءتين يختلف إعراب " مظلماً " ، فإنه على قراءةِ الكسائي وابن كثير يجوز أن يكونَ نعتاً لـ " قِطْعاً " ، ووُصِف بذلك مبالغةً في وَصْف وجوهِهم بالسواد، ويجوز أن يكونَ حالاً فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنه حالٌ من " قِطْعاً " ، وجاز ذلك لتخصُّصه بالوصف بالجارِّ بعده وهو " من الليل " ، والثاني: أنه حالٌ من " الليل " ، والثالث: أنه حالٌ من الضميرِ المستتر في الجارِّ لوقوعه صفة.

قال الزمخشري: " فإن قلت: إذا جعلت " مظلماً " حالاً من " الليل " فما العاملُ فيه؟ قلت: لا يخلو: إما أن يكونَ " أُغْشِيَتْ " من قِبل أنَّ " من الليل " صفةٌ لقوله: " قِطْعاً " ، وكان إفضاؤه إلى الموصوفِ كإفضائه إلى الصفة، وإما أن يكونَ معنى الفعل في " من الليل ".

قال الشيخ: " أمَّا الوجه الأول فهو بعيدٌ لأنَّ الأصلَ أن يكون العاملُ في الحال هو العاملَ في ذي الحال، والعاملُ في " من الليل " هو الاستقرار، و " أُغْشِيَتْ " عاملٌ في قوله: " قطعاً " الموصوف بقوله: " من الليل " فاختلفا، فلذلك كان الوجهُ الأخير أَوْلى، أي: قطعاً مستقرةً من الليل، أو كائنةً من الليل في حال إظلامه ". قلت: ولا يَعْني الزمخشري بقوله: " إنَّ العامل أُغْشِيَتْ " إلا أنَّ الموصوفَ وهو " قِطْعاً " معمول لأُِغْشِيَتْ والعامل في الموصوف هو عاملٌ في الصفة، والصفة هي " من الليل " فهي معمولةٌ لـ " أُغْشِيَتْ " ، وهي صاحبةُ الحال، والعاملُ في الحال هو العاملُ في ذي الحال، فجاء من ذلك أنَّ العاملَ في الحال هو العاملُ في صاحبها بهذه الطريقةِ. ويجوز أن يكونَ " قِطْعاً " جمع قطعة، أي: اسم جنس، فيجوز حينئذٍ وصفُه بالتذكير نحو: " نَخْلٌ مُنْقَعِر " والتأنيث نحو: " نخل خاوية ".

وأمَّا قراءة الباقين فقال مكي وغيره: " إنَّ " مظلماً " حال من " الليل " فقط. ولا يجوز أن يكون صفةً لـ " قِطَعاً " ، ولا حالاً منه، ولا من الضمير في " من الليل " ، لأنه كان يجب أن يقال فيه: مظلمة ". قلت: يَعْنُون أنَّ الموصوف حينئذ جمعٌ، وكذا صاحب الحال فتجب المطابقةُ. وأجاز بعضهم ما منعه هؤلاء وقالوا: جاز ذلك لأنَّه في معنى الكثير، وهذا فيه تعسُّفٌ....

اسامة محمد خيري
06-11-2018, 05:31
الجوهرة السابعة والخمسون بعد المائة

قال ابن الجوزى

هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }

قوله تعالى: { هنالك تبلو } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: «تبلو» بالباء. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وزيد عن يعقوب: «تتلو» بالتاء. قال الزجاج: «هنالك» ظرف، والمعنى: في ذلك الوقت تبلو، وهو منصوب بتبلو، إِلا أنه غير متمكِّن، واللام زائدة، والأصل: هناك، وكسرت اللام لسكونها وسكون الألف، والكاف للمخاطبة. و«تبلو» تختبر، أي: تعلم. ومن قرأ «تتلو» بتاءين، فقد فسرها الأخفش وغيره: تتلو من التلاوة، أي: تقرأ. وفسروه أيضاً: تتبع كل نفس ما أسلفت. ومثله قول الشاعر:
قد جعلتْ دلويَ تَسْتَتْلِيني ولا أُريدُ تَبَعَ القريْنِ
أي: تستتبعني، أي: من ثقلها تستدعي اتباعي إِياها...

وقال ابن كثير

وقد قرأ بعضهم هنالك تتلو كل نفس ما أسلفت وفسرها بعضهم بالقراءة، وفسرها بعضهم بمعنى تتبع ما قدمت من خير وشر، وفسرها بعضهم بحديث " لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت " الحديث

اسامة محمد خيري
06-11-2018, 05:45
الجوهرة الثامنة والخمسون بعد المائة

قال ابن عطية

{ يهدي إلى الحق } يريد به يبين الطرق والصواب ويدعو إلى العدل ويفصح بالآيات ونحو هذا، ووصف الأصنام بأنها لا تهدي إلا أن تهدى، ونحن نجدها لا تهتدي وإن هديت، فوجه ذلك أنه عامل في العبارة عنها معاملتهم في وصفها بأوصاف من يعقل وذلك مجاز وموجود في كثير من القرآن، وذكر ذلك أبو علي الفارسي، والذي أقول: إن قراءة حمزة والكسائي تحتمل أن يكون المعنى أمن لا يهدي أحداً إلا أن يهدى ذلك الأحد بهداية من عند الله، وأما على غيرها من القراءات التي مقتضاها " أمن لا يهتدي إلا أن يهدى " فيتجه المعنى على ما تقدم لأبي علي الفارسي، وفيه تجوز كثير، وقال بعضهم: هي عبارة عن أنها لا تنتقل إلا أن تنقل، ويحتمل أن يكون ما ذكر الله من تسبيح الجمادات هو اهتداؤها ويحتمل أن يكون الاستثناء في اهتدائها إلى مناكرة الكفار يوم القيامة، حسبما مضى في هذه السورة، وقراءة حمزة والكسائي هي " يَهْدي " بفتح الياء وسكون الهاء، وقرأ نافع وأبو عمرو وشيبة والأعرج وأبو جعفر " يَهْدّي " بسكون الهاء وتشديد الدال، وقرأ ابن كثير وابن عامر " يَهَدي " بفتح الياء والهاء، وهذه أفصح القراءات، نقلت حركة تاء " يهتدي " إلى الهاء وأدغمت التاء في الدال، وهذه رواية ورش عن نافع وقرأ عاصم في رواية حفص " يَهِدّي " بفتح الياء وكسر الهاء وشد الدال، أتبع الكسرة الكسرة، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، " يِهِدّي " بكسر الياء والهاء وشد الدال وهذا أيضاً إتباع وقال مجاهد: الله يهدي من الأوثان وغيرها ما شاء.

قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقرأ يحيى بن الحارث الزماري. " إلا أن يهَدّي " بفتح الهاء وشد الدال...

وقال القرطبي

وفي «يَهدِي» قراءات ست:

الأُولى ـ قرأ أهل المدينة إلا وَرْشاً «يَهْدّي» بفتح الياء وإسكان الهاء وتشديد الدال؛ فجمعوا في قراءتهم بين ساكنين كما فعلوا في قوله: { لاَ تَعْدُواْ } وفي قوله: «يَخْصِّمُونَ» قال النحاس: والجمع بين الساكنين لا يقدر أحد أن ينطق به. قال محمد بن يزيد: لا بد لمن رام مثل هذا أن يحرك حركة خفيفة إلى الكسر، وسيبويه يسمي هذا اختلاس الحركة.

الثانية ـ قرأ أبو عمرو وقالون في روايةٍ بين الفتح والإسكان، على مذهبه في الإخفاء والاختلاس.

الثالثة ـ قرأ ابن عامر وابن كثير وورش وابن مُحَيْصن «يَهَدّي» بفتح الياء والهاء وتشديد الدال. قال النحاس: هذه القراءة بيّنة في العربية، والأصل فيها يهتدي أدغمت التاء في الدال وقلبت حركتها على الهاء.

الرابعة ـ قرأ حفص ويعقوب والأعمش عن أبي بكر مثل قراءة ابن كَثير، إلا أنهم كسروا الهاء، قالوا: لأن الجزم إذا ظ±ضْطُرّ إلى حركته حُرّك إلى الكسر. قال أبو حاتم: هي لغة سُفْلَى مضر.

الخامسة ـ قرأ أبو بكر عن عاصم «يِهِدّي» بكسر الياء والهاء وتشديد الدال، كل ذلك لإتباع الكسر الكسر كما تقدم في البقرة في{ يَخْطَفُ } [البقرة: 20]. وقيل: هي لغة من قرأ «نِسْتَعِينُ» و{ لَن تَمَسَّنَا ظ±لنَّارُ } [آل عمران: 24] ونحوه. وسيبويه لا يجيز «يِهِدّي» ويجيز «تهِدّي» و «نهِدّي» و «إهدي» قال: لأن الكسرة في الياء تثقل.

السادسة ـ قرأ حمزة والكسائي وخلف ويحيى بن وَثّاب والأعمش «يَهْدِي» بفتح الياء وإسكان الهاء وتخفيف الدال؛ من هَدَى يهدي. قال النحاس: وهذه القراءة لها وجهان في العربية وإن كانت بعيدة، وأحد الوجهين أن الكسائي والفراء قالا: «يهدي» بمعنى يهتدي. قال أبو العباس: لا يعرف هذا، ولكن التقدير أمن لا يهدي غيره، تم الكلام، ثم قال: «إلاَّ أَنْ يُهْدَى» استأنف من الأوّل، أي لكنه يحتاج أن يهدى؛ فهو استثناء منقطع، كما تقول؛ فلان لا يُسمِع غيره إلا أن يُسمع، أي لكنه يحتاج أن يُسْمَع

وقال الطبري

وأولى القراءة في ذلك بالصواب قراءة من قرأ «أمْ مَنْ لا يَهَدّي» بفتح الهاء وتشديد الدال، لما وصفنا من العلة لقارىء ذلك كذلك، وأن ذلك لا يدفع صحته ذو علم بكلام العرب وفيهم المنكر غيره، وأحقّ الكلام أن يقرأ بأفصح اللغات التي نزل بها كلام الله تبارك وتعالى. فتأويل الكلام إذا أفمن يهدي إلى الحقّ أحقّ أن يتبع، أم من لا يهتدي إلى شيء إلا أن يُهْدَى. وكان بعض أهل التأويل يزعم أن معنى ذلك أم من لا يقدر أن ينتقل عن مكانه إلا أن ينقل.

وقال السمين

وقرأ عمرو بن فائد " بسورة مثلِه " بإضافة " سورة " إلى " مثله " على حَذْف الموصول وإقامة الصفة مُقامَه، والتقدير: بسورةِ كتابٍ مثلِه أبو بسورةِ كلام مثله. ويجوز أن يكون التقديرُ: فَأْتوا بسورةِ بشرٍ مثلِه فالضمير يجوز أن يعودَ في هذه القراءةِ على القرآن، وأن يعودَ على النبي صلى الله عليه وسلم. وأمَّا في قراءة العامة فالضمير للقرآن فقط.

اسامة محمد خيري
06-11-2018, 05:58
الجوهرة التاسعة والخمسون بعد المائة

قال ابن الجوزى

قوله تعالى: { فبذلك فليفرحوا } وقرأ أُبَيُّ بن كعب، وأبو مجلز، وقتادة، وأبو العالية، ورويس عن يعقوب: «فلتفرحوا» بالتاء. وقرأ الحسن، ومعاذ القارىء، وأبو المتوكل مثل ذلك، إِلا أنهم كسروا اللام. وقرأ ابن مسعود، وأبو عمران: «فبذلك فافرحوا». قال ابن عباس: بذلك الفضل والرحمة. { هو خير مما يجمعون } أي: مما يجمع الكفار من الأموال. وقرأ أبو جعفر، وابن عامر، ورويس: «تجمعون» بالتاء. وحكى ابن الأنباري أن الباء في قوله: { بفضل الله } خبر لاسم مضمر، تأويله: هذا الشفاء وهذه الموعظة بفضل الله ورحمته، فبذلك التطوّل من الله فليفرحوا....

وقال القرطبي

فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } إشارة إلى الفضل والرحمة. والعرب تأتي «بذلك» للواحد والاثنين والجمع. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قرأ «فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا» بالتاء؛ وهي قراءة يزيد بن القَعْقاع ويعقوب وغيرهما، وفي الحديث. " لتأخذوا مصافّكم " والفرح لذة في القلب بإدراك المحبوب. وقد ذمّ الفرح في مواضع؛ كقوله:{ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ } [القصص: 76] وقوله:{ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ } [هود: 10] ولكنه مطلق. فإذا قيّد الفرح لم يكن ذماً؛ لقوله؛{ فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } [آل عمران: 170] وهاهنا قال تبارك وتعالى: { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } أي بالقرآن والإسلام فليفرحوا؛ فقيد. قال هارون: وفي حرف أُبَيّ «فبِذلِك فافرحوا». قال النحاس: سبيل الأمر أن يكون باللام ليكون معه حرف جازم كما أن مع النهي حرفاً؛ إلا أنهم يحذفون من الأمر للمخَاطب استغناء بمخاطبته، وربما جاءوا به على الأصل؛ منه «فبذلك فلتفرحوا». { هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } يعني في الدنيا. وقراءة العامة بالياء في الفعلين؛ ورُوي عن ٱبن عامر أنه قرأ «فليفرحوا» بالياء «تجمعون» بالتاء؛ خطاباً للكافرين. ورُوي عن الحسن أنه قرأ بالتاء في الأوّل؛ و «يجمعون» بالياء على العكس...

وقال الطبري

قال أبو جعفر والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قرّاء الأمصار من قراءة الحرفين جميعا بالياء { فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعونَ } لمعنيين أحدهما إجماع الحجة من القرّاء عليه، والثاني صحته في العربية.

اسامة محمد خيري
06-11-2018, 06:07
الجوهرة الستون بعد المائة

قال السمين

قوله: { وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذظ°لِكَ وَلاغ¤ أَكْبَرَ } قرأ حمزة برفع راء " أَصْغر " و " أكبر " ، والباقون بفتحها. فأما الفتحُ ففيه وجهان، أحدهما: ـ وعليه أكثر المُعْربين ـ أنه جَرٌّ، وإنما كان بالفتحةِ لأنه لا يَنْصَرف للوزن والوصف، والجرُّ لأجلِ عطفِه على المجرور وهو: إمَّا " مثقال " ، وإمَّا " ذرة ". وأمَّا الوجهُ الثاني فهو أنَّ " لا " نافيةٌ للجنس، و " أصغر " و " أكبر " اسمُها، فهما مَبْنيان على الفتح. وأمَّا الرفعُ فمن وجهين أيضاً، أشهرهُما عند المُعْربين: العطفُ على محل " مثقال " إذ هو مرفوعٌ بالفاعلية و " مِنْ " مزيدة فيه كقولك: " ما قام مِنْ رجل ولا امرأة " بجرِّ " امرأة " ورَفِعْها. والثاني: أنه مبتدأ، قال الزمخشري: " والوجهُ النصبُ على نفي الجنس، والرفع على الابتداء ليكون كلاماً برأسِه، وفي العطفِ على محل " مثقال ذرة " ، أو على لفظ " مثقال ذرة " فتحاً في موضع الجرِّ لامتناع الصرف إشكالٌ؛ لأنَّ قولَك: " لا يَعْزُب عنه شيءٌ إلا في كتاب مشكل " انتهىظ°. وهذان الوجهان اختيار الزجاج، وإنما كان هذا مُشْكلاً عنده لأنه يصير التقدير: إلا في كتاب مبين فيعزبُ، وهو كلامٌ لا يصحُّ. وقد يزول هذا الإِشكالُ بما ذكره أبو البقاء: وهو أن يكون { إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } استثناءٌ منقطعاً، قال: { إِلاَّ فِي كِتَابٍ } ، أي: إلا هو في كتاب، والاستثناءُ منقطع ". وقال الإِمام فخر الدين بعد حكايته الإِشكالَ المتقدم: " أجاب بعضُ المحققين مِنْ وجهين، أحدهما: أن الاستثناءَ منقطع، والآخر: أن العُزوبَ عبارةٌ عن مُطْلق البعد، والمخلوقاتِ قسمان، قسمٌ أوجده اللهُ ابتداءً مِنْ غير واسطةٍ كالملائكة والسمواتِ والأرض، وقسمٌ أوجده بواسطةِ القسم الأول مثلِ الحوادث الحادثة في عالم الكون والفساد، وهذا قد يتباعدُ في سلسلةِ العِلِّيَّة والمعلولِيَّة عن مرتبة وجود واجبِ الوجود، فالمعنىظ°: لا يَبْعد عن مرتبة وجوده مثقالُ ذرة في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين، كتبه الله وأثبت فيه صورَ تلك المعلومات ".

قلت: فقد آل الأمرُ إلى أنه جَعَله استثناءً مفرغاً، وهو حال من " أصغر " و " أكبر " ، وهو في قوة الاستثناءِ المتصل، ولا يُقال في هذا: إنه متصل ولا منقطع، إذ المفرَّغُ لا يُقال فيه ذلك.

وقال الجرجاني: " إلا " بمعنى الواو، أي: وهو في كتاب مبين، والعربُ تضعُ " إلا " موضعَ واو النسق كقوله:{ إِلاَّ مَن ظُلِمَ } [النساء: 148]{ إِلاَّ ظ±لَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } [البقرة: 150]. وهذا الذي قاله الجرجانيُّ ضعيفٌ جداً، وقد تقدَّم الكلامُ في هذه المسألة في البقرة، وأنه شيءٌ قال به الأخفش، ولم يَثْبُت ذلك بدليل صحيح. وقال الشيخ أبو شامةَ: " ويُزيل الإِشكالَ أن تُقَدِّر قبلَ قوله: { إِلاَّ فِي كِتَابٍ } " ليس شيء من ذلك إلا في كتاب " وكذا تقدِّر في آية الأنعام.

ولم يُقرأ في سبأ إلا بالرفع، وهو يُقَوِّي قولَ مَنْ يقول إنه معطوف على " مثقال " ويُبَيِّنه أن " مثقال " فيها بالرفع، إذ ليس قبله حرفُ جر. وقد تقدَّمَ الكلامُ على نظير هذه المسألة والإِشكالُ فيها في سورة الأنعام في قوله:{ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ } [يونس: 59]، إلى قوله:{ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } [يونس: 59]، وأنَّ صاحبَ " النظم " الجرجانيَّ هذا أحال الكلامَ فيها على الكلامِ في هذه السورة، وأن أبا البقاء قال: " لو جَعَلْناه كذا لفَسَدَ المعنىظ° " ، وقد بيَّنْتُ تقريرَ فسادِه والجوابَ عنه في كلام طويل هناك فعليك باعتبارِه ونَقْلِ ما يمكن نَقْلُه إلى هنا.

وقال الرازى

وأجاب صاحب «الكشاف»: بوجه رابع فقال: الإشكال إنما جاء إذا عطفنا قوله: { وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذظ°لِكَ وَلا أَكْبَرَ } على قوله: { مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ظ±لأَرْضِ وَلاَ فِى ظ±لسَّمَاء } إما بحسب الظاهر أو بحسب المحل، لكنا لا نقول ذلك، بل نقول: الوجه في القراءة بالنصب في قوله: { وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذظ°لِكَ } الحمل على نفي الجنس وفي القراءة بالرفع الحمل على الابتداء، وخبره قوله: { فِى كِتَـظ°بٍ مُّبِينٍ } وهذا الوجه اختيار الزجاج....

وقال الطبري

واختلفت القرّاء في قراءة قوله { وَلا أصْغَرَ مِنَ ذلكَ وَلا أكْبَرَ } فقرأ ذلك عامَّة القرّاء بفتح الراء من «أصغر» و«أكبر» على أن معناها الخفض، عطفاً بالأصغر على الذرّة وبالأكبر على الأصغر، ثم فتحت راؤهما لأنهما لا يجريان. وقرأ ذلك بعض الكوفيين «وَلا أصْغَرُ مِنْ ذلكَ وَلا أكْبَرُ» رفعاً، عطفا بذلك على معنى المثقال لأن معناه الرفع. وذلك أن «مِنْ» لو أُلقيت من الكلام لرفع المثقال، وكان الكلام حينئذ وَما يَعْزُبُ عن ربك مثقال ذرّة ولا أصغر من مثقال ذرّة ولا أكبر، وذلك نحو قوله{ منْ خَالِقٍ غَيرُ اللَّهِ } و«غيرِ الله». وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ بالفتح على وجه الخفض والردّ على الذرّة لأن ذلك قراءة قرّاء الأمصار وعليه عوامّ القرّاء، وهو أصحّ في العربية مخرجا وإن كان للأخرى وجه معروف. وقوله { إلاَّ فِي كِتابٍ } يقول وما ذاك كله إلا في كتاب عند الله مبين عن حقيقة خبر الله لمن نظر فيه أنه لا شيء كان أو يكون إلا وقد أحصاه الله جلّ ثناؤه فيه، وأنه لا يعزب عن الله علم شيء من خلقه حيث كان من سمائه وأرضه.....

وقال السمين

قوله تعالى: { إِنَّ ظ±لْعِزَّةَ }: العامَّةُ على كسرِ " إنَّ " استئنافاً وهو مُشْعِرٌ بالعِلِّيَّة. وقيل: هو جوابُ سؤالٍ مقدرٍ كأنَّ قائلاً قال: لِمَ لا يُحْزِنُه قولُهم، وهو ممَّا يُحْزِن؟ فأجيب بقوله: { إِنَّ ظ±لْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } ، ليس لهم منها شيءٌ فكيف تبالي بهم وبقولهم؟.

والوقفُ على قولِه: { قَوْلُهُمْ } ينبغي أن يُعْتمد ويُقْصَدَ ثم يُبتدأ بقوله: " إن العزَّة " وإن كان من المستحيلِ أن يتوهَّم أحد أن هذا مِنْ مقولهم، إلا مَنْ لا يُعْتَبَرُ بفهمه.

وقرأ أبو حيوة: " أنَّ العزة " بفتح " أنَّ ". وفيها تخريجان، أحدهما: أنها على حَذْفِ لام العلة، أي: لا يَحْزنك قولهم لأجل أن العزة لله جميعاً. والثاني: أنَّ " أنَّ " وما في حيِّزها بدل من " قولهم " كأنه قيل: ولا يَحْزُنك أن العَّزة لله، وكيف يَظْهَرُ هذا التوجيهُ أو يجوز القول به، وكيف يَنْهىظ° رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك في المعنى وهو لم يَتَعاطَ شيئاً من تلك الأسباب، وأيضاً فمِنْ أيِّ قبيلٍ الإِبدالُ هذا؟ قال الزمخشري: " ومَنْ جعله بدلاً من " قولهم " ثم أنكره فالمُنْكَر هو تخريجُه لا ما أنكره من القراءة به " ، يعني أن إنكارَه للقراءة مُنْكَرٌ؛ لأنَّ معناها صحيحٌ على ما ذَكَرْتُ لك مِنَ التعليلِ، وإنما المُنْكَر هذا التخريجُ.

وقد أنكر جماعةٌ هذه القراءةَ ونَسَبُوها للغلَط ولأكثر منه. قال القاضي: " فَتْحُها شاذٌّ يُقارِبُ الكفر، وإذا كُسِرت كان استئنافاً وهذا يدلُّ على فضيلة علم الإِعراب ". وقال ابن قتيبة: " لا يجوز فتحُ " إنَّ " في هذا الموضعِ وهو كفرٌ وغلوٌّ " ، وقال الشيخ: " وإنما قالا ذلك بناءً منهما على أن " أنَّ " معمولةٌ لـ " قولهم ". قلت: كيف تكون معمولةً لـ " قولهم " وهي واجبةُ الكسرِ بعد القول إذا حُكِيَتْ به، كيف يُتَوَهَّم ذلك؟ وكما لا يُتَوَهَّم هذا المعنىظ° مع كسرِها لا يُتَوَهَّم أيضاً مع فتحها ما دام له وجهٌ صحيح...

اسامة محمد خيري
06-11-2018, 06:16
الجوهرة الواحدة والستون بعد المائة

قال ابن عطية

وقرأ السبعة وجهور الناس وابن أبي إسحاق وعيسى: " فأجمعوا " من أجمع الرجل على الشيء إذا عزم عليه ومنه قول الشاعر: [الكامل ]

هل أغدونْ يوماً وأمر مجمع
ومنه قول الآخر: [الخفيف ]

أجمعوا أمرهم بليلِ فلما أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
ومنه الحديث ما لم يجمع مكثاً ومنه قول أبي ذؤيب: [ الكامل ]

ذكر الورود بها فأجمع أمرَهُ شوقاً وأقبلَ حينه يتتبع
وقرأ نافع فيما روى عنه الأصمعي وهي قراءة الأعرج وأبي رجاء وعاصم الجحدري والزهري والأعمش " فاجمَعوا " بفتح الميم من جمع إذا ضم شيئاً إلى شيء، و { أمركم } يريد به قدرتكم وحياتكم ويؤيد هذه القراءة قوله تعالى:{ فتولى فرعون فجمع كيده } [طه: 60] وكل هؤلاء نصب " الشركاء " ، ونصب قوله: { شركاءكم } ، يحتمل أن يعطف على قوله { أمركم } ، وهذا على قراءة " فاجمعوا " بالوصل، وأما من قرأ: " فأجمعوا " بقطع الألف فنصب " الشركاء " بفعل مضمر كأنه قال: وادعوا شركاءكم فهو من باب قول الشاعر: [ المتقارب ]

شراب اللبان وتمر وأقط
ومن قول الآخر: [مجزوء الكامل مرفل]

ورأيت زوجك في الوغى متقلداً سيفاً ورمحا
ومن قول الآخر: [ الرجز ]

علفتها تبناً وماء بارداً حتى شَأت همالة عيناها
وفي مصحف أبي بن كعب: " فأجمعوا وادعوا شركاءكم " ، قال أبو علي: وقد ينتصب " الشركاء " بواو " مع " ، كما قالوا جاء البريد والطيالسة، وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن وابن أبي إسحاق وعيسى وسلام ويعقوب وأبو عمرو فيما روي عنه " وشركاؤكم " بالرفع عطفاً على الضمير في { أجمعوا } ، وعطف على الضمير قبل تأكيده لأن الكاف والميم في { أمركم } ناب مناب أنتم المؤكد للضمير، ولطول الكلام أيضاً، وهذه العبارة أحسن من أن يطول الكلام بغير ضمير، ويصح أن يرتفع بالابتداء والخبر مقدر تقديره وشركاؤهم فليجمعوا، وقرأت فرقة " وشركائكم " بالخفض على العطف على الضمير في قوله: { أمركم } ، التقدير وأمر شركائكم، فهو كقول الشاعر [العجّاج ]:

أكل امرىء تحسبين أمرأً ونار توقد بالليل نارا
أي وكل نار، والمراد بالشركاء في هذه الآية الأنداد من دون الله، فأضافهم إليهم إذ يجعلونهم شركاء بزعمهم...

وقوله { ثم اقضوا إلي } ومعناه أنفذوا قضاءكم نحوي، وقرأ السدي بن ينعم: " ثم أفضوا " بالفاء وقطع الألف، ومعناه: أسرعوا وهو مأخوذ من الأرض الفضاء أي اسلكوا إلي بكيدكم واخرجوا معي وبي إلى سعة وجلية...

وقال القرطبي

قوله تعالى: { فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ } قراءة العامة «فَأَجْمِعُوا» بقطع الألف «شُرَكَاءَكُمْ» بالنصب. وقرأ عاصم الجَحْدرِيّ «فٱجْمعُوا» بوصل الألف وفتح الميم؛ من جَمع يجمع. «شُرَكَاءَكُمْ» بالنصب. وقرأ الحسن وٱبن أبي إسحاق ويعقوب «فأجمِعوا» بقطع الألف «شركاؤكم» بالرفع. فأما القراءة الأُولى من أجمع على الشيء إذا عزم عليه. وقال الفراء: أجمع الشيء أعدّه. وقال المؤرّج: أجمعت الأمر أفصح من أجمعت عليه. وأنشد:
يا ليت شعري والمُنَى لا تنفع هل أَغْدُوَنْ يوماً وأمري مُجْمَعُ
قال النحاس: وفي نصب الشركاء على هذه القراءة ثلاثة أوجه؛ قال الكسائي والفراء: هو بمعنى وٱدعوا شركاءكم لنصرتكم؛ وهو منصوب عندهما على إضمار هذا الفعل. وقال محمد بن يزيد: هو معطوف على المعنى؛ كما قال:
يا ليت زوجَك في الوَغَى متقلّدا سَيْفاً ورُمْحاً
والرمح لا يُتقلّد، إلا أنه محمول كالسيف. وقال أبو إسحاق الزجاج: المعنى مع شركائكم على تناصركم؛ كما يقال: التقى الماء والخشبةَ. والقراءة الثانية من الجمع، اعتباراً بقوله تعالى:{ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ } [طۤه: 60]. قال أبو معاذ: ويجوز أن يكون جَمَعَ وأجْمع بمعنًى واحد، «وشركاءكم» على هذه القراءة عطف على «أمركم»، أو على معنى فأجمعوا أمركم وأجمعوا شركاءكم، وإن شئت بمعنى مع. قال أبو جعفر النحاس: وسمعت أبا إسحاق يجيز قام زيد وعمراً. والقراءة الثالثة على أن يعطف الشركاء على المضمر المرفوع في أجمعوا، وحسن ذلك لأن الكلام قد طال. قال النحاس وغيره: وهذه القراءة تبعد؛ لأنه لو كان مرفوعاً لوجب أن تكتب بالواو، ولم يُرَ في المصاحف واو في قوله «وشركاءكم»، وأيضاً فإن شركاءهم الأصنام، والأصنام لا تصنع شيئاً ولا فعل لها حتى تُجْمِع. قال المهدويّ: ويجوز أن يرتفع الشركاء بالابتداء والخبر محذوف، أي وشركاءكم ليجمعوا أمرهم، ونسب ذلك إلى الشركاء وهي لا تسمع ولا تبصر ولا تميز على جهة التوبيخ لمن عبدها.

وقال الطبري

. واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته قراء الأمصار وشَرَكاءَكُمْ نصبا، وقوله فَأجْمِعُوا بهمز الألف وفتحها، من أجمعت أمري فأنا أجمعه إجماعاً. وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه { فأجمِعوا أمْرَكُمْ } بفتح الألف وهمزها «وَشُرَكاؤُكُمْ» بالرفع على معنى وأجمعوا أمركم، وليجمع أمرهم أيضاً معكم شركاؤكم. والصواب من القول في ذلك قراءة من قرأ { فَأجْمِعُوا أمْرَكُمُ وَشُرَكاءَكُمْ } بفتح الألف من «أجمعوا»، ونصب «الشركاء»، لأنها في المصحف بغير واو، ولإجماع الحجة على القراءة بها ورفض ما خالفها، ولا يعترض عليها بمن يجوز عليه الخطأ والسهو. وعني بالشركاء آلهتهم وأوثانهم

اسامة محمد خيري
06-11-2018, 10:20
الجوهرة الثانية والستون بعد المائة

قال ابن عطية

وقرأ السبعة سوى أبي عمرو { السحر } وهي قراءة جمهور الناس، وقرأ أبو عمرو ومجاهد وأصحابه وابن القعقاع { به السحر } بألف الاستفهام ممدودة قبل { السحر }.

فأما من قرأ { السحر } بغير ألف استفهام قبله فـ { ما } في موضع رفع على الابتداء وهي بمعنى الذي وصلتها قوله { جئتم به } والعائد الضمير في { به } ، وخبرها { السحر } ، ويؤيد هذه القراءة والتأويل أن في مصحف ابن مسعود " ما جئتم به سحر " ، وكذلك قرأها الأعمش وهي قراءة أبي بن كعب، " ما أتيتم به سحر " ، والتعريف هنا في السحر أرتب لأنه قد تقدم منكراً في قولهم{ إن هذا لسحر } [يونس: 76] فجاء هنا بلام العهد كما يقال في أول الرسالة، سلام عليك وفي آخرها والسلام عليك، ويجوز أن تكون { ما } استفهاماً في موضع رفع بالابتداء و { جئتم به } الخبر و { السحر } خبر ابتداء مضمر تقديره هو السحر إن الله سيبطله، ووجه استفهامه هذا هو التقرير والتوبيخ، ويجوز أن تكون { ما } في موضع نصب على معنى أي شيء جئتم و { السحر } مرفوع على خبر الابتداء تقدير الكلام أي شيء جئتم به هو السحر، { إن الله سيبطله } ،

وأما من قرأ الاستفهام والمد قبل { السحر } فـ { ما } استفهام رفع بالابتداء و { جئتم به } الخبر، وهذا على جهة التقرير، وقوله: { السحر } استفهام أيضاً كذلك، وهو بدل من الاستفهام الأول، ويجوز أن تكون { ما } في موضع نصب بمضمر تفسيره { جئتم به } تقديره أي شيء جئتم به السحر، ...

وقال الطبري

وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه على وجه الخبر لا على الاستفهام، لأن موسى صلوات الله وسلامه عليه لم يكن شاكًّا فيما جاءت به السحرة أنه سحر لا حقيقة له فيحتاج إلى استخبار السحرة عنه أيّ شيءٍ هو، وأخرى أنه صلوات الله عليه قد كان على علم من السحرة، إنما جاء بهم فرعون ليغالبوه على ما كان جاءهم به من الحقّ الذي كان الله آتاه، فلم يكن يذهب عليه أنهم لم يكونوا يصدّقونه في الخبر عما جاءوا به من الباطل، فيستخبرهم أو يستجيز استخبارهم عنه ولكنه صلوات الله عليه أعلمهم أنه عالم ببطول ما جاءوا به من ذلك بالحقّ الذي أتاه ومبطل كيدهم بجدّه، وهذه أولى بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآخرى. فإن قال قائل فما وجه دخول الألف واللام في السحر إن كان الأمر على ما وصفت وأنت تعلم أن كلام العرب في نظير هذا أن يقولوا ما جاءني به عمرو درهم، والذي أعطاني أخوك دينار، ولا يكادون أن يقولوا الذي أعطاني أخوك الدرهم، وما جاءني به عمرو الدينار؟ قيل له بلى كلام العرب إدخال الألف واللام في خبر ما والذي إذا كان الخبر عن معهود قد عرفه المخاطب والمخاطب، بل لا يجوز إذا كان ذلك كذلك إلا بالألف واللام، لأن الخبر حينئذ خبر عن شيء بعينه معروف عند الفريقين وإنما يأتي ذلك بغير الألف إذا كان الخبر عن مجهول غير معهود ولا مقصود قصد شيء بعينه، فحينئذ لا تدخل الألف واللام في الخبر، وخبر موسى كان خبراً عن معروف عنده وعند السحرة، وذلك أنها كانت نسبت ما جاءهم به موسى من الآيات التي جعلها الله علما له على صدقه ونبوته إلى أنه سحر، فقال لهم موسى السحر الذي وصفتم به ما جئتكم به من الآيات أيها السحرة، هو الذي جئتم به أنتم لا ما جئتكم به أنا. ثم أخبرهم أن الله سيبطله. فقال { إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ } يقول سيذهب به، فذهب به تعالى ذكره بأن سلط عليه عصا موسى قد حوّلها ثعباناً يتلقفه حتى لم يبق منه شيء. { إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ } يعني أنه لا يصلح عمل من سعى في أرض الله بما يكرهه وعمل فيها بمعاصيه. وقد ذكر أن ذلك في قراءة أبيّ بن كعب «ما أتيتم به سحر»، وفي قراءة ابن مسعود «ما جئتم به سحر»، وذلك مما يؤيد قراءة من قرأ بنحو الذي اخترنا من القراءة فيه.

اسامة محمد خيري
06-11-2018, 10:31
الجوهرة الثالثة والستون بعد المائة

قال السمين


قوله تعالى: { لِيُضِلُّواْ }: في هذه اللامِ ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها لامُ العلة، والمعنىظ°: أنك أتيتَهم ما أتيتهم على سبيل الاستدراج فكان الإِيتاءُ لهذه العلة. والثاني: أنها لام الصيرورة والعاقبة كقوله:{ فَظ±لْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } [القصص: 8]. وقولِه:
2622 ـ لِدُوا للموت وابنُوا للخراب .................
وقولِه:
2623 ـ فللموتِ تَغْذو الوالداتُ سِخالَها كما لخرابِ الدُّوْرِ تُبْنَى المساكنُ
وقوله:
2624 ـ وللمنايا تُرَبِّى كلُّ مُرْضِعَةٍ وللخرابِ يَجِدُّ الناسُ عِمْرانا
والثالث: أنها للدعاء عليهم بذلك، كأنه قال: ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال وليكونوا ضُلاَّلاً، وإليه ذهب الحسن البصري وبدأ به الزمخشري.

وقد استُبْعِد هذا التأويلُ بقراءة الكوفيين " ليُضِلُّوا " بضم الياء فإنه يَبْعُد أن يَدْعُوَ عليهم بأن يُضِلُّوا غيرهم، وقرأ الباقون بفتحها، وقرأ الشعبي بكسرها، فوالى بين ثلاث كسَرات إحداها في ياء. وقرأ [أبو] الفضل الرياشي " أإنك أَتَيْتَ " على الاستفهام. وقال الجبائي: إنَّ " لا " مقدرةٌ بين اللام والفعل تقديره: لئلا يَضِلوا " ، ورأيُ البصريين في مثل هذا تقديرُ " كراهةَ " أي: كراهة أن يَضِلُّوا....

قوله: { آمَنتُ أَنَّهُ } قرأ الأخَوان بكسر إنَّ وفيها أوجه، أحدها: أنها استئنافُ إخبار، فلذلك كُسِرت لوقوعِها ابتداءَ كلام. والثاني: أنه على إضمار القول أي: فقال إنه، ويكون هذا القولُ مفسراً لقوله آمنت. والثالث: أن تكون هذه الجملةُ بدلاً من قوله: " آمنت " ، وإبدالُ الجملةِ الاسمية من الفعلية جائزٌ لأنها في معناها، وحينئذ تكون مكسورةً لأنها محكيَّة بـ " قال " هذا الظاهر. والرابع: أن " آمنتُ " ضُمِّن معنى القول لأنه قولٌ. وقال الزمخشري: " كَرَّر المخذولُ المعنىظ° الواحدَ ثلاثَ مرات في ثلاث عبارات حِرْصاً على القبول " يعني أنه قال: " آمنتُ " ، فهذه مرة، وقال: { أَنَّهُ لاغ¤ إِلِـظ°هَ إِلاَّ ظ±لَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوغ¤اْ إِسْرَائِيلَ } فهذه ثانيةٌ، وقال: { وَأَنَاْ مِنَ ظ±لْمُسْلِمِينَ } فهذه ثالثةٌ، والمعنى واحد " وهذا جنوحٌ منه إلى الاستئنافِ في " إنه ".

وقرأ الباقون بفتحِها وفيها أوجهٌ أيضاً، أحدُها: أنها في محلِّ نصب على المفعولِ به أي: آمَنْتُ توحيدَ، لأنه بمعنىظ° صدَّقْتُ. الثاني: أنها في موضع نصبٍ بعد إسقاط الجارِّ أي: لأنه. الثالث: أنها في محل جر بذلك الجارِّ وقد عَرَفْتَ ما فيه من الخلاف....

قوله: { بِبَدَنِكَ } فيه وجهان، أحدُهما: أنها باءُ المصاحبةِ بمعنى مصاحباً لبدنك وهي الدِّرْع، وفي التفسير: لم يُصَدِّقوا بغرقه، وكانت له دِرْعُ تُعْرَفُ فأُلقي بنَجْوة من الأرض وعليه دِرْعُه ليعرفوه، والعربُ تطلِقُ البدنَ على الدرع، قال عمرو بن معد يكرب:
2628 ـ أعاذِلُ شِكَّتي بدني وسيفي وكلّ مُقَلَّصٍ سَلِس القِيادِ
وقال آخر:
2629 ـ ترىظ° الأبْدانَ فيها مُسْبَغَاتٍ على الأبطالِ واليَلَبَ الحصينا
وقيل: ببدنك أي عُرْيانَ لا شيءَ عليه، وقيل: بدناً بلا روح.

والثاني: أن تكونَ سببيةً على سبيل المجاز؛ لأنَّ بدنه سبب في تنجيته،

وذلك على قراءةِ ابن مسعود وابن السَّمَيْفَع " بندائك " من النداء وهو الدعاءِ أي: بما نادَىظ° به في قومه من كفرانه في قولِه{ وَنَادَىظ° فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ } [الزخرف: 51]{ فَحَشَرَ فَنَادَىظ° فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ظ±لأَعْلَىظ° } [النازعات: 23-24]{ يظ°أَيُّهَا ظ±لْملأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـظ°هٍ غَيْرِي } [القصص: 38].

وقرأ يعقوب " نُنْجِيْك " مخففاً مِنْ أنجاه. وقرأ أبو حنيفة " بأبدانك " جمعاً: إمَّا على إرادة الأدْراع لأنه كان يلبس كثيراً منها خوفاً على نفسِه، أو جعل كلَّ جزء مِنْ بدنه بدناً كقوله: " شابت مَفارِقُه " قال:
2630 ـ......................... شابَ المَفارِقُ واكتَسَيْنَ قَتِيرا

وقرأ ابن مسعود وابن السَّمَيْفَع ويزيد البربري " نُنَحِّيْكَ " بالحاء المهملةِ من التَّنْحِيَة أي: نُلْقيك بناحيةٍ فيما يلي البحر، وفي التفسير: أنَّه رماه إلى ساحل البحر كالثور. وهل ننجِّيك من النجاة بمعنى نُبْعدك ممَّا وقع فيه قومُك مِنْ قعر البحر وهو تهكُّم بهم، أو مِنْ ألقاه على نَجْوة أي: رَبْوة مرتفعة، أو مِن النجاة وهو التَّرْكُ أو من النجاء وهو العلامة، وكلُّ هذه معانٍ لائقة بالقصة....

وقال القرطبي

وقرىء «لمن خَلَفك» (بفتح اللام)؛ أي لمن بقي بعدك يخلفك في أرضك. وقرأ عليّ بن أبي طالب «لمن خلقك» بالقاف؛ أي تكون آية لخالقك...

قوله تعالى: { فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ } قال الأخفش والكسائي: أي فهلاّ. وفي مصحف أُبَيّ وابن مسعود «فهلا» وأصل لولا في الكلام التحضيض أو الدلالة على منع أمر لوجود غيره. ومفهومٌ من معنى الآية نفي إيمان أهل القرى ثم استثنى قوم يونس؛ فهو بحسب اللفظ استثناء منقطع، وهو بحسب المعنى متصل؛ لأن تقديره ما آمن أهل قرية إلا قوم يونس. والنصب في «قوم» هو الوجه، وكذلك أدخله سيبويه في (باب ما لا يكون إلاّ منصوباً). قال النحاس: «إلا قوم يونس» نصب لأنه استثناء ليس من الأوّل، أي لكن قوم يونس؛ هذا قول الكسائي والأخفش والفراء. ويجوز. «إلا قومُ يونس» بالرفع، ومن أحسن ما قيل في الرفع ما قاله أبو إسحاق الزجاج قال: يكون المعنى غيرُ قومِ يونس، فلما جاء بإلاّ أعرب الاسم الذي بعدها بإعراب غير كما قال:
وكلُّ أخٍ مفارِقه أخوه لَعَمْرُ أبِيك إلا الفَرْقدانِ

وقال ابن عطية

وقرأ الأعمش: " ويجعل " الله الرجز " ، و { الرجس } يكون بمعنى العذاب كالرجز، ويكون بمعنى القذر والنجاسة ذكره أبو علي هنا وغيره وهو في هذه الآية بمعنى العذاب

اسامة محمد خيري
06-11-2018, 11:00
سورة هود

الجوهرة الرابعة والستون بعد المائة

قال ابن عطية

وقال قوم: { فصلت } معناه فسرت، وقرأ عكرمة والضحاك والجحدري وابن كثير - فيما روي عنه -: " ثم فَصَلَت " بفتح الفاء والصاد واللام، ويحتمل ذلك معنيين: أحدهما: " فَصَلَت " أي نزلت إلى الناس كما تقول فصل فلان لسفره ونحو هذا المعنى. والثاني فَصَلَت بين المحق والمبطل من الناس.

وقال السمين

قوله: { ثُمَّ فُصِّلَتْ } " ثم " على بابها مِن التراخي لأنها أُحكمَتْ ثم فُصِّلَتْ بحسب أسبابِ النزول. وقرأ عكرمة والضحاك والجحدري وزيد ابن علي وابن كثير في روايةٍ " فَصَلَتْ " بفتحتين خفيفةَ العين. قال أبو البقاء: " والمعنىظ°: فَرَقَتْ، كقوله:{ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ } [البقرة: 249]، أي: فارق ". وفَسَّر هنا غيرُه بمعنى فَصَلَتْ بين المُحِقِّ والمُبْطِل وهو أحسنُ. وجعل الزمخشري " ثم " للترتيب في الإِخبار لا لترتيب الوقوع في الزمان فقال: " فإن قلت: ما معنىظ° " ثم "؟ قلت: ليس معناها التراخي في الوقت ولكن في الحال، كما تقول: هي مُحْكَمَةٌ أحسنَ الإِحكام ثم مُفَصَّلةٌ أحسنَ التفصيل، وفلانٌ كريمٌ الأصل ثم كريمُ الفعل " وقُرِىء أيضاً: " أحْكَمْتُ آياتِه ثم فَصَّلْتُ " بإسناد الفعلين إلى تاء المتكلم ونَصْبِ " آياته " مفعولاً بها، أي: أحكمتُ أنا آياتِه ثم فَصَّلْتُها، حكى هذه القراءةَ الزمخشري....

قوله تعالى: { يَثْنُونَ }: قراءةُ الجمهورِ بفتح الياء وسكونِ الثاءِ المثلثةِ، وهو مضارعُ ثَنَىظ° يَثْني ثَنْياً، أي: طوىظ° وزَوَىظ°، و " صدورَهم " مفعول به والمعنىظ°: " يَحْرِفون صدورَهم ووجوههم عن الحق وقبولِه " والأصل: يَثْنِيُون فأُعِلَّ بحذفِ الضمةِ عن الياء، ثم تُحْذَفُ الياءُ لالتقاءِ الساكنين.

وقرأ سعيد بن جبير " يُثْنُون " بضم الياء وهو مضارع أَثْنَىظ° كأكرم. واستشكل الناسُ هذه القراءةَ فقال أبو البقاء: " ماضيه أَثْنى، ولا يُعرف في اللغة، إلا أن يُقالَ: معناه عَرَضوها للانثناء، كما يُقال: أَبَعْتُ الفرسَ: إذا عَرَضْتَه للبيع ". وقال صاحب " اللوامح ": " ولا يُعرف الإِثناء في هذا الباب، إلا أن يُرادَ بها: وَجَدْتُها مَثْنِيَّة، مثل: أَحْمَدْتُه وأَمْجَدْتُه، ولعله فتح النون، وهذا ممَّا فُعِل بهم فيكون نصب " صدورَهم " بنزع الجارِّ، ويجوز إلى ذلك أن يكون " صدورهم " رَفْعاً على البدلِ بدلِ البعض من الكل ". قلت: يعني بقوله: " فلعله فتح النون " ، أي: ولعل ابنَ جبير قرأ ذلك بفتح نونِ " يُثْنَون " فيكون مبنياً للمفعول، وهو معنى قولِه " وهذا مما فُعِل بهم، أي: وُجِدوا كذلك، فعلى هذا يكون " صدورَهم " منصوباً بنزع الخافض، أي: في صدورهم، أي: يوجد الثَّنْيُ في صدورهم، ولذلك جَوَّز رفعَه على البدل كقولك: " ضُرِب زيدٌ الظهرُ ". ومَنْ جوَّز تعريفَ التمييز لا يَبْعُدُ عنده أن ينتصبَ " صدورَهم " على التمييز بهذا التقديرِ الذي قدَّره.......

وقال الطبري

والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، وهو { ألا إنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } على مثال «يفعلون»، والصدور نصب بمعنى يحنون صدورهم ويكنّونها. كما حدثني المثنى، قال ثنا عبد الله بن صالح، قال ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله { يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } يقول يكنّون. حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله { ألا إنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } يقول يكتمون ما في قلوبهم. { ألاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ } ما عملوا بالليل والنهار. حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال سمعت أبا معاذ يقول ثنا عبيد، قال سمعت الضحاك يقول في قوله { ألا إنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } يقول تثنوني صدورُهم. وهذا التأويل الذي تأوّله الضحاك على مذهب قراءة ابن عباس، إلا أن الذي حدثنا هكذا ذكر القراءة في الرواية. فإذا كانت القراءة التي ذكرنا أولى القراءتين في ذلك بالصواب لإجماع الحجة من القرّاء عليها. فأولى التأويلات بتأويل ذلك، تأويل من قال إنهم كانوا يفعلون ذلك جهلاً منهم بالله أنه يخفى عليه ما تضمره نفوسهم أو تناجوه بينهم. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بالآية، لأن قوله { لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ } بمعنى ليستخفوا من الله، وأن الهاء في قوله { مِنْهُ } عائدة على اسم الله، ولم يجر لمحمد ذكر قبل،. فيجعل من ذكره صلى الله عليه وسلم وهي في سياق الخبر عن الله. فإذا كان ذلك كذلك كانت بأن تكون من ذكر الله أولى. وإذا صحّ أن ذلك كذلك، كان معلوما أنهم لم يحدِّثوا أنفسهم أنهم يستخفون من الله إلا بجهلهم به..

اسامة محمد خيري
07-11-2018, 04:50
نذكر قراءة شاءة غفلنا عنها فى يونس

قال السمين

قوله: { كَأَن لَّمْ تَغْنَ } هذه الجملةُ يجوز أن تكون حالاً مِنْ مفعول " جَعَلْناها " الأول، وأن تكون مستأنفةً جواباً لسؤال مقدر. وقرأ مروان ابن الحكم " تتغَنَّ " بتاءين بزنة تنفَعَّل، ومثله قول الأعشىظ°:
2580 ـ..................... طويلَ الثَّواءِ طويلَ التَّغَنّ
وهو بمعنى الإِقامة، وقد تقدَّم تحقيقُه في الأعراف. وقرأ الحسن وقتادة { كأن لم يَغْنَ } بياء الغيبة، وفي هذا الضميرِ ثلاثةُ أوجهٍ، أجودُها: أن يعودَ على الحصيد لأنه أقرب مذكور.وقيل: يعودُ على الزخرف، أي: كأن لم يَقُم الزخرف. وقيل: يعود على النبات أو الزرع الذي قدَّرته مضافاً، أي: كأن لم يَغْنَ زَرْعُها ونباتها.

الجزء الثانى عشر


الجوهرة الخامسة والستون بعد المائة


قال ابن عطية

وقرأ عيسى الثقفي: " ولئن قلتُ " بضم التاء، وقرأ الجمهور " قلتَ " بفتح التاء....

وقرأ جمهور الناس " كتابُ " بالرفع؛ وقرأ الكلبي وغيره " كتاباً " بالنصب فمن رفع قدر " الشاهد " الإنجيل معناه يقرأ القرآن أو محمد صلى الله عليه وسلم - بحسب الخلاف - و " الإنجيل " و " من قبل " كتاب موسى إذ في الكتابين ذكر القرآن وذكر محمد صلى الله عليه وسلم.

ويصح أن يقدر الرافع " الشاهد " القرآن، وتطرد الألفاظ بعد ذلك، ومن نصب " كتاباً " قدر " الشاهد " جبريل عليه السلام، أي يتلو القرآن جبريل ومن قبل القرآن كتاب موسى.

قال القاضي أبو محمد: وهنا اعتراض يقال: إذ قال { من قبله كتاب موسى } أو " كتابَ " بالنصب على القراءتين: والضمير في { قبله } عائد على القرآن - فلم لم يذكر الإنجيل - وهو قبله - بينه وبين كتاب موسى؟ فالانفصال: أنه خص التوراة بالذكر لأن الملّتين مجمعتان أنهما من عند الله، والإنجيل ليس كذلك: فكان الاستشهاد بما تقوم به الحجة على الطائفتين أولى: وهذا يجري مع قول الجن:{ إنا سمعنا كتاب أنزل من بعد موسى } [الأحقاف: 30] ومع قول النجاشي: إن هذا، والذي جاء به موسى، لخرج من مشكاة واحدة؛ فإنما اختصر الإنجيل من جهة أن مذهبهم فيه مخالف لحال القرآن والتوراة، ...

