المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كشف اللثام عن افتراءات اللئام على الصحابة والتابعين والأئمة الكرام



حسام الدين رامي نقشبند
18-08-2018, 10:15
كشف اللثام عن افتراءات اللئام على الصحابة والتابعين والأئمة الكرام


مقدمة هامة:
هذا الموضوع هو رد على طائفة من أسئلة أعداء الإسلام المفروضين على الإسلام الذين تتبعوا هفوات منهجية وتاريخية، هم أصل من سعى لوجودها!، من خلال نحو مائة وخمسين سؤال يضعون من بواسطتها خيار الصحابة وأئمة السلف من تابعين وتابعي التابعين في موضع تهم تخل بمكانتهم وتسيء لعدالتهم وعلو تقواهم وسمو أخلاقهم؛ فقد جندت نفسي للدفاع عن هؤلاء الأعلام الأكارم النبلاء؛ بكل ما أوتيت من قوة في العلم وحسن الفهم لمراتب هؤلاء الأئمة الأمناء ..

أخطر التهم:

أن عروة بن مسعود، قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في "الحديبية" قبل الصلح: ( أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك، وإن تكن الأخرى، فإني والله لأرى وجوها، وإني لأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر: (( امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟! ))؛ فقال: من ذا ؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك )؛اهـ
والحق أني استشنعت هذا القول ورفضت أن يبدر من خير الناس بعد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ..
والمفاجأة بمن روى هذا الأثر: فقد رواه البخاري في "صحيحة" [ج2/ص: 974/ر:2581]؛ ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج11/ص: 216/ر:4872]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج5/ص: 430/ر:18449]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق شعيب الأرنئوط في "المسند" [ج4/ص: 323]؛ ورواه الصنعاني في "مصنف عبد الرزاق" [ج5/ص: 330/ر:9720]؛ ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" [ج8/ص: 512/ر:18]؛ ورواه البيهقي في "سننه الكبرى" [ج14/ص: 76/ر:19331]؛ ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" [ج20/ص: 9/ر:13]؛ وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
فقلت لا بد أن في روايته في البخاري رواة أحد رافضة الشيعة، اعتمادهم الإمام البخاري لما توثق أنهم أمناء بالنقل صادقين بلفظ المتن؛ إلا أنهم سوف يتحيزون مع معتقدهم الأعوج بالعمرين وذي النورين فدققت بالرواية وتسلسل سند من رواها في "صحيح البخاري" فوجدت:
رجال سند روايته في البخاري:
حدثني عبد الله بن محمد ابن أبي شيبة [ثقة حافظ ثبت ]
حدثنا عبد الرزاق الصنعاني [ثقة حافظ ثبت ]
أخبرنا معمر بن راشد [ثقة ثبت فاضل]
أخبرني ابن شهاب الزهري [ثقة فقيه حافظ ثبت]
أخبرني عروة بن الزبير [ثقة فقيه حافظ ثبت]
فرجاله رجال الصحيح .. وسنده عالي متصل من غير علة!!! ..

والمفاجأة الصاعقة: أن أول من أخرج هذا الأثر هو إمام الحفاظ وخبير العلل الإمام "ابن إسماعيل البخاري"؛ ورواته كلهم ثقات ثبتين أي لم يرد بهم جرح أو تعديل وأكثرهم حفاظ وفيهم فقهاء؟!! ..
فقلت لا مخرج لي إلا النظر بقول نقاد الحديث في هذا الأثر ..
فوجدت شيخ الإسلام وإمام النقاد وحجة المحققين الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى، قال: ( و"البَظْر": بفتح الموحدة، وسكون المعجمة: قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة .
و"اللات": اسم أحد الأصنام التي كانت قريش وثقيف يعبدونها، وكانت عادة العرب الشتم بذلك، لكن بلفظ الأم، فأراد أبو بكر المبالغة في سب عروة بإقامة من كان يعبد مقام أمه، وحمَله على ذلك ما أغضبه به من نسبة المسلمين إلى الفرار ..
وفيه: جواز النطق بما يستبشع من الألفاظ لإرادة زجر من بدا منه ما يستحق به ذلك، وقال ابن المنيِّر: في قول أبي بكر تخسيس للعدو، وتكذيبهم، وتعريض بإلزامهم من قولهم " إن اللات بنت الله! " تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، بأنها لو كانت بنتا أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك، وإن تكن الأخرى، فإني والله لأرى وجوها، وإني لأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر: (( امصص ببظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه ؟ ))؛ فقال: من ذا ؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده ، لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك : لكان لها ما يكون للإناث )؛ (1) ..
ثم نظرت في قول الإمام الحافظ الفقيه الأصولي ابن قيم الجوزي رحمه الله تعالى فوجدته يقول: ( وفى قول الصِّدِّيق لعروة: " امصُصْ بَظْرَ اللاَّتِ ": دليلٌ على جواز التصريح باسم العَوْرة، إذا كان فيه مصلحة تقتضيها تلك الحال ... ، فلكل مقام مقال )؛ (2) ..
ولكن يبقى هذا اجتهاد علماء إن أصابوا لهم أجرين وإن أخطئوا كان لهم أجر الاجتهاد ..
إلا أن هذا الاجتهاد وهو الأصل الخامس من أصول فقه الأصول يخالف الأصل الأول القطعي الثبوت مصدر كل الأصول وإمامها وهو القرآن الكريم؛ حيث يقول الله تعالى: { وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [الأنعام : 108] ..
فقلت أجتهد بما أبرء به ساحة الصديق الأكبر من الزلل الفاحش ..
فصدق من قال: ( من أحسن القول بأصحابي فهو مؤمن )؛ اهـ
علما أن هذا الفعل أو القول يخالف صحيح السنة أيضا:
عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: ( ليسَ المؤمنُ بالطَّعَّانِ ولا باللَّعَّانِ ولا الفاحشِ ولا البذيءِ )؛ (3) ..

وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( إنَّ اللهَ لا يحبُّ: كلَّ فاحشٍ مُتفحِّشٍ )؛ (4) ..
كما أن الصديق الأكبر رضي الله عنه وأرضاه، أفضل من اتبع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقلده بالقول والعمل!! ..
عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( لم يكن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَبَّابًا، ولا فَحَّاشًا، ولا لَعَّانًا، كان يقولُ لأحَدِنا عندَ المَعْتِبَةِ: ((ما لهُ تَرِبَ جَبِينُهُ)) )؛ (5) ..

وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وآله سلم قال لها: ( يَا عَائِشَةُ مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا؟، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ؛ أَوْ "فُحْشِهِ" )؛ (6) ..
إضافة إلى أن أبا بكر كان مشهورا بالحلم والتسامح وكان يحث ضعاف الصحابة على الصبر على أذى المشركين وكان كلما مشرك أجابه بقول عباد الرحمن أي: سلاما، سلاما ..
حتى أنه منع ابن مسعود أن يرد على أبي جهل بعد أن غالى هذا الأخير في تحقيره مذكرا له وهو حافظ القرآن بالآية: { وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ } [الأنعام : 108] ..
فكيف يخرج منه هذا القول الشنيع؟!!! ..
نقول أولا من الملاحظ أن الصديق الأكبر كان هينا لين رقيق القلب شديد الرحمة بالمؤمنين؛ إلا أن أمرين يجعلانه كل الأسد الجريح، وهما كل ما يهدد الإسلام أو يهدد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ..
سألتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عَمْرٍو بن العاص رضي الله عنهما، عَن أشَدِّ ما صنعَ المُشْرِكونَ برسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم، قال: ( رأيتُ عُقْبَةَ بنَ أبي مُعَيْطٍ، جاءَ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يُصلي، فوضَعَ رِداءَهُ في عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ بهِ خَنْقًا شَديدًا، فجاءَ أبو بكرٍ حتى دَفَعَهُ عنهُ، فقال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ )؛ (7) ..
وقيل أن أبو بكر ضرب حتى قيل مات ..
وعندما ظهرت بوادر الردة في القبائل القريبة من المدينة لان كبار الصحابة عن حربهم والتفرد بالقبائل البعيدة التي ارتدت ارتداد كامل، وكان فيمن لان أشدهم بالحق ودين الله الفاروق عمر رضي الله عنه، فهزه الصديق هزا شديدا وقال: ( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، جَبْارُ في الجَاهِليةَ خَوْارُ في الإسْلام )؛ (8) ..
وكان صاحبه ووزيره حين إذ!! ..
أما في الحديبية فقد قام عروة بازدراء وإهانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتحقير دينه واتهام الصحابة بالباطل بهتانا وظلما وتفضيل قومه الذين آذوه وهجروه وكادوا يقتلوه عن من صحبه ونصره وآواه وصدق معه بالقول والفعل؛ فما كان لأبو بكر أن يأتي فعلا صارما دون أذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ وكان لا بد من كبح عروة وإلجامه؛ وإلا ازداد تطاول فكان هذا القول الذي ظاهرة فاحش لكنه لم يكن أشد من كثرة القتل بالردة إلا أن الضرورة ورد الظلم والاستضعاف وكون طبيعة عروة التي كان يخبرها أبو بكر لا ترد إلا هكذا ..
والمبرر الشرعي القطعي لشرح ابن القيم في قوله تعالى: { لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً عَلِيماً } [النساء : 148] ..
فالاستثناء بالآية بجواز المجاهرة بالسوء عند وقوع الظلم المفرط كالافتراء الذي وقع على خير صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ..؛ اهـ انتهى
--------------------
(1) ورد في "فتح الباري" لابن حجر [ج5/ص:340] ..
(2) ورد في "زاد المعاد" لابن القيم [ج3/ص: 305]،اهـ
(3) رواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 308/ر:1977]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:1977]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 668/ر:3829]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج5/ص: 322]؛ ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج1/ص: 421/ر:192]؛ ورواه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر: 7584]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الجامع" [ر:5381]؛ وحكمه: [صحيح] ..
(4) رواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج6/ص: 262/ر:21257]، بإسناد حسن؛ بتحقيق شعيب الأرنئوط في "المسند" [ج5/ص: 202]؛ ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج12/ص: 506/ر:5694]؛ وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:1850]؛ وحكمه: [صحيح] ..
(5) رواه البخاري في "صحيحة" [ج5/ص: 2243/ر:5684]؛ وفي "الأدب المفرد" [ج1/ص: 127/ر:435]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الأدب" [ر:333]؛ وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:5001]؛ وحكمه: [صحيح] ..
(6) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج5/ص: 2244/ر:5658]؛ ومسلم في "صحيحة" [ج4/ص: 2002/ر:2591]؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج4/ص: 251/ر:4791]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4791]؛ ووراه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 359/ر:1966]، وقال: هذا حديث حسن صحيح؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
(7) رواه البخاري في "صحيحة" [ج3/ص: 1345/ر:3475]؛ وحكمه: [صحيح] ..
(8) ورد في "تفسير القرآن" لابن كثير [ج7/ص: 326]؛ وفي "كنز العمال" للمتقي الهندي [ج6/ص: 527] ..


==================

حسام الدين رامي نقشبند
18-08-2018, 16:40
السؤال 1 : حول ما يقال إن خلافة أبي بكر رضي الله عنه قضية مجمع عليها فهل صحيح أن علياً وأصحابه لم يكونوا ضمن هذا الإجماع، وأن هكذا إجماع تجري عليه اللعنة من الله عز وجل، كما قال ابن حزم : لعنة الله على كل إجماع يخرج منه علي بن أبي طالب ومن بحضرته من الصحابة؟؛ ورد في "المحلى" لابن حزم [ج9/ص: 345] ..

الجواب:

يقول الله تعالى: { وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [الأنفال : 46] ..

والسؤال الآن هل فشل المسلمون في هذه الحقبة وذهبت ريح الإسلام بهم، والجواب على العكس فقد وقف الله مع الصديق الأكبر رضي الله عنه وأرضاه ووافقه ووفقه والذي بدوره وقف من المسلمين موقف لولاه لانتهى الإسلام! ..
ولو كان هذا الشيء صحيح أي بدء الخلاف وتفرق الكلمة لجرى للردة مجرى مغاير لما حدث، ولما بدأت أول فتوحات الإسلام ضد أقوى قوى الأرض في ذاك الحين ..
وقد كان مجلس شورى المسلمين هم المبشرين العشرة بالجنة من الصحابة المنتخبين بالتقوى والصلاح بشهادة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم:
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: ( أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعِيدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ )؛ (1) ..
ومنهم الإمام علي كرم الله وجهه وكانوا مجمعين على الصديق الأكبر؛ وكان تأخر ذو السبطين علي الأكرم رضي الله عنه وأرضاه؛ لتورعه أن يكون له نصيبا بها!؛ فقد كان كرم الله وجهه أية بالزهد والزهادة بكل شيء إلا وجه الله وعميم رضاه؛ وقد تعلل بانشغاله بتبعات وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ وإعياء زوجته أم المؤمنين الزهراء فاطمة عليها رضوان وسلام الله، لكنه بايع أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه؛ بعد ذلك برضا تام بعد أن تم الأمر وآل الأمر لأهله ..

