المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القياس الفقهي عند الغزالي ومقاصد الشريعة للشاطبي



محمد موسى البيطار
24-03-2005, 23:21
القياس الفقهي عند الامام الغزالي ومقاصد الشريعة للامام الشاطبي
نقد نقد العقل العربي – الجزء الثالث

تكلم الامام الغزالي في عدد من كتبه التي صنفها قبل ثلاثة قرون من " الموافقات " للشاطبي حول البرهان ، فقال رحمه الله في ( المستصفى – ج1 ص29 طبعة بولاق ) : (( إعلم أن البرهان عبارة عن أقاويل مخصوصة ألفت تأليفا مخصوصا بشرط مخصوص يلزم منه رأي هو مطلوب النظر بالنظر )) وأضاف ( ص 37-38 ) : (( البرهان عبارة عن مقدمتين معلومتين تؤلفات تأليفا مخصوصا بشرط مخصوص فيتولد بينهما نتيجة ... فان كانت المقدمات قطعية سميت برهانا ، وان كانت مسلمة سميناها قياسا جدليا ، وان كانت مظنونة سميناها قياسا فقهيا )) ويفصل القول : (( أقل ما ينتظم منه برهان مقدمتان ، أعني علمين يتطرق اليهما التصديق والتكذيب ، وأقل ما تحصل منه مقدمة معرفتان توضع احداهما مخبرا عنها والاخرى خبرا ووصفا ، فقد انقسم البرهان الى مقدمتين وانقسمت كل مقدمة الى معرفتين تنسب احداهما الى الاخرى ، وكل مفرد هو معنى ويدل عليه لا محالة بلفظ ، فيجب ضرورة أن ننظر في المعاني المفردة واقسامها ثم في الالفاظ المفردة ووجوه دلالتها ، ثم اذا فهمنا اللفظ مفردا والمعنى مفردا الفنا معنيين وجعلناهما مقدمة ، وننظر في حكم المقدمة وشروطها ثم نجمع مقدمتين ونصوغ منهما برهانا ، وننظر في كيفية الصياغة الصحيحة . وكل من اراد أن يعرف البرهان بغير هذا الطريق فقد طمح الى الخيال ))

أما الشاطبي ، وبدراسة لكتاب ( الادلة الشرعية ) من كتابه ( الموافقات ) فأنه غير معني من قريب او من بعيد -في اطروحته عن انبناء الادلة الشرعية على مقدمتين- بنظرية المعرفة ، فعلى العكس من الغزالي فإنه لا يستهدف من البناء على مقدمتين الوصول الى انتاج اي معرفة جديدة ، فما يضعه نصب عينيه ليس توليد ( نتيجة مجهولة ) هي ( مطلوب الناظر بالنظر ) بل الخلوص الى موقف عملي بالمعنى التكليفي للكلمة ، وبلغته التقنية كاصولي (( تحقيق مناط الحكم )) بغية الاقدام على فعل او الامتناع عنه من منظور التحليل والتحريم . فالبناء على مقدمتين محصور الهدف عند الشاطبي بالافعال ولا يتعدى ابدا العمليات الى العقليات كما عند الغزالي ، وذلك هو أصلا مفهوم الدليل الشرعي عنده ، فكل ما لا يتعلق به التكليف ولا يدل على شيء من الاعمال خرج عن كونه دليلا شرعيا ( الموافقات ج 3 ص 15 ) . وصحيح أن الشاطبي يضع في صيغة مسالة كون (( الادلة الشرعية لا تنافي قضايا العقول )) لكن العقول التي يضعها نصب عينيه هي عقول المكلفين وفي هذا يقول ( ج3 / ص13 ) : (( وبيان ذلك أن الادلة انما نصبت في الشريعة لتتلقاها عقول المكلفين حتى يعملوا بمقتضاها من الدخول تحت احكام التكليف )) .

