المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير



الصفحات : [1] 2 3 4 5

اسامة محمد خيري
03-12-2016, 11:57
ابليس ملك خلق من نار

قال أبو جعفر: وهذه علل تنبىء عن ضعف معرفة أهلها. وذلك أنه غير مستنكر أن يكون الله جل ثناؤه خـلق أصناف ملائكته من أصناف من خـلقه شتـى، فخـلق بعضاً من نور، وبعضاً من نار، وبعضاً مـما شاء من غير ذلك. ولـيس فـيما نزل الله جل ثناؤه الـخبر عما خـلق منه ملائكته وإخبـاره عما خـلق منه إبلـيس ما يوجب أن يكون إبلـيس خارجاً عن معناهم، إذ كان جائزاً أن يكون خـلق صنفـاً من ملائكته من نار كان منهم إبلـيس، وأن يكون أفرد إبلـيس بأن خـلقه من نار السموم دون سائر ملائكته. وكذلك غير مخرجه أن يكون كان من الـملائكة بأن كان له نسل وذرية لـما ركب فـيه من الشهوة واللذّة التـي نزعت من سائر الـملائكة لـما أراد الله به من الـمعصية.

وأما خبر الله عن أنه من الـجن، فغير مدفوع أن يسمى ما اجتنّ من الأشياء عن الأبصار كلها جِنّاً، كما قد ذكرنا قبلُ فـي شعر الأعشى، فـيكون إبلـيس والـملائكة منهم لاجتنانهم عن أبصار بنـي آدم.

اسامة محمد خيري
03-12-2016, 12:00
حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر عن أبـيه، عن الربـيع: { وَأُشْرِبُوا فـي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ } قال: أشربوا حبّ العجل فـي قلوبهم.

وقال آخرون: معنى ذلك أنهم سقوا الـماء الذي ذُرِّي فـيه سحالة العجل. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي موسى بن هارون. قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: لـما رجع موسى إلـى قومه أخذ العجل الذي وجدهم عاكفـين علـيه فذبحه، ثم حَرَقَه بـالـمبرد، ثم ذراه فـي الـيـمّ، فلـم يبق بحر يومئذ يجري إلا وقع فـيه شيء منه. ثم قال لهم موسى: اشربوا منه فشربوا منه، فمن كان يحبه خرج علـى شاربه الذهب فذلك حين يقول الله عزّ وجل: { وأُشْرِبُوا فِـي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ }.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج عن ابن جريج، قال: لـما سُحِل فألقـي فـي الـيـمّ استقبلوا جرية الـماء، فشربوا حتـى ملئوا بطونهم، فأورث ذلك من فعله منهم جُبْناً.

قال أبو جعفر: وأولـى التأويـلـين اللذين ذكرت بقول الله جل ثناؤه: { وأُشْرِبُوا فِـي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ } تأويـل من قال: وأشربوا فـي قلوبهم حبّ العجل لأن الـماء لا يقال منه: أشرب فلان فـي قلبه، وإنـما يقال ذلك فـي حبّ الشيء، فـيقال منه: أشرب قلب فلان حبّ كذا، بـمعنى سقـي ذلك حتـى غلب علـيه وخالط قلبه

اسامة محمد خيري
03-12-2016, 12:05
اختلف أهل العلـم فـي تأويـل «ما» التـي فـي قوله: وَما أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ فقال بعضهم: معناه الـجحد وهي بـمعنى «لـم»...

فتأويـل الآية علـى هذا الـمعنى الذي ذكرناه عن ابن عبـاس والربـيع من توجيههما معنى قوله: وَمَا أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ إلـى: ولـم ينزل علـى الـملكين، واتبعوا الذي تتلوا الشياطين علـى ملك سلـيـمان من السحر، وما كفر سلـيـمان ولا أنزل الله السحر علـى الـملكين ولكنَّ الشَّياطينَ كفرُوا يعلـمونَ الناسَ السحرَ ببـابل هاروت وماروت، فـيكون حينئذ قوله: ببـابل وهاروت وماروت من الـمؤخر الذي معناه التقديـم.

فإن قال لنا قائل: وكيف وجه تقديـم ذلك؟ قـيـل: وجه تقديـمه أن يقال: واتبعوا ما تتلو الشياطين علـى ملك سلـيـمان وما أنزل علـى الـملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلـمون الناس السحر ببـابل هاروت وماروت. فـيكون معنـيًّا بـالـملكين: جبريـل وميكائيـل لأن سحرة الـيهود فـيـما ذكر كانت تزعم أن الله أنزل السحر علـى لسان جبريـل وميكائيـل إلـى سلـيـمان بن داود. فأكذبها الله بذلك وأخبر نبـيه مـحمداً أن جبريـل وميكائيـل لـم ينزلا بسحر قط، وبرأ سلـيـمان مـما نـحلوه من السحر، فأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلـم الناس ببـابل، وأن الذين يعلـمونهم ذلك رجلان اسم أحدهما هاروت واسم الآخر ماروت فـيكون هاروت وماروت علـى هذا التأويـل ترجمة علـى الناس ورداً علـيهم.

وقال آخرون: بل تأويـل «ما» التـي فـي قوله: وَما أُنْزلَ علـى الـمَلَكَيْنِ «الذي»....

قال أبو جعفر: فمعنى الآية علـى تأويـل هذا القول الذي ذكرنا عمن ذكرناه عنه: واتبعت الـيهود الذي تلت الشياطين فـي ملك سلـيـمان الذي أنزل علـى الـملكين ببـابل وهاروت وماروت. وهما ملكان من ملائكة الله، سنذكر ما روي من الأخبـار فـي شأنهما إن شاء الله تعالـى.

وقالوا: إن قال لنا قائل: وهل يجوز أن ينزل الله السحر، أم هل يجوز لـملائكته أن تعلـمه الناس؟ قلنا له: إن الله عزّ وجلّ قد أنزل الـخير والشرّ كله. وبـيَّن جميع ذلك لعبـاده، فأوحاه إلـى رسله وأمرهم بتعلـيـم خـلقه وتعريفهم ما يحلّ لهم مـما يحرم علـيهم وذلك كالزنا والسرقة وسائر الـمعاصي التـي عَرَّفُهموها ونهاهم عن ركوبها، فـالسحر أحد تلك الـمعاصي التـي أخبرهم بها ونهاهم عن العمل بها.

قالوا: لـيس فـي العلـم بـالسحر إثم، كما لا إثم فـي العلـم بصنعة الـخمر ونـحت الأصنام والطنابـير والـملاعب، وإنـما الإثم فـي عمله وتسويته.

قالوا: وكذلك لا إثم فـي العلـم بـالسحر، وإنـما الإثم فـي العمل به وأن يضرّ به من لا يحلّ ضرّه به.

قالوا: فلـيس فـي إنزال الله إياه علـى الـملكين ولا فـي تعلـيـم الـملكين من علـماه من الناس إثم إذا كان تعلـيـمهما من علّـماه ذلك بإذن الله لهما بتعلـيـمه بعد أن يخبراه بأنهما فتنة وينهاه عن السحر والعمل به والكفر وإنـما الإثم علـى من يتعلـمه منهما ويعمل به، إذْ كان الله تعالـى ذكره قد نهاه عن تعلـمه والعمل به.

قالوا: ولو كان الله أبـاح لبنـي آدم أن يتعلـموا ذلك، لـم يكن من تعلـمه حَرِجا، كما لـم يكونا حَرِجَيْن لعلـمهما به، إذْ كان علـمهما بذلك عن تنزيـل الله إلـيهما...

والصواب من القول فـي ذلك عندي قول من وجَّه «ما» التـي فـي قوله: وَما أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ إلـى معنى «الذي» دون معنى «ما» التـي هي بـمعنى الـجحد. وإنـما اخترت ذلك من أجل أن «ما» إن وجهت إلـى معنى الـجحد، فتنفـي عن الـملكين أن يكونا منزلاً إلـيهما. ولـم يَخْـلُ الاسمان اللذان بعدهما أعنـي هاروت وماروت من أن يكونا بدلاً منهما وترجمة عنهما، أو بدلاً من الناس فـي قوله: يعلّـمون النّاسَ السِّحْرَ وترجمة عنهما. فإن جُعلا بدلاً من الـملكين وترجمة عنهما بطل معنى قوله: وَما يُعَلِّـمانِ مِنْ أَحَدٍ حتـى يَقُولا إنَّـما نَـحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَـيَتَعَلّـمُونَ مِنْهُمَا ما يُفَرّقُونَ بِهِ بَـيْنَ الـمَرْءِ وَزَوْجِهِ لأنهما إذا لـم يكونا عالـمين بـما يفرّق به بـين الـمرء وزوجه، فما الذي يَتَعَلَّـم منهما مَنْ يفرّق بـين الـمرء وزوجه؟

وبعد، فإن «ما» التـي فـي قوله: وَما أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ إن كانت فـي معنى الـجحد عطفـاً علـى قوله: وَمَا كَفَرَ سُلَـيْـمَانُ فإن الله جل ثناؤه نفـى بقوله: وَمَا كَفَرَ سُلَـيْـمَانُ عن سلـيـمان أن يكون السحر من عمله، أو من علـمه أو تعلـيـمه. فإن كان الذي نفـى عن الـملكين من ذلك نظير الذي نفـى عن سلـيـمان منه، وهاروت وماروت هما الـملكان، فمن الـمتعلـم منه إذا ما يفرّق به بـين الـمرء وزوجه؟ وعمن الـخبر الذي أخبر عنه بقوله: وَما يُعَلِّـمَانِ مِنْ أحَدٍ حتـى يَقُولاَ إنَّـمَا نَـحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ؟ إن خطأ هذا القول لواضح بَـيِّنٌ.

وإن كان قوله «هاروت وماروت» ترجمة عن الناس الذين فـي قوله: وَلَكِنَّ الشّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّـمُونَ النّاسَ السِّحْرَ فقد وجب أن تكون الشياطين هي التـي تعلـم هاروت وماروت السحر، وتكون السحرة إنـما تعلـمت السحر من هاروت وماروت عن تعلـيـم الشياطين إياهما.

فإن يكن ذلك كذلك، فلن يخـلو هاروت وماروت عند قائل هذه الـمقالة من أحد أمرين: إما أن يكونا مَلَكين، فإن كانا عنده ملكين فقد أوجب لهما من الكفر بـالله والـمعصية له بنسبته إياهما إلـى أنهما يتعلـمان من الشياطين السحر ويعلـمانه الناس، وإصرارهما علـى ذلك ومقامهما علـيه أعظم مـما ذكر عنهما أنهما أتـياه من الـمعصية التـي استـحقا علـيها العقاب، وفـي خبر الله عزّ وجلّ عنهما أنهما لا يعلـمان أحداً ما يتعلـم منهما حتـى يقولا: إنَّـمَا نَـحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ما يغنـي عن الإكثار فـي الدلالة علـى خطأ هذا القول. أو أن يكونا رجلـين من بنـي آدم فإن يكن ذلك كذلك فقد كان يجب أن يكون بهلاكهما قد ارتفع السحر والعلـم به والعمل من بنـي آدم لأنه إذا كان علـم ذلك من قبلهما يؤخذ ومنهما يتعلـم، فـالواجب أن يكون بهلاكهما وعدم وجودهما عدم السبـيـل إلـى الوصول إلـى الـمعنى الذي كان لا يوصل إلـيه إلا بهما وفـي وجود السحر فـي كل زمان ووقت أبـين الدلالة علـى فساد هذا القول.

وقد يزعم قائل ذلك أنهما رجلان من بنـي آدم، لـم يعدما من الأرض منذ خـلقت، ولا يعدمان بعد ما وجد السحر فـي الناس. فـيدعي ما لا يخفـى بُطُولُهُ.

فإذا فسدت هذه الوجوه التـي دللنا علـى فسادها، فبـين أن معنى: ما التـي فـي قوله: وَما أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ بـمعنى «الذي»، وأن هاروت وماروت مترجم بهما عن الـملكين ولذلك فتـحت أواخر أسمائهما، لأنهما فـي موضع خفض علـى الردّ علـى الـملكين، ولكنهما لـما كانا لا يجرّان فتـحت أواخر أسمائهما.

فإن التبس علـى ذي غبـاء ما قلنا، فقال: وكيف يجوز لـملائكة الله أن تعلـم الناس التفريق بـين الـمرء وزوجه؟ أم كيف يجوز أن يضاف إلـى الله تبـارك وتعالـى إنزال ذلك علـى الـملائكة؟ قـيـل له: إن الله جل ثناؤه عرّف عبـاده جَميعَ ما أمرهم به وجميعَ ما نهاهم عنه، ثم أمرهم ونهاهم بعد العلـم منهم بـما يؤمرون به وينهون عنه. ولو كان الأمر علـى غير ذلك، لـما كان للأمر والنهي معنى مفهوم فـالسحر مـما قد نهى عبـاده من بنـي آدم عنه، فغير منكر أن يكون جل ثناؤه علـمه الـملكين اللذين سماهما فـي تنزيـله وجعلهما فتنة لعبـاده من بنـي آدم كما أخبر عنهما أنهما يقولان لـمن يتعلـم ذلك منهما: إنَّـمَا نَـحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ لـيختبر بهما عبـاده الذين نهاهم عن التفريق بـين الـمرء وزوجه وعن السحر، فـيـمـحّص الـمؤمن بتركه التعلـم منهما، ويُخزي الكافر بتعلـمه السحر والكفر منهما، ويكون الـملكان فـي تعلـيـمهما من علّـما ذلك لله مطيعين، إذ كانا عن إذن الله لهما بتعلـيـم ذلك من علـماه يعلـمان
وقد عُبد من دون الله جماعةٌ من أولـياء الله، فلـم يكن ذلك لهم ضائرا إذْ لـم يكن ذلك بأمرهم إياهم به، بل عبد بعضهم والـمعبود عنه ناهٍ، فكذلك الـملكان غير ضائرهما سحر من سحر مـمن تعلـم ذلك منهما بعد نهيهما إياه عنه وعِظَتهما له بقولهما: إنَّـمَا نَـحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ إذ كانا قد أدّيا ما أُمر به بقـيـلهما ذلك.

اسامة محمد خيري
03-12-2016, 12:21
قال أبو جعفر: القراء مختلفون فـي تلاوة «ملك يوم الدين»، فبعضهم يتلوه: «مَلِكِ يوم الدين»، وبعضهم يتلوه: { مالك يوم الدين } وبعضهم يتلوه: { مالِكَ يوم الدين } بنصف الكاف. وقد استقصينا حكاية الرواية عمن رُوي عنه فـي ذلك قراءةٌ فـي «كتاب القراءات»، وأخبرنا بـالذي نـختار من القراءة فـيه، والعلة الـموجبة صحة ما اخترنا من القراءة فـيه، فكرهنا إعادة ذلك فـي هذا الـموضع، إذ كان الذي قصدنا له فـي كتابنا هذا البـيانَ عن وجوه تأويـل آي القرآن دون وجوه قراءتها.

ولا خلاف بـين جميع أهل الـمعرفة بلغات العرب، أن الـمَلِكَ من «الـمُلْك» مشتقّ، وأن الـمالك من «الـمِلْك» مأخوذ. فتأويـل قراءة من قرأ ذلك: { مَالِكِ يَوْمِ الدِّين } أن لله الـملك يوم الدين خالصا دون جميع خـلقه الذين كانوا قبل ذلك فـي الدنـيا ملوكاً جبـابرة ينازعونه الـمُلْك ويدافعونه الانفراد بـالكبرياء والعظمة والسلطان والـجبرية. فأيقنوا بلقاء الله يوم الدين أنهم الصَّغَرة الأذلة، وأن له دونهم ودون غيرهم الـمُلْك والكبرياء والعزّة والبهاء، كما قال جل ذكره وتقدست أسماؤه فـي تنزيـله:
{ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَىظ° عَلَى ظ±للَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ ظ±لْمُلْكُ ظ±لْيَوْمَ لِلَّهِ ظ±لْوَاحِدِ ظ±لْقَهَّارِ }
[غافر: 16] فأخبر تعالـى أنه الـمنفرد يومئذٍ بـالـمُلْك دون ملوك الدنـيا الذين صاروا يوم الدين من ملكهم إلـى ذلة وصَغَار، ومن دنـياهم فـي الـمعاد إلـى خسار.

وأما تأويـل قراءة من قرأ: { مالكِ يَوْمِ الدِّينِ } ، فما:

حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عبـاس: { مالكِ يَوْمِ الدِّينِ } يقول: لا يـملك أحد فـي ذلك الـيوم معه حكماً كملكهم فـي الدنـيا. ثم قال:
{ لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ظ±لرَّحْمَـظ°نُ وَقَالَ صَوَاباً }
[النبأ: 38] وقال:
{ وَخَشَعَتِ ظ±لأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـظ°نِ }
[طه: 108] وقال:
{ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ظ±رْتَضَىظ° }
[الأنبياء: 28] قال أبو جعفر: وأولـى التأويـلـين بـالآية وأصحّ القراءتـين فـي التلاوة عندي التأويـل الأول وهي قراءة من قرأ «مَلِك» بـمعنى «الـمُلْك» لأن فـي الإقرار له بـالانفراد بـالـملك إيجابـاً لانفراده بـالـملك وفضيـلة زيادة الـملك علـى الـمالك، إذ كان معلوماً أن لا ملِك إلا وهو مالك، وقد يكون الـمالك لا مَلِكاً.

وبعد: فإن الله جل ذكره قد أخبر عبـاده فـي الآية التـي قبل قوله: { مَـظ°لِكِ يَوْمِ ظ±لدِّينِ } أنه مالك جميع العالـمين وسيدهم، ومصلـحهم والناظر لهم، والرحيـم بهم فـي الدنـيا والآخرة بقوله: { ظ±لْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ ظ±لرَّحْمَـظ°نِ ظ±لرَّحِيمِ }.

فإذا كان جل ذكره قد أنبأهم عن مُلْكهِ إياهم كذلك بقوله: { رَبِّ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ } فأولـى الصفـات من صفـاته جل ذكره، أن يتبع ذلك ما لـم يحوه قوله: { رَبِّ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ ظ±لرَّحْمـظ°نِ ظ±لرَّحِيمِ } مع قرب ما بـين الآيتـين من الـمواصلة والـمـجاورة، إذ كانت حكمته الـحكمة التـي لا تشبهها حكمة.

وكان فـي إعادة وصفه جل ذكره بأنه مالك يوم الدين، إعادة ما قد مضى من وصفه به فـي قوله: { رَبِّ العَالَـمِينَ } مع تقارب الآيتـين وتـجاور الصفتـين. وكان فـي إعادة ذلك تكرار ألفـاظ مختلفة بـمعانٍ متفقة، لا تفـيد سامع ما كرّر منه فـائدة به إلـيها حاجة. والذي لـم يحوه من صفـاته جل ذكره ما قبل قوله: { مَـظ°لِكِ يَوْمِ ظ±لدِّينِ } الـمعنى الذي فـي قوله: «ملك يوم الدين»، وهو وصفه بأنه الـمَلِك. فبـينٌ إذاً أن أولـى القراءتـين بـالصواب وأحق التأويـلـين بـالكتاب: قراءة من قرأه: «ملك يوم الدين»، بـمعنى إخلاص الـملك له يوم الدين، دون قراءة من قرأ: مالك يوم الدين بـمعنى: أنه يـملك الـحكم بـينهم وفصل القضاء متفرّداً به دون سائر خـلقه.

فإن ظنّ ظانّ أن قوله: { رَبِّ العَالَـمِينَ } نبأ عن ملكه إياهم فـي الدنـيا دون الآخرة يوجب وصله بـالنبأ عن نفسه أنه قد ملكهم فـي الآخرة علـى نـحو مِلْكه إياهم فـي الدنـيا بقوله: { مالك يوم الدين } ، فقد أغفل وظن خطأ وذلك أنه لو جاز لظانّ أن يظنّ أن قوله: { رَبِّ ظ±لْعَـظ°لَمِينَ } مـحصور معناه علـى الـخبر عن ربوبـية عالـم الدنـيا دون عالـم الآخرة مع عدم الدلالة علـى أن معنى ذلك كذلك فـي ظاهر التنزيـل، أو فـي خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم به منقول، أو بحجة موجودة فـي الـمعقول، لـجاز لآخر أن يظن أن ذلك مـحصور علـى عالـم الزمان الذي فـيه نزل قوله: رب العالـمين دون سائر ما يحدث بعده فـي الأزمنة الـحادثة من العالـمين، إذ كان صحيحاً بـما قد قدمنا من البـيان أن عالـم كل زمان غير عالـم الزمان الذي بعده. فإن غَبِـيَ عن علـم صحة ذلك بـما قد قدمنا ذو غبـاء، فإن فـي قول الله جل ثناؤه:
{ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا بَنِى إِسْرظ°ءيلَ ظ±لْكِتَـظ°بَ وَظ±لْحُكْمَ وَظ±لنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَـظ°هُمْ مّنَ ظ±لطَّيّبَـظ°تِ وَفَضَّلْنَـظ°هُمْ عَلَى ظ±لْعَـظ°لَمينَ }
[الجاثية: 16] دلالة واضحة علـى أن عالَـم كل زمان غير عالـم الزمان الذي كان قبله وعالَـم الزمان الذي بعده. إذ كان الله جل ثناؤه قد فضل أمة نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم علـى سائر الأمـم الـخالـية، وأخبرهم بذلك فـي قوله:
{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ }
[آل عمران: 110] الآية. فمعلوم بذلك أن بنـي إسرائيـل فـي عصر نبـينا، لـم يكونوا مع تكذيبهم به صلى الله عليه وسلم أفضل العالـمين، بل كان أفضل العالـمين فـي ذلك العصر وبعده إلـى قـيام الساعة، الـمؤمنون به الـمتبعون منهاجه، دونَ منْ سواهم من الأمـم الـمكذّبة الضالَّة عن منهاجه. فإذ كان بـينا فساد تأويـل متأوّل لو تأوّل قوله: رب العالـمين أنه معنـيّ به: أن الله ربُّ عالـميْ زمن نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم دون عالـمي سائر الأزمنة غيره، كان واضحاً فساد قول من زعم أن تأويـله: رب عالـم الدنـيا دون عالـم الآخرة، وأن مالك يوم الدين استـحق الوصل به لـيُعلـم أنه فـي الآخرة من ملكهم وربوبـيتهم بـمثل الذي كان علـيه فـي الدنـيا.

اسامة محمد خيري
03-12-2016, 12:36
فـالواجب إذا أن يكون الصحيح من القراءة: { وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم } دون: «وما يخادعون»، لأن لفظ الـمخادع غير موجب تثبـيت خديعة علـى صحة، ولفظ خادع موجب تثبـيت خديعة علـى صحة. ولا شك أن الـمنافق قد أوجب خديعة الله عز وجل لنفسه بـما ركب من خداعه ربه ورسوله والـمؤمنـين بنفـاقه، فلذلك وجبت الصحة لقراءة من قرأ: { وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم }.

ومن الدلالة أيضا علـى أن قراءة من قرأ: { وما يَخْدَعُونَ } أولـى بـالصحة من قراءة من قرأ: «وما يخادعون» أن الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم يخادعون الله والـمؤمنـين فـي أول الآية، فمـحال أن ينفـي عنهم ما قد أثبت أنهم قد فعلوه، لأن ذلك تضادّ فـي الـمعنى، وذلك غير جائز من الله جل وعز

اسامة محمد خيري
03-12-2016, 12:44
اختلف أهل التأويـل فـي الذينَ عنَى الله بقوله: { وَقَدْ كان فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَـمُونَ }. فقال بعضهم بـما:

حدثنـي به مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: { أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَـمُونَ } فـالذين يحرّفونه والذين يكتـمونه: هم العلـماء منهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن أبـي نـجيح، عن مـجاهد بنـحوه.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: { أَفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرّفونَهُ منْ بَعْدِ ما عَقَلُوه } قال: هي التوراة حرّفوها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ } قال: التوراة التـي أنزلها علـيهم يحرّفونها، يجعلون الـحلال فـيها حراماً والـحرام فـيها حلالاً، والـحقّ فـيها بـاطلاً والبـاطل فـيها حقاً، إذا جاءهم الـمـحقّ برشوة أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم الـمبطل برشوة أخرجوا له ذلك الكتاب فهو فـيه مـحقّ، وإن جاء أحد يسألهم شيئا لـيس فـيه حقّ ولا رشوة ولا شيء أمروه بـالـحقّ، فقال لهم:

أَتَأْمُرُونَ ظ±لنَّاسَ بِظ±لْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ظ±لْكِتَظ°بَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }
[البقرة: 44]. وقال آخرون فـي ذلك بـما:

حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: أخبرنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله: { وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرّفُونَه مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَـمُونَ } فكانوا يسمعون من ذلك كما يسمع أهل النبوّة، ثم يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلـمون.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق فـي قوله: { وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ } الآية، قال: لـيس قوله: { يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ } يسمعون التوراة، كلهم قد سمعها ولكنهم الذين سألوا موسى رؤية ربهم، فأخذتهم الصاعقة فـيها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، قال: بلغنـي عن بعض أهل العلـم أنهم قالوا لـموسى: يا موسى قد حِيـلَ بـيننا وبـين رؤية الله عز وجل، فأسمعنا كلامه حين يكلـمك فطلب ذلك موسى إلـى ربه، فقال: نعم، فمرهم فلـيتطهروا ولـيطهروا ثـيابهم ويصوموا ففعلوا، ثم خرج بهم حتـى أتـى الطور، فلـما غشيهم الغمام أمرهم موسى علـيه السلام، فوقعوا سجوداً، وكلـمه ربه فسمعوا كلامه يأمرهم وينهاهم، حتـى عقلوا ما سمعوا، ثم انصرف بهم إلـى بنـي إسرائيـل، فلـما جاءوهم حرف فريق منهم ما أمرهم به، وقالوا حين قال موسى لبنـي إسرائيـل: إن الله قد أمركم بكذا وكذا، قال ذلك الفريق الذين ذكرهم الله: إنـما قال كذا وكذا خلافـاً لـما قال الله عز وجل لهم. فهم الذين عنى الله لرسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم.

وأولـى التأويـلـين اللذين ذكرت بـالآية وأشبههما بـما دل علـيه ظاهر التلاوة، ما قاله الربـيع بن أنس والذي حكاه ابن إسحاق عن بعض أهل العلـم، من أن الله تعالـى ذكره إنـما عنى بذلك من سمع كلامه من بنـي إسرائيـل سماع موسى إياه منه ثم حرّف ذلك وبدّل من بعد سماعه وعلـمه به وفهمه إياه. وذلك أن الله جل ثناؤه إنـما أخبر أن التـحريف كان من فريق منهم كانوا يسمعون كلام الله عزّ وجلّ استعظاماً من الله لـما كانوا يأتون من البهتان بعد توكيد الـحجة علـيهم والبرهان، وإيذاناً منه تعالـى ذكره عبـاده الـمؤمنـين وقطع أطماعهم من إيـمان بقايا نسلهم بـما أتاهم به مـحمد من الـحقّ والنور والهدى، فقال لهم: كيف تطمعون فـي تصديق هؤلاء الـيهود إياكم وإنـما تـخبرونهم بـالذي تـخبرونهم من الإنبـاء عن الله عزّ وجلّ عن غيب لـم يشاهدوه ولـم يعاينوه؟ وقد كان بعضهم يسمع من الله كلامه، وأمره ونهيه، ثم يبدّله ويحرّفه ويجحده، فهؤلاء الذين بـين أظهركم من بقايا نسلهم أحرى أن يجحدوا ما أتـيتـموهم به من الـحقّ وهم لا يسمعونه من الله، وإنـما يسمعونه منكم وأقرب إلـى أن يحرّفوا ما فـي كتبهم من صفة نبـيكم مـحمد صلى الله عليه وسلم ونعته ويبدّلوه وهم به عالـمون فـيجحدوه ويكذّبوا من أوائلهم الذين بـاشروا كلام الله من الله جل ثناؤه ثم حرّفوه من بعد ما عقلوه وعلـموه متعمدين التـحريف.

ولو كان تأويـل الآية علـى ما قاله الذين زعموا أنه عنى بقوله: { يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ } يسمعون التوراة، لـم يكن لذكر قوله: { يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ } معنى مفهوم لأن ذلك قد سمعه الـمـحرّف منهم وغير الـمـحرّف. فخصوص الـمـحرّف منهم بأنه كان يسمع كلام الله إن كان التأويـل علـى ما قاله الذين ذكرنا قولهم دون غيرهم مـمن كان يسمع ذلك سماعهم لا معنى له.

فإن ظن ظانّ إنـما صلـح أن يقال ذلك لقوله: { يُحَرِّفُونَهُ } فقد أغفل وجه الصواب فـي ذلك. وذلك أن ذلك لو كان كذلك لقـيـل: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يحرّفون كلام الله من بعد ما عقلوه وهم يعلـمون ولكنه جل ثناؤه أخبر عن خاص من الـيهود كانوا أعطوا من مبـاشرتهم سماع كلام الله تعالـى ما لـم يعطه أحد غير الأنبـياء والرسل، ثم بدلوا وحرّفوا ما سمعوا من ذلك، فلذلك وصفهم بـما وصفهم به للـخصوص الذي كان خصّ به هؤلاء الفريق الذي ذكرهم فـي كتابه تعالـى ذكره.

ملحوظة

اقول انا اسامة خيري هذه من عجائب ترجيحات الامام الطبري وهى جديرة بالتأمل

قال ابن كثير

وقال السدي: { وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَـظ°مَ ظ±للَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ } قال: هي التوراة حرفوها، وهذا الذي ذكره السدي أعم مما ذكره ابن عباس وابن إسحاق،

وإن كان قد اختاره ابن جرير لظاهر السياق، فإنه ليس يلزم من سماع كلام الله أن يكون منه كما سمعه الكليم موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، وقد قال الله تعالى:
{ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ظ±لْمُشْرِكِينَ ظ±سْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىظ° يَسْمَعَ كَلاَمَ ظ±للَّهِ }
[التوبة: 6] أي: مبلغاً إليه، ولهذا قال قتادة في قوله: { ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } قال: هم اليهود، كانوا يسمعون كلام الله، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ووعوه، وقال مجاهد: الذين يحرفونه والذين يكتمونه هم العلماء منهم

اسامة محمد خيري
03-12-2016, 13:24
حدثت عن الـمنـجاب، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس فـي قوله: { وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلُفٌ } قال: مـملوءة علـماً لا تـحتاج إلـى مـحمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره.

والقراءة التـي لا يجوز غيرها فـي قوله: { قُلُوبُنَا غُلْفٌ } هي قراءة من قرأ «غُلْف» بتسكين اللام بـمعنى أنها فـي أغشية وأغطية لاجتـماع الـحجة من القراء وأهل التأويـل علـى صحتها، وشذوذ من شذّ عنهم بـما خالفه من قراءة ذلك بضم اللام. وقد دللنا علـى أن ما جاءت به الـحجة متفقة علـيه حجة علـى من بلغه، وما جاء به الـمنفرد فغير جائز الاعتراض به علـى ما جاءت به الـجماعة التـي تقوم بها الـحجة نقلاً وقولاً وعملاً فـي غير هذا الـموضع، فأغنى ذلك عن إعادته فـي هذا الـمكان.

اسامة محمد خيري
03-12-2016, 13:27
حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: { وَأيّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ } قال: أيد عيسى بجبريـل وهو روح القدس.

وقال ابن حميد: حدثنا سلـمة عن إسحاق، قال: حدثنـي عبد الله بن عبد الرحمن بن أبـي الـحسين الـمكي، عن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفرا من الـيهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أخبرنا عن الروح قال: " أَنْشُدُكُمْ بِـاللَّهِ وَبأيَّامِهِ عِنْدَ بَنِـي إِسْرَائِيـلَ هَلْ تَعْلَـمُونَ أنّهُ جِبْرِيـلُ، وَهُوَ يأتـينـي؟ " قالوا: نعم.

وقال آخرون: الروح الذي أيد الله به عيسى هو الإنـجيـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { وأيّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ } قال: أيد الله عيسى بـالإنـجيـل روحاً كما جعل القرآن روحاً كلاهما روح الله، كما قال الله:
{ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا }
[الشورى: 52].

وقال آخرون: هو الاسم الذي كان عيسى يحيـي به الـموتـى. ذكر من قال ذلك:

حدثت عن الـمنـجاب، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: { وأيّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ } قال: هو الاسم الذي كان يحيـي عيسى به الـموتـى.

وأولـى التأويلات فـي ذلك بـالصواب قول من قال: الروح فـي هذا الـموضع جبريـل لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه أيد عيسى به، كما أخبر فـي قوله:
{ إِذْ قَالَ ظ±للَّهُ يظ°عِيسَى ظ±بْنَ مَرْيَمَ ظ±ذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىظ° وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ظ±لْقُدُسِ تُكَلِّمُ ظ±لنَّاسَ فِي ظ±لْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ظ±لْكِتَابَ وَظ±لْحِكْمَةَ وَظ±لتَّوْرَاةَ وَظ±لإِنْجِيلَ }
[المائدة: 110]. فلو كان الروح الذي أيده الله به هو الإنـجيـل لكان قوله: «إذ أيدتك بروح القدس وإذ علـمتك الكتاب والـحكمة والتوراة والإنـجيـل» تكرير قول لا معنى له. وذلك أنه علـى تأويـل قول من قال: معنى:
{ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ظ±لْقُدُسِ }
[المائدة: 110] إنـما هو: إذْ أيدتك بـالإنـجيـل، وإذْ علـمتك الإنـجيـل وهو لا يكون به مؤيداً إلا وهو معلـمه. فذلك تكرير كلام واحد من غير زيادة معنى فـي أحدهما علـى الآخر، وذلك خُـلْفٌ من الكلام، والله تعالـى ذكره يتعالـى عن أن يخاطب عبـاده بـما لا يفـيدهم به فـائدة.

وإذا كان ذلك كذلك فبـيّنٌ فساد قول من زعم أن الروح فـي هذا الموضع الإنـجيـل، وإن كان جميع كتب الله التـي أوحاها إلـى رسله روحاً منه لأنها تـحيا بها القلوب الـميتة، وتنتعش بها النفوس الـمولـيّة، وتهتدي بها الأحلام الضالة.

اسامة محمد خيري
03-12-2016, 13:30
فإن كان كذلك فـالذي هو أولـى عندي بتأويـل الآية قول من قال: معنى ذلك: { أتُـحَدّثُونَهُمْ بِـمَا فَتَـحَ اللَّهُ عَلَـيْكُمْ } من بعث مـحمد صلى الله عليه وسلم إلـى خـلقه لأن الله جل ثناؤه إنـما قصّ فـي أول هذه الآية الـخبر عن قولهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه: آمنا بـما جاء به مـحمد صلى الله عليه وسلم فـالذي هو أولـى بآخرها أن يكون نظير الـخبر عما ابتدىء به أولها. وإذا كان ذلك كذلك، فـالواجب أن يكون تلاومهم كان فـيـما بـينهم فـيـما كانوا أظهروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه من قولهم لهم: آمنا بـمـحمد صلى الله عليه وسلم وبـما جاء به، وكان قـيـلهم ذلك من أجل أنهم يجدون ذلك فـي كتبهم وكانوا يخبرون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فكان تلاومهم فـيـما بـينهم إذا خـلوا علـى ما كانوا يخبرونهم بـما هو حجة للـمسلـمين علـيهم عند ربهم. وذلك أنهم كانوا يخبرونهم عن وجود نعت مـحمد صلى الله عليه وسلم فـي كتبهم ويكفرون به، وكان فتـح الله الذي فتـحه للـمسلـمين علـى الـيهود وحكمه علـيهم لهم فـي كتابهم أن يؤمنوا بـمـحمد صلى الله عليه وسلم إذا بعث، فلـما بعث كفروا به مع علـمهم بنبوتّه.

اسامة محمد خيري
03-12-2016, 13:37
حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: { مُسَلّـمَةٌ } يعنـي مسلـمة من العيوب.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بـمثله.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: قال ابن عبـاس قوله: { مُسَلّـمَةٌ } لا عَوَار فـيها.

والذي قاله ابن عبـاس وأبو العالـية ومن قال بـمثل قولهما فـي تأويـل ذلك أولـى بتأويـل الآية مـما قاله مـجاهد لأن سلامتها لو كانت من سائر أنواع الألوان سوى لون جلدها، لكان فـي قوله: { مُسَلّـمَة } مكتفًـى عن قوله: { لاشِيَةَ فِـيها }. وفـي قوله: { لاشِيَةَ فِـيها } ما يوضح عن أن معنى قوله: { مُسَلّـمَة } غير معنى قوله: { لاشِيَةَ فِـيها }. وإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام أنه يقول: إنها بقرة لـم تذللها إثارة الأرض وقلبها للـحراثة ولا السُّنُوُّ علـيها للـمزارع، وهي مع ذلك صحيحة مسلـمة من العيوب.....

.....

حدثت عن الـمنـجاب، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: { فَذَبحُوهَا وَما كَادُوا يَفْعَلُونَ } يقول: كادوا لا يفعلون. ولـم يكن الذي أرادوا لأنهم أرادوا أن لا يذبحوها، وكل شيء فـي القرآن «كاد» أو «كادوا» أو «لو» فإنه لا يكون، وهو مثل قوله: أكادُ أُخْفِـيها.

وقال آخرون: لـم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف الفضيحة إن أطلع الله علـى قاتل القتـيـل الذي اختصموا فـيه إلـى موسى.

والصواب من التأويـل عندنا، أن القوم لـم يكادوا يفعلون ما أمرهم الله به من ذبح البقرة للـخـلّتـين كلتـيهما إحداهما غلاء ثمنها مع ذكر ما لنا من صغر خطرها وقلة قـيـمتها. والأخرى خوف عظيـم الفضيحة علـى أنفسهم بإظهار الله نبـيه موسى صلوات الله علـيه وأتبـاعه علـى قاتله....

اسامة محمد خيري
03-12-2016, 13:53
ومن حجة من قال: إن الله جل ثناؤه إنـما عنى بقوله: { ظ±هْبِطُواْ مِصْراً } مصرا من الأمصار دون مصر فرعون بعينها، أن الله جعل أرض الشام لبنـي إسرائيـل مساكن بعد أن أخرجهم من مصر، وإنـما ابتلاهم بـالتـيه بـامتناعهم علـى موسى فـي حرب الـجبـابرة إذ قال لهم:
{ يَظ°قَوْمِ ظ±دْخُلُوا ظ±لأَرْضَ ظ±لمُقَدَّسَةَ ظ±لَّتِي كَتَبَ ظ±للَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىظ° أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَظ°سِرِينَ }
[المائدة: 21] إلـى قوله:
{ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَظ±ذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاغ¤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ }
[المائدة: 24] فحرّم الله جل وعز علـى قائلي ذلك فـيـما ذكر لنا دخولها حتـى هلكوا فـي التـيه وابتلاهم بـالتـيهان فـي الأرض أربعين سنة، ثم أهبط ذرّيتهم الشام، فأسكنهم الأرض الـمقدسة، وجعل هلاك الـجبـابرة علـى أيديهم مع يوشع بن نون بعد وفـاة موسى بن عمران....


وأما الذين قالوا: إن الله إنـما عنى بقوله جل وعز: { ظ±هْبِطُواْ مِصْراً } مِصْرَ، فإن من حجتهم التـي احتـجوا بها الآية التـي قال فـيها:
{ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيغ¤ إِسْرَائِيلَ }
[الشعراء: 57-59] وقوله:
{ كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ }
[الدخان: 25-28] قالوا: فأخبر الله جل ثناؤه أنه قد ورّثهم ذلك وجعلها لهم، فلـم يكونوا يرثونها ثم لا ينتفعون بها. قالوا: ولا يكونون منتفعين بها إلا بـمصير بعضهم إلـيها، وإلا فلا وجه للانتفـاع بها إن لـم يصيروا أو يصر بعضهم إلـيها. قالوا: وأخرى أنها فـي قراءة أبـيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود: «اهْبِطُوا مِصْرَ» بغير ألف، قالوا: ففـي ذلك الدلالة البـينة أنها مصر بعينها.

والذي نقول به فـي ذلك أنه لا دلالة فـي كتاب الله علـى الصواب من هذين التأويـلـين، ولا خبر به عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقطع مـجيئه العذر، وأهل التأويـل متنازعون تأويـله.

فأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب أن يقال: إن موسى سأل ربه أن يعطي قومه ما سألوه من نبـات الأرض علـى ما بـينه الله جل وعز فـي كتابه وهم فـي الأرض تائهون، فـاستـجاب الله لـموسى دعاءه، وأمره أن يهبط بـمن معه من قومه قراراً من الأرض التـي تنبت لهم ما سأل لهم من ذلك، إذ كان الذي سألوه لا تنبته إلا القرى والأمصار وأنه قد أعطاهم ذلك إذ صاروا إلـيه، وجائز أن يكون ذلك القرار مصر، وجائز أن يكون الشأم. فأما القراءة فإنها بـالألف والتنوين: { ظ±هْبِطُواْ مِصْراً } وهي القرائة التـي لا يجوز عندي غيرها لاجتـماع خطوط مصاحف الـمسلـمين، واتفـاق قراءة القراء علـى ذلك. ولـم يقرأ بترك التنوين فـيه وإسقاط الألف منه إلا من لا يجوز الإعتراض به علـى الـحجة فـيـما جاءت به من القراءة مستفـيضاً بـينها.

اسامة محمد خيري
03-12-2016, 14:11
قال أبو جعفر: وأولـى هذه التأويلات بقول الله جل ثناؤه مخبراً عن ملائكته قـيـلها له: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ظ±لدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } تأويـل من قال: إن ذلك منها استـخبـار لربها بـمعنى: أعلـمنا يا ربنا، أجاعل أنت فـي الأرض من هذه صفته وتارك أن تـجعل خـلفـاءك منا، ونـحن نسبح بحمدك، ونقدّس لك؟ لا إنكارٌ منها لـما أعلـمها ربها أنه فـاعل، وإن كانت قد استعظمت لـما أخبرت بذلك أن يكون لله خـلق يعصيه.

وأما دعوى من زعم أن الله جل ثناؤه كان أذن لها بـالسؤال عن ذلك فسألته علـى وجه التعجب، فدعوى لا دلالة علـيها فـي ظاهر التنزيـل ولا خبر بها من الـحجة يقطع العذر، وغير جائز أن يقال فـي تأويـل كتاب الله بـما لا دلالة علـيه من بعض الوجوه التـي تقوم بها الـحجة.

وأما وصف الـملائكة من وصفت فـي استـخبـارها ربها عنه بـالفساد فـي الأرض وسفك الدماء، فغير مستـحيـل فـيه ما رُوي عن ابن عبـاس وابن مسعود من القول الذي رواه السدّي ووافقهما علـيه قتادة من التأويـل. وهو أن الله جل ثناؤه أخبرهم أنه جاعل فـي الأرض خـلـيفة تكون له ذرية يفعلون كذا وكذا، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } علـى ما وصفت من الاستـخبـار.

فإن قال لنا قائل: وما وجه استـخبـارها والأمر علـى ما وصفت من أنها قد أخبرت أن ذلك كائن؟ قـيـل: وجه استـخبـارها حينئذٍ يكون عن حالهم عند وقوع ذلك، وهل ذلك منهم؟ ومسألتهم ربهم أن يجعلهم الـخـلفـاء فـي الأرض حتـى لا يعصوه.

وغير فـاسد أيضاً ما رواه الضحاك عن ابن عبـاس وتابعه علـيه الربـيع بن أنس من أن الـملائكة قالت ذلك لـما كان عندها من علـم سكان الأرض قبل آدم من الـجن، فقالت لربها: أجاعل فـيها أنت مثلهم من الـخـلق يفعلون مثل الذي كانوا يفعلون؟ علـى وجه الاستعلام منهم لربهم، لا علـى وجه الإيجاب أن ذلك كائن كذلك، فـيكون ذلك منها إخبـاراً عما لـم تطلع علـيه من علـم الغيب.....

فإن قال قائل: فإن كان أولـى التأويلات بـالآية هو ما ذكرتَ من أن الله أخبر الـملائكة بأن ذرية خـلـيفته فـي الأرض يفسدون فـيها ويسفكون فـيها الدماء، فمن أجل ذلك قالت الـملائكة: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } فأين ذكر إخبـار الله إياهم فـي كتابه بذلك؟ قـيـل له: اكتفـي بدلالة ما قد ظهر من الكلام علـيه عنه، كما قال الشاعر:
فَلاَ تَدْفِنُونِـي إنَّ دَفْنِـي مُـحَرَّمٌ عَلَـيْكُمْ وَلَكِنْ خامِرِي أُمَّ عامِرِ
فحذف قوله دعونـي للتـي يقال لها عند صيدها خامري أم عامر، إذ كان فـيها أظهر من كلامه دلالة علـى معنى مراده. فكذلك ذلك فـي قوله: { قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } لـما كان فـيه دلالة علـى ما ترك ذكره بعد قوله: { إنّـي جاعِلٌ فِـي الأرْضِ خَـلِـيفَةً } من الـخبر عما يكون من إفساد ذريته فـي الأرض اكتفـى بدلالته وحذف، فترك ذكره كما ذكرنا من قول الشاعر. ونظائر ذلك فـي القرآن وأشعار العرب وكلامها أكثر من أن يحصى. فلـما ذكرنا من ذلك اخترنا ما اخترنا من القول فـي تأويـل قوله: { قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ظ±لدِّمَآءَ }.

اسامة محمد خيري
03-12-2016, 14:17
وأولـى هذه الأقوال بـالصواب وأشبهها بـما دلّ علـى صحته ظاهر التلاوة قول من قال فـي قوله: { وَعَلَّمَ ءَادَمَ ظ±لأَسْمَآءَ كُلَّهَا } إنها أسماء ذرّيته وأسماء الـملائكة، دون أسماء سائر أجناس الـخـلق. وذلك أن الله جل ثناؤه قال: { ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ظ±لْمَلَظ°ئِكَةِ } يعنـي بذلك أعيان الـمسمين بـالأسماء التـي علـمها آدم، ولا تكاد العرب تكنـي بـالهاء والـميـم إلا عن أسماء بنـي آدم والـملائكة وأما إذا كانت عن أسماء البهائم وسائر الـخـلق، سوى من وصفنا، فإنها تكنـي عنها بـالهاء والألف، أو بـالهاء والنون، فقالت: عرضهن، أو عرضها. وكذلك تفعل إذا كنت عن أصناف من الـخـلق، كالبهائم والطير وسائر أصناف الأمـم، وفـيها أسماء بنـي آدم والـملائكة، فإنها تكنـي عنها بـما وصفنا من الهاء والنون، أو الهاء والألف. وربـما كنت عنها إذ كان كذلك بـالهاء والـميـم، كما قال جل ثناؤه:
{ وَظ±للَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىظ° بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىظ° رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىظ° أَرْبَعٍ }
[النور: 45] فكنـي عنها بـالهاء والـميـم، وهي أصناف مختلفة فـيها الآدميّ وغيره. وذلك وإن كان جائزاً فإن الغالب الـمستفـيض فـي كلام العرب ما وصفنا من إخراجهم كناية أسماء أجناس الأمـم إذا اختلطت بـالهاء والألف، أو الهاء والنون. فلذلك قلت: أولـى بتأويـل الآية أن تكون الأسماء التـي علـمها آدم أسماء أعيان بنـي آدم وأسماء الـملائكة....

وحدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: { إِن كُنْتُمْ صَظ°دِقِينَ } أن بنـي آدم يفسدون فـي الأرض ويسفكون الدماء.

وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنا حجاج، عن جرير بن حازم، ومبـارك عن الـحسن وأبـي بكر، عن الـحسن وقتادة قالا: { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـظ°ؤُلاغ¤ءِ إِن كُنْتُمْ صَظ°دِقِينَ } أنـي لـم أخـلق خـلقاً إلا كنتـم أعلـم منه، فأخبرونـي بأسماء هؤلاء إن كنتـم صادقـين.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية تأويـل ابن عبـاس ومن قال بقوله.

ومعنى ذلك فقال: أنبئونـي بأسماء من عرضته علـيكم أيتها الـملائكة القائلون:
{ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ظ±لدِّمَآءَ }
[البقرة: 30] من غيرنا، أم منّا؟ فنـحن نسبح بحمدك ونقدس لك إن كنتـم صادقـين فـي قـيـلكم أنـي إن جعلت خـلـيفتـي فـي الأرض من غيركم عصانـي ذريته، وأفسدوا فـيها، وسفكوا الدماء، وإن جعلتـكم فـيها أطعتـمونـي، واتبعتـم أمري بـالتعظيـم لـي والتقديس. فإنكم إن كنتـم لا تعلـمون أسماء هؤلاء الذين عرضتهم علـيكم من خـلقـي وهم مخـلوقون موجودون ترونهم وتعاينونهم، وعلـمه غيركم بتعلـيـمي إياه، فأنتـم بـما هو غير موجود من الأمور الكائنة التـي لـم توجد بعد، وبـما هو مستتر من الأمور التـي هي موجودة عن أعينكم أحرى أن تكونوا غير عالـمين، فلا تسألونـي ما لـيس لكم به علـم، فإنـي أعلـم بـما يصلـحكم ويصلـح خـلقـي....

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية ما قاله ابن عبـاس، وهو أن معنى قوله: { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ } وأعلـم مع علـمي غيب السموات والأرض ما تظهرون بألسنتكم { وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } وما كنتـم تـخفونه فـي أنفسكم، فلا يخفـى علـيّ شيء سواء عندي سرائركم وعلانـيتكم. والذي أظهروه بألسنتهم ما أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوه، وهو قولهم:

{ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ظ±لدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ }
[البقرة: 30] والذي كانوا يكتـمونه ما كان منطوياً علـيه إبلـيس من الـخلاف علـى الله فـي أمره والتكبر عن طاعته لأنه لا خلاف بـين جميع أهل التأويـل أن تأويـل ذلك غير خارج من أحد الوجهين اللذين وصفت، وهو ما قلنا. والآخر ما ذكرنا من قول الـحسن وقتادة.

ومن قال: إن معنى ذلك كتـمان الـملائكة بـينهم لن يخـلق الله خـلقاً إلا كنا أكرم علـيه منه فإذْ كان لا قول فـي تأويـل ذلك إلا أحد القولـين اللذين وصفت ثم كان أحدهما غير موجودة علـى صحته الدلالة من الوجه الذي يجب التسلـيـم له صحّ الوجه الآخر.

فـالذي حكي عن الـحسن وقتادة ومن قال بقولهما فـي تأويـل ذلك غير موجودة الدلالة علـى صحته من الكتاب ولا من خبر يجب به حجة. والذي قاله ابن عبـاس يدلّ علـى صحته خبر الله جل ثناؤه عن إبلـيس وعصيانه إياه إذ دعاه إلـى السجود لآدم، فأبـى واستكبر، وإظهاره لسائر الـملائكة من معصيته وكبره ما كان له كاتـماً قبل ذلك.

اسامة محمد خيري
03-12-2016, 14:22
وأولـى القراءتـين بـالصواب قراءة من قرأ: { فَأَزَلَّهُمَا } لأن الله جل ثناؤه قد أخبر فـي الـحرف الذي يتلوه بأن إبلـيس أخرجهما مـما كانا فـيه، وذلك هو معنى قوله فأزالهما، فلا وجه إذ كان معنى الإزالة معنى التنـحية والإخراج أن يقال: «فأزالهما الشيطان عنها فأخرجهما مـما كانا فـيه»، فـيكون كقوله: «فأزالهما الشيطان عنها فأزالهما مـما كانا فـيه»، ولكن الـمعنى الـمفهوم أن يقال: فـاستزلهما إبلـيس عن طاعة الله، كما قال جل ثناؤه: { فَأَزَلَّهُمَا ظ±لشَّيْطَانُ } وقرأت به القراء، فأخرجهما بـاستزلاله إياهما من الـجنة.....

قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وما كانت عداوة ما بـين آدم وزوجته، وإبلـيس، والـحية؟ قـيـل: أما عداوة إبلـيس آدم وذرّيته، فحسده إياه، واستكبـاره عن طاعة الله فـي السجود له حين قال لربه:
{ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }
[الأعراف: 12] وأما عداوة آدم وذرّيته إبلـيس، فعداوة الـمؤمنـين إياه لكفره بـالله وعصيانه لربه فـي تكبره علـيه ومخالفته أمره وذلك من آدم ومؤمنـي ذرّيته إيـمان بـالله. وأما عداوة إبلـيس آدم، فكفر بـالله. وأما عداوة ما بـين آدم وذرّيته، والـحية، فقد ذكرنا ما رُوي فـي ذلك عن ابن عبـاس ووهب بن منبه، وذلك هي العداوة التـي بـيننا وبـينها، كما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما سالَـمْنَاهُن مُنْذُ حارَبْناهُن فَمَنْ تَرَكَهُنَّ خَشْيَةَ ثَأْرِهِن فَلَـيْسَ مِنَّا

اسامة محمد خيري
03-12-2016, 14:27
والذي يدلّ علـيه كتاب الله أن الكلـمات التـي تلقاهن آدم من ربه هنّ الكلـمات التـي أخبر الله عنه أنه قالها متنصلاً بقـيـلها إلـى ربه معترفـاً بذنبه، وهو قوله:
{ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ظ±لْخَاسِرِينَ }
[الأعراف: 23] ولـيس ما قاله من خالف قولنا هذا من الأقوال التـي حكيناها بـمدفوع قوله، ولكنه قول لا شاهد علـيه من حجة يجب التسلـيـم لها فـيجوز لنا إضافته إلـى آدم، وأنه مـما تلقاه من ربه عند إنابته إلـيه من ذنبه.

اسامة محمد خيري
03-12-2016, 14:32
وأولـى الـمعانـي بقول الله جل ثناؤه: { ثُمَّ ظ±سْتَوَىظ° إِلَى ظ±لسَّمَآءِ فَسَوَّظ°هُنَّ } علا علـيهنّ وارتفع فدبرهن بقدرته وخـلقهنّ سبع سموات.

والعجب مـمن أنكر الـمعنى الـمفهوم من كلام العرب فـي تأويـل قول الله: { ثُمَّ ظ±سْتَوَىظ° إِلَى ظ±لسَّمَآءِ } الذي هو بـمعنى العلوّ والارتفـاع هربـاً عند نفسه من أن يـلزمه بزعمه إذا تأوله بـمعناه الـمفوهم كذلك أن يكون إنـما علا وارتفع بعد أن كان تـحتها، إلـى أن تأوله بـالـمـجهول من تأويـله الـمستنكر، ثم لـم ينـج مـما هرب منه. فـيقال له: زعمت أن تأويـل قوله: { ظ±سْتَوَىظ° } أقْبَلَ، أفكان مدبراً عن السماء فأقبل إلـيها؟ فإن زعم أن ذلك لـيس بإقبـال فعل ولكنه إقبـال تدبـير، قـيـل له: فكذلك فقل: علا علـيها علوّ ملك وسلطان لا علوّ انتقال وزوال. ثم لن يقول فـي شيء من ذلك قولاً إلا ألزم فـي الآخر مثله، ولولا أنا كرهنا إطالة الكتاب بـما لـيس من جنسه لأنبأنا عن فساد قول كل قائل قال فـي ذلك قولاً لقول أهل الـحقّ فـيه مخالفـاً، وفـيـما بـينا منه ما يشرف بذي الفهم علـى ما فـيه له الكفـاية إنه شاء الله تعالـى.

قال أبو جعفر: وإن قال لنا قائل: أخبرنا عن استواء الله جل ثناؤه إلـى السماء، كان قبل خـلق السماء أم بعده؟ قـيـل: بعده، وقبل أن يسوّيهنّ سبع سموات، كما قال جل ثناؤه:

{ ثُمَّ ظ±سْتَوَىظ° إِلَى ظ±لسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ظ±ئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً }
[فصلت: 11] والاستواء كان بعد أن خـلقها دخاناً، وقبل أن يسوّيها سبع سموات.

وقال بعضهم: إنـما قال استوى إلـى السماء ولا سماء، كقول الرجل لآخر: «اعمل هذا الثوب» وإنـما معه غزلٌ. وأما قوله { فَسَوَّظ°هُنَّ } فإنه يعنـي هيأهنّ وخـلقهنّ ودبرهنّ وقوّمهنّ، والتسوية فـي كلام العرب: التقويـم والإصلاح والتوطئة، كما يقال: سوّى فلان لفلان هذا الأمر: إذا قوّمه وأصلـحه ووطأه له. فكذلك تسوية الله جل ثناؤه سمواته: تقويـمه إياهن علـى مشيئته، وتدبـيره لهن علـى إرادته، وتفتـيقهن بعد ارتاقهن كما:

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس: { فَسَوَّظ°هُنَّ سَبْعَ سَمَظ°وَظ°تٍ } يقول: سوى خـلقهن وهو بكل شيء علـيـم.

اسامة محمد خيري
03-12-2016, 14:35
وأما تأويـل قوله: { فَمَا فَوْقَهَا }: فما هو أعظم منها عندي لـما ذكرنا قبل من قول قتادة وابن جريج أن البعوضة أضعف خـلق الله، فإذا كانت أضعف خـلق الله فهي نهاية فـي القلة والضعف، وإذ كانت كذلك فلا شك أن ما فوق أضعف الأشياء لا يكون إلا أقوى منه، فقد يجب أن يكون الـمعنى علـى ما قالاه فما فوقها فـي العظم والكبر، إذ كانت البعوضة نهاية فـي الضعف والقلة.

وقـيـل فـي تأويـل قوله: { فَمَا فَوْقَهَا } فـي الصغر والقلة، ...

اسامة محمد خيري
03-12-2016, 14:43
وإنـما عنى جل ذكره بذكر الـجنة ما فـي الـجنة من أشجارها وثمارها وغروسها دون أرضها، فلذلك قال عزّ ذكره: { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ظ±لأَنْهَظ°رُ } لأنه معلوم أنه إنـما أرَادَ جل ثناؤه الـخبر عن ماء أنهارها أنه جار تـحت أشجارها وغروسها وثمارها، لا أنه جار تـحت أرضها لأن الـماء إذا كان جارياً تـحت الأرض، فلا حظّ فـيها لعيون من فوقها إلا بكشف الساتر بـينها وبـينه.

علـى أن الذي توصف به أنهار الـجنة أنها جارية فـي غير أخاديد. كما:

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا الأشجعي، عن سفـيان، عن عمرو بن مرة، عن أبـي عبـيدة، عن مسروق، قال: نـخـل الـجنة نضيد من أصلها إلـى فرعها، وثمرها أمثال القِلال، كلـما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وماؤها يجري فـي غير أخدود.

وحدثنا مـجاهد، قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا مسعر بن كدام، عن عمرو بن مرة، عن أبـي عبـيدة بنـحوه.

وحدثنا مـحمد بن بشار قال: حدثنا ابن مهدي، قال: حدثنا سفـيان، قال: سمعت عمرو بن مرة يحدث عن أبـي عبـيدة، فذكر مثله. قال: فقلت لأبـي عبـيدة: من حدثك، فغضب وقال: مسروق.

فإذ كان الأمر كذلك فـي أن أنهارها جارية فـي غير أخاديد، فلا شك أن الذي أريد بـالـجنات أشجار الـجنات وغروسها وثمارها دون أرضها، إذ كانت أنهارها تـجري فوق أرضها وتـحت غروسها وأشجارها، علـى ما ذكره مسروق. وذلك أولـى بصفة الـجنة من أن تكون أنهارها جارية تـحت أرضها......

وهذا التأويـل مذهب من تأوَّل الآية. غير أنه يدفع صحته ظاهر التلاوة. والذي يدل علـى صحته ظاهر الآية ويحقق صحته قول القائلـين إن معنى ذلك: هذا الذي رزقنا من قبل فـي الدنـيا. وذلك أن الله جل ثناؤه قال: { كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً } فأخبر جل ثناؤه أن من قـيـل أهل الـجنة كلـما رزقوا من ثمر الـجنة رزقاً أن يقولوا: هذا الذي رُزقنا من قبل. ولـم يخصص بأن ذلك من قـيـلهم فـي بعض ذلك دون بعض. فإذْ كان قد أخبر جل ذكره عنهم أن ذلك من قـيـلهم فـي كل ما رزقوا من ثمرها، فلا شك أن ذلك من قـيـلهم فـي أول رزق رزقوه من ثمارها أتوا به بعد دخولهم الـجنة واستقرارهم فـيها، الذي لـم يتقدمه عندهم من ثمارها ثمرة. فإذْ كان لا شك أن ذلك من قـيـلهم فـي أوله، كما هو من قـيـلهم فـي وسطه وما يتلوه، فمعلوم أنه مـحال أن يكون من قـيـلهم لأوّل رزق رزقوه من ثمار الـجنة: { هَـظ°ذَا ظ±لَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } هذا من ثمار الـجنة. وكيف يجوز أن يقولوا لأوّل رزق رزقوه من ثمارها ولـما يتقدمه عندهم غيره: هذا هو الذي رزقناه من قبل إلا أن ينسبهم ذو غرّة وضلال إلـى قـيـل الكذب الذي قد طهرهم الله منه، أو يدفع دافع أن يكون ذلك من قـيـلهم لأول رزق رزقوه منها من ثمارها، فـيدفع صحة ما أوجب الله صحته بقوله: { كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً } من غير نصب دلالة علـى أنه معنـيّ به حال من أحوالهم دون حال. فقد تبـين بـما بـينا أن معنى الآية: كلـما رزق الذين آمنوا وعملوا الصالـحات من ثمرة من ثمار الـجنة فـي الـجنة رزقا، قالوا: { هَـظ°ذَا ظ±لَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } هذا فـي الدنـيا.

اسامة محمد خيري
03-12-2016, 14:46
وقد قال قوم آخرون: إن معنى قوله: { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ }: من مثل مـحمد من البشر، لأنه مـحمداً بشر مثلكم.

قال أبو جعفر: والتأويـل الأوّل الذي قاله مـجاهد وقتادة هو التأويـل الصحيح لأن الله جل ثناؤه قال فـي سورة أخرى:
{ أَمْ يَقُولُونَ ظ±فْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ }
[يونس: 38] ومعلوم أن السورة لـيست لـمـحمد بنظير ولا شبـيه، فـيجوز أن يقال: فأتوا بسورة مثل مـحمد.

فإن قال قائل: إنك ذكرت أن الله عنى بقوله: { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ } من مثل هذا القرآن، فهل للقرآن من مثل فـيقال: ائتوا بسورة من مثله؟ قـيـل: إنه لـم يعن به: ائتوا بسورة من مثله فـي التألـيف والـمعانـي التـي بـاين بها سائر الكلام غيره، وإنـما عنى: ائتوا بسورة من مثله فـي البـيان لأن القرآن أنزله الله بلسان عربـي، فكلام العرب لا شكّ له مثل فـي معنى العربـية فأما فـي الـمعنى الذي بـاين به القرآن سائر كلام الـمخـلوقـين، فلا مثل له من ذلك الوجه ولا نظير ولا شبـيه. وإنـما احتـجّ الله جل ثناؤه علـيهم لنبـيه صلى الله عليه وسلم بـما احتـجّ به له علـيهم من القرآن، إذ ظهر عجز القوم عن أن يأتوا بسورة من مثله فـي البـيان، إذ كان القرآن بـياناً مثل بـيانهم، وكلاماً نزل بلسانهم، فقال لهم جل ثناؤه: وإن كنتـم فـي ريب من أنّ ما أنزلت علـى عبدي من القرآن من عندي، فأتوا بسورة من كلامكم الذي هو مثله فـي العربـية، إذْ كنتـم عربـاً، وهو بـيان نظير بـيانكم، وكلام شبـيه كلامكم. فلـم يكلفهم جل ثناؤه أن يأتوا بسورة من غير اللسان الذي هو نظير اللسان الذي نزل به القرآن، فـيقدروا أن يقولوا: كلفتنا ما لو أحسنّاه أتـينا به، وإنا لا نقدر علـى الإتـيان به، لأنا لسنا من أهل اللسان الذي كلفتنا الإتـيان به، فلـيس لك علـينا حجة بهذا لأنا وإن عجزنا عن أن نأتـي بـمثله من غير ألسنتنا لأنا لسنا بأهله، ففـي الناس خـلق كثـير من غير أهل لساننا يقدر علـى أن يأتـي بـمثله من اللسان الذي كلفتنا الإتـيان به. ولكنه جل ثناؤه قال لهم: ائتوا بسورة مثله، لأن مثله من الألسن ألسنتكم، وأنتـم إن كان مـحمد اختلقه وافتراه، إذا اجتـمعتـم وتظاهرتـم علـى الإتـيان بـمثل سورة منه من لسانكم وبـيانكم أقدر علـى اختلاقه ووضعه وتألـيفه من مـحمد صلى الله عليه وسلم، وإن لـم تكونوا أقدر علـيه منه فلن تعجزوا وأنتـم جميع عما قدر علـيه مـحمد من ذلك وهو وحده، إن كنتـم صادقـين فـي دعواكم وزعمكم أن مـحمداً افتراه واختلقه وأنه من عند غيري.

اسامة محمد خيري
03-12-2016, 14:51
وأولـى التأويلات بـالآية ما قاله قتادة والضحاك، وما رواه علـيّ بن أبـي طلـحة عن ابن عبـاس. وذلك أن الله جل ثناؤه إنـما ضرب هذا الـمثل للـمنافقـين الذين وصف صفتهم وقصّ قصصهم من لدن ابتدأ بذكرهم بقوله:
{ وَمِنَ ظ±لنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِظ±للَّهِ وَبِظ±لْيَوْمِ ظ±لآخِرِ }
[البقرة: 8] أي لا الـمعلنـين بـالكفر الـمـجاهرين بـالشرك.

ولو كان الـمثل لـمن آمن إيـماناً صحيحاً ثم أعلن بـالكفر إعلاناً صحيحاً علـى ما ظنّ الـمتأول قول الله جل ثناؤه: { كَمَثَلِ ظ±لَّذِي ظ±سْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ظ±للَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَظ°تٍ لاَّ يُبْصِرُونَ } أن ضوء النار مثل لإيـمانهم الذي كان منهم عنده علـى صحة، وأن ذهاب نورهم مثل لارتدادهم وإعلانهم الكفر علـى صحة لـم يكن هنالك من القوم خداع ولا استهزاء عند أنفسهم ولا نفـاق، وأنى يكون خداع ونفـاق مـمن لـم يبدلك قولاً ولا فعلاً إلا ما أوجب لك العلـم بحاله التـي هو لك علـيها، وبعزيـمة نفسه التـي هو مقـيـم علـيها؟ إن هذا بغير شك من النفـاق بعيد ومن الـخداع بريء، فإن كان القوم لـم تكن لهم إلا حالتان: حال إيـمان ظاهر، وحال كفر ظاهر، فقد سقط عن القوم اسم النفـاق لأنهم فـي حال إيـمانهم الصحيح كانوا مؤمنـين، وفـي حال كفرهم الصحيح كانوا كافرين، ولا حالة هناك ثالثة كانوا بها منافقـين.

وفـي وصف الله جل ثناؤه إياهم بصفة النفـاق ما ينبىء عن أن القول غير القول الذي زعمه من زعم أن القوم كانوا مؤمنـين ثم ارتدوا إلـى الكفر فأقاموا علـيه، إلا أن يكون قائل ذلك أراد أنهم انتقلوا من إيـمانهم الذي كانوا علـيه إلـى الكفر الذي هو نفـاق، وذلك قول إن قاله لـم تدرك صحته إلا بخير مستفـيض أو ببعض الـمعانـي الـموجبة صحته. فأما فـي ظاهر الكتاب، فلا دلالة علـى صحته لاحتـماله من التأويـل ما هو أولـى به منه. فإذا كان الأمر علـى ما وصفنا فـي ذلك، فأولـى تأويلات الآية بـالآية مثل استضاءة الـمنافقـين بـما أظهروا بألسنتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الإقرار به، وقولهم له وللـمؤمنـين: آمَنا بـاللَّهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ وَالـيَوْمِ الآخِر، حتـى حُكم لهم بذلك فـي عاجل الدنـيا بحكم الـمسلـمين فـي حقن الدماء والأموال والأمن علـى الذرية من السبـاء، وفـي الـمناكحة والـموارثة كمثل استضاءة الـموقد النار بـالنار، حتـى إذا ارتفق بضيائها وأبصر ما حوله مستضيئاً بنوره من الظلـمة،حتى خمدت النار وانطفأت، فذهب نوره، وعاد الـمستضيء به فـي ظلـمة وحيرة. وذلك أن الـمنافق لـم يزل مستضيئاً بضوء القول الذي دافع عنه فـي حياته القتل والسبـاء مع استبطانه ما كان مستوجبـاً به القتل وسلب الـمال لو أظهره بلسانه، تُـخيِّـل إلـيه بذلك نفسه أنه بـالله ورسوله والـمؤمنـين مستهزىء مخادع، حتـى سوّلت له نفسه، إذ ورد علـى ربه فـي الآخرة، أنه ناج منه بـمثل الذي نـجا به فـي الدنـيا من الكذب والنفـاق. أوَ ما تسمع الله جل ثناؤه يقول إذ نعتهم ثم أخبر عند ورودهم علـيه:
{ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ظ±للَّهِ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىظ° شَىْء أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ظ±لْكَـظ°ذِبُونَ }
[المجادلة: 18] ظناً من القوم أن نـجاتهم من عذاب الله فـي الآخرة فـي مثل الذي كان به نـجاتهم من القتل والسبـاء وسلب الـمال فـي الدنـيا من الكذب والإفك، وأن خداعهم نافعهم هنالك نفعه إياهم فـي الدنـيا. حتـى عاينوا من أمر الله ما أيقنوا به أنهم كانوا من ظنونهم فـي غرور وضلال، واستهزاء بأنفسهم وخداع، إذ أطفأ الله نورهم يوم القـيامة فـاستنظروا الـمؤمنـين لـيقتبسوا من نورهم، فقـيـل لهم: ارجعوا وراءكم فـالتـمسوا نوراً واصلوا سعيراً. فذلك حين ذهب الله بنورهم وتركهم فـي ظلـمات لا يبصرون، كما انطفأت نار الـمستوقد النار بعد إضاءتها له، فبقـي فـي ظلـمته حيران تائها لقول الله جل ثناؤه:
{ يَوْمَ يَقُولُ ظ±لْمُنَافِقُونَ وَظ±لْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ظ±نظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ظ±رْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَظ±لْتَمِسُواْ نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ظ±لرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ظ±لْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُواْ بَلَىظ° وَلَـظ°كِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَظ±رْتَبْتُمْ وَغرَّتْكُمُ ظ±لأَمَانِيُّ حَتَّىظ° جَآءَ أَمْرُ ظ±للَّهِ وَغَرَّكُم بِظ±للَّهِ ظ±لْغَرُورُ * فَظ±لْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَاكُمُ ظ±لنَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ ظ±لْمَصِيرُ }

اسامة محمد خيري
03-12-2016, 15:04
وقال بعضهم: إنما معنى قوله: { خَتَمَ ظ±للَّهُ عَلَىظ° قُلُوبِهمْ } إخبار من الله جل ثناؤه عن تكبرهم واعراضهم عن الاستماع لما دوا إليه من الحق كما يقال إن فلاناً الأصم عن هذا الكلام إذا امتنع من سماعه ورفع نفسه عن تفهمه تكبرا.

والحق في ذلك عندي ما صحّ بنظيره الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما.حدثنا به محمد بن يسار، قال حدثنا صفوان بن عيسى، قال حدثنا: ابن عجلان عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كان نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، فإن زاد زادت حتى يغلف قلبه، فذلك الران الذي قال الله جل ثناؤه: "

{ كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىظ° قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }
[المطففين: 14] فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلفتها، وإذا أغلفتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله عز وجل والطبع، فلا يكون للإيمان اليها مسلك،ولا للكفر منها مخلص، فذلك هو الطبع والختم الذي ذكره الله تبارك وتعالى في قوله: { خَتَمَ ظ±للَّهُ عَلَىظ° قُلُوبِهمْ وَعَلَىظ° سَمْعِهِمْ } نظير الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها ثم حلها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم، إلا بعد فضه خاتمه، وحله رباطه عنها.

ويقال لقائلي القول الثاني الزاعمين، أن معنى قوله جل ثناؤه { خَتَمَ ظ±للَّهُ عَلَىظ° قُلُوبِهمْ وَعَلَىظ° سَمْعِهِمْ } هو وصفهم بالاستكبار والإعراض عن الذي دعوا إليه من الإقرار بالحق تكبرا، أخبرونا عن استكبار الذين وصفهم الله جل ثناؤه بهذه الصفة، واعراضهم عن الإقرار بما دعوا إليه من الإيمان وسائر المعاني اللواحق به أفعل منهم،أم فعل من الله تعالى ذكره بهم. فإن زعموا أن ذلك فعل منهم، وذلك قولهم،قيل لهم: فإن الله تبارك وتعالى قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وسمعهم،وكيف يجوز أن يكون إعراض الكافر عن الإيمان وتكبره عن الاقرار به، وهو فعله عندكم ختما من الله على قلبه، وسمعه، وختمه على قلبه وسمعه، فعل الله عز وجل دون فعل الكافر، فإن زعموا أن ذلك جائز أن يكون كذلك، لأن تكبره واعراضه كانا عن ختم الله على قلبه وسمعه، فلما كان الختم سببا لذلك جاز أن يسمى مسببه به تركوا قولهم، وأوجبوا أن الختم من الله على قلوب الكفار وأسماعهم معنى غير كفر الكافر، وغير تكبره وإعراضه عن قبول الإيمان واوالاقرار به، وذلك دخول فيما أنكره.

وهذه الآية من أوضح الأدلة على فساد قول المنكريه تكليف ما لا يطاق إلا بمعونة الله لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه ختم على قلوب صنف من كفار عباده وأسماعهم، ثم لم يسقط التكليف عنهم ولم يضع عن أحد منهم فرائضه ولم يعذره في شيء مما كان منه من خلاف طاعته بسبب ما فعل به من الختم والطبع على قلبه وسمعه، بل أخبر أن لجميعهم منه عذاباً عظيماً على تركهم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه من حدوده وفرائضه مع حتمه القضاء عليهم مع ذلك بأنهم لا يؤمنون.

اسامة محمد خيري
03-12-2016, 15:11
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ }.

اختلفت القراءة فـي قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } مخففة الذال مفتوحة الـياء، وهي قراءة معظم أهل الكوفة. وقرأه آخرون: { يُكَذِّبُونَ } بضم الـياء وتشديد الذال، وهي قراءة معظم أهل الـمدينة والـحجاز والبصرة. وكأن الذين قرءوا ذلك بتشديد الذال وضم الـياء رأوا أن الله جل ثناؤه إنـما أوجب للـمنافقـين العذاب الألـيـم بتكذيبهم نبـيهم مـحمداً صلى الله عليه وسلم وبـما جاء به، وأن الكذب لولا التكذيب لا يوجب لأحد الـيسير من العذاب، فكيف بـالألـيـم منه؟

ولـيس الأمر فـي ذلك عندي كالذي قالوا وذلك أن الله عزّ وجلّ أنبأ عن الـمنافقـين فـي أول النبأ عنهم فـي هذه السورة بأنهم يكذبون بدعواهم الإيـمان وإظهارهم ذلك بألسنتهم خداعاً لله عزّ وجلّ ولرسوله وللـمؤمنـين، فقال:
{ وَمِنَ ظ±لنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِظ±للَّهِ وَبِظ±لْيَوْمِ ظ±لأْخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَـظ°دِعُونَ ظ±للَّهَ وَظ±لَّذِينَ ءامَنُوا }
[البقرة: 8-9] بذلك من قـيـلهم مع استسرارهم الشك، { وَمَا يَخْدَعُونَ } بصنـيعهم ذلك { إِلاَّ أَنْفُسَهُم } دون رسول الله صلى الله عليه وسلم والـمؤمنـين، { وَمَا يَشْعُرُونَ } بـموضع خديعتهم أنفسهم واستدراج الله عزّ وجل إياهم بإملائه لهم فـي قلوبهم شك أي نفـاق وريبة، والله زائدهم شكّاً وريبة بـما كانوا يكذبون الله ورسوله والـمؤمنـين بقولهم بألسنتهم:

{ ءامَنَّا بِظ±للَّهِ وَبِظ±لْيَوْمِ ظ±لأْخِرِ }
[البقرة: 8] وهم فـي قـيـلهم ذلك كَذَبة لاستسرارهم الشك والـمرض فـي اعتقادات قلوبهم. فـي أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فأولـى فـي حكمة الله جل جلاله أن يكون الوعيد منه لهم علـى ما افتتـح به الـخبر عنهم من قبـيح أفعالهم وذميـم أخلاقهم، دون ما لـم يجز له ذكر من أفعالهم إذ كان سائر آيات تنزيـله بذلك نزل. وهو أن يفتتـح ذكر مـحاسن أفعال قوم ثم يختـم ذلك بـالوعيد علـى ما افتتـح به ذكره من أفعالهم، ويفتتـح ذكر مساوىء أفعال آخرين ثم يختـم ذلك بـالوعيد علـى ما ابتدأ به ذكره من أفعالهم. فكذلك الصحيح من القول فـي الآيات التـي افتتـح فـيها ذكر بعض مساوىء أفعال الـمنافقـين أن يختـم ذلك بـالوعيد علـى ما افتتـح به ذكره من قبـائح أفعالهم، فهذا مع دلالة الآية الأخرى علـى صحة ما قلنا وشهادتها بأن الواجب من القراءة ما اخترنا، وأن الصواب من التأويـل ما تأوّلنا من أن وعيد الله الـمنافقـين فـي هذه الآية العذاب الألـيـم علـى الكذب الـجامع معنى الشك والتكذيب، وذلك قول الله تبـارك وتعالـى:
{ إِذَا جَاءكَ ظ±لْمُنَـظ°فِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ظ±للَّهِ وَظ±للَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَظ±للَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ لَكَـظ°ذِبُونَ ظ±تَّخَذُواْ أَيْمَـظ°نَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ظ±للَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }
[المنافقون: 1-2] والآية الأخرى فـي الـمـجادلة:
{ ظ±تَّخَذْواْ أَيْمَـظ°نَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ظ±للَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ }
[المجادلة: 16] فأخبر جلّ ثناؤه أن الـمنافقـين بقـيـلهم ما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مع اعتقادهم فـيه ما هم معتقدون، كاذبون. ثم أخبر تعالـى ذكره أن العذاب الـمهين لهم علـى ذلك من كذبهم. ولو كان الصحيح من القراءة علـى ما قرأه القارئون فـي سورة البقرة: { وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } لكانت القراءة فـي السورة الأخرى:
{ وَظ±للَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ }
[المنافقون: 1] لـيكون الوعيد لهم الذي هو عقـيب ذلك وعيداً علـى التكذيب، لا علـى الكذب.

وفـي إجماع الـمسلـمين علـى أن الصواب من القراءة فـي قوله:
{ وَظ±للَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ لَكَـظ°ذِبُونَ }
[المنافقون: 1] بـمعنى الكذب، وأن إيعاد الله تبـارك وتعالـى فـيه الـمنافقـين العذاب الألـيـم علـى ذلك من كذبهم، أوضح الدلالة علـى أن الصحيح من القراءة فـي سورة البقرة: { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } بـمعنى الكذب، وأن الوعيد من الله تعالـى ذكره للـمنافقـين فـيها علـى الكذب حق، لا علـى التكذيب الذي لـم يجز له ذكر نظير الذي فـي سورة الـمنافقـين سواء.

اسامة محمد خيري
03-12-2016, 15:21
قال ابن كثير:

قال ابن عباس: والذين يؤمنون بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك، أي: يصدّقون بما جئت به من الله، وما جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرّقون بينهم، ولا يجحدون ما جاؤوهم به من ربهم، وبالآخرة هم يوقنون، أي: بالبعث والقيامة، والجنة والنار، والحساب والميزان. وإنما سميت الآخرة لأنها بعد الدنيا. وقد اختلفت المفسرون في الموصوفين هنا، هل هم الموصوفون بما تقدّم من قوله تعالى:
{ ظ±لَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِظ±لْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ظ±لصَّلوظ°ةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـظ°هُمْ يُنفِقُونَ }
[البقرة: 3] ومن هم؟ على ثلاثة أقوال حكاها ابن جرير: أحدها: أن الموصوفين أولاً هم الموصوفون ثانياً، وهم كل مؤمن، مؤمنو العرب، ومؤمنو أهل الكتاب وغيرهم. قاله مجاهد وأبو العالية والربيع بن أنس وقتادة، والثاني؛ هما واحد، وهم مؤمنو أهل الكتاب. وعلى هذين تكون الواو عاطفة صفات على صفات؛ كما قال تعالى:
{ سَبِّحِ ظ±سْمَ رَبِّكَ ظ±لأَعْلَىظ° ظ±لَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىظ° وَظ±لَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىظ° وَظ±لَّذِيغ¤ أَخْرَجَ ظ±لْمَرْعَىظ° فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىظ° }
[الأعلى: 1 - 5] وكما قال الشاعر:
إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيْبَةِ في المُزْدَحَمْ
فعطف الصفات بعضها على بعض، والموصوف واحد. والثالث: أن الموصوفين أوّلاً مؤمنو العرب، والموصوفون ثانياً بقوله: { وَظ±لَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِظ±لآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } لمؤمني أهل الكتاب. نقله السدي في تفسيره عن ابن عباس، وابن مسعود، وأناس من الصحابة،

واختاره ابن جرير رحمه الله،

ويستشهد لما قال بقوله تعالى:
{ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ لَمَن يُؤْمِنُ بِظ±للَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَـظ°شِعِينَ للَّهِ }
[آل عمران: 199] الآية. وبقوله تعالى:
{ ظ±لَّذِينَ ءَاتَيْنَـظ°هُمُ ظ±لْكِتَـظ°بَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَىظ° عَلَيْهِمْ قَالُوغ¤اْ ءَامَنَّا بِهِ إِنَّهُ ظ±لْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُوْلَـظ°ئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَؤُنَ بِظ±لْحَسَنَةِ ظ±لسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ }
[القصص: 52 - 54] وبما ثبت في الصحيحين من حديث الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب، آمن بنبيه وآمن بي، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها " وأما ابن جرير فما استشهد على صحة ما قال إلا بمناسبة، وهي أن الله وصف في أول هذه السورة المؤمنين والكافرين، فكما أنه صنف الكافرين إلى صنفين: كافر ومنافق، فكذلك المؤمنون صنفهم إلى صنفين: عربي وكتابي (قلت): والظاهر قول مجاهد فيما رواه الثوري عن رجل عن مجاهد، ورواه غير واحد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: أربع آيات من أوّل سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين.

اسامة محمد خيري
04-12-2016, 08:50
وأولـى القراءات فـي قوله: { أوْ نُنْسِها } بـالصواب من قرأ: { أو نُنْسِها } ، بـمعنى نتركها لأن الله جل ثناؤه أخبر نبـيه صلى الله عليه وسلم أنه مهما بدّل حكما أو غيره أو لـم يبدّله ولـم يغيره، فهو آتـيه بخير منه أو بـمثله. فـالذي هو أولـى بـالآية إذ كان ذلك معناها، أن يكون إذ قدّم الـخبر عما هو صانع إذا هو غير وبدّل حكم آية أن يعقب ذلك بـالـخبر عما هو صانع، إذا هو لـم يبدّل ذلك ولـم يغير. فـالـخبر الذي يجب أن يكون عقـيب قوله: { ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ } قوله: أو نترك نسخها، إذ كان ذلك الـمعروف الـجاري فـي كلام الناس. مع أن ذلك إذا قرىء كذلك بـالـمعنى الذي وصفت، فهو يشتـمل علـى معنى الإنساء الذي هو بـمعنى الترك، ومعنى النَّساء الذي هو بـمعنى التأخير، إذْ كان كل متروك فمؤخر علـى حال مّا هو متروك. وقد أنكر قوم قراءة من قرأ: «أوْ تُنْسَها» إذا عنـي به النسيان، وقالوا: غير جائز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم نسي من القرآن شيئا مـما لـم ينسخ إلا أن يكون نسي منه شيئا ثم ذكره. قالوا: وبعد، فإنه لو نسي منه شيئاً لـم يكن الذين قرءوه وحفظوه من أصحابه بجائز علـى جميعهم أن ينسوه.

قالوا: وفـي قول الله جل ثناؤه:
{ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِظ±لَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ }
[الإسراء: 86] ما ينبىء عن أن الله تعالـى ذكره لـم يُنْسِ نبـيه شيئاً مـما آتاه من العلـم.

قال أبو جعفر: وهذا قول يشهد علـى بطوله وفساده الأخبـار الـمتظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بنـحو الذي قلنا.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك: إن أولئك السبعين من الأنصار الذين قتلوا ببئر معونة قرأنا بهم وفـيهم كتابـاً: «بلغوا عنا قومنا أنا لقـينا ربنا فرضي عنا وأرضانا». ثم إن ذلك رفع.

فـالذي ذكرنا عن أبـي موسى الأشعري أنهم كانوا يقرءون: «لو أن لابن آدم واديـين من مال لابتغى لهما ثالثاً، ولا يـملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله علـى من تاب» ثم رُفع وما أشبه ذلك من الأخبـار التـي يطول بإحصائها الكتاب.

اسامة محمد خيري
04-12-2016, 09:13
حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: { كَذَلِكَ قال الّذِينَ لا يَعْلَـمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ } فهم العرب، قالوا: لـيس مـحمد صلى الله عليه وسلم علـى شيء.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا أن يقال: إن الله أخبر تبـارك وتعالـى عن قوم وصفهم بـالـجهل، ونفـى عنهم العلـم بـما كانت الـيهود والنصارى به عالـمين أنهم قالوا بجهلهم نظير ما قال الـيهود والنصارى بعضها لبعض مـما أخبر الله عنهم أنهم قالوه فـي قوله: { وَقالَتِ الـيَهُودُ لَـيْسَتِ النّصَارَى علـى شَيْءٍ وَقالَتِ النّصَارَى لَـيْسَتِ الـيَهُودُ علـى شَيْءٍ }. وجائز أن يكونوا هم الـمشركين من العرب، وجائز أن يكونوا أمة كانت قبل الـيهود والنصارى. ولا أمة أولـى أن يقال هي التـي عنـيت بذلك من أخرى، إذ لـم يكن فـي الآية دلالة علـى أيَ من أيَ، ولا خبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتت حجته من جهة نقل الواحد العدل ولا من جهة النقل الـمستفـيض.

وإنـما قصد الله جل ثناؤه بقوله: { كَذَلِكَ قالَ الّذِينَ لاَ يَعْلَـمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ } إعلام الـمؤمنـين أن الـيهود والنصارى قد أتوا من قـيـل البـاطل، وافتراء الكذب علـى الله، وجحود نبوّة الأنبـياء والرسل، وهم أهل كتاب يعلـمون أنهم فـيـما يقولون مبطلون، وبجحودهم ما يجحدون من ملتهم خارجون، وعلـى الله مفترون مثل الذي قاله أهل الـجهل بـالله وكتبه ورسله الذين لـم يبعث الله لهم رسولاً ولا أوحى إلـيهم كتابـاً.

وهذه الآية تنبىء عن أن من أتـى شيئاً من معاصي الله علـى علـم منه بنهي الله عنها، فمصيبته فـي دينه أعظم من مصيبة من أتـى ذلك جاهلاً به لأن الله تعالـى ذكره عظم توبـيخ الـيهود والنصارى بـما وبّخهم به فـي قـيـلهم ما أخبر عنهم بقوله: { وَقَالَتِ الـيَهُودُ لَـيْسَتِ النّصَارَى علـى شَيْءٍ وَقَالَتِ النّصَارَى لَـيْسَتِ الـيَهُودُ علـى شَيْءٍ } من أجل أنهم أهل كتاب قالوا ما قالوا من ذلك علـى علـم منهم أنهم مبطلون.

اسامة محمد خيري
04-12-2016, 09:17
وأولـى التأويلات التـي ذكرتها بتأويـل الآية قول من قال: عنى الله عز وجل بقوله: { وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسمُهُ } النصارى وذلك أنهم هم الذين سعوا فـي خراب بـيت الـمقدس، وأعانوا بختنصر علـى ذلك، ومنعوا مؤمنـي بنـي إسرائيـل من الصلاة فـيه بعد منصرف بختنصر عنهم إلـى بلاده.

والدلـيـل علـى صحة ما قلنا فـي ذلك: قـيام الـحجة بأن لا قوم فـي معنى هذه الآية إلا أحد الأقوال الثلاثة التـي ذكرناها، وأن لا مسجد عنى الله عزّ وجل بقوله: { وَسَعَى فِـي خَرَابِها } إلا أحد الـمسجدين، إما مسجد بـيت الـمقدس، وإما الـمسجد الـحرام. وإذْ كان ذلك كذلك، وكان معلوماً أن مشركي قريش لـم يسعوا قط فـي تـخريب الـمسجد الـحرام، وإن كانوا قد منعوا فـي بعض الأوقات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الصلاة فـيه صحّ وثبت أن الذين وصفهم الله عزّ وجل بـالسعي فـي خراب مساجده غير الذين وصفهم الله بعمارتها، إذْ كان مشركو قريش بنوا الـمسجد الـحرام فـي الـجاهلـية، وبعمارته كان افتـخارهم، وإن كان بعض أفعالهم فـيه كان منهم علـى غير الوجه الذي يرضاه الله منهم. وأخرى، أن الآية التـي قبل قوله: { وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسْمُهُ } مضت بـالـخبر عن الـيهود والنصارى وذَمِّ أفعالهم، والتـي بعدها نبهت بذمّ النصارى والـخبر عن افترائهم علـى ربهم، ولـم يَجْرِ لقريش ولا لـمشركي العرب ذكر، ولا للـمسجد الـحرام قبلها، فـيوجه الـخبر بقول الله عز وجل: { وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسْمُهُ } إلـيهم وإلـى الـمسجد الـحرام.

اسامة محمد خيري
04-12-2016, 09:37
وأولـى الأقوال بـالصواب فـي قوله: { وَإِذَا قَضَى أمْراً فـانَّـمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ } أن يقال: هو عامّ فـي كل ما قضاه الله وبرأه، لأن ظاهر ذلك ظاهر عموم، وغير جائز إحالة الظاهر إلـى البـاطن من التأويـل بغير برهان لـما قد بـينا فـي كتابنا: «كتاب البـيان عن أصول الأحكام». وإذْ كان ذلك كذلك، فأمر الله جل وعز لشيء إذا أراد تكوينه موجودا بقوله: { كُنْ } فـي حال إرادته إياه مكوّناً، لا يتقدّم وجودَ الذي أراد إيجاده وتكوينه إرادته إياه، ولا أمره بـالكون والوجود، ولا يتأخر عنه. فغير جائز أن يكون الشيء مأموراً بـالوجود مراداً كذلك إلا وهو موجود، ولا أن يكون موجوداً إلا وهو مأمور بـالوجود مراد كذلك. ونظير قوله: { وَإِذَا قَضَى أمْرا فَـانَّـمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ } قوله:
{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ظ±لسَّمَآءُ وَظ±لأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ظ±لأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ }
[الروم: 25] بأن خروج القوم من قبورهم لا يتقدّم دعاء الله، ولا يتأخر عنه.

ويسأل من زعم أن قوله: { وَإِذَا قَضَى أمْرا فَـانَّـمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ } خاصّ فـي التأويـل اعتلالاً بأن أمر غير الـموجود غير جائز، عن دعوة أهل القبور قبل خروجهم من قبورهم، أم بعده؟ أم هي فـي خاصّ من الـخـلق؟ فلن يقول فـي ذلك قولاً إلا أُلزم فـي الآخر مثله.

ويسأل الذين زعموا أن معنى قوله جل ثناؤه: { فَـانَّـمَا يَقُول لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ } نظير قول القائل: قال فلان برأسه أو بـيده، إذا حرّكه وأومأ، ونظير قول الشاعر:
تَقُولُ إذَا دَرأتُ لَهَا وَضِينِـي أهَذَا دِينُهُ أبَداً وَدِينِـي
وما أشبه ذلك؟ فإنهم لا صواب اللغة أصابوا ولا كتاب الله، وما دلت علـى صحته الأدلة اتبعوا. فـيقال لقائلـي ذلك: إن الله تعالـى ذكره أخبر عن نفسه أنه إذا قضى أمراً قال له: «كُنْ»، أفتنكرون أن يكون قائلاً ذلك؟ فإن أنكروه كذّبوا بـالقرآن، وخرجوا من الـملة، وإن قالوا: بل نقرّ به، ولكنا نزعم أن ذلك نظير قول القائل: قال الـحائط فمال ولا قول هنالك، وإنـما ذلك خبر عن ميـل الـحائط.

قـيـل لهم: أفتـجيزون للـمخبر عن الـحائط بـالـميـل أن يقول: إنـما قول الـحائط إذا أراد أن يـميـل أن يقول هكذا فـيـميـل؟

فإن أجازوا ذلك خرجوا من معروف كلام العرب، وخالفوا منطقها وما يعرف فـي لسانها. وإن قالوا: ذلك غير جائز، قـيـل لهم: إن الله تعالـى ذكره أخبرهم عن نفسه أن قوله للشيء إذا أراده أن يقول له كُنْ فـيكون، فأعلـم عبـاده قوله الذي يكون به الشيء وَوَصَفَه ووَكَّده. وذلك عندكم غير جائز فـي العبـارة عما لا كلام له ولا بـيان فـي مثل قول القائل: قال الـحائط فمال. فكيف لـم يعلـموا بذلك فَرْقَ ما بـين معنى قول الله: { وَإِذَا قَضَى أمْرا فـانَّـمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَـيَكُونَ } وقول القائل: قال الـحائط فمال؟ وللبـيان عن فساد هذه الـمقالة موضع غير هذا نأتـي فـيه علـى القول بـما فـيه الكفـاية إن شاء الله.

وإذا كان الأمر فـي قوله جل ثناؤه: { وَإِذَا قَضَى أمْراً فَـانَّـمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَـيَكُونُ } هو ما وصفنا من أن حال أمره الشيء بـالوجود حال وجود الـمأمور بـالوجود، فتبـين بذلك أن الذي هو أولـى بقوله: { فَـيَكُونُ } رفع علـى العطف علـى قوله: { يقول } لأن القول والكون حالهما واحد. وهو نظير قول القائل: تاب فلان فـاهتدى، واهتدى فلان فتاب لأنه لا يكون تائبـاً إلا وهو مهتد، ولا مهتديا إلا وهو تائب. فكذلك لا يـمكن أن يكون الله آمراً شيئاً بـالوجود إلا وهو موجود، ولا موجوداً إلا وهو آمره بـالوجود ولذلك استـجاز من استـجاز نَصْبَ «فَـيَكُونَ» مَنْ قَرأ:
{ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }
[النحل: 40] بـالـمعنى الذي وصفنا علـى معنى: أن نقول فـيكون.

وأما رَفْعُ من رَفَعَ ذلك، فإنه رأى أن الـخبر قد تـمّ عند قوله:
{ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ }
[النحل: 40] إذ كان معلوماً أن الله إذا حتـم قضاءه علـى شيء كان الـمـحتوم علـيه موجوداً، ثم ابتدأ بقوله: «فـيكون، كما قال جل ثناؤه:
{ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي ظ±لأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ }
[الحج: 5]، وكما قال ابن أحمر:
يُعالِـجُ عاقِراً أعْيَتْ عَلَـيْهِ لِـيُـلْقِحَها فَـيَنْتِـجُها حُوَارَا
يريد: فإذا هو ينتـجها حُوَاراً.

فمعنى الآية إذا: وقالوا اتـخذ الله ولداً، سبحانه أن يكون له ولد بل هو مالك السموات والأرض وما فـيهما، كل ذلك مقرّ له بـالعبودية بدلالته علـى وحدانـيته. وأنَّى يكون له ولد، وهو الذي ابتدع السموات والأرض من غير أصل، كالذي ابتدع الـمسيح من غير والد بقدرته وسلطانه، الذي لا يتعذّر علـيه به شيء أراده بل إنـما يقول له إذا قضاه فأراد تكوينه: «كُنْ»، فـيكون موجوداً كما أراده وشاءه. فكذلك كان ابتداعه الـمسيح وإنشاءه إذْ أراد خـلقه من غير والد.

اسامة محمد خيري
04-12-2016, 09:43
وأولـى هذه الأقوال بـالصحة والصواب قول القائل: إن الله تعالـى عنى بقوله: { وَقَالَ الّذِينَ لاَ يَعْلَـمُونَ } النصارى دون غيرهم لأن ذلك فـي سياق خبر الله عنهم، وعن افترائهم علـيه وادّعائهم له ولداً. فقال جل ثناؤه، مخبراً عنهم فـيـما أخبر عنهم من ضلالتهم أنهم مع افترائهم علـى الله الكذب بقوله:
{ ظ±تَّخَذَ ظ±للَّهُ وَلَداً }
[البقرة: 116] تـمنوا علـى الله الأبـاطيـل، فقالوا جهلاً منهم بـالله وبـمنزلتهم عنده وهم بـالله مشركون: لولا يكلـمنا الله كما يكلـم رسوله وأنبـياءه، أو تأتـينا آية كما أتتهم ولا ينبغي لله أن يكلـم إلا أولـياءه، ولا يؤتـي آيةً معجزةً علـى دعوى مدّعٍ إلا لـمن كان مـحقًّا فـي دعواه وداعياً إلـى الله وتوحيده. فأما من كان كاذبـاً فـي دعواه وداعياً إلـى الفرية علـيه وادّعاء البنـين والبنات له، فغير جائز أن يكلـمه الله جل ثناؤه، أو يؤتـيه آية معجزة تكون مؤيدة كذبه وفريته علـيه.....

فمعنى الآية: وقالت النصارى الـجهال بـالله وبعظمته: هلاّ يكلـمنا الله ربنا كما كلـم أنبـياءه ورسله، أو تـجيئنا علامة من الله نعرف بها صدق ما نـحن علـيه علـى ما نسأل ونريد؟ قال الله جل ثناؤه: فكما قال هؤلاء الـجهال من النصارى وتـمنوا علـى ربهم. قال مَنْ قبلهم من الـيهود، فسألوا ربهم أن يريهم الله نفسه جهرة، ويؤتـيهم آية، واحتكموا علـيه وعلـى رسله، وتـمنوا الأمانـي. فـاشتبهت قلوب الـيهود والنصارى فـي تـمرّدهم علـى الله وقلة معرفتهم بعظمته وجرأتهم علـى أنبـيائه ورسله، كما اشتبهت أقوالهم التـي قالوها.

اسامة محمد خيري
04-12-2016, 09:50
والصواب عندي من القراءة فـي ذلك قراءة من قرأ بـالرفع علـى الـخبر لأن الله جل ثناؤه قصّ قصص أقوام من الـيهود والنصارى، وذكر ضلالتهم، وكُفْرَهم بـالله، وجراءَتهم علـى أنبـيائه، ثم قال لنبـيه صلى الله عليه وسلم: إنا أرسلناك يا مـحمد بشيراً من آمن بك واتبعك مـمن قصصت علـيك أنبـاءه ومن لـم أقصص علـيك أنبـاءه، ونذيراً من كفر بك وخالفك، فبلّغ رسالتـي، فلـيس علـيك من أعمال من كفر بك بعد إبلاغك إياه رسالتـي تبعة، ولا أنت مسئول عما فعل بعد ذلك.

ولـم يجر لـمسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه عن أصحاب الـجحيـم ذكر، فـيكون لقوله: { وَلا تُسألُ عَنْ أصْحَابِ الـجَحِيـمِ } وجهٌ يوجَّه إلـيه.

وإنـما الكلام موجه معناه إلـى ما دلّ علـيه ظاهره الـمفهوم، حتـى تأتـي دلالة بـيّنة تقوم بها الـحجة علـى أن الـمراد به غير ما دلّ علـيه ظاهره فـيكون حينئذ مسلـماً للـحجة الثابتة بذلك. ولا خبر تقوم به الـحجة علـى أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم نُهي عن أن يسأل فـي هذه الآية عن أصحاب الـجحيـم، ولا دلالة تدلّ علـى أن ذلك كذلك فـي ظاهر التنزيـل.

والواجب أن يكون تأويـل ذلك الـخبر علـى ما مضى ذكره قبل هذه الآية وعمن ذكر بعدها من الـيهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر، دون النهي عن الـمسألة عنهم.

فإن ظنّ ظانّ أن الـخبر الذي رُوي عن مـحمد بن كعب صحيح، فإن فـي استـحالة الشكّ من الرسول علـيه السلام فـي أن أهل الشرك من أهل الـجحيـم، وأن أبويه كانا منهم، ما يدفع صحة ما قاله مـحمد بن كعب إن كان الـخبر عنه صحيحاً، مع أن ابتداء الـخبر بعد قول: { إنّا أرْسَلْنَاكَ بـالـحَقّ بَشِيراً وَنَذِيراً } بـالواو بقوله: ولا تسأل عن أصحاب الـجحيـم، وتركه وصل ذلك بأوله بـالفـاء، وأن يكون: «إنا أرسلناك بـالـحقّ بشيراً ونذيراً»، ولا تسأل عن أصحاب الـجحيـم، أوضح الدلائل علـى أن الـخبر بقوله: «ولا تسأل»، أولـى من النهي، والرفع به أولـى من الـجزم.

وقد ذكر أنها فـي قراءة أبـيّ: «وَما تُسْألُ» وفـي قراءة ابن مسعود: «وَلَنْ تُسْألَ» وكلتا هاتـين القراءتـين تشهد بـالرفع والـخبر فـيه دون النهي.

وقد كان بعض نـحويـي البصرة يوجه قوله: { وَلا تُسْألُ عَنْ أصْحَابِ الـجَحِيـمِ } إلـى الـحال، كأنه كان يرى أن معناه: إنا أرسلناك بـالـحقّ بشيراً ونذيراً غير مسئول عن أصحاب الـجحيـم. وذلك إذا ضم التاء، وقرأه علـى معنى الـخبر، وكان يجيز علـى ذلك قراءته: «ولا تَسْألُ»، بفتـح التاء وضم اللام علـى وجه الـخبر بـمعنى: إنا أرسلناك بـالـحقّ بشيراً ونذيراً، غير سائل عن أصحاب الـجحيـم. وقد بـينا الصواب عندنا فـي ذلك.

وهذان القولان اللذان ذكرتهما عن البصري فـي ذلك يرفعهما ما رُوي عن ابن مسعود وأبـيّ من القراءة لأن إدخالهما ما أدخلا من ذلك من ما، ولن يدلّ علـى انقطاع الكلام عن أوله وابتداء قوله: { وَلا تُسْألُ } وإذا كان ابتداءً لـم يكن حالاً. وأما أصحاب الـجحيـم، فـالـجحيـم هي النار بعينها إذا شبَّت وقودها، ومنه قول أمية بن أبـي الصلت:
إذا شُبَّتْ جَهَنّـمُ ثُمَّ دَارَتْ وأعْرَضَ عَنْ قَوَابِسِها الـجَحِيـمُ

اسامة محمد خيري
04-12-2016, 09:59
اختلف أهل التأويـل فـي الذين عناهم الله جل ثناؤه بقوله: { الّذِينَ آتَـيْنَاهُمُ الكِتابَ } فقال بعضهم: هم الـمؤمنون برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبـما جاء به من أصحابه: ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله: { الّذِينَ آتَـيْنَاهُمُ الكِتابَ } هؤلاء أصحاب نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، آمنوا بكتاب الله وصدّقوا به.

وقال آخرون: بل عنى الله بذلك علـماء بنـي إسرائيـل الذين آمنوا بـالله وصدّقوا رُسُلَه، فأقرّوا بحكم التوراة، فعملوا بـما أمر الله فـيها من اتّبـاع مـحمد صلى الله عليه وسلم، والإيـمان به، والتصديق بـما جاء به من عند الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { الّذِينَ آتَـيْنَاهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرُ بِهِ فـاولَئِكَ هُمُ الـخاسِرُونَ } قال: من كفر بـالنبـيّ صلى الله عليه وسلم من يهود فأولئك هم الـخاسرون.

وهذا القول أولـى بـالصواب من القول الذي قاله قتادة لأن الآيات قبلها مضت بأخبـار أهل الكتابـين، وتبديـل من بدل منهم كتاب الله، وتأوّلهم إياه علـى غير تأويـله، وادّعائهم علـى الله الأبـاطيـل. ولـم يَجْرِ لأصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم فـي الآية التـي قبلها ذكر، فـيكون قوله: { الّذِينَ آتَـيْنَاهُمُ الكِتابَ } موجهاً إلـى الـخبر عنهم، ولا لهم بعدها ذكر فـي الآية التـي تتلوها، فـيكون موجهاً ذلك إلـى أنه خبر مبتدأ عن قصص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد انقضاء قصص غيرهم، ولا جاء بأن ذلك خبر عنهم أثر يجب التسلـيـم له. فإذا كان ذلك كذلك، فـالذي هو أولـى بـمعنى الآية أن يكون موجهاً إلـى أنه خبر عمن قَصّ الله جل ثناؤه فـي الآية قبلها والآية بعدها، وهم أهل الكتابـين: التوراة والإنـجيـل. وإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الآية: { الذين آتـيناهم الكتاب } الذي قد عرفته يا مـحمد، وهو التوراة، فقرءوه واتبعوا ما فـيه، فصدّقوك وآمنوا بك، وبـما جئت به من عندي، أولئك يتلونه حقّ تلاوته. وإنـما أدخـلت الألف واللام فـي «الكتاب» لأنه معرفة، وقد كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه عرفوا أيّ الكتب عنى به....

...

وقال آخرون { يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ }: يقرءونه حقّ قراءته.

والصواب من القول فـي تأويـل ذلك أنه بـمعنى: يتبعونه حقّ اتبـاعه، من قول القائل: ما زلت أتلو أَثَره، إذا اتبع أثره لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـى أن ذلك تأويـله. وإذا كان ذلك تأويـله، فمعنى الكلام: الذين آتـيناهم الكتاب يا مـحمد من أهل التوراة الذين آمنوا بك وبـما جئتهم به من الـحقّ من عندي، يتبعون كتابـي الذي أنزلته علـى رسولـي موسى صلوات الله علـيه، فـيؤمنون به، ويقرّون بـما فـيه من نعتك وصفتك، وأنك رسولـي فُرض علـيهم طاعتـي فـي الإيـمان بك والتصديق بـما جئتهم به من عندي، ويعملون بـما أحللتُ لهم، ويجتنبون ما حرّمت علـيهم فـيه، ولا يحرّفونه عن مواضعه ولا يبدّلونه ولا يغيرونه كما أنزلته علـيهم بتأويـل ولا غيره...

اسامة محمد خيري
04-12-2016, 10:05
وقال آخرون بـما:

حدثنا به موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: الكلـمات التـي ابتلـى بهنّ إبراهيـم ربه:
{ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ظ±لسَّمِيعُ ظ±لْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَظ±جْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ظ±لتَّوَّابُ ظ±لرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَظ±بْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ }


[البقرة: 127 -129] والصواب من القول فـي ذلك عندنا أن يقال: إن الله عز وجل أخبر عبـاده أنه اختبر إبراهيـم خـلـيـله بكلـمات أوحاهن إلـيه، وأمره أن يعمل بهنّ وأتـمهنّ، كما أخبر الله جل ثناؤه عنه أنه فعل. وجائز أن تكون تلك الكلـمات جميع ما ذكره من ذكرنا قوله فـي تأويـل الكلـمات، وجائز أن تكون بعضه لأن إبراهيـم صلوات الله علـيه قد كان امتُـحن فـيـما بلغنا بكل ذلك، فعمل به وقام فـيه بطاعة الله وأَمْره الواجب علـيه فـيه. وإذ كان ذلك كذلك، فغير جائز لأحد أن يقول: عنى الله بـالكلـمات التـي ابتلـي بهنّ إبراهيـم شيئاً من ذلك بعينه دون شيء، ولا عنى به كل ذلك إلا بحجة يجب التسلـيـم لها من خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إجماع من الـحجة ولـم يصحّ فـيه شيء من ذلك خبر عن الرسول بنقل الواحد، ولا بنقل الـجماعة التـي يجب التسلـيـم لـما نقلته. غير أنه روي عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي نظير معنى ذلك خبران لو ثبتا، أو أحدهما، كان القول به فـي تأويـل ذلك هو الصواب.

أحدهما ما:

حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا راشد بن سعد، قال: حدثنـي ريان بن فـائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبـيه، قال: كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم يقول: " ألاَ أُخْبِرُكُمْ لِـمَ سَمَّى اللَّهُ إبْرَاهِيـمَ خَـلِـيـلَهُ الّذِي وَفَّـى؟ لأنّهُ كانَ يَقُولُ كُلّـما أصبَحَ وَكُلّـما أمْسَى: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُـمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ حتـى يختـم الآية "

والآخر منهما ما:

حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا الـحسن بن عطية. قال: ثنا إسرائيـل، عن جعفر بن الزبـير، عن القاسم، عن أبـي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{ وَإِبْرَاهِيمَ ظ±لَّذِي وَفَّىظ° }
[النجم: 37] قال: " أتَدْرُونَ مَا وفَّـى " ؟ قالوا: الله ورسوله أعلـم، قال: " وَفَّـى عَملَ يَوْمِهِ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِـي النَّهَارِ " فلو كان خبر سهل بن معاذ عن أبـيه صحيحاً سنده. كان بـيّنا أن الكلـمات التـي ابتلـي بهنّ إبراهيـم فقام بهن هو قوله كُلّـما أصْبَحَ وأمْسَى:
{ فَسُبْحَانَ ظ±للَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ ظ±لْحَمْدُ فِي ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ }
[الروم: 17-18]. أو كان خبر أبـي أمامة عدولاً نقلته، كان معلوماً أن الكلـمات التـي أُوحين إلـى إبراهيـم فـابتلـي بـالعمل بهنّ أن يصلـي كل يوم أربع ركعات. غير أنهما خبران فـي أسانـيدهما نظر.

والصواب من القول فـي معنى الكلـمات التـي أخبر الله أنه ابتلـي بهنّ إبراهيـم ما بـينا آنفـاً.

ولو قال قائل فـي ذلك: إن الذي قاله مـجاهد وأبو صالـح والربـيع بن أنس أولـى بـالصواب من القول الذي قاله غيرهم كان مذهبـا، لأن قوله: { إنِّـي جاعِلُكَ للنّاسِ إماماً } وقوله:
{ وَعَهِدْنَآ إِلَىظ° إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ }
[البقرة: 125] وسائر الآيات التـي هي نظير ذلك كالبـيان عن الكلـمات التـي ذكر الله أنه ابتلـي بهنّ إبراهيـم.

اسامة محمد خيري
04-12-2016, 10:13
والصواب من القول والقراءة فـي ذلك عندنا: { وَاتّـخِذُوا } بكسر الـخاء، علـى تأويـل الأمر بـاتـخاذ مقام إبراهيـم مصلـى للـخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرناه آنفـاً، وأن عمرو بن علـيّ:

حدثنا قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا جعفر بن مـحمد، قال: حدثنـي أبـي، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: { وَاتَّـخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيـمَ مُصَلًّـى }...

وأولـى هذه التأويلات بـالصواب ما قاله عطاء، وهو أن العاكف فـي هذا الـموضع: الـمقـيـم فـي البـيت مـجاوراً فـيه بغير طواف ولا صلاة، لأن صفة العكوف ما وصفنا من الإقامة بـالـمكان. والـمقـيـم بـالـمكان قد يكون مقـيـماً به وهو جالس ومصلَ وطائف وقائم، وعلـى غير ذلك من الأحوال فلـما كان تعالـى ذكره قد ذكر فـي قوله: { أنْ طَهِّرَا بَـيْتِـيَ للطّائِفِـينَ والعاكِفِـينَ والركّعِ السّجُودِ } الـمصلـين والطائفـين، علـم بذلك أن الـحال التـي عنى الله تعالـى ذكره من العاكف غير حال الـمصلـي والطائف، وأن التـي عنى من أحواله هو العكوف بـالبـيت علـى سبـيـل الـحوار فـيه، وإن لـم يكن مصلـياً فـيه ولا راكعاً ولا ساجداً.