وقال الطبري

وأولـى هذه الأقوال التـي ذكرناها بـالصواب فـي تأويـل قوله { وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ } قول من قال هو جبرئيـل، لدلالة قوله { وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسَى إماماً وَرَحْمَةً } علـى صحة ذلك وذلك أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم لـم يتلُ قبل القرآن كتاب موسى، فـيكون ذلك دلـيلاً علـى صحة قول من قال عُنِـي به لسان مـحمد صلى الله عليه وسلم، أو مـحمد نفسه، أو علـيّ علـى قول من قال عُنِـي به علـيٌّ. ولا يعلـم أن أحداً كان تلا ذلك قبل القرآن أو جاء به مـمن ذكر أهل التأويـل أنه عُنِـي بقوله { وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ } غير جبرئيـل علـيه السلام. فإن قال قائل فإن كان ذلك دلـيـلك علـى أن الـمَعْنـيّ به جبرئيـل، فقد يجب أن تكون القراءة فـي قوله { وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسَى } بـالنصب لأن معنى الكلام علـى ما تأوّلت يجب أن يكون ويتلو القرآن شاهد من الله، ومن قَبل القرآن كتاب موسى؟ قـيـل إن القراء فـي الأمصار قد أجمعت علـى قراءة ذلك بـالرفع فلـم يكن لأحد خلافُها، ولو كانت القراءة جاءت فـي ذلك بـالنصب كانت قراءة صحيحة ومعنى صحيحاً.

فإن قال فما وجه رفعهم إذا الكتاب علـى ما ادّعيت من التأويـل؟ قـيـل وجه رفعهم هذا أنهم ابتدءوا الـخبر عن مـجيء كتاب موسى قبل كتابنا الـمنزل علـى مـحمد، فرفعوه ب «من» قبله، والقراءة كذلك، والـمعنى الذي ذكرت من معنى تلاوة جبرئيـل ذلك قبل القرآن، وأن الـمراد من معناه ذلك وإن كان الـخبر مستأنفـا علـى ما وصفت اكتفـاء بدلالة الكلام علـى معناه. وأما قوله { إماماً } فإنه نصب علـى القطع من كتاب موسى، وقوله { وَرَحْمَةً } عطف علـى «الإمام»، كأنه قـيـل ومن قبله كتاب موسى إماماً لبنـي إسرائيـل يأَتَـمُّون به، ورحمة من الله تلاه علـى موسى..

اسامة محمد خيري
07-11-2018, 05:10
الجوهرة السادسة والستون بعد المائة

{ فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ

قال ابن الجوزى

قوله تعالى: { بادي الرأي } قرأ الأكثرون «بادِيَ» بغير همز. وقرأ أبو عمرو بالهمز بعد الدال. وكلهم همز «الرأي» غير أبي عمرو. وللعلماء في معنى «بادي» إذا لم يُهمز ثلاثة أقوال:

أحدها: أن المعنى: ما نرى أتباعك إِلا سفلتنا وأرذالنا في بادي الرأي لكل ناظر، يعنون أن ما وصفناهم به من النقص لا يخفى على أحد فيخالفنا، هذا مذهب مقاتل في آخرين.

والثاني: أن المعنى أن هؤلاء القوم اتَّبعوك في ظاهر ما يُرى منهم، وطويَّتُهم على خلافك.

والثالث: أن المعنى: اتبعوك في ظاهر رأيهم، ولم يتدبروا ما قلتَ، ولو رجعوا إِلى التفكر لم يتبعوك، ذكر هذين القولين الزجاج. قال ابن الأنباري: وهذه الثلاثة الأقوال على قراءة من لم يهمز، لأنه مِن بدا، يبدو: إِذا ظهر. فأما من همز «بادىء» فمعناه: ابتداء الرأي، أي: اتَّبعوك أول ما ابتدؤوا ينظرون، ولو فكروا لم يعدلوا عن موافقتنا في تكذيبك.

وقال ابن عطية

وقرأ الجمهور " بادي الرأي " بياء دون همز، من بدا يبدو، ويحتمل أن يكون من بدأ مسهلاً، وقرأ أبو عمرو وعيسى الثقفي " بادىء الرأي " بالهمز من بدأ يبدأ.

قال القاضي أبو محمد: وبين القراءتين اختلاف في المعنى يعطيه التدبر، فتركت التطويل ببسطه، ....

وتعلق قوله: { بادي الرأي } يحتمل ستة أوجه:

أحدها: أن يتعلق بـ { نراك } بأول نظر وأقل فكرة، وذلك هو { بادي الرأي } ، أي إلا ومتبعوك أراذلنا.

والثاني: أن يتعلق بقوله: { اتبعك } أي، وما نراك اتبعك بادي الرأي إلا الأراذل، ثم يحتمل على هذا قوله: { بادي الرأي } معنيين:

أحدهما: أن يريد اتبعك في ظاهر أمرهم وعسى أن بواطنهم ليست معك.

والثاني: أن يريد اتبعوك بأول نظر وبالرأي البادي دون تعقب ولو تثبتوك لم يتبعوك. وفي هذا الوجه ذم الرأي الغير المروي.

والوجه الثالث: من تعلق قوله { بادي الرأي } أن يتعلق بقوله: { أراذلنا } أي الذين هم أراذلنا بأول نظر فيهم، وببادي الرأي يعلم ذلك منهم، ويحتمل أن يكون قولهم: { بادي الرأي } وصفاً منهم لنوح، أي تدعي عظيماً وأنت مكشوف الرأي لا حصافة لك، ونصبه على الحال وعلى الصفة، ويحتمل أن يكون اعتراضاً في الكلام مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم. ويجيء جميع هذا ستة معان، ويجوز التعلق في هذا الوجه بـ { قال }.

وقال الطبري

وأولـى القراءتـينِ بـالصواب فـي ذلك عندنا قراءة من قرأ { بـادِيَ } بغير همز «البـادي»، وبهمز «الرأي»، لأن معنى ذلك الكلام إلا الذين هم أراذلنا فـي ظاهر الرأي وفـيـما يظهر لنا.

اسامة محمد خيري
07-11-2018, 05:16
الجوهرة السابعة والستون بعد المائة

قال ابن عطية

وقرأ جمهور الناس " فعميت " ولذلك وجهان من المعنى:

أحدهما: خفيت، ولذلك يقال للسحاب العماء لأنه يخفي ما فيه، كما يقال له: الغمام لأنه يغمه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: " كان الله قبل أن يخلق الأشياء في عماء ".

والمعنى الثاني: أن تكون الإرادة: فعميتم أنتم عنها، لكنه قلب، كما تقول العرب: أدخلت القلنسوة في رأسي، ومنه قول الشاعر: [الطويل]

ترى النور فيها مدخل الظل رأسه وسائره باد إلى الشمس أجمع
قال أبو علي: وهذا مما يقلب إذ ليس فيه إشكال وفي القرآن:{ فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله } [إبراهيم: 47].

وقرأ حفص وحمزة والكسائي " فعُمّيت " بضم العين وشد الميم على بناء الفعل للمفعول وهذا إنما يكون من الإخفاء؛ ويحتمل القلب المذكور.

وقرأ الأعمش وغيره " فعماها عليهم ". قال أبو حاتم: روى الأعمش عن ابن وثاب " وعميت " بالواو خفيفة.

وقوله: { أنلزمكموها } يريد إلزام جبر كالقتال ونحوه، وأما إلزام الإيجاب فهو حاصل، وقال النحاس: معناه أن وجبها عليكم، وقوله في ذلك خطأ.

وفي قراءة أبي بن كعب: " أنلزمكموها من شطر أنفسنا " ، ومعناه من تلقاء أنفسنا. وروي عن ابن عباس أنه قرأ ذلك " من شطر قلوبنا ".....

وقرأ حفص عن عاصم " من كلٍّ زوجين اثنين " بتنوين { كل } وقرأ الباقون " من كلِّ زوجين " بإضافة { كل } إلى { زوجين }. فمن قرأ بالتنوين حذف المضاف إليه التقدير: من كل حيوان أو نحوه، وأعمل " الحمل " في { زوجين } وجاء قوله: { اثنين } تأكيداً - كما قال:{ إلهين اثنين } [النحل: 51]. ومن قرأ بالإضافة فأعمل " الحمل " في قوله { اثنين } ، وجاء قوله { زوجين } بمعنى العموم، أي من كل ما له ازدواج، هذا معنى قوله: { من كل زوجين } قاله أبو علي وغيره، ولو قدرنا المعنى: احمل من كل زوجين حاصلين اثنين لوجب أن يحمل من كل نوع أربعة، والزوج يقال في مشهور كلام العرب للواحد مما له ازدواج، فيقال: هذا زوج هذا، وهما زوجان: وهذا هو المهيع في القرآن في قوله تعالى:{ ثمانية أزواج } [الأنعام: 143، الزمر: 6] ثم فسرها، وكذلك هو في قوله تعالى:{ وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى } [النجم: 45]. قال أبو الحسن الأخفش في كتاب الحجة: وقد يقال في كلام العرب للاثنين زوج، ومن ذلك قول لبيد: [الكامل]

من كل محفوف يظل عصيه زوج عليه كلة وقرامها
وهكذا يأخذ العدديون: الزوج أيضاً في كلام العرب النوع كقوله:{ وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج } [ق: 7] وقوله:{ سبحان الذي خلق الأزواج كلها } [يس: 36] إلى غير ذلك....

وقال الطبري

. واختلفت القراء فـي قراءة قوله { بسْمِ اللَّهِ مَـجْرَاها وَمُرْساها } فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة وبعض الكوفـيـين «بِسْمِ اللَّهِ مُـجْرَاها ومُرْساها» بضمّ الـميـم فـي الـحرفـين كلـيهما. وإذا قرىء كذلك كان من أجرى وأرسى، وكان فـيه وجهان من الإعراب أحدهما الرفع بـمعنى بسم الله إجراؤها وإرساؤها، فـيكون الـمُـجْرى والـمُرْسَى مرفوعين حينئذ بـالبـاء التـي فـي قوله { بِسْمِ اللَّهِ }. والآخر بـالنصب، بـمعنى بسم الله عند إجرائها وإرسائها، أو وقت إجرائها وإرسائها، فـيكون قوله «بسم الله» كلاماً مكتفـياً بنفسه، كقول القائل عند ابتدائه فـي عمل يعمله بسم الله، ثم يكون الـمُـجْرى والـمُرسَى منصوبـين علـى ما نصبت العرب قولهم الـحمد لله سرارك وإهلالَك، يعنون الهلال أوّله وآخره، كأنهم قالوا الـحمد لله أوّل الهلال وآخره، ومسموع منهم أيضاً الـحمد لله ما إهلالُك إلـى سرارك. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين { بسْمِ اللَّهِ مَـجْرَاها وَمُرْساها } بفتـح الـميـم من «مَـجْراها»، وضمها من «مُرْساها»، فجعلوا «مـجراها» مصدرا من جري يجري مَـجْرًى، ومُرساها من أرسَى يُرْسِي إرساءً. وإذا قرىء ذلك كذلك كان فـي إعرابهما من الوجهين نـحو الذي فـيهما إذا قرئا «مُـجراها ومُرساها» بضم الـميـم فـيهما علـى ما بـيَّنت. ورُوي عن أبـي رجاء العُطاردي أنه كان يقرأ ذلك «بِسمِ اللَّهِ مَـجْرِيها وَمُرْسِيها» بضمّ الـميـم فـيهما، ويصيرهما نعتاً لله. وإذا قرئا كذلك، كان فـيهما أيضا وجهان من الإعراب، غير أن أحدهما الـخفض وهو الأغلب علـيهما من وجهي الإعراب لأن معنى الكلام علـى هذه القراءة بسم الله مُـجْرِي الفلك ومُرسِيها، فـالـمُـجْرَى نعت لاسم الله. وقد يحتـمل أن يكون نصبـا، وهو الوجه الثانـي، لأنه يحسن دخول الألف واللام فـي الـمُـجِري والـمُرْسِي، كقولك بسم الله الـمُـجْريها والـمُرْسِيها، وإذا حذفتا نصبتا علـى الـحال، إذ كان فـيهما معنى النكرة، وإن كانا مضافـين إلـى الـمعرفة. وقد ذُكر عن بعض الكوفـيـين أنه قرأ ذلك «مَـجْراها ومَرْساها»، بفتـح الـميـم فـيهما جميعا، مِنْ جَرَى ورَسَا كأنه وجهه إلـى أنه فـي حال جريها وحال رسوها، وجعل كلتا الصفتـين للفُلْك كما قال عنترة
فَصَبَرْتُ نَفْساً عِنْدَ ذلكَ حُرَّةً تَرْسُو إذَا نَفْسُ الـجَبـانِ تَطَلَّعُ
والقراءة التـي نـختارها فـي ذلك قراءة من قرأ { بِسْمِ اللَّهِ مَـجْرَاها } بفتـح الـميـم { وَمُرْساها } بضم الـميـم، بـمعنى بسم الله حين تَـجْري وحين تُرْسِي.

وإنـما اخترت الفتـح فـي ميـم «مَـجْراها» لقرب ذلك من قوله { وَهِيَ تَـجْرِي بِهِمْ فِـي مَوْجٍ كالـجِبـالِ } ولـم يقل تُـجْرَى بهم. ومن قرأ «بِسْمِ اللَّهِ مُـجْراها» كان الصواب علـى قراءته أن يقرأ وهي تُـجْرَي بهم. وفـي إجماعهم علـى قراءة «تـجري» بفتـح التاء دلـيـل واضح علـى أن الوجه فـي «مَـجراها» فتـح الـميـم. وإنـما اخترنا الضم فـي «مُرساها» لإجماع الـحجة من القرّاء علـى ضمها. ...

وقال الرازى

فكيف ناداه مع كفره؟ فأجابوا عنه من وجوه: الأول: أنه كان ينافق أباه فظن نوح أنه مؤمن فلذلك ناداه ولولا ذلك لما أحب نجاته. والثاني: أنه عليه السلام كان يعلم أنه كافر، لكنه ظن أنه لما شاهد الغرق والأهوال العظيمة فإنه يقبل الإيمان فصار قوله: { يظ°بُنَىَّ ظ±رْكَبَ مَّعَنَا } كالدلالة على أنه طلب منه الإيمان وتأكد هذا بقوله: { وَلاَ تَكُن مَّعَ ظ±لْكَـظ°فِرِينَ } أي تابعهم في الكفر واركب معنا. والثالث: أن شفقة الأبوة لعلها حملته على ذلك النداء، والذي تقدم من قوله: { إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ظ±لْقَوْلُ } كان كالمجمل فلعله عليه السلام جوز أن لا يكون هو داخلاً فيه. القول الثاني: أنه كان ابن امرأته وهو قول محمد بن علي الباقر وقول الحسن البصري ويروى أن علياً رضي الله عنه قرأ { وَنَادَىظ° نُوحٌ ظ±بْنَهُ } والضمير لامرأته. وقرأ محمد بن علي وعروة بن الزبير { ظ±بْنَهُ } بفتح الهاء يريد أن ابنها إلا أنهما اكتفيا بالفتحة عن الألف، وقال قتادة سألت الحسن عنه فقال: والله ما كان ابنه فقلت: إن الله حكى عنه أنه قال:{ إِنَّ ظ±بْنِى مِنْ أَهْلِى } [هود:45] وأنت تقول: ما كان ابناً له، فقال: لم يقل: إنه مني ولكنه قال من أهلي وهذا يدل على قولي. القول الثالث: أنه ولد على فراشه لغير رشدة، والقائلون بهذا القول احتجوا بقوله تعالى في امرأة نوح وامرأة لوط فخانتاهما وهذا قول خبيث يجب صون منصب الأنبياء عن هذه الفضيحة لا سيما وهو على خلاف نص القرآن. أما قوله تعالى { فَخَانَتَاهُمَا } فليس فيه أن تلك الخيانة إنما حصلت بالسبب الذي ذكروه. قيل لابن عباس رضي الله عنهما: ما كانت تلك الخيانة، فقال: كانت امرأة نوح تقول: زوجي مجنون، وامرأة لوط تدل الناس على ضيفه إذا نزلوا به. ثم الدليل القاطع على فساد هذا المذهب قوله تعالى:{ ظ±لْخَبِيثَـظ°تُ لِلْخَبِيثِينَ وَظ±لْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَـظ°تِ وَظ±لطَّيّبَـظ°تُ لِلطَّيّبِينَ وَظ±لطَّيّبُونَ لِلْطَّيّبَـظ°تِ } [النور: 26]....

وقال ابن عطية

وقرأت فرقة: " ابنه " على إضافة الابن إلى نوح، وهذا قول من يقول: هو ابنه لصلبه، وقد قال قوم: إنه ابن قريب له ودعاه بالنبوة حناناً منه وتلطفاً، وقرأ ابن عباس " ابنهْ " بسكون الهاء، وهذا على لغة لأزد السراة ومنه قول الشاعر: [الطويل]

ومطواي مشتاقان لهْ أرقانِ
وقرأ السدي " ابناه " قال أبو الفتح: ذلك على النداء وذهبت فرقة إلى أن ذلك على جهة الندبة محكية، وقرأ عروة بن الزبير أيضاً وأبو جعفر وجعفر بن محمد " ابنهَ " على تقدير ابنها، فحذف الألف تخفيفاً وهي لغة ومنها قول الشاعر: [البسيط]

أما تقود به شاة فتأكلها أو أن تبيعه في نقض الأزاكيب
وأنشد ابن الأعرابي على هذا:

فلست بمدرك ما فات مني بلهف ولا بليت ولا لواني
يريد بلهفا.

قال القاضي أبو محمد: وخطأ النحاس أبا حاتم في حذف هذه الألف وليس كما قال.

وقرأ وكيع بن الجراح: " ونادى نوح ابنه " بضم التنوين، قال أبو حاتم: وهي لغة سوء لا تعرف.

وقوله: { في معزل } أي في ناحية، فيمكن أن يريد في معزل في الدين، ويمكن أن يريد في معزل في بعده عن السفينة، واللفظ يعمهما: وقال مكي في المشكل: ومن قال: " معزِل " - بكسر الزاي - أراد الموضع، ومن قال: " معزَل " - بفتحها - أراد المصدر: فلم يصرح بأنها قراءة ولكن يقتضي ذلك لفظه.

اسامة محمد خيري
07-11-2018, 05:36
الجوهرة الثامنة والستون بعد المائة

قال ابن الجوزى

قوله تعالى: { إِنه عملٌ غيرُ صالح } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة: «إِنه عملٌ» رفع منون «غيرُ صالح» برفع الراء، وفيه قولان:

أحدهما: أنه يرجع إِلى السؤال فيه، فالمعنى: سؤلك إِياي فيه عمل غير صالح، قاله ابن عباس، وقتادة، وهذا ظاهر، لأنه قد تقدم السؤال فيه في قوله: «رب إِن ابني من أهلي» فرجعت الكناية إِليه.

والثاني: أنه يرجع إِلى المسؤول فيه.

وفي هذا المعنى قولان.

أحدهما: أنه لغير رِشدة، قاله الحسن.

والثاني: أن المعنى: إِنه ذو عمل غير صالح، قاله الزجاج. قال ابن الأنباري: من قال: هو لغير رِشدة، قال: المعنى: إِن أصل أبنك الذي تظن أنه أبنك عملٌ غير صالح. ومن قال: إِنه ذو عمل غير صالح، قال: حذف المضاف، وأقام العمل مقامه، كما تقول العرب: عبد الله إِقبال وإِدبار، أي: صاحب إِقبال وإِدبار.

وقرأ الكسائي: «عَمِلَ» بكسر الميم وفتح اللام «غيرَ صالح» بفتح الراء، يشير إِلى أنه مشرك.

وقال ابن عطية

وقرأ بعض هذه الفرقة " إنه عمل غير صالح " وهي قراءة الكسائي، وروت هذه القراءة أم سلمة وعائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكره أبو حاتم، وضعف الطبري هذه القراءة وطعن في الحديث بأنه من طريق شهر بن حوشب، وهي قراءة علي وابن عباس وعائشة وأنس بن مالك، ورجحها أبو حاتم وقرأ بعضها: " إنه عمل عملاً غير صالح ". وقالت فرقة: الضمير في قوله: " إنه عمل غير صالح " على قراءة جمهور السبعة على سؤال الذي يتضمنه الكلام وقد فسره آخر الآية؛ ويقوي هذا التأويل أن في مصحف ابن مسعود " إنه عمل غير صالح أن تسألني ما ليس لك به علم ". وقالت فرقة: الضمير عائد على ركوب ولد نوح معهم الذي يتضمنه سؤال نوح، المعنى: أن ركوب الكافر مع المؤمنين عمل غير صالح، وقال أبو علي: ويحتمل أن يكون التقدير أن كونك مع الكافرين وتركك الركوب معنا عمل غير صالح.....

وقال الطبري

وأما قوله { إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ } فإن القرّاء اختلفت فـي قراءته، فقرأته عامة قرّاء الأمصار { إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ } بتنوين عمل ورفع غير. واختلف الذي قرءوا ذلك كذلك فـي تأويـله، فقال بعضهم معناه إن مسألتك إياي هذه عملٌ غيرُ صالـح. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيـم إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ قال إن مسألتك إياي هذه عمل غير صالـح. حدثنا بشر، قال ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قتادة { إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ } أي سوء { فَلا تَسأَلْنِ ما لَـيْسَ لَكَ بِهِ عِلْـمٌ }. حدثنـي الـمثنى، قال ثنا عبد الله، قال ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله { إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ } يقول سؤالك عما لـيس لك به علـم. حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال ثنـي حجاج، عن حمزة الزيات، عن الأعمش، عن مـجاهد، قوله { إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ } قال سؤالك إياي عمل غير صالـح فَلا { تَسأَلْنِ ما لَـيْسَ لَكَ بِهِ عِلْـمٌ }. وقال آخرون بل معناه إن الذي ذكرت أنه ابنك فسألتنـي أن أنـجيَه عمل غير صالـح، أي أنه لغير رِشْدة. وقالوا الهاء فـي قوله «إنَّهُ» عائدة علـى الابن. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال ثنا ابن نـمير، عن ابن أبـي عَرُوبة، عن قتادة، عن الـحسن أنه قرأ { عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ } قال ما هو والله بـابنه. ورُوي عن جماعة من السلف أنهم قرأوا ذلك «إنَّهُ عَمِلَ غيرَ صَالِـحٍ» علـى وجه الـخبر عن الفعل الـماضي، وغير منصوبة. ومـمن رُوي عنه أنه قرأ ذلك كذلك ابن عبـاس. حدثنا ابن وكيع، قال ثنا ابن عيـينة عن موسى بن أبـي عائشة عن سلـيـمان بن قَتَّة، عن ابن عبـاس أنه قرأ «عَمِلَ غَيْرَ صَالِـحٍ». ووجهوا تأويـل ذلك إلـى ما. حدثنا به ابن وكيع، قال ثنا غُنْدر، عن ابن أبـي عَروبة عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عبـاس { إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ } قال كان مخالفـاً له فـي النـية والعمل.

ولا نعلـم هذه القراءة قرأ بها أحد من قراء الأمصار إلا بعض الـمتأخرين. واعتل فـي ذلك بخبر رُوِي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ ذلك كذلك غير صحيح السند، وذلك حديث رُوي عن شَهْر بن حَوْشَب، فمرة يقول عن أمّ سلـمة، ومرّ يقول عن أسماء بنت يزيد، ولا نعلـم لبنت يزيد ولا نعلـم لشَهْرٍ سماعاً يصحّ عن أمّ سلـمة. والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا ما علـيه قرّاء الأمصار، وذلك رفع «عمل» بـالتنوين، ورفع «غير»، يعنـي إن سؤالك إياي ما تسألنـيه فـي ابنك الـمخالف دينك الـموالـي أهل الشرك بـي من النـجاة من الهلاك، وقد مضت إجابتـي إياك فـي دعائك{ لا تَذَرْ علـى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيَّاراً } ما قد مضى من غير استثناء أحد منهم عملٌ غير صالـح، لأنه مسألة منك إلـيّ أن لا أفعل ما قد تقدم منـي القول بأنـي أفعله فـي إجابتـي مسألتك إياي فعله، فذلك هو العمل غير الصالـح.

اسامة محمد خيري
07-11-2018, 05:48
الجوهرة التاسعة والستون بعد المائة

قال ابن عطية

وقرأ الجمهور: " وإلى ثمودَ " بغير صرف، وقرأ ابن وثاب والأعمش " وإلى ثمود " بالصرف حيث وقع، فالأولى على إرادة القبيلة، والثانية على إرادة الحي، ....

وقال السمين

قوله: { قَالَ سَلاَمٌ } في رفعه وجهان، أحدهما: أنه مبتدأٌ وخبرُه محذوفٌ، أي: سلامٌ عليكم. والثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: أمري أو قولي سلام. وقد تقدَّم أولَ هذا الموضعِ أن الرفعَ أدلُّ على الثبوت من النصب، والجملة بأسرها ـ وإن كان أحدُ جُزْأيها محذوفاً ـ في محل نصب بالقول كقوله:
2676 ـ إذا ذُقْتُ فاها قلت طعمُ مُدامةٍ ........................
وقرأ الأخوان: " قال سِلْم " هنا وفي سورة الذاريات بكسر السين وسكون اللام. ويلزم بالضرورة سقوطُ الألف فقيل: هما لغتان كحِرْم وحَرام وحِلٌّ وحَلال، وأنشد:
2677 ـ مَرَرْنا فقُلنا إيه سِلْمٌ فسَلَّمَتْ كما اكْتَلَّ بالبرق الغمامُ اللوائحُ
يريد: سلام، بدليل: فسلَّمت. وقيل: " السِلْم " بالكسر ضد الحرب، وناسَب ذلك لأنه نَكِرَهم فقال: أنا مسالمكم غيرُ محارِب لكم...

قوله: { يَعْقُوبَ } قرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم بفتح الباء، والباقون برفعها. فأمَّا القراءةُ الأولىظ° فاختلفوا فيها: هل الفتحةُ علامةُ نصب أو جر؟ والقائلون بأنها علامة نصب اختلفوا: فقيل: هو منصوبٌ عطفاً على قوله: " بإسحاق " قال الزمخشري: " كأنه قيل: ووهَبْنا له إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب على طريقة قوله:
2683 ـ............ ليسوا مصلحين عشيرةً ولا ناعِبٍ......................
يعني أنه عطف على التوهم فنصب، كما عطف الشَّاعرُ على توهُّم وجود الباء في خبر " ليس " فجرَّ، ولكنه لا ينقاس. وقيل: هو منصوبٌ بفعلٍ مقدر تقديرُه: ووهبْنا يعقوب، وهو على هذا غيرُ داخلٍ في البشارة. ورجَّح الفارسيُّ هذا الوجه. وقيل: هو منصوبٌ عطفاً على محل " بإسحاق " لأن موضعَه نصب كقوله: { وَأَرْجُلَكُمْ } [المائدة: 6] بالنصب عطفاً على " برؤوسكم ". والفرق بين هذا والوجه الأول: أن الأولَ ضمَّن الفعل معنى: " وَهَبْنا " توهُّماً، وهنا باقٍ على مدلوله من غير توهُّم.

ومن قال بأنه مجرورٌ جعله عطفاً على " بإسحاق " والمعنى: أنها بُشِّرت بهما. وفي هذا الوجه والذي قبله بحثُ: وهو الفصلُ بالظرف بين حرف العطف والمعطوف، وقد تقدَّم ذلك مستوفى في النساء فعليك بالالتفات إليه.

ونسب مكي الخفضَ للكسائي ثم قال: " وهو ضعيف إلا بإعادة الخافض، لأنك فَصَلْت بين الجار والمجرور بالظرف ".

قوله: " بإعادة الخافض " ليس ذلك لازماً، إذ لو قُدِّم ولم يُفْصَل لم يُلْتزم الإِتيان به.

وأمَّا قراءةُ الرفع ففيها أوجه، أحدها: أنه مبتدأ وخبره الظرف السابق فقدَّره الزمخشري " مولود أو موجود " وقدّره غيره بكائن. ولمَّا حكى النحاس هذا قال: " والجملة حالٌ داخلة في البشارة أي: فَبَشَّرْناها بإسحاق متصلاً به يعقوبُ ". والثاني: أنه مرفوع على الفاعلية بالجارِّ قبله، وهذا يجيء على رَأْي الأخفش. والثالث: أن يرتفع بإضمار فعل أي: ويحدث من وراء إسحاق يعقوب، ولا مَدْخَلَ له في البشارة. والرابع: أنه مرفوعٌ على القطع يَعْنُون الاستئناف، وهو راجع لأحد ما تقدَّم مِنْ كونه مبتدأ وخبراً، أو فاعلاً بالجارِّ بعده، أو بفعل مقدر.....

وقال الطبري


واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء العراق والـحجاز «ومِنْ وَرَاءِ إسحاقَ يَعْقُوبُ» برفع «يعقوب»، ويعيد ابتداء الكلام بقوله. { وَمِنْ وَرَاءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ }. وذلك وإن كان خبراً مبتدأ، ففـيه دلالة علـى معنى التبشير. وقرأه بعض قراء أهل الكوفة والشأم { وَمِنْ وَرَاءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ } نصبـاً فأما الشامي منهما فذكر أنه كان ينـحو بـيعقوب نـحو النصب بإضمار فعل آخر مشاكل للبشارة، كأنه قال ووهبنا له من وراء إسحاق يعقوب، فلـما لـم يظهر «وهبنا» عمل فـيه التبشير وعطف به علـى موضع «إسحاق»، إذ كان إسحاق وإن كان مخفوضاً فإنه بـمعنى الـمنصوب بعمل «بشرنا» فـيه، كما قال الشاعر
جِئْنِـي بِـمِثْلِ بنـي بَدْرٍ لقَومِهِمِ أوْ مِثْلَ أُسْرَةِ مَنْطُورِ بنِ سَيَّارِ أوْ عامِرِ بْنِ طُفَـيْـلٍ فـي مُرَكَّبهِ أوْ حارِثاً يَوْمَ نادَى القَوْمُ يا حارِ
وأما الكوفـيّ منهما فإنه قرأه بتأويـل الـخفض فـيـما ذُكِر عنه، غير أنه نصبه لأنه لا يُجْرَى. وقد أنكر ذلك أهل العلـم بـالعربـية من أجل دخول الصفة بـين حرف العطف والاسم، وقالوا خَطأ أن يقال مررت بعمرو فـي الدار وفـي الدار زيد، وأنت عاطف بزيد علـى عمرو، إلا بتكرير البـاء وإعادتها، فإن لـم تعد كان وجه الكلام عندهم الرفع وجاز النصب، فإن قدم الاسم علـى الصفة جاز حينئذ الـخفض، وذلك إذا قلت مررت بعمرو فـي الدار وزيد فـي البـيت. وقد أجاز الـخفض والصفة معترضة بـين حرف العطف والاسم بعض نـحويـي البصرة. وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب عندي قراءة من قرأه رفعاً، لأن ذلك هو الكلام الـمعروف من كلام العرب، والذي لا يتناكره أهل العلـم بـالعربـية، وما علـيه قراءة الأمصار. فأما النصب فـيه فإن له وجهاً، غير أنـي لا أحبّ القراءة به، لأن كتاب الله نزل بأفصح ألسن العرب، والذي هو أولـى بـالعلـم بـالذي نزل به من الفصاحة.

وقال القرطبي

الرابعة عشرة: قوله تعالى: { وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ } قرأ حمزة وعبد الله بن عامر «يعقوبَ» بالنصب. ورفع الباقون؛ فالرفع على معنى: ويحدث لها من وراء إسحظ°ق يعقوبُ. ويجوز أن يرتفع بالفعل الذي يعمل في «من» كأن المعنى: وثبت لها من وراء إسحق يعقوبُ. ويجوز أن يرتفع بالابتداء، ويكون في موضع الحال؛ أي بشّروها بإسحظ°ق مقابلاً له يعقوب. والنصب على معنى: ووهبنا لها من وراء إسحظ°ق يعقوبُ. وأجاز الكسائيّ والأخفش وأبو حاتم أن يكون «يعقوب» في موضع جرّ على معنى: وبشرناها من وراء إسحظ°ق بيعقوب. قال الفراء: ولا يجوز الخفض إلا بإعادة الحرف الخافض؛ قال سيبويه ولو قلت: مررت بزيد أوّل من أمس وأمس عمرٍو كان قبيحاً (خبيثاً)؛ لأنك فرقت بين المجرور وما يشركه وهو الواو، كما تفرق بين الجار والمجرور؛ لأن الجار لا يفصل بينه وبين المجرور، ولا بينه وبين الواو.

اسامة محمد خيري
07-11-2018, 06:10
الجوهرة السبعون بعد المائة

{ قَالُواْ يلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الْلَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ }

قال السمين

قوله تعالى: { فَأَسْرِ }: قرأ نافع وابن كثير: { فاسْرِ بأهلك } هنا وفي الحجر، وفي الدخان:{ فَأَسْرِ بِعِبَادِي } [الآية: 23]، وقوله:{ أَنْ أَسْرِ } [الآية: 77] في طه والشعراء، جميع ذلك بهمزة الوصل تسقط دَرْجاً وتَثْبُتُ مكسورة ابتداءً. والباقون " فَأَسْر " بهمزة القطع تثبت مفتوحة دَرْجاً وابتداء، والقراءتان مأخوذتان من لُغَتي هذا الفعل فإنه يُقال: سَرَى، ومنه{ وَظ±للَّيْلِ إِذَا يَسْرِ } [الفجر: 4]، وأَسْرى، ومنه:{ سُبْحَانَ ظ±لَّذِي أَسْرَىظ° } [الإسراء: 1] وهل هما بمعنى واحدٍ أو بينهما فرقٌ؟ خلافٌ مشهور. فقيل: هما بمعنى واحدٍ، وهو قول أبي عبيد. وقيل: بل أَسْرى لأولِ الليل، وسَرَى لآخره، وهو قولُ الليث، وأمَّا سار فمختص بالنهار، وليس مقلوباً مِنْ سَرى....

قوله: { إِلاَّ ظ±مْرَأَتَكَ } ابن كثير وأبو عمرو برفع " امرأتك " والباقون بنصبها. وفي هذه الآية الكريمة كلامٌ كثيرٌ لا بد من استيفائه. أمَّا قراءة الرفع ففيها وجهان، أشهرُهما عند المعربين: أنَّه على البدل من " أحد " وهو أحسن من النصب، لأنَّ الكلام غيرُ موجَب. وهذا الوجهُ قد رَدَّه أبو عبيد بأنه يَلْزَمُ منه أنهم نُهوا عن الالتفات إلا المرأة، فإنها لم تُنْهَ عنه، وهذا لا يجوزُ، ولو كان الكلامُ " ولا يلتفت " برفع " يلتفت " يعني على أنْ تكونَ " لا " نافيةً، فيكون الكلام خبراً عنهم بأنهم لم يَلْتفتوا إلا امرأته فإنها تلتفت، لكان الاستثناء بالبدلية واضحاً، لكنه لم يقرأ برفع " يلتفت " أحد.

وقد استحسن ابنُ عطيةَ هذا الإِلزامَ من أبي عبيد، وقال: " إنه وارِدٌ على القول باستثناءِ المرأة من " أحد " سواءً رَفَعْتَ المرأة أو نَصَبْتها ". قلت: وهذا صحيحٌ، فإن أبا عبيد لم يُرِد الرفعَ لخصوصِ كونه رفعاً، بل لفسادِ المعنىظ°، وفسادُ المعنىظ° دائر مع الاستثناء من " أحد " ، وأبو عبيد يُخَرِّج النصبَ على الاستثناء من " بأهلك " ، ولكنه يَلْزم من ذلك إبطالُ قراءة الرفع، ولا سبيلَ إلى ذلك لتواترها.

وقد انفصل المبردُ عن هذا الإِشكالِ الذي أورده أبو عبيد بأن النهيَ في اللفظ لـ " أحد " وهو في المعنى للوط عليه السلام، إذ التقدير: لا تَدَعْ منهم أحداً يلتفت، كقولك لخادمك: " لا يَقُمْ أحدٌ " النهيُ لأحد، وهو في المعنىظ° للخادم، إذ المعنى: " لا تَدَعْ أحداً يقوم ".

قلت: فآل الجواب إلى أنَّ المعنىظ°: لا تَدَعْ أحداً يلتفت إلا امرأتك فَدَعْها تلتفت، هذا مقتضى الاستثناء كقولك: " لا تَدَعْ أحداً يقوم إلا زيداً، معناه: فَدَعْه يقوم. وفيه نظر؛ إذ المحذور الذي قد فرَّ منه أبو عبيد موجودٌ هو أو قريب منه هنا.

والثاني: أن الرفعَ علىظ° الاستثناءِ المنقطع، والقائلُ بهذا جعل قراءةَ النصبِ أيضاً من الاستثناء المنقطع، فالقراءتان عنده على حَدٍّ سواء، ولنسْرُدْ كلامه لنعرفَه فقال: " الذي يظهر أن الاستثناء على كلتا القراءتين منقطع، لم يُقْصَدْ به إخراجُها من المأمور بالإِسراء معهم، ولا من المنهيين عن الالتفاتِ، ولكن استؤنف الإِخبار عنها، فالمعنىظ°: لكن امرأتَك يَجْري لها كذا وكذا، ويؤيد هذا المعنى أن مثلَ هذه الآية جاءت في سورة الحجر، وليس فيها استثناءٌ البتةَ، قال تعالى: { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ } الآية. فلم تقع العنايةُ في ذلك إلا بذكر مَنْ أنجاهم اللَّه تعالىظ°، فجاء شرح حالِ امرأتِه في سورة هود تبعاً لا مقصوداً بالإِخراج مما تقدم، وإذا اتضح هذا المعنى عُلم أن القراءتين وردتا على ما تقتضيه العربية في الاستثناء المنقطع، وفيه النصب والرفع، فالنصب لغة أهل الحجاز وعليه الأكثر، والرفع لغة تميم وعليه اثنان من القراء ". قال الشيخ: " وهذا الذي طوَّل به لا تحقيقَ فيه، فإنه إذا لم يُقْصَدْ إخراجُها من المأمور بالإِسراء بهم ولا من/ المَنْهِيِّين عن الالتفاتِ، وجُعل استثناءً منقطعاً، كان من المنقطع الذي لم يتوجَّهْ عليه العاملُ بحال، وهذا النوع يجب فيه النصبُ على كلتا اللغتين، وإنما تكون اللغتان في ما جاز توجُّهُ العاملِ عليه، وفي كلا النوعين يكون ما بعد " إلا " من غير الجنس المستثنىظ°، فكونُه جازَ في اللغتان دليل على أنه يمكن أن يتوجَّه عليه العامل، وهو قد فرض أنه لم يُقْصَدْ بالاستثناء إخراجُها من المأمور بالإِسراء بهم ولا من المنهيين عن الالتفات، فكان يجب فيه إذ ذاك النصبُ قولاً واحداً ".

[قلت: القائل بذلك هو الشيخ شهاب الدين أبو شامة]. وأمَّا قولُه: " إنه لم يتوجَّهْ عليه العامل " ليس بمسلَّم، بل يتوجَّه عليه في الجملة، والذي قاله النحاة ممَّا لم يتوجَّهْ عليه العاملُ من حيث المعنى نحو: ما زاد إلا ما نقص، وما نفع إلا ما ضر، وهذا ليس مِنْ ذاك، فكيف يُعْترض به على أبي شامة؟.

وأمَّا النصبُ ففيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه مستثنىظ° مِنْ " بأهلك " ، واستَشْكلوا عليه إشكالاً من حيث المعنى: وهو أنه يلزم ألاَّ يكونَ سَرَى بها، لكن الفرضِ أنه سرىظ° بها، يدلُّ عليه أنها التفتَتْ، ولو لم تكن معهم لمَا حَسُن الإِخبار عنها بالالتفات، فالالتفاتُ يدلُّ على كونها سَرَتْ معهم قطعاً.

وقد أُجيب عنه بأنه لم يَسْرِ هو بها، ولكن لمَّا سَرَى هو وبنتاه تَبِعَتْهم فالتفتت، ويؤيِّد أنه استثناء من الأهل ما قرأ به عبد اللَّه وسقط مِنْ مصحفه " فَأَسْر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك " ولم يذكر قوله { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ }.

والثاني: أنه مستثنىظ° مِنْ " أحد " وإن كان الأحسنُ الرفعَ إلا أنه جاء كقراءة ابن عامر { مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ } [النساء: 66] بالنصبِ مع تقدُّم النفي الصريح. وقد تقدَّم لك هناك تخريجٌ آخرُ لا يمكن ههنا.

والثالث: أنه مستثنىظ° منقطعٌ على ما قدَّمْتُه عن أبي شامة. وقال الزمخشري: " وفي إخراجها مع أهله روايتان، روي أنه أخرجها معهم، وأُمِرَ أَنْ لا يلتفتَ منهم أحد إلا هي، فلما سَمِعَتْ هِدَّة العذاب التفتَتْ وقالت: يا قوماه، فأدركها حجرٌ فقتلها، ورُوي أنه أُمِر بأن يُخَلِّفَها مع قومها فإنَّ هواها إليهم ولم يَسْرِ بها، واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين ".

قال الشيخ: " وهذا وهمٌ فاحشٌ، إذ بنىظ° القراءتين على اختلاف الروايتين مِنْ أنه سَرَىظ° بها أو لم يَسْرِ بها، وهذا تكاذُبٌ في الإِخبار، يستحيل أن تكن القراءتان ـ وهما مِنْ كلام اللَّه تعالىظ° ـ يترتبان على التكاذب ". قلت: وحاشَ للَّه أن تترتب القراءتان على التكاذُب، ولكن ما قاله الزمخشري صحيحٌ، الفرض أنه قد جاء في التفسير القولان، ولا يَلْزم من ذلك التكاذبُ، لأنَّ مَنْ قال إنه سَرَىظ° بها يعني أنها سَرَتْ هي بنفسها مصاحِبةً لهم في أوائل الأمر، ثم أخذها العذاب فانقطع سُراها، ومن قال إنه لم يَسْرِ بها، أي: لم يَأْمرها ولم يأخذها وأنه لم يَدُم سُراها معهم بل انقطع فَصَحَّ أن يقال: إنه سَرَى بها ولم يَسْرِ بها، وقد أجاب الناسُ بهذا وهو حسنٌ.

وقال الشيخ أبو شامة: " ووقع لي في تصحيح ما أعربه النحاةُ معنى حسنٌ، وذلك أن يكون في الكلام اختصارَ نَبَّهَ عليه اختلافُ القراءتين فكأنه قيل: فَأَسْرِ بأهلِك إلا امرأتك، وكذا روى أبو عبيدة وغيره أنها في مصحف عبد اللَّه هكذا، وليس فيها { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } فهذا دليلٌ على استثنائها مِن السُّرى بهم، ثم كأنه قال سبحانه: فإن خرجَتْ معكم وتَبِعَتْكم ـ غيرَ أن تكونَ أنت سَرَيْتَ بها ـ فانْهَ أهلك عن الالتفات غيرَها، فإنها ستلتفت فيُصيبها ما أصاب قومها، فكانت قراءةُ النصب دالَّةً على المعنى المتقدم، وقراءةُ الرفع دالَّةً على المعنى المتأخر، ومجموعُهما دالٌّ على جملة المعنى المشروح " وهو كلامٌ حسنُ شاهدٌ لِما ذكرته....

وقال ابن كثير

إِلاَّ ظ±مْرَأَتَكَ } قال الأكثرون هو استثناء من المثبت، وهو قوله { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ } تقديره { إِلاَّ ظ±مْرَأَتَكَ } وكذلك قرأها ابن مسعود، ونصب هؤلاء امرأتك لأنه من مثبت، فوجب نصبه عندهم، وقال آخرون من القراء والنحاة هو استثناء من قوله { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ظ±مْرَأَتَكَ } فجوزوا الرفع والنصب. وذكر هؤلاء أنها خرجت معهم، وأنها لما سمعت الوجبة، التفتت، وقالت واقوماه فجاءها حجر من السماء، فقتلها، ...

وقال الرازى

ثم قال: { إِلاَّ ظ±مْرَأَتَكَ } قرأ ابن كثير وأبو عمر { إِلاَّ ظ±مْرَأَتَكَ } بالرفع والباقون بالنصب. قال الواحدي: من نصب وهو الاختيار فقد جعلها مستثناة من الأهل على معنى فأسر بأهلك إلا امرأتك والذي يشهد بصحة هذه القراءة أن في قراءة عبدالله { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ إِلاَّ ظ±مْرَأَتَكَ } فأسقط قوله: { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } من هذا الموضع، وأما الذين رفعوا فالتقدير { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ظ±مْرَأَتَكَ }.

فإن قيل: فهذه القراءة توجب أنها أمرت بالالتفات لأن القائل إذا قال لا يقم منكم أحد إلا زيد كان ذلك أمراً لزيد بالقيام. وأجاب أبو بكر الأنباري عنه فقال: معنى { إِلا } ههنا الاستثناء المنقطع على معنى، لا يلتفت منكم أحد، لكن امرأتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم، وإذا أن هذا الاستثناء منقطعاً كان التفاتها معصية ويتأكد ما ذكرنا بما روي عن قتادة أنه قال إنها كانت مع لوط حين خرج من القرية فلما سمعت هذا العذاب التفتت وقالت يا قوماه فأصابها حجر فأهلكها. واعلم أن القراءة بالرفع أقوى، لأن القراءة بالنصب تمنع من خروجها مع أهله لكن على هذا التقدير الاستثناء يكون من الأهل كأنه أمر لوطاً بأن يخرج بأهله ويترك هذه المرأة فإنها هالكة مع الهالكين وأما القراءة بالنصب فإنها أقوى من وجه آخر، وذلك لأن مع القراءة بالنصب يبقى الاستثناء متصلاً ومع القراءة بالرفع يصير الاستثناء منقطعاً. ثم بين الله تعالى أنهم قالوا: إنه مصيبها ما أصابهم. والمراد أنه مصيبها ذلك العذاب الذي أصابهم...

اسامة محمد خيري
07-11-2018, 06:19
الجوهرة الواحدة والسبعون بعد المائة

قال الالوسي

{ بَقِيَّتُ ظ±للَّهِ } قال ابن عباس: أي ما أبقاه سبحانه من الحلال بعد الإيفاء { خَيْرٌ لَّكُمْ } مما تجمعون بالبخس فإن ذلك هباء منثور بل هو شر محض وإن زعمتم أنه خير { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } أي بشرط أن تؤمنوا إذ مع الكفر لا خير في شيء أصلاً، أو إن كنتم مصدقين بـي في مقالتي لكم، وفي رواية أخرى عن الحبر أنه فسر البقية بالرزق. وقال الربيع هي وصيته تعالى، وقال مقاتل: ثوابه في الآخرة، وقال الفراء: مراقبته عز وجل، وقال قتادة: ذخيرته، وقال الحسن: فرائضه سبحانه. وزعم ابن عطية أن كل هذا لا يعطيه لفظ الآية وإنما معناه الإبقاء وهو مأخوذ مما روي عن ابن جريج أنه قال: المعنى إبقاء الله تعالى النعيم عليكم خير لكم مما يحصل من النقص بالتطفيف، وأياً مّا كان فجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله على ما ذهب إليه جمهور البصريين وهو الصحيح. وقرأ إسماعيل بن جعفر عن أهل المدينة { بقية } / بتخفيف الياء قال ابن عطية: وهي لغة، قال أبو حيان: إن حق وصف فعل اللازم أن يكون على وزن فاعل نحو شجيت المرأة فهي شجية فإذا شددت الياء كان على وزن فعيل للمبالغة، وقرأ الحسن ـ تقية الله ـ بالتاء والمراد تقواه سبحانه ومراقبته الصارفة عن المعاصي.

وقال السمين

قوله { أَوْ أَن نَّفْعَلَ } العامة على نون الجماعة أو التعظيم في " نفعل " و " نشاء ". وقرأ زيد بن علي وابن أبي عبلة والضحاك بن قيس بتاء الخطاب فيهما. وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة الأول بالنون والثاني بالتاء، فَمَنْ قرأ بالنون فيهما عَطفه على مفعول " نترك " وهو " ما " الموصولةُ/، والتقدير: أصلواتُك تأمركَ أن نَتْرُكَ ما يعبدُ آباؤنا، أو أن نترك أن نفعلَ في أموالِنا ما نشاء، وهو بَخْسُ الكَيْل والوَزْنِ المقدَّم ذكرُهما. و " أو " للتنويع أو بمعنى الواو، قولان، ولا يجوز عَطْفُه علىظ° مفعول " تأمرك "؛ لأن المعنىظ° يتغير، إذ يصير التقدير: أصلواتُك تأمُرك أن نفعلَ في أموالنا.

ومَنْ قرأ بالتاء فيهما جاز أن يكونَ معطوفاً على مفعول " تأمرك " ، وأن يكونَ معطوفاً على مفعول " نترك " ، والتقدير: أصلواتك تأمرك أن تفعل أنت في أموالنا ما تشاء أنت، أو أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو أن نترك أن تفعل أنت في أموالنا ما تشاء أنت.

ومَنْ قرأ بالنون في الأول وبالتاء في الثاني كان " أن نفعل " معطوفاً على مفعول " تأمرك " ، فقد صار ذلك ثلاثةَ أقسام، قسمٍ يتعينَّ فيه العطفُ على مفعول " نترك " وهي قراءةُ النونِ فيهما، وقسمٍ يتعيَّن فيه العطفُ على مفعول " تأمرك " ، وهي قراءةُ النون في " نفعل " والتاء في " تشاء " ، وقسمٍ يجوز فيه الأمران وهي قراءةُ التاء فيهما. والظاهرُ من حيث المعنىظ° في قراءة التاء فيهما أو في " تشاء " أن المراد بقولهم ذلك هو إيفاءُ المكيال والميزان؛ لأنه كان يأمرهم بهما. وقال الزمخشري: " المعنىظ°: تأمرك بتكليف أن نترك، فحذف المضاف لأنَّ الإِنسان لا يُؤْمَرُ بفعل غيره ".

