المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير



الصفحات : 1 2 3 4 [5]

اسامة محمد خيري
20-04-2017, 04:43
يقول تعالى ذكره: وأن لو استقام هؤلاء القاسطون على طريقة الحقّ والاستقامة { لأَسْقَيْناهُمْ ماءً غدَقاً } يقول: لو سَّعنا عليهم في الرزق، وبسطناهم في الدنيا لنفتنهم فيه، يقول لنختبرهم فيه. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم نحو الذي قلنا فيه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { وأنْ لَو اسْتَقامُوا على الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً } يعني بالاستقامة: الطاعة. فأما الغدق فالماء الطاهر الكثير { لِنَفْتنَهُمْ فِيهِ } يقول: لنبتليهم به....

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأن لو استقاموا على الضلالة لأعطيناهم سعة من الرزق لنستدرجهم بها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت عمران بن حدير، عن أبي مُجَلِّز، قال: وأن لو استقاموا على طريقة الضلالة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأن لو استقاموا على طريقة الحقّ وآمنوا لوسعنا عليهم.

ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله { وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا على الطَّرِيقَةِ } قال: هذا مثل ضربه الله كقوله:
{ وَلَوْ أنَّهُمْ أقامُوا التَّوْرَاةَ والإنْجيلَ وَما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِم وَمِنْ تَحْتِ أرْجُلِهمْ }
وقوله تعالى:
{ وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهمْ بَرَكاتٍ من السَّماءِ والأرْضِ }
والماء الغَدَقَ يعني: الماء الكثير { لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } لنبتليهم فيه.

اسامة محمد خيري
20-04-2017, 04:48
وقوله: { وأنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } يقول: وأنه لما قام محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الله يقول: " لا إله إلا الله " { كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } يقول: كادوا يكونون على محمد جماعات بعضها فوق بعض واحدها: لبدة، وفيها لغتان: كسر اللام لِبدة، ومن كسرها جمعها لِبَد وضم اللام لُبدة، ومن ضمها جمعها لُبَد بضم اللام، أو لابِد ومن جمع لابد قال: لُبَّداً، مثل راكِع ورُكَّعاً، وقراء الأمصار على كسر اللام من لِبَد، غير ابن مُحَيْصِن فإنه كان يضمها، وهما بمعنى واحد غير أن القراءة التي عليها قرّاء الأمصار أحبّ إليّ، والعرب تدعو الجراد الكثير الذي قد ركب بعضه بعضاً لُبْدَةً ومنه قول عبد مناف بن ربعيّ الهذليّ:
صَابُوا بسِتَّةِ أبْياتٍ وأرْبَعَةٍ حتى كأنَّ عليهِمْ جابِيا لُبَدَا
والجابي: الجراد الذي يجبي كلّ شيء يأكله....

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } كادوا يركبونه حرصاً على ما سمعوا منه من القرآن.

قال أبو جعفر: ومن قال هذا القول جعل قوله: { وأنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ } مما أوحي إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فيكون معناه: قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجنّ، وأنه لما قام عبد الله يدعوه.

وقال آخرون: بل هذا من قول النفر من الجن لما رجعوا إلى قومهم أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له، وائتمامهم به في الركوع والسجود.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن معمر، قال: ثنا أبو مسلم، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قول الجنّ لقومهم: { لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده، قال: عجبوا من طواعية أصحابه له قال: فقال لقومهم لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن زياد، عن سعيد بن جبير، في قوله: { وأنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } قال: كان أصحاب نبيّ الله صلى الله عليه وسلم يأتموُّن به، فيركعون بركوعه، ويسجدون بسجوده.

ومن قال هذا القول الذي ذكرناه عن ابن عباس وسعيد فتح الألف من قوله: «وأنه» عطف بها على قوله:
{ وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا }
مفتوحة، وجاز له كسرها على الابتداء.

وقال آخرون: بل ذلك من خبر الله الذي أوحاه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم لعلمه أن الإنس والجنّ تظاهروا عليه، ليُبطلوا الحقّ الذي جاءهم به، فأبى الله إلا إتمامه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وأنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } قال: تلبدت الإنس والجنّ على هذا الأمر ليطفئوه، فأبى الله إلا أن ينصره ويمضيه، ويظهره على من ناوأه....

». وأولى الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: ذلك خبر من الله عن أن رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم لما قام يدعوه كادت العرب تكون عليه جميعاً في إطفاء نور الله.

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بالصواب لأن قوله: { وأنَّه لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ } عقيب قوله: { وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ } وذلك من خبر الله فكذلك قوله: { وأنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ } وأخرى أنه تعالى ذكره أتبع ذلك قوله: { فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَداً } فمعلوم أن الذي يتبع ذلك الخبر عما لقي المأمور بأن لا يدعو مع الله أحداً في ذلك، لا الخبر عن كثرة إجابة المدعوين وسرعتهم إلى الإجابة.

اسامة محمد خيري
20-04-2017, 05:00
وقوله: { لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ } اختلف أهل التأويل في الذي عُنِي بقوله { لِيَعْلَمَ } فقال بعضهم: عُنِي بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: معنى الكلام: ليعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قد أبلغت الرسل قبله عن ربها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أُبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ } ليعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرسل قبله قد أبلغت عن ربها وحفظت.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أُبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ } قال: ليعلم نبيّ الله صلى الله عليه وسلم أن الرسل قد أبلغت عن الله، وأن الله حفظها، ودفع عنها.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ليعلم المشركون أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: { لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أُبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ } قال: ليعلم من كذب الرسل أن قد أبلغوا رسالات ربهم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ليعلم محمد أن قد بلغت الملائكة رسالات ربهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، في قوله: { عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أحَداً إلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فإنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً } قال: أربعة حفظة من الملائكة مع جبرائيل { لِيَعْلَم } محمد { أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وأحاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وأحْصَى كُل شَيْءٍ عَدَداً } قال: وما نزل جبريل عليه السلام بشيء من الوحي إلا ومعه أربعة حفظة.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندنا بالصواب، قول من قال: ليعلم الرسول أن الرسل قبله قد أبلغوا رسالات ربهم وذلك أن قوله: { لِيَعْلَم } من سبب قوله { فإنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً } وذلك خبر عن الرسول، فمعلوم بذلك أن قوله ليعلم من سببه إذ كان ذلك خبرا عنه.

اسامة محمد خيري
20-04-2017, 05:05
سورة المزمل

واختلف أهل التأويل في المعنى الذي وصف الله به نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية من التزمُّل، فقال بعضهم: وصفه بأنه مُتَزمل في ثيابه، متأهب للصلاة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { يَأَيُّها المُزَّمِّل }: أي المتزمل في ثيابه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { يَأَيُّها المُزَّمِّلُ } هو الذي تزمَّل بثيابه.

وقال آخرون: وصفه بأنه متزمِّل النبوّة والرسالة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثني عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عكرِمة، في قوله: { يأيُّها المُزَّمِلُ قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلاً } قال: زُمِّلت هذا الأمر فقم به.

قال أبو جعفر: والذي هو أولى القولين بتأويل ذلك، ما قاله قتادة، لأنه قد عقبه بقوله: { قُم اللَّيْلَ } فكان ذلك بيانا عن أن وصفه بالتزمُّل بالثياب للصلاة، وأن ذلك هو أظهر معنييه....

اسامة محمد خيري
20-04-2017, 05:20
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْك قَوْلاً ثَقِيلاً } فقال بعضهم: عُني به إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً العمل به.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: { إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } قال: العمل به، قال: إن الرجل لَيَهُذُّ السورة، ولكنّ العمل به ثقيل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } ثقيل والله فرائضه وحدوده.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله { ثَقِيلاً } قال: ثقيل والله فرائضه وحدوده.

وقال آخرون: بل عني بذلك أن القول عينه ثقيل محمله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها، فما تستطيع أن تتحرّك حتى يسرَّي عنه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: { إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } قال: هو والله ثقيل مبارك القرآن، كما ثقل في الدنيا ثَقُل في الموازين يوم القيامة.

وأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: إن الله وصفه بأنه قول ثقيل، فهو كما وصفه به ثقيل محمله ثقيل العمل بحدوده وفرائضه....

اسامة محمد خيري
20-04-2017, 05:33
وقوله: { إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنكَ تَقُومُ أدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْل } يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم أقرب من ثلثي الليل مصلياً، ونصفه وثلثه.

اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة بالخفض ونصفه وثلثه بمعنى: وأدنى من نصفه وثلثه، إنكم لم تطيقوا العمل بما افترض عليكم من قيام الليل، فقوموا أدنى من ثلثي الليل ومن نصفه وثلثه. وقرأ ذلك بعض قرّاء مكة وعامة قرّاء الكوفة بالنصب، بمعنى: إنك تقوم أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفه وثلثه.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

اسامة محمد خيري
20-04-2017, 05:46
سورة المدثر

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أصلح عملك.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: { وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ } قال: عملك فأصلح.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي رَزِين في قوله: { وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ } قال: عملك فأصلحه، وكان الرجل إذا كان خبيث العمل، قالوا: فلان خبيث الثياب، وإذا كان حسن العمل قالوا: فلان طاهر الثياب.

وقال آخرون في ذلك ما.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ } قال: لست بكاهن ولا ساحر، فأعرض عما قالوا.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: اغسلها بالماء، وطهرها من النجاسة. ذكر من قال ذلك:

حدثني عباس بن أبي طالب، قال: ثنا عليّ بن عبد الله بن جعفر، عن أحمد بن موسى بن أبي مريم صاحب اللؤلؤ، قال: أخبرنا ابن عون، عن محمد بن سيرين { وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ } قال: اغسلها بالماء.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ } قال: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره أن يتطهر، ويطهِّر ثيابه.

وهذا القول الذي قاله ابن سيرين وابن زيد في ذلك أظهر معانيه، والذي قاله ابن عباس وعكرِمة وابن زكريا قول عليه أكثر السلف من أنه عُنِيَ به: جسمك فطهر من الذنوب، والله أعلم بمراده من ذلك....