اسامة محمد خيري
04-12-2016, 10:22
والصواب من القول فـي ذلك عندنا: أن الله تعالـى ذكره جعل مكة حرماً حين خـلقها وأنشأها، كما أخبر النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه حرّمها يوم خـلق السموات والأرض بغير تـحريـم منه لها علـى لسان أحد من أنبـيائه ورسله، ولكن بـمنعه من أرادها بسوء، وبدفعه عنها من الآفـات والعقوبـات، وعن ساكنـيها ما أحلّ بغيرها وغير ساكنـيها من النقمات فلـم يزل ذلك أمرها حتـى بوأها الله إبراهيـم خـلـيـله، وأسكن بها أهله هاجر وولده إسماعيـل، فسأل حينئذٍ إبراهيـم ربه إيجاد فرض تـحريـمها علـى عبـاده علـى لسانه، لـيكون ذلك سنة لـمن بعده من خـلقه، يستنّون بها فـيها، إذ كان تعالـى ذكره قد اتـخذه خـلـيلاً، وأخبره أنه جاعله للناس إماما يقتدي به، فأجابه ربه إلـى ما سأله، وألزم عبـاده حينئذٍ فرض تـحريـمه علـى لسانه، فصارت مكة بعد أن كانت مـمنوعة بـمنع الله إياها بغير إيجاب الله فرض الامتناع منها علـى عبـاده، ومـحرّمة بدفع الله عنها بغير تـحريـمه إياها علـى لسان أحد من رسله فرض تـحريـمها علـى خـلقه علـى لسان خـلـيـله إبراهيـم علـيه السلام، وواجب علـى عبـاده الامتناع من استـحلالها، واستـحلال صيدها وعضاهها، بإيجابه الامتناع من ذلك ببلاغ إبراهيـم رسالة الله إلـيك بذلك إلـيه فلذلك أضيف تـحريـمها إلـى إبراهيـم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكّةَ " لأن فرض تـحريـمها الذي ألزم الله عبـاده علـى وجه العبـادة له به، دون التـحريـم الذي لـم يزل متعبداً لها به علـى وجه الكِلاء والـحفظ لها قبل ذلك كان عن مسألة إبراهيـم ربه إيجاب فرض ذلك علـى لسانه، لزم العبـاد فرضه دون غيره.

فقد تبـين إذا بـما قلنا صحة معنى الـخبرين، أعنـي خبر أبـي شريح وابن عبـاس عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكّةَ يَوْمَ خَـلَقَ الشّمْسَ وَالقَمَرَ " وخبر جابر وأبـي هريرة ورافع بن خديج وغيرهم، أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال: " اللّهُمَّ إِنَّ إبْرَاهِيـمَ حَرَّمَ مَكّةَ " وأن لـيس أحدهما دافعاً صحة معنى الآخر كما ظنه بعض الـجهال.

وغير جائز فـي أخبـار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون بعضها دافعا بعضا إذا ثبت صحتها، وقد جاء الـخبران اللذان رُويا فـي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مـجيئاً ظاهراً مستفـيضاً يقطع عذر من بلغه......

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً }.

اختلف أهل التأويـل فـي قائل هذا القول وفـي وجه قراءته، فقال بعضهم: قائل هذا القول ربنا تعالـى ذكره، وتأويـله علـى قولهم: { قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً } برزقـي من الثمرات فـي الدنـيا إلـى أن يأتـيه أجله. وقرأ قائل هذه الـمقالة ذلك: { فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً } بتشديد التاء ورفع العين. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال: حدثنـي أبو العالـية، عن أُبـيّ بن كعب فـي قوله: { وَمَنْ كَفَرَ فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً ثُمَّ اضْطَرُّهُ إِلَـى عَذَابِ النّارِ } قال: هو قول الربّ تعالـى ذكره.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: قال ابن إسحاق لـما قال إبراهيـم: { رَبّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِـاللَّهِ وَالـيَوْمِ الآخِرِ } وعدل الدعوة عمن أبى الله أن يجعل له الولاية، انقطاعاً إلـى الله ومـحبة وفراقاً لـمن خالف أمره، وإن كانوا من ذريته حين عرف أنه كان منهم ظالـم لا ينال عهده، بخبره عن ذلك حين أخبره فقال الله: { وَمَنْ كَفَرَ } فإنـي أرزق البرّ والفـاجر { فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً }.

وقال آخرون: بل قال ذلك إبراهيـم خـلـيـل الرحمظ°ن علـى وجه الـمسألة منه ربه أن يرزق الكافر أيضا من الثمرات بـالبلد الـحرام، مثل الذي يرزق به الـمؤمن ويـمتعه بذلك قلـيلاً، ثم اضْطَرَّهُ إلـى عذاب النار بتـخفـيف «التاء» وجزم «العين» وفتـح «الراء» من اضْطَرَّه، وفصل «ثم اضطره» بغير قطع ألفها، علـى وجه الدعاء من إبراهيـم ربه لهم والـمسألة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال: قال أبو العالـية: كان ابن عبـاس يقول: ذلك قول إبراهيـم يسأل ربه أن من كفر فأمتعه قلـيلاً.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر، عن لـيث، عن مـجاهد: { وَمَنْ كَفَرَ فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً } يقول: ومن كفر فأرزقه أيضا ثم اضطره إلـى عذاب النار.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا والتأويـل، ما قاله أُبـيّ بن كعب وقراءته، لقـيام الـحجة بـالنقل الـمستفـيض دراية بتصويب ذلك، وشذوذ ما خالفه من القراءة. وغير جائز الاعتراض بـمن كان جائزاً علـيه فـي نقله الـخطأ والسهُو، علـى من كان ذلك غير جائز علـيه فـي نقله.

وإذ كان ذلك كذلك، فتأويـل الآية: قال الله: يا إبراهيـم قد أجبت دعوتك، ورزقت مؤمنـي أهل هذا البلد من الثمرات وكفـارهم متاعاً لهم إلـى بلوغ آجالهم، ثم اضطرّ كفـارهم بعد ذلك إلـى النار.

وأما قوله: { فَـامَتِّعُهُ قَلِـيلاً } يعنـي: فأجعل ما أرزقه من ذلك فـي حياته متاعاً يتـمتع به إلـى وقت مـماته.

وإنـما قلنا إن ذلك كذلك لأن الله تعالـى ذكره إنـما قال ذلك لإبراهيـم جوابـاً لـمسألته ما سأل من رزق الثمرات لـمؤمنـي أهل مكة، فكان معلوماً بذلك أن الـجواب إنـما هو فـيـما سأله إبراهيـم لا فـي غيره. وبـالذي قلنا فـي ذلك قال مـجاهد، وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه.

وقال بعضهم: تأويـله: فأمتعه بـالبقاء فـي الدنـيا. وقال غيره: فأمتعه قلـيلاً فـي كفره ما أقام بـمكة، حتـى أبعث مـحمداً صلى الله عليه وسلم فـيقتله إن أقام علـى كفره أو يجلـيه عنها. وذلك وإن كان وجهاً يحتـمله الكلام فإن دلـيـل ظاهر الكلام علـى خلافه لـما وصفنا.

اسامة محمد خيري
04-12-2016, 10:29
والصواب من القول عندنا فـي ذلك أن الـمضمر من القول لإبراهيـم وإسماعيـل، وأن قواعد البـيت رفعها إبراهيـم وإسماعيـل جميعاً وذلك أن إبراهيـم وإسماعيـل إن كانا هما بنـياها ورفعاها فهو ما قلنا، وإن كان إبراهيـم تفرّد ببنائها، وكان إسماعيـل يناوله، فهما أيضاً رفعاها لأن رفعها كان بهما من أحدهما البناء من الآخر نَقْلُ الـحجارة إلـيها ومعونة وضع الأحجار مواضعها. ولا تـمتنع العرب من نسبة البناء إلـى من كان بسببه البناء ومعونته. وإنـما قلنا ما قلنا من ذلك لإجماع جميع أهل التأويـل علـى أن إسماعيـل معنـيٌّ بـالـخبر الذي أخبر الله عنه وعن أبـيه أنهما كانا يقولانه، وذلك قولهما: { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِـيـمُ } فمعلوم أن إسماعيـل لـم يكن لـيقول ذلك إلا وهو إما رجل كامل، وإما غلام قد فهم مواضع الضرّ من النفع، ولزمته فرائض الله وأحكامه. وإذا كان فـي حال بناء أبـيه، ما أمره الله ببنائه ورفعه قواعد بـيت الله كذلك، فمعلوم أنه لـم يكن تاركاً معونة أبـيه، إما علـى البناء، وإما علـى نقل الـحجارة. وأيّ ذلك كان منه فقد دخـل فـي معنى من رفع قواعد البـيت، وثبت أن القول الـمضمر خبر عنه وعن والده إبراهيـم علـيهما السلام.

فتأويـل الكلام: { وَإِذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيـمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَـيْتِ وَإِسْمَاعِيـلُ } يقولان: ربنا تقبل منا عملنا وطاعتنا إياك وعبـادتنا لك فـي انتهائنا إلـى أمرك الذي أمرتنا به فـي بناء بـيتك الذي أمرتنا ببنائه إنك أنت السميع العلـيـم. وفـي إخبـار الله تعالـى ذكره أنهما رفعا القواعد من البـيت وهما يقولان: { رَبّنا تَقَبّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السّمِيعُ العَلِـيـمُ } دلـيـل واضح علـى أن بناءهما ذلك لـم يكن مسكناً يسكنانه ولا منزلاً ينزلانه، بل هو دلـيـل علـى أنهما بنـياه ورفعا قواعده لكل من أراد أن يعبد الله تقرّبـاً منهما إلـى الله بذلك ولذلك قالا: { رَبّنا تَقَبّلْ منّا }. ولو كانا بنـياه مسكناً لأنفسهما لـم يكن لقولهما: { تقبل منا } وجه مفهوم، لأنه كانا يكونان لو كان الأمر كذلك سائلـين أن يتقبل منهما ما لا قربة فـيه إلـيه، ولـيس موضعهما مسألة الله قبول، ما لا قربة إلـيه فـيه.

اسامة محمد خيري
05-12-2016, 09:12
وقد حدثنـي به يونس مرّة أخرى قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: { وَإنْ كَانَتْ لَكَبِـيرَةً } قال: صلاتك هظ°هنا يعنـي إلـى بـيت الـمقدس ستة عشر شهراً وانـحرافك هظ°هنا.

وقال بعض نـحويـي البصرة: أنثت الكبـيرة لتأنـيث القبلة، وإياها عنى جل ثناؤه بقوله: { وَإنْ كانَتْ لَكَبِـيرَةً }. وقال بعض نـحويـي الكوفة: بل أنثت الكبـيرة لتأنـيث التولـية والتـحويـلة.

فتأويـل الكلام علـى ما تأوله قائلو هذه الـمقالة: وما جعلنا تـحويـلتنا إياك عن القبلة التـي كنت علـيها وتولـيتناك عنها إلا لنعلـم من يتبع الرسول مـمن ينقلب علـى عقبـيه، وإن كانت تـحويـلتنا إياك عنها وتولـيتناك لكبـيرة إلا علـى الذين هدى الله.

وهذا التأويـل أولـى التأويلات عندي بـالصواب، لأن القوم إنـما كبر علـيهم تـحويـل النبـيّ صلى الله عليه وسلم وجهه عن القبلة الأولـى إلـى الأخرى لا عين القبلة ولا الصلاة لأن القبلة الأولـى والصلاة قد كانت وهي غير كبـيرة علـيهم إلا أن يوجه موجِّه تأنـيث الكبـيرة إلـى القبلة، ويقول: اجتزىء بذكر القبلة من ذكر التولـية والتـحويـلة لدلالة الكلام علـى معنى ذلك، كما قد وصفنا لك فـي نظائره، فـيكون ذلك وجهاً صحيحاً ومذهبـاً مفهوماً.

اسامة محمد خيري
05-12-2016, 09:27
وقد رُوي عن ابن عبـاس وغيره أنهم قرأوا: «هو مُوَلاَّها» بـمعنى أنه موَّجه نـحوها، ويكون الكلام حينئذ غير مسمى فـاعله، ولو سمي فـاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة الله مولـيه إياها، بـمعنى موجهه إلـيها.

وقد ذكر عن بعضهم أنه قرأ ذلك: { وَلِكُلّ وِجْهَةٍ } بترك التنوين والإضافة. وذلك لـحن، ولا تـجوز القراءة به، لأن ذلك إذا قرىء كذلك كان الـخبر غير تامّ، وكان كلاماً لا معنى له، وذلك غير جائز أن يكون من الله جل ثناؤه.

والصواب عندنا من القراءة فـي ذلك: { وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّـيها } بـمعنى: ولكلّ وجهة وقبلة، ذلك الكلُّ مولّ وجهه نـحوها، لإجماع الـحجة من القراء علـى قراءة ذلك كذلك وتصويبها إياها، وشذوذ من خالف ذلك إلـى غيره. وما جاء به النقل مستفـيضاً فحجة، وما انفرد به من كان جائزاً علـيه السهو والـخطأ فغير جائز الاعتراض به علـى الـحجة.

اسامة محمد خيري
05-12-2016, 09:34
فقد أبـان تأويـل من ذكرنا تأويـله من أهل التأويـل قوله: { إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ } عن صحة ما قلنا فـي تأويـله وأنه استثناء علـى معنى الاستثناء الـمعروف الذي يثبت فـيهم لـما بعد حرف الاستثناء ما كان منفـياً عما قبلهم، كما أنّ قول القائل: «ما سار من الناس أحد إلا أخوك» إثبـات للأخ من السير ما هو منفـيّ عن كل أحد من الناس، فكذلك قوله: { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَـيْكُمْ حُجَّةٌ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ } نفـى عن أن يكون لأحد خصومة وجدل قِبَل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوى بـاطلة علـيه وعلـى أصحابه بسبب توجههم فـي صلاتهم قبل الكعبة، إلا الذين ظلـموا أنفسهم من قريش، فإن لهم قِبَلَهم خصومةً ودعوى بـاطلة بأن يقولوا: إنـما توجهتـم إلـينا وإلـى قبلتنا لأنا كنا أهدى منكم سبـيلاً، وأنكم كنتـم بتوجهكم نـحو بـيت الـمقدس علـى ضلال وبـاطل. وإذ كان ذلك معنى الآية بإجماع الـحجة من أهل التأويـل، فبـيّنٌ خطأ قول من زعم أن معنى قوله: { إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ }: ولا الذين ظلـموا منهم، وأن «إلا» بـمعنى الواو لأن ذلك لو كان معناه لكان النفـي الأول عن جميع الناس أن يكون لهم حجة علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فـي تـحوّلهم نـحو الكعبة بوجوههم مبـينا عن الـمعنى الـمراد، ولـم يكن فـي ذكر قوله بعد ذلك: { إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ } إلا التلبـيس الذي يتعالـى عن أن يضاف إلـيه، أو يوصف به.

هذا مع خروج معنى الكلام إذا وجهت «إلا» إلـى معنى الواو، ومعنى العطف من كلام العرب، وذلك أنه غير موجودة إلا فـي شيء من كلامها بـمعنى الواو إلا مع استثناء سابق قد تقدمها، كقول القائل: سار القوم إلا عمراً إلا أخاك، بـمعنى: إلا عمراً وأخاك، فتكون «إلا» حينئذ مؤدّية عما تؤدّي عنه الواو لتعلق «إلا» الثانـية ب«إلاّ» الأولـى، ويجمع فـيها أيضا بـين «إلا» والواو، فـيقال: سار القوم إلا عمراً وإلا أخاك، فتـحذف إحداهما فتنوب الأخرى عنها، فـيقال: سار القوم إلا عمراً وأخاك، أو إلا عمراً إلا أخاك، لـما وصفنا قبل. وإذ كان ذلك كذلك فغير جائز لـمدّع من الناس أن يدعي أن «إلا» فـي هذا الـموضع بـمعنى الواو التـي تأتـي بـمعنى العطف. وواضح فساد قول من زعم أن معنى ذلك: إلا الذين ظلـموا منهم فإنهم لا حجة لهم فلا تـخشوهم، كقول القائل فـي كلامه: الناس كلهم لك حامدون إلا الظالـم الـمعتدي علـيك، فإن ذلك لا يعتدّ بعداوته ولا بتركه الـحمد لـموضع العداوة. وكذلك الظالـم لا حجة له، وقد سمي ظالـماً لإجماع جميع أهل التأويـل علـى تـخطئة ما ادّعى من التأويـل فـي ذلك. وكفـى شاهداً علـى خطأ مقالته إجماعهم علـى تـخطئتها. وظاهر بطلان قول من زعم أن الذين ظلـموا هظ°هنا ناس من العرب كانوا يهوداً ونصارى، فكانوا يحتـجون علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فأما سائر العرب فلـم تكن لهم حجة، وكانت حجة من يحتـجّ منكسرة لأنك تقول لـمن تريد أن تكسر علـيه حجته: إن لك علـيّ حجة، ولكنها منكسرة، وإنك لتـحتـجّ بلا حجة، وحجتك ضعيفة. ووجَّه معنى: { إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ } إلـى معنى: إلا الذين ظلـموا منهم من أهل الكتاب، فإن لهم علـيكم حجة واهية أو حجة ضعيفة. ووَهْيُ قول من قال: «إلا» فـي هذا الـموضع بـمعنى «لكن»، وضَعْفُ قول من زعم أنه ابتداء بـمعنى: إلا الذين ظلـموا منهم فلا تـخشوهم لأن تأويـل أهل التأويـل جاء فـي ذلك بأن ذلك من الله عز وجل خبر عن الذين ظلـموا منهم أنهم يحتـجون علـى النبـي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بـما قد ذكرنا، ولـم يقصد فـي ذلك إلـى الـخبر عن صفة حجتهم بـالضعف ولا بـالقوّة وإن كانت ضعيفة لأنها بـاطلة وإنـما قصد فـيه الإثبـات للذين ظلـموا ما قد نفـى عن الذين قبل حرف الاستثناء من الصفة.

اسامة محمد خيري
05-12-2016, 09:45
ف«كما» إذ كان ذلك معنى الكلام صلة لقول الله عز وجل: { وَلأُتِـمَّ نِعْمَتِـي عَلَـيْكُمْ } ولا يكون قوله: { كَمَا أرْسَلْنَا فِـيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ } متعلقاً بقوله: { فَـاذْكُرُونِـي أذْكُرْكُمْ }.

وقد قال قوم: إن معنى ذلك: فـاذكرونـي كما أرسلنا فـيكم رسولاً منكم أذكركم. وزعموا أن ذلك من الـمقدّم الذي معناه التأخير، فأغرقوا النزع، وبعدوا من الإصابة، وحملوا الكلام علـى غير معناه الـمعروف وسوى وجهه الـمفهوم. وذلك أن الـجاري من الكلام علـى ألسن العرب الـمفهوم فـي خطابهم بـينهم إذا قال بعضهم لبعض: «كما أحسنت إلـيك يا فلان فأحسن» أن لا يشترطوا للآخر، لأن الكاف فـي «كما» شرط معناه: افعل كما فعلت، ففـي مـجيء جواب: { اذْكُرُونِـي } بعده وهو قوله: { أذْكُرْكُمْ } أوضح دلـيـل علـى أن قوله: { كَمَا أرْسَلْنَا } من صلة الفعل الذي قبله، وأن قوله: { اذْكُرُونِـي أذْكُرْكُمْ } خبر مبتدأ منقطع عن الأول، وأنه من سبب قوله: { كَمَا أرْسَلْنَا فِـيكُمْ } بـمعزل.

اسامة محمد خيري
05-12-2016, 10:20
والصواب من القول فـي ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالـى ذكره قد جعل الطواف بـين الصفـا والـمروة من شعائر الله، كما جعل الطواف بـالبـيت من شعائره. فأما قوله: { فَلاَ جُنَاحَ عَلَـيْهِ أنْ يَطّوَّفَ بِهِما } فجائز أن يكون قـيـل لكلا الفريقـين اللذين تـخوّف بعضهم الطواف بهما من أجل الصنـمين اللذين ذكرهما الشعبـي، وبعضهم من أجل ما كان من كراهتهم الطواف بهما فـي الـجاهلـية علـى ما روي عن عائشة. وأيّ الأمرين كان من ذلك فلـيس فـي قول الله تعالـى ذكره: { فَلاَ جُنَاحَ عَلَـيْهِ أنْ يَطّوَّفَ بِهِما } الآية، دلالة علـى أنه عنى به وضع الـحرج عمن طاف بهما، من أجل أن الطواف بهما كان غير جائز بحظر الله ذلك ثم جعل الطواف بهما رخصة لإجماع الـجميع، علـى أن الله تعالـى ذكره لـم يحظر ذلك فـي وقت، ثم رخص فـيه بقوله: { فَلاَ جُنَاحَ عَلَـيْهِ أنْ يَطّوَّفَ بِهِما }.

وإنـما الاختلاف فـي ذلك بـين أهل العلـم علـى أوجه فرأى بعضهم أن تارك الطواف بـينهما تارك من مناسك حجه ما لا يجزيه منه غير قضائه بعينه، كما لا يجزي تارك الطواف الذي هو طواف الإفـاضة إلا قضاؤه بعينه، وقالوا: هما طوافـان أمر الله بأحدهما بـالبـيت، والآخر بـين الصفـا والـمروة.

ورأى بعضهم أن تارك الطواف بهما يجزيه من تركه فدية، ورأوا أن حكم الطواف بهما حكم رمي بعض الـجمرات، والوقوف بـالـمشعر، وطواف الصَّدَر، وما أشبه ذلك مـما يجزي تاركه من تركه فدية ولا يـلزمه العود لقضائه بعينه.

ورأى آخرون أن الطواف بهما تطوّع، إن فعله صاحبه كان مـحسناً، وإن تركه تارك لـم يـلزمه بتركه شيء. والله تعالـى أعلـم....

ومعنى ذلك: ومن تطوّع بـالـحجّ والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة علـيه، فإن الله شاكر له علـى تطوّعه له بـما تطوّع به من ذلك ابتغاء وجهه فمـجازيه به، علـيـم بـما قصد وأراد بتطوّعه بـما تطوّع به.

وإنـما قلنا إن الصواب فـي معنى قوله: } فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً } هو ما وصفنا دون قول من زعم أنه معنـيّ به: فمن تطوّع بـالسعي والطواف بـين الصفـا والـمروة لأن الساعي بـينهما لا يكون متطوّعاً بـالسعي بـينهما إلا فـي حجّ تطوّع أو عمرة تطوّع لـما وصفنا قبل وإذ كان ذلك كذلك كان معلوماً أنه إنـما عنى بـالتطوّع بذلك التطوّع بـما يعمل ذلك فـيه من حجّ أو عمرة.

وأما الذين زعموا أن الطواف بهما تطوّع لا واجب، فإن الصواب أن يكون تأويـل ذلك علـى قولهم: فمن تطوّع بـالطواف بهما فإن الله شاكر لأن للـحاجّ والـمعتـمر علـى قولهم الطواف بهما إن شاء وترك الطواف، فـيكون معنى الكلام علـى تأويـلهم: فمن تطوّع بـالطواف بـالصفـا والـمروة، فإن الله شاكر تطوّعه ذلك، علـيـم بـما أراد ونوى الطائف بهما

اسامة محمد خيري
05-12-2016, 10:36
حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك فـي قوله: { أُولَئِكَ يَـلْعَنُهُمُ اللَّه ويَـلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ } قال: الكافر إذا وضع فـي حفرته ضرب ضربة بـمطرق فـيصيح صيحة يسمع صوته كل شيء إلا الثقلـين الـجنّ والإنس فلا يسمع صيحته شيء إلا لعنه.

وأولـى هذه الأقوال بـالصحة عندنا قول من قال: اللاعنون: الـملائكة والـمؤمنون لأن الله تعالـى ذكره قد وصف الكفـار بأن اللعنة التـي تـحلّ بهم إنـما هي من الله والـملائكة والناس أجمعين، فقال تعالـى ذكره:
{ إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ظ±للَّهِ وَظ±لْمَلاغ¤ئِكَةِ وَظ±لنَّاسِ أَجْمَعِينَ }
[البقرة: 161]. فكذلك اللعنة التـي أخبر الله تعالـى ذكره أنها حالة بـالفريق الآخر الذين يكتـمون ما أنزل الله من البـينات والهدى من بعد ما بـيناه للناس، هي لعنة الله التـي أخبر أن لعنتهم حالة بـالذين كفروا وماتوا وهم كفـار، وهم اللاعنون، لأن الفريقـين جميعاً أهل كفر.

وأما قول من قال: إن اللاعنـين هم الـخنافس والعقارب وما أشبه ذلك من دبـيب الأرض وهوامِّها، فإنه قول لا تدرك حقـيقته إلا بخبر عن الله أن ذلك من فعلها تقوم به الـحجة، ولا خبر بذلك عن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، فـيجوز أن يقال إن ذلك كذلك.

وإذ كان ذلك كذلك، فـالصواب من القول فـيـما قالوه أن يقال: إن الدلـيـل من ظاهر كتاب الله موجود بخلاف أهل التأويـل، وهو ما وصفنا. فإن كان جائزاً أن تكون البهائم وسائر خـلق الله تلعن الذين يكتـمون ما أنزل الله فـي كتابه من صفة مـحمد صلى الله عليه وسلم ونعته ونبوّته، بعد علـمهم به، وتلعن معهم جميع الظلـمة، فغير جائز قطع الشهادة فـي أن الله عنى بـاللاعنـين البهائم والهوامّ ودبـيب الأرض، إلا بخبر للعذر قاطع، ولا خبر بذلك وظاهر كتاب الله الذي ذكرناه دالّ علـى خلافه.

اسامة محمد خيري
05-12-2016, 10:40
حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وأصْلَـحُوا وَبَـيَّنُوا } قال: بـينوا ما فـي كتاب الله للـمؤمنـين، وما سألوهم عنه من أمر النبـيّ صلى الله عليه وسلم، وهذا كله فـي يهود.

وقد زعم بعضهم أن معنى قوله: { وَبَـيَّنُوا } إنـما هو: وبـينوا التوبة بإخلاص العمل.

ودلـيـل ظاهر الكتاب والتنزيـل بخلافه، لأن القوم إنـما عوتبوا قبل هذه الآية علـى كتـمانهم ما أنزل الله تعالـى ذكره وبـينه فـي كتابه فـي أمر مـحمد صلى الله عليه وسلم ودينه. ثم استثنى منهم تعالـى ذكره الذين يبـينون أمر مـحمد صلى الله عليه وسلم ودينه فـيتوبون مـما كانوا علـيه من الـجحود والكتـمان، فأخرجهم من عذاب من يـلعنه الله ويـلعنه اللاعنون. ولـم يكن العتاب علـى تركهم تبـيـين التوبة بإخلاص العمل. والذين استثنى الله من الذين يكتـمون ما أنزل الله من البـينات والهدى من بعد ما بـينه للناس فـي الكتاب: عبد الله بن سلام وذووه من أهل الكتاب الذين أسلـموا فحسن إسلامهم واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

اسامة محمد خيري
05-12-2016, 10:47
حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: { وَالنَّاسِ أجْمَعِينَ } يعنـي بـالناس أجمعين: الـمؤمنـين.

وقال آخرون: بل ذلك يوم القـيامة يوقـف علـى رؤوس الأشهاد الكافر فـيـلعنه الناس كلهم. ذكر من قال ذلك:

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: أن الكافر يوقـف يوم القـيامة فـيـلعنه الله، ثم تلعنه الـملائكة، ثم يـلعنه الناس أجمعون.

وقال آخرون: بل ذلك قول القائل كائنا من كان: لعن الله الظالـم، فـيـلـحق ذلك كل كافر لأنه من الظلـمة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي قوله: { أُولَئِكَ عَلَـيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالـمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أجْمَعِينَ } فإنه لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا كافران فـيقول أحدهما: لعن الله الظالـم إلا وجبت تلك اللعنة علـى الكافر لأنه ظالـم، فكل أحد من الـخـلق يـلعنه.

وأولـى هذه الأقوال بـالصواب عندنا قول من قال: عنى الله بذلك جميع الناس بـمعنى لعنهم إياهم بقولهم: لعن الله الظالـم أو الظالـمين، فإن كل أحد من بنـي آدم لا يـمنع من قـيـل ذلك كائنا من كان، ومن أيّ أهل ملة كان، فـيدخـل بذلك فـي لعنته كل كافر كائنا ًمن كان. وذلك بـمعنى ما قاله أبو العالـية، لأن الله تعالـى ذكره أخبر عمن شهدهم يوم القـيامة أنهم يـلعنونهم، فقال:
{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ظ±فْتَرَىظ° عَلَى ظ±للَّهِ كَذِباً أُوْلَـظ°ئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىظ° رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ظ±لأَشْهَادُ هَـظ°ؤُلاغ¤ءِ ظ±لَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىظ° رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ ظ±للَّهِ عَلَى ظ±لظَّالِمِينَ }
[هود: 18]

. وأما ما قاله قتادة من أنه عنى به بعض الناس، فقول ظاهر التنزيـل بخلافه، ولا برهان علـى حقـيقته من خبر ولا نظر. فإن كان ظنّ أن الـمعنـيّ به الـمؤمنون من أجل أن الكفـار لا يـلعنون أنفسهم ولا أولـياءهم، فإن الله تعالـى ذكره قد أخبر أنهم يـلعنونهم فـي الآخرة، ومعلوم منهم أنهم يـلعنون الظلـمة، وداخـل فـي الظلـمة كل كافر بظلـمه نفسه، وجحوده نعمة ربه، ومخالفته أمره.

اسامة محمد خيري
06-12-2016, 08:44
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة عندنا فـي ذلك: { وَلَوْ تَرَى الَّذِينَ ظَلَـمُوا } بـالتاء من «ترى» { إِذْ يَرَوْنَ العَذَابَ أن القُوَةَ للّهِ جَميعاً وأنَّ اللَّه شَدِيدُ العَذَابِ } بـمعنى لرأيت أن القوة للّه جميعاً وأن الله شديد العذاب، فـيكون قوله «لرأيت» الثانـية مـحذوفة مستغنى بدلالة قوله: «ولو ترى الذين ظلـموا» عن ذكره، وإن كان جوابـاً للو ويكون الكلام وإن كان مخرجه مخرج الـخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم معنـيا به غيره، لأن النبـيّ صلى الله عليه وسلم كان لا شك عالـماً بأن القوّة لله جميعاً وأن الله شديد العذاب، ويكون ذلك نظير قوله:
{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ظ±للَّهَ لَهُ مُلْكُ ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ وَظ±لأَرْضِ }
[البقرة: 107] وقد بـيناه فـي موضعه.

وإنـما اخترنا ذلك علـى قراءة الـياء لأن القوم إذا رأوا العذاب قد أيقنوا أن القوّة لله جميعاً، وأن الله شديد العذاب، فلا وجه أن يقال: لو يرون أن القوّة لله جميعاً حينئذ، لأنه إنـما يقال: «لو رأيت» لـمن لـم ير، فأما من قد رآه فلا معنى لأن يقال له: «لو رأيت».

اسامة محمد خيري
06-12-2016, 08:54
وقال آخرون بـما:

حدثنـي به موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: { إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا } أما الذين اتبعوا فهم الشياطين تبرّءوا من الإنس.

قال أبو جعفر: والصواب من القول عندي فـي ذلك أن الله تعالـى ذكره أخبر أن الـمتّبعينَ علـى الشرك بـالله يتبرّءون من أتبـاعهم حين يعاينون عذاب الله ولـم يخصص بذلك منهم بعضاً دون بعض، بل عمّ جميعهم، فداخـل فـي ذلك كل متبوع علـى الكفر بـالله والضلال أنه يتبرأ من أتبـاعه الذين كانوا يتبعونه علـى الضلال فـي الدنـيا إذا عاينوا عذاب الله فـي الآخرة.

وأما دلالة الآية فـيـمن عنى بقوله: { إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِين اتَّبَعُوا } فإنها إنـما تدلّ علـى أن الأنداد الذين اتـخذهم من دون الله مَن وصف تعالـى ذكره صفته بقوله: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّـخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أنْدَاداً } هم الذين يتبرّءون من أتبـاعهم. وإذا كانت الآية علـى ذلك دالة صحّ التأويـل الذي تأوّله السدي فـي قوله: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّـخِذُ مِنْ دُون اللَّهِ أنْدَاداً } أن الأنداد فـي هذا الـموضع إنـما أريد بها الأندار من الرجال الذين يطيعونهم فيما أمروهم به من أمر، ويعصون الله فـي طاعتهم إياهم، كما يطيع الله الـمؤمنون ويعصون غيره، وفسد تأويـل قول من قال: { إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا } إنهم الشياطين تبرّءوا من أولـيائهم من الإنس لأن هذه الآية إنـما هي فـي سياق الـخبر عن متـخذي الأنداد.

اسامة محمد خيري
06-12-2016, 08:59
فقال بعضهم: معنى ذلك: كذلك يريهم الله أعمالهم التـي فرضها علـيهم فـي الدنـيا فضيعوها ولـم يعملوا بها حتـى استوجب ما كان الله أعدَّ لهم لو كانوا عملوا بها فـي حياتهم من الـمساكن والنعم غيرُهم بطاعته ربَّه فصار ما فـاتهم من الثواب الذي كان الله أعدّه لهم عنده لو كانوا أطاعوه فـي الدنـيا إذْ عاينوه عند دخول النار أو قبل ذلك أسى وندامة وحسرة علـيهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: { كَذَلِكَ يُريهِمُ اللّهُ أعْمالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَـيْهِمْ } زعم أنه يرفع لهم الـجنة فـينظرون إلـيها وإلـى بـيوتهم فـيها لو أنهم أطاعوا الله، فـيقال لهم: تلك مساكنكم لو أطعتـم الله ثم تقسم بـين الـمؤمنـين، فـيرثونهم، فذلك حين يندمون.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفـيان عن سلـمة بن كهيـل، قال: ثنا أبو الزعراء، عن عبد الله فـي قصة ذكرها فقال: فلـيس نفس إلا وهي تنظر إلـى بـيت فـي الـجنة وبـيت فـي النار، وهو يوم الـحسرة. قال: فـيرى أهل النار الذين فـي الـجنة، فـيقال لهم: لو عملتـم فتأخذهم الـحسرة. قال: فـيرى أهل الـجنة البـيت الذي فـي النار، فـيقال: لولا أن منَّ الله علـيكم

فإن قال قائل: وكيف يكون مضافـاً إلـيهم من العمل ما لـم يعملوه علـى هذا التأويـل؟ قـيـل: كما يعرض علـى الرجل العمل فـيقال له قبل أن يعمله: هذا عملك، يعنـي هذا الذي يجب علـيك أن تعمله، كما يقال للرجل يحضر غداؤه قبل أن يتغدى به: هذا غداؤك الـيوم، يعنـي به: هذا ما تتغدى به الـيوم، فكذلك قوله: { كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أعمْالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَـيْهِمْ } يعنـي: كذلك يريهم الله أعمالهم التـي كان لازما لهم العمل بها فـي الدنـيا حسرات علـيهم.

وقال آخرون: كذلك يريهم الله أعمالهم السيئة حسرات علـيهم: لـم عملوها، وهلا عملوا بغيرها مـما يرضى الله تعالـى ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: { كَذَلِكَ يُريهِمُ اللّهُ أعمْالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَـيْهِمْ } فصارت أعمالهم الـخبـيثة حسرة علـيهم يوم القـيامة.

حدثنـي يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { أعْمالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَـيْهِمْ } قال: أو لـيس أعمالهم الـخبـيثة التـي أدخـلهم الله بها النار حسرات علـيهم؟ قال: وجعل أعمال أهل الـجنة لهم، وقرأ قول الله:
{ بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ظ±لأَيَّامِ ظ±لْخَالِيَةِ }
[الحاقة: 24]. قال أبو جعفر: وأولـى التأويـلـين بـالآية تأويـل من قال: معنى قوله: { كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أعْمالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَـيْهِمْ } كذلك يرى الله الكافرين أعمالهم الـخبـيثة حسرات علـيهم لـم عملوا بها، وهلا عملوا بغيرها فندموا علـى ما فرط منهم من أعمالهم الرديئة إذْ رأوا جزاءها من الله وعقابها؟ لأن الله أخبر أنه يريهم أعمالهم ندما علـيهم.

فـالذي هو أولـى بتأويـل الآية ما دل علـيه الظاهر دون ما احتـمله البـاطن الذي لا دلالة علـى أنه الـمعنـيّ بها. والذي قال السدي فـي ذلك وإن كان مذهبـا تـحتـمله الآية، فإنه منزع بعيد، ولا أثر بأن ذلك كما ذكر تقوم به حجة فـيسلـم لها، ولا دلالة فـي ظاهر الآية أنه الـمراد بها. فإذا كان الأمر كذلك لـم يُحَلْ ظاهر التنزيـل إلـى بـاطن تأويـل

اسامة محمد خيري
06-12-2016, 09:12
وأولـى التأويـل عندي بـالآية التأويـل الأول الذي قاله ابن عبـاس ومن وافقه علـيه، وهو أن معنى الآية: ومثل وعظ الكافر وواعظه كمثل الناعق بغنـمه ونعيقه، فإنه يسمع نعقه ولا يعقل كلامه علـى ما قد بـينا قبل.

فأما وجه جواز حذف «وعظ» اكتفـاء بـالـمثل منه فقد أتـينا علـى البـيان عنه فـي قوله:
{ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ظ±لَّذِي ظ±سْتَوْقَدَ نَاراً }
[البقرة: 17] وفـي غيره من نظائره من الآيات بـما فـيه الكفـاية عن إعادته. وإنـما اخترنا هذا التأويـل، لأن هذه الآية نزلت فـي الـيهود، وإياهم عنى الله تعالـى ذكره بها، ولـم تكن الـيهود أهل أوثان يعبدونها ولا أهل أصنام يعظمونها ويرجون نفعها أو دفع ضرها. ولا وجه إذ كان ذلك كذلك لتأويـل من تأول ذلك أنه بـمعنى: مثل الذين كفروا فـي ندائهم الآلهة ودعائهم إياها.

فإن قال قائل: وما دلـيـلك علـى أن الـمقصود بهذه الآية الـيهود؟ قـيـل: دلـيـلنا علـى ذلك ما قبلها من الآيات وما بعدها، فإنهم هم الـمعنـيون به، فكان ما بـينهما بأن يكون خبراً عنهم أحق وأولـى من أن يكون خبراً عن غيرهم حتـى تأتـي الأدلة واضحة بـانصراف الـخبر عنهم إلـى غيرهم.

اسامة محمد خيري
06-12-2016, 09:19
وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية قول من قال: { فَمَنِ اضْطُّرَّ غَيْرَ بـاغٍ } بأكله ما حرم علـيه من أكله وَلا عاد فـي أكله، وله عن ترك أكله بوجود غيره مـما أحله الله له مندوحة وغنى، وذلك أن الله تعالـى ذكره لـم يرخص لأحد فـي قتل نفسه بحال، وإذ كان ذلك كذلك فلا شك أن الـخارج علـى الإمام والقاطع الطريق وإن كانا قد أتـيا ما حرّم الله علـيهما من خروج هذا علـى من خرج علـيه وسعي هذا بـالإفساد فـي الأرض، فغير مبـيح لهما فعلهما ما فعلا مـما حرّم الله علـيهما ما كان حرّم الله علـيهما قبل إتـيانهما ما أتـيا من ذلك من قتل أنفسهما، بل ذلك من فعلهما وإن لـم يؤدهما إلـى مـحارم الله علـيهما تـحريـماً فغير مرخص لهما ما كان علـيهما قبل ذلك حراماً، فإن كان ذلك كذلك، فـالواجب علـى قطاع الطريق والبغاة علـى الأئمة العادلة، الأوبةُ إلـى طاعة الله، والرجوع إلـى ما ألزمهما الله الرجوع إلـيه، والتوبة من معاصي الله لا قتل أنفسهما بـالـمـجاعة، فـيزدادان إلـى إثمهما إثماً، وإلـى خلافهما أمر الله خلافـاً.

وأما الذي وجه تأويـل ذلك إلـى أنه غير بـاغ فـي أكله شهوة، فأكل ذلك شهوة لا لدفع الضرورة الـمخوف منها الهلاك مـما قد دخـل فـيـما حرّمه الله علـيه، فهو بـمعنى ما قلنا فـي تأويـله، وإن كان للفظه مخالفـاً.

فأما توجيه تأويـل قوله: { وَلا عادٍ } ولا آكل منه شبعه ولكن ما يـمسك به نفسه فإن ذلك بعض معانـي الاعتداء فـي أكله، ولـم يخصص الله من معانـي الاعتداء فـي أكله معنى فـيقال عنى به بعض معانـيه. فإذا كان ذلك كذلك، فـالصواب من القول ما قلنا من أنه الاعتداء فـي كل معانـيه الـمـحرّمة.

اسامة محمد خيري
06-12-2016, 09:28
وقال آخرون: هو تعجب، يعنـي: فما أشد جراءتهم علـى النار بعملهم أعمال أهل النار ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن ابن عيـينة، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { فَمَا أصْبَرَهُمْ علـى النَّارِ } قال: ما أعملهم بأعمال أهل النار. وهو قول الـحسن وقتادة، وقد ذكرناه قبل.

فمن قال هو تعجب، وجه تأويـل الكلام إلـى: أولئك الذين اشتروا الضلالة بـالهدى والعذاب بـالـمغفرة فما أشدّ جراءتهم بفعلهم ما فعلوا من ذلك علـى ما يوجب لهم النار، كما قال تعالـى ذكره:
{ قُتِلَ ظ±لإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ }
[عبس: 17] تعجبـاً من كفره بـالذي خـلقه وسوّى خـلقه.

فأما الذين وجهوا تأويـله إلـى الاستفهام فمعناه: هؤلاء الذين اشتروا الضلالة بـالهدى والعذاب بـالـمغفرة فما أصْبَرَهم علـى النار والنار لا صبر علـيها لأحد حتـى استبدلوها بـمغفرة الله فـاعتاضوها منها بدلاً؟.

وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية قول من قال: ما أجرأهم علـى النار، بـمعنى: ما أجرأهم علـى عذاب النار، وأعملهم بأعمال أهلها وذلك أنه مسموع من العرب: ما أصبر فلاناً علـى الله، بـمعنى: ما أجرأ فلاناً علـى الله وإنـما يعجب الله خـلقه بإظهار الـخبر عن القوم الذين يكتـمون ما أنزل الله تبـارك وتعالـى من أمر مـحمد صلى الله عليه وسلم ونبوّته، واشترائهم بكتـمان ذلك ثمناً قلـيلاً من السحت والرشا التـي أعطوها علـى وجه التعجب من تقدمهم علـى ذلك مع علـمهم بأن ذلك موجب لهم سخط الله وألـيـم عقابه.

وإنـما معنى ذلك: «فما أجرأهم علـى عذاب النار» ولكن اجتزىء بذكر النار من ذكر عذابها كما يقال: ما أشبه سخاءك بحاتـم، بـمعنى: ما أشبه سخاءك بسخاء حاتـم، وما أشبه شجاعتك بعنترة!

اسامة محمد خيري
06-12-2016, 09:36
وأولـى هذين القولـين بتأويـل الآية القول الذي قاله قتادة والربـيع بن أنس أن يكون عنى بقوله: { لَـيْسَ البِرِّ أنْ تُوَلوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الـمَشْرِقِ وَالـمَغْرِبِ } الـيهود والنصارى، لأن الآيات قبلها مضت بتوبـيخهم ولومهم والـخبر عنهم وعما أعدّ لهم من ألـيـم العذاب، وهذا فـي سياق ما قبلها، إذ كان الأمر كذلك، لـيس البرّ أيها الـيهود والنصارى أن يولـي بعضكم وجهه قِبَل الـمشرق وبعضكم قِبَل الـمغرب، { وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بـاللّهِ وَالـيَوْمِ الآخِرِ وَالـمَلائِكَةِ وَالكِتابِ } الآية.

اسامة محمد خيري
06-12-2016, 09:55
وأولـى الأقوال عندي بـالصواب فـي قوله: { فَمَنْ عُفِـيَ لَهُ مِنْ أخِيه شَيْءٌ } فمن صفح له من الواجب كان لأخيه علـيه من القود عن شيء من الواجب علـى دية يأخذها منه، فـاتبـاع بـالـمعروف من العافـي عن الدم الراضي بـالدية من دم ولـيه، وأداء إلـيه من القاتل ذلك بإحسان لـما قد بـينا من العلل فـيـما مضى قبل من أن معنى قول الله تعالـى ذكره: { كُتِبَ عَلَـيْكُمُ القِصَاصُ } إنـما هو القصاص من النفوس القاتلة أو الـجارحة والشاجة عمداً، كذلك العفو أيضاً عن ذلك.

وأما معنى قوله: { فـاتِّبـاعٌ بـالـمَعْرُوفِ } فإنه يعنـي: فـاتبـاع علـى ما أوجبه الله له من الـحق قِبَل قاتل ولـيه من غير أن يزداد علـيه ما لـيس له علـيه فـي أسنان الفرائض أو غير ذلك، أو يكلفه ما لـم يوجبه الله له علـيه.

....

وأولـى التأويـلـين بقوله: { فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ ألِـيـمٌ } تأويـل من قال: فمن اعتدى بعد أخذه الدية، فقتل قاتل ولـيه، فله عذاب ألـيـم فـي عاجل الدنـيا وهو القتل لأن الله تعالـى جعل لكل ولـيّ قتـيـل قتل ظلـماً سلطاناً علـى قاتل ولـيه، فقال تعالـى ذكره:
{ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي ظ±لْقَتْلِ }
[الإسراء: 33]. فإذْ كان ذلك كذلك، وكان الـجميع من أهل العلـم مـجمعين علـى أن من قتل قاتل ولـيه بعد عفوه عنه وأخذه منه دية قتـيـله أنه بقتله إياه له ظالـم فـي قتله، كان بـيناً أن لا يولِّـي من قتله ظلـماً كذلك السلطان علـيه فـي القصاص والعفو وأخذ الدية، أيّ ذلك شاء. وإذا كان ذلك كذلك كان معلوماً أن ذلك عذابه، لأن من أقـيـم علـيه حده فـي الدنـيا كان ذلك عقوبته من ذنبه ولـم يكن به متبعاً فـي الآخرة، علـى ما قد ثبت به الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما ما قاله ابن جريج من أن حكم من قتل قاتل ولـيه بعد عفوه عنه وأخذه دية ولـيه الـمقتول إلـى الإمام دون أولـياء الـمقتول، فقول خلاف لـما دلّ علـيه ظاهر كتاب الله وأجمع علـيه علـماء الأمة. وذلك أن الله جعل لولـيّ كل مقتول ظلـماً السلطان دون غيره من غير أن يخصّ من ذلك قتـيلاً دون قتـيـل، فسواء كان ذلك قتـيـل ولـي من قتله أو غيره. ومن خصّ من ذلك شيئاً سئل البرهان علـيه من أصل أو نظير وعكس علـيه القول فـيه، ثم لن يقول فـي شيء من ذلك قولاً إلا ألزم فـي الآخر مثله. ثم فـي إجماع الـحجة علـى خلافه ما قاله فـي ذلك مكتفـى فـي الاستشهاد علـى فساده بغيره.

اسامة محمد خيري
06-12-2016, 10:19
وأولـى الأقوال فـي تأويـل الآية، أن يكون تأويـلها: فمن خاف من موص جنفـاً أو إثماً وهو أن يـميـل إلـى غير الـحقّ خطأ منه أو يتعمد إثماً فـي وصيته بأن يوصي لوالديه وأقربـيه الذين لا يرثونه بأكثر مـما يجوز له أن يوصي لهم به من ماله، وغير ما أذن الله له به مـما جاوز الثلث، أو بـالثلث كله، وفـي الـمال قلة، وفـي الورثة كثرة، فلا بأس علـى من حضره أن يصلـح بـين الذين يوصَى لهم وبـين ورثة الـميت وبـين الـميت، بأن يأمر الـميت فـي ذلك بـالـمعروف، ويعرّفه ما أبـاح الله له فـي ذلك، وأذن له فـيه من الوصية فـي ماله، وينهاه أن يجاوز فـي وصيته الـمعروف الذي قال الله تعالـى ذكره فـي كتابه:
{ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ظ±لْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ظ±لْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَظ±لأَقْرَبِينَ بِظ±لْمَعْرُوفِ }
[البقرة: 180] وذلك هو الإصلاح الذي قال الله تعالـى ذكره: { فأصْلَـحَ بَـيْنَهُمْ فَلا إثْمَ عَلَـيْهِ } وكذلك لـمن كان فـي الـمال فضل وكثرة، وفـي الورثة قلة، فأراد أن يقصر فـي وصيته لوالديه وأقربـيه عن ثلثه، فأصلـح من حضره بـينه وبـين ورثته وبـين والديه وأقربـيه الذين يريد أن يوصي لهم بأن يأمر الـمريض أن يزيد فـي وصيته لهم، ويبلغ بها ما رخص الله فـيه من الثلث، فذلك أيضاً هو من الإصلاح بـينهم بـالـمعروف.

وإنـما اخترنا هذا القول لأن الله تعالـى ذكره قال: { فَمَنْ خافَ مِن مُوصٍ جَنَفـاً أوْ إثْماً } يعنـي بذلك: فمن خاف من موص أن يجنف أو يأثم. فخوف الـجنف والإثم من الـموصي إنـما هو كائن قبل وقوع الـجنف والإثم، فأما بعد وجوده منه فلا وجه للـخوف منه بأن يجنف أو يأثم، بل تلك حال من قد جنف أو أثم، ولو كان ذلك معناه قـيـل: فمن تبـين من موص جنفـاً أو إثماً، أو أيقن أو علـم، ولـم يقل فمن خاف منه جنفـاً.

فإن أشكل ما قلنا من ذلك علـى بعض الناس فقال: فما وجه الإصلاح حينئذٍ والإصلاح إنـما يكون بـين الـمختلفـين فـي الشيء؟ قـيـل: إن ذلك وإن كان من معانـي الإصلاح، فمن الإصلاحِ الإصلاحُ بـين الفريقـين فـيـما كان مخوفـاً حدوث الاختلاف بـينهم فـيه بـما يؤمن معه حدوث الاختلاف لأن الإصلاح إنـما هو الفعل الذي يكون معه إصلاح ذات البـين، فسواء كان ذلك الفعل الذي يكون معه إصلاح ذات البـين قبل وقوع الاختلاف أو بعد وقوعه.

فإن قال قائل: فكيف قـيـل: فأصلـح بـينهم، ولـم يجر للورثة ولا للـمختلفـين أو الـمخوف اختلافهم ذكر؟ قـيـل: بل قد جرى ذكر الله الذين أمر تعالـى ذكره بـالوصية لهم، وهم والدا الـموصي وأقربوه والذين أمروا بـالوصية فـي قوله:
{ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ظ±لْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ظ±لْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَظ±لأَقْرَبِينَ بِظ±لْمَعْرُوفِ }
[البقرة: 180] ثم قال تعالـى ذكره: { فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ } لـمن أمرته بـالوصية له { جنَفَـاً أوْ إثْماً فأصْلَـحَ بَـيْنَهُمْ } وبـين من أمرته بـالوصية له، { فَلا إثْمَ عَلَـيْهِ } والإصلاح بـينه وبـينهم هو إصلاح بـينهم وبـين ورثة الـموصي.

اسامة محمد خيري
06-12-2016, 10:25
وأولـى هذه الأقوال بـالصواب قول من قال: معنى الآية: يا أيها الذين آمنوا فرض علـيكم الصيام كما فرض علـى الذين من قبلكم من أهل الكتاب، أياما معدودات، وهي شهر رمضان كله لأن من بعد إبراهيـم صلى الله عليه وسلم كان مأمورا بـاتبـاع إبراهيـم، وذلك أن الله جل ثناؤه كان جعله للناس إماما، وقد أخبرنا الله عزّ وجل أن دينه كان الـحنـيفـية الـمسلـمة، فأمر نبـينا صلى الله عليه وسلم بـمثل الذي أمر به من قبله من الأنبـياء.

وأما التشبـيه فإنـما وقع علـى الوقت، وذلك أن من كان قبلنا إنـما كان فرض علـيهم شهر رمضان مثل الذي فرض علـينا سواء......

وأولـى ذلك بـالصواب عندي قول من قال: عنى الله جل ثناؤه بقوله: { أيَّاماً مَعْدُودَاتٍ } أيام شهر رمضان، وذلك أنه لـم يأت خبر تقوم به حجة بأن صوماً فرض علـى أهل الإسلام غير صوم شهر رمضان، ثم نسخ بصوم شهر رمضان، وأن الله تعالـى قد بـين فـي سياق الآية أن الصيام الذي أوجبه جل ثناؤه علـينا هو صيام شهر رمضان دون غيره من الأوقات بإبـانته، عن الأيام التـي أخبر أنه كتب علـينا صومها بقوله:
{ شَهْرُ رَمَضَانَ ظ±لَّذِيغ¤ أُنْزِلَ فِيهِ ظ±لْقُرْآنُ }
[البقرة: 185] فمن ادعى أن صوماً كان قد لزم الـمسلـمين فرضه غير صوم شهر رمضان الذين هم مـجمعون علـى وجوب فرض صومه ثم نسخ ذلك سئل البرهان علـى ذلك من خبر تقوم به حجة، إذ كان لا يعلـم ذلك إلا بخبر يقطع العذر. وإذ كان الأمر فـي ذلك علـى ما وصفنا للذي بـينا، فتأويـل الآية: كتب علـيكم أيها الـمؤمنون الصيام كما كتب علـى الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياماً معدودات، هي شهر رمضان.

وجائز أيضاً أن يكون معناه:
{ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ظ±لصِّيَامُ }
[البقرة: 183]: كتب علـيكم شهر رمضان.

اسامة محمد خيري
06-12-2016, 10:35
وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية قول من قال: { وَعلـى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِين } منسوخ بقول الله تعالـى ذكره:
{ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ظ±لشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ }
[البقرة: 185] لأن الهاء التـي فـي قوله: { وَعلـى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } من ذكر الصيام. ومعناه: وعلـى الذين يطيقون الصيام فدية طعام مسكين. فإذا كان ذلك كذلك، وكان الـجميع من أهل الإسلام مـجمعين علـى أن من كان مطيقاً من الرجال الأصحاء الـمقـيـمين غير الـمسافرين صوم شهر رمضان فغير جائز له الإفطار فـيه والافتداء منه بطعام مسكين، كان معلوماً أن الآية منسوخة. هذا مع ما يؤيد هذا القول من الأخبـار التـي ذكرناها آنفـاً عن معاذ بن جبل وابن عمر وسلـمة بن الأكوع، من أنهم كانوا بعد نزول هذه الآية علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي صوم شهر رمضان بـالـخيار بـين صومه وسقوط الفدية عنهم، وبـين الإفطار والافتداء من إفطاره بإطعام مسكين لكل يوم، وأنهم كانوا يفعلون ذلك حتـى نزلت:
{ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ظ±لشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ }
[البقرة: 185] فألزموا فرض صومه، وبطل الـخيار والفدية.

فإن قال قائل: وكيف تدعي إجماعاً من أهل الإسلام علـى أن من أطاق صومه وهو بـالصفة التـي وصفت فغير جائز له إلا صومه، وقد علـمت قول من قال: الـحامل والـمرضع إذا خافتا علـى أولادهما لهما الإفطار، وإن أطاقتا الصوم بأبدانهما، مع الـخبر الذي رُوي فـي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي:

حدثنا به هناد بن السري، قال: ثنا قبـيصة، عن سفـيان، عن أيوب، عن أبـي قلابة، عن أنس، قال: أتـيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتغدى فقال:

تَعالَ أُحدّثْكَ، إن اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الـمُسافِرِ وَالـحامِلِ وَالـمُرْضِعِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلاة "

قـيـل: إنا لـم نّدع إجماعاً فـي الـحامل والـمرضع، وإنـما ادعينا فـي الرجال الذين وصفنا صفتهم. فأما الـحامل والـمرضع فإنـما علـمنا أنهنّ غير معنـيات بقوله: { وَعلـى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } وخلا الرجال أن يكونوا معنـيـين به لأنهنّ لو كنّ معنـيات بذلك دون غيرهن من الرجال لقـيـل: وعلـى اللواتـي يطقنه فدية طعام مسكين لأن ذلك كلام العرب إذا أفرد الكلام بـالـخبر عنهن دون الرجال فلـما قـيـل: { وَعلـى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } كان معلوماً أن الـمعنـيّ به الرجال دون النساء، أو الرجال والنساء. فلـما صحّ بإجماع الـجميع علـى أن من أطاق من الرجال الـمقـيـمين الأصحاء صوم شهر رمضان فغير مرخص له فـي الإفطار والافتداء، فخرج الرجال من أن يكونوا معنـيـين بـالآية، وعلـم أن النساء لـم يردن بها لـما وصفنا من أن الـخبر عن النساء إذا انفرد الكلام بـالـخبر عنهن وعلـى اللواتـي يطقنه، والتنزيـل بغير ذلك.

وأما الـخبر الذي رُوي عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم فإنه إن كان صحيحاً، فإنـما معناه أنه وضع عن الـحامل والـمرضع الصوم ما دامتا عاجزتـين عنه حتـى تطيقا فتقضيا، كما وضع عن الـمسافر فـي سفره حتـى يقـيـم فـيقضيه، لا أنهما أمرتا بـالفدية والإفطار بغير وجوب قضاء، ولو كان فـي قول النبـيّ صلى الله عليه وسلم: " إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الـمُسافِرِ وَالـمُرْضِعِ وَالـحامِلِ الصَّوْمَ " دلالة علـى أنه صلى الله عليه وسلم إنـما عنى أن الله تعالـى ذكره وضع عنهم بقوله: { وَعلـى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِين } لوجب أن لا يكون علـى الـمسافر إذا أفطر فـي سفره قضاء، وأن لا يـلزمه بإفطاره ذلك إلا الفدية لأن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قد جمع بـين حكمه وبـين حكم الـحامل والـمرضع، وذلك قول إن قاله قائل خلاف لظاهر كتاب الله ولـما أجمع علـيه جميع أهل الإسلام.

اسامة محمد خيري
06-12-2016, 10:41
حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الأشعث بن سلـيـم، قال: صحبت أبـي والأسود بن يزيد وعمرو بن ميـمون وأبـا وائل إلـى مكة، وكانوا يصومون رمضان وغيره فـي السفر.

حدثنا علـيّ بن حسن الأزدي. قال: ثنا معافـى بن عمران، عن سفـيان، عن حماد، عن سعيد بن جبـير: الفطر فـي السفر رخصة، والصوم أفضل.

حدثنـي مـحمد بن عبد الله بن سعيد الواسطي، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا صالـح بن مـحمد بن صالـح، عن أبـيه قال: قلت للقاسم بن مـحمد: إنا نسافر فـي الشتاء فـي رمضان، فإن صمت فـيه كان أهون علـيّ من أن أقضيه فـي الـحر. فقال: قال الله: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الـيُسْرَ ولاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ } ما كان أيسر علـيك فـافعل.

وهذا القول عندنا أولـى بـالصواب لإجماع الـجميع علـى أن مريضاً لو صام شهر رمضان وهو مـمن له الإفطار لـمرضه أن صومه ذلك مـجزىء عنه، ولا قضاء علـيه إذا برأ من مرضه بعدة من أيام أخر، فكان معلوماً بذلك أن حكم الـمسافر حكمه فـي أن لا قضاء علـيه إن صامه فـي سفره، لأن الذي جعل للـمسافر من الإفطار وأمر به من قضاء عدة من أيام أخر مثل الذي جعل من ذلك للـمريض وأمر به من القضاء.

ثم فـي دلالة الآية كفـاية مغنية عن استشهاد شاهد علـى صحة ذلك بغيرها، وذلك قول الله تعالـى ذكره: { يُريدُ الله بِكُم الـيُسْرَ ولاَ يُرِيدُ بِكُم العُسْرَ } ولا عسر أعظم من أن يـلزم من صامه فـي سفره عدة من أيام أخر، وقد تكلف أداء فرضه فـي أثقل الـحالـين علـيه حتـى قضاه وأدّاه.

اسامة محمد خيري
07-12-2016, 07:40
والصواب من القول فـي تأويـل ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالـى ذكره قال: { وَابْتَغُوا } بـمعنى: اطلبوا ما كتب الله لكم، يعنـي الذي قضى الله تعالـى لكم. وإنـما يريد الله تعالـى ذكره: اطلبوا الذي كتبت لكم فـي اللوح الـمـحفوظ أنه يبـاح فـيطلق لكم وطلب الولد إن طلبه الرجل بجماعه الـمرأة مـما كتب الله له فـي اللوح الـمـحفوظ، وكذلك إن طلب لـيـلة القدر، فهو مـما كتب الله له، وكذلك إن طلب ما أحلّ الله وأبـاحه، فهو مـما كتبه له فـي اللوح الـمـحفوظ.....

وأولـى التأويـلـين بـالآية، التأويـل الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " الـخَيْطُ الأبْـيَضُ: بَـياضُ النهارِ، والـخَيْطُ الأسْوَدُ: سَوَادُ اللَّـيْـلِ " وهو الـمعروف فـي كلام العرب، قال أبو دؤاد الإيادي:
فَلَـمَّا أضَاءَتْ لَنا سُدْفَةٌ ولاحَ منَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أنارَا
وأما الأخبـار التـي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه شرب أو تسحر ثم خرج إلـى الصلاة، فإنه غير دافع صحة ما قلنا فـي ذلك لأنه غير مستنكر أن يكون صلى الله عليه وسلم شرب قبل الفجر، ثم خرج إلـى الصلاة، إذ كانت الصلاة صلاة الفجر هي علـى عهده كانت تصلـى بعد ما يطلع الفجر ويتبـين طلوعه ويؤذن لها قبل طلوعه.

وأما الـخبر الذي رُوي عن حذيفة أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم كان يتسحر وأنا أرى مواقع النبل، فإنه قد اسْتُثبت فـيه، فقـيـل له: أبعد الصبح؟ فلـم يجب فـي ذلك بأنه كان بعد الصبح، ولكنه قال: هو الصبح. وذلك من قوله يحتـمل أن يكون معناه هو الصبح لقربه منه وإن لـم يكن هو بعينه، كما تقول العرب: «هذا فلان شبهاً»، وهي تشير إلـى غير الذي سمته، فتقول: «هو هو» تشبـيهاً منها له به، فكذلك قول حذيفة: هو الصبح، معناه: هو الصبح شبهاً به وقربـاً منه.

وقال ابن زيد فـي معنى الـخيط الأبـيض والأسود ما:

حدثنـي به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { حتَّـى يَتَبَـيَّنَ لَكُمُ الـخَيْطُ الأبْـيَضُ مِنَ الـخَيْطِ الأسوَدِ مِنَ الفَجْرِ } قال: الـخيط الأبـيض الذي يكون من تـحت اللـيـل يكشف اللـيـل، والأسود: ما فوقه.....

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { وَلا تُبـاِشُروهُنَّ وأنْتُـمْ عاكِفُونَ فِـي الـمَساجِد } قال: الـمبـاشرة: الـجماع وغير الـجماع كله مـحرّم علـيه، قال: الـمبـاشرة بغير جماع: إلصاق الـجلد بـالـجلد.

وعلة من قال هذا القول، أن الله تعالـى ذكره عمّ بـالنهي عن الـمبـاشرة ولـم يخصص منها شيئاً دون شيء فذلك علـى ما عمه حتـى تأتـي حجة يجب التسلـيـم لها بأنه عنى به مبـاشرة دون مبـاشرة.

وأولـى القولـين عندي بـالصواب قول من قال: معنى ذلك الـجماع أو ما قام مقام الـجماع مـما أوجب غسلاً إيجابه وذلك أنه لا قول فـي ذلك إلا أحد قولـين: أما من جعل حكم الآية عاماً، أو جعل حكمها فـي خاصّ من معانـي الـمبـاشرة. وقد تظاهرت الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نساءه كن يرجلنه وهو معتكف، فلـما صحّ ذلك عنه، علـم أن الذي عنى به من معانـي الـمبـاشرة البعض دون الـجميع.

حدثنا علـيّ بن شعيب، قال: ثنا معن بن عيسى القزاز، قال: أخبرنا مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف يدنـي إلـيّ رأسه فأرجّله».

اسامة محمد خيري
07-12-2016, 07:58
وأولـى هذين القولـين بـالصواب، القول الذي قاله عمر بن عبد العزيز لأن دعوى الـمدعي نسخ آية يحتـمل أن تكون غير منسوخة بغير دلالة علـى صحة دعواه تـحكم، والتـحكم لا يعجز عنه أحد.

وقد دللنا علـى معنى النسخ والـمعنى الذي من قبله يثبت صحة النسخ بـما قد أغنى عن إعادته فـي هذه الـموضع.

فتأويـل الآية إذا كان الأمر علـى ما وصفنا: وقاتلوا أيها الـمؤمنون فـي سبـيـل الله وسبـيـله: طريقه الذي أوضحه ودينه الذي شرعه لعبـاده. يقول لهم تعالـى ذكره: قاتلوا فـي طاعتـي، وعلـى ما شرعت لكم من دينـي، وادعوا إلـيه من ولـىّ عنه، واستكبر بـالأيدي والألسن، حتـى ينـيبوا إلـى طاعتـي، أو يعطوكم الـجزية صغاراً إن كانوا أهل كتاب. وأمرهم تعالـى ذكره بقتال من كان منه قتال من مقاتلة أهل الكفر دون من لـم يكن منه قتال من نسائهم وذراريهم، فإنهم أموال وخول لهم إذا غلب الـمقاتلون منهم فقهروا، فذلك معنى قوله: { وَقاتِلُوا فِـي سَبِـيـلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ } لأنه أبـاح الكفّ عمن كفّ، فلـم يقاتل من مشركي أهل الأوثان والكافـين عن قتال الـمسلـمين من كفـار أهل الكتاب علـى إعطاء الـجزية صَغاراً.

فمعنى قوله: { وَلا تَعْتَدُوا } لا تقتلوا ولـيداً ولا امرأة ولا من أعطاكم الـجزية من أهل الكتابـين والـمـجوس،

اسامة محمد خيري
07-12-2016, 08:06
وأولـى هاتـين القراءتـين بـالصواب قراءة من قرأ: { وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ حَّتـى يُقاتِلُوكُمْ فِـيهِ فإنْ قاتَلُوكُمْ فـاقْتُلُوهُمْ } لأن الله تعالـى ذكره لـم يأمر نبـيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه فـي حال إذا قاتلهم الـمشركون بـالاستسلام لهم حتـى يقتلوا منهم قتـيلاً بعد ما أذن له ولهم بقتالهم، فتكون القراءة بـالإذن بقتلهم بعد أن يقتلوا منهم أولـى من القراءة بـما اخترنا.

وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه قد كان تعالـى ذكره أذن لهم بقتالهم إذا كان ابتداء القتال من الـمشركين قبل أن يقتلوا منهم قتـيلاً، وبعد أن يقتلوا منهم قتـيلاً.

وقد نسخ الله تعالـى ذكره هذه الآية بقوله:
{ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىظ° لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ }
[البقرة: 193] وقوله:
{ فَظ±قْتُلُواْ ظ±لْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ }
[التوبة: 5] ونـحو ذلك من الآيات.

اسامة محمد خيري
07-12-2016, 08:21
حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مـجاهد: { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَـيْكُمْ فـاعْتَدُوا عَلَـيْهِ بِـمِثْلِ ما اعْتَدَى عَلَـيْكُمْ } فقاتلوهم فـيه كما قاتلوكم.

وأشبه التأويـلـين بـما دلّ علـيه ظاهر الآية الذي حكي عن مـجاهد، لأن الآيات قبلها إنـما هي أمر من الله للـمؤمنـين بجهاد عدوّهم علـى صفة، وذلك قوله:
{ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ظ±للَّهِ ظ±لَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ }
[البقرة: 190] والآيات بعدها، وقوله: { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَـيْكُمْ فـاعْتَدُوا عَلَـيْهِ } إنـما هو فـي سياق الآيات التـي فـيها الأمر بـالقتال والـجهاد، والله جل ثناؤه إنـما فرض القتال علـى الـمؤمنـين بعد الهجرة فمعلوم بذلك أن قوله: { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَـيْكُمْ فـاعْتَدُوا عَلَـيْهِ بِـمِثْلِ ما اعْتَدَى عَلَـيْكُمْ } مدنـي لا مكي، إذ كان فرض قتال الـمشركين لـم يكن وجب علـى الـمؤمنـين بـمكة، وأن قوله: { فَمَن اعْتَدَى عَلَـيْكُمْ فـاعْتَدُوا عَلَـيْهِ بِـمِثْلِ ما اعْتَدَى عَلَـيْكُمْ } نظير قوله:
{ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ظ±للَّهِ ظ±لَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ }
[البقرة: 190] وأن معناه: فمن اعتدى علـيكم فـي الـحرم فقاتلكم فـاعتدوا علـيه بـالقتال نـحو اعتدائه علـيكم بقتاله إياكم، لأنـي قد جعلت الـحرمات قصاصاً، فمن استـحلّ منكم أيها الـمؤمنون من الـمشركين حرمة فـي حرمي، فـاستـحلوا منه مثله فـيه.

وهذه الآية منسوخة بإذن الله لنبـيه بقتال أهل الـحرم ابتداء فـي الـحرم وقوله:
{ وَقَاتِلُواْ ظ±لْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً... }
[التوبة: 36] علـى نـحو ما ذكرنا من أنه بـمعنى الـمـجازاة وإتبـاع لفظ لفظاً وإن اختلف معناهما، كما قال:
{ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ظ±للَّهُ }
[آل عمران: 54] وقد قال:
{ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ظ±للَّهُ مِنْهُمْ }
[التوبة: 79] وما أشبه ذلك مـما أتبع لفظ لفظاً واختلف الـمعنـيان.

والآخر أن يكون بـمعنى العَدْوِ الذي هو شدّ ووثوب من قول القائل: عدا الأسد علـى فريسته.

فـيكون معنى الكلام: فمن عدا علـيكم: أي فمن شدّ علـيكم ووثب بظلـم، فـاعدوا علـيه: أي فشدّوا علـيه وثبوا نـحوه قصاصاً لـما فعل بكم لا ظلـماً ثم تدخـل التاء فـي «عدا»، فـيقال افتعل مكان فعل، كما يقال: اقترب هذا الأمر بـمعنى قرب، واجتلب كذا بـمعنى جلب، وما أشبه ذلك.

اسامة محمد خيري
07-12-2016, 08:28
والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال: إن الله جل ثناؤه أمر بـالإنفـاق فـي سبـيـله بقوله: { وأنْفِقُوا فِـي سَبِـيـلِ اللَّهِ } وسبـيـله: طريقه الذي شرعه لعبـاده وأوضحه لهم.

ومعنى ذلك: وأنفقوا فـي إعزاز دينـي الذي شرعته لكم بجهاد عدوّكم الناصبـين لكم الـحرب علـى الكفر بـي ونهاهم أن يـلقوا بأيديهم إلـى التهلكة، فقال: { وَلا تُلْقُوا بأيْدِيكُمْ إلـى التَّهْلُكَة }. وذلك مثلٌ، والعرب تقول للـمستسلـم للأمر: أعطى فلان بـيديه، وكذلك يقال للـمـمكن من نفسه مـما أريد به أعطى بـيديه.

فمعنى قوله: { وَلا تُلْقُوا بأيْدِيكُمْ إلـى التَّهْلُكَة } ولا تستسلـموا للهلكة فتعطوها أزمتكم فتهلكوا والتارك النفقة فـي سبـيـل الله عند وجوب ذلك علـيه مستسلـم للهلكة بتركه أداء فرض الله علـيه فـي ماله. وذلك أن الله جل ثناؤه جعل أحد سهام الصدقات الـمفروضات الثمانـية فـي سبـيـله، فقال: إنَّـمَا الصَّدَقاتُ للفُقَراءِ وَالـمَساكِين إلـى قوله: وفِـي سَبِـيـلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِـيـلِ فمن ترك إنفـاق ما لزمه من ذلك فـي سبـيـل الله علـى ما لزمه كان للهلكة مستسلـماً وبـيديه للتهلكة ملقـياً. وكذلك الآيس من رحمة الله لذنب سلف منه، ملق بـيديه إلـى التهلكة، لأن الله قد نهى عن ذلك فقال:
{ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ظ±للَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ظ±للَّهِ إِلاَّ ظ±لْقَوْمُ ظ±لْكَافِرُونَ }
[يوسف: 87]. وكذلك التارك غزو الـمشركين وجهادهم فـي حال وجوب ذلك علـيه فـي حال حاجة الـمسلـمين إلـيه، مضيع فرضاً، ملق بـيده إلـى التهلكة.

فإذا كانت هذه الـمعانـي كلها يحتـملها قوله: { وَلا تُلْقُوا بأيْدِيكُمْ إلـى التَّهْلُكَةِ } ولـم يكن الله عزّ وجل خصّ منها شيئاً دون شيء، فـالصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله نهى عن الإلقاء بأيدينا لـما فـيه هلاكنا، والاستسلام للهلكة، وهي العذاب، بترك ما لزمنا من فرائضه، فغير جائز لأحد منا الدخول فـي شيء يكره الله منا مـما نستوجب بدخولنا فـيه عذابه. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن الأغلب من تأويـل الآية: وأنفقوا أيها الـمؤمنون فـي سبـيـل الله، ولا تتركوا النفقة فـيها فتهلكوا بـاستـحقاقكم بترككم ذلك عذابـي. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنا معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس قوله: { وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ إلـى التَّهْلُكَةِ } قال: التهلكة: عذاب الله.

اسامة محمد خيري
07-12-2016, 08:35
وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك عندنا، قراءة من قرأ بنصب العمرة علـى العطف بها علـى الـحج، بـمعنى الأمر بإتـمامهما له. ولا معنى لاعتلال من اعتلّ فـي رفعها بأن العمرة زيارة البـيت، فإن الـمعتـمر متـى بلغه، فلا عمل بقـي علـيه يؤمر بإتـمامه، وذلك أنه إذا بلغ البـيت فقد انقضت زيارته وبقـي علـيه تـمام العمل الذي أمره الله به فـي اعتـماره، وزيارته البـيت وذلك هو الطواف بـالبـيت، والسعي بـين الصفـا والـمروة، وتـجنب ما أمر الله بتـجنبه إلـى إتـمامه ذلك، وذلك عمل وإن كان مـما لزمه بإيجاب الزيارة علـى نفسه غير الزيارة. هذا مع إجماع الـحجة علـى قراءة العمرة بـالنصب، ومخالفة جميع قرّاء الأمصار قراءة من قرأ ذلك رفعا، ففـي ذلك مستغنى عن الاستشهاد علـى خطأ من قرأ ذلك رفعاً.

وأما أولـى القولـين اللذين ذكرنا بـالصواب فـي تأويـل قوله: { والعُمْرَةَ لِلّهِ } علـى قراءة من قرأ ذلك نصبـاً فقول عبد الله بن مسعود، ومن قال بقوله من أن معنى ذلك: وأتـموا الـحجّ والعمرة لله إلـى البـيت بعد إيجابكم إياهما لا أن ذلك أمر من الله عزّ وجل بـابتداء عملهما والدخول فـيهما وأداء عملهما بتـمامه بهذه الآية، وذلك أن الآية مـحتـملة للـمعنـيـين اللذين وصفنا من أن يكون أمراً من الله عزّ وجل بإقامتهما ابتداء وإيجابـاً منه علـى العبـاد فرضهما، وأن يكون أمراً منه بإتـمامهما بعد الدخول فـيهما، وبعد إيجاب موجبهما علـى نفسه، فإذا كانت الآية مـحتـملة للـمعنـيـين اللذين وصفنا، فلا حجة فـيها لأحد الفريقـين علـى الآخر، إلا وللآخر علـيه فـيها مثلها. وإذا كان كذلك ولـم يكن بإيجاب فرض العمرة خبر عن الـحجة للعذر قاطعاً، وكانت الأمة فـي وجوبها متنازعة، لـم يكن لقول قائل هي فرض بغير برهان دالّ علـى صحة قوله معنى، إذ كانت الفروض لا تلزم العبـاد إلا بدلالة علـى لزومها إياهم واضحة.

اسامة محمد خيري
07-12-2016, 08:48
وأولـى التأويـلـين بـالصواب فـي قوله: { فإنْ أُحْصِرْتُـمْ } تأويـل من تأوله بـمعنى: فإن أحصركم خوف عدوّ أو مرض أو علة عن الوصول إلـى البـيت، أي صيركم خوفكم أو مرضكم تـحصرون أنفسكم، فتـحبسونها عن النفوذ لـما أوجبتـموه علـى أنفسكم من عمل الـحجّ والعمرة. فلذا قـيـل «أحصرتـم»، لـما أسقط ذكر الـخوف والـمرض. يقال منه: أحصرنـي خوفـي من فلان عن لقائك، ومرضي عن فلان، يراد به: جعلنـي أحبس نفسي عن ذلك. فأما إذا كان الـحابس الرجل والإنسان، قـيـل: حصرنـي فلان عن لقائك، بـمعنى حبسنـي عنه.

فلو كان معنى الآية ما ظنه الـمتأوّل من قوله: { فإنْ أُحْصِرْتُـمْ } فإن حبسكم حابس من العدوّ عن الوصول إلـى البـيت، لوجب أن يكون: فإن حُصِرتـم.

ومـما يبـين صحة ما قلناه من أن تأويـل الآية مراد بها إحصار غير العدوّ وأنه إنـما يراد بها الـخوف من العدوّ، قوله: { فإنْ أمِنْتُـمْ فمَنْ تَـمَتّعَ بـالعُمْرَةِ إلـى الـحَج } والأمن إنـما يكون بزوال الـخوف. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الإحصار الذي عنى الله فـي هذه الآية هو الـخوف الذي يكون بزواله الأمن....

وأولـى القولـين بـالصواب قول من قال: ما استـيسر من الهدي شاة لأن الله جل ثناؤه إنـما أوجب ما استـيسر من الهدي، وذلك علـى كل ما تـيسر للـمهدي أن يهديه كائناً ما كان ذلك الذي يهدي. إلا أن يكون الله جل ثناؤه خصّ من ذلك شيئاً، فـيكون ما خصّ من ذلك خارجاً من جملة ما احتـمله ظاهر التنزيـل، ويكون سائر الأشياء غيره مـجزئاً إذا أهداه الـمهدي بعد أن يستـحقّ اسم هدي....

وأولـى هذه الأقوال بـالصواب فـي تأويـل هذه الآية قول من قال: إن الله عزّ وجل عنى بقوله: { فإنْ أُحْصِرْتُـمْ فَمَا اسْتَـيسَرَ مِنَ الهَدْيِ وَلا تَـحْلِقُوا رُءُؤُسَكُمْ حتَّـى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَـحِلَّهُ } كل مـحصر فـي إحرام بعمرة كان إحرام الـمـحصر أو بحجّ، وجعل مـحل هديه الـموضع الذي أحصر فـيه، وجعل له الإحلال من إحرامه ببلوغ هديه مـحله. وتأول بـالـمـحل الـمنـحر أو الـمذبح، وذلك حين حلّ نـحرُه أو ذبحُه فـي حرم كان أو فـي حلّ، وألزمه قضاء ما حلّ منه من إحرامه قبل إتـمامه إذا وجد إلـيه سبـيلاً، وذلك لتواتر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صدّ عام الـحديبـية عن البـيت وهو مـحرم وأصحابه بعمرة، فنـحر هو وأصحابه بأمره الهديَ، وحلوا من إحرامهم قبل وصولهم إلـى البـيت، ثم قضوا إحرامهم الذي حلوا منه فـي العام الذي بعده. ولـم يدّع أحد من أهل العلـم بـالسير ولا غيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحداً من أصحابه أقام علـى إحرامه انتظارا للوصول إلـى البـيت والإحلال بـالطواف به وبـالسعي بـين الصفـا والـمروة، ولا يَخفَـى وصول هديه إلـى الـحرم.

فأولـى الأفعال أن يقتدى به، فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لـم يأت بحظره خبر، ولـم تقم بـالـمنع منه حجة. فإذ كان ذلك كذلك، وكان أهل العلـم مختلفـين فـيـما اخترنا من القول فـي ذلك، فمن متأوّل معنى الآية تأويـلنا، ومن مخالف ذلك، ثم كان ثابتاً بـما قلنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النقل كان الذي نقل عنه أولـى الأمور بتأويـل الآية، إذ كانت هذه الآية لا يتدافع أهل العلـم أنها يومئذٍ نزلت وفـي حكم صدّ الـمشركين إياه عن البـيت أوحيت.

اسامة محمد خيري
07-12-2016, 09:06
والصواب من القول فـي ذلك عندنا ما ثبت به الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتظاهرت به عنه الرواية أنه أمر كعب بن عجرة بحلق رأسه من الأذى الذي كان برأسه ويفتدي إن شاء بنسك شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام فرق من طعام بـين ستة مساكين كل مسكين نصف صاع. وللـمفتدي الـخيار بـين أيّ ذلك شاء لأن الله لـم يحصره علـى واحدة منهن بعينها، فلا يجوز له أن يعدوها إلـى غيرها، بل جعل إلـيه فعل أيّ الثلاث شاء. ومن أبى ما قلنا من ذلك قـيـل له: ما قلت فـي الـمكفر عن يـمينه أمخير إذا كان موسراً فـي أن يكفر بأيّ الكفـارات الثلاث شاء؟ فإن قال: لا، خرج من قول جميع الأمة، وإن قال بلـى، سئل الفرق بـينه وبـين الـمفتدي من حلق رأسه وهو مـحرم من أذى به، ثم لن يقول فـي أحدهما شيئاً إلا ألزم فـي الآخر مثله. علـى أن ما قلنا فـي ذلك إجماع من الـحجة، ففـي ذلك مستغنى عن الاستشهاد علـى صحته بغيره.

وأما الزاعمون أن كفـارة الـحلق قبل الـحلق، فإنه يقال لهم: أخبرونا عن الكفـارة للـمتـمتع قبل التـمتع أو بعده؟ فإن زعموا أنها قبله قـيـل لهم: وكذلك الكفـارة عن الـيـمين قبل الـيـمين. فإن زعموا أن ذلك كذلك، خرجوا من قول الأمة. وإن قالوا: ذلك غير جائز. قـيـل: وما الوجه الذي من قبله وجب أن تكون كفـارة الـحلق قبل الـحلق وهدي الـمتعة قبل التـمتع ولـم يجب أن تكون كفـارة الـيـمين قبل الـيـمين؟ وهل بـينكم وبـين من عكس علـيكم الأمر فـي ذلك فأوجب كفـارة الـيـمين قبل الـيـمين وأبطل أن تكون كفـارة الـحلق كفـارة له إلا بعد الـحلق فرق من أصل أو نظير؟ فلن يقول فـي أحدهما شيئاً إلا ألزم فـي الآخر مثله.
...

والصواب من القول فـي ذلك، أن الله أوجب علـى حالق رأسه من أذى من الـمـحرمين فدية من صيام أو صدقة أو نسك، ولـم يشترط أن ذلك علـيه بـمكان دون مكان، بل أبهم ذلك وأطلقه، ففـي أي مكان نسك أو أطعم أو صام فـيجزي عن الـمفتدي وذلك لقـيام الـحجة علـى أن الله إذ حرم أمهات نسائنا فلـم يحصرهن علـى أنهن أمهات النساء الـمدخول بهن لـم يجب أن يكنّ مردودات الأحكام علـى الربـائب الـمـحصورات علـى أن الـمـحرمة منهن الـمدخول بأمها، فكذلك كل مبهمة فـي القرآن غير جائز ردّ حكمها علـى الـمفسرة قـياساً، ولكن الواجب أن يحكم لكل واحدة منهما بـما احتـمله ظاهر التنزيـل إلا أن يأتـي فـي بعض ذلك خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم بإحالة حكم ظاهره إلـى بـاطنه، فـيجب التسلـيـم حينئذ لـحكم الرسول، إذ كان هو الـمبـين عن مراد الله. وأجمعوا علـى أن الصيام مـجزىء عن الـحالق رأسه من أذى حيث صام من البلاد....

حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: { فإذَا أمِنْتُـمْ } قال: إذا أمن من خوفه، وبرأ من مرضه.

وهذا القول أشبه بتأويـل الآية، لأن الأمن هو خلاف الـخوف، لا خلاف الـمرض، إلا أن يكون مرضاً مخوفـاً منه الهلاك، فـيقال: فإذا أمنتـم الهلاك من خوف الـمرض وشدته، وذلك معنى بعيد.

وإنـما قلنا: إن معناه الـخوف من العدو لأن هذه الآيات نزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الـحديبـية وأصحابه من العدو خائفون، فعرفهم الله بها ما علـيهم إذا أحصرهم خوف عدوهم عن الـحج، وما الذي علـيهم إذا هم أمنوا من ذلك، فزال عنهم خوفهم....

وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية قول من قال: عَنَى بها: فإن أحصرتـم أيها الـمؤمنون فـي حجكم فما استـيسر من الهدي، فإذا أمنتـم فمن تـمتع مـمن حلّ من إحرامه بـالـحجّ بسبب الإحصار بعمرة اعتـمرها لفوته الـحجّ فـي السنة القابلة فـي أشهر الـحجّ إلـى قضاء الـحجة التـي فـاتته حين أحصر عنها، ثم دخـل فـي عمرته فـاستـمتع بإحلاله من عمرته إلـى أن يحجّ، فعلـيه ما استـيسر من الهدي، وإن كان قد يكون متـمتعاً من أنشأ عمرة فـي أشهر الـحجّ وقضاها ثم حلّ من عمرته وأقام حلالاً حتـى يحجّ من عامه غير أن الذي هو أولـى بـالذي ذكره الله فـي قوله: { فَمَنْ تَـمَتَّعَ بـالعُمْرَةِ إلـى الـحَجّ } هو ما وصفنا من أجل أن الله جل وعز أخبر عما علـى الـمـحصر عن الـحجّ والعمرة من الأحكام فـي إحصاره، فكان مـما أخبر تعالـى ذكره أنه علـيه إذا أمن من إحصاره فتـمتع بـالعمرة إلـى الـحجّ ما استـيسر من الهدي، فإن لـم يجد فصيام ثلاثة أيام كان معلوماً بذلك أنه معنـيّ به اللازم له عند أمنه من إحصاره من العمل بسبب الإحلال الذي كان منه فـي حجه الذي أحصر فـيه دون الـمتـمتع الذي لـم يتقدم عمرته ولا حجه إحصار مرض ولا خوف....

والصواب من القول فـي ذلك عندي أن للـمتـمتع أن يصوم الأيام الثلاثة التـي أوجب الله علـيه صومهنّ لـمتعته إذا لـم يجد ما استـيسر من الهدي من أول إحرامه بـالـحج بعد قضاء عمرته واستـمتاعه بـالإحلال إلـى حجه إلـى انقضاء آخر عمل حجه وذلك بعد انقضاء أيام منى سوى يوم النـحر، فإنه غير جائز له صومه ابتدأ صومهن قبله أو ترك صومهن فأخره حتـى انقضاء يوم عرفة.

وإنـما قلنا: له صوم أيام التشريق، لـما ذكرنا من العلة لقائل ذلك قَبْلُ، فإن صامهنّ قبل إحرامه بـالـحج فإنه غير مـجزىء صومه ذلك من الواجب علـيه من الصوم الذي فرضه الله علـيه لـمتعته وذلك أن الله جل وعز إنـما أوجب الصوم علـى من لـم يجد هدياً مـمن استـمتع بعمرته إلـى حجه، فـالـمعتـمر قبل إحلاله من عمرته وقبل دخوله فـي حجه غير مستـحق اسم متـمتع بعمرته إلـى حجه، وإنـما يقال له قبل إحرامه معتـمر حتـى يدخـل بعد إحلاله فـي الـحج قبل شخوصه عن مكة، فإذا دخـل فـي الـحج مـحرماً به بعد قضاء عمرته فـي أشهر الـحج ومقامه بـمكة بعد قضاء عمرته حلالاً حتـى حج من عامه سمي متـمتعاً....

وأولـى هذه الأقوال عندي قول من قال: معنى ذلك تلك عشرة كاملة علـيكم فرضنا إكمالها. وذلك أنه جل ثناؤه قال: فمن لـم يجد الهدي فعلـيه صيام ثلاثة أيام فـي الـحج وسبعة إذا رجع، ثم قال: تلك عشرة أيام علـيكم إكمال صومها لـمتعتكم بـالعمرة إلـى الـحج. فأخرج ذلك مخرج الـخبر، ومعناه الأمر بها...

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصحة عندنا قول من قال: إن حاضري الـمسجد الـحرام من هو حوله مـمن بـينه وبـينه من الـمسافة ما لا تقصر إلـيه الصلوات لأن حاضر الشيء فـي كلام العرب هو الشاهد له بنفسه. وإذا كان ذلك كذلك، وكان لا يستـحق أن يسمى غائبـاً إلا من كان مسافراً شاخصاً عن وطنه، وكان الـمسافر لا يكون مسافراً إلا بشخوصه عن وطنه إلـى ما تقصر فـي مثله الصلاة، وكان من لـم يكن كذلك لا يستـحق اسم غائب عن وطنه ومنزله، كان كذلك من لـم يكن من الـمسجد الـحرام علـى ما تقصر إلـيه الصلاة غير مستـحقّ أن يقال: هو من غير حاضريه إذ كان الغائب عنه هو من وصفنا صفته.

وإنـما لـم تكن الـمتعة لـمن كان من حاضري الـمسجد الـحرام من أجل أن التـمتع إنـما هو الاستـمتاع بـالإحلال من الإحرام بـالعمرة إلـى الـحجّ مرتفقاً فـي ترك العود إلـى الـمنزل والوطن بـالـمقام بـالـحرم حتـى ينشىء منه الإحرام بـالـحجّ، وكان الـمعتـمر متـى قضى عمرته فـي أشهر الـحجّ ثم انصرف إلـى وطنه، أو شخص عن الـحرم إلـى ما تقصر فـيه الصلاة، ثم حجّ من عامه ذلك، بطل أن يكون مستـمتعاً لأنه لـم يستـمتع بـالـمرفق الذي جعل للـمستـمتع من ترك العود إلـى الـميقات والرجوع إلـى الوطن بـالـمقام فـي الـحرم، وكان الـمكيّ من حاضري الـمسجد الـحرام لا يرتفق بذلك من أجل أنه متـى قضى عمرته أقام فـي وطنه بـالـحرم، فهو غير مرتفق بشيء مـما يرتفق به من لـم يكن أهله من حاضري الـمسجد الـحرام فـيكون متـمتعاً بـالإحلال من عمرته إلـى حجه.

اسامة محمد خيري
07-12-2016, 09:34
والصواب من القول فـي ذلك عندنا قول من قال: إن معنى ذلك الـحج شهران وعشر من الثالث لأن ذلك من الله خبر عن ميقات الـحجّ ولا عمل للـحج يعمل بعد انقضاء أيام منى، فمعلوم أنه لـم يعن بذلك جميع الشهر الثالث، وإذا لـم يكن معنـياً به جميعه صحّ قول من قال: وعشر ذي الـحجة.

فإن قال قائل: فكيف قـيـل: { الـحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ } وهو شهران وبعض الثالث؟ قـيـل إن العرب لا تـمتنع خاصة فـي الأوقات من استعمال مثل ذلك، فتقول له الـيوم يومان منذ لـم أره. وإنـما تعنـي بذلك يوماً وبعض آخر، وكما قال جل ثناؤه:
{ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ }
[البقرة:203] وإنـما يتعجل فـي يوم ونصف. وقد يفعل الفـاعل منهم الفعل فـي الساعة، ثم يخرجه عاماً علـى السنة والشهر، فـيقول: زرته العام وأتـيته الـيوم، وهو لا يريد بذلك أن فعله أخذ من أول الوقت الذي ذكره إلـى آخره، ولكنه يعنـي أنه فعله إذ ذاك وفـي ذلك الـحين، فكذلك الـحجّ أشهر، والـمراد منه الـحجّ شهران وبعض آخر.

فمعنى الآية إذاً: ميقات حجكم أيها الناس شهران وبعض الثالث، وهو شوّال وذو القعدة وعشر ذي الـحجة....

والصواب من القول فـي ذلك عندي أن الله جل ثناؤه نهى من فرض الـحجّ فـي أشهر الـحجّ عن الرفث، فقال: { فَمَنْ فَرَضَ فِـيهِنَّ الـحَجَّ فَلا رَفَثَ }. والرفث فـي كلام العرب: أصله الإفحاش فـي الـمنطق علـى ما قد بـينا فـيـما مضى، ثم تستعمله فـي الكناية عن الـجماع. فإذ كان ذلك كذلك، وكان أهل العلـم مختلفـين فـي تأويـله، وفـي هذا النهي من الله عن بعض معانـي الرفث أم عن جميع معانـيه، وجب أن يكون علـى جميع معانـيه، إذ لـم يأت خبر بخصوص الرفث الذي هو بـالـمنطق عند النساء من سائر معانـي الرفث يجب التسلـيـم له، إذ كان غير جائز نقل حكم ظاهر آية إلـى تأويـل بـاطن إلا بحجة ثابتة.

فإن قال قائل: إن حكمها من عموم ظاهرها إلـى البـاطن من تأويـلها منقول بإجماع، وذلك أن الـجميع لا خلاف بـينهم فـي أن الرفث عند غير النساء غير مـحظور علـى مـحرم، فكان معلوما بذلك أن الآية معنـيّ بها بعض الرفث دون بعض.

وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن لا يحرِّم من معانـي الرفث علـى الـمـحرم شيء إلا ما أجمع علـى تـحريـمه علـيه، أو قامت بتـحريـمه حجة يجب التسلـيـم لها. قـيـل: إن ما خصّ من الآية فأبـيح خارج من التـحريـم، والـحظر ثابت لـجميع ما لـم تـخصصه الـحجة من معنى الرفث بـالآية، كالذي كان علـيه حكمه لو لـم يخصّ منه شيء، لأن ما خصّ من ذلك وأخرج من عمومه إنـما لزمنا إخراج حكمه من الـحظر بأمر من لا يجوز خلاف أمره، فكان حكم ما شمله معنى الآية بعد الذي خصّ منها علـى الـحكم الذي كان يـلزم العبـاد فرضه بها لو لـم يخصص منها شيء لأن العلة فـيـما لـم يخصص منها بعد الذي خصّ منها نظير العلة فـيه قبل أن يخصّ منها شيء.

اسامة محمد خيري
07-12-2016, 09:49
وأولـى الأقوال التـي ذكرنا بتأويـل الآية فـي ذلك، قول من قال: معنى قوله: { وَلا فُسُوقَ } النهي عن معصية الله فـي إصابة الصيد وفعل ما نهى الله الـمـحرم عن فعله فـي حال إحرامه وذلك أن الله جل ثناؤه قال: { فَمَنْ فَرَضَ فِـيهِنَّ الـحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ } يعنـي بذلك فلا يرفث، ولا يفسق: أي لا يفعل ما نهاه الله عن فعله فـي حال إحرامه، ولا يخرج عن طاعة الله فـي إحرامه. وقد علـمنا أن الله جل ثناؤه قد حرّم معاصيَه علـى كل أحد، مـحرماً كان أو غير مـحرم، وكذلك حرّم التنابز بـالألقاب فـي حال الإحرام وغيرها بقوله:
{ وَلاَ تَلْمِزُوغ¤اْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِظ±لأَلْقَابِ }
[الحجرات: 11] وحرم علـى الـمسلـم سبـاب أخيه فـي كل حال فرض الـحجّ أو لـم يفرضه. فإذ كان ذلك كذلك، فلا شك أن الذي نهى الله عنه العبد من الفسوق فـي حال إحرامه وفرضه الـحجّ هو ما لـم يكن فسوقاً فـي حال إحلاله وقبل إحرامه بحجه كما أن الرفث الذي نهاه عنه فـي حال فرضه الـحجّ، هو الذي كان له مطلقاً قبل إحرامه لأنه لا معنى لأن يقال فـيـما قد حرّم الله علـى خـلقه فـي كل الأحوال: لا يفعلنّ أحدكم فـي حال الإحرام ما هو حرام علـيه فعله فـي كل حال، لأن خصوص حال الإحرام به لا وجه له وقد عمّ به جميع الأحوال من الإحلال والإحرام....

وأولـى هذه الأقوال فـي قوله { وَلا جِدَالَ فِـي الـحَجّ } بـالصواب، قول من قال: معنى ذلك: قد بطل الـجدال فـي الحجّ ووقته، واستقام أمره ووقته على وقت واحد، ومناسك متفقة غير مختلفة، ولا تنازع فـيه ولا مراء وذلك أن الله تعالـى ذكره أخبر أن وقت الـحجّ أشهر معلومات، ثم نفـى عن وقته الاختلاف الذي كانت الـجاهلـية فـي شركها تـختلف فـيه.

وإنـما اخترنا هذا التأويـل فـي ذلك ورأيناه أولـى بـالصواب مـما خالفه لـما قد قدمنا من البـيان آنفـا فـي تأويـل قوله: { وَلا فُسُوقَ } أنه غير جائز أن يكون الله خصّ بـالنهي عنه فـي تلك الـحال إلا ما هو مطلق مبـاح فـي الـحال التـي يخالفها، وهي حال الإحلال وذلك أن حكم ما خصّ به من ذلك حكم حال الإحرام إن كان سواء فـيه حال الإحرام وحال الإحلال، فلا وجه لـخصوصه به حالاً دون حال، وقد عمّ به جميع الأحوال. وإذ كان ذلك كذلك، وكان لا معنى لقول القائل فـي تأويـل قوله: { وَلا جِدَالَ فِـي الـحَجّ } أن تأويـله: لا تـمار صاحبك حتـى تغضبه، إلا أحد معنـيـين: إما أن يكون أراد لا تـماره ببـاطل حتـى تغضبه. فذلك ما لا وجه له، لأن الله عز وجل قد نهي عن الـمراء بـالبـاطل فـي كل حال مـحرماً كان الـمـماري أو مـحلاًّ، فلا وجه لـخصوص حال الإحرام بـالنهي عنه لاستواء حال الإحرام والإحلال فـي نهى الله عنه. أو يكون أراد: لا تـماره بـالـحق، وذلك أيضاً ما لا وجه له لأن الـمـحرم لو رأى رجلاً يروم فـاحشة كان الواجب علـيه مراءه فـي دفعه عنها، أو رآه يحاول ظلـمه والذهاب منه بحقّ له قد غصبه علـيه كان علـيه مراؤه فـيه وجداله حتـى يتـخـلصه منه. والـجدال والـمراء لا يكون بـين الناس إلا من أحد وجهين: إما من قبل ظلـم، وإما من قبل حق، فإذا كان من أحد وجهيه غير جائز فعله بحال، ومن الوجه الآخر غير جائز تركه بحال، فأيّ وجوهه التـي خصّ بـالنهي عنه حال الإحرام؟ وكذلك لا وجه لقول من تأوّل ذلك أنه بـمعنى السبـاب، لأن الله تعالـى ذكره قد نهى الـمؤمنـين بعضهم عن سبـاب بعض علـى لسان رسوله علـيه الصلاة والسلام فـي كل حال، فقال صلى الله عليه وسلم:

" سبـاب الـمُسْلِـمِ فُسُوقٌ، وَقِتالُهُ كُفْرٌ " فإذا كان الـمسلـم عن سبّ الـمسلـم منهياً فـي كل حال من أحواله، مـحرماً كان أو غير مـحرم، فلا وجه لأن يقال: لا تسبه فـي حال الإحرام إذا أحرمت.

وفـيـما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الـخبر الذي:

حدثنا به مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنـي وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن سيار، عن أبـي حازم، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مِنْ حَجَّ هَذَا البَـيْتَ فَلَـمْ يَرْفُثْ وَلْـم يَفْسُقْ خَرَجَ مِثْلَ يَوْمَ وَلَدتَهْ أُمُّهُ "...

دلالة واضحة علـى أن قوله: { وَلا جِدَالَ فِـي الـحَجّ } بـمعنى النفـي عن الـحجّ بأن يكون فـي وقته جدال ومراء دون النهي عن جدال الناس بـينهم فـيـما يعنـيهم من الأمور أو لا يعنـيهم. وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنه من حجّ فلـم يرفث ولـم يفسق استـحقّ من الله الكرامة ما وصف أنه استـحقه بحجه تاركاً للرفث والفسوق اللذين نهى الله الـحاجّ عنهما فـي حجه من غير أن يضمّ إلـيهما الـجدال.

فلو كان الـجدال الذي ذكره الله فـي قوله: { وَلا جِدَالَ فِـي الـحَجّ } مـما نهاه الله عنه بهذه الآية، علـى نـحو الذي تأوّل ذلك من تأوله من أنه الـمراء والـخصومات أو السبـاب وما أشبه ذلك، لـما كان صلى الله عليه وسلم لـيخصّ بـاستـحقاق الكرامة التـي ذكر أنه يستـحقها الـحاج الذي وصف أمره بـاجتناب خـلتـين مـما نهاه الله عنه فـي حجه دون الثالثة التـي هي مقرونة بهما.

ولكن لـما كان معنى الثالثة مخالفـاً معنى صاحبتـيها فـي أنها خبر علـى الـمعنى الذي وصفنا، وأن الأخريـين بـمعنى النهي الذي أخبر النبـيّ صلى الله عليه وسلم أن مـجتنبهما فـي حجه مستوجب ما وصف من إكرام الله إياه مـما أخبر أنه مكرمه به إذا كانتا بـمعنى النهي، وكان الـمنتهي عنهما لله مطيعاً بـانتهائه عنهما، وترك ذلك الثالثة إذا لـم تكن فـي معناهما، وكانت مخالفة سبـيـلها سبـيـلهما.

فإذا كان ذلك كذلك، فـالذي هو أولـى بـالقراءة من القراءات الـمخالفة بـين إعراب الـجدال وإعراب الرفث والفسوق، لـيعلـم سامع ذلك إذا كان من أهل الفهم بـاللغات أن الذي من أجله خولف بـين إعرابـيهما اختلاف معنـيـيهما، وإن كان صوابـا قراءة جميع ذلك بـاتفـاق إعرابه علـى اختلاف معانـيه، إذ كانت العرب قد تُتبع بعض الكلام بعضاً بإعراب مع اختلاف الـمعانـي، وخاصة فـي هذا النوع من الكلام. فأعجب القراءات إلـيّ فـي ذلك إذ كان الأمر علـى ما وصفت، قراءة من قرأ «فَلا رَفَثٌ وَلا فُسُوقٌ وَلا جِدَالَ فِـي الـحَجّ» برفع الرفث والفسوق وتنوينهما، وفتـح الـجدال بغير تنوين. وذلك هو قراءة جماعة البصريـين وكثـير من أهل مكة، منهم عبد الله بن كثـير وأبو عمرو بن العلاء.

اسامة محمد خيري
07-12-2016, 10:11
وقال آخرون: الـمخاطبون بقوله: { ثُمَّ أفِـيضُوا } الـمسلـمون كلهم، والـمعنـيّ بقوله: { مِنْ حَيْثُ أفـاضَ النَّاسُ } من جمع، وبـالناس إبراهيـم خـلـيـل الرحمن علـيه السلام. ذكر من قال ذلك:

حدثت عن القاسم بن سلام، قال: ثنا هارون بن معاوية الفزاري، عن أبـي بسطام عن الضحاك، قال: هو إبراهيـم.

والذي نراه صوابـاً من تأويـل هذه الآية، أنه عنى بهذه الآية قريش ومن كان متـحمساً معها من سائر العرب لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـى أن ذلك تأويـله.

وإذ كان ذلك كذلك فتأويـل الآية: فمن فرض فـيهن الـحجّ، فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فـي الـحج، ثم أفـيضوا من حيث أفـاض الناس، واستغفروا الله إن الله غفور رحيـم، وما تفعلوا من خير يعلـمه الله.

وهذا إذ كان ما وصفنا تأويـله فهو من الـمقدّم الذي معناه التأخير، والـمؤخر الذي معناه التقديـم، علـى نـحو ما تقدم بـياننا فـي مثله، ولولا إجماع من وصفت إجماعه علـى أن ذلك تأويـله. لقلت: أولـى التأويـلـين بتأويـل الآية ما قاله الضحاك من أن الله عنى بقوله: { مِنْ حَيْثُ أفـاضَ النَّاسُ } من حيث أفـاض إبراهيـم لأن الإفـاضة من عرفـات لا شك أنها قبل الإفـاضة من جمع، وقبل وجوب الذكر عند الـمشعر الـحرام. وإذ كان ذلك لا شك كذلك وكان الله عز وجل إنـما أمر بـالإفـاضة من الـموضع الذي أفـاض منه الناس بعد انقضاء ذكر الإفـاضة من عرفـات وبعد أمره بذكره عند الـمشعر الـحرام، ثم قال بعد ذلك: { ثمَّ أفِـيضُوا مِنْ حَيْثُ أفـاضَ النَّاسُ } كان معلوماً بذلك أنه لـم يأمر بـالإفـاضة إلا من الـموضع الذي لـم يفـيضوا منه دون الـموضع الذي قد أفـاضوا منه، وكان الـموضع الذي قد أفـاضوا منه فـانقضى وقت الإفـاضة منه، لا وجه لأن يقال: أفض منه. فإذا كان لا وجه لذلك وكان غير جائز أن يأمر الله جل وعز بأمر لا معنى له، كانت بـيّنة صحة ما قاله من التأويـل فـي ذلك، وفساد ما خالفه لولا الإجماع الذي وصفناه وتظاهر الأخبـار بـالذي ذكرنا عمن حكينا قوله من أهل التأويـل.

فإن قال لنا قائل: وكيف يجوز أن يكون ذلك معناه: والناس جماعة، وإبراهيـم صلى الله عليه وسلم واحد، والله تعالـى ذكره يقول: { ثمَّ أفِـيضُوا مِنْ حَيْثُ أفـاضَ النَّاسُ }؟ قـيـل: إن العرب تفعل ذلك كثـيراً، فتدلّ بذكر الـجماعة علـى الواحد. ومن ذلك قول الله عزّ وجل:
{ ظ±لَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ظ±لنَّاسُ إِنَّ ظ±لنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ }
[آل عمران: 173] والذي قال ذلك واحد، وهو فـيـما تظاهرت به الرواية من أهل السير نعيـم بن مسعود الأشجعي، ومنه قول الله عز وجل:
{ يظ°أَيُّهَا ظ±لرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ظ±لطَّيِّبَاتِ وَظ±عْمَلُواْ صَالِحاً }
[المؤمنون: 51] قـيـل: عنى بذلك النبـيّ صلى الله عليه وسلم. ونظائر ذلك فـي كلام العرب أكثر من أن تـحصى.

اسامة محمد خيري
07-12-2016, 10:25
والصواب من القول عندي فـي تأويـل ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه أمر عبـاده الـمؤمنـين بذكره بـالطاعة له فـي الـخضوع لأمره والعبـادة له بعد قضاء مناسكهم. وذلك الذكر جائز أن يكون هو التكبـير الذي أمر به جل ثناؤه بقوله:
{ وَظ±ذْكُرُواْ ظ±للَّهَ فِيغ¤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ }
[البقرة: 203] الذي أوجبه علـى من قضى نسكه بعد قضائه نسكه، فألزمه حينئذٍ من ذكره ما لـم يكن له لازماً قبل ذلك، وحثّ علـى الـمـحافظة علـيه مـحافظة الأبناء علـى ذكر الآبـاء فـي الإكثار منه بـالاستكانة له والتضرّع إلـيه بـالرغبة منهم إلـيه فـي حوائجهم كتضرّع الولد لوالده والصبـيّ لأمه وأبـيه، أو أشدّ من ذلك إذ كان ما كان بهم وبآبـائهم من نعمة فمنه وهو ولـيه.

وإنـما قلنا: الذكر الذي أمر الله جل ثناؤه به الـحاج بعد قضاء مناسكه بقوله: { فإذَا قَضَيْتُـمْ مَناسِكَكُمْ فـاذْكُروا اللّهَ كَذِكْركُمْ آبـاءَكُمْ أوْ أشَدَّ ذِكْراً } جائز أن يكون هو التكبـير الذي وصفنا من أجل أنه لا ذكر لله أمر العبـاد به بعد قضاء مناسكهم لـم يكن علـيهم من فرضه قبل قضائهم مناسكهم، سوى التكبـير الذي خصّ الله به أيام منى.

فإذ كان ذلك كذلك، وكان معلوما أنه جل ثناؤه قد أوجب علـى خـلقه بعد قضائهم مناسكهم من ذكره ما لـم يكن واجبـاً علـيهم قبل ذلك، وكان لا شيء من ذكره خصّ به ذلك الوقت سوى التكبـير الذي ذكرناه، كانت بـينة صحة ما قلنا من تأويـل ذلك علـى ما وصفنا.

اسامة محمد خيري
07-12-2016, 10:46
وأولـى هذه الأقوال بـالصحة قول من قال: تأويـل ذلك: فمن تعجل فـي يومين من أيام منى الثلاثة فنفر فـي الـيوم الثانـي فلا إثم علـيه، لـحط الله ذنوبه، إن كان قد اتقـى الله فـي حجه فـاجتنب فـيه ما أمره الله بـاجتنابه وفعل فـيه ما أمره الله بفعله وأطاعه بأدائه علـى ما كلفه من حدوده. ومن تأخر إلـى الـيوم الثالث منهن فلـم ينفر إلـى النفر الثانـي حتـى نفر من غد النفر الأول، فلا إثم علـيه لتكفـير الله له ما سلف من آثامه وأجرامه، إن كان اتّقـى الله فـي حجة بأدائه بحدوده.

وإنـما قلنا إن ذلك أولـى تأويلاته لتظاهر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " مَنْ حَجَّ هَذَا البَـيْتَ فَلَـمْ يَرْفُثْ وَلَـمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ " وأنه قال صلـى الله علـيه وسلـم: " تابِعُوا بَـيْنَ الـحَجّ وَالعُمْرَةِ، فإنَّهُما يَنْفِـيانِ الذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِـي الكِيرُ خَبَثَ الـحَديدِ وَالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ "

وما أشبه ذلك من الأخبـار التـي يطول بذكر جميعها الكتاب، مـما ينبىء عن أن من حجّ فقضاه بحدوده علـى ما أمره الله، فهو خارج من ذنوبه، كما قال جل ثناؤه: { فَلا إثْمَ عَلَـيْهِ لِـمَنِ اتَّقـى } الله فـي حجه. فكان فـي ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوضح عن أن معنى قوله جل وعز: { فَلا إثْمَ عَلَـيْهِ } أنه خارج من ذنوبه، مـحطوطة عنه آثامه، مغفورة له أجرامه. وأنه لا معنى لقول من تأول قوله: { فَلا إثْمَ عَلَـيْهِ } فلا حرج علـيه فـي نفره فـي الـيوم الثانـي، ولا حرج علـيه فـي مقامه إلـى الـيوم الثالث لأن الـحرج إنـما يوضع عن العامل فـيـما كان علـيه ترك عمله فـيرخص له فـي عمله بوضع الـحرج عنه فـي عمله، أو فـيـما كان علـيه عمله، فـيرخص له فـي تركه بوضع الـحرج عنه فـي تركه. فأما ما علـى العامل عمله فلا وجه لوضع الـحرج عنه فـيه إن هو عمله، وفرضه عمله، لأنه مـحال أن يكون الـمؤدّى فرضاً علـيه حَرِجاً بأدائه، فـيجوز أن يقال: قد وضعنا عنك فـيه الـحرج.

وإذ كان ذلك كذلك، وكان الـحاج لا يخـلو عند من تأول قوله: { فَلا إثْمَ عَلَـيْهِ } فلا حرج علـيه، أو فلا جناح علـيه من أن يكون فرضه النفر فـي الـيوم الثانـي من أيام التشريق، فوضع عنه الـحرج فـي الـمقام، أو أن يكون فرضه الـمقام إلـى الـيوم الثالث، فوضع عنه الـحرج فـي النفر فـي الـيوم الثانـي، فإن يكن فرضه فـي الـيوم الثانـي من أيام التشريق الـمقام إلـى الـيوم الثالث منها، فوضع عنه الـحرج فـي نفره فـي الـيوم الثانـي منها، وذلك هو التعجل الذي قـيـل: { فَمَنْ تَعَجَّلَ فـي يَوْمَينِ فَلا إثْمَ عَلَـيْهِ } فلا معنى لقوله علـى تأويـل من تأوّل ذلك: { فَلا إِثمَ عَلَـيْهِ } فلا جناح علـيه، { وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثمَ عَلَـيْهِ } لأن الـمتأخر إلـى الـيوم الثالث إنـما هو متأخر عن أداء فرض علـيه تارك قبول رخصة النفر، فلا وجه لأن يقال: لا حرج علـيك فـي مقامك علـى أداء الواجب علـيك، لـما وصفنا قبل، أو يكون فرضه فـي الـيوم الثانـي النفر، فرخص له فـي الـمقام إلـى الـيوم الثالث فلا معنى أن يقال: لا حرج علـيك فـي تعجلك النفر الذي هو فرضك وعلـيك فعله للذي قدمنا من العلة وكذلك لا معنى لقول من قال: معناه: { فَمَنْ تَعَجَّلَ فـي يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَـيْهِ } ولا حرج علـيه فـي نفره ذلك، إن اتقـى قتل الصيد إلـى انقضاء الـيوم الثالث لأن ذلك لو كان تأويلاً مسلـماً لقائله لكان فـي قوله: { وَمَنْ تأخَّرَ فلاَ إثْمَ عَلَـيْهِ } ما يبطل دعواه، لأنه لا خلاف بـين الأمة فـي أن الصيد للـحاج بعد نفره من منى فـي الـيوم الثالث حلال، فما الذي من أجله وضع عنه الـحرج فـي قوله: { وَمَنْ تأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَـيْهِ } إذا هو تأخر إلـى الـيوم الثالث ثم نفر؟هذا مع إجماع الـحجة علـى أن الـمـحرم إذا رمى وذبح وحلق وطاف بـالبـيت فقد حلّ له كل شيء، وتصريح الرواية الـمروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنـحو ذلك، التـي:

حدثنا بها هناد بن السري الـحنظلـي، قال: ثنا عبد الرحيـم بن سلـيـمان، عن حجاج، عن أبـي بكر بن مـحمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة قالت: سألت عائشة أم الـمؤمنـين رضي الله عنها متـى يحلّ الـمـحرم؟ فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذَا رَمَيْتُـمْ وَذَبحْتُـمْ وَحَلَقْتُـمْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إلاَّ النِّساءَ " قال: وذكر الزهري عن عمرة، عن عائشة، عن النبـي صلى الله عليه وسلم، مثله.