وقال الالوسي

وقرأ السلمي وأبو حيوة (بعدت) بضم العين، والجمهور بكسرها على أنه من بعد يبعد بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع بمعنى هلك، ومنه قوله:
يقولون: (لا تبعد) وهم يدفونني وأين مكان البعد إلا مكانياً
وأما بعد يبعد بالضم فهو البعد ضد القرب قاله ابن قتيبة، قيل: أرادت العرب بهذا التغيير الفرق بين المعنيين، وقال ابن الأنباري: من العرب من يسوي بين الهلاك وبعد الذي هو ضد القرب، وفي «القاموس» البعد المعروف والموت، وفعلهما ـ ككرم وفرح ـ بعداً وبعداً بفتحتين، وقال المهدوي: إن بعد بالضم يستعمل في الخير والشر. وبعد بالكسر في الشر خاصة، وكيفما كان الأمر فالمراد ببعدت على تلك القراءة أيضاً هلكت غاية الأمر أنه في ذلك إما حقيقة أو مجاز، ومن هلك فقد بعد ونأى

قال القرطبي

وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }

قوله تعالى: { وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ } أي إن كلاً من الأمم التي عددناهم يرون جزاء أعمالهم؛ فكذلك قومك يا محمد. وظ±ختلف القراء في قراءة { وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا } فقرأ أهل الحرمين ـ نافع وظ±بن كثير وأبو بكر معهم ـ «وَإِنْ كُلاًّ لَمَا» بالتخفيف، على أنها «إن» المخففة من الثقيلة معملة؛ وقد ذكر هذا الخليل وسيبويه، قال سيبويه: حدثنا من أثق به أنه سمع العرب تقول: إن زيداً لمنطلقٌ؛ وأنشد قول الشاعر:
كأنْ ظِبْيَةً تَعْطُو إلى وَارِقِ السَّلَمْ
أراد كأنها ظبية فخفّف ونصب ما بعدها؛ والبصريون يجوزون تخفيف «إنّ» المشدّدة مع إعمالها؛ وأنكر ذلك الكسائيّ وقال: ما أدري على أي شيء قرىء «وَإِنْ كُلاًّ»! وزعم الفراء أنه نصب «كلاّ» في قراءة من خفف بقوله: «لَيُوفينهم» أي وإن ليوفينهم كلاّ؛ وأنكر ذلك جميع النحويين، وقالوا: هذا من كبير الغلط؛ لا يجوز عند أحد زيداً لأضربنه. وشدّد الباقون «إنّ» ونصبوا بها «كلاّ» على أصلها. وقرأ عاصم وحمزة وظ±بن عامر «لَمَّا» بالتشديد. وخففها الباقون على معنى: وإن كلا ليوفينهم، جعلوا «ما» صلة. وقيل: دخلت لتفصل بين اللامين اللتين تتلقيان القسم، وكلاهما مفتوح ففصل بينهما بـ«ـما». وقال الزجاج: لام «لمّا» لام «إنّ» و«ما» زائدة مؤكدة؛ تقول: إن زيداً لمنطلق؛ فإنّ تقتضي أن يدخل على خبرها أو ظ±سمها لام كقولك: إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وقوله:{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىظ° } [الزمر: 21]. واللام في «ليوفينهم» هي التي يُتَلقى بها القسم، وتدخل على الفعل ويلزمها النون المشدّدة أو المخففة؛ ولما اجتمعت اللامان فصل بينهما بـ«ـما» و«ما» زائدة مؤكدة، وقال الفراء: «ما» بمعنى «من» كقوله:{ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ } [النساء:72] أي وإنّ كلاً لمن ليوفِينهم، واللام في «ليوفينهم» للقسم؛ وهذا يرجع معناه إلى قول الزجاج، غير أن «ما» عند الزجاج زائدة وعند الفراء ظ±سم بمعنى «من». وقيل: ليست بزائدة، بل هي ظ±سم دخل عليها لام التأكيد، وهي خبر «إن» و«ليوفينهم» جواب القسم، التقدير: وإنّ كلاً خَلْق ليوفينهم ربك أعمالهم. وقيل: «ما» بمعنى «من» كقوله:{ فَظ±نكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ظ±لنِّسَآءِ } [النساء: 3] أي مَنْ؛ وهذا كله هو قول الفراء بعينه. وأما من شدّد «لما» وقرأ «وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا» بالتشديد فيهما ـ وهو حمزة ومن وافقه ـ فقيل: إنه لحن؛ حكي عن محمد بن يزيد أن هذا لا يجوز؛ ولا يقال: إنّ زيداً إلاّ لأضربَنّه، ولا لَمّا لضربته. وقال الكسائي: الله أعلم بهذه القراءة، وما أعرف لها وجهاً. وقال هو وأبو علي الفارسي: التشديد فيهما مشكل. قال النحاس وغيره: وللنحويين في ذلك أقوال: الأول: أن أصلها «لمن ما» فقلبت النون ميماً، واجتمعت ثلاث ميمات فحذفت الوسطى فصارت «لما» و«ما» على هذا القول بمعنى «من» تقديره: وإن كلا لمن الذين؛ كقولهم:


وإنِّيَ لَمَّا أصْدِرُ الأمرَ وجهَهُ إذا هو أَعْيَا بالسَّبِيلِ مَصَادِرُه
وزيّف الزجاج هذا القول، وقال: «من» ظ±سم على حرفين فلا يجوز حذفه. الثاني؛ أن الأصل لِمن ما، فحذفت الميم المكسورة لاجتماع الميمات، والتقدير: وإنّ كُلاًّ لِمَنْ خَلْقٍ ليوفينهم. وقيل: «لمَّا» مصدر «لَمَّ» وجاءت بغير تنوين حملاً للوصل على الوقف؛ فهي على هذا كقوله:{ وَتَأْكُلُونَ ظ±لتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً } [الفجر: 19] أي جامعاً للمال المأكول؛ فالتقدير على هذا: وإن كلاًّ ليوفينهم ربك أعمالهم توفية لمًّا؛ أي جامعة لأعمالهم جمعاً، فهو كقولك: قياماً لأقومنّ. وقد قرأ الزهري «لَمًّا» بالتشديد والتنوين على هذا المعنى. الثالث: أن «لمّا» بمعنى «إلاّ» حكى أهل اللغة: سألتك بالله لمّا فعلت؛ بمعنى إلاَّ فعلت؛ ومثله قوله تعالى:{ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ } [الطارق: 4] أي إلا عليها؛ فمعنى الآية: ما كل واحد منهم إلا ليوفينهم؛ قال القُشيريّ: وزيّف الزجاج هذا القول بأنه لا نفي لقوله: { وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا } حتى تقدر «إلا» ولا يقال: ذهب الناس لما زيد. الرابع: قال أبو عثمان المازني: الأصل وإن كلاّ لَمَا بتخفيف «لَمّا» ثم ثقلت كقوله:
لقد خَشِيتُ أَنْ أَرَى جَدَبَّاً في عامِنَا ذا بعدَ ما أَخْصَبَّا
وقال أبو إسحاق الزجاج: هذا خطأظ° إنما يخفّف المثقل، ولا يثقّل المخفّف. الخامس: قال أبو عبيد القاسم ابن سلاّم: يجوز أن يكون التشديد من قولهم: لَمَمْتُ الشيءَ أَلُمُّهُ لَمًّا إذا جمعته، ثم بنى منه فَعْلَى، كما قرىء{ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى } [المؤمنون: 44] بغير تنوين وبتنوين. فالألف على هذا للتأنيث، وتمال على هذا القول لأصحاب الإمالة؛ قال أبو إسحاق: القول الذي لا يجوز غيره عندي أن تكون مخففة من الثقيلة، وتكون بمعنى «ما» مثل:{ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ } [الطارق: 4] وكذا أيضاً تشدّد على أصلها، وتكون بمعنى «ما» و«لما» بمعنى «إلا» حكى ذلك الخليل وسيبويه وجميع البصريين؛ وأن «لما» يستعمل بمعنى «إلا» قلت: هذا القول (الذي) ارتضاه الزجاج حكاه عنه النحاس وغيره؛ وقد تقدم مثله وتضعيف الزجاج له، إلا أن ذلك القول صوابه «إنْ» فيه نافية، وهنا مخففة من الثقيلة فافترقا وبقيت قراءتان؛ قال أبو حاتم: وفي حرف أُبَي: «وَإِنْ كُلٌّ إِلاَّ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ» وروي عن الأعمش «وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا» بتخفيف «إن» ورفع «كل» وبتشديد «لما». قال النحاس: وهذه القراءات المخالفة للسواد تكون فيها «إنْ» بمعنى «ما» لا غير، وتكون على التفسير؛ لأنه لا يجوز أن يقرأ بما خالف السواد إلا على هذه الجهة. { إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } تهديد ووعيد.

وقال الطبري

وأصح هذه القراءات مخرجاً علـى كلام العرب الـمستفـيض فـيهم قراءة من قرأ «وإنَّ» بتشديد نونها، «كُلاًّ لَـمَا» بتـخفـيف ما { لَـيُوَفِّـيَنَّهُمْ رَبُّكَ } بـمعنى وإن كلّ هؤلاء الذين قصصنا علـيك يا مـحمد قصصهم فـي هذه السور، لـمن لـيوفـينهم ربك أعمالهم بـالصالـح منها بـالـجزيـل من الثواب، وبـالطالـح منها بـالتشديد من العقاب، فتكون «ما» بـمعنى «من» واللام التـي فـيها جوابـاً لأن واللام فـي قوله { لَـيُوفِّـيَنَّهُمْ } لام قسم.

قال السمين

أمَّا ما يتعلق بها من حيث التخريجُ فقد اضطرب الناسُ فيه اضطراباً كثيراً، حتى قال أبو شامة: " وأمَّا هذه الآيةُ فمعناها على القراءات من أشكلِ الآيات،

وقال ابن الجوزى

قوله تعالى: { وإِن كُلاًّ } يشير إِلى جميع من قصَّ قصته في هذه السورة. وقال مقاتل: يعني به كفار هذه الأمة. وقيل: المعنى: وإِن كلاًّ لخلق أو بشر { ليوفينَّهم }. قرأ أبو عمرو، والكسائي «وإِنَّ» مشددة النون، «لما» خفيفة. واللام في «لما» لام التوكيد، دخلت على «ما» وهي خبر «إِنّ» واللام في «لَيوفينَّهم» اللام التي يُتلقَّى بها القَسم، والتقدير: والله ليوفينَّهم، ودخلت «ما» للفصل بين اللامين. قال مكي بن أبي طالب: وقيل: إِن «ما» زائدة، لكن دخلت لتفصل بين اللامين اللَّذَيْن يتلقَّيان القسم، وكلاهما مفتوح، ففُصل بـ «ما» بينهما. وقرأ ابن كثير «وإِنْ» بالتخفيف، وكذلك «لما» قال سيبويه: حدثنا من نثق به أنه سمع من العرب من يقول: إِنْ عَمْراً لمنطلق، فيخففون «إِنّ» ويُعملونها، وأنشد:
وَوَجْهٍ حَسَنِ النَّحرِ كأنْ ثَدْيَيْه حُقَّانِ
وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: «وإِن» خفيفة، «لمَّا» مشددة، والمعنى: وما كلاًّ إِلا؛ وهذا كما تقول: سألتك لمَّا فعلت، وإِلاَّ فعلت، ومثله قوله:{ إِن كل نفس لما عليها حافظ } [الطارق 4]. وقرأ حمزة، وابن عامر، وحفص عن عاصم: «وإِنّ» بالتشديد، «لمّا» بالتشديد أيضاً. قال أبو علي: هذه قراءة مشكلة، لأنه كما لا يحسن: إِنَّ زيداً إِلا منطلق، كذلك لا يحسن تثقيل «إِنَّ» وتثقيل «لمّا». وحكي عن الكسائي أنه قال: لا أعرف وجه التثقيل في «لمّا» ولم يُبعد فيما قال. وقال مكي بن أبي طالب: الأصل فيها «لَمِن ما» ثم أدغمت النون في الميم، فاجتمعت ثلاث ميمات في اللفظ، فحذفت الميم المكسورة؛ والتقدير: وإِنَّ كلاًّ لمِن خَلْقٍ ليوفينَّهم، قال: وقيل: التقدير: «لَمَن ما» بفتح الميم في «مَن» فتكون «ما» زائدة، وتحذف إِحدى الميمات لتكرير الميم في اللفظ؛ والتقدير: لَخلقٌ ليوفينَّهم، ومعنى الكلام: ليوفينَّهم جزاء أعمالهم.

اسامة محمد خيري
07-11-2018, 09:55
سورة يوسف

الجوهرة الثانية والسبعون بعد المائة

قال ابن عطية

وقرأ أبو عمرو وأبو عامر: " نرتعْ ونلعبْ " بالنون فيهما وإسكان العين والباء، و " نرتعْ " - على هذا - من الرتوع وهي الإقامة في الخصب والمرعى في أكل وشرب، ومنه قول الغضبان بن القبعثري: القيد والرتعة وقلة التعتعة. ومنه قول الشاعر: [الوافر]

....... وبعد عطائك المائة الرتاعا
و " لعبهم " هذا دخل في اللعب المباح كاللعب بالخيل والرمي ونحوه، فلا وصم عليهم في ذلك، وليس باللعب الذي هو ضد الحق وقرين اللهو، وقيل لأبي عمرو بن العلاء: كيف يقولون: نلعب وهم أنبياء؟ قال: لم يكونوا حينئذ أنبياء.

وقرأ ابن كثير: " نرتعِ ونلعبْ " بالنون فيهما، وبكسر وجزم الباء، وقد روي عنه " ويلعب " بالياء، وهي قراءة جعفر بن محمد. و " نرتعِ " - على هذا - من رعاية الإبل: وقال مجاهد هي من المراعاة: أي يراعي بعضنا بعضاً ويحرسه،

وقرأ عاصم وحمزة والكسائي " يرتع ويلعب " بإسناد ذلك كله إلى يوسف، وقرأ نافع " يرتعِ " بالياء فيهما وكسر العين وجزم الباء، فـ " يرتعِ " - على هذا - من رعي الإبل؛ قال ابن زيد: المعنى: يتدرب في الرعي وحفظ المال؛ ومن الارتعاء قول الأعشى:

ترتعي السفح فالكثيب فذاقا ن فروض القطا فذات الرئال

قال أبو علي: وقراءة ابن كثير - " نرتع " بالنون و " يلعب " بالياء - فنزعها حسن، لإسناد النظر في المال والرعاية إليهم، واللعب إلى يوسف لصباه.

وقرأ العلاء بن سيابة، " يرتع ويلعبُ " برفع الباء على القطع.

وقرأ مجاهد وقتادة: " نُرتِع " بضم النون وكسر التاء و " نلعبْ " بالنون والجزم.

وقرأ ابن كثير - في بعض الروايات عنه - " نرتعي " بإثبات الياء - وهي ضعيفة لا تجوز إلا في الشعر كما قال الشاعر: [الوافر]

ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد

وقرأ أبو رجاء " يُرتعْ " بضم الياء وجزم العين و " يلعبْ " بالياء والجزم.

وقال الطبري

وأولـى القراءة فـي ذلك عندي بـالصواب، قراءة من قرأه فـي الـحرفـين كلـيهما بـالـياء وبجزم العين فـي «يرتعْ». لأن القوم إنـما سألوا إياهم إرسال يوسف معهم، وخدعوه بـالـخبر عن مسألتهم إياه ذلك عما لـيوسف فـي إرساله معهم من الفرح والسرور والنشاط بخروجه إلـى الصحراء وفسحتها ولعبه هنالك، لا بـالـخبر عن أنفسهم.

وقال السمين

وقرأ العامَّةُ: " كَذِب " بالذال المعجمة، وهو من الوصف بالمصادر فيمكن أن يكونَ على سبيل المبالغة نحو: رجلٌ عَدْلٌ أو على حَذْفِ مضافٍ، أي: ذي كذب، نَسَبَ فِعْلَ فاعله إليه. وقرأ زيد بن علي " كَذِباً " فاحتمل أن يكون مفعولاً من أجله واحتمل أن يكونَ مصدراً في موضع الحال، وهو قليلٌ أعني مجيءَ الحالِ من النكرة.

وقرأ عائشة والحسن: " كَدِب " بالدال المهملة. وقال صاحبُ اللوامح: " معناه: ذي كَدِب، أي: أثر؛ لأنَّ الكَدِبَ هو بياضٌ يَخْرُجُ في أظافير الشباب ويؤثِّر فيها، فهو كالنقش، ويُسَمَّىظ° ذلك البياضُ " الفُوْف " فيكون هذا استعارةً لتأثيره في القميص كتأثير ذلك في الأظافير ". وقيل: هو الدمُ الكَدِر. وقيل: الطريُّ. وقيل: اليابس....

وقرأ أُبَيّ وعيسى بن عمر: " فصبراً جميلاً " [نصباً، ورُويت عن الكسائي، وكذلك هي في] مصحف أنس بن مالك، وتخريجها على المصدر الخبري، أي: أصبرُ أنا صبراً، وهذه قراءة ضعيفة إن خُرِّجَتْ هذا التخريجَ، فإن سيبويه لا ينقاس ذلك عنده إلا في الطلب، فالأَوْلى أن يُجعل التقدير: إنَّ يعقوب رَجَعَ وأَمَر نفسَه فكأنه قال: اصبري يا نفسُ صبراً. ورُوري البيتُ أيضاً بالرفع والنصب على ما تقدَّم، والأمر فيه ظاهر.

اسامة محمد خيري
07-11-2018, 09:58
الجوهرة الثالثة والسبعون بعد المائة

قال ابن عطية

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر " يا بشرايَ " بإضافة البشرى إلى المتكلم وبفتح الياء على ندائها كأنه يقول: احضري، فهذا وقتك، وهذا نحو قوله:{ يا حسرة على العباد } [يس: 30] وروى ورش عن نافع " يا بشرايْ " بسكون الياء، قال أبو علي: وفيها جمع بين ساكنين على حد دابة وشابة، ووجه ذلك أنه يجوز أن تختص بها الألف لزيادة المد الذي فيها على المد الذي في أختيها، كما اختصت في القوافي بالتأسيس، واختصت في تخفيف الهمزة نحو هبأة وليس شيء من ذلك في الياء والواو.

وقرأ أبو الطفيل والجحدري وابن أبي إسحاق والحسن " يا بشريَّ " تقلب الألف ياء ثم تدغم في ياء الإضافة، وهي لغة فاشية، ومن ذلك قول أبي ذؤيب: [الكامل]

سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهمُ فتخرموا ولكل جنب مصرع
وأنشد أبو الفتح وغيره في ذلك:

يطوّف بيَّ كعب في معد ويطعن بالصملة في قفيا
فإن لم تثأروا لي في معد فما أرويتما أبداً صديا
وقرأ حمزة والكسائي " يا بشرِي " ويميلان ولا يضيفان. وقرأ عاصم كذلك إلا أنه يفتح الراء ولا يميل، واختلف في تأويل هذه القراءة فقال السدي: كان في أصحاب هذا " الوارد " رجل اسمه بشرى، فناداه وأعلمه بالغلام، وقيل: هو على نداء البشرى - كما قدمنا...

وقال الطبري

وأعجب القراءة في ذلك الى قراءة من قرأه بارسال الياء وتسكينها لأنه ان كان اسم رجل بعينه كان معروفا فيهم كما قال السدى فذلك هي القراية الصحيحة لا شك فيها وان كان من التبشير فإنه يحتمل ذلك إذا قرىء كذلك على ما بينت وأما التشديد والاضافة في الياء فقراءة شاذة لا أرى القراءة بها وإن كانت لغة معروفة لاجماع الحجة من القراء على خلافها....

وقال ابن عطية

وقرأ ابن كثير وأهل مكة: " هَيْتُ " بفتح الهاء وسكون الياء وضم التاء وقرأ ابن عباس وابن أبي إسحاق وابن محيصن وأبو الأسود وعيسى بفتح الهاء وكسر التاء " هَيتِ " ، وقرأ ابن مسعود والحسن والبصريون " هَيْتَ " بفتح الهاء والتاء وسكون الياء، ورويت عن ابن عباس وقتادة وأبي عمرو، قال أبو حاتم: لا يعرف أهل البصرة غيرها وهم أقل الناس غلواً في القراءة، قال الطبري: وقد رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأ نافع وابن عامر " هِيْتَ " بكسر الهاء وسكون الياء وفتح التاء - وهي قراءة الأعرج وشيبة وأبي جعفر - وهذه الأربع بمعنى واحد، واختلف باختلاف اللغات فيها، ومعناه الدعاء أي تعال وأقبل على هذا الأمر، قال الحسن: معناها هلمَّ، ويحسن أن تتصل بها { لك } إذ حلت محل قولها: إقبالاً أو قرباً، فجرت مجرى سقياً لك ورعياً لك، ومن هذا قول الشاعر يخاطب علي بن أبي طالب: [مجزوء الكامل]

أبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتينا
أن العراق وأهله عنق إليك فهيت هيتا
ومن ذلك على اللغة الأخرى قول طرفة: [الخفيف]

ليس قومي بالأبعدين إذا ما قال داع من العشيرة هيت
ومن ذلك أيضاً قول الشاعر: [الرجز]

قد رابني أن الكرى قد أسكتا ولو غدا يعني بنا لهيتا
أسكت: دخل في سكوت، و " هيت " معناه: قال: هيت، كما قالوا: أقف إذا قال: أف أف، ومنه سبح وكبر ودعدع إذ قال: داع داع.

والتاء على هذه اللغات كلها مبنية فهي في حال الرفع كقبل وبعد، وفي الكسر على الباب لالتقاء الساكنين، وفي حال النصب ككيف ونحوها؛ قال أبو عبيدة: و { هيت } لا تثنى ولا تجمع، تقول العرب: { هيت لك } ، وهيت لكما، وهيت لكم.

وقرأ هشام بن عامر " هِئتُ " ، بكسر الهاء والهمز، ضم التاء وهي قراءة علي بن أبي طالب، وأبي وائل، وأبي رجاء ويحيى، ورويت عن أبي عمرو، وهذا يحتمل أن يكون من هاء الرجل يهيء إذا أحسن هيئته - على مثال جاء يجيء - ويحتمل أن يكون بمعنى تهيأت، كما يقال: فئت وتفيأت بمعنى واحد، قال الله عز وجل:{ يتفيؤا ظلاله } [النحل: 48] وقال:{ حتى تفيء إلى أمر الله } [الحجرات: 9].

وقرأ ابن أبي إسحاق - أيضاً - " هِيْت " بتسهيل الهمزة من هذه القراءة المتقدمة. وقرأ ابن عباس - أيضاً - " هيت لك ". وقرأ الحلواني عن هشام " هِئتِ " بكسر الهاء والهمز وفتح التاء قال أبو علي: ظاهر أن هذه القراءة وهم، لأنه كان ينبغي أن تقول: هئتَ لي، وسياق الآيات يخالف هذا. وحكى النحاس: أنه يقرأ " هِيْتِ " بكسر الهاء وسكون الياء وكسر التاء. و { معاذَ } نصب على المصدر ومعنى الكلام أعوذ بالله

وقال السمين

وقرأ الأعمش " ليَصْرِفَ " بياء الغَيبة، والفاعلُ هو اللَّه تعالىظ°.

قوله: { ظ±لْمُخْلَصِينَ } قرأ هذه اللفظةَ حيث وَرَدَتْ إذا كانت معرَّفةً بـ أل مكسورةَ اللامِ ابنُ كثير وأبو عمرو وابن عامر، والباقون بفتحها، فالكسرُ على اسم الفاعل، والمفعولُ محذوف تقديره: المخلِصين أنفسَهم أو دينَهم، والفتح على أنه اسم مفعول مِنْ أَخْلصهم اللَّه، أي: اجتباهم واختارهم، أو أَخْلصهم مِنْ كل سوء.

وقرأ الكوفيون في مريم{ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً } [مريم: 51] بفتح اللام بالمعنى المتقدم، والباقون بكسرها بالمعنى المتقدم.

اسامة محمد خيري
07-11-2018, 10:19
الجوهرة الرابعة والسبعون بعد المائة

قال ابن عطية

و { شغفها } معناه: بلغ حتى صار من قلبها موضع الشغاف، وهو على أكثر القول غلاف من أغشية القلب، وقيل: " الشغاف ": سويداء القلب، وقيل: الشغاف: داء يصل إلى القلب.

وقرأ أبو رجاء والأعرج وعلي بن أبي طالب والحسن بخلاف ويحيى بن يعمر وقتادة بخلاف وثابت وعوف ومجاهد وغيرهم: " قد شعفها " بالعين غير منقوطة، ولذلك وجهان:

أحدهما أنه علا بها كل مرقبة من الحب، وذهب بها كل مذهب، فهو مأخوذ - على هذا - من شعف الجبال وهي رؤوسها وأعاليها، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن ".

والوجه الآخر أن يكون الشعف لذة بحرقة يوجد من الجراحات والجرب ونحوها ومنه قول امرىء القيس: [الطويل]

أيقتلني وقد شعفت فؤادها كما شَعَفَ المهنوءةَ الرجلُ الطالي
والمشعوف في اللغة الذي أحرق الحب قلبه، ومنه قول الأعشى:

تعصي الوشاة وكان الحب آونة مما يزين للمشعوف ما صنعا
وروي عن ثابت البناني وأبي رجاء أنهما قرآ: " قد شعِفعما " بكسر العين غير منقوطة. قال أبو حاتم: المعروف فتح العين وهذا قد قرىء به. وقرأ ابن محيصن: { قد شغفها } أدغم الدال في الشين.....

وقرأ ابن عباس ومجاهد والجحدري وابن عمر وقتادة والضحاك والكلبي وأبان بن تغلب " تُكاً " بضم الميم وتنوين الكاف. واختلف في معناه، فقيل: هو الأترنج، وقيل: هو اسم يعم ما يقطع بالسكين من الفواكه كالأترنج والتفاح وغيره، وأنشد الطبري:

نشرب الإثم بالصواع جهاراً وترى المتك بيننا مستعارا
وقرأ الجمهور: " متَّكأ " بشد التاء المفتوحة والهمز والقصر، وقرأ الزهري: " متّكا " مشدد التاء من غير همز - وهي قراءة أبي جعفر بن القعقاع وشيبة بن نصاح، وقرأ الحسن " متكاء " بالمد على إشباع الحركة....

وقال السمين

قوله: { مَا هَـظ°ذَا بَشَراً } العامَّة على إعمال " ما " على اللغة الحجازية، وهي اللغة الفصحى، ولغةُ تميم الإِهمالُ، وقد تقدَّم تحقيق هذا أول البقرة وما أنشدتُه عليه من قوله:
2789 ـ وأنا النذيرُ بحَرَّةٍ مُسْوَدَّةٍ ..........................
البيتين. ونقل ابن عطية أنه لم يَقْرأ أحد إلا بلغة الحجاز. وقال الزمخشري: " ومَنْ قرأ على سليقته من بني تميم قرأ " بشرٌ " بالرفع وهي قراءةُ ابن مسعود ". قلت: فادِّعاء ابن عطية أنه لم يُقرأ به غير مُسَلَّم.

وقرأ العامَّة " بَشَراً " بفتح الباء على أنها كلمة واحدة. وقرأ الحسن وأبو الحويرث الحنفي " بِشِرىظ° " بكسر الباء، وهي باء الجر دخلت على " شِرى " فهما كلمتان جار ومجرور، وفيها تأويلات، أحدُهما: ما هذا بمشترى، فوضع المصدرَ موضع المفعول به كضَرْب الأمير. الثاني: ما هذا بمُباعٍ، فهو أيضاً مصدر واقع موقع المفعول به إلا أن المعنى يختلف.

الثالث: ما هذا بثمن، يَعْنِين أنه أَرْفَعُ مِنْ أنْ يُجْرىظ° عليه شيءٌ من هذه الأشياء.......

وروى عبد الوارث عن أبي عمرو كقراءة الحسن وأبي الحويرث إلا أنه قرأ عنه " إلا مَلِك " بكسر اللام واحد الملوك، نَفَوا عنه ذُلَّ المماليك/ وأثبتوا له عِزَّ الملوك.

وذكر ابن عطية كسرَ اللام عن الحسن وأبي الحويرث. وقال أبو البقاء: " وعلى هذا قُرىء " مَلِك " بكسر اللام " كأنه فهم أنَّ مَنْ قرأ بكسر الياء قرأ بكسر اللام أيضاً للمناسبة بين المعنيين، ولم يذكر الزمخشريُّ هذه القراءةَ مع كسر الباء البتة، بل يُفهم من كلامِه أنه لم يَطَّلع عليها فإنه قال: " وقرىء، ما هذا بشرىظ° أي ما هو بعبدٍ مملوكٍ لئيم، إنْ هذا إلا مَلَك كريم، تقول: " هذا بشرىظ° " أي: حاصلٌ بشِرىظ° بمعنى يُشْتَرَىظ°، وتقول: هذا لك بِشِرىظ° أم بِكِرا؟ والقراءةُ هي الأَوْلى لموافقتها المصحف ومطابقة " بشر " لـ " ملك ".

قوله: " لموافقتها المصحفَ " يعني أنَّ الرسم " بشراً " بالألف لا بالياء، ولو كان المعنى على " بِشِرىظ° " لَرُسِمَ بالياء. وقوله: " ومطابقة " دليلُ على أنه لم يَطَّلِعْ على كسر اللام عن مَنْ قرأ بكسر الباء....

وقال ابن عطية

وقرأت فرقة: " يَسقي ربه " من سقى، وقرأت فرقة من أسقى، وهما لمعنى واحد لغتان وقرأ عكرمة والجحدري: " فيُسقَى ربه خمراً " بضم الياء وفتح القاف أي ما يرويه.

وأخبرهما يوسف عليه السلام عن غيب علمه من قبل الله تعالى: إن الأمر قد قضي ووافق القدر....

اسامة محمد خيري
07-11-2018, 10:41
الجوهرة الخامسة والسبعون بعد المائة

قال الالوسي

{ بَعْدَ أُمَّة } أي طائفة من الزمان ومدة طويلة. وقرأ الأشهب العقيلي { إمة } بكسر الهمزة وتشديد الميم أي نعمة عليه بعد نعمة، والمراد بذلك خلاصه من القتل والسجن وإنعام ملكه عليه، وعلى هذا جاء قوله:
ألا لا أرى ذا (إمة) أصبحت به فتتركه الأيام وهي كما هي
وقال ابن عطية ((المراد بعد نعمة أنعم الله تعالى بها على يوسف عليه السلام وهي تقريب إطلاقه)) ولا يخفى بعده. وقرأ ابن عباس وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهم - وأمة - وأمه بفتح الهمزة والميم المخففة وهاء منونة من أمه يأمه أمهاً إذا نسي...

وقال ابن عطية

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم " يَعصِرون " بفتح الياء وكسر الصاد، وقرأ حمزة والكسائي ذلك بالتاء على المخاطبة، وقال جمهور المفسرين: هي من عصر النباتات كالزيتون والعنب والقصب والسمسم والفجل وجميع ما يعصر، ومصر بلد عصر لأشياء كثيرة؛ وروي أنهم لم يعصروا شيئاً مدة الجدب، والحلب منه لأنه عصر للضروع. وقال أبو عبيدة وغيره: ذلك مأخوذ من العصرة والعصر وهو الملجأ ومنه قول أبي زبيد في عثمان رضي الله عنه: [الخفيف]

صادياً يستغيث غيـر مغـاث ولقـد كـان عصـرة المنجـود
ومنه قول عدي بن زيد: [الرمل]

لو بغير الماء حلقـي شـرق كنت كالغصّان بالماء اعتصاري
ومنه قول ابن مقبل " [البسيط]

وصاحبي وهوه مستوهل زعل يحول بين حمار الوحش والعصر
ومنه قول لبيد: [الطويل]

فبات وأسرى القوم آخر ليلهـم ومـا كـان وقافـاً بغيـر معصـر
أي بغير ملتجأ، فالآية على معنى ينجون بالعصرة.

وقرأ الأعرج وعيسى وجعفر بن محمد " يُعصَرون " بضم الياء وفتح الصاد، وهذا مأخوذ من العصرة، أي يؤتون بعصرة؛ ويحتمل أن يكون من عصرات السحاب ماءها عليهم، قال ابن المستنير: معناها يمطرون، وحكى النقاش أنه قرىء " يعصرون " وجعلها من عصر البلل ونحوه. ورد الطبري على من جعل اللفظة من العصرة رداً كثيراً بغير حجة.

وقال الطبري

حدثنـي الـمثنى، قال أخبرنا إسحاق، قال ثنا عبد الرحمن بن أبـي حماد، قال ثنا الفرج بن فضالة، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، قال كان ابن عبـاس يقرأ «وَفِـيهِ تَعْصِرُونَ» بـالتاء، يعنـي تـحتلبون. واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعض أهل الـمدينة والبصرة والكوفة { وَفِـيهِ يَعْصِرُونَ } بـالـياء، بـمعنى ما وصفت من قول من قال عصر الأعناب والأدهان. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين «وَفِـيهِ تَعْصِرُونَ» بـالتاء. وقرأه بعضهم «وَفِـيهِ يَعْصَرُونَ» بـمعنى يُـمطرون، وهذه قراءة لا أستـجيز القراءة بها لـخلافها ما علـيه من قرّاء الأمصار. والصواب من القراءة فـي ذلك أن لقارئه الـخيار فـي قراءته بأيّ القراءتـين الأخريـين شاء، إن شاء بـالـياء ردًّا علـى الـخبر به عن الناس، علـى معنى { فِـيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِـيهِ يَعْصِرُونَ } أعْنابهم وأدهانهم. وإن شاء بـالتاء ردًّا علـى قوله{ إلاَّ قَلِـيلاً مِـمَّا تُـحْصِنُونَ } وخطابـاً به لـمن خاطبه بقوله{ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُـمْ لَهُنَّ إلاَّ قَلِـيلاً مِـمَّا تُـحْصِنُونَ } لأنهما قراءتان مستفـيضتان فـي قِرَاءَة الأمصار بـاتفـاق الـمعنى، وإن اختلفت الألفـاظ بهما. وذلك أن الـمخاطبـين بذلك كان لا شكّ أنهم أغيثوا وعصروا أغيث الناس الذين كانوا بناحيتهم وعصروا، وكذلك كانوا إذا أغيث الناس بناحيتهم وعصروا، أغيث الـمخاطبون وعصروا، فهما متفقتا الـمعنى، وإن اختلفت الألفـاظ بقراءة ذلك. وكان بعض من لا علـم له بأقوال السلف من أهل التأويـل مـمن يفسر القرآن برأيه علـى مذهب كلام العرب يوجه معنى قوله { وَفِـيهِ يَعْصِرُونَ } إلـى وفـيه يَنْـجون من الـجدب والقحط بـالغيث، ويزعم أنه من العَصر والعصر التـي بـمعنى الـمنـجاة، من قول أبـي زبـيد الطائي
صَادِياً يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثٍ وَلَقَدْ كانَ عُصْرَةَ الـمَنْـجُودِ
أي الـمقهور، ومن قول لبـيد
فبـاتَ وأسْرَى القَوْمُ آخِرَ لَـيْـلهِمْ وَما كانَ وَقَّافـاً بغَيْرِ مُعَصَّرِ
وذلك تأويـل يكفـي من الشهادة علـى خطئه خلافه قول جميع أهل العلـم من الصحابة والتابعين. وأما القول الذي روى الفَرج بن فضالة عن علـيّ بن أبـي طلـحة، فقول لا معنى له، لأنه خلاف الـمعروف من كلام العرب وخلاف ما يعرف من قول ابن عبـاس رضي الله عنهما.

اسامة محمد خيري
08-11-2018, 04:57
الجزء الثالث عشر

الجوهرة السادسة والسبعون بعد المائة

قال ابن عطية

وقرأ الجمهور: " حيث يشاء " على الإخبار عن يوسف؛ وقرأ ابن كثير وحده " حيث نشاء " بالنون على ضمير المتكلم. أي حيث يشاء الله من تصرف يوسف على اختلاف تصرفه، وحكى أبو حاتم هذه القراءة عن الحسن وشيبة ونافع وأبي جعفر بخلاف عن الثلاثة المدنيين؛ وقال أبو علي: إما أن يكون تقدير هذه القراءة: حيث يشاء من المحاريب والمتعبدات وأحوال الطاعات، فهي قرب يريدها الله ويشاؤها؛ وإما أن يكون معناها: حيث يشاء يوسف، لكن أضاف الله عز وجل المشيئة التي ليوسف إليه من حيث هو عبد من عبيده، وكانت مشيئته بقدرة الله تعالى وقوته كما قال:{ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } [الأنفال: 17].....

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: " لفتيته " وقرأ حمزة والكسائي: " لفتيانه " ، واختلف عن عاصم، ففتيان للكثرة - على مراعاة المأمورين - وفتية للقلة - على مراعاة المتناولين وهم الخدمة - ويكون هذا الوصف للحر والعبد. وفي مصحف ابن مسعود: " وقال لفتيانه " وهو يكايلهم.....

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: " نكتل " بالنون على مراعاة { منع منا } ويقويه:{ ونمير أهلنا ونزداد } [يوسف: 65] وقرأ حمزة والكسائي: " يكتل " بالياء، أي يكتل يامين كما اكتلنا نحن.

وأصل { نكتل } ، وزنه نفتعل. وقوله { منع منا } ظاهره أنهم أشاروا إلى قوله:{ فلا كيل لكم عندي } [يوسف: 60] فهو خوف في المستأنف؛ وقيل: أشاروا إلى بعير بنيامين - الذي لم يمتر - والأول أرجح. ثم تضمنوا له حفظه وحيطته.....

وقوله { ما نبغي } يحتمل أن تكون { ما } استفهاماً، قاله قتادة. و { نبغي } من البغية، أي ما نطلب بعد هذه التكرمة؟ هذا مالنا رد إلينا مع ميرتنا. قال الزجّاج: ويحتمل أن تكون { ما } نافية، أي ما بقي لنا ما نطلب، ويحتمل أيضاً أن تكون نافية، و { نبغي } من البغي، أي ما تعدينا فكذبنا على هذا الملك ولا في وصف إجماله وإكرامه هذه البضاعة مردودة.

وقرأ أبو حيوة " ما تبغي " - بالتاء، على مخاطبة يعقوب، وهي بمعنى: ما تريد وما تطلب؟ قال المهدوي: وروتها عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأت فرقة: " ونَمير " بفتح النون - من مار يمير: إذا جلب الخير، ....

اسامة محمد خيري
08-11-2018, 05:04
الجوهرة السابعة والسبعون بعد المائة

قال ابن عطية

وقرأ جمهور الناس " صُواع " بضم الصاد وبألف، وقرأ أبو حيوة: " صِواع " بكسر الصاد وبألف، وقرأ أبو هريرة ومجاهد " صاع الملك " بفتح الصاد دون واو، وقرأ عبد الله بن عوف: " صُوع " بضم الصاد، وقرأ أبو رجاء " صوْع " وهذه لغة في المكيال - قاله أبو الفتح وغيره - وتؤنث هذه الأسماء وتذكر. وقال أبو عبيد: يؤنث الصاع من حيث سمي سقاية، ويذكر من حيث هو صاع. وقرأ يحيى بن يعمر: " صوغ " بالغين منقوطة - وهذا على أنه الشيء المصوغ للملك على ما روي أنه كان من ذهب أو من فضة، فهو مصدر سمي به، ورويت هذه القراءة عن أبي رجاء. قال أبو حاتم: وقرأ سعيد بن جبير والحسن " صُواغ " بضم الصاد وألف وغين معجمة.....

وقرأ الجمهور " نرفع " على ضمير المعظم و " نشاء " كذلك، وقرأ الحسن وعيسى ويعقوب بالياء، أي الله تعالى: وقرأ أبو عمرو ونافع وأهل المدينة " درجاتِ من " بإضافة الدرجات إلى { من } ، وقرأ عاصم وابن محيصن " درجاتٍ من " بتنوين الدرجات، وقرأ الجمهور، " وفوق كل ذي علم ". وقرأ ابن مسعود " وفوق كل ذي عالم " والمعنى أن البشر في العلم درجات، فكل عالم فلا بد من أعلم منه، فإما من البشر وإما الله عز وجل. وأما على قراءة ابن مسعود فقيل: { ذي } زائدة، وقيل: " عالم " مصدر كالباطل....

قال السمين

قوله تعالى: { فَقَدْ سَرَقَ }: الجمهور على " سَرَق " مخففاً مبيناً للفاعل. وقرأ أحمد بن جبير الأنطاكي وابن أبي شريح عن الكسائي والوليد بن حسان عن يعقوب في آخرين " سُرِّق " مشدداً مبنياً للمفعول أي: نُسِب إلى السَّرِقة. ...

وقال ابن عطية


وقرأ الجمهور " سرقَ " على تحقيق السرقة على بنيامين، بحسب ظاهر الأمر. وقرأ ابن عباس وأبو رزين " سُرِّق " بضم السين وكسر الراء وتشديدها، وكأن هذه القراءة فيها لهم تحر، ولم يقطعوا عليه بسرقة، وإنما أرادوا جعل سارقاً بما ظهر من الحال - ورويت هذه القراءة عن الكسائي - وقرأ الضحاك: " إن ابنك سارقٌ " بالألف وتنوين القاف، ثم تحروا بعد - على القراءتين - في قولهم { وما شهدنا إلا بما علمنا...

وقال السمين

قوله تعالى: { فَتَحَسَّسُواْ }: أي: استقصوا خبره بحواسِّكم، ويكون في الخير والشر. وقيل: بالحاء في الخير، وبالجيم في الشر، ولذلك قال هنا " فتحسَّسُوا " ، وفي الحجرات:{ وَلاَ تَجَسَّسُواْ } [الآية: 12]، وليس كذلك، فإنه قد قرىء بالجيم هنا. وتقدَّم الخلاف في قوله " وَلاَ تَيْأَسُواْ ". وقرأ الأعرج: " تَيْئَسوا ".

والعامَّةُ على " رَوْح اللَّه " بالفتح وهو رحمتُه وتنفيسُه وقرأ الحسن وعمر بن عبد العزيز وقتادة بضم الراء. قال الزمخشري، " أي: مِنْ رحمتِه التي يحيا بها العباد ". وقال ابن عطية: " وكأن معنى هذه القراءة: لا تَيْئَسوا مِنْ حَيٍّ معه رُوح اللَّه الذي وهبه، فإنَّ مَنْ بقي روحُه يُرْجَى، ومِنْ هذا قول الشاعر:
2822 ـ وفي غيرِ مَنْ قدوارَتِ الأرضُ فاطْمَعِ .....................
ومن هذا قول عبيد بن الأبرص:
2823 ـ وكلُّ ذي غَيْبَةٍ يَؤُوْبُ وغائبُ الموتِ لا يَؤُوبُ
وقراءة أُبَيّ رحمه اللَّه: { مِن رَّحْمَةِ ظ±للَّهِ } و { عِنْدِ ظ±للَّهِ } { مِن فَضْلِ ظ±للَّهِ } تفسيرُ لا تلاوة.

وقال أبو البقاء: " الجمهورُ على فتح الراء، وهو مصدر في معنى الرحمة، إلا أنَّ استعمالَ الفعل منه قليل، وإنما يُسْتَعمل بالزيادة مثل أراح ورَوَّح، ويُقرأ بضم الراء وهي لغةٌ فيه. وقيل: هو اسمُ مصدرٍ مثل الشِّرْب والشُّرْب "....

قوله تعالى: { أَإِنَّكَ }: قرأ ابن كثير، إنَّك " بهمزة واحدة والباقون بهمزتين استفهاماً، وقد عَرَفْتَ قراءاتهم في هاتين الهمزتين تخفيفاً وتسهيلاً وغيرَ ذلك. فأمَّا قراءة ابن كثير فيحتمل أن تكون خبراً محضاً، واستُبْعِد هذا مِنْ حيث تخالُفُ القراءتين مع أن القائلَ واحد، وقد أجيب عن ذلك بأنَّ بعضَهم قاله استفهاماً، وبعضهم قاله خبراً، ويحتمل أن تكونَ استفهاماً حُذِفَت منه الأداة لدلالة السياق، والقراءةُ الأخرىظ° عليه. وقد تقدَّم لك نحوٌ من هذا في الأعراف. و " لأَنْتَ " يجوز أن تكونَ " أنت " مبتدأً و " يوسف " خبرُه، والجملةُ خبر " إنَّ " دَخَلَتْ عليها لامُ الابتداء. ويجوز أن يكونَ فصلاً، ولا يجوز أن يكونَ تأكيداً لاسم إنَّ؛ لأنَّ هذه اللامَ لا تَدْخُل على التوكيد.

وقرأ أُبَيّ: " أإنك أو أنت يوسف " ، وفيها وجهان، أحدهما ما قاله أبو الفتح: من أن الأصل أإنك لغيرُ يوسف أو أنت يوسفُ، فحذف خبر " إن " لدلالة المعنى عليه. الثاني ما قاله الزمخشري: وهو إنك يوسفُ أو أنت يوسف " فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، وهذا كلامُ متعجبٍ مُسْتَغْرِبٍ لِما يَسْمع فهو يكرِّر الاستثباتَ "....

وقال الطبري

ورُوي عن ابن مـحيصن أنه قرأ «إنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ» علـى الـخبر، لا علـى الاستفهام. والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا، قراءة من قرأة بـالاستفهام، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه...

قال السمين

قوله: { يَتَّقِ } قرأ قنبل " يَتَّقي " بإثبات الياء وصلاً ووقفاً، والباقون بحذفها فيهما. وأمَّا قراءةُ الجماعة فواضحة لأنه مجزوم. وأما قراءةُ قنبل فاخْتَلَفَ فيها الناسُ على قولين، أجودهما: أنَّ إثباتَ حرفِ العلة في الحركة لغةٌ لبعض العرب، وأنشدوا على ذلك قولَ قيس ابن زهير:
2826 ـ ألم يأتيك والأنباء تَنْمي بما لاقَتْ لَبونُ بني زيادِ
وقول الآخر:
2827 ـ هَجَوْت زَبَّانَ ثم جِئْتَ مُعْتَذِراً مِنْ هَجْوِ زَبَّانَ لم تَهْجُو ولم تَدَعِ
وقول الآخر:
2828 ـ إذا العجوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ ولا تَرَضَّاها ولا تَمَلَّقِ
ومذهبُ سيبويه أنَّ الجزمَ بحذف الحركة المقدرة، وإنما تبعها حرفُ العلة في الحذف تَفْرِقةً بين المرفوع والجزوم. واعتُرض عليه بأنَّ الجازم يُبَيِّن أنه مجزوم، وعَدَمَه يبيَّن أنه غير مجزوم. وأجيب بأنه في بعض الصور يُلْبِس فاطَّرَدَ الحَذْفُ، بيانُه أنك إذا قلت: " زُرْني أعطيك " بثبوت الياء احتمل أن يكون " أعطيك " جزاءً لزيارته، وأن يكونَ خبراً مستأنفاً، فإذا قلت: " أُعْطك " بحذفها تعيَّن أن يكونَ جزاءً له، فقد وقَع اللَّبْسُ بثبوت حرف العلة وفُقِد بحَذْفِه، فيقال: حرفُ العلةُ يُحذف عند الجازم لا به. ومذهب ابن السَّراج أن الجازم أَثرَّ في نفسِ الحرف فحذفه، وفيه البحث المتقدم.

الثاني: أنه مرفوعٌ غير مجزومٍ، و " مَنْ " موصولةٌ والفعل صلتُها، فلذلك لم يَحْذف لامَه. واعْتُرِض على هذا بأنه قد عُطِف عليه مجزومٌ وهو قولُه " ويَصْبِرْ " فإنَّ قنبلاً لم يَقْرأه إلا ساكنَ الراء.

وأجيب عن ذلك بأنَّ التسكين لتوالي الحركات. وإنْ كان من كلمتين كقراءة أبي عمرو:{ يَنصُرْكُمُ } [آل عمران: 160]{ يَأْمُرُكُمْ } [البقرة: 67]. وأُجيب أيضاً بأنه جُزِم على التوهُّم، يعني لَمَّا كانت " مَنْ " الموصولةُ تُشْبه " مَنْ " الشرطية. وهذه عبارةٌ فيها غَلَطٌ على القرآن فينبغي أن يُقال: فيها مراعاةٌ للشبه اللفظي، ولا يقال للتوهُّم. وأجيب أيضاً بأنه سُكِّن للوقف ثم أُجري الوصلُ مُجْرىظ° الوقفِ. وأُجيب أيضاً بأنه إنما جُزم حملاً لـ " مَنْ " الموصولة على " مَنْ " الشرطية؛ لأنها مثلُها في المعنى ولذلك دَخَلَتِ الفاءُ في خبرها.

قلت: وقد يُقال على هذا: يجوز أن تكونَ " مَنْ " شرطيةً، وإنما ثَبَتَت الياءُ، ولم تَجْزِمْ " مَنْ " لشببها بـ " مَنْ " الموصولة، ثم لم يُعْتبر هذا الشبهُ في قوله " ويَصْبر " فلذلك جَزَمَه إلا أنه يَبْعُدُ مِنْ جهة أنَّ العامل لم يؤثِّر فيما بعده، ويليه ويؤثرِّ فيما هو بعيدٌ منه. وقد تقدَّم الكلامُ على مثل هذه المسألة أولَ السورة في قوله{ يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ } [يوسف: 12]....

اسامة محمد خيري
08-11-2018, 05:34
الجوهرة الثامنة والسبعون بعد المائة

قال السمين

والجمهور على جَرِّ " الأرض " عطفاً علىظ° " السماوات " والضمير في " عليها " للآية فيكون " يمرُّون " صفة للآية أو حالاً لتخصُّصها بالوصفِ بالجار. وقيل: يعود الضمير في " عليها " على الأرض فيكون " يمرون " حالاً منها. وقال أبو البقاء: " وقيل منها ومن السماوات " ، أي: تكون الحال من الشيئين جميعاً، وهذا لا يجوز إذ كان يجب أن يقال " عليهما " ، وأيضاً فإنهم لا يَمُرُّون في السماوات،/ إلا أن يُراد: يمرُّون على آياتهما، فيعودُ المعنى إلى عَوْد الضمير للآية. وقد يُجاب عن الأول بأنه مِنْ باب الحذف كقوله تعالىظ°:{ وَظ±للَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } [التوبة: 62].

وقرأ السدِّي " والأرضَ " بالنصب، ووجهُه أنه من باب الاشتغال، ويُفَسَّر الفعلُ بما يوافقه معنى أي: يطؤون الأرض، أو يسلكون الأرضَ يمرون عليها كقولك: " زيداً مررت به ".

وقرأ عكرمة وعمرو بن فائد: " والأرضُ " بالرفع على الابتداء، وخبرُه الجملةُ بعده، والضمير في هاتين القراءتين يعودُ على الأرض فقط....

قوله: { كُذِبُواْ } قرأ الكوفيون " كُذِبوا " بالتخفيف والباقون بالتثقيل. فأمَّا قراءةُ التخفيف فاضطربت أقوالُ الناسِ فيها، ورُوي إنكارها عن عائشة رضي الله عنها قالت: " معاذَ اللَّه لم يكنِ الرسلُ لِتَظُنُّ ذلك بربها " وهذا ينبغي أن لا يَصِحَّ عنها لتواتُرِ هذه القراءة.

وقد وَجَّهها الناسُ بأربعة أوجه، أجودُها: أن الضميرَ في " وظنُّوا " عائدٌ على المُرْسَل إليهم لتقدُّمهم في قوله:{ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ظ±لَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } [يوسف: 109]، ولأن الرسلَ تَسْتدعي مُرْسَلاً إليه. والضمير في " أنهم " و " كُذِبوا " عائد على الرسل، أي: وظنَّ المُرْسَل إليهم أنَّ الرسَلَ قد كُذِبوا، أي: كذَّبهم مَنْ أُرْسِلوا إليه بالوحي وبنصرهم عليهم.

الثاني: أنَّ الضمائرَ الثلاثةَ عائدة على الرسل. قال الزمخشري في تقرير هذا الوجه " حتى إذا اسْتَيْئَسوا من النصر وظنُّوا أنهم قد كُذِبوا، أي: كَذَّبَهم أنفسُهم حين حَدَّثَتْهم أنهم يُنْصَرون أو رجاؤُهم لقولهم رجاءٌ صادق ورجاءٌ كاذب، والمعنىظ°: أن مدَّة التكذيب والعداوةِ من الكفار، وانتظارَ النصر من اللَّه وتأميلَه قد تطاولت عليهم وتمادَتْ، حتىظ° استشعروا القُنوط، وتَوَهَّموا ألاَّ نَصْرَ لهم في الدنيا فجاءهم نَصْرُنا " انتهىظ°/ فقد جعل الفاعلَ المقدر: إمَّا أنفسُهم، وإمَّا رجاؤُهم، وجعل الظنَّ بمعنى التوهم فأخرجه عن معناه الأصلي وهو تَرَجُّحُ أحدِ الطرفين، وعن مجازه وهو استعمالُه في المُتَيَقَّن.

الثالث: أنَّ الضمائرَ كلَّها أيضاً عائدة على الرسل، والظنُّ على بابه من الترجيح، وإلى هذا نحا ابن عباس وابن مسعود وابن جبير، قالوا: والرسل بَشَرٌ فَضَعُفوا وساءَ ظَنُّهم، وهذا ينبغي ألاَّ يَصِحَّ عن هؤلاء فإنها عبارة غليظة على الأنبياء عليهم السلام، وحاشىظ° الأنبياء من ذلك، ولذلك رَدَّتْ عائشة وجماعةُ كثيرة هذا التأويلَ، وأعظموا أن تُنْسَبَ الأنبياء إلى شيء مِن ذلك.

قال الزمخشري: " إن صَحَّ هذا عن ابن عباس فقد أراد بالظنِّ ما يَخْطِر بالبال ويَهْجِس في القلب مِنْ شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية، وأمَّا الظنُّ الذي هو ترجيحُ أحدِ الجائزين على الآخر فغير جائز على رجلٍ من المسلمين، فما بالُ رسلِ اللَّه الذين هم أعرفُ بربهم؟ " قلت: ولا يجوز أيضاً أن يقال: خَطَر ببالهم شبهُ الوسوسة؛ فإنَّ الوسوسة من الشيطان وهم مَعْصومون منه.