ولأسباب أخرى وردت في صحيح الشيخين:
عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: ( قال عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَتَشَهَّدَ وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنْ الْبَيْعَةِ وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ، وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَا إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا حِينَ رَاجَعَ الْأَمْرَ الْمَعْرُوفَ )؛ (2) ..
يقول الإمام محيي الدين النووي: ( وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب: لم يحضر )؛ ورد في "شرح مسلم" للنووي [ج12/ص: 78]؛ اهـ
أي أن إمام الأئمة الغالب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، شك أن يكون في ريعه رغبة إذا غلب الرأي عليه، ببيعة الخلافة، فتكون فتنة، فتورع أن يتواجد في مجلس البيعة، كي تكون صافية صادقة للصديق الأكبر رضي الله عنه وأرضاه ..

أي أن الإمام علي كرم الله وجهه وجد أن له أشياع قد ينصروه على أهلية الصديق من قريش وبني هاشم وحتى الأنصار فخشي أن تنشق وحدة المسلمين وخشي أن يكون في نفسه رغبة فأحتجب عن حظ نفسه فاستبد عليها بعقله وورعه ومنع بحكمته حدوث الفتنة، وهو ما يليق بشخص وتربية أبي تراب، والدليل على ذلك:
عن عليٍّ كرم الله وجهه، أنَّهُ قالَ: ( خيرُ النَّاسِ بعدَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أبو بَكرٍ ثمَّ عُمَرُ ثمَّ رجلٌ آخرَ )؛ فقالَ ابنُه محمَّدُ بنُ الحنفيَّةِ: ( ثمَّ أنتَ يا أبَه ) فَكانَ يقولُ: ( ما أبوكَ إلَّا رجلٌ منَ المسلمينَ )؛ (3) ..


وقد عرض عليه أبو سفيان بن حرب أن ينصره على أن تكون له البيعة بالخلافة لأنه أقرب نسبا وأصلا وأقرب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقال أبو حسن عليه رضوان الله وسلامه: ( معاذ الله أن أشق عصا المسلمين معاذ الله )؛ ثم قال لأبي سفيان: ( والله ما أردت إلا الفتنة، ولا حاجة لنا في نصيحتك )؛اهـ
فقال أبو سفيان: ( على رسلك يا أبا الحسن، ما أردت إلا أن أنصرك، إن كنت قد غلبت عليها ) ..
فأجابه حكيم هاشم ووزير النبوة ومستودع العلم كرم الله وجهه: ( تالله يا أبا سفيان لم يخلو قلبك من الجاهلية؛ وما زلت ترى النبوة مأثرة وملكا تتفاضل بهما القبائل، وقد وضع الله أنساب الجاهلية وحميتها، أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر الناس، ويقول: (( كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ )) (4)؛ ثم تابع فقال كرم الله وجهه: ( والآن تقول تيم وعبد مناف!، أما آن لك يا أبا سفيان أن تعلم أنها الرسالة من الله للناس كافة!؛ أما الإمارة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولولا أننا رأينا أبا بكر لها أهلا، ما خلينه وإياها، فليس علي بالذي يسكت عن الباطل، أو تأخذه بالحق لومة لائم ) ..
فقال أبو سفيان: ( ألست أحق بها منه وأنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وزوج ابنته! ) ..

فأجاب أبو الحسن: ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، نبيا ورسولا، ولم يكن ملكا، ولا والله لم أكن لأشق عصا المسلمين وأوهن قوتهم حين صرنا أحوج ما نكون إليها، وقد ارتدت العرب، ولا أقعد في بيتي، بينما يخرج سائر المسلمين لقتال أهل الردة، والدفاع عن بيضة الإسلام، معاذ الله معاذ الله أن أفعل ذلك )؛ صحح مرجعية هذا النص ستة علماء معتمدين منهم الدكتور القرضاوي؛ اهـ
وبعد ذلك قام فقال كرم الله وجهه حين حضوره للبيعة بعد التأخر: ( لا تثريب عليك يا خليفة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم, فقام علي فبايع أبا بكر )؛ ورد في " صحيح التّوثيق في سيرة وحياة الصّــدّيق" لمجدي السيد [ص: 98]؛ وأصله بلفظ: (لاَ تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، فَبَايَعَهُ )؛ (5) ..
وفي رواية ثانية عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: ( قَامَ عَلِيٌّ فَعَظَّمَ مِنْ حَقِّ أَبِي بَكْرٍ وَذَكَرَ فَضِيلَتَهُ وَسَابِقَتَهُ، ثُمَّ مَضَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَبَايَعَهُ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالُوا: أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ فَكَانَ النَّاسُ قَرِيبًا إِلَى عَلِيٍّ حِينَ قَارَبَ الْأَمْرَ الْمَعْرُوفَ )؛ (6) ..
أما فاروق الأمة عمر وأمينها أبو عبيدة رضي الله عنهما؛ فقد تجاوزوا بيعة أبو الحسن علي كرم الله وجهه؛ بادئ الأمر، لضرورة إتمام الأمر حتى لا تكون فتنة إن أطنب فيها وتأخرت! ..

يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: ( أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس )؛ ورد في "شرح مسلم" للنووي [ج12/ص: 77]؛ اهـ

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه، قَالَ: ( كُنَّا نَقُولُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ فِي الْخِلافَةِ )، (7) ..
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ، حَدَّثَنَا شَاذَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: ( كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَعْدِلُ بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا، ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ )؛ (8) ..
وعن ابن عمر رضي الله عنه، قال: ( كُنَّا نُخَيِّرُ بينَ الناسِ في زَمَنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَنُخَيِّرُ أبا بكرٍ، ثم عُمَرَ بنَ الخطَّابِ، ثم عُثْمانَ بنَ عَفَّانَ رضيَ اللهُ عنهُم )؛ (9) ..
وعن مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ قال: قُلْت لأبي [علي]: أيُّ الناسِ خيرٌ بعد رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ قال: ( أبو بكر )، قُلْت: ثم مَن ؟ قال: ( ثم عُمر )، وخشيتُ أن يقول عُثمانُ، قُلْت: ثم أنت ؟ قال : ( ما أنا إلا رجُلٌ مِنَ المُسْلِمينَ )؛ (10) ..
فهذا الإمام الأئمة الغالب علي بن أبي طالب يقر بلسانه الذي بين لحييه بأفضلية الصديق الأكبر بخلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما صح عند شيخ الحفاظ المحدثين البخاري، فمن أين نشاء الخلاف؟!! ..

--------------------
(1) رواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 623/ر:4649]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4649]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 606/ر:3748]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:3748]، ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 85/ر:133]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:110]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 316/ر:1678]،بإسناد صحيح؛ بتحقيق احمد شاكر في "المسند" [ج3/ص: 136]، ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج15/ص: 463/ر:7002]، وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:73] ، ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:50]، وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
(2) رواه الشيخان؛ البخاري في "صحيحة" [ج4/ص: 1549/ر:3998]؛ مسلم في "صحيحة" [ج12/ص: 299/ر:4555]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..

(3) رواه ابن ماجة في "سننه" [ج1/ص: 76/ر:106]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:86]؛ وقال كل من العجلوني في "كشف الخفاء" [ج1/ص: 237]؛ والسخاوي في "الأجوبة المرضية" [ج2/ص: 881]؛ والخطابي في "معالم السنن" [ج4/ص: 280]، في حكمه: ثابت؛ وقال الألباني في "تخريج السنة" [ر:1206]: إسناده صحيح على شرط الشيخين؛ وخلاصة حكمه: [صحيح] ..

(4) عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم: ( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاء، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ فَخْرَهُمْ بِرِجَالٍ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِدَّتِهِمْ مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتَنَ )؛ رواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 752/ر: 5116]، بإسناد حسن؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:5116]، ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 363/ر:3270]، وقَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، أي بإسناد حسن؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:3270]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسند" [ج3/ص: 47/ر:8519]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج16/ص: 200]؛ ورواه البيهقي في "الشعب" [ج4/ص: 286/ر:5127]؛ وحكمه: [صحيح] ..
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ خُطْبَةَ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلا لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلا لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلا بِالتَّقْوَى، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، أَلا هَلْ بَلَّغْتُ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ : فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ )، رواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج6/ص: 570/ر:22978]؛ ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" [ج4/ص: 289/ر:5137]، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" [ج3/ص: 269]: رجاله رجال الصحيح؛ وقال البوصيري في "إتحاف المهرة" [ج3/ص: 226]: رجاله ثقات؛ وصححه الألباني في "شرح الطحاوية" [ر:361]، وفي "غاية المرام" [ر:313]، وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
(5) رواه الحاكم في "المستدرك" [ج3/ص: 80/ر:4457]، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخان؛ وسكت عنه الذهبي في "التلخيص" موافقتا؛ ورواه البيهقي في "سننه الكبرى" [ج12/ص: 259/ر:17006]؛ وحكمه: [صحيح] ..
(6) رواه مسلم في "صحيحة" [ج12/ص: 302/ص: 4556]؛ ورواه الصنعاني في "مصنف عبد الرزاق" [ج5/ص: 472/ر:9774]؛ بإسناد عالي صحيح؛ وحكمه: [صحيح] ..
(7) رواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 588/ر:3707] بإسناد صحيح، بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:3707]، رواه ابن كثير في "البداية والنهاية" [ج7/ص: 216]، وقال: إسناده صحيح على شرط الشيخين؛ ورواه الألباني في "تخريج السنة" [ر:1140]، وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم؛ وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
(8) رواه البخاري في "صحيحة" [ج3/ص: 1352/ر:3494]، ورواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 617/ر:4627]؛ بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في " صحيح أبي داود" [ر:4627]؛ ورواه أبو يعلى في "مسنده" [ج9/ص: 454/ر:5602]، وخلاصة حكمه: [صحيح] ..

(9) رواه البخاري في "صحيحة" [ج3/ص: 1337/ر:3455]؛ وحكمه: [صحيح] ..
(10) رواه البخاري في "صحيحة" [ج3/ص: 1342]؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج3/ص: 617/ر:4629]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني "صحيح أبي داود" [ر:4629]؛ وحكمه: [صحيح] ..




=======================

حسام الدين رامي نقشبند
28-08-2018, 15:28
السؤال 2 : هل يصح ما يقال: إن خلافة أبي بكر رضي الله عنه لم تكن بالشورى ولا بإجماع المسلمين، بل كانت لمجرد رأي شخص واحد وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإذا كان كذلك فهل يجب على جميع المسلمين أن يتبعوا شخصاً واحداً ـ ولم يكن في ذلك الوقت خليفة بل كان من آحاد المسلمين ومواطناً في بلاد المسلمين ـ ولماذا يهدر دم المتخلِّف عن البيعة ؟ وهل شخص واحد له قيمومة على جميع الناس إلى يوم الدين ؟
هناك فئة من علمائنا أنكروا وجود هكذا إجماع بل قالوا بعدم لزومه، وهم:

(1) يقول أبو يعلى الحنبلي: ( لا تنعقد إلا بجمهور أهل العقد والحل من كل بلد، ليكون الرضا به عاماً، والتسليم لإمامته إجماعا؛ وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر على الخلافة باختيار من حضرها ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها )، ورد في "الأحكام السلطانية" للماوردي[ص: 33]؛اهـ

(2) يقول القرطبي: ( فإن عقدها واحد من أهل الحلّ والعقد فذلك ثابت ويلزم الغير فعله ، خلافاً لبعض الناس حيث قال : لا ينعقد إلا بجماعة من أهل الحلِّ والعقد ، ودليلنا : أنَّ عمر عقد البيعة لأبي بكر )، ورد في "جامع أحكام القرآن" للقرطبي [ج1/ص: 272]؛اهـ

(3) يقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي: ( اعلموا أنه لا يشترط في عقد الإمامة الإجماع بل تنعقد الإمامة وإن لم تجمع الأمة على عقدها، والدليل عليه أن الإمامة لما عقدت لأبي بكر ابتدر لإمضاء أحكام المسلمين ولم يتأن لانتشار الأخبار إلى من نأي من الصحابة في الأقطار ولم ينكر منكر ، فإذا لم يشترط الإجماع في عقد الإمامة، لم يثبت عدد معدود ولا حدّ محدود . فالوجه الحكم بأنَّ الإمامة تنعقد بعقد واحد من أهل الحلِّ والعقد )، ورد في "الإرشاد في الكلام" [ص: 424]؛اهـ

(4) ويقول الإيجي الشيرازي الشافعي: ( وإذا ثبت حصول الإمامة بالاختيار والبيعة فاعلم أن ذلك لا يفتقر إلى الإجماع، إذ لم يقم عليه دليل من العقل والسمع بل الواحد والاثنان من أهل الحلِّ والعقد كاف، لعلمنا أن الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا بذلك، كعقد عمر لأبي بكر، وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان ولم يشترطوا اجتماع من في المدينة فضلا عن اجتماع الأُمة، هذا ولم ينكر عليه أحد، وعليه انطوت الإعصار إلى وقتنا هذا )، ورد في "المواقف في علم الكلام" للشيرازي [ج8/ص: 351]؛اهـ

(5) وقال ابن العربي الأشبيلي الأندلسي المالكي: ( لا يلزم في عقد البيعة للإمام، أن تكون من جميع الأنام بل يكفي لعقد ذلك اثنان أو واحد )، ورد في " عارضة الأحوذي" لابن العربي [ج13/ص: 229]؛اهـ


الجواب:

خلافة الصديق إن لم توافق العرف المعهود بالبيعة بظاهرها، إلا أنها كانت أمر بديهي عند عموم الصحابة كما صرح بذلك ابن عمر وغبره، كما أن السبب يعود بذلك من ناحية أخرى أنها استدراك حالة ان لم تستدرك فقد تؤدي إلى فرقة وشقاق في صفوف المسلمين، وفتيل فتنة لا يعرف مرساها، لذلك كانت وفق تقعيد الأصوليين، ضرورة؛ والضرورات تبيح المحظورات، فلم يكن يوجد اجماع بقبول أحد أياً كان مقاماً بعد النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ..
وقد كانت بيعة الصديق الأكبر رضي الله عنه وأرضاه، بديهية مجمع عليها من كبار الصحابة المقربين قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأشار إلى هذه المكانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مواضع عدة، إلا أن القلوب كانت مشغوفة بشخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلم تجد عنه حِولا ..
وعندما تمت بيعته وأعني أبو بكر رضي الله عنه، إن لم يجمع عليها، فإنه لم يعترض على بيعته أحد أيضا، ويكفي إجماع العشرة المبشرين بالجنة على ذلك مجلس شورى الصحابة رضوان الله عليهم، وموقفة رضي الله عنه وشدته كانا أكبر دليل على هذه المكانة والكلمة المسموعة له عند الصحابة ..
ويكفي قوله رضي الله عنه: ( أَلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، ثم تلا قوله تعالى: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) [آل عمران: 144] )، رواه البخاري في "صحيحة" [ج4/ص: 1618/ر:4187]؛ وحكمه: [صحيح] ..
وقيل أن الفاروق رضي الله عنه وأرضاه كان يقول: ( كان إذا حزب بنا أمر عرضناه على أبي بكر فإن انشرح له انشرحنا )؛ أو كما قال الفاروق رضي الله عنه وأرضاه ..
ومن المتعارف عليه أن هذا الفعل لا يكون إلا مع وصي وارث لمقام النبوة دون النبوة مستخلف على الدين حكما وعلما..
وكل ما في الأمر أن الصديق الأكبر رضي الله عنه وأرضاه، رشح لخلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كل من الفاروق عمر بن الخطاب، وأمين الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنهما، بعد زوال الخلاف مع الأنصار الذين ظنوا أن الخلافة بهم ومن ثم قالوا هي قسمة بين المهاجرين والأنصار؛ ثم تفهموا الأمر؛ فاعترض الفاروق وقال بما معناه: نختار أحدنا وأنت فينا، فبايعه ثم بايعه باقي الصحابة المجتمعين؛اهـ

يروي الحافظ ابن جرير الطبري: أن أبو بكر حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ( إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فخصّ الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه والإيمان به والمواساة له والصبر معه على شدة أذى قومهم لهم وتكذيبهم إياهم، وكل الناس لهم مخالف زار عليهم، فلم يستوحشوا لقلة عددهم وشنف الناس لهم وإجماع قومهم عليهم ، فهم أول من عبد الله في الأرض وآمن بالله وبالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم، وأنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلهم في الدين ولا سابقتهم العظيمة في الإسلام، رضيكم الله أنصارا؛ فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تفاتون بمشورة ولا نقتضي دونكم الأمور )؛ ورد في "تاريخ الطبري" لابن جرير [ج3/ص: 198]؛ اهـ
فقال سعد: ( صدقت، فنحن الوزراء وأنت الأمراء ) ..
ثم وزاد أبو عبيدة فقال: ( يا معشر الأنصار إنكم أول من نصر, فلا تكونوا أول من بدل وغير! )؛ فقام بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير فقال: ( يا معشر الأنصار! إنا والله وإن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين، وسابقة في هذا الدين ما أردنا به إلا رضى ربنا، وطاعة نبينا والكدح لأنفسنا، فما ينبغي أن نستطيل على الناس بذلك، ولا نبتغي به الدنيا، ألا إن محمداً، صلى الله عليه وآله وسلم، من قريش وقومه أولى به، وايم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر، فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم )؛ اهـ
ثم قال الفاروق عمر للأنصار: ( أنشدكم بالله، هل أُمر أبو بكر أن يصلي بالناس؟ )، قالوا: اللهم نعم. قال: ( فأيكم تطيب نفسه أن يزيل عن مقامه الذي أقامه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ ) قالوا: كلنا لا تطيب أنفسنا، نستغفر الله!؛ اهـ
فقال عمر: ( ابسط يدك يا أبا بكر نبايعك )، فقال أبو بكر: ( بل أنت يا عمر فأنت أقوى لها مني )؛ فقال الفاروق: ( أنت أفضل مني، وإن قوتي لك مع فضلك )؛ فبايعه عمر وأبو عبيدة ثم بايعه الأنصار وباقي الصحابة بالتتابع ..
انظر إن شئت في "تاريخ الطبري"لابن جرير [ج3/ص: 199و200]؛ اهـ
أما أقوال كل من الإمام الغزالي والإيجي وأبو يعلى وابن العربي والقرطبي؛ فهي اجتهادات بشروط البيعة في الخلف لا تنطبق على صالح السلف وعلى وجه الخصوص خلفاء وأخلاء النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم؛ وباقي صحبه الكرام عليهم رضوان الله، فمن رضي الله عنه فحريا بنا أن نرضى بما رضي الله به ونقر بمكانة من رضي الله عنه، فكيف من يكونوا خير البرية، ما دمنا مسلمين، فالصحابة بإجماع العلماء كلهم عدول (1) ..
ولتكن قاعدتنا ما روي مرفوعا: ( مَنْ أَحْسَنَ الْقَوْلَ فِي أَصْحَابِي فَهُوَ مُؤْمِنٌ )؛ (2)؛ وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أيضا: ( من أحسن القول في أصحابي فقد برئ من النفاق، ومن أساء القول في أصحابي كان مخالفا لسنتي ومأواه النار وبئس المصير )؛ (3) ..
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: ( احْفَظُونِي فِي أَصْحَابِي، فَمَنْ حَفِظَنِي فِي أَصْحَابِي رَافَقَنِي وَوَرَدَ عَلَى حَوْضِي، وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْنِي فِيهِمْ لَمْ يَرِدْ عَلَى حَوْضِي، وَلَمْ يَرَنِي إِلا مِنْ بَعِيدٍ )؛ (4) ..
وعن ابن عمر أيضا: ( لا تَذْكُرُوا مَسَاوِئَ أَصْحَابِي فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ عَلَيْهِمْ، وَاذْكُرُوا مَحَاسِنَ أَصْحَابِي حَتَّى تَأْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ عَلَيْهِمْ )؛ (5) ..
وهذه الآثار بمجموعها تقبل مرفوعة اعتبارا لأنها في فضائل الصحابة الذين أجمع على عدالتهم مجموع العلماء المعتبرين، ولأنها في نتاج متونها وروايتها تفيد الصحة بالشهرة أيضا وتطابق أصل الواقع؛ اهـ
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، مرفوعا: ( مَنَ أَحسَنَ القَولَ فِي أَبِي بَكرٍ فَقَد أَقامَ الدِّينَ، ومَن أَحسَنَ القَولَ فِي عُمر فَقَد أَوضَحَ السَّبِيلَ، ومَن أَحسَنَ القَولَ فِي عُثمانَ فَقَدِ استَنارَ بِنُورِ الله، ومَن أَحسَنَ القَولَ فِي عَلِي فَقَدِ استَمسَكَ بِالعُروَةِ الوُثقَى لا انفِصامَ لَها، ومَن أَحسَنَ القَولَ فِي أَصحابِي فَهو مُؤمِنٌ )؛ اهـ
وهذا الحديث مقبول بالسند رغم مجاهيله من الرواة، لأنه في فضائل الصحابة وصحيح بالشهرة على ألسنة الدهماء ومحابر العلماء، ومن باب صحة مضمون المتن؛ لأن من أحس القول بالصديق الأكبر أقام الدين ذلك لآن الدين قائم على الصدق الذي يهدي إلى البر، ولأن الدين وفق التوثيق التاريخي كان انتهى دون أبي بكر الصديق رضي الله عنه، الذي أتم ما جاء به المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، ولم ينقص والصديق الأكبر حي؛ ومن أحسن القول بالفاروق أتاه الله فرقانا من العقل يفرق به بين الحق والباطل بالعدل؛ ويهتدي به إلى سواء السبيل؛ ومن أحسن القول بعثمان أصبغه الله بنور الإيمان باليقين ونور الحياء بنسبة للفضل بكليته لله وحده ..
أما من أحسن القول بعلي فقد ركن إلى ركن متين مكين بالعلم التحقيقي التوثيقي بالله عز وجل؛ وهذا بمجموعة أقل ما يقال بالكبار الراشدين من الصحابة الكرام فقد أقسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بالصحيح المسند أنه لو أتفق أحدا بعدهم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ولا معشاره أي واحد على عشرة أو عشرة بالمائة من أنفاق أقلهم رجلا من أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم؛ فهم الذين ينطبق عليهم قول الله الكريم: ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) [الأحزاب : 23] ؛ فالآية تشير أن المؤمنين كثر إن النخبة منهم هم من وثق القول وما ثبت من الإيمان في صدورهم بالواقع الفعلي لهذا الإيمان على الشكل الأمثل ..
وصدق من قال فيما يحسن مرفوعا بالمتابعة والشواهد، برواية أنس أيضا: ( مَثلُ أصحابي في أمَّتي مثَلُ النجومِ بأيِّهمُ اقتديتُم اهتديتُم )؛ رواه ابن حجر العسقلاني في "الأمالي المطلقة" [ج1/ص: 60/ر: 56]، وقال: له شاهد؛ وقال السفاريني الحنبلي في "شرح الشهاب" [ص: 582]: له شواهد تقويه؛ اهـ (6) .. يتبع ..
---------------------
(1) واشتهر بين أهل السنة القول: بأن الصحابة كلهم عدول ثقات، لا يتطرق إليهم الجرح، ولا يجوز تكذيبهم في شيء من رواياتهم، والطعن في الأقوال المنقولة عنهم فهم بمجرد صحبتهم للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أصبحوا في محفوظين من الزلل أو الوقوع بالكبائر؛ اهـ
نقل شيخ الإسلام وإمام النقاد الحافظ ابن حجر العسقلاني في "الإصابة" [ج1/ص: 17]، قول الخطيب البغدادي في عدالة الصحابة: (عدالة الصحابة ثابتة معلومة )؛ اهـ
ونقل عن ابن حزم الظاهري، قوله: ( الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعاً )؛ ورد في "الإصابة" لابن حجر [ج1/ص: 19]؛ اهـ
وقال ابن عبد البر القرطبي في كتابه "الاستيعاب" في عدالة الصحابة رضوان الله عليهم: ( قَدْ كُفِينَا الْبَحْث عَنْ أَحْوَالِهِم؛ لإجْمَاعِ أهْلِ الْحَقِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَهُم أهْلُ السُّنَّةِ والْجَمَاعَة عَلَى أنَّهُم كُلّهم عُدُول )، ورد في "الاستيعاب" للقرطبي [ص: 23]؛اهـ

ويقول ابن الصلاح صاحب "علوم الحديث" : ( إنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُم فكذلك بِإجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الّذينَ يُعْتَدُّ بِهِم فِي الإجْمَاعِ، إحْسَانَاً للظَّنِّ بِهِم، وَنَظَرَاً إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُم مِنَ الْمآثِرِ، وَكَأنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَتَاحَ الإجْماعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَونِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ، واللهُ أَعْلَمُ )، ورد في "علوم الحديث" لابن الصلاح [ص: 398]؛اهـ

ويقول الحافظ ابن حجر: ( اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أنَّ الْجَمِيعَ عُدُولٌ، وَلَمْ يُخَالِف فِي ذَلِك إلا شُذُوذٌ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ )، ورد في "الإصابة" لابن حجر [ج1/ص: 6]؛اهـ
انظر في كتاب "الملم المغيث في علم الحديث" للعبد الفقير [ص: 230و231] ..

(2) ورد في "كنز العمال" للمتقي الهندي [ج11/ص: 540/ر:32532]؛ وورد في "الرياض النضرة" للطبري [ج1/ص: 22]؛ وفي "الكشف والبيان" للثعلبي [ج14/ص: 237]؛ وفي "شذرات الذهب" لابن العماد [ج1/ص: 19]؛ وفي "مصباح الظلام" للتلمساني [ج1/ص: 60] ..

(3) ورد في "كنز العمال" للمتقي الهندي [ج11/ص: 541/ر:32533] ..

(4) ورد في "كنز العمال" [ج11/ص: 541/ر:32534] ..

(5) ورد في "كنز العمال" للمتقي الهندي [ج11/ص: 541/ر:32535] ..