وأما الذي تأول ذلك أنه بـمعنى: لا إثم علـيه إلـى عام قابل فلا وجه لتـحديد ذلك بوقت، وإسقاطه الإثم عن الـحاج سنة مستقبلة، دون آثامه السالفة، لأن الله جل ثناؤه لـم يحصر ذلك علـى نفـي إثم وقت مستقبل بظاهر التنزيـل، ولا علـى لسان الرسول علـيه الصلاة والسلام، بل دلالة ظاهر التنزيـل تبـين عن أن الـمتعجل فـي الـيومين والـمتأخر لا إثم علـى كل واحد منهما فـي حاله التـي هو بها دون غيرها من الأحوال، والـخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم يصرّح بأنه بـانقضاء حجه علـى ما أمر به خارج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.

اسامة محمد خيري
07-12-2016, 11:26
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَيُهْلِكَ الـحَرْثَ وَالنّسْلِ }.

اختلف أهل التأويـل فـي وجه إهلاك هذا الـمنافق، الذي وصفه الله بـما وصفه به من صفة إهلاك الـحرث والنسل فقال بعضهم: كان ذلك منه إحراقاً لزرع قوم من الـمسلـمين وعقراً لـحمرهم.

حدثنـي بذلك موسى بن هارون، قال: ثنـي عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط عن السدي. وقال آخرون بـما.

حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا عثام، قال: ثنا النضر بن عربـي، عن مـجاهد: { وَإذَا تَوَلَّـى سَعَى فِـي الأرْض لِـيُفْسِدَ فِـيها ويُهْلِكَ الـحَرْثَ وَالنّسْلَ } الآية، قال: إذا تولـى سعى فـي الأرض بـالعدوان والظلـم، فـيحبس الله بذلك القطر، فـيهلك الـحرث والنسل، والله لا يحبّ الفساد. قال: ثم قرأ مـجاهد:
{ ظَهَرَ ظ±لْفَسَادُ فِي ظ±لْبَرِّ وَظ±لْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ظ±لنَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ظ±لَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }
[الروم: 41] قال: ثم قال: أما والله ما هو بحركم هذا، ولكن كل قرية علـى ماء جار فهو بحر.

والذي قاله مـجاهد وإن كان مذهبـاً من التأويـل تـحتـمله الآية، فإن الذي هو أشبه بظاهر التنزيـل من التأويـل ما ذكرنا عن السدي، فلذلك اخترناه. وأما الـحرث، فإنه الزرع، والنسل: العقب والولد، وإهلاكه الزرع: إحراقه. وقد يجوز أن يكون كان كما قال مـجاهد بـاحتبـاس القطر من أجل معصيته ربه وسعيه بـالإفساد فـي الأرض، وقد يحتـمل أن يكون كان بقتله القوّام به والـمتعاهدين له حتـى فسد فهلك. وكذلك جائز فـي معنى إهلاكه النسل أن يكون كان بقتله أمهاته أو آبـاءه التـي منها يكون النسل، فـيكون فـي قتله الآبـاء والأمهات انقطاع نسلهما. وجائز أن يكون كما قال مـجاهد، غير أن ذلك وإن كان تـحتـمله الآية فـالذي هو أولـى بظاهرها ما قاله السدي غير أن السدي ذكر أن الذي نزلت فـيه هذه الآية إنـما نزلت فـي قتله حمر القوم من الـمسلـمين وإحراقه زرعاً لهم. وذلك وإن كان جائزاً أن يكون كذلك، فغير فـاسد أن تكون الآية نزلت فـيه، والـمراد بها كل من سلك سبـيـله فـي قتل كل ما قتل من الـحيوان الذي لا يحلّ قتله بحال والذي يحلّ قتله فـي بعض الأحوال إذا قتله بغير حق بل ذلك كذلك عندي، لأن الله تبـارك وتعالـى لـم يخصص من ذلك شيئاً دون شيء بل عمه

اسامة محمد خيري
07-12-2016, 12:11
وأولـى التأويلات بقوله: { ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ } قول من قال: معناه: ادخـلوا فـي الإسلام كافة.

وأما الذي هو أولـى القراءتـين بـالصواب فـي قراءة ذلك، فقراءة من قرأ بكسر السين لأن ذلك إذا قرىء كذلك وإن كان قد يحتـمل معنى الصلـح، فإن معنى الإسلام: ودوام الأمر الصالـح عند العرب، أغلب علـيه من الصلـح والـمسالـمة، وينشد بـيت أخي كندة:
دَعَوْتُ عَشِيرَتـي للسِّلْـمِ لَـمَّا رأيْتُهُمْ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينا
بكسر السين، بـمعنى: دعوتهم للإسلام لـما ارتدوا، وكان ذلك حين ارتدت كندة مع الأشعث بعد وفـاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كان أبو عمرو بن العلاء يقرأ سائر ما فـي القرآن من ذكر السلـم بـالفتـح سوى هذه التـي فـي سورة البقرة، فإنه كان يخصها بكسر سينها توجيها منه لـمعناها إلـى الإسلام دون ما سواها...

وإنـما اخترنا ما اخترنا من التأويـل فـي قوله: { ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ } وصرفنا معناه إلـى الإسلام، لأن الآية مخاطب بها الـمؤمنون، فلن يعدو الـخطاب إذ كان خطابـاً للـمؤمنـين من أحد أمرين، إما أن يكون خطابـاً للـمؤمنـين بـمـحمد الـمصدّقـين به وبـما جاء به، فإن يكن ذلك كذلك، فلا معنى أن يقال لهم وهم أهل الإيـمان: ادخـلوا فـي صلـح الـمؤمنـين ومسالـمتهم، لأن الـمسالـمة والـمصالـحة إنـما يؤمر بها من كان حربـاً بترك الـحرب. فأما الـموالـي فلا يجوز أن يقال له: صالـح فلاناً، ولا حرب بـينهما ولا عداوة. أو يكون خطابـاً لأهل الإيـمان بـمن قبل مـحمد صلى الله عليه وسلم من الأنبـياء الـمصدقـين بهم، وبـما جاءوا به من عند الله الـمنكرين مـحمداً ونبوّته، فقـيـل لهم: ادخـلوا فـي السلـم يعنـي به الإسلام لا الصلـح. لأن الله عز وجل إنـما أمر عبـاده بـالإيـمان به وبنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وإلـى ذلك دعاهم دون الـمسالـمة والـمصالـحة بل نهى نبـيه صلى الله عليه وسلم فـي بعض الأحوال عن دعاء أهل الكفر إلـى الإسلام، فقال:
{ فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوغ¤اْ إِلَى ظ±لسَّلْمِ وَأَنتُمُ ظ±لأَعْلَوْنَ وَظ±للَّهُ مَعَكُمْ }
[محمد: 35] وإنـما أبـاح له صلى الله عليه وسلم فـي بعض الأحوال إذا دعوه إلـى الصلـح ابتداء الـمصالـحة، فقال له جل ثناؤه: { وَإنْ جَنَـحُوا للسَّلْـمِ فـاجنَـحْ لَهَا } فأما دعاؤهم إلـى الصلـح ابتداء فغير موجود فـي القرآن، فـيجوز توجيه قوله: { ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ } إلـى ذلك.

فإن قال لنا قائل: فأيّ هذين الفريقـين دعى إلـى الإسلام كافة؟ قـيـل قد اختلف فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: دعى إلـيه الـمؤمنون بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به.

وقال آخرون: قـيـل: دعي إلـيه الـمؤمنون بـمن قبل مـحمد صلى الله عليه وسلم من الأنبـياء الـمكذبون بـمـحمد.

فإن قال: فما وجه دعاء الـمؤمن بـمـحمد وبـما جاء به إلـى الإسلام؟ قـيـل: وجه دعائه إلـى ذلك الأمر له بـالعمل بجميع شرائعه، وإقامة جميع أحكامه وحدوده، دون تضيـيع بعضه والعمل ببعضه. وإذا كان ذلك معناه، كان قوله كافّةً من صفة السلـم، ويكون تأويـله: ادخـلوا فـي العمل بجميع معانـي السلـم، ولا تضيعوا شيئاً منه يا أهل الإيـمان بـمـحمد وما جاء به. وبنـحو هذا الـمعنى كان يقول عكرمة فـي تأويـل ذلك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قوله: { ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ كافَّةً } قال: نزلت فـي ثعلبة وعبد الله بن سلام وابن يامين وأسد وأسيد ابنـي كعب وشعبة بن عمرو وقـيس بن زيد، كلهم من يهود، قالوا: يا رسول الله يوم السبت يوم كنا نعظمه فدعنا فلنسبت فـيه، وإن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها بـاللـيـل فنزلت: { يَا أيُّها الّذينَ آمَنُوا ادْخُـلُوا فـي السِّلْـمِ كافةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطانِ }.

اسامة محمد خيري
07-12-2016, 12:26
والصواب من القراءة فـي ذلك عندي { هَلْ يَنْظُرُون إلاَّ أنْ يَأتِـيَهُمُ اللّهُ فِـي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ } لـخبر روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنَّ مِنَ الغَمامِ طاقاتٍ يَأتـي اللّه فِـيها مَـحْفوفـاً " فدل بقوله طاقات علـى أنها ظلل لا ظلال، لأن واحد الظلل ظلة، وهي الطاق. واتبـاعاً لـخط الـمصحف. وكذلك الواجب فـي كل ما اتفقت معانـيه واختلفت فـي قراءته القراء ولـم يكن علـى إحدى القراءتـين دلالة تنفصل بها من الأخرى غير اختلاف خط الـمصحف، فـالذي ينبغي أن تؤثر قراءته منها ما وافق رسم الـمصحف...

وأما الذي هو أولـى القراءتـين فـي: { وَالـمَلائِكَةُ } فـالصواب بـالرفع عطفـاً بها علـى اسم الله تبـارك وتعالـى علـى معنى: هل ينظرون إلا أن يأتـيهم الله فـي ظلل من الغمام، وإلا أن تأتـيهم الـملائكة علـى ما رُوي عن أبـيّ بن كعب، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر فـي غير موضع من كتابه أن الـملائكة تأتـيهم، فقال جل ثناؤه:
{ وَجَآءَ رَبُّكَ وَظ±لْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً }
[الفجر: 22] وقال: { هَلْ يَنْظُرونَ إلاَّ أنْ تأتِـيهُمُ الـمَلائِكَةُ أوْ يَأتـي رَبُّكَ أوْ يَأتـي بَعْض آياتِ رَبِّكَ }. فإن أشكل علـى امرىء قول الله جل ثناؤه:
{ وَظ±لْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً }
[الفجر: 22] فظنّ أنه مخالف معناه معنى قوله { هَلْ يَنْظُرونَ إلاَّ أنْ يَأتِـيهُمْ اللّهُ فِـي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ وَالـمَلائِكَةُ } إذ كان قوله «والـملائكة» فـي هذه الآية بلفظ جمع، وفـي الأخرى بلفظ الواحد. فإن ذلك خطأ من الظانّ، وذلك أن الـملَك فـي قوله:
{ وَجَآءَ رَبُّكَ وَظ±لْمَلَكُ }
[الفجر: 22] بـمعنى الـجميع، ومعنى الـملائكة، والعرب تذكر الواحد بـمعنى الـجميع، فتقول: فلان كثـير الدرهم والدينار، يراد به الدراهم والدنانـير، وهلك البعير والشاة بـمعنى جماعة الإبل والشاء، فكذلك قوله: { وَالـمَلَكُ } بـمعنى الـملائكة.

..

وأولـى التأويـلـين بـالصواب فـي ذلك تأويـل من وجه قوله: { فـي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ } إلـى أنه من صلة فعل الربّ عز وجل، وأن معناه: هل ينظرون إلا أن يأتـيهم الله فـي ظلل من الغمام، وتأتـيهم الـملائكة. لما:

حدثنا به مـحمد بن حميد، قال: ثنا إبراهيـم بن الـمختار، عن ابن جريج، عن زمعة بن صالـح عن سلـمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عبـاس أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال: " إنَّ مِن الغَمامِ طاقاتٍ يأتـي اللَّهُ فِـيها مَـحْفُوفـاً " وذلك قوله: { هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ أنْ يأتِـيَهُمُ اللَّهُ فِـي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والـمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأمْرُ }...

اسامة محمد خيري
08-12-2016, 08:28
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بعَدِ ما جاءَتْهُ فَإنَّ اللّهَ شَديدُ العِقابِ }.

يعنـي بـالنعم جل ثناؤه الإسلام وما فرض من شرائع دينه. ويعنـي بقوله: { وَمَنْ يُبَدّلْ نَعْمَةَ اللّهِ } ومن يغير ما عاهد الله فـي نعمته التـي هي الإسلام من العمل والدخول فـيه فـيكفر به، فإنه معاقبه بـما أوعد علـى الكفر به من العقوبة، والله شديد عقابه، ألـيـم عذابه.

فتأويـل الآية إذا: يا أيها الذين آمنوا بـالتوراة فصدّقوا بها، ادخـلوا فـي الإسلام جميعاً، ودعوا الكفر، وما دعاكم إلـيه الشيطان من ضلالته، وقد جاءتكم البـينات من عندي بـمـحمد، وما أظهرت علـى يديه لكم من الـحجج والعبر، فلا تبدلوا عهدي إلـيكم فـيه وفـيـما جاءكم به من عندي فـي كتابكم بأنه نبـيـي ورسولـي، فإنه من يبدّل ذلك منكم فـيغيره فإنـي له معاقب بـالألـيـم من العقوبة.

اسامة محمد خيري
08-12-2016, 08:40
وأولـى التأويلات فـي هذه الآية بـالصواب أن يقال: إن الله عز وجل أخبر عبـاده أن الناس كانوا أمة واحدة علـى دين واحد وملة واحدة. كما:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: { كانَ النَّاسُ أُمةً وَاحِدَةً } يقول: ديناً واحداً علـى دين آدم، فـاختلفوا، فبعث الله النبـيـين مبشرين ومنذرين.

وكان الدين الذي كانوا علـيه دين الـحق. كما قال أبـيّ بن كعب وكما:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي، قال: هي فـي قراءة ابن مسعود: «اختلفوا فيه» على الإسلام.

فـاختلفوا فـي دينهم، فبعث الله عند اختلافهم فـي دينهم النبـيـين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب لـيحكم بـين الناس فـيـما اختلفوا فـيه رحمة منه جل ذكره بخـلقه واعتذاراً منه إلـيهم....

غير أنه أيّ ذلك كان، فإن دلـيـل القرآن واضح علـى أن الذين أخبر الله عنهم أنهم كانوا أمة واحدة، إنـما كانوا أمة واحدة علـى الإيـمان ودين الـحقّ دون الكفر بـالله والشرك به. وذلك أن الله جل وعز قال فـي السورة التـي يذكر فـيها يونس:
{ وَمَا كَانَ ظ±لنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَظ±خْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }
[يونس: 19]

فإن قال لنا قائل: وما معنى قوله: { فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِـمَا اخْتَلَفُوا فِـيه } أهداهم للـحق أم هداهم للاختلاف؟ فإن كان هداهم للاختلاف فإنـما أضلهم، وإن كان هداهم للـحق فـكيف قـيـل: { فَهَدَى اللّهَ الَّذِين آمَنُوا لِـمَا اخْتَلَفُوا فِـيهِ }؟ قـيـل: إن ذلك علـى غير الوجه الذي ذهبت إلـيه، وإنـما معنى ذلك: فهدى الله الذين آمنوا للـحق فـيـما اختلف فـيه من كتاب الله الذين أوتوه، فكفر بتبديـله بعضهم، وثبت علـى الـحقّ والصواب فـيه بعضهم، وهم أهل التوراة الذين بدّلوها، فهدى الله للـحق مـما بدلوا وحرّفوا الذين آمنوا من أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم.

قال أبو جعفر: فإن أشكل ما قلنا علـى ذي غفلة، فقال: وكيف يجوز أن يكون ذلك كما قلت، و«مِنْ» إنـما هي فـي كتاب الله فـي «الـحق» واللام فـي قوله: { لِـمَا اخْتَلَفُوا فِـيهِ } وأنت تـحوّل اللام فـي «الـحقّ»، و«من» فـي «الاختلاف» فـي التأويـل الذي تتأوله فتـجعله مقلوبـاً؟ قـيـل: ذلك فـي كلام العرب موجود مستفـيض، والله تبـارك وتعالـى إنـما خاطبهم بـمنطقهم، فمن ذلك قول الشاعر:
كانَتْ فَريضَةَ ما تَقَولُ كمَا
كانَ الزّنَاءُ فَريضَة الرَّجْمِ
وإنـما الرجم فريضة الزنا. وكما قال الآخر:
إنَّ سِرَاجاً لَكرِيـمٌ مَفْخَرُهْ تَـحْلَـى بِهِ العَينُ إذَا ما تَـجْهَرُهْ
وإنـما سراج الذي يحلـى بـالعين، لا العين بسراج.

وقد قال بعضهم: إن معنى قوله { فَهَدَى اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا لِـمَا اخْتَلَفُوا فِـيهِ مِنَ الـحَقّ } أن أهل الكتب الأول اختلفوا، فكفر بعضهم بكتاب بعض، وهي كلها من عند الله، فهدى الله أهل الإيـمان بـمـحمد للتصديق بجميعها، وذلك قول، غير أن الأول أصحّ القولـين، لأن الله إنـما أخبر بـاختلافهم فـي كتاب واحد.

اسامة محمد خيري
08-12-2016, 08:47
وفـي قوله: { حتـى يَقُولَ الرَّسُولُ } وجهان من القراءة: الرفع، والنصب. ومن رفع فإنه يقول: لـما كان يحسن فـي موضعه «فعل» أبطل عمل «حتـى» فـيها، لأن «حتـى» غير عاملة فـي «فَعَلَ»، وإنـما تعمل فـي «يفعل»، وإذا تقدمها «فعل» وكان الذي بعدها «يفعل»، وهو مـما قد فعل وفرغ منه، وكان ما قبلها من الفعل غير متطاول، فـالفصيح من كلام العرب حينئذٍ الرفع فـي «يفعل» وإبطال عمل «حتـى» عنه، وذلك نـحو قول القائل: قمت إلـى فلان حتـى أضربه، والرفع هو الكلام الصحيح فـي «أضربه»، إذا أراد: قمت إلـيه حتـى ضربته، إذا كان الضرب قد كان وفُرغ منه، وكان القـيام غير متطاول الـمدة. فأما إذا كان ما قبل «حتـى» من الفعل علـى لفظ «فعل» متطاول الـمدة، وما بعدها من الفعل علـى لفظ غير منقض، فـالصحيح من الكلام نصب «يفعل» وإعمال «حتـى»، وذلك نـحو قول القائل: ما زال فلان يطلبك حتـى يكلـمك، وجعل ينظر إلـيك حتـى يثبتك فـالصحيح من الكلام الذي لا يصحّ غيره النصب بـ«حتـى»، كما قال الشاعر:
مَطَوْتُ بِهِمْ حتى تَكِلَّ مَطِيُّهُمْ وحتَّى الجِيَادُ ما يُقَدْنَ بأرْسانِ
فنصب تكل والفعل الذي بعد حتـى ماض، لأن الذي قبلها من الـمطو متطاول، والصحيح من القراءة إذا كان ذلك كذلك: «وزلزلوا حتـى يقولَ الرسول»، نصب يقول، إذ كانت الزلزلة فعلاً متطاولاً، مثل الـمطو بـالإبل. وإنـما الزلزلة فـي هذا الـموضع: الـخوف من العدوّ، لا زلزلة الأرض، فلذلك كانت متطاولة وكان النصب فـي «يقول» وإن كان بـمعنى «فعل» أفصح وأصحّ من الرفع فـيه.

اسامة محمد خيري
08-12-2016, 09:05
وهذان الـخبران اللذان ذكرناهما عن مـجاهد والضحاك، ينبئان عن صحة ما قلنا فـي رفع «الصدّ» به، وأن رافعه «أكبر عند الله»، وهما يؤكدان صحة ما روينا فـي ذلك عن ابن عبـاس، ويدلان علـى خطأ من زعم أنه مرفوع علـى العطف علـى الكبـير.

وقول من زعم أن معناه: وكبـير صدّ عن سبـيـل الله، وزعم أن قوله: «وإخراج أهله منه أكبر عند الله» خبر منقطع عما قبله مبتدأ.....
وأما أهل العربـية فإنهم اختلفوا فـي الذي ارتفع به قوله: { وصَدٌّ عَنْ سَبِـيـلِ اللَّهِ } فقال بعض نـحويـي الكوفـيـين فـي رفعه وجهان: أحدهما: أن يكون الصدّ مردوداً علـى الكبـير، يريد: قل القتال فـيه كبـير، وصدّ عن سبـيـل الله وكفر به، وإن شئت جعلت الصدّ كبـيراً، يريد به: قل القتال فـيه كبـير، وكبـير الصدّ عن سبـيـل الله والكفر به، قال: فأخطأ، يعنـي الفراء فـي كلا تأويـلـيه، وذلك أنه إذا رفع الصدّ عطفـاً به علـى كبـير، يصير تأويـل الكلام: قل القتال فـي الشهر الـحرام كبـير، وصدّ عن سبـيـل الله، وكفر بـالله. وذلك من التأويـل خلاف ما علـيه أهل الإسلام جميعاً، لأنه لـم يدّع أحد أن الله تبـارك وتعالـى جعل القتال فـي الأشهر الـحرم كفراً بـالله، بل ذلك غير جائز أن يتوهم علـى عاقل يعقل ما يقول أن يقوله، وكيف يجوز أن يقوله ذو فطرة صحيحة، والله جل ثناؤه يقول فـي أثر ذلك: { وَإخْرَاجُ أهْلِهِ مِنْهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ }؟ فلو كان الكلام علـى ما رآه جائزاً فـي تأويـله هذا، لوجب أن يكون إخراج أهل الـمسجد الـحرام من الـمسجد الـحرام كان أعظم عند الله من الكفر به، وذلك أنه يقول فـي أثره: { وَإخْرَاجُ أهْلِهِ مِنْهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ } وفـي قـيام الـحجة بأن لا شيء أعظم عند الله من الكفر به، ما يبـين عن خطأ هذا القول. وأما إذا رفع الصد بـمعنى ما زعم أنه الوجه الآخر، وذلك رفعه بـمعنى: وكبـير صد عن سبـيـل الله، ثم قـيـل: وإخراج أهله منه أكبر عند الله، صار الـمعنى: إلـى أن إخراج أهل الـمسجد الـحرام من الـمسجد الـحرام أعظم عند الله من الكفر بـالله، والصدّ عن سبـيـله، وعن الـمسجد الـحرام، ومتأوّل ذلك كذلك داخـل من الـخطأ مثل الذي دخـل فـيه القائل القول الأول من تصيـيره بعض خلال الكفر أعظم عند الله من الكفر بعينه، وذلك مـما لا يُخيـل علـى أحد خطؤه وفساده.

وكان بعض أهل العربـية من أهل البصرة يقول: القول الأول فـي رفع الصد، ويزعم أنه معطوف به علـى الكبـير، ويجعل قوله: { وَإخْرَاجُ أهْلِهِ } مرفوعاً علـى الابتداء، وقد بـينا فساد ذلك وخطأ تأويـله.

ملحوظة

رد السمين علي علل الطبري فى تفسيره

اسامة محمد خيري
08-12-2016, 09:39
والذي هو أولـى بتأويـل الآية، الإثم الكبـير الذي ذكر الله جل ثناؤه أنه فـي الـخمر والـميسر، فـالـخمر ما قاله السدي زوال عقل شارب الـخمر إذا سكر من شربه إياها حتـى يعزب عنه معرفة ربه، وذلك أعظم الآثام، وذلك معنى قول ابن عبـاس إن شاء الله. وأما فـي الـميسر فما فـيه من الشغل به عن ذكر الله، وعن الصلاة، ووقوع العداوة والبغضاء بـين الـمتـياسرين بسببه، كما وصف ذلك به ربنا جل ثناؤه بقوله:
{ إِنَّمَا يُرِيدُ ظ±لشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ظ±لْعَدَاوَةَ وَظ±لْبَغْضَآءَ فِي ظ±لْخَمْرِ وَظ±لْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ظ±للَّهِ وَعَنِ ظ±لصَّلاَةِ }
[المائدة: 91].
..

واختلف القراء فـي قراءة ذلك، فقرأه عظم أهل الـمدينة وبعض الكوفـيـين والبصريـين { قُلْ فِـيهِمَا إثْمٌ كَبِـيرٌ } بـالبـاء، بـمعنى: قل فـي شرب هذه والقمار هذا كبـير من الآثام. وقرأه آخرون من أهل الـمصرين، البصرة والكوفة: «قُلْ فِـيهِمَا إثْمٌ كَثـيرٌ» بـمعنى الكثرة من الآثام، وكأنهم رأوا أن الإثم بـمعنى الآثام، وإن كان فـي اللفظ واحداً فوصفوه بـمعناه من الكثرة.

وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأه بـالبـاء: { قُلْ فِـيهِمَا إثْمٌ كَبِـيرٌ } لإجماع جميعهم علـى قوله: { وإثْمُهُما أكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } وقراءته بـالبـاء وفـي ذلك دلالة بـينة علـى أن الذي وصف به الإثم الأول من ذلك هو العظم والكبر، لا الكثرة فـي العدد. ولو كان الذي وصف به من ذلك الكثرة، لقـيـل وإثمهما أكثر من نفعهما...

وقد قال عدد من أهل التأويـل: معنى ذلك: وإثمهما بعد تـحريـمهما أكبر من نفعهما قبل تـحريـمهما....

وإنـما اخترنا ما قلنا فـي ذلك من التأويـل لتواتر الأخبـار وتظاهرها بأن هذه نزلت قبل تـحريـم الـخمر والـميسر، فكان معلوماً بذلك أن الإثم الذي ذكر الله فـي هذه الآية فأضافه إلـيهما إنـما عنى به الإثم الذي يحدث عن أسبـابهما علـى ما وصفنا، لا الإثم بعد التـحريـم.

وقال آخرون: معنى ذلك: الصدقة الـمفروضة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن قـيس بن سعد، أو عيسى عن قـيس، عن مـجاهد شك أبو عاصم قول الله جل وعز: { قُلِ العَفْوَ } قال: الصدقة الـمفروضة.

وأولـى هذه الأقوال بـالصواب قول من قال: معنى العفو: الفضل من مال الرجل عن نفسه وأهله فـي مؤنتهم وما لا بدّ لهم منه. وذلك هو الفضل الذي تظاهرت به الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالإذن فـي الصدقة، وصدقة فـي وجه البرّ.

ذكر بعض الأخبـار التـي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك:

حدثنا علـيّ بن مسلـم، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن عجلان، عن الـمقبري، عن أبـي هريرة، قال: قال رجل: يا رسول الله عندي دينار قال: " أنْفِقْهُ علـى نَفْسِكَ؟ " قال: عندي آخر قال: " أنْفِقْهُ علـى أهْلِكَ " قال: عندي آخر قال: " أنْفِقْهُ علـى وَلَدِكَ " قال: عندي آخر قال: " فأنْتَ أبْصَرُ "

حدثنـي مـحمد بن معمر البحرانـي، قال: ثنا روح بن عبـادة، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرنـي أبو الزبـير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذَا كانَ أحَدُكُمَ فَقِـيراً فَلْـيَبَدأ بِنَفْسِهِ، فإنْ كانَ لَهُ فَضْلٌ فَلْـيَبْدأ مَعَ نَفْسِهِ بِـمَنْ يَعُولُ، ثُمَّ إنْ وَجَدَ فَضْلاً بَعْدَ ذَلِكَ فَلْـيَتَصَدَّقْ علـى غَيْرِهِمْ " ..

وما أشبه ذلك من الأخبـار التـي يطول بـاستقصاء ذكرها الكتاب. فإذا كان الذي أذن صلى الله عليه وسلم لأمته الصدقة من أموالهم بـالفضل عن حاجة الـمتصدق الفضل من ذلك، هو العفو من مال الرجل إذ كان العفو فـي كلام العرب فـي الـمال وفـي كل شيء هو الزيادة والكثرة، ومن ذلك قوله جل ثناؤه: " حَتـى عَفَوْا " بـمعنى: زادوا علـى ما كانوا علـيه من العدد وكثروا، ومنه قول الشاعر:
وَلَكِنَّا يَعضُّ السَّيْفُ مِنَّا بأسْوُقِ عافِـياتِ الشَّحْمِ كُومِ
يعني به كثيرات الشحوم. ومن ذلك قيل للرجل: خذ ما عفا لك من فلان، يراد به: ما فضل فصفا لك عن جهده بـما لـم تـجهده. كان بينا أن الذي أذن الله به فـي قوله { قُلِ العَفْوَ } لعباده من النفقة، فأذنهم بإنفاقه إذا أرادوا إنفـاقه هو الذي بيَّن لأمته رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: " خَيْرُ الصَّدَقة ما أَنْفقت عن غِنًى " وأذنهم به.

فإن قال لنا قائل: وما تنكر أن يكون ذلك العفو هو الصدقة الـمفروضة؟ قـيـل: أنكرنا ذلك لقـيام الـحجة علـى أن من حلت فـي ماله الزكاة الـمفروضة، فهلك جميع ماله إلا قدر الذي لزم ماله لأهل سهمان الصدقة، أن علـيه أن يسلـمه إلـيهم، إذا كان هلاك ماله بعد تفريطه فـي أداء الواجب كان لهم (فـي) ماله إلـيهم، وذلك لا شك أنه جهده إذا سلـمه إلـيهم لا عفوه، وفـي تسمية الله جل ثناؤه ما علـم عبـاده وجه إنفـاقهم من أموالهم عفواً، ما يبطل أن يكون مستـحقاً اسم جهد فـي حالة، وإذا كان ذلك كذلك فبِّـين فساد قول من زعم أن معنى العفو هو ما أخرجه ربّ الـمال إلـى إمامه، فأعطاه كائناً ما كان من قلـيـل ماله وكثـيره، وقول من زعم أنه الصدقة الـمفروضة.

وكذلك أيضاً لا وجه لقول من يقول: إن معناه ما لـم يتبـين فـي أموالكم، لأن النبـيّ صلى الله عليه وسلم لـما قال له أبو لبـابة: إن من توبتـي أن أنـخـلع إلـى الله ورسوله من مالـي صدقة، قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم: " يَكْفِـيكَ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ " وكذلك روي عن كعب بن مالك أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال له نـحواً من ذلك.

...

والصواب من القول فـي ذلك ما قاله ابن عبـاس علـى ما رواه عنه عطية من أن قوله: { قُلِ العَفْوَ } لـيس بإيجاب فرض فرض من الله حقاً فـي ماله، ولكنه إعلام منه ما يرضيه من النفقة مـما يسخطه جوابـاً منه لـمن سأل نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم عما فـيه له رضا، فهو أدب من الله لـجميع خـلقه علـى ما أدبهم به فـي الصدقة غير الـمفروضات ثابت الـحكم غير ناسخ لـحكم كان قبله بخلافه، ولا منسوخ بحكم حدث بعده، فلا ينبغي لذي ورع ودين أن يتـجاوز فـي صدقات التطوّع وهبـاته وعطايا النفل وصدقته ما أدبهم به نبـيه صلى الله عليه وسلم بقوله: " إذَا كانَ عِنْدَ أحَدِكُمْ فَضْلٌ فَلْـيَبْدأ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ بأهْلِه، ثُمَّ بِوَلَدِهِ " ثُمَّ يَسْلُكُ حِينَئذٍ فِـي الفَضْلِ مَسالِكَهُ الَّتِـي تُرْضِي اللّهَ ويُحِبُّها. وذلك هو القوام بـين الإسراف والإقتار الذي ذكره الله عز وجلّ فـي كتابه إن شاء الله تعالـى. ويقال لـمن زعم أن ذلك منسوخ: ما الدلالة علـى نسخه؟ وقد أجمع الـجميع لا خلاف بـينهم علـى أن للرجل أن ينفق من ماله صدقة وهبة ووصية الثلث، فما الذي دلّ علـى أن ذلك منسوخ؟ فإن زعم أنه يعنـي بقوله: إنه منسوخ أن إخراج العفو من الـمال غير لازم فرضا، وأن فرض ذلك ساقط بوجود الزكاة فـي الـمال قـيـل له: وما الدلـيـل علـى أن إخراج العفو كان فرضاً، فأسقطه فرض الزكاة؟ ولا دلالة فـي الآية علـى أن ذلك كان فرضاً، إذ لـم يكن أمر من الله عز ذكره، بل فـيها الدلالة علـى أنها جواب ما سأل عنه القوم علـى وجه التعرف لـما فـيه لله الرضا من الصدقات، ولا سبـيـل لـمدعي ذلك إلـى دلالة توجب صحة ما ادّعى...

اسامة محمد خيري
08-12-2016, 09:59
وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية ما قاله قتادة من أن الله تعالـى ذكره عنى بقوله: { وَلا تَنْكِحُوا الـمُشْركاتِ حَّتـى يُؤْمِنَّ } من لـم يكن من أهل الكتاب من الـمشركات، وأن الآية عام ظاهرها خاص بـاطنها لـم ينسخ منها شيء، وأن نساء أهل الكتاب غير داخلات فـيها. وذلك أن الله تعالـى ذكره أحل بقوله:
{ وَظ±لْمُحْصَنَاتُ مِنَ ظ±لَّذِينَ أُوتُواْ ظ±لْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ }
[المائدة: 5] للـمؤمنـين من نكاح مـحصناتهن، مثل الذي أبـاح لهم من نساء الـمؤمنات...

اسامة محمد خيري
08-12-2016, 10:14
ونظائر ذلك من الأخبـار التـي يطول بـاستـيعاب ذكر جميعها الكتاب قالوا: فما فعل النبـيّ صلى الله عليه وسلم من ذلك فجائز، وهو مبـاشرة الـحائض ما دون الإزار وفوقه، وذلك دون الركبة وفوق السرّة، وما عدا ذلك من جسد الـحائض فواجب اعتزاله لعموم الآية.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: إن للرجل من امرأته الـحائض ما فوق الـمؤتزر ودونه لـما ذكرنا من العلة لهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَلا تَقْرَبُوهُنّ حتَّـى يَطْهُرْنَ }.....

اختلف القراء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: { حتـى يَطْهُرْنَ } بضم الهاء وتـخفـيفها، وقرأه آخرون بتشديد الهاء وفتـحها. وأما الذين قرءوه بتـخفـيف الهاء وضمها فإنهم وجهوا معناه إلـى: ولا تقربوا النساء فـي حال حيضهن حتـى ينقطع عنهن دم الـحيض ويطهرن. وقال بهذا التأويـل جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن مهدي ومؤمل، قالا: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: { وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَّتـى يَطْهُرْنَ } قال: انقطاع الدم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفـيان أو عثمان بن الأسود: { وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَّتـى يَطْهُرْنَ } حتـى ينقطع عنهن الدم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبـيد الله العتكي، عن عكرمة فـي قوله: { وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَّتـى يَطْهُرْنَ } قال: حتـى ينقطع الدم.

وأما الذين قرءوا ذلك بتشديد الهاء وفتـحها، فإنهم عنوا به: حتـى يغتسلن بـالـماء وشدّدوا الطاء لأنهم قالوا: معنى الكلـمة: حتـى يتطهرن أدغمت التاء فـي الطاء لتقارب مخرجيهما.

وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك قراءة من قرأ: «حَّتـى يَطَّهَّرْنَ» بتشديدها وفتـحها، بـمعنى: حتـى يغتسلن، لإجماع الـجميع علـى أن حراماً علـى الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع دم حيضها حتـى تطهر.

...

وأولـى التأويـلـين بتأويـل الآية قول من قال: معنى قوله: { فإذَا تَطَهّرْنَ } فإذا اغتسلن لإجماع الـجميع علـى أنها لا تصير بـالوضوء بـالـماء طاهراً الطهر الذي يحلّ لها به الصلاة، وأن القول لا يخـلو فـي ذلك من أحد أمرين: إما أن يكون معناه: فإذا تطهرن من النـجاسة فأتوهن.

وإن كان ذلك معناه، فقد ينبغي أن يكون متـى انقطع عنها الدم فجائز لزوجها جماعها إذا لـم تكن هنالك نـجاسة ظاهرة، هذا إن كان قوله: { فإذَا تَطَهّرْنَ } جائزاً استعماله فـي التطهر من النـجاسة، ولا أعلـمه جائزاً إلا علـى استكراه الكلام أو يكون معناه: فإذا تطهرن للصلاة فـي إجماع الـجميع من الـحجة علـى أنه غير جائز لزوجها غشيانها بـانقطاع دم حيضها، إذا لـم يكن هنالك نـجاسة دون التطهر بـالـماء إذا كانت واجدته أدلّ الدلـيـل علـى أن معناه: فإذا تطهرن الطهر الذي يجزيهن به الصلاة. وفـي إجماع الـجميع من الأمة علـى أن الصلاة لا تـحلّ لها إلا بـالاغتسال أوضح الدلالة علـى صحة ما قلنا من أن غشيانها حرام إلا بعد الاغتسال، وأن معنى قوله: { فإذَا تَطَهّرْنَ } فإذا اغتسلن فصرن طواهر الطهر الذي يجزيهن به الصلاة..

وأولـى الأقوال بـالصواب فـي تأويـل ذلك عندي قول من قال: معنى ذلك: فأتوهن من قُبْل طهرهن وذلك أن كل أمر بـمعنى فنهي عن خلافه وضده، وكذلك النهي عن الشيء أمر بضده وخلافه. فلو كان معنى قوله: { فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ فأتوهنّ } من قبل مخرج الدم الذي نهيتكم أن تأتوهن من قبله فـي حال حيضهن، لوجب أن يكون قوله: { وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتـى يَطْهُرْنَ } تأويـله: ولا تقربوهنّ فـي مخرج الدم دون ما عدا ذلك من أماكن جسدها، فـيكون مطلقاً فـي حال حيضها إتـيانهن فـي أدبـارهنّ. وفـي إجماع الـجميع علـى أن الله تعالـى ذكره لـم يطلق فـي حال الـحيض من إتـيانهنّ فـي أدبـارهن شيئاً حرّمه فـي حال الطهر ولا حرم من ذلك فـي حال الطهر شيئاً أحله فـي حال الـحيض، ما يعلـم به فساد هذا القول.

وبعد: فلو كان معنى ذلك علـى ما تأوّله قائلو هذه الـمقالة لوجب أن يكون الكلام: فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله، حتـى يكون معنى الكلام حينئذ علـى التأويـل الذي تأوّله، ويكون ذلك أمرا بإتـيانهن فـي فروجهن، لأن الكلام الـمعروف إذا أريد ذلك أن يقال: أتـى فلان زوجته من قبل فرجها، ولا يقال: أتاها من فرجها إلا أن يكون أتاها من قبل فرجها فـي مكان غير الفرج.

فإن قال لنا قائل: فإن ذلك وإن كان كذلك، فلـيس معنى الكلام: فأتوهن فـي فروجهن، وإنـما معناه، فأتوهن من قبل قبلهن فـي فروجهن، كما يقال: أتـيت هذا الأمر من مأتاه. قـيـل له: إن كان ذلك كذلك، فلا شك أن مأتـى الأمر ووجهه غيره، وأن ذلك مطلبه. فإن كان ذلك علـى ما زعمتـم، فقد يجب أن يكون معنى قوله: { فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ } غير الذي زعمتـم أنه معناه بقولكم: ائتوهن من قبل مخرج الدم ومن حيث أمرتـم بـاعتزالهن، ولكن الواجب أن يكون تأويـله علـى ذلك: فأتوهنّ من قبل وجوههنّ فـي أقبـالهن، كما كان قول القائل ائت الأمر من مأتاه إنـما معناه: اطلبه من مطلبه، ومطلب الأمر غير الأمر الـمطلوب، فكذلك يجب أن مأتـى الفرج الذي أمر الله فـي قولهم بإتـيانه غير الفرج. وإذا كان كذلك وكان معنى الكلام عندهم: فأتوهن من قبل وجوههنّ فـي فروجهنّ، وجب أن يكون علـى قولهم مـحرّما إتـيانهنّ فـي فروجهن من قبل أدبـارهن، وذلك إن قالوه خرج من قاله من قـيـل أهل الإسلام، وخالف نصّ كتاب الله تعالـى ذكره وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك أن الله يقول: { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُـمْ } وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي إتـيانهن فـي فروجهن من قبل أدبـارهن.

فقد تبـين إذا إذ كان الأمر علـى ما وصفنا فساد تأويـل من قال ذلك: فأتوهنّ فـي فروجهنّ حيث نهيتكم عن إتـيانهن فـي حال حيضهن، وصحة القول الذي قلناه، وهو أن معناه: فأتوهن فـي فروجهن من الوجه الذي أذن الله لكم بإتـيانهن، وذلك حال طهرهن وتطهرهن دون حال حيضهن.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: إن الله يحبّ التوّابـين من الذنوب، ويحبّ الـمتطهرين بـالـماء للصلاة لأن ذلك هو الأغلب من ظاهر معانـيه. وذلك أن الله تعالـى ذكره ذكر أمر الـمـحيض، فنهاهم عن أمور كانوا يفعلونها فـي جاهلـيتهم، من تركهم مساكنة الـحائض ومؤاكلتها ومشاربتها، وأشياء غير ذلك مـما كان تعالـى ذكره يكرهها من عبـاده. فلـما استفتـى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك أوحى الله تعالـى إلـيه فـي ذلك، فبـين لهم ما يكرهه مـما يرضاه ويحبه، وأخبرهم أنه يحبّ من خـلقه من أناب إلـى رضاه ومـحبته، تائبـا مـما يكرهه. وكان مـما بـين لهم من ذلك أنه قد حرم علـيهم إتـيان نسائهم وإن طهرن من حيضهن حتـى يغتسلن، ثم قال: { وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَّتـى يَطْهُرْنَ فَإذَا تَطَهّرْنَ فأْتُوهُنّ } فإن الله يحبّ الـمتطهرين، يعنـي بذلك الـمتطهرين من الـجنابة والأحداث للصلاة، والـمتطهرات بـالـماء من الـحيض والنفـاس والـجنابة والأحداث من النساء. وإنـما قال: ويحبّ الـمتطهرين، ولـم يقل الـمتطهرات، وإنـما جرى قبل ذلك ذكر التطهر للنساء لأن ذلك بذكر الـمتطهرين يجمع الرجال والنساء، ولو ذكر ذلك بذكر الـمتطهرات لـم يكن للرجال فـي ذلك حظ، وكان للنساء خاصة، فذكر الله تعالـى ذكره بـالذكر العام جميع عبـاده الـمكلفـين، إذ كان قد تعبد جميعهم بـالتطهر بـالـماء، وإن اختلفت الأسبـاب التـي توجب التطهر علـيهم بـالـماء فـي بعض الـمعانـي واتفقت فـي بعض.

اسامة محمد خيري
08-12-2016, 10:58
والصواب من القول فـي ذلك عندنا قول من قال: معنى قوله { أنَّى شِئْتُـمْ } من أيّ وجه شئتـم، وذلك أنّ أنّى فـي كلام العرب كلـمة تدل إذا ابتدىء بها فـي الكلام علـى الـمسألة عن الوجوه والـمذاهب، فكأن القائل إذا قال لرجل: أنى لك هذا الـمال؟ يريد من أيّ الوجوه لك، ولذلك يجيب الـمـجيب فـيه بأن يقول: من كذا وكذا، كما قال تعالـى ذكره مخبراً عن زكريا فـي مسألته مريـم:
{ أَنَّىظ° لَكِ هَـظ°ذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ظ±للَّهِ }
[آل عمران: 37] وهي مقاربة أين وكيف فـي الـمعنى، ولذلك تداخـلت معانـيها، فأشكلت «أنى» علـى سامعها ومتأوّلها حتـى تأوّلها بعضهم بـمعنى أين، وبعضهم بـمعنى كيف، وآخرون بـمعنى متـى، وهي مخالفة جميع ذلك فـي معناها وهن لها مخالفـات. وذلك أن «أين» إنـما هي حرف استفهام عن الأماكن والـمـحال، وإنـما يستدلّ علـى افتراق معانـي هذه الـحروف بـافتراق الأجوبة عنها. ألا ترى أن سائلاً لو سأل آخر فقال: أين مالك؟ لقال بـمكان كذا، ولو قال له: أين أخوك؟ لكان الـجواب أن يقول: ببلدة كذا، أو بـموضع كذا، فـيجيبه بـالـخبر عن مـحل ما سأله عن مـحله، فـيعلـم أن أين مسألة عن الـمـحل. ولو قال قائل لآخر: كيف أنت؟ لقال: صالـح أو بخير أو فـي عافـية، وأخبره عن حاله التـي هوفـيها، فـيعلـم حينئذٍ أن كيف مسألة عن حال الـمسؤول عن حاله. ولو قال له: أنى يحيـي الله هذا الـميت؟ لكان الـجواب أن يقال: من وجه كذا ووجه كذا، فـيصف قولاً نظير ما وصف الله تعالـى ذكره للذي قال:
{ أَنَّىظ° يُحْيِـي هَـظ°ذِهِ ظ±للَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا }
[البقرة: 259] فعلاً حين بعثه من بعد مـماته. وقد فرّقت الشعراء بـين ذلك فـي أشعارها، فقال الكميت بن زيد:
تَذَكَّرَ مِنْ أنَّى ومِنْ أينَ شُرْبُهُ
يُوءَامِرُ نَفْسَيْهِ كذي الهجمةِ الأبِلْ
وقال أيضاً:
أنّى ومِنْ أيْنَ نابَكَ الطَّرَبُ مِنْ حَيْثُ لا صَبْوَةٌ وَلا رِيَبُ
فـيجاء ب «أنَّى» للـمسألة عن الوجه وب«أين» للـمسألة عن الـمكان، فكأنه قال: من أي وجه ومن أي موضع راجعك الطرب.

والذي يدل علـى فساد قول من تأول قول الله تعالـى ذكره: { فَأتُوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُـمْ } كيف شئتـم، أو تأوله بـمعنى حيث شئتـم، أو بـمعنى متـى شئتـم، أو بـمعنى أين شئتـم أن قائلاً لو قال لآخر: أنى تأتـي أهلك؟ لكان الـجواب أن يقول: من قبلها أو من دبرها، كما أخبر الله تعالـى ذكره عن مريـم إذ سئلت:
{ أَنَّىظ° لَكِ هَـظ°ذَا }
[آل عمران: 37] أنها قالت: " هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ " وإذ كان ذلك هو الـجواب، فمعلوم أن معنى قول الله تعالـى ذكره: { فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُـمْ } إنـما هو: فأتوا حرثكم من حيث شئتـم من وجوه الـمأتـي، وأن ما عدا ذلك من التأويلات فلـيس للآية بتأويـل. وإذ كان ذلك هو الصحيح، فبـين خطأ قول من زعم أن قوله: { فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُـمْ } دلـيـل علـى إبـاحة إتـيان النساء فـي الأدبـار، لأن الدبر لا يحترث فـيه، وإنـما قال تعالـى ذكره: { حَرْث لَكُمْ } فأتوا الـحرث من أي وجوهه شئتـم، وأيّ مـحترث فـي الدبر فـيقال ائته من وجهه. وتبـين بـما بـينا صحة معنى ما روي عن جابر وابن عبـاس من أن هذه الآية نزلت فـيـما كانت الـيهود تقوله للـمسلـمين إذا أتـى الرجل الـمرأة من دبرها فـي قبلها جاء الولد أحول...

وقال آخرون: بل معنى ذلك { وَقَدّمُوا لأنْفُسِكُمْ } ذكْرَ الله عند الـجماع وإتـيان الـحرث قبل إتـيانه ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي مـحمد بن كثـير، عن عبد الله بن واقد، عن عطاء، قال: أراه عن ابن عبـاس: { وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ } قال: التسمية عند الـجماع يقول بسم الله.

والذي هو أولـى بتأويـل الآية، ما روينا عن السدي، وهو أن قوله: { وَقَدّمُوا لأنْفُسِكُمْ } أمر من الله تعالـى ذكره عبـاده بتقديـم الـخير، والصالـح من الأعمال لـيوم معادهم إلـى ربهم، عدة منهم ذلك لأنفسهم عند لقائه فـي موقـف الـحساب، فإنه قال تعالـى ذكره:
{ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ظ±للَّهِ }
[البقرة: 110] وإنـما قلنا ذلك أولـى بتأويـل الآية، لأن الله تعالـى ذكره عقب قوله: { وَقَدّمُوا لأنْفُسِكُمْ } بـالأمر بـاتقائه فـي ركوب معاصيه، فكان الذي هو أولـى بأن يكون الذي قبل التهديد علـى الـمعصية عاماً الأمر بـالطاعة عاماً.

فإن قال لنا قائل: وما وجه الأمر بـالطاعة بقوله: { وَقَدّمُوا لأنْفُسِكُمْ } من قوله: { نِساوكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُـمْ }؟ قـيـل: إن ذلك لـم يقصد به ما توهمته، وإنـما عنى به وقدّموا لأنفسكم من الـخيرات التـي ندبناكم إلـيها بقولنا:

{ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَظ±لأَقْرَبِينَ }
[البقرة: 215] وما بعده من سائر ما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجيبوا عنه مـما ذكره الله تعالـى ذكره فـي هذه الآيات، ثم قال تعالـى ذكره: قد بـينا لكم ما فـيه رشدكم وهدايتكم إلـى ما يرضي ربكم عنكم، فقدموا لأنفسكم الـخير الذي أمركم به، واتـخذوا عنده به عهداً لتـجدوه لديه إذا لقـيتـموه فـي معادكم، واتقوه فـي معاصيه أن تقربوها وفـي حدوده أن تضيعوها، واعلـموا أنكم لا مـحالة ملاقوه فـي معادكم، فمـجازٍ الـمـحسن منكم بإحسانه والـمسيء بإساءته

اسامة محمد خيري
08-12-2016, 11:08
وأولـى التأويـلـين بـالآية تأويـل من قال: معنى ذلك لا تـجعلوا الـحلف بـالله حجة لكم فـي ترك فعل الـخير فـيـما بـينكم وبـين الله وبـين الناس. وذلك أن العرضة فـي كلام العرب: القوّة والشدة، يقال منه: هذا الأمر عرضة له، يعنـي بذلك: قوّة لك علـى أسبـابك، ويقال: فلانة عرضة للنكاح: أي قوّة، ومنه قول كعب بن زهير فـي صفة نوق:
مِنْ كُلّ نَضَّاحَةِ الذِّفْرى إذَا عَرقتْ عُرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَـجْهُولُ
يعنـي ب«عرضتها»: قوتها وشدتها.

فمعنى قوله تعالـى ذكره: { وَلا تَـجْعَلُوا اللّهَ عُرْضَةً لأيـمَانِكُمْ } إذا: لا تـجعلوا الله قوة لأيـمانكم فـي أن لا تبرّوا، ولا تتقوا، ولا تصلـحوا بـين الناس، ولكن إذا حلف أحدكم فرأى الذي هو خير مـما حلف علـيه من ترك البرّ والإصلاح بـين الناس فلـيحنث فـي يـمينه، ولـيبرّ، ولـيتق الله، ولـيصلـح بـين الناس، ولـيكفر عن يـمينه.

وترك ذكر «لا» من الكلام لدلالة الكلام علـيها واكتفـاء بـما ذكر عما ترك، كما قال امرؤ القـيس:
فَقُلْتُ يَـمِينُ اللّهِ أبْرَحُ قاعِداً ولَوْ قَطّعُوا رأسي لَدَيْكِ وأوْصَالـي
بـمعنى: فقلت: يـمين الله لا أبرح. فحذف «لا» اكتفـاء بدلالة الكلام علـيها.

اسامة محمد خيري
08-12-2016, 11:27
قال أبو جعفر: وإنـما اختلف الـمختلفون فـي تأويـل الفـيء علـى قدر اختلافهم فـي معنى الـيـمين التـي تكون إيلاء، فمن كان من قوله: إن الرجل لا يكون مؤلـياً من امرأته الإيلاء الذي ذكره الله فـي كتابه إلا بـالـحلف علـيها أن لا يجامعها جعل الفـيء الرجوع إلـى فعل ما حلف علـيه أن لا يفعله من جماعها، وذلك الـجماع فـي الفرج إذا قدر علـى ذلك وأمكنه، وإذا لـم يقدر علـيه ولـم يـمكنه، إحداث النـية أن يفعله إذا قدر علـيه وأمكنه وإبداء ما نوى من ذلك بلسانه لـيعلـمه الـمسلـمون فـي قول من قال ذلك.

وأما قول من رأى أن الفـيء هو الـجماع دون غيره، فإنه لـم يجعل العائق له عذراً، ولـم يجعل له مخرجاً من يـمينه غير الرجوع إلـى ما حلف علـى تركه وهو الـجماع.

وأما من كان من قوله: إنه قد يكون مؤلـياً منها بـالـحلف علـى ترك كلامها، أو علـى أن يسوأها أو يغيظها، أو ما أشبه ذلك من الأيـمان، فإن الفـيء عنده الرجوع إلـى ترك ما حلف علـيه أن يفعله مـما فـيه مساءتها بـالعزم علـى الرجوع عنه أبدى ذلك بلسانه فـي كل حال عزم فـيها علـى الفـيء.

وأولـى الأقوال بـالصحة فـي ذلك عندنا قول من قال: الفـيء: هو الـجماع لأن الرجل لا يكون مؤلـياً عندنا من امرأته إلا بـالـحلف علـى ترك جماعها الـمدة التـي ذكرنا للعلل التـي وصفنا قبل. وإذا كان ذلك هو الإيلاء فـالفـيء الذي يبطل حكم الإيلاء عنه لا شك أنه غير جائز أن يكون إلا ما كان الذي آلـى علـيه خلافـاً لأنه لـما جعل حكمه إن لـم يفـىء إلـى ما آلـى علـى تركه الـحكم الذي بـينه الله لهم فـي كتابه كان الفـيء إلـى ذلك معلوما أنه فعل ما آلـى علـى تركه إن أطاقه، وذلك هو الـجماع، غير أنه إذا حيـل بـينه وبـين الفـيء الذي هو الـجماع بعذر، فغير كائن تاركاً جماعها علـى الـحقـيقة، لأن الـمرء إنـما يكون تاركاً ماله إلـى فعله وتركه سبـيـل، فأما من لـم يكن له إلـى فعل أمر سبـيـل، فغير كائن تاركه...

قال أبو جعفر: وأشبه هذه الأقوال بـما دل علـيه ظاهر كتاب الله تعالـى ذكره، قول عمر بن الـخطاب وعثمان وعلـيّ رضي الله عنهم ومن قال بقولهم فـي الطلاق: أن قوله: { فإنْ فـاءُوا فإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيـمٌ وَإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِـيـمٌ } إنـما معناه: فإن فـاءوا بعد وقـف الإمام إياهم من بعد انقضاء الأشهر الأربعة، فرجعوا إلـى أداء حق الله علـيهم لنسائهم اللاتـي آلوا منهن، فإن الله لهم غفور رحيـم، وإن عزموا الطلاق فطلقوهن، فإن الله سميع لطلاقهم إذا طلقوا، علـيـم بـما أتوا إلـيهن.

وإنـما قلنا ذلك أشبه بتأويـل الآية، لأن الله تعالـى ذكره ذكر حين قال: { وَإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِـيـمٌ } ، ومعلوم أن انقضاء الأشهر الأربعة غير مسموع، وإنـما هو معلوم، فلو كان عزم الطلاق انقضاء الأشهر الأربعة لـم تكن الآية مختومة بذكر الله الـخبر عن الله تعالـى ذكره أنه { سَمِيعٌ عَلِـيـمٌ } كما أنه لـم يختـم الآية التـي ذكر فـيها الفـيء إلـى طاعته فـي مراجعة الـمؤلـي زوجته التـي آلـى منها وأداء حقها إلـيها بذكر الـخبر عن أنه شديد العقاب، إذ لـم يكن موضع وعيد علـى معصية، ولكنه ختـم ذلك بذكر الـخبر عن وصفه نفسه تعالـى ذكره بأنه غفور رحيـم، إذ كان موضع وعد الـمنـيب علـى إنابته إلـى طاعته، فكذلك ختـم الآية التـي فـيها ذكر القول، والكلام بصفة نفسه بأنه للكلام سميع وبـالفعل علـيـم، فقال تعالـى ذكره: وإن عزم الـمؤلون علـى نسائهم علـى طلاق من آلوا منه من نسائهم، فإن الله سميع لطلاقهم إياهن إن طلقوهن، علـيـم بـما أتوا إلـيهن مـما يحلّ لهم، ويحرم علـيهم. وقد استقصينا البـيان عن الدلالة علـى صحة هذا القول فـي كتابنا «كتاب اللطيف من البـيان عن أحكام شرائع الدين» فكرهنا إعادته فـي هذا الـموضع.

اسامة محمد خيري
08-12-2016, 11:56
والذي هو أولـى بتأويـل الآية عندي: وللـمطلقات واحدة أو ثنتـين بعد الإفضاء إلـيهنّ علـى بعولتهن أن لا يراجعوهنّ ضراراً فـي أقرائهن الثلاثة إذا أرادوا رجعتهن فيهن إلا أن يريدوا إصلاح أمرهن وأمرهم فلا يراجعوهن ضرارا، كما علـيهنّ لهم إذا أرادوا رجعتهنّ فـيهنّ أن لا يكتـمن ما خـلق الله فـي أرحامهن من الولد ودم الـحيض ضراراً منهنّ لهم لتيقنهن بأنفسهنّ، ذلك أن الله تعالـى ذكره نهى الـمطلقات عن كتـمان أزواجهن فـي أقرائهنّ ما خـلق الله فـي أرحامهنّ إن كنّ يؤمنّ بـالله والـيوم الآخر، وجعل أزواجهنّ أحقّ بردّهنّ فـي ذلك إن أرادوا إصلاحاً، فحرّم الله علـى كل واحد منهما مضارّة صاحبه، وعرّف كل واحد منهما ما له وما علـيه من ذلك، ثم عقب ذلك بقوله: { ولَهُنَّ مِثْلَ الَّذِي عَلَـيْهِنَّ بـالـمَعْرُوفِ } فبـين أن الذي علـى كل واحد منهما لصاحبه من ترك مضارته مثل الذي له علـى صاحبه من ذلك.

فهذا التأويـل هو أشبه بدلالة ظاهر التنزيـل من غيره، وقد يحتـمل أن يكون كل ما علـى كل واحد منها لصاحبه داخلاً فـي ذلك، وإن كانت الآية نزلت فـيـما وصفنا، لأن الله تعالـى ذكره قد جعل لكل واحد منهما علـى الآخر حقا، فلكل واحد منهما علـى الآخر من أداء حقه إلـيه مثل الذي علـيه له، فـيدخـل حينئذ فـي الآية ما قاله الضحاك وابن عبـاس وغير ذلك........

وأولى هذه الأقوال بتأويـل الآية ما قاله ابن عباس، وهو أن الدرجة التـي ذكر الله تعالى ذكره فـي هذا الـموضع الصفح من الرجل لامرأته عن بعض الواجب عليها، وإغضاؤه لها عنه، وأداء كل الواجب لها عليه، وذلك أن الله تعالـى ذكره قال: { وَللرّجالِ عَلَـيْهِنَّ دَرَجَةٌ } عقيب قوله: { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَـيْهُنَّ بالمَعْرُوف } فأخبر تعالـى ذكره أن على الرجل من ترك ضرارها فـي مراجعته إياها فـي أقرائها الثلاثة وفـي غير ذلك من أمورها وحقوقها، مثل الذي له علـيها من ترك ضراره فـي كتـمانها إياه ما خـلق الله فـي أرحامهن وغير ذلك من حقوقه. ثم ندب الرجال إلـى الأخذ علـيهنّ بـالفضل إذا تركن أداء بعض ما أوجب الله لهم علـيهنّ، فقال تعالـى ذكره: { وَللرّجالِ عَلَـيْهِنَّ دَرَجَةٌ } بتفضلهم علـيهن، وصفحهم لهنّ عن بعض الواجب لهم علـيهنّ، وهذا هو الـمعنى الذي قصده ابن عبـاس بقوله: ما أحبّ أن أستنظف جميع حقـي علـيها لأن الله تعالـى ذكره يقول: { وَللرّجالِ عَلَـيْهِنَّ دَرَجَةٌ }. ومعنى الدرجة: الرتبة والـمنزلة، وهذا القول من الله تعالـى ذكره، وإن كان ظاهره ظاهر الـخبر، فمعناه معنى ندب الرجال إلـى الأخذ علـى النساء بـالفضل لـيكون لهم علـيهنّ فضل درجة.

اسامة محمد خيري
08-12-2016, 12:16
حدثنا يحيى بن أبـي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك فـي قوله: { الطَّلاقُ مَرَّتانِ فإمْساكٌ بِـمَعْرُوفٍ أوْ تسْرِيحٌ بإحْسانٍ } قال: يعنـي تطلـيقتـين بـينهما مراجعة، فأمر أن يـمسك أو يسرِّح بإحسان. قال: فإن هو طلقها ثالثة فلا تـحل له حتـى تنكح زوجاً غيره.

وكأن قائلـي هذا القول الذي ذكرناه عن السدي والضحاك ذهبوا إلـى أن معنى الكلام: الطلاق مرّتان، فإمساك فـي كل واحدة منهما لهنّ بـمعروف، أو تسريح لهنّ بإحسان. وهذا مذهب مـما يحتـمله ظاهر التنزيـل لولا الـخبر الذي ذكرته عن النبـي صلى الله عليه وسلم، الذي رواه إسماعيـل بن سميع، عن أبـي رزين فإن اتبـاع الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولـى بنا من غيره. فإذ كان ذلك هو الواجب، فبـين أن تأويـل الآية: الطلاق الذي لأزواج النساء علـى نسائهم فـيه الرجعة مرتان، ثم الأمر بعد ذلك إذا راجعوهن فـي الثانـية، إما إمساك بـمعروف، وإما تسريح منهم لهن بإحسان بـالتطلـيقة الثالثة حتـى تبـين منهم، فتبطل ما كان لهن علـيهن من الرجعة ويصرن أملك لأنفسهن منهم...

قال أبو جعفر: والذي قاله مـجاهد فـي ذلك عندنا أولـى بـالصواب للذي ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي الـخبر الذي رويناه عنه أنه قال: أو سئل فقـيـل: هذا قول الله تعالـى ذكره:
{ ظ±لطَّلَظ°قُ مَرَّتَانِ }
[البقرة: 229] فأين الثالثة؟ قال: «فإمْساكٌ بِـمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بإحْسانٍ». فأخبر صلى الله عليه وسلم، أن الثالثة إنـما هي قوله:
{ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَظ°نٍ }
[البقرة: 229]. فإذ كان التسريح بـالإحسان هو الثالثة، فمعلوم أن قوله: { فإنْ طَلَّقَها فَلا تَـحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حّتـى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ } من الدلالة علـى التطلـيقة الثالثة بـمعزل، وأنه إنـما هو بـيان عن الذي يحلّ للـمسرح بـالإحسان إن سرّح زوجته بعد التطلـيقتـين، والذي يحرم علـيه منها، والـحال التـي يجوز له نكاحها فـيها، وإعلام عبـاده أن بعد التسريح علـى ما وصفت لا رجعة للرجل علـى امرأته....

اسامة محمد خيري
09-12-2016, 05:15
والصواب من القول فـي هذه الآية أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أنزلها دلالة علـى تـحريـمه علـى أولـياء النساء مضارة من كانوا له أولـياء من النساء بعضلهنّ عمن أردن نكاحه من أزواج كانوا لهنّ، فبنّ منهنّ بـما تبـين به الـمرأة من زوجها من طلاق أو فسخ نكاح. وقد يجوز أن تكون نزلت فـي أمر معقل بن يسار وأمر أخته أو فـي أمر جابر بن عبد الله وأمر ابنة عمه، وأي ذلك كان فـالآية دالة علـى ما ذكرت.

ويعنـي بقوله تعالـى: { فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } لا تضيقوا علـيهن بـمنعكم إياهنّ أيها الأولـياء من مراجعة أزواجهن بنكاح جديد تبتغون بذلك مضارتهن، يقال منه: عضل فلان فلانة عن الأزواج يعضلها عضلاً.

اسامة محمد خيري
09-12-2016, 05:43
وأولـى الأقوال بـالصواب فـي قوله: { وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَّ أوْلادَهُنَّ حَوْلَـيْنَ كامِلَـيْنِ لِـمَنْ أرَادَ أنْ يُتِـمّ الرِّضَاعَةَ } القول الذي رواه علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، ووافقه علـى القول به عطاء والثوري، والقول الذي رُوي عن عبد الله بن مسعود وابن عبـاس وابن عمر، وهو أنه دلالة علـى الغاية التـي ينتهي إلـيها فـي رضاع الـمولود إذا اختلف والده، وأن لا رضاع بعد الـحولـين يحرّم شيئاً، وأنه معنـي به كل مولود لستة أشهر كان وِلادُه، أو لسبعة أو لتسعة.

فأما قولنا: إنه دلالة علـى الغاية التـي ينتهي إلـيها فـي الرضاع عند اختلاف الوالدين فـيه فلأن الله تعالـى ذكره لـما حدّ فـي ذلك حداً، كان غير جائز أن يكون ما وراء حدّه موافقاً فـي الـحكم ما دونه، لأن ذلك لو كان كذلك، لـم يكن للـحدّ معنى معقول. وإذا كان ذلك كذلك، فلا شك أن الذي هو دون الـحولـين من الأجل لـما كان وقت رضاع، كان ما وراءه غير وقت له، وأنه وقت لترك الرضاع، وأن تـمام الرضاع لـما كان تـمام الـحولـين، وكان التمامُّ من الأشياء لا معنى إلـى الزيادة فـيه، كان لا معنى للزيادة فـي الرضاع علـى الـحولـين، وأن ما دون الـحولـين من الرضاع لـما كان مـحرّماً، كان ما وراءه غير مـحرّم

وإنـما قلنا هو دلالة علـى أنه معنـي به كل مولود لأيّ وقت كان ولاده، لستة أشهر، أوسبعة، أو تسعة، لأن الله تعالـى ذكره عم بقوله: { وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَّ أوْلادَهُنَّ حَوْلَـيْنَ كامِلَـيْنِ } ولـم يخصص به بعض الـمولودين دون بعض. وقد دللنا علـى فساد القول بـالـخصوص بغير بـيان الله تعالـى ذكره ذلك فـي كتابه، أو علـى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي كتابنا «كتاب البـيان عن أصول الأحكام» بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

....


اختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأ عامة قراء أهل الحجاز والكوفة والشام: { لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِها } بفتح الراء بتأويل لا تضارَر على وجه النهي وموضعه إذا قرئ كذلك جزم، غير أنه حرك، إذ ترك التضعيف بأخف الحركات وهو الفتح، ولوحرك إلى كسر كان جائزاً إتباعاً لحركة لام الفعل حركة عينه، وإن شئت فلأن الجزم إذا حرّك حرّك إلى الكسر. وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز وبعض أهل البصرة: " لا تُضَارُّ وَالِدَةٌ بوَلَدِها " رفعٌ. ومن قرأه كذلك لم تحتمل قراءته معنى النهي، ولكنها تكون بالخبر عطفاً بقوله { لا تُضارّ } على قوله: { لا تكلفُ نَفسٌ إلاَّ وْسعهَا }.وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معنى من رفع لا تضار والدة بولدها هكذا في الحكم، أنه لا تضارّ والدة بولدها، أي ما ينبغي أن تضارّ، فلما حذفت " ينبغي " وصار " تضارّ " في وضعه صار على لفظه، واستشهد لذلك بقول الشاعر:
عَلى الحَكَمِ المَأْتِيّ يَوْماً إذَا قَضَى.....قَضِيْتَهُ أنْ لا يَجُورَ وَيَقْصِدُ
فزعم أنه رفع يقصد بمعنى ينبغي. والمحكي عن العرب سماعاً غير الذي قال وذلك أنه روي عنهم سماعاً فتصنَع ماذا، إذا أرادوا أن يقولوا:فتريد أن تصنَع ماذا، فينصبونه بنية " أن " وإذا لم ينووا " أنْ " ولم يريدوها، قالوا: فتريدُ ماذا، فيرفعون تريد، لأن لا جالب لـ: " أنْ " قبله، كما كان له جالب قبل تصنع، فلوكان معنى قوله لا تضارّ إذا قرئ رفعا بمعنى: ينبغي أن لا تضارْ، أوما ينبغي أن تضار حذف ينبغي وأن، وأقيم تضارّ مقام ينبغي لكان الواجب أن يقرأ إذا قرئ بذلك المعنى نصباً لا رفعاً، ليعلم بنصبه المتروك قبله المعنّي المراد، كما فعل بقوله فتصنع ماذا، ولكن معنى ذلك ما قلنا إذا رفع على العطف على لا تُكَلّف ليست تكلف نفس إلا وسعها، وليست تضارّ والدة بولدها، يعني بذلك أنه ليست ذلك في دين الله وحكمه وأخلاق المسلمين.

وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ بالنصب، لأن نهي من الله تعالى ذكره كل واحد من أبوي المولود عن مضارّة صاحبه له حرام عليهما ذلك بإجماع المسلمين، فلو كان ذلك خبراً لكان حراماً عليهما ضرارهما به كذلك...

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال بـالصواب فـي تأويـل قوله: { وَعَلـى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } أن يكون الـمعنى بـالوارث ما قاله قبـيصة بن ذؤيب والضحاك بن مزاحم ومن ذكرنا قوله آنفـاً من أنه معنّـي بـالوارث الـمولود، وفـي قوله: { مِثْلُ ذَلِكَ } أن يكون معنـياً به مثل الذي كان علـى والده من رزق والدته وكسوتها بـالـمعروف إن كانت من أهل الـحاجة، وهي ذات زمانة وعاهة، ومن لا احتراف فـيها ولا زوج لها تستغنـي به، وإن كانت من أهل الغنى والصحة فمثل الذي كان علـى والده لها من أجر رضاعة.

وإنـما قلنا هذا التأويـل أولـى بـالصواب مـما عداه من سائر التأويلات التـي ذكرنا، لأنه غير جائز أن يقال فـي تأويـل كتاب الله تعالـى ذكره قول إلا بحجة واضحة علـى ما قد بـينا فـي أول كتابنا هذا وإذ كان ذلك كذلك، وكان قوله: { وَعَلـى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } مـحتـملاً ظاهره: وعلـى الوارث الصبـي الـمولود مثل الذي كان علـى الـمولود له، ومـحتـملاً.وعلـى وارث الـمولود له مثل الذي كان علـيه فـي حياته من ترك ضرار الوالدة ومن نفقة الـمولود، وغير ذلك من التأويلات علـى نـحو ما قد قدمنا ذكره، وكان الـجميع من الـحجة قد أجمعوا علـى أن من ورثة الـمولود من لا شيء علـيه من نفقته وأجر رضاعه، وصحّ بذلك من الدلالة علـى أن سائر ورثته غير آبـائه وأمهاته وأجداده وجداته من قِبَل أبـيه أو أمه فـي حكمه، فـي أنهم لا يـلزمهم له نفقة ولا أجر رضاع، إذ كان مولـى النعمة من ورثته، وهو مـمن لا يـلزمه له نفقة ولا أجر رضاع فوجب بإجماعهم علـى ذلك أن حكم سائر ورثته غير من استثنـي حكمه وكان إذا بطل أن يكون معنى ذلك ما وصفنا من أنه معنّـي به ورثة الـمولود، فبطول القول الآخر وهو أنه معنّـي به ورثة الـمولود له سوى الـمولود أحرى، لأن الذي هو أقرب بـالـمولود قرابة مـمن هو أبعد منه إذا لـم يصحّ وجوب نفقته وأجر رضاعه علـيه، فـالذي هو أبعد منه قرابة أحرى أن لا يصحّ وجوب ذلك علـيه...

وأولـى التأويـلـين بـالصواب، تأويـل من قال: فإن أراد فصالاً فـي الـحولـين عن تراض منهما وتشاور، لأن تـمام الـحولـين غاية لتـمام الرضاع وانقضائه، ولا تشاور بعد انقضائه وإنـما التشاور والتراضي قبل انقضاء نهايته...

وأولـى الأقوال بـالصواب فـي تأويـل ذلك قول من قال تأويـله: وإن أردتـم أن تسترضعوا أولادكم إلـى تـمام رضاعهن، ولـم تتفقوا أنتـم ووالدتهم علـى فصالهم، ولـم تروا ذلك من صلاحهم، فلا جناح علـيكم أن تسترضعوهم ظؤرة إن امتنعت أمهاتهم من رضاعهم لعلة بهنّ أو لغير علة إذا سلـمتـم إلـى أمهاتهم وإلـى الـمسترضعة الآخرة حقوقهنّ التـي آتـيتـموهنّ بـالـمعروف. يعنـي بذلك الـمعنى الذي أوجبه الله لهنّ علـيكم، وهو أن يوفـيهنّ أجورهنّ علـى ما فـارقهنّ علـيه فـي حال الاسترضاع ووقت عقد الإجارة. وهذا هو الـمعنى الذي قاله ابن جريج، ووافقه علـى بعضه مـجاهد والسدي ومن قال بقولهم فـي ذلك.

وإنـما قضينا لهذا التأويـل أنه أولـى بتأويـل الآية من غيره، لأن الله تعالـى ذكره ذكر قبل قوله: { وَإنْ أرَدْتُـمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ } أمر فصالهم، وبـين الـحكم فـي فطامهم قبل تـمام الـحولـين الكاملـين، فقال: { فإنْ أرَادَا فصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُما } فـي الـحولـين الكاملـين، فلا جناح علـيها. فـالذي هو أولـى بحكم الآية، إذ كان قد بـين فـيها وجه الفصال قبل الـحولـين أن يكون الذي يتلو ذلك حكم ترك الفصال وإتـمام الرضاع إلـى غاية نهايته، وأن يكون إذ كان قد بـين حكم الأم إذا هي اختارت الرضاع بـما يرضع به غيرها من الأجرة، أن يكون الذي يتلو ذلك من الـحكم بـيان حكمها وحكم الولد إذا هي امتنعت من رضاعه كما كان ذلك كذلك فـي غير هذا الـموضع من كتاب الله تعالـى، وذلك فـي قوله: { فإنْ أرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أجُورُهَنَّ وأتْـمِرُوا بَـيْنَكُمْ بِـمَعْرُوفٍ وَإنْ تَعاسَرْتُـمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى } ، فأتبع ذكر بـيان رضا الوالدات برضاع أولادهن، ذكر بـيان امتناعهنّ من رضاعهن، فكذلك ذلك فـي قوله: { وَإنْ أرَدْتُـمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ }. وإنـما اخترنا فـي قوله: { إذَا سَلّـمْتُـمْ ما آتَـيْتُـمْ بـالـمَعْرُوفِ } ما اخترنا من التأويـل لأن الله تعالـى ذكره فرض علـى أبـي الـمولود تسلـيـم حقّ والدته إلـيها مـما آتاها من الأجرة علـى رضاعها له بعد بـينونتها منه، كما فرض علـيه ذلك لـمن استأجره لذلك مـمن لـيس من مولده بسبـيـل وأمره بإيتاء كل واحدة منهما حقها بـالـمعروف علـى رضاع ولده فلـم يكن قوله: «إذا سلـمتـم» بأن يكون معنـيا به إذا سلـمتـم إلـى أمهات أولادكم الذين يرضعون حقوقهن بأولـى منه بأن يكون معنـياً به إذا سلـمتـم ذلك إلـى الـمراضع سواهن ولا الغرائب من الـمولود بأولـى أن يكنّ معنـيات بذلك من الأمهات، إذ كان الله تعالـى ذكره قد أوجب علـى أبـي الـمولود لكل من استأجره لرضاع ولده من تسلـيـم أجرتها إلـيها مثل الذي أوجب علـيه من ذلك للأخرى، فلـم يكن لنا أن نـحيـل ظاهر تنزيـل إلـى بـاطن ولا نقل عام إلـى خاص إلا بحجة يجب التسلـيـم لها فصح بذلك ما قلنا.

اسامة محمد خيري
09-12-2016, 06:27
حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً } قال: كان أبـي يقول: لا تواعدوهنّ سرّاً، ثم تـمسكها، وقد ملكت عقدة نكاحها، فإذا حلت أظهرت ذلك وأدخـلتها.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال بـالصواب فـي تأويـل ذلك، تأويـل من قال: السرّ فـي هذا الـموضع: الزنا وذلك أن العرب تسمي الـجماع وغشيان الرجل الـمرأة سرّاً، لأن ذلك مـما يكون بـين الرجال والنساء فـي خفـاء غير ظاهر مطلع علـيه، فـيسمى لـخفـائه سرّاً. من ذلك قول رؤبة بن العجاج:
فَعَفَّ عَنْ أسْرَارِها بَعْدَ العَسَقْ وَلْـم يُضِعْها بـينَ فِرْكٍ وَعشَقْ
يعنـي بذلك: عفّ عن غشيانها بعد طول ملازمته ذلك. ومنه قول الـحطيئة:
وَيحْرُمُ سِرُّ جاَرتِهمْ عَلَـيْهِمْ ويأكُلُ جارُهُمْ أنفَ القِصَاع
وكذلك يقال لكل ما أخفـاه الـمرء فـي نفسه سرّ، ويقال: هو فـي سرّ قومه، يعنـي فـي خيارهم وشرفهم. فلـما كان السرّ إنـما يوجه فـي كلامها إلـى أحد هذه الأوجه الثلاثة، وكان معلوماً أن أحدهن غير معنّـي به قوله: { وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّاً } وهو السرّ الذي هو معنى الـخيار والشرف، فلـم يبق إلا الوجهان الآخران وهو السرّ الذي بـمعنى ما أخفته نفس الـمواعدين الـمتواعدين، والسرّ الذي بـمعنى الغشيان والـجماع. فلـما لـم يبق غيرهما، وكانت الدلالة واضحة علـى أن أحدهما غير معنّـي به صحّ أن الآخر هو الـمعنـيّ به.

فإن قال [قائل]: فما الدلالة علـى أن مواعدة القول سرّاً غير معنّـي به علـى ما قال من قال: إن معنى ذلك: أخذ الرجل ميثاق الـمرأة أن لا تنكح غيره، أو علـى ماقال من قال: قول الرجل لها: لا تسبقـينـي بنفسك؟ قـيـل: لأن السرّ إذا كان بـالـمعنى الذي تأوّله قائلو ذلك، فلن يخـلو ذلك السرّ من أن يكون هو مواعدة الرجل الـمرأة ومسألته إياها أن لا تنكح غيره، أو يكون هو النكاح الذي سألها أن تـجيبه إلـيه بعد انقضاء عدتها وبعد عقده له دون الناس غيره. فإن كان السرّ الذي نهى الله الرجل أن يواعد الـمعتدات هو أخذ العهد علـيهن أن لا ينكحن غيره، فقد بطل أن يكون السرّ معناه ما أخفـى من الأمور فـي النفوس، أو نطق به فلـم يطلع علـيه، وصارت العلانـية من الأمر سرًّاً، وذلك خلاف الـمعقول فـي لغة من نزل القرآن بلسانه، إلا أن يقول قائل هذه الـمقالة: إنـما نهى الله الرجال عن مواعدتهنّ ذلك سرًّاً بـينهم وبـينهن، لا أن نفس الكلام بذلك وإن كان قد أعلن سر.

فـيقال له: إن قال ذلك فقد يجب أن تكون جائزة مواعدتهن النكاح والـخطبة صريحاً علانـية، إذ كان الـمنهيّ عنه من الـمواعدة إنـما هو ما كان منها سرّاً. فإن قال إن ذلك كذلك خرج من قول جميع الأمة علـى أن ذلك لـيس من قـيـل أحد مـمن تأوّل الآية أن السرّ ها هنا بـمعنى الـمعاهدة أن لا تنكح غير الـمعاهد. وإن قال: ذلك غير جائز. قـيـل له: فقد بطل أن يكون معنى ذلك: إسرار الرجل إلـى الـمرأة بـالـمواعدة، لأن معنى ذلك لو كان كذلك لـم يحرم علـيه مواعدتها مـجاهرة وعلانـية، وفـي كون ذلك علـيه مـحرّماً سرّاً وعلانـية ما أبـان أن معنى السرّ فـي هذا الـموضع غير معنى إسرار الرجل إلـى الـمرأة بـالـمعاهدة، أن لا تنكح غيره إذا انقضت عدتها أو يكون إذا بطل هذا الوجه معنى ذلك: الـخطبة والنكاح الذي وعدت الـمرأة الرجل أن لا تعدوه إلـى غيره، فذلك إذا كان، فإنـما يكون بولـيّ وشهود علانـية غير سرّ، وكيف يجوز أن يسمى سرّاً وهو علانـية لا يجوز إسراره؟ وفـي بطول هذه الأوجه أن تكون تأويلاً لقوله: { وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّاً } بـما علـيه دللنا من الأدلة وضوح صحة تأويـل ذلك أنه بـمعنى الغشيان والـجماع. وإذا كان ذلك صحيحاً، فتأويـل الآية: ولا جناح علـيكم أيها الناس فـيـما عرضتـم به للـمعتدات من وفـاة أزواجهن من خطبة النساء وذلك حاجتكم إلـيهن، فلـم تسرحوا لهن بـالنكاح والـحاجة إلـيهن إذا أكننتـم فـي أنفسكم، فأسررتـم حاجتكم إلـيهن وخطبتكم إياهن فـي أنفسكم ما دمن فـي عددهن، علـم الله أنكم ستذكرون خطبتهن وهن فـي عددهن. فأبـاح لكم التعريض بذلك لهنّ، وأسقط الـحرج عما أضمرته نفوسكم حلـماً منه، ولكن حرم علـيكم أن تواعدوهنّ جماعاً فـي عددهن، بأن يقول أحدكم لإحداهنّ فـي عدتها: قد تزوّجتك فـي نفسي، وإنـما أنتظر انقضاء عدتك، فـيسألها بذلك القول إمكانه من نفسها الـجماع والـمبـاضعة، فحرّم الله تعالـى ذكره ذلك....

اسامة محمد خيري
09-12-2016, 06:47
والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك عندي قول من قال: لكل مطلقة متعة؛ لأن الله تعالى ذكره قال: { وَلِلْمُطَلَّقَـظ°تِ مَتَـظ°عٌ بِظ±لْمَعْرُوفِ حَقّا عَلَى ظ±لْمُتَّقِينَ } فجعل الله تعالى ذكره ذلك لكل مطلقة ولم يخصص منهن بعضا دون بعض، فليس لأحد إحالة ظاهر تنزيل عام إلى باطن خاص إلا بحجة يجب التسليم لها.

فإن قال قائل: فإن الله تعالى ذكره قد خص المطلقة قبل المسيس إذا كان مفروضا لها بقوله: { وإن طلقتموهن من قبل أت تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } إذ لم يجعل لها غير نصف الفريضة؟ قيل: إن الله تعالى ذكره إذا دل على وجوب شيء في بعض تنزيله، ففي دلالته على وجوبه في الموضع الذي دل عليه الكفاية عن تكريره، حتى يدل على بطول فرضه، وقد دل بقوله:

{ وَلِلْمُطَلَّقَـظ°تِ مَتَـظ°عٌ بِظ±لْمَعْرُوفِ }
[البقرة: 241] على وجوب المتعة لكل مطلقة، فلا حاجة بالعباد إلى تكرير ذلك في كل آية وسورة. وليس في دلالته على أن المطلقة قبل المسيس المفروض لها الصداق نصف ما فرض لها دلالة على بطول المتعة عنه، لأنه غير مستحيل في الكلام لو قيل: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم والمتعة، فلما لم يكن ذلك محالا في الكلام كان معلوما أن نصف الفريضة إذا وجب لها لم يكن في وجوبه لها نفي عن حقها من المتعة، ولما لم يكن اجتماعهما للمطلقة محالا - وكان الله تعالى ذكره قد دل على وجوب ذلك لها، وإن كانت الدلالة على وجوب أحدهما في آية غير الآية التي فيها الدلالة على وجوب الأخرى - ثبت وصح وجوبهما لها. هذا إذا لم يكن على أن المطلقة المفروض لها الصداق إذا طلقت قبل المسيس دلالة غير قول الله تعالى ذكـره:
{ وَلِلْمُطَلَّقَـظ°تِ مَتَـظ°عٌ بِظ±لْمَعْرُوفِ }
[البقرة: 241] فكيف وفي قول الله تعالى ذكره: { لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ظ±لنّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتّعُوهُنَّ } الدلالة الواضحة على أن المفروض لها إذا طلقت قبل المسيس لها من المتعة مثل الذي لغير المفروض لها منها؟ وذلك أن الله تعالى ذكره لما قال: { لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ظ±لنّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } كان معلوما بذلك أنه قد دل به على حكم طلاق صنفين من طلاق النساء: أحدهما المفروض له، والآخر غير المفروض له؛ وأنها المطلقة المفروض لها قبل المسيس، لأنه قال: { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم يمسوهن } ثم قال تعالى ذكره: { وَمَتّعُوهُنَّ } فأوجب المتعة للصنفين منهن جميعا: المفروض لهن، وغير المفروض لهن. فمن ادعى أن ذلك لأحد الصنفين، سئل البرهان على دعواه من أصل أو نظير، ثم عكس عليه القول في ذلك فلن يقول في شيء منه قولا إلا ألزم في الآخر مثله.

وأرى أن المتعة للمرأة حق واجب إذا طلقت على زوجها المطلقها على ما بينا آنفا يؤخذ بها الزوج كما يؤخذ بصداقها، لا يبرئه منها إلا أداؤه إليها، أو إلى من يقوم مقامها في قبضها منه، أو ببراءة تكون منها له. وأرى أن سبيلها سبيل صداقها وسائر ديونها قبله يحبس بها إن طلقها فيها إذا لم يكن له شيء ظاهر يباع عليه إذا امتنع من إعطائها ذلك.

اسامة محمد خيري
09-12-2016, 07:03
وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: المعني بقوله: { الذي بيده عقدة النكاح } الزوج، وذلك لإجماع الجميع على أن ولى جارية بكر أو ثيب، صبية صغيرة كانت أو مدركة كبيره، لو أبرأ زوجها من مهرها قبل طلاقه إياها، أو وهبه له، أو عفا له عنه، أن إبراءه ذلك، وعفوه له عنه باطل، وإن صداقها عليه ثابت ثبوته قبل إبرائه إياه منه، فكان سبيل ما إبراءه من ذلك بعد طلاقه إياها سبيل ما أبرأه منه قبل طلاقه إياها.

اسامة محمد خيري
09-12-2016, 08:14
والصواب من القول في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ذكرناها قبل في تأويله، وهو أنها العصر. والذي حث الله تعالى ذكره عليه من ذلك، نظير الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحث عليه.

كما: حدثني به أحمد بن محمد بن حبيب الطوسي، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني يزيد بن أبي حبيب، عن جبر بن نعيم الحضرمي، عن عبد الله بن هبيرة النسائي، قال: وكان ثقة، عن أبي تميم الجيشاني، عن أبي بصرة الغفاري، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر، فلما انصرف، قال: " إن هذه الصلاة فرضت على من كان قبلكم فتوانوا فيها وتركوها، فمن صلاها منكم أضعف أجره ضعفين، ولا صلاة بعدها حتى يرى الشاهد النجم "

....

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله: { وقوموا لله قانتين } قول من قال: تأويله مطيعين، وذلك أن أصل القنوت: الطاعة، وقد تكون الطاعة لله في الصلاة بالسكوت عما نهى الله من الكلام فيها، ولذلك وجه من وجه تأويل القنوت في هذا الموضع إلى السكوت في الصلاة أحد المعاني التي فرضها الله على عباده فيها. إلا عن قراءة قرآن، أو ذكر له بما هو أهله. ومما يدل على أنهم قالوا ذلك كما وصفنا، قول النخعي ومجاهد، الذي:

حدثنا به أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ومجاهد قالا: كانوا يتكلمون في الصلاة، يأمر أحدهم أخاه بالحاجة فنزلت { وقوموا لله قانتين } قال: فقطعوا الكلام، والقنوت: السكوت، والقنوت: الطاعة.

فجعل إبراهيم ومجاهد القنوت سكوتا في طاعة الله على ما قلنا في ذلك من التأويل، وقد تكون الطاعة لله فيها بالخشوع وخفض الجناح، وإطالة القيام، وبالدعاء، لأن كلا غير خارج من أحد معنيين، من أن يكون مما أمر به المصلي، أو مما ندب إليه، والعبد بكل ذلك لله مطيع، وهو لربه فيه قانت، والقنوت: أصله الطاعة لله، ثم يستعمل في كل ما أطاع الله به العبد.

فتأويل الآية إذا: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وقوموا لله فيها مطيعين بترك بعضكم فيها كلام بعض، وغير ذلك من معاني الكلام، سوى قراءة القرآن فيها، أو ذكر الله بالذي هو أهله أو دعائه فيها، غير عاصين لله فيها بتضييع حدودها، والتفريط في الواجب لله عليكم فيها، وفي غيرها من فرائض الله.

اسامة محمد خيري
09-12-2016, 08:21
قال أبو جعفر: الخوف الذي للمصلي أن يصلي من أجله المكتوبة ماشيا راجلا وراكبا جائلا: الخوف على المهمة عند السلة والمسايفة في قتال من أمر بقتاله من عدو للمسلمين، أو محارب، أو طلب سبع، أو جمل صائل أو سيل سائل، فخاف الغرق فيه، وكل ما الأغلب من شأنه هلاك المرء منه إن صلى صلاة الأمن. فإنه إذا كان ذلك كذلك، فله أن يصلي صلاة شدة الخوف حيث كان وجهه يومئ إيماء لعموم كتاب الله: { فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا } ولم يخص الخوف على ذلك على نوع من الأنواع، بعد أن يكون الخوف صفته ما ذكرت.

وإنما قلنا: إن الخوف الذي يجوز للمصلي أن يصلي كذلك هو الذي الأغلب منه الهلاك بإقامة الصلاة بحدودها، وذلك حال شدة الخوف؛ لأن: محمد بن حميد وسفيان بن وكيع حدثاني، قالا: ثنا جرير، عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف: " يقوم الأمير وطائفة من الناس معه، فيسجدون سجدة واحدة، ثم تكون طائفة منهم بينهم وبين العدو، ثم ينصرف الذين سجدوا سجدة مع أميرهم، ثم يكونون مكان الذين لم يصلوا، ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلون مع أميرهم سجدة واحدة، ثم ينصرف أميرهم وقد قضى صلاته، ويصلي بعد صلاته كل واحد من الطائفتين سجدة لنفسه، وإن كان خوف أشد من ذلك فرجالا أو ركبانا "

حدثني سعيد بن يحيى الأموي، قال: ثني أبي، قال: ثنا ابن جريح، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: إذا اختلطوا - يعني في القتال - فإنما هو الذكر، وأشار بالرأس. قال ابن عمر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " وإن كانوا أكثر من ذلك فيصلون قياما وركباناً "

ففصل النبي بين حكم صلاة الخوف في غير حال المسايفة والمطاردة وبين حكم صلاة الخوف في حال شدة الخوف والمسايفة، على ما روينا عن ابن عمر. فكان معلوما بذلك أن قوله تعالى ذكره: { فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا } إنما عنى به الخوف الذي وصفنا صفته.

وبنحو الذي روى ابن عمر عن النبي روي عن ابن عمر أنه كان يقول:

حدثني يعقوب قال: ثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال في صلاة الخوف: يصلى بطائفة من القوم ركعة وطائفة تحرس، ثم ينطلق هؤلاء الذين صلى بهم ركعة حتى يقوموا مقام أصحابهم، ثم يحيي أولئك، فيصلي بهم ركعة، ثم يسلم، وتقوم كل طائفة فتصلي ركعة. قال. فإن كان خوف أشد من ذلك فرجالا أو ركبانا....

اسامة محمد خيري
09-12-2016, 08:32
ثم قال تعالى ذكره: { وَصِيَّةً لاّزْوَاجِهِم } فاختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأ بعضهم: { وَصِيَّةً لاّزْوَاجِهِم } بنصب الوصية؛ بمعنى: فليوصوا وصية لأزواجهم، أو عليهم وصية لأزواجهم.

و قرأ آخرون: ”وصية ولأزواجهم”برفع”الوصية”.

ثم اختلف أهل العربية في وجه رفع الوصية؟ فقال بعضهم: رفعت بمعنى: كتبت عليهم الوصية، واعتل في ذلك بأنها كذلك في قراءة عبد الله.

فتأويل الكلام على ما قاله هذا القائل: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا كتبت عليهم وصية لأزواجهم، ثم ترك ذكر”كتبت”، ورفعت الوصية و بذلك المعنى وإن كان متروكا ذكره.

وقال آخرون منهم: بل الوصية مرفوعة بقوله: { لاّزْوَاجِهِم } فتأول: لأزواجهم وصية.

والقول الأول أولى بالصواب في ذلك، وهو أن تكون الوصية إذا رفعت مرفوعة بمعنى: كتبت عليكم وصية لأزواجكم، لأن العرب تضمر النكرات مرافعها قبلها إذا أضمرت، فإذا أظهرت بدأت به قبلها، فتقول: جاءني رجل اليوم، وإذا قالوا: رجل جاءني اليوم، لم يكادوا أن يقولوه إلا والرجل حاضر يشيرون إليه بهذا، أو غائب قد علم المخبر عنه خبره، أو بحذف”هذا”وإضماره، إن حذفوه لمعرفة السامع بمعنى المتكلم، كما قال الله تعالى ذكره:
{ سورة أنزلناها }
[النور: 1] و
{ بَرَاءةٌ مّنَ ظ±للَّهِ وَرَسُولِهِ }
[التوبة: 1] وَصِيَّةً لاّزْوَاجِهِم.

وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا قراءة من قرأه رفعا لدلالة ظاهر القرآن على أن مقام المتوفى عنها زوجها في بيت زوجها المتوفى حولا كاملا، كان حقا لها قبل نزول قوله:
{ وَظ±لَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً }
[البقرة: 234] وقبل نزول آية الميراث. ولتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو الذي دل عليه الظاهر من ذلك، أوصى لهن أزواجهن بذلك قبل وفاتهن أو لم يوصوا لهن به

فإن قال قائل: وما الدلالة على ذلك؟ قيل: لما قال الله تعالى ذكره. { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم } وكان الموصي لا شك إنما يوصي في حياته بما يؤمر بإنفاذه بعد وفاته، وكان محالا أن يوصي بعد وفاته، كان تعالى ذكره إنما جعل لامرأة الميت سكنى الحول بعد وفاته؛ علما بأنه حق لها وجب في ماله بغير وصية منه لها، إذ كان الميت مستحيلا أن يكون منه وصية بعد وفاته....

وأولى هذه الأقوال عندي في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره كان جعل لأزواج من مات من الرجال بعد موتهم سكنى حول في منزله، ونفقتها في مال زوجها الميت إلى انقضاء السنة. ووجب على ورثة الميت أن لا يخرجوهن قبل تمام الحول من المسكن الذي يسكنه، وإن هن تركن حقهن من ذلك وخرجن لم تكن ورثة الميت خروجهن في حرج. ثم إن الله تعالى ذكره نسخ النفقة بآية الميراث، وأبطل مما كان جعل لهن من سكنى حول سبعة أشهر وعشرين ليلة، وردهن إلى أربعة أشهر وعشر على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا حجاج، قال: أخبرنا حيوة بن شريح، عن ابن عجلان، عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، وأخبره عن عمته زينب ابنة كعب بن عجرة، عن فريعة أخت أبي سعيد الخدري: أن زوجها خرج في طلب عبد له، فلحقه بمكان قريب، فقاتله وأعانه عليه أعبد معه، فقتلوه. فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجها خرج في طلب عبد له، فلقيه علوج فقتلوه، وإني في مكان ليس فيه أحد غيري، وإن أجمع لأمري أن أنتقل إلى أهلي. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بل امكثي مكانك حتى يبلغ الكتاب أجله " وأما قوله: { مَّتَاعًا } فإن معناه: جعل ذلك لهن متاعا، أي الوصية التي كتبها الله لهن. وإنما نصب”المتاع”، لأن في قوله: { وَصِيَّةً لاّزْوَاجِهِم } معنى متعهن الله، فقيل متاعا مصدرا من معناه، لا من لفظه.

وقوله: { غَيْرَ إِخْرَاجٍ } فإن معناه أن الله تعالى ذكره جعل ما جعل لهن من الوصية متاعا منه لهن إلى الحول لا إخراجا من مسكن زوجها، يعني لا إخراج فيه منه حتى ينقضي الحول، فنصب”غير”على النعت للمتاع كقول القائل: هذا قيام غير قعود، بمعنى: هذا قيام لا قعود معه، أو لا قعود فيه.

اسامة محمد خيري
09-12-2016, 08:56
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:
{ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ظ±لْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ظ±لْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِظ±لْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ظ±لْمُحْسِنِينَ }
[البقرة: 236] فقال رجل: فإن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل. فأنزل الله: { وَلِلْمُطَلَّقَـظ°تِ مَتَـظ°عٌ بِظ±لْمَعْرُوفِ حَقّا عَلَى ظ±لْمُتَّقِينَ }.

والصواب من القول في ذلك ما قاله سعيد بن جبير، من أن الله تعالى ذكره. أنزلها دليلا لعباده على أن لكل مطلقة متعة؛ لأن الله تعالى ذكره ذكر في سائر آي القرآن التي فيها ذكر متعة النساء خصوصا من النساء، فبين في الآية التي قال فيها:
{ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ظ±لنّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً }
[البقرة: 236] وفي قوله:
{ يظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ آمَنُوغ¤اْ إِذَا نَكَحْتُمُ ظ±لْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ }
[الأحزاب: 49] ما لهن من المتعة إذا طلقن قبل المسيس، وبقوله:
{ يظ°أَيُّهَا ظ±لنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ظ±لْحَيَاةَ ظ±لدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ }
[الأحزاب: 28] حكم المدخول بهن. وبقي حكم الصبايا إذا طلقن بعد الابتناء بهن، وحكم الكوافر والإماء. فعم الله تعالى ذكره بقوله: { وللمطلقات متاع بالمعروف } ذكر جميعهن، وأخبر بأن لهن المتاع، كما أبان المطلقات الموصوفات بصفاتهن في سائر آي القرآن، ولذلك كرر ذكر جميعهن في هذه الآية.

اسامة محمد خيري
09-12-2016, 09:08
وأولى القولين في تأويل قوله: { وَهُمْ أُلُوفٌ } بالصواب، قول من قال: عنى بالألوف. كثرة العدد، دون قول من قال: عنى به الائتلاف، بمعنى ائتلاف قلوبهم، وأنهم خرجوا من ديارهم من غير افتراق كان منهم ولا تباغض، ولكن فرارا، إما من الجهاد، وإما من الطاعون. لإجماع الحجة على أن ذلك تأويل الآية، ولا يعارض بالقول الشاذ ما استفاض به القول من الصحابة والتابعين.

اسامة محمد خيري
09-12-2016, 09:15
ولا وجه لقول من زعم أن قوله: { وقاتلوا في سبيل الله } أمر من الله الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف بالقتال بعد ما أحياهم؛ لأن قوله: { وقاتلوا في سبيل الله } لا يخلو إن كان الأمر على ما تأولوه من أحد أمور ثلاثة: إما أن يكون عطفا على قوله:
{ فَقَالَ لَهُمُ ظ±للَّهُ مُوتُواْ }
[البقرة: 243] وذلك من المحال أن يميتهم ويأمرهم وهم موتى بالقتال في سبيله. أو يكون عطفا على قوله:
{ ثُمَّ أَحْيَظ°هُمْ }
[البقرة: 243] وذلك أيضاً مما لا معنى له، لأن قوله: { وقاتلوا في سبيل الله } أمر من الله بالقتال، وقوله:
{ ثُمَّ أَحْيَظ°هُمْ }
[البقرة: 243] خبر عن فعل قد مضى. وغير فصيح العطف بخبر مستقبل على خبر ماض لو كانا جميعا خبرين لاختلاف معنييهما، فكيف عطف الأمر على خبر ماض؟ أو يكون معناه: ثم أحياهم، وقال لهم: قاتلوا في سبيل الله، ثم أسقط القول، كما قال تعالى ذكره:
{ وَلَوْ تَرَىظ° إِذِ ظ±لْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا }
[السجدة: 12] بمعنى: يقولون: ربنا أبصرنا وسمعنا. وذلك أيضا إنما يجوز في الموضع الذي يدل ظاهر الكلام على حاجته إليه ويفهم السامع أنه مراد به الكلام وإن لم يذكر، فأما في الأماكن التي لا دلالة على حاجة الكلام إليه، فلا وجه لدعوى مدع أنه مراد فيها

اسامة محمد خيري
09-12-2016, 09:20
وأولى هذه القراءات عندنا بالصواب قراءة من قرأ: { فَيُضَاعِفَهُ لَهُ } بإثبات الألف، ورفع يضاعف، لأن في قوله: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه } معنى الجزاء، والجزاء إذا دخل في جوابه الفاء لم يكن جوابه بالفاء لا رفعا؛ فلذلك كان الرفع في يضاعفه أولى بالصواب عندنا من النصب. وإنما اخترنا الألف في يضاعف من حذفها وتشديد العين، لأن ذلك أفصح اللغتين وأكثرهما على ألسنة العرب...

اسامة محمد خيري
09-12-2016, 09:39
وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب، ما قاله ابن عبـاس ووهب بن منبه من أن التابوت كان عند عدوّ لبنـي إسرائيـل كان سلبهموه، وذلك أن الله تعالـى ذكره قال مخبراً عن نبـيه فـي ذلك الزمان قوله لقومه من بنـي إسرائيـل: { إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأتِـيكُمُ التَّابُوتُ } والألف واللام لا تدخلان فـي مثل هذا من الأسماء إلا فـي معروف عند الـمتـخاطبـين به، وقد عرفه الـمخِبر والـمخبرَ. فقد علـم بذلك أن معنى الكلام: أن آية ملكه أن يأتـيكم التابوت الذي قد عرفتـموه الذي كنتـم تستنصرون به، فـيه سكينة من ربكم. ولو كان ذلك تابوتاً من التوابـيت غير معلوم عندهم قدره ومبلغ نفعه قبل ذلك لقـيـل: إن آية ملكه أن يأتـيكم تابوت فـيه سكينة من ربكم...

وأولـى هذه الأقوال بـالـحقّ فـي معنى السكينة، ما قاله عطاء بن أبـي ربـاح من الشيء تسكن إلـيه النفوس من الآيات التـي تعرفونها. وذلك أن السكينة فـي كلام العرب الفعيـلة من قول القائل: سكن فلان إلـى كذا وكذا: إذا اطمأنّ إلـيه وهدأت عنده نفسه، فهو يسكن سكونا وسكينة، مثل قولك: عزم فلان هذا الأمر عزما وعزيـمة، وقضى الـحاكم بـين القوم قضاء وقضية، ومنه قول الشاعر:
لِلَّهِ قَبْرٌ غالَهَا ماذَا يجِ نُ لَقَدْ أجَنَّ سَكِينَةً ووَقَارَا
وإذا كان معنى السكينة ما وصفت، فجائز أن يكون ذلك علـى ما قاله علـيّ بن أبـي طالب علـى ما روينا عنه، وجائز أن يكون ذلك علـى ما قاله مـجاهد علـى ما حكينا عنه، وجائز أن يكون ما قاله وهب بن منبه، وما قاله السدي لأن كل ذلك آيات كافـيات تسكن إلـيهنّ النُّفوس وتثلـج بهنّ الصدور. وإذا كان معنى السكينة ما وصفنا، فقد اتضح أن الآية التـي كانت فـي التابوت التـي كانت النفوس تسكن إلـيها لـمعرفتها بصحة أمرها إنـما هي مسماة بـالفعل، وهي غيره لدلالة الكلام علـيه....

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أخبر عن التابوت الذي جعله آية لصدق قول نبـيه صلى الله عليه وسلم لأمته: { إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً } أن فـيه سكينة منه، وبقـية مـما تركه آل موسى وآل هارون. وجائز أن يكون تلك البقـية: العصا، وكسر الألواح والتوراة، أو بعضها والنعلـين، والثـياب، والـجهاد فـي سبـيـل الله وجائز أن يكون بعض ذلك. وذلك أمر لا يدرك علـمه من جهة الاستـخراج، ولا اللغة، ولا يدرك علـم ذلك إلا بخبر يوجب عنه العلـم، ولا خبر عند أهل الإسلام فـي ذلك للصفة التـي وصفنا. وإذ كان كذلك، فغير جائز فـيه تصويب قول وتضعيف آخر غيره، إذ كان جائزاً فـيه ما قلنا من القول....

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: حملت التابوت الـملائكة حتـى وضعته فـي دار طالوت بـين أظهر بنـي إسرائيـل وذلك أن الله تعالـى ذكره قال: { تَـحْمِلُهُ الـمَلائِكَةُ } ولـم يقل: تأتـي به الـملائكة وما جرّته البقر علـى عجل. وإن كانت الـملائكة هي سائقتها، فهي غير حاملته، لأن الـحمل الـمعروف هو مبـاشرة الـحامل بنفسه حمل ما حمل، فأما ما حمله علـى غيره وإن كان جائزاً فـي اللغة أن يقال فـي حمله بـمعنى معونته الـحامل، أو بأن حمله كان عن سببه، فلـيس سبـيـله سبـيـل ما بـاشر حمله بنفسه فـي تعارف الناس إياه بـينهم وتوجيه تأويـل القرآن إلـى الأشهر من اللغات أولـى من توجيهه إلـى أن لا يكون الأشهر ما وجد إلـى ذلك سبـيـل.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { إنَّ فـي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إنْ كنْتُـمْ مُؤْمِنِـينَ }.

يعنـي تعالـى ذكره بذلك أن نبـيه أشمويـل قال لبنـي إسرائيـل: إن فـي مـجيئكم التابوت فـيه سكينة من ربكم وبقـية مـما ترك آل موسى وآل هارون، حاملته الـملائكة، { لآيَةً لَكُمْ } يعنـي لعلامة لكم ودلالة أيها الناس علـى صدقـي فـيـما أخبرتكم أن الله بعث لكم طالوت ملكاً إن كنتـم قد كذبتـمونـي فـيـما أخبرتكم به من تـملـيك الله إياه علـيكم واتهمتـمونـي فـي خبري إياكم بذلك { إنْ كُنْتُـمْ مُؤْمِنِـينَ } يعنـي بذلك: إن كنتـم مصدقـيَّ عند مـجيء الآية التـي سألتـمونـيها علـى صدقـي فـيـما أخبرتكم به من أمر طالوت وملكه.

وإنـما قلنا ذلك معناه لأن القوم قد كانوا كفروا بـالله فـي تكذيبهم نبـيهم، وردّهم علـيه قوله: { إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً } بقولهم: { أنَّى يَكُونُ لَهُ الـمُلْكُ عَلَـيْنا وَنـحْنُ أحَقّ بـالـمُلْكِ مِنْهُ } وفـي مسألتهم إياه الآية علـى صدقه. فإن كان ذلك منهم كفراً، فغير جائز أن يقال لهم وهم كفـار لكم فـي مـجيء التابوت آية إن كنتـم من أهل الإيـمان بـالله ورسوله ولـيسوا من أهل الإيـمان بـالله ولا برسوله، ولكن الأمر فـي ذلك علـى ما وصفنا من معناه، لأنهم سألوا الآية علـى صدق خبره إياهم لـيقرّوا بصدقه، فقال لهم فـي مـجيء التابوت علـى ما وصفه لهم آية لكم إن كنتـم عند مـجيئه كذلك مصدقـيّ بـما قلت لكم وأخبرتكم به.

اسامة محمد خيري
10-12-2016, 05:14
وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب، ما روي عن ابن عبـاس وقاله السدي وهو أنه جاوز النهر مع طالوت الـمؤمن الذي لـم يشرب من النهر إلا الغرفة، والكافر الذي شرب منه الكثـير. ثم وقع التـميـيز بـينهم بعد ذلك برؤية جالوت ولقائه، وانـخذل عنه أهل الشرك والنفـاق، وهم الذين قالوا: { لا طاقَةَ لَنا الـيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ } ومضى أهل البصيرة بأمر الله علـى بصائرهم، وهم أهل الثبـات علـى الإيـمان، فقالوا: { كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِـيـلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِـيرَةً بإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ }.

فإن ظنّ ذو غفلة أنه غير جائز أن يكون جاوز النهر مع طالوت إلا أهل الإيـمان الذين ثبتوا معه علـى إيـمانهم، ومن لـم يشرب من النهر إلا الغرفة، لأن الله تعالـى ذكره قال: { فَلَـمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ } فكان معلوماً أنه لـم يجاوز معه إلا أهل الإيـمان، علـى ما رُوي به الـخبر عن البراء بن عازب، ولأن أهل الكفر لو كانوا جاوزوا النهر كما جاوزه أهل الإيـمان لـما خصّ الله بـالذكر فـي ذلك أهل الإيـمان فإن الأمر فـي ذلك بخلاف ما ظنّ.

وذلك أنه غير مستنكر أن يكون الفريقان، أعنى فريق الإيـمان وفريق الكفر جاوزوا النهر، وأخبر الله نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم، عن الـمؤمنـين بـالـمـجاوزة، لأنهم كانوا من الذين جاوزوه مع ملكهم وترك ذكر أهل الكفر، وإن كانوا قد جاوزوا النهر مع الـمؤمنـين. والذي يدلّ علـى صحة ما قلنا فـي ذلك قول الله تعالـى ذكره: { فَلَـمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنا الـيَوْم بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِين يَظُنُّونَ أنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِـيـلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِـيرَةً بإذْنِ اللَّهِ } فأوجب الله تعالـى ذكره أن الذين يظنون أنهم ملاقو الله هم الذين قالوا عند مـجاوزة النهر: { كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِـيـلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِـيرَةً بإذْنِ اللَّهِ } دون غيرهم الذين لا يظنون أنهم ملاقو الله، وأن الذين لا يظنون أنهم ملاقو الله هم الذين قالوا: { لا طاقَةَ لَنا الـيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ } وغير جائز أن يضاف الإيـمان إلـى من جحد أنه ملاقـي الله أو شكّ فـيه.

اسامة محمد خيري
10-12-2016, 05:41
قال أبو جعفر: ولكل قول من هذه الأقوال وجه ومذهب، غير أن الذي هو أولـى بتأويـل الآية ما جاء به الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما:

حدثنـي به عبد الله بن أبـي زياد القطوانـي، قال: ثنا عبـيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن عبد الله بن خـلـيفة، قال: أتت امرأة النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: ادع الله أن يدخـلنـي الـجنةظ° فعظم الربَّ تعالـى ذكره، ثم قال: " إنَّ كُرْسِيَّهُ وَسِعَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ، وَإنَّهُ لَـيَقْعُدُ عَلَـيْهِ فَمَا يَفْضُلُ مِنْهُ مِقْدَارُ أرْبَعِ أصَابِعَ " ثم قال بأصابعه فجمعها: " وَإنَّ لَهُ أطيطا كأطِيطِ الرَّحْلِ الـجَدِيدِ إذَا رُكِبَ مِنْ ثِقَلِه "

حدثنـي عبد الله بن أبـي زياد، قال: ثنا يحيـى بن أبـي بكر، عن إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن عبد الله بن خـلـيفة، عن عمر، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، بنـحوه.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن عبد الله بن خـلـيفة، قال: جاءت امرأة، فذكر نـحوه.

وأما الذي يدل علـى صحته ظاهر القرآن فقول ابن عبـاس الذي رواه جعفر بن أبـي الـمغيرة عن سعيد بن جبـير عنه أنه قال: هو علـمه، وذلك لدلالة قوله تعالـى ذكره: { وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا } علـى أن ذلك كذلك، فأخبر أنه لا يؤوده حِفظ ما علـم، وأحاط به مـما فـي السموات والأرض، وكما أخبر عن ملائكته أنهم قالوا فـي دعائهم:
{ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً }
[غافر: 7] فأخبر تعالـى ذكره أن علـمه وسع كل شيء، فكذلك قوله: { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ظ±لسَّمَـظ°وَاتِ وَظ±لاْرْضَ }. وأصل الكرسي: العلـم، ومنه قـيـل للصحيفة يكون فـيها علـم مكتوب كُرّاسة، ومنه قول الراجز فـي صفة قانص:
حتـى إذَا ما احْتازَها تَكَرَّسا
يعنـي علـم. ومنه يقال للعلـماء: الكراسي، لأنهم الـمعتـمد علـيهم، كما يقال: أوتاد الأرض، يعنـي بذلك أنهم العلـماء الذين تصلـح بهم الأرض؛ ومنه قول الشاعر:
يَحُفُّ بِهِمْ بِـيضُ الوُجُوهِ وَعُصْبَةٌ كَرَاسِيُّ بـالأحْدَاثِ حِينَ تَنُوبُ
يعنـي بذلك علـماء بحوادث الأمور ونوازلها.