وقال الفارسي أيضا: " إنْ ذهب ذاهب إلى أن المعنىظ°: ظنَّ الرسلُ الذين وعد اللَّه أمَمَهم على لسانهم قد كُذِبوا فيه فقد أتى عظيماً [لا يجوزُ أَنْ يُنْسَبُ مثلُه] إلى الأنبياء ولا إلى صالحي عبادِ اللَّه، وكذلك مَنْ زعم أنَّ ابنَ عباس ذهب إلى أن الرسل قد ضَعُفوا فظنوا أنهم قد أُخْلفوا؛ لأن اللَّه تعالى لا يُخْلف الميعاد ولا مُبَدِّل لكلماته ". وقد روي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: " معناه وظنُّوا حين ضَعُفوا وغُلبوا أنهم قد أُخْلفوا ما وعدهم اللَّه به من النصر وقال: كانوا بشراً وتلا قوله تعالى:{ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىظ° يَقُولَ ظ±لرَّسُولُ } [البقرة: 214].

الرابع: أن الضمائر كلَّها تَرْجِعُ إلى المرسَل إليهم، أي: وظَنَّ المُرْسَلُ إليهم أنَّ الرسلَ قد كَذبوهم فيما ادَّعوه من النبوَّة وفيما يُوْعِدون به مَنْ لم يؤمنْ بهم من العقاب قبلُ، وهذا هو المشهور من تأويل ابن عباس وابن مسعود وابن جبير ومجاهد قالوا: ولا يجوز عَوْدُ الضمائر على الرسل لأنهم مَعْصومون. ويُحكى أن ابن جبير حين سُئِل عنها قال: نعم إذا استيئسَ الرسل من قومهم أن يُصَدِّقوهم، وظنَّ المُرْسَلُ إليهم أنَّ الرسلَ قد كَذَبوهم " فقال الضحاك بن مزاحم وكان حاضِراً: " لو رَحَلْتُ في هذه إلى اليمن كان قليلاً ".

وأمَّا قراءةُ التشديدِ فواضحة وهو أن تعودَ الضمائرُ كلها على الرسل، أي: وظنَّ الرسلُ أنهم قد كَذَّبهم أممُهم فيما جاؤوا به لطول البلاءِ عليهم، وفي صحيح البخاري عن عائشة: " أنها قالت: هم أتباعُ الأنبياءِ الذي آمنوا بهم وصَدَّقوا طال عليهم البلاءُ واستأخر عنهم النصرُ حتى إذا استيئس الرسلُ ممَّن كذَّبهم مِنْ قومهم، وظنَّتْ الرسلُ أن قومَهم قد كَذَّبوهم جاءهم نَصْرُ اللَّهِ عند ذلك ". قلت: وبهذا يَتَّحد معنىظ° القراءتين، والظنُّ هنا يجوز أن يكون على بابه، وأن يكونَ بمعنى اليقين وأن يكونَ بمعنى التوهُّم حسبما تقدَّم.

وقرأ ابن عباس والضحاك ومجاهد " كَذَبوا " بالتخفيف مبنياً للفاعل، والضمير علىظ° هذه القراءة في " ظنُّوا " عائد على الأمم وفي { أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } عائدٌ على الرسل، أي: ظنَّ المُرْسَلُ إليهم أنَّ الرسلَ قد كَذَبوهم فيما وعدوهم به من النصر أو من العقاب، ويجوز أن يعودَ الضميرُ في " ظنُّوا " على الرسل وفي { أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } على المُرْسَل [إليهم]، أي: وظنَّ الرسلُ أن الأممَ كَذَبَتْهم فيما وعدوهم به مِنْ أنَّهم يؤمنون به، والظنُّ هنا بمعنى اليقين واضح.

ونقل أبو البقاء أنه قُرِىء مشدَّداً مبنياً للفاعل، وأوَّلَه بأنَّ الرسل ظنُّوا أن الأمم قد كذَّبوهم. وقال الزمخشري: ـ بعد ما حكىظ° قراءة المبني للفاعل ـ " ولو قرىء بهذا مشدَّداً لكان معناه: وظنَّ الرسلُ أنَّ قومَهم كذَّبوهم في موعدهم " فلم يحفظها قراءةً وهي غريبة، وكان قد جَوَّز في القراءة المتقدمة أنَّ الضمائر كلَّها تعود على الرسل، وأن يعودَ الأولُ على المُرْسَل إليهم وما بعده على الرسل فقال: " وقرأ مجاهد " كَذَبوا " بالتخفيف على البناء للفاعل على: وظنَّ الرسلُ أنهم قد كَذَبوا فيما حَدَّثوا به قومهم من النُّصْرة: إمَّا على تأويل ابن عباس، وإمَّا على أنَّ قومهم إذا لم يَرَوا لموعدهم أثراً قالوا لهم: قد كَذَبْتُمونا فيكونون كاذبين عند قومهم أو: وظنَّ المُرْسَلُ إليهم أن الرسلَ قد كَذَبوا ".....

وقال الطبري

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال سمعت أبـا معاذ يقول ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال سمعت الضحاك فـي قوله { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ } يقول استـيأسوا من قومهم أن يجيبوهم، ويؤمنوا بهم، وظنوا يقول وظنّ قوم الرسل أن الرسل قد كذبوهم الـموعد. والقراءة علـى هذا التأويـل الذي ذكرنا فـي قوله { كُذِبُوا } بضم الكاف وتـخفـيف الذال، وذلك أيضاً قراءة بعض قرّاء أهل الـمدينة وعامَّة قرّاء أهل الكوفة. وإنـما اخترنا هذا التأويـل وهذه القراءة، لأن ذلك عقـيب قوله{ وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إلاَّ رِجالاً نُوحِي إلَـيْهِمْ مِنْ أهْل القُرَى أفَلَـم يَسِيرُوا فـي الأرْضِ فَـيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } فكان ذلك دلـيلاً علـى أن إياس الرسل كان من إيـمان قومهم الذين أهلكوا، وأن الـمضمر فـي قوله { وظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } إنـما هو من ذكر الذين من قبلهم من الأمـم الهالكة، وزاد ذلك وضوحاً أيضاً إتبـاع الله فـي سياق الـخبر عن الرسل وأمـمهم قوله { فَنُـجِّيَ مَنْ نَشاءُ } إذ الذين أهلكوا هم الذين ظنوا أن الرسل قد كذبتـم، فكَذَّبُوهم ظنًّا منهم أنهم قد كَذَبُوهم....

وقال ابن عطية

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي " فنُنْجي " - بنونين - من أنجى. وقرأ الحسن: " فننَجي " - النون الثانية مفتوحة، وهو من نجى ينجّي. وقرأ أبو عمرو أيضاً وقتادة " فنجّي " - بنون واحدة وشد الجيم وسكون الياء - فقالت فرقة: إنها كالأولى أدغمت النون الثانية في الجيم؛ ومنع بعضهم أن يكون هذا موضع إدغام لتنافر النون والجيم في الصفات لا في المخارج، وقال: إنما حذفت النون في الكتاب لا في اللفظ وقد حكيت هذه القراءة عن الكسائي ونافع. وقرأ عاصم وابن عامر " فنجيَ " بفتح الياء على وزن فعل. وقرأت فرقة " فننجيَ " - بنونين وفتح الياء - رواها هبيرة عن حفص عن عاصم - وهي غلط من هبيرة. وقرأ ابن محيصن ومجاهد " فنجى " - فعل ماض بتخفيف الجيم وهي قراءة نصر بن عاصم والحسن بن أبي الحسن وابن السميفع وأبي حيوة، قال أبو عمرو الداني: وقرأت لابن محيصن " فنجّى " - بشد الجيم - على معنى فنجى النصر.

اسامة محمد خيري
08-11-2018, 05:47
سورة الرعد

الجوهرة التاسعة والسبعون بعد المائة

قال السمين

قوله: { وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ } قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص بالرفع في الأربعة، والباقون بالخفض. فالرفعُ في { زَرْعٌ وَنَخِيلٌ } للنسقِ على " قِطَعٌ " وفي " صِنْوان " لكونِهِ تابعاً لـ " نخيل " ، و " غيرُ " لعطفِهِ عليه.

وعاب الشيخُ على ابن عطية قولَه " عطفاً على " قطع " قال: " وليسَتْ عبارةً محررةً؛ لأنَّ فيها ما ليس بعطف وهو صِنْوان " قلت: ومثل هذا غيرُ مَعيبٍ لأنه عطفٌ محققٌ، غايةُ ما فيه أنَّ بعضَ ذلك تابعٌ، فلا يُقْدَحُ في هذه العبارة.

والخفضُ مراعاةُ لـ " أعناب ". وقال ابن عطية: " عطفاً على أعناب " ، وعابَها الشيخ بما تقدَّم، وجوابُه ما تقدَّم.

وقد طعنَ قومٌ على هذه القراءة وقالوا: ليس الزرعُ من الجنات، رُوِيَ ذلك عن أبي عمروٍ. وقد أجيب عن ذلك: بأنَّ الجنةَ احتَوَتْ على النخيلِ والأعنابِ والزرعِ كقوله:{ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً } [الكهف: 32]. وقال أبو البقاء: " وقيل: المعنى: ونبات/ زرعٍ فَعَطَفه على المعنى ". قلت: ولا أدري ما هذا الجوابُ؟ لأنَّ الذين يمنع أن تكون الجنةُ من الزرعِ يمنع أن تكونَ من نباتِ الزرع، وأيُّ فرق؟...

وقال ابن عطية

واختلف القراء في قراءة قوله: { أئذا كنا تراباً } فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: " أئذا كنا تراباً أئنا لفي خلق جديد " جميعاً بالاستفهام، غير أن أبا عمرو يمد الهمزة ثم يأتي بالياء ساكنة، وابن كثير يأتي بياء ساكنة بعد الهمزة من غير مد. وقرأ نافع " أئذا كنا " مثل أبي عمرو، واختلف عنه في المد، وقرأ " إنا لفي خلق جديد " مكسورة على الخبر، ووافقه الكسائي في اكتفائه بالاستفهام الأول عن الثاني، غير أنه كان يهمز همزتين، وقرأ عاصم وحمزة " أئذا كنا تراباً أئنا " بهمزتين فيهما. وقرأ ابن عامر " إذا كنا " مكسورة الألف من غير استفهام " ءائنا " يهمز ثم يمد ثم يهمز، فمن قرأ بالاستفهامين فذلك للتأكيد والتحفي والاهتبال بهذا التقدير، ومن استفهم في الأول فقط فإنما القصد بالاستفهام الموضع الثاني، و " إذا " ظرف له، و " إذا " في موضع نصب بفعل مضمر، تقديره: انبعث أو نحشر إذا. ومن استفهم في الثاني فقط فهو بين، - ولا حول ولا قوة إلا بالله -....

وقوله: { من أمر الله } من جعل { يحفظونه } بمعنى يحرسونه كان معنى قوله: { من أمر الله } يراد به " المعقبات " ، فيكون في الآية تقديم وتأخير، أي " له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه، ومن خلفه " قال أبو الفتح: فـ { من أمر الله } في موضع رفع لأنه صفة لمرفوع وهي " المعقبات ".

قال القاضي أبو محمد: ويحتمل هذا التأويل في قوله: { من أمر الله } مع التأويل الأول في { يحفظونه }.

ومن تأول الضمير في { له } عائد على العبد، وجعل " المعقبات " الحرس، وجعل الآية في رؤساء الكافرين - جعل قوله { من أمر الله } بمعنى يحفظونه بزعمه من قدر الله، ويدفعونه في ظنه، عنه، ذلك لجهالته بالله تعالى.

قال القاضي أبو محمد: وبهذا التأويل جعلها المتأول في الكافرين. قال أبو الفتح: فـ { من أمر الله } على هذا في موضع نصب، كقولك حفظت زيداً من الأسد، فمن الأسد معمول لحفظت وقال قتادة: معنى { من أمر الله }: بأمر الله، أي يحفظونه مما أمر الله، وهذا تحكم في التأويل، وقال قوم: المعنى الحفظ من أمر الله، وقد تقدم نحو هذا.

وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وعكرمة وجعفر بن محمد: " يحفظونه بأمر الله ".....

المحال }: القوة والإهلاك، ومنه قول الأعشى: [الخفيف]

فرع نبع يهتز في غصن المجد عظيم الندى شديد المحال
ومنه قول عبد المطلب:

لا يغلبن صليبهم ومحالهم عدواً محالك
وقرأ الأعرج والضحاك " المَحال " بفتح الميم بمعنى المحالة، وهي الحيلة، ومنه قول العرب في مثل: المرء يعجز لا المحالة، وهذا كالاستدراج والمكر ونحوه وهذه استعارات في ذكر الله تعالى، والميم إذا كسرت أصلية، وإذا فتحت زائدة، ويقال: محل الرجل بالرجل إذا مكر به وأخذه بسعاية شديدة....

وقال السمين

قوله: { أَوْ تَحُلُّ } يجوز أن يكونَ فاعلُه ضميرَ الخطاب [أي:] أو تَحُلُّ أنت يا محمدُ، وأن يكونَ ضميرَ القارعة، وهذا أَبْيَنُ، أي: تُصيبهم قارِعَةٌ، أو تَحُلُّ القارعة.

وقرأ ابن جبير ومجاهد " يَحُلُّ " بالياء مِنْ تحتُ، والفاعلُ على ما تقدم: إمَّا ضميرُ القارعة، وإنما ذكَّر الفعلَ لأنها بمعنى العذاب، أو لأن التاءَ للمبالغة، والمرادُ قارِع، وإمَّا ضميرُ الرسول، أتى به غائباً. وقرآ أيضاً " مِنْ ديارهم " وهي واضحة....

وقال ابن عطية

وقرأ الجمهور " زُين " على بناء الفعل للمفعول " مكرُهم " بالرفع، وقرأ مجاهد " زَين " على بنائه للفاعل " مكرَهم " بالنصب، أي زين الله، و { مكرهم }: لفظ يعم أقوالهم وأفعالهم التي كانت بسبيل مناقضة الشرع. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي " وصُدوا " بضم الصاد، وهذا على تعدي الفعل وقرأ الباقون هنا، وفي " صم " المؤمن - بفتحها، وذلك يحتمل أن يكون " صَدوا " أنفسهم أو " صدوا " غيرهم، وقرأ يحيى بن وثاب: " وصِدوا " بكسر الصاد....

اسامة محمد خيري
08-11-2018, 06:07
الجوهرة الثمانون بعد المائة

قال الطبري

{ يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ }


وأولـى الأقوال التـي ذكرت فـي ذلك بتأويـل الآية، وأشبهها بـالصواب، القول الذي ذكرناه عن الـحسن ومـجاهد وذلك أن الله تعالـى ذكره توعد الـمشركين الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات بـالعقوبة وتهدّدهم بها وقال لهم{ وَما كانَ لرَسُولٍ أنْ يَأْتِـيَ بآيَةٍ إلاَّ بإذْنِ اللّهِ لكُلّ أجَلٍ كتابٌ } يعلـمهم بذلك أن لقضائه فـيهم أجلاً مثبتاً فـي كتاب هم مؤخرون إلـى وقت مـجيء ذلك الأجل، ثم قال لهم فإذا جاء ذلك الأجل يجيء الله بـما شاء مـمن قد دنا أجله وانقطع رزقه أو حان هلاكه أو اتضاعه، من رفعة أو هلاك مال، فـيقضي ذلك فـي خـلقه، فذلك مـحوه. ويُثبت ما شاء مـمن بقـي أجله ورزقه وأُكْله، فـيتركه علـى ما هو علـيه فلا يـمـحوه. وبهذا الـمعنى جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ما حدثنـي مـحمد بن سهل بن عسكر، قال ثنا ابن أبـي مريـم، قال ثنا اللـيث بن سعد، عن زيادة بن مـحمد، عن مـحمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبـيد، عن أبـي الدرداء، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنَّ اللّهَ يَفْتَـحُ الذّكْرَ فِـي ثَلاثِ ساعاتٍ يَبْقـينَ منَ اللَّـيْـلِ، فِـي السَّاعَةِ الأُولـى منْهُنَّ يَنْظُرُ فِـي الكتابِ الَّذِي لا يَنْظُرُ فـيهِ أحَدٌ غيرُهُ، فَـيَـمْـحُو ما يَشاءُ ويُثْبتُ " ثم ذكر ما فـي الساعتـين الآخرتـين. حدثنا موسى بن سهل الرملـي، قال ثنا آدم، قال ثنا اللـيث، قال ثنا زيادة بن مـحمد، عن مـحمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبـيد، عن أبـي الدرداء، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنَّ اللّهَ يَنْزِلُ فِـي ثَلاثِ ساعاتٍ يَبْقـيْنَ منَ اللَّـيْـلِ، يَفْتَـحُ الذّكْرَ فِـي السَّاعَةِ الأُولـى الَّذِي لَـمْ يَرَهُ أحَدٌ غيرُهُ، يَـمْـحُو ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ما يَشاءُ ".....

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله { وَيُثْبِتُ } فقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والكوفة «ويُثَبِّتُ» بتشديد البـاء بـمعنى ويتركه ويقره علـى حاله، فلا يـمـحوه. وقرأه بعض الـمكيـين وبعض البصريـين وبعض الكوفـيـين { ويُثْبِتُ } بـالتـخفـيف، بـمعنى يكتب، وقد بـيَّنا قبل أن معنى ذلك عندنا إقراره مكتوبـاً وترك مـحوه علـى ما قد بـيَّنا، فإذا كان ذلك كذلك فـالتثبـيت به أولـى، والتشديد أصوب من التـخفـيف، وإن كان التـخفـيف قد يحتـمل توجيهه فـي الـمعنى إلـى التشديد والتشديد إلـى التـخفـيف، لتقارب معنـيـيهما. وأما الـمـحْو، فإن للعرب فـيه لغتـين فأما مضر فإنها تقول مـحوت الكتاب أمـحوه مـحواً، وبه التنزيـل، ومـحوته أمـحاه مـحواً. وذُكر عن بعض قبـائل ربـيعة أنها تقول مـحيت أَمْـحَى....

قال ابن الجوزى

قوله تعالى: { ومن عنده علم الكتاب } فيه سبعة أقوال:

أحدها: أنهم علماء اليهود والنصارى، رواه العوفي عن ابن عباس.

والثاني: أنه عبد الله بن سلام، قاله الحسن، ومجاهد، وعِكرمة، وابن زيد، وابن السائب، ومُقاتل.

والثالث: أنهم قوم من أهل الكتاب كانوا يشهدون بالحق، منهم عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وتميم الداريّ، قاله قتادة.

والرابع: أنه جبريل عليه السلام، قاله سعيد بن جُبير.

والخامس: أنه علي بن أبي طالب، قاله ابن الحنفية.

والسادس: أنه بنيامين، قاله شمر.

والسابع: أنه الله تعالى، روي عن الحسن، ومجاهد، واختاره الزجاج واحتجَّ له بقراءة من قرأ: «ومِنْ عِندِه عُلِمَ الكتابُ» وهي قراءة ابن السّميفع، وابن أبي عبلة، ومجاهد، وأبي حيوة. ورواية ابن أبي سريج عن الكسائي: «ومِنْ» بكسر الميم «عِندِه» بكسر الدال «عُلِمَ» بضم الميم وكسر اللام وفتح الميم «الكتابُ» بالرفع. وقرأ الحسن «ومِنْ» بكسر الميم «عندِه» بكسر الدال «عِلْمُ» بكسر العين وضمِّ الميم «الكتابِ» مضاف، كأنه قال: أُنزل من عِلم الله عز وجل.

وقال السمين

وقرأ عليٌّ وأُبَيٌّ وابنُ عباس وعكرمة وابن جبير وعبد الرحمن ابن أبي بكرة والضحاك وابن أبي إسحاق ومجاهد في خَلْق كثير { وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ظ±لْكِتَابِ } جعلوا " مِنْ " حرفَ جرّ، و " عندِه " مجرورٌ بها، وهذا الجارُّ هو خبرٌ مقدَّمٌ، و " عِلْم " مبتدأ مؤخر. وقرأ عليٌّ أيضاً والحسن وابن السَّمَيْفع { وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ظ±لْكِتَابِ } يجعلون " مِنْ " جارَّةً، و " عُلِمَ " مبنياً للمفعول، و " الكتابُ " رفعٌ به. وقُرئ كذلك إلاَّ انه بتشديد " عُلِّم ". والضمير في " عنده " على هذه القراءاتِ لله تعالى فقط. وقُرئَ أيضاً " وبمَن " بإعادةِ الباءِ الداخلةِ على الجلالة.

اسامة محمد خيري
08-11-2018, 09:24
سورة ابراهيم

الجوهرة الواحدة و الثمانون بعد المائة

قال ابن عطية

وقرأ نافع وابن عامر " اللهُ الذي " برفع اسم الله على القطع والابتداء وخبره " الذي " ، ويصح رفعه على تقدير هو الله الذي. وقرأ الباقون بكسر الهاء على البدل من قوله: { العزيز الحميد } ، وروى الأصمعي وحده هذه القراءة عن نافع. وعبر بعض الناس عن هذا بأن قال: التقدير: إلى صراط الله العزيز الحميد، ثم قدم الصفات وأبدل منها الموصوف.

قال القاضي أبو محمد: وإذا كانت هكذا فليست بعد بصفات على طريقة صناعة النحو، وإن كانت بالمعنى صفاته، ذكر معها أو لم يذكر......

وقال أبو عبيدة: { مقامي } مجازه، حيث أقيمه بين يدي للحساب، و " الاستفتاح " طلب الحكم، والفتاح: الحاكم، والمعنى: أن الرسل استفتحوا، أي سألوا الله تعالى إنفاذ الحكم بنصرهم وتعذيب الكفرة، وقيل: بل استفتح الكفار، على نحو قول قريش{ عجل لنا قطنا } [ص: 16] وعلى نحو قول أبي جهل في بدر اللهم أقطعنا للرحم وأتانا بما لا يعرف فاحنه الغداة. هذا قول أبي زيد.

وقرأت فرقة " واستفتِحوا " بكسر التاء، على معنى الأمر للرسل، قرأها ابن عباس ومجاهد وابن محيصن.....

وقرأ ابن أبي إسحاق وإبراهيم بن أبي بكر " في يوم عاصف " بإضافة يوم إلى عاصف، وهذا بين، وقرأ السلمي: " ألم تر " بسكون الراء، بمعنى ألم تعلم من رؤية القلب. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: " خلق السماوات " وقرأ حمزة والكسائي " خالق السماوات " فوجه الأولى: أنه فعل قد مضى، فذكر كذلك، ووجه الثانية: أنه كـ{ فاطر السماوات والأرض } [الأنعام: 14 يوسف: 101 إبراهيم: 10 الزمر: 46 الشورى: 11] و{ فالق الإصباح } [الأنعام: 96]....

وقرأ حمزة والأعمش وابن وثاب " بمصرخي " بكسر الياء تشبيهاً لياء الإضمار بهاء الإضمار في قوله: مصرخيه، ورد الزجاج هذه القراءة، وقال ردية مرذولة، وقال فيها القاسم بن معن: إنها صواب، ووجهها أبو علي وحكى أبو حاتم: أن أبا عمرو حسنها، وأنكر أبو حاتم على أبي عمرو.

وقال القرطبي

وقال الفرّاء: قراءة حمزة وَهَمٌ منه، وقَلَّ مَن سلِم منهم عن خطأ. وقال الزجّاج: هذه قراءة رديئة ولا وجه لها إلا وجه ضعيف. وقال قُطْرُب: هذه لغة بني يَرْبُوع يزيدون على ياء الإضافة ياء. القُشَيريّ: والذي يغني عن هذا أن ما يثبت بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز أن يقال فيه هو خطأ أو قبيحٌ أو رديءٌ، بل هو في القرآن فصيح، وفيه ما هو أفصح منه، فلعل هؤلاء أرادوا أن غير هذا الذي قرأ به حمزة أفصح.

وقال السمين

قوله: { بِمُصْرِخِيَّ } العامَّةُ على فتحِ الياءِ؛ لأنَّ الياءَ المدغمَ فيها تُفْتَحُ أبداً لا سيما وقبلها كسرٌ ثانٍ. وقرأ حمزةُ بكسرِها، وهي لغةُ بني يَرْبوع. وقد اضطربت أقوالُ الناس في هذه القراءةِ اضطراباً شديداً: فمِنْ مُجْتَرِئٍ عليها مُلَحِّنٍ لقارئها، ومِنْ مُجَوِّزٍ لها من غير ِ ضعفٍ، ومِنْ مجوِّزٍ لها بضعفٍ.

قال حسين الجعفي: " سألتُ أبا عمروٍ عن كسرِ الياءِ فأجازه ". وهذه الحكايةُ تُحكى عنه بطرقٍ كثيرة، منها ما تقدَّم، ومنها: " سألت أبا عمروٍ وقلت: إن أصحابَ النحوِ يُلْحِّنُوننا فيها فقال: هي جائزة أيضاً، إنما أراد تحريك الياء، فلستَ تبالي إذا حَرَّكْتَها إلى أسفلَ أم إلى فوقُ ". وعنه: مَنْ شاء فتحَ، ومَنْ شاء كسر، ومنها أنه قال: إنها بالخفضِ حسنةٌ. وعنه قال: قَدِم علينا أبو عمرو بن العلاء فسألتُه عن القرآن فوجدْتُه به عالماً، فسألتُه عن شيء [مِنْ] قراءة الأعمش واستشعرتُه { وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ } بالجرِّ فقال: هي جائزةٌ، فلما أجازها وقرأ بها الأعمشُ أَخَذْتُ بها.

وقد أنكر أبو حاتم على أبي عمروٍ تحسينَه لهذه القراءةِ، ولا التفاتَ إليه لأنه عَلَمٌ من اعلامِ القرآن واللغةِ والنحوِ، واطَّلع على ما لم يطَّلع عليه ......

وقال ابن عطية

وقرأ الجمهور " وأُدخلَ " على بناء الفعل للمفعول، وقرأ الحسن: " وأُدخِلُ " على فعل المتكلم، أي يقولها الله عز وجل،...

{ أنداداً } جمع ند وهو المثيل والمشبه المناوىء والمراد الأصنام.

واللام في قوله: { ليضلوا } - بضم الياء - لام كي، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " ليَضلوا " بفتح الياء - أي هم أنفسهم - فاللام - على هذا - لام عاقبة وصيرورة وقرأ الباقون " ليُضلوا " - بضم الياء - أي غيرهم.

وقال السمين

قوله تعالى: { لِّيُضِلُّواْ }: قرأ ابن كثير وأبو عمرو هنا: { وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيَضِلُّواْ } بفتح الياء، والباقون بضمِّها، مِنْ " أَضَلَّه ". واللامُ هي لامُ الجرِّ مضمرةً " أنْ " بعدها، وهي لامُ العاقبةِ لمَّا كان مآلُهم إلى كذلك. ويجوز أن تكونَ للتعليل. وقيل: هي مع فتحِ الياءِ للعاقبةِ فقط، ومع ضمِّها محتملةٌ للوجهين، كأنَّ هذا القائلَ تَوَهَّم أنهم لم يجعلوا الأندادَ لضلالِهم، وليس كما زَعَم؛ لأنَّ منهم مَنْ كفر عناداً، واتخذ الآلهةَ ليضلَّ بنفسِه.

اسامة محمد خيري
08-11-2018, 10:12
الجوهرة الثانية و الثمانون بعد المائة

{ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ }

قال السمين

قوله تعالى: { مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ }: العامَّةُ على إضافةِ " كُلّ " إلى " ما " وفي " مِنْ " قولان، أحدُهما: أنها زائدةٌ في المفعولِ الثاني، أي: كُلِّ ما سألمتموه، وهذا إنما يتأتَّى على قولِ الأخفش. والثاني: أن تكونَ تبعيضيَّةً، أي: آتاكم بعضَ جميعِ ما سالتموه نظراً لكم ولمصالحكم، وعلى هذا فالمفعولُ محذوفٌ، تقديرُه، وآتاكم شيئاً مِنْ كُلِّ ما سألتموه، وهو رأيُ سيبويه.

و " ما " يجوز فيها أن تكونَ موصولةً اسمية أو حرفية أو نكرةً موصوفةً، والمصدرُ واقعٌ موقعَ المفعولِ، أي: مَسْؤولكم. فإن كانت مصدريَّةً فالضميرُ في " سَأَلْتموه " عائدٌ على الله تعالى، وإن كانتْ موصولةً أو موصوفةً كان عائداً عليها، ولا يجوزُ أن يكون عائداً على اللهِ تعالى، وعائدُ الموصولِ أو الموصوفِ محذوفٌ؛ لأنه: إمَّا أن يُقَدَّر متصلاً: سألتموهوه أو منفصلاً: سألتموه إياه، وكلاهما لا يجوز فيه الحَذْفُ لِما قدَّمْتُ لك أولَ البقرةِ في قوله { وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ }.

وقرأ ابنُ عباس ومحمد بن علي وجعفر بن محمد والحسن والضحّاك وعمرو بن فائد وقتادة وسلام ويعقوب ونافع في روايةٍ، { مِّن كُلِّ } منونةً. وفي " ما " على هذه القراءة وجهان، أحدُهما: أنها نافية، وبه بدأ الزمخشري فقال: " وما سأَلْتُموه نفيٌ، ومحلُّه النصبُ على الحال، أي: آتاكم من جميعِ ذلك غيرَ سائِلية ". قلت: ويكون المفعولُ الثاني هو الجارِّ مِنْ قوله " مِنْ كُلٍ " ، كقوله:{ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ } [النمل: 23].

والثاني: أنها موصولةٌ بمعنى الذي، هي المفعول الثاني لآتاكم. وهذا التخريجُ الثاني أَوْلَى، لأنَّ في الأول منافاةً في الظاهر لقراءةِ العامَّة. قال الشيخ: " ولما أحسَّ الزمخشريُّ بظهورِ التنافي بين هذه القراءةِ وبين تلك قال: " ويجوز أن تكونَ " ما " موصولةً على: وآتاكم مِنْ كُلِّ ذلك ما احتجتم إليه، ولم تصلُحْ أحوالُكُم ولا معائِشُكم إلا به، فكأنكم طلبتموه أو سألتموه بلسانِ الحال، فتأوَّل " سَأَلْتموه " بمعنى ما احتجتم إليه

وقال الطبري

والصواب من القول فـي ذلك عندنا، القراءة التـي علـيها قرّاء الأمصار، وذلك إضافة «كل» إلـى «ما» بـمعنى وآتاكم من سؤلكم شيئاً، علـى ما قد بـيَّنا قبل، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها ورفضهم القراءة الأخرى

اسامة محمد خيري
08-11-2018, 10:18
الجوهرة الثالثة و الثمانون بعد المائة

قال القرطبي

وقوله: { تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ } مأخوذ منه. قال ابن عباس ومجاهد: لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند واليهود والنصارى والمجوس، ولكن قال: «مِنَ النَّاسِ» فهم المسلمون؛ فقوله: «تَهْوي إِلَيْهِمْ» أي تحنّ إليهم، وتحنّ إلى زيارة البيت. وقرأ مجاهد «تَهْوَى إِليهِم» أي تهواهم وتجلّهم.

وقال السمين

والعامَّة " تَهْوِي " بكسرِ العين بمعنى: تُسْرِعُ وتَطيرُ شوقاً إليهم. قال:
2897- وإذا رَمَيْتَ به الفِجاجَ رَأَيْتَه يَهْوي مخارمَها هُوِيَّ الأجْدَلِ
وأصلُه أنْ يتعدَّى باللام، كقوله:
2898- حتى إذا ما هَوَتْ كفُّ الغلامِ لها طارَتْ وفي كَفِّه مِنْ ريشِها بِتَكُ
وإنَّما عُدِّي بـ " إلى " لأنه ضُمِّنَ معنى " تميل " ، كقوله:
2899- تَهْوي إلى مكَّةَ تَبْغي الهدى ما مُؤْمِنُ الجِنِّ كأَنْجاسِها
وقرأ أميرُ المؤمنين علي وزيد بن علي ومحمد بن علي وجعفر ابن محمد ومجاهد بفتح الواو، وفيه قولان، أحدُهما: أنَّ " إلى " زائدةٌ، أي: تهواهم. والثاني: أنه ضُمِّنَ معنى تَنْزِعُ وتميل، ومصدرُ الأول على " هُوِيّ " ، كقوله:
2900-................................. يَهْوي مخارِمَها هُوِيَّ الأجْدَل
والثاني على " هَوَى ". وقال أبو البقاء: " معناهما متقاربان إلاَّ أَنَّ هَوَى - يعني بفتح الواو- متعدٍّ بنفسه، وإنما عُدِّيَ بإلى حَمْلاً على تميل ".

وقرأ مسلمة بن عبد الله: " تُهْوَى " بضم التاء وفتح الواو مبنياً للمفعول مِنْ " أهوى " المنقول مِنْ " هَوِيَ " اللازمِ، أي: يُسْرَع بها إلى إليهم.....

قوله تعالى: { وَلِوَالِدَيَّ }: العامَّةُ على " والِدَيَّ " بألفٍ بعد الواو وتشديدِ الياء، وابن جبير كذلك، إلا أنه سَكَّن الياءَ أراد والده وحدّه كقولِه{ وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ } [الشعراء: 86].

وقرأ الحسين بن علي ومحمد وزيد ابنا علي بن الحسين وابن يعمر " ولولدي " دون ألف، تثنية وَلَد، ويعني بهما إسماعيل وإسحاق، وأنكرها الجحدريُّ بأنَّ في مصحف أُبَيّ " ولأبويَّ " فهي مفسِّرةٌ لقراءةِ العامَّة.

ورُوي عن ابنِ يعمر أنَّه قرأ " ولِوُلْدي " بضمِّ الواو وسكونِ الياء، وفيها تأويلان، أحدُهما: أنه جمع " وَلَد " كأُسْد في " أَسَد " ، وأنْ يكونَ لغةً في الوَلَد كالحُزْن والحَزَن، والعَدَم والعُدْم، والبُخْل والبَخَل، وعليه قول الشاعر:
2902- فليتَ زياداً كان في بَطْنِ أمِّه وليت زياداً كان وُلْدَ حمارِ

اسامة محمد خيري
08-11-2018, 10:27
الجوهرة الرابعة و الثمانون بعد المائة

قال ابن عطية

وقرأ السبعة سوى الكسائي: " وإن كان مكرهم لِتزولَ منه الجبال " بكسر اللام من { لتزول } وفتح الأخيرة، وهي قراءة علي بن أبي طالب وجماعة سكنوا وهذا على أن تكون " إن " نافية بمعنى ما، ومعنى الآية: تحقير مكرهم وأنه ما كان لتزول منه الشرائع والنبوات وأقدار الله بها التي هي كالجبال في ثبوتها وقوتها، هذا تأويل الحسن وجماعة من المفسرين، وتحتمل عندي هذه القراءة أن تكون بمعنى تعظيم مكرهم، أي وإن كان شديداً إنما يفعل لتذهب به عظام الأمور.

وقرأ الكسائي: " وإن كان مكرهم لَتزولُ منه الجبال " بفتح اللام الأولى من { لتزول } وضم الأخيرة، وهي قراءة ابن عباس ومجاهد وابن وثاب، وهذا على أن تكون " إن " مخففة من الثقيلة، ومعنى الآية تعظيم مكرهم وشدته، أي أنه مما يشقى به ويزيل الجبال عن مستقراتها لقوته، ولكن الله تعالى أبطله ونصر أولياءه، وهذا أشد في العبرة.

وقرأ علي بن أبي طالب وابن مسعود وعمر بن الخطاب وأبي بن كعب " وإن كاد مكرهم " ، ويترتب مع هذه القراءة في { لتزول } ما تقدم. وذكر أبو حاتم أن في قراءة أبي بن كعب " ولولا كلمة الله لزال من مكرهم الجبال "....

وقال السمين

قوله " لِتَزُولَ " قرأ العامَّةُ بكسر اللام، والكسائيُّ بفتحِها فأمَّا القراءةُ الأولى ففيها ثلاثة أوجه، أحدُها: أنها نافيةٌ واللامُ لامُ الجحودِ؛ لأنها بعد كونٍ منفيّ، وفي " كان " حينئذٍ قولان، أحدُهما: أنها تامَّةٌ، والمعنى: تحقيرُ مَكْرِهم، أنه ما كان لتزولَ منه الشرائع التي كالجبالِ في ثبوتِها وقوتِها. ويؤيد كونَها نافيةً قراءةُ عبد الله: " وما كان مَكْرُهم ". القول الثاني: أنها ناقصةٌ، وفي خبرِها القولان المشهوران بين البصريين والكوفيين: هل هو محذوفٌ واللامُ متعلقةٌ به، وإليه ذهب البصريون، أو هذه اللام وما جَرَّتْه، كما هو مذهبُ الكوفيين، وقد تقرَّر هذا في آخر آل عمران.

الوجه الثاني: أن تكونَ المخففةَ من الثقيلة. قال الزمخشري: " وإنْ عَظُمَ مكرُهم وتبالغَ في الشدَّةِ، فضرب زوالَ الجبالِ منه مثلاً لشدَّته، أي: وإنْ كان مَكْرُهم مُعَدَّاً لذلك ". وقال ابن عطية: " ويحتمل عندي أن يكون معنى هذه القراءةِ: تَعظيمَ مَكْرِهم، أي: وإن كان شديداً، إنما يفعل لتذهب به عظامُ الأمور " فمفهومُ هذين الكلامين أنها مخففةٌ لأنه إثباتٌ.

والثالث: أنها شرطيةٌ، وجوابُها محذوف، أي: وإنْ كان مكرُهم مُعَدَّاً لإِزالةِ أشباهِ الجبال الرواسي، وهي المعجزات والآيات، فالله مجازِيْهم بمكرٍ هو أعظمُ منه. وقد رُجَّح الوجهان الأخيران على الأول وهو أنها نافيةٌ؛ لأن فيه معارضةً لقراءة الكسائي، وذلك أن قراءَته تُؤْذِنُ بالإِثباتِ، وقراءةَ غيره تُؤْذن بالنفي.

وقد أجاب بعضُهم عن ذلك بأنَّ الحالَ في قراءة الكسائي مُشارٌ بها إلى أمورٍ عظام غيرِ الإِسلامِ ومُعجزاتِه كمكرهم صلاحيةَ إزالتها، وفي قراءةِ الجماعةِ مُشارُ بها إلى ما جاء به النبيُّ صلى الله عليه وسلم من الدين الحق، فلا تَعارُضَ، إذ لم يتواردا على معنى واحدٍ نفياً وإثباتاً.

وأمَّا قراءةُ الكسائي ففي " إنْ " وجهان: مذهبُ البصريين، أنها المخففةُ واللام فارقة، ومذهبُ الكوفيين: أنها نافيةٌ واللامُ بمعنى " إلا " ، وقد تقدَّم تحقيقُ المذهبين.

وقرأ عمرُ وعليٌّ وعبد الله وزيد بن علي وأبو سلمة وجماعة " وإن كاد مكرهم لَتزول " كقراءةِ الكسائي إلا أنهم جعلوا مكان نون " كان " دالاًّ فعلَ مقاربة، وتخريجها كما تقدَّم، ولكن الزوالَ غيرُ واقعٍ.

وقُرِء " لَتَزُوْل " بفتح اللامين. وتخريجهما على إشكالها أنها جاءَتْ على لغةِ مَنْ يفتح لام " كي "...

وقال الطبري

والصواب من القراءة عندنا، قراءة من قرأه { وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ } بكسر اللام الأولـى وفتـح الثانـية، بـمعنى وما كان مكرههم لتزول منه الـجبـال. وإنـما قلنا ذلك هو الصواب، لأن اللام الأولـى إذا فُتـحت، فمعنى الكلام وقد كان مكرهم تزول منه الـجبـال، ولو كانت زالت لـم تكن ثابتة، وفـي ثبوتها علـى حالتها ما يبـين عن أنها لـم تزُل. وأخرى إجماع الـحجة من القرّاء علـى ذلك، وفـي ذلك كفـاية عن الاستشهاد علـى صحتها وفساد غيرها بغيره. فإن ظنّ ظانّ أن ذلك لـيس بإجماع من الـحجة إذ كان من الصحابة والتابعين من قرأ ذلك كذلك، فإن الأمر بخلاف ما ظنّ فـي ذلك، وذلك أن الذين قرءوا ذلك بفتـح اللام الأولـى ورفع الثانـية قرءوا { وَإنْ كادَ مَكْرُهُمْ } بـالدال، وهي إذا قرئت كذلك، فـالصحيح من القراءة مع { وَإنْ كادَ } فتـح اللام الأولـى ورفع الثانـية علـى ما قرءوا، وغير جائز عندنا القراءة كذلك، لأن مصاحفنا بخلاف ذلك، وإنـما خطّ مصاحفنا وإن كان بـالنون لا بـالدال.

وإذا كانت كذلك، فغير جائز لأحد تغيـير رسم مصاحف الـمسلـمين، وإذا لـم يجز ذلك لـم يكن الصحاح من القراءة إلاَّ ما علـيه قرّاء الأمصار دون من شذّ بقراءته عنهم. وبنـحو الذي قلنا فـي معنى { وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ } قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك حدثنـي مـحمد بن سعد، قال ثنـي أبـي، قال ثنـي عمي، قال ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله { وَقَدْ مَكَرُوا مَكرهُم وَعِنْدَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ } يقول ما كان مكرهم لتزول منه الـجبـال. حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، قال قال الـحسن، فـي قوله { وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ } ما كان مكرهم لتزول منه الـجبـال. حدثنـي الـمثنى، قال ثنا عمرو بن عون، قال أخبرنا هشيـم، عن عوف، عن الـحسن، قال ما كان مكرهم لتزول منه الـجبـال. حدثنـي الـحرث، قال ثنا القاسم، قال ثنا حجاج، عن هارون، عن يونس وعمرو، عن الـحسن { وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ منْهُ الـجِبـالُ } قالا وكان الـحسن يقول وإن كان مكرهم لأوهن وأضعف من أن تزول منه الـجبـال. قال قال هارون وأخبرنـي يونس، عن الـحسن قال أربع فـي القرآن { وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ } ما كان مكرهم لتزول منه الـجبـال. وقوله{ لاتَّـخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إنْ كُنَّا فـاعِلِـينَ } ما كنا فـاعلـين. وقوله{ إنْ كانَ للرَّحْمَنِ وَلَدٌ فأنا أوَّلُ العابِدِينَ } ما كان للرحمن ولد. وقوله{ وَلَقَدْ مَكَنَّاهُمْ فِـيـما إنْ مَكَّنَّاكُمْ } ما مكناكم فـيه. قال هارون وحدثنـي بهنّ عمرو بن أسبـاط، عن الـحسن، وزاد فـيهنّ واحدة{ فإنْ كُنْتَ فِـي شَكّ } ما كنت فـي شكّ { مِـمَّا أنْزَلْنا إلَـيْكَ }. فـالأولـى من القول بـالصواب فـي تأويـل الآية، إذ كانت القراءة التـي ذكرت هي الصواب لـما بـيَّنا من الدلالة فـي قوله { وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ الله مَكْرُهُمْ وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ } وقد أشرك الذين ظلـموا أنفسهم بربهم وافتروا علـيه فريتهم علـيه، وعند الله علـم شركهم به وافترائهم علـيه، وهو معاقبهم علـى ذلك عقوبتهم التـي هم أهلها، وما كان شركهم وفريتهم علـى الله لتزول منه الـجبـال، بل ما ضرّوا بذلك إلاَّ أنفسهم، ولا عادت بغية مكروهة إلاَّ علـيهم. حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال ثنا وكيع بن الـجرّاح، قال ثنا الأعمش، عن شِمر، عن علـيّ، قال الغدر مكر، والـمكر كفر....

قال القرطبي

. { سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ } أي قمصهم، عن ابن دُرَيد وغيره، واحدها سِربال، والفعل تَسربلتُ وسَربلتُ غيري؛ قال كعب بن مالك:
تَلْقَاكُمُ عَصَبٌ حَوْلَ النَّبِيِّ لَهُمْ مِنْ نَسْجِ دَاودَ في الْهَيْجَا سَرَابِيلُ
«مِن قَطِرَانٍ» يعني قطران الإبل الذي تُهْنَأ به؛ قاله الحسن. وذلك أبلغ لاشتعال النار فيهم. وفي الصحيح: أن النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سِربال من قطران ودِرْع من جَرَب. وروي عن حماد أنهم قالوا: هو النُّحاس. وقرأ عيسى بن عمر: «قَطْرَانٍ» بفتح القاف وتسكين الطاء. وفيه قراءة ثالثة: كسر القاف وجزم الطاء؛ ومنه قول أبي النَّجْم:
جَوْنٌ كَأَنَّ الْعَرَقَ الْمَنْتُوحَا لَبَّسَهُ الْقِطْرَانَ والْمُسُوحَا

وقراءة رابعة: «مِنْ قِطْرٍآنٍ» رويت عن ابن عباس وأبي هُريرة وعِكْرمة وسعيد بن جُبير ويعقوب؛ والقِطْر النحاس والصُّفْر المذاب؛ ومنه قوله تعالى:{ آتُونِيغ¤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً } [الكهف: 96]. والآن: الذي قد ظ±نتهى إلى حَرِّه؛ ومنه قوله تعالى:{ وَبَيْنَ حَمِيمٍ آن } [الرحمن: 44

وقال ابن عطية

وقرأ جمهور الناس " وجوهَهم " بالنصب، " النارُ " بالرفع. وقرأ ابن مسعود " وجوهُهم " بالرفع. " النارَ " بالنصب. فالأولى على نحو قوله:{ والليل إذا يغشى } [الليل: 1] فهي حقيقة الغشيان، والثانية على نحو قول الشاعر: [الكامل]

يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل
فهي بتجوز في الغشيان، كأن ورود الوجوه على النار غشيان.

وقال السمين

وقرأ العامَّة: " لِيُنْذَرُوا " مبنياً للمفعول، وقرأ مجاهد وحميد بن قيس: " ولِتُنْذِرُوا " بتاءٍ مضمومة وكسرِ الذال، كأنَّ البلاغَ للعموم والإِنذار للمخاطبين.

وقرأ يحيى بن عُمارة الذارع عن أبيه، وأحمد بن يزيد بن أسيد السلمي. " ولِيُنْذَرُوا " بفتح الياء والذال مِنْ نَذَر بالشيء، أي: عَلِم به فاستعدَّ له، قالوا: ولم يُعرف له مصدرٌ فهو كَعَسَى وغيرِها من الأفعالِ التي لا مصادرَ لها.

اسامة محمد خيري
08-11-2018, 17:27
الجزء الرابع عشر

الجوهرة الخامسة و الثمانون بعد المائة

قال الطبري

واختلفت القراء فـي قراءة قوله { سُكِّرَتْ } فقرأ أهل الـمدينة والعراق { سُكِّرَتْ } بتشديد الكاف، بـمعنى غُشّيت وغُطّيت، هكذا كان يقول أبو عمرو بن العلاء فـيـما ذُكر لـي عنه. وذُكر عن مـجاهد أنه كان يقرأ «لقَالُوا إنَّـما سُكِّرَتْ» حدثنـي بذلك الـحرث، قال ثنا القاسم، قال سمعت الكسائي يحدّث عن حمزة، عن شبل، عن مـجاهد أنه قرأها «سُكِّرَتْ أبْصَارُنا» خفـيفة. وذهب مـجاهد فـي قراءته ذلك كذلك إلـى حُبست أبصارنا عن الرؤية والنظر من سكور الريح، وذلك سكونها وركودها، يقال منه سكرت الريح إذا سكنت وركدت. وقد حُكي عن أبـي عمرو بن العلاء أنه كان يقول هو مأخوذ من سُكْر الشراب، وأن معناه قد غشَّى أبصارنا السكر. وأما أهل التأويـل فإنهم اختلفوا فـي تأويـله، فقال بعضهم معنى { سُكِّرَتْ } سدّت. ذكر من قال ذلك حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال ثنا أبو عاصم، قال ثنا ورقاء وحدثنا الـحسن بن مـحمد، قال ثنا شبـابة قال ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال ثنا أبو حُذيفة، قال ثنا شبل وحدثنـي الـمثنى، قال أخبرنا إسحاق، قال ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعاً، عن ابن نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله { سُكِّرَتْ أبْصَارُنا } قال سدّت. حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله. حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال ثنا حجاج، يعنـي ابن مـحمد، عن ابن جريج، قال أخبرنـي ابن كثـير قال سدّت. حُدثت عن الـحسين، قال سمعت أبـا معاذ يقول أخبرنا عبـيد، قال سمعت الضحاك يقول، فـي قوله { سُكِّرَتْ أبْصَارُنا } يعنـي سدّت. فكأن مـجاهداً ذهب فـي قوله وتأويـله ذلك بـمعنى سدّت، إلـى أنه بـمعنى منعت النظر، كما يُسكر الـماء فـيـمنع من الـجري بحبسه فـي مكان بـالسكر الذي يسّكر به. وقال آخرون معنى سُكرت أُخذت. ذكر من قال ذلك حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن ابن عبـاس { لقَالُوا إنَّـمَا سُكِّرَتْ أبْصَارُنا } يقول أُخذت أبصارنا.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال ثنـي أبـي، قال ثنـي عمي، قال ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس إنـما أخذ أبصارنا، وشبَّه علـينا، وإنـما سحرنا. حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قتادة { لقَالُوا إنَّـما سُكِّرَتْ أبْصَارُنا } يقول سُحرت أبصارنا يقول أخذت أبصارنا. حدثنـي الـمثنى، قال ثنا إسحاق، قال ثنا عبد الرحمن بن أبـي حماد، قال ثنا شيبـان، عن قتادة، قال من قرأ { سُكِّرَتْ } مشددة يعنـي سدّت. ومن قرأ «سُكِرَتْ» مخففة، فإنه يعنـي سحرت. وكأن هؤلاء وجَّهوا معنى قوله { سُكِّرَتْ } إلـى أن أبصارهم سُحرت، فشبه علـيهم ما يبصرون، فلا يـميزون بـين الصحيح مـما يرون وغيره من قول العرب سُكِّر علـى فلان رأيه إذا اختلط علـيه رأيه فـيـما يريد فلـم يدر الصواب فـيه من غيره، فإذا عزم علـى الرأي قالوا ذهب عنه التسكير. وقال آخرون هو مأخوذ من السكر، ومعناه غشي علـى أبصارنا فلا نبصر،. كما يفعل السكر بصاحبه، فذلك إذا دير به وغشي بصره كالسمادير فلـم يبصر. ذكر من قال ذلك حدثنـي يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد، فـي قوله { إنَّـمَا سُكِّرَتْ أبْصَارُنا } قال سكرت، السكران الذي لا يعقل. وقال آخرون معنى ذلك عميت. ذكر من قال ذلك حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن الكلبـي { سُكِّرَتْ } قال عميت. وأولـى هذه الأقوال بـالصواب عندي قول من قال معنى ذلك أخذت أبصارنا وسحرت، فلا تبصر الشيء علـى ما هو به، وذهب حدّ إبصارنا وانطفأ نوره كما يقال للشيء الـحارّ إذا ذهبت فورته وسكن حدّ حرّة قد سكر يسكر. قال الـمثنى بن جندل الطُّهوي
جاءَ الشِّتاءُ واجْثَأَلَّ القُبَّرُ واستَـخْفَتِ الأفْعَى وكانت تَطبرُ وجَعَلَتْ عينُ الحَرُور تَسْكُرُ
أي تسكن وتذهب وتنطفـىء. وقال ذو الرّمَّة
قَبْلَ انْصِداعِ الفَجْرِ والتَّهَجُّرِ وخَوْضُهُنَّ اللَّـيْـلَ حينَ يَسْكُرُ
يعنـي حين تسكن فورته. وذُكر عن قـيس أنها تقول سكرت الريح تسكر سُكُوراً، بـمعنى سكنت. وإن كان ذلك عنها صحيحاً، فإن معنى سُكِرَت وسُكِّرَتْ بـالتـخفـيف والتشديد متقاربـان، غير أن القراءة التـي لا أستـجيز غيرها فـي القرآن { سُكِّرَتْ } بـالتشديد لإجماع الـحجة من القراءة علـيها، وغير جائز خلافها فـيـما جاءت به مـجمعة علـيه.....