(6) وذكر أمير النقاد الحافظ ابن حجر العسقلاني في "الأمالي المطلق" [ج1/ص: 60]، أن القاضي البيهقي قال فيه: ( هذا المتن مشهور )؛ أي أن هذا الأثر صحيح ثابت عند الأئمة الأصوليين ..
وهو صحيح عند الفقهاء أيضا: قال الإمام الفقيه المزني ناصر مذهب الشافعي; في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أصحابي كالنجوم )، قال : ( فمعناه فيما نقلوا عنه وشهدوا به عليه: فكلهم ثقة مؤتمن على ما جاء به، لا يجوز عندي غير هذا )؛ ورد في "الجامع" للقرطبي [ص: 89]؛ اهـ
========================

حسام الدين رامي نقشبند
28-08-2018, 15:29
السؤال 2 : هل يصح ما يقال: إن خلافة أبي بكر رضي الله عنه لم تكن بالشورى ولا بإجماع المسلمين، بل كانت لمجرد رأي شخص واحد وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإذا كان كذلك فهل يجب على جميع المسلمين أن يتبعوا شخصاً واحداً ـ ولم يكن في ذلك الوقت خليفة بل كان من آحاد المسلمين ومواطناً في بلاد المسلمين ـ ولماذا يهدر دم المتخلِّف عن البيعة ؟ وهل شخص واحد له قيمومة على جميع الناس إلى يوم الدين ؟
هناك فئة من علمائنا أنكروا وجود هكذا إجماع بل قالوا بعدم لزومه، وهم:

(1) يقول أبو يعلى الحنبلي: ( لا تنعقد إلا بجمهور أهل العقد والحل من كل بلد، ليكون الرضا به عاماً، والتسليم لإمامته إجماعا؛ وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر على الخلافة باختيار من حضرها ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها )، ورد في "الأحكام السلطانية" للماوردي[ص: 33]؛اهـ

(2) يقول القرطبي: ( فإن عقدها واحد من أهل الحلّ والعقد فذلك ثابت ويلزم الغير فعله ، خلافاً لبعض الناس حيث قال : لا ينعقد إلا بجماعة من أهل الحلِّ والعقد ، ودليلنا : أنَّ عمر عقد البيعة لأبي بكر )، ورد في "جامع أحكام القرآن" للقرطبي [ج1/ص: 272]؛اهـ

(3) يقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي: ( اعلموا أنه لا يشترط في عقد الإمامة الإجماع بل تنعقد الإمامة وإن لم تجمع الأمة على عقدها، والدليل عليه أن الإمامة لما عقدت لأبي بكر ابتدر لإمضاء أحكام المسلمين ولم يتأن لانتشار الأخبار إلى من نأي من الصحابة في الأقطار ولم ينكر منكر ، فإذا لم يشترط الإجماع في عقد الإمامة، لم يثبت عدد معدود ولا حدّ محدود . فالوجه الحكم بأنَّ الإمامة تنعقد بعقد واحد من أهل الحلِّ والعقد )، ورد في "الإرشاد في الكلام" [ص: 424]؛اهـ

(4) ويقول الإيجي الشيرازي الشافعي: ( وإذا ثبت حصول الإمامة بالاختيار والبيعة فاعلم أن ذلك لا يفتقر إلى الإجماع، إذ لم يقم عليه دليل من العقل والسمع بل الواحد والاثنان من أهل الحلِّ والعقد كاف، لعلمنا أن الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا بذلك، كعقد عمر لأبي بكر، وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان ولم يشترطوا اجتماع من في المدينة فضلا عن اجتماع الأُمة، هذا ولم ينكر عليه أحد، وعليه انطوت الإعصار إلى وقتنا هذا )، ورد في "المواقف في علم الكلام" للشيرازي [ج8/ص: 351]؛اهـ

(5) وقال ابن العربي الأشبيلي الأندلسي المالكي: ( لا يلزم في عقد البيعة للإمام، أن تكون من جميع الأنام بل يكفي لعقد ذلك اثنان أو واحد )، ورد في " عارضة الأحوذي" لابن العربي [ج13/ص: 229]؛اهـ


الجواب:

خلافة الصديق إن لم توافق العرف المعهود بالبيعة بظاهرها، إلا أنها كانت أمر بديهي عند عموم الصحابة كما صرح بذلك ابن عمر وغبره، كما أن السبب يعود بذلك من ناحية أخرى أنها استدراك حالة ان لم تستدرك فقد تؤدي إلى فرقة وشقاق في صفوف المسلمين، وفتيل فتنة لا يعرف مرساها، لذلك كانت وفق تقعيد الأصوليين، ضرورة؛ والضرورات تبيح المحظورات، فلم يكن يوجد اجماع بقبول أحد أياً كان مقاماً بعد النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ..
وقد كانت بيعة الصديق الأكبر رضي الله عنه وأرضاه، بديهية مجمع عليها من كبار الصحابة المقربين قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأشار إلى هذه المكانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مواضع عدة، إلا أن القلوب كانت مشغوفة بشخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلم تجد عنه حِولا ..
وعندما تمت بيعته وأعني أبو بكر رضي الله عنه، إن لم يجمع عليها، فإنه لم يعترض على بيعته أحد أيضا، ويكفي إجماع العشرة المبشرين بالجنة على ذلك مجلس شورى الصحابة رضوان الله عليهم، وموقفة رضي الله عنه وشدته كانا أكبر دليل على هذه المكانة والكلمة المسموعة له عند الصحابة ..
ويكفي قوله رضي الله عنه: ( أَلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، ثم تلا قوله تعالى: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) [آل عمران: 144] )، رواه البخاري في "صحيحة" [ج4/ص: 1618/ر:4187]؛ وحكمه: [صحيح] ..
وقيل أن الفاروق رضي الله عنه وأرضاه كان يقول: ( كان إذا حزب بنا أمر عرضناه على أبي بكر فإن انشرح له انشرحنا )؛ أو كما قال الفاروق رضي الله عنه وأرضاه ..
ومن المتعارف عليه أن هذا الفعل لا يكون إلا مع وصي وارث لمقام النبوة دون النبوة مستخلف على الدين حكما وعلما..
وكل ما في الأمر أن الصديق الأكبر رضي الله عنه وأرضاه، رشح لخلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كل من الفاروق عمر بن الخطاب، وأمين الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنهما، بعد زوال الخلاف مع الأنصار الذين ظنوا أن الخلافة بهم ومن ثم قالوا هي قسمة بين المهاجرين والأنصار؛ ثم تفهموا الأمر؛ فاعترض الفاروق وقال بما معناه: نختار أحدنا وأنت فينا، فبايعه ثم بايعه باقي الصحابة المجتمعين؛اهـ

يروي الحافظ ابن جرير الطبري: أن أبو بكر حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ( إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فخصّ الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه والإيمان به والمواساة له والصبر معه على شدة أذى قومهم لهم وتكذيبهم إياهم، وكل الناس لهم مخالف زار عليهم، فلم يستوحشوا لقلة عددهم وشنف الناس لهم وإجماع قومهم عليهم ، فهم أول من عبد الله في الأرض وآمن بالله وبالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم، وأنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلهم في الدين ولا سابقتهم العظيمة في الإسلام، رضيكم الله أنصارا؛ فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تفاتون بمشورة ولا نقتضي دونكم الأمور )؛ ورد في "تاريخ الطبري" لابن جرير [ج3/ص: 198]؛ اهـ
فقال سعد: ( صدقت، فنحن الوزراء وأنت الأمراء ) ..
ثم وزاد أبو عبيدة فقال: ( يا معشر الأنصار إنكم أول من نصر, فلا تكونوا أول من بدل وغير! )؛ فقام بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير فقال: ( يا معشر الأنصار! إنا والله وإن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين، وسابقة في هذا الدين ما أردنا به إلا رضى ربنا، وطاعة نبينا والكدح لأنفسنا، فما ينبغي أن نستطيل على الناس بذلك، ولا نبتغي به الدنيا، ألا إن محمداً، صلى الله عليه وآله وسلم، من قريش وقومه أولى به، وايم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر، فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم )؛ اهـ
ثم قال الفاروق عمر للأنصار: ( أنشدكم بالله، هل أُمر أبو بكر أن يصلي بالناس؟ )، قالوا: اللهم نعم. قال: ( فأيكم تطيب نفسه أن يزيل عن مقامه الذي أقامه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ ) قالوا: كلنا لا تطيب أنفسنا، نستغفر الله!؛ اهـ
فقال عمر: ( ابسط يدك يا أبا بكر نبايعك )، فقال أبو بكر: ( بل أنت يا عمر فأنت أقوى لها مني )؛ فقال الفاروق: ( أنت أفضل مني، وإن قوتي لك مع فضلك )؛ فبايعه عمر وأبو عبيدة ثم بايعه الأنصار وباقي الصحابة بالتتابع ..
انظر إن شئت في "تاريخ الطبري"لابن جرير [ج3/ص: 199و200]؛ اهـ
أما أقوال كل من الإمام الغزالي والإيجي وأبو يعلى وابن العربي والقرطبي؛ فهي اجتهادات بشروط البيعة في الخلف لا تنطبق على صالح السلف وعلى وجه الخصوص خلفاء وأخلاء النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم؛ وباقي صحبه الكرام عليهم رضوان الله، فمن رضي الله عنه فحريا بنا أن نرضى بما رضي الله به ونقر بمكانة من رضي الله عنه، فكيف من يكونوا خير البرية، ما دمنا مسلمين، فالصحابة بإجماع العلماء كلهم عدول (1) ..
ولتكن قاعدتنا ما روي مرفوعا: ( مَنْ أَحْسَنَ الْقَوْلَ فِي أَصْحَابِي فَهُوَ مُؤْمِنٌ )؛ (2)؛ وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أيضا: ( من أحسن القول في أصحابي فقد برئ من النفاق، ومن أساء القول في أصحابي كان مخالفا لسنتي ومأواه النار وبئس المصير )؛ (3) ..
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: ( احْفَظُونِي فِي أَصْحَابِي، فَمَنْ حَفِظَنِي فِي أَصْحَابِي رَافَقَنِي وَوَرَدَ عَلَى حَوْضِي، وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْنِي فِيهِمْ لَمْ يَرِدْ عَلَى حَوْضِي، وَلَمْ يَرَنِي إِلا مِنْ بَعِيدٍ )؛ (4) ..
وعن ابن عمر أيضا: ( لا تَذْكُرُوا مَسَاوِئَ أَصْحَابِي فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ عَلَيْهِمْ، وَاذْكُرُوا مَحَاسِنَ أَصْحَابِي حَتَّى تَأْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ عَلَيْهِمْ )؛ (5) ..
وهذه الآثار بمجموعها تقبل مرفوعة اعتبارا لأنها في فضائل الصحابة الذين أجمع على عدالتهم مجموع العلماء المعتبرين، ولأنها في نتاج متونها وروايتها تفيد الصحة بالشهرة أيضا وتطابق أصل الواقع؛ اهـ
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، مرفوعا: ( مَنَ أَحسَنَ القَولَ فِي أَبِي بَكرٍ فَقَد أَقامَ الدِّينَ، ومَن أَحسَنَ القَولَ فِي عُمر فَقَد أَوضَحَ السَّبِيلَ، ومَن أَحسَنَ القَولَ فِي عُثمانَ فَقَدِ استَنارَ بِنُورِ الله، ومَن أَحسَنَ القَولَ فِي عَلِي فَقَدِ استَمسَكَ بِالعُروَةِ الوُثقَى لا انفِصامَ لَها، ومَن أَحسَنَ القَولَ فِي أَصحابِي فَهو مُؤمِنٌ )؛ اهـ
وهذا الحديث مقبول بالسند رغم مجاهيله من الرواة، لأنه في فضائل الصحابة وصحيح بالشهرة على ألسنة الدهماء ومحابر العلماء، ومن باب صحة مضمون المتن؛ لأن من أحس القول بالصديق الأكبر أقام الدين ذلك لآن الدين قائم على الصدق الذي يهدي إلى البر، ولأن الدين وفق التوثيق التاريخي كان انتهى دون أبي بكر الصديق رضي الله عنه، الذي أتم ما جاء به المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، ولم ينقص والصديق الأكبر حي؛ ومن أحسن القول بالفاروق أتاه الله فرقانا من العقل يفرق به بين الحق والباطل بالعدل؛ ويهتدي به إلى سواء السبيل؛ ومن أحسن القول بعثمان أصبغه الله بنور الإيمان باليقين ونور الحياء بنسبة للفضل بكليته لله وحده ..
أما من أحسن القول بعلي فقد ركن إلى ركن متين مكين بالعلم التحقيقي التوثيقي بالله عز وجل؛ وهذا بمجموعة أقل ما يقال بالكبار الراشدين من الصحابة الكرام فقد أقسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بالصحيح المسند أنه لو أتفق أحدا بعدهم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ولا معشاره أي واحد على عشرة أو عشرة بالمائة من أنفاق أقلهم رجلا من أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم؛ فهم الذين ينطبق عليهم قول الله الكريم: ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) [الأحزاب : 23] ؛ فالآية تشير أن المؤمنين كثر إن النخبة منهم هم من وثق القول وما ثبت من الإيمان في صدورهم بالواقع الفعلي لهذا الإيمان على الشكل الأمثل ..
وصدق من قال فيما يحسن مرفوعا بالمتابعة والشواهد، برواية أنس أيضا: ( مَثلُ أصحابي في أمَّتي مثَلُ النجومِ بأيِّهمُ اقتديتُم اهتديتُم )؛ رواه ابن حجر العسقلاني في "الأمالي المطلقة" [ج1/ص: 60/ر: 56]، وقال: له شاهد؛ وقال السفاريني الحنبلي في "شرح الشهاب" [ص: 582]: له شواهد تقويه؛ اهـ (6) .. يتبع ..
---------------------
(1) واشتهر بين أهل السنة القول: بأن الصحابة كلهم عدول ثقات، لا يتطرق إليهم الجرح، ولا يجوز تكذيبهم في شيء من رواياتهم، والطعن في الأقوال المنقولة عنهم فهم بمجرد صحبتهم للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أصبحوا في محفوظين من الزلل أو الوقوع بالكبائر؛ اهـ
نقل شيخ الإسلام وإمام النقاد الحافظ ابن حجر العسقلاني في "الإصابة" [ج1/ص: 17]، قول الخطيب البغدادي في عدالة الصحابة: (عدالة الصحابة ثابتة معلومة )؛ اهـ
ونقل عن ابن حزم الظاهري، قوله: ( الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعاً )؛ ورد في "الإصابة" لابن حجر [ج1/ص: 19]؛ اهـ
وقال ابن عبد البر القرطبي في كتابه "الاستيعاب" في عدالة الصحابة رضوان الله عليهم: ( قَدْ كُفِينَا الْبَحْث عَنْ أَحْوَالِهِم؛ لإجْمَاعِ أهْلِ الْحَقِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَهُم أهْلُ السُّنَّةِ والْجَمَاعَة عَلَى أنَّهُم كُلّهم عُدُول )، ورد في "الاستيعاب" للقرطبي [ص: 23]؛اهـ

ويقول ابن الصلاح صاحب "علوم الحديث" : ( إنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ لابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُم فكذلك بِإجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ الّذينَ يُعْتَدُّ بِهِم فِي الإجْمَاعِ، إحْسَانَاً للظَّنِّ بِهِم، وَنَظَرَاً إِلَى مَا تَمَهَّدَ لَهُم مِنَ الْمآثِرِ، وَكَأنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَتَاحَ الإجْماعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَونِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ، واللهُ أَعْلَمُ )، ورد في "علوم الحديث" لابن الصلاح [ص: 398]؛اهـ

ويقول الحافظ ابن حجر: ( اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أنَّ الْجَمِيعَ عُدُولٌ، وَلَمْ يُخَالِف فِي ذَلِك إلا شُذُوذٌ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ )، ورد في "الإصابة" لابن حجر [ج1/ص: 6]؛اهـ
انظر في كتاب "الملم المغيث في علم الحديث" للعبد الفقير [ص: 230و231] ..