وَالرُّجْزَ فاهْجُرْ } اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء المدينة وعامة قرّاء الكوفة: «والرِّجْز» بكسر الراء، وقرأه بعض المكيين والمدنيين { والرُّجْزَ } بضم الراء، فمن ضمّ الراء وجهه إلى الأوثان، وقال: معنى الكلام: والأوثان فاهجر عبادتها، واترك خدمتها، ومن كسر الراء وجَّهه إلى العذاب، وقال: معناه: والعذاب فاهجر، أي ما أوجب لك العذاب من الأعمال فاهجر.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، والضمّ والكسر في ذلك لغتان بمعنى واحد، ولم نجد أحداً من متقدّمي أهل التأويل فرّق بين تأويل ذلك، وإنما فرّق بين ذلك فيما بلغنا الكسائيّ....

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ } قال: لا تمنن بالنبوّة والقرآن الذي أرسلناك به تستكثرهم به، تأخذ عليه عوضاً من الدنيا.

وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب في ذلك قول من قال: معنى ذلك: ولا تمنن على ربك من أن تستكثر عملك الصالح.

وإنما قلت ذلك أولى بالصواب، لأن ذلك في سياق آيات تقدمّ فيهنّ أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالجدّ في الدعاء إليه، والصبر على ما يَلْقَى من الأذى فيه، فهذه بأن تكون من أنواع تلك، أشبه منها بأن تكون من غيرها. وذُكر عن عبد الله بن مسعود أن ذلك في قراءته: «وَلا تَمْنُنْ أنْ تَسْتَكْثِرُ»...

والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله: { وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً } وهو الكثير. الممدود عدده أو مساحته.

اسامة محمد خيري
20-04-2017, 05:53
وقوله: { سأُرْهِقُهُ صَعُوداً } يقول تعالى ذكره: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة له منها. وقيل: إن الصعود جبل في النار يكلَّفُ أهلُ النار صعوده.

ذكر الرواية بذلك:

حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا محمد بن سعيد بن زائدة، قال: ثنا شريك، عن عمارة، عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم { سأُرْهِقُهُ صَعُوداً } قال: " هو جبل في النار من نار، يكلَّفون أن يصعدوه، فإذا وضع يده ذابت، فإذا رفعها عادت، فإذا وضع رجله كذلك "

اسامة محمد خيري
21-04-2017, 04:46
سورة القيامة

اختلفت القرّاء في قراءة قوله: { لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ } فقرأت ذلك عامة قرّاء الأمصار: { لاَ أُقْسِمُ } لا مفصولة من أقسم، سوى الحسن والأعرج، فإنه ذكر عنهما أنهما كانا يقرآن ذلك: «لأُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ» بمعنى: أقسم بيوم القيامة، ثم أدخلت عليها لام القسم.

والقراءة التي لا أستجيز غيرها في هذا الموضع «لا» مفصولة، أقسم مبتدأة على ما عليه قرّاء الأمصار، لإجماع الحجة من القرّاء عليه.

وقد اختلف الذين قرأوا ذلك على الوجه الذي اخترنا قراءته في تأويله، فقال بعضهم «لا» صلة، وإنما معنى الكلام: أقسم بيوم القيامة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا ابن يمان، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم بن يناق، عن سعيد بن جُبير { لا أُقْسِمُ بِيَوْم القَيامَةِ } قال: أقسم بيوم القيامة....

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: إن الله أقسم بيوم القيامة، وبالنفس اللوّامة، وجعل «لا» ردّاً لكلام قد كان تقدّمه من قوم، وجواباً لهم.

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب، لأن المعروف من كلام الناس في محاوراتهم إذا قال أحدهم: لا والله، لا فعلت كذا، أنه يقصد بلا ردّ الكلام، وبقوله: والله، ابتداء يمين، وكذلك قولهم: لا أقسم بالله لا فعلت كذا فإذا كان المعروف من معنى ذلك ما وصفنا، فالواجب أن يكون سائر ما جاء من نظائره جارياً مجراه، ما لم يخرج شيء من ذلك عن المعروف بما يجب التسليم له. وبعد، فإن الجميع من الحجة مجمعون على أن قوله: { لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ } قسم فكذلك قوله: { وَلا أُقْسِمُ بالنَّفْس اللَّوَّامَةِ } إلا أن تأتي حجة تدلّ على أن أحدهما قسم والآخر خبر. وقد دللنا على أن قراءة من قرأ الحرف الأوّل لأقسم بوصل اللام بأقسم قراءة غير جائزة بخلافها ما عليه الحجة مجمعة، فتأويل الكلام إذا: لا ما الأمر كما تقولون أيها الناس من أن الله لا يبعث عباده بعد مماتهم أحياء، أقسم بيوم القيامة. وكانت جماعة تقول: قيامة كل نفس موتها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان ومسعر، عن زياد بن علاقة، عن المغيرة بن شعبة، قال: يقولون: القيامة القيامة، وإنما قيامة أحدهم: موته...

وقال آخرون: بل هي المذمومة. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: { وَلا أُقْسِمُ بالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ } يقول: المذمومة.

وهذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه وإن اختلفت بها ألفاظ قائليها، فمتقاربات المعاني، وأشبه القول في ذلك بظاهر التنزيل أنها تلوم صاحبها على الخير والشرّ، وتندم على ما فات، والقرّاء كلهم مجمعون على قراءة هذه بفصل «لا» من أقسم....

واختلف أهل العربية في وجه نصب { قادِرِينَ } فقال بعضهم: نصب لأنه واقع موقع نفعل، فلما ردّ إلى فاعل نصب، وقالوا: معنى الكلام: أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بل نقدر على أن نسوّي بنانه ثم صرف نقدر إلى قادرين. وكان بعض نحويي الكوفة يقول: نصب على الخروج من نجمع، كأنه قيل في الكلام: أيحسب أن لن نقوَى عليه؟ بل قادرين على أقوى منك. يريد: بلى نقوى مقتدرين على أكثر من ذا. وقال: قول الناس بل نقدر، فلما صرفت إلى قادرين نصبت خطأ، لأن الفعل لا ينصب بتحويله من يفعل إلى فاعل. ألا ترى أنك تقول: أتقوم إلينا، فإن حوّلتها إلى فاعل قلت: أقائم، وكان خطأ أن تقول قائما قال: وقد كانوا يحتجون بقول الفرزدق:
عَلَى قَسَمٍ لا أشْتُمُ الدَّهْرَ مُسْلِماً وَلا خارِجا مِنْ فِيَّ زُورُ كَلام
فقالوا: إنما أراد: لا أشتم ولا يخرج، فلما صرفها إلى خارج نصبها، وإنما نصب لأنه أراد: عاهدت ربي لاشاتماً أحداً، ولا خارجاً من فيّ زور كلام وقوله: لا أشتم، في موضع نصب. وكان بعض نحويي البصرة يقول: نصب على نجمع: أي بل نجمعها قادرين على أن نسوّي بنانه، وهذا القول الثاني أشبه بالصحة على مذهب أهل العربية.

اسامة محمد خيري
21-04-2017, 04:53
وقوله: { فإذَا بَرِقَ البَصَرُ } اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه أبو جعفر القارىء ونافع وابن أبي إسحاق: «فإذَا بَرَقَ» بفتح الراء، بمعنى شخص وفُتِح عند الموت وقرأ ذلك شيبة وأبو عمرو وعامة قرّاء الكوفة { بَرِقَ } بكسر الراء، بمعنى: فزع وشقّ. وقد:

حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثني حجاج، عن هارون، قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عنها، فقال: { بَرِقَ } بالكسر بمعنى حار. قال: وسألت عنها عبد الله بن أبي إسحاق فقال: «بَرَقَ» بالفتح، إنما برق الخيطل والنار والبرق. وأما البصر فبرق عند الموت. قال: وأخبرت بذلك ابن أبي إسحاق، فقال: أخذت قراءتي عن الأشياخ نصر بن عاصم وأصحابه، فذكرت لأبي عمرو، فقال: لكن لا آخذ عن نصر ولا عن أصحابه، فكأنه يقول: آخذ عن أهل الحجاز.

وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب كسر الراء { فإذَا بَرِقَ } بمعنى: فزع فشُقّ وفُتِح من هول القيامة وفزع الموت. وبذلك جاءت أشعار العرب. أنشدني بعض الرواة عن أبي عُبيدة الكلابي:
لَما أتانِي ابْنُ صُبَيْحٍ رَاغِباً أعْطَيْتُهُ عَيْساء مِنْها فَبرَقْ
وحُدثت عن أبي زكريا الفرّاء قال: أنشدني بعض العرب:
نَعانِي حَنانَةُ طُوْبالَةً تَسَفُّ يَبِيساً مِنَ الْعِشْرقِ
فنَفْسَكَ فانْعَ وَلا تَنْعَنِي ودَاوِ الْكُلومَ وَلاَ تَبْرَقِ
بفتح الراء، وفسَّره أنه يقول: لا تفزع من هول الجراح التي بك قال: وكذلك يْبرُق البصر يوم القيامة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { فإذَا بَرِقَ البَصَرُ } يعني يبرق البصر: الموت، وبروق البصر: هي الساعة....

اسامة محمد خيري
21-04-2017, 05:00
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولو أرخى الستور وأغلق الأبواب.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثنا رَوّاد، عن أبي حمزة، عن السديّ، في قوله: { وَلَوْ ألْقَى مَعاذِيرَهُ } ولو أرخى الستور، وأغلق الأبواب.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: { وَلَوْ ألْقَى مَعاذِيرَهُ } لم تقبل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني نصر بن عليّ، قال: ثني أبي، عن خالد بن قيس، عن قتادة، عن الحسن: { وَلَوْ ألْقَى مَعاذِيرَهُ } لم تُقبل معاذيره.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة: { ولو ألقى معاذيره } قال: ولو اعتذر

وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال: معناه: ولو اعتذر لأن ذلك أشبه المعاني بظاهر التنزيل وذلك أن الله جلّ ثناؤه أخبر عن الإنسان أن عليه شاهداً من نفسه بقوله { بَلِ الإنْسانُ على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ } فكان الذي هو أولى أن يتبع ذلك، ولو جادل عنها بالباطل، واعتذر بغير الحقّ، فشهادة نفسه عليه به أحقّ وأولى من اعتذاره بالباطل.