والعرب تسمي أصل كل شيء: الكِرْس، يقال منه: فلان كريـم الكِرْس: أي كريـم الأرض، قال العجاج:
قَدْ عَلِـمَ القُدُّوسُ مَوْلَـى القُدْسِ أنَّ أبـا العَبَّـاسِ أوْلَـى نَفْسِ
بِـمَعْدن الـمُلْـكِ الكَرِيـمِ الكِـرْسِ
يعنـي بذلك: الكريـم الأصل، ويُروى:
فِـي مَعْـدِنِ العزّ الكَرِيـمِ الكِـرْسِ

ملحوظة

الحديث الذى اورده ابن جرير بالتأكيد ان صح ظاهره مستحيل علي الله

اسامة محمد خيري
10-12-2016, 05:50
وأولـى هذه الأقوال بـالصواب قول من قال: نزلت هذه الآية فـي خاص من الناس، وقال: عنى بقوله تعالـى ذكره: { لا إِكْرَاهَ فِى ظ±لدّينِ } أهل الكتابـين والـمـجوس، وكل من جاء إقراره علـى دينه الـمخالف دين الـحق، وأخذ الـجزية منه. وأنكروا أن يكون شيء منها منسوخاً.

وإنـما قلنا هذا القول أولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب لـما قد دللنا علـيه فـي كتابنا كتاب «اللطيف من البـيان عن أصول الأحكام» من أن الناسخ غير كائن ناسخاً إلا ما نفـى حكم الـمنسوخ، فلـم يجز اجتـماعهما. فأما ما كان ظاهره العموم من الأمر والنهي وبـاطنه الـخصوص، فهو من الناسخ والـمنسوخ بـمعزل. وإذ كان ذلك كذلك، وكان غير مستـحيـل أن يقال: لا إكراه لأحد مـمن أخذت منه الـجزية فـي الدين، ولـم يكن فـي الآية دلـيـل علـى أن تأويـلها بخلاف ذلك، وكان الـمسلـمون جميعاً قد نقلوا عن نبـيهم صلى الله عليه وسلم أنه أكره علـى الإسلام قوماً، فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام، وحكم بقتلهم إن امتنعوا منه، وذلك كعبدة الأوثان من مشركي العرب، وكالـمرتدّ عن دينه دين الـحقّ إلـى الكفر ومن أشبههم، وأنه ترك إكراه آخرين علـى الإسلام بقبوله الـجزية منه، وإقراره علـى دينه البـاطل، وذلك كأهل الكتابـين، ومن أشبههم؛ كان بـيّناً بذلك أن معنى قوله: { لا إِكْرَاهَ فِى ظ±لدّينِ } إنـما هو لا إكراه فـي الدين لأحد مـمن حل قبول الـجزية منه بأدائه الـجزية، ورضاه بحكم الإسلام....

والصواب من القول عندي فـي الطاغوت: أنه كل ذي طغيان علـى الله فعبد من دونه، إما بقهر منه لـمن عبده، وإما بطاعة مـمن عبده له، إنساناً كان ذلك الـمعبود، أو شيطاناً، أو وثناً، أو صنـماً، أو كائناً ما كان من شيء. وأرى أن أصل الطاغوت: الطَّغَوُوت، من قول القائل: طغا فلان يطغو: إذا عدا قدره فتـجاوز حدّه، كالـجبروت من التـجبر، والخلبوت من الخَلْب، ونـحو ذلك من الأسماء التـي تأتـي علـى تقدير فعلوت بزيادة الواو والتاء. ثم نقلت لامه أعنـي لام الطغووت، فجعلت له عيناً، وحوّلت عينه فجعلت مكان لامه، كما قـيـل جذب وجبد وجابذ وجاذب وصاعقة وصاقعة، وما أشبه ذلك من الأسماء التـي علـى هذا الـمثال.

فتأويـل الكلام إذاً: فمن يجحد ربوبـية كل معبود من دون الله فـيكفر به؛ { وَيُؤْمِن بِظ±للَّهِ } يقول: ويصدق بـالله أنه إلهه وربه ومعبوده، { فَقَدِ ظ±سْتَمْسَكَ بِظ±لْعُرْوَةِ ظ±لْوُثْقَىظ° } يقول: فقد تـمسك بأوثق ما يتـمسك به من طلب الـخلاص لنفسه من عذاب الله وعقابه.

اسامة محمد خيري
10-12-2016, 06:21
وإنـما قلنا ذلك أولـى بتأويـل الآية، لأن قوله: { وَٱنظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ } إنـما هو بـمعنى: وانظر إلـى العظام التـي تراها ببصرك كيف ننشزها، ثم نكسوها لـحماً، وقد كان حماره أدركه من البلـى فـي قول أهل التأويـل جميعاً نظير الذي لـحق عظام من خوطب بهذا الـخطاب، فلـم يـمكن صرف معنى قوله: { وَٱنظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ } إلـى أنه أمر له بـالنظر إلـى عظام الـحمار دون عظام الـمأمور بـالنظر إلـيها، ولا إلـى أنه أمر له بـالنظر إلـى عظام نفسه دون عظام الـحمار.

وإذا كان ذلك كذلك، وكان البلـى قد لـحق عظامه وعظام حماره، كان الأولـى بـالتأويـل أن يكون الأمر بـالنظر إلـى كل ما أدركه طرفه مـما قد كان البلـى لـحقه لأن الله تعالـى ذكره جعل جميع ذلك علـيه حجة وله عبرة وعظة...


والذي هو أولـى بتأويـل الآية من القول، أن يقال: إن الله تعالـى ذكره، أخبر أنه جعل الذي وصف صفته فـي هذه الآية حجة للناس، فكان ذلك حجة علـى من عرفه من ولده وقومه مـمن علـم موته، وإحياء الله إياه بعد مـماته، وعلـى من بعث إلـيه منهم...

والقول فـي ذلك عندي أن معنى الإنشار ومعنى الإنشاز متقاربـان، لأن معنى الإنشاز: التركيب والإثبـات وردّ العظام من العظام وإعادتُها لا شك أنه ردّها إلـى أماكنها ومواضعها من الـجسد بعد مفـارقتها إياها. فهما وإن اختلفـا فـي اللفظ، فمتقاربـا الـمعنى، وقد جاءت بـالقراءة بهما الأمة مـجيئاً يقطع العذر ويوجب الـحجة، فبأيهما قرأ القارىء فمصيب لانقـياد معنـيـيهما، ولا حجة توجب لإحداهما من القضاء بـالصواب علـى الأخرى.

فإن ظنّ ظان أن الإنشار إذا كان إحياء فهو بـالصواب أولـى، لأن الـمأمور بـالنظر إلـى العظام وهي تنشر إنـما أمر به لـيرى عيانا ما أنكره بقوله: { أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِىَ } فإن إحياء العظام لا شك فـي هذا الـموضع إنـما عنى به ردّها إلـى أماكنها من جسد الـمنظور إلـيه، وهو يحيا، لا إعادة الروح التـي كانت فـارقتها عند الـمـمات. والذي يدل علـى ذلك قوله: { ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا } ولا شك أن الروح إنـما نفخت فـي العظام التـي أنشرت بعد أن كسيت اللـحم. وإذا كان ذلك كذلك، وكان معنى الإنشاز تركيب العظام وردّها إلـى أماكنها من الـجسد، وكان ذلك معنى الإنشار، وكان معلوماً استواء معنـيـيهما، وأنهما متفقا الـمعنى لا مختلفـاه، ففـي ذلك إبـانة عن صحة ما قلنا فـيه. وأما القراءة الثالثة فغير جائزة القراءة بها عندي، وهي قراءة من قرأ: «كَيْفَ نَنْشُرُها» بفتـح النون وبـالراء، لشذوذها عن قراءة الـمسلـمين وخروجها عن الصحيح الفصيح من كلام العرب...

وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك قراءة من قرأ: «اعْلَـمْ» بوصل الألف وجزم الـميـم علـى وجه الأمر من الله تعالـى ذكره للذي قد أحياه بعد مـماته بـالأمر بأن يعلـم أن الله الذي أراه بعينـيه ما أراه من عظيـم قدرته وسلطانه من إحيائه إياه وحماره بعد موت مائة عام وبلائه حتـى عادا كهيئتهما يوم قبض أرواحهما، وحفظ علـيه طعامه وشرابه مائة عام حتـى ردّه علـيه كهيئته يوم وضعه غير متغير علـى كل شيء قادر كذلك.

وإنـما اخترنا قراءة ذلك كذلك وحكمنا له بـالصواب دون غيره؛ لأن ما قبله من الكلام أمر من الله تعالـى ذكره قولاً للذي أحياه الله بعد مـماته وخطابـا له به، وذلك قوله: { فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَٱنظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا } فلـما تبـين له ذلك جوابـاً عن مسألته ربه: { أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِىَ } ٰ قال الله له: اعلـم أن الله الذي فعل هذه الأشياء علـى ما رأيت علـى غير ذلك من الأشياء قدير كقدرته علـى ما رأيت وأمثاله، كما قال تعالـى ذكره لـخـلـيـله إبراهيـم صلى الله عليه وسلم، بعد أن أجابه عن مسألته إياه فـي قوله:
{ رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ }
[البقرة: 260]
{ وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }
[البقرة: 260] فأمر إبراهيـم بأن يعلـم بعد أن أراه كيفـية إحيائه الـموتـى أنه عزيز حكيـم، وكذلك أمر الذي سأل فقال: { أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِىَ } بعد أن أراه كيفـية إحيائه إياها أن يعلـم أن الله علـى كل شيء قدير.

اسامة محمد خيري
10-12-2016, 06:39
وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية، ما صحّ به الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال، وهو قوله: " نَـحْنُ أحَقُّ بـالشَّكّ مِنْ إِبْرَاهِيـمَ، قَالَ رَبّ أرِنِـي كَيْفَ تُـحْيِـي الـمَوْتَـى، قَالَ أَوَلَـمْ تُؤمِنْ " وأن تكون مسألته ربه ما سأله أن يريه من إحياء الـموتـى لعارض من الشيطان عرض فـي قلبه، كالذي ذكرنا عن ابن زيد آنفـاً من أن إبراهيـم لـما رأى الـحوت الذي بعضه فـي البرّ وبعضه فـي البحر قد تعاوره دوابّ البرّ ودوابّ البحر وطير الهواء، ألقـى الشيطان فـي نفسه فقال: متـى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فسأل إبراهيـم حينئذٍ ربه أن يريه كيف يحيـي الـموتـى لـيعاين ذلك عياناً، فلا يقدر بعد ذلك الشيطان أن يـلقـي فـي قلبه مثل الذي ألقـى فـيه عند رؤيته ما رأى من ذلك، فقال له ربه: { أَوَلَمْ تُؤْمِن } يقول: أولـم تصدق يا إبراهيـم بأنـي علـى ذلك قادر؟ قال: بلـى يا ربّ، لكن سألتك أن ترينـي ذلك لـيطمئنّ قلبـي، فلا يقدر الشيطان أن يـلقـي فـي قلبـي مثل الذي فعل عند رؤيتـي هذا الـحوت...

ملحوظة

هذا الذى رجحه الطبري فى نظرى مرجوووح وشديد الضعف والاولي فى تفسيرها مانقله الطبري نفسه فقال:

{ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن } بأنـي خـلـيـلك، يقول تصدق، { قَالَ بَلَىظ° وَلَـظ°كِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } بخـلولتك.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: ثنا عمرو بن ثابت، عن أبـيه، عن سعيد بن جبـير: { وَلَـظ°كِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } قال: بـالـخُـلة......

فمعنى قوله: { فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } اضمـمهنّ إلـيك ووجههن نـحوك، كما يقال: صُرْ وجهك إلـيّ، أي أقبل به إلـيّ. ومن وجه قوله: { فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } إلـى هذا التأويـل كان فـي الكلام عنده متروك قد ترك ذكره استغناء بدلالة الظاهر علـيه، ويكون معناه حينئذٍ عنده، قال: فخذ أربعة من الطير فصرهنّ إلـيك، ثم قطعهن، ثم اجعل علـى كل جبل منهنّ جزءاً. وقد يحتـمل أن يكون معنى ذلك إذا قرىء كذلك بضم الصاد: قَطّعهن، كما قال تَوْبَة بن الـحُمَيِّر:
فلـمَّا جَذَبْتُ الـحبْلَ أطَّتْ نُسُوعُهُ بأطرافِ عِيدان شَديدٍ أُسُورُهَا
فَأدْنَتْ لِـيَ الأسْبـابَ حتـى بلغتُها بنَهْضِي وقَد كانَ ارتقائي يَصُورُها
يعنـي يقطعها. وإذا كان ذلك تأويـل قوله: { فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } كان فـي الكلام تقديـم وتأخير، ويكون معناه: فخذ أربعة من الطير إلـيك فصرهن، ويكون إلـيك من صلة «خذ»....

وأولـى التأويلات بـالآية ما قاله مـجاهد، وهو أن الله تعالـى ذكره أمر إبراهيـم بتفريق أعضاء الأطيار الأربعة بعد تقطيعه إياهن علـى جميع الأجبـال التـي كان يصل إبراهيـم فـي وقت تكلـيف الله إياه تفريق ذلك وتبديدها علـيها أجزاء، لأن الله تعالـى ذكره قال له: { ثُمَّ ظ±جْعَلْ عَلَىظ° كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءاً } والكل حرف يدل علـى الإحاطة بـما أضيف إلـيه لفظه واحد ومعناه الـجمع. فإذا كان ذلك كذلك فلن يجوز أن تكون الـجبـال التـي أمر الله إبراهيـم بتفريق أجزاء الأطيار الأربعة علـيها خارجة من أحد معنيين: إما أن تكون بعضاً أو جمعاً؛ فإن كانت بعضاً فغير جائز أن يكون ذلك البعض إلا ما كان لإبراهيم السبيل إلـى تفريق أعضاء الأطيار الأربعة عليه. أو يكون جمعا، فيكون أيضاً كذلك. وقد أخبر الله تعالى ذكره أنه أمره بأن يجعل ذلك على كل جبل، وذلك إما كل جبل وقد عرفهن إبراهيم بأعيانهن، وإما ما فـي الأرض من الجبال.

فأما قول من قال: إن ذلك أربعة أجبل، وقول من قال: هنّ سبعة؛ فلا دلالة عندنا علـى صحة شيء من ذلك فنستجيز القول به. وإنـما أمر الله إبراهيـم صلى الله عليه وسلم أن يجعل الأطيار الأربعة أجزاء متفرّقة علـى كل جبل لـيري إبراهيـم قدرته علـى جمع أجزائهن وهن متفرّقات متبددات فـي أماكن مختلفة شتّـى، حتـى يؤلف بعضهن إلـى بعض، فـيعدن كهيئتهن قبل تقطيعهن وتـمزيقهن وقبل تفريق أجزائهن علـى الـجبـال أطياراً أحياء يطرن، فـيطمئنّ قلب إبراهيـم ويعلـم أن كذلك يجمع الله أوصال الـموتـى لبعث القـيامة وتألـيفه أجزاءهم بعد البلـى وردّ كل عضو من أعضائهم إلـى موضعه كالذي كان قبل الرد.

اسامة محمد خيري
11-12-2016, 05:19
وهذا التأويـل الذي ذكرناه عن مـجاهد والـحسن تأويـل بعيد الـمعنى مـما يدلّ علـيه ظاهر التلاوة، وذلك أنهم تأوّلوا قوله: { وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } بـمعنى: وتثبتا، فزعموا أن ذلك إنـما قـيـل كذلك لأن القوم كانوا يتثبتون أين يضعون أموالهم. ولو كان التأويـل كذلك، لكان: وتثبتا من أنفسهم؛ لأن الـمصدر من الكلام إن كان علـى تفعلت التفعل، فـيقال: تكرمت تكرما، وتكلـمت تكلـما، وكما قال جل ثناؤه:
{ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىظ° تَخَوُّفٍ }
[النحل: 47] من قول القائل: تـخوّف فلان هذا الأمر تـخوّفـاً. فكذلك قوله: { وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } لو كان من تثبت القوم فـي وضع صدقاتهم مواضعها لكان الكلام: «وتثبتاً من أنفسهم»، لا «وتثبـيتاً»، ولكن معنى ذلك ما قلنا من أنه وتثبـيت من أنفس القوم إياهم بصحة العزم والـيقـين بوعد الله تعالـى ذكره.

فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون ذلك نظير قول الله عزّ وجلّ:
{ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً }
[المزمل: 8] ولـم يقل: تبتلاً؟ قـيـل: إن هذا مخالف لذلك، وذلك أن هذا إنـما جاز أن يقال فـيه: «تبتـيلاً» لظهور «وتبتل إلـيه»، فكان فـي ظهوره دلالة علـى متروك من الكلام الذي منه قـيـل: تبتـيلاً، وذلك أن الـمتروك هو: «تبتل فـيبتلك الله إلـيه تبتـيلاً»، وقد تفعل العرب مثل ذلك أحياناً تـخرج الـمصادر علـى غير ألفـاظ الأفعال التـي تقدّمتها إذا كانت الأفعال الـمتقدمة تدل علـى ما أخرجت منه، كما قال جل وعزّ:
{ وَظ±للَّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ ظ±لاْرْضِ نَبَاتاً }
[نوح: 17] وقال:
{ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا }
[آل عمران: 37] والنبـات: مصدر نبت، وإنـما جاز ذلك لـمـجيء أنبت قبله، فدلّ علـى الـمتروك الذي منه قـيـل نبـاتا، والـمعنى: والله أنبتكم فنبّتـم من الأرض نبـاتاً. ولـيس قوله: { وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } كلاما يجوز أن يكون متوهماً به أنه معدول عن بنائه. ومعنى الكلام: ويتثبتون فـي وضع الصدقات مواضعها، فـيصرف إلـى الـمعانـي التـي صرف إلـيها قوله: { وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً } وما أشبه ذلك من الـمصادر الـمعدولة عن الأفعال التـي هي ظاهرة قبلها.

اسامة محمد خيري
11-12-2016, 05:23
وقد تنازع أهل التأويـل فـي تأويـل هذه الآية، إلا أن معانـي قولهم فـي ذلك وإن اختلفت تصاريفهم فـيها عائدة إلـى الـمعنى الذي قلنا فـي ذلك، وأحسنهم إبـانة لـمعناها وأقربهم إلـى الصواب قولاً فـيها السدي.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: { أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ظ±لانْهَـظ°رُ لَهُ فِيهَا مِن كُلّ ظ±لثَّمَرظ°تِ وَأَصَابَهُ } هذا مثل آخر لنفقة الرياء، أنه ينفق ماله يرائي الناس به، فـيذهب ماله منه وهو يرائي، فلا يأجره الله فـيه، فإذا كان يوم القـيامة واحتاج إلـى نفقته، وجدها قد أحرقها الرياء، فذهبت كما أنفق هذا الرجل علـى جنته، حتـى إذا بلغت وكثر عياله واحتاج إلـى جنته جاءت ريح فـيها سَموم فأحرقت جنته، فلـم يجد منها شيئاً، فكذلك الـمنفق رياء....

وإنـما دللنا أن الذي هو أولـى بتأويـل ذلك ما ذكرناه، لأن الله جل ثناؤه تقدم إلـى عبـاده الـمؤمنـين بـالنهي عن الـمنّ والأذى فـي صدقاتهم. ثم ضرب مثلاً لـمن منّ وآذى من تصدّق علـيه بصدقة، فمثله بـالـمرائي من الـمنافقـين، الـمنفقـين أموالهم رياء الناس. وكانت قصة هذه الآية وما قبلها من الـمثل نظيرة ما ضرب لهم من الـمثل قبلها، فكان إلـحاقها بنظيرتها أولـى من حمل تأويـلها علـى أنه مثل ما لـم يجر له ذكر قبلها ولا معها.

اسامة محمد خيري
11-12-2016, 05:39
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن يزيد بن إبراهيـم، عن الـحسن قال: كان الرجل يتصدّق برذالة ماله، فنزلت: { وَلاَ تَيَمَّمُواْ ظ±لْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ }.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنا عبد الله بن كثـير أنه سمع مـجاهدا يقول: { وَلاَ تَيَمَّمُواْ ظ±لْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ } قال: فـي الأقناء التـي تعلَّق، فرأى فـيها حشفـا، فقال: «ما هذا؟». قال ابن جريج: سمعت عطاء يقول: علق إنسان حشفـا فـي الأقناء التـي تعلق بـالـمدينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما هَذَا؟ بِئْسَمَا عَلَّقَ هَذَاظ° " فنزلت: { وَلاَ تَيَمَّمُواْ ظ±لْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ }.

وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تـيـمـموا الـخبـيث من الـحرام فيه تنفقون، وتدعوا أن تنفقوا الـحلال الطيب. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وسألته عن قول الله عزّ وجلّ: { وَلاَ تَيَمَّمُواْ ظ±لْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ } قال: الـخبـيث: الـحرام، لا تتـيـمه: تنفق منه، فإن الله عزّ وجلّ لا يقبله.

وتأويـل الآية: هو التأويـل الذي حكيناه عمن حكينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفـاق أهل التأويـل فـي ذلك دون الذي قاله ابن زيد.....

وقال آخرون: معنى ذلك: ولستـم بآخذي الـحرام إلا أن تغمضوا علـى ما فـيه من الإثم علـيكم فـي أخذه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وسألته عن قوله: { وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ } قال: يقول: لست آخذاً ذلك الـحرام حتـى تغمض علـى ما فـيه من الإثم ـ قال: وفـي كلام العرب: أما والله لقد أخذه ولقد أغمض علـى ما فـيه ـ وهو يعلـم أنه حرام بـاطل.

والذي هو أولـى بتأويـل ذلك عندنا أن يقال: إن الله عزّ وجلّ حثّ عبـاده علـى الصدقة وأداء الزكاة من أموالهم وفرضها علـيهم فـيها، فصار ما فرض من ذلك فـي أموالهم حقاً لأهل سهمان الصدقة، ثم أمرهم تعالـى ذكره أن يخرجوا من الطيبِ، وهو الـجيد من أموالهم، الطيبَ، وذلك أن أهل السهمان شركاء أربـاب الأموال فـي أموالهم بـما وجب لهم فـيها من الصدقة بعد وجوبها، فلا شكّ أن كل شريكين فـي مال فلكلّ واحد منهما بقدر ملكه، ولـيس لأحدهما منع شريكه من حقه من الـملك الذي هو فـيه شريكه بإعطائه بـمقدار حقه منه من غيره، مـما هو أردأ منه أو أحسن، فكذلك الـمزكي ماله حرم الله علـيه أن يعطي أهل السهمان مـما وجب لهم فـي ماله من الطيب الـجيد من الـحقّ، فصاروا فـيه شركاء من الـخبـيث الرديء غيره، ويـمنعهم ما هو لهم من حقوقهم فـي الطيب من ماله الـجيد، كما لو كان مال ربّ الـمال رديئاً كله غير جيد، فوجبت فـيه الزكاة وصار أهل سهمان الصدقة فـيه شركاء بـما أوجب الله لهم فـيه لـم يكن علـيه أن يعطيهم الطيب الـجيد من غير ماله الذي منه حقهم، فقال تبـارك وتعالـى لأربـاب الأموال: زكوا من جيد أموالكم الـجيد، ولا تـيـمـموا الـخبـيث الرديء، تعطونه أهل سهمان الصدقة، وتـمنعونهم الواجب لهم من الـجيد الطيب فـي أموالكم، ولستـم بآخذي الرديء لأنفسكم مكان الـجيد الواجب لكم قِبل من وجب لكم علـيه ذلك من شركائكم وغرمائكم وغيرهم إلا عن إغماض منكم وهضم لهم وكراهة منكم لأخذه.

يقول: ولا تأتوا من الفعل إلـى من وجب له فـي أموالكم حقّ ما لا ترضون من غيركم أن يأتـيه إلـيكم فـي حقوقكم الواجبة لكم فـي أموالهم؛ فأما إذا تطوّع الرجل بصدقة غير مفروضة فإنـي وإن كرهت له أن يعطي فـيها إلا أجود ماله وأطيبه؛ لأن الله عزّ وجلّ أحقّ من تقرّب إلـيه بأكرم الأموال وأطيبها، والصدقة قربـان الـمؤمن، فلست أحرّم علـيه أن يعطي فـيها غير الـجيد، لأن ما دون الـجيد ربـما كان أعمّ نفعا لكثرته، أو لعظم خطره، وأحسن موقعا من الـمسكين، ومـمن أعطيه قربة إلـى الله عزّ وجلّ من الـجيد، لقلته أو لصغر خطره وقلة جدوى نفعه علـى من أعطيه.

وبـمثل ما قلنا فـي ذلك قال جماعة أهل العلـم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الـملك بن أبـي الشوارب، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سلـمة بن علقمة، عن مـحمد بن سيرين، قال: سألت عبـيدة عن هذه الآية: { يأَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيّبَـظ°تِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ ظ±لاْرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ظ±لْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ } قال: ذلك فـي الزكاة، الدرهم الزائف أحبّ إلـيّ من التـمرة.

اسامة محمد خيري
11-12-2016, 05:51
القول في تأويل قوله تعالى: { وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ }.

اختلف القراء في قراءة ذلك. فرُوي عن ابن عباس أنه كان يقرؤه: «وتُكَفِّرُ عَنْكُمْ» بالتاء. ومن قرأه كذلك. فإنه يعني به: وتكفر الصدقات عنكم من سيئاتكم. وقرأ آخرون: { وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ } بالياء بمعنى: ويكفر الله عنكم بصدقاتكم على ما ذكر في الآية من سيئاتكم. وقرأ ذلك بعد عامة قرّاء أهل المدينة والكوفة والبصرة: «وَنُكَفِّرْ عَنْكُمْ» بالنون وجزم الحرف، يعني: وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء نكفر عنكم من سيئاتكم، بمعنى: مجازاة الله عز وجل مخفي الصدقة بتكفير بعض سيئاته بصدقته التي أخفاها.

وأولى القراءات في ذلك عندنا بالصواب قراءة من قرأ: «وَنُكَفِّرْ عَنْكُمْ» بالنون وجزم الحرف، على معنى الخبر من الله عن نفسه أنه يجازي المخفي صدقته من التطوّع ابتغاء وجهه من صدقته بتكفير سيئاته. وإذا قرىء كذلك فهو مجزوم على موضع الفاء في قوله: { فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } لأن الفاء هنالك حلت محلّ جواب الجزاء.

فإن قال لنا قائل: وكيف اخترت الجزم على النسق على موضع الفاء، وتركت اختيار نسقه على ما بعد الفاء، وقد علمت أن الأفصح من الكلام في النسق على جواب الجزاء الرفع، وإنما الجزم تجويز؟ قيل: اخترنا ذلك ليؤذن بجزمه أن التكفير، أعني تكفير الله من سيئات المصدّق لا محالة داخل فيما وعد الله المصدّق أن يجازيه به على صدقته، لأن ذلك إذا جزم مؤذن بما قلنا لا محالة، ولو رفع كان قد يحتمل أن يكون داخلاً فيما وعده الله أن يجازيه به، وأن يكون خبراً مستأنفاً أنه يكفر من سيئات عباده المؤمنين على غير المجازاة لهم بذلك على صدقاتهم، لأن ما بعد الفاء في جواب الجزاء استئناف، فالمعطوف على الخبر المستأنف في حكم المعطوف عليه في أنه غير داخل في الجزاء، ولذلك من العلة اخترنا جزم نكفر عطفاً به على موضع الفاء من قوله: { فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } وقراءته بالنون.

فإن قال قائل: وما وجه دخول «مِنْ» في قوله: { وَنُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ }؟ قيل: وجه دخولها في ذلك بمعنى: ونكفر عنكم من سيئاتكم ما نشاء تكفيره منها دون جميعها، ليكون العباد على وجل من الله فلا يتكلوا على وعده ما وعد على الصدقات التي يخفيها المتصدّق فيجتزؤا على حدوده ومعاصيه.

وقال بعض نحويي البصرة: معنى «مِنْ» الإسقاط من هذا الموضع، ويتأوّل معنى ذلك: ونكفر عنكم سيئاتكم.

اسامة محمد خيري
11-12-2016, 05:57
حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { تَعْرِفُهُم بِسِيمَـظ°هُمْ } قال: السيـما: رثاثة ثـيابهم، والـجوع خفـيّ علـى الناس، ولـم تستطع الثـياب التـي يخرجون فـيها تـخفـى علـى الناس.

وأول الأقوال فـي ذلك بـالصواب: أن يقال: إن الله عزّ وجلّ أخبر نبـيه صلى الله عليه وسلم أنه يعرفهم بعلاماتهم وآثار الـحاجة فـيهم. وإنـما كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم يدرك تلك العلامات والآثار منهم عند الـمشاهدة بـالعيان، فـيعرفهم وأصحابه بها، كما يدرك الـمريض فـيعلـم أنه مريض بـالـمعاينة.

وقد يجوز أن تكون تلك السيـما كانت تـخشعاً منهم، وأن تكون كانت أثر الـحاجة والضرّ، وأن تكون كانت رثاثة الثـياب، وأن تكون كانت جميع ذلك، وإنـما تدرك علامات الـحاجة وآثار الضرّ فـي الإنسان، ويعلـم أنها من الـحاجة والضرّ بـالـمعاينة دون الوصف، وذلك أن الـمريض قد يصير به فـي بعض أحوال مرضه من الـمرض نظير آثار الـمـجهود من الفـاقة والـحاجة، وقد يـلبس الغنـيّ ذو الـمال الكثـير الثـياب الرثة، فـيتزيا بزيّ أهل الـحاجة، فلا يكون فـي شيء من ذلك دلالة بـالصفة علـى أن الـموصوف به مختلّ ذو فـاقة، وإنـما يدري ذلك عند الـمعاينة بسيـماه، كما وصفهم الله نظير ما يعرف أنه مريض عند الـمعاينة دون وصفه بصفته.

اسامة محمد خيري
11-12-2016, 06:18
واختلف القراء فـي قراءة قوله: { فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ ظ±للَّهِ وَرَسُولِهِ } فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة: { فَأْذَنُواْ } بقصر الألف من فأذنوا وفتـح ذالها، بـمعنًى وكونوا علـى علـم وإذْن. وقرأه آخرون وهي قراءة عامة قراء الكوفـيـين: «فَآذِنُوا» بـمدّ الألف من قوله: «فآذِنوا» وكسر ذالها، بـمعنى: فآذنوا غيركم، أعلـموهم وأخبروهم بأنكم علـى حربهم.

وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك، قراءة من قرأ: { فَأْذَنُواْ } بقصر ألفها وفتـح ذالها، بـمعنى: اعلـموا ذلك واستـيقنوه، وكونوا علـى إذن من الله عزّ وجل لكم بذلك. وإنـما اخترنا ذلك، لأن الله عزّ وجلّ أمر نبـيه صلى الله عليه وسلم أن ينبذ إلـى من أقام علـى شركه الذي لا يقرّ علـى الـمقام علـيه، وأن يقتل الـمرتدّ عن الإسلام منهم بكل حال إلا أن يراجع الإسلام، أذنه الـمشركون بأنهم علـى حربه أولـم يأذنوه، فإذ كان الـمأمور بذلك لا يخـلو من أحد أمرين، إما أن يكون كان مشركاً مقـيـماً علـى شركه الذي لا يقرّ علـيه، أو يكون كان مسلـماً فـارتدّ وأذن بحرب، فأيّ الأمرين كان، فإنـما نبذ إلـيه بحرب، لا أنه أمر بـالإيذان بها إن عزم علـى ذلك، لأن الأمر إن كان إلـيه فأقام علـى أكل الربـا مستـحلاً له، ولـم يؤذن الـمسلـمون بـالـحرب، لـم يـلزمهم حربه، ولـيس ذلك حكمه فـي واحدة من الـحالـين، فقد علـم أنه الـمأذون بـالـحرب لا الآذن بها. وعلـى هذا التأويـل تأوّله أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس فـي قوله:
{ يأَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ ظ±تَّقُواْ ظ±للَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ ظ±لرّبَوظ°اْ }
[البقرة: 278] إلـى قوله: { فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ ظ±للَّهِ وَرَسُولِهِ } فمن كان مقـيـماً علـى الربـا لا ينزع عنه، فحقّ علـى إمام الـمسلـمين أن يستتـيبه، فإن نزع، وإلا ضرب عنقه.

اسامة محمد خيري
11-12-2016, 06:27
والصواب من القول فـي قوله: { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ } أنه معنـيّ به غرماء الذين كانوا أسلـموا علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهم علـيهم ديون قد أربوا فـيها فـي الـجاهلـية، فأدركهم الإسلام قبل أن يقبضوها منهم، فأمر الله بوضع ما بقـي من الربـا بعد ما أسلـموا، وبقبض رؤوس أموالهم، مـمن كان منهم من غرمائهم موسرا، وإنظار من كان منهم معسراً برؤوس أموالهم إلـى ميسرتهم. فذلك حكم كل من أسلـم وله ربـا قد أربى علـى غريـم له، فإن الإسلام يبطل عن غريـمه ما كان له علـيه من قِبَل الربـا، ويـلزمه أداء رأس ماله الذي كان أخذ منه، أو لزمه من قبل الإربـاء إلـيه إن كان موسراً، وإن كان معسراً كان منظرا برأس مال صاحبه إلـى ميسرته، وكان الفضل علـى رأس الـمال مبطلاً عنه. غير أن الآية وإن كانت نزلت فـيـمن ذكرنا وإياهم عنى بها، فإن الـحكم الذي حكم الله به من إنظاره الـمعسر برأس مال الـمربـي بعد بطول الرّبـا عنه حكم واجب لكل من كان علـيه دين لرجل قد حلّ علـيه، وهو بقضائه معسر فـي أنه منظر إلـى ميسرته، لأن دين كل ذي دين فـي مال غريـمه وعلـى غريـمه قضاؤه منه لا فـي رقبته، فإذا عدم ماله، فلا سبـيـل له علـى رقبته بحبس ولا بـيع، وذلك أن مال ربّ الدين لن يخـلو من أحد وجوه ثلاثة: إما أن يكون فـي رقبة غريـمه، أو فـي ذمته يقضيه من ماله، أو فـي مال له بعينه؛ فإن يكن فـي مال له بعينه، فمتـى بطل ذلك الـمال وعدم، فقد بطل دين ربّ الـمال، وذلك ما لا يقوله أحد ويكون فـي رقبته، فإن يكن كذلك فمتـى عدمت نفسه، فقد بطل دين ربّ الدين، وإن خـلف الغريـم وفـاء بحقه وأضعاف ذلك، وذلك أيضا لا يقوله أحد، فقد تبـين إذا كان ذلك كذلك أن دين ربّ الـمال فـي ذمة غريـمه يقضيه من ماله، فإذا عدم ماله فلا سبـيـل له علـى رقبته، لأنه قد عدم ما كان علـيه أن يؤدى منه حقّ صاحبه لو كان موجوداً، وإذا لـم يكن علـى رقبته سبـيـل لـم يكن إلـى حبسه بحقه وهو معدوم سبـيـل، لأنه غير مانعه حقا له إلـى قضائه سبـيـل، فـيعاقب بظلـمه إياه بـالـحبس....

حدثنـي يحيـى بن أبـي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: { فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } والنظرة واجبة، وخير الله عزّ وجلّ الصدقة علـى النظرة، والصدقة لكل معسر؛ فأما الـموسر فلا.

وأولـى التأويـلـين بـالصواب، تأويـل من قال معناه: وأن تصدّقوا علـى الـمعسر برؤوس أموالكم خير لكم؛ لأنه يـلـي ذكر حكمه فـي الـمعنـيـين، وإلـحاقه بـالذي يـلـيه أحبّ إلـيّ من إلـحاقه بـالذي بعد منه. وقد قـيـل: إن هذه الآيات فـي أحكام الربـا هن آخر آيات نزلت مِن القرآن. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن سعيد، وحدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن الـمسيب: أن عمر بن الـخطاب قال: كان آخر ما نزل من القرآن آية الربـا، وإن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم قُبِض قبل أن يفسرها، فدعوا الربا والريبة.

اسامة محمد خيري
11-12-2016, 06:58
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن إسرائيـل، عن جابر، عن عامر وعطاء قوله: { وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ظ±للَّهُ } قالا: إذا لـم يجدوا كاتبـاً فدعيت فلا تأب أن تكتب لهم.

ذكر من قال هي منسوخة. قد ذكرنا جماعة مـمن قال: كل ما فـي هذه الآية من الأمر بـالكتابة والإشهاد والرهن منسوخ بـالآية التـي فـي آخرها، وأذكر قول من تركنا ذكره هنالك ببعض الـمعانـي:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: { وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ } قال: كانت عزيـمة فنسختها: { وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ }.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِظ±لْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ظ±للَّهُ } فكان هذا واجبـاً علـى الكتَّاب.

وقال آخرون: هو علـى الوجوب، ولكنه واجب علـى الكاتب فـي حال فراغه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي قوله: { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِظ±لْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ظ±للَّهُ } يقول: لا يأب كاتب أن يكتب إن كان فـارغا.

(والصواب من القول فـي ذلك عندنا، أن الله عزّ وجلّ أمر الـمتداينـين إلـى أجل مسمى بـاكتتاب كتب الدين بـينهم، وأمر الكاتب أن يكتب ذلك بـينهم بـالعدل، وأمر الله فرض لازم، إلا أن تقوم حجة بأنه إرشاد وندب. ولا دلالة تدلّ علـى أن أمره جل ثناؤه بـاكتتاب الكتب فـي ذلك، وأن تقدمه إلـى الكاتب أن لا يأبى كتابة ذلك ندب وإرشاد، فذلك فرض علـيهم لا يسعهم تضيـيعه، ومن ضيعه منهم كانَ حَرِجاً بتضيـيعه.

ولا وجه لاعتلال من اعتلّ بأن الأمر بذلك منسوخ بقوله: { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدّ ظ±لَّذِى ظ±ؤْتُمِنَ أَمَـظ°نَتَهُ } لأن ذلك إنـما أذن الله تعالـى ذكره به، حيث لا سبـيـل إلـى الكتاب، أو إلـى الكاتب فأما والكتاب والكاتب موجودان، فـالفرض إذا كان الدَّين إلـى أجل مسمى ما أمر الله تعالـى ذكره به فـي قوله: { فَظ±كْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِظ±لْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ظ±للَّهُ }.
...

وقال آخرون: بل السفـيه فـي هذا الـموضع الذي عناه الله: الطفل الصغير. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: { فَإن كَانَ ظ±لَّذِى عَلَيْهِ ظ±لْحَقُّ سَفِيهًا } أما السفـيه: فهو الصغير.

حدثنـي يحيـى بن أبـي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك فـي قوله: { فَإن كَانَ ظ±لَّذِى عَلَيْهِ ظ±لْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا } قال: هو الصبـيّ الصغير، { فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِظ±لْعَدْلِ }.

وأولـى التأويـلـين بـالآية، تأويـل من قال: السفـيه فـي هذا الـموضع: الـجاهل بـالإملاء وموضع صواب ذلك من خطئه، لـما قد بـينا قبل من أن معنى السفه فـي كلام العرب: الـجهل.

وقد يدخـل فـي قوله: { فَإن كَانَ ظ±لَّذِى عَلَيْهِ ظ±لْحَقُّ سَفِيهًا } كل جاهل بصواب ما يـملّ من خطئه من صغير وكبـير، وذكر وأنثى

غير أن الذي هو أولـى بظاهر الآية أن يكون مراداً بها كل جاهل بـموضع خطأ ما يـمل وصوابه من بـالغي الرجال الذين لا يولـى علـيهم، والنساء؛ لأنه جل ذكره ابتدأ الآية بقوله: { يأَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى } والصبـيّ ومن يولـى علـيه لا يجوز مداينته، وأن الله عزّ وجلّ قد استثنى من الذين أمرهم بإملال كتاب الدين مع السفـيه الضعيف ومن لا يستطيع إملاله، ففـي فصله جل ثناؤه الضعيف من السفـيه ومن لا يستطيع إملاء الكتاب فـي الصفة التـي وصف بها كل واحد منهم ما أنبأ عن أن كل واحد من الأصناف الثلاثة الذين بـين الله صفـاتهم غير الصنفـين الآخرين. وإذا كان ذلك كذلك، كان معلوماً أن الـموصوف بـالسفه منهم دون الضعف هو ذو القوّة علـى الإملال، غير أنه وضع عنه فرض الإملال بجهله بـموضع صواب ذلك من خطئه، وأن الـموصوف بـالضعف منهم هو العاجز عن إملاله وإن كان شديداً رشيداً إما لعيّ لسانه أو خرس به، وأن الـموصوف بأنه لا يستطيع أن يـمل هو الـمـمنوع من إملاله، إما بـالـحبس الذي لا يقدر معه علـى حضور الكاتب الذي يكتب الكتاب فـيـمل علـيه، وإما لغيبته عن موضع الإملال فهو غير قادر من أجل غيبته عن إملال الكتاب. فوضع الله عنهم فرض إملال ذلك للعلل التـي وصفنا إذا كانت بهم، وعذرهم بترك الإملال من أجلها، وأمر عند سقوط فرض ذلك علـيهم ولـي الـحقّ بإملاله فقال: { فَإن كَانَ ظ±لَّذِى عَلَيْهِ ظ±لْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِظ±لْعَدْلِ } يعنـي ولـيّ الـحقّ.

ولا وجه لقول من زعم أن السفـيه فـي هذا الـموضع هو الصغير، وأن الضعيف هو الكبـير الأحمق؛ لأن ذلك إن كان كما قال يوجب أن يكون قوله: { أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ } هو العاجز من الرجال العقلاء الـجائزي الأمر فـي أموالهم وأنفسهم عن الإملال، إما لعلة بلسانه من خرس أو غيره من العلل، وإما لغيبته عن موضع الكتاب. وإذا كان ذلك كذلك معناه، بطل معنى قوله: { فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِظ±لْعَدْلِ } لأن العاقل الرشيد لا يولّـى علـيه فـي ماله وإن كان أخرس أو غائبـا، ولا يجوز حكم أحد فـي ماله إلا بأمره. وفـي صحة معنى ذلك ما يقضي علـى فساد قول من زعم أن السفـيه فـي هذا الـموضع هو الطفل الصغير أو الكبـير الأحمق. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: { فَإن كَانَ ظ±لَّذِى عَلَيْهِ ظ±لْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِظ±لْعَدْلِ } يقول: ولـيّ الـحق.....

والصواب من القراءة عندنا فـي ذلك قراءة من قرأه بفتـح «أن» من قوله: { أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا } وبتشديد الكاف من قوله: { فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا ظ±لاْخْرَىظ° } ونصب الراء منه، بـمعنى: فإن لـم يكونا رجلـين فلـيشهد رجل وامرأتان كي إن ضلت إحداهما ذكرتها الأخرى. وأما نصب «فتذكر» فبـالعطف علـى «تضلّ»، وفتـحت «أن» بحلولها مـحل «كي»، وهي فـي موضع جزاء، والـجواب بعده اكتفـاءً بفتـحها، أعنـي بفتـح «أن» من «كي» ونسق الثانـي، أعنـي «فتذكر» علـى «تضلّ»، لـيعلـم أن الذي قام مقام ما كان يعمل فـيه وهو ظاهر قد دلّ علـيه وأدّى عن معناه وعمله، أي عن «كي». وإنـما اخترنا ذلك فـي القراءة لإجماع الـحجة من قدماء القراء والـمتأخرين علـى ذلك، وانفراد الأعمش ومن قرأ قراءته فـي ذلك بـما انفرد به عنهم، ولا يجوز ترك قراءة جاء بها الـمسلـمون مستفـيضة بـينهم إلـى غيرها. وأما اختـيارنا «فتذكِّر» بتشديد الكاف، فإنه بـمعنى تأدية الذكر من إحداهما علـى الأخرى وتعريفها بإنهاء ذلك لتذكر، فـالتشديد به أولـى من التـخفـيف.

وأما ما حكي عن ابن عيـينة من التأويـل الذي ذكرناه، فتأويـل خطأ لا معنى له لوجوه شتـى: أحدها: أنه خلاف لقول جميع أهل التأويـل. والثانـي: أنه معلوم بأن ضلال إحدى الـمرأتـين فـي الشهادة التـي شهدت علـيها إنـما هو خطؤها عنها بنسيانها إياها كضلال الرجل فـي دينه إذا تـحير فـيه، فعدل عن الـحقّ، وإذا صارت إحداهما بهذه الصفة فكيف يجوز أن تصير الأخرى ذكراً معها مع نسيانها شهادتها وضلالها فـيها؟ فـالضالة منهما فـي شهادتها حينئذ لا شك أنها إلـى التذكير أحوج منها إلـى الإذكار، إلا إن أراد أن الذاكرة إذا ضعفت صاحبتها عن ذكر شهادتها ستـجرئها علـى ذكر ما ضعفت عن ذكره فنسيته، فقوّتها بـالذكر حتـى صيرتها كالرجل فـي قوّتها فـي ذكر ما ضعفت عن ذكره من ذلك، كما يقال للشيء القويّ فـي عمله: ذكر، وكما يقال للسيف الـماضي فـي ضربه: سيف ذكر، ورجل ذكر، يراد به ماض فـي عمله، قويّ البطش، صحيح العزم. فإن كان ابن عيـينة هذا أراد، فهو مذهب من مذاهب تأويـل ذلك؟ إلا أنه إذا تأوّل ذلك كذلك، صار تأويـله إلـى نـحو تأويـلنا الذي تأوّلناه فـيه، وإن خالفت القراءة بذلك الـمعنى القراءة التـي اخترناها بأن تغير القراءة حينئذ الصحيحة بـالذي اختار قراءته من تـخفـيف الكاف من قوله: فتذكر، ولا نعلـم أحدا تأوّل ذلك كذلك، ويستـحبّ قراءته كذلك بذلك الـمعنى....

حدثنـي أبو العالـية العبدي إسماعيـل بن الهيثم، قال: ثنا أبو قتـيبة، عن فضيـل بن مرزوق، عن عطية العوفـي فـي قوله: { وَلاَ يَأْبَ ظ±لشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ } قال: أمرت أن تشهد، فإن شئت فـاشهد، وإن شئت فلا تشهد.

حدثنـي أبو العالـية، قال: ثنا أبو قتـيبة، عن مـحمد بن ثابت العصري، عن عطاء، بـمثله.

وأولـى هذه الأقوال بـالصواب قول من قال: معنى ذلك: ولا يأب الشهداء من الإجابة إذا دعوا لإقامة الشهادة وأدائها عند ذي سلطان أو حاكم يأخذ من الذي علـيه ما علـيه للذي هو له.

وإنـما قلنا هذا القول بـالصواب أولـى فـي ذلك من سائر الأقوال غيره، لأن الله عزّ وجلّ قال: { وَلاَ يَأْبَ ظ±لشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ } فإنـما أمرهم بـالإجابة للدعاء للشهادة وقد ألزمهم اسم الشهداء، وغير جائز أن يـلزمهم اسم الشهداء إلا وقد استشهدوا قبل ذلك، فشهدوا علـى ما ألزمهم شهادتهم علـيه اسم الشهداء، فأما قبل أن يستشهدوا علـى شيء فغير جائز أن يقال لهم شهداء، لأن ذلك الاسم لو كان يـلزمهم ولـما يستشهدوا علـى شيء يستوجبون بشهادتهم علـيه هذا الاسم لـم يكن علـى الأرض أحد له عقل صحيح إلا وهو مستـحقّ أن يقال له شاهد، بـمعنى أنه سيشهد، أو أنه يصلـح لأن يشهد وإن كان خطأ أن يسمى بذلك الاسم إلا من عنده شهادة لغيره، أو من قد قام بشهادته، فلزمه لذلك هذا الاسم؛ كان معلوماً أن الـمعنـيّ بقوله: { وَلاَ يَأْبَ ظ±لشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ } من وصفنا صفته مـمن قد استرعى شهادة أو شهد، فدعي إلـى القـيام بها، لأن الذي لـم يستشهد ولـم يسترع شهادة قبل الإشهاد غير مستـحقّ اسم شهيد ولا شاهد، لـما قد وصفنا قبل. مع أن فـي دخول الألف واللام فـي «الشهداء» دلالة واضحة علـى أن الـمسمى بـالنهي عن ترك الإجابة للشهادة أشخاص معلومون قد عرفوا بـالشهادة، وأنهم الذين أمر الله عزّ وجل أهل الـحقوق بـاستشهادهم بقوله: { وَظ±سْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَظ±مْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ظ±لشُّهَدَاء }.
...

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معنى ذلك: ولا يضارّ كاتب ولا شهيد، بـمعنى: ولا يضارّهما من استكتب هذا أو استشهد هذا بأن يأبى علـى هذا إلا أن يكتب له وهو مشغول بأمر نفسه، ويأبى علـى هذا إلا أن يجيب إلـى الشهادة وهو غير فـارغ، علـى ما قاله قائلو ذلك من القول الذي ذكرنا قبل.

وإنـما قلنا هذا القول أولـى بـالصواب من غيره، لأن الـخطاب من الله عزّ وجلّ فـي هذه الآية من مبتدئها إلـى انقضائها علـى وجه افعلوا أو لا تفعلوا، إنـما هو خطاب لأهل الـحقوق والـمكتوب بـينهم الكتاب والـمشهود لهم أو علـيهم بـالذي تداينوه بـينهم من الديون. فأما ما كان من أمر أو نهي فـيها لغيرهم، فإنـما هو علـى وجه الأمر والنهي للغائب غير الـمخاطب كقوله: { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ } وكقوله: { وَلاَ يَأْبَ ظ±لشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ } وما أشبه ذلك، فـالواجب إذا كان الـمأمورون فـيها مخاطبـين بقوله: { وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ } أشبه منه بأن يكون مردوداً علـى الكاتب والشهيد، ومع ذلك إن الكاتب والشهيد لو كانا هما الـمنهيـين عن الضرار لقـيـل: وإن يفعلا فإنه فسوق بهما، لأنهما اثنان، وإنـما غير مخاطبـيـين بقوله: { وَلاَ يُضَارَّ } بل النهي بقوله: { وَلاَ يُضَارَّ } نهي للغائب غير الـمخاطب. فتوجيه الكلام إلـى ما كان نظيراً لـما فِـي سياق الآية، أولـى من توجيهه إلـى ما كان منعدلاً عنه.

اسامة محمد خيري
12-12-2016, 05:18
وأولـى الأقوال التـي ذكرناها بتأويـل الآية قول من قال: إنها مـحكمة ولـيست بـمنسوخة، وذلك أن النسخ لا يكون فـي حكم إلا ينفـيه بآخر له ناف من كل وجوهه، ولـيس فـي قوله جلّ وعزّ:
{ لاَ يُكَلّفُ ظ±للَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ظ±كْتَسَبَتْ }
[البقرة: 286] نفـي الـحكم الذي أعلـم عبـاده بقوله: { أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ظ±للَّهُ } لأن الـمـحاسبة لـيست بـموجبة عقوبة، ولا مؤاخذة بـما حوسب علـيه العبد من ذنوبه، وقد أخبر الله عزّ وجلّ عن الـمـجرمين أنهم حين تُعرض علـيهم كتب أعمالهم يوم القـيامة، يقولون:
{ وَيَقُولُونَ يظ°وَيْلَتَنَا مَا لِهَـظ°ذَا ظ±لْكِتَـظ°بِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا }
[الكهف: 49] فأخبر أن كتبهم مـحصية علـيهم صغائر أعمالهم وكبـائرها، فلـم تكن الكتب وإن أحصت صغائر الذنوب وكبـائرها بـموجب إحصاؤها علـى أهل الإيـمان بـالله ورسوله وأهل الطاعة له، أن يكونوا بكل ما أحصته الكتب من الذنوب معاقبـين، لأن الله عزّ وجلّ وعدهم العفو عن الصغائر بـاجتنابهم الكبـائر، فقال فـي تنزيـله:
{ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَـظ°تِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً }
[النساء: 31] فدلّ أن مـحاسبة الله عبـاده الـمؤمنـين بـما هو مـحاسبهم به من الأمور التـي أخفتها أنفسهم غير موجبة لهم منه عقوبة، بل مـحاسبته إياهم إن شاء الله علـيها لـيعرّفهم تفضله علـيهم بعفوه لهم عنها كما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي الـخبر الذي:

حدثنـي به أحمد بن الـمقدام، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، قال: سمعت أبـي، عن قتادة، عن صفوان بن مـحرز، عن ابن عمر، عن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: " يُدْنِـي اللَّهُ عَبْدَهُ الـمُؤمِنُ يَوْمَ القِـيَامَةِ حَتَّـى يَضَعَ عَلَـيْهِ كَنَفَهُ فَـيُقَرّرُهُ بِسَيِّئَاتِهِ يَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَـيَقُولُ نَعَمْ، فَـيَقُولُ: سَتَرْتُها فِـي الدُّنْـيَا وأغْفِرُها الـيَوْمَ. ثُمَّ يُظْهِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ، فَـيَقُولُ: هاؤمُ اقْرَؤا كِتابِـيَهْ " أو كما قال: " وأمَّا الكَافِرُ، فَـإِنَّهُ يُنَادَى بِهِ عَلـى رُؤوسِ الأشْهادِ "

" يَدْنُو الـمُؤمِنُ مِنْ رَبِّهِ حتَّـى يَضَعَ عَلَـيْهِ كَنَفَهُ فَـيُقَرّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَـيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ كَذَا؟ فَـيَقُولُ: رَبّ اغْفِرْ مَرَّتَـيْنِ، حتـى إذَا بَلَغَ بِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أنْ يَبْلُغَ قَالَ: فَـإِنّـي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَـيْكَ فِـي الدُّنْـيا، وأنا أغْفِرُها لَكَ الـيَوْمَ " ، قال: " فَـيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ أوْ كِتابَهُ بِـيَـمِينِهِ. وأمَّا الكُفَّـارُ وَالـمُنَافِقُونَ، فَـيُنَادَى بِهِمْ علـى رُؤوسِ الأشْهادِ: هَؤلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا علـى رَبِهِمْ، ألا لَعْنَةُ اللَّهِ علـى الظَّالِـمِينَ "

إن الله يفعل بعبده الـمؤمن من تعريفه إياه سيئات أعماله حتـى يعرّفه تفضله علـيه بعفوه له عنها، فكذلك فعله تعالـى ذكره فـي مـحاسبته إياه بـما أبداه من نفسه، وبـما أخفـاه من ذلك، ثم يغفر له كل ذلك بعد تعريفه تفضله وتكرّمه علـيه، فـيستره علـيه، وذلك هو الـمغفرة التـي وعد الله عبـاده الـمؤمنـين، فقال: يغفر لـمن يشاء.

فإن قال قائل: فإن قوله:
{ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ظ±كْتَسَبَتْ }
[البقرة: 286] ينبىء عن أن جميع الـخـلق غير مؤاخذين إلا بـما كسبته أنفسهم من ذنب، ولا مثابـين إلا بـما كسبته من خير. قـيـل: إن ذلك كذلك، وغير مؤاخذ العبد بشيء من ذلك إلا بفعل ما نهي عن فعله، أو ترك ما أمر بفعله.

فإن قال: فإذا كان ذلك كذلك، فما معنى وعيد الله عزّ وجلّ إيانا علـى ما أخفته أنفسنا بقوله: { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } إن كان
{ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ظ±كْتَسَبَتْ }
[البقرة: 286] وما أضمرته قلوبنا وأخفته أنفسنا، من همّ بذنب، أو إرادة لـمعصية، لـم تكتسبه جوارحنا؟ قـيـل له: إن الله جلّ ثناؤه قد وعد الـمؤمنـين أن يعفو لهم عما هو أعظم مـما همّ به أحدهم من الـمعاصي فلـم يفعله، وهو ما ذكرنا من وعده إياهم العفو عن صغائر ذنوبهم إذا هم اجتنبوا كبـائرها، وإنـما الوعيد من الله عزّ وجلّ بقوله: { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } علـى ما أخفته نفوس الذين كانت أنفسهم تـخفـي الشكّ فـي الله، والـمرية فـي وحدانـيته، أو فـي نبوّة نبـيه صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند الله، أو فـي الـمعاد والبعث من الـمنافقـين، علـى نـحو ما قال ابن عبـاس ومـجاهد، ومن قال بـمثل قولهما أن تأويـل قوله: { أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ظ±للَّهُ } علـى الشكّ والـيقـين. غير أنا نقول إن الـمتوعد بقوله: { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } هو من كان إخفـاء نفسه ما تـخفـيه الشكَّ والـمرية فـي الله، وفـيـما يكون الشك فـيه بـالله كفراً، والـموعود الغفران بقوله: { فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } هو الذي أخفـى، وما يخفـيه الهمة بـالتقدّم علـى بعض ما نهاه الله عنه من الأمور التـي كان جائزاً ابتداء تـحلـيـله وإبـاحته، فحرّمه علـى خـلقه جلّ ثناؤه، أو علـى ترك بعض ما أمر الله بفعله مـما كان جائزاً ابتداء إبـاحة تركه، فأوجب فعله علـى خـلقه.

فإن الذي يهمّ بذلك من الـمؤمنـين إذا هو لـم يصحح همه بـما يهمّ به، ويحقق ما أخفته نفسه من ذلك بـالتقدم علـيه لـم يكن مأخوذاً، كما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَـمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَـمْ يَعْمَلْها لَـمْ تُكْتُبْ عَلَـيْهِ " ، فهذا الذي وصفنا، هو الذي يحاسب الله به مؤمنـي عبـاده ثم لا يعاقبهم علـيه.

فأما من كان ما أخفته نفسه شكاً فـي الله وارتـيابـاً فـي نبوّة أنبـيائه، فذلك هو الهالك الـمخـلد فـي النار، الذي أوعده جل ثناؤه العذاب الألـيـم بقوله: { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء }.

فتأويـل الآية إذا: { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ } أيها الناس، فتظهروه { أَوْ تُخْفُوهْ } فتنطوي علـيه نفوسكم، { يُحَاسِبْكُم بِهِ ظ±للَّهُ } فـيعرّف مؤمنكم تفضله بعفوه عنه، ومغفرته له، فـيغفره له، ويعذّب منافقكم علـى الشكّ الذي انطوت علـيه نفسه فـي وحدانـية خالقه ونبوّة أنبـيائه.

اسامة محمد خيري
12-12-2016, 05:42
سورة ال عمران

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: { القَيُّوم } قـيـم علـى كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه.

وقال آخرون: معنى ذلك القـيام علـى مكانه، ووجهوه إلـى القـيام الدائم الذي لا زوال معه ولا انتقال، وأن الله عز وجل إنـما نفـى عن نفسه بوصفها بذلك التغير والتنقل من مكان إلـى مكان وحدوث التبدل الذي يحدث فـي الآدميـين وسائر خـلقه غيرهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن عمر بن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: { القَيُّومُ } القائم علـى مكانه من سلطانه فـي خـلقه لا يزول، وقد زال عيسى فـي قولهم. يعنـي فـي قول الأحبـار الذين حاجوا النبـيّ صلى الله عليه وسلم من أهل نـجران فـي عيسى. عن مكانه الذي كان به وذهب عنه إلـى غيره.

وأولـى التأويـلـين بـالصواب، ما قاله مـجاهد والربـيع، وأن ذلك وصف من الله تعالـى ذكره نفسه بأنه القائم بأمر كل شيء فـي رزقه والدفع عنه، وكلاءته وتدبـيره وصرفه فـي قدرته، من قول العرب: فلان قائم بأمر هذه البلدة، يُعنى بذلك: الـمتولـي تدبـير أمرها. فـالقـيُّوم إذ كان ذلك معناه «الفَـيعول» من قول القائل: الله يقول بأمر خـلقه، وأصله القـيووم، غير أن الواو الأولـى من القـيوم لـما سبقتها ياء ساكنة وهي متـحركة قلبت ياء، فجعلت هي والـياء التـي قبلها ياء مشددة، لأن العرب كذلك تفعل بـالواو الـمتـحركة إذا تقدمتها ياء ساكنة. وأما القـيّام، فإن أصله القـيوام، وهو الفَـيْعال، من قام يقوم، سبقت الواو الـمتـحركة من قـيوام ياء ساكنة، فجعلتا جميعا ياء مشددة. ولو أن القـيُّوم فعُّول، كان القوّوم، ولكنه الفـيعول، وكذلك القـيّام لو كان الفَعّال لكان القوّام، كما قـيـل: الصوّام والقوام، وكما قال جل ثناؤه: { كُونُواْ قَوَّامِين لِلَّهِ شُهَداء بِالقِسْطِ } ، ولكنه الفَـيْعال فقال: القـيَّام. وأما القـيّـم فهو الفَـيْعِل من قام يقوم، سبقت الواو الـمتـحركة ياء ساكنة فجعلتا ياء مشددة، كما قـيـل: فلان سيد قومه، من ساد يسود، وهذا طعام جيد من جاد يجود، وما أشبه ذلك. وإنـما جاء ذلك بهذه الألفـاظ لأنه قصد به قصد الـمبـالغة فـي الـمدح، فكان القـيُّوم والقـيَّام والقـيِّـم أبلغ فـي الـمدح من القائم. وإنـما كان عمر رضي الله عنه يختار قراءته إن شاء الله «القـيَّام»، لأن ذلك الغالب علـى منطق أهل الـحجاز فـي ذوات الثلاثة من الـياء والواو، فـيقولون للرجل الصوّاغ: الصيَّاغ، ويقولون للرجل الكثـير الدوران الديّار. وقد قـيـل إن قول الله جل ثناؤه: { لاَ تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الكَـافِرِينَ دَيَّاراً } إنـما هو «دوّاراً» «فعّالاً» من دار يدور، ولكنها نزلت بلغة أهل الـحجاز، وأقرّت كذلك فـي الـمصحف.

اسامة محمد خيري
12-12-2016, 05:51
حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: { وَأَنْزَلَ الفُرْقَانَ } قال: الفرقان: القرآن فرق بـين الـحقّ والبـاطل.

والتأويـل الذي ذكرناه عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير فـي ذلك، أولـى بـالصحة من التأويـل الذي ذكرناه عن قتادة والربـيع، وأن يكون معنى الفرقان فـي هذا الـموضع: فصل الله بـين نبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم والذي حاجوه فـي أمر عيسى وفـي غير ذلك من أموره بـالـحجة البـالغة القاطعة عُذْرَهم وعُذْرَ نظرائهم من أهل الكفر بـالله.

وإنـما قلنا هذا القول أولـى بـالصواب، لأن إخبـار الله عن تنزيـله القرآن قبل إخبـاره عن تنزيـله التوراة والإنـجيـل فـي هذه الآية قد مضى بقوله: { نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتَـابَ بالحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } ولا شك أن ذلك الكتاب هو القرآن لا غيره، فلا وجه لتكريره مرّة أخرى، إذ لا فـائدة فـي تكريره، لـيست فـي ذكره إياه وخبره عنه ابتداء.

اسامة محمد خيري
12-12-2016, 05:59
وأما قوله: { مُتَشَـابِهَـاتٌ } فإن معناه: متشابهات فـي التلاوة، مختلفـات فـي الـمعنى، كما قال جلّ ثناؤه: { وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَـابِهاً } يعنـي فـي الـمنظر: مختلفـا فـي الـمطعم، وكما قال مخبرا عمن أخبر عنه من بنـي إسرائيـل أنه قال:
{ إِنَّ ظ±لبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا }
[البقرة: 70] يعنون بذلك: تشابه علـينا فـي الصفة، وإن اختلفت أنواعه.

فتأويـل الكلام إذاً: إن الذي لا يخفـى علـيه شيء فـي الأرض ولا فـي السماء، هو الذي أنزل علـيك يا مـحمد القرآن، منه آيات مـحكمات بـالبـيان، هنّ أصل الكتاب الذي علـيه عمادك وعماد أمتك فـي الدين، وإلـيه مفزعك ومفزعهم فـيـما افترضت علـيك وعلـيهم من شرائع الإسلام، وآيات أخر هنّ متشابهات فـي التلاوة، مختلفـات فـي الـمعانـي.....

وقال آخرون: بل الـمـحكم من آي القرآن: ما عرف العلـماء تأويـله، وفهموا معناه وتفسيره؛ والـمتشابه: ما لـم يكن لأحد إلـى علـمه سبـيـل مـما استأثر الله بعلـمه دون خـلقه، وذلك نـحو الـخبر عن وقت مخرج عيسى ابن مريـم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، وقـيام الساعة، وفناء الدنـيا، وما أشبه ذلك، فإن ذلك لا يعلـمه أحد. وقالوا: إنـما سمى الله من آي الكتاب الـمتشابه الـحروف الـمقطعة التـي فـي أوائل بعض سور القرآن من نـحو الـم، والـمص، والـمر، والر، وما أشبه ذلك، لأنهن متشابهات فـي الألفـاظ، وموافقات حروف حساب الـجمل. وكان قوم من الـيهود علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم طمعوا أن يدركوا من قبلها معرفة مدة الإسلام وأهله، ويعلـموا نهاية أُكْلِ مـحمد وأمته، فأكذب الله أحدوثتهم بذلك، وأعلـمهم أن ما ابْتَغَوْا علـمه من ذلك من قبل هذه الـحروف الـمتشابهة لا يدركونه ولا من قبل غيرها، وأن ذلك لا يعلـمه إلا الله. وهذا قول ذكر عن جابر بن عبد الله بن رئاب أن هذه الآية نزلت فـيه، وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه وعن غيره مـمن قال نـحو مقالته فـي تأويـل ذلك فـي تفسير قوله:
{ الغ¤ـمغ¤ * ذَلِكَ ظ±لْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ }
[البقرة: 1-2]. وهذا القول الذي ذكرناه عن جابر بن عبد الله أشبه بتأويـل الآية، وذلك أن جميع ما أنزل الله عز وجل من آي القرآن علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنـما أنزله علـيه بـيانا له ولأمته وهدى للعالـمين، وغير جائز أن يكون فـيه ما لا حاجة بهم إلـيه، ولا أن يكون فـيه ما بهم إلـيه الـحاجة، ثم لا يكون لهم إلـى علـم تأويـله سبـيـل. فإذا كان ذلك كذلك، فكل ما فـيه لـخـلقه إلـيه الـحاجة، وإن كان فـي بعضه ما بهم عن بعض معانـيه الغنى، وإن اضطرته الـحاجة إلـيه فـي معان كثـيرة، وذلك كقول الله عز وجل:
{ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيغ¤ إِيمَظ°نِهَا خَيْراً }


[الأنعام: 158] فأعلـم النبـيّ صلى الله عليه وسلم أمته أن تلك الآية التـي أخبر الله جل ثناؤه عبـاده أنها إذا جاءت لـم ينفع نفساً إيـمانها لـم تكن آمنت من قبل ذلك، هي طلوع الشمس من مغربها. فـالذي كانت بـالعبـاد إلـيه الـحاجة من علـم ذلك هو العلـم منهم بوقت نفع التوبة بصفته بغير تـحديده بعد بـالسنـين والشهور والأيام، فقد بـين الله ذلك لهم بدلالة الكتاب، وأوضحه لهم علـى لسان رسول صلى الله عليه وسلم مفسِّرا. والذي لا حاجة لهم إلـى علـمه منه هو العلـم بـمقدار الـمدة التـي بـين وقت نزول هذه الآية ووقت حدوث تلك الآية، فإن ذلك مـما لا حاجة بهم إلـى علـمه فـي دين ولا دنـيا، وذلك هو العلـم الذي استأثر الله جل ثناؤه به دون خـلقه، فحجبه عنهم، وذلك وما أشبهه هو الـمعنى الذي طلبت الـيهود معرفته فـي مدة مـحمد صلى الله عليه وسلم وأمته من قبل قوله: الـم، والـمص، والر، والـمر، ونـحو ذلك من الـحروف الـمقطعة الـمتشابهات، التـي أخبر الله جل ثناؤه أنهم لا يدركون تأويـل ذلك من قِبَله، وأنه لا يعلـم تأويـله إلا الله.

فإذا كان الـمتشابه هو ما وصفنا، فكل ما عداه فمـحكم، لأنه لن يخـلو من أن يكون مـحكماً بأنه بـمعنى واحد لا تأويـل له غير تأويـل واحد، وقد استغنـي بسماعه عن بـيان يبـيّنه، أو يكون مـحكماً، وإن كان ذا وجوه وتأويلات وتصرف فـي معان كثـيرة، فـالدلالة علـى الـمعنى الـمراد منه إما من بـيان الله تعالـى ذكره عنه أو بـيان رسوله صلى الله عليه وسلم لأمته، ولن يذهب علـم ذلك عن علـماء الأمة لـما قد بـينا.....

قال أبو جعفر: والذي يدلّ علـيه ظاهر هذه الآية أنها نزلت فـي الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بـمتشابه ما أنزل إلـيه من كتاب الله إما فـي أمر عيسى، وإما فـي مدة أُكُله وأُكْل أمته، وهو بأن تكون فـي الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بـمتشابهه فـي مدته ومدة أمته أشبه، لأن قوله: { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ } دالّ علـى أن ذلك إخبـار عن الـمدة التـي أرادوا علـمها من قبل الـمتشابه الذي لا يعلـمه إلا الله. فأما أمر عيسى وأسبـابه، فقد أعلـم الله ذلك نبـيه مـحمدا صلى الله عليه وسلم وأمته وبـينه لهم، فمعلوم أنه لـم يعن إلا ما كان خفـيا عن الآحاد...

والقول الذي قاله ابن عبـاس من أن ابتغاء التأويـل الذي طلبه القوم من الـمتشابه هو معرفة انقضاء الـمدة، ووقت قـيام الساعة، والذي ذكرنا عن السدي من أنهم طلبوا وأرادوا معرفة وقت هُو جاءٍ قبل مـجيئه أولـى بـالصواب، وإن كان السدي قد أغفل معنى ذلك من وجه صرفه إلـى حصره علـى أن معناه: إن القوم طلبوا معرفة وقت مـجيء الناسخ لـما قد أحكم قبل ذلك.

وإنـما قلنا: إن طلب القوم معرفة الوقت الذي هو جاء قبل مـجيئه الـمـحجوب علـمه عنهم وعن غيرهم بـمتشابه آي القرآن، أولـى بتأويـل قوله: { وابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ } لـما قد دللنا علـيه قبل من إخبـار الله جل ثناؤه أن ذلك التأويـل لا يعلـمه إلا الله، ولا شك أن معنى قوله: «قضينا» و«فعلنا»، قد علـم تأويـله كثـير من جهلة أهل الشرك، فضلاً عن أهل الإيـمان وأهل الرسوخ فـي العلـم منهم....

والصواب عندنا فـي ذلك، أنهم مرفوعون بجملة خبرهم بعدهم وهو «يقولون»، لـما قد بـينا قبل من أنهم لا يعلـمون تأويـل الـمتشابه الذي ذكره الله عز وجل فـي هذه الآية، وهو فـيـما بلغنـي مع ذلك فـي قراءة أُبـيّ: «ويقول الرَّاسِخُونَ فِـي العِلْـمِ» كما ذكرناه عن ابن عبـاس أنه كان يقرؤه؛ وفـي قراءة عبد الله: «إن تأويـله إلا عند الله والراسخون فـي العلـم يقولون»....

اسامة محمد خيري
12-12-2016, 06:27
اختلفت القراء في ذلك فقرأه بعضهم: { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ } بالتاء على وجه الخطاب للذين كفروا بأنهم سيغلبون. واحتجوا لاختيارهم قراءة ذلك بالتاء بقوله: { قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ } قالوا: ففي ذلك دليل على أن قوله: { سَتُغْلَبُونَ } كذلك خطاب لهم. وذلك هو قراءة عامة قرّاء الـحجاز والبصرة وبعض الكوفـيـين. وقد يجوز لـمن كانت نـيته فـي هذه الآية أن الـموعودين بأن يغلبوا هم الذين أمر النبـيّ صلى الله عليه وسلم بأن يقول ذلك لهم أن يقرأه بـالـياء والتاء، لأن الـخطاب الوحي حين نزل لغيرهم، فـيكون نظير قول القائل فـي الكلام: قلت للقوم إنكم مغلوبون، وقلت لهم إنهم مغلوبون. وقد ذكر أن فـي قراءة عبد الله: { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ تَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَكُمْ } وهي فـي قراءتنا: { إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ }. وقرأت ذلك جماعة من قراء أهل الكوفة: «سيغلبون ويحشرون» علـى معنى: قل للـيهود سيغلب مشركو العرب ويحشرون إلـى جهنـم. ومن قرأ ذلك كذلك علـى هذا التأويـل لـم يجز فـي قراءته غير الـياء.

والذي نـختار من القراءة فـي ذلك قراءة من قرأه بـالتاء، بـمعنى: قل يا مـحمد للذين كفروا من يهود بنـي إسرائيـل الذين يتبعون ما تشابه من آي الكتاب الذي أنزلته إلـيك ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويـله، ستغلبون وتـحشرون إلـى جهنـم وبئس الـمهاد.

وإنـما اخترنا قراءة ذلك كذلك علـى قراءته بـالـياء لدلالة قوله: { قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ } علـى أنهم بقوله ستغلبون مخاطبون خطابهم بقوله: قد كان لكم، فكان إلـحاق الـخطاب بـمثله من الـخطاب أولـى من الـخطاب بخلافه من الـخبر عن غائب. وأخرى أن:

أبـا كريب حدثنا، قال: ثنا يونس بن بكير، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد، عن سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: لـما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا يوم بدر فقدم الـمدينة، جمع يهود فـي سوق بنـي قـينقاع فقال: " يا مَعْشَرَ يَهُودَ، أسْلِـمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكُمْ مِثْل ما أصَابَ قُرَيشا " ، فقالوا: يا مـحمد لا تغرّنك نفسك إنك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نـحن الناس، وأنك لـم تأت مثلنا! فأنزل الله عزّ وجلّ فـي ذلك من قولهم: { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهَادُ } إلـى قوله: { لأُوْلِى الأبْصَـارِ ....

وأولـى هذه القراءات بـالصواب قراءة من قرأ: { يَرَوْنَهُمْ } بـالـياء، بـمعنى: وأخرى كافرة، يراهم الـمسلـمون مثلـيهم، يعنـي: مثلـي عدد الـمسلـمين، لتقلـيـل الله إياهم فـي أعينهم فـي حال، فكان حزرهم إياهم كذلك، ثم قللهم فـي أعينهم عن التقلـيـل الأول، فحزروهم مثل عدد الـمسلـمين، ثم تقلـيلاً ثالثاً، فحزروهم أقل من عدد الـمسلـمين. كما:

حدثنـي أبو سعيد البغدادي، قال: ثنا إسحاق بن منصور، عن إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن أبـي عبـيدة، عن عبد الله، قال: لقد قللوا فـي أعيننا يوم بدر حتـى قلت لرجل إلـى جنبـي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة. قال: فأسرنا رجلاً منهم، فقلنا كم كنتـم؟ قال: ألفـاً.

وقد رُوي عن قتادة أنه كان يقول: لو كانت «تُرونهم»، لكانت «مثلـيكم».

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنـي عبد الرحمن بن أبـي حماد، عن ابن الـمعرك، عن معمر، عن قتادة بذلك.

ففـي الـخبرين اللذين روينا عن عبد الله بن مسعود ما أبـان عن اختلاف حزر الـمسلـمين يومئذٍ عدد الـمشركين فـي الأوقات الـمختلفة، فأخبر الله عز وجل ـ عما كان من اختلاف أحوال عددهم عند الـمسلـمين ـ الـيهود علـى ما كان به عندهم، مع علـم الـيهود بـمبلغ عدد الفئتـين، إعلاماً منه لهم أنه مؤيد الـمؤمنـين بنصره، لئلا يغتروا بعددهم وبأسهم، ولـيحذروا منه أن يحل بهم من العقوبة علـى أيدي الـمؤمنـين، مثل الذي أحل بأهل الشرك به من قريش علـى أيديهم ببدرهم

اسامة محمد خيري
12-12-2016, 06:40
وقال آخرون: هو الـمال الكثـير. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس، قال: { القَنَـاطِيرِ المُقَنطَرَةِ }: الـمال الكثـير بعضه علـى بعض.

وقد ذكر بعض أهل العلـم بكلام العرب أن العرب لا تـحدّ القنطار بـمقدار معلوم من الوزن، ولكنها تقول: هو قدر ووزن. وقد ينبغي أن يكون ذلك كذلك، لأن ذلك لو كان مـحدودا قدره عندها لـم يكن بـين متقدمي أهل التأويـل فـيه كل هذا الاختلاف.

فـالصواب فـي ذلك أن يقال: هو الـمال الكثـير، كما قال الربـيع بن أنس، ولا يحدّ قدر وزنه بحدّ علـى تعنف، وقد قـيـل ما قـيـل مـما روينا. وأما الـمقنطرة: فهي الـمضعفة، وكأن القناطير ثلاثة والـمقنطرة تسعة، وهو كما قال الربـيع بن أنس: الـمال الكثـير بعضه علـى بعض. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: القناطير الـمقنطرة من الذهب والفضة: والـمقنطرة الـمال الكثـير بعضه علـى بعض.

حدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد بن سلـمان، قال: سمعت الضحاك فـي قوله: { القَنَـاطِيرِ المُقَنطَرَةِ }: يعنـي الـمال الكثـير من الذهب والفضة.

وقال آخرون: معنى الـمقنطرة: الـمضروبة دراهم أو دنانـير. ذكر من قال ذلك:

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: أما قوله: { المُقَنطَرَةِ } فـيقول: الـمضروبة حتـى صارت دنانـير أو دراهم.

وقد رُوي عن النبـي صلى الله عليه وسلم فـي قوله:
{ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً }
[النساء: 20] خبر لو صح سنده لـم نعده إلـى غيره، وذلك ما:

حدثنا به ابن عبد الرحمن البرقـي، قال: ثنـي عمرو بن أبـي سلـمة، قال: ثنا زهير بن مـحمد، قال: ثنـي أبـان بن أبـي عياش وحميد الطويـل، عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً }
[النساء: 20] قال: " ألْفَـا مِئِين " يعنـي ألفـين....

قال أبو جعفر: أولـى هذه الأقوال بـالصواب فـي تأويـل قوله: { وَالخَيْلِ المُسَوَّمَةِ } الـمعلـمة بـالشيات الـحسان الرائعة حسناً من رآها، لأن التسويـم فـي كلام العرب: هو الإعلام، فـالـخيـل الـحسان معلـمة بإعلام الله إياها بـالـحسن من ألوانها وشياتها وهيئاتها، وهي الـمطهمة أيضاً، ومن ذلك قول نابغة بنـي ذبـيان فـي صفة الـخيـل:

بِسُمْرٍ كالْقِدَاحٍ مُسَوَّماتٍ علـيها مَعْشَرٌ أشبـاهُ جِنِّ
يعنـي بـالـمسوّمات: الـمعلـمات؛ وقول لبـيد:
وَغَدَاةَ قَاعِ القُرْنَتَـيْنِ أتَـيْنَهُمْ زُجَلاً يَلُوحُ خِلالَها التَّسْويـمُ
فمعنى تأويـل من تأول ذلك: الـمطهمة، والـمعلـمة، والرائعة واحد. وأما قول من تأوّله بـمعنى الراعية فإنه ذهب إلـى قول القائل: أسَمْتُ الـماشية فأنا أُسيـمها إسامة: إذا رعيتها الكلأ والعشب، كما قال الله عزّ وجلّ:
{ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ }
[النحل: 10] بـمعنى ترعون، ومنه قول الأخطل:
مثلِ ابن بَزْعَةَ أو كآخَرَ مِثْلِهِ أوْلى لكَ ابنَ مُسِيمَةِ الأجْمالِ
يعني بذلك راعية الأجمال، فإذا أريد أن الماشية هي التي رعت، قيل: سامت الماشية تسوم سوماً، ولذلك قيل: إبل سائمة، بـمعنى راعية، غير أنه مستفيض فـي كلامهم سوّمت الـماشية، بـمعنى أرعيتها، وإنـما يقال إذا أريد ذلك: أسمتها. فإذا كان ذلك كذلك، فتوجيه تأويـل الـمسوّمة إلـى أنها الـمعلـمة بـما وصفنا من الـمعانـي التـي تقدم ذكرها أصحّ. وأما الذي قاله ابن زيد من أنها الـمعدّة فـي سبـيـل الله، فتأويـل من معنى الـمسوّمة بـمعزل.....

اسامة محمد خيري
12-12-2016, 06:45
وأولـي هذه الأقوال عندي بـالصواب قول من جعل الاستفهام متناهياً عند قوله: { بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ } والـخبر بعده مبتدأ عمن له الجنات بقوله: { لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهنْ جَنَّـاتٌ } فـيكون مخرج ذلك مخرج الـخبر، وهو إبـانة عن معنى الـخير الذي قال: أنبئكم به؟ فلا يكون بـالكلام حينئذ حاجة إلـى ضمير....

وأولـى هذه الأقوال بتأويـل قوله: { والمُسْتَغْفِرِينَ بالأسْحارِ } قول من قال: هم السائلون ربهم أن يستر علـيهم فضيحتهم بها بـالأسحار، وهي جمع سَحَر. وأظهر معانـي ذلك أن تكون مسألتهم إياه بـالدعاء، وقد يحتـمل أن يكون معناه: تعرضهم لـمغفرته بـالعمل والصلاة، غير أن أظهر معانـيه ما ذكرنا من الدعاء.....

وكان بعض البصريـين يتأول قوله شهد الله: قضى الله، ويرفع «الـملائكة»، بـمعنى: والـملائكة شهود وأولو العلـم. وهكذا قرأت قراء أهل الإسلام بفتـح الألف من أنه علـى ما ذكرت من إعمال «شهد» فـي «أنه» الأولـى وكسر الألف من «إنّ» الثانـية وابتدائها، سوى أن بعض الـمتأخرين من أهل العربـية كان يقرأ ذلك جميعا بفتـح ألفـيهما، بـمعنى: شهد الله أنه لا إلظ°ه إلا هو، وأن الدين عند الله الإسلام، فعطف بأنّ الدين علـى «أنه» الأولـى، ثم حذف واو العطف وهي مرادة فـي الكلام. واحتـج فـي ذلك بأن ابن عبـاس قرأ ذلك: «شَهِدَ اللَّهُ إنَّهُ لا إلظ°هَ إلاَّ هُوَ»... الآية، ثم قال:
{ إِنَّ ظ±لدِّينَ }
[آل عمران: 19] بكسر «إن» الأولـى وفتـح «أنّ» الثانـية بإعمال «شهد» فـيها، وجعل «أن» الأولـى اعتراضا فـي الكلام غير عامل فـيها «شهد»؛ وأن ابن مسعود قرأ: { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـظ°هَ إِلاَّ هُوَ } بفتـح «أنّ»، وكسر «إنّ» من:
{ إِنَّ ظ±لدِّينَ عِندَ ظ±للَّهِ ظ±لإِسْلاَمُ }
[آل عمران: 19] علـى معنى إعمال الشهادة فـي «أن» الأولـى و«أنَّ» الثانـية مبتدأة، فزعم أنه أراد بقراءته إياهما بـالفتـح جمع قراءة ابن عبـاس وابن مسعود. فخالف بقراءته ما قرأ من ذلك علـى ما وصفت جميع قراء أهل الإسلام الـمتقدمين منهم والـمتأخرين، بدعوى تأويـل علـى ابن عبـاس وابن مسعود زعم أنهما قالاه وقرآ به، وغير معلوم ما ادعى علـيهما برواية صحيحة، ولا سقـيـمة. وكفـى شاهدا علـى خطإ قراءته خروجها من قراءة أهل الإسلام. فـالصواب إذ كان الأمر علـى ما وصفنا من قراءة ذلك فتـح الألف من «أنه» الأولـى، وكسر الألف من «إنَّ» الثانـية، أعنـي من قوله:
{ إِنَّ ظ±لدِّينَ عِندَ ظ±للَّهِ ظ±لإِسْلاَمُ }
[آل عمران: 19] ابتداء.


وقد رُوي عن السدي فـي تأويـل ذلك قول كالدّال علـى تصحيح ما قرأ به فـي ذلك من ذكرنا قوله من أهل العربـية فـي فتـح «أن» من قوله:
{ إِنَّ ظ±لدِّينَ }
[آل عمران: 19] وهو ما:

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط عن السدي: { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـظ°هَ إِلاَّ هُوَ وَالملائِكَةُ } إلـى: { لا إِلَـظ°هَ إِلاَّ هُوَ ظ±لْعَزِيزُ ظ±لْحَكِيمُ } فإن الله يشهد هو والـملائكة والعلـماء من الناس أن الدين عند الله الإسلام.

فهذا التأويـل يدل علـى أن الشهادة إنـما هي عامة فـي «أن» الثانـية التـي فـي قوله: { إِنَّ الدّينَ عِندَ اللَّهِ الإسْلام } فعلـى هذا التأويـل جائز فـي «أن» الأولـى وجهان من التأويـل: أحدهما أن تكون الأولـى منصوبة علـى وجه الشرط، بـمعنى: شهد الله بأنه واحد، فتكون مفتوحة بـمعنى الـخفض فـي مذهب بعض أهل العربـية، وبـمعنى النصب فـي مذهب بعضهم، والشهادة عاملة فـي «أنّ» الثانـية، كأنك قلت: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام، لأنه واحد، ثم تقدم «لأنه واحد» فتفتـحها علـى ذلك التأويـل.

والوجه الثانـي: أن تكون «إن» الأولـى مكسورة بـمعنى الابتداء لأنها معترض بها، والشهادة واقعة علـى «أن» الثانـية، فـيكون معنى الكلام: شهد الله فإنه لا إلظ°ه إلا هو والـملائكة، أن الدين عند الله الإسلام، كقول القائل: أشهد ـ فإنـي مـحق ـ أنك مـما تعاب به بريء، فـ«إنّ» الأولـى مكسورة لأنها معترضة، والشهادة واقعة علـى «أن» الثانـية.

وأما قوله: { قَائِمَاً بالقِسْطِ } فإنه بـمعنى أنه الذي يـلـي العدل بـين خـلقه. والقسط: هو العدل، من قولهم: هو مقسط، وقد أقسط، إذا عدل، ونصب «قائما» علـى القطع.

وكان بعض نـحويـي أهل البصرة يزعم أنه حال من «هو» التـي فـي «لا إلظ°ه إلا هو».

وكان بعض نـحويـي الكوفة يزعم أنه حال من اسم الله الذي مع قوله: { شَهِدَ اللَّهُ } فكان معناه: شهد الله القائم بـالقسط أنه لا إلظ°ه إلا هو. وقد ذكر أنها فـي قراءة ابن مسعود كذلك: «وأولُو العِلْـمِ القَائِمُ بـالقِسْطِ»، ثم حذفت الألف واللام من القائم فصار نكرة وهو نعت لـمعرفة، فنصب.

وأولـى القولـين بـالصواب فـي ذلك عندي قول من جعله قطعا علـى أنه من نعت الله جل ثناؤه، لأن الـملائكة وأولـي العلـم معطوفون علـيه، فكذلك الصحيح أن يكون قوله «قائماً» حالاً منه.

اسامة محمد خيري
12-12-2016, 07:14
والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا، قراءة من قرأه: { وَيَقْتُلُونَ } لإجماع الـحجة من القراء علـيه به، مع مـجيء التأويـل من أهل التأويـل بأن ذلك تأويـله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن معقل بن أبـي مسكين فـي قول الله صلى الله عليه وسلم: { وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ } قال: كان الوحي يأتـي إلـى بنـي إسرائيـل فـيذكِّرون، ولـم يكن يأتـيهم كتاب، فـيُقتَلون، فـيقوم رجال مـمن اتبعهم وصدّقهم، فـيذكِّرون قومهم فـيقتلون، فهم الذين يأمرون بـالقسط من الناس.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن قتادة فـي قوله: { وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ } قال: هؤلاء أهل الكتاب، كان أتبـاع الأنبـياء ينهونهم ويذكرونهم فـيقتلونهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج فـي قوله: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ } قال: كان ناس من بنـي إسرائيـل مـمن لـم يقرأ الكتاب كان الوحي يأتـي إلـيهم، فـيذكِّرون قومهم فـيقتلون علـى ذلك، فهم الذين يأمرون بـالقسط من الناس.

حدثنـي أبو عبـيد الرصافـي مـحمد بن جعفر، قال: ثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو الـحسن مولـى بنـي أسد، عن مكحول، عن قبـيصة بن ذؤيب الـخزاعي، عن أبـي عبـيدة بن الـجرّاح، قال: قلت يا رسول الله، أيّ الناس أشدّ عذابـا يوم القـيامة؟ قال:

رَجُلٌ قَتَلَ نَبِـيًّا، أوْ رَجُلٌ أمَرَ بـالـمُنْكَرِ وَنَهَى عَنِ الـمَعْرُوفِ " ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الَّذِينَ يَقْتُلُونَ النَّبِـيِّـينَ بِغَيْرِ حَقّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِـالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ» إلـى أن انتهى إلـى: { وَمَا لَهُم مّن نَّـاصِرِينَ }. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبـا عُبَـيْدَةَ قَتَلَتْ بَنُو إسْرَائِيـلَ ثَلاَثَةً وَأرْبَعِينَ نَبِـيًّا مِنْ أَوَّلِ النَّهارِ فِـي سَاعَةٍ وَاحِدَةً، فَقَامَ مِائَةُ رَجُلٍ وَاثْنَا عَشَرَ رَجُلاً مِنْ عُبَّـادِ بَنِـي إسْرَائِيـلَ، فأمَرُوا مَنْ قَتَلَهُمْ بِـالـمَعْرُوفِ وَنَهَوْهُمْ عَنِ الـمُنْكَرِ فَقُتِلُوا جَمِيعاً مِنْ آخِرِ النَّهَارِ فِـي ذَلِكَ الـيَوْمِ، وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ "

اسامة محمد خيري
13-12-2016, 05:14
حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج قوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِنَ الْكِتَـابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَـابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } قال: كان أهل الكتاب يدعون إلـى كتاب الله لـيحكم بـينهم بـالـحقّ يكون وفـي الـحدود، وكان النبـيّ صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلـى الإسلام، فـيتولون عن ذلك.

وأولـى الأقوال فـي تأويـل ذلك عندي بـالصواب أن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر عن طائفة من الـيهود الذين كانوا بـين ظهرانـي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي عهده، مـمن قد أوتـي علـماً بـالتوراة أنهم دعوا إلـى كتاب الله الذي كانوا يقرّون أنه من عند الله وهو فـي التوراة فـي بعض ما تنازعوا فـيه هم ورسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد يجوز أن يكون تنازعهم الذي كانوا تنازعوا فـيه ثم دعوا إلـى حكم التوراة فـيه، فـامتنعوا من الإجابة إلـيه، كان أمر مـحمد صلى الله عليه وسلم وأمر نبوّته. ويجوز أن يكون ذلك كان أمر إبراهيـم خـلـيـل الرحمن ودينه. ويجوز أن يكون ذلك ما دعوا إلـيه من أمر الإسلام، والإقرار به. ويجوز أن يكون ذلك كان فـي حدّ، فإن كل ذلك مـما قد كانوا نازعوا فـيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاهم فـيه إلـى حكم التوراة، فأبى الإجابة فـيه، وكتـمه بعضهم. ولا دلالة فـي الآية علـى أن ذلك كان مـمن أبى، فـيجوز أن يقال: هو هذا دون هذا. ولا حاجة بنا إلـى معرفة ذلك، لأن الـمعنى الذي دعوا إلـيه جملته هو مـما كان فرضاً علـيهم الإجابة إلـيه فـي دينهم، فـامتنعوا منه. فأخبر الله جل ثناؤه عنهم بردّتهم وتكذيبهم بـما فـي كتابهم وجحودهم، ما قد أخذ علـيهم عهودهم ومواثـيقهم بإقامته والعمل به، فلن يعدوا أن يكونوا فـي تكذيبهم مـحمداً وما جاء به من الـحقّ مثلُهم فـي تكذيبهم موسى وما جاء به، وهم يتولونه ويقرّون به.....

وأولـى التأويلات التـي ذكرناها فـي هذه الآية بـالصواب تأويـل من قال: يخرج الإنسان الـحيّ والأنعام والبهائم الأحياء من النطف الـميتة، وذلك إخراج الـحيّ من الـميت، ويخرج النطفة الـميتة من الإنسان الـحيّ والأنعام والبهائم الأحياء، وذلك إخراج الـميت من الـحيّ، وذلك أن كل حيّ فـارقه شيء من جسده، فذلك الذي فـارقه منه ميت، فـالنطفة ميتة لـمفـارقتها جسد من خرجت منه، ثم ينشىء الله منها إنساناً حياً وبهائم وأنعاماً أحياء، وكذلك حكم كل شيء حيّ زايـله شيء منه، فـالذي زايـله منه ميت، وذلك هو نظير قوله:
{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِظ±للَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَظ°تاً فَأَحْيَظ°كُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }
[البقرة: 28].

وأما تأويـل من تأوّله بـمعنى الـحبة من السنبلة، والسنبلة من الـحبة، والبـيضة من الدجاجة، والدجاجة من البـيضة، والـمؤمن من الكافر، والكافر من الـمؤمن، فإن ذلك وإن كان له وجه مفهوم، فلـيس ذلك الأغلب الظاهر فـي استعمال الناس فـي الكلام، وتوجيه معانـي كتاب الله عزّ وجلّ إلـى الظاهر الـمستعمل فـي الناس، أولـى من توجيهها إلـى الـخفـيّ القلـيـل فـي الاستعمال.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته جماعة منهم: { تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الْحَيّ } بـالتشديد وتثقـيـل الـياء من الـميت، بـمعنى أنه يخرج الشيء الـحيّ من الشيء الذي قد مات، ومـما لـم يـمت. وقرأت جماعة أخرى منهم: «تُـخْرِجُ الـحَيَّ مِنَ الـمَيْتِ وَتُـخْرِجُ الْـمَيْتَ مِنَ الـحَيّ» بتـخفـيف الـياء من الـميت. بـمعنى أنه يخرج الشيء الـحيّ من الشيء الذي قد مات دون الشيء الذي لـم يـمت، وتـخرج الشيء الـميت دون الشيء الذي لـم يـمت من الشيء الـحيّ، وذلك أن الـميت مثقل الـياء عند العرب ما لـم يـمت وسيـموت وما قد مات. وأما الـميْت مخففـاً: فهو الذي قد مات، فإذا أرادوا النعت قالوا: إنك مائت غداً وإنهم مائتون، وكذلك كل ما لـم يكن بعد، فإنه يخرج علـى هذا الـمثال الاسم منه، يقال: هو الـجائد بنفسه والطائبة نفسه بذلك، وإذا أريد معنى الاسم قـيـل: هو الـجواد بنفسه والطيبة نفسه. فإذا كان ذلك كذلك، فأولـى القراءتـين فـي هذه الآية بـالصواب قراءة من شّدد الـياء من الـميِّت، لأن الله جلّ ثناؤه يخرج الـحيّ من النطفة التـي قد فـارقت الرجل، فصارت ميتة، وسيخرجه منها بعد أن تفـارقه وهي فـي صلب الرجل، ويخرج الـميت من الـحيّ، النطفة التـي تصير بخروجها من الرجل الـحيّ ميتاً، وهي قبل خروجها منه حية، فـالتشديد أبلغ فـي الـمدح أكمل فـي الثناء.

اسامة محمد خيري
13-12-2016, 05:26
فـالأغلب من معانـي هذا الكلام: إلا أن تـخافوا منهم مخافة. فـالتقـية التـي ذكرها الله فـي هذه الآية إنـما هي تقـية من الكفـار، لا من غيرهم، ووجهه قتادة إلـى أن تأويـله: إلا أن تتقوا الله من أجل القرابة التـي بـينكم وبينهم تقاة، فتصلون رحمها. ولـيس ذلك الغالب علـى معنى الكلام والتأويـل فـي القرآن علـى الأغلب الظاهر من معروف كلام العرب الـمستعمل فيهم.

وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـظ°ةً } فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار: { إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـظ°ةً } علـى تقدير فعلة مثل تـخمة وتؤدة وتكأة من اتقـيت، وقرأ ذلك آخرون: «إلاَّ أنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تَقِـيَّةً» علـى مثال فعيـلة.

والقراءة التـي هي القراءة عندنا، قراءة من قرأها: { إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـظ°ةً } لثبوت حجة ذلك بأنه القراءة الصحيحة، بـالنقل الـمستفـيض الذي يـمتنع منه الـخطأ.

اسامة محمد خيري
13-12-2016, 05:41
قال أبو جعفر: وأولـى القولـين بتأويـل الآية، قول مـحمد بن جعفر بن الزبـير، لأنه لـم يجز لغير وفد نـجران فـي هذه السورة، ولا قبل هذه الآية ذكر قوم ادّعوا أنهم يحبون الله، ولا أنهم يعظمونه، فـيكون قوله: { إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ظ±للَّهَ فَظ±تَّبِعُونِى } جوابـاً لقولهم علـى ما قاله الـحسن.

وأما ما روى الـحسن فـي ذلك مـما قد ذكرناه، فلا خبر به عندنا يصحّ، فـيجوز أن يقال: إن ذلك كذلك، وإن لـم يكن فـي السورة دلالة علـى أنه كما قال إلا أن يكون الـحسن أراد بـالقوم الذين ذكر أنهم قالوا ذلك علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نـجران من النصارى، فـيكون ذلك من قوله نظير إخبـارنا، فإذا لـم يكن بذلك خبر علـى ما قلنا، ولا فـي الآية دلـيـل علـى ما وصفنا، فأولـى الأمور بنا أن نلـحق تأويـله بـالذي علـيه الدلالة من آي السورة، وذلك هو ما وصفنا، لأن ما قبل هذه الآية من مبتدإ هذه السورة وما بعدها خبر عنهم، واحتـجاج من الله لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم، ودلـيـل علـى بطول قولهم فـي الـمسيح، فـالواجب أن تكون هي أيضا مصروفة الـمعنى إلـى نـحو ما قبلها، ومعنى ما بعدها.

فإذ كان الأمر علـى ما وصفنا، فتأويـل الآية: قل يا مـحمد للوفد من نصارى نـجران: إن كنتـم تزعمون أنكم تـحبون الله، وأنكم تعظمون الـمسيح وتقولون فـيه ما تقولون، حبـاً منكم ربكم، فحققوا قولكم الذي تقولونه، إن كنتـم صادقـين بـاتبـاعكم إياي، فإنكم تعلـمون أنـي لله رسول إلـيكم، كما كان عيسى رسولاً إلـى من أرسل إلـيه، فإنه إن اتبعتـمونـي وصدقتـمونـي علـى ما أتـيتكم به من عند الله، يغفر لكم ذنوبكم، فـيصفح لكم عن العقوبة علـيها ويعفو لكم عما مضى منها، فإنه غفور لذنوب عبـاده الـمؤمنـين رحيـم بهم وبغيرهم من خـلقه.

اسامة محمد خيري
13-12-2016, 05:52
واختلف القراء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة القراء: { وَضَعَتْ } خبراً من الله عزّ وجلّ عن نفسه أنه العالـم بـما وضعت من غير قـيـلها: { رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَا أُنثَىظ° }. وقرأ ذلك بعض الـمتقدمين: «وَاللَّهُ أعْلَـمُ بِـمَا وَضَعْتُ» علـى وجه الـخبر بذلك عن أمّ مريـم أنها هي القائلة، والله أعلـم بـما ولدتُ منـي.

وأولـى القراءتـين بـالصواب ما نقلته الـحجة مستفـيضة فـيها قراءته بـينها لا يتدافعون صحتها، وذلك قراءة من قرأ: { وَظ±للَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } ولا يعترض بـالشاذ عنها علـيها.

فتأويـل الكلام إذاً: والله أعلـم من كل خـلقه بـما وضعت. ثم رجع جلّ ذكره إلـى الـخبر عن قولها، وأنها قالت اعتذارا إلـى ربها مـما كانت نذرت فـي حملها فحرّرته لـخدمة ربها: { وَلَيْسَ ظ±لذَّكَرُ كَظ±لأُنثَىظ° } لأن الذكر أقوى علـى الـخدمة وأقوم بها، وأن الأنثى لا تصلـح فـي بعض الأحوال لدخول القدْس والقـيام بخدمة الكنـيسة لـما يعتريها من الـحيض والنفـاس { وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ }. كما:

حدثنـي ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: { فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أُنثَىظ° وَظ±للَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ظ±لذَّكَرُ كَظ±لأُنثَىظ° } أي لـما جعلتها له مـحرّرة نذيرة

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: أن امرأة عمران ظنت أن ما فـي بطنها غلام، فوهبته لله، فلـما وضعت إذا هي جارية، فقالت تعتذر إلـى الله: { رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَا أُنثَىظ° وَلَيْسَ ظ±لذَّكَرُ كَظ±لأُنثَىظ° } تقول: إنـما يحرّر الغلـمان. يقول الله: { وَظ±للَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } ، فقالت: { إِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ }.

اسامة محمد خيري
13-12-2016, 05:58
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا }.

اختلفت القراء فـي قراءة قوله: { وَكَفَّلَهَا } ، فقرأته عامة قراء أهل الـحجاز والـمدينة والبصرة: «وكَفَلَها» مخففة الفـاء بـمعنى: ضمها زكريا إلـيه، اعتبـاراً بقول الله عزّ وجلّ:
{ يُلْقُون أَقْلَـظ°مَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ }
[آل عمران: 44]. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفـيـين: { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } بـمعنى: وكفّلها الله زكريا.

وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك عندي قراءة من قرأ: { وَكَفَّلَهَا } مشددة الفـاء بـمعنى: وكفّلها الله زكريا، بـمعنى: وضمها الله إلـيه؛ لأن زكريا أيضاً ضمها إلـيه بإيجاب الله له ضمها إلـيه بـالقرعة التـي أخرجها الله له، والآية التـي أظهرها لـخصومه فـيها، فجعله بها أولـى منهم، إذ قرع فـيها من شاحّه فـيها. وذلك أنه بلغنا أن زكريا وخصومه فـي مريـم إذ تنازعوا فـيها أيهم تكون عنده، تساهموا بقداحهم فرموا بها فـي نهر الأردنّ، فقال بعض أهل العلـم: رتَب قِدْحُ زكريا، فقام فلـم يجر به الـماء وجرى بقداح الآخرين الـماء، فجعل الله ذلك لزكريا أنه أحقّ الـمتنازعين فـيها. وقال آخرون: بل صعد قدح زكريا فـي النهر، وانـحدرت قداح الآخرين مع جرية الـماء وذهبت، فكان ذلك له علـماً من الله فـي أنه أولـى القوم بها. وأيّ الأمرين كان من ذلك فلا شكّ أن ذلك كان قضاء من الله بها لزكريا علـى خصومه بأنه أولاهم بها، وإذا كان ذلك كذلك، فإنـما ضمها زكريا إلـى نفسه بضم الله إياها إلـيه بقضائه له بها علـى خصومه عند تشاحهم فـيها واختصامهم فـي أولاهم بها.

اسامة محمد خيري
13-12-2016, 06:26
وقوله: { بِكَلِمَةٍ مّنْهُ } يعنـي: برسالة من الله، وخبر من عنده، وهو من قول القائل: ألقـى فلان إلـيّ كلـمة سرّنـي بها، بـمعنى: أخبرنـي خبراً فرحت به، كما قال جلّ ثناؤه:
{ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَـظ°هَا إِلَىظ° مَرْيَمَ }
[النساء: 171] يعنـي بشرى الله مريـم بعيسى ألقاها إلـيها.

فتأويـل الكلام: وما كنت يا مـحمد عند القوم إذ قالت الـملائكة لـمريـم: يا مريـم إن الله يبشرك ببشرى من عنده، هي ولد لك، اسمه الـمسيح عيسى ابن مريـم.

وقد قال قوم، وهو قول قتادة: إن الكلـمة التـي قال الله عزّ وجلّ بكلـمة منه، هو قوله: «كن».

حدثنا بذلك الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: { بِكَلِمَةٍ مّنْهُ } قال: قوله: «كن».

فسماه الله عزّ وجلّ كلـمته، لأنه كان عن كلـمته، كما يقال لـما قدر الله من شيء: هذا قدر الله وقضاؤه، يعنـي به: هذا عن قدر الله وقضائه حدث، وكما قال جلّ ثناؤه: { وَكَانَ أَمْرُ ظ±للَّهِ مَفْعُولاً } يعنـي به: ما أمر الله به، وهو الـمأمور الذي كان عن أمر الله عزّ وجلّ.

وقال آخرون: بل هي اسم لعيسى سماه الله بها كما سمى سائر خـلقه بـما شاء من الأسماء. ورُوي عن ابن عبـاس رضي الله عنه أنه قال: الكلـمة: هي عيسى.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن إسرائيـل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس فـي قوله: { إِذْ قَالَتِ ظ±لْمَلَـئِكَةُ يظ°مَرْيَمُ إِنَّ ظ±للَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ } قال: عيسى هو الكلـمة من الله.

وأقرب الوجوه إلـى الصواب عندي القول الأول: وهو أن الـملائكة بشرت مريـم بعيسى عن الله عزّ وجلّ برسالته وكلـمته التـي أمرها أن تلقـيها إلـيها، أن الله خالق منها ولداً من غير بعل ولا فحل، ولذلك قال عزّ وجلّ: { ظ±سْمُهُ ظ±لْمَسِيحُ } فذكَّر، ولـم يقل اسمها فـيؤنث، والكلـمة مؤنثة، لأن الكلـمة غير مقصود بها قصد الاسم الذي هو بـمعنى فلان، وإنـما هي بـمعنى البشارة، فذكرت كنايتها، كما تذكر كناية الذرّية والدابة والألقاب، علـى ما قد بـيناه قبل فـيـما مضى.

فتأويـل ذلك كما قلنا آنفـا، من أن معنى ذلك: إن الله يبشركِ ببشرى، ثم بـين عن البشرى، أنها ولد اسمه الـمسيح.

اسامة محمد خيري
14-12-2016, 05:15
وقال آخرون: معنى ذلك: إذ قال الله يا عيسى، إنـي رافعك إلـيّ، ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفـيك بعد إنزالـي إياك إلـى الدنـيا. وقال: هذا من الـمقدّم الذي معناه التأخير، والـمؤخر الذي معناه التقديـم.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بـالصحة عندنا قول من قال: معنى ذلك: إنـي قابضك من الأرض ورافعك إلـيّ، لتواتر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَـمَ فَـيَقْتُلُ الدَّجَّالَ " ثُمَّ يَـمْكُثُ فِـي الأرْض مُدَّةً ذَكَرَها اختلفت الرواية فـي مبلغها، ثم يـموت، فـيصلـي علـيه الـمسلـمون ويدفنونه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن مسلـم الزهري، عن حنظلة بن علـيّ الأسلـميّ، عن أبـي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لَـيُهْبِطنَّ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَـمَ حَكَما عَدْلاً وَإِمَاما مُقْسِطا، يَكْسِرُ الصَّلِـيبَ، وَيَقْتُلُ الـخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الـجِزْيَةَ، وَيُفِـيضُ الـمالُ حتـى لا يَجِدَ مَنْ يَأْخُذُهُ، وَلَـيُسْلَكَنَّ الرَّوْحَاءَ حاجّاً أَوْ مُعْتَـمِرا، أَوْ يَدِينُ بِهِمَا جَمِيعا " .....

اسامة محمد خيري
14-12-2016, 06:02
قُلْ إِنَّ ظ±لْهُدَىظ° هُدَى ظ±للَّهِ } معترض به، وسائر الكلام متسق علـى سياق واحد. فـيكون تأويـله حينئذ: ولا تؤمنوا إلا لـمن اتبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتـى أحد مثل ما أوتـيتـم، بـمعنى: لا يؤتـى أحد بـمثل ما أوتـيتـم، { أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ } بـمعنى: أو أن يحاجكم عند ربكم أحد بإيـمانكم، لأنكم أكرم علـى الله منهم بـما فضلكم به علـيهم. فـيكون الكلام كله خبراً عن قول الطائفة التـي قال الله عزّ وجلّ
{ وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ ءامِنُواْ بِظ±لَّذِي أُنزِلَ عَلَى ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ وَجْهَ ظ±لنَّهَارِ }
[آل عمران: 72] سوى قوله: { قُلْ إِنَّ ظ±لْهُدَىظ° هُدَى ظ±للَّهِ } ثم يكون الكلام مبتدأ بتكذيبهم فـي قولهم: قل يا مـحمد للقائلـين ما قالوا من الطائفة التـي وصفت لك قولها لتبّـاعها من الـيهود { إِنَّ ظ±لْهُدَىظ° هُدَى ظ±للَّهِ } إن التوفـيق توفـيق الله، والبـيان بـيانه، وإن الفضل بـيده يؤتـيه من يشاء، لا ما تـمنـيتـموه أنتـم يا معشر الـيهود. وإنـما اخترنا ذلك من سائر الأقوال التـي ذكرناها، لأنه أصحها معنى، وأحسنها استقامة علـى معنى كلام العرب، وأشدّها اتساقاً علـى نظم الكلام وسياقه، وما عدا ذلك من القول، فـانتزاع يبعد من الصحة علـى استكراه شديد الكلام.

اسامة محمد خيري
14-12-2016, 06:37
وقال آخرون: معنى ذلك: إلا ما دمت علـيه قائماً علـى رأسه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: { إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } يقول: يعترف بأمانته ما دمت قائماً علـى رأسه، فإذا قمت ثم جئت تطلبه كافَرَك الذي يؤدي، والذي يجحد.

وأولـى القولـين بتأويـل الآية قول من قال: معنى ذلك: إلا ما دمت علـيه قائماً بـالـمطالبة والاقتضاء، من قولهم: قام فلان بحقـي علـى فلان حتـى استـخرجه لـي، أي عمل فـي تـخـلـيصه، وسعى فـي استـخراجه منه حتـى استـخرجه، لأن الله عزّ وجلّ إنـما وصفهم بـاستـحلالهم أموال الأميـين، وأن منهم من لا يقضي ما علـيه إلا بـالاقتضاء الشديد والـمطالبة، ولـيس القـيام علـى رأس الذي علـيه الدين، بـموجب له النقلة عما هو علـيه من استـحلال ما هو له مستـحلّ، ولكن قد يكون ـ مع استـحلاله الذهاب بـما علـيه لربّ الـحق ـ إلـى استـخراجه السبـيـلُ بـالاقتضاء والـمـحاكمة والـمخاصمة، فذلك الاقتضاء: هو قـيام ربّ الـمال بـاستـخراج حقه مـمن هو علـيه.

اسامة محمد خيري
14-12-2016, 06:51
وقال آخرون: بل هم ولاة الناس وقادتهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول فـي قوله: { كُونُواْ رَبَّـظ°نِيِّينَ } قال: الربـانـيون: الذين يربون الناس ولاة هذا الأمر، يربونهم: يـلونهم. وقرأ: { لَوْلاَ يَنْهَـظ°هُمُ ظ±لرَّبَّـظ°نِيُّونَ وَظ±لأحْبَارُ } قال: الربـانـيون: الولاة، والأحبـار: العلـماء.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال عندي بـالصواب فـي الربـانـيـين أنهم جمع ربـانـيّ، وأن الربـانـيّ الـمنسوب إلـى الرَّبَّـان: الذي يربُّ الناس، وهو الذي يصلـح أمورهم ويربها، ويقوم بها، ومنه قول علقمة بن عبدة:
وكنتَ امْرأً أفْضَتْ إِلَـيْكَ رِبَـابَتِـي وَقَبْلَكَ رَبَّتْنِـي فَضِعْتُ رُبُوبُ
يعنـي بقوله: «ربّتنـي»: ولـي أمري والقـيام به قبلك من يربه ويصلـحه، فلـم يصلـحوه، ولكنهم أضاعونـي فضعت، يقال منه: ربّ أمري فلان فهو بربُّه رَبًّـا وهو رابُّه، فإذا أريد به الـمبـالغة فـي مدحه قـيـل: هو رَبَّـان، كما يقال: هو نعسان، من قولهم: نَعَس ينعُس، وأكثر ما يجيء من الأسماء علـى فعلان ما كان من الأفعال الـماضية علـى فَعِل مثل قولهم: هو سكران وعطشان وريان، من سَكِرَ يَسْكَر، وعَطِش يَعطش، ورَوِي يَرْوَى، وقد يجيء مـما كان ماضيه علـى فَعَل يَفْعُل، نـحو ما قلنا من نَعَسَ يَنْعُس، ورَبَّ يَرُبُّ.