(2) ورد في "كنز العمال" للمتقي الهندي [ج11/ص: 540/ر:32532]؛ وورد في "الرياض النضرة" للطبري [ج1/ص: 22]؛ وفي "الكشف والبيان" للثعلبي [ج14/ص: 237]؛ وفي "شذرات الذهب" لابن العماد [ج1/ص: 19]؛ وفي "مصباح الظلام" للتلمساني [ج1/ص: 60] ..

(3) ورد في "كنز العمال" للمتقي الهندي [ج11/ص: 541/ر:32533] ..

(4) ورد في "كنز العمال" [ج11/ص: 541/ر:32534] ..

(5) ورد في "كنز العمال" للمتقي الهندي [ج11/ص: 541/ر:32535] ..

(6) وذكر أمير النقاد الحافظ ابن حجر العسقلاني في "الأمالي المطلق" [ج1/ص: 60]، أن القاضي البيهقي قال فيه: ( هذا المتن مشهور )؛ أي أن هذا الأثر صحيح ثابت عند الأئمة الأصوليين ..
وهو صحيح عند الفقهاء أيضا: قال الإمام الفقيه المزني ناصر مذهب الشافعي; في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أصحابي كالنجوم )، قال : ( فمعناه فيما نقلوا عنه وشهدوا به عليه: فكلهم ثقة مؤتمن على ما جاء به، لا يجوز عندي غير هذا )؛ ورد في "الجامع" للقرطبي [ص: 89]؛ اهـ
========================

حسام الدين رامي نقشبند
31-08-2018, 12:34
ملحق إجابة السؤال 2:
بهذا الملحق أبين منظار السادة المتقين "أصحاب القلوب" من استناروا بنور الله:
وهم السادة كما ورد في بعض متون السنن الشريفة:
عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كرم الله وجهه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: ( الْمُتَّقُونَ سَادَةٌ، وَالْفُقَهَاءُ قَادَةٌ، وَالْجُلُوسُ إِلَيْهِمْ زِيَادَةٌ، وَعَالِمٌ يُنْتَفَعُ بِعِلْمِهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ )؛ (1) ..
الحق أن الخلفاء الراشدين مقتوا الخلافة وزهدوها فهذا الصديق الأكبر رضي الله عنه وأرضاه؛ يسعى عندما آلت إليه أن يحملها لأمين الأمة وفاروقها رضي الله عنهما وأرضاهما؛ ولكن يسعيان مجتمعان أن يحملوها للصديق الأكبر إيماننا منهم بأحقيته لها وزهدا بها ويغيب ذي النورين رضي الله عنه وأرضاه؛ حياء الموقف خشية أن يشار له بها؛ وهذا ذو السبطين كرم الله وجهه يتغيب عنها زهادة بها وبكل شيء سوى العلي القدير ..
وخشية أن يصبح الناس ثلاثة أشياع أنصار ومهاجرين ومحبين لآل البيت؛ لقد مقتها زهادة عملا بقول الصديق الأكبر: ( مَنْ مَقَتَ نَفْسَهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ، آمَنَهُ اللَّهُ مِنْ مَقْتِهِ )؛ (2) ..
وتذوقا لما أشار له الصديق الأكبر أيضا؛ حين قال: ( مَنْ ذَاقْ مِنْ خَالِصِ المَعْرِفَةِ شِيئاً شَغَلهُ ذَلكَ عَما سِوى الله؛ واستوحش مِنْ جَميعِ البَشْر )؛ (3) ..
فقد خص الله الإمام علي؛ بقوله عز من قائل: ( تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) [الفتح : 29] ..
يقول الإمام علي كرم الله وجهه: ( جربت كل اللذائذ فلم أجد ألذ من معرفة الله؛ وجربت كل الصعاب فلم أجد أصعب من حاجة الناس للناس )؛ ويعني حاجة الناس له بالعلم والتقوى وحاجته لهم بالمعاش؛ وكان يقول كرم الله وجهه: ( إن للإيمان مذاق من ذاق عرف؛ ومن عرف استزاد )؛ اهـ
لذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بعد حجة الوداع موص الناس بتشرب الحق من صدر الإمام علي كرم الله وجهه: (( مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ؛ وفي رواية احمد زيادة: اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ)؛ (4) ..
فكان أول من لبا وتحقق بفحوى الوصية النبوية، الفاروق الأشهب رضي الله عنه وأرضاه؛ وأول من المهنئين، حيث قال: ( هنيئا يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن و مؤمنة )؛ (5) ..
فكان المرجع بالعلم والتقوى لكافة الصحابة؛ فقد مقت الخلافة حتى أتته صاغرة وهو معرض عنها مثل الصديق الأكبر ولم يرتضها إلا بغية أن يكون سيف يسلط على الفتنة التي كادت تنهي نور الإسلام ففعل بالخوارج ما يفعل الصديق الأكبر بأهل الردة ..
وكان سيفا سليطا على مظاهر الزندقة فيروى أن محبا مدعيا فيه حبه قال له يبتغي الفتنة وهو واقف على منبر خطبة الجمعة؛ والله لا أراك إلا أنت هو وهو أنت؛ أو بالمشهور: أنت أنت، وهو ابن السوداء السبأي الييهودي [صاحب فتنة الباغة الخوارج ومن بعدهم الرافضة] فنظر له بشذر وقال بغضب: ( صه صه؛ لا أم لك، ما أنا إلا عبد من سائر عباد الله؛ قد قلتها بدعة لا تأتي إلا من زنديق فأمسك ولا تعد، وإلا ضربت عنق على الملأ )؛ أو كما قال سيف الله الغالب علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه وكرم وجهه بوجهه فلم يعد يرد إلا وجه الحق ..
لا نقول ذلك نصرة لمعتقد الرافضة الذي تقولوا الحق نفاق وابتغاء الفتنة؛ فهم أخطئوا الحب فيه كرم الله وجهه ونحن بعون الله أصبنا؛ .. انتهى اهـ
------------------------
(1) رواه الرافعي في "التدوين" [ج2/ص: 47/ر:428]؛ رواه السيوطي عن انس في "الجامع الصغير" [ر:5704]، والعجلوني في "كشف الخفاء" [ج2/ص: 83]، وقال : رجاله ثقات؛ رواه الهيثمي عن ابن مسعود في "مجمع الزوائد" [ج1/ص: 130]، وقال: رجاله موثقون ..
(2) رواه ابن ابي الدنيا في "محاسبة النفس" [ر:26[؛ والمتقي الهندي في "كنز العمال" [ج3/ص:785/ر:87 52] ..
(3) ورد في "المواهب السرمدية" للزملكاني " [ج1/ص: 38]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 288] ..
(4) رواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 591/ر:3713]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:3713]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج5/ص: 494/ر:18793]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "مسند أحمد" [ج2/ص: 199]، وصححه الحاكم في "المستدرك" [ج3/ص: 118/ر:4577]، على شرط الشيخين، ورواه الألباني في "السلسلة الصحيحة" [ج4/ص: 330/ر:1750]، بإسناد صحيح؛ وخلاصة حكمه: [صحيح] ..

(5) رواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج5/ص: 355/ر:18011]، بإسناد صحيح ..

حسام الدين رامي نقشبند
31-08-2018, 12:35
السؤال 3 : هل يصح ما يقال إن جميع الأنصار وفئة كبيرة من المهاجرين كانوا من المخالفين لبيعة أبي بكر، كما صرح عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حين توفى اللّه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، أنَّ الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة وخالف عنّا علي والزبير ومن معهما .( صحيح البخاري [ج8/ص: 26]، كتاب المحاربين، باب رجم الحبلى ) وعليه كيف ندعي إجماع المسلمين على خلافة أبي بكر رضي الله عنه واتفاقهم عليها ..

الجواب:
لا يصح أن يقال أن جميع الأنصار وبعض المهاجرين كانوا ضد بيعة الصديق الأكبر رضي الله عنه وأرضاه ..
نقول من كان تحت سقيفة بني ساعدة وبعض المهاجرين أحجموا وترددوا ليروا ما يقول أبو الحسن علي الأكرم رضي الله عنه، وأرضاه؛ فيفعلوا فعله ويقولوا بقوله كرم الله وجهه؛ ومن باب التوقير والإجلال لفاجعة وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ أي أن الأمر كان بين التأجيل والتردد لا أكثر أما الأنصار فكانوا يظنون أن لهم حق في الخلافة لنصرتهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإيواءه وأصحابه الأوليين؛ وأن المحي والممات عند الأنصار كما صرح بذلك المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم:
عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: ( إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، وَإِنَّ الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ، يُرِيدُ بِذَلِكَ الأَنْصَارَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ )؛ (1) ..
وفي رواية أصح:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: ( (( كَلا إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمُ الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ ))، فأَقْبَلُوا يَبْكُونَ وَيَقُولُونَ: وَاللَّهِ مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا إِلا ضَنًّا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، قَالَ: (( وَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ )) )؛ (2) ..
فتبين لهم بالحق على لسان أصدق الخلق بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، خطأ معتقدهم فتابوا عنه واستغفروا الله على ذلك ..
عَنْ أَنَسٍ بن مالك رضي الله عنه، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ: ( كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخطاءين التَّوَّابُونَ )، (3) ..
ولما لا يعودون فمن كان أفضل من الصديق الأكبر رضي الله عنه وأرضاه؛ مكانة ومقام وفضلا بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل وعند الصحابة فهو العتيق في الإسلام وفي السبق والإيمان من المهاجرين وهو أول عتيق من النار، هو سيد الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين ..
عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، قالت: ( أنَّ أبا بكْرٍ دخَل على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال أنتَ عَتِيقُ اللهِ منَ النَّارِ فيومَئِذٍ سُمِّيَ عَتِيقًا )؛ (4) ..
وفي رواية أقل حفظا وأصح متنا: عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها؛ قالت: ( إنِّي لفي بيتِي ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآله وسلَّمَ وأصحابُهُ في الفناءِ وبَيني وبينَهُمُ السترُ إذْ أقبلَ أبو بكرٍ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآلهِ وسلَّمَ: (( مَنْ سرَّهُ أنْ ينظرَ إلى عتيقٍ مِنَ النارِ فلينظرْ إلى هذا ))؛ قال: فإنَّ اسمَهُ الذي هوَ اسمُهُ لَعبدُ الله بنُ عثمانَ بنِ عامرِ بنِ عمرٍو ولكنْ غلبَ عليهِ عتيقٌ )؛ (5) ..

لقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بفضله وفضل عمر ما لم يذكره في غيره من صحابته فهو صاحبه في الغار ولم يكن معهم إلا الله كما ذكر الله في كتابه الكريم في سورة التوبة [آية: 40]، وذكر في فضله وفضل عمر رضي الله عنهما الكثير في الصحيح والضعيف، وحتى ما روي بالضعيف، مقبول يعتبر به لأنه في الفضائل، ويوحي بمجموعه بالصحة بالشهرة رغم علل السند في المفرد، فلا يصح أن تكون هذه الأثار على كثرتها لا تشكل نتيجة صحيحة، من باب العلم اليقيني وفق ميزان الأصوليين، وهم أسياد العلماء وأئمتهم، خاصة إن كان لها شواهد تعضدها وتوافقها في الصحيح، وذلك بإجماع العلماء الأصوليين المتحققين، والفقهاء المجتهدين، والفقهاء المحدثين، وعدد كبير من الحفاظ المحدثين لا يكاد يذكر معه المخالفين في ذلك على التحقيق ..
ويكفي أنه رضي الله عنه، كان أول المبشرين بالجنة ومما ذكر فيه بالصحيح المرفوع والموقوف عليه:
عَنْ إمام المتقين الإمام الغالب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قَالَ: ( أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، إِلا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، لا تُخْبِرْهُمَا يَا عَلِيُّ )؛ (6) ..
ويقول أيضا كرم الله وجهه: ( خَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ رضي الله عنهما )؛ (7) ..
وعن هذيل بن شرحبيل رضي الله عنه أن الفاروق الأشهب عمر رضي الله عنه وأرضاه قال: ( لَوْ وُزِنَ إِيمَانُ أَبِي بَكْرٍ بِإِيمَانِ أَهْلِ الأَرْضِ لَرَجَحَ بِهِ )؛ (8) ..
وغيره الكثير ..