اسامة محمد خيري
21-04-2017, 05:07
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { لا تُحَرّكْ بِهِ لِسانَكَ } قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن فيكثر مخافة أن ينسى.

وأشبه القولين بما دلّ عليه ظاهر التنزيل، القول الذي ذُكر عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، وذلك أن قوله: { إنَّ عَليْنا جَمْعَهُ وقُرآنَهُ } ينبىء أنه إنما نهى عن تحريك اللسان به متعجلاً فيه قبل جمعه ومعلوم أن دراسته للتذكر إنما كانت تكون من النبيّ صلى الله عليه وسلم من بعد جمع الله له ما يدرس من ذلك....

وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: فإذا تُلي عليك فاعمل به من الأمر والنهي، واتبع ما أُمرت به فيه، لأنه قيل له: { إن علينا جمعه } في صدرك { وقرآنه } ودللنا على أن معنى قوله: { وقُرآنَهُ }: وقراءته، فقد بين ذلك عن معنى قوله: { فإذَا قَرأناهُ فاتَّبِعْ قُرآنَهُ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ } يقول تعالى ذكره: ثم إن علينا بيان ما فيه من حلاله وحرامه، وأحكامه لك مفصلة.

واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: نحو الذي قلنا فيه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس { ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ } يقول: حلاله وحرامه، فذلك بيانه.

اسامة محمد خيري
21-04-2017, 05:10
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنها تنتظر الثواب من ربها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عمر بن عبيد، عن منصور، عن مجاهد { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ } قال: تنتظر منه الثواب.

قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد { إلى رَبِّها ناظِرَةٌ } قال: تنتظر الثواب من ربها.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد { إلى رَبِّها ناظِرَةٌ } قال: تنتظر الثواب.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور عن مجاهد { إلى رَبِّها ناظِرَةٌ } قال: تنتظر الثواب من ربها، لا يراه من خلقه شيء.

حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن مجاهد { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ } قال: نضرة من النعيم { إلى رَبِّها ناظِرَةً } قال: تنتظر رزقه وفضله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، قال: كان أناس يقولون في حديث، «فيرون ربهم» فقلت لمجاهد: إن ناساً يقولون إنه يُرَى، قال: يَرى ولا يراه شيء.

قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله { إلى رَبِّها ناظِرَةٌ } قال: تنتظر من ربها ما أمر لها.

حدثني أبو الخطاب الحساني، قال: ثنا مالك، عن سفيان، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ } قال: تنتظر الثواب.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا الأشجعي، عن سفيان، عن ثوير، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى مُلكه وسُرُرِه وخدمه مسيرة ألف سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه، وإن أرفع أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى وجه الله بُكرة وعشية».

قال: ثنا ابن يمان، قال: ثنا أشجع، عن أبي الصهباء الموصلي، قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة، من يرى سرره وخدمه ومُلكَهُ في مسيرة ألف سنة، فيرى أقصاه كما يرى أدناه وإن أفضلهم منزلة، من ينظر إلى وجه الله غدوة وعشية».

وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب القول الذي ذكرناه عن الحسن وعكرِمة، من أن معنى ذلك تنظر إلى خالقها، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

حدثني عليّ بن الحسين بن أبجر، قال ثنا مصعب بن المقدام، قال: ثنا إسرائيل بن يونس، عن ثوير، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:


" إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً، لَمَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ ألْفَيْ سَنَةٍ قال: وإنَّ أفضَلَهُمْ مَنْزِلَةً لَمَن يَنْظُرُ في وَجْهِ اللَّهِ كُلَّ يَوْم مَرَّتَينِ قال: ثم تلا: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ قال: { بالبياض والصفاء } ، قال: { إلى رَبِّها ناظِرَةٌ } قال: تنظر كلّ يوم في وجه الله عزّ وجلّ "

اسامة محمد خيري
21-04-2017, 05:13
حدثنا أبو كريب وأبو هشام قالا: ثنا وكيع، قال: ثنا ابن أبي خالد، عن أبي عيسى { وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بالسَّاقِ } قال: الأمر بالأمر.

وقال آخرون: بل عنى بذلك: والتفّ بلاء ببلاء.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو هشام، قال: ثنا عبيد الله، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، قال: بلاء ببلاء.

وأولى الأقوال في ذلك بالصحة عندي قول من قال: معنى ذلك: والتفَّت ساق الدنيا بساق الآخرة، وذلك شدّة كرب الموت بشدّة هول المطلع والذي يدّل على أن ذلك تأويله، قوله: { إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ } والعرب تقول لكلّ أمر اشتدّ: قد شمرّ عن ساقه، وكشف عن ساقه ومنه قول الشاعر:
إذَا شَمَّرَتْ لَكَ عَنْ ساقهافَرِنْها رَبِيعُ وَلا تَسأَم
عنى بقوله: { الْتَفَّتِ السَّاقُ بالسَّاقِ }: التصقت إحدى الشِّدّتين بالأخرى، كما يقال للمرأة إذا التصقت إحدى فخذيها بالأخرى: لفَّاء.

وقوله: { إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ } يقول: إلى ربك يا محمد يوم التفاف الساق بالساق مساقه.

اسامة محمد خيري
21-04-2017, 05:20
سورة الانسان

وأشبه هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى ذلك { مِنْ نُطْفَةٍ أمْشاجٍ } نطفة الرجل ونطفة المرأة، لأن الله وصف النطفة بأنها أمشاج، وهي إذا انتقلت فصارت علقة، فقد استحالت عن معنى النطفة فكيف تكون نطفة أمشاجا وهي علقة؟ وأما الذين قالوا: إن نطفة الرجل بيضاء وحمراء، فإن المعروف من نطفة الرجل أنها سحراء على لون واحد، وهي بيضاء تضرب إلى الحمرة، وإذا كانت لوناً واحداً لم تكن ألواناً مختلفة، وأحسب أن الذين قالوا: هي العروق التي في النطفة قصدوا هذا المعنى. وقد:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: إنما خلق الإنسان من الشيء القليل من النطفة. ألا ترى أن الولد إذا أسكت ترى له مثل الرَّيْر؟ وإنما خُلق ابن آدم من مثل ذلك من النطفة أمشاج نبتليه.

وقوله: { نَبْتَلِيهِ } نختبره. وكان بعض أهل العربية يقول: المعنى: جعلناه سميعاً بصيراً لنبتليه، فهي مقدّمة معناها التأخير، إنما المعنى خلقناه وجعلناه سميعاً بصيراً لنبتليه، ولا وجه عندي لما قال يصحّ، وذلك أن الابتلاء إنما هو بصحة الآلات وسلامة العقل من الآفات، وإنْ عُدِمَ السمع والبصر. وأما إخباره إيانا أنه جعل لنا أسماعاً وأبصاراً في هذه الآية، فتذكير منه لنا بنعمه، وتنبيه على موضع الشكر فأما الابتلاء فبالخلق مع صحة الفطرة، وسلامة العقل من الآفة، كما قال:
{ ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاَّ لِيَعبُدون }


وقوله: { فَجَعَلْناهُ سمِيعاً بَصِيراً } يقول تعالى ذكره: فجعلناه ذا سمع يسمع به، وذا بصر يبصر به، إنعاماً من الله على عباده بذلك، ورأفة منه لهم، وحجة له عليهم.

اسامة محمد خيري
21-04-2017, 05:26
وقوله: { عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ } يقول تعالى ذكره: كان مزاج الكأس التي يشرب بها هؤلاء الأبرار كالكافور في طيب رائحته من عين يشرب بها عباد الله الذين يدخلهم الجنة. والعين على هذا التأويل نصب على الحال من الهاء التي في «مزاجها» ويعني بقوله { يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ } يُرْوَى بها ويُنتفع. وقيل: يشرب بها ويشربها بمعنى واحد. وذكر الفرّاء أن بعضهم أنشده:
شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ مَتى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ
وعنى بقوله: «متى لجج» من، ومثله: إنه يتكلم بكلام حسن، ويتكلم كلاماً حسناً.

اسامة محمد خيري
21-04-2017, 05:29
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو العريان، قال: سألت سليمان بن قيس أبا مقاتل بن سليمان، عن قوله: { وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً } قال: على حبهم للطعام....

واختلف أهل العلم في الأسير الذي ذكره الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: بما:

حدثنا به بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وأسِيراً } قال: لقد أمر الله بالأُسراء أن يحسن إليهم، وإن أسراهم يومئذٍ لأهل الشرك.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { وأسِيراً } قال: كان أسراهم يومئذٍ المشرك، وأخوك المسلم أحقّ أن تطعمه.

قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، عن أبي عمرو أن عكرِمة قال في قوله: { وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وأسِيراً } زعم أنه قال: كان الأسرى في ذلك الزمان المشرك.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا حماد بن مسعدة، قال: ثنا أشعث، عن الحسن { وَيَتِيماً وأسِيراً } قال: ما كان أسراهم إلا المشركين.

وقال آخرون: عُني بذلك: المسجون من أهل القبلة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: الأسير: المسجون.

حدثني أبو شيبة بن أبي شيبة، قال: ثنا عمر بن حفص، قال: ثني أبي عن حجاج، قال: ثني عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جُبير في قوله الله: { مِسْكِيناً وَيَتِيماً وأسيراً } من أهل القبلة وغيرهم، فسألت عطاء، فقال مثل ذلك.