فإذا كان الأمر فـي ذلك علـى ما وصفنا، وكان الربـان ما ذكرنا، والربـانـي: هو الـمنسوب إلـى من كان بـالصفة التـي وصفت، وكان العالـم بـالفقه والـحكمة من الـمصلـحين، يربّ أمور الناس بتعلـيـمه إياهم الـخير، ودعائهم إلـى ما فـيه مصلـحتهم، وكان كذلك الـحكيـم التقـيّ لله، والولـي الذي يـلـي أمور الناس علـى الـمنهاج الذي ولـيه الـمقسطون من الـمصلـحين أمور الـخـلق بـالقـيام فـيهم، بـما فـيه صلاح عاجلهم وآجلهم، وعائدة النفع علـيهم فـي دينهم ودنـياهم؛ كانوا جميعاً مستـحقـين أنهم مـمن دخـل فـي قوله عزّ وجلّ { وَلَـظ°كِن كُونُواْ رَبَّـظ°نِيّينَ }. فـالربـانـيون إذاً، هم عماد الناس فـي الفقه والعلـم وأمور الدين والدنـيا، ولذلك قال مـجاهد: «وهم فوق الأحبـار»، لأن الأحبـار هم العلـماء. والربـانـي: الـجامع إلـى العلـم والفقه، البصرَ بـالسياسة والتدبـير، والقـيام بأمور الرعية، وما يصلـحهم فـي دنـياهم ودينهم....

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ ظ±لْكِتَـظ°بَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ }.

اختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأه عامة قراء أهل الـحجاز وبعض البصريـين: «بِـمَا كُنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ» بفتـح التاء وتـخفـيف اللام، يعنـي: بعلـمكم الكتاب، ودراستكم إياه وقراءتكم. واعتلّوا لاختـيارهم قراءة ذلك كذلك، بأن الصواب لو كان التشديد فـي اللام وضمّ التاء، لكان الصواب فـي «تدرسون» بضم التاء وتشديد الراء. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفـيـين: { بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ ظ±لْكِتَـظ°بَ } بضم التاء من تعلِّـمون وتشديد اللام، بـمعنى: بتعلـيـمكم الناس الكتاب، ودراستكم إياه. واعتلّوا لاختـيارهم ذلك بأن من وصفهم بـالتعلـيـم فقد وصفهم بـالعلـم، إذ لا يعلِّـمون إلا بعد علـمهم بـما يعلـمون.

قالوا: ولا موصوف بأنه يعلـم، إلا وهو موصوف بأنه عالـم. قالوا: فأما الـموصوف بأنه عالـم، فغير موصوف بأنه معلـم غيره. قالوا: فأولـى القراءتـين بـالصواب، أبلغهما فـي مدح القوم، وذلك وصفهم بأنهم كانوا يعلِّـمون الناس الكتاب. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يحيـى بن آدم، عن ابن عيـينة، عن حميد الأعرج، عن مـجاهد أنه قرأ: «بِـمَا كُنْتُم تَعْلَـمُونَ الكِتابَ وَبِـمَا كُنْتُـمْ تَدْرُسُونَ» مخففة بنصب التاء. وقال ابن عيـينة: ما عَلَّـموه حتـى عَلِـموه.

وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك قراءة من قرأه بضم التاء وتشديد اللام، لأن الله عزّ وجلّ وصف القوم بأنهم أهل عماد للناس فـي دينهم ودنـياهم، وأهل إصلاح لهم ولأمورهم وتربـية، يقول جلّ ثناؤه: { وَلَـظ°كِن كُونُواْ رَبَّـظ°نِيّينَ } علـى ما بـينا قبل من معنى الربـانـي. ثم أخبر تعالـى ذكره عنهم أنهم صاروا أهل إصلاح للناس، وتربـية لهم بتعلـيـمهم إياهم كتاب ربهم. ودراستهم إياه: تلاوته، وقد قـيـل: دراستهم الفقه.

وأشبه التأويـلـين بـالدراسة ما قلنا من تلاوة الكتاب، لأنه عطف علـى قوله: { تُعَلّمُونَ ظ±لْكِتَـظ°بَ } ، والكتاب: هو القرآن، فلأن تكون الدراسة معنـياً بها دراسة القرآن أولـى من أن تكون معنـياً بها دراسة الفقه الذي لـم يجر له ذكر. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: قال يحيـى بن آدم: قال أبو زكريا: كان عاصم يقرؤها: { بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ ظ±لْكِتَـظ°بَ } قال: القرآن، { وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ } قال: الفقه.

فمعنى الآية: ولكن يقول لهم: كونوا أيها الناس سادة الناس وقادتهم فـي أمر دينهم ودنـياهم، ربـانـيـين بتعلـيـمكم إياهم كتاب الله، وما فـيه من حلال وحرام، وفرض وندب، وسائر ما حواه من معانـي أمور دينهم، وبتلاوتكم إياه ودراستكموه.

اسامة محمد خيري
14-12-2016, 07:04
اختلفت القراء في قراءة قوله: { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ } ، فقرأته عامة قراء الحجاز والمدينة: «وَلاَ يَأْمُرُكُمْ» على وجه الابتداء من الله بالخبر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ لاَ يَأْمُرُكُمْ أيُّها النَّاسُ أنْ تَتَّـخِذُوا الـمَلائِكَةَ وَالنَّبِـيِّـينَ أرْبـابـاً. واستشهد قارئو ذلك كذلك بقراءة ذكروها عن ابن مسعود أنه كان يقرؤها وهي: «ولن يأمركم» فـاستدلوا بدخول لن علـى انقطاع الكلام عما قبله، وابتداء خبر مستأنف. قالوا: فلـما صير مكان «لن» فـي قراءتنا «لا» وجبت قراءته بـالرفع. وقرأه بعض الكوفـيـين والبصريـين: { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ } بنصب الراء عطفـاً علـى قوله: { ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ }. وكان تأويـله عندهم: ما كان لبشر أن يؤتـيه الله الكتاب، ثم يقول للناس ولا أن يأمركم، بـمعنى: ولا كان له أن يأمركم أن تتـخذوا الـملائكة والنبـيـين أربـابـاً.

وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك: { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ } بـالنصب علـى الاتصال بـالذي قبله، بتأوّل: { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ظ±للَّهُ ظ±لْكِتَـظ°بَ وَظ±لْحُكْمَ وَظ±لنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ ظ±للَّهِ } ولا أن يأمركم أن تتـخذوا الـملائكة والنبـيـين أربـابـاً. لأن الآية نزلت فـي سبب القوم الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريد أن نعبدك؟ فأخبرهم الله جلّ ثناؤه أنه لـيس لنبـيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناس إلـى عبـادة نفسه، ولا إلـى اتـخاذ الـملائكة والنبـيـين أربـابـاً، ولكن الذي له أن يدعوهم إلـى أن يكونوا ربـانـيـين. فأما الذي ادّعى من قرأ ذلك رفعاً أنه فـي قراءة عبد الله: «ولن يأمركم» استشهاداً لصحة قراءته بـالرفع، فذلك خبر غير صحيح سنده، وإنـما هو خبر رواه حجاج عن هارون لا يجوز أن ذلك فـي قراءة عبد الله كذلك. ولو كان ذلك خبراً صحيحاً سنده، لـم يكن فـيه لـمـحتـجّ حجة، لأن ما كان علـى صحته من القراءة من الكتاب الذي جاء به الـمسلـمون وراثة عن نبـيهم صلى الله عليه وسلم لا يجوز تركه لتأويـل علـى قراءة أضيفت إلـى بعض الصحابة بنقل من يجوز فـي نقله الـخطأ والسهو.

فتأويـل الآية إذاً: وما كان للنبـيّ أن يأمر الناس أن يتـخذوا الـملائكة والنبـيـين أربـابـاً، يعنـي بذلك آلهة يعبدون من دون الله، كما لـيس له أن يقول لهم كونوا عبـاداً لـي من دون الله. ثم قال جلّ ثناؤه نافـياً عن نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر عبـاده بذلك: أيأمركم بـالكفر أيها الناس نبـيكم بجحود وحدانـية الله بعد إذ أنتـم مسلـمون، يعنـي بعد إذ أنتـم له منقادون بـالطاعة متذللون له بـالعبودية، أي إن ذلك غير كائن منه أبداً. وقد:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: ولا يأمركم النبـيّ صلى الله عليه وسلم أن تتـخذوا الـملائكة والنبـيـين أربـابـاً.

اسامة محمد خيري
14-12-2016, 07:11
لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كِتَـظ°بٍ وَحِكْمَةٍ } اختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الـحجاز والعراق؛ { لَمَا ءاتَيْتُكُم } بفتـح اللام من «لـما»، إلا أنهم اختلفوا فـي قراءة آتـيتكم، فقرأه بعضهم { ءاتَيْتُكُم } علـى التوحيد، وقرأه آخرون: «آتـيناكم»، علـى الـجمع.

ثم اختلف أهل العربـية إذا قرىء ذلك كذلك، فقال بعض نـحويـي البصرة: اللام التـي مع «ما» فـي أوّل الكلام لام الابتداء، نـحو قول القائل: لزيد أفضل منك، لأن «ما» اسم، والذي بعدها صلة لها، واللام التـي فـي: { لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ } لام القسم، كأنه قال: والله لتؤمننّ به، يؤكد فـي أول الكلام وفـي آخره، كما يقال: أما والله أن لو جئتنـي لكان كذا وكذا، وقد يستغنى عنها فـيؤكد فـي لتؤمننّ به بـاللام فـي آخر الكلام، وقد يستغنى عنها، ويجعل خبر «ما آتـيتكم من كتاب وحكمة»، «لتؤمننّ به»، مثل: «لعبدالله والله لا آتـينه»، قال: وإن شئت جعلت خبر «ما» «من كتاب» يريد: لـما آتـيتكم كتابٌ وحكمة، وتكون «من» زائدة. وخطّأ بعض نـحويـي الكوفـيـين ذلك كله، وقال: اللام التـي تدخـل فـي أوائل الـجزاء لا تـجاب بـما ولا «لا» فلا يقال لـمن قام: لا تتبعه، ولا لـمن قام: ما أحسن، فإذا وقع فـي جوابها «ما» و«لا» علـم أن اللام لـيست بتوكيد للأولـى، لأنه يوضع موضعها «ما» و«لا»، فتكون كالأولـى، وهي جواب للأولـى. قال: وأما قوله: { لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كِتَـظ°بٍ وَحِكْمَةٍ } بـمعنى إسقاط «من» غلط، لأن «من» التـي تدخـل وتـخرج لا تقع مواقع الأسماء، قال: ولا تقع فـي الـخبر أيضاً، إنـما تقع فـي الـجحد والاستفهام والـجزاء.

وأولـى الأقوال فـي تأويـل هذه الآية علـى قراءة من قرأ ذلك بفتـح اللام بـالصواب أن يكون قوله: { لَمَا } بـمعنى: لـمهما، وأن تكون «ما» حرف جزاء أدخـلت علـيها اللام، وصير الفعل معها علـى فَعَل، ثم أجيبت بـما تـجاب به الأيـمان، فصارت اللام الأولـى يـميناً إذ تلقـيت بجواب الـيـمين.....

وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأ: { وَإِذْ أَخَذَ ظ±للَّهُ مِيثَـظ°قَ ظ±لنَّبِيّيْنَ لَمَا ءاتَيْتُكُم } بفتـح اللام، لأن الله عز وجلّ أخذ ميثاق جميع الأنبـياء بتصديق كل رسول له ابتعثه إلـى خـلقه فـيـما ابتعثه به إلـيهم، كان مـمن آتاه كتابـاً، أو من لـم يؤته كتابـاً. وذلك أنه غير جائز وصف أحد من أنبـياء الله عزّ وجلّ ورسله، بأنه كان مـمن أبـيح له التكذيب بأحد من رسله. فإذا كان ذلك كذلك، وكان معلوماً أن منهم من أنزل علـيه الكتاب، وأن منهم من لـم ينزل علـيه الكتاب، كان بـيِّناً أن قراءة من قرأ ذلك: «لِـمَا آتَـيْتُكُمْ» بكسر اللام، بـمعنى: من أجل الذي آتـيتكم من كتاب، لا وجه له مفهوم إلا علـى تأويـل بعيد، وانتزاع عميق....

وأولـى هذه الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معنى ذلك: الـخبر عن أخذ الله الـميثاق من أنبـيائه بتصديق بعضهم بعضاً، وأخذ الأنبـياء علـى أمـمها، وتبـاعها الـميثاق بنـحو الذي أخذ علـيها ربها، من تصديق أنبـياء الله ورسله بـما جاءتها به، لأن الأنبـياء علـيهم السلام بذلك أرسلت إلـى أمـمها، ولـم يدَّع أحد مـمن صدق الـمرسلـين أن نبـياً أرسل إلـى أمة بتكذيب أحد من أنبـياء الله عزّ وجلّ، وحججه فـي عبـاده، بل كلها، وإن كذّب بعض الأمـم بعض أنبـياء الله بجحودها نبوّته، مقرّ بأن من ثبتت صحة نبوّته، فعلـيها الدينونة بتصديقه فذلك ميثاق مقرّ به جميعهم. ولا معنى لقول من زعم أن الـميثاق إنـما أخذ علـى الأمـم دون الأنبـياء، لأن الله عزّ وجلّ، قد أخبر أنه أخذ ذلك من النبـيـين، فسواء قال قائل: لـم يأخذ ذلك منها ربها، أو قال: لـم يأمرها ببلاغ ما أرسلت، وقد نصّ الله عزّ وجلّ أنه أمرها بتبلـيغه، لأنهما جميعاً خبران من الله عنها، أحدهما أنه أخذ منها، والآخر منهما أنه أمرها، فإن جاز الشكّ فـي أحدهما جاز فـي الآخر. وأما ما استشهد به الربـيع بن أنس علـى أن الـمعنـيّ بذلك أهل الكتاب من قوله: { لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ } فإن ذلك غير شاهد علـى صحة ما قال، لأن الأنبـياء قد أمر بعضها بتصديق بعض، وتصديق بعضها بعضاً، نصرة من بعضها بعضاً....

وأولـى الأقوال بـالصواب عندنا فـي تأويـل هذه الآية: أن جميع ذلك خبر من الله عزّ وجلّ عن أنبـيائه أنه أخذ ميثاقهم به، وألزمهم دعاء أمـمهم إلـيه والإقرار به، لأن ابتداء الآية خبر من الله عزّ وجلّ عن أنبـيائه أنه أخذ ميثاقهم، ثم وصف الذي أخذ به ميثاقهم، فقال: هو كذا وهو كذا.

وإنـما قلنا إن ما أخبر الله أنه أخذ به مواثـيق أنبـيائه من ذلك، قد أخذت الأنبـياء مواثـيق أمـمها به، لأنها أرسلت لتدعو عبـاد الله إلـى الدينونة، بـما أمرت بـالدينونة به فـي أنفسها من تصديق رسل الله علـى ما قدمنا البـيان قبل. فتأويـل الآية: واذكروا يا معشر أهل الكتاب إذ أخذ الله ميثاق النبـيـين لـمهما آتـيتكم أيها النبـيون من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول من عندي مصدّق لـما معكم لتؤمننّ به، يقول: لتصدقنه ولتنصرنه. وقد قال السديّ فـي ذلك بـما:

حدثنا به مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ قوله: { لَمَا ءاتَيْتُكُم } يقول للـيهود: أخذت ميثاق النبـيـين بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي ذكر فـي الكتاب عندكم.

فتأويـل ذلك علـى قول السديّ الذي ذكرناه: واذكروا يا معشر أهل الكتاب، إذ أخذ الله ميثاق النبـيـين لـما آتـيتكم أيها الـيهود من كتاب وحكمة. وهذا الذي قاله السديّ كان تأويلاً لا وجه غيره لو كان التنزيـل «بـما آتـيتكم»، ولكن التنزيـل بـاللام لـما آتـيتكم، وغير جائز فـي لغة أحد من العرب أن يقال: أخذ الله ميثاق النبـيـين لـما آتـيتكم، بـمعنى: بـما آتـيتكم....

اسامة محمد خيري
15-12-2016, 05:15
حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـظ°نِهِمْ ثُمَّ ظ±زْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ظ±لضَّالُّونَ } أما ازدادوا كفراً: فماتوا وهم كفـار، وأما لن تقبل توبتهم: فعند موته إذا تاب لـم تقبل توبته.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بـالصواب فـي تأويـل هذه الآية قول من قال: عنى بها الـيهودَ، وأن يكون تأويـله: إن الذين كفروا من الـيهود بـمـحمد صلى الله عليه وسلم عند مبعثه بعد إيـمانهم به قبل مبعثه، ثم ازدادوا كفراً بـما أصابوا من الذنوب فـي كفرهم ومقامهم علـى ضلالتهم، لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التـي أصابوها فـي كفرهم، حتـى يتوبوا من كفرهم بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، ويراجعوا التوبة منه بتصديق ما جاء به من عند الله.

وإنـما قلنا ذلك أولـى الأقوال فـي هذه الآية بـالصواب، لأن الآيات قبلها وبعدها فـيهم نزلت، فأولـى أن تكون هي فـي معنى ما قبلها وبعدها إذ كانت فـي سياق واحد. وإنـما قلنا: معنى ازديادهم الكفر ما أصابوا فـي كفرهم من الـمعاصي، لأنه جلّ ثناؤه قال: { لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } فكان معلوماً أن معنى قوله: { لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } إنـما هو معنـيّ به: لن تقبل توبتهم مـما ازدادوا من الكفر علـى كفرهم بعد إيـمانهم، لا من كفرهم، لأن الله تعالـى ذكره وعد أن يقبل التوبة من عبـاده، فقال:

{ وَهُوَ ظ±لَّذِى يَقْبَلُ ظ±لتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ }
[الشورى: 25] فمـحال أن يقول عزّ وجلّ أقبل، ولا أقبل فـي شيء واحد. وإذ كان ذلك كذلك، وكان من حكم الله فـي عبـاده أنه قابل توبة كل تائب من كل ذنب، وكان الكفر بعد الإيـمان أحد تلك الذنوب التـي وعد قبول التوبة منها بقوله: { إِلاَّ ظ±لَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ظ±للَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } علـم أن الـمعنى الذي لا تقبل التوبة منه، غير الـمعنى الذي تقبل التوبة منه. وإذ كان ذلك كذلك، فـالذي لا تقبل منه التوبة هو الازدياد علـى الكفر بعد الكفر، لا يقبل الله توبة صاحبه ما أقام علـى كفره، لأن الله لا يقبل من مشرك عملاً ما أقام علـى شركه وضلاله، فأما إن تاب من شركه وكفره وأصلـح، فإن الله كما وصف به نفسه، غفور رحيـم.

فإن قال قائل: وما ينكر أن يكون معنى ذلك، كما قال من قال: فلن تقبل توبتهم من كفرهم عند حضور أجله، أو توبته الأولـى؟ قـيـل: أنكرنا ذلك لأن التوبة من العبد غير كائنة إلا فـي حال حياته، فأما بعد مـماته فلا توبة، وقد وعد الله عزّ وجلّ عبـاده قبول التوبة منهم ما دامت أرواحهم فـي أجسادهم، ولا خلاف بـين جميع الـحجة فـي أن كافراً لو أسلـم قبل خروج نفسه بطرفة عين أن حكمه حكم الـمسلـمين فـي الصلاة علـيه والـموارثة، وسائر الأحكام غيرها، فكان معلوماً بذلك أن توبته فـي تلك الـحال لو كانت غير مقبولة، لـم ينتقل حكمه من حكم الكفـار إلـى حكم أهل الإسلام، ولا منزلة بـين الـموت والـحياة يجوز أن يقال لا يقبل الله فـيها توبة الكافر، فإذا صحّ أنها فـي حال حياته مقبولة، ولا سبـيـل بعد الـمـمات إلـيها، بطل قول الذي زعم أنها غير مقبولة عند حضور الأجل.

وأما قول من زعم أن معنى ذلك التوبة التـي كانت قبل الكفر فقول لا معنى له، لأن الله عزّ وجلّ لـم يوصف القوم بإيـمان كان منهم بعد كفر، ثم كفر بعد إيـمان، بل إنـما وصفهم بكفر بعد إيـمان، فلـم يتقدم ذلك الإيـمان كفر كان للإيـمان لهم توبة منه، فـيكون تأويـل ذلك علـى ما تأوله قائل ذلك، وتأويـل القرآن علـى ما كان موجوداً فـي ظاهر التلاوة إذا لـم تكن حجة تدلّ علـى بـاطن خاصّ أولـى من غيره وإن أمكن توجيهه إلـى غيره.

اسامة محمد خيري
15-12-2016, 05:32
{ كُلُّ ظ±لطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيغ¤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىظ° نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ظ±لتَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِظ±لتَّوْرَاةِ فَظ±تْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: أنه لـم يكن حرّم على بني إسرائيل ـ وهم ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيـم خـلـيـل الرحمن ـ شيئاً من الأطعمة من قبل أن تنزل التوراة، بل كان ذلك كله لهم حلالاً، إلا ما كان يعقوب حرّمه علـى نفسه، فإن ولده حرّموه استناناً بأبـيهم يعقوب، من غير تـحريـم الله ذلك علـيهم فـي وحي ولا تنزيـل ولا علـى لسان رسول له إلـيهم من قبل نزول التوراة.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي تـحريـم ذلك علـيهم، هل نزل فـي التوراة أم لا؟ فقال بعضهم: لـما أنزل الله عزّ وجلّ التوراة، حرّم علـيهم من ذلك ما كانوا يحرّمونه قبل نزولها. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ قوله: { كُلُّ ظ±لطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرظ°ءيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرظ°ءيلُ عَلَىظ° نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ظ±لتَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بظ±لتَّوْرَظ°ةِ فَظ±تْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَظ°دِقِيِنَ } قالت الـيهود: إنـما نـحرّم ما حرّم إسرائيـل علـى نفسه، وإنـما حرّم إسرائيـل العروق، كان يأخذه عرق النَّسا، كان يأخذه بـاللـيـل ويتركه بـالنهار، فحلف لئن الله عافـاه منه لا يأكل عِرْقاً أبداً، فحرّمه الله علـيهم ثم قال: { قُلْ فَأْتُواْ بِظ±لتَّوْرَظ°ةِ فَظ±تْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَـظ°دِقِينَ }: ما حرّم هذا علـيكم غيري ببغيكم، فذلك قوله:
{ فَبِظُلْمٍ مّنَ ظ±لَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـظ°تٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ }
[النساء: 160].

فتأويـل الآية علـى هذا القول: كل الطعام كان حلاًّ لبنـي إسرائيـل، إلا ما حرّم إسرائيـل علـى نفسه من قبل أن تنزل التوراة، فإن الله حرّم علـيهم من ذلك ما كان إسرائيـل حرّمه علـى نفسه فـي التوراة، ببغيهم علـى أنفسهم، وظلـمهم لها. قل يا مـحمد: فأتوا أيها الـيهود إن أنكرتـم ذلك بـالتوراة، فـاتلوها إن كنتـم صادقـين أن الله لـم يحرم ذلك علـيكم فـي التوارة، وأنكم إنـما تـحرّمونه لتـحريـم إسرائيـل إياه علـى نفسه.

وقال آخرون: ما كان شيء من ذلك علـيهم حراماً، ولا حرّمه الله علـيهم فـي التوراة، وإنـما هو شيء حرّموه علـى أنفسهم اتبـاعاً لأبـيهم، ثم أضافوا تـحريـمه إلـى الله. فكذبهم الله عز وجل فـي إضافتهم ذلك إلـيه، فقال الله عزّ وجلّ لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا مـحمد: إن كنتـم صادقـين، فأتوا بـالتوراة فـاتلوها، حتـى ننظر هل ذلك فـيها، أم لا؟ لـيتبـين كذبهم لـمن يجهل أمرهم. ذكر من قال ذلك:

حدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: { إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرظ°ءِيلَ عَلَىظ° نَفْسِهِ } إسرائيـل: هو يعقوب، أخذه عرق النسا، فكان لا يثبت اللـيـل من وجعه، وكان لا يؤذيه بـالنهار.

فحلف لئن شفـاه الله لا يأكل عِرْقا أبداً، وذلك قبل نزول التوراة علـى موسى. فسأل نبـي الله صلى الله عليه وسلم الـيهود ما هذا الذي حرّم إسرائيـل علـى نفسه؟ فقالوا: نزلت التوراة بتـحريـم الذي حرّم إسرائيـل فقال الله لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: { قُلْ فَأْتُواْ بِظ±لتَّوْرَاةِ فَظ±تْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَـظ°دِقِينَ }... إلـى قوله:
{ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ظ±لظَّـظ°لِمُونَ }
[آل عمران: 94] وكذبوا وافتروا، لـم تنزل التوراة بذلك.

وتأويـل الآية علـى هذا القول: كل الطعام كان حِلاًّ لبنـي إسرائيـل من قبل أن تنزل التوراة وبعد نزولها، إلا ما حرّم إسرائيـل علـى نفسه من قبل أن تنزل التوراة، بـمعنى: لكن إسرائيـل حرّم علـى نفسه من قبل أن تنزل التوراة بعض ذلك. وكأن الضحاك وجه قوله: { إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرظ°ءيلُ عَلَىظ° نَفْسِهِ } إلـى الاستثناء الذي يُسمّيه النـحويون: الاستثناء الـمنقطع.

وقال آخرون تأويـل ذلك: كل الطعام كان حِلاًّ لبنـي إسرائيـل، إلا ما حرّم إسرائيـل علـى نفسه من قبل أن تنزل التوراة، فإن ذلك حرام علـى ولده بتـحريـم إسرائيـل إياه علـى ولده، من غير أن يكون الله حرّمه علـى إسرائيـل ولا علـى ولده. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: { كُلُّ ظ±لطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرظ°ءيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرظ°ءيلُ عَلَىظ° نَفْسِهِ } فإنه حرّم علـى نفسه العروق، وذلك أنه كان يشتكي عرق النسا، فكان لا ينام اللـيـل، فقال: والله لئن عافـانـي الله منه لا يأكله لـي ولد‍! ولـيس مكتوباً فـي التوراة. وسأل مـحمد صلى الله عليه وسلم نفراً من أهل الكتاب، فقال «ما شأن هذا حراما؟» فقالوا: هو حرام علـينا من قبل الكتاب. فقال الله عز وجل: { كُلُّ ظ±لطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرظ°ءيلَ }... إلـى: { إِن كُنتُمْ صَـظ°دِقِينَ }.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عبـاس: أخذه ـ يعنـي إسرائيـل ـ عِرْقُ النَّسَا، فكان لا يثبت بـاللـيـل من شدّة الوجع، وكان لا يؤذيه بـالنهار، فحلف لئن شفـاه الله لا يأكل عِرْقاً أبداً، وذلك قبل أن تنزل التوارة، فقال الـيهود للنبـي صلى الله عليه وسلم: نزلت التوراة بتـحريـم الذي حرّم إسرائيـل علـى نفسه. قال الله لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: { قُلْ فَأْتُواْ بِظ±لتَّوْرَاةِ فَظ±تْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَـظ°دِقِينَ } وكذبوا، لـيس فـي التوراة.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب، قول من قال: معنى ذلك: كل الطعام كان حلاًّ لبنـي إسرائيـل من قبل أن تنزل التوارة، إلا ما حرّم إسرائيـل علـى نفسه من غير تـحريـم الله ذلك علـيه، فإن كان حراماً علـيهم بتـحريـم أبـيهم إسرائيـل ذلك علـيهم، من غير أن يحرّمه الله علـيهم فـي تنزيـل ولا بوحي قبل التوراة، حتـى نزلت التوراة، فحرم الله علـيهم فـيها ما شاء، وأحلّ لهم فـيها ما أحبّ.

...

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيـل، عن جابر، عن مـجاهد فـي قوله: { إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرظ°ءيلُ عَلَىظ° نَفْسِهِ } قال: حرّم لـحوم الأنعام.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بـالصواب، قول ابن عبـاس الذي رواه الأعمش، عن حبـيب، عن سعيد، عنه، أن ذلك العروق ولـحوم الإبل، لأن الـيهود مـجمعة إلـى الـيوم علـى ذلك من تـحريمهما، كما كان علـيه من ذلك أوائلها وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنـحو ذلك خبر، وهو ما:

حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن عبد الـحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن ابن عبـاس: أن عصابة من الـيهود حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبـا القاسم أخبرنا أيّ الطعام حرّم إسرائيـل علـى نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنْشُدُكُمْ بـالَّذي أنْزَلَ التَّوْرَاةَ علـى مُوسَى هَلْ تَعْلَـمُونَ أنَّ إسْرَائِيـلَ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضاً شَدِيداً، فَطالَ سَقَمُهُ مِنْهُ، فَنَذَرَ للَّهِ نَذْراً لَئِنْ عافـاهُ اللَّهُ مِنْ سَقَمِهِ لَـيُحَرّمَنَّ أحبَّ الطَّعامِ وَالشَّرابِ إلَـيْهِ، وكانَ أحَبَّ الطَّعامِ إلَـيْهِ لـحْمَانُ الإبِلِ، وأحَبُّ الشَّرَابِ إلَـيْهِ ألْبـانُها؟ " فقالوا: اللهم نعم.

اسامة محمد خيري
15-12-2016, 05:50
والصواب من القول فـي ذلك: ما قال جلّ ثناؤه فـيه: إن أوّل بـيت مبـارك وهدى وضع للناس، للذي ببكة. ومعنى ذلك: إن أوّل بـيت وضع للناس: أي لعبـادة الله فـيه مبـاركاً وهدى، يعنـي: بذلك ومآباً لنسك الناسكين وطواف الطائفـين، تعظيـماً لله وإجلالاً له؛ للَّذي ببكة؛ لصحة الـخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ما:

حدثنا به مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن شعبة، عن سلـيـمان، عن إبراهيـم التـيـمي، عن أبـيه، عن أبـي ذر، قال: قلت يا رسول الله، أيّ مسجد وضع أوّل؟ قال: " «الـمَسْجدُ الـحَرامُ» قال: ثم أيّ؟ قال: «الـمَسْجدُ الأقْصَى» قال: كم بـينهما؟ قال: «أرْبَعُونَ سَنَةٌ» "

فقد بـين هذا الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الـمسجد الـحرام هو أوّل مسجد وضعه الله فـي الأرض علـى ما قلنا، فأما فـي وضعه بـيتاً بغير معنى بـيت للعبـادة والهدى والبركة، ففـيه من الاختلاف ما قد ذكرت بعضه فـي هذا الموضع وبعض في سورة البقرة وغيرها من سور القرآن وبينت الصواب من القول عندنا في ذلك بما أغنى عن إعادته فـي هذا الموضع.....

اسامة محمد خيري
15-12-2016, 06:04
حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: أما قوله: { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً }: فلو أن رجلاً قتل رجلاً، ثم أتـى الكعبة فعاذ بها، ثم لقـيه أخو الـمقتول لـم يحلّ له أبداً أن يقتله.

وقال آخرون: معنى ذلك: ومن دخـله يكن آمناً من النار. ذكر من قال ذلك:

حدثنا علـيّ بن مسلـم، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا رزيق بن مسلـم الـمخزومي، قال: ثنا زياد ابن أبـي عياض، عن يحيـى بن جعدة، فـي قوله: { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً } قال: آمناً من النار.

وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب، قول ابن الزبـير ومـجاهد والـحسن، ومن قال معنى ذلك: ومن دخـله من غيره مـمن لـجأ إلـيه عائذاً به كان آمناً ما كان فـيه، ولكنه يخرج منه فـيقام عليه الـحدّ إن كان أصاب ما يستوجبه فـي غيره ثم لـجأ إلـيه، وإن كان أصابه فـيه أقـيـم علـيه فـيه.

فتأويـل الآية إذاً: فـيه آيات بـينات مقام إبراهيـم، ومن يدخـله من الناس مستـجيراً به يكن آمناً مـما استـجار منه ما كان فـيه، حتـى يخرج منه.

فإن قال قائل: وما منعك من إقامة الـحدّ علـيه فـيه؟ قـيـل: لاتفـاق جميع السلف علـى أن من كانت جريرته فـي غيره ثم عاذ به، فإنه لا يؤخذ بجريرته فـيه.

وإنـما اختلفوا فـي صفة إخراجه منه لأخذه بها، فقال بعضهم: صفة ذلك منعه الـمعانـي التـي يضطر مع منعه وفقده إلـى الـخروج منه.

وقال آخرون: لا صفة لذلك غير إخراجه منه بـما أمكن إخراجه من الـمعانـي التـي توصل إلـى إقامة حدّ الله معها، فلذلك قلنا: غير جائز إقامة الـحدّ علـيه فـيه إلا بعد إخراجه منه. فأما من أصاب الـحدّ فـيه، فإنه لا خلاف بـين الـجميع فـي أنه يقام علـيه فـيه الـحدّ، فكلتا الـمسألتـين أصل مـجمع علـى حكمهما علـى ما وصفنا.
...

وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب، قول من قال بقول ابن الزبـير وعطاء، إن ذلك علـى قدر الطاقة، لأن السبـيـل فـي كلام العرب: الطريق، فمن كان واجداً طريقاً إلـى الـحجّ لا مانع له منه من زمانة، أو عجز، أو عدوّ، أو قلة ماء فـي طريقه، أو زاد، وضعف عن الـمشي، فعلـيه فرض الـحجّ لا يجزيه إلا أداؤه فإن لـم يكن واجداً سبـيلاً، أعنـي بذلك: فإن لـم يكن مطيقاً الـحجّ بتعذّر بعض هذه الـمعانـي التـي وصفناها علـيه، فهو مـمن لا يجد إلـيه طريقاً، ولا يستطيعه، لأن الاستطاعة إلـى ذلك هو القدرة علـيه، ومن كان عاجزاً عنه ببعض الأسبـاب التـي ذكرنا أو بغير ذلك، فهو غير مطيق ولا مستطيع إلـيه السبـيـل.

وإنـما قلنا هذه الـمقالة أولـى بـالصحة مـما خالفها، لأن الله عزّ وجلّ لـم يخصص إذ ألزم الناس فرض الـحجّ بعض مستطيعي السبـيـل إلـيه بسقوط فرض ذلك عنه فذلك علـى كل مستطيع إلـيه سبـيلاً بعموم الآية. فأما الأخبـار التـي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي ذلك بأنه الزاد والراحلة، فإنها أخبـار فـي أسانـيدها نظر، لا يجوز الاحتـجاج بـمثلها فـي الدين...

وأولـى التأويلات بـالصواب فـي ذلك قول من قال: معنى { وَمَن كَفَرَ }: ومن جحد فرض ذلك وأنكر وجوبه، فإن الله غنـيّ عنه وعن حجه وعن العالـمين جميعاً.

وإنـما قلنا ذلك أولـى به، لأن قوله: { وَمَن كَفَرَ } بعقب قوله: { وَللَّهِ عَلَى ظ±لنَّاسِ حِجُّ ظ±لْبَيْتِ مَنِ ظ±سْتَطَـظ°عَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } بأن يكون خبراً عن الكافر بـالـحجّ، أحقّ منه بأن يكون خبراً عن غيره، مع أن الكافر بفرض الـحجّ علـى من فرضه الله علـيه بـالله كافر، وإن الكفر أصله الـجحود، ومن كان له جاحداً ولفرضه منكراً، فلا شكّ إن حجّ لـم يرج بحجه برّاً، وإن تركه فلـم يحجّ لـم يره مأثماً. فهذه التأويلات وإن اختلفت العبـارات بها فمتقاربـات الـمعانـي.

اسامة محمد خيري
15-12-2016, 06:21
وأولـى الأقوال التـي ذكرناها فـي ذلك بـالصواب القول الذي ذكرناه عن أبـيّ بن كعب أنه عنى بذلك جميع الكفـار، وأن الإيـمان الذي يوبخون علـى ارتدادهم عنه، هو الإيـمان الذي أقرّوا به يوم قـيـل لهم: { أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىظ° شَهِدْنَا }. وذلك أن الله جلّ ثناؤه جعل جميع أهل الآخرة فريقـين: أحدهما سوداء وجوهه، والآخر بـيضاء وجوهه، فمعلوم إذ لـم يكن هنالك إلا هذان الفريقان أن جميع الكفـار داخـلون فـي فريق من سوّد وجهه، وأن جميع الـمؤمنـين داخـلون فـي فريق من بـيض وجهه، فلا وجه إذاً لقول قائل عنى بقوله: { أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـظ°نِكُمْ } بعض الكفـار دون بعض، وقد عمّ الله جلّ ثناؤه الـخبر عنهم جميعهم، وإذا دخـل جميعهم فـي ذلك ثم لـم يكن لـجميعهم حالة آمنوا فـيها، ثم ارتدوا كافرين بعد إلا حالة واحدة، كان معلوماً أنها الـمرادة بذلك.

فتأويـل الآية إذاً: أولئك لهم عذاب عظيـم فـي يوم تبـيضّ وجوه قوم، وتسودّ وجوه آخرين؛ فأما الذين اسودّت وجوههم، فـيقال: أجحدتـم توحيد الله وعهده وميثاقه الذي واثقتـموه علـيه، بأن لا تشركوا به شيئاً، وتـخـلصوا له العبـادة بعد إيـمانكم، يعنـي: بعد تصديقكم به، { فَذُوقُواْ ظ±لْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } يقول: بـما كنتـم تـجحدون فـي الدنـيا ما كان الله قد أخذ ميثاقكم بـالإقرار به والتصديق؛ وأما الذين ابـيضت وجوههم مـمن ثبت علـى عهد الله وميثاقه، فلـم يبدل دينه، ولـم ينقلب علـى عقبـيه بعد الإقرار بـالتوحيد، والشهادة لربه بـالألوهة، وأنه لا إله غيره { فَفِى رَحْمَةِ ظ±للَّهِ } يقول: فهم فـي رحمة الله، يعنـي فـي جنته ونعيـمها، وما أعدّ الله لأهلها فـيها، { هُمْ فِيهَا خَـظ°لِدُونَ } أي بـاقون فـيها أبداً بغير نهاية ولا غاية.

اسامة محمد خيري
15-12-2016, 06:25
حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، عن عبـاد، عن الـحسن فـي قوله: { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِظ±لْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ظ±لْمُنْكَرِ } قال: قد كان ما تسمع من الـخير فـي هذه الأمة:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعد عن قتادة قال: كان الـحسن يقول: نـحن آخرها وأكرمها علـى الله.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية ما قال الـحسن، وذلك أن:

حدثني يعقوب بن إبراهيـم حدثنـي قال: ثنا ابن علـية، عن بهز بن حكيـم، عن أبـيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ألا إنَّكُمْ وَفَّـيْتُـمْ سَبْعِينَ أُمَّةً أنْتُـمْ آخِرُها وأكْرَمُها علـى اللَّهِ "

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن بهز بن حكيـم، عن أبـيه، عن جده، أنه سمع النبـيّ صلى الله عليه وسلم يقول فـي قوله: { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } قال: " أنْتُـمْ تُتِـمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أنْتُـمْ خَيْرُها وأكْرَمُها علـى اللَّهِ "

اسامة محمد خيري
15-12-2016, 06:33
وقال آخرون من نـحويـي الكوف: هو استثناء متصل. والـمعنى: ضربت علـيهم الذلة أينـما ثقـفوا: أي بكلّ مكان، إلا بـموضع حبل من الله، كما تقول: ضربت علـيهم الذلة فـي الأمكنة إلا فـي هذا الـمكان، وهذا أيضاً طلب الـحقّ، فأخطأ الـمفصل، وذلك أنه زعم أنه استثناء متصل، ولو كان متصلاً كما زعم لوجب أن يكون القوم إذا ثقـفوا بحبل من الله وحبل من الناس غير مضروبة علـيهم الـمسكنة، ولـيس ذلك صفة الـيهود لأنهم أينـما ثقـفوا بحبل من الله وحبل من الناس، أو بغير حبل من الله عزّ وجلّ، وغير حبل من الناس، فـالذلة مضروبة علـيهم علـى ما ذكرنا عن أهل التأويـل قبل. فلو كان قوله: { إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ظ±للَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ظ±لنَّاسِ } استثناء متصلاً لوجب أن يكون القوم إذا ثقـفوا بعهد وذمة، أن لا تكون الذلة مضروبة علـيهم. وذلك خلاف ما وصفهم الله به من صفتهم، وخلاف ما هم به من الصفة، فقد تبـين أيضاً بذلك فساد قول هذا القائل أيضاً. ولكن القول عندنا أن البـاء فـي قوله: { إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ظ±للَّهِ } أدخـلت لأن الكلام الذي قبل الاستثناء مقتض فـي الـمعنى البـاء، وذلك أن معنى قولهم: { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ظ±لذِّلَّةُ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ }: ضربت علـيهم الذلة بكل مكان ثقـفوا، ثم قال: { إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ظ±للَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ظ±لنَّاسِ } علـى غير وجه الاتصال بـالأول، ولكنه علـى الانقطاع عنه، ومعناه: ولكن يثقـفون بحبل من الله وحبل من الناس، كما قـيـل:
{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً }
[النساء: 92] فـالـخطأ وإن كان منصوبـاً بـما عمل فـيـما قبل الاستنثاء، فلـيس قوله بـاستثناء متصل بـالأوّل بـمعنى إلا خطأ، فإن له قتله كذلك، ولكن معناه: ولكن قد يقتله خطأ، فكذلك قوله: { أَيْنَمَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ظ±للَّهِ } وإن كان الذي جلب البـاء التـي بعد إلا الفعل الذي يقتضيها قبل إلا، فليس الإستثناء بالإستثناء المتصل بالذي قبله بمعنى أن القوم إذا لقوا، فالذلة زائلة عنهم، بل الذلة ثابتة بكلّ حال، ولكن معناه ما بينا آنفاً.

اسامة محمد خيري
15-12-2016, 06:42
يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: { لَيْسُواْ سَوَاء } لـيس فريقا أهل الكتاب، أهل الإيـمان منهم والكفر سواء، يعنـي بذلك: أنهم غير متساوين، يقول: لـيسوا متعادلـين، ولكنهم متفـاوتون فـي الصلاح والفساد والـخير والشرّ. وإنـما قـيـل: لـيسوا سواء، لأن فـيه ذكر الفريقـين من أهل الكتاب اللذين ذكرهما الله فـي قوله:
{ وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ ظ±لْكِتَـظ°بِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ظ±لْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ظ±لْفَـظ°سِقُونَ }
[آل عمران: 110] ثم أخبر جلّ ثناؤه عن حال الفريقـين عنده، الـمؤمنة منهما والكافرة، فقال: { لَيْسُواْ سَوَاء }: أي لـيس هؤلاء سواء، الـمؤمنون منهم والكافرون. ثم ابتدأ الـخبر جلّ ثناؤه عن صفة الفرقة الـمؤمنة من أهل الكتاب ومدحهم، وأثنى علـيهم بعد ما وصف الفرقة الفـاسقة منهم بـما وصفها به من الهلع ونَـخْب الـجَنان، ومـحالفة الذلّ والصغار، وملازمة الفـاقة والـمسكنة، وتـحمل خزي الدنـيا وفضيحة الآخرة، فقال: { مِّنْ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايَـظ°تِ ظ±للَّهِ ءانَاء ظ±لَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ }... الآيات الثلاث، إلـى قوله:
{ وَظ±للَّهُ عَلِيمٌ بِظ±لْمُتَّقِينَ }
[آل عمران: 115] فقوله: «أمة قائمة» مرفوعة بقوله: «من أهل الكتاب».

وقد توهم جماعة من نـحويـي الكوفة والبصرة والـمقدّمين منهم فـي صناعتهم، أن ما بعد سواء فـي هذا الـموضع من قوله: { أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } ترجمة عن سواء، وتفسير عنه بـمعنى: لا يستوي من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء اللـيـل، وأخرى كافرة، وزعموا أن ذكر الفرقة الأخرى ترك اكتفـاء بذكر إحدى الفرقتـين، وهي الأمة القائمة، ومثّلوه بقول أبـي ذؤيب:
عَصَيْتُ إلَـيْها القَلْبَ إنـي لأمْرِها سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها
ولـم يقل: «أم غير رشد» اكتفـاء بقوله: «أرشد» من ذكر «أم غير رشد». وبقول الآخر:
أزَالُ فلا أدْري أهَمٌّ هَمَـمْتَهُ وذو الهَمّ قِدْماً خاشِعٌ مُتَضَائِلُ
وهو مع ذلك عندهم خطأ قول القائل الـمريد أن يقول: سواء أقمت أم قعدت، سواء أقمت حتـى يقول أم قعدت، وإنـما يجيزون حذف الثانـي فـيـما كان من الكلام مكتفـياً بواحد دون ما كان ناقصاً عن ذلك، وذلك نـحو ما أبـالـي أو ما أدري، فأجازوا فـي ذلك ما أبـالـي أقمت، وهم يريدون: ما أبـالـي أقمت أم قعدت، لاكتفـاء ما أبـالـي بواحد، وكذلك فـي ما أدري، وأبوا الإجازة فـي سواء من أجل نقصانه، وأنه غير مكتف بواحد، فأغفلوا فـي توجيههم قوله: { لَيْسُواْ سَوَاءٌ مِّنْ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } علـى ما حكينا عنهم إلـى ما وجهوه إلـيه مذاهبهم فـي العربـية، إذ أجازوا فـيه من الـحذف ما هو غير جائز عندهم فـي الكلام مع سواء، وأخطأوا تأويـل الآية، فسواء فـي هذا الـموضع بـمعنى التـمام والاكتفـاء، لا بـالـمعنى الذي تأوله من حكينا قوله. وقد ذكر أن قوله: { مِّنْ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ }.
....

وقد بـينا أن أولـى القولـين بـالصواب فـي ذلك قول من قال: قد تـمت القصة عند قوله: { لَيْسُواْ سَوَاءً } عن إخبـار الله بأمر مؤمنـي أهل الكتاب، وأهل الكفر منهم، وأن قوله: { مِّنْ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ }. خبر مبتدأ عن مدح مؤمنـيهم، ووصفهم بصفتهم، علـى ما قاله ابن عبـاس وقتادة وابن جريج. ويعنـي جلّ ثناؤه بقوله: { أُمَّةٌ قَائِمَةٌ }: جماعة ثابتة علـى الـحقّ. وقد دللنا علـى معنى الأمة فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته.....

وأولـى هذه الأقوال بـالصواب فـي تأويـل ذلك ما قاله ابن عبـاس وقتادة، ومن قال بقولهما علـى ما روينا عنهم، وإن كان سائر الأقوال الأخر متقاربة الـمعنى من معنى ما قاله ابن عبـاس وقتادة فـي ذلك. وذلك أن معنى قوله: { قَائِمَةً } مستقـيـمة علـى الهدى، وكتاب الله وفرائضه، وشرائع دينه، بـالعدل والطاعة، وغير ذلك من أسبـاب الـخير من صفة أهل الاستقامة علـى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونظير ذلك الـخبر الذي رواه النعمان بن بشير، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: " مَثَلُ القائِمِ علـى حُدُودِ اللّهِ وَالوَاقِعِ فِـيها، كَمَثَلِ قَوْمٍ رَكِبُوا سَفِـينَةً، ثُمَّ ضَرَبَ لهُمْ مَثَلاً " فـالقائمُ علـى حُدُودِ اللّهِ هُوَ الثَّابِت عَلـى التَّـمَسُّكِ بِـما أمَرَهُ اللّهُ بهِ وَاجْتِنابِ ما نَهاهُ اللّهُ عَنْهُ.

فتأويـل الكلام: من أهل الكتاب جماعة معتصمة بكتاب الله، متـمسكة به، ثابتة علـى العمل بـما فـيه، وما سنّ له رسوله صلى الله عليه وسلم....

....

وقال آخرون: بل عنـي بذلك قوم كانوا يصلون العشاء الأخيرة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن الـحسن بن يزيد العجلـي، عن عبد الله بن مسعود فـي قوله: { يَتْلُونَ ءايَـظ°تِ ظ±للَّهِ ءانَاء ظ±لَّيْلِ }: صلاة العتـمة، هم يصلونها، ومن سواهم من أهل الكتاب لا يصلـيها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنـي يحيـى بن أيوب، عن عبـيد الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة كان عند بعض أهله ونسائه، فلـم يأتنا لصلاة العشاء حتـى ذهب ليلٌ، فجاء ومنا المصلي ومنا المضطجع، فبشرنا وقال: " إنه لا يُصَلّي هذه الصَّلاة أحَدٌ مِنْ أَهْلِ الكِتابِ " ، فأنزل الله: { لَيْسُواْ سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايَـظ°تِ ظ±للَّهِ ءانَاء ظ±لَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ }.

حدثني يونس، قال: ثنا، عليّ بن معبد، عن أبي يحيى الخراساني، عن نصر بن طريف، عن عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ننتظر العشاء ـ يريد العتمة ـ فقال لنا: " ما علـى الأرْضِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأدْيَانِ يَنْتَظِرُ هذه الصَّلاةَ فـي هذا الوَقْتِ غَيْرُكُمْ " قال: فنزلت: { لَيْسُواْ سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايَـظ°تِ ظ±للَّهِ ءانَاء ظ±لَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ }.

وقال آخرون: بل عنـي بذلك قوم كانوا يصلون فـيـما بـين الـمغرب والعشاء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن منصور، قال: بلغنـي أنها نزلت: { لَيْسُواْ سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايَـظ°تِ ظ±للَّهِ ءانَاء ظ±لَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } فـيـما بـين الـمغرب والعشاء.

وهذه الأقوال التـي ذكرتها علـى اختلافها متقاربة الـمعانـي، وذلك أن الله تعالـى ذكره، وصف هؤلاء القوم، بأنهم يتلون آيات الله فـي ساعات اللـيـل، وهي آناؤه، وقد يكون تالـيها فـي صلاة العشاء تالـياً لها آناء اللـيـل، وكذلك من تلاها فـيـما بـين الـمغرب والعشاء، ومن تلاها جوف اللـيـل، فكلّ تال له ساعات اللـيـل.

غير أن أولـى الأقوال بتأويـل الآية، قول من قال: عنـي بذلك: تلاوة القرآن فـي صلاة العشاء، لأنها صلاة لا يصلـيها أحد من أهل الكتاب، فوصف الله أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم بأنهم يصلونها دون أهل الكتاب الذين كفروا بـالله ورسوله.

اسامة محمد خيري
15-12-2016, 06:46
اختلف القراء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الكوفة: { وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ } جميعاً، ردًّا علـى صفة القوم الذين وصفهم جلّ ثناؤه بأنهم يأمرون بـالـمعروف وينهون عن الـمنكر. وقرأته عامة قراء الـمدينة والـحجاز وبعض قراء الكوفة بـالتاء فـي الـحرفـين جميعاً: { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفُرُوهُ } بـمعنى: وما تفعلوا أنتـم أيها الـمؤمنون من خير فلن يكفركموه ربكم. وكان بعض قراء البصرة يرى القراءتـين فـي ذلك جائزاً بـالـياء والتاء فـي الـحرفـين.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا: { وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ } بـالـياء فـي الـحرفـين كلـيهما، يعنـي بذلك الـخبر عن الأمة القائمة، التالـية آيات الله. وإنـما اخترنا ذلك، لأن ما قبل هذه الآية من الآيات خبر عنهم، فإلـحاق هذه الآية إذ كان لا دلالة فـيها تدلّ علـى الانصراف عن صفتهم بـمعانـي الآيات قبلها أولـى من صرفها عن معانـي ما قبلها. وبـالذي اخترنا من القراءة كان ابن عبـاس يقرأ.

اسامة محمد خيري
16-12-2016, 05:30
وقال آخرون: عَنَى بذلك يوم الأحزاب. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سنان القزاز، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، قال: ثنا عبـاد، عن الـحسن فـي قوله: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّىء ظ±لْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } قال: يعنـي مـحمداً صلى الله عليه وسلم غداً يبوّىء الـمؤمنـين مقاعد للقتال يوم الأحزاب.

وأولـى هذين القولـين بـالصواب، قول من قال: عنى بذلك: يوم أحد؛ لأن الله عزّ وجلّ يقول فـي الآية التـي بعدها:
{ إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ }
[آل عمران: 122] ولا خلاف بـين أهل التأويـل أنه عنى بـالطائفتـين بنو سلـمة وبنو حارثة. ولا خلاف بـين أَهل السير والـمعرفة بـمغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الذي ذكر الله من أمرهما إنـما كان يوم أحد دون يوم الأحزاب.

فإن قال لنا قائل: وكيف يكون ذلك يوم أحد ورسول الله صلى الله عليه وسلم إنـما راح إلـى أحد من أهله للقتال يوم الـجمعة بعد ما صلـى الـجمعة فـي أهله بـالـمدينة بـالناس، كالذي:

حدثكم ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن مسلـم بن عبـيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري ومـحمد بن يحيـى بن حبـان، وعاصم بن عمر بن قتادة والـحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علـمائنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم راح حين صلـى الـجمعة إلـى أحد، دخـل فلبس لأمَتَهُ، وذلك يوم الـجمعة حين فرغ من الصلاة، وقد مات فـي ذلك الـيوم رجل من الأنصار، فصلـى علـيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج علـيهم وقال: " ما يَنْبَغِي لنبـيٍّ إذا لَبَسَ لأْمَتَهُ أنْ يَضَعَها حتـى يُقاتِلَ " ؟.

قـيـل: إن النبـيّ صلى الله عليه وسلم وإن كان خروجه للقوم كان رَواحاً فلـم يكن تبوئته للـمؤمنـين مقاعدهم للقتال عند خروجه، بل كان ذلك قبل خروجه لقتال عدوه؛ وذلك أن الـمشركين نزلوا منزلهم من أحد فـيـما بلغنا يوم الأربعاء، فأقاموا به ذلك الـيوم ويوم الـخميس ويوم الـجمعة، حتـى راح رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـيهم يوم الـجمعة بعد ما صلـى بأصحابه الـجمعة، فأصبح بـالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوّال.

اسامة محمد خيري
16-12-2016, 05:38
وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله أخبر عن نبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم أنه قال للـمؤمنـين: { َ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلـَظ°ثَةِ ءَالَـظ°فٍ مِّنَ ظ±لْمَلـَظ°ئِكَةِ }؟ فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الـملائكة مدداً لهم، ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف، خمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم، واتقوا الله. ولا دلالة فـي الآية علـى أنهم أمدّوا بـالثلاثة آلاف، ولا بـالـخمسة آلاف، ولا علـى أنهم لـم يـمدّوا بهم.

وقد يجوز أن يكون الله عزّ وجلّ أمدّهم علـى نـحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدّهم. وقد يجوز أن يكون لـم يـمدّهم علـى نـحو الذي ذكره من أنكر ذلك، ولا خبر عندنا صحّ من الوجه الذي يثبت أنهم أمدّوا بـالثلاثة الآلاف ولا بـالـخمسة الآلاف.

وغير جائز أن يقال فـي ذلك قول إلا بخبر تقوم الـحجة به، ولا خبر به كذلك فنسلـم لأحد الفريقـين قوله، غير أن فـي القرآن دلالة علـى أنهم قد أمدّوا يوم بدر بألف من الـملائكة وذلك قوله: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَظ±سْتَجَابَ لَكُمْ أَنّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ ظ±لْمَلَـئِكَةِ مُرْدِفِينَ } فأما فـي يوم أُحد، فـالدلالة علـى أنهم لـم يـمدّوا أبـين منها فـي أنهم أمدّوا، وذلك أنهم لو أمدّوا لـم يهزموا وينال منهم ما نـيـل منهم.

فـالصواب فـيه من القول أن يقال كما قال تعالـى ذكره. وقد بـينا معنى الإمداد فـيـما مضى، والـمدد، ومعنى الصبر والتقوى....

فـالذي قال فـي هذه الآية: معنى قوله: { مّن فَوْرِهِمْ هَـظ°ذَا }: من وجههم هذا، قصد إلـى أن تأويـله: ويأتـيكم كرز بن جابر وأصحابه يوم بدر، من ابتداء مخرجهم الذي خرجوا منه لنصرة أصحابهم من الـمشركين.

وأما الذين قالوا: معنى ذلك: من غضبهم هذا، فإنـما عنوا أن تأويـل ذلك: ويأتـيكم كفـار قريش وتُبَّـاعهم يوم أُحد من ابتداء غضبهم الذي غضبوه لقتلاهم الذين قتلوا يوم بدر بها { يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ }. كذلك من اختلاف تأويـلهم فـي معنى قوله { وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هَـظ°ذَا } اختلف أهل التأويـل فـي إمداد الله الـمؤمنـين بأحد بـملائكته، فقال بعضهم: لـم يـمدّوا بهم، لأن الـمؤمنـين لـم يصبروا لأعدائهم، ولـم يتقوا الله عزّ وجلّ بترك من ترك من الرماة طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي ثبوته فـي الـموضع الذي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالثبوت فـيه، ولكنهم أخـلوا به طلبـاً للغنائم، فقتل من الـمسلـمين، ونال الـمشركون منهم ما نالوا. وإنـما كان الله عزّ وجلّ وعد نبـيه صلى الله عليه وسلم إمدادهم بهم إن صبروا واتقوا الله.

وأما الذين قالوا: كان ذلك يوم بدر بسبب كرز بن جابر، فإن بعضهم قالوا: لـم يأت كرز وأصحابه إخوانهم من الـمشركين مدداً لهم ببدر، ولـم يـمدّ الله الـمؤمنـين بـملائكته، لأن الله عزّ وجلّ إنـما وعدهم أن يـمدّهم بـملائكته إن أتاهم كرز ومدد الـمشركين من فورهم، ولـم يأتهم الـمدد.

وأما الذين قالوا: إن الله تعالـى ذكره أمدّ الـمسلـمين بـالـملائكة يوم بدر، فإنهم اعتلوا بقول الله عزّ وجلّ: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَظ±سْتَجَابَ لَكُمْ أَنّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ ظ±لْمَلَـئِكَةِ مُرْدِفِينَ } ، قال: فـالألف منهم قد أتاهم مدداً، وإنـما الوعد الذي كانت فـيه الشروط فـيـما زاد علـى الألف، فأما الألف فقد كانوا أمدّوا به، لأن الله عزّ وجلّ كان قد وعدهم ذلك، ولن يخـلف الله وعده....

وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأ بكسر الواو، لتظاهر الأخبـار عن (أصحاب) رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل التأويـل منهم ومن التابعين بعدهم، بأن الـملائكة هي التـي سوّمت أنفسها من غير إضافة تسويـمها إلـى الله عزّ وجلّ أو إلـى غيره من خـلقه.

ولا معنى لقول من قال: إنـما كان يختار الكسر فـي قوله: { مُسَوّمِينَ } لو كان فـي البشر، فأما الـملائكة فوصفهم غير ذلك ظناً منه بأن الـملائكة غير مـمكن فـيها تسويـم أنفسها إن كانوا ذلك فـي البشر وذلك أن غير مستـحيـل أن يكون الله عز وجل مكنها من تسويـم أنفسها بحقّ تـمكينه البشر من تسويـم أنفسهم، فسوموا أنفسهم بحقّ الذي سوّم البشر طلبـاً منها بذلك طاعة ربها، فأضيف تسويـمها أنفسها إلـيها، وإن كان ذلك عن تسبـيب الله لهم أسبـابه، وهي إذا كانت موصوفة بتسويـمها أنفسها تقرّبـاً منها إلـى ربها، كان أبلغ فـي مدحها لاختـيارها طاعة الله من أن تكون موصوفة بأن ذلك مفعول بها.

ذكر الأخبـار بـما ذكرنا من إضافة من أضاف التسويـم إلـى الـملائكة دون إضافة ذلك إلـى غيرهم، علـى نـحو ما قلنا فـيه:

حدثنـي يعقوب، قال: أخبرنا ابن علـية، قال: أخبرنا ابن عون، عن عمير بن إسحاق، قال: إن أوّل ما كان الصوف لـيومئذٍ، يعنـي يوم بدر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تَسَوَّمُوا فإنَّ الـمَلائِكَةَ قَدْ تَسَوَّمَتْ

اسامة محمد خيري
16-12-2016, 05:56
وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب عندنا قول من قال: الإصرار الإقامة علـى الذنب عامداً، أو ترك التوبة منه. ولا معنى لقول من قال: الإصرار علـى الذنب: هو مواقعته؛ لأن الله عزّ وجلّ مدح بترك الإصرار علـى الذنب مواقع الذنب، فقال: { وَظ±لَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـظ°حِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ظ±للَّهَ فَظ±سْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ظ±لذُّنُوبَ إِلاَّ ظ±للَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىظ° ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ }؛ ولو كان الـمواقع الذنب مصراً بـمواقعته إياه، لـم يكن للاستغفـار وجه مفهوم، لأن الاستغفـار من الذنب إنـما هو التوبة منه والندم، ولا يعرف للاستغفـار من ذنب لـم يواقعه صاحبه وجه. وقد رُوي عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وإنْ عادَ فِـي الـيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً "

حدثنـي بذلك الـحسين بن يزيد السبـيعي، قال: ثنا عبد الـحميد الـحمانـي، عن عثمان بن واقد، عن أبـي نصيرة، عن مولـى لأبـي بكر، عن أبـي بكر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلو كان مواقع الذنب مصرّا، لـم يكن لقوله " ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وإنْ عادَ فِـي الـيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً " معنى، لأن مواقعة الذنب، إذا كانت هي الإصرار، فلا يزيـل الاسم الذي لزمه معنى غيره، كما لا يزيـل عن الزانـي اسم زان، وعن القاتل اسم قاتل توبته منه، ولا معنى غيرها، وقد أبـان هذا الـخبر أن الـمستغفر من ذنبه غير مصرّ علـيه، فمعلوم بذلك أن الإصرار غير الـموقعة، وأنه الـمقام علـيه علـى ما قلنا قبل.

اسامة محمد خيري
16-12-2016, 06:04
حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن ابن جريج فـي قوله: { هَـظ°ذَا بَيَانٌ لّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتَّقِينَ } خاصة.

وقال آخرون: إنـما أشير بقوله هذا إلـى قوله:
{ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِى ظ±لأَرْضِ فَظ±نْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـظ°قِبَةُ ظ±لْمُكَذّبِينَ }
[آل عمران: 137] ثم قال: هذا الذي عرفتكم يا معشر أصحاب مـحمد بـيان للناس. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق بذلك.

وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب، قول من قال: قوله هذا إشارة إلـى ما تقدّم هذه الآية من تذكير الله جلّ ثناؤه الـمؤمنـين، وتعريفهم حدوده، وحضهم علـى لزوم طاعته، والصبر علـى جهاد أعدائه وأعدائهم، لأن قوله هذا إشارة إلـى حاضر، إما مرئي، وإما مسموع، وهو فـي هذا الـموضع إلـى حاضر مسموع من الآيات الـمتقدمة. فمعنى الكلام: هذا الذي أوضحت لكم وعرّفتكموه، بـيان للناس؛ يعنـي بـالبـيان: الشرح والتفسير. كما

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: { هَـظ°ذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ } أي هذا تفسير للناس إن قبلوه.

اسامة محمد خيري
16-12-2016, 06:21
وأولـى القراءتين فـي ذلك عندنا بـالصواب، قراءة من قرأ بضمّ القاف: «قُتِل مَعَهُ رِبِّـيُون كَثِـيرٌ» لأن الله عزّ وجلّ إنـما عاتبَ بهذه الآية، والآيات التي قبلها من قوله: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ظ±لْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ جَـظ°هَدُواْ مِنكُمْ } الذين انهزموا يوم أُحد، وتركوا القتال، أو سمعوا الصائح يصيح: إن مـحمداً قد قتل، فعذلهم الله عزّ وجلّ علـى فرارهم وتركهم القتال، فقال: أفَئِنْ مات مـحمد أو قتل أيها الـمؤمنون ارتددتـم عن دينكم، وانقلبتـم علـى أعقابكم؟ ثم أخبرهم عما كان من فعل كثـير من أتبـاع الأنبـياء قبلهم وقال لهم: هلا فعلتـم كما كان أهل الفضل والعلـم من أتبـاع الأنبـياء قبلكم يفعلونه إذا قتل نبـيهم من الـمضيّ علـى منهاج نبـيهم والقتال علـى دينه أعداء دين الله علـى نـحو ما كانوا يقاتلون مع نبـيهم، ولـم تهنوا ولـم تضعفوا كما لـم يضعف الذين كانوا قبلكم من أهل العلـم والبصائر من أتبـاع الأنبـياء إذا قتل نبـيهم، ولكنهم صبروا لأعدائهم حتـى حكم الله بـينهم وبـينهم! وبذلك من التأويـل جاء تأويـل الـمتأوّل.

وأما «الرّبِّـيُّون»، فإنهم مرفوعون بقوله: «معه»، لا بقوله: «قتل».

وإنـما تأويـل الكلام: وكائن من نبـيّ قتل ومعه ربـيون كثـير، فما وهنوا لـما أصابهم فـي سبـيـل الله. وفـي الكلام إضمار واو، لأنها واو تدلّ علـى معنى حال قتل النبـيّ صلى الله عليه وسلم، غير أنه اجتزأ بدلالة ما ذكر من الكلام علـيها من ذكرها، وذلك كقول القائل فـي الكلام: قتل الأمير معه جيش عظيـم، بـمعنى: قتل ومعه جيش عظيـم....

اسامة محمد خيري
17-12-2016, 05:13
قال أبو جعفر: وقد ذكرنا أن أولـى القراءتـين بـالصواب قراءة من قرأ: { إِذْ تُصْعِدُونَ } بضم التاء وكسر العين، بـمعنى السبق والهرب فـي مستوى الأرض، أو فـي الـمهابط، لإجماع الـحجة علـى أن ذلك هو القراءة الصحيحة. ففـي إجماعها علـى ذلك الدلـيـل الواضح علـى أن أولـى التأويـلـين بـالآية تأويـل من قال: أصعدوا فـي الوادي، ومضوا فـيه، دون قول من قال: صعدوا علـى الـجبل....

وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية قول من قال: معنى قوله: { فَأَثَـظ°بَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ } أيها الـمؤمنون بحرمان الله إياكم غنـيـمة الـمشركين، والظفر بهم، والنصر علـيهم، وما أصابكم من القتل والـجراح يومئذ بعد الذي كان قد أراكم فـي كل ذلك ما تـحبون بـمعصيتكم ربكم، وخلافكم أمر نبـيكم صلى الله عليه وسلم، غمّ ظنكم أن نبـيكم صلى الله عليه وسلم قد قتل، وميـل العدوّ علـيكم بعد فلولكم منهم.

والذي يدلّ علـى أن ذلك أولـى بتأويـل الآية مـما خالفه، قوله: { لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىظ° مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَـظ°بَكُمْ } والفـائت لا شك أنه هو ما كانوا رجوا الوصول إلـيه من غيرهم، إما من ظهور علـيهم بغلبهم، وإما من غنـيـمة يحتازونها، وأن قوله: { وَلاَ مَا أَصَـظ°بَكُمْ } هو ما أصابهم إما فـي أبدانهم، وإما فـي إخوانهم. فإن كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الغمّ الثانـي هو معنى غير هذين، لأن الله عزّ وجلّ أخبر عبـاده الـمؤمنـين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه أثابهم غماً بغمّ، لئلا يحزنهم ما نالهم من الغمّ الناشىء عما فـاتهم من غيرهم، ولا ما أصابهم قبل ذلك فـي أنفسهم، وهو الغمّ الأول علـى ما قد بـيناه قبل.

وأما قوله: لِكَيْلا تَـحْزَنُوا علـى ما فـاتَكُمْ وَلا ما أصَابَكُمْ } فإن تأويـله علـى ما قد بـينت من أنه لكيلا تـحزنوا علـى ما فـاتكم فلـم تدركوه مـما كنتـم ترجون إدراكه من عدوّكم بـالظفر علـيهم والظهور وحيازة غنائمهم، ولا ما أصابكم فـي أنفسكم من جرح من جُرح وقَتل من قُتل من إخوانكم.

اسامة محمد خيري
17-12-2016, 05:32
حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال: قال سفـيان بن عيـينة فـي قوله: { وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأَمْرِ } قال: هي للـمؤمنـين أن يتشاوروا فـيـما لـم يأتهم عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـيه أثر.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال بـالصواب فـي ذلك أن يقال: إن الله عزّ وجلّ أمر نبـيه صلى الله عليه وسلم وسلـم بـمشاورة أصحابه، فـيـما حزبه من أمر عدوّه ومكايد حربه، تألفـاً منه بذلك من لـم تكن بصيرته بـالإسلام البصيرة التـي يؤمن علـيه معها فتنة الشيطان، وتعريفـاً منه أمته ما فـي الأمور التـي تـحزبهم من بعده ومطلبها، لـيقتدوا به فـي ذلك عند النوازل التـي تنزل بهم، فـيتشاوروا فـيـما بـينهم، كما كانوا يرونه فـي حياته صلى الله عليه وسلم يفعله. فأما النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فإن الله كان يعرّفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه أو إلهامه إياه صواب ذلك. وأما أمته، فإنهم إذا تشاوروا مستنـين بفعله فـي ذلك علـى تصادق وتأخّ للـحقّ وإرادة جميعهم للصواب، من غير ميـل إلـى هوى، ولا حيد عن هدى؛ فـالله مسدّدهم وموفقهم.

اسامة محمد خيري
17-12-2016, 05:43
وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك عندي قراءة من قرأ: { وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } بـمعنى: ما الغلول من صفـات الأنبـياء، ولا يكون نبـياً من غلّ. وإنـما اخترنا ذلك، لأن الله عزّ وجلّ أوعد عقـيب قوله: { وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } أهل الغلول، فقال: { وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ظ±لْقِيَـظ°مَةِ }... الآية، والتـي بعدها، فكان فـي وعيده عقـيب ذلك أهل الغلول، الدلـيـل الواضح علـى أنه إنـما نهى بذلك عن الغلول، وأخبر عبـاده أن الغلول لـيس من صفـات أنبـيائه بقوله: { وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } لأنه لو كان إنـما نهى بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالغلول، لعقب ذلك بـالوعيد علـى التهمة، وسوء الظنّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بـالوعيد علـى الغلول، وفـي تعقـيبه ذلك بـالوعيد علـى الغلول بـيان بـين، أنه إنـما عرف الـمؤمنـين وغيرهم من عبـاده أن الغلول منتف من صفة الأنبـياء وأخلاقهم، لأن ذلك جرم عظيـم، والأنبـياء لا تأتـي مثله.

فإن قال قائل مـمن قرأ ذلك كذلك: فأولـى منه: وَما كان لنبـيّ أن يخونه أصحابه إن ذلك كما ذكرت، ولـم يعقب الله قوله: { وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } إلا بـالوعيد علـى الغلول، ولكنه إنـما وجب الـحكم بـالصحة لقراءة من قرأ: «يُغَلَّ» بضم الـياء وفتـح الغين، لأن معنى ذلك: وما كان للنبـيّ أن يغله أصحابه، فـيخونوه فـي الغنائم؛ قـيـل له: أفكان لهم أن يغلوا غير النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـيخونوه، حتـى خصوا بـالنهي عن خيانة النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فإن قالوا: نعم، خرجوا من قول أهل الإسلام، لأن الله لـم يبح خيانة أحد فـي قول أحد من أهل الإسلام قط.

وإن قال قائل: لـم يكن ذلك لهم فـي نبـيّ ولا غيره؟ قـيـل: فما وجه خصوصهم إذاً بـالنهي عن خيانة النبـيّ صلى الله عليه وسلم وغلوله وغلول بعض الـيهود، بـمنزلة فـيـما حرّم الله علـى الغالّ من أموالهما، وما يـلزم الـمؤتـمن من أداء الأمانة إلـيهما. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن معنى ذلك هو ما قلنا من أن الله عزّ وجلّ نفـى بذلك أن يكون الغلول والـخيانة من صفـات أنبـيائه، ناهياً بذلك عبـاده عن الغلول، وآمراً لهم بـالاستنان بـمنهاج نبـيهم، كما قال ابن عبـاس فـي الرواية التـي ذكرناها من رواية عطية ثم عقب تعالـى ذكره نهيهم عن الغلول بـالوعيد علـيه، فقال: { وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ظ±لْقِيَـظ°مَةِ }.....

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيـينة، عن طريف، عن الضحاك فـي قوله: { أَفَمَنِ ظ±تَّبَعَ رِضْوظ°نَ ظ±للَّهِ } قال: من لـم يغلّ. { كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مّنَ ظ±للَّهِ }: كمن غلّ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثني سفـيان بن عيـينة، عن مطرف بن مطرف، عن الضحاك قوله: { أَفَمَنِ ظ±تَّبَعَ رِضْوظ°نَ ظ±للَّهِ } قال: من أدّى الخمس. { كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مّنَ ظ±للَّهِ }: فـاستوجب سخطاً من الله.

وقال آخرون فـي ذلك بـما:

حدثنـي به ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: { أَفَمَنِ ظ±تَّبَعَ رِضْوظ°نَ ظ±للَّهِ } علـى ما أحبّ الناس وسخطوا، { كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مّنَ ظ±للَّهِ } لرضا الناس وسخطهم؟ يقول: أفمن كان علـى طاعتـي، فثوابه الـجنة ورضوان من ربه، كمن بـاء بسخط من الله، فـاستوجب غضبه، وكان مأواه جهنـم وبئس الـمصير؟ أسوأ الـمثلان؟ أي فـاعرفوا.

وأولـى التأولـين بتأويـل الآية عندي، قول الضحاك بن مزاحم؛ لأن ذلك عقـيب وعيد الله علـى الغلول ونهيه عبـاده عنه، ثم قال لهم بعد نهيه عن ذلك ووعيده، أسواء الـمطيع لله فـيـما أمره ونهاه، والعاصي له فـي ذلك: أي أنهما لا يستويان ولا تستوي حالتاهما عنده، لأن لـمن أطاع الله فـيـما أمره ونهاه: الـجنة، ولـمن عصاه فـيـما أمره ونهاه: النار. فمعنى قوله: { أَفَمَنِ ظ±تَّبَعَ رِضْوظ°نَ ظ±للَّهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مّنَ ظ±للَّهِ } إذاً: أفمن ترك الغلول وما نهاه الله عنه عن معاصيه وعمل بطاعة الله فـي تركه ذلك وفـي غيره مـما أمره به ونهاه من فرائضه، متبعاً فـي كل ذلك رضا الله، ومـجتنباً سخطه، { كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مّنَ ظ±للَّهِ } يعنـي: كمن انصرف متـحملاً سخط الله وغضبه، فـاستـحقّ بذلك سكنى جهنـم، يقول: لـيسا سواء. وأما قوله: { وَبِئْسَ ظ±لْمَصِيرُ } فإنه يعنـي: وبئس الـمصير الذي يصير إلـيه ويؤوب إلـيه من بـاء بسخط من الله جهنـم.

اسامة محمد خيري
17-12-2016, 06:14
واختلف القراء فـي قراءة قوله: { وَأَنَّ ظ±للَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ظ±لْمُؤْمِنِينَ } ، فقرأ ذلك بعضهم بفتـح الألف من «أنَّ» بـمعنى: يستبشرون بنعمة من الله وفضل، وبأن الله لا يضيع أجر الـمؤمنـين. وبكسر الألف علـى الاستئناف؛ واحتـج من قرأ ذلك كذلك بأنها فـي قراءة عبد الله: «وفَضْلٍ واللَّهُ لا يُضِيعُ أجْر الـمُؤْمِنِـينَ» قالوا: فذلك دلـيـل علـى أن قوله: «وإِنَّ الله» مستأنف غير متصل بـالأول.

ومعنى قوله: { لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ظ±لْمُؤْمِنِينَ }: لا يبطل جزاء أعمال من صدق رسوله واتبعه وعمل بـما جاءه من عند الله.

وأولـى القراءتـين بـالصواب قراءة من قرأ ذلك: { وَأَنَّ ظ±للَّهَ } بفتـح الألف، لإجماع الـحجة من القراء علـى ذلك.

اسامة محمد خيري
17-12-2016, 06:22
وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: إن الذي قـيـل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أن الناس قد جمعوا لكم فـاخشوهم، كان فـي حال خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخروج من خرج معه فـي أثر أبـي سفـيان، ومن كان معه من مشركي قريش منصرفهم عن أُحد إلـى حمراء الأسد؛ لأن الله تعالـى ذكره إنـما مدح الذين وصفهم بقـيـلهم: { حَسْبُنَا ظ±للَّهُ وَنِعْمَ ظ±لْوَكِيلُ } لـما قـيـل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم فـاخشوهم، بعد الذي قد كان نالهم من القروح والكلوم، بقوله:
{ ظ±لَّذِينَ ظ±سْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَظ±لرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَـظ°بَهُمُ ظ±لْقَرْحُ }
[آل عمران: 172] ولـم تكن هذه الصفة إلا صفة من تبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جرحى أصحابه بأحد إلـى حمراء الأسد. وأما قول الذين خرجوا معه إلـى غزوة بدر الصغرى، فإنه لـم يكن فـيهم جريج، إلا جريح قد تقادم اندمال جرحه، وبرأ كلـمه، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنـما خرج إلـى بدر الـخرجة الثانـية إلـيها لـموعد أبـي سفـيان الذي كان واعده اللقاء بها بعد سنة من غزوة أُحد فـي شعبـان سنة أربع من الهجرة، وذلك أن وقعة أُحد كانت فـي النصف من شوّال من سنة ثلاث، وخروج النبـيّ صلى الله عليه وسلم لغزوة بدر الصغرى إلـيها فـي شعبـان من سنة أربع، ولـم يكن للنبـيّ صلى الله عليه وسلم بـين ذلك وقعة مع الـمشركين كانت بـينهم فـيها حرب جرح فـيها أصحابه، ولكن قد كان قتل فـي وقعة الرجيع من أصحابه جماعة لـم يشهد أحد منهم غزوة بدر الصغرى، وكانت وقعة الرجيع فـيـما بـين وقعة أُحد وغزوة النبـيّ صلى الله عليه وسلم بدر الصغرى.

اسامة محمد خيري
18-12-2016, 05:13
والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا قراءة من قرأ: { وَلاَ يَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ } بـالـياء من «يحسبن»، وبفتـح الألف من «أنـما»، علـى معنى الـحسبـان للذين كفروا دون غيرهم، ثم يعمل فـي «أنـما» نصبـاً؛ لأن «يحسبن» حينئذ لـم يشغل بشيء عمل فـيه، وهي تطلب منصوبـين. وإنـما اخترنا ذلك لإجماع القراء علـى فتـح الألف من «أنـما» الأولـى، فدل ذلك علـى أن القراءة الصحيحة فـي «يحسبن» بـالـياء لـما وصفنا؛ وأما ألف «إنـما» الثانـية فـالكسر علـى الابتداء بـالإجماع من القراء علـيه.

اسامة محمد خيري
18-12-2016, 05:32
وقال آخرون بـما:

حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: { وَمَا كَانَ ظ±للَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ظ±لْغَيْبِ } أي فـيـما يريد أن يبتلـيكم به، لتـحذروا ما يدخـل علـيكم فـيه: { وَلَكِنَّ ظ±للَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء } يعلـمه.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بتأويـله: وما كان الله لـيطلعكم علـى ضمائر قلوب عبـاده، فتعرفوا الـمؤمن منهم من الـمنافق والكافر، ولكنه يـميز بـينهم بـالـمـحن والابتلاء كما ميز بـينهم بـالبأساء يوم أُحد، وجهاد عدوّه، وما أشبه ذلك من صنوف الـمـحن، حتـى تعرفوا مؤمنهم وكافرهم ومنافقهم. غير أنه تعالـى ذكره يجتبـي من رسله من يشاء، فـيصطفـيه، فـيطلعه علـى بعض ما فـي ضمائر بعضهم بوحيه ذلك إلـيه ورسالته. كما:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: { وَلَكِنَّ ظ±للَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء } قال: يخـلصهم لنفسه.

وإنـما قلنا هذا التأويـل أولـى بتأويـل الآية، ابتداءَها خبر من الله تعالـى ذكره أنه غير تارك عبـاده، يعنـي بغير مـحن، حتـى يفرّق بـالابتلاء بـين مؤمنهم وكافرهم وأهل نفـاقهم. ثم عقب ذلك بقوله: { وَمَا كَانَ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ظ±لْغَيْبِ } ، فكان فـيـما افتتـح به من صفة إظهار الله نفـاق الـمنافق وكفر الكافر، دلالة واضحة علـى أن الذي ولـي ذلك هو الـخبر عن أنه لـم يكن لـيطلعهم علـى ما يخفـى عنهم من بـاطن سرائرهم إلا بـالذي ذكر أنه مـميز به نعتهم إلا من استثناه من رسله الذي خصه بعلـمه.

اسامة محمد خيري
18-12-2016, 05:44
وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك عندي، قراءة من قرأ: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ يَبْخَلُونَ } بـالتاء بتأويـل: ولا تـحسبنّ أنت يا مـحمد بخـل الذين يبخـلون بـما أتاهم الله من فضله، هو خيراً لهم، ثم ترك ذكر البخـل، إذ كان فـي قوله هو خيراً لهم، دلالة علـى أنه مراد فـي الكلام، إذ كان قد تقدّمه قوله: { ظ±لَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتَـظ°هُمُ ظ±للَّهُ مِن فَضْلِهِ }.

وإنـما قلنا قراءة ذلك بـالتاء أولـى بـالصواب من قراءته بـالـياء، لأن الـمـحسبة من شأنها طلب اسم وخبر، فإذا قرىء قوله: { وَلاَ يَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ يَبْخَلُونَ } بـالـياء لـم يكن للـمـحسبة اسم يكون قوله: { هُوَ خَيْراً لَّهُمْ } خبراً عنه، وإذا قرىء ذلك بـالتاء كان قوله: { ظ±لَّذِينَ يَبْخَلُونَ } اسماً له، قد أدّى عن معنى البخـل الذي هو اسم الـمـحسبة الـمتروك، وكان قوله: { هُوَ خَيْراً لَّهُمْ } خبراً لها، فكان جارياً مـجرى الـمعروف من كلام العرب الفصيح.

فلذلك اخترنا القراءة بـالتاء فـي ذلك علـى ما بـيناه، وإن كانت القراءة بـالـياء غير خطأ، ولكنه لـيس بـالأفصح ولا الأشهر من كلام العرب.

وأما تأويـل الآية الذي هو تأويـلها علـى ما اخترنا من القراءة فـي ذلك: ولا تـحسبنّ يا مـحمد، بخـل الذين يبخـلون بـما أعطاهم الله فـي الدنـيا من الأموال، فلا يخرجون منه حقّ الله الذي فرضه علـيهم فـيه من الزكوات هو خيراً لهم عند الله يوم القـيامة، بل هو شرّ لهم عنده فـي الآخرة. كما:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: «وَلا تَـحْسَبنَّ الَّذِينَ يَبْخَـلُونَ بِـمَا آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرا لَهُمْ بَلْ هُو شَرّ لَهُمْ»: هم الذين آتاهم الله من فضله، فبخـلوا أن ينفقوها فـي سبـيـل الله، ولـم يؤدّوا زكاتها.

وقال آخرون: بل عنى بذلك الـيهود الذين بخـلوا أن يبـينوا للناس ما أنزل الله فـي التوراة من أمر مـحمد صلى الله عليه وسلم ونعته. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي عمي، ثنـي أبـي، قال: قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: «وَلا تَـحْسَبنَّ الَّذِينَ يَبْخَـلُونَ بِـمَا آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ»... إلـى { سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ظ±لْقِيَـظ°مَةِ } يعنـي بذلك: أهل الكتاب أنهم بخـلوا بـالكتاب أن يبـينوه للناس.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد قوله: «وَلا تَـحْسَبنَّ الَّذِينَ يَبْخَـلُونَ بِـمَا آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ» قال: هم يهود، إلـى قوله:
{ وَظ±لْكِتَـظ°بِ ظ±لْمُنِيرِ }
[آل عمران: 184]

وأولـى التأويـلـين بتأويـل هذه الآية التأويـل الأوّل وهو أنه معنـيّ بـالبخـل فـي هذا الـموضع: منع الزكاة لتظاهر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تأوّل قوله: { سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ظ±لْقِيَـظ°مَةِ } قال: البخيـل الذي منع حقّ الله منه أنه يصير ثعبـاناً فـي عنقه، ولقول الله عقـيب هذه الآية:
{ لَّقَدْ سَمِعَ ظ±للَّهُ قَوْلَ ظ±لَّذِينَ قَالُوغ¤اْ إِنَّ ظ±للَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ }
[آل عمران: 181] فوصف جلّ ثناؤه قول الـمشركين من الـيهود الذين زعموا عند أمر الله إياهم بـالزكاة أن الله فقـير.

اسامة محمد خيري
18-12-2016, 06:15
وأولـى هذه الأقوال بـالصواب فـي تأويـل قوله: { لاَ تَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ }... الآية، قول من قال: عنـي بذلك أهل الكتاب الذين أخبر الله جلّ وعزّ أنه أخذ ميثاقهم، لـيبـيننّ للناس أمر مـحمد صلى الله عليه وسلم، ولا يكتـمونه، لأن قوله: { لاَ تَحْسَبَنَّ ظ±لَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ }... الآية فـي سياق الـخبر عنهم، وهو شبـيه بقصتهم مع اتفـاق أهل التأويـل علـى أنهم الـمعنـيون بذلك، فإذ كان ذلك كذلك، فتأويـل الآية: لا تـحسبن يا مـحمد الذين يفرحون بـما أتوا من كتـمانهم الناس أمرك، وأنك لـي رسول مرسل بـالـحقّ، وهم يجدونك مكتوبـاً عندهم فـي كتبهم، وقد أخذت علـيهم الـميثاق بـالإقرار بنبوّتك، وبـيان أمرك للناس، وأن لا يكتـموهم ذلك، وهم مع نقضهم ميثاقـي الذي أخذت علـيهم بذلك، يفرحون بـمعصيتهم إياي فـي ذلك، ومخالفتهم أمري، ويحبون أن يحمدهم الناس بأنهم أهل طاعة لله وعبـادة وصلاة وصوم، واتبـاع لوحيه، وتنزيـله الذي أنزله علـى أنبـيائه، وهم من ذلك أبرياء أخـلـياء لتكذيبهم رسوله، ونقضهم ميثاقه الذي أخذ علـيهم، لـم يفعلوا شيئاً مـما يحبون أن يحمدهم الناس علـيه، فلا تـحسبنهم بـمفـازة من العذاب، ولهم عذاب ألـيـم. وقوله: { فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ ظ±لْعَذَابِ } فلا تظنهم بـمنـجاة من عذاب الله الذي أعدّه لأعدائه فـي الدنـيا من الـخسف والـمسخ والرجف والقتل، وما أشبه ذلك من عقاب الله، ولا هم ببعيد منه

اسامة محمد خيري
18-12-2016, 06:28
وقال آخرون: معنى ذلك: ربنا إنك من تدخـل النار من مخـلد فـيها وغير مخـلد فـيها، فقد أخزي بـالعذاب. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا الـحرث بن مسلـم، عن يحيـى بن عمرو بن دينار، قال: قدم علـينا جابر بن عبد الله فـي عمرة، فـانتهيت إلـيه أنا وعطاء، فقلت: { رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ظ±لنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ }؟ قال: وما إخزاؤه حين أحرقه بـالنار! وإن دون ذلك لـخزياً.

وأولـى القولـين بـالصواب عندي قول جابر: إن من أدخـل النار فقد أخزي بدخوله إياها، وإن أخرج منها. وذلك أن الـخزي إنـما هو هتك ستر الـمخزي وفضيحته، ومن عاقبه ربه فـي الآخرة علـى ذنوبه، فقد فضحه بعقابه إياه، وذلك هو الـخزي.

اسامة محمد خيري
18-12-2016, 06:31
حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـظ°نِ } قال: ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول مـحمد بن كعب، وهو أن يكون الـمنادي القرآن؛ لأن كثـيراً مـمن وصفهم الله بهذه الصفة فـي هذه الآيات لـيسوا مـمن رأى النبـي صلى الله عليه وسلم ولا عاينه، فسمعوا دعاءه إلـى الله تبـارك وتعالـى ونداءه، ولكنه القرآن. وهو نظير قوله جلّ ثناؤه مخبراً عن الـجن إذ سمعوا كلام الله يتلـى علـيهم أنهم قالوا:
{ إنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَبَاً يَهْدِى إِلَى ظ±لرُّشْدِ }
[]. وبنـحو ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـظ°نِ } إلـى قوله: { وَتَوَفَّنَا مَعَ ظ±لاْبْرَارِ } سمعوا دعوة من الله فأجابوها، فأحسنوا الإجابة فـيها، وصبروا علـيها، ينبئكم الله عن مؤمن الإنس كيف قال، وعن مؤمن الـجنّ كيف قال. فأما مؤمن الـجنّ، فقال:
{ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيغ¤ إِلَى ظ±لرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً }
[الجن: 1-2]؛ وأما مؤمن الإنس، فقال: { إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـظ°نِ أَنْ ءامِنُواْ بِرَبّكُمْ فَـئَامَنَّا رَبَّنَا فَظ±غْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنا }... الآية.

اسامة محمد خيري
18-12-2016, 06:35
{ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىظ° رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ظ±لْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ظ±لْمِيعَادَ }

إن قال لنا قائل: وما وجه مسألة هؤلاء القوم ربهم أن يؤتـيهم ما وعدهم، وقد علـموا أن الله منـجز وعده، وغير جائز أن يكون منه إخلاف موعد؟ قـيـل: اختلف فـي ذلك أهل البحث، فقال بعضهم: ذلك قول خرج مخرج الـمسألة، ومعناه الـخبر، قالوا: وإنـما تأويـل الكلام: ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيـمان أن آمنوا بربكم فآمنا، ربنا فـاغفر لنا ذنوبنا، وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار، لتؤتـينا ما وعدتنا علـى رسلك، ولا تـخزنا يوم القـيامة، قالوا: ولـيس ذلك علـى أنهم قالوا: إن توفـيتنا مع الأبرار فـانـجز لنا ما وعدتنا لأنهم قد علـموا أن الله لا يخـلف الـميعاد، وأن ما وعد علـى ألسنة رسله لـيس يعطيه بـالدعاء، ولكنه تفضل بإيتائه، ثم ينـجزه.

وقال آخرون: بل ذلك قول من قائله علـى معنى الـمسألة والدعاء لله، بأن يجعلهم مـمن آتاهم ما وعدهم من الكرامة علـى ألسن رسله، لا أنهم كانوا قد استـحقوا منزلة الكرامة عند الله فـي أنفسهم، ثم سألوه أن يؤتـيهم ما وعدهم بعد علـمهم بـاستـحقاقهم عند أنفسهم، فـيكون ذلك منهم مسألة لربهم أن لا يخـلف وعده، قالوا: ولو كان القوم إنـما سألوا ربهم أن يؤتـيهم ما وعد الأبرار، لكانوا قد زكوا أنفسهم، وشهدوا لها أنها مـمن قد استوجب كرامة الله وثوابه، قالوا: ولـيس ذلك صفة أهل الفضل من الـمؤمنـين.

وقال آخرون: بل قالوا هذا القول علـى وجه الـمسألة، والرغبة منهم إلـى الله أن يؤتـيهم ما وعدهم من النصر علـى أعدائهم من أهل الكفر، والظفر بهم، وإعلاء كلـمة الـحق علـى البـاطل، فـيعجل ذلك لهم، قالوا: ومـحال أن يكون القوم مع وصف الله إياهم بـما وصفهم به كانوا علـى غير يقـين من أن الله لا يخـلف الـميعاد، فـيرغبوا إلـى الله جل ثناؤه فـي ذلك، ولكنهم كانوا وعدوا النصر، ولـم يوقت لهم فـي تعجيـل ذلك لهم، لـما فـي تعجله من سرور الظفر وراحة الـجسد.

والذي هو أولـى الأقوال بـالصواب فـي ذلك عندي: أن هذه الصفة، صفة من هاجر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من وطنه وداره، مفـارقاً لأهل الشرك بـالله إلـى الله ورسوله، وغيرهم من تبـاع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين رغبوا إلـى الله فـي تعجيـل نصرتهم علـى أعداء الله وأعدائهم، فقالوا: ربنا آتنا ما وعدتنا من نصرتك علـيهم عاجلاً، فإنك لا تـخـلف الـميعاد، ولكن لا صبر لنا علـى أناتك وحلـمك عنهم، فعجل حربهم، ولنا الظفر علـيهم. يدل علـى صحة ذلك آخر الآية الأخرى، وهو قوله:
{ فَظ±سْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىظ° بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَظ±لَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـظ°رِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَـظ°تَلُواْ وَقُتِلُواْ }

آل عمران: 195]... الآيات بعدها. ولـيس ذلك مـما ذهب إلـيه الذين حكيت قولهم فـي شيء، وذلك أنه غير موجود فـي كلام العرب أن يقال: افعل بنا يا رب كذا وكذا، بـمعنى: افعل بنا لكذا الذي ولو جاز ذلك، لـجاز أن يقول القائل لآخر: أقبل إلـيّ وكلـمنـي، بـمعنى: أقبل إلـيّ لتكلـمنـي، وذلك غير موجود فـي الكلام، ولا معروف جوازه، وكذلك أيضاً غير معروف فـي الكلام: آتنا ما وعدتنا، بـمعنى: اجعلنا مـمن آتـيته ذلك وإن كان كلّ من أعطى شيئاً سنـياً فقد صير نظيراً لـمن كان مثله فـي الـمعنى الذي أعطيه، ولكن لـيس الظاهر من معنى الكلام ذلك، وإن كان قد يؤول معناه إلـيه.

فتأويـل الكلام إذًا: ربنا أعطنا ما وعدتنا علـى ألسن رسلك أنك تعلـى كلـمتك كلـمة الـحق، بتأيـيدنا علـى من كفر بك وحادّك وعبد غيرك، وعجِّل لنا ذلك، فإنا قد علـمنا أنك لا تـخـلف ميعادك، ولا تـخزنا يوم القـيامة، فتفضحنا بذنوبنا التـي سلكت منا، ولكن كفّرها عنا واغفرها لنا. وقد:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: { رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىظ° رُسُلِكَ } قال: يستنـجز موعود الله علـى رسله.

اسامة محمد خيري
18-12-2016, 06:47
وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية ما قاله مـجاهد، وذلك أن الله جلّ ثناؤه عمّ بقوله: { وَإِن مِّنْ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ } أهل الكتاب جميعاً، فلـم يخصص منهم النصارى دون الـيهود، ولا الـيهود دون النصارى، وإنـما أخبر أن من أهل الكتاب من يؤمن بـالله، وكلا الفريقـين، أعنـي الـيهود والنصارى، من أهل الكتاب.

فإن قال قائل: فما أنت قائل فـي الـخبر الذي رويت عن جابر وغيره أنها نزلت فـي النـجاشي وأصحابه؟ قـيـل: ذلك خبر فـي إسناده نظر، ولو كان صحيحاً لا شكّ فـيه لـم يكن لـما قلنا فـي معنى الآية بخلاف، وذلك أن جابراً ومن قال بقوله إنـما قالوا: نزلت فـي النـجاشي، وقد تنزل الآية فـي الشيء ثم يعمّ بها كلّ من كان فـي معناه. فـالآية وإن كانت نزلت فـي النـجاشي، فإن الله تبـارك وتعالـى قد جعل الـحكم الذي حكم به للنـجاشي حكماً لـجميع عبـاده الذين هم بصفة النـجاشي فـي اتبـاعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والتصديق بـما جاءهم به من عند الله، بعد الذي كانوا علـيه قبل ذلك من اتبـاع أمر الله فـيـما أمر به عبـاده فـي الكتابـين: التوراة والإنـجيـل. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الآية: وإن من أهل الكتاب التوراة والإنـجيـل لـمن يؤمن بـالله، فـيقرّ بوحدانـيته، وما أنزل إلـيكم أيها الـمؤمنون، يقول: وما أنزل إلـيكم من كتابه ووحيه، علـى لسان رسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزل إلـيهم، يعنـي: وما أنزل علـى أهل الكتاب من الكتب، وذلك التوراة والإنـجيـل والزبور، خاشعين لله، يعنـي: خاضعين لله بـالطاعة، مستكينـين له بها متذللـين

اسامة محمد خيري
18-12-2016, 06:51
وقال آخرون: معنى ذلك: اصبروا علـى الـجهاد، وصابروا عدوّكم ورابطوهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلـم فـي قوله: { ظ±صْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ } قال: اصبروا علـى الـجهاد، وصابروا عدوّكم، ورابطوا علـى عدوّكم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا مطرف بن عبد الله الـمرّي، قال: ثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلـم، قال: كتب أبو عبـيدة بن الـجراح إلـى عمر بن الـخطاب، فذكر له جموعاً من الروم وما يتـخوّف منهم، فكتب إلـيه عمر: أما بعد، فإنه مهما نزل بعبد مؤمن منزلة شدة يجعل الله بعدها فرجاً، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله يقول فـي كتابه: { يَـأَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ ظ±صْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَظ±تَّقُواْ ظ±للَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.

وقال آخرون: معنى: { وَرَابِطُواْ }: أي رابطوا علـى الصلوات: أي انتظروها واحدة بعد واحدة.

....وكذلك قوله { وَرَابِطُواْ } معناه: ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم من أهل الشرك فـي سبـيـل الله. وأرى أنّ أصل الربـاط: ارتبـاط الـخيـل للعدوّ، كما ارتبط عدوّهم لهم خيـلهم، ثم استعمل ذلك فـي كل مقـيـم فـي ثغر، يدفع عمن وراءه من أراده من أعدائهم بسوء، ويحمي عنهم من بـينه وبـينهم، مـمن بغاهم بشرّ كان ذا خيـل قد ارتبطها، أو ذا رُجْلة لا مركب له.

وإنـما قلنا: معنى { وَرَابِطُواْ }: ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم، لأن ذلك هو الـمعنى الـمعروف من معانـي الربـاط. وإنـما توجه الكلام إلـى الأغلب الـمعروف فـي استعمال الناس من معانـيه دون الـخفـيّ، حتـى يأتـي بخلاف ذلك ما يوجب صرفه إلـى الـخفـيّ من معانـيه حجةٌ يجب التسلـيـم لها من كتاب أو خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إجماع من أهل التأويـل.

اسامة محمد خيري
19-12-2016, 05:04
سورة النساء

قال أبو جعفر: وعلـى هذا التأويـل قرأ ذلك من قرأه نصبـاً، بـمعنى: واتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوا الأرحام أن تقطعوها، عطفـاً بـالأرحام فـي إعرابها بـالنصب علـى اسم الله تعالـى ذكره. قال: والقراءة التـي لا نستـجيز للقارىء أن يقرأ غيرها فـي ذلك النصب: { وَظ±تَّقُواْ ظ±للَّهَ ظ±لَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَظ±لأَرْحَامَ } بـمعنى: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، لـما قد بـينا أن العرب لا تعطف بظاهر من الأسماء علـى مكنـيّ فـي حال الـخفض، إلا فـي ضرورة شعر، علـى ما قد وصفت قبل.

اسامة محمد خيري
19-12-2016, 05:12
قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية قول من قال: تأويـل ذلك: ولا تتبدّلوا أموال أيتامكم أيها الأوصياء الـحرام علـيكم الـخبـيث لكم، فتأخذوا رفـائعها وخيارها وجيادها «بـالطيب الـحلال لكم من أموالكم» { وتـجعلوا } الرديء الـخسيس بدلاً منه.

وذلك أن تَبَدّل الشيء بـالشيء فـي كلام العرب أخذ شيء مكان آخر غيره، يعطيه الـمأخوذ منه، أو يجعله مكان الذي أخذ. فإذا كان ذلك معنى التبديـل والاستبدال، فمعلوم أن الذي قاله ابن زيد من أن معنى ذلك: هو أخذ أكبر ولد الـميت جميع مال ميته ووالده دون صغارهم إلـى ماله، قول لا معنى له، لأنه إذا أخذ الأكبر من ولده جميع ماله دون الأصاغر منهم، فلـم يستبدل مـما أخذ شيئاً. فما التبدّل الذي قال جلّ ثناؤه: { أَمْوظ°لَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ظ±لْخَبِيثَ بِظ±لطَّيّبِ } ولـم يبدّل الآخذ مكان الـمأخوذ بدلاً؟ وأما الذي قاله مـجاهد وأبو صالـح من أن معنى ذلك لا تتعجل الرزق الـحرام قبل مـجيء الـحلال، فإنهما أيضاً إن لـم يكونا أرادا بذلك نـحو القول الذي روي عن ابن مسعود أنه قال: إن الرجل لـيحرم الرزق بـالـمعصية يأتـيها، ففساده نظير فساد قول ابن زيد، لأن من استعجل الـحرام فأكله، ثم آتاه الله رزقه الـحلال فلـم يبدّل شيئاً مكان شيء، وإن كانا أرادا بذلك أن الله جلّ ثناؤه نهى عبـاده أن يستعجلوا الـحرام فـيأكلوه قبل مـجيء الـحلال، فـيكون أكلهم ذلك سببـاً لـحرمان الطيب منه، فذلك وجه معروف، ومذهب معقول يحتـمله التأويـل، غير أن الأشبه فـي ذلك بتأويـل الآية ما قلنا، لأن ذلك هو الأظهر من معانـيه، لأن الله جلّ ثناؤه إنـما ذكر ذلك فـي قصة أموال الـيتامى وأحكامها، فلا يكون ذلك من جنس حكم أوّل الآية، فأخرجها من أن يكون من غير جنسه.

اسامة محمد خيري
19-12-2016, 05:26
قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال التـي ذكرناها فـي ذلك بتأويـل الآية قول من قال: تأويـلها: وإن خفتـم ألا تقسطوا فـي الـيتامى، فكذلك فخافوا فـي النساء، فلا تنكحوا منهنّ إلا ما لا تـخافون أن تـجوروا فـيه منهنّ من واحدة إلا الأربع، فإن خفتـم الـجور فـي الواحدة أيضاً فلا تنكحوها، ولكن علـيكم بـما ملكت أيـمانكم، فإنه أحرى أن لا تـجوروا علـيهنّ.

وإنـما قلنا: إن ذلك أولـى بتأويـل الآية، لأن الله جلّ ثناؤه افتتـح الآية التـي قبلها بـالنهي عن أكل أموال الـيتامى بغير حقها، وخـلطها بغيرها من الأموال، فقال تعالـى ذكره:
{ وَءاتُواْ ظ±لْيَتَـظ°مَىظ° أَمْوظ°لَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ظ±لْخَبِيثَ بِظ±لطَّيّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوظ°لَهُمْ إِلَىظ° أَمْوظ°لِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً }
[النساء: 2]. ثم أعلـمهم أنهم إن اتقوا الله فـي ذلك فتـحرّجوا فـيه، فـالواجب علـيهم من اتقاء الله، والتـحرّج فـي أمر النساء مثل الذي علـيهم من التـحرّج فـي أمر الـيتامى، وأعلـمهم كيف التـخـلص لهم من الـجور فـيهنّ، كما عرّفهم الـمخـلص من الـجور فـي أموال الـيتامى، فقال: انكحوا إن أمنتـم الـجور فـي النساء علـى أنفسكم، ما أبحت لكم منهنّ وحللته، مثنى وثلاث وربـاع، فإن خفتـم أيضاً الـجور علـى أنفسكم فـي أمر الواحدة بأن تقدروا علـى إنصافها، فلا تنكحوها، ولكن تسرّوا من الـمـمالـيك، فإنكم أحرى أن لا تـجوروا علـيهنّ، لأنهنّ أملاككم وأموالكم، ولا يـلزمكم لهنّ من الـحقوق كالذي يـلزمكم للـحرائر، فـيكون ذلك أقرب لكم إلـى السلامة من الإثم والـجور، ففـي الكلام إذ كان الـمعنى ما قلنا، متروك استغنى بدلالة ما ظهر من الكلام عن ذكره. وذلك أن معنى الكلام: وإن خفتـم ألا تقسطوا فـي أموال الـيتامى فتعدّلوا فـيها، فكذلك فخافوا ألا تقسطوا فـي حقوق النساء التـي أوجبها الله علـيكم، فلا تتزّوّجوا منهنّ إلا ما أمنتـم معه الـجور، مثنى وثلاث وربـاع، وإن خفتـم أيضاً فـي ذلك فواحدة، وإن خفتـم فـي الواحدة فما ملكت أيـمانكم فترك ذكر قوله فكذلك فخافوا أن تقسطوا فـي حقوق النساء بدلالة ما ظهر من قوله تعالـى: { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوظ°حِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـظ°نُكُمْ }.


فإن قال قائل: فأين جواب قوله: { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى ظ±لْيَتَـظ°مَىظ° }؟ قـيـل: قوله: { فَظ±نكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ } غير أن الـمعنى الذي يدلّ علـى أن الـمراد بذلك ما قلنا: قوله: { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوظ°حِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـظ°نُكُمْ ذظ°لِكَ أَدْنَىظ° أَلاَّ تَعُولُواْ }....

اسامة محمد خيري
19-12-2016, 05:34
قال أبو جعفر: وأولـى التأويلات التـي ذكرناها فـي ذلك التأويـل الذي قلناه، وذلك أن الله تبـارك وتعالـى ابتدأ ذكر هذه الآية بخطاب الناكحين النساء، ونهاهم عن ظلـمهنّ والـجور علـيهنّ، وعرفهم سبـيـل النـجاة من ظلـمهنّ؛ ولا دلالة فـي الآية علـى أن الـخطاب قد صرف عنهم إلـى غيرهم. فإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الذين قـيـل لهم:
{ فَظ±نكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ظ±لنِّسَآءِ مَثْنَىظ° وَثُلَظ°ثَ وَرُبَظ°عَ }
[النساء: 3] هم الذين قـيـل لهم: { وَءاتُواْ ظ±لنِّسَاءَ صَدُقَـظ°تِهِنَّ } وأن معناه: وآتوا من نكحتـم من النساء صدقاتهنّ نـحلة، لأنه قال فـي الأوّل:
{ فَظ±نكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ظ±لنِّسَآءِ }
[النساء: 3] ولـم يقل: فـانكحوا، فـيكون قوله: { وَءاتُواْ ظ±لنِّسَاءَ صَدُقَـظ°تِهِنَّ } مصروفـاً إلـى أنه معنـيّ به أولـياء النساء دون أزواجهنّ، وهذا أمر من الله أزواج النساء الـمدخول بهنّ والـمسمى لهنّ الصداق أن يؤتوهنّ صدقاتهنّ دون الـمطلقات قبل الدخول مـمن لـم يسمّ لها فـي عقد النكاح صداق.

اسامة محمد خيري
19-12-2016, 05:43
قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي تأويـل ذلك عندنا أن الله جلّ ثناؤه عمّ بقوله: { وَلاَ تُؤْتُواْ ظ±لسُّفَهَاءَ أَمْوظ°لَكُمُ } فلـم يخصص سفـيهاً دون سفـيه، فغير جائز لأحد أن يؤتـي سفـيهاً ماله صبـياً صغيراً كان أو رجلاً كبـيراً ذكرا كان أو أنثى، والسفـيه الذي لا يجوز لولـيه أن يؤتـيه ماله، هو الـمستـحقّ الـحجر بتضيـيعه ماله وفساده وإفساده وسوء تدبـيره ذلك.

وإنا قلنا ما قلنا من أن الـمعنـيّ بقوله: { وَلاَ تُؤْتُواْ ظ±لسُّفَهَاءَ } هو من وصفنا دون غيره، لأن الله جلّ ثناؤه قال فـي الآية التـي تتلوها:
{ وَظ±بْتَلُواْ ظ±لْيَتَامَىظ° حَتَّىظ° إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَظ±دْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ }
[النساء: 6] فأمر أولـياء الـيتامى بدفع أموالهم إلـيهم إذا بلغوا النكاح وأونس منهم الرشد، وقد يدخـل فـي الـيتامى الذكور والإناث، فلـم يخصص بـالأمر يدفع مالهم من الأموال الذكور دون الإناث، ولا الإناث دون الذكور. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الذين أمر أولـياؤهم بدفعهم أموالهم إلـيهم، وأجيز للـمسلـمين مبـايعتهم، ومعاملتهم غير الذين أمر أولـياؤهم بـمنعهم أموالهم، وحظر علـى الـمسلـمين مداينتهم ومعاملتهم، فإذ كان ذلك كذلك، فبـين أن السفهاء الذين نهى الله الـمؤمنـين أن يؤتوهم أموالهم، هم الـمستـحقون الـحجر، والـمستوجبون أن يولـى علـيهم أموالهم، وهم من وصفنا صفتهم قبل، وأن من عدا ذلك، فغير سفـيه، لأن الـحجر لا يستـحقه من قد بلغ، وأونس رشده. وأما قول من قال: عنى بـالسفهاء النساء خاصة، فإنه جعل اللغة علـى غير وجهها، وذلك أن العرب لا تكاد تـجمع فعيلاً علـى فعلاء، إلا فـي جمع الذكور، أو الذكور والإناث؛ وأما إذا أرادوا جمع الإناث خاصة لا ذكران معهم، جمعوه علـى فعائل وفعيلات، مثل غريبة تـجمع غرائب وغريبـات؛ فأما الغربـاء فجمع غريب.

اسامة محمد خيري
19-12-2016, 10:42
حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: { فإنْ ءَانَسْتُم مِنْهُمْ رُشْداً } قال: صلاحاً وعلـماً بـما يصلـحه.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال عندي بـمعنى الرشد فـي هذا الـموضع: العقل وإصلاح الـمال؛ لإجماع الـجميع علـى أنه إذا كان كذلك لـم يكن مـمن يستـحقّ الـحجر علـيه فـي ماله، وحوز ما فـي يده عنه، وإن كان فـاجراً فـي دينه. وإذ كان ذلك إجماعاً من الـجميع، فكذلك حكمه إذا بلغ وله مال فـي يدي وصي أبـيه أو فـي يد حاكم قد ولـي ماله لطفولته، واجب علـيه تسلـيـم ماله إلـيه، إذا كان عاقلاً بـالغاً، مصلـحاً لـماله، غير مفسد؛ لأن الـمعنى الذي به يستـحقّ أن يولـي علـى ماله الذي هو فـي يده، هو الـمعنى الذي به يستـحقّ أن يـمنع يده من ماله الذي هو فـي يد ولـيّ، فإنه لا فرق بـين ذلك. وفـي إجماعهم علـى أنه غير جائز حيازة ما فـي يده فـي حال صحة عقله وإصلاح ما فـي يده، الدلـيـلُ الواضح علـى أنه غير جائز منع يده مـما هو له فـي مثل ذلك الـحال، وإن كان قبل ذلك فـي يد غيره لا فرق بـينهما. ومن فرق بـين ذلك عكس علـيه القول فـي ذلك، وسئل الفرق بـينهما من أصل أو نظير، فلن يقول فـي أحدهما قولاً إلا ألزم فـي الآخر مثله. فإن كان ما وصفنا من الـجميع إجماعاً، فبـين أن الرشد الذي به يستـحقّ الـيتـيـم إذا بلغ فأونس منه دفع ماله إلـيه، ما قلنا من صحة عقله وإصلاح ماله....

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال بـالـمعروف الذي عناه الله تبـارك وتعالـى فـي قوله: { وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِظ±لْمَعْرُوفِ }: أكل مال الـيتـيـم عند الضرورة والـحاجة إلـيه علـى وجه الاستقراض منه، فأما علـى غير ذلك الوجه، فغير جائز له أكله. وذلك أن الـجميع مـجمعون علـى أن والـي الـيتـيـم لا يـملك من مال يتـيـمه إلا القـيام بـمصلـحته. فلـما كان إجماعاً منهم أنه غير مالكه، وكان غير جائز لأحد أن يستهلك مال أحد غيره، يتـيـماً كان ربّ الـمال أو مدركاً رشيداً، وكان علـيه إن تعدّى فـاستهلكه بأكل أو غيره ضمانه لـمن استهلكه علـيه بإجماع من الـجميع، وكان والـي الـيتـيـم سبـيـله سبـيـل غيره فـي أنه لا يـملك مال يتـيـمه، كان كذلك حكمه فـيـما يـلزمه من قضائه إذا أكل منه سبـيـله سبـيـل غيره وإن فـارقه فـي أن له الاستقراض منه عند الـحاجة إلـيه كما له الاستقراض علـيه عند حاجته إلـى ما يستقرض علـيه إذا كان قـيـماً بـما فـيه مصلـحته، ولا معنى لقول من قال: إنـما عنى بـالـمعروف فـي هذا الـموضع أكل والـي الـيتـيـم، من مال الـيتـيـم؛ لقـيامه علـى وجه الاعتـياض علـى عمله وسعيه، لأن الوالـي الـيتـيـم أن يؤاجر نفسه منه للقـيام بأموره إذا كان الـيتـيـم مـحتاجاً إلـى ذلك بأجرة معلومة، كما يستأجر له غيره من الأجراء، وكما يشتري له من نصيبه غنـياً كان الوالـي أو فقـيراً.