والصديق الأكبر رضى الله عنه وأرضاه؛ أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى خلافته له حين أمر وهو ينازع ويلات المرض أن يؤم الناس أبو بكر؟! ..

عن أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: ( مرِضَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاشتَدَّ مرضُه، فقال: (( مُروا أبا بكرٍ فلْيصلِّ بالناسِ ))؛ قالتْ عائشةُ : ( إنه رجلٌ رقيقٌ، إذا قام مَقامَك لم يستطِعْ أن يصليَ بالناسِ )؛ قال: (( مُروا أبا بكرٍ فلْيصلِّ بالناسِ ))؛ فعادَتْ، فقال: (( مُري أبا بكرٍ فلْيصلِّ بالناسِ، فإنكنَّ صَواحِبُ يوسُفَ ))؛ فأتاه الرسولُ، فصلَّى بالناسِ في حياةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم )؛ (9) ..
وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: ( لما مَرِضَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مرضَه الذي مات فيه، فحضَرَتِ الصلاةُ، فأُذِّنَ فقال: (( مُروا أبا بكرٍ فلْيُصَلِّ بالناسِ ))؛ فقيل له : إن أبا بكرٍ رجلٌ أَسِيفٌ، إذا قام في مَقامِك لم يَستَطِعْ أن يُصليَ بالناسِ، وأعاد فأعادوا له، فأعاد الثالثةَ فقال: (( إنكنَّ صَواحِبُ يوسُفَ، مُروا أبا بكرٍ فلْيُصَلِّ بالناسِ ))؛ فخرَج أبو بكرٍ فصلَّى، فوجَد النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من نفسِه خِفَّةً، فخرَج يُهادَى بين رجلين، كأني أنظُرُ رجلَيه تَخُطَّانِ من الوجَعِ، فأراد أبو بكرٍ أن يتأخَّرَ، فأومَأ إليه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ مكانَك، ثم أُتِيَ به حتى جلَس إلى جنبِه )؛ (10) ..

----------------------
(1) رواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج3/ص: 358/ر:10565]، بإسناد صحيح على شرط مسلم؛ بتحقيق الأرنئوط في "مسند أحمد" [ج2/ص: 538]؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج2/ص: 62/ر:2328]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الذهبي في "التلخيص" [ج2/ص:53]؛ وحكمه: [صحيح] ..
(2) رواه مسلم في "صحيحة" [ج12/ص: 341/ر:4598]؛ ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج11/ص: 73/ر:4760]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأرنئوط في "صحيح ابن حبان"؛ وحكمه: [صحيح] ..
(3) رواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 568/ر:2499]، حسنه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2499]، ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 517/ر:4251]، ورواه الدارمي في "سننه" [ج2/ص: 759/ر:2627]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج4/ص: 53/ر:12637]، وصححه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 272/ر:7617]، على شرط الشيخين، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب" [ر:3139] وفي "تخريج المصابيح" [ر:2280]، وخلاصة حكمه: [حسن] ..
(4) ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 575/ر:3679]‘ بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:3679]؛ وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:1483]؛ ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج15/ص: 279/ر:6864]، ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج2/ص: 450/ر:3557]، وقال: صحيح الإسناد؛ وحكمه: [صحيح] ..
(5) رواه الحاكم في "المستدرك" [ج3/ص: 64/ر:4404]، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه [الشيخين] ..
(6) رواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 570/ر:3665]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [3665]، ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 73/ر:95]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [78]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 129/ر:603]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج2/ص: 38]، وقال المناوي في "تخريج المشكاة" [273]: سنده سند البخاري، وقال الشوكاني في "در السحابة" [105]: رجاله رجال الصحيح، وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [4758]، وصححه ابن حبان في "الثقات" [ج15/ص: 330/ر:6904]، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [7005]، وخلاصة حكمه : [صحيح] ..
(7) رواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 170/ر:836]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج2/ص: 147]، ورواه أبو يعلى في "مسنده" [ج1/ص: 410/ر:540]، ورواه البزار في "مسنده" [ج2/ص: 130/ر:488]، وروا ابن أبي شيبة في "مصنفه" [ج7/ص: 475/ر:28]، ورواه الطبراني في "الأوسط" [ج1/ص: 395/ر:996]، وصححه الألباني في "تخريج السنة" [ر:1197]، وخلاصة حكمه: [صحيح على شرط البخاري] بلفظ ( خير الخلائق بعد نبي الله أبو بكر ثم عمر ) ..
(8) رواه الإمام أحمد في "فضائل الصحابة" [ج1/ص: 418]، ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" [ج1/ص: 69/ر:36]، ورواه العجلوني في "كشف الخفاء" [ج2/ص: 216]، وابن حجر العسقلاني في "الكشاف الكافي"، بإسناد صحيح ..
(9) رواه الشيخان؛ البخاري في "صحيحة" [ج1/ص: 240/ر:646]؛ ومسلم في "صحيحة" [ج4/ص: 364/ر:947]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
(10) رواه البخاري في "صحيحة" [ج1/ص: 236/ر:633]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 465/ر:1232]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ج: 1024]؛ وحكمه: [صحيح] ..

حسام الدين رامي نقشبند
06-09-2018, 06:23
تابع جواب السؤال 3:
الشيعة يتعللون بضعف سند أو أسانيد أحاديث الفضائل الخاصة بالعمرين وخاصة الصديق الأكبر أبو بكر رضي الله عنه، وأرضاه ..
ولكن في النظر بأسباب الضعف نجد أن السبب هم الرافضة وكيدهم ومكرهم، والخوف عند بعض أعلام السنة الأوائل، من اغتيالات الرافضة بالدرجة الأولى، الذين سعوا إلى إظهار ما يدعم عقيدتهم ودحض ما يدعم عقيدتنا الصحيحة، وتابعهم على ذلك الرعب والترهيب فساق الخلافة العباسيين! فلما أخمدت الخلافة الأموية صليل سيوف الرافضة والخوارج، والمجوس، لجئوا إلى حرب المحابر، فزوروا وبدلوا وعللوا، لكن الواقع التجسيدي والتحقيقي التاريخي أبطل سحرهم عند الباحثين عن الحق والحقيقة ..
ومثال على ذلك حديث يثبته واقعه ودلالته بالحق:
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه، قَالَ: ( رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْشِي أَمَامَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ : (( يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، أَتَمْشِي أَمَامَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؟ مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَلا غَرَبَتْ، عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ أَفْضَلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ )) )؛ (1) ..
وورد في مثل فحوى هذا المتن متون أخرى أضعف سندا، منها:
( ما ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أنْ يتقدم عليه غيره ) ..
( خير أُمّتي أبو بكر ثمّ عمر ) ..
( خير الناس بعد النبيين أبو بكر ثمّ عمر ثمّ الله أعلم ) ..
وهذه المتون في مجموعها وتعدد طرقها ولو كانت معلولة، تصح بالشهرة عند الأئمة الأصولي وهم أئمة معتبرين لأنهم حفاظ العقيدة، وذلك وفق القاعدة التي تقول المشهور هو: ما انتشر على ألسنة الدهماء، وخطته محابر العلماء ..
إضافة للواقع التاريخي الموثق في خلافة الصديق من ابقاءه بعون الله ومن صدق معه، على تمام الدين وإنقاذه من ويلات الجحيم، فقد قال الفاروق عمر بن الخطاب وشاعر النبي حسان بن ثابت وغيرهم من النجباء الأفاضل رضوان الله عليهم: ( رحمه الله أبا بكر، وقف منا موقفا، لولاه لانتهى الإسلام )؛ أو كما قالوا رضوان الله عليهم أجمعين ..
ومواقفه الجليلة هذه مروية بالتواتر لعظمها وكثرة شهودها رواتها، وروايتها، وهي تصحح هذه الآثار بالدلالة المعنى وتثبت السند بها ..
لما لها من موافقات في الصحيح المسند المتصل، سوف نستدركها في الأسئلة القادمة إن شاء الله تعالى ..
لكن الرافضة يحاولون أن يرجحوا أن هذا الخبر خاص بالفاروق عمر رضي الله عنه، في محاولة لتمرير فكرة أن أبو بكر اغتصب الخلافة من علي كرم الله وجهه، وعمر رضي الله عنه وأرضاه؛ رغم أنهم خير منه!، وكلهم اخيار أفاضل ..
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ: ( يَا خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَمَا إِنَّكَ إِنْ قُلْتَ ذَاكَ، فَلَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ (( مَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ عَلَى رَجُلٍ خَيْرٍ مِنْ عُمَرَ )) )؛ (2) ..
وشهادة الفاروق رضي الله عنه شهادة عدل لا يرد منه إلا الإنصاف والعدل بشهادة القاصي والداني ..
وقد يكون من قول الصديق برواية مرفوعة، بطريقة غمز اللبيب دون التصريح: فيصح بالقول الصريح: ( ما طلعت الشمسُ على رجلٍ بعد النبي والنبين والمرسلين وأبو بكر خيرٍ من عمرَ )؛ فاختزلها ولم يصرح بها حتى لا يقدم نفسه أو يمدحها، لأن الفاروق اللبيب الذي يفري بعبقرتيه، كما وصف بالصحيح المرفوع؛ كان يعرف مرمى هذا الاختزال من باب رد ذكر الفضيلة بالأفضل، وفق قوله تعالى: { وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [البقرة : 237]، ويكون بين الصحابة الكرام بالتفاضل، لقوله تعالى: { َلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [الحشر : 9]؛ ويكون ذلك قياسا على قوله تعالى: { وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً } [النساء : 86] ..
وهذه لباقة ومجاملة فاضلة من الصديق الفاضل، مع صاحبة وخليله الفاروق، فقد اشتهروا لشدة تقاربهم وتوافقهم بالعمرين!؛ رضي الله عنهم وأرضاهم ..
لذلك نجد الناقد الألباني أسقط صحة المتن، بقوله: ( إنّ الحديثَ ظاهرُ البُطلانِ؛ لمخالفتِه لِما هو مقطوع به: أنّ خيرَ مَنْ طلعت عليه الشمسُ إنما هو نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم، ثم الرسلُ والأنبياءُ، ثم أبو بكر، و قد جاء من طرق عن ابن جريج عن عطاء عن أبي الدرداء مرفوعا بلفظ :“ ما طلعت الشمس و لا غربت على أحد بعد النبيين و المرسلين أفضل من أبي بكر “؛ أخرجه جمع من المحدثين منهم عبد بن حميد والخطيب و غيرهما، وهو أصح من الأول سندا و متنا كما ترى, و قد حسنه بعضهم )؛ (3) ..
وطعن في السند وفق نقد من سبقه فيه، حيث قال في نفس المصدر السابق: ( وعلته التمار وأبو شيخه عبد الرحمن )؛ ويقصد: عبد الله بن داود التمار، وعبد الرحمن بن أبي محمد بن المنكدر ..
قال ابن حبان في التمار: ( عبد اللَّه بْن دَاوُدَ [التمار] منكر الحديث جدا لا يجوز الاحتجاج بروايته، فَإِنَّهُ يروي المناكير عَنِ المشاهير )؛ (4) ..

قال الذهبي في أبي شيخه عبد الرحمن بن المنكدر: ( لا يعرف ولا يتابع على حديثه )؛ (5) ..
وقال في نقده العقيلي: ( لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به )؛ (6) ..

وقال إمام النقاد ابن حجر العسقلاني فيه: ( قال ابن معين: ما أعرفه )؛ (7) ..

السؤال الآن لما يعارض الصحابة الأنصار وجمع من المهاجرين رضوان الله عليهم خلافة أبو بكر رضي الله عنهم، وقد أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لخلافته بشبه التصريح؛ وهم من ناصر وآخى إخوانهم المهاجرين وقاسموهم المسكن والمال والمأكل والمشرب حتى اشتد عودهم، وكيف يخالف المهاجرين خلافة أبو بكر وهم يعرفون فضله آلا ينطبق الحديث التالي على الصحابة والمهاجرين:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى يَرَاهُمْ مَنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، كَمَا يُرَى الْكَوْكَبُ الطَّالِعُ فِي الْأُفُقِ مِنْ آفَاقِ السَّمَاءِ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ مِنْهُمْ، وَأَنْعَمَا )؛ (8) ..

ألم يعلم الأنصار أن الخلافة من بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لقريش وهل وجدوا من هو خيرا من الصديق الأكبر رضي لله عنه أن يكون أو باقي الخلفاء الراشدين ..
ألم يعقل الصحابة الأنصار أن مديح النبي صلى الله عليه وآله وسلم والثناء عليهم وذكر فضلهم كان لجملتهم جمعا لا فردا بعينه كما هو الحال مع الصديق الأكبر رضي الله عنه وأرضاه ..
عن جابر بن سمرة رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وآلهِ وَسَلَّمَ: ( يَكُونُ بَعْدِي اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً، كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ )؛ (9) ..