حدثني علي بن سهل الرملي، قال: ثنا يحيى يعني ابن عيسى، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { وأسيراً } قال: الأسير: هو المحبوس.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله وصف هؤلاء الأبرار بأنهم كانوا في الدنيا يطعمون الأسير، والأسير الذي قد وصفت صفته واسم الأسير قد يشتمل على الفريقين، وقد عمّ الخبر عنهم أنهم يطعمونهم، فالخبر على عمومه حتى يخصه ما يجب التسليم له. وأما قول من قال: لم يكن لهم أسير يومئذٍ إلا أهل الشرك، فإن ذلك وإن كان كذلك، فلم يخصص بالخبر الموفون بالنذر يومئذٍ، وإنما هو خبر من الله عن كلّ من كانت هذه صفته يومئذٍ وبعده إلى يوم القيامة، وكذلك الأسير معنيّ به أسير المشركين والمسلمين يومئذٍ، وبعد ذلك إلى قيام الساعة....

اسامة محمد خيري
21-04-2017, 05:31
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله: { لا يَرَوْنَ فيها شَمْساً وَلا زَمْهَريراً } يعلم أن شدّة الحرّ تؤذي، وشدّة القرّ تؤذي، فوقاهم الله أذاهما.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن السُّدِّيّ، عن مرّة بن عبد الله قال في الزمهرير: إنه لون من العذاب، قال الله: { لا يَذُوقُون فِيها بَرْداً وَلا شَرَاباً }.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: " اشْتَكَتِ النَّارُ إلى رَبِّها، فَقالَتْ رَبّ أكَلَ بَعْضِي بَعْضاً، فَنَفِّسْنِي، فأذِنَ لَهَا فِي كُلّ عامٍ بنَفَسَينِ فأشَدَّ ما تَجِدُونَ مِنَ البَرْدِ مِنَ زَمْهَرِيرِ جَهَنَّم وأشَدَّ ما تَجِدونَ مِنَ الحَرّ مِنْ حَرّ جَهَنَّمَ» ".

اسامة محمد خيري
21-04-2017, 05:36
واختلفت القرّاء في قراءة قوله { قَدَّرُوها تَقْدِيراً } ، فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار: { قَدَّرُوها } بفتح القاف، بمعنى: قدّرها لهم السُّقاة الذين يطوفون بها عليهم. ورُوي عن الشعبيّ وغيره من المتقدمين أنهم قرأوا ذلك بضمّ القاف، بمعنى: قُدّرت عليهم، فلا زيادة فيها ولا نقصان.

والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها فتح القاف، لإجماع الحجة من القرّاء عليه....

والصواب من القول في ذلك عندي أن قوله: { تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً } صفة للعين، وصفت بالسلاسة في الحلق، وفي حال الجري، وانقيادها لأهل الجنة يصرّفونها حيث شاؤوا، كما قال مجاهد وقتادة. وإنما عنى بقوله { تُسَمَّى }: توصف.

وإنما قلت ذلك أولى بالصواب لإجماع أهل التأويل على أن قوله: { سَلْسَبِيلاً } صفة لا اسم.

اسامة محمد خيري
21-04-2017, 05:44
وقوله: { خُضْرٌ } اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه أبو جعفر القارىء وأبو عمرو برفع { خُضْرٌ } على أنها نعت للثياب، وخفض «اسْتَبْرَقٍ» عطفاً به على السندس، بمعنى: وثياب إستبرق. وقرأ ذلك عاصم وابن كثير: «خُضْرٍ» خفضاً { واسْتَبْرَقٌ } رفعاً، عطفاً بالاستبرق على الثياب، بمعنى: عاليهم استبرق، وتصييراً للخضر نعتا للسندس. وقرأ نافع ذلك: { خُضْرٌ } رفعاً على أنها نعت للثياب { واسْتَبْرَقٌ } رفعاً عطفاً به على الثياب. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: «خُضْرٍ واسْتَبْرَقٍ» خفضاً كلاهما. وقرأ ذلك ابن محيصن بترك إجراء الاستبرق: «واسْتَبْرَقَ» بالفتح بمعنى: وثياب استبرق، وفَتَحَ ذلك لأنه وجَّهه إلى أنه اسم أعجميّ. ولكلّ هذه القراءات التي ذكرناها وجه ومذهب، غير الذي سبق ذكرنا عن ابن محيصن، فإنها بعيدة من معروف كلام العرب، وذلك أن الاستبرق نكرة، والعرب تجري الأسماء النكرة وإن كانت أعجمية، والاستبرق: هو ما غَلُظ من الديباج. وقد ذكرنا أقوال أهل التأويل في ذلك فيما مضى قبل، فأغنى ذلك عن إعادته

اسامة محمد خيري
21-04-2017, 05:47
وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ }: وشددنا خلقهم، من قولهم: قد أُسِر هذا الرجل فأُحسِن أسره، بمعنى: قد خُلِقَ فأُحسِن خَلْقه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ } يقول: شددنا خلقهم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: { وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ } قال: خَلْقهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ }: خَلْقهم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

وقال آخرون: الأَسْر: المفاصل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، سمعته، يعني خلاداً يقول: سمعت أبا سعيد، وكان قرأ القرآن على أبي هريرة قال: ما قرأت القرآن إلا على أبي هريرة، هو أقرأني، وقال في هذه الآية { وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ } قال: هي المفاصل.

وقال آخرون: بل هو القوّة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ } قال: الأسر: القوّة.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب القول الذي اخترناه، وذلك أن الأسر، هو ما ذكرت عند العرب ومنه قول الأخطل:
مِنْ كلّ مُجْتَنَبٍ شَدِيدٍ أسْرُه سَلِسِ الْقِيادِ تَخالُهُ مُخْتالاَ
ومنه قول العامة: خذه بأسره: أي هو لك كله.

اسامة محمد خيري
21-04-2017, 05:53
سورة المرسلات

ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن داود بن الزبرقان، عن صالح بن بريدة، في قوله: { عُرْفاً } قال: يتبع بعضها بعضاً.

والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره أقسم بالمرسلات عرفاً، وقد ترسل عُرْفاً الملائكة، وترسل كذلك الرياح، ولا دلالة تدلّ على أن المعنيّ بذلك أحد الحِزْبين دون الآخر وقد عمّ جلّ ثناؤه بإقسامه بكل ما كانت صفته ما وصف، فكلّ من كان صفته كذلك، فداخل في قسمه ذلك مَلَكاً أو ريحاً أو رسولاً من بني آدم مرسلاً.

وقوله: { فالْعاصِفاتِ عَصْفاً } يقول جلّ ذكره: فالرياح العاصفات عصفاً، يعني الشديدات الهبوب السريعات الممرّ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل...

حدثنا أحمد بن هشام، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السديّ، عن أبي صالح { والنَّاشِرَاتِ نَشْراً } قال: الملائكة تنشُر الكتب.

وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أقسم بالناشرات نشراً، ولم يَخْصُص شيئاً من ذلك دون شيء، فالريح تنشر السحاب، والمطر ينشر الأرض، والملائكة تنشر الكتب، ولا دلالة من وجه يجب التسليم له على أن المراد من ذلك بعض دون بعض، فذلك على كل ما كان ناشراً...

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس { فالْفارِقاتِ فَرْقاً } قال: الملائكة.

وقال آخرون: بل عُنِي بذلك القرآن.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { فالْفارِقاتِ فَرْقاً } يعني القرآن ما فرق الله فيه بين الحقّ والباطل.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: أقسم ربنا جلّ ثناؤه بالفارقات، وهي الفاصلات بين الحقّ والباطل، ولم يخصص بذلك منهنّ بعضاً دون بعض، فذلك قَسَم بكلّ فارقة بين الحقّ والباطل، مَلَكاً كان أو قرآناً، أو غير ذلك....

وقوله: { فالمُلْقِياتِ ذِكْراً } يقول: فالمبلِّغات وحي الله رسله، وهي الملائكة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس { فالمُلْقِياتِ ذِكْراً } يعني: الملائكة.

اسامة محمد خيري
22-04-2017, 04:44
وذُكر عن ابن عباس أنه قرأ ذلك: «كالْقَصَرِ» بتحريك الصاد.

حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، قال: أخبرني حسين المعلم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس أنه قرأها: «كالقَصَرِ» بفتح القاف والصاد.

قال: وقال هارون: أخبرني أبو عمرو أن ابن عباس قرأها: «كالْقَصَرِ» وقال: قصر النخل، يعني الأعناق.

وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، وهو سكون الصاد، وأولى التأويلات به أنه القصر من القصور، وذلك لدلالة قوله: { كأنهُ جِمالاتٌ صُفْرٌ } على صحته، والعرب تشبه الإبل بالقصور المبنية، كما قال الأخطل في صفة ناقة:
كأنها بُرْجُ رُوميَ يُشَيِّدُه لُزَّ بِجصّ وآجُرٍّ وأحْجارِ
وقيل: { بِشَرَرٍ كالقَصْرِ } ولم يقل كالقصور، والشررِ: جماع، كما قيل: سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ولم يقل الأدبار، لأن الدبر بمعنى الأدبار، وفعل ذلك توفيقا بين رؤوس الآيات ومقاطع الكلام، لأن العرب تفعل ذلك كذلك، وبلسانها نزل القرآن. وقيل: كالقصر، ومعنى الكلام: كعظم القصر، كما قيل: تَدوُر أعُيُنهم كالذي يُغْشَى عليه مِنَ الموتِ ولم يقل: كعيون الذي يغشى عليه، لأن المراد في التشبيه الفعل لا العين.
....

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { كأنَّهُ جِمالاتٌ صُفْرٌ } يقول: قطع النحاس.

وأولى الأقوال عندي بالصواب قول من قال: عُنِي بالجمالات الصفر: الإبل السود، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وأن الجِمالات جمع جِمال، نظير رِجال ورِجالات، وبُيوت وبُيوتات.

وقد اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: «جِمالاتٍ» بكسر الجيم والتاء على أنها جمع جِمال وقد يجوز أن يكون أريد بها جمع جِمالة، والجمالة جمع جَمَل كما الحجارة جمع حَجَر، والذِّكارة جمع ذَكَر. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين: { كأنه جِمالَةٌ } بكسر الجيم على أنها جمع جمل جُمع على جمالة، كما ذكرت مِن جمع حجَر حِجارة. ورُوي عن ابن عباس أنه كان يقرأ: «جُمالاتٌ» بالتاء وضمّ الجيم كأنه جمع جُمالة من الشيء المجمل.

حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن الحسين المعلم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس.