وقال ابن عطية

وقوله: { ننزله } ما كان من المطر ونحوه: فالإنزال فيه متمكن، وما كان من غير ذلك فإيجاده والتمكين من الانتفاع به، إنزال على تجوز.

وقرأ الأعمش: " وما نرسله "......

وقرأ الجمهور " الرياح " بالجمع، وقرأ الكوفيون - حمزة وطلحة بن مصرف والأعمش ويحيى بن وثاب - " الريح " بالإفراد، وهي للجنس، فهي في معنى الجمع، ومثلها الطبري بقولهم: " قميص أخلاق وأرض أغفال ".

قال القاضي أبو محمد: وهذا كله من حيث هو أجزاء كثيرة تجمع صفته، فكذلك ريح لواقع لأنها متفرقة الهبوب، وكذلك: دار بلاقع، أي كل موضع منها بلقع.

وقال الأعمش: إن في قراءة عبد الله " وأرسلنا الرياح يلقحن " ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الريح من نفس الرحمن " ، ومعنى الإضافة هنا هي من إضافة خلق إلى خالق، كما قال:{ من روحي } [الحجر: 29] ومعنى نفس الرحمن: أي من تنفيسه وإزالته الكرائب والشدائد. فمن التنفس بالريح النصر بالصبا وذرو الأرزاق بها، وما لها من الخدمة في الأرزاق وجلب الأمطار وغير ذلك مما يكثر عده....

ومعنى { لأزينن لهم في الأرض } أي الشهوات والمعاصي، والضمير في { لهم } لذرية آدم وإن كان لم يجر لهم ذكر، فالقصة بجملتها حيث وقعت كاملة تتضمنهم، و " الإغواء ": الإضلال، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والحسن والأعرج " المخلَصين " بفتح اللام، أي الذين أخلصتهم أنت لعبادتك وتقواك، وقرأ الجمهور " المخلِصين " بكسر اللام، أي الذين أخلصوا الإيمان بك وبرسلك، ...

اسامة محمد خيري
08-11-2018, 17:38
الجوهرة السادسة و الثمانون بعد المائة

قال ابن الجوزى

قوله تعالى: { قال هذا صراط عليَّ مستقيم } اختلفوا في معنى هذا الكلام على ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه يعني بقوله هذا: الإِخلاصَ، فالمعنى: إِن الإِخلاص طريق إِليَّ مستقيم، و «عليَّ» بمعنى «إِليَّ».

والثاني: هذا طريق عليَّ جَوازه، لأني بالمرصاد، فأجازيهم بأعمالهم؛ وهو خارج مخرج الوعيد، كما تقول للرجل تخاصمه: طريقك عليَّ، فهو كقوله:{ إِن ربك لبالمرصاد } [الفجر 14].

والثالث: هذا صراط عليَّ استقامته، أي: أنا ضامن لاستقامته بالبيان والبرهان.

وقرأ قتادة، ويعقوب: «هذا صراطٌ عَلِيٌّ» بكسر اللام ورفع الياء وتنوينها، أي: رفيع.

قال الطبري

عن مـجاهد، قوله { هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ } قال الـحقّ يرجع إلـى الله وعلـيه طريقه، لا يعرِّج علـى شيء. حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، بنـحوه. حدثنا أحمد بن يوسف، قال ثنا القاسم، قال ثنا مَرْوان بن شجاع، عن خَصِيف، عن زياد بن أبـي مريـم، وعبد الله بن كثـير أنهما قرآها { هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ } وقالا «علـيّ» هي «إلـيّ» وبـمنزلتها. حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن إسماعيـل بن مسلـم، عن الـحسن وسعيد عن قتادة، عن الـحسن { هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ } يقول إلـيّ مستقـيـم. وقرأ ذلك قـيس بن عبـاد وابن سيرين وقتادة فـيـما ذُكر عنهم «هَذَا صِرَاطٌ عَلـيٌّ مُسْتَقِـيـمٌ» برفع «علـيّ»علـى أنه نعت للصراط، بـمعنى رفـيع. ذكر من قال ذلك حدثنـي الـمثنى، قال ثنا إسحاق، قال ثنا ابن أبـي حماد، قال ثنـي جعفر البصري، عن ابن سيرين أنه كان يقرأ { هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ } يعنـي رفـيع. حدثنا بشر، قال ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ } أي رفـيع مستقـيـم. قال بشر، قال يزيد، قال سعيد هكذا نقرؤها نـحن وقتادة. حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال ثنا عبد الوهاب، عن هارون، عن أبـي العوّام، عن قتادة، عن قـيس بن عبـاد { هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ } يقول رفـيع. والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا قراءة من قرأ { هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ } علـى التأويـل الذي ذكرناه عن مـجاهد والـحسن البصري ومن وافقهما علـيه، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها وشذوذ ما خالفها....

وقال السمين

{ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ }

قوله تعالى: { ظ±دْخُلُوهَا }: العامَّةُ على وَصْلِ الهمزةِ من دَخَل يَدْخُل. وقد تقدَّم خلافُ القرِّاء في حركةِ هذا التنوين/ لالتقاء الساكنين في البقرة. وقرأ يعقوب بفتح التنوين وكسرِ الخاء. وتوجيهُها: أنه أمرٌ مِنْ أَدْخَل يُدْخِل، فلمَّا وقع بعد " عيون " ألقى حركة الهمزةِ على التنوين لأنها همزةُ قطع، ثم حذفها. والأمرُ مِنَ الله تعالى للملائكةِ، أي أَدْخِلوها إياهم.

وقرأ الحسن ويعقوب أيضاً " أُدْخِلوها " ماضياً مبنياً للمفعول، إلا أنَّ يعقوبَ ضمَّ التنوين، ووجهُه: أنه أخذه مِنْ أَدْخَلَ رباعياً، فألقى حركَة همزةِ القطع على التنوين، كما ألقى حركةَ المفتوحةِ في قراءتِه الأولى. والحسن كَسَره على أصلِ التقاءِ الساكنين، ووجهُه: أن يكونَ أجرى همزةَ القطعِ مُجْرى همزةِ الوصلِ في الإِسقاط.

وقراءةُ الأمرِ على إضمارِ القول، أي: يُقال لأهل الجنة: ادْخُلوها. أو يُقال للملائكة: أَدْخِلُوها إياهم. وعلى قراءة الإِخبار يكون مستأنفاً مِنْ غيرِ إضمارٍ قولٍ......

وقد تقدَّم الخلافُ في قولِه تعالى: { فَأَسْرِ }: قطعاً ووصلاً في هود. وقرأ اليمانيُّ فيما نقل ابن عطية وصاحب " اللوامح " " فَسِرْ " من السَّيْر. وقرأت فرقةٌ " بقِطَع " بفتح الطاء. وقد تَقَدَّم في يونس: أن الكسائيَّ وابنَ كثير قرآه بالسكون في قوله " قطعاً " ، والباقون بالفتح....

قوله تعالى: { وَإِن كَانَ أَصْحَابُ }: " إنْ " هي المخففةُ واللامُ فارقةٌ، وقد تَقَدَّم حكمُ ذلك. والأَيْكَةُ: الشجرةُ المُلْتَفَّةُ، واحدةُ الأَيْكِ. قال:
2952- تَجْلُوْ بقادِمَتَيْ حَمامةِ أيْكةٍ بَرَداً أُسِفَّ لِثاتُه بالإثْمِدِ
ويقال: لَيْكَة. وسيأتي بيانُ هذا عند اختلافِ القرَّاءِ فيه إن شاء الله تعالى في الشعراء.....

وقال الالوسي

وَظ±لْقُرْآنَ ظ±لْعَظِيمَ } بالنصب عطف على { سَبْعاً } فإن أريد بها الآيات أو السور أو الأمور السبع التي رويت عن زياد فهو من عطف الكل على الجزء بأن يراد بالقرآن مجموع ما بين الدفتين أو من عطف العام على الخاص بأن يراد به المعنى المشترك بين الكل والبعض وفيه دلالة على امتياز الخاص حتى كأنه غيره كما في عكسه وإن أريد بها الأسباع فهو من عطف أحد الوصفين على الآخر كما في قوله:
إلى الملك القرم وابن الهمام
البيت، بناء على أن القرآن في نفسه الأسباع أي ولقد آتيناك ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم، واختار بعضهم تفسير { ظ±لْقُرْءانَ ظ±لْعَظِيمِ } كالسبع المثاني بالفاتحة لما أخرجه البخاري عن أبـي سعيد بن المعلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته " وفي " الكشف " كونهما الفاتحة أوفق لمقتضى المقام لما مر في تخصيص{ ظ±لْكِتَـظ°بِ وَقُرْءانٍ مُّبِينٍ } [الحجر: 1] بالسورة وأشد طباقاً للواقع فلم يكن إذ ذاك قد أوتي صلى الله عليه وسلم القرآن كله اهـ، وأمر العطف معلوم مما قبله. وقرأت فرقة { والقرآن } بالجر عطفاً على { المثاني } ، وأبعد من ذهب إلى أن الواو مقحمة والتقدير سبعاً من المثاني القرآن العظيم....

اسامة محمد خيري
09-11-2018, 10:56
بعد الانتهاء من سورة الحجر

سورة النحل

الجوهرة السابعة و الثمانون بعد المائة

قال ابن عطية


وقرأ الجمهور " فلا تستعجلوه " بالتاء على مخاطبة المؤمنين أو على مخاطبة الكافرين بمعنى قل لهم: " فلا تستعجلوه " ، وقرأ سعيد بن جبير بالياء على غيبة المشركين، وقرأ حمزة والكسائي بالتاء من فوق وجميع الباقين قرأ " يشركون " بالياء، ورجح الطبري القراءة بالتاء من فوق في الحرفين، قال أبو حاتم: قرأ " يشركون " بالياء، من تحت في هذه والتي بعدها الأعرج وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن نصاح والحسن وأبو رجاء، وقرأ عيسى الأولى بالتاء من فوق، والثانية بالياء من تحت، وقرأهما جميعاً بالتاء من فوق أبو العالية وطلحة والأعمش وأبو عبد الرحمن ويحيى بن وثاب والجحدري، وقد روى الأصمعي عن نافع التاء في الأولى....

وقال الطبري

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله تعالـى { عَمَّا يُشْرِكُونَ } فقرأ ذلك أهل الـمدينة وبعض البصريـين والكوفـيـين { عَمَّا يُشْرِكُونَ } بـالـياء علـى الـخبر عن أهل الكفر بـالله وتوجيه للـخطاب بـالاستعجال إلـى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك قرأوا الثانـية بـالـياء. وقرأ ذلك عامَّة قرّاء الكوفة بـالتاء علـى توجيه الـخطاب بقوله { فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ } إلـى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقوله تعالـى «عَمَّا تُشْرِكُونَ» إلـى الـمشركين. والقراءة بـالتاء فـي الـحرفـين جميعاً علـى وجه الـخطاب للـمشركين أولـى بـالصواب لـما بـيَّنت من التأويـل أن ذلك إنـما هو وعيد من الله للـمشركين ابتدأ أوّل الآية بتهديدهم وختـم آخرها بنكير فعلهم واستعظام كفرهم علـى وجه الـخطاب لهم....

وقال السمين

قوله تعالى: { وَمِنْهَا جَآئِرٌ }: { } الضميرُ يعود على السبيل لأنها تُؤَنَّثُ:{ قُلْ هَـظ°ذِهِ سَبِيلِيغ¤ } [يوسف: 108]، أو لأنها في معنى سُبُل، فَأَنَّثَ على معنى الجمع.

والقَصْدُ مصدرٌ يُوصَفُ به فهو بمعنى قاصِد، يُقال: سبيلٌ قَصْدٌ وقاصِدٌ، أي: مستقيم كأنه يَقْصِد الوجهَ الذي يَؤُمُّه السَّالكُ لا يَعْدِل عنه. وقيل: الضمير يعود على الخلائق ويؤيِّده قراءةُ عيسى وما في مصحف عبد الله: " ومنكم جائِزٌ " ، وقراءةُ عليٍّ: " فمنكم جائر " بالفاء.

وقال القرطبي

وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ } أي مُذَلَّلات لمعرفة الأوقات ونضج الثمار والزرع والاهتداء بالنجوم في الظلمات. وقرأ ابن عباس وظ±بن عامر وأهل الشام «والشمسُ والقمرُ والنجومُ مسخراتٌ» بالرفع على الابتداء والخبر. الباقون بالنصب عطفاً على ما قبله. وقرأ حفص عن عاصم برفع «والنجومُ مسخراتٌ» خبره. وقرىء «والشمسَ والقمرَ والنجومَ» بالنصب. عطفاً على الليل والنهار، ورفع النجوم على الابتداء «مسخراتٌ» بالرفع، وهو خبر ابتداء محذوف أي هي مسخرات، وهي في قراءة من نصبها حال مؤكدة؛ كقوله:{ وَهُوَ ظ±لْحَقُّ مُصَدِّقاً } [البقرة: 91]

وقال ابن عطية

يدعون " بياء من تحت على غيبة الكفار، وهي قراءة الحسن بن أبي الحسن، وروى هبيرة عن حفص عن عاصم، كل ذلك بالياء على غيبة الكفار، وروى الكسائي عن أبي بكر عن عاصم كل ذلك بالتاء من فوق، وقرأ الأعمش وأصحاب عبد الله " يعلم الذي تبدون وما تكتمون وتدعون " بالتاء من فوق في الثلاثة...قال القاضي أبو محمد: وعلى قراءة من قرأ " والذين يدعون " فالياء على غيبة الكفار، يجوز أن يراد بالأموات الكفار الذين ضميرهم في " يدعون " ، شبههم بالأموات غير الأحياء من حيث هم ضلال غير مهتدين، ويستقيم على هذا فيهم قوله { وما يشعرون أيان يبعثون }......

وقرأ الجمهور " بنيانهم " ، وقرأت فرقة " بنيتهم " ، وقرأ جعفر بن محمد " بيتهم " ، وقرأ الضحاك " بيوتهم " ، وقرأ الجمهور " السقْف " بسكون القاف، وقرأت فرقة بضم القاف وهي لغة فيه، وقرأ الأعرج " السُّقُف " بضم السين والقاف، وقرأ مجاهد " السُّقْف " بضم السين وسكون القاف،...

اسامة محمد خيري
09-11-2018, 11:18
الجوهرة الثامنة والثمانون بعد المائة

قال السمين

قوله: { لاَ يَهْدِي } قرأ الكوفيون " يَهْدِي " بفتح الياءِ وكسرِ الدالِ، وهذه القراءةُ تحتمل وجهين، أحدُهما: أن يكون الفاعلُ ضميراً عائداً على الله، أي: لا يَهْدِي اللهُ مَنْ يُضِلُّه، فـ " مَنْ " مفعولُ " يَهْدِي " ويؤيده قراءةُ أُبَيّ " فإنَّ اللهَ لا هاديَ لِمَنْ يُضِلُّ، ولِمَنْ أضلَّ " ، وأنه في معنى قولِه:{ مَن يُضْلِلِ ظ±للَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ } [الأعراف: 186].

والثاني: أن يكونَ الموصول هو الفاعلَ، أي: لا يَهْدِيْ المُضِلَّون، و " يَهْدِي " يجيءُ في معنى يهتدي. يقال: هداه فَهَدَى، أي: اهتدى. ويؤيد هذا الوجهَ قراءةُُ عبدِ الله " يَهْدِي " بتشديدِ الدالِ المكسورةِ، فَأَدْغم. ونقل بعضُهم في هذه القراءةِ كسرَ الهاءِ على الإِتباع، وتحقيقُه تقدَّمَ في يونس. والعائدُ على " مَنْ " محذوفٌ: { مَن يُضِلُّ } ، أي: الذي يُضِلُّه اللهُ.

والباقون: " لا يُهْدَى " بضمِّ الياءِ وفتحِ الدالِ مبنياً للمفعول، و " مَنْ " قائمٌ مَقامَ فاعِله، وعائدُه محذوفٌ أيضاً.

وجَوَّز أبو البقاء في " مَنْ " أن يكونَ مبتدأً و " لا يَهْدِي " خبره، يعني: مقدَّمٌ عليه. وهذا خطأٌ؛ لأنه متى كان الخبرُ فعلاً رافعاً لضميرٍ مستترٍ وجب تأخُّرُه نحو: " زيدٌ لا يَضْرِبُ " ، ولو قَدَّمْتَ لالتبس بالفاعل.

وقُرِئ " لا يُهْدِيْ " بضمِّ الياءِ وكسرِ الدالِ. قال ابن عطية: " وهي ضعيفةٌ " قال الشيخ: " وإذا ثَبَتَ أنَّ " هَدَى " لازمٌ بمعنى اهتدى لم تكنْ ضعيفةً؛ لأنه أدخل همزةَ التعديةِ على اللازم، فالمعنى: لا يُجْعَلُ مهتدياً مَنْ أضلَّه اللهُ ".

وقوله: " ومالهم " حُمِلَ على معنى " مَنْ " ، فلذلك جُمِعَ.

وقُرِئ " مَنْ يَضِلُّ " بفتحِ الياءِ مِنْ " ضَلَّ " ، أي: لا يَهْدي مَنْ ضَلَّ بنفسِه.

وقال القرطبي

قراءة ابن عامر والكسائيّ «فيكونَ» نصباً عطفاً على أن نقول. وقال الزجاج: يجوز أن يكون نصباً على جواب «كن». الباقون بالرفع على معنى فهو يكون. وقد مضى القول فيه في «البقرة» مستوفىً. وقال ابن الأنباريّ: أوقع لفظ الشيء على المعلوم عند الله قبل الخلق لأنه بمنزلة ما وجد وشوهد. وفي الآية دليل على أن القرآن غير مخلوق؛ لأنه لو كان قوله: «كن» مخلوقاً لاحتاج إلى قول ثان، والثاني إلى ثالث وتسلسل وكان محالاً. وفيها دليل على أن الله سبحانه مريد لجميع الحوادث كلها خيرها وشرها نفعها وضرها؛

وقال الطبري

اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الـحجاز والـمدينة والبصرة { أو لَـمْ يَرَوْا } بـالـياء علـى الـخبر عن الذين مكروا السيئات. وقرأ ذلك بعض قراء الكوفـيـين «أو لَـمْ تَرَوا» بـالتاء علـى الـخطاب. وأولـى القراءتـين عندي الصواب قراءة من قرأ بـالـياء علـى وجه الـخبر عن الذين مكروا السيئات لأن ذلك فـي سياق قَصَصِهم والـخبر عنهم، ثم عقب ذلك الـخبر عن ذهابهم عن حجة الله علـيهم وتركهم النظر فـي أدلته والاعتبـار بها. فتأويـل الكلام إذن أو لـم ير هؤلاء الذين مكروا السيئات إلـى ما خـلق الله من جسم قائم شجر أو جبل أو غير ذلك

وقال السمين

والجحدريُّ وعيسى قرآ على " هَوان " بزنة " قَذَالٍ " ، وفرقةٌ على " هَوْنٍ " بفتح الهاء، وهي قَلِقَةٌ هنا؛ لأن " الهَوْن " بالفتح الرِّفقُ واللين، ولا يناسب معناه هنا، وأمَّا " الهَوان " فبمعنى هُوْن المضمومة.

اسامة محمد خيري
09-11-2018, 11:59
الجوهرة التاسعة والثمانون بعد المائة

قال ابن عطية

وقرأ السبعة سوى نافع " مفرَطون " بفتح الراء وخفتها، ومعناه مقدمون إلى النار والعذاب، وهي قراءة الحسن والأعرج وأصحاب ابن عباس، وقد رويت عن نافع، وهو مأخوذ من فرط الماء وهم القوم الذين يتقدمون إلى المياه لإصلاح الدلاء والأرشية، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم " أنا فرطكم على الحوض " ومنه قول القطامي:

واستعجلونا وكانوا من صحابتنا كما تعجل فرّاطٌ لورّاد
وقالت فرقة: { مفرطون } معناه مخلفون متركون في النار منسيون فيها، قاله سعيد بن جبير ومجاهد وابن أبي هند، وقال آخرون { مفرطون } معناه مبعدون في النار، وهذا قريب من الذي قبله، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع " مُفَرِّطون " بكسر الراء وتشديدها وفتح الفاء، ومعناه مقصرون في طاعة الله تعالى، وقد روي عنه فتح الراء مع شدها، وقرأ نافع وحده " مُفرِطون " بكسر الراء وخفتها، وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وأبي رجاء وشيبة بن نصاح وأكثر أهل المدينة، أي يتجاوزون الحد في معاصي الله عز وجل.....

وقال السمين

وقرأ نافع وابنُ عامر وأبو بكر " نَسْقيكم " بفتح النون هنا وفي المؤمنين. والباقون بضمَّها فيهما. واختلف الناس: هل سَقَى وأَسْقى لغتان، بمعنىً واحدٍ أم بينهما فرقٌ؟ خلافٌ مشهور. فقيل: هما بمعنىً، وأنشد جمعاً بين اللغتين:
2290- سَقَى قومي بني مَجْدٍ وأسْقَى نُمَيْراً والقبائلَ من هلالِ
دعا للجميع بالسَّقْيِ والخِصْب. و " نُمَيْراً " هو المفعول الثاني: أي: ماءٌ نُمَيْراً. وقال أبو عبيد: " مَنْ سَقَى الشِّفَةِ: سَقَى فقط، ومَنْ سقى الشجرَ والأرضَ. أَسْقَى، وللداعي بالسُّقْيَا وغيرها: أَسْقَى فقط ". وقال الأزهري: " العربُ تقول ما كان من بطونِ الأنعام، ومن السماء، أو نهرٍ يجري، أَسْقَيْتُ، أي: جَعَلْتُ شِرْباً له وجَعَلْتُ له منه سُقْيَا؟، فإذا كان للشَّفَة قالوا: سَقَى، ولم يقولوا: أسقى ".

وقال الفارسي: " سَقَيْتُه ختى رَوِيَ، وأَسْقَيْتُه نهراً، أي: جَعَلْتُه له شِرْباً ". وقيل " سَقاه إذا ناوله الإِناءَ ليشربَ منه، ولا يُقال مِنْ هذا: أَسْقاه.

وقرأ أبو رجاء " يُسْقِيْكم " بضمِّ الياء من أسفلَ وفي فاعلِه وجهان، أحدُهما: هو الله تعالى، الثاني: أنه ضميرُ النَّعَمِ المدلولُ عليه بالأنعامِ، أي: نَعَماً يُجْعَلُ لكم سُقْيا. وقُرئ " تًسْقيكم " بفتح التاء من فوق. قال ابن عطية: " وهي ضعيفةٌ ". قال الشيخ: " وضَعْفُها عنده - والله أعلمُ - أنه أنَّثَ في " تِسْقِيْكم " ، وذَكَّر في قوله { مِّمَّا فِي بُطُونِهِ } ، ولا ضَعْفَ مِنْ هذه الجهةِ؛ لأنَّ التذكيرَ والتأنيثَ باعتبارين ". قلت " وضَعْفُها عنده من حيث المعنى: وهو أنَّ المقصودَ الامتنانُ على الخَلْقِ فنسبةُ السَّقْيِ إلى اللهِ تعالى هو الملائِمُ، لا نِسْبتُه إلى الأنعام.

اسامة محمد خيري
09-11-2018, 12:20
الجوهرة التسعون بعد المائة

قال ابن عطية

وقرأ الجمهور " تسلمون " من الإسلام، وقرأ ابن عباس " تَسلمون " من السلامة، فتكون اللفظة مخصوصة في بأس الحرب.....

وقرأ نافع وابن كثير " يُلحدون " بضم الياء من ألحدَ إذا مال، وهي قراءة أبي عمرو وعاصم وابن عامر وأبي جعفر بن القعقاع، وقرأ حمزة والكسائي " يَلحدون " بفتح الياء من لحد، وهي قراءة عبد الله وطلحة وأبي عبد الرحمن والأعمش ومجاهد، وهما بمعنى، ومنه قول الشاعر: [الرمل]

قدني من نصر الخبيبين قدي ليس أمري بالشحيح الماحد
يريد المائل عن الجود وحال الرياسة، ...

وقرأ الجمهور " من بعد ما فُتِنوا " بضم الفاء وكسر التاء، وقرأ ابن عامر وحده " فَتَنوا " بفتح الفاء والتاء، فإن كان الضمير للمعذبين فيجيء بمعنى فتنوا أنفسهم بما أعطوا للمشركين من القول، كما فعل عمار، وإن كان الضمير للمعذبين فهو بمعنى من بعد ما فتنهم المشركون، وإن كان الضمير للمشركين فهو بمعنى من بعد ما فتنهم الشيطان، والضمير في { بعدها } عائد على الفتنة، أو على الفعلة، أو الهجرة، أو التوبة، والكلام يعطيها، وإن لم يجر لها ذكر صريح....

اسامة محمد خيري
10-11-2018, 05:03
الجزء الخامس عشر

سورة الاسراء

الجوهرة الواحدة والتسعون بعد المائة

قال السمين

قوله: { أَلاَّ تَتَّخِذُواْ } يجوز أَنْ تكون " أَنْ " ناصبةً على حَذْفِ حرفِ العلة، أي: لئلا تتَّخذوا. وقيل: " لا " مزيدةٌ، والتقدير: كراهةَ أَنْ تتخذوا، وأنْ تكونَ المفسرةَ و " لا " ناهيةٌ، فالفعلُ منصوبٌ على الأول مجزومٌ على الثاني، وأَنْ تكونَ مزيدةً عند بعضِهم، والجملةُ التي بعدها معمولةٌ لقولٍ مضمر، أي: مقولاً لهم: لا تتخذوا، أو قلنا لهم: لا تتخذوا، وهذا ظاهرٌ في قراءةِ الخطاب. وهذا مردودٌ بأنه ليس من مواضعِ زيادةِ " أَنْ ".

وقرأ أبو عمروٍ { أَنْ لا يتَّخذوا } بياء الغَيْبة جَرْياً على قوله { لبني إسرائيل } والباقون بالخطاب التفاتاً....


قوله تعالى: { ذُرِّيَّةَ }: العامَّةُ على نصبها وفيها أوجهٌ، أحدُها: أنها منصوبةٌ على الاختصاصِ، وبه بدأ الزمخشري. الثاني: أنَّها منصوبَةً على البدلِ من " وَكِيلاً " ، أي: أن لا تتخذوا من دونِه ذريةَ مَنْ حَمَلْنا. الثالث: أنها منصوبةٌ على البدلِ مِنْ " موسى " ، ذكره أبو البقاء وفيه بُعْدٌ بعيد. الرابع: أنها منصوبةٌ على المفعولِ الأولِ لـ " تتخذوا " ، والثاني هو " وكيلاً " فقُدِّم، ويكون " وكيلاً " ممَّا وقع مفردَ اللفظ والمَعْنِيُّ به جمعٌ، أي: لا تتخذوا ذريةَ مَنْ حَمَلْنا مع نوح وُكَلاءَ كقوله:{ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ظ±لْمَلاَئِكَةَ وَظ±لنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً } [آل عمران: 80].

الخامس: أنها منصوبةٌ على النداء، أي: يا ذريةَ مَنْ حَمَلْنا، وخَصُّوا هذا الوجهَ بقراءة الخطاب في " تتَّخذوا " وهو واضحٌ عليها، إلا أنه لا يَلْزَمُ، وإن كان مكيٌّ قد منع منه فإنه قال: " فأمَّا مَنْ قرأ " يتَّخذوا " بالياء فذريَّةَ مفعولٌ لا غيرَ، ويَبْعُدُ النداءُ؛ لأن الياءَ للغَيْبة والنداءَ للخطابِ، فلا يجتمعان إلا على بُعْدٍ ". وليس كما زعم، إذ يجوزُ أن يُناديَ الإِنسانَ شخصاً ويُخْبِرَ عن آخرَ فيقول: " يا زيدُ ينطلقٌ بكرٌ وفعلتَ كذا " و " يا زيدُ ليفعلْ عمروٌ كيتَ وكيت ".

وقرأت فرقةٌ " ذُرِّيَّةُ " بالرفع، وفيها وجهان، أحدهما: أنها خبرُ مبتدأ مضمرٍ تقديرُه: هو ذريَّةُ، ذكره [أبو] البقاء وليس بواضحٍ. والثاني: أنه بدلٌ من واوِ " تتَّخذوا " قال ابن عطية: " ولا يجوز ذلك في القراءةِ بالتاءِ، لأنك لا تُبْدِلُ من ضميرٍ مخاطب، لو قلت: " ضربْتُك زيداً " على البدل لم يَجُزْ ".

وَرَدَّ عليه الشيخ هذا الإِطلاقَ وقال: " ينبغي التفصيلُ، وهو إن كان بدلَ بعضٍ أو اشتمالٍ جاز، وإن كان كلاًّ مِنْ كل، وأفاد الإِحاطةَ نحو " جئتُمْ كبيرُكم وصغيركم " جَوَّزه الأخفش والكوفيون. قال: " وهو الصحيحُ ". قلت: وتمثيلُ ابنِ عطيةَ بقولِه " ضَرَبْتُكَ زيداً " قد يَدْفع عنه هذا الردَّ.

وقال مكي: " ويجوز الرفعُ في الكلامِ على قراءةِ مَنْ قرأ بالياء على البدلِ من المضمرِ في " يتَّخذوا " ولا يَحْسُنُ ذلك في قراءة التاء؛ لأنَّ المخاطبَ لا يُبْدَلُ منه الغائبُ، ويجوز الخفضُ على البدل من بني إسرائيل ". قلت: أمَّا الرفعُ فقد تقدَّم أنه قرئ به وكأنه ام يَطَّلِعْ عليه، وأمَّا الجرُّ فلم يُقْرَأْ به فيما عَلِمْتُ ويَرِد عليه في قوله " لأنَّ المخاطب لا يُبْدَلُ منه الغائبُ " ما وَرَدَ على ابن عطية، بل أَوْلَى لأنه لم يذكر مثالاً يبيِّن مرادَه كما فعل ابنُ عطية

وقال ابن عطية

وقرأ الناس " فجاسوا " بالجيم، وقرأ أبو السمال " فحاسوا " بالحاء وهما بمعنى الغلبة والدخول قسراً ومنه الحواس، وقيل لأبي السمال إنما القراءة " جاسوا " بالجيم فقال " جاسوا وحاسوا " واحد.

قال القاضي أبو محمد: فهذا يدل على تخير لا على رواية، ولهذا لا تجوز الصلاة بقراءته وقراءة نظرائه، وقرأ الجمهور: " خلال " ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن " خللَ " ونصبه في الوجهين على الظرف،

وقال ابن الجوزى

ليسوؤوا وجوهكم }. قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: «ليسوؤوا» بالياء على الجميع والهمز بين الواوين، والإِشارة إِلى المبعوثين. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم: «ليسوءَ وجوهكم» على التوحيد؛ قال أبو علي: فيه وجهان. أحدهما: ليسوءَ اللهُ عز وجل. والثاني: ليسوء البَعْثُ. وقرأ الكسائي: «لنسوءَ» بالنون، وذلك راجع إِلى الله تعالى....

وقال السمين

قوله تعالى: { وَنُخْرِجُ }: العامَّةُ على " نُخْرِجُ " بنونِ العظمة مضارع " اَخْرَجَ " ، و " كتاباً " فيه وجهان، أحدهما: أنه مفعولٌ به والثاني: أنه منصوبٌ على الحالِ من المفعول المحذوف، إذ التقديرُ: ونُخْرِجُه إليه كتاباً، ونُخْرِجُ الطائرَ.

ورُوِي عن أبي جعفر: " ويُخْرَجُ " مبنيَّاً للمفعول، " كتاباً " نصبٌ على الحال، والقائمُ مَقامَ الفاعلِ ضميرُ الطائرِ، وعنه أنَّه رَفَع " كتاباً ". وخُرِّج على أنَّه مرفوعٌ بالفعلِ المبنيِّ للمفعول، والأولى قراءة قلقةٌ.

وقرأ الحسن: " ويَخْرُجُ " بفتحِ الياءِ وضمِّ الراءِ مضارعَ " خَرَجَ " ، " كتابٌ " فاعلٌ به، وابن محيصن ومجاهد كذلك، إلا أنهما نَصَبا " كتاباً " على الحال، والفاعلُ ضميرُ الطائرِ، أي: ويَخْرُجُ له طائرُه في هذه الحالِ. وقرئ " ويُخْرِجُ " بضمِّ الياء وكسرِ الراء مضارعَ " اَخْرَجَ " ، والفاعلُ ضميرُ الباري تعالى، " كتاباً " مفعولٌ.

قوله: " يَلْقَاْه " صفةٌ لـ " كتاباً " ، و " مَنْشُوراً " حالٌ من هاء " يَلْقاه ". وجوَّز الزمخشري والشيخ وأبو البقاء أن يكونَ نعتاً لكتاب. وفيه نظرٌ: من حيث إنه يَلْزَمُ تقدُّم الصفةِ غير الصريحة على الصريحةِ، وقد تقدَّم ما فيه.

وقرأ ابنُ عامر " يُلَقَّاه " بضمِّ الياء وفتح اللام وتشديد القاف، مضارعَ " لَقَّى " بالتشديد، والباقون: بالفتح والسكونِ والتخفيف مضارع لَقِي.

اسامة محمد خيري
10-11-2018, 05:18
الجوهرة الثانية والتسعون بعد المائة

قال السمين

قوله تعالى: { أَمَرْنَا }: قرأ العامَّةُ بالقصرِ والتخفيفِ وفيه وجهان، أحدُهما: أنه من الأمرِ الذي هو ضِدُّ النهيِ. ثم اختلف القائلون بذلك في متعلَّق هذا الأمرِ: فعن ابن عباس في آخرين: أنه أَمَرْناهم بالطاعةِ فَفَسَقُوا، وقد ردَّ هذا الزمخشريُّ رداً شديداً وأنكره إنكاراً بليغاً في كلامٍ طويلٍ، حاصلُه: أنه حَذْفُ ما لا دليلَ عليه، وقدَّر هو متعلِّق الأمرِ: الفسق، أي: أَمَرْناهم بالفسق قال: " أي: أَمَرْناهم بالفِسْق، فعملوا، والأمرُ مجازٌ؛ لأنَّ حقيقةَ أمرِهم بالفسقِ أَنْ يقول لهم: افْسُقوا، وهذا لا يكونُ، فبقي أن يكونَ مجازاً. ووجهُ المجازِ: أنه صَبَّ عليهم النعمة صَبَّاً، فجعلوها ذريعةً إلى المعاصي واتِّباع الشهوات، فكأنهم مَأمورون بذلك لِتَسَبُّبِ إيلاءِ النِّعْمَةِ فيه، وإنما خَوَّلهم فيها ليشكروا ".

ثم قال: " فإنْ قلت: فهلاَّ زَعَمْتَ أنَّ معناه: أَمَرْناهم بالطاعةِ ففسَقُوا. قلت: لأنَّ حَذْفَ ما لا دليلَ عليه غيرُ جائزٍ، فكيف حَذْفُ ما الدليلُ قائمٌ على نَقِيضِه؟ وذلك أنَّ المأمورَ به إنما حُذِفَ لأنَّ " فَفَسَقُوا " يدلُّ عليه، وهو كلامٌ مستفيضٌ يقال: " أَمَرْتُه فَقام " ، و " أَمَرْتُه فَقَرأ " ، لا يُفهم منه إلا أنَّ المأمورَ به قيامُ أو قراءةُ، ولو ذَهَبْتَ تُقَدِّر غيرَه رُمْتَ مِنْ مخاطَبِك عِلْمَ الغيبِ، ولا يَلْزَمُ [على] هذا قولُهم: و " أَمَرْتُه فعصاني " أو " فلم يمتثلْ " لأنَّ ذلك منافٍ للأمرِ مناقِضٌ له، ولا يكونُ ما يناقض الأمرَ مأموراً به، فكان محالاً أن يُقْصَدَ أصلاً حتى يُجْعَلَ دالاًّ على المأمورِ به، فكان المأمورُ به في هذا الكلامِ غيرَ مَنْوِيٍّ ولا مُرادٍ؛ لأن مَنْ يتكلمُ بهذا الكلامِ لا يَنْوي لآمرهِ مأموراً به، فكأنه يقول: كان مني أَمْرٌ فكان منه طاعةٌ، كما أنَّ مَنْ يقول: [ " فلان] يبأمرُ ويَنْهى ويعطي ويمنع " لا يَقْصِدُ مفعولاً. فإن قلت: هلاَّ كان ثبوتُ العلمِ بأنَّ اللهَ لا يأمرُ بالفحشاء دليلاً على أنَّ المراد: أَمَرْناهم بالخيرِ، قلت: لأنَّ قوله " فَفَسَقوا " يدافعه، فكأنَّك أظهَرْتَ شيئاً وأنت تُضْمِرُ خلافَه، ونظيرُ " أمر ": " شاء " في أنَّ مفعولَه استفاضَ حَذْفُ مفعولِه لدلالةِ ما بعدَه عليه. تقول: لو شاءَ لأحسنَ إليك، ولو شاءَ لأساءَ إليك، تريد: لو شاء الإِحسانَ، ولو شاء الإِساءةَ، ولو ذَهَبْتَ تُضْمِرُ خلافَ ما أظهرْتَ، وقلت: قد دَلَّتْ حالُ مَنْ أُسْنِدَتْ إليه المشيئةُ أنه من أهلِ الإِحسان أو من أهلِ الإِساءةِ فاتركِ الظاهرَ المنطوقَ وأَضْمِرْ ما دَلَّتْ عليه حالُ المسندِ إليه المشيئةُ، لم تكنْ على سَدادٍ ".

وتَتَبَّعه الشيخُ في هذا فقال: " أمَّا ما ارتكبه من المجاز فبعيدٌ جداً، وأمَّا قولُه: " لأنَّ حَذْفَ ما لا دليلَ عليه غيرُ جائزٍ " فتعليلٌ لا يَصِحُّ فيما نحن بسبيلِه، بل ثَمَّ ما يَدُلُّ على حَذْفِه.

وقوله: " فكيف يُحْذَفُ ما الدليلُ على نقيضِه قائمٌ " إلى " عِلْم/ الغيب " فنقول: حَذْفُ الشيءِ تارةً يكونُ لدلالةِ موافِقِه عليه، ومنه ما مَثَّل به في قولِه " أَمَرْتُه فقامَ " ، وتارة يكونُ لدلالةِ خِلافِه أو ضدِّه أو نقيضِه كقولِه تعالى:{ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ظ±لَّيْلِ وَظ±لنَّهَارِ } [الأنعام: 13]، أي: ما سَكَنَ وتحرَّك، وقوله:{ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ظ±لْحَرَّ } [النحل: 81]، أي: والبردَ، وقول الشاعر:
3041- وما أَدْرِيْ إذا يَمَّمْتُ أرْضاً أريدُ الخيرَ ايُّهما يَلِينْي
أالخيرُ الذي أنا أَبْتَغِيْهِ أم الشرُّ الذي هو يَبْتَغيني
أي: وأَجْتَنِبُ الشرَّ، وتقول: " أَمَرْتُه فلم يُحْسِنْ " فليس المعنى: أمرتُه بعدم الإِحسانِ، بل المعنى: أَمَرْتُه بالإِحسانِ فلم يُحْسِنْ، والآيةُ من هذا القبيل، يُستدلُّ على حذف النقيض بنقيضه كما يُسْتَدَلُ على حَذْفِ النظير بنظيره، وكذلك " أَمَرْتُه فأساء إليَّ " ليس المعنى: أَمَرْتُه بالإِساءة بل أَمَرْتُه بالإِحسان. وقوله: " ولا يَلْزم هذا قولَهم: " أَمَرْتُه فعصاني ". نقول: بل يَلْزَمُ. وقوله: " لأنَّ ذلك منافٍ " ، أي: لأنَّ العِصْيانَ منافٍ. وهو كلامٌ صحيح. وقوله: " فكان المأمورُ به غيرَ مدلولٍ عليه ولا مَنْويٌّ " لا يُسَلَّم بل مَدْلُولٌ عليه ومنوِيٌّ لا دلالةُ الموافقِ بل دلالةُ المناقِض، كما بَيَّنَّا. وقوله: " لا يَنْوِي مأموراً به " لا يُسَلَّم. وقوله: " لأنَّ فَفَسَقُوا يدافعُه، إلى آخره " قلنا: نعم نَوَى شيئاً ويُظهِرُ خلافَه، " لأنَّ نقيضَه يَدُلُّ عليه. وقولُه: " ونظيرُ " أمر " " شاء " ليس نظيرَه؛ لأنَّ مفعولَ " أمر " كَثُر التصريحُ به. قال الله [تعالى]:{ إِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِظ±لْفَحْشَآءِ } [الأعراف: 28]{ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوغ¤اْ إِلاَّ إِيَّاهُ } [يوسف: 40]{ يَأْمُرُ بِظ±لْعَدْلِ } [النحل: 67]{ أَمَرَ رَبِّي بِظ±لْقِسْطِ } [الأعراف: 29]{ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـظ°ذَآ } [الطور: 32]وقال الشاعر:
3042- أَمَرْتُك الخيرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ به ...............................
قلت: والشيخُ رَدَّ عليه رَدَّ مُسْتَريحٍ من النظرِ، ولولا خَوفُ السآمةِ على الناظرِ لكان للنظرِ في كلامهما مجالٌ.

والوجه الثاني: أنَّ " أَمَرْنا " بمعنى كَثَّرْنا، ولم يَرْتَضِ الزمخشريُّ في ظاهرِ عبارتِه فإنَّه قال: " وفسَّرَ بعضُهم " أَمَرْنا " بـ " كَثَّرْنا " ، وجَعَلَه من بابِ: فَعَّلْتُه فَفَعَلَ، كَثَبَّرْتُه فَثَبَر. وفي الحديثِ: " خَيْرُ المالِ سِكَّةٌ مأْبُوْرة ومُهْرَةٌ مَأْمورة " ، أي: كثيرةُ النِّتاج ". قلت: وقد حكى أبو حاتم هذه اللغةَ، يقال: أَمِر القومُ، وأَمَرهم اللهُ، ونقله الواحديُّ أيضاً عن أهل اللغة، وقال أبو علي: " الجيِّد في " أَمَرْنا " أن يكونَ بمعنى كَثَّرْنا ".

واستدل أبو عبيدة بما جاء في الحديثِ فذكره. يقال: أَمَرَ اللهُ المُهْرَة، أي: كَثَّر ولدَها. قال " ومَن أنكر " أمرَ اللهُ القومَ " أي: كَثَّرهم لم يُلتفَتْ إليه لثبوتِ ذلك لغةً

ويكون ممَّا لَزِمَ وتعدَّى بالحركةِ المختلفةِ؛ إذ يُقال: أَمِر القومُ كَثُروا، وأَمَرَهم الله كثَّرهم، وهو من بابِ المطاوعة: أَمَرهم الله فَأْتَمَروا كقولِك: شَتَرَ اللهُ عَيْنَه فَشَتِرَتْ، وجَدَعَ اَنْفَه فَجَدِع، وثَلَمَ سِنَّه فَثَلِمَتْ.

وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر وعكرمةُ: " أَمِرْنا " بكسر الميم بمعنى " أَمَرْنا " بالفتح. حكى أبو حاتم عن أبي زيد أنه يُقال: " أَمَرَ اللهُ مالَه، وأَمِرَه " بفتح الميم وكسرِها، وقد رَدَّ الفراء هذه القراءةَ، ولا يُلْتَفَتُ لِرَدِّه لثبوتِها لغةً بنَقْلِ العُدولِ، وقد نَقَلها قراءةً عن ابن عباس أبو جعفر وأبو الفضل الرازي في " لوامِحه " فكيف تُرَدُّ؟

وقرأ عليُّ بن أبي طالب وابنُ أبي إسحاق وأبو رجاء في آخرين " آمَرْنا " بالمَدِّ، ورُوِيَتْ هذه قراءةً عن ابنِ كثير وأبي عمرو وعاصم ونافعٍ، واختارها يعقوبُ، والهمزةُ فيه للتعديةِ؟

وقرأ عليٌّ أيضاً وابنُ عباس وأبو عثمان النهدي: " أمَّرْنا " بالتشديد. وفيه وجهان، أحدهما: أنَّ التضعيفَ للتعديةِ، عدَّاه تارةً بالهمزة وأخرى بتضعيفِ العين، كأَخْرَجْته وخَرَّجته. والثاني: أنه بمعنى جعلناهم أُمَراءَ، واللازمُ من ذلك " أُمِّر ". قال الفارسيُّ، " لا وجهَ لكون " أَمَّرْنا " / من الإِمارة؛ لأنَّ رئاستَهم لا تكونُ إلاَّ لواحدٍ بَعْدَ واحدٍ، والإِهلاكُ إنما يكون في مُدَّة واحدة ". وقد رُدَّ على الفارسي: بأنَّا لا نُسَلِّم أن الأميرَ هوالمَلِك حتى يَلْزَمَ ما قلتُ، لأنَّ الأميرُ عند العرب مَنْ يَأْمُرُ ويُؤْتَمَرُ به. ولَئِنْ سُلِّم ذلك لا يلزم ما قال؛ لأنَّ المُتْرَفَ إذا مَلَكَ فَفَسَق ثم آخرَ بعده فَفَسَق، ثم كذلك كَثُر الفسادُ، ونزل بهم على الآخِر مِنْ ملوكهم.

وقال ابن عطية

وقرأ الجمهور " أمَرنا " على صيغة الماضي من أمر ضد نهى، وقرأ نافع، وابن كثير في بعض ما روي عنهما، " آمرنا " بمد الهمزة بمعنى كثرنا، ورويت عن الحسن، وهي قراءة علي بن أبي طالب وابن عباس بخلاف عنه وعن الأعرج، وقرأ بها ابن إسحاق، تقول العرب: أمر القوم إذا كثروا، وآمرهم الله بتعدي الهمزة وقرأ أبو عمرو بخلاف: " أمّرنا " بتشديد الميم، وهي قراءة أبي عثمان النهدي وأبي العالية وابن عباس، ورويت عن علي بن أبي طالب، وقال الطبري،: القراءة الأولى معناها أمرناهم بالطاعة فعصوا وفسقوا فيها وهو قول ابن عباس وابن جبير، والثانية معناها كثرناهم، والثالثة هي من الإمارة أي ملكناهم على الناس، ....

وقال الطبري

وأولـى القراءات فـي ذلك عندي بـالصواب قراءة من قرأه { أمَرْنا مُتْرَفِـيها } بقصر الألف من أمرنا وتـخفـيف الـميـم منها، لإجماع الـحجة من القرّاء علـى تصويبها دون غيرها.

وإذا كان ذلك هو الأولـى بـالصواب بـالقراءة، فأولـى التأويلات به تأويـل من تأوّله أمرنا أهلها بـالطاعة فعصوا وفسقوا فـيها، فحقّ علـيهم القول لأن الأغلب من معنى أمرنا الأمر، الذي هو خلاف النهي دون غيره، وتوجيه معانـي كلام الله جلّ ثناؤه إلـى الأشهر الأعرف من معانـيه، أولـى ما وجد إلـيه سبـيـل من غيره.

اسامة محمد خيري
10-11-2018, 05:26
الجوهرة الثالثة والتسعون بعد المائة

قال الالوسي

مَا نَشَاء } أي ما نشاء تعجيله له من نعيمها لا كل ما يريد. { لِمَن نُّرِيدُ } تعجيل ما نشاء له، وقال أبو إسحاق الفزاري: أي لمن نريد هلكته ولا يدل عليه لفظ في الآية.

والجار والمجرور بدل من الجار والمجرور السابق أعني { له } فلا يحتاج إلى رابط لأنه في بدل المفردات أو المجرور بدل من الضمير المجرور بإعادة العامل وتقديره لمن نريد تعجيله له منهم، والضمير راجع إلى { من } وهي موصولة أو شرطية وعلى التقديرين هي منبئة عن الكثرة فهو بدل بعض من كل.

وعن نافع أنه قرأ { مَا يَشَاء } بالياء فقيل الضمير فيه لله تعالى فيتطابق القراءتان، وقيل هو لمن فيكون مخصوصاً بمن أراد الله تعالى به ذلك كنمروذ وفرعون ممن ساعده الله تعالى على ما أراده استدراجاً له. واستظهر هذا بأنه يلزم أن يكون على الأول التفات ووقوع الالتفات في جملة واحدة إن لم يكن ممنوعاً فغير مستحسن كما فصله في «عروس الأفراح». وتقييد المعجل والمعجل له بما ذكر من المشيئة والإرادة لما أن الحكمة التي يدور عليها فلك التكوين لا تقتضي وصول كل طالب إلى مرامه ولا استيفاء كل واصل لما يطلبه بتمامه. وليس المراد بأعمالهم في قوله تعالى:{ مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ } [هود: 15] أعمال كلهم ولا كل أعمالهم، وقد تقدم الكلام في ذلك فتذكر. وذكر المشيئة في أحدهما والإرادة في الآخر إن قيل بترادفهما تفنن.....

وقال ابن عطية

وقضى ربك } أمره { ألا تعبدوا إلا إياه } وليس في هذه الألفاظ الأمر بالاقتصار على عبادة الله فذلك هو المقضي لا نفس العبادة، وقضى في كلام العرب أتم المقضي محكماً، والمقضي هنا هو الأمر، وفي مصحف ابن مسعود " ووصى ربك " وهي قراءة أصحابه، وقراءة ابن عباس والنخعي وسعيد بن جبير وميمون ابن مهران وكذلك عند أبي بن كعب، وقال الضحاك تصحف على قوم وصى بـ " قضى " حين اختلطت الواو بالصاد وقت كتب المصحف.

قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف وإنما القراءة مروية بسند، وقد ذكر أبو حاتم عن ابن عباس مثل قول الضحاك، وقال عن ميمون بن مهران: إنه قال إن على قول ابن عباس لنوراً، قال الله تعالى{ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك } [الشورى: 13] ثم ضعف أبو حاتم أن يكون ابن عباس قال ذلك، وقال لو قلنا هذا لطعن الزنادقة في مصحفنا، ...

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر وعاصم وابن عامر " يبلغنّ " ، وروي عن ابن ذكوان " يبلغنَ " بتخفيف النون، وقرأ حمزة والكسائي " يبلغان " وهي قراءة أبي عبد الرحمن ويحيى وطلحة والأعمش والجحدري، وهي النون الثقيلة دخلت مؤكدة وليست بنون تثنية فعلى القراءتين الأوليين يكون قوله { أحدهما } فاعلاً، وقوله { أو كلاهما } معطوفاً عليه، وعلى هذه القراءة الثانية يكون قوله { أحدهما } بدلاً من الضمير في يبلغان وهو بدل مقسم كقول الشاعر: [الطويل]

وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشلَّت
ويجوز أن يكون { أحدهما } فاعلاً وقوله { أو كلاهما } عطف عليه ويكون ذلك على لغة من قال أكلوني البراغيث، وقد ذكر هذا في هذه الآية بعض النحويين وسيبويه لا يرى لهذه اللغة مدخلاً في القرآن...