هل يعقل أن يبغض المهاجرين الأنصار ويختلفوا معهم بعد ما قدموه لهم ألم يسمعوا حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قَالَ: ( آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ )؛ (10) ..

وهل أن يبادلهم الأنصار ذلك وهم يعلمون فضلهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومكانتهم عنده ..
عن أنس بن مالك رضي الله عنه؛ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ )؛ (11) ..
فهذا يخالف الواقع الذي صرح به الله عز وجل في كتابه الكريم حيث قال جل وعلا: { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً }[الفتح : 29]؛اهـ
حيث أن الأمر الصحابة الأنصار تجاوز حب المنفعة المتبادلة كما في الحديث الأخير أعلاه إلى الإيثار بالخصوص أيضا؛ لقوله تعالى: ( وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [الحشر : 9] ..
وإن صح متن ما نقله الإمام البخاري أو نسب للإمام البخاري أو دس عليه أو غبن به رحمه الله ممن وثق بهم؛ كونه كان يأخذ برواية بعض الثقاة من رواة الرافضة، وإن كان رحمه الله فقيها وشيخ تخريج الحديث نقلا وطبيب العلل بالخبرة ومعرفته أحوال رجال الرواية، إنما قد تكون كبوة جواد أصيل! ..
فهو بشر هو أفضل من يصيب في علم الرواية وفقهه، وأقل من يخطأ به؛ فإن أخطأ فبحسن ظنه برواة الرافضة!، وإن كانوا ثقات مأمونين؛ لأنهم لن ينصروا غير منهجهم الأعوج ويعوجوا معه حتى لو كانوا في غير هذا ثقات ..
فالمعلوم أنه رحمه الله تعالى، لم يرضى عن أكثر ما جمعه من الحديث؛ فهو رحمه الله تعالى الذي قال عن "صحيحة" بمثل هذا اللفظ: ( جمعت كتابي هذا من ستمائة ألف حديث فلم أجد منها إلا أربعة آلاف حديث قد وافقت شروطي )؛ أصله ورد في "غاية التحرير" للبخاري اهـ
وقال أيضا: ( صنفت كتاب الصَّحِيح لستّ عشرَة سنة، خرجته من سِتّمائَة ألف حَدِيث، وَجَعَلته حجَّة بيني وَبَين الله )؛ (12) ..

أما فيما حول من غالى بمخالفته من الأنصار لبيعة الصديق فهو ينحصر بمنافقي الأنصار رغم قلتهم والذين فتنوا معهم من صغار الأنصار الذين لم يدخل الإيمان قلوبهم، لقوله تعالى: { وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } [المنافقون : 4] ..

عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( يـا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسـانِهِ، وَلَم يُؤمِنْ بِقَلبِهِ، لا تَغتـابُوا المُسلِمِينَ، وِلا تَتَبِّعُوا عَوراتَهُم، فَإِنَّ مَنْ تَتَبَّعَ عَورةَ أَخِيهِ يَتَتَبَّعُ اللهُ عَورَتَهُ حَتّى يَفْضَحَهُ فِي جَوفِ بَيتِهِ )؛ (13) ..

وحتى لو اجتمعوا كما روي تحت سقيفة إنما لم يجتمعوا على المخالفة ..
والدليل يكمن في حادثة الإفك فالذين جاءوا بالإفك حول السيدة أم المؤمنين عائشة التي كان فضلها على نساء المؤمنين كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ..
فمن فعل ذلك هم المنافقين لقوله تعالى: ( لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ )[النور : 12]؛اهـ

وفي النهاية أذكر الحديث الذي صح متنه وصح سنده بالاتفاق على وجه آخر قريب من هذا المتن، حيث يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم أو نصيفه أو معشاره )؛اهـ
ولنا في هذه المسألة طرح آخر يبرء ساحة إمام الحفاظ الأكبر وأمير مؤمن الحديث الإمام البخاري من الزلل نستدركه لحاقا في إجابة سؤال أو شبهة أخرى ..
وخلاصة المفيد أن الصديق الأكبر رضي الله عنه وأرضاه؛ تفوق على أقرانه بالحكمة، فالحكمة هي: وضع الأشياء في نصابها الصحيح ..
فقد َرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهُ قَالَ: ( إنَّ الْحِكْمَةَ تَزِيدُ الشَّرِيفَ شَرَفًا، وَتَرْفَعُ الْعَبْدَ الْمَمْلُوكَ حَتَّى تُجْلِسَهُ مَجَالِسَ الْمُلُوكِ )؛ (14) ..
ويقول الله تعالى: { يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ } [البقرة : 269] ..
انتهى
-------------------
(1) رواه الإمام أحمد في "فضائل الصحابة" [ج1/ص: 135/ر:110]؛ بإسناد حسن، ورجال ثقات؛ إلا ابن سفيان الواسطي، فهو مقبول الحديث؛ ورواه ابن حبان في "الثقات" [ج4/ص: 57/ر:363]؛ بإسناد عالي صحيح؛ ورواه أبو نعيم في "الحلية" [ج3/ص: 373/ر:4422]، وقال: مشهور ..
(2) رواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 557/ر:3684]، وقال: أبو عيسى هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده بذاك ؛ وضعه الألباني في "ضعيف الترمذي" [ج3/ص: 393/ر:3684]؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج3/ص: 96/ر:4508]، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه؛ وخالفه الذهبي في "التلخيص" [ج3/ص: 96]، وقال: الحديث شبه موضوع؛ وحسنه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:7937]؛ وخلفه الألباني في توضيعه في "صحيح الجامع" [ر:5097]؛ وحسنه العسقلاني في "تخريج المصابيح" [ج5/ص: 402]، وخالفه الألباني وأبطله [ر:5991] ..
(3) ورد في "الضعيفة" للألباني [ج3/ص: 533/ر:1357] ..
(4) ورد في "الموضوعات الكبرى:" لابن الجوزي [ج2/ص: 118] ..
(5) ورد في "ميزان الاعتدال" [ج2/ص: 603] ..
(6) ورد في "الضعفاء الكبير" للعقيلي [ج3/ص: 4] ..
(7) رود في "لسان الميزان" للعسقلاني [ج5/ص: 155] ..
(8) رواه الترمذي [ج5/ص: 567/ر:3658]، و ابن ماجه [ج1/ص: 74/ر:96] في "السنن"، والإمام أحمد [ج3/ص: 408/ر:10829]، وأبي يعلى [1130]، في "مسنده"، صححه السيوطي في "الجامع الصغير" برقم [2231]، ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" برقم [2030]، و"صحيح ابن ماجه" برقم [79] و "صحيح الترمذي" برقم [3658]، وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
(9) رواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 508/ر:4281]، صححه الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4281]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج6/ص: 97/ر:20347]، وصححه ابن حبان في "الثقات" [ج15/ص: 43/ر:6661]، وصححه البغوي في "شرح السنة" [ج7/ص: 422/ر:4162]، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:7703]، وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
(10) رواه البخاري في "صحيحة" [ج1/ص: 14/ر:17]، ورواه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:24]، بإسناد صحيح، بتحقيق الألباني في "صحيح الجامع" [ر:15]، وحكمه: [صحيح] ..
(11) رواه الشيخان؛ البخاري في "صحيحة" [ج1/ص: 14/ر:13]، ومسلم في "صحيحة" [ج2/ص: 206/ر:168]، ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 575/ر:2515]، وقال: هذا حديث صحيح؛ ووافقه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2515]؛ ورواه النسائي في "سننه ‘المجتبى‘" [ج8/ص: 500/ر:5054]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح النسائي" [ر:5054]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/صك 60/ر:66]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:55]؛ ورواه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:9940]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الجامع" [ر:7583]؛ وخلاصة حكمه: [متفق عليه] ..
(12) ورد في "البدر المنير" لابن الملقن [ج1/ص: 297]؛ اهـ
(13) رواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص:686/ر:4880]، بإسناد صحيح، بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4880]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج5/ص: 579/ر:19277]، ورواه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:4249]، بإسناد حسن صحيح، بتحقيق الألباني في "صحيح الجامع" [ر:7984]، وخلاصة حكمه: [حسن صحيح] ..
(14) ورد في "أدب الدنيا" للماوردي [ج1/ص: 34]؛ وفي "جامع البيان" للقرطبي [ج1/ص: 65]؛ وفي "الإحياء" للغزالي [ج1/ص: 5]؛ وفي "الحلية" لأبو نعيم [ج6/ص: 173]؛ وفي "تخريج الإحياء" للعراقي [ج1/ص: 20]؛ في "الجامع الصغير" للسيوطي [ر:3827]؛ في "معرفة التذكرة" لابن القيسراني [ر:121]؛ وفي "تذكرة الحفاظ" للذهبي [ر:27]؛ وفي ورواه عن علي، القضاعي في "مسند الشهاب" [ج2/ص: 105/ر:979] ..


===============

حسام الدين رامي نقشبند
06-09-2018, 06:24
السؤال 4 : هل صحيح أن بعض القيادات والأئمة والفقهاء والمحدثين من السلف ومعتمدي المذهب حسب كلام الزهري كانوا من أولاد الحرام وأولاد الزنا؟ قرأت ذلك في كتاب المحلى للإمام ابن حزم وجعلني أفكر طويلاً في مدى صحة هذا الكلام وعلى فرض الصحة هل يجب علينا إتباع هؤلاء؟ ..
يذكر صاحب المحلى كلامه هذا في مسألة صحة الصلاة خلف ولد الزنا ويقول : عن الزهري قال : كان أئمة من ذلك العمل، قال وكيع : يعني من الزنا . ( ورد في "المحلى" لابن حزم [ج4/ص: 213] )
وشعبة بعد سنتين وهرم بن حيان بعد أربع سنوات والإمام مالك بعد ثلاث سنوات والإمام الشافعي بعد أربع سنوات من موت آبائهم ولدوا!( الصفدي: ولد الضحاك لستة عشر شهراً وشعبة ولد لسنتين، وهرم بن حيان ولد لأربع سنيين ومالك بن أنس، حمل به أكثر من ثلاث سنين والشافعي حمل به أربع سنين . "الخزائن" للنراقي [ص: 217]، وفي "المعارف" لابن قتيبة [ص: 594]، "سير الأعلام" للذهبي [ج8/ص: 132] )


الجواب:


ما قصده ابن حزم في "المحلى"، هو إمام الصلاة وليس الأئمة، وليس أئمة العلماء، وفي الشرع يجوز الصلاة خلف البر والفاجر، فلا ضير بالصلاة خلف اللقيط أو ابن الزنا ..
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قَالَ: ( صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ )؛ (1) ..
باطنية الفرس ذوي الانتماء الغير سني أو السني المقنع عندما عجزوا بأوج قوة الدول الإسلامية عن حرب السيف لجئوا لحرب القلم، فأدرجوا وحرفوا ودسوا ..
فكثير ممن زود بالأخبار لمن حبرها من الحفاظ المؤرخين العدول أمثال: الطبري والذهبي وابن كثير وابن الجوزي وابن هشام وابن حزم وغيرهم، لم يكونوا محبين لأعلام الإسلام بل كانوا مبغضين حاقدين فتظاهروا بالأمانة والصدق نفاقا لكسب ثقة الحفاظ المؤرخين وتمرير مأربهم دون أن يلحظ ذلك الكثير وخاصة مع تقادم هذه النقول؛ وتباعد إمكانية متابعتها وإمكانية تحقيق مصادرها الناقلة لهذه الأخبار، وكان ذلك في متون التاريخ أسهل من متون الآثار المرفوعة ثم الموقوفة ثم المقطوعة على التابعين لقلة الإخباريين للتأريخ مقرنة مع رواة الآثار ..
كما أن المسلمين العرب انشغلوا في الجهاد وإعلاء كلمة الحق عن العلم ومتابعاته، والرواية والدراية فكان كثير من الرواة من غير العرب ..
من ناحية أخرى يجب علينا ونحن مسلمين، أن نحمل النصوص الغير صريحة على محمل جيد وتأويل حسن؛ وأن يقول وكيع بن الجراح يعني من الزنا، فهذا لا يصح عن فقيه حافظ تقي بورع وكيع، وتأدبه وأخلاقه، فهو أستاذ ومربي لطليعة من أعلام العلماء في مقدمتهم: فقيه السنة الأكبر الشافعي الكبير رحمه الله تعالى ..
كما أكد ذلك القاضي البيهقي في "مناقب الشافعي" [ج2/ص: 314]؛ والإمام الفخر الرازي في كتابه "مناقب الإمام الشافعي" [ص: 44]؛ والقرشي الحنفي في "الجواهر المضية" [ج1/ص: 487]، وغيرهم ..
وهو الذي شكا له الإمام الشافعي سوء الحفظ بكثرة انشغاله في العلوم الشرعية النظرية على حساب العلوم والأوراد الآخروية الارتقائية ..
فأنشد معبرا، كما ورد في ديوان شعره الشهير، وقال: ( شَكَوْتُ إلَى وَكيعٍ سُوءَ حِفْظِي؛ فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المعَاصي؛ وَأخْبَرَنِي بأَنَّ العِلْمَ نُورٌ؛ ونورُ الله لا يهدى لعاصي )؛ (2) ..

قال علي بن خشرم: شكوت إلى وكيع قلة الحفظ، فقال [وكيع] : ( استعن على الحفظ بقلة الذنوب )؛ (3) ..