والصواب من القول في ذلك، أن لقارىء ذلك اختيارَ أيّ القراءتين شاء من كسر الجيم وقراءتها بالتاء وكسر الجيم، وقراءتها بالهاء التي تصير في الوصل تاء، لأنهما القراءتان المعروفتان في قرّاء الأمصار فأما ضم الجيم فلا أستجيزه لإجماع الحجة من القرّاء على خلافه.

اسامة محمد خيري
22-04-2017, 04:54
وقوله: { وَإذَا قِيلَ لهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ } يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء المجرمين المكذّبين بوعيد الله أهل التكذيب به: اركعوا، لا يركعون.

واختلف أهل التأويل في الحين الذي يقال لهم فيه، فقال بعضهم: يقال ذلك في الآخرة حين يُدْعون إلى السجود فلا يستطيعون.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ } يقول: يُدْعون يوم القيامة إلى السجود فلا يستطيعون السجود من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا.

وقال آخرون: بل قيل ذلك لهم في الدنيا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ } عليكم بحسن الركوع، فإن الصلاة من الله بمكان. وقال قتادة عن ابن مسعود، أنه رأى رجلاً يصلي ولا يركع، وآخر يجرّ إزاره، فضحك، قالوا: ما يُضحكك؟ قال: أضحكني رجلان، أما أحدهما فلا يقبل الله صلاته، وأما الآخر فلا ينظر الله إليه.

وقيل: عُنِي بالركوع في هذا الموضع الصلاة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { وَإذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ } قال: صَلُّوا.

وأولى الأقوال في ذلك أن يقال: إن ذلك خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء القوم المجرمين أنهم كانوا له مخالفين في أمره ونهيه، لا يأتمرون بأمره، ولا ينتهون عما نهاهم عنه

اسامة محمد خيري
22-04-2017, 04:58
سورة النبأ

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: { وأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ } قال: من السماء.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه أنزل من المعصِرات، وهي التي قد تحلبت بالماء من السحاب ماء.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن القول في ذلك على أحد الأقوال الثلاثة التي ذكرت، والرياح لا ماء فيها، فينزل منها، وإنما ينزل بها، وكان يصحّ أن تكون الرياح، ولو كانت القراءة: «وَأنْزَلْنا بالمُعْصِرَاتِ» فلما كانت القراءة: { منَ المُعْصِرَاتِ } علم أن المعنيّ بذلك ما وصفت.

فإن ظنّ ظانّ أن الباء قد تعقب في مثل هذا الموضع من قيل ذلك، وإن كان كذلك، فالأغلب من معنى «من» غير ذلك، والتأويل على الأغلب من معنى الكلام. فإن قال: فإن السماء قد يجوز أن تكون مراداً بها. قيل: إن ذلك وإن كان كذلك، فإن الأغلب من نزول الغيث من السحاب دون غيره....

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَجَنَّاتٍ ألْفافاً } قال: هي الملتفة، بعضها فوق بعض.

واختلف أهل العربية في واحد الألفاف، فكان بعض نحويِّي البصرة يقول: واحدها: لَفٌّ. وقال بعض نحويِّي الكوفة: واحدها: لَفّ ولفيف قال: وإن شئت كان الألفاف جمعاً، واحده جمع أيضاً، فتقول: جنة لفَّاء، وجنات لَفّ، ثم يجمع اللَّفّ ألفافاً.

وقال آخر منهم: لم نسمع شجرة لفة، ولكن واحدها لفاء، وجمعها لفّ، وجمع لفّ: ألفاف، فهو جمع الجمع.

والصواب من القول في ذلك أن الألفاف جمع لَفّ أو لفيف، وذلك أن أهل التأويل مجمعون على أن معناه: ملتفة، واللَّفاء: هي الغليظة، وليس الالتفاف من الغلظ في شيء، إلاَّ أن يوجه إلى أنه غلظ الالتفاف، فيكون ذلك حينئذٍ وجهاً.

اسامة محمد خيري
22-04-2017, 05:08
ورُوي عن خالد بن معدان في هذه الآية، أنها في أهل القِبلة. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عامر بن جشب، عن خالد بن معدان في قوله: { لابِثِينَ فِيها أحْقاباً } ، وقوله: { إلا ما شاءَ رَبُّكَ } إنهما في أهل التوحيد من أهل القبلة.

فإن قال قائل: فما أنت قائل في هذا الحديث؟ قيل: الذي قاله قتادة عن الربيع بن أنس في ذلك أصحّ.

فإن قال: فما للكفار عند الله عذابٌ إلاَّ أحقاباً قيل: إن الربيع وقتادة قد قالا: إن هذه الأحقاب لا انقضاء لها ولا انقطاع. وقد يحتمل أن يكون معنى ذلك: لابثين فيها أحقاباً، في هذا النوع من العذاب، هو أنهم: { لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَرَاباً إلاَّ حَمِيماً وغَسَّاقاً } فإذا انقضت تلك الأحقاب، صار لهم من العذاب أنواع غير ذلك، كما قال جلّ ثناؤه في كتابه:
{ وَإنَّ للطَّاغِينَ لَشَرَّ مآبٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المِهادُ هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَميمٌ وغَسَّاقٌ وآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أزْوَاجٌ }
وهذا القول عندي أشبه بمعنى الآية. وقد رُوي عن مقاتل بن حيان في ذلك ما:

حدثني محمد بن عبد الرحيم البرقيّ، قال: ثنا عمرو بن أبي سَلَمة، قال: سألت أبا معاذ الخراسانيّ، عن قول الله: { لابِثِينَ فِيها أحْقاباً } فأخبرنا عن مقاتل بن حيَان، قال: منسوخة، نسختها:
{ فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلاَّ عَذَاباً }
ولا معنى لهذا القول، لأن قوله: { لابِثِينَ فِيها أحْقاباً } خبر، والأخبار لا يكون فيها نسخ، وإنما النسخ يكون في الأمر والنهي....

والغساق عندي: هو الفعال، من قولهم: غَسَقت عين فلان: إذا سالت دموعها، وغَسَق الجرح: إذا سال صديده، ومنه قول الله:
{ وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إذَا وَقَبَ }
يعني بالغاسق: الليل إذا لَبِس الأشياء وغطاها وإنما أريد بذلك هجومه على الأشياء، هجوم السيل السائل فإذا كان الغسَّاق هو ما وصفت من الشيء السائل، فالواجب أن يقال: الذي وعد الله هؤلاء القوم، وأخبر أنهم يذوقونه في الآخرة من الشراب، هو السائل من الزمهرير في جهنم، الجامع مع شدّة برده النتن، كما:

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يعمر ابن بشر، قال: ثنا ابن المبارك، قال: ثنا رشدين بن سعد، قال: ثنا عمرو بن الحرث، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: " لَوْ أن دَلْواً مِنْ غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ إلى الدُّنْيا، لأَنْتَنَ أهْلَ الدُّنْيا "

حُدثت عن محمد بن حرب، قال: ثنا ابن لَهِيعة، عن أبي قبيل، عن أبي مالك، عن عبد الله بن عمرو، أنه قال: «أتدرون أيّ شيء الغسَّاق؟ قالوا: الله أعلم، قال: «هو القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب، لأنتن أهل المشرق، ولو تهراق بالمشرق، لأنتن أهل المغرب».

فإن قال قائل: فإنك قد قلت: إن الغَسَّاق: هو الزمهرير، والزمهرير: هو غاية البرد، فكيف يكون الزمهرير سائلاً؟ قيل: إن البرد الذي لا يُستطاع ولا يُطاق، يكون في صفة السائل من أجساد القوم من القيح والصديد.

اسامة محمد خيري
22-04-2017, 05:18
وقال آخرون: قيل: ذلك أرواح بني آدم. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ } قال: يعني حين تقوم أرواح الناس مع الملائكة، فيما بين النفختين، قبل أن تردّ الأرواح إلى الأجساد.

وقال آخرون: هو القرآن. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، كان أبي يقول: الروح: القرآن، وقرأ
{ وكَذَلِكَ أَوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحاً مِنْ أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الْكِتابُ وَلا الإيمَانُ }


والصواب من القول أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنَّ خَلْقه لا يملكون منه خطاباً، يوم يقوم الرُّوح، والرُّوح: خَلْق من خلقه. وجائز أن يكون بعض هذه الأشياء التي ذكرت، والله أعلم أيّ ذلك هو؟ ولا خبر بشيء من ذلك أنه المعنيّ به دون غيره، يجب التسليم له، ولا حجة تدلّ عليه، وغير ضائر الجهل به.

حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا حفص بن عمر العَدَنيّ، قال: ثنا الحكم بن أبان، عن عكرِمة في قوله: { إلاَّ مَنْ أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقالَ صَوَاباً } قال: لا إله إلا الله.

والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن خلقه أنهم لا يتكلمون يوم يقوم الروح والملائكة صفاً، إلا من أذن له منهم في الكلام الرحمن، وقال صواباً، فالواجب أن يقال كما أخبر إذ لم يخبرنا في كتابه، ولا على لسان رسوله، أنه عَنَى بذلك نوعاً من أنواع الصواب، والظاهر محتمل جميعه.

اسامة محمد خيري
22-04-2017, 05:20
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا المحاربيُّ عبدُ الرحمن بن محمد، عن إسماعيل بن رافع المدَنيّ، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القُرَظِيّ، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال»: " يَقْضِي اللّهُ بَينَ خَلْقِهِ الجِنِّ والإنْسِ والبَهائِمِ، وإنَّهُ لَيَقِيدُ يَوْمَئِذٍ الجَمَّاءِ مِنَ القَرْناءِ، حتى إذَا لَمْ يَبْقَ تَبِعَةٌ عِنْدَ وَاحِدَةٍ لأُخْرَى، قالَ اللّهُ: كُونُوا تُرَاباً، فَعِنْدَ ذلكَ يَقُولُ الكافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً» "

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً } وهو الهالك المُفْرِط العاجز، وما يمنعه أن يقول ذلك وقد راج عليه عَوْراتُ عمله، وقد استقبل الرحمن وهو عليه غضبان، فتمنى الموت يومئذٍ، ولم يكن في الدنيا شيء أكره عنده من الموت

اسامة محمد خيري
22-04-2017, 05:25
سورة النازعات

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن السديّ { والنَّازِعاتِ غَرْقاً } قال: النفس حين تغرق في الصدر.