وصحيح ان الشاطبي لا ينكر وجود ادلة شرعية مبنية على طريقة ( البرهان العقلي ) ولكن الأدلة التي يتوقف عندها تكاد تكون حصرا (( الأدلة الدالة على الأحكام التكليفية )) : والحال كما يقول ( المصدر نفسه ص 29 ) : (( أن هذه النصوص وأمثالها لم توضع وضع البراهين ، ولا اتي بها في محل استدلال ، بل جيء بها قضايا يعمل بمقتضاها مسلمة متلقاة بالقبول . وانما برهانها في الحقيقة المعجزة الدالة على صدق الرسول .. والدليل بهذا المعنى نتيجة أنتجتها المعجزة فصارت قولا مقبولا فقط )) وهذا (( القول المقبول )) يتنزل منزلة (( المقدمة النقلية )) التي يقول عنها (( واذا تحقق انها نقلية فلا تفتقر الى نظر او تأمل الا من جهة تصحيحها نقلا )) ( المصدر نفسه ص 25 ) وبهذا المعنى فإن المقدمة النقلية هي محض مرادف للحكم الشرعي ان لم تكن هي ( نفس الحكم الشرعي ) ، مما جاء بيانه في الكتاب او في السنة التي هي بيان لبيان الكتاب .

اما ( المقدمة النظرية ) فترجع ، لا الى الحكم ، بل الى (( تحقيق مناط الحكم )) ، وليست هي الحاكمة بل هي المحكوم عليها ، ودورها ثان وليس أول وقياسا على القياس الارسطي فهي مقدمة صغرى لا كبرى ، فليس لها من دور غير أن تدرج ما هو خصوص تحت ما هو عموم . فأن يكن الحكم ( = المقدمة النقلية الكبرى ) قد قضى بتحريم لحم الخنزير مثلا ، فلس للمقدمة النظرية الصغرى غير أن تقرر هل هذا اللحم لحم خنزير او لا ، وصحيح أن هذا التقرير قد يقتضي أحيانا إعمال ( الفكر والتدبر ) ولكنه قد يكتفي غالبا بضرورة الحس والتجربة . والمثال التقليدي الذي يضربه الشاطبي في هذا السياق هو مثال السكر فيقول ( المصدر نفسه ، ص23-24 ) : (( فاذا قلت إن كل مسكر حرام فلا يتم القضاء عليه حتى يكون بحيث يشار الى المقصود منه ليستعمل او لا يستعمل ، لأن الشرائع انما جاءت لتحكم على الفاعلين من جهة ما هم فاعلون ، فاذا شرع المكلف في تناول الخمر مثلا قيل له : أهذا خمر ام لا . فلا بد للنظر في كونه خمرا او غير خمر ، وهو معنى تحقيق المناط . فاذا وجد فيه امارة الخمر او حقيقتها بنظر معتبر قال : نعم هذا خمر ، فيقال له : كل خمر حرام الاستعمال فيجتنبه )) والحقيقة أن هذا المثال عينه قد ساقه الغزالي في المستصفى ( ج1/ص37-38( تمثيلا على انبناء الدليل الشرعي على مقدمتين فيقول (( مثال ذلك من الفقه قولنا : كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام ، فلزم أن كل نبيذ حرام ، فهاتان مقدمتان اذا سلمتا على هذا الوجه لزم بالضرورة تحريم النبيذ ...واذا ذكرنا أصل القياس فان كل مقدمة أصل ، فاذا ازدوج اصلان حصلت النتيجة ، وعادة الفقهاء في مثل هذا النظم أنهم يقولون : النبيذ مسكر فكان حراما قياسا على الخمر .... فان رد الى هذا النظم ولم يكن مسلما ، فلا تلزم النتيجة الا باقامة الدليل حتى يثبت كونه مسكرا – ان نوزع فيه- بالحس والتجربة ، وكون المسكر حراما بالخبر وهو قوله ( صلى الله عليه واله وسلم ) : ((كل مسكر حرام)) ... واذا فهمت صورة هذا النظم فاعلم أن في هذا البرهان مقدمتين ، احداهما قولنا : كل نبيذ مسكر ، والاخرى قولنا كل مسكر حرام . وكل مقدمة تشتمل على جزئين : مبتدأ وخبر ، المبتدأ محكوم عليه والخبر حكم ))

يتبع ....