والذنب هو كل تعلق نفسي في غير ما يرضي الله؛ وقد يكون تعلق في خير أي ذنب نوراني ولكن بدافع هوى النفس وليس مرضاة الله؛ أي أن تكون نيته خالصة لوجه الله وحده؛ فإنما الأعمال بالنيات؛ وعند السادة المتقين كل تعلق بغير الله أو يشغل عن الله هو ذنب ..
وروى الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي"؛ عن رزق الله بن موسى قال: ( مشيت خلف وكيع بن الجراح، وهو يريد مسجد الجامع، فسألته عن أحاديث؟ فقال لي: (( هون عليك، فإن كلام الناس من مائتي سنة، لا يلحق كلمة )) )؛ (4) ..
وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان الكوفي: ( سمعت وكيعا يقول: (( من استفهم وهو يفهم، فهو طرف من الرياء )) )؛ (5) ..

وقال وكيع: ( لا ينبل الرجل حتى يكتب عمن هو فوقه ومن هو مثله ومن هو دونه )؛ (6) ..
وقال: ( لا يكون الرجل عالما حتى يسمع ممن هو أسن منه، وممن هو مثله، وممن هو دونه )؛ (7) ..

فكيف لرجل بتقوى وورع ودقة معاملاته مع نفسه وغيره كما هو الفقيه المحدث "وكيع بن الجراح" أن يرتضي مريد له من أبناء الزنا!، أو يفضح أصل وحقيقة منشأ أئمة يقتدى بهم!؛ فمن شيم المؤمن الحق الستر والتماس العذر لمن يرجم بالباطل حسدا على ما اكتسبه بالحق ..
ويروي الإمام الشعراني في خاتمة "المنن الكبرى"، عن تاج الدين ابن عطاء الله السكندري، أن وصدق المتقين، حين قالوا ( لا يكمل عالم في مقام العلم حتى يبلى بأربع: شماتة الأعداء، وملامة الأصدقاء، وطعن الجهال، وحسد العلماء، فإن صبر جعله الله إماماً يقتدى به )؛ (8) ..
ويؤيد ذلك قول الله تعالى: ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) [السجدة : 24] ..

ومن ناحية أخرى نجد الأثر المشهور من غير سند؛ من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( أنا جد كل تقي وإن كان عبدا حبشي، وبريء من كل شقي وإن سيد قرشي )؛اهـ

وقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )[الحجرات : 13] ..

وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ خُطْبَةَ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: ( (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلا لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلا لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلا بِالتَّقْوَى، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، أَلا هَلْ بَلَّغْتُ؟ )) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (( فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ )) )؛ (9) ..
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: ( أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ؟، قَالَ: (( أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ ))، قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: (( فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ، ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ، ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ، ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ ))، قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: (( فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؟ ))، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: (( فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا )) )؛ (10) ..
فالمقياس للإمامة تقاس بالتقوى ودرجة العلم؛ لا بالأصل والفصل والنسب، نعم النسل الطيب والمربى الحسن له دور كبير، ولكن ليس له مقياس مع النتائج، المهم النتائج فكم من رجل أصيل أساء لأصله وحسبه ونسبه ..
فليس الفتى من قال كان أبي؛ إن الفتى من قال: ها أنا ذا ..
مع العلم أن هذا الأمر نادر وليس شائع عند الأئمة والقادة، وفق معلوماتي يكاد يكون معدوم، وإن كان المقصود المماليك أو الإنكشارية فهؤلاء تم تربيتهم على أساس تربوي ديني غطا على أصلهم إن كانوا لقطاء أو سبي حرب ..
فمن المماليك ظهر سيف الدين السلطان قطز، والظاهر بيبرس الذين أنهوا الزحف المغولي، ومن انكشارية آل عثمان التركمانيين، كان الجيش الذي فتحت به القسطنطينية ..

عن بشر الغنوي رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ( لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ، وَلَنِعْمَ الأَمِيرُ أَمِيرُهَا، وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ )؛ (11) ..
وأختم بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( المتقون سادة والفقهاء قادة ومجالستهم زيادة )؛ (12) ..
يتبع ..
---------------------
الهوامش:
(1) رواه أبو داود في "سننه" [ج1/ص: 218/ر:594]، بلفظ: ( والصَّلاةُ واجبةٌ عليكم خلفَ كلِّ مسلمٍ برًّا كانَ أو فاجِرًا وإن عمِلَ الكبائرَ )؛ وسكت عنه إقرارا بصلاحه؛ ورواه البيهقي في "سننه الكبرى" [ج5/ص: 323/ر:6932]؛ ورواه الدارقطني في "سننه" [ج2/ص: 57/ر:10]؛ ورواه المتقي الهندي في "كنز العمال" [ج6/ص: 84/ر:14815]؛ ورواه العجلوني في "كشف الخفاء" [ج2/ص: 29/ر:1611]؛ حسنه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:3653]؛ وقال ابن الهمام في "شرح القدير" [ج1/ص: 361]، بحكمه: يرتقي إلى درجة الحسن عند المحققين ..
(2) ورد في "الجوهر النفيس" للشافعي [ص: 54] ..
(3) ورد في "شعب الإيمان" للبيهقي [ج1/ص: 2/ر:288]؛ وفي "تهذيب الكمال" للمزي [ج8/ص: 733] ..
(4) ورد في "الجامع" للخطيب [ج2/ص: 303] ..
(5) ورد في "الجامع" للخطيب [ج1/ص: 131] ..
(6) ورد في "الباعث الحثيث" لابن كثير [ص: 158]؛ وفي "تدريب الراوي" للسيوطي [ج2/ص: 147]؛ وفي "سير الأعلام" للذهبي [ج7/ ص: 44]؛ وفي "الآداب الشرعية" لابن مفلح [ج2/ص: 119] ..
(7) ورد في "الجامع" للخطيب [ج2/ص: 274] ..
(8) ورد في "طبقات الشاذلية" للفاسي [ص: 42]؛اهـ
(9) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" [ج4/ص: 289/ر:5137]، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" [ج3/ص: 269]: رجاله رجال الصحيح؛ وصححه الألباني في "شرح الطحاوية" [ر:361]، وفي "غاية المرام" [ر:313]، وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
(10) رواه البخاري في "صحيحة" [ج4/ص: 1729/ر:4412]، وفي "الأدب المفرد" [ج1/ص: 57/ر:129]، بإسناد صحيح، بتحقيق الألباني في "صحيح الأدب" [ر:96]، وخلاصة حكمة: [صحيح] ..
(11) رواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج5/ص: 441/ر:18478]، وصححه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 468/ر:8300]، على شرط الشيخين، ورواه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:7227]، وقال: صحيح؛ وقال المنذري في "مجمع الزوائد" [ج6/221]: رجاله ثقات؛ وحكمه: [صحيح]؛ اهـ
(12) رواه الهيثمي في "مجمع الزوائد" [ج1/ص: 130]، وقال: رجاله موثقون ..

===============================

تابع السؤال الرابع:

يذكر صاحب المحلى كلامه هذا في مسألة صحة الصلاة خلف ولد الزنا ويقول: عن الزهري قال : ( كان أئمة من ذلك العمل، قال وكيع: يعني من الزنا )، ورد في "المحلى" لابن حزم [ج4/ص: 213]؛اهـ

الجواب:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قَالَ: ( صَلُّوا ،خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، وَصَلُّوا عَلَى كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، وَجَاهِدُوا مَعَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ )؛ (1) ..

والذي يقصده الإمام ابن شهاب الزهري، هنا إمام الصلاة، وليس إمام المقام المتبع والمقتدى به ..

يقول الصفدي: ( ولد الضحاك لستة عشر شهراً، وشعبة ولد لسنتين، وهرم بن حيان ولد لأربع سنيين، ومالك بن أنس، حمل به أكثر من ثلاث سنين والشافعي حمل به أربع سنين )؛ (2) ..

قول الصفدي لا يعني أنهم ولدوا من غير أب والد!؛ ولكن القصد أنهم ولدوا بعد زواج الأبوين بهذه الفترة لأنهم إما أبكار أبائهم أو غير ذلك؛ وهذا التأويل الصحيح ..

سَمِعْتُ الْمَرْوَرُّوذِيَّ صَاحِبَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، يَقُولُ: قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا سُئِلْتُ عَنْ مَسْأَلَةٍ لا أَعْرِفُ فِيهَا خَبَرًا قُلْتُ فِيهَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، لأَنَّهُ إِمَامٌ عَالِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ( عَالِمُ قُرَيْشٍ يَمْلأُ الأَرْضَ عِلْمًا )؛ (3) ..
ولكثرة طرق إسناده وتعدد متونه وشواهده يأخذ درجة التواتر بالشهرة التي تغني عن صحة السند المتصل المفرد "الأحاد"؛اهـ
فهل من وصفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعالم قريش على التحقيق ابن زنا؟!!!! ..

أمام إمام دار الهجرة فيقول ابن فرحون: ( جلس الإمام مالك للفُتيا ولم يجلس حتى شهد له سبعون شيخًا من أهل العلم أنه موضع لذلك، وفرق بين من يزكي نفسه ويصدِّرها ومن يصدره أهل العلم والفضل، يقول الإمام مالك: (( وليس كل من أحبّ أن يجلس في المسجد للحديث والفتيا جلس، حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل، فإن رأوه أهلاً لذلك جلس، وما جلستُ حتى شهد لي سبعون شيخًا من أهل العلم أني موضع لذلك)) )؛ (4) ..
فهل يعقل أن يشهد بكفاءته للفتوى سبعين عالم أو أكثر دون أن ينظروا في أصله ومولده؟؟!! ..

وذكر ابن عبد البر القرطبي: ( ولد الإمام مالك بن أنس في مدينة رسول الله، نشأ محبًا للعلم مغترفًا منه، على الرغم من فقره وقلة حاله؛ أمُّ الإمام مالك أحسنت توجيه ابنها، أتت له وقالت: (( اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه)) )؛ (5) ..
فهل هكذا توجيه وحسن تربية يأتي من زانية؟؟!!!! ..

فالإمام أبو حنيفة يقول: ( ما رأيت أسرع من مالك بجواب صادق، مع زهد تام )؛ (6) ..

وقال الإمام الشافعي: ( إذا ذكر العلماء فمالك النجم )؛ (7) ..
وقال أيضاً: ( لم يبلغ أحد في العلم مبلغ مالك لحفظه وإتقانه وصيانته، ومن أراد الحديث الصحيح فعليه بمالك )؛ (8) ..


وقال أيضاً: ( مالك معلمي وأستاذي، وما أحد أمن علي من مالك، وعنه أخذنا العلم، وإنما أنا غلام من غلمان مالك، جعلت مالكاً حجةً بيني وبين الله )؛ (9) ..
وقال الإمام أحمد بن حنبل: ( مالك سيد من سادات أهل العلم، وهو إمام في الحديث والفقه، ومن مثل مالك متبع لآثار من مضى، مع عقل وأدب؛ مالك حجة بينك وبين الله تعالى )؛ (10) ..

خاتمة:

والحقيقة كل الحقيقة أن هذا التلفيق المتعمد وراءه الرافضة لبرروا إمامة أئمتهم الآيات أبناء الزنا، وبذلك أساؤوا لدعواهم بالباطل بانتمائهم لصفوة الصفوة وأعني أئمة آل البيت الأطهار ..
الذين هم أسرجت النور التي أضاءت مصابيح الهدى العلماء والفقهاء فعقيدة أئمة آل البيت: ( من قال: قال أحد أو عن أحد؛ إلا الفرد الصمد، ونبيه الخاتم المعصوم الأوحد، فهو لا يعرف الواحد الأحد خالق الآحاد )؛ اهـ
فها هو إمام الفقهاء الرباني الوارث جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه؛ يؤسس المذاهب الفقهية والقواعد الأصولية؛ والمراتب السلوكية ..
هو الذي لخص عقيدة التوحيد بقوله: ( منْ زعمَ أن الله في شيء أو على شاء أو من شيء فقد أشركَ، إذ لو كانَ في شيء لكانَ محصورًا، ولو كانَ على شيء لكانَ محمولاً، ولو كانَ من شيء لكان مُحدَثًا [أي مخلوقًا ] )؛ (11) ..

---------------------------
الهوامش:
(1) رواه الدارقطني في "سننه" [ج2/ص: 57/ر:10]، ورواه البيهقي في "سننه الكبرى" [ج5/ص: 232/ر:6932]، وحكمه : [إسناده حسن، رجاله ثقات] ..
(2) انظر في "الخزائن" للنراقي [ص: 217]، وفي "المعارف" لابن قتيبة [ص: 594]، "سير الأعلام" للذهبي [ج8/ص: 132]؛اهـ
(3) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" [ج51/ص: 339/ر:21689]، رواه النووي في "التهذيب" [ج1/ص: 52]، وقال: مشهور؛ ورواه السخاوي في "المقاصد الحسنة" [ر:645]، وقال" حسن لشواهده، ورواه الزرقاني في "مختصر المقاصد" [ر:629]، قال: حسن لغيره؛اهـ
(4) ورد في "الديباج والذهب" لابن فرحون [ج1/ص: 21] ..
(5) ورد في "التمهيد" للقرطبي [ج2/ص: 4] ..
(6) ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 152] ..
(7) ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 149] ..
(8) ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 154] ..
(9) ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 155] ..
(10) ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 154] ..
(11) ورد في "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 40و41]؛ وفي "توحيد الصدوق" للطهراني [ج1/ص: 178]؛ وفي "تفسير الميزان" للطباطبائي [ج14/ص: 128]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 130]؛ اهـ

=========================
__________________