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره أقسم بالنازعات غرقاً، ولم يخصُصْ نازعة دون نازعة، فكلّ نازعة غَرْقاً، فداخلة في قَسَمه، مَلَكاً كان أو موتاً، أو نجماً، أو قوساً، أو غير ذلك. والمعنى: والنازعات إغراقاً، كما يغرق النازع في القوس.
...

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن واصل بن السائب، عن عطاء { والنَّاشِطاتِ نَشْطاً } قال: الأوهاق.

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله جلّ ثناؤه أقسم بالناشطات نَشْطاً، وهي التي تَنْشُط من موضع إلى موضع، فتذهب إليه، ولم يخصص الله بذلك شيئاً دون شيء، بل عَمّ القَسَم بجميع الناشطات، والملائكة تَنْشُط من موضع إلى موضع، وكذلك الموت، وكذلك النجوم والأوهاق وبقر الوحش أيضاً تَنْشُط، كما قال الطِّرِمَّاح:
وَهَلْ بِحَلِيفِ الخَيْلِ مِمَّنْ عَهِدْتُهُ بِهِ غَيْرُ أُحْدانَ النَّوَاشِطِ رُوْعُ
يعني بالنواشط: بقر الوحش، لأنها تنشَط من بلدة إلى بلدة، كما قال رُؤْبة بن العجَّاج:
تَشَّطَتْه كُلُّ مِغْلاةِ الّوَهَقْ
والهموم تَنْشُط صاحبها، كما قال هِمْيان بن قُحافة:
أمْستْ هُمُومي تَنْشِطُ المَناشِطَا الشَّأمَ بي طَوْراً وَطَوْراً وَاسِطَا
فكلّ ناشط فداخل فيما أقسم به، إلا أن تقوم حجة يجب التسليم لها، بأن المعنيّ بالقسم من ذلك، بعض دون بعض....

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { والسَّابِحاتِ سَبْحاً } قال: هي النجوم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

وقال آخرون: هي السُّفُن. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن واصل بن السائب، عن عطاء { والسَّابِحاتِ سَبْحاً } قال: السفن.

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله جلّ ثناؤه أقسم بالسابحات سَبْحاً من خلقه، ولم يخصص من ذلك بعضاً دون بعض، فذلك كل سابح، لما وصفنا قبلُ في «النازعات«....

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن واصل بن السائب، عن عطاء { فالسَّابقاتِ سَبْقاً }. قال: الخيل.

وقال آخرون: بل هي النجوم يَسبق بعضها بعضاً في السير. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { فالسَّابِقاتِ سَبْقاً } قال: هي النجوم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

والقول عندنا في هذه، مثل القول في سائر الأحرف الماضية...

وقوله: { فالمُدَبِّراتِ أمْراً } يقول: فالملائكة المدبرة ما أُمِرَت به من أمر الله، وكذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { فالمُدَبِّراتِ أمْراً } قال: هي الملائكة...

واختلف أهل العربية في موضع جواب قوله: { والنَّازِعات غَرْقاً } فقال بعضُ نحويِّي البصرة: قوله { والنَّازِعاتِ غَرْقاً }: قسم والله أعلم على
{ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشَى }
وإن شئت جعلتها على { يَوْم تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ } وهو كما قال الله وشاء أن يكون في كل هذا، وفي كلّ الأمور. وقال بعض نحويِّي الكُوفة: جواب القسم في النازعات: ما تُرِك، لمعرفة السامعين بالمعنى، كأنه لو ظهر كان لَتُبْعَثُنّ ولتحاسبنّ قال: ويدل على ذلك
{ أئِذَا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً }
ألا ترى أنه كالجواب لقوله:
{ لَتُبْعَثُنَّ }
إذ قال:
{ أئِذَا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً }
وقال آخر منهم نحو هذا، غير أنه قال: لا يجوز حذف اللام في جواب اليمين، لأنها إذا حذفت لم يُعرف موضعها، وذلك أنها تلي كلّ كلام.

والصواب من القول في ذلك عندنا: أن جواب القسم في هذا الموضع، مما استغني عنه بدلالة الكلام، فتُرك ذكره.

اسامة محمد خيري
22-04-2017, 05:28
وقوله: { أئِذَا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً } اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والحجاز والبصرة { نَخِرَةً } بمعنى: بالية. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: «ناخِرَةً» بألف، بمعنى: أنها مجوّفة، تنخَر الرياح في جوفها إذا مرّت بها. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من الكوفيين يقول: الناخرة والنَّخِرة: سواء في المعنى، بمنزلة الطامع والطمع، والباخل والبَخِل وأفصح اللغتين عندنا وأشهرهما عندنا: { نَخِرَةً } ، بغير ألف، بمعنى: بالية، غير أن رؤوس الآي قبلها وبعدها جاءت بالألف، فأعْجَبُ إليّ لذلك أن تُلْحَق ناخرة بها، ليتفق هو وسائر رؤوس الآيات، لولا ذلك كان أعجب القراءتين إليّ حذف الألف منها...

اسامة محمد خيري
22-04-2017, 05:30
حدثني سعيد بن عبد الله بن عبد الحَكَم، قال: ثنا حفص بن عُمَرَ العَدَنِيّ، عن الحكيم بن أبان، عن عكرِمة، قول موسى لفرعون: { هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَّكَّى } هل لك إلى أن تقول لا إله إلا الله.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { تَزَكَّى } فقرأته عامة قرّاء المدينة: «تزَّكَّى» بتشديد الزاي، وقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة: { إلى أنْ تَزَكَّى } بتخفيف الزاي. وكان أبو عمرو يقول، فيما ذُكر عنه: «تَزَّكَّى» بتشديد الزاي، بمعنى: تتصدّق بالزكاة، فتقول: تتزكى، ثم تدغم وموسى لم يدع فرعون إلى أن يتصدّق وهو كافر، إنما دعاه إلى الإسلام، فقال: تزكى: أي تكون زاكياً مؤمناً، والتخفيف في الزاي هو أفصح القراءتين في العربية.

اسامة محمد خيري
22-04-2017, 05:36
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { نَكالَ الآخِرَةِ والأولى } أما الأولى فحين قال فرعون:
{ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيرِي }
، وأما الآخرة فحين قال:
{ أنا رَبُّكُمُ الأعْلَى }
، فأخذه الله بكلمتيه كلتيهما، فأغرقه في اليم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { فأخَذَهُ اللّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى } قال: اختلفوا فيها، فمنهم من قال: نكال الآخرة من كلمتيه، والأولى قوله:
{ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرِي }
، وقوله:
{ أنا رَبُّكُمُ الأعْلَى }


وقال آخرون: عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة، عجَّل الله له الغرق، مع ما أعدّ له من العذاب في الآخرة.

اسامة محمد خيري
22-04-2017, 05:40
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس { والأرْضَ بَعْدَ ذلكَ دَحاها أخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها والجِبالَ أرْساها } يعني: أن الله خلق السموات والأرض، فلما فرغ من السموات قبل أن يخلق أقوات الأرض فيها، بعد خلق السماء، وأرسى الجبال، يعني بذلك دَحْوها الأقوات، ولم تكن تصلح أقوات الأرض ونباتها إلاَّ بالليل والنهار، فذلك قوله: { والأرْضَ بَعْدَ ذلكَ دَحاها } ألم تسمع أنه قال: { أخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرعَاها }.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن حفص، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال: وضع البيت على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام، ثم دُحيت الأرض من تحت البيت.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، ومنه دُحِيت الأرض.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: والأرض مع ذلك دحاها، وقالوا والأرض خُلِقت ودحيت قبل السماء، وذلك أن الله قال:
{ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ }
قالوا: فأخبر الله أنه سَوَّى السموات بعد أن خلق ما في الأرض جميعاً، قالوا فإذا كان ذلك كذلك، فلا وجه لقوله: { والأرْضَ بَعْدَ ذلكَ دَحاها } إلاَّ ما ذكرنا، من أنه مع ذلك دحاها، قالوا: وذلك كقول الله عزّ وجلّ:
{ عُتُلِّ بَعْدَ ذَلكَ زنِيمٌ }
بمعنى: مع ذلك زنيم، وكما يقال للرجل: أنت أحمق، وأنت بعد هذا لئيم الحسب، بمعنى: مع هذا، وكما قال جلّ ثناؤه:
{ وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ }
أي من قبل الذكر، واستشهد بقول الهُذَليّ:
حَمِدْتُ إلَهِي بَعْدَ عُرْوَةَ إذْ نَجَا خِراشٌ وبَعْضُ الشَّرّ أهْوَنُ مِنْ بَعْضِ
وزعموا أن خراشاً نجا قبل عُرْوة.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن خَصِيف، عن مجاهد { والأرْضَ بَعْدَ ذلكَ دَحاها } قال: مع ذلك دحاها.

حدثني ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، أنه قال: «والأرْضَ عِنْدَ ذلكَ دَحاها«.

حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا عليّ بن معبد، قال: ثنا محمد بن سلمة، عن خصيف، عن مجاهد { والأرْضَ بَعْدَ ذلكَ دَحاها } قال: مع ذلك دحاها.

حدثني محمد بن خلف العَسْقلانيّ، قال: ثنا روّاد بن الجرّاح، عن أبي حمزة، عن السديّ، في قوله: { والأرْضَ بَعْدَ ذلكَ دَحاها } قال: مع ذلك دحاها.