وقرأ الجمهور " خِطْئاً " بكسر الخاء وسكون الطاء وبالهمز والقصر، وقرأ ابن عامر " خطئاً " بفتح الخاء والطاء والهمزة مقصورة، وهي قراءة أبي جعفر، وهاتان قراءتان مأخوذتان من خطىء إذا أتى الذنب على عمد، فهي كحذر وحذر ومثل ومثل وشبه وشبه اسم ومصدر، ومنه قول الشاعر: [البسيط]

الخطء فاحشة والبر نافلة كعجوة غرست في الأرض تؤتبر
قال الزجاج يقال خطىء الرجل يخطأ خطأً مثل أثم إثماً فهذا هو المصدر وخطأ اسم منه، وقال بعض العلماء خطىء معناه واقع الذنب عامداً، ومنه قوله تعالى:{ لا يأكله إلا الخاطئون } [الحاقة: 37]، وأخطأ واقع الذنب عن غير تعمد، ومنه قوله تعالى:{ إن نسينا أو أخطأنا } [البقرة: 286]، وقال أبو علي الفارسي: وقد يقع هذا موضع هذا، وهذا موضع هذا، فأخطأ بمعنى تعمد في قول الشاعر: [الوافر]

عبادك يخطئون وأنت رب كريم لا يليق بك الذموم
وخطىء بمعنى لم يتعمد في قول الآخر: [الكامل]

والناس يلحون الأمير إذا همُ خطئوا الصواب ولا يلام المرشد
وقد روي عن ابن عامر " خَطأً " بفتح الخاء وسكون الطاء وهمزة، وقرأ ابن كثير " خِطَاء " بكسر الخاء وفتح الطاء ومد الهمزة، وهي قراءة الأعرج بخلاف، وطلحة وشبل والأعمش وعيسى وخالد بن إياس وقتادة والحسن بخلاف عنه، قال النحاس ولا أعرف لهذه القراءة وجهاً، وكذلك جعلها أبو حاتم غلطاً. قال أبو علي الفارسي: هي مصدر من خاطأ يخاطىء وإن كنا لم نجد خاطَأ ولا كنا وجدنا تخاطأ وهو مطاوع خاطأ، فدلنا عليه، فمنه قول الشاعر: [المتقارب]

تخاطأت النبْل احشاءه وخر يومي فلم أعجل
وقول الآخر في صفة كماة: [الطويل]

تَخَاطَأَه القنّاصُ حتى وجدته وخرطومه في مَنْقَع الماء راسب
فكأن هؤلاء الذين يقتلون أولادهم يخاطئون الحق والعدل، وقرأ الحسن فيما روي عنه " خَطَاء " بفتح الخاء والطاء والمد في الهمزة قال أبو حاتم: لا يعرف هذا في اللغة، وهو غلط غير جائز وليس كما قال أبو حاتم، قال أبو الفتح: الخطاء من اخْطَأت بمنزلة العطاء من أعطيت، هو اسم يعني المصدر، وقرأ الحسن بخلاف " خَطاً " بفتح الخاء والطاء منونة من غير همز، وقرأ أبو رجاء والزهري " خِطاً " بكسر الخاء وفتح الطاء كالتي قبلها، وهاتان مخففتان من خطأ وخطاء، .....

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم " فلا يسرف " بالياء، وهي قراءة الجمهور، أي الولي لا يتعدى أمر الله، والتعدي هو أن يقتل غير قاتل وليه من سائر القبيل، أو يقتل اثنين بواحد، وغير وذلك من وجوه التعدي، وهذا كله كانت العرب تفعله، فلذلك وقع التحذير منه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن من أعتى الناس على الله ثلاثة، رجل قتل غير قاتل وليه، أو قتل بدحل الجاهلية، أو قتل في حرم الله " ، وقالت فرقة: المراد بقوله { فلا يسرف } القاتل الذي يتضمنه الكلام، والمعنى فلا يكن أحد من المسرفين بأن يقتل نفساً فإنه يحصل في ثقاف هذا الحكم، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي " فلا تسرف في القتل " بالتاء من فوق، وهو قراءة حذيفة ويحيى بن وثاب ومجاهد بخلاف والأعمش وجماعة، قال الطبري: على معنى الخطاب للنبي عليه السلام والأئمة بعده، أي فلا تقتلوا غير القاتل.

قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يراد به الولي أي فلا تسرف أيها الولي في قتل أحد يتحصل في هذا الحكم، وقرأ أبو مسلم السراج صاحب الدعوة العباسية، " فلا يسرفُ " بالياء بضم الفاء على معنى الخبر لا على معنى النهي، والمراد هذا التأويل فقط.

قال القاضي أبو محمد: وفي الاحتجاج بأبي مسلم في القراءة نظر، وفي قراءة أبي بن كعب: " فلا تسرفوا في القتل إن ولي المقتول كان منصوراً " ،

اسامة محمد خيري
10-11-2018, 05:51
الجوهرة الرابعة والتسعون بعد المائة

قال ابن عطية

قرأ الجمهور " مرَحاً " بفتح الراء مصدر من مرَح يمرَح إذا تسبب مسروراً بدنياه مقبلاً على راحته، فهذا هو المرح، فنهي الإنسان في هذه الآية أن يكون مشيه في الأرض على هذا الوجه، ثم قيل له إنك لن تقطع الأرض وتمسحها بمشيك، ولن تبلغ أطوال الجبال فتنالها طولاً، فإذا كنت لا تستوي في الأرض بمشيك فَقَصْرُكَ نفسك على ما يوجبه الحق من المشي والتصرف أولى وأحق، وخوطب النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية والمراد الناس كلهم.

قال القاضي أبو محمد: وإقبال الناس على الصيد ونحوه تنزهاً دون حاجة إلى ذلك داخل في هذه الآية، وأما الرجل يستريح في اليوم النادر أو الساعة من يومه يجم بها نفسه في التفرج والراحة ليستعين بذلك على شغل من البر كقراءة علم أو صلاة، فليس ذلك بداخل في هذه الآية، وقرأت فرقة فيما حكى يعقوب " مرِحاً " بكسر الراء على بناء اسم الفاعل، وهذا المعنى يترتب على هذه القراءة، ولكن يحسن معها معنى آخر ذكره الطبري مع القراءة الأولى وهو بهذه القراءة أليق، وهو أن قوله { لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً } أراد به أنك أيها المرح المختال الفخور لا تخرق الأرض ولا تطاول الجبال بفخرك وكبرك، وذهب بالألفاظ إلى هذا المعنى، ويحسن ذلك مع القراءة بكسر الراء من المرح، لأن الإنسان نهي حينئذ عن التخلق بالمرح في كل أوقاته، إذ المشي في الأرض لا يفارقه، فلم ينه إلا عن يكون مرحاً، وعلى القراءة الأخرى إنما نهي من ليس بمرح عن أن يمشي في بعض أوقاته مرحاً فيترتب في " المرِح " بكسر الراء أن يؤخذ بمعنى المتكبر المختال، ....

وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي والحسن ومسروق " سيئه " على إضافة سيىء إلى الضمير، والإشارة على القراءة الأولى إلى ما تقدم ذكره مما نهي عنه كقول أف وقذف الناس والمرح وغير ذلك، والإشارة على القراءة الثانية إلى جميع ما ذكر في هذه الآيات من بر ومعصية، ثم اختص ذكر السيىء منه بأنه مكروه عند الله تعالى، فأما من قرأ " سيئه " بالإضافة إلى الضمير فإعراب قراءته بين...

وقال القرطبي

قوله تعالى: { كُلُّ ذظ°لِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً } «ذلك» إشارة إلى جملة ما تقدّم ذكره مما أمر به ونَهَى عنه. و«ذلك» يصلح للواحد والجمع والمؤنث والمذكر. وقرأ عاصم وظ±بن عامر وحمزة والكسائي ومسروق «سيئُهُ» على إضافة سَيِّء إلى الضمير، ولذلك قال: «مَكْرُوهاً» نصب على خبر كان. والسيِّىء: هو المكروه، وهو الذي لا يرضاه الله عز وجل ولا يأمر به. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآي من قوله: «وقَضَى ربُّك ـ إلى قوله ـ كان سيّئُه» مأمورات بها ومنهيات عنها، فلا يخبر عن الجميع بأنه سيّئة فيدخل المأمور به في المنهيّ عنه. واختار هذه القراءة أبو عبيد. ولأن في قراءة أُبَيّ «كلُّ ذلِك كان سيئاته» فهذه لا تكون إلا للإضافة. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «سيئةً» بالتنوين؛ أي كل ما نهى الله ورسوله عنه سيئة. وعلى هذا انقطع الكلام عند قوله: «وأَحْسَنُ تَأْوِيلاً» ثم قال: «وَلاَ تَقْفُ ما ليسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ»، «وَلاَ تَمْشِ»، ثم قال: { كُلُّ ذظ°َلِكَ كَانَ سَيِّئَةٌ } بالتنوين. وقيل: إن قوله: «ولا تقتلوا أولادَكم» إلى هذه الآية كان سيئةً لا حسنة فيه، فجعلوا «كلا» محيطاً بالمنهيّ عنه دون غيره. وقوله: «مكروهاً» ليس نعتاً لسيئة، بل هو بدل منه؛ والتقدير: كان سيئة وكان مكروهاً. وقد قيل: إن «مكروهاً» خبر ثان لكان حمل على لفظة كلّ، و«سيئة» محمول على المعنى في جميع هذه الأشياء المذكورة قبلُ. وقال بعضهم: هو نعت لسيئة؛ لأنه لما كان تأنيثها غير حقيقي جاز أن توصف بمذكر. وضعّف أبو علي الفارسيّ هذا وقال: إن المؤنث إذا ذُكّر فإنما ينبغي أن يكون ما بعده مذكراً، وإنما التساهل أن يتقدّم الفعل المسند إلى المؤنث وهو في صيغة ما يسند إلى المذكّر؛ ألا ترى قولَ الشاعر:
فلا مزنة ودَقَتْ وَدْقَها ولا أرضَ أبقل إبقالها
مستقبح عندهم. ولو قال قائل: أبقل أرض لم يكن قبيحاً. قال أبو عليّ: ولكن يجوز في قوله «مكروهاً» أن يكون بدلاً من «سيئة». ويجوز أن يكون حالاً من الضمير الذي في «عند ربك» ويكون «عند ربك» في موضع الصفة لسيئة.

وقال الطبري

وأولـى القراءتـين عندي فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأ { كُلُّ ذلكَ كانَ سيِّئُهُ } علـى إضافة السيىء إلـى الهاء، بـمعنى كلّ ذلك الذي عددنا من{ وَقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ } .. كانَ سَيِّئُهُ لأن فـي ذلك أموراً منهياً عنها، وأموراً مأموراً بها، وابتداء الوصية والعهد من ذلك الـموضع دون قوله{ وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ } إنـما هو عطف علـى ما تقدّم من قوله وَقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ فإذا كان ذلك كذلك، فقرأته بإضافة السيىء إلـى الهاء أولـى وأحقّ من قراءته سيئةً بـالتنوين، بـمعنى السيئة الواحدة. فتأويـل الكلام إذن كلّ هذا الذي ذكرنا لك من الأمور التـي عددناها علـيك كان سيئه مكروهاً عند ربك يا مـحمد، يكرهه وينهى عنه ولا يرضاه، فـاتق مواقعته والعمل به.

وقال ابن عطية

قرأ الجمهور " صرّفنا " بتشديد الراء على معنى صرّفنا فيه الحكم والمواعظ، وقرأ الحسن " صرَفنا " بتخفيف الراء على معنى صرَفنا فيه الناس إلى الهدى بالدعاء إلى الله، وقال بعض من شدد الراء: إن قوله { في } زائد، والتقدير ولقد صرفنا هذا القرآن، وهذا ضعيف، وقرأ الجمهور " ليذَّكَّروا " وقرأ حمزة والكسائي " ليذْكُروا " بسكون الذال وضم الكاف، وهي قراءة طلحه ويحيى والأعمش،....

وقوله { إذا كنا عظاماً } الآية، هذه الآية في إنكارهم البعث، وهذا منهم تعجب وإنكار واستبعاد، و " الرفات " من الأشياء: ما مر عليه الزمن حتى بلغ به غاية البلى، وقربه من حالة التراب، يقال: رفت رفتاً فهو مرفوت، وفعال: بناء لهذا المعنى، كالحطام، والفتات، والرصاص، والرضاض، والدقاق، ونحوه، وقال ابن عباس: { رفاتاً } غباراً، وقال مجاهد: تراباً، واختلف القراء في هذين الاستفهامين: فقرأ ابن كثير وأبو عمرو " أيذا كنا تراباً أينا " جميعاً بالاستفهام، غير أن أبا عمرو يمد الهمزة، ثم يأتي بالياء ساكنة، وابن كثير يأتي بياء ساكنة بعد الهمزة من غير مدة، وقرأ نافع الأولى مثل أبي عمرو، واختلف عنه في المد، وقرأ الثانية " إنا " مكسورة على الخبر، ووافقه الكسائي في اكتفائه بالاستفهام الأول من الثاني، غير أنه كان يهمز همزتين، وقرأ عاصم وحمزة: " أإذا أإنا " بهمزتين فيهما، وقرأ ابن عامر " إذا كنا " ، مكسورة الألف من غير استفهام " ءإنا " يهمز، ثم يمد، ثم يهمز. ويروى عنه مثل قراءة حمزة، وفي سورة الرعد توجيه هذه القراءات....

اسامة محمد خيري
10-11-2018, 06:00
الجوهرة الخامسة والتسعون بعد المائة

قال ابن عطية

وقرأ الجمهور: " زَبوراً " بفتح الزاي، وهو فَعول بمعنى مفعول، وهو قليل لم يجىء إلا في قدوع وركوب وحلوب، وقرأ حمزة ويحيى والأعمش " زُبوراً " بضم الزاي، وله وجهان: أحدهما أن يكون جمع زبور بحذف الزائد، كما قالوا في جمع ظريف، ظروف، والآخر، أن يكون جمع زبور كأن ما جاء به داود، جزىء أجزاء كل جزء منها زبر، سمي بمصدر زبر يزبر، ثم جمع تلك الأجزاء على زبور، فكأنه قال: آتينا داود كتباً،

ويحتمل أن يكون جمع زبر الذي هو العقل وسداد النظر، لأن داود أوتي من المواعظ والوصايا كثيراً، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم، في آخر كتاب مسلم: " وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له " ، قال قتادة زبور داود مواعظ وحكم ودعاء ليس فيه حلال ولا حرام.

وقال السمين


قوله تعالى: { أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ }: " أولئك " مبتدأٌ، وفي خبره وجهان، أظهرُهما: أنه الجملةُ مِنْ " يبتغون " ويكون الموصولُ نعتاً أو بياناً أو بدلاً، والمرادُ باسم الإِشارة الأنبياءُ الذين عُبِدوا مِنْ دون الله. والمرادُ بالواوِ العبَّادُ لهم، ويكون العائدُ على " الذين " محذوفاً، والمعنى: أولئك الأنبياءُ الذين يَدْعُونهم المشركون لكَشْفِ ضُرِّهم - أو يَدْعُونهم آلهةً، فمفعولها أو مفعولاها محذوفان - يَبْتَغون.

ويجوز أن يكونَ المرادُ بالواوِ ما أُريد بأولئك، أي: أولئك الأنبياءُ الذين يَدْعُون ربَّهم أو الناسَ إلى الهدى يَبْتغون، فمفعولُ " يَدْعُون " محذوف.

والثاني: أن الخبرَ نفسُ الموصولِ، و " يَبْتَغُون " على هذا حالٌ مِنْ فاعل " يَدْعُون " أو بدلٌ منه. وقرأ العامَّةُ " يَدْعُون " بالغيبِ، وقد تقدَّم الخلافُ في الواو: هل تعودُ على الأنبياء أو على عابِدِيْهم. وزيد بن علي بالغَيْبة أيضاً، إلا أنه بناه للمفعول. وقتادةُ وابنُ مسعودٍ بتاء الخطاب. وهاتان القراءتان تقويَّان أن الواوَ للمشركين لا للأنبياءِ في قراءة العامَّة

وقال ابن عطية

وقرأ الجمهور: " ثمود " بغير تنوين، قال هارون: أهل الكوفة ينونون " ثموداً " في كل وجه، قال أبو حاتم: لا تنون العامة والعلماء بالقرآن " ثمود " في وجه من الوجوه، وفي أربعة مواطن ألف مكتوبة، ونحن نقرؤها بغير ألف، وقوله { مبصرة } على جهة النسب أي معها إبصار، كما قال:{ آية النهار مبصرة } [الإسراء: 12] أي معها إبصار ممن ينظر، وهذا عبارة عن بيان أمرها، ووضوح إعجازها، وقرأ قوم " مُبصَرة " بضم الميم وفتح الصاد، حكاه الزجاج، ومعناه متبينة، وقرأ قتادة " مَبصَرة " بفتح الميم والصاد، وهي مَفعَلة من البصر ...

وقال السمين

قوله: " وَرَجِلِك " قرأ حفصٌ بكسرِ الجيمِ، والباقون بسكونها، فقراءة حفصٍ " رَجِل " فيها بمعنى رَجُل بالضم بمعنى راجل يُقال: رَجِلَ يَرْجَلُ إذا صار راجِلاً، فيكون مثل: حَذِر وحَذُر، ونَدِس ونَدُس، وهو مفردٌ أريد به الجمعُ. وقال ابن عطية: هي صفةٌ يقال: فلان يمشي رَجِلاً إذا كان غيرَ راكبٍ، ومنه قولُ الشاعر:
3081-................... ...... رَجِلاً إلا بأصحابي
قلت: يشير إلى البيتِ المشهور وهو:
فما أُقاتلُ عن ديني على فَرَسي إلا كذا رَجِلاً إلا بأصحابي
أراد: فارساً ولا راجلاً.

وقال الزمخشريُّ: " على أن فَعِلاً بمعنى فاعِل نحو: تَعِب وتاعب، ومعناه: وجَمْعك الرَّجِلُ، وتُضَمُّ جيمُه أيضاً فيكون مثلَ: حَذُر وحَذِر، ونَدُس ونَدِس، وأخواتٍ لهما ".

وأما قراءةُ الباقين فتحتملُ أَنْ تكون تخفيفاً مِنْ " رَجِل " بكسر الجيم أو ضمِّها، والمشهورُ: أنه اسمُ جمع لراجِل كرَكْب وصَحْب في راكِب وصاحِب. والأخفش يجعل هذا النحوَ جمعاً صريحاً.

وقرأ عكرمةُ " ورِجالك " جمع رَجِل بمعنى راجِل، أو جمع راجِل كقائم وقيام. وقُرِئ " ورُجَّالك " بضمِّ الراء وتشديد الجيم، وهو جمع راجِل كضارِب وضُرَّاب.

وقال ابن عطية

، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ذلك كله بالنون، وقرأ أبو جعفر ومجاهد " تغرقكم " بالتاء أي الريح، وقرأ حميد " نغرقكم " بالنون حقيقة وأدغم القاف في الكاف، ورويت عن أبي عمرو وابن محيصن وقرأ الحسن وأبو رجاء " يغرّقكم " بشد الراء.

وقال السمين

قوله: " خِلافَك " قرأ الأخَوان وابنُ عامر وحفصٌ: " خِلافَك " بكسر الخاء وألفٍ بعد اللام، والباقون بفتح الخاء وسكونِ اللام. والقراءتان بمعنى واحدٍ. وأنشدوا في ذلك:
3089- عَفَتِ الديارُ خِلافَهم فكأنما بَسَطَ الشَّواطِبُ بينهنَّ حََصِيْراً
وقال تعالى:{ خِلاَفَ رَسُولِ ظ±للَّهِ } [التوبة: 81] والمعنى: بعد خروجك. وكثُر إضافةُ قبل وبعد ونحوِهما إلى أسماءِ الأعيان على حَذْفِ مضافٍ، فيُقَدَّر من قولك: جاء زيدٌ قبل عمروٍ: أي: قبل مجيئِه.

اسامة محمد خيري
10-11-2018, 06:20
الجوهرة السادسة والتسعون بعد المائة

قال السمين


قوله تعالى: { وَنَأَى }: قرأ العامَّةُ بتقديمِ الهمزةِ على حرف العلة مِن النَّأْي وهو البُعْدُ. وابن ذكوان - ونقلها الشيخ عن ابن عامر بكمالِه-: " ناءَ " بتقديم الألف على الهمزة. وفيها تخريجان, أحدُهما: أنها مِنْ ناء يَنُوْءُ أي نهض. قال الشاعر:
3101- حتى إذا ما التأَمَتْ مَفاصِلُهْ وناءَ في شِقِّ الشِّمالِ كاهلُهْ
والثاني: أنه مقلوبٌ مِنْ نأى، ووزنُه فَلَع كقولهم في " رأى " راءَ، إلى غيرِ ذلك، ولكن متى أمكن عدمُ القلبِ فهو أَوْلَى. وهذا الخلافُ جارٍ أيضاً في سورة حم السجدة...

وقال ابن عطية

وقرأ ابن مسعود والأعمش " وما أوتوا " ، ورواها ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ الجمهور " وما أوتيتم " ، واختلف فيمن خوطب بذلك، فقالت فرقة: السائلون فقط، ترجم الطبري بذلك ثم أدخل تحت الترجمة عن قتادة أنهم اليهود، وقال قوم: المراد اليهود بجملتهم، وعلى هذا هي قراءة ابن مسعود، وقالت فرقة: العالم كله، ....

قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر " حتى تُفجّر " ، وقرأ عاصم وحمزة الكسائي حتى " تَفجُر " بفتح التاء وضم الجيم، وفي القرآن{ فانفجرت } [البقرة: 60]، وانفجر مطاوع فجر فهذا مما يقوي القراءة الثانية، وأما الأولى فتقتضي المبالغة في التفجير. و " الينبوع " الماء النابع، وهي صفة مبالغة إنما تقع للماء الكثير، وطلبت قريش هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وإياها عنوا بـ { الأرض } ، وإنما يراد بإطلاق لفظة { الأرض } هنا الأرض التي يكون فيها المعنى المتكلم فيه، كقوله{ أو ينفوا من الأرض } [المائدة: 33] فإنما يريد من أرض تصرفهم وقطعهم السبل ومعاشهم، وكذلك أيضاً اقتراحهم الجنة إنما هو بمكة لامتناع ذلك فيها، وإلا ففي سائر البلاد كان ذلك يمكنه وإنما طلبوه بأمر إلهي في ذلك الموضع الجدب، وقرأ الجمهور " جنة " ، وقرأ " حبة " المهدوي....

وقال السمين

قوله تعالى: { أَوْ تُسْقِطَ }: العامَّةُ على إسناد الفعل للمخاطب. و " السماءَ " مفعولٌ بها. ومجاهد على إسنادِه إلى " السماء " فَرَفْعُها به.

قوله: " كِسْفاً " قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ وعاصمٌ هنا بفتح السين، وفَعَل ذلك حفصٌ في الشعراء وفي سبأ. والباقون بسكونها في المواضعِ الثلاثةِ. وقرأ ابن ذكوان بسكونها في الروم بلا خلافٍ، وهشامٌ عنه الوجهان، والباقون بفتحها.

فمَنْ فتح السينَ جعله جمعَ كِسْفة نحو: قِطْعَة وقِطَع، وكِسْرة وكِسَر، ومَنْ سَكَّن جعله جمع كِسْفَة أيضاً على حَدِّ سِدْرة وسِدْر، وقَمْحة وقَمْح.

وجوَّز أبو البقاء فيه وجهين آخرين، أحدُهما: أنه جمعٌ على فَعَل بفتح العينِ، وإنما سُكِّن تخفيفاً، وهذا لا يجوز لأنَّ الفتحةَ خفيفةٌ يحتملُها حرفُ العلة، حيث يُقَدَّر فيه غيرُها فكيف بالحرف الصحيح؟. قال: " والثاني: أنه فَعْل بمعنى مَفْعول " كالطَّحْن بمعنى مَطْحون، فصار في السكون ثلاثةُ أوجهٍ.

وأصل الكَسْفِ القَطْع. يقال: كَسَفْتُ الثوبَ قطعتُه. وفي الحديثِ في قصة سليمان مع الصافنات الجياد: أنه " كَسَفَ عراقيبَها " أي: قطعها. وقال الزجاج " كَسَفَ الشيء بمعنى غَطَّاه ". وقيل: ولا يُعرفُ هذا لغيرِه.

وانتصابُه على الحالِ، فإنْ جَعَلْناه جمعاً كان على حَذْفِ مضافٍ، أي: ذات كِسَفٍ، وإنْ جعلناه فِعْلاً بمعنى مَفْعول لم يَحْتَج إلى تقدير، وحينئذ فيقال: لِمَ لَمْ يؤنَّث؟ ويجاب: بأنَّ تأنيثَ السماء غيرُ حقيقي، أو بأنها في معنى السقف.

قوله: " كما زَعَمْتَ " نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أي: إسقاطاً مثلَ مَزْعُومِك، كذا قدَّره أبو البقاء.

قوله: " قَبِيْلاً " حالٌ من " الله والملائكة " أو مِنْ أحدِهما، والآخرُ محذوفةٌ حالُه، أي: بالله قبيلاً والملائكةِ قبيلاً. كقوله:
3106-.............. كنتُ منه ووالدي بريئاً....................
[وكقولِهِ]
3107-..................... فإنِّي وقَيَّارٌ بها لغريبُ
ذكرَه الزمخشريُ، هذا إذا جَعَلْنا " قبيلاً " بمعنى كفيلاً، أي: ضامِناً، أو بمعنى معايَنة كما قاله الفارسيُّ. وإنْ جعلناه بمعنى جماعةً كان حالاً من " الملائكة ".

وقرأ الأعرج " قِبَلاً " من المقابلة.

وقال القرطبي

والكِسَف (بفتح السين) جمع كسفة، وهي قراءة نافع وابن عامر وعاصم. الباقون «كسفاً» بإسكان السين. قال الأخفش: من قرأ كسْفاً من السماء جعله واحداً، ومن قرأ كسفاً جعله جمعاً

قال ابن عطية

وقرأ ابن كثير وابن عامر " قال سبحان ربي " على معنى الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سبح عند قولهم

اسامة محمد خيري
10-11-2018, 06:39
الجوهرة السابعة والتسعون بعد المائة

قال ابن عطية

وقرأ الجمهور " فاسأل بني إسرائيل " وروي عن الكسائي " فسل " على لغة من قال سأل يسأل، وهذا كله على معنى الأمر لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي اسأل معاصريك عما أعلمناك به من غيب القصة، ثم قال { إذ جاءهم } يريد آباءهم، وأدخلهم في الضمير إذ هم منهم، ويحتمل أن يريد { فاسأل بني إسرائيل } الأولين الذين جاءهم موسى وتكون إحالته إياه على سؤالهم بطلب إخبارهم والنظر في أحوالهم وما في كتبهم نحو قوله تعالى:{ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا } [الزخرف: 45] وهذا كما تقول لمن تعظه: سل الأمم الخالية هل بقي منها مخلد؟ ونحو هذا مما يجعل النظر فيه مكان السؤال، قال الحسن: سؤالك نظرك في القرآن وقرأ ابن عباس " فسأل بني إسرائيل " أي فسأل موسى فرعون بني إسرائيل أي طلبهم لينجيهم من العذاب...

وقال الالوسي

فَسْئَلْ بَنِى إِسْرظ°ءيلَ } وقرأ جمع { فسل }. والظاهر أنه خطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم والسؤال بمعناه المشهور إلا أن الجمهور على أنه خطاب لموسى عليه السلام. والسؤال إما بمعنى الطلب أو بمعناه المشهور لقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجها أحمد في «الزهد» وابن المنذر وابن جرير وغيرهم عن ابن عباس { فسال } على صيغة الماضي بغير همز كقال وهي لغة قريش فإنهم يبدلون الهمزة المتحركة وذلك لأن هذه القراءة دلت على أن السائل موسى عليه السلام وإنه مستعقب عن الإيتاء فلا يجوز أن يكون فاسأل خطاباً للنبـي صلى الله عليه وسلم لئلا تتخالف القراءتان ولا بد إذ ذاك من إضمار لئلا يختلفا خبراً وطلباً أي فقلنا له اطلبهم من فرعون وقل له أرسل معي بني إسرائيل أو اطلب منهم أن يعاضدوك وتكون قلوبهم وأيديهم معك أو سلهم عن إيمانهم وعن حال دينهم واستفهم منهم هل هم ثابتون عليه أو اتبعوا فرعون ويتعلق بالقول المضمر قوله تعالى: { إِذْ جَاءهُم } وهو متعلق بسال على قراءته صلى الله عليه وسلم والدليل على ذلك المضمر في اللفظ قوله تعالى: { فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ } لأنه لو كان { فاسأل } خطاباً لنبينا عليه الصلاة والسلام لانفك النظم وأيضاً لا يظهر استعقابه ولا تسببه عن إيتاء موسى عليه السلام نعم جعل الذاهبون إلى الأول { فاسأل } اعتراضاً من باب زيد فاعلم فقيه والفاء تكون للاعتراض كالواو وعلى ذلك قوله:
واعلم فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتي كل ما قدرا
وهذا الوجه مستغن عن الإضمار...

اسامة محمد خيري
10-11-2018, 06:43
الجوهرة الثامنة والتسعون بعد المائة

قال ابن عطية

روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره أنه قرأ " علمتُ " بتاء المتكلم مضمومة، وقال ما علم عدو الله قط، وإنما علم موسى، وتتقوى هذه القراءة لمن تأول { مسحوراً } [الإسراء: 101] على بابه، فلما رماه فرعون بأنه قد سحر ففسد نظره وعقله وكلامه، رد هو عليه بأنه يعلم آيات الله، وأنه ليس بمسحور، بل محرر لما يأتي به، وهي قراءة الكسائي، وقرأ الجمهور " لقد علمتَ " بتاء المخاطب مفتوحة، فكأن موسى عليه السلام رماه بأنه يكفر عناداً، ومن قال بوقوع الكفر عناداً فله تعلق بهذه الآية، وجعلها كقوله عز وجل:{ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم } [النمل: 14]، وقد حكى الطبري ذلك عن ابن عباس، ونحا إلى ذلك الزجاج، وهي معرضة للاحتمال على أن يكون قول موسى عليه السلام إبلاغاً على فرعون في التوبيخ، أي أنت بحال من يعلم هذا، وهي من الوضوح بحيث تعلمها، ولم يكن ذلك على جهة الخبر عن علم فرعون، ومن يريد من الآية وقوع الكفر عناداً فإنما يجعل هذا خبراً من موسى عن علم فرعون....

وقال الطبري

اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله { لَقَدْ عَلِـمْتَ } فقرأ عامة قرّاء الأمصار ذلك { لَقَدْ عَلِـمْتَ } بفتـح التاء، علـى وجه الـخطاب من موسى لفرعون. ورُوي عن علـيّ بن أبـي طالب رضوان الله علـيه فـي ذلك، أنه قرأ «لَقَدْ عَلِـمْتُ» بضمّ التاء، علـى وجه الـخبر من موسى عن نفسه. ومن قرأ ذلك علـى هذه القراءة، فإنه ينبغي أن يكون علـى مذهبه تأويـل قوله{ إنّـي لأَظُنُّكَ يا مُوسَى مَسْحُوراً } إنـي لأظنك قد سُحِرت، فترى أنك تتكلـم بصواب ولـيس بصواب. وهذا وجه من التأويـل. غير أن القراءة التـي علـيها قرّاء الأمصار خلافها، وغير جائز عندنا خلاف الـحجة فـيـما جاءت به من القراءة مـجمعة علـيه. وبعد، فإن الله تعالـى ذكره قد أخبر عن فرعون وقومه أنهم جحدوا ما جاءهم به موسى من الآيات التسع، مع علـمهم بأنها من عند الله بقوله{ وأدْخِـلْ يَدَكَ فِـي جَيْبِكَ تَـخْرُجْ بَـيْضَاءَ مِنْ غيرِ سُوءٍ فِـي تِسْعِ آياتٍ إلـى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، إنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فـاسِقِـينَ فَلَـمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِـينٌ وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَـيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ظُلْـماً وَعُلُوّاً } فأخبر جلّ ثناؤه أنهم قالوا هي سحر، مع علـمهم واستـيقان أنفسهم بأنها من عند الله، فكذلك قوله { لَقَدْ عَلِـمْتَ } إنـما هو خبر من موسى لفرعون بأنه عالـم بأنها آيات من عند الله. وقد ذُكر عن ابن عبـاس أنه احتـجّ فـي ذلك بـمثل الذي ذكرنا من الـحجة. قال حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال ثنا هشيـم، قال أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، أنه كان يقرأ { لَقَدْ عَلِـمْتَ } يا فرعون بـالنصب { ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلاَّ رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ } ، ثم تلا{ وَجَحَدُوا بِها واسْتَـيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ظُلْـماً وعُلُوّاً } فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام قال موسى لفرعون لقد علـمت يا فرعون ما أنزل هؤلاء الآيات التسع البـينات التـي أريتكها حجة لـي علـى حقـيقة ما أدعوك إلـيه، وشاهدة لـي علـى صدق وصحة قولـي، إنـي لله رسول، ما بعثنـي إلـيك إلا ربّ السموات والأرض، لأن ذلك لا يقدر علـيه، ولا علـى أمثاله أحد سواه

اسامة محمد خيري
10-11-2018, 06:45
الجوهرة التاسعة والتسعون بعد المائة

قال ابن عطية

وقرأ جمهور الناس " فرَقناه " بتخفيف الراء، ومعناه بيناه وأوضحناه وجعلناه فرقاناً، وقرأ ابن عباس وقتادة وأبو رجاء وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي بن كعب والشعبي والحسن بخلاف، وحميد وعمرو بن فائد " فرّقناه " بتشديد الراء، إلا أن في قراءة ابن مسعود وأبيّ " فرقناه عليه لتقرأه " أي أنزلناه شيئاً بعد الشيء لا جملة واحدة ويتناسق هذا المعنى مع قوله { لتقرأه على الناس على مكث } ، وهذا كان مما أراد الله من نزوله بأسباب تقع في الأرض من أقوال وأفعال في أزمان محدودة معينة، واختلف أهل العلم في كم القرآن من المدة؟ فقيل: في خمس وعشرين سنة، وقال ابن عباس: في ثلاث وعشرين سنة، وقال قتادة في عشرين سنة...

وقال الطبري

وَقُرآناً فَرَقْناهُ لَتَقْرأَهُ } اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار { فَرَقْناهُ } بتـخفـيف الراء من فرقناه، بـمعنى أحكمناه وفصلناه وبـيناه. وذُكر عن ابن عبـاس، أنه كان يقرؤه بتشديد الراء «فَرَّقْناهُ» بـمعنى نزّلناه شيئا بعد شيء، آية بعد آية، وقصة بعد قصة. وأولـى القراءتـين بـالصواب عندنا، القراءة الأولـى، لأنها القراءة التـي علـيها الـحجة مـجمعة، ولا يجوز خلافها فـيـما كانت علـيه مـجمعة من أمر الدين والقرآن. فإذا كان ذلك أولـى القراءتـين بـالصواب، فتأويـل الكلام وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً، وفصلناه قرآناً، وبـيَّناه وأحكمناه، لتقرأه علـى الناس علـى مكث. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك من التأويـل، قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك حدثنـي علـيّ، قال ثنا عبد الله، قال ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله { وَقُرآناً فَرَقْناهُ } يقول فصلناه. حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال ثنـي حجاج، عن أبـي جعفر، عن الربـيع عن أبـي العالـية، عن أبـيّ بن كعب أنه قرأ { وَقُرآناً فَرَقْناهُ } مخففـاً يعنـي بـيناه.

وقال السمين

وقد تقدَّم الفرقُ بين الذُّل والذِّل في أولِ هذه السورة.

ملحوظة قال فى الاية الرابعة والعشرين

وقرأ العامَّةُ " الذُّلِّ " بضم الذَّال، وابن عباس في آخرين بكسرها، وهي استعارةٌ؛ لأنَّ الذِّلَّ في الدوابِّ لأنه ضدُّ الصعوبة، فاستعير للأناسيِّ، كما أن الذُّلَّ بالضمَّ ضدُّ العِزِّ.

اسامة محمد خيري
10-11-2018, 08:42
سورة الكهف

الجوهرة المائتان

قال السمين

قوله: { كَبُرَتْ كَلِمَةً } في فاعلِ " كَبُرَتْ " وجهان، أحدُهما: أنه مضمرٌ عائدٌ على مقالتِهم المفهومة مِنْ قولِه: " قالوا: اتَّخذ الله " ، أي: كَبُرَ مقالُهم، و " كلمةً " نصبٌ على التمييز، ومعنى الكلامِ على التعجب، أي: ما أكبرَها كلمةً. و " تَخْرُجُ " الجملةُ صفةٌ لـ " كلمة ". ودَلَّ استعظامُها لأنَّ بعضَ ما يَهْجِسُ بالخاطرِ لا يَجْسُر الإِنسانُ على إظهاره باللفظ.

والثاني: أن الفاعلَ مضمرٌ مفسِّرٌ بالنكرةِ بعد المنصوبةِ على التمييزِ، ومعناها الذمُّ كـ " بِئس رجلاً " ، فعلى هذا: المخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ تقديرُه: كَبُرَتْ هي الكلمةُ كلمةً خارجةً مِنْ أفواهِهم تلك المقالةُ الشَّنعاءُ.

وقرأ العامَّةُ " كلمةً " بالنصبِ، وفيها وجهان: النصبُ على التمييز، وقد تقدَّم تحقيقُه في الوجهين السابقين. والثاني: النصبُ على الحالِ. وليس بظاهر.

وقوله: " تَخْرُجُ " في الجملة وجهان، أحدُهما: هي صفةٌ لكلمة. والثاني: أنها صفةٌ للمخصوصِ بالذمِّ المقدَّرِ تقديرُه: كَبُرَت كلمةٌ خارجةٌ كلمةً.

وقرأ الحسنُ وابنُ محيصن وابنُ يعمرَ وابن كثير - في رواية القَوَّاس عنه - كلمةٌ " بالرفع على الفاعلية، " وتَخْرُج " صفةٌ لها أيضاً. وقُرِئَ " كَبْرَتْ " بسكون الباء وهي لغةُ تميم...

وقال الالوسي

{ رَشَدًا } إصابة للطريق الموصل إلى المطلوب واهتداءً إليه. وقرأ أبو رجاء { رشداً } بضم الراء وإسكان الشين والمعنى واحد إلا أن الأوفق بفواصل الآيات قراءة الجمهور. وإلى اتحاد المعنى ذهب الراغب قال: الرشد بفتحتين خلاف الغي ويستعمل استعمال الهداية وكذا الرشد بضم فسكون. وقال بعضهم: الرشد أي بفتحتين كما في بعض النسخ المضبوطة أخص من الرشد لأن الرشد بالضم يقال في الأمور الدنيوية والأخروية والرشد يقال في الأمور الأخروية لا غير اهـ، وفيه مخالفة لما ذكره ابن عطية فإنه قال: إن هذا الدعاء منهم كان في أمر دنياهم وألفاظه تقتضي ذلك وقد كانوا على ثقة من رشد الآخرة ورحمتها، وينبغي لكل مؤمن أن يجعل دعاءه في أمر دنياه لهذه الآية فإنها كافية ويحتمل أن يراد بالرحمة رحمة الآخرة اهـ، نعم فيما قاله نظر، والأولى جعل الدعاء عاماً في أمر الدنيا والآخرة وإن كان تعقيبه بما بعد ظاهراً في كونه خاصاً في أمر الأولى...

وقال السمين

قوله تعالى: { لِنَعْلَمَ }: متعلقٌ بالبعث. والعامَّةُ على نون العظمة جرياً على ما تقدم. وقرأ الزُّهْري " لِيَعْلم " بياء الغَيْبَةِ، والفاعلُ اللهُ تعالى. وفيه التفاتٌ من التكلم إلى الغَيْبَة. ويجوزُ أن يكونَ الفاعلُ { أَيُّ الحِزْبَيْنِ } إذا جَعَلْناها موصولةً كما سيأتي.

وقرئ " ليُعْلَمَ " مبنياً للمفعول، والقائمُ مَقامُ الفاعلِ: قال الزمخشري: " مضمونُ الجملة، كما أنه مفعولُ العلمِ ". ورَدَّه الشيخ بأنه ليس مذهبَ البصريين. وتقدَّم تحقيقُ هذه أولَ البقرة.

وللكوفيين في قيامِ الجملة مَقامَ الفاعلِ أو المفعولِ الذي لم يُسَمَّ فاعلُه: الجوازُ مطلقاً، والتفصيلُ بين ما يُعلَّق كهذه الآيةِ فيجوزُ، فالزمخشري نحا نحوَهم على قَوْلَيْهم. وإذا جَعَلْنا { أَيُّ الحِزْبَيْنِ } موصولةً جاز أَنْ يكونَ الفعلُ مسنداً إليه في هذه القراءةِ أيضاً كما جاز إسناده إليه في القراءةِ قبلها.

وقُرِئ " ليُعْلِمَ " بضمِّ الياء، والفاعلُ الله تعالى، والمفعولُ الأولُ محذوفٌ، تقديرُه: ليُعْلِمَ اللهُ الناسَ. و { أَيُّ الحِزْبَيْنِ } في موضعِ الثاني فقط، إنْ كانت عِرْفانيةً، وفي موضعِ المفعولين إن كانَتْ يقينية

اسامة محمد خيري
10-11-2018, 08:50
الجوهرة الواحدة بعد المائتين

قال السمين

قوله: " مِرْفَقا " قرأ بكسرِ الميمِ وفتحِ الفاءِ الجمهورُ. ونافع وابنُ عامر بالعكس، وفيهما اختلافٌ بين أهلِ اللغة، فقيل: هما بمعنى واحد وهو ما يَرْتَفَقُ به، وليس بمصدرٍ. وقيل: هو بالكسر في الميم لليد، وبالفتح للأمر، وقد يُسْتَعْمل كلُّ واحدٍ منهما موضعَ الآخر، حكاه الأزهري عن ثعلبٍ. وأنشد الفراءُ جمعاً بين الغتين في الجارِحَة:
3131- بِتُّ أُجافي مِرْفقاً عن مَرْفقِ
/وقيل: يُسْتعملان معاً في الأمرِ وفي الجارحة، حكاه الزجاج.

وحكى مكي، عن الفراء أنه قال: " لا أعرِفُ في الأمر ولا في اليد ولا في كل شيءٍ إلا كسرَ الميمِ ".

قلت: وتواترُ قراءةِ نافعٍ والشاميين يَرُدُّ عليه. وأنكر الكسائيُّ كسرَ الميم في الجارحة، وقال: لا أعرفُ فيه إلا الفتحَ وهو عكسُ قولِ تلميذِه، ولكن خالفه أبو حاتم، وقال: " هو بفتح الميم: الموضعُ كالمسجد. وقال أبو زيد: هو بفتح الميم مصدرٌ جاء على مَفْعَل " وقال بعضهم: هما لغتان فيما يُرْتَفَقُ به، فأمَّا الجارِحَةُ فبكسرِ الميمِ فقط. وحُكي عن الفرَّاء أنَّه قال: " أهلُ الحجاز يقولون: " مَرْفقا " بفتح الميم وكسرِ الفاءِ فيما ارتفقْتَ به، ويكسِرون مِرْفَق الإِنسان، والعربُ بعدُ يَكْسِرون الميمَ منهما جميعاً ". وأجاز معاذ فتحَ الميم والفاءِ، وهو مصدرٌ كالمَضْرَبِ والمَقْتَلِ....

وقال ابن عطية

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو " تزّاور " بتشديد الزاي وإدغام التاء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي " تزَاور " بتخفيفها بتقدير تتزاور فحذفت إحدى التاءين، وقرأ ابن عامر وابن أبي إسحاق وقتادة " تزور " في وزن تحمر، وقرأ الجحدري وأبو رجاء " تزوار " بألف بعد الواو، ومعنى اللفظة على كل هذا التصريف تعدل وتروغ وتميل، وهذه عبارات المفسرين، أما أن الأخفش قال " تزور " معناه تنتقض والزور الميل، والأزور في العين المائل النظر إلى ناحية، ويستعمل في غير العين كقول ابن أبي ربيعة:

وجنبي خيفة القوم أزور
ومن اللفظة قول عنترة: [الكامل]

فازور من وقع القنا بلبانه
ومنه قول بشر بن أبي حازم: [الوافر]

تؤم بها الحداة مياه نخل وفيها عن أبانين ازورار
وفي حديث غزوة مؤتة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في سرير عبد الله بن رواحة ازوراراً عن سرير جعفر وزيد بن حارثة،

وقرأ الجمهور " تقرضهم " بالتاء، وفرقة " يقرضهم " بالياء، أي الكهف كأنه من القرض وهو القطع، أي يقتطعهم الكهف بظله من ضوء الشمس، وجمهور من قرأ بالتاء، فالمعنى أنهم كانوا لا تصيبهم شمس البتة وهو قول ابن عباس، فيتأولون " تقرضهم " بمعنى تتركهم، أي كأنها عنده تقطع كلّ ما لا تناله عن نفسها، وفرقة ممن قرأ بالتاء تأول أنها كانت بالعشي تنالهم، فكأنها " تقرضهم " أي تقتطعهم مما لا تناله، وقالوا كان في مسها لهم بالعشي صلاح لأجسامهم...

وقرأ الحسن " وَتَقلُّبُهم " بالتاء المفتوحة وضم اللام والباء، وهو مصدر مرتفع بالابتداء، قاله أبو حاتم، وحكى ابن جني القراءة عن الحسن بفتح التاء وضم اللام وفتح الباء، وقال هذا نصب بفعل مقدر كأنه قال وترى أو تشاهد تقلبهم، وأبو حاتم أثبت، ورأت فرقة أن التقلب هو الذي من أجله كان الرائي يحسبهم...

وقد حكى أبو عمر المطرز في كتاب اليواقيت أنه قرىء " وكالبهم باسط ذراعيه " فيحتمل أن يريد بـ " الكالب " هذا الرجل، على ما روي إذ بسط الذراعين واللصوق بالأرض مع رفع الوجه للتطلع هي هيئة الربيئة، المستخفي بنفسه، ويحتمل أن يريد بـ " الكالب " الكلب، ...

وقال قتادة { الذين غلبوا } هم الولاة، وقرأ الحسن وعيسى الثقفي: " غُلِبوا " بضم الغين وكسر اللام، والمعنى أن الطائفة التي أرادت المسجد كانت أولاً تريد أن لا يبنى عليهم شيء، وأن لا يعرض لموضعهم، فروي أن طائفة أخرى مؤمنة أرادت ولا بد طمس الكهف، فلما غلبت الأولى على أن يكون بنيان لا بد، قالت يكون مسجداً، فكان، وروي أن الطائفة التي دعت إلى البنيان، إنما كانت كافرة، أرادت بناء بيعة أو مصنع لكفرهم، فمانعهم المؤمنون، وقالوا { لنتخذن عليهم مسجداً } ، وروي عن عبيد بن عمير أن الله عمى على الناس حينئذ أثرهم، وحجبهم عنهم، فلذلك دعا إلى بناء البنيان ليكون معلماً لهم.....

اسامة محمد خيري
10-11-2018, 09:08
الجوهرة الثانية بعد المائتين

قال ابن عطية

قال قتادة ومطر الوراق وغيرهما { ولبثوا في كهفهم } الآية حكاية عن بني إسرائيل أنهم قالوا ذلك، واحتجا بأن قراءة عبد الله بن مسعود، وفي مصحفه: " وقالوا لبثوا في كهفهم " ، وذلك عند قتادة، على غير قراءة عبد الله، عطف على{ ويقولون سبعة } [الكهف: 22]، ذكر الزهراوي، ثم أمر الله نبيه بأن يرد العلم إليه رداً على مقالهم وتقييداً له، قال الطبري: وقال بعضهم: لو كان ذلك خبراً من الله، لم يكن لقوله { قل الله أعلم بما لبثوا } وجه مفهوم.

قال القاضي أبو محمد: أي ذهب بهذا القائل، وما الوجه المفهوم البارع إلا أن تكون الآية خبراً عن لبثهم، ثم قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم { قل الله أعلم بما لبثوا } فخبره هذا هو الحق من عالم الغيب فليزل اختلافكم أيها المخرصون، وقال المحققون: بل قوله تعالى: { ولبثوا في كهفهم } الآية خبر من الله تعالى عن مدة لبثهم، ثم اختلف في معنى قوله بعد الإخبار { قل الله أعلم بما لبثوا } فقال الطبري: إن بني إسرائيل اختلفوا فيما مضى لهم من المدة بعد الإعثار عليهم إلى مدة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم إنهم لبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين، فأخبر الله نبيه أن هذه المدة في كونهم نياماً، وأن ما بعد ذلك مجهول للبشر، فأمره الله أن يرد علم ذلك إليه فقوله على هذا التأويل { لبثوا } الأول، يريد في نوم الكهف، و { لبثوا } الثاني: يريد بعد الإعثار موتى إلى مدة محمد عليه السلام، إلى وقت عدمهم بالبلى، على الاختلاف الذي سنذكره بعد، وقال بعضها إنه لما قال: { وازدادوا تسعاً } لم يدر الناس أهي ساعات، أم أيام، أم جمع، أم شهور، أم أعوام. واختلف بنو إسرائيل بحسب ذلك، فأمره الله برد العلم إليه، يريد في التسع فهي على هذا مبهمة، وظاهر كلام العرب والمفهوم منه أنها أعوام، والظاهر من أمرهم أنهم قاموا ودخلوا الكهف بعد عيسى بيسير، وقد بقيت من الحواريين بقية، وحكى النقاش ما معناه: أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية بحساب الأمم، فلما كان الإخبار هنا للنبي العربي ذكرت التسع، إذ المفهوم عنده من السنين القمرية، فهذه الزيادة هي ما بين الحسابين، ...

وقرأ ابن عامر والحسن وأبو رجاء وقتادة والجحدري " ولا تشرك " بالتاء من فوق، على جهة النهي للنبي عليه السلام، ويكون قوله " ولا تشرك " عطفاً على { أبصر } { وأسمع } ، وقرأ مجاهد " ولا يشركْ " بالياء من تحت وبالجزم، قال يعقوب لا أعرف وجهه، ...

وقال السمين

قوله: { أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ } العامَّة على إسنادِ الفعل لـ " نا " و " قلبَه " مفعول به. وقرأ عمرو بن عبيد بن فائد وموسى الأسواري بفتح اللام ورفع " قلبُه " أَسْندوا الإِغفالَ إلى القلبِ. وفيه أوجهٌ. قال ابن جني: مَنْ ظَنَّنَا غافِلين عنه ". وقال الزمخشري: " مَنْ حَسِبْنا قلبُه غافلين، مِنْ أَغْفَلْتُه إذا وَجَدْتَهُ غافلاً،. وقال أبو البقاء: " فيه وجهان، أحدُهما: وَجَدْنا قلبُه مُعْرِضين عنه. والثاني: أهملَ أَمْرَنا عن تَذَكُّرِنا ".....

وقرأ ابن محيصن " واسْتَبرقَ " بوصلِ الهمزة وفتح القافِ غيرَ منونة. فقال ابن جني: هذا سهوٌ أو كالسهوِ ". قلت: كأنه زعم أنَّه مَنَعه الصرفَ ولا وجهَ لمنعِه، لأنَّ شرطَ مَنْعِ الاسمِ الأعجمي أَنْ يكونَ عَلَماً وهذا اسمُ جنسٍ. وقد وجَّهها غيرُه على أنه جَعَلَه فعلاً ماضياً من البريق، واستَفْعَلَ بمعنى فَعَلَ المجرد نحو: قَرَّ واستقرَّ.

وقال الالوسي

وَكَانَ لَهُ } أي للأحد المذكور وهو صاحب الجنتين { ثَمَرٌ } أنواع المال كما في «القاموس» وغيره ويقال: ثمر إذا تمول، وحمله على حمل الشجر كما فعل أبو حيان وغيره غير مناسب للنظم. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن عامر وحمزة والكسائي وابن كثير ونافع وقراء المدينة { ثمر } بضم الثاء والميم، وكذا في{ بِثَمَرِهِ } [الكهف: 42] الآتي وهو جمع ثمار بكسر الثاء جمع ثمر بفتحتين فهو جمع الجمع ومعناه / على نحو ما تقدم أي أموال كثيرة من الذهب والفضة والحيوان وغيرها، وبذلك فسره ابن عباس وقتادة وغيرهما، وقال مجاهد يراد به الذهب والفضة خاصة، وقرأ الأعمش وأبو رجاء وأبو عمرو بضم الثاء وإسكان الميم تخفيفاً هنا وفيما بعد والمعنى على ما سمعت، وقرأ أبو رجاء في رواية { ثمر } بالفتح والسكون. وفي مصحف أبـي وحمل على التفسير (وآتيناه ثمراً كثيراً).

وقال ابن عطية

وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وابن الزبير، وثبت في مصاحف المدينة " منهما " يريد الجنتين المذكورتين أولاً، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي والعامة، وكذلك هو مصحف أهل البصرة " منها " يريد الجنة المدخولة....