محمد موسى البيطار
25-03-2005, 07:51
من جهة أخرى ، فالشاطبي يرث من الغزالي لغته المنطقية ولكن ليس موقفه المتعاطف مع المنطق ، وقد تصدى لتشريح منهجي لمسألة ( المقدمتين ) في الباب العاشر من كتابه ( الاعتصام ) فقال : (( قد اعترف الجميع أن العلوم المكتسبة لا بد في تحصيلها من توسط مقدمتين معترف بهما ، ان كانتا ضروريتين فذاك ، وان كانتا مكتسبتين فلا بد من اكتساب كل واحدة منهما مقدمتين ، وينظر فيهما كما تقدم . وكذلك ان كانت واحدة ضرورية وأخرى مكتسبة ، فلا بد للمكتسبة من مقدمتين فان انتهينا الى ضروريتين فهو المطلوب ، والا لزم التسلسل او الدور ، وكلاهما محال . فاذا لابد ان نعرف غير الضروري الا بالضروري ))

بيد أن هذه الإحالة الى اليــة المعرفة لدى الطبيعيين والمنطقيين ليس عرضها اطلاقا تثبيت مشروعيتها في انتاج المعرفة الشرعية ، ولا على الأخص تقديم النصاب الابستمولوجي للرؤية البرهانية على النصاب الابستمولوجي للرؤية البيانية ، بل على العكس تماما ، فقد اورد الشاطبي ذلك الكلام في معرض الطعن في دعوى القائلين ب (( تحسين الظن بالعقل )) باعتبار ذلك واحدة من جهات الابتداع و (( الاحداث في الشريعة )) . وهو يوظف الية المقدمتين ضدا على مدعي اهلها في استقلال العقل . فعنده أن العقل غير مستقل بالتفريع ، فكم بالاولى ان يكون مستقلا في التأصيل ! فالتسلسل أو الدور الذي ينتهي اليه لا محالة توالي المقدمات مثنى مثنى يثبت ضدا على أصحاب الفلسفة ، أن (( العقل قادر الادراك في علمه )) ، وأن اعلى سقف يمكن أن يرتفع اليه في تتبع الضروري الذي لا يعلم غير الضروري الا بتوسطه ، هو السقف الذي تعينه له القدرة الالهية بوصفه هو نفسه عقلا مخلوقا . وفي ذلك يقول الشاطبي : (( إن الله جعل العقول في ادراكها حدا تنتهي اليه لا تتعداه ، ولم يجعل لها سبيلا الى الادراك في كل مطلوب )) ( الاعتصام ج2/ 318 ) ولا ينجو العقل من التسلسل أو الدور ، وهو يجد في اثر المطلوب ، الا اذا توقف (( علم العبد )) عند علم الرب وأسلم (( التشريع العقلي )) إمرته للتشريع الوضعي . فالله سبحانه هو واضع المقدمات على الاطلاق .