والقول الذي ذكرناه عن ابن عباس من أن الله تعالى خلق الأرض، وقدّر فيها أقواتها، ولم يَدْحُها، ثم استوى إلى السماء فسوّاهنّ سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك، فأخرج منها ماءها ومرعاها، وأرسى جبالها، أشبه بما دلّ عليه ظاهر التنزيل، لأنه جلّ ثناؤه قال: { والأرْضَ بَعْدَ ذلكَ دَحاها } ، والمعروف من معنى «بَعْد» أنه خلاف معنى «قَبْل»، وليس في دحو الله الأرض بعد تسويته السموات السبع، وإغطاشه ليلها، وإخراجه ضحاها، ما يوجب أن تكون الأرض خُلقت بعد خلق السموات لأن الدحو إنما هو البسط في كلام العرب، والمدّ يقال منه: دحا يدحو دَحْواً، ودَحَيْتُ أَدْحِي دَحْياً لغتان ومنه قول أُمَّية بن أبي الصلت:


دَارٌ دَحاها ثُمَّ أعْمَرَنا بِها وأقامَ بالأخْرَى التي هيَ أمْجَدُ
وقول أوس بن حجر في نعت غيث:
يَنْفِي الحصَى عن جديد الأرْضِ مُبْتَرِكٌ كأنَّه فاحِصٌ أو لاعبٌ داحِي
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { والأرْضَ بَعْدَ ذلكَ دَحاها }: أي بسطها.

اسامة محمد خيري
23-04-2017, 04:35
سورة عبس

وقوله: { وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى } يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما يدريك يا محمد، لعلّ هذا الأعمى الذي عَبَست في وجهه يَزَّكَّى: يقول: يتطهَّر من ذنوبه. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { لَعَلَّهُ يَزَّكَّى }: يُسْلِم.

وقوله: { أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذّكْرَى } يقول: أو يتذكَّر فتنفعَه الذكرى: يعني يعتبر فينفعه الاعتبار والاتعاظ، والقراءة على رفع: «فتَنْفَعُهُ» عطفاً به على قوله: { يَذَّكَّرُ } ، وقد رُوي عن عاصم النصبُ فيه والرفعُ، والنصب على أن تجعله جواباً بالفاء للعلّ، كما قال الشاعر:
عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أوْ دُولاتِها يُدِلْنَنَا اللَّمَّةَ مِنْ لَمَّاتِها
فَتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِنْ زَفْراتِها وتُنْقَعَ الغُلَّةُ مِنْ غُلاَّتِها
«وتنقع» يُروى بالرفع والنصب.

اسامة محمد خيري
23-04-2017, 04:42
والهاء في قوله «إنَّها» للسورة، وفي قوله «ذَكَرَهُ» للتنزيل والوحي { في صحف } يقول إنها تذكرة { فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ } يعني في اللوح المحفوظ، وهو المرفوع المطهَّر عند الله.

وقوله: { بِأيْدِي سَفَرةٍ } يقول: الصحف المكرّمة بأيدي سَفَرة، جمع سافر.

واختلف أهل التأويل فيهم ما هم؟ فقال بعضهم: هم كَتَبة. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: { بِأيْدِي سَفَرَةٍ } يقول: كَتَبة.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { بِأيْدِي سَفَرةٍ } قال: الكَتَبة.

وقال آخرون: هم القُرّاء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوَعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأيْدِي سَفَرةٍ } قال: هم القرّاء.

وقال آخرون: هم الملائكة. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس { بِأيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ } يعني الملائكة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { بِأيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ } قال: السَّفَرة: الذين يُحْصون الأعمال.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: هم الملائكة الذين يَسْفِرون بين الله ورسله بالوحي. وسفير القوم: الذي يسعى بينهم بالصلح، يقال: سَفَرت بين القوم: إذا أصلحت بينهم ومنه قول الشاعر:
وَما أدَعُ السِّفارَةَ بَينَ قَوْمي وَما أمْشِي بِغِشَ إنْ مَشَيْتُ
وإذا وُجِّه التأويل إلى ما قلنا، احتمل الوجه الذي قاله القائلون هم الكَتَبة، والذي قاله القائلون هم القُرّاء، لأن الملائكة هي التي تقرأ الكتب، وتَسْفِر بين الله وبين رسله.

اسامة محمد خيري
23-04-2017, 04:47
واختلف أهل التأويل في السبيل الذي يسَّره لها، فقال بعضهم: هو خروجه من بطن أمه. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، { ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ } يعني بذلك: خروجه من بطن أمه يسَّره له.

حدثني ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح { ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ } قال: سبيل الرَّحِم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن السديّ { ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ } قال: خروجه من بطن أمه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { ثُمَّ السَبِيلَ يَسَّرَهُ } قال: خروجه من بطن أمه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ } قال: أخرجه من بطن أمه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: طريق الحقّ والباطل، بيَّناه له وأعملناه، وسهلنا له العمل به. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد { ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ } قال: هو كقوله:
{ إنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمَّا شاكِراً وَإمَّا كَفُوراً }


حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ } قال: على نحو
{ إنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ }


حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: سبيل الشقاء والسعادة، وهو كقوله:
{ إنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ }


حدثنا ابن عبدالأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال الحسن، في قوله: { ثُمَّ السَّبيلَ يَسَّرَهُ } قال: سبيل الخير.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ } قال: هداه للإسلام الذي يسَّره له، وأعلمه به، والسبيل سبيل الإسلام.

وأولى التأويلين في ذلك عندي بالصواب. قول من قال: ثم الطريق، وهو الخروج من بطن أمه يسَّره.

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب، لأنه أشبههما بظاهر الآية، وذلك أن الخبر من الله قبلها وبعدها عن صفته خلقه، وتدبيره جسمه، وتصريفه إياه في الأحوال، فالأولى أن يكون أوسط ذلك نظير ما قبله وبعده...

وقوله: { كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أمَرَهُ } يقول تعالى ذكره: كلا ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر، من أنه قد أدّى حقّ الله عليه، في نفسه وماله، { لمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ }: لم يؤدّ ما فرض عليه من الفرائض ربُّه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ } قال: لا يقضي أحد أبداً ما افُتِرض عليه. وقال الحارث: كلّ ما افترض عليه.

اسامة محمد خيري
23-04-2017, 04:56
سورة التكوير

والصواب من القول في ذلك عندنا: أن يقال { كُوِّرَتْ } كما قال الله جلّ ثناؤه والتكوير في كلام العرب: جمع بعض الشيء إلى بعض، وذلك كتكوير العمامة، وهو لفها على الرأس، وكتكوير الكارة، وهي جمع الثياب بعضها إلى بعض، ولفها، وكذلك قوله: { إذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ } إنما معناه: جمع بعضها إلى بعض، ثم لفت فرمي بها، وإذا فعل ذلك بها ذهب ضوءُها. فعلى التأويل الذي الذي تأوّلناه وبيَّناه لكلا القولين اللذين ذكرت عن أهل التأويل، وجه صحيح، وذلك أنها إذا كُوِّرت ورُمي بها، ذهب ضوءُها....

اسامة محمد خيري
23-04-2017, 05:02
اختلف أهل التأويل في معنى قوله: { وَإذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ } فقال بعضهم: معنى ذلك: ماتت. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ بن مسلم الطوسي، قال: ثنا عباد بن العوّام، قال: أخبرنا حصين، عن عكرِمة، عن ابن عباس، في قول الله: { وَإذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ } قال: حَشْرُ البهائم: موتها، وحشر كل شيء: الموت، غير الجنّ والإنس، فإنهما يوقفان يوم القيامة.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن ربيع بن خيثم { وَإذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ } قال: أتى عليها أمر الله، قال سفيان، قال أبي، فذكرته لعكرِمة، فقال: قال ابن عباس: حَشْرُها: موتها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيع بن خيثم، بنحوه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وإذا الوُحوش اختلطت. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسين بن حريث، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن الربيع بن أنس عن أبي العالية، قال: ثني أُبيّ بن كعب { وَإذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ } قال: اختلطت.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: جُمعت. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَإذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ } هذه الخلائق موافية يوم القيامة، فيقضي الله فيها ما يشاء.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى حشرت: جمعت، فأميتت لأن المعروف في كلام العرب من معنى الحشر: الجمع ومنه قول الله
{ والطَّيْرَ مَحْشُورَةً }
يعني: مجموعة.

وقوله:
{ فَحَشَرَ فَنادَى }
وإنما يحمل تأويل القرآن على الأغلب الظاهر من تأويله، لا على الأنكر المجهول....

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: { وَإذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ } قال: يبَست.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: معنى ذلك: مُلئت حتى فاضت، فانفجرت وسالت كما وصفها الله به في الموضع الآخر، فقال: وإذا البحار فجِّرت والعرب تقول للنهر أو للرَّكيّ المملوء: ماء مسجور ومنه قول لبيد:
فَتَوَسَّطا عُرْضَ السَّرِى وَصَدَّعا مَسْجُورَةً مُتَجاوِرا قُلاَّمُها
ويعني بالمسجورة: المملوءة ماء.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والكوفة: { سُجِّرَتْ }: بتشديد الجيم. وقرأ ذلك بعض قرّاء البصرة: بتخفيف الجيم. والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب....

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: أخبرنا داود، عن الشعبيّ، في قوله: { وَإذَ النُّفُوسُ زُوِّجَتْ } قال: زوّجت الأرواح الأجساد.

وأولى التأويلين في ذلك بالصحة، الذي تأوّله عمر بن الخطاب رضي الله عنه للعلة التي اعتلّ بها، وذلك قول الله تعالى ذكره:
{ وكنْتُمْ أزْوَاجاً ثَلاثَةً }
، وقوله:
{ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلمُوا وأزْوَاجَهُمْ }
وذلك لا شكّ الأمثال والأشكال، في الخير والشرّ، وكذلك قوله: { وَإذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ } بالقُرَناء والأمثال في الخير والشرّ....

وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب: قراءة من قرأ ذلك { سُئِلَتْ } بضم السين { بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ } على وجه الخبر، لإجماع الحجة من القرّاء عليه. والموءودة: المدفونة حية، وكذلك كانت العرب تفعل ببناتها ومنه قول الفرزدق بن غالب:
ومِنَّا الَّذي أحْيا الوَئِيدَ وَغائِبٌ وعَمْرٌو، ومنَّا حامِلونَ وَدافِعُ
يقال: وأده فهو يئده وأداً، ووأدة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَإذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ }: هي في بعض القراءات: «سأَلَتْ بأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ» لا بذنب، كان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته، ويغذو كلبه، فعاب الله ذلك عليهم....