اسامة محمد خيري
10-11-2018, 09:27
الجوهرة الثالثة بعد المائتين

قال ابن عطية

واختلفت القراءة في قوله { لكنا } فقرأ ابن عامر ونافع في رواية المسيبي " لكنا " في الوصل والوقف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي " لكن " في الوصل و " لكنا " في الوقف، ورجحها الطبري، وهي رواية ورش وقالون عن نافع، وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب والحسن " لكن أنا هو الله ربي " ، وقرأ عيسى الثقفي والأعمش بخلاف " لكن هو الله ربي " فأما هذه الأخيرة فبين على الأمر والشأن، وأما الذي قبلها فعلى معنى لكن أنا أقول ومن هذه الفرقة، من قرأ " لكننا " ، على حذف الهمزة وتخفيف النونين، وفي هذا نظر، وأما من قرأ " لكننا " ، فأصله عنده لكن أنا: حذفت الهمزة على غير قياس، وأدغمت النون في النون، وقد قال بعض النحويين: نقلت حركة الهمزة إلى النون فجاء لكننا، ثم أدغمت بعد ذلك فجاء " لكنا " ، فرأى بعض القراء أن بالإدغام استغني عن الألف الأخيرة، فمنهم من حذفها في الوصل، ومنهم من أثبتها في الوصل والوقف، ليدل على أصل الكلمة، ويتوجه في " لكنا " أن تكون لكن لحقتها نون الجماعة التي في " خرجنا وضربنا " ، ووقع الإدغام لاجتماع المثلين، ثم وجد في { ربي } على المعنى، ولو اتبع اللفظ لقال ربنا ذكره أبو علي، ويترجح بهذا التعليل قول من أثبت الألف في حال الوصل، والوقف، ويتوجه في { لكنا } أن تكون المشهورة من أخوات إن، المعنى: لكن قولي: هو { الله ربي } ، أما أني لا أعرف من يقرأ بها وصلاً ووقفاً، وذلك يلزم من يوجه هذا الوجه، وروى هارون عن أبي عمرو " ولكنه هو الله ربي " بضمير لحق " لكن " ....

وقال الطبري

لَكِنَّ هُوَ اللّهُ رَبّـي } يقول أما أنا فلا أكفر بربـي، ولكن أنا هو الله ربـي، معناه أنه يقول ولكن أنا أقول هو الله ربـي { وَلا أُشْرِكُ بِرَبـيّ أحَداً }. وفـي قراءة ذلك وجهان أحدهما لكنّ هو الله ربـي بتشديد النون وحذف الألف فـي حال الوصل، كما يقال أنا قائم فتـحذف الألف من أنا، وذلك قراءة عامة قرّاء أهل العراق. وأما فـي الوقـف فإن القرأة كلها تثبت فـيها الألف، لأن النون إنـما شدّدت لاندغام النون من لكن، وهي ساكنة فـي النون التـي من أنا، إذ سقطت الهمزة التـي فـي أنا، فإذا وقـف علـيها ظهرت الألف التـي فـي أنا، فقـيـل لكنا، لأنه يقال فـي الوقـف علـى أنا بإثبـات الألف لا بإسقاطها. وقرأ ذلك جماعة من أهل الـحجاز { لَكِنَّا } بإثبـات الألف فـي الوصل والوقـف، وذلك وإن كان مـما ينطق به فـي ضرورة الشعر، كما قال الشاعر
أنا سَيْفُ العَشِيرَةِ فـاعْرِفُونِـي حُمَيْداً قد تَذَرَّيْتُ السَّنامَا
فأثبت الألف فـي أنا، فلـيس ذلك بـالفصيح من الكلام، والقراءة التـي هي القراءة الصحيحة عندنا ما ذكرنا عن العراقـيـين، وهو حذف الألف من «لكنّ» فـي الوصل، وإثبـاتها فـي الوقـف.

وقال ابن عطية

وقوله { هنالك } يحتمل أن يكون ظرفاً لقوله { منتصراً } ويحتمل أن تكون { الولاية } مبتدأ، و { هنالك } خبره،

وقرأ حمزة والكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب " الوِلاية " بكسر الواو، وهي بمعنى الرياسة والزعامة ونحوه، وقرأ الباقون " الوَلاية " بفتح الواو وهي بمعنى الموالاة والصلة ونحوه، ويحكى عن أبي عمرو والأصمعي أن كسر الواو هنا لحن، لأن فعالة، إنما تجيء فيما كان صنعة أو معنى متقلداً، وليس هنا تولي أمر الموالاة،

وقرأ أبو عمرو والكسائي " الحق " بالرفع على جهة النعت لـ { الولاية } ، وقرأ الباقون " الحقِّ " بالخفض على النعت { لله } عز وجل، وقرأ أبو حيوة " لله الحقَّ " بالنصب وقرأ الجمهور " عُقُباً " بضم العين والقاف وقرأ عاصم وحمزة والحسن " عُقْباً " بضم العين وسكون القاف وتنوين الباء، وقرأ عاصم أيضاً " عقبى " بياء التأنيث، والعُقُب والعُقْب بمعنى العاقبة.....

تذروه } ، بمعنى تفرقه، وقرأ ابن عباس: " تذريه " ، والمعنى: تقلعه وترمي به، وقرأ الحسن " تذروه الريح " بالإفراد، وهي قراءة طلحة والنخعي والأعمش.....

وقرأ نافع والأعرج وشيبة وعاصم وابن مصرف وأبو عبد الرحمن " نسير " بنون العظمة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحسن وشبل وقتادة وعيسى: " تسيَّر " بالتاء، وفتح الياء المشددة " الجبالُ " رفع، وقرأ الحسن: " يُسيَّر " بياء مضمونة، والثانية مفتوحة مشددة، " الجبال " رفعاً، وقرأ ابن محيصن " تَسِير ": بتاء مفتوحة وسين مكسورة، أسند الفعل إلى " الجبال " ، وقرأ أبي بن كعب " ويوم سيرت الجبال "......

وقرأ الجمهور " نغادر " بنون العظمة، وقرأ قتادة: " تغادر " على الإسناد إلى القدرة أو إلى الأرض، وروى أبان بن يزيد عن عاصم: " يغادَر " بياء وفتح الدال " أحدُ " بالرفع، وقرأ الضحاك " فلم نُغْدِر " بنون مضمومة وكسر الدال وسكون الغين، والمغادرة: الترك، ومنه غدير الماء، وهو ما تركه السيل...

اسامة محمد خيري
10-11-2018, 09:37
الجوهرة الرابعة بعد المائتين

قال السمين

قوله: { وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ } وُضع الظاهرُ موضعَ المضمر؛ إذ المراد بالمُضِلِّين مَنْ نفى عنهم إشهادَ خَلْقِ السماواتِ، وإنما نبَّه بذلك على وَصْفِهم القبيحِ.

وقرأ العامَّةُ " كُنْتُ " بضمِّ التاء إخباراً عنه تعالى. وقرأ الحسن والجحدري وأبو جعفر بفتحها خطاباً لنبيِّنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم. وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه { مُتَّخِذَ ظ±لْمُضِلِّينَ } نوَّن اسمَ الفاعلِ ونَصَبَ به، إذ المرادُ به الحالُ أو الاستقبالُ.

وقال الالوسي

وقال الإمام بعد حكاية القول برجوع الضميرين إلى الشياطين: الأقرب عندي عودهما على الكفار الذين قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم إن لم تطرد عن مجلسك هؤلاء الفقراء لم نؤمن بك فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء الذين أتوا بهذا الاقتراح الفاسد والتعنت الباطل ما كانوا شركائي في تدبير العالم بدليل أني ما أشهدتهم خلق السمظ°وات والأرض ولا خلق أنفسهم ولا اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة بل هم كسائر الخلق فلم أقدموا على هذا الاقتراح الفاسد؟ ونظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له لست بسلطان البلد حتى نقبل منك هذه الاقتراحات الهائلة فلم تقدم عليها، والذي يؤكد هذا أن الضمير يجب عوده على أقرب المذكورات وهو في الآية أولئك الكفار لأنهم المراد بالظالمين في قوله تعالى:{ بِئْسَ لِلظَّـظ°لِمِينَ بَدَلاً } [الكهف: 50] انتهى.

وقيل المعنى على تقدير عود الضميرين على أولئك الكفرة أن هؤلاء الظالمين جاهلون بما جرى به القلم في الأزل من أحوال السعادة وضدها لأنهم لم يكونوا شاهدين خلق العالم فكيف يمكنهم أن يحكموا بحسن حالهم عند الله تعالى وبشرفهم ورفعتهم عند الخلق وبأضداد هذه الأحوال للفقراء، وقيل المعنى عليه ما أشهدتهم خلق ذلك وما أطلعتهم على أسرار التكوين وما خصصتهم بخصائص لا يحويها غيرهم حتى يكونوا قدوة للناس فيؤمنوا بإيمانهم كما يزعمون فلا تلتفت إلى قولهم طمعاً في نصرتهم للدين فإنه لا ينبغي لي أن أعتضد لديني بالمضلين، ويعضده قراءة أبـي جعفر والجحدري والحسن وشيبة { وما كنت } بفتح التاء خطاباً له صلى الله عليه وسلم، والمعنى ما صح لك الاعتضاد بهم، ولعل وصف أولئك الظالمين بالإضلال لما أن قصدهم بطرد الفقراء تنفير الناس عنه صلى الله عليه وسلم وهو إضلال ظاهر.

قال الطبري

قال ابن زيد، فـي قوله { أوْ يَأتِـيَهُمُ العَذَابُ قُبُلاً } قال قبلاً معاينة ذلك القبل. وقد اختلف القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته جماعة ذات عدد { أوْ يَأْتِـيَهُمْ العَذَابُ قُبُلاً } بضمّ القاف والبـاء، بـمعنى أنه يأتـيهم من العذاب ألوان وضروب، ووجهوا القُبُل إلـى جمع قبـيـل، كما يُجمع القتـيـل القُتُل، والـجديد الـجُدُد. وقرأته جماعة أخرى «أوْ يَأْتِـيَهُمْ العَذَابُ قِبَلاً» بكسر القاف وفتـح البـاء، بـمعنى أو يأتـيهم العذاب عياناً من قولهم كلـمته قِبَلاً. وقد بـيَّنت القول فـي ذلك فـي سورة الأنعام بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع....

ملحوظة

قال فى الانعام

واختلفت القرّاء في قراءة قوله { وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } فقرأته قرّاء أهل المدينة «قِبَلاً» بكسر القاف وفتح الباء، بمعنى معاينة، من قول القائل لقيته قِبَلاً أي معاينة ومجاهرة.

وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين والبصريين { وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } بضم القاف والباء. وإذا قرىء كذلك كان له من التأويل ثلاثة أوجه أحدها أن يكون القُبُل جمع قَبِيل كالرُّغُف التي هي جمع رغيف، والقُضُب التي هي جمع قضيب، ويكون القُبُل الضمناء والكفلاء وإذا كان ذلك معناه، كان تأويل الكلام وحشرنا عليهم كلّ شيء كفلاء يكفلون لهم بأن الذي نعدُهم على إيمانهم بالله إن آمنوا أو نوعدهم على كفرهم بالله إن هلكوا على كفرهم، ما آمنوا إلا أن يشاء الله. والوجه الآخر أن يكون «القُبُل» بمعنى المقابلة والمواجهة، من قول القائل أتيتك قُبُلاً لا دُبُراً، إذا أتاه من قِبَل وجهه. والوجه الثالث أن يكون معناه وحشرنا عليهم كلّ شيء قبيلة قبيلة، صنفاً صنفاً، وجماعة جماعة. فيكون القُبُل حينئذٍ جمع قَبيل الذي هو جمع قبيلة، فيكون القُبل جمع الجمع. وبكلّ ذلك قد قالت جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال معنى ذلك معاينة. حدثني المثنى، قال ثنا عبد الله بن صالح، قال ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس { وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } يقول معاينة. حدثنا بشر، قال ثنا يزيد، قال ثنا سعيد، عن قتادة { وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } حتى يعاينوا ذلك معاينة { ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلاَّ أنْ يَشاءَ اللّهُ }. ذكر من قال معنى ذلك قبيلة قبيلة صنفاً صنفاً. حدثني المثنى، قال ثنا إسحاق، قال ثنا عبد الله بن يزيد، من قرأ { قُبُلاً } معناه قبيلاً قبيلاً. حدثنا القاسم، قال ثنا الحسين، قال ثني حجاج، عن ابن جريج، قال قال مجاهد { قُبُلاً } أفواجاً، قبيلاً قبيلاً. حدثني المثنى، قال ثنا إسحاق، قال ثنا أحمد بن يونس، عن أبي خيثمة، قال ثنا أبان بن تغلب، قال ثني طلحة أن مجاهداً قرأ في الأنعام { كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } قال قبائل، قبيلاً قبيلاً وقبيلاً. ذكر من قال معناه مقابلة. حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله { وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتَى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } يقول لو استقبلهم ذلك كله، لَمْ يُؤْمِنُوا إلاَّ أنْ يَشاءَ اللّهُ. حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد، في قوله { وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } قال حشروا إليهم جميعاً، فقابلوهم وواجهوهم. حدثني المثنى، قال ثنا إسحاق، قال ثنا عبد الله بن يزيد، قرأ عيسى { قُبُلاً } ومعناه عياناً. وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندنا، قراءة من قرأ { وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } بضمّ القاف والباء لما ذكرنا من احتمال ذلك الأوجه التي بينا من المعاني، وأن معنى القِبَلِ داخل فيه، وغير داخل في القِبَلِ معاني القُبُل....

اسامة محمد خيري
10-11-2018, 10:28
الجوهرة الخامسة بعد المائتين

قال ابن عطية

وقرأ الأعمش " فظنوا أنهم ملاقوها " ، وكذلك في مصحف ابن مسعود، وحكى أبو عمرو الداني عن علقمة، أنه قرأ: " ملافوها " بالفاء مشددة من لففت، وروى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة " ....

وقال السمين

وأبو حيوة " واتخاذَ سبيلِه " عَطَفَ هذا المصدرَ على مفعول " اذكره ".....

قال ابن عطية

{ أخرقتها } وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم " لتغرق أهلها " بالتاء وقرأ أبو رجاء " لتغَرِّق " بشد الراء وفتح الغين، وقرأ حمزة والكسائي " ليغرق أهلُها " برفع الأهل، وإسناد الفعل إليهم....

قال الرازى

أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً } وفيه مباحث: البحث الأول: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو زاكية بالألف والباقون زكية بغير ألف قال الكسائي: الزاكية والزكية لغتان ومعناهما الطاهرة، وقال أبو عمرو الزاكية التي لم تذنب والزكية التي أذنبت ثم تابت

وقال الالوسي

وقرأ ابن عباس والأعرج وأبو جعفر وشيبة وابن محيصن وحميد والزهري ونافع واليزيدي وابن مسلم وزيد وابن بكير عن يعقوب ورويس عنه أيضاً وأبو عبيد وابن جبير الأنطاكي وابن كثير وأبو عمرو { زاكية } بتخفيف الياء وألف بعد الزاي، و { زكية } بالتشديد من غير ألف كما قرأ زيد بن علي والحسن والجحدري وابن عامر والكوفيون أبلغ من ذلك لأنه صفة مشبهة دالة على الثبوت مع كون فعيل المحول من فاعل ـ كما قال أبو حيان ـ يدل على المبالغة، وفرق أبو عمرو بين زاكية وزكية بأن زاكية بالألف هي التي لم تذنب قط وزكية بدون الألف هي التي أذنبت ثم غفرت.

وتعقب بأنه فرق غير ظاهر لأن أصل معنى الزكاة النمو والزيادة فلذا وردت للزيادة المعنوية وأطلقت على الطهارة من الآثام ولو بحسب الخلقة والابتداء كما في قوله تعالى:{ لأِهَبَ لَكِ غُلَـظ°ماً زَكِيّاً } [مريم: 19] فمن أين جاءت هذه الدلالة ثم وجه ذلك بأنه يحتمل أن تكون لكون زاكية بالألف من زكى اللازم وهو يقتضي أنه ليس بفعل آخر وأنه ثابت له في نفسه وزكية بمعنى مزكاة فإن فعيلاً قد يكون من غير الثلاثي كرضيع بمعنى مراضع، وتطهير غيره له من الذنوب إنما يكون بالمغفرة وقد فهمه من كلام العرب فإنه إمام العربية واللغة فتكون بهذا الاعتبار زاكية بالألف أبلغ وأنسب بالمقام بناءً على أنه يرى أن الغلام لم يبلغ الحلم ولذا اختار القراءة بذلك وإن كان كل من القراءتين متواتراً عنه صلى الله عليه وسلم، وهذا على ما قيل لا ينافي كون زكية بلا ألف أبلغ باعتبار أنها تدل على الرفع وهو أقوى من الدفع فافهم. وأياً ما كان فوصف النفس بذلك لزيادة تفظيع ما فعل.

انتهى الجزء الخامس عشر

اسامة محمد خيري
11-11-2018, 04:50
قراءات ربما غفلنا عنها فى الجزء الخامس عشر

{ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً }

قال الرازى

: قرأ الجمهور { لّيَذْكُرُواْ } بفتح الذال والكاف وتشديدهما، والمعنى: ليتذكروا فأدغمت التاء في الذال لقرب مخرجيهما، وقرأ حمزة والكسائي { ليذكروا } ساكنة الذال مضمومة الكاف، وفي سورة الفرقان مثله من الذكر قال الواحدي: والتذكر ههنا أشبه من الذكر، لأن المراد منه التدبر والتفكر، وليس المراد منه الذكر الذي يحصل بعد النسيان. ثم قال: وأما قراءة حمزة والكسائي ففيها وجهان: الأول: أن الذكر قد جاء بمعنى التأمل والتدبر كقوله تعالى:{ خُذُواْ مَا ءاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ } [البقرة: 63] والمعنى: وافهموا ما فيه. والثاني: أن يكون المعنى صرفنا هذه الدلائل في هذا القرآن ليذكروه بألسنتهم فإن الذكر باللسان قد يؤدي إلى تأثر القلب بمعناه...

وقال السمين

وقرأ العامَّة " نَدْعو " بنون العظمة، ومجاهدٌ " يَدْعُو " بياء الغيبة، أي: الله تعالى أو المَلَك. و " كلَّ " نصبٌ مفعولاً به على القراءتين.

وقرأ الحسن فيما نقله الدانيُّ عنه " يُدْعَى " مبنياً للمفعول، " كلُّ " مرفوعٌ لقيامِه الفاعلِ، وفيما نقله عنه غيرُه " يُدْعَو " بضمِّ الياء وفتح العين، بعدها واوٌ. وخُرِّجَتْ على وجهين، أحدُهما: أن الأصلَ: يُدْعَوْن فَحُذِفت نونُ الرفعِ كما حُذِفَتْ في قولِه عليه السلام: " لا تَدْخُلوا الجنة حتى تُؤْمنوا، ولا تُؤْمنوا حتى تحابُّوا "

وقوله:
3088- أَبَيْتُ أَسْرِيْ وتَبِْيْتي تَدْلُكِيْ وَجْهَكِ بالعَنْبَرِ والمِسْكِ الذَّكي
و " كلٌّ " مرفوعٌ بالبدلِ من الواوِ التي هي ضميرٌ، أو بالفاعليةِ والواوُ علامةٌ على لغةِ " يتعاقبون فيكمْ ملائكةٌ ".

والتخريجُ الثاني: أنَّ الأصلَ " يُدْعَى " كما نَقَله عنه الدانيُّ، إلا أنه قَلَبَ الألفَ واواً وَقْفاً، وهي لغةٌ لقومٍ، يقولون: هذه أفْعَوْ وعَصَوْ، يريدون: أَفْعى وعَصا، ثم أجرى الوصلَ مُجْرى الوقفِ. و " كلُّ " مرفوعٌ لقيامِه مقامَ الفاعلِ على هذا ليس إلا.....

وقال القرطبي

وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً }. وقرأ عطاء بن أبي رَباح «لا يُلَبَّثون» الباء مشددة. «خلفك» نافع وابن كثير وأبو بكر وأبو عمرو، ومعناه بعدك. وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائيّ «خلافك» واختاره أبو حاتم، اعتباراً بقوله:{ فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ } [التوبة: 81] ومعناه أيضاً بعدك؛ قال الشاعر:
عَفَت الديار خلافهم فكأنما بسط الشّواطِبُ بينهن حَصِيراً
بسط البواسط؛ في الماورديّ. يقال: شطبت المرأة الجريد إذا شقته لتعمل منه الحصر. قال أبو عبيد: ثم تُلقيه الشاطبة إلى المُنَقِّية. وقيل: «خلفك» بمعنى بعدك. «وخلافك» بمعنى مخالفتك...

وقال السمين فى الكهف


قوله: " بِوَرِقِكم " حال ِمنْ " أحدَكم " ، أي: مصاحباً لها، وملتبساً بها. وقرأ أبو عمروٍ وحمزةُ وأبو بكر بفتحِ الواوِ وسكونِ الراءِ والفَكِّ. وباقي السبعة بكسر الراء، والكسرُ هو الأصلُ، والتسكينُ تحفيفٌ كـ " نَبْق " في نَبِق. وحكى الزجاج كسرَ الواوِ وسكونِ الراء وهو نَقْلٌ، وهذا كما يقال: كَبِدْ وكَبْد وكِبْد.

وقرأ أبو رجاء وابن محيصن كذلك، إلا أنه بإدغام القاف. واستضعفوها مِنْ حيث الجمعُ بين ساكنين على غير حَدِّيهما وقد تقدَّم لك في المتواترِ ما يُشبه هذه مِنْ نحوِ { فَنِعِمَّا }{ لاَ تَعْدُّواْ فِي ٱلسَّبْتِ } [النساء: 154]... ورُوِيَ عن ابنِ محيصن أنَّه أَدْغَمَ كسرَ الراءَ فِراراً مِمَّا ذَكَرْتَ.

وقرأ أميرُ المؤمنين " بوارِقِكم " اسمَ فاعلٍ، أي: صاحب وَرِقٍ كـ " لابِن ". وقيل: هو اسمُ جمعٍ كجاملٍ وباقر....

اسامة محمد خيري
11-11-2018, 04:54
الجزء السادس عشر

الجوهرة السادسة بعد المائتين

قال ابن عطية

وقرأ الجمهور " يضَيّفوهما " بفتح الضاد وشد الياء، وقرأ أبو رجاء " يضيفوهما " ، بكسر الضاد وسكون الياء وهي قراءة ابن محيصن، وابن الزبير، والحسن وأبي رزين، والضيف مأخوذ من ضاف إلى المكان إذا مال إليه، ومنه الإضافة، وهي إمالة شيء إلى شيء، وقرأ الأعمش " فأبوا أن يطعموهما " ، ....

وقرأ الجمهور " ينقض " أي يسقط، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه " أن يُنقض " بضم الميم وتخفيف الضاد وهي قراءة أبي، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعكرمة " أن يناقص " ، بالصاد غير منقوطة بمعنى ينشق طولاً، يقال انقاص الجدار وطي البير، وانقاصت السن، إذا انشقت طولاً، وقيل إذا تصدعت كيف كان، ومنه قول أبي ذؤيب: [الطويل]

فراق كقيص السن فالصبر انه لكل أناس عبرة وحبور
ويروى عثرة وجبور بالثاء والجيم، وقرأ ابن مسعود والأعمش " يريد لينقض " ....

قرأ الجمهور " لمساكين " بتخفيف السين، جمع مسكين، واختلف في صفتهم، فقالت فرقة كانت لقوم تجار، ولكنهم من حيث هم مسافرون على قلة، وفي لجة بحر، وبحال ضعف عن مدافعة غصب جائر، عبر عنهم بـ " مساكين " ، إذ هم في حالة يشفق عليهم بسببها.

قال القاضي أبو محمد: وهذا كما تقول لرجل غني إذا وقع في وهدة وخطب مسكين وقالت فرقة: كانوا عشرة إخوة: أهل عاهات خمسة منهم: عاملون بالسفينة لا قدرة بهم على العمل، وقرأت فرقة " لمسّاكين " بتشديد السين. واختلف في تأويل ذلك فقالت فرقة أراد بـ " المساكين " ملاحي السفينة وذلك أن المساك هو الذي يمسك رجل المركب وكل الخدمة يصلح لإمساكه، فسمي الجميع " مساكين " ، وقالت فرقة: أراد " المسّاكين " دبغة المسوك، وهي الجلود واحدها مسك.

قال القاضي أبو محمد: والأظهر في ذلك القراءة الأولى وأن معناها أن السفينة لقوم ضعفاء ينبغي أن يشفق لهم....

وقرأ ابن جبير وابن عباس: " وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة " صحيحة وقرأ عثمان بن عفان " وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة ".

قال القاضي أبو محمد: وقوله { وراءهم } هو عندي على بابه وذلك أن هذه الألفاظ إنما تجيء مراعاً بها الزمن، وذلك أن الحادث المقدم الوجود هو الإمام، وبين اليد: لما يأتي بعده في الزمن، والذي يأتي بعد: هو الوراء وهو ما خلف، وذلك بخلاف ما يظهر ببادي الرأي، وتأمل هذه الألفاظ في مواضعها حيث وردت تجدها تطرد، فهذه الآية معناها: أن هؤلاء وعملهم، وسعيهم، يأتي بعده في الزمن غصب هذا الملك، ومن قرأ " أمامهم " ، أراد في المكان، أي إنهم كانوا يسيرون إلى بلده....

وقرأ أبي بن كعب: " فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين " ، وقرأ أبو سعيد الخدري " فكان أبواه مؤمنان " فجعلها كان التي فيها الأمر والشأن، وقوله { فخشينا } قيل هو في جملة الخضر، فهذا متخلص. والضمير عندي للخضر وأصحابه الصالحين الذين أهمهم الأمر وتكلموا فيه، وقيل هو في جهة الله تعالى، وعنه عبر الخضر قال الطبري معناه فعلمنا وقال غيره معناه فكرهنا والأظهر عندي في توجيه هذا التأويل، وإن كان اللفظ يدافعه، أنها استعارة، أي على ظن المخلوقين والمخاطبين، لو علموا حاله لوقعت منهم خشية الرهق للأبوين، وقرأ ابن مسعود " فخاف ربك " وهذا بين في الاستعارة وهذا نظير ما يقع في القرآن في جهة الله تعالى من لعل وعسى: فإن جميع ما في هذا كله، من ترج وتوقع، وخوف، وخشية، إنما هو بحبكم أيها المخاطبون، ....

ملحوظة

المعنى كان فى علم الله كافرا لو بلغ وفى الحديث طبع كافرا اى فى علمه الازلي

وقال السمين


قوله: { أَن يُبْدِلَهُمَا }: قرأ نافع وأبو عمرو بفتح الباء وتشديد الدال مِنْ " بَدَّلَ " هنا، وفي التحريم { أَن يُبْدِلَهُ } وفي القلم { أَنْ يُبْدِلَنا } والباقون بسكونِ الباءِ وتخفيفِ الدالِ مِنْ " أَبْدَلَ " في المواضعِ الثلاثة. فقيل: هما لغتان بمعنىً واحد. وقال ثعلب: الإِبدالُ تَنْحِيَةُ جوهرَةٍ، واستئنافُ أخرى. وأنشد:
3193- عَزْلَ الأميرِ للأميرِ المُبْدَلِ
قال: ألا تراه نَحَّى جسماً، وجعل مكانَه آخرَ. والتبديلُ: تغييرُ الصورةِ إلى غيرِها، والجوهرةُ باقيةٌ بعينِها. واحتجَّ الفراء بقولِه تعالى:{ يُبَدِّلُ ظ±للَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ } [الفرقان: 70] قال: " والذي قال ثعلبٌ حسنٌ، إلا أنَّهم يجعلون اَبْدَلْتُ بمعنى بَدَّلْتُ ". قلت: ومِنْ ثَمَّ اختلف الناسُ في قولِه تعالى:{ يَوْمَ تُبَدَّلُ ظ±لأَرْضُ } [إبراهيم: 48]: هل يتغير الجسمُ والصفةُ، أو الصفةُ دونَ الجسمِ؟

قوله: " رُحْماً " قرأ ابن عامر " رُحُماً " بضمتين. والباقون بضمةٍ وسكونٍ وهما بمعنى الرحمة. قال رؤبة:
3192- يا مُنْزِلَ الرُّحْمِ على إدْريسا ومُنْزِلَ اللَّعْنِ على إِبْليسا
وقيل: الرُّحْم بمعنى الرَّحِم. وهو لائقٌ هنا مِنْ أجلِ القَرابةِ بالولادة. ويؤيِّده قراءةُ ابنِ عباس " رَحِماً " بفتحِ الراءِ وكسرِ الحاءِ. و " زكاة ورُحْماً " منصوبان على التمييز....

اسامة محمد خيري
11-11-2018, 05:06
الجوهرة السابعة بعد المائتين

قال ابن عطية

وقوله { فأتبع سبباً } الآية، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو " فاتّبع " بشد التاء، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي " فأتبع " بسكون التاء على وزن أفعل، قال بعض اللغويين هما بمعنى واحد، وكذلك تبع، وقالت فرقة " أتبع " بقطع الألف: هي عبارة عن المجد المسرع الحثيث الطلب، و " اتبع " إنما يتضمن معنى الاقتفاء دون هذه القرائن، قاله أبو زيد وغيره.

قال القاضي أبو محمد: واستقرأ هذا القائل هذه المقالة من القرآن كقوله عز وجل{ فأتبعه شهاب ثاقب } [الصافات: 10]، وكقوله{ فأتبعهم فرعون } [يونس: 90] [طه: 78]، وكقوله تعالى:{ فأتبعه الشيطان } [الأعراف: 175]، وهذا قول حكاه النقاش عن يونس بن حبيب، وإذا تأملت " اتّبع " بشد التاء لم تربط لك هذا المعنى ولا بد. و " السبب " في هذه الآية، الطريق المسلوكة، لأنها سبب الوصول إلى المقصد،

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم " في عين حَمِئة " ، على وزن فَعِلة، أي ذات حُماة، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، والباقون في " عين حامية " ، أي حارة، وقد اختلف في ذلك قراءة معاوية وابن عباس فقال ابن عباس " حمئة " ، وقال معاوية " حامية " ، فبعثا إلى كعب الأحبار ليخبرهم بالأمر كيف هو في التوراة، فقال لهما أما العربية فأنتما أعلم بها مني، ولكني أجد في التوراة أنها تغرب في عين ثاط، والثاط الطين. فلما انفصلا قال رجل لابن عباس: لوددت أني حضرت يا أبا العباس، فكنت أنجدك بشعر تبع الذي يقول فيه في ذكر ذي القرنين: [الكامل]

قد كان ذو القرنين جدي مسلماً ملكاً تدين له الملوك ويحشد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي أسباب أمر من حيكم مرشد
فرأى مغار الشمس عند غروبها في عين ذي خلب وثاط حرمد
فالخلب: الطين، والثاط: الحمأة، الحرمد: الأسد، ومن قرأ " حامئة " ، وجهها إلى الحرارة، وروي عن عبد الله بن عمرو " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى الشمس وهي تغيب فقال " في نار الله الحامية، لولا ما يزعها من الله لأحرقت ما على الأرض " ، وروى أبو ذر " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى الشمس عند غروبها فقال " أتدري أين تغرب يا أبا ذر؟ " قلت لا، قال: " إنها تغرب في عين حامية "

، فهذا يدل على أن العين هنالك حارة، و " حامية " هي قراءة طلحة بن عبيد الله، وعمرو بن العاص وابنه، وابن عمر، وذهب الطبري إلى الجمع بين الأمرين: فيقال يحتمل أن تكون العين حارة، ذات حمأة فكل قراءة وصف بصفة من أحوالها، وذهب بعض البغداديين إلى أن { في } بمنزلة عند، كأنها مسامتة من الأرض فيما يرى الرائي لـ { عين حمئة } وقال بعضهم: قوله { في عين } إنما المراد أن ذا القرنين كان فيها، أي هي آخر الأرض.

قال القاضي أبو محمد: وظاهر هذه الأقوال تخيل والله أعلم، قال أبو حاتم: وقد يمكن أن تكون " حاميئة " مهموزة، بمعنى ذات حمأة، فتكون القراءتان بمعنى واحد....

وقال الطبري

والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال إنهما قراءتان مستفـيضتان فـي قرأة الأمصار، ولكلّ واحدة منهما وجه صحيح ومعنى مفهوم، وكلا وجهيه غير مفسد أحدهما صاحبه، وذلك أنه جائز أن تكون الشمس تغرب فـي عين حارّة ذات حمأة وطين، فـيكون القارىء فـي عين حامية وصفها بصفتها التـي هي لها، وهي الـحرارة، ويكون القارىء فـي عين حمئة واصفها بصفتها التـي هي بها وهي أنها ذات حمأة وطين. وقد رُوي بكلا صيغتـيها اللتـين قلت إنهما من صفتـيها أخبـار. حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال ثنا يزيد بن هارون، قال أخبرنا العوّام، قال ثنـي مولـى لعبد الله بن عمرو، عن عبد الله، قال نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى الشمس حين غابت، فقال " فِـي نارِ اللَّهِ الـحامِيَةِ، فِـي نارِ اللَّهِ الـحامِيَةِ، لَوْلا ما يَزَعُها مِنْ أمْرِ اللَّهِ لأَحْرَقَتْ ما عَلـى الأرْض " حدثنـي الفضل بن داود الواسطي، قال ثنا أبو داود، قال ثنا مـحمد بن دينار، عن سعد بن أوس، عن مصدع، عن ابن عبـاس، عن أبـيّ بن كعب أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أقرأه { حَمِئَةٍ }

اسامة محمد خيري
11-11-2018, 05:09
الجوهرة الثامنة بعد المائتين

قال ابن عطية

وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو وابن عامر: { جزاء الحسنى } بإضافة الجزاء إلى { الحسنى } ، وذلك يحتمل معنيين: أحدهما أن يريد بـ { الحسنى } الجنة، والجنة هي الجزاء، فأضاف ذلك كما قال " دار الآخرة " والدار هي الآخرة، والثاني أن يريد بـ { الحسنى } أعمالهم الصالحة في إيمانهم، فوعدهم بجزاء الأعمال الصالحة، وقرأ حمزة الكسائي وحفص عن عاصم " جزاءً الحسنى " بنصب الجزاء على المصدر في موضع الحال، و " الحسنى ": ابتداء خبره في المجرور، ويراد بها الجنة، وقرأ عبد الله بن أبي إسحاق " جزاءٌ " بالرفع والتنوين { الحسنى } وقرأ ابن عباس ومسروق: " جزاءَ " نصب بغير التنوين { الحسنى } بالإضافة، قال المهدوي: ويجوز حذف التنوين لالتقاء الساكنين، ووعدهم بذلك بأنه ييسر عليهم أمور دنياهم...

وقال الطبري

وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك عندي قراءة من قرأه { فَلَهُ جَزاءً الـحُسْنَى } بنصب الـجزاء وتنوينه علـى الـمعنى الذي وصفت، من أن لهم الـجنة جزاء، فـيكون الـجزاء نصبـا علـى التفسير

اسامة محمد خيري
11-11-2018, 05:13
الجوهرة التاسعة بعد المائتين

قال ابن عطية

وقرأ نافع وابن عامر وعاصم: " السُّدين " بضم السين، وكذلك " سُداً " حيث وقع، وقرأ حفص عن عاصم بفتح ذلك كله من جميع القرآن، وهي قراءة مجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي، وقرأ ابن كثير " السَّدين " بفتح السين وضم " سداً " في يس، واختلف بعد فقال الخليل وسيبويه: الضم هو الاسم والفتح هو المصدر، وقال الكسائي: الضم والفتح لغتان بمعنى واحد، وقرأ عكرمة وأبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة ما كان من خلقة الله لم يشارك فيه أحد بعمل فهو بالضم، وما كان من صنع البشر فهو بالفتح.

قال القاضي أبو محمد: ويلزم أهل هذه المقالة أن يقرأ " بين السُّدين " بالضم وبعد ذلك " سَداً " بالفتح، وهي قراءة حمزة والكسائي، وحكى أبو حاتم عن ابن عباس وعكرمة عكس ما قال أبو عبيدة، وقال ابن أبي إسحاق: وما رأته عيناك فهو " سُد " بالضم، وما لا يرى فهو " سَد " بالفتح...

وقال الطبري

وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله { يَفْقَهُونَ } فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة { يَفْقَهُونَ قَوْلاً } بفتـح القاف والـياء، من فقَه الرجل يفقه فقهاً. وقرأ ذلك عامَّة قرّاء أهل الكوفة «يُفْقِهُونَ قَوْلاً» بضمّ الـياء وكسر القاف من أفقهت فلاناً كذا أفقهه إفقاها إذا فهمته ذلك. والصواب عندي من القول فـي ذلك، أنهما قراءتان مستفـيضتان فـي قراءة الأمصار، غير دافعة إحداهما الأخرى وذلك أن القوم الذين أخبر الله عنهم هذا الـخبر جائز أن يكونوا لا يكادون يفقهون قولاً لغيرهم عنهم، فـيكون صوابـاً القراءة بذلك. وجائز أن يكونوا مع كونهم كذلك كانوا لا يكادون أن يفقهوا غيرهم لعلل إما بألسنتهم، وإما بـمنطقهم، فتكون القراءة بذلك أيضاً صوابـاً....

اسامة محمد خيري
11-11-2018, 05:16
الجوهرة العاشرة بعد المائتين

قال السمين

قوله: { يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ }: قرأ عاصمٌ بالهمزة الساكنة، والباقون بألفٍ صريحة. واخْتُلِف في ذلك فقيل: هما أعجميان. لا اشتقاقَ لهما ومُنعا من الصرف للعلَميَّة والعُجْمة. ويحتمل أَنْ تكونَ الهمزةُ أصلاً والألفُ بدلٌ عنها، أو بالعكسِ؛ لأنَّ العربَ تتلاعب بالأسماءِ الأعجمية. وقيل: بل هما عربيَّان واختلفوا في اشتقاقِهما: فقيل: اشتقاقُهما مِنْ أَجيج النار وهو التهابُها وشِدَّةُ تَوَقُّدِها. وقيل: مِنَ الأَجَّة. وهو الاختلاطُ أو شدةُ الحَرِّ. وقيل: من الأجِّ، وهو سُرْعةُ العَدْوِ. ومنه قوله:
3197-......................... تؤجُّ كما أجَّ الظَّليمُ المُنَفَّرُ
وقيل: من الأُجاجِ، وهو الماءُ المِلْحُ الزُّعاق. ووزنهما يَفْعُوْل ومَفْعُول. وهذا ظاهرٌ على قراءةِ عاصمٍ. وأمَّا قراءةُ الباقين فيُحتمل أن تكونَ الألفُ بدلاً من الهمزة الساكنة، إلا أنَّ فيه أنَّ مِنْ هؤلاءِ مَنْ ليس أصلُه قَلْبَ الهمزةِ الساكنةِ وهم الأكثرُ. ولا ضَيْرَ في ذلك. ويُحتمل أَنْ تكونَ ألفُهما زائدتين، ووزنُهما فاعول مِنْ يَجَّ ومَجَّ.

ويُحتمل أَنْ يكونَ ماجوج مِنْ ماج يموج، أي: اضطرب ومنه المَوْجُ فوزنُه مَفْعول والأصل: مَوْجُوج. قاله أبو حاتم. وفيه نظرٌ من حيث ادِّعاءُ قَلْبِ حَرْفِ العلة وهو ساكنٌ. وشذوذُه كشذوذِ " طائيّ " في النسب إلى طيِّئ. وعلى القولِ بكونِهما عربيين مشتقين فَمَنْعُ صرفِهما للعَلَميَّةِ والتأنيثِ بمعنى القبيلة، كما تقدَّم لك تحقيقهُ في سورة هود. ومثلُ هذا الخلافِ والتعليلِ جارٍ في سورة الأنبياء عليهم السلام. والهمزةُ في يَأْجوج ومَأْجوج لغةُ بني أسد. وقرأ رؤبة وأبوه العجاج " آجوج ".

قوله: " خَراجاً " قرأ ابن عامر " خَرْجاً " هنا وفي المؤمنين بسكون الراء، والأخَوان " خراجاً " " فَخَراج " في السورتين بالألف، والباقون كقراءةِ ابن عامر في هذه السورة، والأول في المؤمنين وفي الثاني وهو " فَخَراج " كقراءة الأخوين. فقيل: هما بمعنى واحد كالنَّوْل والنَوال. وقيل: الخراجُ بالألف ما صُرِفَ على الأرضِ من الإِتاوة كلَّ عام، وبغير ألف بمعنى الجُعْل، أي: نُعْطيك مِنْ أموالِنا مرةً واحدة ما تَسْتعين به على ذلك.

قال مكي رحمه الله: " والاختيارُ تَرْكُ الألف؛ لأنهم إنما عَرَضوا عليه أن يُعطوه عَطِيَّة واحدة على بناءه، لا أَنْ يُضْرَبَ ذلك عليهم كلَّ عام. وقيل: الخَرْج ما كان على الرؤوس، والخراج ما كان على الأرض، يقال: أَدَّ خَرْجَ رأسِكَ، وخراجَ أرضِك. قاله ابن الأعرابي. وقيل: الخَرْجُ أخصُّ، والخَراجُ أعَمُّ. قاله ثعلب. وقيل: الخَرْجُ مصدرٌ، والخَراج اسمٌ لِما يُعطى، ثم قد يُطلق على المفعول المصدرُ كالخَلْق بمعنى المخلوق.

وقال الطبري

اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة { فَهَلْ نَـجْعَلُ لَكَ خَرْجاً } كأنهم نـحوا به نـحو الـمصدر من خَرْج الرأس، وذلك جعله. وقرأته عامَّة قرّاء الكوفـيـين «فَهَلْ نَـجْعَلُ لَكَ خَرَاجاً» بـالألف، وكأنهم نـحوا به نـحو الاسم، وعنوا به أجرة علـى بنائك لنا سدّاً بـيننا وبـين هؤلاء القوم. وأولـى القراءتـين فـي ذلك عندنا بـالصواب قراءة من قرأه «فَهَلْ نَـجْعَلُ لَكَ خَرَاجاً» بـالألف، لأن القوم فـيـما ذُكر عنهم، إنـما عرضوا علـى ذي القرنـين أن يعطوه من أموالهم ما يستعين به علـى بناء السدِّ، وقد بـين ذلك بقوله{ فَأعِينُونِـي بقُوَّةٍ أجْعَلْ بَـيْنَكُمْ وبَـيْنَهُمْ رَدْماً } ولـم يعرضوا علـيه جزية رؤوسهم. والـخراج عند العرب هو الغلة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الـخراسانـيّ، عن ابن عبـاس «فَهَلْ نَـجْعَلُ لَكَ خَرَاجاً» قال أجراً { علَـى أنْ تَـجعَلَ بَـيْنَنَا وَبَـيْنَهُمْ سَدًّا }. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله «فَهَلْ نَـجْعَلُ لَكَ خَرَاجاً» قال أجرا. حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قتادة، قوله «فَهَلْ نَـجْعَلُ لَكَ خَرَاجاً» قال أجراً. وقوله { علَـى أنْ تَـجْعَلَ بَـيْنَنَا وَبَـيْنَهُمْ سَدّاً } يقول قالوا له هل نـجعل لك خراجاً حتـى أن تـجعل بـيننا وبـين يأجوج ومأجوج حاجزاً يحجز بـيننا وبـينهم، ويـمنعهم من الـخروج إلـينا، وهو السدّ.

اسامة محمد خيري
11-11-2018, 05:25
الجوهرة الحادية عشر بعد المائتين

قال ابن عطية


قرأ عاصم وحمزة " ايتوني " بمعنى جيئوني، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي " آتوني " بمعنى أعطوني، وهذا كله إنما هو استدعاء إلى المناولة، لا استدعاء العطية والهبة، لأنه قد ارتبط من قوله إنه لا يأخذ منهم الخرج، فلم يبق الاستدعاء المناولة، وإعمال القوة، و " ايتوني ": أشبه بقوله: فأعينوني بقوة، ونصب " الزبر " به على نحو قول الشاعر: أمرتك الخير، حذف الجار فنصب الفعل وقرأ الجمهور " زبَر " بفتح الباء، وقرأ الحسن بضمها، وكل ذلك جمع زبرة، وهي القطعة العظيمة منه، والمعنى: فرصفه وبناه، حتى إذا ساوى بين الصدفين، فاختصر ذلك لدلالة الظاهر عليه، وقرأ الجمهور " ساوى " وقرأ قتادة " سوى....

وقرأ نافع وحمزة والكسائي " الصَّدَفين " بفتح الصاد وشدها وفتح الدال، وهي قراءة عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو " الصُّدفين " بضم الصاد والدال، وهي قراءة مجاهد والحسن، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بضم الصاد وسكون الدال، وهي قراءة أبي رجاء وأبي عبد الرحمن وقرأ الماجشون: بفتح الصاد وضم الدال، وقراءة قتادة " بين الصَّدْفين " ، بفتح الصاد وسكون الدال، وكل ذلك بمعنى واحد: هما الجبلان المتناوحان، وقيل " الصدفان ": السطحان الأعليان من الجبلين، وهذا نحو من الأول....

وقال البقاعي


جعله دكاء } بإقدراهم على نقبه وهدمه وتسهيل ذلك عليهم، والتعبير بالمصدر المنون في قراءة الجماعة للمبالغة في دكه هو الذي أشارت إليه قراءة الكوفيين بالمد ممنوعاً من الصرف.

وقال القرطبي


جَعَلَهُ دَكَّآءَ } أي مستوياً بالأرض؛ ومنه قوله تعالى:{ إِذَا دُكَّتِ ظ±لأَرْضُ دَكَّاً } [الفجر: 21] قال ابن عرفة: أي جعلت مستوية لا أكمة فيها، ومنه قوله تعالى: «جَعَلَهُ دكّاً» قال اليزيدي: أي مستوياً؛ يقال: ناقة دكاء إذا ذهب سنامها. وقال القتبي: أي جعله مدكوكاً ملصقاً بالأرض. وقال الكلبي: قطعاً متكسراً؛ قال:
هل غيرُ غادٍ دَكَّ غاراً فانهدم
وقال الأزهري: يقال دككته أي دققته. ومن قرأ «دَكَّاءَ» أراد جعل الجبل أرضاً دكاء، وهي الرابية التي لا تبلغ أن تكون جبلاً وجمعها دكاوات. قرأ حمزة وعاصم والكسائي «دكاء» بالمدّ على التشبيه بالناقة الدكاء، وهي التي لا سنام لها، وفي الكلام حذف تقديره: جعله مثل دكاء؛ ولا بدّ من تقدير هذا الحذف. لأن السدّ مذكر فلا يوصف بدكاء. ومن قرأ «دَكًّا» فهو مصدر دَكَّ يدك إذا هَدم ورَضّ؛ ويحتمل أن يكون «جعل» بمعنى خلق. وينصب «دَكًّا» على الحال. وكذلك النصب أيضاً في قراءة من مدّ يحتمل الوجهين....

وقال الالوسي

وَنُفِخَ فِى الصُّورِ } الظاهر أن المراد النفخة الثانية لأنه المناسب لما بعد. ولعل عدم التعرض لذكر النفخة الأولى لأنها داهية عامة ليس فيها حالة مختصة بالكفار، وقيل: لئلا يقع الفصل بين ما يقع في النشأة الأولى من الأحوال والأهوال وبين ما يقع منها في النشأة الآخرة. والصور قرن جاء في الآثار من وصفه ما يدهش العقول. وقد صح عن أبـي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنا جبينه وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر فينفخ "

وزعم أبو عبيدة أنه جمع صورة وأيد بقراءة الحسن { ظ±لصور } بفتح الواو فيكون لسورة وسور ورد ذلك أظهر من أن يخفى، ولذلك قال أبو الهيثم على ما نقل عنه الإمام القرطبـي: من أنكر أن يكون الصور قرناً / فهو كمن أنكر العرش والصراط والميزان وطلب لها تأويلات. وذكر أن الأمم مجمعة على أن النافخ فيه إسرافيل عليه السلام { فَجَمَعْنَـظ°هُمْ } أي الخلائق بعد ما تفرقت أوصالهم وتمزقت أجسادهم في صعيد واحد للحساب والجزاء { جَمْعاً } أي جمعاً عجيباً لا يكتنه كنهه.

اسامة محمد خيري
11-11-2018, 05:35
الجوهرة الثانية عشر بعد المائتين

قال ابن عطية

وقرأ جمهور الناس: " أفحسِب الذين " بكسر السين بمعنى: أظنوا، وقرأ علي بن أبي طالب والحسن وابن يعمر ومجاهد وابن كثير بخلاف عنه: " أفحسْبُ " بسكون السين وضم الباء بمعنى أكافيهم ومنتهى غرضهم، وفي مصحف ابن مسعود " أفظن الذين كفروا " ، وهذه حجة لقراءة الجمهور، وقال جمهور المفسرين يريد كل من عبد من دون الله كالملائكة وعزير وعيسى، فيدخل في { الذين كفروا } بعض العرب واليهود والنصارى، والمعنى أن ذلك ليس كظنهم، بل ليس من ولاية هؤلاء المذكورين شيء، ولا يجدون عندهم منتفعاً .....

وقال الطبري

يقول عزّ ذكره أفظن الذين كفروا بـالله من عبدة الـملائكة والـمسيح، أن يتـخذوا عبـادي الذين عبدوهم من دون الله أولـياء، يقول كلا بل هم لهم أعداء. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال ثنا الـحسين، قال ثنى حجاج، عن ابن جريج، فـي قوله { أفَحَسِبَ الَّذينَ كَفَرُوا أنْ يَتَّـخِذُوا عِبـادِي مِنْ دُونِـي أوْلِـياءَ } قال يعنـي من يعبد الـمسيح ابن مريـم والـملائكة، وهم عبـاد الله، ولـم يكونوا للكفـار أولـياء. وبهذه القراءة، أعنـي بكسر السين من { أفَحَسبَ } بـمعنى الظنّ قرأت هذا الـحرف قرّاء الأمصار. ورُوي عن علـيّ بن أبـي طالب رضي الله عنه وعكرِمة ومـجاهد أنهم قرءوا ذلك أفَحَسْبُ الَّذيِنَ كَفَرُوا بتسكين السين، ورفع الـحرف بعدها، بـمعنى أفحسبهم ذلك أي أفكفـاهم أن يتـخذوا عبـادي من دونـي أولـياء من عبـاداتـي وموالاتـي. كما حُدثت عن إسحاق بن يوسف الأزرق، عن عمران بن حدير، عن عكرمة أفَحَسْبُ الَّذينَ كَفَرُوا قال أفحسبهم ذلك. والقراءة التـي نقرؤها هي القراءة التـي علـيها قرّاء الأمصار { أفَحَسِبَ الَّذِينَ } بكسر السين، بـمعنى أفظنّ، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها. وقوله { إنَّا أعْتَدْنا جَهَنَّـمَ للْكافِرِينَ نُزُلاً } يقول أعددنا لـمن كفر بـالله جهنـم منزلاً....

وقال السمين

قوله: { أَفَحَسِبَ }: العامَّةُ على كسرِ السين وفتح الباء فعلاً ماضياً. و { أَن يَتَّخِذُواْ } سادٌّ مَسَدَّ المفعولين. وقرأ أمير المؤمنين على بن أبي طالب وزيد علي وابن كثير ويحيى بن يعمر في آخرين، بسكون السينِ ورفعِ الباءِ على الابتداء، والخبر " أَنْ " وما في حَيَّزها....

وقال السمين

وقرأ ابن عباس " فَحَبِطَتْ " بفتح الباء. والعامَّة على " نُقيم " بنون العظمة مِنْ " أقام ". ومجاهد وعبيد بن عمير. " فلا يُقيم " بياءِ الغَيبة لتقدُّم قولِه: { بِآيَاتِ رَبِّهِمْ } ، فالضميرُ يعود عليه. ومجاهدٌ أيضاً " فلا يقومُ لهم " مضارع قام، " وزنٌ " بالرفع. وعن عبيد بن عمير أيضاً " فلا يقومُ وزناً " بالنصبِ كأنه تَوَهَّم أنَّ " قام " متعدٍّ. كذا قال الشيخ. والأحسنُ مِنْ هذا أنْ تُعْرَبَ هذه القراءةُ على ما قاله أبو البقاء أَنْ يُجْعَلَ فاعلُ " يقومُ " صنيعُهم أو سَعْيهُم، وينتصِبُ حينئذٍ " وَزْناً " على أحد وجهين: إمَّا على الحال، وإمَّا على التمييز.....