وإذا كان ذلك كذلك، وكان الله تعالـى ذكره قد دلّ بقوله: { وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِظ±لْمَعْرُوفِ } علـى أنه أكل مال الـيتـيـم إنـما أذن لـمن أذن له من ولاته فـي حال الفقر والـحاجة، وكانت الـحال التـي للولاة أن يؤجروا أنفسهم من الأيتام مع حاجة الأيتام إلـى الأجراء، غير مخصوص بها حال غنى ولا حال فقر، كان معلوماً أن الـمعنى الذي أبـيح لهم من أموال أيتامهم فـي كلّ أحوالهم، غير الـمعنى الذي أبـيح لهم ذلك فـيه فـي حال دون حال. ومن أبى ما قلنا مـمن زعم أن لولـيّ الـيتـيـم أكل مال يتـيـمه عند حاجته إلـيه علـى غير وجه القرض استدلالاً بهذه الآية، قـيـل له: أمـجمع علـى أن الذي قلت تأويـل قوله: { وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِظ±لْمَعْرُوفِ }؟ فإن قال لا، قـيـل له: فما برهانك علـى أن ذلك تأويـله، وقد علـمت أنه غير مالك مال يتـيـمه؟ فإن قال: لأن الله أذن له بأكله، قـيـل له: أذن له بأكله مطلقاً، أم بشرط؟ فإن قال بشرط، وهو أن يأكله بـالـمعروف، قـيـل له: وما ذلك الـمعروف وقد علـمت القائلـين من الصحابة والتابـيعن ومن بعدهم من الـخالفـين إن ذلك هو أكله قرضاً وسلفـاً؟ ويقال لهم أيضاً مع ذلك: أرأيت الـمولـى علـيهم فـي أموالهم من الـمـجانـين والـمعاتـيه ألولاة أموالهم أن يأكلوا من أموالهم عند حاجتهم إلـيه علـى غير وجه القرض لا الاعتـياض من قـيامهم بها، كما قلتـم ذلك فـي أموال الـيتامى فأبحتـموها لهم؟ فإن قالوا ذلك لهم، خرجوا من قول جميع الـحجة، وإن قالوا لـيس ذلك لهم، قـيـل لهم: فما الفرق بـين أموالهم وأموال الـيتامى وحكم ولاتهم واحد فـي أنهم ولاة أموال غيرهم؟ فلن يقولوا فـي أحدهما شيئاً إلا ألزموا فـي الآخر مثله. ويسألون كذلك عن الـمـحجور علـيه، هل لـمن يـلـي ماله أن يأكل ماله عند حاجته إلـيه؟ نـحو سؤالناهم عن أموال الـمـجانـين والـمعاتـيه....

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال:قال ابن زيد فـي قوله: { وَإِذَا حَضَرَ ظ±لْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ظ±لْقُرْبَىظ° وَظ±لْيَتَـظ°مَىظ° وَظ±لْمَسَـظ°كِينُ } قال: القسمة: الوصية، كان الرجل إذا أوصى قالوا: فلان يقسم ماله، فقال: ارزقوهم منه، يقول: أوصوا لهم، يقول للذي يوصي: { وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } فإن لـم توصوا لهم، فقولوا لهم خيراً.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصحة قول من قال: هذه الآية مـحكمة غير منسوخة، وإنـما عنى بها: الوصية لأولـي قربى الـموصي، وعنى بـالـيتامى والـمساكين أن يقال لهم قول معروف.

وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصحة من غيره لـما قد بـينا فـي غير موضع من كتابنا هذا وغيره، أن شيئاً من أحكام الله تبـارك وتعالـى التـي أثبتها فـي كتابه أو بـينها علـى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم غير جائز فـيه أن يقال له ناسخ لـحكم آخر، أو منسوخ بحكم آخر، إلا والـحكمان اللذان قضى لأحدهما بأنه ناسخ، والآخر بأنه منسوخ ناف كل واحد منهما صاحبه، غير جائز اجتـماع الـحكم بهما فـي وقت واحد بوجه من الوجوه، وإن كان جائزاً صرفه إلـى غير النسخ، أو يقوم بأن أحدهما ناسخ والآخر منسوخ، حجة يجب التسلـيـم لها. وإذ كان ذلك كذلك لـما قد دللنا فـي غير موضع، وكان قوله تعالـى ذكره: { وَإِذَا حَضَرَ ظ±لْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ظ±لْقُرْبَىظ° وَظ±لْيَتَـظ°مَىظ° وَظ±لْمَسَـظ°كِينُ فَظ±رْزُقُوهُمْ مِّنْهُ } مـحتـملاً أن يكون مراداً به: وإذا حضر قسمة مال قاسم ماله بوصية، أولو قرابته والـيتامى والـمساكين، فـارزقوهم منه، يراد: فأوصوا لأولـي قرابتكم الذين لا يرثونكم منه، وقولوا للـيتامى والـمساكين قولاً معروفـاً، كما قال فـي موضع آخر:
{ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ظ±لْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ظ±لْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَظ±لأَقْرَبِينَ بِظ±لْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ظ±لْمُتَّقِينَ }
[البقرة: 180] ولا يكون منسوخاً بآية الـميراث لـم يكن لأحد صرفه إلـى أنه منسوخ بآية الـميراث، إذ كان لا دلالة علـى أنه منسوخ بها من كتاب أو سنة ثابتة، وهو مـحتـمل من التأويـل ما بـينا.

وإذ كان ذلك كذلك، فتأويـل قوله: { وَإِذَا حَضَرَ ظ±لْقِسْمَةَ } قسمة الـموصي ماله بـالوصية أولو قرابته والـيتامى والـمساكين، فـارزقوهم منه، يقول: فـاقسموا لهم منه بـالوصية، يعنـي: فأوصوا لأولـي القربى من أموالكم، وقولوا لهم، يعنـي الآخرين وهم الـيتامى والـمساكين، قولاً معروفـاً، يعنـي: يدعى لهم بخير، كما قال ابن عبـاس وسائر من ذكرنا قوله قبل. وأما الذين قالوا: إن الآية منسوخة بآية الـمواريث، والذين قالوا: هي مـحكمة والـمأمور بها ورثة الـميت، فإنهم وجهوا قوله: { وَإِذَا حَضَرَ ظ±لْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ظ±لْقُرْبَىظ° وَظ±لْيَتَـظ°مَىظ° وَظ±لْمَسَـظ°كِينُ فَظ±رْزُقُوهُمْ مِّنْهُ } يقول: فأعطوهم منه، وقولوا لهم قولاً معروفـاً. وقد ذكرنا بعض من قال ذلك، وسنذكر بقـية من قال ذلك مـمن لـم نذكره..

اسامة محمد خيري
19-12-2016, 10:46
قال أبو جعفر: وأولـى التأويلات بـالآية قول من قال: تأويـل ذلك: ولـيخش الذين لو تركوا من خـلفهم ذرية ضعافـاً خافوا علـيهم العيـلة لو كانوا فرّقوا أمولهم فـي حياتهم، أو قسموها وصية منهم بها لأولـي قرابتهم وأهل الـيتـم والـمسكنة، فأبقوا أموالهم لولدهم خشية العيـلة علـيهم بعدهم مع ضعفهم وعجزهم عن الـمطالب، فلـيأمروا من حضروه، وهو يوصي لذوي قرابته ـ وفـي الـيتامى والـمساكين وفـي غير ذلك ـ بـماله بـالعدل، ولـيتقوا الله، ولـيقولوا قولاً سديداً، وهو أن يعرّفوه ما أبـاح الله له من الوصية وما اختاره الـمؤمنون من أهل الإيـمان بـالله وبكتابه وسنته.

وإنـما قلنا ذلك بتأويـل الآية أولـى من غيره من التأويلات لـما قد ذكرنا فـيـما مضى قبل، من أن معنى قوله:
{ وَإِذَا حَضَرَ ظ±لْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ظ±لْقُرْبَىظ° وَظ±لْيَتَـظ°مَىظ° وَظ±لْمَسَـظ°كِينُ فَظ±رْزُقُوهُمْ مّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً }
[النساء: 8] وإذا حضر القسمة أولو القربى والـيتامى والـمساكين فأوصوا لهم، بـما قد دللنا علـيه من الأدلة. فإذا كان ذلك تأويـل قوله: { وَإِذَا حَضَرَ ظ±لْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ظ±لْقُرْبَىظ° وَظ±لْيَتَـظ°مَىظ° وَظ±لْمَسَـظ°كِينُ }... الآية، فـالواجب أن يكون قوله تعالـى ذكره: { وَلْيَخْشَ ظ±لَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ } تأديبـاً منه عبـاده فـي أمر الوصية بـما أذنهم فـيه، إذ كان ذلك عقـيب الآية التـي قبلها فـي حكم الوصية، وكان أظهر معانـيه ما قلنا، فإلـحاق حكمه بحكم ما قبله أولـى مع اشتبـاه معانـيهما من صرف حكمه إلـى غيره بـما هو له غير مشبه.

اسامة محمد خيري
19-12-2016, 10:55
قل أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك عندي أن الـمعنـي بقوله: { فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ } اثنان من إخوة الـميت فصاعداً، علـى ما قاله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دون ما قاله ابن عبـاس رضي الله عنهما، لنقل الأمة وراثة صحة ما قالوه من ذلك عن الـحجة وإنكارهم ما قاله ابن عبـاس فـي ذلك.

فإن قال قائل: وكيف قـيـل فـي الأخوين إخوة، وقد علـمت أن للأخوين فـي منطق العرب مثالاً لا يشبه مثال الإخوة فـي منطقها؟ قـيـل: إن ذلك وإن كان كذلك، فإن من شأنها التألـيف بـين الكلامين بتقارب معنـيـيهما وإن اختلفـا فـي بعض وجوههما. فلـما كان ذلك كذلك، وكان مستفـيضاً فـي منطقها منتشراً مستعملاً فـي كلامها: ضربت من عبد الله وعمرو رؤوسهما، وأوجعت منهما ظهورهما، وكان ذلك أشدّ استفـاضة فـي منطقها من أن يقال: أوجعت منهما ظهرهما، وإن كان مقولاً: أوجعت ظهرهما كما قال الفرزدق:
بِمَا في فُؤَادَيْنَا مِنَ الحب والهوى فَـيَبْرَأُ مِنْهَاضُ الفُؤَادِ الـمَشَغَّفُ
غير أن ذلك وإن كان مقولاً، فأفصح منه: بـما فـي أفئدتنا، كما قال جلّ ثناؤه: { إِن تَتُوبَا إِلَى ظ±للَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا }. فلـما كان ما وصفت من إخراج كل ما كان فـي الإنسان واحداً إذا ضمّ إلـى الواحد منه آخر من إنسان آخر، فصار اثنـين من اثنـين، فلفظ الـجمع أفصح فـي منطقها وأشهر فـي كلامها، وكان الأخوان شخصين كل واحد منهما غير صاحبه من نفسين مختلفـين أشبه معناهما معنى ما كان فـي الإنسان من أعضائه واحداً لا ثانـي له، فأخرج أنثـيـيهما بلفظ أنثى العضوين اللذين وصفت، فقـيـل إخوة فـي معنى الأخوين، كما قـيـل ظهور فـي معنى الظهرين، وأفواه فـي معنى فموين، وقلوب فـي معنى قلبـين.
...

اسامة محمد خيري
19-12-2016, 12:24
حدثنـي يحيـى بن إبراهيـم الـمسعودي، قال: ثنا أبـي، عن أبـيه، عن جده، عن الأعمش، عن إسماعيـل بن مسلـم البصري، عن الـحسن، عن عبـادة بن الصامت، قال: كنا جلوساً عند النبـيّ صلى الله عليه وسلم إذ احمّر وجهه، وكان يفعل ذلك إذا نزل علـيه الوحي، فأخذه كهيئة الغَشْي لـما يجد من ثِقل ذلك، فلـما أفـاق قال: " خُذُوا عَنِّـي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِـيلاً، والبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ ويُنْفَـيانِ سَنَةً، والثَّـيِّبـانِ يُجْلَدَانِ وَيُرْجَمانِ "

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال بـالصحة فـي تأويـل قوله: { أَوْ يَجْعَلَ ظ±للَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } قول من قال السبـيـل التـي جعلها الله جلّ ثناؤه للثـيبـين الـمـحصنـين الرجم بـالـحجارة، وللبكرين جلد مائة، ونفـي سنة لصحة الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم ولـم يجلد؛ وإجماع الـحجة التـي لا يجوز علـيها فـيـما نقلته مـجمعة علـيه الـخطأ والسهو والكذب؛ وصحة الـخبر عنه، أنه قضى فـي البكرين بجلد مائة، ونفـي سنة، فكان فـي الذي صحّ عنه من تركه، جلد من رجم من الزناة فـي عصره دلـيـل واضح علـى (وهي) الـخبر الذي روي عن الـحسن عن حطان عن عبـادة عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: السبـيـل للثـيب الـمـحصن: الـجلد والرجم. وقد ذكر أن هذه الآية فـي قراءة عبد الله: واللاتـي يأتـين بـالفـاحشة من نسائكم، والعرب تقول: أتـيت أمراً عظيـماً، وبأمر عظيـم، وتكلـمت بكلام قبـيح، وكلاماً قبـيحاً.

اسامة محمد خيري
19-12-2016, 12:30
قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بـالصواب فـي تأويـل قوله: { وَظ±للَّذَانَ يَأْتِيَـظ°نِهَا مِنكُمْ } قول من قال: عنـي به البكران غير الـمـحصنـين إذا زنـيا وكان أحدهما رجلاً والآخر امرأة، لأنه لو كان مقصود بذلك قصد البـيان عن حكم الزناة من الرجال كما كان مقصوداً بقوله:
{ وَظ±للَـظ°تِى يَأْتِينَ ظ±لْفَـظ°حِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ }
[النساء: 15] قصد البـيان عن حكم الزوانـي، لقـيـل: والذين يأتونها منكم فآذوهم، أو قـيـل: والذي يأتـيها منكم، كما قـيـل فـي التـي قبلها:

{ وَظ±للَـظ°تِى يَأْتِينَ ظ±لْفَـظ°حِشَةَ }
[النساء: 15] فأخرج ذكرهنّ علـى الـجمع، ولـم يقل: واللتان يأتـيان الفـاحشة. وكذلك تفعل العرب إذا أرادت البـيان علـى الوعيد علـى فعل أو الوعد علـيه، أخرجت أسماء أهله بذكر الـجمع أو الواحد، وذلك أن الواحد يدلّ علـى جنسه، ولا تـخرجها بذكر اثنـين، فتقول: الذين يفعلون كذا فلهم كذا، والذي يفعل كذا فله كذا، ولا تقول: اللذان يفعلان كذا فلهما كذا، إلا أن يكون فعلاً لا يكون إلا من شخصين مختلفـين كالزنا لا يكون إلا من زان وزانـية. فإذا كان ذلك كذلك، قـيـل بذكر الاثنـين، يراد بذلك الفـاعل والـمفعول به، فإما أن يذكر بذكر الاثنـين والـمراد بذلك شخصان فـي فعل قد ينفرد كلّ واحد منهما به أو فـي فعل لا يكونان فـيه مشتركين فذلك ما لا يعرف فـي كلامها. وإذا كان ذلك كذلك، فبـيِّن فساد قول من قال: عُنـي بقوله: { وَظ±للَّذَانَ يَأْتِيَـظ°نِهَا مِنكُمْ } الرجلان، وصحة قول من قال: عنـي به الرجل والـمرأة وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أنهما غير اللواتـي تقدم بـيان حكمهنّ فـي قوله: { وَظ±للَـظ°تِى يَأْتِينَ ظ±لْفَـظ°حِشَةَ } لأن هذين اثنان وأولئك جماعة. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الـحبس كان للثـيبـات عقوبة حتـى يتوفـين من قبل أن يجعل لهنّ سبـيلاً، لأنه أغلظ فـي العقوبة من الأذى الذي هو تعنـيف وتوبـيخ أو سبّ وتعيـير، كما كان السبـيـل التـي جعلت لهنّ من الرجم أغلظ من السبـيـل التـي جعلت للأبكار من جلد الـمائة ونفـي السنة...

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله تعالـى ذكره كان أمر الـمؤمنـين بأذى الزانـيـين الـمذكورين إذا أتـيا ذلك وهما من أهل الإسلام، والأذى قد يقع بكل مكروه نال الإنسان من قول سيىء بـاللسان أو فعل، ولـيس فـي الآية بـيان أن ذلك كان أمر به الـمؤمنون يومئذ، ولا خبر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من نقل الواحد ولا نقل الـجماعة الـموجب مـجيئها قطع العذر. وأهل التأويـل فـي ذلك مختلفون، وجائز أن يكون ذلك أذى بـاللسان والـيد، وجائز أن يكون كان أذى بأيهما، ولـيس فـي العلـم بأيِّ ذلك كان من أيِّ نفع فـي دين ولا دنـيا ولا فـي الـجهل به مضرّة، إذ كان الله جلّ ثناؤه قد نسخ ذلك من مـحكمه بـما أوجب من الـحكم علـى عبـاده فـيهما وفـي اللاتـي قبلهما؛ فأما الذي أوجب من الـحكم علـيهم فـيهما فما أوجب فـي سورة النور بقوله:
{ ظ±لزَّانِيَةُ وَظ±لزَّانِى فَظ±جْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ }
[النور: 2] وأما الذي أوجب فـي اللاتـي قبلهما، فـالرجم الذي قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فـيهما وأجمع أهل التأويـل جميعاً علـى أن الله تعالـى ذكره قد جعل لأهل الفـاحشة من الزناة والزوانـي سبـيلاً بـالـحدود التـي حكم بها فـيهم.

وقال جماعة من أهل التأويـل: إن الله سبحانه نسخ بقوله:
{ ظ±لزَّانِيَةُ وَظ±لزَّانِى فَظ±جْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ }
[النور: 2] قوله: { وَظ±للَّذَانَ يَأْتِيَـظ°نِهَا مِنكُمْ فَـئَاذُوهُمَا }. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { وَظ±للَّذَانَ يَأْتِيَـظ°نِهَا مِنكُمْ فَـئَاذُوهُمَا } قال: كل ذلك نسخته الآية التـي فـي النور بـالـحدّ الـمفروض.

اسامة محمد خيري
19-12-2016, 12:37
حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا معتـمر بن سلـيـمان، عن الـحكم بن أبـان، عن عكرمة، قوله: { إِنَّمَا ظ±لتَّوْبَةُ عَلَى ظ±للَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ظ±لسُّوء بِجَهَـظ°لَةٍ } قال: الدنـيا كلها جهالة.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية قول من قال: تأويـلها: إنـما التوبة علـى الله للذين يعملون السوء، وعملهم السوء هو الـجهالة التـي جهلوها عامدين كانوا للإثم، أو جاهلـين بـما أعدّ الله لأهلها. وذلك أنه غير موجود فـي كلام العرب، تسمية العامد للشيء الـجاهل به، إلا أن يكون معنـياً به أنه جاهل بقدر منفعته ومضرّته، فـيقال: هو به جاهل، علـى معنى جهله بـمعنى: نفعه وضرّه؛ فأما إذا كان عالـماً بقدر مبلغ نفعه وضرّه قاصداً إلـيه، فغير جائز من غير قصده إلـيه أن يقال هو به جاهل؛ لأن الـجاهل بـالشيء هو الذي لا يعلـمه ولا يعرفه عند التقدم علـيه، أو يعلـمه فـيشبه فـاعله، إذ كان خطأ ما فعله بـالـجاهل الذي يأتـي الأمر وهو به جاهل فـيخطىء موضع الإصابة منه، فـيقال: إنه لـجاهل به، وإن كان به عالـماً لإتـيانه الأمر الذي لا يأتـي مثله إلا أهل الـجهل به. وكذلك معنى قوله: { يَعْمَلُونَ ظ±لسُّوء بِجَهَـظ°لَةٍ } قـيـل فـيهم: يعملون السوء بجهالة وإن أتوه علـى علـم منهم بـمبلغ عقاب الله أهله، عامدين إتـيانه، مع معرفتهم بأنه علـيهم حرام، لأن فعلهم ذلك كان من الأفعال التـي لا يأتـي مثله إلا من جهل عظيـم عقاب الله علـيه أهله فـي عاجل الدنـيا وآجل الآخرة، فقـيـل لـمن أتاه وهو به عالـم: أتاه بجهالة، بـمعنى: أنه فعل فعل الـجهال به، لا أنه كان جاهلاً.

وقد زعم بعض أهل العربـية أن معناه: أنهم جهلوا كنه ما فـيه من العقاب، فلـم يعلـموه كعلـم العالـم، وإن علـموه ذنبـاً، فلذلك قـيـل: { يَعْمَلُونَ ظ±لسُّوء بِجَهَـظ°لَةٍ }. ولو كان الأمر علـى ما قال صاحب هذا القول لوجب أن لا تكون توبة لـمن علـم كنه ما فـيه. وذلك أنه جلّ ثناؤه قال: { إِنَّمَا ظ±لتَّوْبَةُ عَلَى ظ±للَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ظ±لسُّوء بِجَهَـظ°لَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ } دون غيرهم. فـالواجب علـى صاحب هذا القول أن لا يكون للعالـم الذي عمل سوءاً علـى علـم منه بكنه ما فـيه ثم تاب من قريب؛ توبة، وذلك خلاف الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن كل تائب عسى الله أن يتوب علـيه، وقوله: " بـابُ الَّتْوبَةِ مَفْتُوحٌ ما لَـمْ تَطْلُـعِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها " ، وخلاف قول الله عزّ وجلّ:
{ إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَـظ°لِحاً }
[الفرقان: 70].

...

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: تأويـله: ثم يتوبون قبل مـماتهم فـي الـحال التـي يفهمون فـيها أمر الله تبـارك وتعالـى ونهيه، وقبل أن يغلبوا علـى أنفسهم وعقولهم، وقبل حال اشتغالهم بكرب الـحشرجة وغمّ الغرغرة، فلا يعرفوا أمر الله ونهيه، ولا يعقلوا التوبة، لأن التوبة لا تكون توبة إلا مـمن ندم علـى ما سلف منه، وعزم فـيه علـى ترك الـمعاودة، وهو يعقل الندم، ويختار ترك الـمعاودة، فأما إذا كان بكرب الـموت مشغولاً، وبغمّ الـحشرجة مغموراً، فلا إخاله إلا عن الندم علـى ذنوبه مغلوبـاً، ولذلك قال من قال: إن التوبة مقبولة ما لـم يغرغر العبد بنفسه، فإن كان الـمرء فـي تلك الـحال يعقل عقل الصحيح، ويفهم فهم العاقل الأريب، فأحدث إنابة من ذنوبه، ورجعة من شروده عن ربه إلـى طاعته كان إن شاء الله مـمن دخـل فـي وعد الله الذي وعد التائبـين إلـيه من إجرامهم من قريب بقوله: { إِنَّمَا ظ±لتَّوْبَةُ عَلَى ظ±للَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ظ±لسُّوء بِجَهَـظ°لَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ }...

اسامة محمد خيري
19-12-2016, 12:46
وقال آخرون: بل عنـي بذلك أهل الإسلام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن سفـيان، قال: بلغنا فـي هذه الآية: { وَلَيْسَتِ ظ±لتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ظ±لسَّيِّئَـظ°تِ حَتَّىظ° إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ظ±لْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ظ±لْئَـظ°نَ } قال: هم الـمسلـمون، ألا ترى أنه قال: { وَلاَ ظ±لَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ }؟

وقال آخرون: بل هذه الآية كانت نزلت فـي أهل الإيـمان، غير أنها نسخت. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: { وَلَيْسَتِ ظ±لتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ظ±لسَّيِّئَـظ°تِ حَتَّىظ° إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ظ±لْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ظ±لْئَـظ°نَ وَلاَ ظ±لَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ } فأنزل الله تبـارك وتعالـى بعد ذلك:
{ إِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ }
[النساء: 4] فحرّم الله تعالـى الـمغفرة علـى من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلـى مشيئته، فلـم يؤيسهم من الـمغفرة.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب ما ذكره الثوري أنه بلغه أنه فـي الإسلام، وذلك أن الـمنافقـين كفـار، فلو كان معنـياً به أهل النفـاق لـم يكن لقوله: { وَلاَ ظ±لَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ } معنى مفهوم، لأنهم إن كانوا هم والذين قبلهم فـي معنى واحد من أن جميعهم كفـار، فلا وجه لتفريق أحد منهم فـي الـمعنى الذي من أجله بطل أن تكون توبة واحد مقبولة. وفـي تفرقة الله جلّ ثناؤه بـين أسمائهم وصفـاتهم بأن سمى أحد الصنفـين كافراً، ووصف الصنف الآخر بأنهم أهل سيئات، ولـم يسمهم كفـاراً ما دلّ علـى افتراق معانـيهم، وفـي صحة كون ذلك كذلك صحة ما قلنا، وفساد ما خالفه.

اسامة محمد خيري
19-12-2016, 13:15
حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري فـي قوله: { لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ظ±لنِّسَاء كَرْهاً } قال: نزلت فـي ناس من الأنصار كانوا إذا مات الرجل منهم فأملك الناس بـامرأته ولـيه، فـيـمسكها حتـى تـموت فـيرثها، فنزلت فـيهم.

قال أبو جعفر: وأولـى القولـين بتأويـل الآية، القول الذي ذكرناه عمن قال معناه: لا يحلّ لكم أن ترثوا النساء كرهاً أقاربكم، لأن الله جل ثناؤه قد بـين مواريث أهل الـمواريث، فذلك لأهله نـحو وراثتهم إياه الـموروث ذلك عنه من الرجال أو النساء. فقد علـم بذلك أنه جلّ ثناؤه لـم يحظر علـى عبـاده أن يرثوا النساء ما جعله لهم ميراثاً عنهن، وأنه إنـما حظر أن يكرهن موروثات بـمعنى حظر وراثة نكاحهن إذا كان ميتهم الذي ورثوه قد كان مالكاً علـيهن أمرهن فـي النكاح ملك الرجل منفعة ما استأجر من الدور والأرضين وسائر ما له منافع، فأبـان الله جل ثناؤه لعبـاده أن الذي يـملكه الرجل منهم من بضع زوجته، معناه غير معنى ما يـملك أحدهم من منافع سائر الـمـملوكات التـي تـجوز إجارتها، فإن الـمالك بضع زوجته إذا هو مات لـم يكن ما كان له ملكاً من زوجته بـالنكاح لورثته بعده، كما لهم من الأشياء التـي كان يـملكها بشراء أو هبة أو إجارة بعد موته بـميراثه ذلك عنه.


...

وأولـى هذه الأقوال التـي ذكرناها بـالصحة فـي تأويـل قوله: { وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ } قول من قال: نهى الله جلّ ثناؤه زوج الـمرأة عن التضيـيق علـيها والإضرار بها، وهو لصحبتها كاره، ولفراقها مـحبّ، لتفتدي منه ببعض ما آتاها من الصداق.

وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصحة، لأنه لا سبـيـل لأحد إلـى عضل امرأة، إلا لأحد رجلـين: إما لزوجها بـالتضيـيق علـيها وحبسها علـى نفسه، وهو لها كاره، مضارّة منه لها بذلك، لـيأخذ منها ما آتاها بـافتدائها منه نفسها بذلك، أو لولـيها الذي إليه إنكاحها، وإذا كان لا سبيل إلى عضلها لأحد غيرهما، وكان الوليّ معلوماً أنه ليس مـمن آتاها شيئاً، فيقال: إن عضلها عن النكاح عضلها ليذهب ببعض ما آتاها، كان معلوماً أن الذي عنى الله تبـارك وتعالـى بنهيه عن عضلها، هو زوجها الذي له السبـيل إلـى عضلها ضراراً لتفتدي منه.

وإذا صحّ ذلك، وكان معلوماً أن الله تعالـى ذكره لـم يجعل لأحد السبـيـل علـى زوجته بعد فراقه إياها وبـينونتها منه، فـيكون له إلـى عضلها سبـيـل لتفتدي منه من عضله إياها، أتت بفـاحشة أم لـم تأت بها، وكان الله جلّ ثناؤه قد أبـاح للأزواج عضلهنّ إذا أتـين بفـاحشة مبـينة، حتـى يفتدين منه، كان بـيناً بذلك خطأ التأويـل الذي تأوّله ابن زيد، وتأويـل من قال: عنى بـالنهي عن العضل فـي هذه الآية: أولـياء الأيامى، وصحة ما قلنا فـيه.

...

قال أبو جعفر: وأولـى ما قـيـل فـي تأويـل قوله: { إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ } أنه معنـيّ به كل فـاحشة من بذاءة بـاللسان علـى زوجها، وأذى له وزنا بفرجها. وذلك أن الله جلّ ثناؤه عمّ بقوله: { إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ } كل فـاحشة مبـينة ظاهرة، فكلّ زوج امرأة أتت بفـاحشة من الفواحش التـي هي زنا أو نشوز، فله عضلها علـى ما بـين الله فـي كتابه، والتضيـيق علـيها حتـى تفتدي منه بأيّ معانـي فواحش أتت بعد أن تكون ظاهرة مبـينة بظاهر كتاب الله تبـارك وتعالـى، وصحة الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. كالذي:

حدثنـي يونس بن سلـيـمان البصريّ، قال: ثنا حاتـم بن إسماعيـل، قال: ثنا جعفر بن مـحمد، عن أبـيه، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " اتَّقوا اللّهَ فِـي النِّساءِ، فـانَّكمْ أخَذْتُـموهُنَّ بأمانَةِ اللّهِ، وَاسْتَـحْلَلْتُـمْ فُرُوجَهنَّ بِكَلِـمَةِ اللّهِ، وَإنَّ لَكمْ عَلَـيْهنَّ أن لا يُوطِئنَ فُرشَكمْ أحَداً تَكْرَهونَهُ، فإنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فـاضْرِبوهنَّ ضَرْبـاً غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلهُنَّ عَلَـيْكمْ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بـالـمَعْرُوفِ ".


فأخبر صلى الله عليه وسلم، أن من حقّ الزوج علـى الـمرأة أن لا توطىء فراشه أحداً، وأن لا تعصيه فـي معروف وأن الذي يجب لها من الرزق والكسوة علـيه، إنما هو واجب علـيه، إذا أدّت هي إليه ما يجب علـيها من الحقّ بتركها إيطاء فراشه غيره، وتركها معصيته في معروف. ومعلوم أن معنى قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: " مِنْ حَقِّكمْ عَلَيْهِنَّ أنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أحَداً " إنما هو أن لا يمكنَّ أنفسهنّ من أحد سواكم. وإذا كان ما روينا فـي ذلك صحيحاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبين أن لزوج الـمرأة إذا أوطأت امرأته نفسها غيره، وأمكنت من جماعها سواه، أن له منعها من الكسوة والرزق بـالـمعروف، مثل الذي له من منعها ذلك إذا هي عصته فـي الـمعروف. وإذا كان ذلك له فمعلوم أنه غير مانع لها بـمنعه إياها ماله منعها حقاً لها واجبـاً علـيه. وإذا كان ذلك كذلك فبِّـين أنها إذا افتدت نفسها عند ذلك من زوجها فأخذ منها زوجها ما أعطته أنه لـم يأخذ ذلك عن عضل منهيّ عنه، بل هو أخذ ما أخذ منها عن عضل له مبـاح. وإذ كان ذلك كذلك كان بـيناً أنه داخـل فـي استثناء الله تبـارك وتعالـى الذي استثناه من العاضلـين بقوله: { وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ }. وإذ صحّ ذلك، فبـين فساد قول من قال: { إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ } منسوخ بـالـحدود، لأن الـحدّ حقّ الله تعالـى علـى من أتـى بـالفـاحشة التـي هي زنا. وأما العضل لتفتدي الـمرأة من الزوج بـما آتاها أو ببعضه فحقّ لزوجها كما عضله إياها وتضيـيقه علـيها إذا هي نشزت علـيه لتفتدي منه حقّ له، ولـيس حكم أحدهما يبطل حكم الآخر.

فمعنى الآية: ولا يحلّ لكم أيها الذين آمنوا أن تعضلوا نساءكم، فتضيقوا علـيهنّ، وتـمنعوهنّ رزقهنّ وكسوتهن بـالـمعروف، لتذهبوا ببعض ما آتـيتـموهن من صَدُقاتكم، { إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ } من زنا أو بذاء علـيكم، وخلاف لكم فـيـما يجب علـيهن لكم مبـينة ظاهره، فـيحلّ لكم حينئذٍ عضلهنّ، والتضيـيق علـيهنّ، لتذهبوا ببعض ما آتـيتـموهنّ من صداق، إن هنّ افتدين منكم به.
...

اسامة محمد خيري
20-12-2016, 05:09
حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: { وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَـظ°قاً غَلِيظاً } والـميثاق الغلـيظ: أخذتـموهنّ بأمانة الله، واستـحللتـم فروجهنّ بكلـمة الله.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بتأويـل ذلك قول من قال: الـميثاق الذي عنـي به فـي هذه الآية، هو ما أخذ للـمرأة علـى زوجها عند عقدة النكاح، من عهد علـى إمساكها بـمعروف، أو تسريحها بإحسان، فأقرّ به الرجل، لأن الله جلّ ثناؤه بذلك أوصى الرجال فـي نساءهم وقد بـينا معنى الـميثاق فـيـما مضى قبل بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

اسامة محمد خيري
20-12-2016, 05:13
قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب علـى ما قاله أهل التأويـل فـي تأويـله، أن يكون معناه: ولا تنكحوا من النساء نكاح آبـائكم إلا ما قد سلف منكم، فمضى فـي الـجاهلـية، فإنه كان فـاحشة ومقتاً وساء سبـيلاً، فـيكون قوله: { مِّنَ ظ±لنِّسَاء } من صلة قوله: { وَلاَ تَنْكِحُواْ } ويكون قوله: { مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ } بـمعنى الـمصدر، ويكون قوله: { إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } بـمعنى الاستثناء الـمنقطع، لأنه يحسن فـي موضعه: لكن ما قد سلف فمضى، إنه كان فـاحشة ومقتاً وساء سبـيلاً.

فإن قال قائل: وكيف يكون هذا القول موافقاً قول من ذكرت قوله من أهل التأويـل، وقد علـمت أن الذين ذكرت قولهم فـي ذلك، إنـما قالوا: أنزلت هذه الآية فـي النهي عن نكاح حلائل الآبـاء، وأنت تذكر أنهم إنـما نهوا أن ينكحوا نكاحهم؟ قـيـل له: وإن قلنا إن ذلك هو التأويـل الـموافق لظاهر التنزيـل، إذ كانت ما فـي كلام العرب لغير بنـي آدم، وإنه لو كان الـمقصود بذلك النهي عن حلائل الآبـاء دون سائر ما كان من مناكح آبـائهم حراماً، ابتدىء مثله فـي الإسلام، بنهي الله جلّ ثناؤه عنه، لقـيـل: ولا تنكحوا من نكح آبـاؤكم من النساء إلا ما قد سلف، لأن ذلك هو الـمعروف فـي كلام العرب، إذ كان «من» لبنـي آدم و«ما» لغيرهم، ولا تقل: ولا تنكحوا ما نكح آبـاؤكم من النساء، فإنه يدخـل فـي «ما» ما كان من مناكح آبـائهم التـي كانوا يتناكحونها فـي جاهلـيتهم، فحرم علـيهم فـي الإسلام بهذه الآية نكاح حلائل الآبـاء، وكل نكاح سواه، نهى الله تعالـى ذكره ابتداء مثله فـي الإسلام، مـما كان أهل الـجاهلـية يتناكحونه فـي شِرْكِهم.

ومعنى قوله: { إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ }: إلا ما قد مضى، { إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } يقول: إن نكاحكم الذي سلف منكم، كنكاح آبـائكم الـمـحرّم علـيكم ابتداء مثله فـي الإسلام بعد تـحريـمي ذلك علـيكم فـاحشة، يقول: معصية { وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً }: أي بئس طريقاً ومنهجاً ما كنتـم تفعلون فـي جاهلـيتكم من الـمناكح التـي كنتـم تتناكحونها.

اسامة محمد خيري
20-12-2016, 05:23
وقال آخرون: الدخول في هذا الموضع: هو التجريد.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: قلت لعطاء، قوله: { ظ±لـَّظ°تِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } ما الدخول بهنّ؟ قال: أن تهدى إليه فيكشف ويعتسّ، ويجلس بين رجليها. قلت: أرأيت إن فعل ذلك في بيت أهلها؟ قال: هو سواء، وحسبه قد حرم ذلك عليه ابنتها. قلت: تحرم الربيبة ممن يصنع هذا بأمها إلا ما يحرم عليّ من أمتي إن صنعته بأمها؟ قال: نعم سواء. قال عطاء: إذا كشف الرجل أمته وجلس بين رجليها أنهاه عن أمها وابنتها.

قال ابو جعفر:وأولى القولين عندي بالصواب في تأويل ذلك، ما قاله ابن عباس، من أن معنى الدخول: الجماع والنكاح، لأن ذلك لا يخلو معناه من أحد أمرين: إما أن يكون على الظاهر المتعارف من معاني الدخول في الناس، وهو الوصول إليها بالخلوة بها، أو يكون بمعنى الجماع، وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأته لا يحرّم عليه ابنتها إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها، أو قبل النظر إلى فرجها بالشهوة ما يدلّ على أن معنى ذل:: هو الوصول إليها بالجماع.

اسامة محمد خيري
20-12-2016, 05:31
وقال آخرون: بل معنى ذلك: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ }: عدد ما أحل لكم من المحصنات من النساء الحرائر ومن الإماء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } قال: ما ملكت أيمانكم.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، ما نحن مبينوه؛ وهو أن الله جلّ ثناؤه بين لعباده المحرّمات بالنسب والصهر، ثم المحرّمات من المحصنات من النساء، ثم أخبرهم جلّ ثناؤه أنه قد أحلّ لهم ما عدا هؤلاء المحرّمات المبينات في هاتين الآيتين أن نبتغيه بأموالنا نكاحاً وملك يمين لا سفاحاً....

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سألته عن هذه الآية: { وَظ±لْمُحْصَنَـظ°تُ مِنَ ظ±لنِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـظ°نُكُمْ } إلى هذا الموضع: { فَمَا ظ±سْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ } أمنسوخة هي؟ قال: لا. قال الحكم: قال عليّ رضي الله عنه: لولا أن عمر رضي الله عنه نهى عن المتعة ما زنى إلا شقّى.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا عيسى بن عمر القارىء الأسديّ، عن عمرو بن مرة أنه سمع سعيد بن جبير يقرأ: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ».

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأوله: فما نكحتموه منهنّ فجامعتموه فآتوهنّ أجورهنّ؛ لقيام الحجة بتحريم الله متعة النساء على غير وجه النكاح الصحيح أو الملك الصحيح على لسان رسوله اصلى الله عليه وسلم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، قال: ثنى الربيع بن سبرة الجهنيّ، عن أبيه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: " اسْتَمْتِعُوا مِنْ هَذِهِ النَّساء " والاستمتاع عندنا يومئذٍ التزويج.

وقد دللنا على أن المتعة على غير النكاح الصحيح حرام في غير هذا الموضع من كتبنا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وأما رُوي عن أبيّ بن كعب وابن عباس من قراءتهما: «فَمَا اسْتَمْتَعُتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أجل مسمّى» فقراءة بخلاف ما جاءت به مصاحف المسلمين، وغير جائز لأحد أن يلحق في كتاب الله تعالى شيئاً لم يأت به الخبر القاطع العذر عمن لا يجوّز خلافه....

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ظ±لْفَرِيضَةِ } قال: إن وضعت لك منه شيئاً فهو لك سائغ.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ولا حرج عليكم أيها الناس فيما تَراضيتم به أنتم ونساؤكم من عد إعطائهنّ أجورهنّ على النكاح الذي جرى بينكم وبينهنّ من حطّ ما وجب لهنّ عليكم، أو إبراء أو تأخير ووضع. وذلك نظير قوله جلّ ثناؤه:
{ وَءَاتُواْ ظ±لنِّسَآءَ صَدُقَظ°تِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً }
[النساء: 4]. فأما الذي قاله السدي فقول لا معنى له فساد القول بإحلال جماع امرأة بغير نكاح ولا ملك يمين.

اسامة محمد خيري
20-12-2016, 07:00
ثم اختلف أهل العلم في نكاح الفتيات غير المؤمنات، وهل عنى الله بقوله: { مّن فَتَيَـظ°تِكُمُ ظ±لْمُؤْمِنَـظ°تِ } تحريم ما عدا المؤمنات منهنّ، أم ذلك من الله تأديب للمؤمنين؟ فقال بعضهم: ذلك من الله تعالى ذكره دلالة على تحريم نكاح إماء المشركين.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: أخبرنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { مّن فَتَيَـظ°تِكُمُ ظ±لْمُؤْمِنَـظ°تِ } قال: لا ينبغي أن يتزوّج مملوكة نصرانية.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { مِّن فَتَيَـظ°تِكُمُ ظ±لْمُؤْمِنَـظ°تِ } قال: لا ينبغي للحرّ المسلم أن ينكح المملوكة من أهل الكتاب.

حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: سمعت أبا عمرو، وسعيد بن عبد العزيز، ومالك ابن أنس، ومالك بن عبد الله بن أبي مريم، يقولون: لا يحلّ لحرّ مسلم ولا لعبد مسلم الأمة النصرانية، لأن الله يقول: { مِّن فَتَيَـظ°تِكُمُ ظ±لْمُؤْمِنَـظ°تِ } يعني بالنكاح.

وقال آخرون: ذلك من الله على الإرشاد والندب، لا على التحريم. وممن قال ذلك جماعة من أهل العراق. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مغيرة، قال: قال أبو ميسرة، أما أهل الكتاب بمنزلة الحرائر.

ومنهم أبو حنيفة وأصحابه. واعتلوا لقولهم بقول الله:
{ أُحِلَّ لَكُمُ ظ±لطَّيّبَـظ°تُ وَطَعَامُ ظ±لَّذِينَ أُوتُواْ ظ±لْكِتَـظ°بَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَظ±لْمُحْصَنَـظ°تُ مِنَ ظ±لْمُؤْمِنَـظ°تِ وَظ±لْمُحْصَنَـظ°تُ مِنَ ظ±لَّذِينَ أُوتُواْ ظ±لْكِتَـظ°بَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ }
[المائدة: 5] قالوا: فقد أحلّ الله محصنات أهل الكتاب عاما، فليس لأحد أن يخصّ منهنّ أمة ولا حرّة. قالوا: ومعنى قوله: { فَتَيَـظ°تِكُمُ ظ±لْمُؤْمِنَـظ°تِ }: غير المشركات من عبدة الأوثان.

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: هو دلالة على تحريم نكاح إماء أهل الكتاب فإنهن لا يحللن إلا بملك اليمين؛ وذلك أن الله جلّ ثناؤه أحلّ نكاح الإماء بشروط، فما لم تجتمع الشروط التي سماها فيهنّ، فغير جائز لمسلم نكاحهنّ.

فإن قال قائل: فإن الآية التي في المائدة تدلّ على إباحتهنّ بالنكاح؟ قيل: إن التي في المائدة قد أبان أن حكمها في خاصّ من محصناتهم، وأنها معنّى بها حرائرهم دون إمائهم، قوله: { مِّن فَتَيَـظ°تِكُمُ ظ±لْمُؤْمِنَـظ°تِ } وليست إحدى الآيتين دافعة حكمها حكم الأخرى، بل إحداهما مبينة حكم الأخرى، وإنما تكون إحداهما دافعة حكم الأخرى لو لم يكن جائزاً اجتماع حكميهما على صحة، فأما وهما جائز اجتماع حكمهما على الصحة، فغير جائز أن يحكم لإحداهما بأنها دافعة حكم الأخرى إلا بحجة التسليم لها من خبر أو قياس، ولا خبر بذلك ولا قياس، والآية محتملة ما قلنا: والمحصنات من حرائر الذين أوتوا الكتاب من قبلكم دون إمائهم....

القول في تأويل قوله تعالى: { فَإِذَا أُحْصِنَّ }.

اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: «فإذا أَحْصَنَّ» بفتح الألف، بمعنى: إذا أسلمن فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالإسلام.

وقرأه آخرون: { فَإِذَا أُحْصِنَّ } بمعنى: فإذا تزوجن فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالإزواج.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في أمصار الإسلام، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب في قراءته الصواب. فإن ظنّ ظانّ أن ما قلنا في ذلك غير جائز إذ كانتا مختلفتي المعنى، وإنما تجوز القراءة بالوجهين فيما اتفقت عليه المعاني فقد أغفل؛ وذلك أن معنيـي ذلك وإن اختلفا فغير دافع أحدهما صاحبه، لأن الله قد أوجب على الأمة ذات الإسلام وغير ذات الإسلام على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم الحد، فقال صلى الله عليه وسلم: " إذَا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْها كِتابَ اللّهِ وَلا يُثَرّبْ عَلَيْها، ثُمَّ إنْ عادتْ فَلْيَضْرِبْها كِتابَ اللّهِ وَلاَ يُثرّبْ عَلَيْها، ثُمَّ إنْ عادَتْ فَلْيَضْرِبْها كِتابَ اللّهِ وَلا يُثَرّبْ عَلَيْها، ثُمَّ إنْ زنَتْ الرَّابِعَةَ فَلْيَضْرِبْها كِتابَ اللّهِ ولْيَبِعها ولَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ "

وقال صلى الله عليه وسلم: " أقِيمُوا الحُدُودَ على ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ " فلم يخصص بذلك ذات زوج منهنّ ولا غير ذات زوج، فالحدود واجبة على موالي الإماء إقامتها عليهنّ إذا فجرن بكتاب الله وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما:

حدثكم به ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا مالك بن أنس عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد بن خالد: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة تزني ولم تحصن، قال: " اجْلِدْها، فإنْ زَنَتْ فاجْلِدْها، فإنْ زَنَتْ فاجْلِدْها، فإنْ زَنَتْ ـ فقال في الثالثة أو الرابعة: فَبِعْهَا وَلَوْ بِضٍفِيرٍ " والضفير: الشعر.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد بن خالد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل فذكر نحوه.

فقد بين أن الحدّ الذي وجب إقامته بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإماء هو ما كان قبل إحصانهنّ؛ فأما ما وجب من ذلك عليهنّ بالكتاب، فبعد إحصانهنّ؟ قيل له: قد بينا أن أحد معاني الإحصان: الإسلام، وأن الآخر منه التزويج وأن الإحصان كلمة تشتمل على معان شتى، وليس في رواية من روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الأمة تزنى قبل أن تحصن، بيان أن التي سئل عنها النبيّ صلى الله عليه وسلم هي التي تزنى قبل التزويج، فيكون ذلك حجة لمحتجّ في أن الإحصان الذي سنّ صلى الله عليه وسلم حدّ الإماء في الزنا هو الإسلام دون التزويج، ولا أنه هو التزويج دون الإسلام. وإذ كان لا بيان في ذلك، فالصواب من القول، أن كل مملوكة زنت فواجب على مولاها إقامة الحدّ عليها، متزوّجة كانت أو غير متزوّجة، لظاهر كتاب الله والثابت من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا من أخرجه من وجوب الحدّ عليه منهنّ بما يجب التسليم له. وإذ كان ذلك كذلك تبين به صحة ما اخترنا من القراءة في قوله: { فَإِذَا أُحْصِنَّ }. فإن ظنّ ظانّ أن في قول الله تعالى ذكره: { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ظ±لْمُحْصَنَـظ°تِ ظ±لْمُؤْمِنَـظ°تِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـظ°نُكُم مّن فَتَيَـظ°تِكُمُ ظ±لْمُؤْمِنَـظ°تِ } دلالة على أن قوله: { فَإِذَا أُحْصِنَّ } معناه: تزوّجن، إذ كان ذكر ذلك بعد وصفهنّ بالإيمان بقوله: { مّن فَتَيَـظ°تِكُمُ ظ±لْمُؤْمِنَـظ°تِ } وحسب أن ذلك لا يحتمل معنى غير معنى التزويج، مع ما تقدم ذلك من وصفهنّ بالإيمان، فقد ظنّ خطأ؛ وذلك أنه غير مستحيل في الكلام أن يكون معنى ذلك: ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فيتاتكم المؤمنات، فإذا هنّ آمن فإن أتين بفاحشة، فعليهنّ نصف ما على المحصنات من العذاب، فيكون الخبر بياناً عما يجب عليهنّ من الحدّ إذا أتين بفاحشة بعد إيمانهنّ بعد البيان عما لا يجوز لناكحهنّ من المؤمنين من نكاحهنّ، وعمن يجوز نكاحه له منهنّ.

فإذ كان ذلك غير مستحيل في الكلام فغير جائز لأحد صرف معناه إلى أنه التزويج دون الإسلام، من أجل ما تقدّم من وصف الله إياهنّ بالإيمان غير أن الذي نختار لمن قرأ: «مُحْصَناتٍ غيَرَ مُسافِحاتٍ» بفتح الصاد في هذا الموضع أن يقرأ { فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـظ°حِشَةٍ } بضم الألف، ولمن قرأ { مُحْصَنَـظ°تٍ } بكسر الصاد فيه، أن يقرأ: «فإذَا أحْصَنَّ» بفتح الألف، لتأتلف قراءة القارىء على معنى واحد وسياق واحد، لقرب قوله: «محصنات» من قوله: { فَإِذَا أُحْصِنَّ } ولو خالف من ذلك لم يكن لحناً، غير أن وجه القراءة ما وصفت...

اسامة محمد خيري
20-12-2016, 07:47
وقال آخرون: بل التراضي في التجارة تواحب عقد البيع فيما تبايعه المتبايعان بينهما عن رضا من كل واحد منهما ما ملك عليه صاحبه وملك صاحبه عليه، افترقا عن مجلسهما ذلك أو لم يفترقا، تخايراً في المجلس أو لم يتخايرا فيه بعد عقده.

وعلة من قال هذه المقالة: أن البيع إنما هو بالقول، كما أن النكاح بالقول، ولا خلاف بين أهل العلم في الإجبار في النكاح لأحد المتناكحين على صاحبه، افترقا أو لم يفترقا عن مجلسهما، الذي جرى ذلك فيه قالوا: فكذلك حكم البيع. وتأوّلوا قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: " البَيِّعانِ بالخيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا " على أنه ما لم يتفرقا بالقول. وومن قال هذه المقالة مالك بن أنس، وأبو حنيفة، وأبو يوسف ومحمد.

قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب في ذلك عندنا قول من قال: إن التجارة التي هي عن تراض بين المتبايعين: ما تفرق المتبايعان على المجلس الذي تواجبا فيه بينهما عقدة البيع بأبدانهما، عن تراض منهما بالعقد الذي جرى بينهما، وعن تخيير كل واحد منهما صاحبه؛ لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما:

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا، أوْ يَكُونَ بَيْعُ خِيارٍ " وربما قال: " أوْ يَقُولُ أحَدُهُما للآخَرِ اخْتَرْ "

فإذ كان ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحاً، فليس يخلو قول أحد المتبايعين لصاحبه اختر، من أن يكون قبل عقد البيع، أو معه، أو بعده. فإن يكن قبله، فذلك الخلف من الكلام الذي لا معنى له، لأنه لم يملك قبل عقد البيع أحد المتبايعين على صاحبه، ما لم يكن له مالكاً، فيكون لتخييره صاحبه فيما يملك عليه وجه مفهوم، ولا فيهما من يجهل أنه بالخيار في تمليك صاحبه ما هو له غير مالك بعوض يعتاضه منه، فيقال له: أنت بالخيار فيما تريد أن تحدثه من بيع أو شراء. أو يكون إن بطل هذا المعنى تخيير كل واحد منهما صاحبه مع عقد البيع، ومعنى التخيير في تلك الحال، نظير معنى التخيير قبلها، لأنها حالة لم يزل فيها عن أحدهما ما كان مالكه قبل ذلك إلى صاحبه، فيكون للتخيير وجه مفهوم.

أو يكون ذلك بعد عقد البيع، إذا فسد هذان المعنيان. وإذا كان ذلك كذلك صحّ أن المعنى الآخر من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعني قوله: «ما لَمْ يَتَفَرَقَّا» إنما هو التفرّق بعد عقد البيع، كما كان التخيير بعده، وإذا صحّ ذلك، فسد قول من زعم أن معنى ذلك: إنما هو التفرّق بالقول الذي به يكون البيع. وإذا فسد ذلك صحّ ما قلنا من أن التخيير والافتراق إنما هما معنيان بهما يكون تمام البيع بعد عقده، وصحّ تأويل من قال: معنى قوله: { إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَـظ°رَةً عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ } إلا أن يكون أكلكم الأموال التي يأكلها بعضكم لبعض عن ملك منكم عمن ملكتموها عليه بتجارة تبايعتموها بينكم، وافترقتم عنها، عن تراض منكم بعد عقد بينكم بأبدانكم، أو يخير بعضكم بعضاً

اسامة محمد خيري
20-12-2016, 07:50
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ومن يفعل ما حرّمته عليه من أوّل هذه السورة إلى قوله: { وَمَن يَفْعَلْ ذظ°لِكَ } من نكاح من حرّمت نكاحه، وتعدّى حدوده، وأكل أموال الأيتام ظلماً، وقتل النفس المحرّم قتلها ظلماً بغير حقّ.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ومن يأكل مال أخيه المسلم ظلماً بغير طيب نفس منه وقتل أخاه المؤمن ظلماً، فسوف نصليه ناراً.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال معناه: ومن يفعل ما حرّم الله عليه من قوله:
{ يَظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ظ±لنِّسَآءَ كَرْهاً }
[النساء: 19]... إلى قوله: { وَمَن يَفْعَلْ ذظ°لِكَ } من نكاح المحرّمات، وعضل المحرّم عضلها من النساء، وأكل المال بالباطل، وقتل المحرّم قتله من المؤمنين، لأن كل ذلك مما وعد الله عليه أهله العقوبة.

فإن قال قائل: فما منعك أن تجعل قوله: { ذظ°لِكَ } معنياً به جميع ما أوعد الله عليه العقوبة من أول السورة؟ قيل: منع ذلك أن كل فصل من ذلك قد قرن بالوعيد، إلى قوله:
{ أُوْلَـظ°ئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً }
[التوبة: 18] ولا ذكر للعقوبة من بعد ذلك على ما حرّم الله في الآي التي بعده، إلى قوله: { فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً }. فكان قوله: { وَمَن يَفْعَلْ ذظ°لِكَ } معنياً به ما قلنا مما لم يقرن بالوعيد مع إجماع الجميع على أن الله تعالى قد توعد على كل ذلك أولى من أن يكون معنياً به ما سلف فيه الوعيد بالنهي مقروناً قبل ذلك.

اسامة محمد خيري
20-12-2016, 08:04
حدثني محمد بن عمرو، قال ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: { إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْه } قال: الموجبات.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد قال ثنا جويبر، عن الضحاك، قال: الكبائر: كل موجبة أوجب الله لأهلها النار، وكل عمل يقام به الحدّ فهو من الكبائر.

قال أبو جعفر: والذي نقول به في ذلك: ما ثبت به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وذلك ما حدثنا به أحمد بن الوليد القرشي، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: ثنى عبيد الله بن أبي بكر، قال سمعت أنس بن مالك قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر، أو سئل عن الكبائر، فقال: " الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، فقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قال: قول الزور، أو قال: شهادة الزور، " قال شعبة: وأكبر ظني أنه قال: شهادة الزور....

وقال آخرون: بل معنى ذلك: للرجال نصيب مما اكتسبوا من ميراث موتاهم، وللنساء نصيب منهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنى معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { لّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ظ±كْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا ظ±كْتَسَبْنَ } يعني: ما ترك الوالدان والأقربون، يقول:
{ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ظ±لأُنْثَيَيْنِ }
[النساء: 11]. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن أبي إسحاق، عن عكرمة أو غيره، في قوله: { بَعْضٍ لّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ظ±كْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا ظ±كْتَسَبْنَ } قال: في الميراث كانوا لا يورّثون النساء. قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بتأويل الآية قول من قال معناه: للرجال نصيب من ثواب الله وعقابه مما اكتسبوا، فعملوه من خير أو شرّ، وللنساء نصيب مما اكتسبن من ذلك كما للرجال. وإنما قلنا إن ذلك أولى بتأويل الآية من قول من قال تأويله: للرجال نصيب من الميراث، وللنساء نصيب منه، لأن الله جلّ ثناؤه أخبر أن لكلّ فريق من الرجال والنساء نصيباً مما اكتسب، وليس الميراث مما اكتسبه الوارث، وإنما هو مال أورثه الله عن ميته بغير اكتساب، وإنما الكسب العمل، والمكتسب: المحترف، فغير جائز أن يكون معنى الآية، وقد قال الله: { لّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ظ±كْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا ظ±كْتَسَبْنَ } للرجال نصيب مما ورثوا، وللنساء نصيب مما ورثن؛ لأن ذلك لو كان كذلك لقيل: للرجال نصيب مما لم يكتسبوا، وللنساء نصيب مما لم يكتسبن...

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في تأويل قوله: { وَظ±لَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـظ°نُكُمْ } قول من قال: والذين عقدت أيمانكم على المحالفة، وهم الحلفاء، وذلك أنه معلوم عند جميع أهل العلم بأيام العرب وأخبارها أن عقد الحلف بينها كان يكون بالأيمان والعهود والمواثيق، على نحو ما قد ذكرنا من الرواية في ذلك. فإذ كان الله جلّ ثناؤه إنما وصف الذين عقدت أيمانهم ما عقدوه بها بينهم دون من لم يعقد عقد ما بينهم أيمانهم، وكانت مؤاخاة النبيّ صلى الله عليه وسلم بين من آخى بينه وبينه من المهاجرين والأنصار، لم تكن بينهم بأيمانهم، وكذلك التبني؛ كان معلوماً أن الصواب من القول في ذلك قول من قال: هو الحلف دون غيره لما وصفنا من العلة.

وأما قوله: { فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُم } فإن أولى التأويلين به، ما عليه الجميع مجمعون من حكمه الثابت، وذلك إيتاء أهل الحلف الذي كان في الجاهلية دون الإسلام بعضهم بعضاً أنصباءهم من النصرة والنصيحة والرأي دون الميراث، وذلك لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " لا حِلْفَ في الإسْلامِ، وما كَانَ مِنْ حِلْفٍ في الجَاهِلِيَّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الإسْلامُ إلاَّ شِدَّةً "

...

فإذ كان ما ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحاً، وكانت الآية إذا اختلف في حكمها منسوخ هي أم غير منسوخ، غير جائز القضاء عليه بأنه منسوخ ـ مع اختلاف المختلفين فيه، ولوجوب حكمها ونفي النسخ عنه وجه صحيح إلا بحجة يجب التسليم لها لما قد بينا في غير موضع من كتبنا الدلالة على صحة القول بذلك، فالواجب أن يكون الصحيح من القول في تأويل قوله: { وَظ±لَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـظ°نُكُمْ فَـئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } هو ما ذكرنا من التأويل، وهو أن قوله: { عَقَدَتْ أَيْمَـظ°نُكُمْ } مِن الحلف، وقوله: { فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُم } من النصرة والمعونة والنصيحة والرأي على ما أمره به من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأخبار التي ذكرناها عنه، دون قول من قال: معنى قوله: { فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُم } من الميراث، وإن ذلك كان حكماً، ثم نسخ بقوله:

{ وَأُوْلُواْ ظ±لأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىظ° بِبَعْضٍ فِي كِتَـظ°بِ ظ±للَّهِ }
[الأحزاب: 6]. دون ما سوى القول الذي قلناه في تأويل ذلك. وإذا صحّ ما قلنا في ذلك وجب أن تكون الآية محكمة لا منسوخة

ملحوظة

رد ابن كثير فى تفسيره علي الطبري فقال

وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: { فآتوهم نصيبهم } ، أي: من النصرة والنصيحة والمعونة، لا أن المراد { فَـآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } من الميراث حتى تكون الآية منسوخة، ولا أن ذلك كان حكماً ثم نسخ، بل إنما دلت الآية على الوفاء بالحلف المعقود على النصرة والنصيحة فقط، فهي محكمة لا منسوخة، وهذا الذي قاله فيه نظر، فإن من الحلف ما كان على المناصرة والمعاونة، ومنه ما كان على الإرث كما حكاه غير واحد من السلف، وكما قال ابن عباس: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه حتى نسخ ذلك، فكيف يقولون إن هذه الآية محكمة غير منسوخة؟ والله أعلم.

اسامة محمد خيري
20-12-2016, 08:28
وقرأ ذلك أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني: «بِمَا حَفِظَ اللَّهَ» يعني: بحفظهنّ الله في طاعته، وأداء حقه بما أمرهنّ من حفظ غيب أزواجهنّ، كقول الرجل للرجل: ما حفظت الله في كذا وكذا، بمعنى: راقبته ولاحظته.

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك ما جاءت به قراءة المسلمين من القراءة مجيئاً يقطع عذر من بلغه ويثبت عليه حجته، دون ما انفرد به أبو جعفر فشذّ عنهم، وتلك القراءة ترفع اسم الله تبارك وتعالى: { بِمَا حَفِظَ ظ±للَّهُ } مع صحة ذلك في العربية وكلام العرب، وقبح نصبه في العربية لخروجه عن المعروف من منطق العرب. وذلك أن العرب لا تحذف الفاعل مع المصادر من أجل أن الفاعل إذا حذف معها لم يكّن للفعل صاحب معروف. وفي الكلام متروك استغني بدلالة الظاهر من الكلام عليه من ذكره ومعناه: { فَظ±لصَّـظ°لِحَـظ°تُ قَـظ°نِتَـظ°تٌ حَـظ°فِظَـظ°تٌ لّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ظ±للَّهُ } فأحسنوا إليهنّ وأصلحوا، وكذلك هو فيما ذكر في قراءة ابن مسعود....

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثني يعلى، عن سفيان، في قوله: { وَظ±هْجُرُوهُنَّ فِى ظ±لْمَضَاجِعِ } قال: في مجامعتها، ولكن يقول لها: تعالَيْ وافعلي! كلاماً فيه غلظة، فإذا فعلت ذلك فلا يكلفها أن تحبه، فإن قلبها ليس في يديها.

ولا معنى للهجر في كلام العرب إلا على أحد ثلاثة أوجه: أحدها هجر الرجل كلام الرجل وحديثه، وذلك رفضه وتركه، يقال منه: هجر فلان أهله يهجُرها هجراً وهجراناً. والآخر: الإكثار من الكلام بترديد كهيئة كلام الهازيء، يقال منه: هجر فلان في كلامه يهجُر هجراً إذا هَذَي ومدّد الكلمة، وما زالت تلك هِجِّيراه وإهْجِيراه، ومنه قول ذي الرمة:
رمى فأخْطَأ والأقْدارُ غالِبَةٌ فانْصَعْنَ والوَيْلُ هِجِّيراهُ والحَربُ
والثالث: هَجَرَ البعير إذا ربطه صاحبه بالهِجَار، وهو حبل يربط في حُقويها ورسغها، ومنه قول امرىء القيس:
رأتْ هَلَكاً بِنِجَافِ الغَبِيطِ فَكادَتْ تَجُدُّ لِذَاك الهِجارَا
فأما القول الذي فيه الغلظة والأذى فإنما هو الإهجار، ويقال منه: أهجر فلان في منطقه: إذا قال الهُجْرَ وهو الفحش من الكلام، يُهْجِرُ إهجاراً وهُجْراً. فإذ كان لا وجه للهجْر في الكلام إلا أحد المعاني الثلاثة، وكانت المرأة المخوف نشوزها إنما أمر زوجها بوعظها لتنيب إلى طاعته فيما يجب عليها له من موافاته عند دعائه إياها إلى فراشه، فغير جائز أن تكون عظته لذلك، ثم تصير المرأة إلى أمر الله وطاعة زوجها في ذلك، ثم يكون الزوج مأموراً بهجرها في الأمر الذي كانت عظته إياها عليه. وإذ كان ذلك كذلك بطل قول من قال: معنى قوله: { وَظ±هْجُرُوهُنَّ فِى ظ±لْمَضَاجِعِ } وَاهجروا جماعهنّ. أو يكون إذ بطل هذا المعنى. بمعنى: واهجروا كلامهنّ بسبب هجرهنّ مضاجعكم، وذلك أيضاً لا وجه له مفهوم لأن الله تعالى ذكره قد أخبر على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أنه لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث. على أن ذلك لو كان حلالاً لم يكن لهجرها في الكلام معنى مفهوم، لأنها إذا كانت عنه منصرفة وعليه ناشزاً فمن سرورها أن لا يكلمها ولا يراها ولا تراه، فكيف يؤمر الرجل في حال بغض امرأته إياه وانصرافها عنه بترك ما في تركه سرورها من ترك جماعها ومجاذبتها وتكليمها، وهو يؤمر بضربها لترتدع عما هي عليه من ترك طاعته إذا دعاها إلى فراشه، وغير ذلك مما يلزمها طاعته فيه؟ أو يكون إذ فسد هذان الوجهان يكون معناه: واهجروا في قولكم لهم، بمعنى: ردّوا عليهنّ كلامكم إذا كلمتموهنّ بالتغليظ لهنّ، فإن كان ذلك معناه، فلا وجه لإعمال الهجر في كناية أسماء النساء الناشزات، أعني في الهاء والنون من قوله { وَظ±هْجُرُوهُنَّ } ، لأنه إذا أريد به ذلك المعنى، كان الفعل غير واقع، إنما يقال: هجر فلان في كلامه ولا يقال: هجر فلان فلاناً.

فإذا كان في كل هذه المعاني ما ذكرنا من الخلل اللاحق، فأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يكون قوله: { وَظ±هْجُرُوهُنَّ } موجهاً معناه إلى معنى الربط بالهجار على ما ذكرنا من قيل العرب للبعير إذا ربطه صاحبه بحبل على ما وصفنا: هَجَرَه فهو يهجره هَجْراً. وإذا كان ذلك معناه كان تأويل الكلام: واللاتي تخافون نشزوهنّ، فعظوهنّ في نشوزهنّ عليكم، فإن اتعظن فلا سبيل لكم عليهنّ، وإن أبين الأوبة من نشوزهنّ فاستوثقوا منهنّ رباطاً في مضاجعهنّ، يعني في منازلهنّ وبيوتهنّ التي يضطجعن فيها ويضاجعن فيها أزواجهن. كما:

حدثني عباس بن أبي طالب، قال: ثنا يحيـى بن أبي بكير، عن شبل، قال: سمعت أبا قزعة يحدث عن عمرو بن دينار، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه: أنه جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: ما حقّ زوجة أحدنا عليه؟ قال: " يُطْعِمُها وَيَكْسُوها، وَلا يَضْرِبِ الوَجْهَ وَلا يُقْبِّحْ وَلا يَهْجُرْ إلاَّ فِي البيت " ...

حدثني المثنى، قال: ثنا حبان، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا يحيـى بن بشر أنه سمع عكرمة يقول في قوله: { وَظ±هْجُرُوهُنَّ فِى ظ±لْمَضَاجِعِ وَظ±ضْرِبُوهُنَّ } ضرباً غير مبرّج، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" اضْرِبُوهُنَّ إذَا عَصَيْنَكُمْ فِي المَعْرُوفِ ضَرْباً غيرَ مُبَرّح "

قال أبو جعفر: فكل هؤلاء الذين ذكرنا قولهم لم يوجبوا للهجر معنى غير الضرب، ولم يوجبوا هجراً إذا كان هيئة من الهيئات التي تكون بها المضروبة عند الضرب مع دلالة الخبر الذي رواه عكرمة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه أمر بضربهنّ إذا عصين أزواجهنّ في المعروف من غير أمر منه أزواجهنّ بهجرهنّ لما وصفنا من العلة.

فإن ظنّ ظانّ أن الذي قلنا في تأويل الخبر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم الذي رواه عكرمة، ليس كما قلنا، وصحّ أن ترك النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر الرجل بهجر زوجته إذا عصيته في المعروف وأمره بضربها قبل الهجر، لو كان دليلاً على صحة ما قلنا من أن معنى الهجر هو ما بيناه، لوجب أن يكون لا معنى لأمر الله زوجها أن يعظها إذا هي نشزت، إذ كان لا ذكر للعظة في خبر عكرمة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظنّ؛ وذلك أن قوله صلى الله عليه وسلم: " إذَا عَصيْنَكُمْ في المَعْروفِ " دلالة بينة أنه لم يبح للرجل ضرب زوجته إلا بعد عظتها من نشوزها، وذلك أنه لا تكون له عاصية، إلا وقد تقدم منه لها أمر أو عظة بالمعروف على ما أمر الله تعالى ذكره به.

ملحوظة

قال القرطبي

وقيل: «اهجروهن» من الهُجر وهو القبيح من الكلام، أي غلِّظوا عليهن في القول وضاجعوهن للجماع وغيره؛ قال معناه سفيان، وروي عن ابن عباس. وقيل: أي شدّوهن وثَاقاً في بيوتهن؛ من قولهم: هجرَ البعيرَ أي ربطه بالهِجار، وهو حبل يُشدّ به البعير،

وهو اختيار الطبري وقدح في سائر الأقوال. وفي كلامه في هذا الموضع نظر. وقد ردّ عليه القاضي أبو بكر بن العربي في أحكامه فقال: يا لها من هفوة من عالم بالقرآن والسنة! والذي حمله على هذا التأويل حديثٌ غريب رواه ابن وهبٍ عن مالك أن أسماء بنت أبي بكر الصدّيق ظ±مرأةَ الزبير بن العوّام كانت تخرج حتى عوتب في ذلك. قال: وعتب عليها وعلى ضَرّتها، فعقد شعر واحدة بالأُخرى ثم ضربهما ضرباً شديداً، وكانت الضرّة أحسن ظ±تقاء، وكانت أسماء لا تتّقي فكان الضرب بها أكثر؛ فشكَتْ إلى أبيها أبي بكر رضي الله عنه فقال لها: أيّ بُنيّة ظ±صبِري فإن الزّبير رجل صالح، ولعلّه أن يكون زوجَك في الجنة؛ ولقد بلغني أن الرجل إذا ظ±بتكر بظ±مرأة تزوّجها في الجنة.

فرأى الربط والعقد مع ظ±حتمال اللفظ مع فعل الزبير فأقدم على هذا التفسير. وهذا الهجر غايته عند العلماء شهرٌ؛ كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم حين أسَرّ إلى حفصة فأفشته إلى عائشة، وتظاهرتا عليه. ولا يبلغ به الأربعة الأشهر التي ضرب الله أجلاً عذراً للمُولِي.

اسامة محمد خيري
20-12-2016, 08:39
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في قوله: { فَظ±بْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا } أن الله خاطب المسلمين بذلك، وأمرهم ببعثة الحكمين عند خوف الشقاق بين الزوجين للنظر في أمرهما، ولم يخصص بالأمر بذلك بعضهم دون بعض. وقد أجمع الجميع على أن بعثة الحكمين في ذلك ليست لغير الزوجين وغير السلطان، الذي هو سائس أمر المسلمين، أو من أقامه في ذلك مُقام نفسه.

واختلفوا في الزوجين والسلطان، ومَن المأمور بالبعثة في ذلك: الزوجان، أو السلطان؟ ولا دلالة في الآية تدلّ على أن الأمر بذلك مخصوص به أحد الزوجين، ولا أثر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأمة فيه مختلفة.

وإذ كان الأمر على ما وصفنا، فأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يكون مخصوصاً من الآية من أجمع الجميع على أنه مخصوص منها. وإذ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون الزوجان والسلطان ممن قد شمله حكم الآية، والأمر بقوله: { فَظ±بْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا } إذ كان مختلفاً بينهما هل هما معنيان بالأمر بذلك أم لا؟ وكان ظاهر الآية قد عمهما؛ فالواجب من القول إذ كان صحيحاً ما وصفنا أن يقال: إن بعث الزوجان كل واحد منهما حكماً من قبله، لينظر في أمرهما، وكان لكل واحد منهما ممن بعثه من قبله في ذلك طاقة على صاحبه ولصاحبه عليه، فتوكيله بذلك من وكل جائز له وعليه، وإن وكله ببعض ولم يوكله بالجميع، كان ما فعله الحكم مما وكله به صاحبه ماضياً جائزاً على ما وكله به وذلك أن يوكله أحدهما بماله دون ما عليه، أو لم يوكل كل واحد من الزوجين بماله وعليه، أو بما له، أو بما عليه، فليس للحكمين كليهما إلا ما اجتمعا عليه دون ما انفرد به أحدهما. وإن لم يوكلهما واحداً منها بشيء، وإنما بعثاهما للنظر ليعرفا الظالم من المظلوم منهما ليشهدا عليهما عند السلطان إن احتاجا إلى شهادتهما، لم يكن لهما أن يحدثا بينهما شيئاً غير ذلك من طلاق أو أخذ مال أو غير ذلك، ولم يلزم الزوجين ولا واحداً منهما شيء من ذلك.

اسامة محمد خيري
20-12-2016, 08:47
وقال آخرون: هو الجار المشرك. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمارة الأسديّ، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن نوف الشامي { وَظ±لْجَارِ ظ±لْجُنُبِ } قال: اليهودي والنصرانيّ.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى الجنب في هذا الموضع: الغريب البعيد، مسلماً كان أو مشركاً، يهودياً كان أو نصرانياً؛ لما بينا قبل أن الجار ذي القربى: هو الجار ذو القرابة والرحم، والواجب أن يكون الجار ذو الجنابة الجار البعيد، ليكون ذلك وصية بجميع أصناف الجيران، قريبهم وبعيدهم. وبعد فإن الجُنب في كلام العرب البعيد كما قال أعشى بني قيس:
أتَيْتُ حُرَيْثاً زَائِراً عَنْ جَنابَةٍ فكانَ حُرَيْثٌ فِي عَطائيَ جامِدَا
يعني بقوله: «عن جنابة»: عن بعد وغربة، ومنه قيل: اجتنب فلان فلاناً: إذا بعد منه. وتجنبه غيره: إذا منعه إياه؛ ومنه قيل للجنب: جُنُب، لاعتزاله الصلاة حتى يغتسل. فمعنى ذلك: والجار المجانب للقرابة...

والصواب من القول في تأويل ذلك عندي: أن معنى: { وَظ±لصَّـظ°حِبِ بِظ±لجَنْبِ }: الصاحب إلى الجنب، كما يقال: فلان بجنب فلان وإلى جنبه، وهو من قولهم: جَنَب فلان فلاناً فهو يَجْنُبُهُ جَنْباً، إذا كان لجنبه، ومن ذلك: جَنَبَ الخَيْلَ، إذا قاد بعضها إلى جنب بعض. وقد يدخل في هذا الرفيق في السفر، والمرأة، والمنقطع إلى الرجل الذي يلازمه رجاء نفعه، لأن كلهم بجنب الذي هو معه وقريب منه، وقد أوصى الله تعال بجميعهم لوجوب حقّ الصاحب على المصحوب. وقد:

حدثنا سهل بن موسى الرازي، قال: ثنا ابن أبي فديك، عن فلان بن عبد الله، عن الثقة عنده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه رجل من أصحابه وهما على راحلتين، فدخل النبيّ صلى الله عليه وسلم وسلم في غيضة طرفاء، فقطع فصيلين أحدهما معوجّ والآخر معتدل، فخرج بهما فأعطى صاحبه المعتدل وأخذ لنفسه المعوجّ، فقال الرجل: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أنت أحقّ بالمعتدل منيظ° فقال: " كَلاَّ يا فُلانُ، إنَّ كُلَّ صَاحِبٍ يَصْحَبُ صَاحِبا مَسْئُولٌ عَنْ صَحَابَتِهِ وَلَوْ ساعَةً مِنْ نَهارٍ "

حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن حيوة، قال: ثني شرحبيل بن شريك، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: " إنَّ خَيْرَ الأصحَابِ عِنْدَ اللّهِ تَبارَكَ وَتَعالى خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِه، وَخَيْرُ الجِيرانَ عِنْدَ اللّه خَيْرُهُمْ لِجارِه "

وإن كان الصاحب بالجنب معناه ما ذكرناه من أن يكون داخلاً فيه كل من جنب رجلاً يصحبه في سفر أو نكاح أو انقطاع إليه واتصال به، ولم يكن الله جلّ ثناؤه خصّ بعضهم مما احتمله ظاهر التنزيل؛ فالصواب أن يقال: جميعهم معنيون بذلك، وبكلهم قد أوصى الله بالإحسان إليه.
..

والصواب من القول في ذلك: أن ابن السبيل: هو صاحب الطريق، والسبيل: هو الطريق، وابنه: صاحبه الضارب فيه، فله الحقّ على من مرّ به محتاجاً منقطعاً به إذا كان سفره في غير معصية الله أن يعينه إن احتاج إلى معونة، ويضيفه إن احتاج إلى ضيافة، وأن يحمله إن احتاج إلى حُمْلان....

فتأويل الآية على التأويل الأوّل: والله لا يحبّ ذوي الخيلاء والفخر الذين يبخلون بتبيين ما أمرهم الله بتبيينه للناس من اسم محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وصفته التي أنزلها في كتبه على أنبيائه، وهم به عالمون، ويأمرون الناس الذين يعلمون ذلك، مثل علمهم بكتمان ما أمرهم الله بتبيينه له، ويكتمون ما آتاهم الله من علم ذلك ومعرفته من حرم الله عليه كتمانه إياه.

وأما على تأويل ابن عباس وابن زيد: إن الله لا يحبّ من كان مختالاً فخوراً، الذين يبخلون على الناس بفضل ما رزقهم الله من أموالهم. ثم سائر تأويلهما وتأويل غيرهما سواء.

وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما قاله الذين قالوا: إن الله وصف هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في هذه الآية بالبخل، بتعريف من جهل أمر محمد صلى الله عليه وسلم أنه حقّ، وأن محمداً لله نبيّ مبعوث، وغير ذلك من الحقّ الذي كان الله تعالى ذكره قد بينه فيما أوحى إلى أنبيائه من كتبه، فبخل بتبيينه للناس هؤلاء، وأمروا من كانت حاله حالهم في معرفتهم به أن يكتموه من جهل ذلك، ولا يبينوه للناس.

وإنما قلنا: هذا القول أولى بتأويل الآية؛ لأن الله جلّ ثناؤه وصفهم بأنهم يأمرون الناس بالبخل، ولم يبلغنا عن أمة من الأمم أنها كانت تأمر الناس بالبخل ديانة ولا تخلقاً، بل ترى ذلك قبيحاً، ويُذمّ فاعله، ولا يمتدح؛ وإن هي تخلقت بالبخل واستعملته في أنفسها، فالسخاء والجود تعدّه من مكارم الأفعال، وتحثّ عليه؛ ولذلك قلنا: إن بخلهم الذي وصفهم الله به إنما كان بخلاً بالعلم الذي كان الله آتاهموه، فبخلوا بتبيينه للناس، وكتموه دون البخل بالأموال...

إلا أن يكون معنى ذلك الذين يبخلون بأموالهم التي ينفقونها في حقوق الله وسبله، ويأمرون الناس من أهل الإسلام بترك النفقة في ذلك، فيكون بخلهم بأموالهم وأمرهم الناس بالبخل. فهذا المعنى على ما ذكرنا من الرواية عن ابن عباس، فيكون لذلك وجه مفهوم في وصفهم بالبخل وأمرهم به.

اسامة محمد خيري
21-12-2016, 05:10
قال أبو جعفر: فتأويل الآية على تأويل عبد الله هذا: إن الله لا يظلم عبداً وجب له مثقال ذرّة قِبَل عبد له آخر في معاده ويوم لقائه فما فوقه فيتركه عليه فلا يأخذه للمظلوم من ظالمه، ولكنه يأخذه منه له، ويأخذ من كل ظالم لكل مظلوم تَبِعَتَهُ قِبَلَهُ. { وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـظ°عِفْهَا } يقول: وإن توجد له حسنة يضاعفها، بمعنى: يضاعف له ثوابها وأجرها. { وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } يقول: ويعطه من عنده أجراً عظيماً. والأجر العظيم: الجنة على ما قاله عبد الله.

ولكلا التأويلين وجه مفهوم، أعنى التأويل الذي قاله ابن مسعود والذي قاله قتادة. وإنما اخترنا التأويل الأوّل لموافقته الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع دلالة ظاهر التنزيل على صحته، إذ كان في سياق الآية التي قبلها، التي حثّ الله فيها على النفقة في طاعته، وذمّ النفقة في طاعة الشيطان، ثم وصل ذلك بما وعد المنافقين في طاعته بقوله: { إِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـظ°عِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً }...

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: عنى بهذه الآية المهاجرين دون الأعراب. وذلك أنه غير جائز أن يكون في أخبار الله أو أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء يدفع بعضه بعضاً، فإذا كان صحيحاً وعد الله من جاء من عباده المؤمنين بالحسنة من الجزاء عشر أمثالها، ومن جاء بالحسنة منهم أن يضاعفها له، وكان الخبران اللذان ذكرناهما عنه صلى الله عليه وسلم صحيحين، كان غير جائز إلا أن يكون أحدهما مجملاً والآخر مفسراً، إذ كانت أخباره صلى الله عليه وسلم يصدِّق بعضها بعضاً. وإذا كان ذلك كذلك صحّ أن خبر أبي هريرة معناه: إن الحسنة لتضاعف للمهاجرين من أهل الإيمان ألفي ألف حسنة، وللأعراب منهم عشر أمثالها، على ما رَوَى ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ وأن قوله:
{ مَن جَآءَ بِظ±لْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا }
[الأنعام: 160] يعني: من جاء بالحسنة من أعراب المؤمنين فله عشر أمثالها، ومن جاء بالحسنة من مهاجريهم يضاعف له، ويؤته الله من لدنه أجراً، يعني: يعطه من عنده أجراً عظيماً، يعني: عوضاً من حسنته عظيماً. وذلك العوض العظيم: الجنة؛ كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا صدقة بن أبي سهل، قال: ثنا أبو عمرو، عن زاذان، عن ابن مسعود: { وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً }: أي الجنة يعطها.

اسامة محمد خيري
21-12-2016, 05:24
حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا الزبير، عن الضحاك: أن نافع ابن الأزرق أتى ابن عباس فقال: يا ابن عباس، قول الله تبارك وتعالى: { يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ظ±لرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىظ° بِهِمُ ظ±لأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ ظ±للَّهَ حَدِيثاً } ، وقوله:
{ وَظ±للَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ }
[الأنعام: 23]؟ فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت: ألقى عليّ ابن عباس متشابه القرآن، فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فيقول المشركون إن الله لا يقبل من أحد شيئاً إلا ممن وحّده، فيقولون: تعالوا نجحد! فيسألهم، فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، قال: فيختم على أفواههم، ويستنطق جوارحهم، فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سوّيت بهم، ولا يكتمون الله حديثاً.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ظ±لرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىظ° بِهِمُ ظ±لأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ ظ±للَّهَ حَدِيثاً } يعني: أن تُسوّى الأرض بالجبال عليهم.

فتأويل الآية على هذا القول الذي حكيناه عن ابن عباس: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهمُ الأرْضُ ولَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ حَدِيثاً. كأنهم تمنوا أنهم سوّوا مع الأرض، وأنهم لم يكونوا كتموا الله حديثاً.

اسامة محمد خيري
21-12-2016, 05:36
حدثنا أحمد بن حازم الغفاريّ، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سلمة، عن الضحاك: { يَـأَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ظ±لصَّلَوظ°ةَ وَأَنتُمْ سُكَـظ°رَىظ° } قال: لم يعن بها سكر الخمر، وإنما عنى بها سكر النوم.

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بتأويل الآية، تأويل من قال ذلك: نهى من الله المؤمنين عن أن يقربوا الصلاة وهم سكارى من الشراب قبل تحريم الخمر، للأخبار المتظاهرة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ذلك كذلك نهي من الله، وأن هذه الآية نزلت فيمن ذكرت أنها نزلت فيه.

فإن قال لنا قائل: وكيف يكون ذلك معناه، والسكران في حال زوال عقله نظير المجنون في حال زوال عقله، وأنت ممن تُحِيل تكليف المجانين لفقدهم الفهم بما يؤمر وينهى؟ قيل له: إن السكران لو كان في معنى المجنون لكان غير جائز أمره ونهيه، ولكن السكران هو الذي يفهم ما يأتي ويذر، غير أن الشراب قد أثقل لسانه وأحرّ جسمه وأخدره، حتى عجز عن إقامة قراءته في صلاته وحدودها الواجبة عليه فيها من غير زوال عقله، فهو بما أمر به ونهي عنه عارف فهِم، وعن أداء بعضه عاجز بخدر جسمه من الشراب. وأما من صار إلى حدّ لا يعقل ما يأتي ويذر، فذلك منتقل من السكر إلى الخبل، ومعدود في المجانين، وليس ذلك الذي خوطب بقوله: { لاَ تَقْرَبُواْ ظ±لصَّلَوظ°ةَ } لأن ذلك مجنون، وإنما خوطب به السكران، والسكران ما وصفنا صفته....

قال أبو جعفر: وأولى القولين بالتأويل لذلك تأويل من تأوّله: { وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ }: إلا مجتازي طريق فيه. وذلك أنه قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله: { وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىظ° أَوْ عَلَىظ° سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنْكُمْ مّن ظ±لْغَائِطِ أَوْ لَـظ°مَسْتُمُ ظ±لنِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } ، فكان معلوماً بذلك أن قوله: { وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىظ° تَغْتَسِلُواْ } لو كان معنيًّا به المسافر لم يكن لإعادة ذكره في قوله: { وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَىظ° أَوْ عَلَىظ° سَفَرٍ } معنى مفهوم، وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضاً جنباً حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل....

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى الله بقوله: { أَوْ لَـظ°مَسْتُمُ ظ±لنِّسَاء } الجماع دون غيره من معاني اللمس، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قبَّل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ.

حدثني بذلك إسماعيل بن موسى السديّ، قال: أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة، قالت: «كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يتوضأ ثم يقبّل، ثم يصلي ولا يتوضأ»....

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن الحدّ الذي لا يجزىء المتيمم أن يقصر عنه في مسحه بالتراب من يديه، الكفان إلى الزندين لإجماع الجميع على أن التقصير عن ذلك غير جائز، ثم هو فيما جاوز ذلك مخير إن شاء بلغ بمسحه المرفقين، وإن شاء الآباط. والعلة التي من أجلها جعلناه مخيراً فيما جاوز الكفين أن الله لم يحدّ في مسح ذلك بالتراب في التيمم حدّاً لا يجوز التقصير عنه، فما مسح المتيمم من يديه أجزأه، إلا ما أجمع عليه، أو قامت الحجة بأنه لا يجزئه التقصير عنه، وقد أجمع الجميع على أن التقصير عن الكفين غير مجزىء، فخرج ذلك بالسنة، وما عدا ذلك فمختلف فيه، وإذ كان مختلفاً فيه، وكان الماسح بكفيه داخلاً في عموم الآية كان خارجاً مما لزمه من فرض ذلك.
...

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك، أن الجنب ممن أمره الله بالتيمم إذا لم يجد الماء والصلاة بقوله: { أَوْ لَـظ°مَسْتُمُ ظ±لنِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً }. وقد بينا ثم أن معنى الملامسة في هذا الموضع: الجماع بنقل الحجة التي لا يجوز الخطأ فيما نقلته مجمعة عليه ولا السهو ولا التواطؤ والتضافر، بأن حكم الجنب في ذلك حكم سائر من أحدث فلزمه التطهر لصلاته، مع ما قد روي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأخبار التي قد ذكرنا بعضها وتركنا ذكر كثير منها استغناء بما ذكرنا منها عما لم نذكر، وكراهة منا إطالة الكتاب باستقصاء جميعه....

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب قول من قال: يتيمم المصلى لكل صلاة لزمه طلب الماء للتطهر لها فرضا لأن الله جلّ ثناؤه أمر كل قائم إلى الصلاة بالتطهر بالماء، فإن لم يجد الماء فالتيمم، ثم أخرج القائم إلى الصلاة من كان قد تقدم قيامه إليها الوضوء بالماء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن يكون قد أحدث حدثا ينقض طهارته، فيسقط فرض الوضوء عنه بالسنة. وأما القائم إليها وقد تقدم قيامه إليها بالتيمم لصلاة قبلها، ففرض التيمم له لازم بظاهر التنزيل بعد طلبه الماء إذا أعوزه.

اسامة محمد خيري
21-12-2016, 08:34
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى قوله: { مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً }: من قبل أن نطمس أبصارها ونمحو آثارها فنسوّيها كالأقفاء، فنردّها على أدبارها، فنجعل أبصارها في أدبارها، يعني بذلك: فنجعل الوجوه في أدبار الوجوه، فيكون معناه: فنحوّل الوجوه أقفاء، والأقفاء وجوها، فيمشون القهقري، كما قال ابن عباس وعطية ومن قال ذلك.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله جلّ ثناؤه خاطب بهذه الآية اليهود الذين وصف صفتهم بقوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ظ±لَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ ظ±لْكِتَـظ°بِ يَشْتَرُونَ ظ±لضَّلـظ°لَةَ } ثم حذّرهم جلّ ثناؤه بقوله: { يَـأَيُّهَا ظ±لَّذِينَ أُوتُواْ ظ±لْكِتَـظ°بَ ءامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىظ° أَدْبَـظ°رِهَا }... الآية، بأَسه وسطوَتَه، وتعجيل عقابه لهم إن هم لم يؤمنوا بما أمرهم بالإيمان به، ولا شكّ أنهم كانوا لما أمرهم بالإيمان به يومئذ كفاراً. وإذ كان ذلك كذلك، فبِّين فساد قول من قال: تأويل ذلك أن نعميها عن الحقّ فنردّها في الضلالة، فما وجه ردّ من هو في الضلالة فيها؟ وإنما يرد في الشيء من كان خارجاً منه، فأما من هو فيه فلا وجه لأن يقال: يردّه فيه. وإذ كان ذلك كذلك، وكان صحيحاً أن الله قد تهدّد الذين ذكرهم في هذه الآية بردّه وجوههم على أدبارهم، كان بيناً فساد تأويل من قال: معنى ذلك يهدّدهم بردّهم في ضلالتهم.

اسامة محمد خيري
21-12-2016, 09:14
وقال آخرون: بل ذلك كان منهم تزكية من بعضهم لبعض. ذكر من قال ذلك:

حدثني يحيـى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله: إن الرجل ليغدو بدينه، ثم يرجع وما معه منه شيء! يلقى الرجل ليس يملك له نفعاً ولا ضرًّا، فيقول: والله إنك لذيت وذيت، ولعلّه أن يرجع، ولم يحل من حاجته بشيء، وقد أسخط الله عليه. ثم قرأ: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ظ±لَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ }... الآية.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى تزكية القوم الذين وصفهم الله بأنهم يزكون أنفسهم وصفهم إياها بأنها لا ذنوب لها ولا خطايا، وأنهم لله أبناء وأحباء، كما أخبر الله عنهم أنهم كانوا يقولونه، لأنه ذلك هو أظهر معانيه لإخبار الله عنهم أنها إنما كانوا يزكون أنفسهم دون غيرها.

وأما الذين قالوا: معنى ذلك: تقديمهم أطفالهم للصلاة، فتأويل لا تدرك صحته إلا بخبر حجة يوجب العلم.

اسامة محمد خيري
21-12-2016, 09:27
قال أبو جعفر: والصواب من القول في تأويل: { يُؤْمِنُونَ بِظ±لْجِبْتِ وَظ±لطَّـظ°غُوتِ } أن يقال: يصدّقون بمعبودين من دون الله يعبدونهما من دون الله، ويتخذونهما إلهين. وذلك أن الجبت والطاغوت اسمان لكل معظم بعبادة من دون الله، أو طاعة أو خضوع له، كائناً ما كان ذلك المعظم من حجر أو إنسان أو شيطان.

وإذ كان ذلك كذلك وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها كانت معظمة بالعبادة من دون الله فقد كانت جبوتاً وطواغيت، وكذلك الشياطين التي كانت الكفار تطيعها في معصية الله، وكذلك الساحر والكاهن اللذان كان مقبولاً منهما ما قالا في أهل الشرك بالله، وكذلك حيـي بن أخطب، وكعب بن الأشرف، لأنهما كانا مطاعين في أهل ملتهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله، فكانا جبتين وطاغوتين.....

...

وقال آخرون: بل عَنَى الله به العربَ. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { أَمْ يَحْسُدُونَ ظ±لنَّاس عَلَىظ° مَا ءاتَـظ°هُمُ ظ±للَّهُ مِن فَضْلِه } أولئك اليهود حسدوا هذا الحيّ من العرب على ما آتاهم الله من فضله.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عاتب اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الآيات، فقال لهم في قيلهم للمشركين من عبدة الأوثان إنهم أهدى من محمد وأصحابه سبيلاً على علم منهم بأنهم في قيلهم ما قالوا من ذلك كذبة: أم يحسدون محمداً على ما آتاهم الله من فضله.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن ما قبل قوله: { أَمْ يَحْسُدُونَ ظ±لنَّاس عَلَىظ° مَا ءاتَـظ°هُمُ ظ±للَّهُ مِن فَضْلِه } مضى بذمّ القائلين من اليهود للذين كفروا:
{ هَـؤُلاء أَهْدَىظ° مِنَ ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ سَبِيلاً }
، فإلحاق قوله: { أَمْ يَحْسُدُونَ ظ±لنَّاس عَلَىظ° مَا ءاتَـظ°هُمُ ظ±للَّهُ مِن فَضْلِه } بذمهم على ذلك، وتقريظ الذين آمنوا الذين قيل فيهم ما قيل أشبه وأولى، ما لم يأت دلالة على انصراف معناه عن معنى ذلك....

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { أَمْ يَحْسُدُونَ ظ±لنَّاس عَلَىظ° مَا ءاتَـظ°هُمُ ظ±للَّهُ مِن فَضْلِه } وذلك أن اليهود قالوا: ما شأن محمد أعطي النبوّة كما يزعم وهو جائع عار، وليس له همّ إلا نكاح النساء؟ فحسدوه على تزويج الأزواج، وأحلّ الله لمحمد أن ينكح منهنّ ما شاء أن ينكح.

وأولى التأويلين في ذلك بالصواب قول قتادة وابن جُريج الذي ذكرناه قبلُ أن معنى الفضل في هذا الموضع النبوّة التي فضل الله بها محمداً، وشرّف بها العرب إذ آتاها رجلاً منهم دون غيرهم، لما ذكرنا من أن دلالة ظاهر هذه الآية تدلّ على أنها تقريظ للنبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، على ما قد بينا قبل، وليس النكاح وتزويج النساء، وإن كان من فضل الله جلّ ثناؤه الذي آتاه عباده بتقريظ لهم ومدح....

وأولى هذه الأقوال بتأويل الآي، وهي قوله: { وَءاتَيْنَـظ°هُمْ مُّلْكاً عَظِيماً } القول الذي رُوي عن ابن عباس أنه قال: يعني: ملك سليمان؛ لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، دون الذي قال: إنه ملك النُبوّة، ودون قول من قال: إنه تحليل النساء والملك عليهنّ. لأن كلام الله الذي خوطب به العرب غير جائز توجيهه إلا إلى المعروف المستعمل فيهم من معانيه، إلا أن تأتي دلالة أو تقوم حجة على أن ذلك بخلاف ذلك يجب التسليم لها.

اسامة محمد خيري
21-12-2016, 09:50
وقال آخرون: الذي خُوطِبَ بذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم في مفاتيح الكعبة أُمِرَ بردّها على عثمان بن طلحة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: { إِنَّ ظ±للَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ظ±لأَمَـظ°نَـظ°تِ إِلَى أَهْلِهَا } قال: نزلت في عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، قبض منه النبيّ صلى الله عليه وسلم مفاتيح الكعبة، ودخل بها البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح. قال: وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو هذه الآية: فداؤه أبي وأمي! ما سمعته يتلوها قبل ذلك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا الزنجي بن خالد، عن الزهري، قال: دفعه إليه وقال: أعينوه.

وأولى هذه الأقوال بالصوااب في ذلك عندي قول من قال: هو خطاب من الله ولاة أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من ولّوا في فيئهم وحقوقهم، وما ائتمنوا عليه من أمورهم بالعدل بينهم في القضية....

حدثنا أحمد بن عمرو البصري، قال: ثنا حفص بن عمر العدني، قال: ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة: { أَطِيعُواْ ظ±للَّهَ وَأَطِيعُواْ ظ±لرَّسُولَ وَأُوْلِى ظ±لأَمْرِ مِنْكُمْ } قال: أبو بكر وعمر.

وأوْلَي الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الأمراء والولاة، لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان طاعة وللمسلمين مصلحة.

اسامة محمد خيري
21-12-2016, 10:23
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىظ° يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً } قال: هذا الرجل اليهودي والرجل المسلم اللذان تحاكما إلى كعب بن الأشرف.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي بنحوه، إلا أنه قال: إلى الكاهن.

قال أبو جعفر: وهذا القول ـ أعني قول من قال: عني به المحتكمان إلى الطاغوت اللذان وصف الله شأنهما في قوله:
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى ظ±لَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ }

[النساء: 60] أولى بالصواب، لأن قوله؛ { فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىظ° يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } في سياق قصة الذين ابتدأ اللّه الخبر عنهم بقوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ظ±لَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ } ، ولا دلالة تدلّ على انقطاع قصتهم، فإلحاق بعض ذلك ببعض ما لم تأت دلالة على انقطاعه أَوْلَى.

فإن ظنّ ظانّ أن في الذي رُوي عن الزبير وابن الزبير من قصته وقصة الأنصاري في شراج الحرّة، وقول من قال في خبرهما، فنزلت: { فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىظ° يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } ما ينبيء عن انقطاع حكم هذه الآية وقصتها من قصة الآيات قبلها، فإنه غير مستحيل أن تكون الآية نزلت في حصة المحتكمين إلى الطاغوت، ويكون فيها بيان ما احتكم فيه الزبير وصاحبه الأنصاريّ، إذ كانت الآية دالة على ذلك. وإذ كان ذلك غير مستحيل، كان إلحاق معنى بعض ذلك ببعض أولى ما دام الكلام متسقة معانيه على سياق واحد، إلا أن تأتي دلالة على انقطاع بعض ذلك من بعض، فيعدل به عن معنى ما قبله. ـ وأما قوله: { وَيُسَلِّمُواْ } فإنه منصوب عطفاً على قوله: { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ }. قوله: { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ } نصب عطفاً على قوله: { حَتَّىظ° يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ }. ]

اسامة محمد خيري
22-12-2016, 05:46
وقال آخرون: معنى ذلك: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان جميعاً. قالوا: وقوله: { إِلاَّ قَلِيلاً } خرج مخرج الاستثناء في اللفظ، وهو دليل على الجميع والإحاطة، وأنه لولا فضل الله عليهم ورحمته لم ينج أحد من الضلالة، فجعل قوله: { إِلاَّ قَلِيلاً } دليلاً على الإحاطة. واستشهدوا على ذلك بقول الطرماح بن حكيم في مدح يزيد بن المهلب:
أشمُّ كثيرُ يَدِيِّ النَّوالِ قليلُ المَثالِبِ والقادِحَهْ
قالوا: فظاهر هذا القول وصف الممدوح بأن فيه المثالب والمعايب، ومعلوم أن معناه: أنه لا مثالب فيه ولا معايب؛ لأن من وصف رجلاً بأن فيه معايب وإن وصف الذي فيه المعايب بالقلة، فإنما ذمه ولم يمدحه، ولكن ذلك على ما وصفنا من نفي جميع المعايب عنه. قالوا: فكذلك قوله: { لاَتَّبَعْتُمُ ظ±لشَّيْطَـظ°نَ إِلاَّ قَلِيلاً } إنما معناه: لاتبعتم جميعكم الشيطان.

وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي قول من قال: عنى باستثناء القليل من الإذاعة؛ وقال: معنى الكلام: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلاً، ولو ردّوه إلى الرسول.

وإنما قلنا: إن ذلك أولى بالصواب لأنه لا يخلو القول في ذلك من أحد الأقوال التي ذكرنا، وغير جائز أن يكون من قول: { لاَتَّبَعْتُمُ ظ±لشَّيْطَـظ°نَ } لأن من تفضل الله عليه بفضله ورحمته فغير جائز أن يكون من تباع الشيطان، وغير جائز أن نحمل معاني كتاب الله على غير الأغلب المفهوم بالظاهر من الخطاب في كلام العرب، ولنا إلى حمل ذلك على الأغلب من كلام العرب سبيل فنوجّهه إلى المعنى الذي وجهه إليه القائلون: معنى ذلك: لاتبعتم الشيطان جميعاً، ثم زعم أن قوله: { إِلاَّ قَلِيلاً } دليل على الإحاطة بالجميع. هذا مع خروجه من تأويل أهل التأويل لا وجه له، وكذلك لا وجه لتوجيه ذلك إلى الاستثناء من قوله: { لَعَلِمَهُ ظ±لَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } لأن علم ذلك إذا ردّ إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، فبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولو الأمر منهم بعد وضوحه لهم، استوى في علم ذلك كل مستنبط حقيقة، فلا وجه لاستثناء بعض المستنبطين منهم وخصوص بعضهم بعلمه مع استواء جميعهم في علمه. وإذ كان لا قول في ذلك إلا ما قلنا، ودخل هذه الأقوال الثلاثة ما بينا من الخلل، فبِّين أن الصحيح من القول في ذلك هو الرابع، وهو القول الذي قضينا له بالصواب من الاستثناء من الإذاعة.....

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء مُّقِيتاً } قال: على كل شيء قديراً. المقيت: القدير.

قال أبو جعفر: والصواب من هذه الأقوال، قول من قال: معنى المقيت: القدير، وذلك أن ذلك فيما يذكر كذلك بلغة قريش، وينشد للزبير بن عبد المطلب عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وَذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفسَ عنْهُ وكُنْتُ على مَساءَتِهِ مُقيتا
أي قادراً. وقد قيل: إن منه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: " كَفَى بالمَرْءِ إثْماً أنْ يُضَيِّعَ مَنْ يُقِيتُ " في رواية من رواها: «يُقيت»: يعني من هو تحت يديه في سلطانه من أهله وعياله، فيقدر له قوته. يقال منه: أقات فلان الشيء يقتيه إقاتة، وقاته يقوته قياتة وقُوتاً، والقوت الاسم. وأما المُقِيتُ في بيت اليهودي الذي يقول فيه:
لَيْتَ شِعْرِي وأشْعُرَنَّ إذَا مَا قَرَّبُوها مَنْشُورَةً وَدُعِيتُ
ألِيَ الفَضْلُ أمْ عَليَّ إذَا حُو سِبْتُ إنَّي على الحِسابِ مُقِيتُ
فإن معناه: فإني على الحساب موقوف، وهو من غير هذا المعنى.

اسامة محمد خيري
22-12-2016, 05:53
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد في قوله: { وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } قال: قال أبي: حقّ على كل مسلم حُيِّـي بتحية أن يحيـي بأحسن منها، وإذا حياه غير أهل الإسلام أن يردّ عليه مثل ما قال.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بتأويل الآية قول من قال ذلك في أهل الإسلام، ووجه معناه إلى أنه يردّ السلام على المسلم إذا حياه تحية أحسن من تحيته أو مثلها. وذلك أن الصحاح من الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه واجب على كل مسلم ردّ تحية كل كافر أحسن من تحيته، وقد أمر الله بردّ الأحسن؛ والمثل في هذه الآية من غير تمييز منه بين المستوجب ردّ الأحسن من تحيته عليه والمردود عليه مثلها بدلالة يعلم بها صحة قول من قال: عنى بردّ الأحسن المسلم، وبردّ المثل: أهل الكفر.

والصواب إذْ لم يكن في الآية دلالة على صحة ذلك ولا بصحته أثر لازم عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أن يكون الخيار في ذلك إلى المسلَّم عليه بين ردّ الأحسن أو المثل إلا في الموضع الذي خصّ شيئاً من ذلك سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون مسلماً لها. وقد خصت السنة أهل الكفر بالنهي عن ردّ الأحسن من تحيتهم عليهم أو مثلها، إلا بأن يقال: «وعليكم»، فلا ينبغي لأحد أن يتعدّى ما حدّ في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما أهل الإسلام، فإن لمن سلم عليه منهم في الردّ من الخيار ما جعل الله له من ذلك. وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تأويل ذلك بنحو الذي قلنا خبر؛ وذلك ما:

حدثني موسى بن سهل الرملي، قال: ثنا عبد الله بن السريّ الأنطاكي، قال: ثنا هشام بن لاحق، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهديّ، عن سلمان الفارسي، قال: جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: السلام عليك يا رسول الله فقال: " وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللّه " ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله فقال له رسول الله: " وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُه! " ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته! فقال له: " وَعَلَيْك! " فقال له الرجل: يا نبيّ الله بأبي أنت وأمي، أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت عليّ؟ فقال: " أنَّكَ لَمْ تَدَعْ لَنا شَيْئاً، قال الله { وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } فرددناها عَلَيْكَ "

اسامة محمد خيري
22-12-2016, 06:02
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { فَمَا لَكُمْ فِى ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ فِئَتَيْنِ وَظ±للَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ } حتى بلغ:
{ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىظ° يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ظ±للَّهِ }
[النساء: 89] قال: هذا في شأن ابن أبيّ حين تكلم في عائشة بما تكلم. فقال سعد بن معاذ: فإنى أبرأ إلى الله وإلى رسوله منه! يريد عبد الله بن أبيّ ابن سلول.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا ارتدّوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأن اختلاف أهل ذلك إنما هو على قولين: التأويل في أحدهما أنهم قوم كانوا من أهل مكة على ما قد ذكرنا الرواية عنهم، والآخر أنهم قوم كانوا من أهل المدينة، وفي قول الله تعالى ذكره:
{ فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىظ° يُهَاجِرُواْ }

[النساء: 89] أوضح الدليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة لأن الهجرة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر، فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيماً من المنافقين وأهل الشرك، فلم يكن عليه فرض هجرة، لأنه في دار الهجرة كان وطنه ومقامه

اسامة محمد خيري
23-12-2016, 05:09
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بتأويل الآية قول من قال: عني بذلك المقتول من أهل العهد، لأن الله أبهم ذلك، فقال: { وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ } ولم يقل: «وهو مؤمن» كما قال في القتيل من المؤمنين وأهل الحرب؛ أو عني المؤمن منهم وهو مؤمن. فكان في تركه وصفه بالإيمان الذي وصف به القتيلين الماضي ذكرهما قبل، الدليل الواضح على صحة ما قلنا في ذلك.

فإن ظنّ ظانّ أن في قوله تبارك وتعالى: { فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ } دليلاً على أنه من أهل الإيمان، لأن الدية عنده لا تكون إلا لمؤمن، فقد ظنّ خطأ؛ وذلك أن دية الذمي وأهل الإسلام سواء، لإجماع جميعهم على أن ديات عبيدهم الكفار وعبيد المؤمنين من أهل الإيمان سواء، فكذلك حكم ديات أحرارهم سواء، مع أن دياتهم لو كانت على ما قال من خالفنا في ذلك، فجعلها على النصف من ديات أهل الإيمان أو على الثلث، لم يكن في ذلك دليل على أن المعنىّ بقوله: { وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ } من أهل الإيمان، لأن دية المؤمَّنة لا خلاف بين الجميع، إلا من لا يعدّ خلافاً أنها على النصف من دية المؤمن، وذلك غير مخرجها من أن تكون دية، فكذلك حكم ديات أهل الذمة لو كانت مقصرة عن ديات أهل الإيمان لم يخرجها ذلك من أن تكون ديات، فكيف والأمر في ذلك بخلافه ودياتهم وديات المؤمنين سواء؟.
...

قال أبو جعفر:والصواب من القول في ذلك أن الصوم عن الرقبة دون الدية، لأن دية الخطأ على عاقلة القاتل، والكفارة على القاتل بإجماع الحجة على ذلك، نقلاً عن نبينا صلى الله عليه وسلم، فلا يقضي صوم صائم عما لزم غيره في ماله. والمتابعة صوم الشهرين، ولا يقطعه بإفطار بعض أيامه لغير علة حائلة بينه وبين صومه. ثم قال جلّ ثناؤه: { تَوْبَةً مِّنَ ظ±للَّهِ وَكَانَ ظ±للَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } يعني: تجاوزاً من الله لكم إلى التيسير عليه بتخفيفه عنكم ما خفف عنكم من فرض تحرير الرقبة المؤمنة إذا أعسرتم بها بإيجابه عليكم صوم شهرين متتابعين. { وَكَانَ ظ±للَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } يقول: ولم يزل الله عليماً بما يصلح عباده فيما يكلفهم من فرائضه وغير ذلك، حكيماً بما يقضي فيهم ويريد

اسامة محمد خيري
23-12-2016, 05:21
حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن أبي الزناد، قال: سمعت رجلاً يحدّث خارجة بن زيد، قال: سمعت أباك في هذا المكان بمني يقول: نزلت الشديدة بعد الهينة، قال: أراه بستة أشهر، يعني: { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً } بعد:
{ إِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ }
[النساء: 48].

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم، قال: ما نسخها شيء منذ نزلت، وليس له توبة.

قال أبو جعفر: وأولى القول في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه إنْ جزاه جهنم خالداً فيها، ولكنه يعفو أو يتفضل على أهل الإيمان به وبرسوله، فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عزّ ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إياها ثم يخرجه منها بفضل رحمته لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله:
{ قُلْ يظ°عِبَادِىَ ظ±لَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىظ° أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ظ±للَّهِ إِنَّ ظ±للَّهَ يَغْفِرُ ظ±لذُّنُوبَ جَمِيعاً }
[الزمر: 53].

فإن ظنّ ظانّ أن القاتل إن وجب أن يكون داخلاً في هذه الآية، فقد يجب أن يكون المشرك داخلاً فيه، لأن الشرك من الذنوب، فإن الله عزّ ذكره قد أخبر أنه غير غافر الشرك لأحد بقوله:
{ إِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ }
[النساء: 48] والقتل دون الشرك.

اسامة محمد خيري
23-12-2016, 05:27
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ ظ±لسَّلَـظ°مَ } فقرأ ذلك عامة قرّاء المكيين والمدنيين والكوفيين «السَّلَمَ» بغير ألف، بمعنى الاستسلام، وقرأه بعض الكوفيين والبصريين: { ظ±لسَّلَـظ°مُ } بألف، بمعنى التحية.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا: «لِمَنْ ألْقَى إلَيْكُمُ السَّلَمَ» بمعنى: من استسلم لكم مذعناً لله بالتوحيد مقرّاً لكم بملتكم. وإنما اخترنا ذلك لاختلاف الرواية في ذلك، فمن راوٍ روى أنه استسلم بأن شهد شهادة الحقّ وقال: إني مسلم؛ ومن راو روى أنه قال: السلام عليكم، فحياهم تحية الإسلام، ومن راو روى أنه كان مسلماً بإسلام قد تقدم منه قبل قتلهم إياه. وكل هذه المعاني يجمعها السلم، لأن المسلم مستسلم، والمحِّيـي بتحية الإسلام مستسلم، والمتشهد شهادة الحقّ مستسلم لأهل الإسلام، فمعنى السَّلم جامع جميع المعاني التي رويت في أمر المقتول الذي نزلت في شأنه هذه الآية، وليس كذلك في السلام، لأن السلام لا وجه له في هذا الموضع إلا التحية، فلذلك وصفنا السَّلم بالصواب.
...

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { كَذظ°لِكَ كُنتُمْ مّن قَبْلُ } فقال بعضهم: معناه: كما كان هذا الذي قتلتموه بعد ما ألقى إليكم السلام مستخفياً في قومه بدينه خوفاً على نفسه منهم، كنتم أنتم مستخفين بأديانكم من قومكم حذراً على أنفسكم منهم، فمنّ الله عليكم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير، عن سعيد بن جبير في قوله: { كَذظ°لِكَ كُنتُمْ مِّن قَبْلُ } تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير: { كَذظ°لِكَ كُنتُمْ مّن قَبْلُ } تكتمون إيمانكم في المشركين.

وقال آخرون: معنى ذلك: كما كان هذا الذي قتلتموه بعد ما ألقى إليكم السلم كافراً كنتم كفاراً، فهداه كما هداكم. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { كَذظ°لِكَ كُنتُمْ مّن قَبْلُ فَمَنَّ ظ±للَّهُ عَلَيْكُمْ } كفاراً مثله، { فَتَبَيَّنُواْ }.

وأولى هذين القولين بتأويل الآية القول الأوّل، وهو قول من قال: كذلك كنتم تخفون إيمانكم في قومكم من المشركين وأنتم مقيمين بين أظهرهم، كما كان هذا الذي قتلتموه مقيماً بين أظهر قومه من المشركين، مستخفياً بدينه منهم.