محمد موسى البيطار
26-03-2005, 19:42
يعتبر الامام الغزالي ، اول من أضفى المشروعية ( الابستمولوجية ) في الفكر العربي الاسلامي على نقل ما سماه الاوائل ( الاستقراء ) من مجال الطبيعيات الى مجال الفقهيات . وهذا قبل قرون ثلاثة من الشاطبي ، وقبل التطرق الى (نظرية المقاصد) فلنقرا ما دشنته يراعة هذا الامام العظيم في كتابه ( معيار العلم ) قال رحمه الله ( ص 115-119 ، ط دار الاندلس ) : (( الاستقراء هو أن تتصفح جزئيات كثيرة داخلة تحت معنى كلي ، حتى اذا وجدت حكما في تلك الجزئيات حكمت على ذلك الكلي به ......... والحكم المنقول ثلاثة : اما حكم من كلي على جزئي وهو القياس الصحيح .. واما حكم من جزئي واحد على جزئي واحد كاعتبار الغائب بالشاهد ، وهو التمثيل ، واما حكم من جزئيات كثيرة على جزئي واحد ، وهو الاستقراء وهو اقوى من التمثيل ، ومثال الاستقراء في الفقه قولنا : الوتر لو كان فرضا لما ادي على راحلة ، ويستدل به ...... باستقراء جزئيات الفرض من الرواتب وغيرها كصلاة الجنازة والمنذورة والقضاء وغيرها ...... واذا كثرت الاصول قوي الفن ومهما ازدادت الأصول الشاهدة ، أعني الجزئيات ، اختلافا كان الظن اقوى فيه . حتى اذا قلنا : مسح الرأس وظيفة أصلية في الوضوء فيستحب فيه التكرار ، فقيل لم ؟ قلنا : استقرينا ذلك من غسل الوجه واليدين وغسل الرجلين ، ولم يكن معنا الا هذا الاستقراء .... فإن قيل : فلم لا يقال للفقيه : استقراؤك غير كامل ، فإنك لم تتصفح محل الخلاف ؟ فالجواب أن قصور الاستقراء عن الكمال أوجب قصور الاعتقاد الحاصل في اليقين ، ولم يوجب بقاء الاحتمال على التعادل ، كما كان بل رجح بالظن أحد الاحتمالين ، والظن في الفقه كاف ، واثبات الواحد على وفق الجزئيات الكثيرة أغلب من كونه مستثنى على الندور ... وامكان الخلاف لا يمنع الظن ، ولا سبيل الى جحد الامكان مهما لم يكن الاستقراء تاما . ولا يكفي في تمام الاستقراء أن تتصفح ما وجدته شاهدا على الحكم اذا امكن ان ينتقل عنه الشيء ، كما لو حكم انسان أن كل حيوان يحرك عند المضغ فكه الاسفل لأنه استقرى أصناف الحيوانات الكثيرة . لكنه لما لم يشاهد جميع الحيوانات لم يأمن أن يكون في البحر حيوان هو التمساح يحرك عند المضغ فكه الاعلى ، على ما قيل ........ فإذا حصل من هذا أن الاستقراء مهما وقع خلاف في بعض الجزئيات ، فلا يفيد الاستقراء علما كليا بثبوت الحكم للمعنى الجامع للجزئيات حتى يجعل ذلك مقدمة في قياس اخر ، لا في اثبات الحكم لبعض الجزئيات ..... فان لم تتصفح الكل ، بل تصفحت البعض ....... فهذا لايورث يقينا ، إنما يحرك ظنا ))
من هنا نلاحظ أن الامام الغزالي – رحمه الله – يميز تمييزا قاطعا بين الاستقراء التام اليقيني والاستقراء الناقص الظني . ف (( الاستقراء التام يفيد العلم والناقص يفيد الظن )) و (( قصور الاستقراء عن الكمال يوجب قصور الاعتقاد الحاصل عن اليقين )) أو بعبارة اخرى فالاستقراء الكامل (( لا يورث يقينا إنما يحرك ظنا )) . والحال أنه مهما تراكمت الظنون وتراكبت فإنها قد تقوي الظن لكن لا تحيله يقينا . والظن الغالبي هو نصاب الاستقراء الفقهي وهو نصاب مقبول وكاف . لأن غائية الفقه عملية وليست علمية . وبقدر ما أن اعتبار الظنون في العقليات باطل ، فإنه في الشرعيات جائز ومطلوب (( فالاستقصاء لطلب اليقين ... في الفقهيات ... هوس محض وخرق ، كما أن ترك الاستقصاء في العقيات جهل محض )) ( معيار العلم ص 130 )

محمد موسى البيطار
27-03-2005, 06:39
الامام الشاطبي والاستقراء

الامام الشاطبي ينتصر انتصارا جامحا للاستقراء بل ويجعله الآلية الأولى في فهم كليات الشريعة . لكن ضدا على الغزالي ينتصر بجموح مماثل للاستقراء الناقص على الاستقراء التام !، وعنده أن الاستقراء الناقص ، على نقصانه ، أي عدم شموله سائر الجزئيات ، مورث لليقين ، وذلك هو أصلا جوهر مشروع الشاطبي : تأسيس الشريعة على القطعيات ، حتى وإن يكن الطريق الى هذه القطعيات اقتناصها من الظنيات .

قال الامام الشاطبي : (( أصول الفقه في الدين قطعية لا ظنية ، والدليل على ذلك ... ظاهر بالاستقراء المفيد للقطع )) ( الموافقات ج1 ، ص10 )

لكنه لا يلبث في ثالثة مقدماته الثلاثة عشر أن يحدد بأن (( الأدلة المعتبرة هنا المستقرأة من جملة أدلة ظنية تضافرت على معنى واحد حتى أفادت فيه القطع ، فإن للاجتماع من القوة ما ليس للافتراق )) ( المصدر نفسه ، ص14)

وبطبيعة الحال ما كان ليغيب عن وعي الشاطبي انه بركوبه لهذا المركب الوعر : القطع باليقين بدالة تراكم الظنون ، انما يخالف قاعدة منهجية مجمعا عليها من معظم من تقدمه من الأصوليين . ولهذا نراه يقول إن (( بيان كيفية اقتناص القطع من الظنيات هو خاصة هذا الكتاب )) ( المصدر نفسه ، ص 194 )