وقال ابن عطية

وقرأ الجمهور: " تنفد " بالتاء من فوق، وقرأ عمرو بن عبيد " ينفد " بالياء وقرأ ابن مسعود وطلحة: قبل أن تقضي كلمات ربي...

وقال السمين

قوله: { وَلاَ يُشْرِكْ } العامَّةُ على الياءِ مِنْ تحتُ، عُطِفَ بها على أمرٍ. ورُوي عن أبي عمروٍ { وَلاَ تُشْرِكْ } بالتاءِ مِنْ فوقُ خطاباً على الالتفات من الغَيْبة إلى الخطاب

اسامة محمد خيري
11-11-2018, 05:59
سورة مريم

الجوهرة الثالثة عشر بعد المائتين

قال السمين

وقرأ يحيى بن يعمر - ونقلها الزمخشريُّ عن الحسنِ - " ذَكَّرَ " فعلاً ماضياً مشدِّدا، و " رحمةَ " بالنصبِ على أنها مفعولٌ ثانٍ قُدِّمَتْ على الأولِ، وهو " عبدَه " والفاعلُ: إمَّا ضميرُ القرآنِ، أو ضميرُ الباري تعالى. والتقدير: أَنْ ذكَّر القرآنُ المتلُوُّ - أو ذَكَّر اللهُ - عَبْدَه رحمتَه، أي: جَعَلَ العبدَ يَذْكرُ رحمتَه. ويجوز على المجازِ المتقدِّمِ أن تكون " رحمةَ ربك " هو المفعولَ الأولَ، والمعنى: أنَّ اللهَ جَعَلَ الرحمةَ ذاكرةً للعبدِ. وقيل: الأصلُ: ذكَّرَ برحمةٍ، فلمَّا انْتُزِعَ الجارُّ نُصِب مجرورُه، ولا حاجةَ إليه.

وقرأ الكلبيُّ " ذَكَرَ " بالتخفيفِ ماضياً، " رحمةَ " بالنصبِ على المفعول به، " عبدُه " بالرفع فاعلاً بالفعلِ قبلَه، " زكريَّا " بالرفعِ على البيانِ او البدلِ او على إضمارِ مبتدأ، وهو نظيرُ إضمار الناصب في القراءة الأولى.

وقرأ يحيى بن يعمر - فيما نقله عنه الدانيُّ - " ذَكَّرْ " فعلَ أمرٍ، " رحمةَ " و " عبدةَ " بالنصب فيهما على أنهما مفعولان، وهما على ما تقدَّم مِنْ كونِ كلِّ واحدٍ يجوز أَنْ يكونَ المفعولَ الأولَ أو الثاني، بالتأويلِ المتقدِّم في جَعْلِ الرحمة ذاكرةً مجازاً....


قوله: { خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ }: العامَّةُ على " خَفْتُ " بكسر الحاء وسكونِ الفاء، وهو ماضٍ مسندٌ لتاءِ المتكلم. و " المَوالي " مفعولٌ به بمعنى: أنَّ مَوالِيه كانوا شِرارَ بني إسرائيل، فخافَهم على الدِّين. قاله الزمخشري.

قال أبو البقاء: " لا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ، أي: عَدَمَ المَوالي أو جَوْرَ المَوالي ".

وقرأ الزُّهري كذلك، إلا أنه سَكَّن ياءَ " المَواليْ " وقد تَقَدَّم أنَّه قد تُقَدَّر الفتحةُ في الياء والواو، وعليه قراءةُ زيدِ بنِ عليّ{ تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } [المائدة: 89]. وتقدَّم إيضاحُ هذا.

وقرأ عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وابن عباس وسعيد بن جبير وسعيد بن العاص ويحيى بن يعمر وعلي بن الحسين في آخرين: " خَفَّتِ " بفتحِ الخاءِ والفاءِ مشددةً وتاءِ تأنيثٍ، كُسِرَتْ لالتقاءِ السَّاكنين. و " المَوالِيْ " فاعلٌ به، بمعنى دَرَجُوا وانقرضُوا بالموت....

اسامة محمد خيري
11-11-2018, 06:05
الجوهرة الرابعة عشر بعد المائتين

قال الطبري

واختلف القرّاء فـي قراءة قوله { يَرِثُنِـي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } فقرأت ذلك عامَّة قرّاء الـمدينة ومكة وجماعة من أهل الكوفة { يَرِثُنِـي وَيَرِثُ } برفع الـحرفـين كلـيهما، بـمعنى فهب لي الذي يرثنـي ويرث من آل يعقوب، علـى أن يرثنـي ويرث من آل يعقوب، من صلة الولـيّ.

وقرأ ذلك جماعة من قرّاء أهل الكوفة والبصرة «يَرِثْنِـي ويَرِثْ» بجزم الـحرفـين علـى الـجزاء والشرط، بـمعنى فهب لـي من لدنك ولـيا فإنه يرثنـي إذا وهبته لـي. وقال الذين قرأوا ذلك كذلك إنـما حسُن ذلك فـي هذا الـموضع، لأن يرثنـي من آية غير التـي قبلها. قالوا وإنـما يحسُن أن يكون مثل هذا صلة، إذا كان غير منقطع عما هو له صلة، كقوله{ رِدْءاً يُصَدِّقُنِـي } قال أبو جعفر وأولـى القراءتـين عندي فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأه برفع الـحرفـين علـى الصلة للولـيّ، لأنّ الولـيّ نكرة، وأن زكريا إنـما سأل ربه أن يهب له ولـيا يكون بهذه الصفة، كما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أنه سأله ولـيا، ثم أخبر أنه إذا وهب له ذلك كانت هذه صفته، لأن ذلك لو كان كذلك، كان ذلك من زكريا دخولاً فـي علـم الغيب الذي قد حجبه الله عن خـلقه.....

وقال الالوسي

وقرأ أكثر السبعة { عِتِيّاً } بضم العين. وقرأ ابن مسعود بفتحها وكذا بفتح صاد{ صِلِيّاً } [مريم: 70]، وأصل ذلك كما قال ابن جني رداً على قول ابن مجاهد لا أعرف لهما في العربية أصلا ما جاء من المصادر على فعيل نحو الحويل والزويل. وعن ابن مسعود أيضاً ومجاهد أنهما قرآ { عسيا } بضم العين وبالسين مكسورة. وحكى ذلك الداني عن ابن عباس والزمخشري عن أبـي ومجاهد وهو من عسا العود يعسو إذا يبس.

وقال ابن عطية

فقال لها جبريل عليه السلام { إنما أنا رسول ربك لأهب لك } ، جعل الهبة من قبله لما كان الإعلام بها من قبله. وقرأ الجمهور " لأهب " كما تقدم، وقرأ عمرو ونافع " ليهب " بالياء أي ليهب الله لك، واختلف عن نافع. وفي مصحف ابن مسعود " ليهب الله لك ...

أجاءها } معناه، فاضطرها وهو تعدية جاء بالهمزة وقرأ شبل بن عزرة ورويت عن عاصم " فاجأها " من المفاجأة وفي مصحف أبي بن كعب " فلما أجاءها المخاض ".

وقال زهير: [الوافر]

وجار سار معتمداً إليكم أجاءته المخافة والرجاء
وقرأ الجمهور " المَخاض " بفتح الميم، وقرأ ابن كثير فيما روي عنه بكسرها وهو " الطلق وشدة الولادة وأوجاعها "

وقال السمين

إِلَىظ° جِذْعِ } يتعلقُ في قراءة العامَّة بـ " أَجاءها " ، أي: ساقَها إليه.

وفي قراءةِ حَمَّاد بمحذوفٍ لأنه حالٌ من المفعولِ، أي: فاجَأَها مستندةً إلى جِذْعِ النخلةِ.

قوله: " نَسْيَاً " الجمهورُ على كسرِ النون وسكون السين وبصريح الياء بعدها. وقرأ حمزةُ وحفص وجماعة بفتح النون، فالمكسورُ فِعْلُ بمعنى مَفْعول كالذَّبْح والطَّحْن، ومعناه الشيءُ الحقيرُ الذي مِنْ شأنه أن يُنْسَى كالوَتِدِ والحَبْلِ وخِرْقةِ الطَّمْثِ ونحوِها.

قال ابن الأنباري: " مَنْ كسر فهو اسمٌ لما يُنْسَى كالنَّقْصُ اسمٌ لما يَنْقص، والمفتوحُ مصدرٌ يَسُدُّ مَسَدَّ الوصفِ ". وقال الفراء: " هما لغتان كالوَتْر والوِتْر، الكسرُ أحَبُّ إليَّ ".

وقرأ محمدُ بن كعب القَرَظيُّ " نِسْئاً " بكسر النون، والهمزةُ بدلُ الياء. ورُوي عنه أيضاً وعن بكر بن حبيب السَّهْمي فتحٌ مع الهمز. قالوا: وهو مِنْ نَسَأْتُ اللَّبَنَ إذا صَبَبْتَ فيه ماءً فاستُهْلِك فيه، فالمكسورُ أيضاً كذلك الشيءُ المُسْتَهْلَكُ، والمفتوحُ مصدر كما كان ذلك من النِّسْيان

ونَقَل ابن عطية عن بكر بن حبيب " نَسَا " بفتح النون والسين والقصرِ كعَصَا، كأنه جَعَل فَعَلاً بمعنى مَفْعول كالقَبَض بمعنى المَقْبُوض.

و " مَنْسِيَّاً " نعتٌ على البمالغةِ، وأصلُه مَنْسُوْي فَأُدْغم. وقرأ أبو جعفر والأعمش " مِنْسِيَّاً " بكسر الميم للإِتباع لكسرةِ السين، ولم يَعْتَدُّوا بالساكن لأنه حاجزٌ غيرُ حصينٍ كقولهم: " مِنْتِن " و " مِنْخِر ".

اسامة محمد خيري
11-11-2018, 06:25
الجوهرة الخامسة عشر بعد المائتين

قال السمين

قوله: { مِن تَحْتِهَآ }: قرأ الأخَوَان ونافع وحفص بكسر ميم " مِنْ " ، وجَرَّ " تحتِها " على الجار والمجرور. والباقون بفتحها ونصب " تحتَها ". فالقراءةُ الأولى تقتضي أن يكونَ الفاعلُ في " نادَى " مضمراً وفيه تأويلان، أحدهما: هو جبريل ومعنى كونِه { مِن تَحْتِهَآ } أنه في مكانٍ أسفلَ منها. ويَدُل على ذلك قراءةُ ابنِ عباس " فناداها مَلَكٌ مِنْ تحتها: فَصَرَّح به. و { مِن تَحْتِهَآ } على هذا فيه وجهان أحدهما: أنه متعلقٌ بالنداء، أي: جاء النداء مِنْ هذه الجهةِ. والثاني: أنه حالٌ من الفاعل، أي: فناداها وهو تحتَها.

وثاني التأويلين: أنَّ الضمير لعيسى، لأي: فناداها المولودُ مِنْ تحت ذَيْلها. والجارُّ فيه الوجهان: مِنْ كونِه متعلِّقاً بالنداء، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ. والثاني أوضح.

والقراءةُ الثانية: تكون فيها " مَنْ " موصولةً، والظرفُ صلتُها، والمرادُ بالموصولِ: إمَّا جبريلُ، وإمَّا عيسى.

قوله: { أَلاَّ تَحْزَنِي } يجوزُ في " أَنْ " أَنْ تكونَ مفسرةً لتقدُّمِها ما هو بمعنى القول، و " لا " على هذا ناهيةٌ، وحَذْفُ النونِ للجزم؛ وأَنْ تكونَ الناصبةَ و " لا " حينئذٍ نافيةٌ، وحَذْفُ النونِ للنصبِ. ومَحَلُّ " أنْ ": إمَّا نصب أو جرٌّ لأنها على حَذْفِ حرفِ الجر، أي: فناداها بكذا. والضمير في " تحتها ": إمَّا لمريمَ عليها السلام، وإمَّا للنخلةِ، والأولُ أَوْلَى لتوافُقِ الضميرين...

وقال ابن عطية

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وابن عباس والحسن وزيد بن حبيش ومجاهد والجحدري وجماعة " فناداها مَن تحتها " على أن " مَن " فاعل ينادي والمراد بـ " مَن " عيسى، قال أي ناداها المولود قاله مجاهد والحسن وابن جبير وأبي بن كعب، وقال ابن عباس المراد " مَن " جبريل ولم يتكلم حتى أتت به قومها وقال علقمة والضحاك وقتادة، ففي هذه آية لها وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة للعادة التي لله فيها مراد عظيم لا سيما والمنادي عيسى فأنه يبين به عذر مريم ولا تبقى بها استرابة، فلذلك كان النداء أن لا يقع حزن، وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم والبراء بن عازب والضحاك وعمرو بن ميمون وأهل الكوفة وأهل المدينة وابن عباس أيضاً والحسن " مِن تحتها " بكسر الميم على أنها لابتداء الغاية واختلفوا، فقال بعضهم: المراد عيسى، وقالت فرقة: المراد جبريل المحاور لها قبل، قالوا: وكان في سعة من الأرض أخفض من البقعة التي كانت هي عليها وأبين وأظهر، وعليه كان الحسن بن أبي الحسن يقسم وقرأ علقمة وزر بن حبيش " فخاطبها " من تحتها " ، وقرأ ابن عباس " فناداها ملك من تحتها "....

وقال الطبري

واختلف القرّاء فـي قراءة قوله { تُسَاقِطْ } فقرأ ذلك عامَّة قرّاء الـمدينة والبصرة والكوفة «تَسَّاقَطُ» بـالتاء من تساقط وتشديد السين، بـمعنى تتساقط علـيك النـخـلة رطبـاً جنـياً، ثم تُدغم إحدى التاءين فـي الأخرى فتشدد، وكأن الذين قرأوا ذلك كذلك وجهوا معنى الكلام إلـي وهزّي إلـيك بجذع النـخـلة تساقط النـخـلة علـيك رطبـاً. وقرأ ذلك بعض قرّاء الكوفة «تَساقَطُ» بـالتاء وتـخفـيف السين، ووجه معنى الكلام، إلـى مثل ما وجه إلـيه مشدّدوها، غير أنهم خالفوهم فـي القراءة. ورُوي عن البراء بن عازب أنه قرأ ذلك «يُساقِط» بـالـياء. حدثنـي بذلك أحمد بن يوسف، قال ثنا القاسم، قال ثنا يزيد، عن جرير بن حازم، عن أبـي إسحاق قال سمعت البراء بن عازب يقرؤه كذلك، وكأنه وجه معنى الكلام إلـي وهزّي إلـيك بجذع النـخـلة يتساقط الـجذع علـيك رطبـاً جنـياً. ورُوي عن أبـي نهيك أنه كان يقرؤه «تُسْقِطُ» بضمّ التاء وإساقط الألف. حدثنا بذلك ابن حميد، قال ثنا يحيى بن واضح، قال ثنا عبد الـمؤمن، قال سمعت أبـا نَهِيك يقرؤه كذلك، وكأنه وجه معنى الكلام إلـي تسقط النـخـلة علـيك رطبـاً جنـياً. قال أبو جعفر والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال إن هذه القراءات الثلاث، أعنـي تَسَّاقَطُ بـالتاء وتشديد السين، وبـالتاء وتـخفـيف السين، وبـالـياء وتشديد السين، قراءات متقاربـات الـمعانـي، قد قرأ بكل واحدة منهنّ قرّاء أهل معرفة بـالقرآن، فبأيّ ذلك قرأ القارىء فمصيب الصواب فـيه، وذلك أن الـجذع إذا تساقط رطبـاً، وهو ثابت غير مقطوع، فقد تساقطت النـخـلة رطبـاً، وإذا تساقطت النـخـلة رطبـاً، فقد تساقطت النـخـلة بأجمعها، جذعها وغير جذعها، وذلك أن النـخـلة ما دامت قائمة علـى أصلها، فإنـما هي جذع وجريد وسعف، فإذا قطعت صارت جذعاً، فـالـجذع الذي أمرت مريـم بهزّه لـم يذكر أحد نعلـمه أنه كان جذعاً مقطوعاً غير السديّ، وقد زعم أنه عاد بهزّها إياه نـخـلة، فقد صار معناه ومعنى من قال كان الـمتساقط علـيها رطبـاً نـخـلة واحدةً، فتبـين بذلك صحة ما قلنا.

وقال السمين

وقُرِئَ " تَتَساقط " بتاءين مِنْ فوقُ، وهو أصلُ قراءةِ الجماعة. وتَسْقُط ويَسْقُط بفتح التاء والياء وسكون السين وضَمَّ القاف. فَرَفْعُ الرُّطَبِ بالفاعلية، وتعطي من الأفعال ما يوافقه في القراءات المتقدمة. ومَنْ قرأ بالتاءِ مِنْ فوقُ الفعلُ مسندٌ: إمَّا للنخلة، وإمَّا للثمرةِ المفعومة من السِّياق، وإمَّا للجِذْع. وجاز تأنيثُ فِعْلِه لإِضافتِه إلى مؤنث، فهو كقوله:
3229-............................ كما شَرِقَتْ صدرُ القناةِ من الدَّم
وكقراءة " تَلْتَقِطْه بعض السيارة ". ومَنْ قرأ بالياء مِنْ تحتُ فالضميرُ للجِذْع وقيل: للثمر المدلولِ عليه بالسياق.

وأمَّا نَصْبُ " رُطَباً " فلا يَخْرُجُ عن كونِه تمييزاً أو حالاً موطِّئة إنْ كان الفعل قبلَه لازماً، أو مفعولاً به إن كان الفعل متعدَّياً، والذكيُّ يَرُدُّ كلَّ شيء إلى ما يليق به من القراءات. وجَوَّز المبردُ في نصبه وجهاً غريباً: وهو أَنْ يكونَ مفعولاً به بـ " هُزِّيْ " وعلى هذا فتكون المسألة من باب التنازع في بعض القراءات: وهي أَنْ يكونَ الفعلُ فيها متعدِّياً، وتكونَ المسألةُ من إعمالِ الثاني للحذف من الأول.

وقرأ طلحة بن سليمان " جَنِيَّاً " بكسرِ الجيم إتباعاً لكسرةِ النون....

وقال ابن عطية

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر وابن عامر والكسائي وابو بكر عن عاصم والجمهور من الناس " تَسّاقط " بفتح التاء وشد السين يريد { النخلة } ، وقرأ البراء بن عازب والأعمش " يساقط " بالياء يريد " الجذع " ، وقرأ حمزة وحده " تَسَاقط " بفتح التاء وتخفيف السين، وهي قراءة مسروق وابن وثاب وطلحة وأبي عمرو بخلاف، وقرأت فرقة " يساقط " بالياء على ما تقدم من إدارة { النخلة } أو " الجذع ". وقرأ عاصم في رواية حفص " تُسَاقط " بضم التاء وتخفيف السين، وقرأت فرقة " يساقط " بالياء، وقرأ أبو حيوة " يسقط " بالياء، وروي عنه " يُسقط " بضم الياء وقرأ أيضاً " تسقط " وحكى أبو علي في الحجة أنه قرئ " يتساقط " بباء وتاء، وروي عن مسروق " تُسقِط " بضم التاء وكسر القاف، وكذلك عن أبي حيوة، وقرأ أبو حيوة أيضاً " يسقُط " بفتح الياء وضم القاف، " رطب جني " بالرفع، ونصب { رطباً } يختلف بحسب معاني القراءات المذكورة، فمرة يسند الفعل الى الجذع ومرة الى الهز، ومرة الى { النخلة }...

وقرأ الجمهور " وَبَراً " بفتح الباء وهو الكثير البر ونصبه على قوله { مباركاً } ، وقرأ أبو نهيك وأبو مجلز وجماعة " بِراً " بكسر الباء فقال بعضها نصبه على العطف على قوله { مباركاً } فكأنه قال وذا بر فاتصف بالمصدر كعدل ونحوه، وقال بعضهما نصبه بقوله { وأوصاني } أي " وأوصاني براً بوالدتي " حذف الجار كأنه يريد " وأوصاني ببر والدتي ". وحكى الزهراوي هذه القراءة " وبرٍّ " بالخفض عطفاً على { الزكاة }...

اسامة محمد خيري
11-11-2018, 06:31
الجوهرة السادسة عشر بعد المائتين

قال السمين

قوله تعالى: { ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ }: يجوز أَنْ يكونَ " عيسى " خبراً لـ " ذلك " ، ويجوز أَنْ يكونَ بدلاً أو عطفَ بيانٍ. و " قولُ الحق " خبره. ويجوز أَنْ يكونَ " قولُ الحق " خبرَ مبتدأ مضمر، أي: هو قولُ: و " ابن مريم " يجوز أَنْ يكونَ نعتاً أو بدلاً أو بياناً أو خبراً ثانياً.

وقرأ عاصم وحمزة وابن عامر " قولَ الحق " بالنصبِ والباقون بالرفع. فالرفعُ على ما تقدَّم. قال الزمخشري: " وارتفاعُه على أنَّه خبرٌ بعد خبرٍ، أو بدلٌ " قال الشيخ: " وهذا الذي ذكرَه لا يكونُ إلا على المجازِ في قولٍ: وهو أن يُراد به كلمةُ اللهِ؛ لأنَّ اللفظَ لا يكون الذاتَ ".

والنصب: يجوز فيه أَنْ يكونَ مصدراً مؤكِّداً لمضمون الجملة كقولِك: " هو عبدُ الله الحقَّ لا الباطِلَ، أي: أقولُ قولَ الحق، فالحقُّ الصدقُ وهو مِنْ إضافةِ الموصوف إلى صفتِه، أي: القول الحق، كقولِه:{ وَعْدَ ظ±لصِّدْقِ } [الاحقاف: 16]، أي: الوعدَ الصدقَ. ويجوز أن يكونَ منصوباً على المدح، أي: أُريد بالحقِّ البارِيْ تعالى، و " الذي " نعتٌ للقول إنْ أُرِيْدَ به عيسى، وسُمِّي قولاً كما سُمِّي كلمةً لأنه عنها نشأ. وقيل: هو منصوبٌ بإضمار أعني. وقيل: هو منصوبٌ على الحالِ من " عيسى ". ويؤيِّد هذا ما نُقِل عن الكسائي في توجيهِ الرفعِ: أنه صفةٌ لعيسى.

وقرأ الأعمشُ " قالُ " برفع اللام، وهي قراءةُ ابن مسعودٍ أيضاً. وقرأ الحسن " قُوْلُ " بضم القاف ورفع اللام، وهي مصادر لقال. يقال: قال يَقُولُ قَوْلاً وقالاً وقُوْلاً، كالرَّهْبِ والرَّهَبِ والرُّهْب. وقال أبو البقاء: " والقال: اسمٌ [للمصدرِ] مثل: القيل، وحُكي " قُولُ الحق " بضمِّ القاف مثل " الرُّوْح " وهي لغةٌ فيه ". قلت: الظاهرُ أنَّ هذه مصادرٌ كلُّها، ليس بعضُها اسماً للمصدرِ، كما تقدَّم تقريرُه في الرَّهْب والرَّهَب والرُّهْب.

وقرأ طلحةُ والأعمش " قالَ الحقُّ " جعل " قال " فعلاً ماضياً، و " الحقُّ " فاعلٌ به، والمرادُ به الباري تعالى. أي: قال اللهُ الحقُّ: إنَّ عيسى هو كلمةُ الله، ويكونُ قولُه { ظ±لَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ } خبراً لمبتدأ محذوف.

وقرأ علي بن أبي طالب والسُّلَمي وداود بن أبي هند ونافع والكسائي في رواية عنهما " تَمْتَرون " بتاء الخطاب. والباقون بياءِ الغَيْبة. وتَمْتَرُون تَفْتَعِلُون: إمَّا مِنْ المِرْية وهي الشكُّ، وإمَّا من المِراء وهو الجِدالُ....

قوله تعالى: { وَإِنَّ اللَّهَ }: قرأ ابن عامرٍ والكوفيون " وإنَّ " بكسر " إنَّ " على الاستئناف، ويؤيِّدها قراءةُ أُبَيّ { إِنَّ ظ±للَّهَ } بالكسر دون واو.

وقرأ الباقون بفتحها، وفيها أوجهٌ، أحدُها: أنها على حَذْفِ حرفِ الجرِّ متعلِّقاً بما بعده، والتقدير: ولأنَّ اللهَ ربي وربُّكم فاعبُدوه، كقوله تعالى:{ وَأَنَّ ظ±لْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ظ±للَّهِ أَحَداً } [الجن: 18] والمعنى لوَحْدانيَّته أَطِيْعوه. وإليه ذهب الزمخشري تابعاً للخليل وسيبويه.

الثاني: أنها عطفٌ على " الصلاةِ " والتقدير: وأوصاني بالصلاةِ وبأنَّ اللهَ. وإليه ذهب الفراء، ولم يذكر مكيٌّ غيرَه. ويؤيِّده ما في مصحف أُبَيّ " وبأنَّ اللهَ ربي " بإظهار الباءِ الجارَّة. وقد استُبْعِد هذا القولُ لكثرةِ الفواصلِ بين المتعاطفَيْن. وأمَّا ظهورُ الباءِ في مصحفِ أَُبَيّ فلا يُرَجِّحُ هذا لأنها باءُ السببيةِ، والمعنى: بسبب أنَّ الله ربي وربُّكم فاعبُدوه فهي كاللام.

الثالث: أَنْ تكونَ " أنَّ " وما بعدها نَسَقاً على " أمراً " المنصوبِ بـ " قَضَى " والتقدير: وإذا قضى أمراً، وقضى أنَّ اللهَ ربي وربُّكم. ذكر ذلك أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء. واستبعد الناسُ صحةَ هذا النقلِ عن أبي عمرو؛ لأنَّه من الجلالةِ في العِلْم والمعرفة بمنزلٍ يمنعُه من هذا القولِ؛ وذلك لأنَّه إذا عَطَفَ على " أمراً " لزم أن يكونَ داخلاً في حَيِّز الشرطِ بـ " إذا " ، وكونُه تبارك وتعالى ربُّنا لا يتقيَّد بشرطٍ البتةَ، بل هو ربُّنا على الإِطلاق. ونسبوا هذا الوهمَ لأبي عبيدةَ كان ضعيفاً في النحو، وعَدُّوا له غَلَطاتٍ، ولعلَّ ذلك منها.

الرابع: أَنْ يكونَ في محلِّ رفعٍ خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ، تقديرُه: والأمرُ أنَّ الله ربي وربُّكم. ذُكِر ذلك عن الكسائي، ولا حاجةَ إلى هذا الإِضمارِ.

الخامس: أَنْ/ يكونَ في محلِّ نصبٍ نَسَقاً على " الكتاب " في قولِه " قال: إني عبد الله آتاني الكتابَ " على أن يكونَ المخاطَبُ بذلك معاصِرِي عيسى عليه السلام، والقائلُ لهم ذلك عيسى. وعن وَهْب: عَهِدَ إليهم عيسى أنَّ اللهَ ربي وربُّكم. قال هذا القائل: ومَنْ كسرَ الهمزةَ يكون قد عَطَفَ { إِنَّ ظ±للَّهَ } على قوله " إني عبدُ الله " فهو داخِلٌ في حَيِّز القولِ. وتكون الجملُ من قوله { ذظ°لِكَ عِيسَى ظ±بْنُ مَرْيَمَ } إلى آخرها جملَ اعتراض، وهذا من البُعْدِ بمكانٍ.

قال الطبري

وقوله { وَإنَّ اللَّهَ رَبّـي وَرَبُّكُمْ فـاعْبُدُوهُ } اختلف القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة «وأنَّ اللَّهَ رَبّـي وَرَبكُمْ» واختلف أهل العربـية فـي وجه فتـح «أن» إذا فتـحت، فقال بعض نـحوِّيـي الكوفة فُتـحت ردّاً علـى عيسى وعطفـاً علـيه، بـمعنى ذلك عيسى ابن مريـم، وذلك أن الله ربـي وربكم. وإذا كان ذلك كذلك كانت أن رفعا، وتكون بتأويـل خفض، كما قال{ ذَلِكَ أنْ لَـمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلْـمٍ } قال ولو فتـحت علـى قوله{ وأوْصَانِـي } بأن الله، كان وجهاً. وكان بعض البصريـين يقول وذُكر ذلك أيضاً عن أبـي عمرو بن العلاء، وكان مـمن يقرؤه بـالفتـح إنـما فتـحت أن بتأويـل{ وَقَضَى } أن الله ربـي وربُّكم. وكانت عامة قرّاء الكوفـيـين يقرؤونه { وَإنَّ اللَّهَ } بكسر إن بـمعنى النسق علـى قوله { فإنَّـما يَقُولُ لَهُ }. وذُكر عن أبـيّ بن كعب أنه كان يقرؤه «فإنَّـما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ إنَّ اللَّهَ رَبِّـي وَرَبُّكُمْ» بغير واو. قال أبو جعفر والقراءة التـي نـختار فـي ذلك الكسر علـى الابتداء. وإذا قرىء كذلك لـم يكن لها موضع، وقد يجوز أنَّ يكون عطفـاً علـى «إنَّ» التـي مع قوله{ قالَ إنِّـي عَبْدُ اللَّهِ آتانِـيَ الكِتابَ وَإنَّ اللَّهَ رَبِّـي وَرَبُّكُمْ } ولو قال قائل، مـمن قرأ ذلك نصبـاً نصب علـى العطف علـى الكتاب، بـمعنى آتانـي الكتاب، وآتانـي أن الله ربـي وربُّكم، كان وجهاً حسناً. ومعنى الكلام وإنـي وأنتـم أيها القوم جميعاً الله عبـيد، فإياه فـاعبدوا دون غيره

اسامة محمد خيري
11-11-2018, 06:46
الجوهرة السابعة عشر بعد المائتين

قال ابن عطية

{ إنه كان مخلصاً } ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر " مخلِصاً " بكسر اللام وهي قراءة الجمهور أي أخلص نفسه لله، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم " مخلَصاً " بفتح اللام وهي قراءة أبي رزين ويحيى وقتادة أي أخْلَصَهُ الله للنبوءة والعبادة كما قال تعالى{ إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار } [ص:46]...

أهله } ، يريد بهم قومه وأمته، قاله الحسن، وفي مصحف عبد الله بن مسعود " وكان يأمر قومه....

وقرأ ابن مسعود " وما بين ذلك وما نسيك ربك " ....

ملحوظة

مصحف ابن مسعود ربما كان ثروة فى علم الترجيح فى التفسير وله قصة مشهورة فى التاريخ عند الامر بحرق المصاحف

وقال القرطبي

قوله تعالى: { أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ } أي أولا يذكر هذا القائل { أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ } أي من قبل سؤاله وقوله هذا القول { وَلَمْ يَكُ شَيْئاً } فالإعادة مثل الابتداء فلم يناقض. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصماً، وأهل مكة وأبو عمرو وأبو جعفر «أَوَلاَ يَذَّكَّرُ». وقرأ شيبة ونافع وعاصم { أَوَلاَ يَذْكُرُ } بالتخفيف. والاختيار التشديد وأصله يتذكر؛ لقوله تعالى: إنما يتذكر أولو الألباب» وأخواتها. وفي حرف أبيّ «أَوَلاَ يَتَذَكَّرُ» وهذه القراءة على التفسير لأنها مخالفة لخط المصحف. ومعنى «يَتَذَكَّرُ» يتفكر، ومعنى «يَذْكُرُ» يتنبه ويعلم؛ قاله النحاس

وقال الطبري

وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله { أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ } فقرأه بعض قرّاء الـمدينة والكوفة { أوَلا يَذْكُرُ } بتـخفـيف الذال، وقد قرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة والبصرة والـحجاز «أوَلا يَذَّكَّرُ» بتشديد الذال والكاف، بـمعنى أو لا يتذكر، والتشديد أعجب إلـيّ، وإن كانت الأخرى جائزة، لأن معنى ذلك أو لا يتفكر فـيعتبر....

وقال السمين

قوله: { أَيُّهُمْ أَشَدُّ }: في هذه الآيةِ أقوالٌ كثيرةٌ، أظهرُها عند الجمهور من المعربين، وهو مذهب سيبويه: أن " أيُّهم " موصولةٌ بمعنى الذي، وأنَّ حركتَها بناءٍ بُنِيَتْ عند سيبويه، لخروجِها عن النظائر، و " أَشَدُّ " خبرُ مبتدأ مضمرٍ، والجملةُ صلةٌ لـ " أيُّهم " ، و " أيُّهم " وصلتُها في محل نصب مفعولاً بها بقوله " لَنَنْزِعَنَّ ".

ولـ " ايّ " أحوالٌ أربعةٌ، أحدُها: تُبْنى فيها وهي - كما في الآيةِ - أَنْ تضافَ ويُحْذَفَ صدرُ صلتِها، ومثلُه قولُ الشاعر:
3248- إذا ما أَتَيْتَ بني مالكٍ فَسَلِّمْ على أيُّهم أَفْضَلُ
بضم " أيُّهم " وتفاصيلُها مقررةٌ في موضوعات النحو.

وزعم الخليل رحمه الله أنَّ " أيُّهم " هنا مبتدأٌ، و " أشدُّ " خبرُه، وهي استفهاميةٌ والجملةُ محكيةٌ بقولٍ مقدر والتقدير: لننزِعَنَّ من كل شيعةٍ المقولِ فيهم: أيُّهم أشدُّ. وقوَّى الخليلُ تخريجَه بقول الشاعر:
3249- ولقد أَبَيْتُ من الفتاةِ بمنزلٍ فَأَبَيْتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُوْمُ
وقال تقديره: فَأَبِيْتُ يُقال فيَّ: لا حَرِجٌ ولا محرومُ.

وذهب يونسُ إلى أنَّها استفهاميةٌ مبتدأةٌ، ما بعدها خبرُها كقولِ الخليلِ، إلا أنه زعم أنها مُعَلَّقَةٌ لـ " نَنْزِعَنَّ " فهي في محلِّ نصب، لأنَّه يُجَوِّز التعليقَ في سائر الأفعال، ولا يحضُّه بأفعالِ القلوب، كما يَخُصُّه بها الجمهور.

وقال الزمخشري: " ويجوز أَنْ يكونَ النَّزْعُ واقعاً على { مِن كُلِّ شِيعَةٍ } كقوله:{ وَوَهَبْنَا لَهْمْ مِّن رَّحْمَتِنَا } [مريم: 50]، أي: لَنَنْزِعَنَّ بعضَ كلِّ شيعةٍ فكأنَّ قائلاً قال: مَنْ هم؟ فقيل: أيُّهم أشدُّ عِتِيَّا ". فجعل " أيُّهم " موصولةً أيضاً، ولكن هي في قوله خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هم الذين هم أشدُّ ".

قال الشيخ: وهذا تكلُّفُ ما لا حاجةَ إليه، وادَّعاءُ إضمارٍ غيرِ مُحْتاجٍ إليه، وجَعْلُ ما ظاهرُه أنه جملةٌ واحدةٌ جملتين ".

وحكى أبو البقاء عن الأخفش والكسائي أنَّ مفعولَ لَنَنْزِعَنَّ { كُلِّ شِيعَةٍ } و " مِنْ " مزيدةٌ، قال: وهما يجيزان زيادةَ " مِنْ " ، و " أيُّ " استفهامٍ " ، أي: للنزِعَنَّ كلَّ شيعة. وهذا يُخالِفُ في المعنى تخريجَ الجمهورِ؛ فإنَّ تخريجَهم يُؤَدِّي إلى التبعيضِ، وهذا يؤدي إلى العمومِ، إلا أَنْ تجعلَ " مِنْ " لابتداءِ الغايةِ لا للتغيض فيتفق التخريجان.

وذهب الكسائي إلى أنَّ معنى " لننزِعَنَّ " لننادِيَنَّ، فعوملَ معامَلَته، فلم يعمل في " أيّ ". قال المهدوي: " ونادى يُعَلَّق إذا كان بعده جملةُ نصبٍ، فيعملُ في المعنى، ولا يعملُ في اللفظِ ".

وقال المبرد: " أيُّهم " متعلِّقٌ بـ " شيعةٍ " فلذلك ارتفع، والمعنى: من الذين تشايَعُوا أيُّهم أشدُّ، كأنهم يتبارَوْن إلى هذا ".

ويَلْزَمُه على هذا أَنْ يُقَدِّر مفعولاً لـ " نَنْزِعَنَّ " محذوفاً. وقَدَّر بعضُهم في قولِ المبرد: من الذين تعاونوا فنظروا أيُّهم. قال النحاس: " وهذا قولٌ حسنٌ، وقد حكى الكسائي تَشايَعُوا بمعنى تعاونوا ". قلت: وفي هذه العبارة المنسوبةِِ للمبرد قلقٌ، ولا بَيَّنَ الناقلُ عنه وجهَ الرفع على ماذا يكون، وبيَّنه أبو البقاء، لكنْ جَعَلَ " أيُّهم " فاعلاً لِما تَضَمَّنَتَهْ " شيعة " من معنى الفعلِ، قال: " التقدير: لننزِعَنَّ من كلِّ فريقٍ يُشَيَّع أيُّهُم، وهي على هذا بمعنى الذي ".

ونُقِل عن الكوفيين أنَّ " أيُّهم " في الآية بمعنى الشرط. والتقدير: إنْ اشتدَّ عُتُوُّهم، أو لم يَشْتَدَّ، كما تقول: ضربْتُ القومَ أيُّهم غَضِبَ، المعنى: إنْ غضبوا أو لم يَغْضبوا.

وقرأ طلحة بن مصرِّف ومعاذ بن مسلم العراء أستاذُ الفراءِ وزائدةُ عن الأعمش " أيُّهم " نصباً. قلت: فعلى هذه القراءة والتي قبلَها: ينبغي أَنْ يكونَ مذهبُ سيبويهِ جوازَ إعرابِها وبنائِها، وهو المشهورُ عند النَّقَلَةِ عنه، وقد نُقِل عنه أنَّه يحتَّم بناءَها. قال النحاس: " ما علمتُ أحداً من النحويين إلا وقد خطَّأ سيبويه " قال: " وسمعت أبا إسحاق الزجاج يقول: " ما تبيَّن لي أن سيبويه غَلِط في كتابه إلا في موضعين، هذا أحدُهما " قال " وقد أعرب سيبويه " أيَّاً " وهي مفردةٌ لأنها مُضافةٌ، فكيف يبنيها مضافةً "؟ وقال الجرميُّ: " خرجت من البصرة فلم أسمع منذ فارَقْتُ الخندقَ إلى مكة أحداً يقول: " لأَضْرِبَنَّ أيُّهم قائمٌ " بالضمِّ بل يَنْصِبُ "......

وقال ابن عطية

وقرأ علي بن أبي طالب " ثَم " بفتح الثاء " ننحي " بالحاء غير منقوطة. و { الذين اتقوا } معناه اتقوا الكفر، وقال بعض العلماء لا يضيع أحد بين الإيمان والشفاعة. { ونذر } دالة على أنهم كانوا فيها، والظلم هنا هو ظلم الكفر، وقد تقدم القول في قوله { جثياً } ، وقرأ ابن عباس " الذين اتقوا منها ونترك الظالمين ".

اسامة محمد خيري
11-11-2018, 07:05
الجوهرة الثامنة عشر بعد المائتين

قال السمين

قوله: " ورِئْياً " الجمهورُ على " رِئْياً " الجمهورُ على " رِئْيا " بهمزةٍ ساكنةٍ بعدَها ياءٌ صريحةٌ وَصْلاً ووفقاً، وحمزةُ إذا وَقَفَ يُبْدِلُ هذه الهمزةَ ياءً على أصلِه في تخفيفِ الهمز، ثم له بعد ذلك وجهان: الإِظهارُ اعتباراً بالأصل، والإِدغامُ اعتباراً باللفظ، وفي الإِظهار صعوبةٌ لا تَخْفَى، وفي الإِدغامِ إبهامُ أنها مادةٌ أخرى: وهو الرَّيُّ الذي بمعنى الامتلاء والنَّضارة، ولذلك تَرَكَ أبو عمروٍ أصلَه في تخفيفِ همزِه.

وقرأ قالون عن نافع، وابن ذكوان عن ابن عامر " ورِيَّا " بياءٍ مشددةٍ بعد الراءِ، فقيل: هي مهموزةُ الأصلِ، ثم أُبْدِلَتِ الهمزةُ ياءً وأُدْغِمَتْ. والرَّأْيُ بالهمز، قيل: مِنْ رُؤْية العَيْن، وفِعْل فيه بمعنى مَفْعول، أي: مَرْئِيٌّ. وقيل من الرُّواء وحُسْنِ المنظر. وقيل: بل هو مِنَ الرَّيّ ضد العطش وليس مهموزَ الأصلِ، والمعنى: أحسنُ منظراً لأنَّ الرِّيَّ والامتلاءَ أحسنُ مِنْ ضِدَّيْهما.

وقرأ حميد وأبو بكر بن عاصم في روايةِ الأعشى " وَرِيْئاً " بياءٍ ساكنةٍ بعدَها همزةٌ وهو مقلوبٌ مِنْ " رِئْياً " في قراءةِ العامَّةِ، ووزنه فِلْعٌ، وهو مِنْ راءه يَرْآه كقولِ الشاعر:
3252- وكلُّ خليلٍ راءَني فهو قائلٌ مِنَ أجلِكَ: هذا هامةُ اليومِ أوغدِ
وفي القلب من القلبِ ما فيه.

ورَوَى اليزيديُّ قراءةَ " ورِياء " بياءٍ بعدها ألف، بعدها همزة، وهي من المُراءاة، أي: يُرِيْ بعضُهم حُسْنَ بعضٍ، ثم خَفَّف الهمزةَ الأولى بقلبِها ياءً، وهو تخفيفٌ قياسيٌّ.

وقرأ ابنُ عباس أيضاً في رواية طلحة " وَرِيَاً " بياء فقط مخففةٍ. ولها وجهان، أحدهما: أَنْ يكونَ أصلُها كقراءةِ قالون، ثم خَفَّفَ الكلمةَ بحذفِ إحدى الياءَيْن، وهي الثانيةُ لأنَّ بها حَصَلَ الثِّقَلُ، ولأنَّها لامُ الكلمةِ، والأواخرُ أَحْرَى بالتغيير. والثاني: أن يكونَ أصلُها كقراءةِ حميد " وَرِيْئا " بالقلب، ثم نَقَلَ حركةَ الهمزةِ إلى الياءِ قبلها، وحَذَفَ الهمزةَ على قاعدةِ تخفيفِ الهمزةِ بالنقل، فصار " وَرِيا " كما ترى. وتجاسَرَ بعضُ الناسِ فجعل هذه القراءة لَحْناً، وليس اللاحنُ غيرَه، لخَفَاءِ توجيهِها عليه.

وقرأ ابن عباس أيضاً وابنُ جُبَيْر وجماعةٌ " وزِيَّا " بزايٍ وياءٍ مشددة، والزَّيُّ: البِزَّة الحسنة والآلاتُ المجتمعة، لأنه مِنْ زَوَى كذا يَزْوِيه، أي: يَجْمعه، والمُتَزَيِّنُ يَجْمع الأشياء التي تُزَيِّنه وتُظْهِرُ زِيَّه.

وقال الطبري

قال أبو جعفر وأولـى القراءات فـي ذلك بـالصواب، قراءة من قرأ { أثاثاً وَرِئْياً } بـالراء والهمز، لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـى أن معناه الـمنظر، وذلك هو من رؤية العين، لا من الروية، فلذلك كان الـمهموز أولـى به، فإن قرأ قارىء ذلك بترك الهمز، وهو يريد هذا الـمعنى، فغير مخطىء فـي قراءته. وأما قراءته بـالزاي فقراءة خارجة، عن قراءة القرّاء، فلا أستـجيز القراءة بها لـخلافها قراءتهم، وإن كان لهم فـي التأويـل وجه صحيح. واختلف أهل العربـية فـي الأثاث أجمع هو أم واحد، فكان الأحمر فـيـما ذُكر لـي عنه يقول هو جمع، واحدتها أثاثه، كما الـحمام جمع واحدتها حمامة، والسحاب جمع واحدتها سحابة. وأما الفراء فإنه كان يقول لا واحد له، كما أن الـمتاع لا واحد له. قال والعرب تـجمع الـمتاع أمتعة، وأماتـيع، ومتع. قال ولو جمعت الأثاث لقلت ثلاثة آثَّةٍ وأثث. وأما الرئي فإن جمعه آراء.

وقال القرطبي

وَرِءْياً } أي منظَراً حسناً. وفيه خمس قراءات: قرأ أهل المدينة «ورِيًّا» بغير همز. وقرأ أهل الكوفة «ورِئيا» بالهمز. وحكى يعقوب أن طلحة قرأ «وَرِياً» بياء واحدة مخففة. وروى سفيان عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس: «هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وزِيًّا» بالزاي؛ فهذه أربع قراءات.

قال أبو إسحاق: ويجوز «هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وريْئا» بياء بعدها همزة. النحاس: وقراءة أهل المدينة في هذا حسنة وفيها تقريران: أحدهما: أن تكون من رأيت ثم خففت الهمزة فأبدل منها ياء، وأدغمت الياء في الياء. وكان هذا حسناً لتتفق رؤوس الآيات لأنها غير مهموزات. وعلى هذا قال ابن عباس: الرئي المنظر؛ فالمعنى: هم أحسن أثاثاً ولباساً. والوجه الثاني: أن جلودهم مرتوية من النعمة؛ فلا يجوز الهمز على هذا. وفي رواية ورش عن نافع وابن ذكوان عن ابن عامر «ورئيا» بالهمز تكون على الوجه الأوّل. وهي قراءة أهل الكوفة وأبي عمرو من رأيت على الأصل. وقراءة طلحة بن مُصَرِّف «ورِياً» بياء واحدة مخففة أحسبها غلطاً. وقد زعم بعض النحويين أنه كان أصلها الهمز فقلبت الهمزة ياء، ثم حذفت إحدى اليائين. المهدوي: ويجوز أن يكون «رِيْئاً» فقلبت ياء فصارت رييا ثم نقلت حركة الهمزة على الياء وحذفت. وقد قرأ بعضهم «ورِياً» على القلب وهي القراءة الخامسة. وحكى سيبويه رَاءَ بمعنى رأى. الجوهري: من همزه جعله من المنظر من رأيت، وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة. وأنشد أبو عبيدة لمحمد بن نمير الثقفي فقال:
أشاقتك الظعائن يوم بانوا بذِي الرِّئي الجميلِ من الأثاث
ومن لم يهمز إما أن يكون على تخفيف الهمزة أو يكون من رَوِيت ألوانهم وجلودهم رِيًّا؛ أي امتلأت وحسنت. وأما قراءة ابن عباس وأبيّ بن كعب وسعيد بن جبير والأعسم المكي ويزيد البربري «وزِيا» بالزاي فهو الهيئة والحسن. ويجوز أن يكون من زَوَيتُ أي جمعت، فيكون أصلها زِويا فقلبت الواو ياء. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " زُويت لي الأرض " أي جمعت؛ أي فلم يغن ذلك عنهم شيئا من عذاب الله تعالى؛ فليعش هؤلاء ما شاؤوا فمصيرهم إلى الموت والعذاب وإن عُمِّروا؛ أو العذاب العاجل يأخذهم الله تعالى به.

وقال ابن الجوزى

{ وَرِئْيَاً } فقرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «ورئياً» بهمزة بين الراء والياء في وزن: «رِعيا»؛ قال الزجاج: ومعناها: منظراً، من «رأيت».

وقرأ نافع، وابن عامر: «رِيّاً» بياء مشددة من غير همز، قال الزجاج: لها تفسيران. أحدهما: أنها بمعنى الأولى. والثاني: أنها من الرِّيّ، فالمعنى: منظرهم مرتوٍ من النعمة، كأن النعيم بَيِّنٌ فيهم.

وقرأ ابن عباس، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وابن أبي سريج عن الكسائي: «زيّاً» بالزاي المعجمة مع تشديد الياء من غير همز. قال الزجاج: ومعناها: حسن هيئتهم

وقال السمين

قوله: { شَيْئاً إِدَّاً }: العامَّةُ على كسر الهمزة مِنْ " إدَّاً " وهو الأمرُ العظيمُ المنكَرُ المتعجَّبُ منه. وقرأ أمير المؤمنين والسلمي بفتحها. وخَرَّجوه على حَذْفِ مضاف، أي: شيئاً أدَّاً، لأنَّ الأدَّ بالفتحِ مصدرٌ يُقال: أدَّه الأمرُ، وأدَّني يَؤُدُّني أدَّاً، أي: أَثْقَلني. وكان الشيخ ذكر أنَّ الأَدَّ والإِدَّ بفتح الهمزةِ وكسرِها هو العَجَبُ. وقيل: هو العظيم المُنْكَر، والإِدَّة: الشِّدَّة/. وعلى قوله: " وإن الإِدَّ والأدَّ بمعنى واحد " ينبغي أَنْ لا يُحتاج إلى حَذْفِ مضاف، إلا أَنْ يريدَ أنه أراد بكونِهما بمعنى العَجَب في المعنى لا في المصدرية وعَدَمِها...

وقرأ الناسُ " تُحِسُّ " بضمِّ التاء وكسرِ الحاء مِنْ أَحَسَّ. وقرأ أبو حيوةَ وأبو جعفرٍ وابن أبي عبلة " تَحُسُّ " بفتح التاء وضم الحاء. وقرأ بعضُهم " تَحِسُّ " بالفتح والكسر، من حَسَّه، أي: شَعَرَ به، ومنه " الحواسُّ الخَمس ".

و " منهم " حالٌ مِنْ " أحد " إذ هو في الأصلِ صفةٌ له، و " مِنْ أحدٍ " مفعولٌ زِيْدَتْ فيه " مِنْ ".

وقرأ حنظلةُ " تُسْمَعُ " مضمومَ التاء، مفتوحَ الميمِ مبنياً للمفعولِ، و " رِكْزاً " مفعولٌ على كلتا القراءتين إلا أنه مفعولٌ ثانٍ في القراءة الشاذة. ...

اسامة محمد خيري
11-11-2018, 08:56
سورة طه

الجوهرة التاسعة عشر بعد المائتين

قال السمين

وقيل: " طه " أصلُه طَأْها بهمزة " طَأْ " أمراً مِنْ وَطِىء يَطَأُ، و " ها " ضميرُ مفعولٍ يعودُ على الأرض، ثم أبدل الهمزَة لسكونها ألفاً، ولم يَحْذِفْها في الأمرِ نظراً إلى أصلها أي: طَأ الأرضَ بقدمَيْكَ. وقد جاء في التفسير: " أنه قام حتى تَوَرَّمَتْ قدماه ".

وقرأ الحسنُ وعكرمةُ وأبو حنيفةَ وورشٌ في اختياره/ بإسقاطِ الألفِ بعد الطاء، وهاءٍ ساكنة. وفيها وجهان، أحدهما: أنَّ الأصلَ " طَأْ " بالهمز أمراً أيضاً مِنْ وَطِىء يَطَأُ، ثم أبدلَ الهمزةَ هاءً كإبدالهم لها في " هَرَقْتُ " و " هَرَحْتُ " و " هَبَرْتُ ". والأصلُ: أَرَقْتُ وأَرَحْتُ وأَبَرْت. والثاني: أنه أبدل الهمزةَ ألفاً، كأنه أَخَذه مِنْ وَطِي يَطا بالبدل كقوله:
3271ـ........................ ........... لا هَنَاكِ المَرْتَعُ
ثم حَذَفَ الألفَ حَمْلاً للأمرِ على المجزومِ وتناسِياً لأصل الهمز ثم ألحق هاءَ السكتِ، وأجرى الوصلَ مُجْرى الوقفِ.

وقال ابن عطية

وقالت فرقة: سبب نزول الآية إنما هو ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحمله من مشقة الصلاة حتى كانت قدماه تتورم ويحتاج الى الترويح بين قدم