وإنما قلنا هذا التأويل أولى بالصواب، لأن الله عزّ ذكره إنما عاتب الذين قتلوه من أهل الإيمان بعد إلقائه إليهم السلام، ولم يقد به قاتلوه للبس الذي كان دخل في أمره على قاتليه بمقامه بين أظهر قومه من المشركين، وظنهم أنه ألقى السلام إلى المؤمنين تعوّذاً منهم، ولم يعاتبهم على قتلهم إياه مشركاً، فيقال: كما كان كافراً كنتم كفاراً؛ بل لا وجه لذلك، لأن الله جلّ ثناؤه لم يعاتب أحداً من خلقه على قتل محارب لله ولرسوله من أهل الشرك بعد إذنه له بقتله....

وأولى التأويلين في ذلك بالصواب التأويل الذي ذكرته عن سعيد بن جبير، لما ذكرنا من الدلالة على أن معنى قوله: { كَذظ°لِكَ كُنتُمْ مّن قَبْلُ } ما وصفنا قبل، فالواجب أن يكون عقيب ذلك: { فَمَنَّ ظ±للَّهُ عَلَيْكُمْ } فرفع ما كنتم فيه من الخوف من أعدائكم عنكم بإظهار دينه وإعزاز أهله، حتى أمكنكم إظهار ما كنتم تستخفون به، من توحيده وعبادته، حذراً من أهل الشرك. ]

اسامة محمد خيري
23-12-2016, 05:32
واختلفت القراء في قراءة قوله: { غَيْرَ أُوْلِى ظ±لضَّرَرِ }؛ فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة ومكة والشام: «غيرَ أُولي الضَّرَرِ } نصباً، بمعنى: إلا أولي الضرر. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل العراق والكوفة والبصرة: { غَيْرُ أُوْلِى ظ±لضَّرَرِ } برفع «غيرُ» على مذهب النعت للقاعدين.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا: «غيرَ أُولي الضَّرَرِ» بنصب غيرَ، لأن الأخبار متظاهرة بأن قوله: «غَيْرَ أُولي الضَّرَرِ» نزل بعد قوله: { لاَّ يَسْتَوِى ظ±لْقَـظ°عِدُونَ مِنَ ظ±لْمُؤْمِنِينَ وَظ±لْمُجَـظ°هِدُونَ فِى سَبِيلِ ظ±للَّهِ بِأَمْوظ°لِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ } استثناء من قوله: { لاَّ يَسْتَوِى ظ±لْقَـظ°عِدُونَ مِنَ ظ±لْمُؤْمِنِينَ وَظ±لْمُجَـظ°هِدُونَ }. ذكر بعض الأخبار الواردة بذلك:

حدثنا نصر بن عليّ الجهضمي، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن البراء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ائْتُونِي بالكَتِفِ وَاللَّوْحِ " ! فَكَتبَ: { لاَّ يَسْتَوِى ظ±لْقَـظ°عِدُونَ مِنَ ظ±لْمُؤْمِنِينَ وَظ±لْمُجَـظ°هِدُونَ } وعمرو بن أمّ مكتوم خلف ظهره، فقال: هل لي من رخصة يا رسول الله؟ فنزلت: «غَيْرَ أُولي الضَّرَرِ»....

حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: { وَفَضَّلَ ظ±للَّهُ ظ±لْمُجَـظ°هِدِينَ عَلَى ظ±لْقَـظ°عِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجَـظ°تٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً } قال: على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر.]...

وأولى التأويلات بتأويل قوله؛ { دَرَجَـظ°تٍ مِّنْهُ } أن يكون معنيًّا به درجات الجنة، كما قال ابن محيريز؛ لأن قوله تعالى ذكره: { دَرَجَـظ°تٍ مِّنْهُ } ترجمة وبيان عن قوله: { أَجْراً عَظِيماً } ، ومعلوم أن الأجر إنما هو الثواب والجزاء، وإذا كان ذلك كذلك، وكانت الدرجات والمغفرة والرحمة ترجمة عنه، كان معلوماً أن لا وجه لقول من وجه معنى قوله: { دَرَجَـظ°تٍ مِّنْهُ } إلى الأعمال وزيادتها على أعمال القاعدين عن الجهاد كما قال قتادة وابن زيد. وإذا كان ذلك كذلك، وكان الصحيح من تأويل ذلك ما ذكرنا، فبيَّن أن معنى الكلام: وفضل الله المجاهدين في سبيل الله على القاعدين من غير أولي الضرر أجراً عظيماً وثواباً جزيلاً، وهو درجات أعطاهموها في الآخرة من درجات الجنة، رفعهم بها على القاعدين بما أبلوا في ذات الله. { وَمَغْفِرَةً } يقول: وصفح لهم عن ذنوبهم، فتفضل عليهم بترك عقوبتهم عليها. { وَرَحْمَةً } يقول: ورأفة بهم. { وَكَانَ ظ±للَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } يقول: ولم يزل الله غفوراً لذنوب عباده المؤمنين، فيصفح لهم عن العقوبة عليها { رَّحِيماً } بهم، يتفضل عليهم بنعمه، مع خلافهم أمره ونهيه وركوبهم معاصيه.

اسامة محمد خيري
23-12-2016, 05:58
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أن من هاجر في سبيله يجد في الأرض مضطرباً ومتسعاً؛ وقد يدخل في السَّعة، السعة في الرزق، والغنى من الفقر؛ ويدخل فيه السعة من ضيق الهمّ، والكرب الذي كان فيه أهل الإيمان بالله من المشركين بمكة، وغير ذلك من معاني السَّعة التي هي بمعنى الرَّوْح والفرج من مكروه ما كره الله للمؤمنين بمقامهم بين ظهري المشركين وفي سلطانهم. ولم يضع الله دلالة على أنه عنى بقوله: «وسعة» بعض معاني السعة التي وصفنا، فكل معاني السَّعة هي التي بمعنى الروح والفرج مما كانوا فيه من ضيق العيش وغمّ جوار أهل الشرك وضيق الصدر، بتعذّر إظهار الإيمان بالله وإخلاص توحيده وفراق الأنداد والآلهة، داخل في ذلك.

اسامة محمد خيري
23-12-2016, 06:03
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ظ±لأَرْضِ }... الآية، قصر الصلاة إن لقيت العدوّ وقد حانت الصلاة أن تكبر الله وتخفض رأسك إيماء راكباً كنت أو ماشياً.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية قول من قال: عَنَى بالقْصر فيها القصر من حدودها، وذلك ترك إتمام ركوعها وسجودها، وإباحة أدائها كيف أمكن أداؤها مستقبل القبلة فيها ومستدبرها وراكباً وماشياً، وذلك في حال الشبكة والمسايفة والتحام الحرب وتزاحف الصفوف، وهي الحالة التي قال الله تبارك وتعالى:

{ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا }
[البقرة: 239] وأذن بالصلاة المكتوبة فيها راكباً إيماء بالركوع والسجود على نحو ما روي عن ابن عباس من تأويله ذلك.

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بقوله: { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ظ±لاْرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ظ±لصَّلوظ°ةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ } لدلالة قول الله تعالى:
{ فَإِذَا ظ±طْمأْنَنْتُمْ فَأقِيمُواْ ظ±لصَّلَظ°وةَ }
[النساء: 103] على أن ذلك كذلك؛ لأن إقامتها إتمام حدودها من الركوع والسجود وسائر فروضها دون الزيادة في عددها التي لم تكن واجبة في حال الخوف.

فإن ظنّ ظانّ أن ذلك أمر من الله باتمام عددها الواجب عليه في حال الأمن بعد زوال الخوف، فقد يجب أن يكون المسافر في حال قصره صلاته عن صلاة المقيم غير مقيم صلاته لنقص عدد صلاته من الأربع اللازمة كانت له في حال إقامته إلى الركعتين، فذلك قول إن قاله قائل مخالف لما عليه الأمة مجمعة من أن المسافر لا يستحقّ أن يقال له: إذا أتى بصلاته بكمال حدودها المفروضة عليه فيها، وقصر عددها عن أربع إلى اثنتين أنه غير مقيم صلاته. وإذا كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى قد أمر الذي أباح له أن يقصر صلاته خوفاً من عدوّه أن يفتنه، أن يقيم صلاته إذا اطمأنّ وزال الخوف، كان معلوماً أن الذي فرض عليه من إقامة ذلك في حال الطمأنينة، عين الذي كان أسقط عنه في حال الخوف، وإذ كان الذي فرض عليه في حال الطمأنينة إقامة صلاته، فالذي أسقط عنه في غير حال الطمأنينة ترك إقامتها. وقد دللنا على أن ترك إقامتها، إنما هو ترك حدودها على ما بينا.]

اسامة محمد خيري
23-12-2016, 06:17
قال أبو جعفر: فتأويل الآية على قول هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة، ورووا هذه الرواية: وإذا كنت يا محمد فيهم، يعني في أصحابك خائفاً، فأقمت لهم الصلاة، فلتقم طائفة منهم معك؛ يعني ممن دخل معك في صلاتك، { فَإِذَا سَجَدُواْ } ، يقول: فإذا سجدت هذه الطائفة بسجودك، ورفعت رءوسها من سجودها { فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ } يقول: فليصر من خلفك، خلف الطائفة التي حرستك وإياهم إذا سجدت بهم وسجدوا معك. { وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىظ° لَمْ يُصَلُّواْ } يعني الطائفة الحارسة التي صلت معه غير أنها لم تسجد بسجوده، فمعنى قوله: { لَمْ يُصَلُّواْ } على مذهب هؤلاء: لم يسجدوا بسجودك: { فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } يقول: فليسجدوا بسجودك إذا سجدت، ويحرسك وإياهم الذين سجدوا بسجودك في الركعة الأولى. { وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } يعني الحارسة.

وأولى الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية قول من قال معنى ذلك: فإذا سجدت الطائفة التي قامت معك في صلاتها، { فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ } يعني من خلفك وخلف من يدخل في صلاتك ممن لم يصلّ معك الركعة الأولى بإزاء العدوّ بعد فراغها من بقية صلاتها، { وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىظ° } وهي الطائفة التي كانت بازاء العدوّ لم يصلوا، يقول: لم يصلوا معك الركعة الأولى { فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } يقول: فليصلوا معك الركعة التي بقيت عليك. { وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } لقتال عدوّهم بعد ما يفرغون من صلاتهم؛ وذلك نظير الخبر الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعله يوم ذات الرقاع، والخبر الذي رَوَى سهل بن أبي حثمة.

وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية، لأن الله عزّ ذكره قال: { وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ظ±لصَّلَوظ°ةَ } وقد دللنا على أن إقامتها إتمامها بركوعها وسجودها، ودللنا مع ذلك على أن قوله:

{ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ظ±لصَّلَظ°وةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ظ±لَّذِينَ كَفَرُوغ¤اْ }
[النساء: 101] إنما هو إذن بالقصر من ركوعها وسجودها في حال شدة الخوف. فإذا صحّ ذلك كان بيناً أن لا وجه لتأويل من تأوّل ذلك أن الطائفة الأولى إذا سجدت مع الإمام فقد انقضت صلاتها، لقوله: { فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ } لاحتمال ذلك من المعاني ما ذكرت قبل، ولأنه لا دلالة في الآية على أن القصر الذي ذكر في الآية قبلها عنى به القصر من عدد الركعات. وإذ كان لا وجه لذلك، فقول من قال: أريد بذلك التقدم والتأخر في الصلاة على نحو صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم بعسفان أبعد، وذلك أن الله جلّ ثناؤه يقول: { وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىظ° لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } وكلتا الطائفتين قد كانت صلت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ركعته الأولى في صلاته بعسفان، ومحال أن تكون التي صلت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم هي التي لم تصل معه.

فإن ظنّ ظانّ أنه أريد بقوله: { لَمْ يُصَلُّواْ }: لم يسجدوا، فإن ذلك غير الظاهر المفهوم من معاني الصلاة، وإنما توجه معاني كلام الله جلّ ثناؤه إلى الأظهر والأشهر من وجوههما ما لم يمنع من ذلك ما يجب التسليم له. وإذ كان ذلك كذلك ولم يكن في الآية أمر من الله عزّ ذكره للطائفة الأولى بتأخير قضاء ما بقي عليها من صلاتها إلى فراغ الإمام من بقية صلاته، ولا على المسلمين الذين بازاء العدوّ في اشتغالها بقضاء ذلك ضرر، لم يكن لأمرها بتأخير ذلك وانصرافها قبل قضاء باقي صلاتها عن موضعها معنى. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإنا نرى أن من صلاها من الأئمة فوافقت صلاته بعض الوجوه التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلاها، فصلاته مجزئة عنه تامة لصحة الأخبار بكلّ ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه من الأمور التي علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ثم أباح لهم العمل بأيّ ذلك شاءوا.

اسامة محمد خيري
23-12-2016, 06:26
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { فَإِذَا ظ±طْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا ظ±لصَّلَوظ°ةَ } قال: أتموها.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بتأويل الآية، تأويل من تأوّله: فإذا زال خوفكم من عدوّكم وأمنتم أيها المؤمنون واطمأنت أنفسكم بالأمن، فأقيموا الصلاة، فأتموها بحدودها المفروضة عليكم، غير قاصريها عن شيء من حدودها.

وأنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لأن الله تعالى ذكره عرّف عباده المؤمنين الواجب عليهم من فرض صلاتهم بهاتين الآيتين في حالين: إحداهما شدة حال خوف أذن لهم فيها بقصر الصلاة، على ما بينت من قصر حدودها عن التمام، والأخرى حال غير شدّة الخوف أمرهم فيها بإقامة حدودها، وإتمامها على ما وصفه لهم جلّ ثناؤه من معاقبة بعضهم بعضاً في الصلاة خلف أئمتهم، وحراسة بعضهم بعضاً من عدوّهم وهي حالة لا قصر فيها، لأنه يقول جلّ ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الحال: وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة.

فمعلوم بذلك أن قوله: { فَإِذَا ظ±طْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا ظ±لصَّلَوظ°ةَ } إنما هو: فإذا اطمأننتم من الحالة التي لم تكونوا مقيمين فيها صلاتكم فأقيموها، وتلك حالة شدة الخوف، لأنه قد أمرهم باقامتها في حال غير شدة الخوف بقوله:
{ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ظ±لصَّلَظ°وةَ }
[النساء: 102]... الآية...

قال أبو جعفر: وهذه الأقوال قريب معنى بعضها من بعض، لأن ما كان مفروضاً فواجب، وما كان واجباً أداؤه في وقت بعد وقت فمنجم. غير أن أولى المعاني بتأويل الكلمة قول من قال: إن الصلاة كانت على المؤمنين فرضاً منجماً، لأن الموقوت إنما هو مفعول من قول القائل: وَقَتَ اللّه عليك فرضه فهو يَقِتُهُ، ففرضُه عليك موقوت، إذا أخبر أنه جَعل له وقتاً يجب عليك أداؤه. فكذلك معنى قوله: { إنَّ ظ±لصَّلَوظ°ةَ كانَتْ علىظ° ظ±لمُؤْمِنِينَ كِتَـظ°باً مَّوْقُوتاً } إنما هو كانت على المؤمنين فرضاً وقت لهم وقت وجوب أدائه، فبَّين ذلك لهم. ]

اسامة محمد خيري
24-12-2016, 05:05
واختلف أهل العربية في معنى قوله: { لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ } فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: لا خير في كثير من نجواهم إلا في نجوى من أمر بصدقة. كأنه عطف «من» على الهاء والميم التي في «نجواهم». وذلك خطأ عند أهل العربية لأن إلا لا تعطف على الهاء والميم في مثل هذا الموضع من أجل أنه لم ينله الجحد. وقال بعض نحويي الكوفة: قد تكون «مَن» في موضع خفض ونصب؛ وأما الخفض فعل قولك: { لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ } إلا فيمن أمر بصدقة، فتكون النجوى على هذا التأويل هم الرجال المناجون، كما قال جلّ ثناؤه:
{ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىظ° ثَلَـظ°ثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ }
[المجادلة: 7] وكما قال:
{ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىظ° }
[الإسراء: 47]. وأما النصب، فعلى أن تجعل النجوى فعلاً فيكون نصباً، لأنه حينئذ يكون استثناء منقطعاً، لأنه من خلاف النجوى، فيكون ذلك نظير قول الشاعر:
...............وَما بالرَّبْعِ مِنْ أحَدِ إلاَّ أُوَارِيّ لاَءْياً مَا أُبَيِّنُها
وقد يحتمل «من» على هذا التأويل أن يكون رفعاً، كما قال الشاعر:
وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِها أنِيسُ إلاَّ اليَعافِيرُ وَإلاَّ العِيسُ
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك، أن تجعل «من» في موضع خفض بالردّ على النجوى، وتكون النجوى بمعنى جمع المتناجين، خرج مخرج السكرى والجرحى والمرضى، وذلك أن ذلك أظهر معانيه، فيكون تأويل الكلام: لا خير في كثير من المتناجين يا محمد من الناس، إلا فيمن أمر بصدقة أو معروف، أو إصلاح بين الناس، فإن أولئك فيهم الخير.

اسامة محمد خيري
24-12-2016, 05:13
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهاد في قوله: { إِنَـٰثاً } قال: أوثاناً.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا سفيان، قال: ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كان في مصحف عائشة: «إنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلاَّ إناثاً».

قال أبو جعفر: رُوي عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: «أن يدعون من دونه إلا أُثُناً»، بمعنى جمع وثن، فكأنه جمع وَثَنَاً وُثُناً، ثم قلب الواو همزة مضمومة، كما قيل: ما أحسن هذه الأجوه، بمعنى الوجوه، وكما قيل: { وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقّتَتْ } بمعنى: وُقّتت. وذكر عن بعضهم أنه كان يقرأ ذلك: «إن يدعون من دونه إلا أُنُثاً»، كأنه أراد جمع الإناث، فجمعها أُنُثاً، كما تُجمع الثمار ثُمُراً. والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها قراءة من قرأ: { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً } بمعنى جمع أنثى، لأنها كذلك في مصاحف المسلمين، ولإجماع الحجة على قراءة ذلك كذلك.

وأولى التأويلات التي ذكرت بتأويل ذلك إذ كان الصواب عندنا من القراءة ما وصفت، تأويل من قال: عنى بذلك الآلهة التي كان مشركو العرب يعبدونها من دون الله، ويسمونها بالإناث من الأسماء كاللات والعزّى ونائلة ومناة، وما أشبه ذلك.

وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية، لأن الأظهر من معاني الإناث في كلام العرب ما عرف بالتأنيث دون غيره. فإذ كان ذلك كذلك، فالواجب توجيه تأويله إلى الأشهر من معانيه، وإذ كان ذلك كذلك فتأويل الآية: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين، نولّه ما تولّى ونصله جهنم وساءت مصيراً، إن يدعون من دونه إلا إناثاً، يقول: ما يدعو الذين يشاقون الرسول ويتبعون غير سبيل المؤمنين شيئاً من دون الله بعد الله وسواه، إلاّ إناثاً، يعني: إلا ما سموه بأسماء الإناث كاللات والعزّى وما أشبه ذلك. يقول جلّ ثناؤه: فحسب هؤلاء الذين أشركوا بالله وعبدوا ما عبدوا من دونه من الأوثان والأنداد، حجة عليهم في ضلالتهم وكفرهم وذهابهم عن قصد السبيل، أنهم يعبدون إناثاً ويدعونها آلهة وأرباباً. والإناث من كلّ شيء أخّسه؛ فهم يقرّون للخسيس من الأشياء بالعبودية على علم منهم بخساسته، ويمتنعون من إخلاص العبودية للذي له ملك كل شيء وبيده الخلق والأمر.

اسامة محمد خيري
24-12-2016, 05:18
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال: معناه: ولآمرنهم فليغيرنّ خلق الله، قال: دين الله، وذلك لدلالة الآية الأخرى على أن ذلك معناه، وهي قوله:
{ فِطْرَةَ ظ±للَّهِ ظ±لَّتِى فَطَرَ ظ±لنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ظ±للَّهِ ذَلِكَ ظ±لدِّينُ ظ±لْقَيِّمُ }
[الروم: 30]. وإذا كان ذلك معناه دخل في ذلك فعل كل ما نهى الله عنه من خصاء ما لا يجوز خصاؤه، ووشم ما نهى عن وشمه ووَشْره، وغير ذلك من المعاصي، ودخل فيه ترك كلّ ما أمر الله به، لأن الشيطان لا شكّ أنه يدعو إلى جميع معاصي الله، وينهى عن جميع طاعته، فذلك معنى أمره نصيبه المفروض من عباد الله بتغيير ما خلق الله من دينه؛ ولا معنى لتوجيه من وجه قوله: { وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ظ±للَّهِ } إلى أنه وعد الأمر بتغيير بعض ما نهى الله عنه دون بعض، أو بعض ما أمر به دون بعض. فإذ كان الذي وجه معنى ذلك إلى الخصاء والوشم دون غيره، إنما فعل ذلك لأن معناه: كان عنده أنه عنى به تغيير الأجسام، فإنّ في قوله جلّ ثناؤه إخباراً عن قِيل الشيطان: { وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ظ±للَّهِ } ما ينبىء أن معنى ذلك غير ما ذهب إليه، لأن تَبْتيك آذان الأنعام من تغيير خلق الله، الذي هو أجسام.

وقد مضى الخبر عنه أنه وعد الأمر بتغيير خلق الله من الأجسام مفسراً، فلا وجه لإعادة الخبر عنه به مجملاً، إذ كان الفصيح في كلام العرب أن يترجم عن المجمل من الكلام بالمفسر وبالخاصّ عن العامّ دون الترجمة عن المفسر بالمجمل، وبالعامّ عن الخاص، وتوجيه كتاب الله إلى الأفصح من الكلام وأولى من توجيه إلى غيره ما وجد إليه السبيل.

اسامة محمد خيري
24-12-2016, 05:27
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك، ما قال مجاهد من أنه عنى بقوله: { لَّيْسَ بِأَمَـظ°نِيِّكُمْ } مشركي قريش. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن المسلمين لم يجر لأمانيهم ذكر فيما مضى من الآي قبل قوله: { لَّيْسَ بِأَمَـظ°نِيِّكُمْ } وإنما جرى ذكر أمانيّ نصيب الشيطان المفروض، وذلك في قوله:
{ وَلامَنِّيَنَّهُمْ وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءاذَانَ ظ±لأَنْعَـظ°مِ }
[النساء: 119] وقوله:
{ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ }
[النساء: 120] فإلحاق معنى قوله: { لَّيْسَ بِأَمَـظ°نِيِّكُمْ } بما قد جري ذكره قبل أحقّ وأولى من ادّعاء تأويل فيه، لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل، ولا أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا أجماع من أهل التأويل. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية إذن: ليس الأمر بأمانيكم يا معشر أولياء الشيطان وحزبه التي يمنيكموها وليكم عدوّا لله من إنقاذكم ممن أرادكم بسوء، ونصرتكم عليه، وإظفاركم به، ولا أماني أهل الكتاب الذين قالوا اغترارا بالله وبحلمه عنهم: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة، ولن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، فإن الله مجازي كل عامل منكم جزاء عمله، من يعمل منكم سوء، أو من غيركم يجز به، ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً، ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة.

ومما يدلّ أيضاً على صحة ما قلنا في تأويل ذلك، وأنه عُني بقوله: { لَّيْسَ بِأَمَـظ°نِيِّكُمْ } مشركو العرب كما قال مجاهد: إن الله وصف وعد الشيطان ما وعد أولياءه، وأخبر بحال وعده، ثم أتبع ذلك بصفة وعده الصادق بقوله:
{ وَظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ظ±لصَّـظ°لِحَـظ°تِ سَنُدْخِلُهُمْ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـظ°تٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ظ±لأَنْهَـظ°رُ خَـظ°لِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ ظ±للَّهِ حَقّاً }
[النساء: 122] وقد ذكر جلّ ثناؤه مع وصفه وعد الشيطان أولياءه، وتمنيته إياهم الأماني بقوله:
{ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ }
[النساء: 120] كما ذكر وعده إياهم، فالذي هو أشبه أن يتبع تمنيته إياهم من الصفة، بمثل الذي أتبع عدّته إياهم به من الصفة. وإذ كان ذلك كذلك صحّ أن قوله: { لَّيْسَ بِأَمَـظ°نِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ }... الآية، إنما هو خبر من الله عن أمانيّ أولياء الشيطان وما إليه صائرة أمانيهم مع سيـىء أعمالهم من سوء الجزاء، وما إليه صائرة أعمال أولياء الله من حسن الجزاء. وإنما ضمّ جلّ ثناؤه أهل الكتاب إلى المشركين في قوله: { لَّيْسَ بِأَمَـظ°نِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ } لأن أماني الفريقين من تمنية الشيطان إياهم التي وعدهم أن يمنيهموها بقوله:

{ وَلاَضِلَّنَّهُمْ وَلامَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ }
[النساء: 119]....

قال أبو جعفر: وأولى التأويلات التي ذكرناها بتأويل الآية، التأويل الذي ذكرناه عن أبيّ بن كعب وعائشة، وهو أن كل من عمل سوءاً صغيراً أو كبيراً من مؤمن أو كافر، جوزي به. وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية، لعموم الآية كل عامل سوء، من غير أن يخص أو يستثنى منهم أحد، فهي على عمومها إذ لم يكن في الآية دلالة على خصوصها ولا قامت حجة بذلك من خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

فإن قال قائل: وأين ذلك من قول الله:
{ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَـظ°تِكُمْ }
[النساء: 31] وكيف يجوز أن يجازي على ما قد وعد تكفيره؟ قيل: إنه لم يعد بقوله:
{ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَـظ°تِكُمْ }
[النساء: 31] ترك المجازاة عليها، وإنما وَعَد التكفير بترك الفضيحة منه لأهلها في معادهم، كما فضح أهل الشرك والنفاق. فأما إذا جازاهم في الدنيا عليها بالمصائب ليكفرها عنهم بها ليوافوه ولا ذنب لهم، يستحقون المجازاة عليه، فإنما وفي لهم بما وعدهم بقوله:
{ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَـظ°تِكُمْ }
[النساء: 31] وأنجز لهم ما ضمن لهم بقوله:
{ وَظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ظ±لصَّـظ°لِحَـظ°تِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـظ°تٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ظ±لأَنْهَـظ°رُ }

[النساء: 122].

وبنحو الذي قلنا في ذلك، تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر الأخبار الواردة بذلك:

حدثنا أبو كريب، وسفيان بن وكيع ونصر بن عليّ وعبد الله بن أبي زياد القَطَواني، قالوا: ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن محيصن، عن محمد بن قيس بن مخرمة، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت هذه الآية: { مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } شقَّت على المسلمين، وبلغت منهم ما شاء الله أن تبلغ، فشكَوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " قَاربوا وسَدِّدُوا، ففي كل ما يُصَابُ به المسلم كَفَّارَةٌ، حتّى النَّكْبَة يُنْكَبُها، أو الشوكة يُشَاكّها "

اسامة محمد خيري
24-12-2016, 05:42
وأولى هذه الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرناها عنه بالصواب وأشبهها بظاهر التنزيل قول من قال: معنى قوله: { وَمَا يُتْلَىظ° عَلَيْكُمْ فِى ظ±لْكِتَـظ°بِ }: وما يتلى عليكم من آيات الفرائض في أوّل هذه السورة وآخرها.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الصداق ليس مما كتب للنساء إلا بالنكاح، فما لم تنكح فلا صداق لها قِبَلَ أحَد، وإذا لم يكن ذلك لها قِبَل أحد لم يكن مما كتب لها، وإذا لم يكن مما كتب لها، لم يكن لقول قائل عني بقوله: { وَمَا يُتْلَىظ° عَلَيْكُمْ فِى ظ±لْكِتَـظ°بِ }: الإقساط في صدقات يتامى النساء وجه، لأن الله قال في سياق الآية مبيناً عن الفتيا التي وعدنا أن يفتيناها في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ، فأخبر أن بعض الذي يفتينا فيه من أمر النساء أمر اليتيمة المحولة بينها وبين ما كتب الله لها، والصداق قبل عقد النكاح ليس مما كتب الله لها على أحد، فكان معلوماً بذلك أن التي عنيت بهذه الآية هي التي قد حيل بينها وبين الذي كتب لها مما يتلى علينا في كتاب الله. فإذا كان ذلك كذلك، كان معلوماً أن ذلك هو الميراث الذي يوجبه الله لهن في كتابه. فأما الذي ذكر عن محمد بن أبي موسى، فإنه مع خروجه من قول أهل التأويل، بعيد مما يدلّ عليه ظاهر التنزيل، وذلك أنه زعم أن الذي عنى الله بقوله: { وَمَا يُتْلَىظ° عَلَيْكُمْ فِى ظ±لْكِتَـظ°بِ } هو
{ وَإِنِ ظ±مْرَأَةٌ خَـظ°فَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً }
[النساء: 128]، وإذا وجه الكلام إلى المعنى الذي تأوّله صار الكلام مبتدأ من قوله: { فِى يَتَـظ°مَى ظ±لنِّسَاءِ ظ±لَّلَـظ°تِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } ترجمة بذلك عن قوله { فِيهِنَّ } ويصير معنى الكلام: قل الله يفتيكم فيهن في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهنّ، ولا دلالة في الآية على ما قاله، ولا أثر عمن يعلم بقوله صحة ذلك. وإذا كان ذلك كذلك، كان وصل معاني الكلام بعضه ببعض أولى ما وجد إليه سبيل. فإذا كان الأمر على ما وصفنا، فقوله: { فِى يَتَـظ°مَى ظ±لنِّسَاءِ } بأن يكون صلة لقوله: { وَمَا يُتْلَىظ° عَلَيْكُمْ } أولى من أن يكون ترجمة عن قوله: { قُلِ ظ±للَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } لقربه من قوله: { وَمَا يُتْلَىظ° عَلَيْكُمْ فِى ظ±لْكِتَـظ°بِ } ، وانقطاعه عن قوله: { يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ }.

وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: ويستفتونك في النساء، قل الله يفتيكم فيهنّ، وفيما يتلى عليكم فِي كتابِ الله الذي أنزله على نبيه في أمر يتامى النساء اللاتي لا تعطونهنّ ما كتب لهنّ، يعني: ما فرض الله لهنّ من الميراث عمن ورثنه. كما:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } قال: لا تورثونهن.....

قال أبو جعفر: وأولى القولين بتأويل الآية قول من قال: معنى ذلك: وتَرْغَبُونَ عَنْ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ، لأن حبسهم أموالهن عنهنّ، مع عضلهم إياهنّ إنما كان ليرثوا أموالهن دون زوج إن تزوّجن.

ولو كان الذين حبسوا عنهنّ أموالهنّ إنما حبسوها عنهنّ رغبة في نكاحهنّ، لم يكن للحبس عنهنّ وجه معروف، لأنهم كانوا أولياءهن، ولم يكن يمنعهم من نكاحهنّ مانع فيكون به حاجة إلى حبس مالها عنها ليتخذ حبسها عنها سبباً إلى إنكاحها نفسها منه....

اسامة محمد خيري
24-12-2016, 05:55
وقال آخرون: معنى ذلك: وأحضرت نفس كل واحد من الرجل والمرأة الشحّ بحقه قبَل صاحبه. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول في قوله: { وَأُحْضِرَتِ ظ±لأنفُسُ ظ±لشُّحَّ } قال: لا تطيب نفسه أن يعطيها شيئاً فتحلله، ولا تطيب نفسها أن تعطيه شيئاً من مالها، فتعطفه عليها.

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: عني بذلك: أحضرت أنفس النساء الشحّ بأنصبائهن من أزواجهن في الأيام والنفقة. والشحّ: الإفراط في الحرص على الشيء، وهو في هذا الموضع: إفراط حرص المرأة على نصيبها من أيامها من زوجها ونفقتها.

فتأويل الكلام: وأحضرت أنفس النساء أهواءهن من فرط الحرص على حقوقهنّ من أزواجهنّ، والشحّ بذلك على ضرائرهن.

وبنحو ما قلنا في معنى الشحّ، ذكر عن ابن عباس أنه كان يقول.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { وَأُحْضِرَتِ ظ±لأنفُسُ ظ±لشُّحَّ } والشحّ: هواه في الشيء يحرص عليه.

وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب من قول من قال: عني بذلك: وأحضرت أنفس الرجال والنساء الشحّ، على ما قاله ابن زيد، لأن مصالحة الرجل امرأته باعطائه إياها من ماله جعلاً على أن تصفح له عن القسم لها غير جائزة، وذلك أنه غير معتاض عوضاً من جعله الذي بذله لها، والجعل لا يصحّ إلا على عوض: إما عين، وإما منفعة.

والرجل متى جَعَل للمرأة جُعْلاً على أن تصفح له عن يومها وليلتها فلم يملك عليها عيناً ولا منفعة. وإذا كان ذلك كذلك، كان ذلك من معاني أكل المال بالباطل. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه لا وجه لقول من قال: عني بذلك: الرجل والمرأة. فإن ظنّ ظانّ أن ذلك إذ كان حقاً للمرأة، ولها المطالبة به، فللرجل افتداؤه منها بجعل، فإن شفعة المستشفع في حصة من دار اشتراها رل من شريك له فيها حقّ، له المطالبة بها، فقد يجب أن يكون للمطلوب افتداء ذلك منه بجعل، وفي إجماع الجميع على أن الصلح في ذلك على عوض غير جائز، إذ كان غير معتاض منه المطلوب في الشفعة عيناً ولا نفعاً، ما يدلّ على بطول صلح الرجل امرأته على عوض، على أن تصفح عن مطالبتها إياه بالقسمة لها. وإذ فسد ذلك صحّ أن تأويل الآية ما قلنا. وقد أبان الخبر الذي تركناه عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، أن قوله: { وَإِنِ ظ±مْرَأَةٌ خَـظ°فَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً }... الآية، نزلت في أمر رافع بن خديج وزوجته، إذ تزوّج عليها شابة، فآثر الشابة عليها، فأبت الكبيرة أن تقرّ على الأثرة، فطلقها تطليقة وتركها، فلما قارب انقضاء عدتها، خيرها بين الفراق والرجعة والصبر على الأثرة، فاختارت الرجعة والصبر على الأثرة، فراجعها وآثر عليها، فلم تصبر فطلقها. ففي ذلك دليل واضح على أن قوله: { وَأُحْضِرَتِ ظ±لأنفُسُ ظ±لشُّحَّ } إنما عني به: وأحضرت أنفس النساء الشحّ بحقوقهنّ من أزواجهن على ما وصفنا.

اسامة محمد خيري
24-12-2016, 06:10
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك تأويل من تأوّله: إنه ليّ الشاهد شهادته لمن يشهد له وعليه؛ وذلك تحريفه إياها لسانه وتركه إقامتها ليبطل بذلك شهادته لمن شهد له وعمن شهد عليه. وأما إعراضه عنها، فإنه تركه أداءها والقيام بها فلا يشهد بها. وإنما قلنا هذا التأويل أولى بالصواب، لأن الله جلّ ثناؤه قال: { كُونُواْ قَوَّامِينَ بِظ±لْقِسْطِ شُهَدَاء للَّهِ } فأمرهم بالقيام بالعدل شهداء، وأظهر معاني الشهداء ما ذكرنا من وصفهم بالشهادة.....

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عني بذلك أهل الكتاب الذين أقرّوا بحكم التوراة، ثم كذبوا بخلافهم إياه، ثم أقرّ من أقرّ منهم بعيسى والإنجيل، ثم كذب به بخلافه إياه، ثم كذّب بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان، فازداد بتكذيبه به كفراً على كفره.

وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب في تأويل هذه الآية، لأن الآية قبلها في قصص أهل الكتابين، أعني قوله:
{ يَظ°ـأَيُّهَا ظ±لَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِظ±للَّهِ وَرَسُولِهِ }
[النساء: 136] ولا دلالة تدلّ على أن قوله: { إِنَّ ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ } منقطع معناه من معنى ما قبله، فإلحاقه بما قبله أَوْلَى حتى تأٍّي دلالة دالة على انقطاعه منه.

اسامة محمد خيري
25-12-2016, 05:17
قال أبو جعفر: وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك قراءة من قرأ: { إلاَّ مَنْ ظُلِـمَ } بضمّ الظاء، لإجماع الـحجة من القرّاء وأهل التأويـل علـى صحتها، وشذوذ قراءة من قرأ ذلك بـالفتـح. فإذ كان ذلك أولـى القراءتـين بـالصواب، فـالصواب فـي تأويـل ذلك: لا يحبّ الله أيها الناس أن يجهر أحد لأحد بـالسوء من القول { إلاَّ مَنْ ظُلِـمَ } بـمعنى: إلا من ظُلـم فلا حرج علـيه أن يخبر بـما أسيء إلـيه. وإذا كان ذلك معناه، دخـل فـيه إخبـار من لـم يُقْرَ أو أسيء قِرَاه، أو نـيـل بظلـم فـي نفسه أو ماله عَنوة من سائر الناس، وكذلك دعاؤه علـى من ناله بظلـم أن ينصره الله علـيه، لأن فـي دعائه علـيه إعلاماً منه لـمن سمع دعاءه علـيه بـالسوء له. وإذ كان ذلك كذلك، فـ «مَنْ» فـي موضع نصب، لأنه منقطع عما قبله، وأنه لا أسماء قبله يستثنى منها، فهو نظير قول:
{ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ* إِلاَّ مَن تَوَلَّىظ° وَكَفَرَ }
[الغاشية: 22-23]....

وفـي قوله جلّ ثناؤه: { إنْ تُبْدُوا خَيْراً أوْ تُـخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا } الدلالة الواضحة علـى أن تأويـل قوله: لا يُحِبُّ اللَّهُ الـجَهْرَ بـالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلاَّ مَنْ ظُلِـمَ بخلاف التأويـل الذي تأوّله زيد ابن أسلـم فـي زعمه أن معناه: لا يحبّ الله الـجهر بـالسوء من القول لأهل النفـاق، إلا من أقام علـى نفـاقه، فإنه لا بأس بـالـجهر له بـالسوء من القول. وذلك أنه جلّ ثناؤه قال عقـيب ذلك: { إنْ تُبْدُوا خَيْراً أوْ تُـخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ } ومعقول أن الله جلّ ثناؤه لـم يأمر الـمؤمنـين بـالعفو عن الـمنافقـين علـى نفـاقهم، ولا نهاهم أن يُسَمُّوا من كان منهم معلن النفـاق منافقاً، بل العفو عن ذلك مـما لا وجه له معقول، لأن العفو الـمفهوم إنـما هو صفح الـمرء عما له قِبَل غيره من حقّ، وتسمية الـمنافق بـاسمه لـيس بحقّ لأحد قِبله فـيؤمر بعفوه عنه، وإنـما هو اسم له، وغير مفهوم الأمر بـالعفو عن تسمية الشيء بـما هو اسمه.

اسامة محمد خيري
25-12-2016, 05:30
حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قوله: { يَسْئَلُكَ أهْلُ الكتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَـيْهِمْ كِتابـاً مِنَ السَّماءِ } وذلك أن الـيهود والنصارى أتوُا النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لن نتابعك علـى ما تدعونا إلـيه، حتـى تأتـينا بكتاب من عند الله إلـى فلان أنك رسول الله، وإلـى فلان بكتاب أنك رسول الله قال الله جلّ ثناؤه: { يَسْئَلُكَ أهْلُ الكتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَـيْهِمْ كِتابـاً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سألُوا مُوسَى أكْبَرَ مِنَ ذَلِكَ فقالُوا أرِنا الله جَهْرَةً }.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن أهل التوراة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسأل ربه أن ينزّل علـيهم كتابـاً من السماء آية، معجزة جميع الـخـلق عن أن يأتوا بـمثلها، شاهدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بـالصدق، آمرة لهم بـاتبـاعه. وجائز أن يكون الذي سألوه من ذلك كتابـاً مكتوبـاً ينزل علـيهم من السماء إلـى جماعتهم، وجائز أن يكون ذلك كتبـاً إلـى أشخاص بأعينهم.

بل الذي هو أولـى بظاهر التلاوة أن تكون مسألتهم إياه ذلك كانت مسألة لـينزل الكتاب الواحد إلـى جماعتهم لذكر الله تعالـى فـي خبره عنهم الكتاب بلفظ الواحد، بقوله: { يَسْئَلُكَ أهْلُ الكتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَـيْهِمْ كِتابـاً مِنَ السَّماءِ } ولـم يقل: «كتبـاً».

اسامة محمد خيري
25-12-2016, 05:36
والصواب من القول فـي ذلك أن قوله: { فَبِـما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ } وما بعده منفصل معناه من معنى ما قبله وأنّ معنى الكلام: فبـما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله، وبكذا وبكذا، لعنّاهم وغضبنا علـيهم، فترك ذكر «لعناهم» لدلالة قوله: { بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَـيْها بِكُفْرِهِمْ } علـى معنى ذلك، إذ كان مَن طبع علـى قلبه فقد لُعن وسُخط علـيه.

وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب، لأن الذين أخذتهم الصاعقة إنـما كانوا علـى عهد موسى والذين قتلوا الأنبـياء والذين رَمَوْا مريـم بـالبهتان العظيـم، وقالوا: قتلنا الـمسيحَ، كانوا بعد موسى بدهر طويـل، ولـم يدرك الذين رَمَوْا مريـم بـالبهتان العظيـم زمان موسى ولا مَن صُعِق من قومه. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الذين أخذتهم الصاعقة لـم تأخذهم عقوبة لِرَميهم مريـم بـالبهتان العظيـم، ولا لقولهم: إنا قتلنا الـمسيح عيسى ابن مريـم. وإذ كان ذلك كذلك، فبـين أن القوم الذين قالوا هذه الـمقالة، غير الذين عوقبوا بـالصاعقة. وإذا كان ذلك كذلك، كان بـيناً انفصال معنى قوله: { فَبِـما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ } من معنى قوله:
{ فَأَخَذَتْهُمُ ظ±لصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ }
[النساء: 153].

اسامة محمد خيري
25-12-2016, 05:42
قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بـالصواب أحد القولـين اللذين ذكرناهما عن وهب بن منبه، من أن شبه عيسى ألقـى علـى جميع من كان فـي البـيت مع عيسى حين أحيط به وبهم، من غير مسألة عيسى إياهم ذلك، ولكن لـيخزي الله بذلك الـيهود وينقذ به نبـيه علـيه السلام من مكروه ما أرادوا به من القتل، ويبتلـى به من أراد ابتلاءه من عبـاده فـي قـيـله فـي عيسى وصدق الـخبر عن أمره. أو القول الذي رواه عبد العزيز عنه.

وإنـما قلنا: ذلك أولـى القولـين بـالصواب، لأن الذين شهدوا عيسى من الـحواريـين لو كانوا فـي حال ما رفع عيسى، وألقـى شبهه علـى من ألقـى علـيه شبهه، كانوا قد عاينوا عيسى هو يرفع من بـينهم، وأثبتوا الذي ألقـى علـيه شبهه، وعاينوه متـحوّلاً فـي صورته بعد الذي كان به من صورة نفسه بـمـحضر منهم، لـم يخف ذلك من أمر عيسى، وأمر من ألقـي علـيه شبهه علـيهم مع معاينتهم ذلك كله، ولـم يـلتبس ولـم يشكل علـيهم وإن أشكل علـى غيرهم من أعدائهم من الـيهود أن الـمقتول والـمصلوب كان غير عيسى، وأن عيسى رفع من بـينهم حياً.

وكيف يجوز أن يكون كان أشكل ذلك علـيهم، وقد سمعوا من عيسى مقالته: من يُـلْقَـى علـيه شبهي ويكون رفـيقـي فـي الـجنة؟ إن كان قال لهم ذلك، وسمعوا جواب مـجيبه منهم: أنا، وعاينوا تـحوّل الـمـجيب فـي صورة عيسى بعقب جوابه. ولكن ذلك كان إن شاء الله علـى نـحو ما وصف وهب بن منبه، إما أن يكون القوم الذين كانوا مع عيسى فـي البـيت الذي رفع منه من حواريه حوّلهم الله جميعاً فـي صورة عيسى حين أراد الله رفعه، فلـم يثبتوا عيسى معرفة بعينه من غيره لتشابه صُوَر جميعهم، فقتلت الـيهود منهم من قتلت وهم يرونه بصورة عيسى ويحسبونه إياه، لأنهم كانوا به عارفـين قبل ذلك، وظنّ الذين كانوا فـي البـيت مع عيسى مثل الذي ظنت الـيهود، لأنهم لـم يـميزوا شخص عيسى من شخص غيره لتشابه شخصه وشخص غيره مـمن كان معه فـي البـيت، فـاتفقوا جميعهم أعنـي الـيهود والنصارى من أجل ذلك علـى أن الـمقتول كان عيسى، ولـم يكن به، ولكنه شبه لهم، كما قال الله جلّ ثناؤه: { وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ }. أو يكون الأمر فـي ذلك كان علـى نـحو ما روى عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه، أن القوم الذين كانوا مع عيسى فـي البـيت تفرّقوا عنه قبل أن يدخـل علـيه الـيهود، وبقـي عيسى، وألقـي شبهه علـى بعض أصحابه الذين كانوا معه فـي البـيت بعد ما تفرّق القوم غير عيسى وغير الذي ألقـى علـيه شبهه، ورُفع عيسى. فقُتل الذي تـحوّل فـي صورة عيسى من أصحابه، وظنّ أصحابه والـيهود أن الذي قُتل وصلب هو عيسى لـما رأوا من شبهه به وخفـاء أمر عيسى علـيهم لأن رفعه وتـحوّل الـمقتول فـي صورته كان بعد تفرّق أصحابه عنه، وقد كانوا سمعوا عيسى من اللـيـل ينعي نفسه ويحزن لـما قد ظنّ أنه نازل به من الـموت، فحكوا ما كان عندهم حقاً، والأمر عند الله فـي الـحقـيقة بخلاف ما حكوا، فلـم يستـحقّ الذين حكوا ذلك من حواريـيه أن يكونوا كذبة، أو حكوا ما كان حقاً عندهم فـي الظاهر وإن كان الأمر عند الله فـي الـحقـيقة بخلاف الذي حكوا....

. { وَما قَتَلُوهُ يَقِـيناً } يقول: وما قتلوا هذا الذي اتبعوه فـي الـمقتول الذي قتلوه وهم يحسبونه عيسى يقـيناً أنه عيسى، ولا أنه غيره، ولكنهم كانوا منه علـى ظنّ وشبهة وهذا كقول الرجل للرجل: ما قتلت هذا الأمر علـماً وما قتلته يقـيناً، إذا تكلـم فـيه بـالظنّ علـى غير يقـين علـم فـالهاء فـي قوله: { وَما قَتَلُوهُ } عائدة علـى الظنّ.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: { وَما قَتَلُوهُ يَقِـيناً } قال: يعنـي: لـم يقتلوا ظنهم يقـيناً.

اسامة محمد خيري
25-12-2016, 05:50
حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج بن الـمنهال، قال: ثنا حماد، عن حميد، قال: قال عكرمة: لا يـموت النصرانـيّ والـيهوديّ حتـى يؤمن بـمـحمد صلى الله عليه وسلم يعنـي فـي قوله: { وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتابِ إلاَّ لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ }.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال بـالصحة والصواب قول من قال: تأويـل ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا لـيؤمننّ بعيسى قبل موت عيسى.

وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب من غيره من الأقوال، لأن الله جلّ ثناؤه حكم لكل مؤمن بـمـحمد صلى الله عليه وسلم بحكم أهل الإيـمان فـي الـموارثة والصلاة علـيه وإلـحاق صغار أولاده بحكمه فـي الـملة، فلو كان كلّ كتابـيّ يؤمن بعيسى قبل موته، لوجب أن لا يرث الكتابـيّ إذا مات علـى ملته إلا أولاده الصغار أو البـالغون منهم من أهل الإسلام، إن كان له ولد صغير أو بـالغ مسلـم، وإن لـم يكن له ولد صغير ولا بـالغ مسلـم، كان ميراثه مصروفـاً حيث يصرف مال الـمسلـم، يـموت ولا وارث له، وأن يكون حكمه حكم الـمسلـمين فـي الصلاة علـيه وغسله وتقبـيره، لأن من مات مؤمناً بعيسى فقد مات مؤمناً بـمـحمد وبجميع الرسل وذلك أن عيسى صلوات الله علـيه جاء بتصديق مـحمد وجميع الـمرسلـين، فـالـمصدّق بعيسى والـمؤمن به مصدّق بـمـحمد وبجميع أنبـياء الله ورسله، كما أن الـمؤمن بـمـحمد مؤمن بعيسى وبجميع أنبـياء الله ورسله، فغير جائز أن يكون مؤمناً بعيسى من كان بـمـحمد مكذّبـاً.

...

وأما الذي قال: عنـي بقوله: { لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } لـيؤمننّ بـمـحمد صلى الله عليه وسلم قبل موت الكتابـي، فمـما لا وجه له مفهوم لأنه مع فساده من الوجه الذي دللَّنا علـى فساد قول من قال: عنى به: لـيؤمننّ بعيسى قبل موت الكتابـيّ، يزيده فساداً أنه لـم يجر لـمـحمد علـيه الصلاة والسلام فـي الآيات التـي قبل ذلك ذكر، فـيجوز صرف الهاء التـي فـي قوله: { لَـيُؤْمِنَنَّ بِهِ } إلـى أنها من ذكره، وإنـما قوله: { لَـيُؤْمِنَنّ بِهِ } فـي سياق ذكر عيسى وأمه والـيهود، فغير جائز صرف الكلام عما هو فـي سياقه إلـى غيره إلا بحجة يجب التسلـيـم لها من دلالة ظاهر التنزيـل أو خبر عن الرسول تقوم به حجة فأما الدعاوي فلا تتعذّر علـى أحد....

اسامة محمد خيري
25-12-2016, 05:58
وأولـى الأقوال عندي بـالصواب، أن يكون الـمقـيـمين فـي موضع خفض نسقاً علـى «ما» التـي فـي قوله: { بِـمَا أُنْزِلَ إلَـيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ } وأن يوجه معنى الـمقـيـمين الصلاة إلـى الـملائكة، فـيكون تأويـل الكلام: والـمؤمنون منهم يؤمنون بـما أنزل إلـيك يا مـحمد من الكتاب وبـما أنزل من قبلك من كتبـي وبـالـملائكة الذين يقـيـمون الصلاة ثم يرجع إلـى صفة الراسخين فـي العلـم فـيقول: لكن الراسخون فـي العلـم منهم، والـمؤمنون بـالكتب، والـمؤتون الزكاة، والـمؤمنون بـالله والـيوم الآخر. وإنـما اخترنا هذا علـى غيره، لأنه قد ذكر أن ذلك فـي قراءة أبـيّ بن كعب: «والـمقـيـمين»، وكذلك هو فـي مصحفه فـيـما ذكروا، فلو كان ذلك خطأ من الكاتب لكان الواجب أن يكون فـي كل الـمصاحف غير مصحفنا الذي كتبه لنا الكاتب الذي أخطأ فـي كتابه بخلاف ما هو فـي مصحفنا. وفـي اتفـاق مصحفنا ومصحف أبـيّ فـي ذلك، ما يدلّ علـى أن الذي فـي مـصحفنا من ذلك صواب غير خطأ، مع أن ذلك لو كان خطأ من جهة الـخط، لـم يكن الذين أخذ عنهم القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلـمون من علـموا ذلك من الـمسلـمين علـى وجه اللـحن، ولأصلـحوه بألسنتهم، ولقنوه للأمة تعلـيـماً علـى وجه الصواب. وفـي نقل الـمسلـمين جميعاً ذلك قراءة علـى ما هو به فـي الـخطّ مرسوماً أدلّ الدلـيـل علـى صحة ذلك وصوابه، وأن لا صنع فـي ذلك للكاتب.

وأما من وجه ذلك إلـى النصب علـى وجه الـمدح للراسخين فـي العلـم وإن كان ذلك قد يحتـمل علـى بعد من كلام العرب لـما قد ذكرنا قبل من العلة، وهو أن العرب لا تعدل عن إعراب الاسم الـمنعوت بنعت فـي نعته إلا بعد تـمام خبره، وكلام الله جلّ ثناؤه أفصح الكلام، فغير جائز توجيهه إلا إلـى الذي هو به من الفصاحة.

وأما توجيه من وجه ذلك إلـى العطف به علـى الهاء والـميـم فـي قوله: { لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِـي العِلْـمِ مِنْهُمْ } أو إلـى العطف به علـى الكاف من قوله: { بِـمَا أُنْزِلَ إلَـيْكَ } أو إلـى الكاف من قوله: { وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ } فإنه أبعد من الفصاحة من نصبه علـى الـمدح لـما قد ذكرت قبل من قبح ردّ الظاهر علـى الـمكنـي فـي الـخفض.

وأما توجيه من وجه الـمقـيـمين إلـى الإقامة، فإنه دعوى لا برهان علـيها من دلالة ظاهر التنزيـل ولا خبر تثبت حجته، وغير جائز نقل ظاهر التنزيـل إلـى بـاطن بغير برهان.

وأما قوله: { وَالـمُؤْتُونَ الزَّكاةَ } فإنه معطوف به علـى قوله: { وَالـمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ } وهو من صفتهم. وتأويـله: والذين يعطون زكاة أموالهم من جعلها الله له وصرفها إلـيه { والُـمؤْمِنُونَ بـاللَّهِ وَالـيَوْمِ الآخِرِ } يعنـي: والـمصدّقون بوحدانـية الله وألوهيته، والبعث بعد الـمـمات، والثواب والعقاب { أولئك سَنُؤْتِـيهمْ أجْرا عَظِيـماً } يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم سنؤتـيهم، يقول: سنعطيهم أجراً عظيـماً، يعنـي: جزاء علـى ما كان منهم من طاعة الله، واتبـاع أمره، وثواباً عظيـماً، وذلك الـجنة.

اسامة محمد خيري
26-12-2016, 05:30
سورة المائدة

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: { أوْفُوا بـالعُقُودِ } قال: العهود التـي أخذها الله علـى أهل الكتاب أن يعملوا بـما جاءهم.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي اللـيث، قال: ثنـي يونس، قال: قال مـحمد بن مسلـم. قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلـى نـجران، فكان الكتاب عند أبـي بكر بن حزم، فـيه: هذا بـيان من الله ورسوله { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بـالعُقُودِ }. فكتب الآيات منها، حتـى بلغ:
{ إِنَّ ظ±للَّهَ سَرِيعُ ظ±لْحِسَابِ }
[المائدة: 4]. وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب ما قاله ابن عبـاس، وأن معناه: أوفوا يا أيها الذين آمنوا بعقود الله التـي أوجبها علـيكم وعقدها، فـيـما أحلّ لكم وحرّم علـيكم، وألزمكم فرضه، وبـين لكم حدوده.

وأنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب من غيره من الأقوال، لأن الله جلّ وعزّ أتبع ذلك البـيان عما أحلّ لعبـاده وحرّم علـيهم وما أوجب علـيهم من فرائضه، فكان معلوماً بذلك أن قوله: { أوْفُوا بـالعُقُودِ } أمر منه عبـاده بـالعمل بـما ألزمهم من فرائضه وعقوده عقـيب ذلك، ونهي منه لهم عن نقض ما عقده علـيهم منه، مع أن قوله: { أوْفُوا بـالعُقُودِ } أمر منه بـالوفـاء بكلّ عقد أذن فـيه، فغير جائز أن يخصّ منه شيء حتـى تقوم حجة بخصوص شيء منه يجب التسلـيـم لها. فإذ كان الأمر فـي ذلك كما وصفنا، فلا معنى لقول من وجَّه ذلك إلـى معنى الأمر بـالوفـاء ببعض العقود التـي أمر الله بـالوفـاء بها دون بعض.

وأما قوله: { أوْفُوا } فإن للعرب فـيه لغتـين: إحداهما: «أوفوا» من قول القائل: أوفـيت لفلان بعهده أو فـى له به والأخرى من قولهم: وَفَـيْتُ له بعهده أفـي. والإيفـاء بـالعهد: إتـمامه علـى ما عُقد علـيه من شروطه الـجائزة...

وأولـى القولـين بـالصواب فـي ذلك قول من قال: عَنَى بقوله: { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيـمَةُ الأنْعامِ }: الأنعام كلها، أجِنَتّها وسِخالها وكبـارها، لأن العرب لا تـمتنع من تسمية جميع ذلك بهيـمة وبهائم، ولـم يخصص الله منها شيئاً دون شيء، فذلك علـى عمومه وظاهره حتـى تأتـي حجة بخصوصه يجب التسلـيـم لها. وأما النعم فإنها عند العرب: أسم للإبل والبقر والغنـم خاصة، كما قال جلّ ثناؤه:
{ وَظ±لأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ }
[النحل: 5] ثم قال:
{ وَظ±لْخَيْلَ وَظ±لْبِغَالَ وَظ±لْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً }
[النحل: 8] ففصل جنس النعم من غيرها من أجناس الـحيوان. وأما بهائمها فإنها أولادها. وإنـما قلنا: يـلزم الكبـار منها اسم بهيـمة كما يـلزم الصغار، لأن معنى قول القائل: بهيـمة الأنعام، نظير قوله: ولد الأنعام فلـما كان لا يسقط معنى الولادة عنه بعد الكبر، فكذلك لا يسقط عنه اسم البهيـمة بعد الكبر.

وقد قال قوم: بهيـمة الأنعام: وحشيها كالظبـاء وبقر الوحش والـحمر....

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: { إلاَّ ما يُتْلَـى عَلَـيْكُمْ } يعنـي: الـخنزير.

وأولـى التأويـلـين فـي ذلك بـالصواب تأويـل من قال: عنـي بذلك: إلا ما يتلـى علـيكم من تـحريـم الله ما حرّم علـيكم بقوله:
{ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ظ±لْمَيْتَةُ... }
[المائدة: 3] الآية، لأن الله عزّ وجلّ استثنى مـما أبـاح لعبـاده من بهيـمة الأنعام ما حرّم علـيهم منها، والذي حرّم علـيهم منها ما بـينه فـي قوله:
{ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ظ±لْمَيْتَةُ وَظ±لْدَّمُ وَلَحْمُ ظ±لْخِنْزِيرِ }
[المائدة: 3] وإن كان حرّمه الله علـينا فلـيس من بهيـمة الأنعام فـيستثنى منها، فـاستثناء ما حرِّم علـينا مـما دخـل فـي جملة ما قبل الاستثناء أشبه من استثناء ما حرّم مـما لـم يدخـل فـي جملة ما قبل الاستثناء....

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب علـى ما تظاهر به تأويـل أهل التأويـل فـي قوله: { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيـمَةُ الأنْعامِ } من أنها الأنعام وأجنتها وسخالها، وعلـى دلالة ظاهر التنزيـل قول من قال: معنى ذلك: أوفوا بـالعقود غير مـحلـي الصيد وأنتـم حرم، فقد أحلت لكم بهيـمة الأنعام فـي حال إحرامكم أو غيرها من أحوالكم، إلا ما يتلـى علـيكم تـحريـمه من الـميتة منها والدم وما أهلّ لغير الله به. وذلك أن قوله: { إلاَّ ما يُتْلَـى عَلَـيْكُمْ } لو كان معناه: إلا الصيد، لقـيـل: إلا ما يتلـى علـيكم من الصيد غير مـحلـيه، وفـي ترك الله وصْل قوله: { إلاَّ ما يُتْلَـى عَلَـيْكُمْ } بـما ذكرت، وإظهار ذكر الصيد فـي قوله: { غيرَ مُـحِلِّـي الصَّيْدِ } أوضح الدلـيـل علـى أن قوله: { إلاَّ ما يُتْلَـى عَلَـيْكُمْ } خبر متناهيةٌ قصته، وأن معنى قوله: { غيرَ مُـحِلِّـي الصَّيْدِ } منفصل منه.

وكذلك لو كان قوله: { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيـمَةُ الأنْعامِ } مقصوداً به قصد الوحش، لـم يكن أيضاً لإعادة ذكر الصيد فـي قوله: { غيرَ مُـحِلِّـي الصَّيْدِ } وجه وقد مضى ذكره قبل، ولقـيـل: أحلت لكم بهيـمة الأنعام، إلا ما يتلـى علـيكم، غير مـحلـيه وأنتـم حرم. وفـي أظهاره ذكر الصيد فـي قوله: { غيرَ مُـحِلِّـي الصَّيْدِ } أبـين الدلالة علـى صحة ما قلنا فـي معنى ذلك.

فإن قال قائل: فإن العرب ربـما أظهرت ذكر الشيء بـاسمه وقد جرى ذكره بـاسمه؟ قـيـل: ذلك من فعلها ضرورة شعر، ولـيس ذلك بـالفصيح الـمستعمل من كلامهم، وتوجيه كلام الله إلـى الأفصح من لغات من نزل كلامه بلغته أولـى ما وجد إلـى ذلك سبـيـل من صرفه إلـى غير ذلك.

فمعنى الكلام إذن: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بعقود الله التـي عقد علـيكم، مـما حرّم وأحلّ، لا مـحلـين الصيد فـي حَرمكم، ففـيـما أحلّ لكم من بهيـمة الأنعام الـمذكَّاة دون ميتتها متسع لكم ومستغنى عن الصيد فـي حال إحرامكم.

اسامة محمد خيري
26-12-2016, 05:50
وأولـى التأويلات بقوله: { لا تُـحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ } قول عطاء الذي ذكرناه من توجيهه معنى ذلك إلـى: لا تـحلوا حُرُمات الله، ولا تضيعوا فرائضه، لأن الشعائر جمع شعيرة، والشعيرة: فعيـلة من قول القائل: قد شعر فلان بهذا الأمر: إذا علـم به، فـالشعائر: الـمعالـم من ذلك.

وإذا كان ذلك كذلك، كان معنى الكلام: لا تستـحلوا أيها الذين آمنوا معالـم الله، فـيدخـل فـي ذلك معالـم الله كلها فـي مناسك الـحجّ، من تـحريـم ما حرم الله إصابته فـيها علـى الـمـحرم، وتضيـيع ما نهى عن تضيـيعه فـيها، وفـيـما حرم من استـحلال حرمات حرمه، وغير ذلك من حدوده وفرائضه وحلاله وحرامه، لأن كل ذلك من معالـمه وشعائره التـي جعلها أمارات بـين الـحقّ والبـاطل، يُعلـم بها حلاله وحرامه وأمره ونهيه.

وإنـما قلنا ذلك القول أولـى بتأويـل قوله تعالـى: { لا تُـحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ } لأن الله نهى عن استـحلال شعائره ومعالـم حدوده، وإحلالها نهياً عامًّا من غير اختصاص شيء من ذلك دون شيء، فلـم يجز لأحد أن يوجه معنى ذلك إلـى الـخصوص إلا بحجة يجب التسلـيـم لها، ولا حجة بذلك كذلك....

والذي هو أولـى بتأويـل قوله: { وَلا القَلائِدَ } إذ كانت معطوفة علـى أوّل الكلام، ولـم يكن فـي الكلام ما يدلّ علـى انقطاعها عن أوله، ولا أنه عنى بها النهى عن التقلد أو اتـخاذ القلائد من شيء أن يكون معناه: ولا تـحلوا القلائد. فإذ كان ذلك بتأويـله أولـى، فمعلوم أنه نهي من الله جلّ ذكره عن استـحلال حرمة الـمقلد هديا كان ذلك أو إنساناً، دون حرمة القلادة وأن الله عزّ ذكره إنـما دلّ بتـحريـمه حرمة القلادة علـى ما ذكرنا من حرمة الـمقلد، فـاجتزأ بذكره القلائد من ذكر الـمقلد، إذ كان مفهوماً عند الـمخاطبـين بذلك معنى ما أريد به.

فمعنى الآية إذ كان الأمر علـى ما وصفنا: يا أيها الذين آمنوا لا تـحلوا شعائر الله، ولا الشهر الـحرام، ولا الهدي، ولا الـمقلد بقسميه بقلائد الـحرم.

وقد ذكر بعض الشعراء فـي شعره، ما ذكرنا عمن تأوّل القلائد أنها قلائد لـحاء شجر الـحرم الذي كان أهل الـجاهلـية يتقلدونه، فقال وهو يعيب رجلـين قتلا رجلـين كانا تقلدا ذلك:
أَلـمْ تَقْتُلا الـحِرْجَيْنِ إذْ أعْوَرَاكما يُـمِرَّانِ بـالأيْدِي اللِّـحاءَ الـمُضَفَّرَا
والـحِرجان: الـمقتولان كذلك. ومعنى قوله: أعوراكما: أمكناكما من عورتهما...

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصحة، قول من قال: نسخ الله من هذه الآية قوله: { وَلا الشَّهْرَ الـحَرَامَ وَلا الهَدْيَ وَلا القَلائِدَ وَلا آميِّنَ البَـيْتَ الـحَرَامَ } لإجماع الـجميع علـى أن الله قد أحلّ قتال أهل الشرك فـي الأشهر الـحُرم وغيرها من شهور السنة كلها، وكذلك أجمعوا علـى أن الـمشرك لو قلد عنقه أو ذراعيه لـحاء جميع أشجار الـحرم لـم يكن ذلك له أماناً من القتل إذا لـم يكن تقدم له عَقْد ذمة من الـمسلـمين أو أمان. وقد بـينا فـيـما مضى معنى القلائد فـي غير هذا الـموضع.

وأما قوله: { وَلا أمِّينَ البَـيْتَ الـحَرَامَ } فإنه مـحتـمل ظاهره: ولا تُـحِلُّوا حرمة آمين البـيت الـحرام من أهل الشرك والإسلام، لعموم جميع من أمّ البـيت. وإذا احتـمل ذلك، فكان أهل الشرك داخـلـين فـي جملتهم، فلا شكّ أن قوله:
{ فَظ±قْتُلُواْ ظ±لْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ }
[التوبة: 5] ناسخ له، لأنه غير جائز اجتـماع الأمر بقتلهم وترك قتلهم وترك قتلهم فـي حال واحدة ووقت واحد. وفـي إجماع الـجميع علـى أن حكم الله فـي أهل الـحرب من الـمشركين قتلهم، أمُّوا البـيت الـحرام أو البـيت الـمقدس فـي أشهر الـحرم وغيرها، ما يعلـم أن الـمنع من قتلهم إذا أمُّوا البـيت الـحرام منسوخ، ومـحتـمل أيضاً: ولا آمين البـيت الـحرام من أهل الشرك، وأكثر أهل التأويـل علـى ذلك. وإن كان عُنِي بذلك الـمشركون من أهل الـحرب، فهو أيضاً لا شكّ منسوخ. وإذ كان ذلك كذلك وكان لا اختلاف فـي ذلك بـينهم ظاهر، وكان ما كان مستفـيضاً فـيهم ظاهر الحجة، فـالواجب وإن احتـمل ذلك معنى غير الذي قالوا، التسلـيـم لـما استفـاض بصحته نقلهم....

اختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعض أهل الـمدينة وعامة قرّاء الكوفـيـين: { أَنْ صَدُّوكُمْ } بفتـح الألف من «أَن» بـمعنى: لا يجرمنكم بغض قوم بصدّهم إياكم عن الـمسجد الـحرام أن تعتدوا. وكان بعض قرّاء الـحجاز والبصرة يقرأ ذلك: { وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ إنْ يَصُدُّوئكُمْ } بكسر الألف من «إن» بـمعنى: ولا يجرمنكم شنآن قوم إن هم أحدثوا لكم صدًّا عن الـمسجد الـحرام، أن تعتدوا. فزعموا أنها فـي قراءة ابن مسعود: { إنْ يَصُدُّوكُمْ } فقرءوا ذلك كذلك اعتبـاراً بقراءته.

والصواب من القول فـي ذلك عندي، أنهما قراءتان معروفتان مشهورتان فـي قراءة الأمصار، صحيح معنى كلّ واحدة منهما. وذلك أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم صدّ عن البـيت هو وأصحابه يوم الـحديبـية، وأنزلت علـيه سورة الـمائدة بعد ذلك. فمن قرأ: { أنْ صَدُّوكُمْ } بفتـح الألف من «أن» فمعناه: لا يحملنكم بغض قوم أنها الناس من أجل أن صدوكم يوم الـحديبـية عن الـمسجد الـحرام، أن تعتدوا علـيهم. ومن قرأ: { إنْ صَدُّوكُمْ } بكسر الألف، فمعناه: لا يجرمنكم شنآن قوم إن صَدوكم عن الـمسجد الـحرام إذا أردتـم دخوله، لأن الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قريش يوم فتـح مكة قد حاولوا صَدّهم عن الـمسجد الـحرام فتقدم اللّه إلى المؤمنين في قول من قرأ ذلك بكسرإن بالنهي عن الإعتداءعليهم إن هم صَدّوهم عن المسجد الحرام، قبل أن يكون ذلك من الصَّادّين

غير أن الأمر وإن كان كما وصفت، فإن قراءة ذلك بفتـح الألف أبـين معنى، لأن هذه السورة لا تَدَافُع بـين أهل العلـم فـي أنها نزلت بعد يوم الـحُدَيْبِـيَة. وإذ كان ذلك كذلك، فـالصدّ قد كان تقدّم من الـمشركين، فنهى الله الـمؤمنـين عن الاعتداء علـى الصادين من أجل صدّهم إياهم عن الـمسجد الـحرام

...

اسامة محمد خيري
26-12-2016, 06:08
حدثنا أنس قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { وَالـمُنْـخَنِقَةُ }: كان أهل الـجاهلـية يخنقون الشاة، حتـى إذا ماتت أكلوها.

وأولـى هذه الأقوال بـالصواب، قول من قال: هي التـي تـختنق، إما فـي وِثاقها، وإما بإدخال رأسها فـي الـموضع الذي لا تقدر علـى التـخـلص منه فتـختنق حتـى تـموت.

وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب فـي تأويـل ذلك من غيره، لأن الـمنـخنقة: هي الـموصوفة بـالانـخناق دون خنق غيرها لها، ولو كان معنـياً بذلك أنها مفعول بها لقـيـل: والـمخنوقة، حتـى يكون معنى الكلام ما قالوا....

وعلـى هذا القول يجب أن يكون قوله: { إلاَّ ما ذَكَّيْتُـمْ } استثناءً منقطعاً، فـيكون تأويـل الآية: حرّمت علـيكم الـميتة والدم، وسائر ما ذكرنا، ولكن ما ذكَّيتـم من الـحيوانات التـي أحللتها لكم بـالتذكية حلال.

وأولـى القولـين فـي ذلك عندنا بـالصواب القول الأوّل، وهو أن قوله: { إلاَّ ما ذكيَّتـم } اسثناء من قوله: { وَما أهِلَّ لغيرِ الله بِهِ والـمُنْـخَنِقَةُ وَالـمَوقُوذَةُ وَالـمُترَدّيَةُ والنَّطِيحَةُ وَما أكَلَ السَّبُعُ } لأن كلّ ذلك مستـحقّ الصفة التـي هو بها قبل حال موته، فـيقال: لـما قرّب الـمشركون لآلهتهم فسموه لهم: هو { ما أهِلَّ لغيرِ اللّهِ بِهِ } بـمعنى: سمي قربـاناً لغير الله. وكذلك الـمنـخنقة: إذا انـخنقت، وإن لـم تـمت فهي منـخنقة، وكذلك سائر ما حرّمه الله جلّ وعزّ بعد قوله: { وَما أُهِلَّ لغيرِ اللّهِ بِهِ } إلا بـالتذكية فإنه يوصف بـالصفة التـي هو بها قبل موته، فحرّمه الله علـى عبـاده إلا بـالتذكية الـمـحللة دون الـموت بـالسبب الذي كان به موصوفـاً. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويـل الآية: وحرّم علـيكم ما أهل لغير الله به، والـمنـخنقة، وكذا وكذا وكذا، إلا ما ذكيَّتـم من ذلك ف«ما» إذ كان ذلك تأويـله فـي موضع نصب بـالاستثناء مـما قبلها، وقد يجوز فـيه الرفع. وإذ كان الأمر علـى ما وصفنا، فكلّ ما أدركت ذكاته من طائر أو بهيـمة قبل خروج نفسه ومفـارقة روحه جسده، فحلال أكله إذا كان مـما أحله الله لعبـاده.

فإن قال لنا قائل: فإذ كان ذلك معناه عندك، فما وجه تكريره ما كرّر بقوله: { وما أُهِلَّ لغيرِ اللّهِ بِهِ وَالـمُنْـخَنِقَةُ والـمَوْقُوذَةُ وَالـمُتَرَدِّيَةُ } وسائر ما عدّد تـحريـمه فـي هذه الآية، وقد افتتـح الآية بقوله: { حُرّمَتْ عَلَـيْكُمُ الـمَيْتَةُ }؟ وقد علـمت أن قوله: { حُرّمَتْ عَلَـيْكُمُ الـمَيْتَةُ } شامل كل ميتة كان موته حتف أنفه، من علة به من غير جناية أحد علـيه، أو كان موته من ضرب ضارب إياه، أو انـخناق منه أو انتطاح أو فرس سبع؟ وهلاَّ كان قوله إن كان الأمر علـى ما وصفت فـي ذلك من أنه معنيّ بـالتـحريـم فـي كلّ ذلك الـميتة بـالانـخناق والنطاح والوقذ وأكل السبع أو غير ذلك، دون أن يكون معنـياً به تـحريـمه إذا تردّى أو انـخنق، أو فَرَسه السبع، فبلغ ذلك منه ما يعلـم أنه لا يعيش مـما أصابه منه إلا بـالـيسير من الـحياة حُرمَتْ عَلَـيْكُمُ الـمَيْتَةُ مغنـياً من تكرير ما كرّر بقوله { وَما أهِلَّ لغيرِ اللّهِ بِهِ والـمُنْـخَنِقَةُ } وسائر ما ذكر مع ذلك وتعداده ما عدد؟ قيل: وجه تكراره ذلك وإن كان تـحريـم ذلك إذا مات من الأسبـاب التـي هو بها موصوف، وقد تقدم بقوله { حُرّمَتْ عَلَـيْكُمْ الـمَيْتَةُ } أن الذين خوطبوا بهذه الآية لا يعدّون الـميتة من الـحيوان، إلا ما مات من علة عارضة به، غير الانـخناق والتردّي والانتطاح، وفرّس السبع،فإعلمهم اللّه أن حكم ما مات من العلل العارضة وإن العلة الموجبة تحريم الميتة ليست موتها من علة مرض أو أذى كان بها قبل هلاكها، ولكن العلة فـي ذلك أنها لـم يذبحها من أحلَّ ذبـيحته بـالـمعنى الذي أحلها به...

حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا قـيس، عن أبـي حصين، عن سعيد بن جبـير: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } قال: تـمام الـحجّ، ونفـي الـمشركين عن البـيت.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله عزّ وجلّ أخبر نبـيه صلى الله عليه وسلم والـمؤمنـين به، أنه أكمل لهم يوم أنزل هذه الآية علـى نبـيه دينهم، بإفرادهم بـالبلد الـحرام، وإجلائه عنه الـمشركين، حتـى حجه الـمسلـمون دونهم، لا يخالطونهم الـمشركون. فأما الفرائض والأحكام، فإنه قد اختلف فـيها، هل كانت أكملت ذلك الـيوم أم لا؟ فرُوي عن ابن عبـاس والسديّ ما ذكرنا عنهما قبل. ورُوِي عن البراء بن عازب أن آخر آية نزلت من القرآن:
{ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ظ±للَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ظ±لْكَلاَلَةِ }
[النساء: 186]. ولا يدفع ذو علـم أن الوحي لـم ينقطع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى أن قبض، بل كان الوحي قبل وفـاته أكثر ما كان تتابعا. فإذ كان ذلك كذلك، وكان قوله:
{ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ظ±للَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ظ±لْكَلاَلَةِ }
[النساء: 186] آخرها نزولاً وكان ذلك من الأحكام والفرائض، كان معلوماً أن معنى قوله: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } علـى خلاف الوجه الذي تأوّله مَن تأوّله، أعنـي: كمال العبـادات والأحكام والفرائض.

فإن قال قائل: فما جعل قول من قال: قد نزل بعد ذلك فرض أولـى من قول من قال: لـم ينزل؟ قـيـل لأن الذي قال لـم ينزل، مخبر أنه لا يعلـم نزول فرض، والنفـي لا يكون شهادة، والشهادة قول من قال: نزل، وغير جائز دفع خبر الصادق فـيـما أمكن أن يكون فـيه صادقاً....

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: { الـيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } يقول: لـيس بـيوم معلوم يعلـمه الناس.

وأولـى الأقوال فـي وقت نزول الآية، القول الذي رُوي عن عمر بن الـخطاب أنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة، لصحة سنده ووَهْي أسانـيد غيره....

اسامة محمد خيري
26-12-2016, 06:25
وأولـى القولـين بتأويـل الآية، قول من قال: كلّ ما صاد من الطير والسبـاع فمن الـجوارح، وإن صيد جميع ذلك حلال إذا صاد بعد التعلـيـم، لأن الله جلّ ثناؤه عمّ بقوله: { وَما عَلَّـمْتُـمْ مِنَ الـجَوَارِحِ مُكَلِّبِـينَ }: كلّ جارحة، ولـم يخصص منها شيئاً، فكل جارحة كانت بـالصفة التـي وصف الله من كل طائر وسبع فحلال أكل صيدها. وقد روِيَ عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، بنـحو ما قلنا فـي ذلك خبر، مع ما فـي الآية من الدلالة التـي ذكرنا علـى صحة ما قلنا فـي ذلك، وهو ما:

حدثنا به هناد، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن مـجالد، عن الشعبـيّ عن عديّ بن حاتـم، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البـازيّ، فـقال: " ما أَمْسَكَ عَلَـيْكَ فَكُلْ "

فأبـاح صلى الله عليه وسلم صيد البـازي وجعله من الـجوارح، ففـي ذلك دلالة بـينة علـى فساد قول من قال: عنى الله بقوله: { وَما عَلَّـمْتُـمْ مِنَ الـجَوَارِحِ }: ما علـمنا من الكلاب خاصة دون غيرها من سائر الـجوارح.

فإن ظنّ ظانّ أن فـي قوله { مُكَلِّبِـينَ } دلالة علـى أن الـجوارح التـي ذكرت فـي قوله: { وَما عَلَّـمْتُـمْ مِنَ الـجَوَارِحِ }: هي الكلاب خاصة، فقد ظنّ غير الصواب، وذلك أن معنى الآية: قل أحلّ لكم أيها الناس فـي حال مصيركم أصحاب كلاب الطيبـات وصيد ما علَّـمتـموه الصيد من كواسب السبـاع والطير. فقوله: { مُكَلِّبِـينَ } صفة للقانص، وإن صاد بغير الكلاب فـي بعض أحيانه، وهو نظير قول القائل يخاطب قوماً: أحلّ لكم الطيبـات، وما علـمتـم من الـجوارح مكلبـين مؤمنـين فمعلوم أنه إنـما عنى قائل ذلك إخبـار القوم أن الله جلّ ذكره أحلّ لهم فـي حال كونهم أهل إيـمان الطيبـات، وصيد الـجوارح التـي أعلـمهم أنه لا يحلّ لهم منه إلا ما صادوه بها، فكذلك قوله: { أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبـاتُ وَما عَلَّـمْتُـمْ مِنَ الـجَوَارِحِ مكَلِّبِـينَ } لذلك نظيره فـي أن التكلـيب للقانص بـالكلاب كان صيده أو بغيرها، لا أنه إعلام من الله عزّ ذكره أنه لا يحلّ من الصيد إلا ما صادته الكلاب....

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب عندنا فـي تأويـل قوله: { تُعَلِّـمُونَهُنَّ مِـمَّا عَلَّـمَكُمُ اللّهُ } أن التعلـيـم الذي ذكره الله فـي هذه الآية للـجوارح، إنـما هو أن يعلـم الرجل جارحه الاستشلاء إذا أُشلـي علـى الصيد، وطلبه إياه أغري، أو إمساكه علـيه إذا أَخذه من غير أن يأكل منه شيئاً، وألا يفرّ منه إذا أراده، وأن يجيبه إذا دعاه، فذلك هو تعلـيـم جميع الـجوارح طيرها وبهائمها. وإن أكل من الصيد جارحة صائد، فجارحه حينئذٍ غير معلـم. فإن أدرك صاحبه حيًّا فذكّاه حلّ له أكله، وإن أدركه ميتاً لـم يحلّ له، لأنه مـما أكله السبع الذي حرّمه الله تعالـى بقوله: { وَما أكَلَ السَّبُع } ولـم يدرك ذكاته.

وإنـما قلنا ذلك أولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب لتظاهر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بـما:

حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن عاصم بن سلـيـمان الأحول، عن الشعبـيّ، عن عديّ بن حاتـم، أنه سأل النبـيّ صلى الله عليه وسلم عن الصيد، فقال: " إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ فـاذْكُرِ اسْمَ اللّه عَلَـيْهِ، فإنْ أدْرَكْتَهُ وقد قَتَلَ وأَكَلَ مِنْهُ، فلا تَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئاً، فإنَّـما أمْسَكَ علـى نَفْسِهِ "

فإن قال قائل: فما أنت قائل فـيـما:

حدثك به عمران بن بكار الكلاعي، قال: ثنا عبد العزيز بن موسى، قال: ثنا مـحمد بن دينار، عن أبـي إياس، عن سعيد بن الـمسيب، عن سلـمان الفـارسي، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، قال: " إذَا أرْسَلَ الرَّجُلُ كَلْبَهُ علـى الصَّيْدِ فَأدْرَكَهُ وَقَدْ أكَلَ مِنْهُ، فَلـيْأكُلْ ما بَقِـيَ "

قـيـل: هذا خبر فـي إسناده نظر، فإن سعيداً غير معلوم له سماع من سلـمان، والثقات من أهل الآثار يقـفون هذا الكلام علـى سلـمان ويروونه عنه من قِبَله غير مرفوع إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم.

...

والصواب من القول فـي ذلك، أن «مِنْ» لا تدخـل فـي الكلام إلا لـمعنى مفهوم، وقد يجوز حذفها فـي بعض الكلام وبـالكلام إلـيها حاجة لدلالة ما يظهر من الكلام علـيها، فأما أن تكون فـي الكلام لغير معنى أفـادته بدخولها، فذلك قد بـينا فـيـما مضى أنه غير جائز أن يكون فـيـما صحّ من الكلام. ومعنى دخولها فـي قوله: { فَكُلُوا مـمَّا أمْسَكْنَ عَلَـيْكُمْ } للتبعيض إذ كانت الـجوارح تـمسك علـى أصحابها ما أحلّ الله لهم لـحومه وحرم علـيهم فرثه ودمه، فقال جلّ ثناؤه: { فَكُلُوا مِـمَّا أمْسَكْنَ عَلَـيْكُمْ } جوارحكم الطيبـات التـي أحللت لكم من لـحومها دون ما حرّمت علـيكم من خبـائثه من الفَرْث والدم وما أشبه ذلك مـما لـم أطيبه لكم، فذلك معنى دخول «من» فـي ذلك.

وأما قوله:
{ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ }
[البقرة: 271] فقد بـينا وجه دخولها فـيه فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته. وأما دخولها فـي قوله:
{ وَيُنَزِّلُ مِنَ ظ±لسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ }
[النور: 43] فسنبـينه إذا أتـينا علـيه إن شاء الله تعالـى:

اسامة محمد خيري
26-12-2016, 06:40
وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب قول من قال: عنـي بقوله: { والـمُـحْصَناتُ مِنَ الـمُؤْمِناتِ والـمُـحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } حرائر الـمؤمنـين وأهل الكتاب، لأن الله جلّ ثناؤه لـم يأذن بنكاح الإماء الأحرار فـي الـحال التـي أبـاحهنّ لهم إلاَّ أن يكنّ مؤمنات، فقال عزّ ذكره:
{ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ظ±لْمُحْصَنَظ°تِ ظ±لْمُؤْمِنَظ°تِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَظ°نُكُم مِّن فَتَيَظ°تِكُمُ ظ±لْمُؤْمِنَظ°تِ }
[النساء: 25] فلـم يبح منهنّ إلاَّ الـمؤمنات، فلو كان مراداً بقوله: { والـمُـحْصَناتُ مِنَ الـمُؤْمِناتِ والـمُـحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ }: العفـائف، لدخـل العفـائف من إمائهم فـي الإبـاحة، وخرج منها غير العفـائف من حرائرهم وحرائر أهل الإيـمان. وقد أحل الله لنا حرائر الـمؤمنات، وإن كنّ قد أتـين بفـاحشة بقوله:
{ وَأَنْكِحُواْ ظ±لأَيَامَىظ° مِنْكُمْ وَظ±لصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ }
[النور: 32]، وقد دللنا علـى فساد قول من قال: لا يحلّ نكاح من أتـى الفـاحشة من نساء الـمؤمنـين وأهل الكتاب للـمؤمنـين فـي موضع غير هذا بـما أغنـى عن إعادته فـي هذا الـموضع، فنكاح حرائر الـمسلـمين وأهل الكتاب حلال للـمؤمنـين، كنّ قد أتـين بفـاحشة أو لـم يأتـين بفـاحشة، ذمية كانت أو حربـية، بعد أن تكون بـموضع لا يخاف الناكح فـيه علـى ولده أن يجبر علـى الكفر، بظاهر قول الله جلّ وعزّ: { والـمُـحْصَنَاتُ مِنَ الـمُؤْمِناتِ والـمُـحْصَناتُ مِنَ الذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ }. فأما قول الذي قال: عنى بذلك نساء بنـي إسرائيـل الكتابـيات منهن خاصة، فقول لا يوجب التشاغل بـالبـيان عنه لشذوذه والـخروح عما علـيه علـماء الأمة من تـحلـيـل نساء جميع الـيهود والنصارى. وقد دللنا علـى فساد قول قائل هذه الـمقالة من جهة القـياس فـي غير هذا الـموضع بـما فـيه الكفـاية فكرهنا إعادته.

اسامة محمد خيري
26-12-2016, 07:03
وأولى الاقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال ان اللّه عنى بقوله: اذا قمتم الى الصلاة فاغلسوا جميع أحوال قيام القائم الى الصلاة، غيرأنه أمر فرض بغسل ما أمر اللّه بغسله القائم الى صلاته بعد حدث كان منه ناقص طهارته، وقبل احداث الوضوء منه، وأمر ندب لمن كان على طهر قد تقدم منه، ولم يكن منه بعده حدث ينقض طهارته ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يتوضأ لكل صلاة قبل فتح مكة ثم صلى يومئذ الصلوات كلها بوضوء واحد ليعلم أمته أن ما كان يفعل عليه السلام من تجديد الطهر لكل صلاة انما كان منه أخذا بالفضل، وايثارا منه لأحب الأمرين الى اللّه ومسارعة منه الى ما ندبه اليه ربه لا على أن ذلك كان عليه فرضاً واجباً.

...

وأولـى الأقوال بـالصواب فـي ذلك عندنا قول من قال: الوجه الذي أمر الله جلّ ذكره بغسله القائم إلـى صلاته: كلّ ما انـحدر عن منابت شعر الرأس إلـى منقطع الذقن طولاً، وما بـين الأذنـين عرضاً مـما هو ظاهر لعين الناظر، دون ما بطن من الفم والأنف والعين، ودون ما غطاه شعر اللـحية والعارضين والشاربـين فستره عن أبصار الناظرين، ودون الأذنـين.

وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب وإن كان ما تـحت شعر اللـحية والشاربـين قد كان وجهاً يجب غسله قبل نبـات الشعر الساتر عن أعين الناظرين علـى القائم إلـى صلاته، لإجماع جميعهم علـى أن العينـين من الوجه، ثم هم مع إجماعهم علـى ذلك مـجمعون علـى أن غسل ما علاهما من أجفـانهما دون إيصال الـماء إلـى ما تـحت الأجفـان منهما مـجزىء فإذا كان ذلك منهم إجماعاً بتوقـيف الرسول صلى الله عليه وسلم أمته علـى ذلك، فنظير ذلك كلّ ما علاه شيء من مواضع الوضوء من جسد ابن آدم من نفس خـلقة ساتره لا يصل الـماء إلـيه إلاَّ بكلفة ومؤونة وعلاج، قـياساً لـما ذكرنا من حكم العينـين فـي ذلك. فإذا كان ذلك كذلك، فلا شكّ أن مثل العينـين فـي مؤنة إيصال الـماء إلـيهما عند الوضوء ما بطن من الأنف والفم وشعر اللـحية والصدغين والشاربـين، لأن كل ذلك لا يصل الـماء إلـيه إلاَّ بعلاج لإيصال الـماء إلـيه نـحو كلفة علاج الـحدقتـين لإيصال الـماء إلـيهما أو أشدّ. وإذا كان ذلك كذلك، كان بـيِّناً أن غسل من غسل من الصحابة والتابعين ما تـحت منابت شعر اللـحية والعارضين والشاربـين وما بطن من الأنف والفم، إنـما كان إيثاراً منه لأشقّ الأمرين علـيه من غسل ذلك وترك غسله، كما آثر ابن عمر غسل ما تـحت أجفـان العينـين بـالـماء بصبه الـماء فـي ذلك، لا علـى أن ذلك كان علـيه عنده فرضاً واجبـاً. فأما من ظنّ أن ذلك من فعلهم كان علـى وجه الإيجاب والفرض، فإنه خالف فـي ذلك بقوله منهاجهم وأغفل سبـيـل القـياس، لأن القـياس هو ما وصفنا من تـمثـيـل الـمختلف فـيه من ذلك بـالأصل الـمـجمع علـيه من حكم العينـين، وأن لا خبر عن واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب علـى تارك إيصال الـماء فـي وضوئه إلـى أصول شعر لـحيته وعارضيه، وتارك الـمضمضة والاستنشاق إعادة صلاته إذا صلَّـى بطهره ذلك، ففـي ذلك أوضح الدلـيـل علـى صحة ما قلنا من أن فعلهم ما فعلوا من ذلك كان إيثاراً منهم لأفضل الفعلـين من الترك والغسل.

فإن ظنّ ظانّ أن فـي الأخبـار التـي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " إذَا تَوَضَّأ أحَدُكُمْ فَلْـيَسْتَنْثِرْ " دلـيلاً علـى وجوب الاستنثار، فإن فـي إجماع الـحجة علـى أن ذلك غير فرض يجب علـى من تركه إعادة الصلاة التـي صلاها قبل غسله، ما يغنـي عن إكثار القول فـيه. وأما الأذنان فإن فـي إجماع جميعهم علـى أن ترك غسلهما أو غسل ما أقبل منهما علـى الوجه، غير مفسد صلاة من صلَّـى بطهره الذي ترك فـيه غسلهما، مع إجماعهم جميعاً علـى أنه لو ترك غسل شيء مـما يجب علـيه غسله من وجهه فـي وضوئه أن صلاته لا تـجزئه بطهوره ذلك، ما ينبىء عن القول فـي ذلك مـما قاله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرنا قولهم إنهما لـيسا من الوجه دون ما قاله الشعبـي....

اختلف أهل التأويـل فـي الـمرافق، هل هي من الـيد الواجب غسلها أم لا؟ بعد إجماع جميعهم علـى أن غسل الـيد إلـيها واجب. فقال مالك بن أنس وسئل عن قول الله: { فـاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأيْدِيَكُمْ إلـى الـمَرَافِقِ }: أترى أن يخـلف الـمرفقـين فـي الوضوء؟ قال: الذي أمر به أن يُبلغ «الـمرفقـين»، قال تبـارك وتعالـى: { فـاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } مذهب هذا يغسل خـلفه فقـيـل له: فإنـما يغسل إلـى الـمرفقـين والكعبـين لا يجاوزهما؟ فقال: لا أدري ما لا يجاوزهما أما الذي أمر به أن يبلغ به فهذا: إلـى الـمرفقـين والكعبـين. حدثنا يونس، عن أشهب عنه. وقال الشافعي: لـم أعلـم مخالفـاً فـي أن الـمرافق فـيـما يغسل كأنه يذهب إلـى أن معناها: { فـاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأيْدِيَكُمْ إلـى } أن تغسل { الـمَرَافِقِ }. حدثنا بذلك عنه الربـيع.

وقال آخرون: إنـما أوجب الله بقوله: { وأيْدِيَكُمْ إلـى الـمَرَافِقِ } غسل الـيدين إلـى الـمرافق، فـالـمرفقان غاية لـما أوجب الله غسله من آخر الـيد، والغاية غير داخـلة فـي الـحدّ، كما غير داخـل اللـيـل فـيـما أوجب الله تعالـى علـى عبـاده من الصوم بقوله: { ثُمَّ أتِـمُّوا الصّيامَ إلـى اللَّـيْـلِ } لأن اللـيـل غاية لصوم الصائم، إذا بلغه فقد قضى ما علـيه. قالوا: فكذلك الـمرافق فـي قوله: { فـاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأيْدِيَكُمْ إلـى الـمَرَافِقِ } غاية لـما أوجب الله غسله من الـيد. وهذا قول زفر بن الهذيـل.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا: أن غسل الـيدين إلـى الـمرفقـين من الفرض الذي إن تركه أو شيئاً منه تارك، لـم تَـجزه الصلاة مع تركه غسله. فأما الـمرفقان وما وراءهما، فإن غسل ذلك من الندب الذي ندب إلـيه صلى الله عليه وسلم أمته بقوله: " أُمَّتـي الغُرُّ الـمُـحَجَّلُونَ مِنْ آثارِ الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطاعَ مِنْكُمْ أنْ يُطِيـلَ غُرَّتَهُ فَلْـيَفْعَلْ "

فلا تفسد صلاة تارك غسلهما وغسل ما وراءهما، لـما قد بـينا قبل فـيـما مضى من أن كل غاية حدت بـ «إلـى» فقد تـحتـمل فـي كلام العرب دخول الغاية فـي الـحدّ وخروجها منه. وإذا احتـمل الكلام ذلك لـم يجز لأحد القضاء بأنها داخـلة فـيه، إلاَّ لـمن لا يجوّز خلافه فـيـما بـين وحكم، ولا حكم بأن الـمرافق داخـلة فـيـما يجب غسله عندنا مـمن يجب التسلـيـم بحكمه....

وقال آخرون: لا يجزىء مسح الرأس بأقلّ من ثلاث أصابع، وهذا قول أبـي حنـيفة وأبـي يوسف ومـحمد.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا، أن الله جلّ ثناؤه أمر بـالـمسح برأسه القائم إلـى صلاته مع سائر ما أمره بغسله معه أو مسحه، ولـم يحدّ ذلك بحدّ لا يجوز التقصير عنه ولا يجاوزه. وإذ كان ذلك كذلك، فما مسح به الـمتوضىء من رأسه فـاستـحقّ بـمسحه ذلك أن يقال: مسح برأسه، فقد أدّى ما فرض الله علـيه من مسح ذلك لدخوله فـيـما لزمه اسم ما مسح برأسه إذا قام إلـى صلاته.

فإن قال لنا قائل: فإن الله قد قال فـي التـيـمـم: { فـامْسَحُوا بوُجُوهِكُمْ وأيْدِيكُمْ } أفـيجزىء الـمسح ببعض الوجه والـيدين فـي التـيـمـم؟ قـيـل له: كلّ ما مسح من ذلك بـالتراب فـيـما تنازعت فـيه العلـماء، فقال بعضهم: يجزيه ذلك من التـيـمـم، وقال بعضهم: لا يجزئه، فهو مـجزئه، لدخوله فـي إسم الـماسحين به. وما كان من ذلك مـجمعاً علـى أنه غير مـجزئه، فمسلـم لـما جاءت به الـحجة نقلا عن نبـيها صلى الله عليه وسلم، ولا حجة لأحد علـينا فـي ذلك إذ كان من قولنا: إن ما جاء فـي آي الكتاب عاماً فـي معنى فـالواجب الـحكم به علـى عمومه حتـى يخصه ما يجب التسلـيـم له، فإذا خصّ منه منه شيء كان ما خصّ منه خارجاً من ظاهره، وحكم سائره علـى العموم. وقد بـينا العلة الـموجبة صحة القول بذلك فـي غير هذا الـموضع بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. والرأس الذي أمر الله جلّ وعزّ بـالـمسح به بقوله: { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وأرْجُلَكُمْ إلـى الكَعْبَـيْنِ } هو منابت شعر الرأس دون ما جاوز ذلك إلـى القـفـا مـما استدبر، ودون ما انـحدر عن ذلك مـما استقبل من قِبَل وجهه إلـى الـجبهة....

والصواب من القول عندنا فـي ذلك، أن الله أمر بعموم مسح الرجلـين بـالـماء فـي الوضوء، كما أمر بعموم مسح الوجه بـالتراب فـي التـيـمـم، وإذا فعل ذلك بهما الـمتوضيء كان مستـحقاً اسم ماسح غاسل، لأن غسلهما إمرار الـماء علـيهما أو إصابتهما بـالـماء. ومسحهما: إمرار الـيد أو ما قام مقام الـيد علـيهما. فإذا فعل ذلك بهما فـاعل فهو غاسل ماسح، ولذلك من احتـمال الـمسح الـمعنـيـين اللذين وصفت من العموم والـخصوص اللذين أحدهما مسح ببعض والآخر مسح بـالـجميع اختلفت قراءة القرّاء فـي قوله: { وأرْجُلَكُمْ } فنصبها بعضهم توجيهاً منه ذلك إلـى أن الفرض فـيهما الغسل وإنكاراً منه الـمسح علـيهما مع تظاهر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعموم مسحهما بـالـماء، وخفضها بعضهم توجيهاً منه ذلك إلـى أن الفرض فـيهما الـمسح. ولـما قلنا فـي تأويـل ذلك إنه معنـيّ به عموم مسح الرجلـين بـالـماء كره من كره للـمتوضىء الاجتزاء بإدخال رجلـيه فـي الـماء دون مسحهما بـيده، أو بـما قام مقام الـيد توجيهاً منه قوله: «وَامْسَحُوا برُءُوسِكُمْ وأرْجُلِكُمْ إلـى الكَعْبَـيْنِ» إلـى مسح جميعهما عاماً بـالـيد، أو بـما قام مقام الـيد دون بعضهما مع غسلهما بـالـماء.

كما:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، قال: ثنا نافع، عن ابن عمر. وعن الأحول، عن طاووس: أنه سئل عن الرجل يتوضأ ويدخـل رجلـيه فـي الـماء، قال: ما أعدّ ذلك طائلاً.

وأجاز ذلك من أجاز توجيهه منه إلـى أنه معنـيّ به الغسل. كما:

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت هشاماً يذكر عن الـحسن فـي الرجل يتوضأ فـي السفـينة، قال: لا بأس أن يغمس رجلـيه غمساً.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنـي أبو حمزة، عن الـحسن فـي الرجل إذا توضأ علـى حرف السفـينة، قال: يخضخض قدميه فـي الـماء.

فإذا كان فـي الـمسح الـمعنـيان اللذان وصفنا من عموم الرجلـين بـالـماء، وخصوص بعضهما به، وكان صحيحاً بـالأدلة الدالة التـي سنذكرها بعد أن مراد الله من مسحهما العموم، وكان لعمومهما بذلك معنى الغسل والـمسح فبـين صواب القراءتـين جميعاً، أعنـي النصب فـي الأرجل والـخفض، لأن فـي عموم الرجلـين بـمسحهما بـالـماء غسلهما، وفـي إمرار الـيد وما قام مقام الـيد علـيهما مسحهما، فوجه صواب قراءة من قرأ ذلك نصبـاً لـما فـي ذلك من معنى عمومهما بإمرار الـماء علـيهما. ووجه صواب قراءة من قرأه خفضاً لـما فـي ذلك من إمرار الـيد علـيهما، أو ما قام مقام الـيد مسحاً بهما. غير أن ذلك وإن كان كذلك وكانت القراءتان كلتاهما حسناً صوابـاً، فأعجب القراءتـين إلـيّ أن أقرأها قراءة من قرأ ذلك خفضاً لـما وصفت من جمع الـمسح الـمعنـيـين اللذين وصفت، ولأنه بعد قوله: { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ } فـالعطف به علـى الرؤوس مع قربه منه أولـى من العطف به علـى الأيدي، وقد حيـل بـينه وبـينها بقوله: { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ }.

فإن قال قائل: وما الدلـيـل علـى أن الـمراد بـالـمسح فـي الرجلـين العموم دون أن يكون خصوصاً نظير قولك فـي الـمسح بـالرأس؟ قـيـل: الدلـيـل علـى ذلك تظاهر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " وَيْـلٌ للأَعْقابِ وَبُطُونِ الأقْدَامِ منَ النارِ " ، ولو كان مسح بعض القدم مـجزياً عن عمومها بذلك لـما كان لها الويـل بترك ما ترك مسحه منها بـالـماء بعد أن يـمسح بعضها، لأن من أدّى فرض الله علـيه فـيـما لزمه غسله منها لـم يستـحقّ الويـل، بل يجب أن يكون له الثواب الـجزيـل، فوجوب الويـل لعقب تارك غسل عقبه فـي وضوئه، أوضح الدلـيـل علـى وجوب فرض العموم بـمسح جميع القدم بـالـماء، وصحة ما قلنا فـي ذلك وفساد ما خالفه...

...

والصواب من القول فـي ذلك أن الكعبـين هما العظمان اللذان فـي مفصل الساق والقدم تسميهما العرب الـمِنْـجَمين. وكان بعض أهل العلـم بكلام العرب يقول: هما عظما الساق فـي طرفها.

واختلف أهل العلـم فـي وجوب غسلهما فـي الوضوء وفـي الـحدّ الذي ينبغي أن يبلغ بـالغسل إلـيه من الرجلـين نـحو اختلافهم فـي وجوب غسل الـمرفقـين، وفـي الـحدّ الذي ينبغي أن يبلغ بـالغسل إلـيه من الـيدين. وقد ذكرنا ذلك ودللنا علـى الصحيح من القول فـيه بعلله فـيـما مضى قبل بـما أغنى عن إعادته....

...

فإن قال قائل: وما وجه تكرير قوله: { أوْ لامَسْتُـمُ النِّساءَ } إن كان معنى اللـمس الـجماع، وقد مضى ذكر الواجب علـيه بقوله: { وإنْ كُنْتُـمْ جُنُبـاً فـاطَّهَرُوا }؟ قـيـل: وجه تكرير ذلك أن الـمعنى الذي ذكره تعالـى من فرضه بقوله: { وإنْ كُنْتُـمْ جُنُبـاً فـاطَّهَرُوا } غير الـمعنى الذي ألزمه بقوله: { أوْ لامَسْتُـمُ النِّساءَ } وذلك أنه بـين حكمه فـي قوله: { وإنْ كُنْتُـمْ جُنُبـا فـاطَّهَرُوا } إذا كان له السبـيـل إلـى الـماء الذي يطهره فرض علـيه الاغتسال به ثم بـين حكمه إذا أعوزه الـماء فلـم يجد إلـيه السبـيـل وهو مسافر غير مريض مقـيـم، فأعلـمه أن التـيـمـم بـالصعيد له حينئذ الطهور....

اسامة محمد خيري
26-12-2016, 07:16
حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: { وَمِيثاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ } قال: الذي واثق به بنـي آدم فـي ظهر آدم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، نـحوه.

وأولـى الأقوال بـالصواب فـي تأويـل ذلك: قول ابن عبـاس، وهو أن معناه: واذكروا أيها الـمؤمنون نعمة الله علـيكم التـي أنعمها علـيكم بهدايته إياكم للإسلام وميثاقه الذي واثقكم به، يعنـي: وعهده الذي عاهدكم به حين بـايعتـم رسوله مـحمداً صلى الله عليه وسلم علـى السمع والطاعة له فـي الـمنشط والـمكره، والعسر والـيسر، إذ قلتـم سمعنا ما قلت لنا، وأخذت علـينا من الـمواثـيق وأطعناك فـيـما أمرتنا به ونهيتنا عنه، وأنعم علـيكم أيضاً بتوفـيقكم لقبول ذلك منه بقولكم له سمعنا وأطعنا، يقول: ففوا لله أيها الـمؤمنون بـميثاقه الذي واثقكم به، ونعمته التـي أنعم علـيكم فـي ذلك بإقراركم علـى أنفسكم بـالسمع له والطاعة فـيـما أمركم به، وفـيـما نهاكم عنه، يف لكم بـما ضمن لكم الوفـاء به إذا أنتـم وفـيتـم له بـميثاقه من إتـمام نعمته علـيكم، وبـادخالكم جنته وبـانعامكم بـالـخـلود فـي دار كرامته، وإنقاذكم من عقابه وألـيـم عذابه.

وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب من قول من قال: عنـي به الـميثاق الذي أخذ علـيهم فـي صلب آدم صلوات الله علـيه، لأن الله جلّ ثناؤه ذكر بعقب تذكرة الـمؤمنـين ميثاقه الذي واثق به أهل التوراة بعد ما أنزل كتابه علـى نبـيه موسى صلى الله عليه وسلم فـيـما أمرهم به ونهاهم فـيها، فقال:
{ وَلَقَدْ أَخَذَ ظ±للَّهُ مِيثَاقَ بَنِيغ¤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ظ±ثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً }
[المائدة: 12]... الآيات بعدها، منبهاً بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مـحمد علـى مواضع حظوظهم من الوفـاء لله بـما عدهدهم علـيه، ومعرِّفهم سوء عاقبة أهل الكتاب فـي تضيـيعهم ما ضيعوا من ميثاقه الذي واثقهم به فـي أمره ونهيه، وتعزير أنبـيائه ورسله، زاجراً لهم عن نكث عهودهم، فـيحلّ بهم ما أحلّ بـالناكثـين عهوده من أهل الكتاب قبلهم، فكان إذا كان الذي ذكِّرهم فوعظهم به، ونهاهم عن أن يركبوا من الفعل مثله ميثاق قوم أخذ ميثاقهم بعد إرسال الرسول إلـيهم، وإنزال الكتاب علـيهم واجبـاً، أن يكون الـحال التـي أخذ فـيها الـميثاق والـموعوظين نظير حال الذين وعظوا بهم. وإذا كان ذلك كذلك، كان بـيِّناً صحة ما قلنا فـي ذلك وفساد خلافه.

اسامة محمد خيري
27-12-2016, 05:07
وأولـى الأقوال بـالصحة فـي تأويـل ذلك، قول من قال: عنى الله بـالنعمة التـي ذكر فـي هذه الآية نعمته علـى الـمؤمنـين به وبرسوله، التـي أنعم بها علـيهم فـي استنقاذه نبـيهم مـحمداً صلى الله عليه وسلم، مـما كانت يهود بنـي النضير همت به من قتله وقتل من معه يوم سار إلـيهم نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم فـي الدية التـي كان يـحملها عن قتـيـلـي عمرو بن أمية.

وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصحة فـي تأويـل ذلك، لأن الله عقب ذكر ذلك برمي الـيهود بصنائعها وقبـيح أفعالها وخيانتها ربها وأنبـياءها. ثم أمر نبـيه صلى الله عليه وسلم بـالعفو عنهم والصفح عن عظيـم جهلهم، فكان معلوماً بذلك أنه صلى الله عليه وسلم لـم يؤمر بـالعفو عنهم والصفح عقـيب قوله: { إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَـيْكُمْ أيْدِيَهُمْ } ومن غيره كان يبسط الأيدي إلـيهم، لأنه لو كان الذين هموا ببسط الأيدي إلـيهم غيرهم لكان حريًّا أن يكون الأمر بـالعفو والصفح عنهم لا عمن لـم يجر لهم بذلك ذكر، ولكان الوصف بـالـخيانة فـي وصفهم فـي هذا الـموضع لا فـي وصف من لـم يَجْر لـخيانته ذكر، ففـي ذلك ما ينبـيء عن صحة ما قضينا له بـالصحة من التأويلات فـي ذلك دون ما خالفه....

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول فـي قوله: { وَعَزَّرْتـموهُم } قال: التعزير والتوقـير: الطاعة والنصرة.

واختلف أهل العربـية فـي تأويـله، فذكر عن يونس الـحِرمزي أنه كان يقول: تأويـل ذلك: أثنـيتـم علـيهم.

حُدثت بذلك عن أبـي عبـيدة معمر بن الـمثنى عنه.

وكان أبو عبـيدة يقول: معنى ذلك نصرتـموهم وأعنتـموهم ووقرتـموهم وعظمتـموهم وأيدتـموهم، وأنشد فـي ذلك:
وكَمْ مِنْ ماجِدٍ لَهُمُ كَرِيـمٍ ومِنْ لَـيْثٍ يُعَزَّزُ فـي النَّدِيِّ
وكان الفرّاء يقول: العزر الردّ عزرته رددته: إذا رأيته يظلـم، فقلت: اتق الله أو نهيته، فذلك العزر.

وأولـى هذه الأقوال عندي فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معنى ذلك: نصرتـموهم، وذلك أن الله جلّ ثناؤه قال فـي سورة الفتـح:
{ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ }
[الفتح: 8-9]. فـالتوقـير: هو التعظيـم. وإذا كان ذلك كذلك، كان القول فـي ذلك إنـما هو بعض ما ذكرنا من الأقوال التـي حكيناها عمن حكينا عنه. وإذا فسد أن يكون معناه التعظيـم، وكان النصر قد يكون بـالـيد واللسان فأما بـالـيد فـالذبّ بها عنه بـالسيف وغيره، وأما بـاللسان فحسن الثناء، والذبّ عن العرض، صحّ أنه النصر إذ كان النصر يحوي معنى كلّ قائل قال فـيه قولاً مـما حكينا عنه.

اسامة محمد خيري
27-12-2016, 05:16
وأعجب القراءتـين إلـيّ فـي ذلك قراءة من قرأ: «وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً» علـى فعـيلة، لأنها أبلغ فـي ذمّ القوم من قاسية.

وأولـى التأويـلـين فـي ذلك بـالصواب تأويـل من تأوّله فعيـلة من القسوة، كما قـيـل: نفس زكية وزاكية، وامرأة شاهدة وشهيدة لأن الله جلّ ثناؤه وصف القوم بنقضهم ميثاقهم وكفرهم به، ولـم يصفهم بشيء من الإيـمان، فتكون قلوبهم موصوفة بأن إيـمانها يخالطه كفر كالدراهم القسية التـي يخالط فضتها غشّ....

حدثنا القاسم، ثنا الـحسين، قال:ثني حجاج قال: ابن جريج، قال مـجاهد وعكرمة: قوله: { وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ علـى خائِنَةٍ مِنْهُمْ } من يهود مثل الذي همُّوا بـالنبـيّ صلى الله عليه وسلم يوم دخـل علـيهم.

وقال بعض القائلـين: معنى ذلك: ولا تزال تطلع علـى خائن منهم، قال: والعرب تزيد الهاء فـي آخر الـمذكر كقولهم: هو راوية للشعر، ورجل علامة، وأنشد:
حَدَّثْتَ نفسَكَ بـالوَفـاءِ ولـم تكُنْ للغدْرِ خائنةً مُغِلَّ الإصْبَعِ
فقال خائنة، وهو يخاطب رجلاً.

والصواب من التأويـل فـي ذلك القول الذي رويناه عن أهل التأويـل، لأن الله عنى بهذه الآية القوم من يهود بنـي النضير الذين هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، إذ أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم فـي دية العامريـين، فأطلعه الله عزّ ذكره علـى ما قد همُّوا به. ثم قال جلّ ثناؤه بعد تعريفه أخبـار أوائلهم وإعلامه منهج أسلافهم وأن آخرهم علـى منهاج أوّلهم فـي الغدر والـخيانة، لئلا يكبر فعلهم ذلك علـى نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، فقال جلّ ثناؤه: ولا تزال تطلع من الـيهود علـى خيانة وغدر ونقض عهد. ولـم يرد أنه لا يزال يطلَّع علـى رجل منهم خائن، وذلك أن الـخبر ابتدىء به عن جماعتهم، فقـيـل:
{ يَا أَيُّهَآ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ ظ±ذْكُرُواْ نِعْمَتَ ظ±للَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ }
[المائدة: 11]، ثم قـيـل: { وَلا تَزَالَ تَطَّلِعُ علـى خائِنَةٍ مِنْهُمْ } ، فإذ كان الابتداء عن الـجماعة فلتـختـم بـالـجماعة أولـى....

حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قتادة، قال: هم الـيهود والنصارى، أغرى الله بـينهم العداوة والبغضاء إلـى يوم القـيامة.

وقال آخرون: بل عنى الله بذلك: النصارى وحدها. وقالوا: معنى ذلك: فأغرينا بـين النصارى عقوبة لها بنـيسانها حظاً مـما ذكرت به. قالوا: وعلـيها عادت الهاء والـميـم فـي بـينهم دون الـيهود. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع قال: إن الله عزّ ذكره تقدّم إلـى بنـي إسرائيـل أن لا تشتروا بآيات الله ثمناً قلـيلاً، وعلِّـموا الـحكمة ولا تأخذوا علـيها أجراً. فلـم يفعل ذلك إلا قلـيـل منهم، فأخذوا الرشوة فـي الـحكم وجاوزوا الـحدود، فقال فـي الـيهود حيث حكموا بغير ما أمر الله: وألْقَـيْنا بَـيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إلـى يَوْمه القِـيامَةِ وقال فـي النصارى: { فَنَسُوا حَظًّا مِـمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فأغْرَيْنا بَـيْنَهُمْ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إلـى يَوْمَ القِـيامةِ }.

وأولـى التأويـلـين بـالآية عندي ما قاله الربـيع بن أنس، وهو أن الـمعنىّ بـالإغراء بـينهم: النصارى فـي هذه الآية خاصة، وأن الهاء والـميـم عائدتان علـى النصارى دون الـيهود، لأن ذكر الإغراء فـي خبر الله عن النصارى بعد تقضي خبره عن الـيهود، وبعد ابتدائه خبره عن النصارى، فأن لا يكون ذلك معنـياً به إلا النصارى خاصة أولـى من أن يكون معنـياً به الـحزبـان جميعاً لـما ذكرنا.

فإن قال قائل: وما العداوة التـي بـين النصارى، فتكون مخصوصة بـمعنى ذلك؟ قـيـل: ذلك عداوة النَّسطورية والـيعقوبـية والـملكية النسطورية والـيعقوبـية، ولـيس الذي قاله من قال معنى بذلك: إغراء الله بـين الـيهود والنصارى ببعيد، غير أن هذا أقرب عندي وأشبه بتأويـل الآية لـما ذكرنا.

اسامة محمد خيري
27-12-2016, 05:38
وأولـى التأويـلـين فـي ذلك عندي بـالصواب، قول من قال: وآتاكم ما لـم يؤت أحداً من العالـمين، خطاب لبنـي إسرائيـل، حيث جاء فـي سياق قوله: { اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَـيْكُمْ } ومعطوفـاً علـيه. ولا دلالة فـي الكلام تدلّ علـى أن قوله: { وآتاكُمْ ما لَـمْ يُؤْتِ أحَداً مِنَ العالَـمِينَ مصروف عن خطاب الذين ابتدىء بخطابهم فـي أوّل الآية. فإن كان ذلك كذلك، فأن يكون خطابـاً لهم أولـى من أن يقال: هو مصروف عنهم إلـى غيرهم. فإن ظنّ ظانّ أن قوله: { وآتاكُمْ ما لَـمْ يُؤْتِ أحَداً مِنَ العالَـمِينَ } لا يجوز أن يكون خطابـاً لبنـي إسرائيـل، إذ كانت أمة مـحمد قد أوتـيت من كرامة الله نبـيها علـيه الصلاة والسلام مـحمداً، ما لـم يؤت أحداً غيرهم، وهم من العالـمين فقد ظنّ غير الصواب، وذلك أن قوله: { وآتاكُمْ ما لَـمْ يُؤْتِ أحَداً مِنَ العالَـمِينَ } خطاب من موسى صلى الله عليه وسلم لقومه يومئذٍ، وعنى بذلك عالـمي زمانه لا عالـمي كلّ زمان، ولـم يكن أُوتـي فـي ذلك الزمان من نعم الله وكرامته ما أُوتـي قومه صلى الله عليه وسلم أحد من العالـمين، فخرج الكلام منه صلى الله عليه وسلم علـى ذلك لا علـى جميع كلّ زمان...

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، أن يقال: هي الأرض الـمقدسة، كما قال نبـيّ الله موسى صلى الله عليه وسلم. لأن القول فـي ذلك بأنها أرض دون أرض، لا تدرك حقـيقة صحته إلاَّ بـالـخبر، ولا خبر بذلك يجوز قطع الشهادة به، غير أنها لن تـخرج من أن تكون من الأرض التـي بـين الفرات وعريش مصر لإجماع جميع أهل التأويـل والسير والعلـماء بـالأخبـار علـى ذلك. ويعنـي بقوله: { التـي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ }: التـي أثبت فـي اللوح الـمـحفوظ أنها لكم مساكن، ومنازل دون الـجبـابرة التـي فـيها.

فإن قال قائل: فكيف قال: { التـي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ } ، وقد علـمت أنهم لـم يدخـلوها بقوله: { فإنَّها مُـحَرَّمَةٌ عَلَـيْهِمْ }؟ فكيف يكون مثبتاً فـي اللوح الـمـحفوظ أنها مساكن لهم، ومـحرّماً علـيهم سكناها؟ قـيـل: إنها كتبت لبنـي إسرائيـل داراً ومساكن، وقد سكنوها ونزلوها، وصارت لهم كما قال الله جلّ وعزّ.

وإنـما قال لهم موسى: { ادْخُـلُوا الأرْضَ الـمُقَدَّسَة التـي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ } يعنـي بها: كتبها الله لبنـي إسرائيـل وكان الذين أمرهم موسى بدخولها من بنـي إسرائيـل ولـم يعن صلى الله عليه وسلم أن الله تعالـى ذكره كتبها للذين أمرهم بدخولها بأعيانهم، ولو قال قائل: قد كانت مكتوبة لبعضهم، ولـخاصّ منهم، فأخرج الكلام علـى العموم والـمراد منه الـخاص، إذ كان يُوشَع وكالب قد دخلا، وكانا مـمن خوطب بهذا القول، كان أيضاً وجهاً صحيحاً.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال ابن إسحاق.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة عن مـحمد بن إسحاق: { التـي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ }: التـي وهب الله لكم.

اسامة محمد خيري
27-12-2016, 05:45
فعلـى هذه القراءة وهذا التأويـل لـم يكتـم من الاثنى عشر نقـيبـاً أحداً ما أمرهم موسى بكتـمانه بنـي إسرائيـل مـما رأوا وعاينوا من عظم أجسام الـجبـابرة وشدّة بطشهم وعجيب أمورهم، بل أفشوا ذلك كله. وإنـما القائل للقوم ولـموسى: ادخـلوا علـيهم البـاب، رجلان من أولاد الذين كان بنو إسرائيـل يخافونهم ويرهبون الدخول علـيهم من الـجبـابرة، كانا أسلـما وتبعا نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم.

وأولـى القراءتـين بـالصواب عندنا، قراءة من قرأ { مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللّهُ عَلَـيْهِما } لإجماع قرّاء الأمصار عليها وأن ما استفاضت به القراءة عنهم فحجة لايجوز خلافها وما انفرد به الواحد فجائز فـيه الـخطأ والسهو. ثم فـي إجماع الـحجة فـي تأويـلها علـى أنهما رجلان من أصحاب موسى من بنـي إسرائيـل وأنهما يوشع وكلاب، ما أغنى عن الاستشهاد علـى صحة القراءة بفتـح الـياء فـي ذلك وفساد غيره، وهو التأويـل الصحيح عندنا لـما ذكرنا من أجماعها علـيه.

اسامة محمد خيري
27-12-2016, 05:51
{ فـاذْهَبْ أنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إنَّا هَهُنا قاعِدُونَ } لا نـجيء معك يا موسى إن ذهبت إلـيهم لقتالهم، ولكن نتركك تذهب أنت وحدك وربك فتقاتلانهم.

وكان بعضهم يقول فـي ذلك: لـيس معنى الكلام: اذهب أنت ولـيذهب معك ربك فقاتلا، ولكن معناه: اذهب أنت يا موسى، ولـيُعِنْك ربك، وذلك أن الله لا يجوز علـيه الذهاب. وهذا إنـما كان يحتاج إلـى طلب الـمخرج له لو كان الـخبر عن قوم مؤمنـين، فأما قوم أهل خلاف علـى الله عزّ ذكره ورسوله، فلا وجه لطلب الـمخرج لكلامهم فـيـما قالوا فـي الله عزّ وجلّ وافترَوا علـيه إلا بـما يشبه كفرهم وضلالتهم. وقد ذكر عن الـمقداد أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قال قوم موسى لـموسى.....

وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب، قول من قال: إن الأربعين منصوبة بـالتـحريـم، وإن قوله: { مُـحَرَّمَةٌ عَلَـيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً } معنـيّ به جميع قوم موسى لا بعض دون بعض منهم لأن الله عزّ ذكره عمّ بذلك القوم، ولـم يخصص منهم بعضاً دون بعض. وقد وفـى الله بـما وعدهم به من العقوبة، فتـيههم أربعين سنة، وحرّم علـى جميعهم فـي الأربعين سنة التـي مكثوا فـيها تائهين دخول الأرض الـمقدسة، فلـم يدخـلها منهم أحد، لا صغير ولا كبـير ولا صالـح ولا طالـح، حتـى انقضت السنون التـي حرّم الله عزّ وجلّ علـيهم فـيها دخولها. ثم أذن لـمن بقـي منهم وذراريهم بدخولها مع نبـيّ الله موسى، والرجلـين اللذين أنعم الله علـيهما. وافتتـح قرية الـجبـارين إن شاء الله نبـيّ الله موسى صلى الله عليه وسلم وعلـى مقدمته يوشع، وذلك لإجماع أهل العلـم بأخبـار الأوّلـين أن عوج بن عنق قتله موسى صلى الله عليه وسلم، فلو كان قتله إياه قبل مصيره فـي التـيه وهو من أعظم الـجبـارين خـلقاً لـم تكن بنو إسرائيـل تـجزع من الـجبـارين الـجزع الذي ظهر منها، ولكن ذلك كان إن شاء الله بعد فناء الأمة التـي جزعت وعصت ربها وأبت الدخول علـى الـجبـارين مدينتهم. وبعد: فإن أهل العلـم بأخبـار الأوّلـين مـجمعون علـى أن بعـلم بن بـاعوراء كان مـمن أعان الـجبـارين بـالدعاء علـى موسى ومـحال أن يكون ذلك كان وقوم موسى مـمتنعون من حربهم وجهادهم، لأن الـمعونة إنـما يحتاج إلـيها من كان مطلوبـاً، فأما ولا طالب فلا وجه للـحاجة إلـيها.

قال ابن الجوزى

قوله تعالى: { فإنها محرّمة عليهم } الإِشارة إِلى الأرض المقدَّسة. ومعنى تحريمها عليهم: منعهم منها. فأمّا نصب «الأربعين»، فقال الفراء: هو منصوب بالتحريم، وجائز أن يكون منصوباً بـ «يتيهون». وقال الزجاج: لا يجوز أن ينتصب بالتحريم، لأن التفسير جاء أنها محرَّمة عليهم أبداً. قلت: وقد اختلف المفسرون في ذلك، فذهب الأكثرون، منهم عكرمة، وقتادة، إِلى ما قال الزجاج، وأنها حرّمت عليهم أبداً. قال عكرمة: فإنها محرّمة عليهم أبداً يتيهون في الأرض أربعين سنة، وذهب قومٌ، منهم الربيع بن أنس، إِلى أنها حُرِّمَت عليهم أربعين سنة، ثم أمروا بالسير إِليها،

وهذا اختيار ابن جرير. قال: إِنما نصبت بالتحريم، والتحريم كان عاماً في حق الكلِّ، ولم يدخلها في هذه المدة منهم أحد، فلما انقضت، أُذن لمن بقي منهم بالدخول مع ذراريهم.

اسامة محمد خيري
27-12-2016, 06:17
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الـحسن، قال: كان الرجلان اللذان فـي القرآن، اللذان قال الله: { وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبَأ ابْنَـيْ آدَم بِـالَـحِّق } من بـني إسرائيـل، ولـم يكونا ابنـي آدم لصلبه، وإنـما كان القربـان فـي بنـي إسرائيـل، وكان آدم أوّل من مات.

وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب، أن اللذين قرّبـا القربـان كان ابنـي آدم لصلبه، لا من ذريته من بنـي إسرائيـل. وذلك أن الله عزّ وجلّ يتعالـى عن أن يخاطب عبـاده بـما لا يفـيدهم به فـائدة، والـمخاطبون بهذه الآية كانوا عالـمين أن تقريب القربـان لله لـم يكن إلا فـي ولد آدم دون الـملائكة والشياطين وسائر الـخـلق غيرهم. فإذا كان معلوماً ذلك عندهم، فمعقول أنه لو لـم يكن معنـياً بـابنـي آدم اللذين ذكرهما الله فـي كتابه ابناه لصلبه، لـم يفدْهم بذكره جلّ جلاله إياهما فـائدة لـم تكن عندهم. وإذا كان غير جائز أن يخاطبهم خطابـاً لا يفـيدهم به معنى، فمعلوم أنه عنى ابنـي آدم لصلبه، لا ابنـي بنـيه الذين بَعُد منه نسبهم مع إجماع أهل الأخبـار والسير والعلـم بـالتأويـل علـى أنهما كانا ابنـي آدم لصلبه وفـي عهد آدم وزمانه، وكفـى بذلك شاهداً....

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا رجل، سمع مـجاهداً يقول فـي قوله: { لَئِنْ بَسَطْتَ إلـيّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِـي ما أنا بِبـاسِطٍ يَدِيَ إلَـيْكَ لأقُتُلَكَ } قال مـجاهد: كان كتب الله علـيهم: إذا أراد الرجل أن يقتل رجلاً تركه ولا يـمتنع منه.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله عزّ ذكره قد كان حرّم علـيهم قتل نفس بغير نفس ظلـماً، وأن الـمقتول قال لأخيه: ما أنا ببـاسط يدي إلـيك إن بسطت إلـيّ يدك لأنه كان حراماً علـيه من قتل أخيه مثل الذي كان حراماً علـى أخيه القاتل من قتله. فأما الامتناع من قتله حين أراد قتله، فلا دلالة علـى أن القاتل حين أراد قتله وعزم علـيه كان الـمقتول عالـماً بـما هو علـيه عازم منه ومـحاولٌ من قتله، فتَرَك دَفْعَه عن نفسه بل قد ذكر جماعة من أهل العلـم أنه قتله غيـلة، اغتاله وهو نائم، فشدخ رأسه بصخرة. فإذا كان ذلك مـمكناً، ولـم يكن فـي الآية دلالة علـى أنه كان مأموراً بترك منع أخيه من قتله، لـم يكن جائزاً ادّعاء ما لـيس فـي الآية إلا ببرهان يجب تسلـيـمه.....

والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن تأويـله: إنـي أريد أن تنصرف بخطيئتك فـي قتلك إياي، وذلك هو معنى قوله: { إنّـي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بإثْمِي }. وأما معنى { وإثْمِكَ }: فهو إثمه بغير قتله، وذلك معصية الله جلّ ثناؤه فـي أعمال سواه.

وإنـما قلنا ذلك هو الصواب لإجماع أهل التأويـل علـيه، لأن الله عزّ ذكره قد أخبرنا أن كلّ عامل فجزاء عمله له أو علـيه، وإذا كان ذلك حكمه فـي خـلقه فغير جائز أن يكون آثام الـمقتول مأخوذاً بها القاتل وإنـما يؤخذ القاتل بإثمه بـالقتل الـمـحرّم وسائر آثام معاصيه التـي ارتكبها بنفسه دون ما ركبه قتـيـله.

فإن قال قائل: أو لـيس قتل الـمقتول من بـين آدم كان معصية لله من القاتل؟ قـيـل: بلـى، وأعْظِمْ بها معصية

فإن قال: فإذا كان لله جلّ وعزّ معصية، فكيف جاز أن يريد ذلك منه الـمقتول ويقول: { إنّـي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بإثْمِي } وقد ذكرت أن تأويـل ذلك: إنـي أريد أن تبوء بإثم قتلـي؟ فمعناه: إنـي أريد أن تبوء بإثم قتلـي إن قتلتنـي لأنـي لا أقتلك، فإن أنت قتلتنـي فإنـي مريد أن تبوء بإثم معصيتك الله فـي قتلك إياي. وهو إذا قتله، فهو لا مـحالة بـاء به فـي حكم الله، فإرادته ذلك غير موجبة له الدخول فـي الـخطأ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، وحدثنا سفـيان، قال: ثنا جرير وأبو معاوية (ح)، وحدثنا هناد، قال: ثنا أبو معاوية، ووكيع جميعاً، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله، قال: قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم: " ما مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْـماً إلاَّ كانَ علـى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنْها، ذَلِكَ بأنه أَوَّل مَنْ سَنَّ القَتْلَ "

وبهذا الـخبر الذي ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبـين أن القول الذي قاله الـحسن فـي ابنـي آدم اللذَين ذكرهما الله فـي هذا الـموضع أنهما لـيسا بـابنـي آدم لصلبه، ولكنهما رجلان من بنـي إسرائيـل، وأن القول الذي حكي عنه، أن أوّل من مات آدم، وأن القربـان الذي كانت النار تأكله لـم يكن إلا فـي بنـي إسرائيـل خطأ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن هذا القاتل الذي قتل أخاه أنه أوّل من سنّ القتل، وقد كان لا شكّ القتل قبل إسرائيـل، فكيف قبل ذرّيته وخطأ من القول أن يقال: أوّل من سنّ القتل رجل من بنـي إسرائيـل. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الصحيح من القول هو قول من قال: هو ابن آدم لصلبه، لأنه أوّل من سنّ القتل، فأوجب الله له من العقوبة ما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

اسامة محمد خيري
27-12-2016, 06:31
ثم اختلفوا فـي صيغة قتله إياه كيف كانت، والسبب الذي من أجله قتله. فقال بعضهم: وجده نائماً فشَدَخ رأسه بصخرة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ فـيـما ذكر عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس. وعن مرّة، عن عبد الله. وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: { فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلُ أخيهِ } فطلبه لـيقتله، فراغ الغلام منه فـي رؤوس الـجبـال. وأتاه يوماً من الأيام وهو يرعى غنـماً له فـي جبل وهو نائم، فرفع صخرة فشدخ بها رأسه، فمات، فتركه بـالعراء.

وقال بعضهم، ما:

حدثنـي مـحمد بن عمر بن علـيّ، قال: سمعت أشعث السجِستانـي يقول: سمعت ابن جريج قال: ابن آدم الذي قتل صاحبه لـم يدر كيف يقتله، فتـمثل إبلـيس له فـي هيئة طير، فأخذ طيراً فقصع رأسه، ثم وضعه بـين حجرين فشدَخَ رأسه، فعلَّـمه القتل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قتله حين يرعى الغنـم، فأتـى فجعل لا يدري كيف يقتله، فَلَوى برقبته وأخذ برأسه. فنزل إبلـيس، وأخذ دابة أو طيراً، فوضع رأسه علـى حجر، ثم أخذ حجراً آخر فرضخ به رأسه، وابن آدم القاتل ينظر، فأخذ أخاه، فوضع رأسه علـى حجر وأخذ حجراً آخر فرضخ به رأسه.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا رجل سمع مـجاهداً يقول، فذكر نـحوه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قال: لـما أكلت النار قربـان ابن آدم الذي تقبِّل قربـانه، قال الآخر لأخيه: أتـمشي فـي الناس وقد علـموا أنك قرّبت قربـاناً فتقبل منك وردّ علـيّ؟ والله لا تنظر الناس إلـيّ وإلـيك وأنت خير منـي فقال: لأقتلنك فقال له أخوه: ما ذنبـي


{ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ظ±للَّهُ مِنَ ظ±لْمُتَّقِينَ }
[المائدة: 27]؟ فخوّفه بـالنار، فلـم ينته ولـم ينزجر، فطوّعت له نفسه قتل أخيه، فقتله فأصبح من الـخاسرين.

حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي عبد الله بن عثمان بن خثـيـم، قال: أقبلت مع سعيد بن جبـير أرمي الـجمرة وهو متقنع متوكىء علـى يديّ، حتـى إذا وازينا بـمنزل سمرة الصرّاف، وقـف يحدثنـي عن ابن عبـاس، قال: نُهي أن ينكح الـمرأة أخوها توأمها وينكحها غيره من إخوتها، وكان يولد فـي كلّ بطن رجل وامرأة، فولدت امرأة وسيـمة، وولدت امرأة دميـمة قبـيحة، فقال أخو الدميـمة: أنكحنـي أختك وأنكحك أختـي قال: لا، أنا أحقّ بأختـي. فقرّبـا قربـاناً فتقبل من صاحب الكبش، ولـم يتقبل من صاحب الزرع، فقتله. فلـم يزل ذلك الكبش مـحبوساً عند الله حتـى أخرجه فـي فداء إسحاق، فذبحه علـى هذا الصفـا فـي ثَبِـيِر عند منزل سَمُرة الصراف، وهو علـى يـمينك حين ترمي الـجمار. قال ابن جريج: وقال آخرون بـمثل هذه القصة. قال: فلـم يزل بنو آدم علـى ذلك حتـى مضى أربعة آبـاء، فنكح ابنة عمه، وذهب نكاح الأخوات.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله عزّ ذكره قد أخبر عن القاتل أنه قتل أخاه، ولا خبر عندنا يقطع العذر بصفته قتله إياه. وجائز أن يكون علـى نـحو ما قد ذكر السديّ فـي خبره، وجائز أن يكون كان علـى ما ذكره مـجاهد، والله أعلـم أيّ ذلك كان، غير أن القتل قد كان لا شكّ فـيه.

اسامة محمد خيري
27-12-2016, 06:36
فتأويـل الكلام: فأثار الله للقاتل إذ لـم يدر ما يصنع بأخيه الـمقتول غرابـاً يبحث فـي الأرض، يقول: يحفر فـي الأرض، فـيثـير ترابها لـيريه كيف يواري سوءة أخيه، يقول: لـيريه كيف يواري جيفة أخيه. وقد يحتـمل أن يكون عنى بـالسوءة الفَرْج، غير أن الأغلب من معناه ما ذكرت من الـجِيفة، وبذلك جاء تأويـل أهل التأويـل. وفـي ذلك مـحذوف ترك ذكره، استغناء بدلالة ما ذكر منه، وهو: فأراه بأن بحث فـي الأرض لغراب آخر ميت، فواراه فـيها، فقال القاتل أخاه حينئذٍ: { يا وَيْـلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذَا الغُرَابِ } الذي وارى الغرابَ الآخر الـميت { فَأُوارِيَ سَوأةَ أخِي }؟ فواراه حينئذٍ { فأصْبَحَ منَ النَّادِمينَ } علـى ما فَرَط منه من معصية الله عزّ ذكره فـي قتله أخاه. وكلّ ما ذكر الله عزّ وجلّ فـي هذه الآيات، مَثَل ضَرَبَهُ الله لبنـي آدم، وحرّض به الـمؤمنـين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى استعمال العفو والصفح عن الـيهود، الذين كانوا هَمُّوا بقتل النبـيّ صلى الله عليه وسلم، وقتلهم من بنـي النضير، إذ أتوهم يستعينونهم فـي دية قتـيـلـي عمرو بن أمية الضَّمْرِي، وعرَّفهم جلّ وعزّ رداءة سجية أوائلهم وسوء استقامتهم علـى منهج الـحقّ مع كثرة أياديه وآلائه عندهم، وضرب مثلهم فـي عدوّهم ومثل الـمؤمنـين فـي الوفـاء لهم والعفو عنهم بـابَنْـي آدم الـمقرِّبَـين قرابـينهما اللذين ذكرهما الله فـي هذه الآيات

ثم ذلك مَثَل لهم علـى التأسِّي بـالفـاضل منهما دون الطالـح، وبذلك جاء الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، عن أبـيه، قال: قلت لبكر بن عبد الله: أما بلغك أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنّ الله جلّ وَعَزَّ ضَرَبَ لَكُمُ ابْنَـيْ آدَمَ مَثَلاً، فخُذُوا خَيْرَهُما وَدَعُوا شَرَّهُما؟ " قال: بلـى.

اسامة محمد خيري
28-12-2016, 05:07
وأولـى هذه الأقوال عندي بـالصواب قول من قال: تأويـل ذلك أنه من قتل نفساً مؤمنة بغير نفس قتلتها فـاستـحقت القود بها والقتل قصاصاً، أو بغير فساد فـي الأرض، بحرب الله ورسوله وحرب الـمؤمنـين فـيها، فكأنـما قتل الناس جميعاً فـيـما استوجب من عظيـم العقوبة من الله جلّ ثناؤه، كما أوعده ذلك من فعله ربُّه بقوله:
{ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَٰلِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً }
[النساء: 93].

وأما قوله: { وَمَنْ أحيْاها فَكأنـمَا أحيْا النَّاسَ جَمِيعاً } فأولـى التأويلات به قول من قال: من حرّم قتل من حرّم الله عزّ ذكره قتَله علـى نفسه، فلـم يتقدم علـى قتله، فقد حِيـيَ الناس منه بسلامتهم منه، وذلك إحياؤه إياها. وذلك نظير خبر الله عزّ ذكره عمن حاجّ إبراهيـم فـي ربه، إذ قال له إبراهيـم:
{ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ }
[البقرة: 258]. فكان معنى الكافر فـي قـيـله: أنا أحيي وأميت: أنا أترك من قدرت علـى قتله وفـي قوله: وأميت: قَتْلُه من قتله. فكذلك معن الإحياء فـي قوله: { وَمَنْ أحْياها }: من سلـم الناس من قتله إياهم، إلا فـيـما أذن الله فـي قتله منهم { فَكأنـمَا أحْيا النَّاسَ جَمِيعاً }.

وإنـما قلنا ذلك أولـى التأويلات بتأويـل الآية، لأنه لا نفس يقوم قتلها فـي عاجل الضرّ مقام قتل جميع النفوس، ولا إحياؤها مقام إحياء جميع النفوس فـي عاجل النفع، فكان معلوماً بذلك أن معنى الإحياء: سلامة جميع النفوس منه، لأنه من لـم يتقدم علـى نفس واحدة، فقد سلـم منه جميع النفوس، وأن الواحدة منها التـي يقوم قتلها مقام جميعها إنـما هو فـي الوزر، لأنه لا نفس من نفوس بنـي آدم يقوم فقدها مقام فقد جميعها وإن كان فقد بعضها أعمّ ضرراً من فقد بعض.

اسامة محمد خيري
28-12-2016, 05:23
وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي أن يقال: أنزل الله هذه الآية علـى نبـيه صلى الله عليه وسلم معرّفة حكمه علـى من حارب الله ورسوله وسعى فـي الأرض فساداً، بعد الذي كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالعرنـيـين ما فعل.

وإنـما قلنا ذلك أولـى الأقوال بـالصواب فـي ذلك، لأن القصص التـي قصها الله جلّ وعزّ قبل هذه الآية وبعدها من قصص بنـي إسرائيـل وأنبائهم، فأن يكون ذلك متوسطاً منه يعرف الـحكم فـيهم وفـي نظرائهم، أولـى وأحقّ. وقلنا: كان نزول ذلك بعد الذي كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالعرنـيـين ما فعل لتظاهر الأخبـار عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. وإذ كان ذلك أولـى بـالآية لـما وصفنا، فتأويـلها: من أجل ذلك كتبنا علـى بنـي إسرائيـل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو سَعَى بفساد فـي الأرض فكأنـما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنـما أحيا الناس جميعاً، ولقد جاءتهم رسلنا بـالبـينات، ثم إن كثـيراً منهم بعد ذلك فـي الأرض لـمسرفون، يقول: لساعون فـي الأرض بـالفساد، وقاتلو النفوس بغير نفس وغير سعي فـي الأرض بـالفساد حربـاً لله ولرسوله، فمن فعل ذلك منهم يا مـحمد، فإنـما جزاؤه أن يقتلوا أو يصلّبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض.

فإن قال لنا قائل: وكيف يجوز أن تكون الآية نزلت فـي الـحال التـي ذكرت من حال نقض كافر من بنـي إسرائيـل عهده، ومن قولك إن حكم هذه الآية حكم من الله فـي أهل الإسلام دون أهل الـحرب من الـمشركين؟ قـيـل: جاز أن يكون ذلك كذلك، لأن حكم من حارب الله ورسوله وسَعَى فـي الأرض فساداً من أهل ذمتنا وملتنا واحد، والذين عُنُوا بـالآية كانوا أهل عهد وذمة، وإن كان داخلاً فـي حكمها كل ذمي وملـيَ، ولـيس يبطل بدخول من دخـل فـي حكم الآية من الناس أن يكون صحيحاً نزولها فـيـمن نزلت فـيه.

وقد اختلف أهل العلـم فـي نسخ حكم النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي العُرَنـيـين، فقال بعضهم: ذلك حكم منسوخ، نسخه نهيه عن الـمثلة بهذه الآية، أعنـي بقوله: { إنَّـمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعُوْنَ فـي الأرْضِ فَساداً }... الآية، وقالوا: أنزلت هذه الآية عتابـاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فـيـما فعل بـالعرنـيـين....

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بَزَّة، عن مـجاهد: { وَيَسْعَوْنَ فِـي الأرْضِ فَساداً } قال: الفساد: القتل، والزنا، والسرقة. وأولـى هذه الأقوال عندي بـالصواب، قول من قال: الـمـحارب لله ورسوله من حارب فـي سابلة الـمسلـمين وذمتهم، والـمغير علـيهم فـي أمصارهم وقراهم حَرَابة.

وإنـما قلنا ذلك أولـى الأقوال بـالصواب، لأنه لا خلاف بـين الـحجة أن من نصب حربـاَ للـمسلـمين علـى الظلـم منه لهم أنه لهم مـحارب، ولا خلاف فـيه. فـالذي وصفنا صفته، لا شك فـيه أنه لهم مناصب حربـاً ظلـماً. وإذ كان ذلك كذلك، فسواء كان نصبه الـحرب لهم فـي مصرهم وقراهم أو فـي سبلهم وطرقهم فـي أنه لله ولرسوله مـحارب بحربه من نهاه الله ورسوله عن حربه....

وأولـى التأويـلـين بـالصواب فـي ذلك عندنا تأويـل من أوجب علـى الـمـحارب من العقوبة علـى قدر استـحقاقه وجعل الـحكم علـى الـمـحاربـين مختلفـاً بـاختلاف أفعالهم، فأوجب علـى مخيف السبـيـل منهم إذا قُدِر علـيه قبل التوبة وقبل أخذ مال أو قتل: النفـي من الأرض وإذا قُدِر علـيه بعد أخذ الـمال وقتل النفس الـمـحرّم قتلها: الصلب لـما ذكرت من العلة قبل لقائلي هذه الـمقالة. فأما ما اعتلّ به القائلون: إن الإمام فـيه بـالـخيار من أن «أو» فـي العطف تأتـي بـمعنى التـخيـير فـي الفرض، فنقول: لا معنى له، لأن «أو» فـي كلام العرب قد تأتـي بضروب من الـمعانـي لولا كراهة إطالة الكتاب بذكرها لذكرتها، وقد بـينت كثـيراً من معانـيها فـيـما مضى وسنأتـي علـى بـاقـيها فـيـما يستقبل فـي أماكنها إن شاء الله

فأما فـي هذا الـموضع فإن معناها: التعقـيب، وذلك نظير قول القائل: إن جزاء الـمؤمنـين عند الله يوم القـيامة أن يدخـلهم الـجنة، أو يرفع منازلهم فـي علـيـين، أو يسكنهم مع الأنبـياء والصدّيقـين. فمعلوم أن قائل ذلك غير قاصد بقـيـله إلـى أن جزاء كلّ مؤمن آمن بـالله ورسوله، فهو فـي مرتبة واحدة من هذه الـمراتب ومنزلة واحدة من هذه الـمنازل بإيـمانه، بل الـمعقول عنه أن معناه: أن جزاء الـمؤمن لـم يخـلُ عند الله من بعض هذه الـمنازل، فـالـمقتصد منزلته دون منزلة السابق بـالـخيرات، والسابق بـالـخيرات أعلـى منه منزلة، والظالـم لنفسه دونهما، وكلّ فـي الـجنة كما قال جلّ ثناؤه:
{ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا }
[الرعد: 23]. فكذلك معنى الـمعطوف بـ(أو) فـي قوله: { إنَّـما جَزَاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ }... الآية، إنـما هو التعقـيب. فتأويـله: إن الذي يحارب الله ورسوله، ويسعى فـي الأرض فساداً، لن يخـلو من أن يستـحقّ الـجزاء بإحدى هذه الـخلال الأربع التـي ذكرها الله عزّ ذكره، لا أن الإمام مـحكَّم فـيه، ومخير فـي أمره كائنة ما كانت حالته، عظمت جريرته أو خَفَّت لأن ذلك لو كان كذلك لكان للإمام قتل من شَهَر السلاح مخيفـاً السبـيـل وصلبه، وإن لـم يأخذ مالاً ولا قتل أحداً، وكان له نفـي من قَتل وأخذ الـمال وأخاف السبـيـل. وذلك قول إن قاله قائل خلاف ما صحت به الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: " لا يَحلُّ دَمُ امْرِىءٍ مُسْلـمٍ إلاَّ بإحْدَى ثَلاثٍ: رَجُلٍ قَتَلَ رَجُلاً فَقُتِلَ به، أوْ زَنى بَعْدَ إحْصَانٍ فرُجِمَ، أوِ ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ " وخلاف قوله: " القَطْعُ فِـي رُبْعِ دِينار فَصَاعِداً " وغير الـمعروف من أحكامه.

فإن قال قائل: فإن هذه الأحكام التـي ذكرت كانت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي غير الـمـحارب، وللـمـحارب حكم غير ذلك منفرد به؟ قـيـل له: فما الـحكم الذي انفرد به الـمـحارب فـي سننه، فإن ادّعى عنه صلى الله عليه وسلم حكماً خلاف الذي ذكرنا، أكذبه جميع أهل العلـم، لأن ذلك غير موجود بنقل واحد ولا جماعة، وإن زعم أن ذلك الـحكم هو ما فـي ظاهر الكتاب. قـيـل له: فإن أحسن حالاتك أن يُسلَّـم لك أن ظاهر الآية قد يحتـمل ما قلت، وما قاله من خالفك فما برهانك علـى أن تأويـلك أولـى بتأويـل الآية من تأويـله. وبعد: فإذا كان الإمام مخيراً فـي الـحكم علـى الـمـحارب من أجل أنَّ «أو» بـمعنى التـخيـير فـي هذا الـموضع عندك، أفله أن يصلبه حياً ويتركه علـى الـخشبة مصلوبـاً حتـى يـموت من غير قتله؟ فإن قال: ذلك له، خالف فـي ذلك الأمة.


وإن زعم أن ذلك لـيس له، وإنـما له قتله ثم صلبه أو صلبه ثم قتله، ترك علته من أن الإمام إنـما كان له الـخيار فـي الـحكم علـى الـمـحارب من أجل أن «أو» تأتـي بـمعنى التـخيـير، وقـيـل له: فكيف كان له الـخيار فـي القتل أو النفـي أو القطع ولـم يكن له الـخيار فـي الصلب وحده، حتـى تـجمع إلـيه عقوبة أخرى؟ وقـيـل له: هل بـينك وبـين من جعل الـخيار حيث أبـيت وأبى ذلك حيث جعلته حيث جعلته له، فرقٌ من أصل أو قـياس؟ فلن يقول فـي أحدهما قولاً إلاَّ ألزم فـي الآخر مثله. وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتصحيح ما قلنا فـي ذلك بـما فـي إسناده نظر. وذلك ما:

حدثنا به علـيّ بن سهل، قال: ثنا الولـيد بن مسلـم، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبـي حبـيب: أن عبد الـملك بن مروان كتب إلـى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية، فكتب إلـيه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت فـي أولئك النفر العرنـيـين، وهم من بجيـلة. قال أنس: فـارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، وأخافوا السبـيـل، وأصابوا الفرْج الـحرام. قال أنس: فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريـل علـيه السلام عن القضاء فـيـمن حارب، فقال: «من سرق وأخاف السبـيـل فـاقطع يده بسرقته ورِجْلَه بإخافته. ومن قتل فـاقتله. ومن قتل وأخاف السبـيـل واستـحلّ الفرج الـحرام فـاصلبه»....

وقال آخرون: معنى النفـي من الأرض فـي هذا الـموضع: الـحبس، وهو قول أبـي حنـيفة وأصحابه.

وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب فـي قول من قال: معنى النفـي من الأرض فـي هذا الـموضع: هو نفـيه من بلد إلـى بلد غيره وحبسه فـي السجن فـي البلد الذي نفـي إلـيه، حتـى تظهر توبته من فسوقه ونزوعه عن معصيته ربه.

وإنـما قلت ذلك أولـى الأقوال بـالصحة، لأن أهل التأويـل اختلفوا فـي معنى ذلك علـى أحد الأوجه الثلاثة التـي ذكرت. وإذ كان ذلك كذلك، وكان معلوماً أن الله جلّ ثناؤه إنـما جعل جزاء الـمـحارب: القتل أو الصلب، أو قطع الـيد والرجل من خلاف، بعد القدرة علـيه لا فـي حال امتناعه كان معلوماً أن النفـي أيضاً إنـما هو جزاؤه بعد القدرة علـيه لا قبلها، ولو كان هروبه من الطلب نفـياً له من الأرض، كان قطع يده ورجله من خلاف فـي حال امتناعه وحربه علـى وجه القتال بـمعنى إقامة الـحدّ علـيه بعد القدرة علـيه

وفـي إجماع الـجميع أن ذلك لا يقوم مقام نفـيه الذي جعله الله عزّ وجلّ حدًّا له بعد القدرة علـيه. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه لـم يبق إلاَّ الوجهان الآخران، وهو النفـي من بلدة إلـى أخرى غيرها أو السجن. فإذ كان كذلك، فلا شكّ أنه إذا نفـي من بلدة إلـى أخرى غيرها فلـم ينف من الأرض، بل إنـما نفـي من أرض دون أرض. وإذ كان ذلك كذلك، وكان الله جلّ ثناؤه إنـما أمر بنفـيه من الأرض، كان معلوماً أنه لا سبـيـل إلـى نفـيه من الأرض إلاَّ بحبسه فـي بقعة منها عن سائرها، فـيكون منفـياً حينئذٍ عن جميعها، إلاَّ مـما لا سبـيـل إلـى نفـيه منه. وأما معنى النفـي فـي كلام العرب: فهو الطرد، ومن ذلك قول أوس بن حجر:
يُنْفَوْنَ عَنْ طُرُقِ الكِرَامِ كمَا يَنْفِـي الـمُطارِقُ ما يَـلـي الفرَدا
ومنه قـيـل للدراهم الرديئة وغيرها من كلّ شيء: النُّفـاية. وأما الـمصدر من نفـيت، فإنه النفـي والنِّفـاية، ويقال: الدلو ينفـي الـماء. ويقال لـما تطاير من الـماء من الدلو النفـيّ، ومنه قول الراجز:
كأنَّ مَتْنَـيْهِ مِنَ النَّفـيّ مَوَاقِعُ الطَّيْرِ علـى الصُّفِـيّ
ومنه قـيـل: نَفَـى شَعَرُه: إذا سقط، يقال: حال لونك ونَفَـى شعرك.

اسامة محمد خيري
28-12-2016, 05:43
وأولـى هذه الأقوال فـي ذلك بـالصواب عندي قول من قال: توبة الـمـحارب الـمـمتنع بنفسه أو بجماعة معه قبل القدرة علـيه، تضع عنه تبعات الدنـيا التـي كانت لزمته فـي أيام حربه وحِرابته من حدود الله، وغرم لازم وقَوَد وقِصاص، إلاَّ ما كان قائماً فـي يده من أموال الـمسلـمين والـمعاهدين بعينه، فـيردّ علـى أهله لإجماع الـجميع علـى أن ذلك حكم الـجماعة الـمـمتنعة الـمـحاربة لله ولرسوله الساعية فـي الأرض فساداً علـى وجه الردّة عن الإسلام، فكذلك حكم كلّ مـمتنع سعى فـي الأرض فساداً، جماعة كانوا أو واحداً، فأما الـمستـخفـي بسرقته والـمتلصص علـى وجه إغفـال من سرقه، والشاهر السلاح فـي خلاء علـى بعض السابلة، وهو عند الطلب غير قادر علـى الامتناع، فإن حكم الله علـيه تاب أو لـم يتب ماضٍ، وبحقوق من أخذ ماله أو أصاب ولـيه بدم أو خَتْل مأخوذ، وتوبته فـيـما بـينه وبـين الله قـياساً علـى إجماع الـجميع علـى أنه لو أصاب شيئاً من ذلك وهو للـمسلـمين سِلْـم ثم صار لهم حربـاً، أن حربه إياهم لن يضع عنه حقاً لله عزّ ذكره ولا لآدميّ، فكذلك حكمه إذا أصاب ذلك فـي خلاء أو بـاستـخفـاء وهو غير مـمتنع من السلطان بنفسه إن أراده ولا له فئة يلجأ إليها مانعة منه وفي قوله { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } دليل واضح لمن وفق لفهمه أن الحكم الذي ذكره الله في المحاربين يجري في المسلمين والمعاهدين دون المشركين الذين قد نصبوا للمسلمين حرباً وذلك أن ذلك لو كان حكماً فـي أهل الـحرب من الـمشركين دون الـمسلـمين ودون ذمتهم لوجب أن لا يسقط إسلامهم عنهم إذا أسلـموا أو تابوا بعد قدرتنا علـيهم ما كان لهم قبل إسلامهم وتوبتهم من القتل وما للـمسلـمين فـي أهل الـحرب من الـمشركين.

وفـي إجماع الـمسلـمين أن إسلام المشرك الـحربـي يضع عنه بعد قدرة الـمسلـمين علـيه ما كان واضعه عنه إسلامه قبل القدرة علـيه، ما يدلّ علـى أن الصحيح من القول فـي ذلك قول من قال: عنـي بآية الـمـحاربـين فـي هذا الـموضع: حُرَّاب أهل الإسلام أو الذمة دون من سواهم من مشركي أهل الـحرب.

اسامة محمد خيري
28-12-2016, 05:57
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد الـمؤمن، عن نـجدة الـحنفـي، قال: سألت ابن عبـاس عن قوله: { وَالسَّارِقُ والسَّارِقَةُ } أخاصّ أم عامّ؟ فقال: بل عامّ.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا قول من قال: الآية معنـيّ بها خاصّ من السراق، وهو سراق ربع دينار فصاعداً أو قـيـمته، لصحة الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " القَطْعُ فـي رُبعِ دِينَارٍ فصَاعِداً " وقد استقصيت ذكر أقوال الـمختلفـين فـي ذلك مع عللهم التـي اعتلوا بها لأقوالهم، والتلـميح عن أوْلاها بـالصواب بشواهده فـي كتابنا كتاب السرقة، فكرهنا إطالة الكتاب بإعادة ذلك فـي هذا الـموضع. وقوله: { جَزَاءً بِـمَا كَسَبـا نَكالاً مِنَ اللّهِ } يقول: مكافأة لهما علـى سرقتهما وعملهما فـي التلصص بـمعصية الله.

اسامة محمد خيري
28-12-2016, 06:23
وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب أن يقال: عُنِـي بذلك: { لا يحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِـي الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بأفْوَاهِهِم ولَـمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ }: قوم من الـمنافقـين. وجائز أن يكون كان مـمن دخـل فـي هذه الآية ابن صُوريا، وجائز أن يكون أبو لُبـابة، وجائز أن يكون غيرهما. غير أن أثبت شيء رُوي فـي ذلك ما ذكرناه من الرواية قبل عن أبـي هريرة والبراء بن عازب، لأن ذلك عن رجلـين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وإذا كان ذلك كذلك، كان الصحيح من القول فـيه أن يقال: عُنـي به عبد الله بن صُورِيا. وإذا صحّ ذلك كان تأويـل الآية: يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فـي جحود نبوّتك والتكذيب بأنك لـي نبـيّ من الذين قالوا: صدّقنا بك يا مـحمد أنك لله رسول مبعوث، وعلـمنا بذلك يقـيناً بوجودنا صفتك فـي كتابنا وذلك أن فـي حديث أبـي هريرة الذي رواه ابن إسحاق، عن الزهري، أن ابن صوريا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله يا أبـا القاسم إنهم لـيعلـمون أنك نبـيّ مرسل، ولكنهم يحسدونك. فذلك كان علـى هذا الـخبر من ابن صوريا إيـماناً برسول الله صلى الله عليه وسلم بفـيه، ولـم يكن مصدّقاً لذلك بقلبه، فقال الله لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم مطلعه علـى ضمير ابن صوريا وأنه لـم يؤمن بقلبه، يقول: ولـم يصدّق قلبه بأنك لله رسول مرسل....

وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب، قول من قال: إن السماعين للكذب، هم السماعون لقوم آخرين. وقد يجوز أن يكون أولئك كانوا من يهود الـمدينة والـمسموع لهم من يهود فدك، ويجوز أن يكونوا كانوا من غيرهم. غير أنه أيّ ذلك كان، فهو من صفة قوم من يهود سمعوا الكذب علـى الله فـي حكم الـمرأة التـي كانت بغت فـيهم وهي مـحصنة، وأن حكمها فـي التوراة التـحميـم والـجلد، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الـحكم اللازم لها، وسمعوا ما يقول فـيها قوم الـمرأة الفـاجرة قبل أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مـحتكمين إلـيه فـيها. وإنـما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك لهم لـيعلـموا أهل الـمرأة الفـاجرة ما يكون من جوابه لهم، فإن لـم يكن من حكمه الرجم رضوا به حكماً فـيهم، وإن كان من حكمه الرجم حذروه وتركوا الرضا به وبحكمه. وبنـحو الذي قلنا كان ابن زيد يقول.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { سَّماعُونَ للكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ } قال: لقوم آخرين لـم يأتوك من أهل الكتاب، هؤلاء سماعون لأولئك القوم الآخرين الذين لـم يأتوه، يقولون لهم الكذب: مـحمد كاذب، ولـيس هذا فـي التوراة، فلا تؤمنوا به....

اسامة محمد خيري
28-12-2016, 06:29
حدثنا مـحمد بن عمار، قال: ثنا سعيد بن سلـيـمان، قال: ثنا عبـاد بن العوّام، عن سفـيان بن حسين، عن الـحكم، عن مـجاهد، قال: آيتان نسختا من هذه السورة، يعنـي الـمائدة، آية القلائد، وقوله: { فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ } ، فكان النبـيّ صلى الله عليه وسلم مخيراً، إن شاء حكم، وإن شاء أعرض عنهم، فردّهم إلـى أن يحكم بـينهم بـما فـي كتابنا.

وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب قول من قال: إن حكم هذه الآية ثابت لـم ينسخ، وإن للـحكام من الـخيار فـي الـحكم بـين أهل العهد إذا ارتفعوا إلـيهم فـاحتكموا وترك الـحكم بـينهم والنظر مثل الذي جعله الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من ذلك فـي هذه الآية.

وإنـما قلنا: ذلك أولاهما بـالصواب، لأن القائلـين أن حكم هذه الآية منسوخ زعموا أنه نسخ بقوله:
{ وَأَنِ ظ±حْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ظ±للَّهُ }
[المائدة: 49]، وقد دللنا فـي كتابنا: «كتاب البـيان عن أصول الأحكام» أن النسخ لا يكون نسخاً إلا ما كان نفـياً لـحكم غيره بكلّ معانـيه، حتـى لا يجوز اجتـماع الـحكم بـالأمرين جميعاً علـى صحته بوجه من الوجوه، بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. وإذ كان ذلك كذلك، وكان غير مستـحيـل فـي الكلام أن يقال: وأن احكم بـينهم بـما أنزل الله، ومعناه: وأن احكم بـينهم بـما أنزل الله إذا حكمت بـينهم بـاختيارك الـحكم بـينهم إذا اخترت ذلك ولـم تـختر الإعراض عنهم، إذ كان قد تقدم إعلام الـمقول له ذلك من قائله أن له الـخيار فـي الـحكم وترك الـحكم كان معلوماً بذلك أن لا دلالة فـي قوله:
{ وَأَنِ ظ±حْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ظ±للَّهُ }
[المائدة: 49] أنه ناسخ قوله: { فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ وَإنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإنْ حَكَمْتَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بـالقِسْطِ } لـما وصفنا من احتـمال ذلك ما بـينا، بل هو دلـيـل علـى مثل الذي دلّ علـيه قوله: { وَإنْ حَكَمْتَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بـالقِسْطِ }. وإذا لـم يكن فـي ظاهر التنزيـل دلـيـل علـى نسخ إحدى الآيتـين الأخرى، ولا نفـي أحد الأمرين حكمَ الآخر، ولـم يكن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر يصحّ بأن أحدهما ناسخ صاحبه، ولا من الـمسلـمين علـى ذلك إجماع صحّ ما قلنا من أن كلا الأمرين يؤيد أحدهما صاحبه ويوافق حكمه حكمه ولا نسخ فـي أحدهما للآخر.

اسامة محمد خيري
28-12-2016, 06:38
حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: { وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ } قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقرّ به ولـم يحكم فهو ظالـم فـاسق.

وأولـى هذه الأقوال عندي بـالصواب، قول من قال: نزلت هذه الآيات فـي كفار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففـيهم نزلت وهم الـمعِنـيون بها، وهذه الآيات سياق الـخبر عنهم، فكونها خبراً عنهم أولـى.

اسامة محمد خيري
28-12-2016, 06:47
وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب قول من قال: عنـي به: فمن تصدّق به فهو كفـارة له الـمـجروح، فلأن تكون الهاء فـي قوله «له» عائدة علـى من أولـى من أن تكون من ذكر من لـم يجر له ذكر إلا بـالـمعنى دون التصريح وأحرى، إذ الصدقة هي الـمكفرة ذنب صاحبها دون الـمتصدّق علـيه فـي سائر الصدقات غير هذه، فـالواجب أن يكون سبـيـل هذه سبـيـل غيرها من الصدقات.

فإن ظنّ ظانّ أن القصاص إذ كان يكفر ذنب صاحبه الـمقتصّ منه الذي أتاه فـي قتل من قتله ظلـماً، كقول النبـيّ صلى الله عليه وسلم إذا أخذ البـيعة علـى أصحابه: " أنْ لا تَقْتُلُوا وَلا تَزْنُوا وَلا تَسْرِقوا " ثم قال: " فَمَنْ فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً فَأُقِـيـمَ عَلَـيْهِ حَدُّهُ، فَهُوَ كَفَّـارَتُه " فـالواجب أن يكون عفو العافـي الـمـجنـي علـيه أو ولـيّ الـمقتول عنه نظيره فى أن ذلك له كفارة فان ذلك لو وجب أن يكون كذلك لوجب أن يكون عفو المقذوف عن قاذفه بالزنا وتركه أخذه بالواجب له من الحد وقد قذفه قاذفه وهو عفيف مسلم محصن كفـارة للقاذف من ذنبه الذي ركبه، ومعصيته التـي أتاها، وذلك ما لا نعلـم قائلاً من أهل العلـم يقوله.

اسامة محمد خيري
28-12-2016, 07:03
وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة: «وَلِـيَحْكُمَ أهْلُ الإنْـجيـلِ» بكسر اللام من «لـيحكم»، بـمعنى: كي يحكم أهل الإنـجيـل. وكأن معنى من قرأ ذلك كذلك: وآتـيناه الإنـجيـل فـيه هدى ونور، ومصدّقاً لـما بـين يديه من التوراة، وكي يحكم أهله بـما فـيه من حكم الله. والذي يتراءى فـي ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا الـمعنى، فبأيّ ذلك قرأ قارىء فمصيب فـيه الصواب وذلك أن الله تعالـى لـم ينزل كتابـاً علـى نبـيّ من أنبـيائه إلا لـيعمل بـما فـيه أهله الذين أمروا بـالعمل بـما فـيه، ولـم ينزله علـيهم إلا وقد أمرهم بـالعمل بـما فـيه، فللعمل بـما فـيه أنزله، وأمر بـالعمل بـما فـيه أهله. فكذلك الإنـجيـل، إذ كان من كتب الله التـي أنزلها علـى أنبـيائه، فللعمل بـما فـيه أنزله علـى عيسى، وأمر بـالعمل به أهله. فسواء قرىء علـى وجه الأمر بتسكين اللام أو قرىء علـى وجه الـخبر بكسرها لاتفـاق معنـيـيهما. وأما ما ذكر عن أبـيّ بن كعب من قراءته ذلك: «وأن احْكُمْ» علـى وجه الأمر، فذلك مـما لـم يصحّ به النقل عنه، ولو صحّ أيضاً لـم يكن فـي ذلك ما يوجب أن تكون القراءة بخلافه مـحظورة، إذ كان معناها صحيحاً، وكان الـمتقدمون من أئمة القرّاء قد قرءوا بها. وإذ كان الأمر فـي ذلك ما بـينا، فتأويـل الكلام إذا قرىء بكسر اللام من «لِـيحكم»: وآتـينا عيسى ابن مريـم الإنـجيـل، فـيه هدى ونور، ومصدّقاً لـما بـين يديه من التوراة وهدىً وموعظة للمتقين، وكي يحكم أهل الإنجيل بما أنزلنا فيه فبدلوا حكمه، وخالفوا، فضلوا بخلافهم إياه، إذ لم يحكموا بما أنزل الله فيه وخالفوا { فأولئك هم الفاسقون

اسامة محمد خيري
28-12-2016, 07:08
وقال آخرون: عنى بقوله: { مُصَدّقاً لِـمَا بـينَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ } نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ } مـحمد صلى الله عليه وسلم، مؤتـمن علـى القرآن.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { وَمُهَيْـمِناً عَلَـيْهِ } قال: مـحمد صلى الله عليه وسلم، مؤتـمن علـى القرآن.

فتأويـل الكلام علـى ما تأوله مـجاهد: وأنزلنا الكتاب مصدّقاً الكتب قبله إلـيك، مهيـمناً علـيه. فـيكون قوله «مصدّقاً» حالاً من الكتاب وبعضاً منه، ويكون التصديق من صفة الكتاب، والـمهيـمن حالاً من الكاف التـي فـي «إلـيك»، وهي كناية عن ذكر اسم النبـيّ صلى الله عليه وسلم، والهاء فـي قوله: { عَلَـيْهِ } عائدة علـى الكتاب.

وهذا التأويـل بعيد من الـمفهوم فـي كلام العرب، بل هو خطأ، وذلك أن الـمهيـمن عطف علـى الـمصدّق، فلا يكون إلا من صفة ما كان الـمصدّق صفة له، ولو كان معنى الكلام ما رُوي عن مـجاهد لقـيـل: وأنزلنا إلـيك الكتاب مصدّقاً لـما بـين يديه من الكتاب ومهيـمناً علـيه لأنه متقدّم من صفة الكاف التـي فـي «إلـيك»، ولـيس بعدها شيء يكون مهيـمناً علـيه عطفـاً علـيه، وإنـما عطف به علـى الـمصدّق، لأنه من صفة «الكتاب» الذي من صفته «الـمصدّق».

فإن ظنّ ظانّ أن الـمصدّق علـى قول مـجاهد وتأويـله هذا من صفة الكاف التـي فـي «إلـيك»، فإن قوله: { لِـمَا بـينَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ } يبطل أن يكون تأويـل ذلك كذلك، وأن يكون الـمصدّق من صفة الكاف التـي فـي «إلـيك»، لأن الهاء فـي قوله: { بـينَ يَدَيْهِ } كناية اسم غير الـمخاطب، وهو النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي قوله «إلـيك»، ولو كان الـمصدّق من صفة الكاف لكان الكلام: وأنزلنا إلـيك الكتاب مصدقاً لـما بـين يديك من الكتاب ومهيـمناً علـيه، فـيكون معنى الكلام حينئذٍ كذلك....

ملحوظة

قال ابن عطية


وقال مجاهد قوله تعالى: { ومهيمناً عليه } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم هو مؤتمن على القرآن.

قال القاضي أبو محمد: وغلط الطبري رحمه الله في هذه الألفاظ على مجاهد فإنه فسر تأويله على قراءة الناس " مهيمِناً " بكسر الميم الثانية فبعد التأويل ومجاهد رحمه الله إنما يقرأ هو وابن محيصن " ومهيمَناً " عليه بفتح الميم الثانية فهو بناء اسم المفعول. وهو حال من الكتاب معطوفة على قوله: { مصدقاً } وعلى هذا يتجه أن المؤتمن عليه هو محمد صلى الله عليه وسلم و { عليه } في موضع رفع على تقدير أنها مفعول لم يسم فاعله. هذا على قراءة مجاهد وكذلك مشى مكي رحمه الله، وتوغل في طريق الطبري في هذا الموضع قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد رحمه الله: " مهيمن " أصله " مويمن " بني من أمين، وأبدلت همزته هاء كما قالوا أرقت الماء وهرقته، قال الزجاج: وهذا حسن على طريق العربية، وهو موافق لما جاء في التفسير من أن معنى " مهيمن " مؤتمن، وحكى ابن قتيبة هذا الذي قال المبرد في بعض كتبه، فحكى النقاش أن ذلك بلغ ثعلباً فقال: إن ما قال ابن قتيبة رديء، وقال هذا باطل، والوثوب على القرآن شديد وهو ما سمع الحديث من قوي ولا ضعيف وإنما جمع الكتب، انتهى كلام ثعلب.

قال القاضي أبو محمد: ويقال من مهيمن هيمن الرجل على الشيء إذا حفظه وحاطه وصار قائماً عليه أميناً، ويحتمل أن يكون { مصدقاً ومهيمناً } حالين من الكاف في { إليك }. ولا يخص ذلك قراءة مجاهد وحده كما زعم مكي


نرجع للطبري

وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب قول من قال: معناه: لكلّ أهل ملة منكم أيها الأمـم جعلنا شرعة ومنهاجاً.

وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب لقوله: { وَلَوْ شاءَ اللّهُ لَـجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } ولو كان عنـي بقوله: { لِكُلَ جَعَلْنا مِنْكُمْ } أمة مـحمد وهم أمة واحدة، لـم يكن لقوله: { وَلَوْ شاءَ اللّهُ لَـجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } وقد فعل ذلك فجعلهم أمة واحدة معنى مفهوم، ولكن معنى ذلك علـى ما جرى به الـخطاب من الله لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم أنه ذكر ما كتب علـى بنـي إسرائيـل فـي التوراة، وتقدّم إلـيهم بـالعمل بـما فـيها. ثم ذكر أنه قـفـى بعيسى ابن مريـم علـى آثار الأنبـياء قبله، وأنزل علـيه الإنـجيـل، وأمر من بعثه إلـيه بـالعمل بـما فـيه. ثم ذكر نبـينا مـحمداً صلى الله عليه وسلم، وأخبره أنه أنزل إلـيه الكتاب مصدّقاً لـما بـين يديه من الكتاب، وأمره بـالعمل بـما فـيه والـحكم بـما أنزل إلـيه فـيه دون ما فـي سائر الكتب غيره وأعلـمه أنه قد جعل له ولأمته شريعة غير شرائع الأنبـياء والأمـم قبله الذين قصّ علـيه قصصهم، وإن كان دينه ودينهم فـي توحيد الله والإقرار بـما جاءهم به من عنده والانتهاء إلـى أمره ونهيه واحداً، فهم مختلفو الأحوال فـيـما شرع لكلّ واحد منهم، ولأمته فـيـما أحلّ لهم وحرم علـيهم.

وبنـحو الذي قلنا فـي الشرعة والـمنهاج من التأويـل قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا مسعر، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمّي، عن ابن عبـاس: { لِكُلَ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً } قال: سنة وسبـيلاً....

اسامة محمد خيري
29-12-2016, 05:13
اختلف القرّاء فـي قراءة قوله: { وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا } فقرأتها قرّاء أهل الـمدينة: «فَـيُصْبِحُوا علـى ما أسَرُّوا فـي أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ يَقُول الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الذينَ أقْسَمُوا بـاللّهِ» بغير واو.

وتأويـل الكلام علـى هذه القراءة: فـيصبح الـمنافقون إذا أتـى الله بـالفتـح أو أمر من عنده، علـى ما أسرّوا فـي أنفسهم نادمين، يقول الـمؤمنـين تعجبـاً منهم ومن نفـاقهم وكذبهم واجترائهم علـى الله فـي أيـمانهم الكاذبة بـالله: أهؤلاء الذين أقسموا لنا بـالله إنهم لـمعنا وهم كاذبون فـي أيـمانهم لنا وهذا الـمعنى قصد مـجاهد فـي تأويـله ذلك الذي:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد:
{ فَعَسَى اللّهُ أنْ يَأتِـيَ بـالفَتْـحِ أوْ أمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ }
حينئذٍ، يقول الذين آمنوا: أهؤلاء الذين أفسموا بـالله جهد إيـمانهم، إنهم لـمعكم، حبطت أعمالهم فأصحوا خاسرين.

وكذلك ذلك فـي مصاحف أهل الـمدينة بغير واو. وقرأ ذلك بعض البصريـين: { وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا } بـالواو، ونصب «يقول» عطفـاً به علـى «فعسى الله أن يأتـي بـالفتـح». وذكر قارىء ذلك أنه كان يقول: إنـما أريد بذلك: فعسى الله أن يأتـي بـالفتـح، وعسى يقول الذين آمنوا. ومـحال غير ذلك، لأنه لا يجوز أن يقال: وعسى الله أن يقول الذين آمنوا، وكان يقول: ذلك نـحو قولهم: أكلت خبزاً ولبناً، وكقول الشاعر:
ورأيْتِ زَوْجَكِ فـي الوَغَى مُتَقَلِّداً سَيْفـاً وَرُمـحَا
فتأويـل الكلام علـى هذه القراءة: فعسى الله أن يأتـي بـالفتـح الـمؤمنـين، أو أمر من عنده يديـلهم به علـى أهل الكفر من أعدائهم، فـيصبح الـمنافقون علـى ما أسرّوا فـي أنفسهم نادمين، وعسى أن يقول الذين آمنوا حينئذٍ: هؤلاء الذين أقسموا بـالله كذبـاً جهد أيـمانهم إنهم لـمعكم. وهي فـي مصاحف أهل العراق بـالواو: { وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا }. وقرأ ذلك قرّاء الكوفـيـين: { وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا } بـالواو ورفع يقول بـالاستقبـال والسلامة من الـجوازم والنواصب.

وتأويـل من قرأ ذلك كذلك: فـيصبحوا علـى ما أسرّوا فـي أنفسهم يندمون، ويقول الذين آمنوا فـيبتدىء «يقول» فـيرفعها. وقراءتنا التـي نـحن علـيها: { وَيَقُولُ } بإثبـات الواو فـي: «ويقول»، لأنها كذلك هي فـي مصاحفنا مصاحف أهل الشرق بـالواو، وبرفع «يقول» علـى الابتداء.

فتأويـل الكلام إذ كان القراءة عندنا علـى ما وصفنا: فـيصبحوا علـى ما أسرّوا فـي أنفسهم نادمين، ويقول الـمؤمنون: أهؤلاء الذين حلفوا لنا بـالله جهد أيـمانهم كذبـاً إنهم لـمعنا. يقول الله تعالـى ذكره مخبراً عن حالهم عنده بنفـاقهم وخبث أعمالهم: { حَبِطَتْ أعمالُهُمْ } يقول: ذهبت أعمالهم التـي عملوها فـي الدنـيا بـاطلاً لا ثواب لها ولا أجر، لأنهم عملوها علـى غير يقـين منهم بأنها علـيهم لله فرض واجب ولا علـى صحة إيـمان بـالله ورسوله، وإنـما كانوا يعملونها لـيدفعوا الـمؤمنـين بها عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم، فأحبط الله أجرها إذ لـم تكن له { فأصْبَحُوا خَاسِرينَ } يقول: فأصبح هؤلاء الـمنافقون عند مـجيء أمر الله بإدالة الـمؤمنـين علـى أهل الكفر قد وكسوا فـي شرائهم الدنـيا بـالآخرة، وخابت صفقتهم وهلكوا.

اسامة محمد خيري
29-12-2016, 05:19
حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحية، عن ابن عبـاس: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ... } الآية وعيد من الله أنه من ارتدّ منكم أنه سيستبدل خيراً منهم.

وأما علـى قول من قال: عنـي بذلك الأنصار، فإن تأويـله فـي ذلك نظير تأويـل من تأوله أنه عنـي به أبو بكر وأصحابه.

وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب، ما رُوي به الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم أهل الـيـمن قوم أبـي موسى الأشعري. ولولا الـخبر الذي رُوي فـي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالـخبر الذي روي عنه ما كان القول عندي فـي ذلك إلاَّ قول من قال: هم أبو بكر وأصحابه وذلك أنه لـم يقاتل قوماً كانوا أظهروا الإسلام علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ارتدّوا علـى أعقابهم كفـاراً، غير أبـي بكر ومن كان معه مـمن قاتل أهل الردة معه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنا تركنا القول فـي ذلك للـخبر الذي رُوي فـيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن كان صلى الله عليه وسلم معدن البـيان عن تأويـل ما أنزل الله من وحيه وآي كتابه.

اسامة محمد خيري
29-12-2016, 05:39
وأما قراءة القرّاء فبأحد الوجهين اللذين بدأت بذكرهما، وهو: «وَعَبدَ الطَّاغُوتَ» بنصب الطاغوت وإعمال «عَبَدَ» فـيه، وتوجيه «عبد» إلـى أنه فعل ماض من العبـادة. والآخر: «وعَبُدَ الطَّاغُوتِ» علـى مثال فَعُل، وخفض «الطاغوت» بإضافة «عبُد» إلـيه. فإذا كانت قراءة القرّاء بأحد هذين الوجهين دون غيرهما من الأوجه التـي هي أصحّ مخرجاً فـي العربـية منهما، فأولاهما بـالصواب من القراءة قراءة من قرأ ذلك: { وعَبَدَ الطَّاغُوتَ } بـمعنى: وجعل منهم القردة والـخنازير، ومن عبد الطاغوت لأنه ذكر أن ذلك فـي قراءة أبـيّ بن كعب وابن مسعود: «وَجَعَلَ مِنْهُمْ القِردَةَ والـخنازيرَ وَعَبَدُ والطَّاغُوتَ» بـمعنى: والذين عبدوا الطاغوت. ففـي ذلك دلـيـل واضح علـى صحة الـمعنى الذي ذكرنا من أنه مراد به: ومن عبد الطاغوت، وأن النصب بـالطاغوت أولـى علـى ما وصفت فـي القراءة لإعمال «عبد» فـيه، إذ كان الوجه الآخر غير مستفـيض فـي العرب ولا معروف فـي كلامها علـى أن أهل العربـية يستنكرون إعمال شيء فـي «مَنْ» و«الذي الـمضمرين مع «مِنْ» و«فـي» إذا كفت «مِنْ» أو «فـي» منهما، ويستقبحونه، حتـى كان بعضهم يحيـل ذلك ولا يجيزه. وكان الذي يحيـل ذلك يقرؤه: «وعَبُدَ الطاغوتِ»، فهو علـى قوله خطأ ولـحن غير جائز. وكان آخرون منهم يستـجيزونه علـى قبح، فـالواجب علـى قولهم أن تكون القراءة بذلك قبـيحة وهم مع استقبـاحهم ذلك فـي الكلام قد اختاروا القراءة بها، وإعمال وجعل فـي «مَنْ» وهي مـحذوفة مع «مِن» ولو كنا نستـجيز مخالفة الـجماعة فـي شيء مـما جاءت به مـجمعة علـيه، لاخترنا القراءة بغير هاتـين القراءتـين، غير أن ما جاء به الـمسلـمون مستفـيضاً، فهم لا يتناكرونه، فلا نستـجيز الـخروج منه إلـى غيره فلذلك لـم نستـجز القراءة بخلاف إحدى القراءتـين اللتـين ذكرنا أنهم لـم يعدوهما.

وإذ كانت القراءة عندنا ما ذكرنا، فتأويـل الآية: قل هل أنبئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله: من لعنه، وغضب علـيه، وجعل منهم القردة والـخنازير، ومن عبد الطاغوت. وقد بـينا معنى الطاغوت فـيـما مضى بشواهده من الروايات وغيرها، فأغنى ذلك عن إعادته ههنا.

اسامة محمد خيري
29-12-2016, 06:19
وإنْ لـم يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ } يقول: إن لـم ينتهوا قائلوا هذه الـمقالة عما يقولون من قولهم: الله ثالث ثلاثة، { لَـيَـمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ ألِـيـمٌ } يقول: لـيـمسنّ الذين يقولون هذه الـمقالة، والذين يقولون الـمقالة الأخرى هو الـمسيح ابن مريـم لأن الفريقـين كلاهما كفرة مشركون، فلذلك رجع فـي الوعيد بـالعذاب إلـى العموم. ولـم يقل: «لـيـمسنهم عذاب ألـيـم»، لأن ذلك لو قـيـل كذلك صار الوعيد من الله تعالـى ذكره خاصًّا لقائل القول الثانـي، وهم القائلون: الله ثالث ثلاثة، ولـم يدخـل فـيهم القائلون: الـمسيح هو الله. فعمّ بـالوعيد تعالـى ذكره كل كافر، لـيعلـم الـمخاطبون بهذه الآيات أن وعيد الله وقد شمل كلا الفريقـين من بـين إسرائيـل ومن كان من الكفـار علـى مثل الذي هم علـيه.

فإن قال قائل: وإن كان الأمر علـى ما وصفت فعلـى من عادت الهاء والـميـم اللتان فـي قوله: «مِنْهُمْ»؟ قـيـل: علـى بنـي إسرائيـل.

فتأويـل الكلام إذ ان الأمر علـى ما وصفنا: وإن لـم ينته هؤلاء الإسرائيـلـيون عما يقولون فـي الله من عظيـم القول، لـيـمسنَّ الذين يقولون منهم إن الـمسيح هو الله والذين يقولون إن الله ثالث ثلاثة وكلّ كافر سلك سبـيـلهم عذابٌ ألـيـم بكفرهم بـالله.

اسامة محمد خيري
30-12-2016, 04:20
وقال آخرون: بل هذه صفة قوم كانوا علـى شريعة عيسى من أهل الإيـمان فلـما بعث الله تعالـى ذكره نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم آمنوا به. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَلَتَـجِدَنَّ أقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً للَّذِينَ آمَنُوا } ، فقرأ حتـى بلغ:
{ فـاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ }
أناس من أهل الكتاب كانوا علـى شريعة من الـحقّ مـما جاء به عيسى، ويؤمنون به وينتهون إلـيه فلـما بعث الله نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم صدّقوا به وآمنوا، وعرفوا الذي جاء به أنه الـحقّ، فأثنى علـيهم ما تسمعون.

والصواب فـي ذلك من القول عندي أن الله تعالـى وصف صفة قوم قالوا: إنا نصارى، أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم يجدهم أقرب الناس وداداً لأهل الإيـمان بـالله ورسوله، ولـم يسمّ لنا أسماءهم.

وقد يجوز أن يكون أريد بذلك أصحاب النـجاشيّ، ويجوز أن يكون أريد به قوم كانوا علـى شريعة عيسى فأدركهم الإسلام فأسلـموا لـما سمعوا القرآن وعرفوا أنه الـحقّ، ولـم يستكبروا عنه.

....

والصواب فـي ذلك من القول عندنا أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أخبر عن النفر الذين أثنى علـيهم من النصارى بقرب مودتهم لأهل الإيـمان بـالله ورسوله، أن ذلك إنـما كان منهم لأن منهم أهل اجتهاد فـي العبـادة وترهيب فـي الديارات والصوامع، وأن منهم علـماء بكتبهم وأهل تلاوة لها، فهم لا يبعدون من الـمؤمنـين لتواضعهم للـحقّ إذا عرفوه، ولا يستكبرون عن قبوله إذا تبـينوه لأنهم أهل دين واجتهاد فـيه ونصيحة لأنفسهم فـي ذات الله، ولـيسوا كالـيهود الذين قد دَرِبُوا بقتل الأنبـياء والرسل ومعاندة الله فـي أمره ونهيه وتـحريف تنزيـله الذي أنزله فـي كتبه.

اسامة محمد خيري
30-12-2016, 05:30
واختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـحجاز وبعض البصريـين: { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِـمَا عَقَّدْتُـمُ الأَيْـمَانَ } بتشديد القاف، بـمعنى: وكدتـم الأيـمان وردّدتـموها وقرّاء الكوفـيـين: «بِـمَا عَقَدْتُـمُ الأَيـمَانَ» بتـخفـيف القاف، بـمعنى: أوجبتـموها علـى أنفسكم، وعزمت علـيها قلوبكم.

وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك قراءة من قرأ بتـخفـيف القاف، وذلك أن العرب لا تكاد تستعمل فعلت فـي الكلام، إلا فـيـما يكون فـيه تردّد مرّة بعد مرّة، مثل قولهم: شدّدت علـى فلان فـي كذا إذا كرّر علـيه الشدّ مرّة بعد أخرى، فإذا أرادوا الـخبر عن فعل مرّة واحدة قـيـل: شَدَّدت علـيه بـالتـخفـيف. وقد أجمع الـجميع لا خلاف بـينهم أن الـيـمين التـي تـجب بـالـحنث فـيها الكفـارة تلزم بـالـحنث فـي حلف مرّة واحدة وإن لـم يكرّرها الـحالف مرّات، وكان معلوماً بذلك أن الله مؤاخذ الـحالف العاقد قلبه علـى حلفه وإن لـم يكرّره ولـم يردّده وإذا كان ذلك كذلك لـم يكن لتشديد القاف من عقَّدتـم وجه مفهوم. فتأويـل الكلام إذن: لا يؤاخذكم الله أيها الـمؤمنون من أيـمانكم بـما لغوتـم فـيه، ولكن يؤاخذكم بـما أوجبتـموه علـى أنفسكم منها وعقدت علـيه قلوبكم. وقد بـينا الـيـمين التـي هي لغو والتـي الله مؤاخذ العبد بها، والتـي فـيها الـحنث والتـي لا حنث فـيها، فـيـما مضى من كتابنا هذا فكرهنا إعادة ذلك فـي هذا الـموضع....

والذي هو أولـى عندي بـالصواب فـي ذلك، أن تكون الهاء فـي قوله: { فَكَفَّـارَتُهُ } عائدة علـى «ما» التـي فـي قوله: { بِـمَا عَقّدْتُـمُ الأَيـمَانَ } لـما قدّمنا فـيـما مضى قبل أن من لزمته فـي يـمينه كفـارة وأوخذ بها، غير جائز أن يقال لـمن قد أوخذ: لا يؤاخذه الله بـاللغو وفـي قوله تعالـى: { لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بـاللَّغْوِ فِـي أيـمانِكُمْ } دلـيـل واضح أنه لا يكون مؤاخذ بوجه من الوجوه من أخبرنا تعالـى ذكره أنه غير مؤاخذ....

وأولـى الأقوال فـي تأويـل قوله: { مِنْ أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِـيكُمْ } عندنا قول من قال: من أوسط ما تطعمون أهلـيكم فـي القلة والكثرة. وذلك أن أحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي الكفَّـارات كلها بذلك وردت، وذلك كحكمه صلى الله عليه وسلم فـي كفَّـارة الحلق من الأذى بفرق من طعام بين ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع كحكمه صلى الله عليه وسلم في كفارة الوطء فـي شهر رمضان بخمسة عشر صاعاً بـين ستـين مسكيناً لكلّ مسكين ربع صاع. ولا يعرف له صلى الله عليه وسلم شيء من الكفـارات أمر بإطعام خبز وإدام ولا بغَداء وعَشاء.

فإذا كان ذلك كذلك، وكانت كفـارة الـيـمين إحدى الكفـارات التـي تلزم من لزمته، كان سبـيـلها سبـيـل ما تولـى الـحكم فـيه صلى الله عليه وسلم من أن الواجب علـى مكفِّرها من الطعام مقدار للـمساكين العشرة، مـحدود بكيـل دون جمعهم علـى غداء أو عشاء مخبوز مأدوم، إذ كانت سنته صلى الله عليه وسلم فـي سائر الكفـارات كذلك. فإذ كان صحيحاً ما قلنا مـما به استشهدنا، فبـيِّن أن تأويـل الكلام: ولكن يؤاخذكم بـما عقدتـم الأيـمان، فكفـارته إطعام عشرة مساكين من أعدل إطعامكم أهلـيكم، وأن «ما» التـي فـي قوله: { مِنْ أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِـيكُمْ } بـمعنى الـمصدر، لا بـمعنى الأسماء. وإذا كان ذلك كذلك، فأعدل أقوات الـموسع علـى أهله مدّان، وذلك نصف صاع فـي ربعه إدامه، وذلك أعلـى ما حكم به النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي كفـارة فـي إطعام مساكين، وأعدل أقوات الـمقتر علـى أهله مدّ وذلك ربع صاع، وهو أدنى ما حكم به فـي كفـارة فـي إطعام مساكين. وأما الذين رأوا إطعام الـمساكين فـي كفـارة الـيـمين الـخبز واللـحم وما ذكرنا عنهم قبل، والذين رأوا أن يغدّوا أو يعشوا، فإنهم ذهبوا إلـى تأويـل قوله: { مِنْ أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِـيكُمْ }: من أوسط الطعام الذي تطعمونه أهلـيكم، فجعلوا «ما» التـي فـي قوله: { مِنْ أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِـيكُمْ } اسماً لا مصدراً، فأوجبوا علـى المكفِّر إطعام الـمساكين من أعدل ما يطعم أهله من الأغذية. وذلك مذهب لولا ما ذكرنا من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي الكفـارات غيرها التـي يجب إلـحاق أشكالها بها، وإن كفـارة الـيـمين لها نظيرة وشبـيهة يجب إلـحاقها بها.

..

وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصحة وأشبهها بتأويـل القرآن قول من قال: عنى بقوله: { أوْ كِسْوَتُهُمْ }: ما وقع علـيه إسم كسوة مـما يكون ثوبـاً فصاعداً، لأن ما دون الثوب لا خلاف بـين جميع الـحجة أنه لـيس مـما دخـل فـي حكم الآية، فكان ما دون قدر ذلك خارجاً من أن يكون الله تعالـى عناه بـالنقل الـمستفـيض، والثوب وما فوقه داخـل فـي حكم الآية، إذ لـم يأت من الله تعالـى وحي ولا من رسوله صلى الله عليه وسلم خبر ولـم يكن من الأمة إجماع بأنه غير داخـل فـي حكمها، وغير جائز إخراج ما كان ظاهر الآية مـحتـمله من حكم الآية إلاَّ بحجة يجب التسلـيـم لها، ولا حجة بذلك...

والصواب من القول فـي ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالـى عمّ بذكر الرقبة كلّ رقبة، فأيّ رقبة حرّرها الـمكفر يـمينه فـي كفَّـارته فقد أدّى ما كلف، إلاَّ ما ذكرنا أن الـحجة مـجمعة علـى أن الله تعالـى لـم يعنه بـالتـحرير، فذلك خارج من حكم الآية، وما عدا ذلك فجائز تـحريره فـي الكفـارة بظاهر التنزيـل. والـمكفِّر مخير فـي تكفـير يـمينه التـي حنث فـيها بإحدى هذه الـحالات الثلاث التـي سماها الله فـي كتابه، وذلك: إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم أهله، أو كسوتهم، أو تـحرير رقبة، بإجماع من الـجميع لا خلاف بـينهم فـي ذلك...

والصواب من القول فـي ذلك عندنا، أن من لـم يكن عنده فـي حال حنثه فـي يـمينه إلاَّ قدر قوته وقوت عياله يومه ولـيـلته لا فضل له عن ذلك، يصوم ثلاثة أيام، وهو مـمن دخـل فـي جملة من لا يجد ما يطعم أو يكسو أو يعتق. وإن كان عنده فـي ذلك الوقت من الفضل عن قوته وقوت عياله يومه ولـيـلته ما يطعم أو يكسو عشرة مساكين أو يُعتق رقبة، فلا يجزيه حينئذٍ الصوم لأن إحدى الـحالات الثلاث حينئذٍ من إطعام أو كسوة أو عتق حقّ قد أوجبه الله تعالـى فـي ماله وجوب الدين، وقد قامت الـحجة بأن الـمفلس إذا فرقّ ماله بـين غرمائه أنه لا يترك ذلك الـيوم إلاَّ ما لا بدّ له من قوته وقوت عياله يومه ولـيـلته، فكذلك حكم الـمعدم بـالدين الذي أوجبه الله تعالـى فـي ماله بسبب الكفَّـارة التـي لزمت ماله...

والصواب من القول فـي ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالـى أوجب علـى من لزمته كفـارة يـمين إذا لـم يجد إلـى تكفـيرها بـالإطعام أو الكسوة أو العتق سبـيلاً، أن يكفِّرها بصيام ثلاثة أيام، ولـم يشرط فـي ذلك متتابعة، فكيفما صامهنّ الـمكفِّر مفرّقة ومتتابعة أجزأه لأن الله تعالـى إنـما أوجب علـيه صيام ثلاثة أيام، فكيفما أتـى بصومهنّ أجزأ...

اسامة محمد خيري
30-12-2016, 05:56
يقول تعالـى ذكره للقوم الذين قالوا إذ أنزل الله تـحريـم الـخمر بقوله:
{ إنَّـمَا الـخَمْرُ وَالـمَيْسِر والأنْصَابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فـاجْتَنِبُوهُ }
كيف بـمن هلك من إخواننا وهمُ يشربونها وبنا وقد كنا نشربها: { لَـيْسَ علـى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِـحاتِ } منكم حرج فـيـما شربوا من ذلك فـي الـحال التـي لـم يكن الله تعالـى حرّمه علـيهم، { إذَا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِـحاتِ } يقول: إذا ما اتقـى الله الأحياء منهم، فخافوه وراقبوه فـي اجتنابهم ما حرّم علـيهم منه وصدّقوا الله ورسوله فـيـما أمراهم ونهاهم، فأطاعوهما فـي ذلك كله. { وعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ } يقول: واكتسبوا من الأعمال ما يرضاه الله فـي ذلك مـما كلفهم بذلك ربهم. { ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا } يقول: ثم خافوا الله وراقبوه بـاجتنابهم مـحارمه بعد ذلك التكلـيف أيضاً، فثبتوا علـى اتقاء الله فـي ذلك والإيـمان به، ولـم يغيروا ولـم يبدّلو. { ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا } يقول: ثم خافوا الله، فدعاهم خوفهم الله إلـى الإحسان. وذلك الإحسان هو العمل بـما لـم يفرضه علـيهم من الأعمال، ولكنه نوافل تقرّبوا بها إلـى ربهم طلب رضاه وهربـاً من عقابه. { وَاللّهُ يُحِبُّ الـمُـحْسِنِـينَ } يقول: والله يحبّ الـمتقرّبـين إلـيه بنوافل الأعمال التـي يرضاها. فـالاتقاء الأوّل: هو الاتقاء بتلقـي أمر الله بـالقبول والتصديق والدينونة به والعمل والاتقاء الثانـي: الاتقاء بـالثبـات علـى التصديق وترك التبديـل والتغيـير والاتقاء الثالث: هو الاتقاء بـالإحسان والتقرب بنوافل الأعمال.

فإن قال قائل: ما الدلـيـل علـى أن الاتقاء الثالث هو الاتقاء بـالنوافل دون أن يكون ذلك بـالفرائض؟ قـيـل: إنه تعالـى ذكره قد أخبر عن وضعه الـجناح عن شاربـي الـخمر التـي شربوها قبل تـحريـمه إياها إذا هم اتقوا الله فـي شربها بعد تـحريـمها وصدّقوا الله ورسوله فـي تـحريـمها وعملوا الصالـحات من الفرائض. ولا وجه لتكرير ذلك، وقد مضى ذكره فـي آية واحدة.

اسامة محمد خيري
30-12-2016, 06:15
والصواب من القول فـي ذلك عندنا، أن يقال: إن الله تعالـى حرّم قتل صيد البرّ علـى كل مـحرم فـي حال إحرامه ما دام حراماً، بقوله: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ } ثم بـين حكم من قتل ما قتل من ذلك فـي حال إحرامه متعمداً لقتله، ولـم يخصص به الـمتعمد قتله فـي حال نسيانه إحرامه، ولا الـمخطىء فـي قتله فـي حال ذكره إحرامه، بل عمّ فـي التنزيـل بإيجاب الجزاء كلّ قاتل صيد فـي حال إحرامه متعمداً. وغير جائز إحالة ظاهر التنزيـل إلـى بـاطن من التأويـل لا دلالة علـيه من نصّ كتاب ولا خبر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إجماع من الأمة ولا دلالة من بعض هذه الوجوه. فإذ كان ذلك كذلك، فسواء كان قاتل الصيد من الـمـحرمين عامداً قتله ذاكراً لإحرامه، أو عامداً قتله ناسياً لإحرامه، أو قاصداً غيره فقتله ذاكراً لإحرامه، فـي أنَّ علـى جميعهم من الـجزاء ما قال ربنا تعالـى وهو: { مثل ما قتل من النَّعَم يحكم بِهِ ذوا عدل } من الـمسلـمين { أو كفَّـارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً } وهذا قول عطاء والزهري الذي ذكرناه عنهما، دون القول الذي قاله مـجاهد....

وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة وبعض البصريـين: " فَجَزَاءُ مِثْلِ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَم " بإضافة الـجزاء إلـى الـمثل وخفض الـمثل. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين: { فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ } بتنوين «الـجزاء» ورفع «الـمثل» بتأويـل: فعلـيه جزاء مثل ما قتل.

وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأ: { فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ } بتنوين «الـجزاء» ورفع «الـمثل»، لأن الـجزاء هو الـمثل، فلا وجه لإضافة الشيء إلـى نفسه. وأحسب أن الذين قرءوا ذلك بـالإضافة، رأوا أن الواجب علـى قاتل الصيد أن يجزى مثله من الصيد بـمثل من النعم ولـيس كذلك كالذي ذهبوا إلـيه، بل الواجب علـى قاتله أن يجزى الـمقتول نظيره من النعم. وإذ كان ذلك كذلك، فـالـمثل هو الـجزاء الذي أوجبه الله تعالـى علـى قاتل الصيد، ولن يضاف الشيء إلـى نفسه، ولذلك لـم يقرأ ذلك قارىء علـمناه بـالتنوين ونصب الـمثل. ولو كان الـمثل غير الـجزاء لـجاز فـي الـمثل النصب إذا نون الـجزاء، كما نصب الـيتـيـم إذ كان غير الإطعام فـي قوله:
{ أوْ إطْعامٌ فِـي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِـيـماً ذَا مَقْرَبَةٍ }
وكما نصب الأموات والأحياء ونون الكفـات فـي قوله: { ألَـمْ نَـجْعَلِ الأرْضَ كِفـاتاً أحْياءً وأمْوَاتاً } إذ كان الكفـات غير الأحياء والأموات. وكذلك الـجزاء، لو كان غير الـمثل لاتسعت القراءة فـي الـمثل بـالنصب إذا نوّن الـجزاء، ولكن ذلك ضاق فلـم يقرأه أحد بتنوين الـجزاء ونصب الـمثل، إذ كان الـمثل هو الـجزاء، وكان معنى الكلام: ومن قتله منكم متعمداً، فعلـيه جزاء هو مثل ما قتل من النعم....

واختلف القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة: { أوْ كَفَّـارَةٌ طعَامِ مسَاكِينَ } بـالإضافة.

وأما قرّاء أهل العراق، فإن عامتهم قرءوا ذلك بتنوين الكفَّـارة ورفع الطعام: { أوْ كَفَّـارةٌ طعَامُ مسَاكِينَ }.

وأولـى القراءتـين فـي ذلك عندنا بـالصواب، قراءة من قرأ بتنوين الكفـارة ورفع الطعام، للعلة التـي ذكرناها فـي قوله: { فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ }....

وأولـى الأقوال بـالصواب عندي فـي قوله الله تعالـى: { فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } أن يكون مراداً به: فعلـى قاتله متعمداً مثل الذي قتل من النعم، لا القـيـمة إن اختار أن يجزيه بـالـمثل من النعم وذلك أن القـيـمة إنـما هي من الدنانـير أو الدراهم أو الدنانـير لـيست للصيد بـمثل، والله تعالـى إنـما أوجب الـجزاء مثلاً من النعم.

وأولـى الأقوال بـالصواب عندي فـي قوله: { أوْ كَفَّـارَةٌ طعَامُ مسَاكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِياماً }: أن يكون تـخيـيراً، وأن يكون للقاتل الـخيار فـي تكفـيره بقتله الصيد وهو مـحرم بأيّ هذه الكفـارات الثلاث شاء، لأن الله تعالـى جعل ما أوجب فـي قتل الصيد من الـجزاء والكفـارة عقوبة لفعله، وتكفـيراً لذنبه فـي إتلافه ما أتلف من الصيد الذي كان حراماً علـيه إتلافه فـي حال إحرامه، وقد كان حلالاً له قبل حال إحرامه، كما جعل الفدية من صيام أو صدقة أو نسك فـي حلق الشعر الذي حلقه الـمـحرم فـي حال إحرامه، وقد كان له حلقه قبل حال إحرامه، ثم منع من حلقه فـي حال إحرامه نظير الصيد، ثم جعل علـيه إن حلقه جزاء من حلقه إياه، فأجمع الـجميع علـى أنه فـي حلقه إياه إذا حلقه من إيذائه مخير فـي تكفـيره، فعلـيه ذلك بأيّ الكفـارات الثلاث شاء، فمثله إن شاء الله قاتل الصيد من الـمـحرمين، وأنه مخير فـي تكفـيره قتله الصيد بأيّ الكفـارات الثلاث شاء، لا فرق بـين ذلك.
...

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب عندنا، قول من قال: معناه: ومن عاد فـي الإسلام لقتله بعد نهي الله تعالـى عنه، فـينتقم الله منه، وعلـيه مع ذلك الكفَّـارة، لأن الله عز وجلٍ إذ أخبر أنه ينتقم منه لـم يخبرنا، وقد أوجب علـيه فـي قتله الصيد عمداً ما أوجب من الـجزاء أو الكفَّـارة بقوله: { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } أنه قد أزال عنه الكفَّـارة فـي الـمرّة الثانـية والثالثة، بل أعلـم عبـاده ما أوجب من الـحكم علـى قاتل الصيد من الـمـحرمين عمداً، ثم أخبر أنه منتقم مـمن عاد، ولـم يقل: ولا كفَّـارة علـيه فـي الدنـيا.

فإن ظنّ ظانّ أن الكفَّـارة مزيـلة للعقاب، ولو كانت الكفَّـارة لازمة له فـي الدنـيا لبطل العقاب فـي الآخرة، فقد ظنّ خطأ. وذلك أن الله عزّ وجلّ أن يخالف بـين عقوبـات معاصيه بـما شاء، وأحبّ فـيزيد فـي عقوبته علـى بعض معاصيه مـما ينقص من بعض، وينقص من بعض مـما يزيد فـي بعض، كالذي فعل من ذلك فـي مخالفته بـين عقوبته الزانـي البكر والزانـي الثـيب الـمـحصن، وبـين سارق ربع دينار وبـين سارق أقلّ من ذلك فكذلك خالف بـين عقوبته قاتل الصيد من الـمـحرمين عمداً ابتداء وبـين عقوبته عوداً بعد بدء، فأوجب علـى البـاديء الـمثل من النعم، أو الكفَّـارة بـالإطعام، أو العدل من الصيام، وجعل ذلك عقوبة جرمه بقوله: { لِـيذُوقَ وَبـالَ أمْرِهِ } وجعل علـى العائد بعد البدء، وزاده من عقوبته ما أخبر عبـاده أنه فـاعل من الانتقام تغلـيظاً منه للعود بعد البدء. ولو كانت عقوبـاته علـى الأشياء متفقة، لوجب أن لا يكون حدّ فـي شيء مخالفـاً حدّاً فـي غيره، ولا عقاب فـي الآخرة أغلظ من عقاب، وذلك خلاف ما جاء به مـحكم الفرقان. وقد زعم بعض الزاعمين أن معنى ذلك: ومن عاد فـي الإسلام بعد نهي الله عن قتله لقتله بـالـمعنى الذي كان القوم يقتلونه فـي جاهلـيتهم، فعفـا لهم عنه عند تـحريـم قتله علـيهم، وذلك قتله علـى استـحلال قتله.

قال: فأما إذا قتله علـى غير ذلك الوجه، وذلك أن يقتله علـى وجه الفسوق لا علـى وجه الإستـحلال، فعلـيه الـجزاء والكفَّـارة كلـما عاد. وهذا قول لا نعلـم قائلاً قاله من أهل التأويـل، وكفـي خطأ بقوله خروجه عن أقوال أهل العلـم لو لـم يكن علـى خطئه دلالة سواه، فكيف وظاهر التنزيـل ينبىء عن فساده؟ وذلك أن الله عمّ بقوله: { وَمَنْ عادَ فَـيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ } كل عائد لقتل الصيد بـالـمعنى الذي تقدم النهي منه به فـي أوّل الآية، ولـم يخصّ به عائداً منهم دون عائد، فمن ادّعى فـي التنزيـل ما لـيس فـي ظاهره كلف البرهان علـى دعواه من الوجه الذي يجب التسلـيـم له.

وأما من زعم أن معنى ذلك: ومن عاد فـي قتله متعمداً بعد بدء لقتل تقدّم منه فـي حال إحرامه فـينتقم الله منه، فإن معنى قوله: { عَفـا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ } إنـما هو: عفـا عما سلف من ذنبه بقتله الصيد بدءاً، فإن فـي قول الله تعالـى: { لِـيَذُوقَ وَبـالَ أمْرِهِ } دلـيلاً واضحاً علـى أن القول فـي ذلك غير ما قال لأن العفو عن الـجرم ترك الـمؤاخذة به، ومن أذيق وبـال جرمه فقد عوقب به، وغير جائز أن يقال لـمن عوقب قد عفـي عنه، وخبر الله أصدق من أن يقع فـيه تناقض.

فإن قال قائل: وما ينكر أن يكون قاتل الصيد من الـمـحرمين فـي أوّل مرّة قد أذيق وبـال أمره بـما ألزم من الـجزاء والكفَّـارة، وعفـى له من العقوبة بأكثر من ذلك مـما كان لله عزّ وجلّ أن يعاقبه به؟ قـيـل له: فإن كان ذلك جائزاً أن يكون تأويـل الآية عندك وإن كان مخالفـاً لقول أهل التأويـل، فما ينكر أن يكون الانتقام الذي أوعده الله علـى العود بعد البدء، هو تلك الزيادة التـي عفـاها عنه فـي أوّل مرّة مـما كان له فعله به مع الذي أذاقه من وبـال أمره، فـيذيقه فـي عوده بعد البدء وبـال أمره الذي أذاقه الـمرّة الأولـى، ويترك عفوه عما عفـا عنه فـي البدء، فـيؤاخذه به؟ فلـم يقل فـي ذلك شيئاً إلا ألزم فـي الآخر مثله.

اسامة محمد خيري
30-12-2016, 06:42
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن حريث، عن عكرمة: { وَطَعامُهُ مَتاعا لَكُمْ } قال: ما جاء به البحر بوجه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن، عن حسن بن صالـح، عن لـيث، عن مـجاهد، قال: طعامه: كلّ ما صيد منه.

وأولـى هذه الأقوال بـالصواب عندنا، قول من قال: طعامه: ما قذفه البحر أو حسر عنه فوجد ميتاً علـى ساحله. وذلك أن الله تعالـى ذكر قبله صيد الذي يصاد، فقال: { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ } فـالذي يجب أن يعطف علـيه فـي الـمفهوم ما لـم يصد منه، فقال: أحلّ لكم صيدُ ما صدتـموه من البحر وما لـم تصيدوه منه. وأما الـملـيح، فإنه ما كان منه ملِّـح بعد الاصطياد، فقد دخـل فـي جملة قوله: { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ } فلا وجه لتكريره، إذ لا فـائدة فـيه.

وقد أعلـم عبـاده تعالـى إحلاله ما صيد من البحر بقوله { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ } فلا فـائدة أن يقال لهم بعد ذلك: وملـيحه الذي صيد حلال لكم، لأن ما صيد منه فقد بـين تـحلـيـله طرياً كان أو ملـيحاً بقوله: { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ } والله يتعالـى عن أن يخاطب عبـاده بـما لا يفـيدهم به فـائدة.

وقد رُوِي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنـحو الذي قلنا خبر، وإن كان بعض نقلته يقـف به علـى ناقله عنه من الصحابة، وذلك ما:

حدثنا به هناد بن السريّ، قال: ثنا عبدة بن سلـيـمان، عن مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو سلـمة، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ } قال: " طَعَامُهُ: ما لَفَظَهُ مَيْتاً فَهُوَ طَعَامُهُ ". وقد وقـف هذا الـحديث بعضهم علـى أبـي هريرة...

والصواب فـي ذلك من القول عندنا أن يقال: إن الله تعالـى عمّ تـحريـم كلّ معانـي صيد البرّ علـى الـمـحرم فـي حال إحرامه من غير أن يخصّ من ذلك شيئاً دون شيء، فكل معانـي الصيد حرام علـى الـمـحرم ما دام حراماً بـيعه وشراؤه واصطياده وقتله وغير ذلك من معانـيه، إلاَّ أن يجده مذبوحاً قد ذبحه حلال لـحلال، فـيحلّ له حينئذٍ أكله، للثابت من الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي:

حدثناه يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج. وحدثنـي عبد الله بن أبـي زياد، قال: ثنا مكي بن إبراهيـم، قال: ثنا عبد الـملك بن جريج، قال: أخبرنـي مـحمد بن الـمنكدر، عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان، عن أبـيه عبد الرحمن بن عثمان، قال: كنا مع طلـحة بن عبـيد الله ونـحن حُرُم، فأهدي لنا طائر، فمنا من أكل ومنا من تورّع فلـم يأكل.

فلـما استـيقظ طلـحة وافق من أكل، وقال: أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإن قال قائل: فما أنت قائل فـيـما رُوي عن الصعب بن جثامة: أنه أَهْدَى إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم رِجْلَ حمار وحش يقطر دماً، فردّه فقال: " إنَّا حُرُمٌ ". وفـيـما رُوِي عن عائشة: " أن وشيقة ظبـي أهديت إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مـحرم، فردّها " وما أشبه ذلك من الأخبـار؟ قـيـل: إنه لـيس فـي واحد من هذه الأخبـار التـي جاءت بهذا الـمعنى بـيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردّ من ذلك ما ردّ وقد ذبحه الذابح إذ ذبحه، وهو حلال لـحلال، ثم أهداه إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حرام فردّه وقال: إنه لا يحلّ لنا لأنا حرم وإنـما ذكر فـيه أنه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم لـحم صيد فردّه، وقد يجوز أن يكون ردّه ذلك من أجل أن ذابحه ذبحه أو صائده صاده من أجله صلى الله عليه وسلم وهو مـحرم، وقد بـين خبر جابر عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم بقوله: " لَـحْمُ صَيْدِ البَرِّ للـمُـحْرِمِ حَلاَلٌ، إلاَّ ما صَادَهُ أوْ صِيدَ لَهُ ". معنى ذلك كله. فإذْ كان كلا الـخبرين صحيحاً مخرجهما، فواجب التصديق بهما وتوجيه كل واحد منهما إلـى الصحيح من وجه، وأن يقال ردّه ما ردّ من ذلك من أجل أنه كان صيد من أجله، وإذنه فـي كل ما أذن فـي أكله منه من أجل أنه لـم يكن صيد لـمـحرم ولا صاده مـحرم، فـيصحّ معنى الـخبرين كلـيهما....

اسامة محمد خيري
30-12-2016, 07:00
{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ }

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن عكرمة عن الأعمش، قال: هو الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أبـي؟. وقال سعيد بن جبـير: هم الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة.

وأولـى الأقوال بـالصواب فـي ذلك قول من قال: نزلت هذه الآية من أجل إكثار السائلـين رسول الله صلى الله عليه وسلم الـمسائل، كمسئلة ابن حذافة إياه من أبوه، ومسئلة سائله إذ قال: " إنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَـيْكُمْ الـحَجَّ " أفـي كلّ عام؟ وما أشبه ذلك من الـمسائل، لتظاهر الأخبـار بذلك عن الصحابة والتابعين وعامة أهل التأويـل، وأما القول الذي رواه مـجاهد عن ابن عبـاس، فقول غير بعيد من الصواب، ولكن الأخبـار الـمتظاهرة عن الصحابة والتابعين بخلافه، وكرهنا القول به من أجل ذلك. علـى أنه غير مستنكر أن تكون الـمسألة عن البحيرة والسائبة والوصيـلة والـحام كانت فـيـما سألوا النبـي صلى الله عليه وسلم عنه من الـمسائل التـي كره الله لهم السؤال عنها، كما كره الله لهم الـمسألة عن الـحجّ، أكلّ عام هو أم عاماً واحداً؟ وكما كره لعبد الله بن حذافة مسألته عن أبـيه، فنزلت الآية بـالنهي عن الـمسائل كلّها، فأخبر كلّ مخبر منهم ببعض ما نزلت الآية من أجله وأجل غيره. وهذا القول أولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصحة، لأن مخارج الأخبـار بجميع الـمعانـي التـي ذُكرت صحاح، فتوجيهها إلـى الصواب من وجودها أوْلـى.
...

وأما قوله: { عَفـا اللَّهُ عَنْها } فإنه يعنـي به: عفـا الله لكم عن مسألتكم عن الأشياء التـي سألتـم عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كره الله لكم مسألتكم إياه عنها، أن يؤاخذكم بها، أو يعاقبكم علـيها، إن عرف منها توبتكم وإنابتكم. { وَاللَّهُ غَفُورٌ } يقول: والله ساتر ذنوب من تاب منها، فتارك أن يفضحه فـي الآخرة { حَلِـيـمٌ } أن يعاقبه بها لتغمده التائب منها برحمته وعفوه، عن عقوبته علـيها.

اسامة محمد خيري
30-12-2016, 07:16
وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب أن يقال: إن الـمعنـيـين بقوله: { وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ علـى اللَّهِ الكَذِبَ } الذين بحروا البحائر، وسيبوا السوائب، ووصلوا الوصائل، وحموا الـحوامي مثل عمرو بن لـحي وأشكاله، مـمن سنوا لأهل الشرك السنن الرديئة وغيروا دين الله دين الـحقّ وأضافوا إلـى الله تعالـى أنه هو الذي حرّم ما حرّموا وأحلّ ما أحلوا، افتراء علـى الله الكذب وهم يعلـمون، واختلافاً علـيه الإفك وهم يعمهون. فكذّبهم الله تعالـى فـي قـيـلهم ذلك، وإضافتهم إلـيه ما أضافوا من تـحلـيـل ما أحلوا وتـحريـم ما حرموا، فقال تعالـى ذكره: ما جعلت من بحيرة ولا سائبة، ولكن الكفـار هم الذين يفعلون ذلك ويفترون علـى الله الكذب. وأن يقال: إن الـمعنـيـين بقوله { وأكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ } هم أتبـاع من سنّ لهم هذه السنن من جهلة الـمشركين، فهم لا شكّ أنهم أكثر من الذين سنوا ذلك لهم فوصفهم الله تعالـى بأنهم لا يعقلون، لأنهم لـم يكونوا يعقلون أن الذين سنوا لهم تلك السنن، وأخبروهم أنها من عند الله كذبة فـي إخبـارهم أفكة، بل ظنوا أنهم فـيـما يقولون مـحقون فـي إخبـارهم صادقون. وإنـما معنى الكلام: وأكثرهم لا يعقلون أن ذلك التـحريـم الذي حرّمه هؤلاء الـمشركون وأضافوه إلـى الله تعالـى كذب وبـاطل. وهذا القول الذي قلنا فـي ذلك نظير قول الشعبـيّ الذي ذكرناه، ولا معنى لقول من قال: عنـى بـالذين كفروا: أهل الكتاب، وذلك أن النكير فـي ابتداء الآية من الله تعالـى علـى مشركي العرب، فـالـختـم بهم أولـى من غيرهم، إذ لـم يكن عرض فـي الكلام ما يصرف من أجله عنهم إلـى غيرهم. وبنـحو ذلك كان يقول قتادة.

اسامة محمد خيري
31-12-2016, 05:08
وأولـى هذه الأقوال، وأصحّ التأويلات عندنا بتأويـل هذه الآية ما رُوي عن أبـي بكر الصدّيق فـيها، وهو: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَـيْكُمْ أنْفُسَكُمْ }: الزموا العمل بطاعة الله، وبـما أمركم به، وانتهوا عما نهاكم الله عنه. { لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُـمْ } يقول: فإنه لا يضرّكم ضلال من ضلّ إذا أنتـم رمتـم العمل بطاعة الله، وأدّيتـم فـيـمن ضلّ من الناس ما ألزمكم الله به فـيه من فرض الأمر بـالـمعروف والنهي عن الـمنكر، الذي يركبه أو يحاول ركوبه، والأخذ علـى يديه إذا رام ظلـماً لـمسلـم أو معاهد ومنعه منه فأبى النزوع عن ذلك، ولا ضير علـيكم فـي تـماديه فـي غيه وضلاله إذا أنتـم اهتديتـم وأدّيتـم حقّ الله تعالـى فـيه.

وإنـما قلنا ذلك أولـى التأويلات فـي ذلك بـالصواب، لأن الله تعالـى أمر الـمؤمنـين أن يقوموا بـالقسط ويتعاونوا علـى البرّ والتقوى ومن القـيام بـالقسط: الأخذ علـى يد الظالـم ومن التعاون علـى البرّ والتقوى: الأمر بـالـمعروف.

وهذا مع ما تظاهرت به الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره بـالأمر بـالـمعروف والنهي عن الـمنكر ولو كان للناس تَرْك ذلك، لـم يكن للأمر به معنى إلا فـي الـحال التـي رخص فـيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك ذلك، وهي حال العجز عن القـيام به بـالـجوارح الظاهرة فـيكون مرخصاً له تركه إذا قام حينئذ بأداء فرض الله علـيه فـي ذلك بقلبه. وإذا كان ما وصفنا من التأويـل بـالآية أولـى، فبـيِّن أنه قد دخـل فـي معنى قوله: { إذا اهْتَدَيْتُـمْ } ما قاله حذيفة وسعيد بن الـمسيب، من أن ذلك: أذا أمرتـم بـالـمعروف ونهيتـم عن الـمنكر، ومعنى ما رواه أبو ثعلبة الـخشنـي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

اسامة محمد خيري
31-12-2016, 05:20
واختلفوا فـي صفة الاثنـين اللذين ذكرهما الله فـي هذه الآية ما هي، وما هما؟ فقال بعضهم: هما شاهدان يشهدان علـى وصية الـموصي. وقال آخرون: هما وصيان.

وتأويـل الذين زعموا أنهما شاهدان، قوله: { شَهادَةُ بَـيْنِكُمْ } لـيشهد شاهدان ذوا عدل منكم علـى وصيتكم. وتأويـل الذين قالوا: هما وصيان لا شاهدان، قوله: { شَهادَةُ بَـيْنِكُمْ } بـمعنى الـحضور والشهود لـما يوصيهما به الـمريض، من قولك: شهدت وصية فلان، بـمعنى حضرته.

وأولـى التأويـلـين بقوله: { اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } تأويـل من تأوّله بـمعنى: أنهما من أهل الـملة دون من تأوّله أنهما من حيّ الـموصي.

وإنـما قلنا ذلك أولـى التأويـلـين بـالآية، لأن الله تعالـى عم الـمؤمنـين بخطابهم بذلك فـي قوله: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَـيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ الـمَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } فغير جائز أن يُصرف ما عمه الله تعالـى إلـى الـخصوص إلا بحجة يجب التسلـيـم لها. وإذ كان ذلك كذلك، فـالواجب أن يكون العائد من ذكرهم علـى العموم، كما كان ذكرهم ابتداء علـى العموم.

وأَوْلَـى الـمعنـيـين بقوله: { شَهادَةُ بَـيْنِكُمْ } الـيـمين، لا الشهادة التـي يقوم بها من عنده شهادة لغيره لـمن هي عنده علـى من هي علـيه عند الـحكام لأنَّا لا نعلـم لله تعالـى حكماً يجب فـيه علـى الشاهد الـيـمين، فـيكون جائزاً صرف الشهادة فـي هذا الـموضع إلـى الشهادة التـي يقوم بها بعض الناس عند الـحكام والأئمة. وفـي حكم الآية فـي هذه الـيـمين علـى ذوي العدل، وعلـى من قام مقامهم فـي الـيـمين بقوله: { تَـحْبِسُوَنهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَـيُقْسمِانِ بـاللَّهِ } أوضح الدلـيـل علـى صحة ما قلنا فـي ذلك من أن الشهادة فـيه الأيـمان دون الشهادة التـي يقضي بها للـمشهود له علـى الـمشهود علـيه، وفساد ما خالفه. فإن قال قائل: فهل وجدت في حكم الله تعالى يميناً تجب على المدّعي فتوجه قولك في الشهادة في هذا الموضع إلى الصحة؟ فإن قلت: لا، تبين فساد تأويلك ذلك على ما تأوّلت، لأنه يجب على هذا التأويل أن يكون المقسمان في قوله:
{ فإنْ عُثرَا على أنَّهُما اسْتَحَقَّا إثْماً فآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ باللَّهِ لشَهادَتُنا أحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما }
هما المدعيين. وإن قلت بلى، قيل لك: وفي أيّ حكم الله تعالى وجدت ذلك؟ قيل: وجدنا ذلك في أكثر المعاني، وذلك في حكم الرجل يدَّعي قِبَل رجل مالاً، فيقرّ به المدّعي عليه قبله ذلك ويدعي قضاءه، فيكون القول قول ربّ الدين، والرجل يعترف في يد الرجل السلعة، فيزعم المعترَفة في يده أنه اشتراها من المدّعي أو أن المدّعي وهبها له، وما أشبه ذلك مما يكثر إحصاؤه. وعلى هذا الوجه أوجب الله تعالى في هذا الموضع اليمين على المدّعيين اللذين عثرا على الجانيين فيما جنيا فيه....

وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: الشهادة مرفوعة بقوله: { إذَا حَضَرَ } لأن قوله: { إذا حَضَرَ } بمعنى: عند حضور أحدكم الموت، والاثنان مرفوع بالمعنى المتوهم، وهو أن يشهد اثنان، فاكتفي من قيل أن يشهد بما قد جري من ذكر الشهادة في قوله: { شَهادَةُ بَيْنِكُمْ }.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الشهادة مصدر في هذا الموضع، والاثنان اسم، والاسم لا يكون مصدراً، غير أن العرب قد تضع الأسماء مواضع الأفعال. فالأمر وإن كان كذلك، فصرف كل ذلك إلى أصحّ وجوهه ما وجدنا إليه سبيلاً أولى بنا من صرفه إلى أضعفها....

وأولى التأويلين في ذلك عندنا بالصواب تأويل من تأوّله: أو آخران من غير أهل الإسلام وذلك أن الله تعالى عرّف عباده المؤمنين عند الوصية شهادة اثنين من عدول المؤمنين أو اثنين من غير المؤمنين، ولا وجه لأن يقال في الكلام صفة شهادة مؤمنين منكم أو رجلين من غير عشيرتكم، وإنما يقال: صفة شهادة رجلين من عشيرتكم أو من غير عشيرتكم، أو رجلين من المؤمنين أو من غير المؤمنين. فإذ كان لا وجه لذلك في الكلام، فغير جائز صرف مغلق كلام الله تعالى إلا إلى أحسن وجوهه. وقد دللنا قبل على أن قوله تعالى: { ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } إنما هو من أهل دينكم وملتكم بما فيه كفاية لمن وفق لفهمه. وإذا صحّ ذلك بما دللنا عليه، فمعلوم أن معنى قوله: { أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ } إنما هو: أو آخران من غير أهل دينكم وملتكم. وإذ كان ذلك كذلك، فسواء كان الآخران اللذان من غير أهل ديننا يهوديين كانا أو نصرانيين أو مجوسيين أو عابدي وثن أو على أيّ دين كانا، لأن الله تعالى لم يخصص آخرين من أهل ملة بعينها دون ملة بعد ألاّ يكونا من (غير) أهل الإسلام....

وأولى القولين في ذلك بالصواب عندنا، قول من قال: تحبسونهما من بعد صلاة العصر لأن الله تعالى عرّف الصلاة في هذا الموضع بإدخال الألف واللام فيها، ولا تدخلهما العرب إلاَّ في معروف، إما في جنس، أو في واحد معهود معروف عند المتخاطبين. فإذا كان كذلك، وكانت الصلاة في هذا الموضع مجمعاً على أنه لم يعن بها جميع الصلوات، لم يجز أن يكون مراداً بها صلاة المستحلف من اليهود والنصارى، لأن لهم صلوات ليست واحدة، فيكون معلوماً أنها المعنية بذلك. فإذ كان ذلك كذلك، صحّ أنها صلاة بعينها من صلوات المسلمين. وإذ كان ذلك كذلك، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم صحيحاً عنه أنه إذ لاعن بين العجلانيين لاعن بينهما بعد العصر دون غيرها من الصلوات، كان معلوماً أن التي عنيت بقوله: { تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ } هي الصلاة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخيرها لاستحلاف من أراد تغليظ اليمين عليه. هذا مع ما عند أهل الكفر بالله من تعظيم ذلك الوقت، وذلك لقربه من غروب الشمس. ..

وأولى القراءات في ذلك عندنا بالصواب، قراءة من قرأ: { وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللّهِ } بإضافة الشهادة إلى اسم «الله» وخفض اسم «الله»، لأنها القراءة المستفيضة في قراءة الأمصار التي لا يتناكر صحتها الأمة. وكان ابن زيد يقول في معنى ذلك: ولا نكتم شهادة الله وإن كان صاحبها بعيداً.