اسامة محمد خيري
23-04-2017, 05:08
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { الخُنَّسِ الجَوَارِ الْكُنَّسِ } يعني الظباء.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: إن الله تعالى ذكره أقسم بأشياء تخنس أحياناً: أي تغيب، وتجري أحياناً وتكنس أخرى، وكنوسها: أن تأوي في مكانسها، والمكانِس عند العرب، هي المواضع التي تأوي إليها بقر الوحش والظباء، واحدها مَكْنِس وكِناس، كما قال الأعشى:
فلَمَّا لَحِقْنا الْحَيَّ أتْلَعَ أَنَّسٌ كمَا أتْلَعَتْ تَحْتَ المَكانِسِ رَبْرَبُ
فهذه جمع مَكْنِس، وكما قال في الكِناس طَرَفة بن العبد:
كأنَّ كِناسَيْ ضَالَةٍ يَكْنُفانِهَا وأطْرَ قِسِيَ تَحْتَ صُلْبٍ مَؤَيَّدِ
وأما الدلالة على أن الكِناس قد يكون للظباء، فقول أوس بن حَجَر:
ألَمْ تَرَ أنَّ اللّهَ أنْزَلَ مُزْنَةً وعُفْرُ الظِّباءِ فِي الْكِناسِ تَقَمَّعُ
فالكِناس في كلام العرب ما وصفت، وغير مُنكر أن يُستعار ذلك في المواضع التي تكون بها النجوم من السماء، فإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن في الآية دلالة على أن المراد بذلك النجوم دون البقر، ولا البقر دون الظباء، فالصواب أن يُعَمّ بذلك كلّ ما كانت صفته الخنوس أحياناً، والجري أخرى، والكنوس بآنات على ما وصف جلّ ثناؤه من صفتها.

اسامة محمد خيري
23-04-2017, 05:12
وأولى التأويلين في ذلك بالصواب عندي: قول من قال: معنى ذلك: إذا أدبر، وذلك لقوله: { وَالصُّبْحِ إذَا تَنَفَّسَ } فدلّ بذلك على أن القسم بالليل مدبراً، وبالنهار مقبلاً، والعرب تقول: عسعس الليل، وسَعْسَع الليل: إذا أدبر، ولم يبق منه إلا اليسير...

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أنه كان يقول: { إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } يعني: جبريل.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، أنه كان يقول { إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } قال: هو جبريل.

وقوله: { ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ } يقول تعالى ذكره: ذي قوّة، يعني جبرائيل على ما كلف من أمر غير عاجز { عْندَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ } يقول: هو مكينٌ عند ربّ العرش العظيم.

اسامة محمد خيري
23-04-2017, 05:15
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا المحاربي، عن جُويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، أنه قرأ: «بِظَنِينٍ» قال: ليس بمتهم.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي المعلَّى، عن سعيد بن جُبير: أنه كان يقرأ هذا الحرف «وَما هُوَ عَلى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ» فقلت لسعيد بن جُبير: ما الظنين؟ قال: ليس بمتهم.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي المعلى، عن سعيد بن جُبير أنه قرأ «وَما هُوَ عَلى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ» قلت: وما الظنين: قال المتهم.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: «وَما هُوَ عَلى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ» يقول: ليس بمتهم على ما جاء به، وليس يظنّ بما أوتي.

حدثنا بشر، قال: ثنا خالد بن عبد الله الواسطيّ، قال: ثنا المغيرة، عن إبراهيم «وَما هُوَ عَلى الْغَيْبِ بِظَنِينِ» قال: بمتهم.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن زرّ: «وَما هُوَ عَلى الْغَيْب بِظَنِينٍ» قال: الغيب: القرآن... وفي قراءتنا «بِظَنِينٍ» متهم.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: «بِظَنِينٍ» قال: ليس على ما أنزل الله بمتهم.

وقد تأوّل ذلك بعض أهل العربية أن معناه: وما هو على الغيب بضعيف، ولكنه محتَمِل له مطيق، ووجهه إلى قول العرب للرجل الضعيف: هو ظَنُون.

وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب: ما عليه خطوط مصاحف المسلمين متفقة، وإن اختلفت قراءتهم به، وذلك { بضَنِينٍ } بالضاد، لأن ذلك كله كذلك في خطوطها.

فإذا كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين بالصواب في ذلك تأويل من تأوّله: وما محمد على ما علَّمه الله من وحيه وتنزيله ببخيل بتعليمكموه أيها الناس، بل هو حريص على أن تؤمنوا به وتتعلَّموه.

اسامة محمد خيري
23-04-2017, 05:18
سورة الانفطار

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ } قال: ما قدّمت: عملت، وما أخرت: تركت وضيَّعت، وأخرت من العمل الصالح الذي دعاها الله إليه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما قدّمت من خير أو شرّ، وأخَّرت من خير أو شرّ. ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا العوّام، عن إبراهيم التيميّ، قال: ذكروا عنده هذه الآية { عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأخَّرَتْ } قال: أنا مما أخَّر الحَجاج.

وإنما اخترنا القول الذي ذكرناه، لأن كلّ ما عمل العبد من خير أو شرّ فهو مما قدّمه، وأن ما ضيَّع من حقّ الله عليه وفرّط فيه فلم يعمله، فهو مما قد قدّم من شرّ، وليس ذلك مما أخَّر من العمل، لأن العمل هو ما عمله، فأما ما لم يعمله فإنما هو سيئة قدّمها، فلذلك قلنا: ما أخر: هو ما سنه من سنة حسنة وسيئة، مما إذا عمل به العامل كان له مثل أجر العامل بها أو وزره.

اسامة محمد خيري
23-04-2017, 05:22
وقوله: { الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ } يقول: الذي خلقك أيها الإنسان فسوّى خلقك { فَعَدَلكَ }.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة ومكة والشام والبصرة: «فَعَدَّلكَ» بتشديد الدال، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة بتخفيفها وكأن من قرأ ذلك بالتشديد، وجَّه معنى الكلام إلى أنه جعلك معتدلاً معدّل الخلق مقوَّماً، وكأنّ الذين قرؤوه بالتخفيف، وجَّهوا معنى الكلام إلى صرفك، وأمالك إلى أيّ صورة شاء، إما إلى صورة حسنة، وإما إلى صورة قبيحة، أو إلى صورة بعض قراباته.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان في قَرَأة الأمصار، صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، غير أن أعجبهما إليّ أن أقرأ به، قراءة من قرأ ذلك بالتشديد، لأن دخول «في» للتعديل أحسن في العربية من دخولها للعدل، ألا ترى أنك تقول: عدّلتك في كذا، وصرفتك إليه، ولا تكاد تقول: عدلتك إلى كذا وصرفتك فيه، فلذلك اخترت التشديد.

وبنحو الذي قلنا في ذلك وذكرنا أن قارئي ذلك تأوّلوه، جاءت الرواية عن أهل التأويل أنهم قالوه. ذكر الرواية بذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: { فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ } قال: في أيّ شبه أب أو أم أو خال أو عمّ.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن إسماعيل، في قوله: { ما شاءَ رَكَّبَكَ } قال: إن شاء في صورة كلب، وإن شاء في صورة حمار.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح { فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ } قال: خنزيراً أو حماراً.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن عكرِمة، في قوله: { فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ } قال: إن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير.

حدثني محمد بن سنان القزّاز، قال: ثنا مطهر بن الهيثم، قال: ثنا موسى بن عليّ بن أبي رباح اللَّخمي، قال: ثني أبي، عن جدي، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: " ما وُلِدَ لَكَ؟ " قال: يا رسول الله، ما عسى أن يولد لي، إما غلام، وإما جارية، قال: " فَمَنْ يُشْبِهُ؟ " قال: يا رسول الله من عسى أن يشبه؟ إما أباه، وإما أمه فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم عندها: " مَهْ، لا تَقُولَنَّ هَكَذَا، إنَّ النُّطْفَةَ إذا اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِمِ أحْضَرَ اللّهُ كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَها وَبَينَ آدَمَ، أما قَرأْتَ هَذِهِ الآيَةَ فِي كِتابِ اللّهِ فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ قال: سَلَكَكَ ".

اسامة محمد خيري
23-04-2017, 05:30
سورة المطففين

وقوله: { وَإذَا كالُوهُمْ أوْ وَزَنُوهُمْ } يقول: وإذا هم كالوا للناس أو وزنوا لهم. ومن لغة أهل الحجاز أن يقولوا: وزنتك حقك، وكلتك طعامك، بمعنى: وزنت لك وكلت لك. ومن وجَّه الكلام إلى هذا المعنى، جعل الوقف على هم، وجعل هم في موضع نصب. وكان عيسى بن عمر فيما ذُكر عنه يجعلهما حرفين، ويقف على كالوا، وعلى وزنوا، ثم يبتدىء: هم يُخسرون. فمن وجَّه الكلام إلى هذا المعنى، جعل هم في موضع رفع، وجعل كالوا ووزنوا مكتفيين بأنفسهما.

والصواب في ذلك عندي: الوقف على هم، لأن كالوا ووزنوا لو كانا مكتفيين، وكانت هم كلاماً مستأنفاً، كانت كتابة كالوا ووزنوا بألف فاصلة بينها وبين هم مع كل واحد منهما، إذ كان بذلك جرى الكتاب في نظائر ذلك، إذا لم يكن متصلاً به شيء من كنايات المفعول، فكتابهم ذلك في هذا الموضع بغير ألف أوضح الدليل على أن قوله: { هُمْ } إنما هو كناية أسماء المفعول بهم....

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، قال: { يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ } حتى يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه.

قال يعقوب، قال إسماعيل: قلت لابن عون: ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث؟ قال: نَعَمْ إنْ شاءَ اللّهُ.

حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثني عمي، قال: أخبرني مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " يَقُومُ النَّاسُ لِرَبّ الْعالَمِينَ، حتى إنَّ أحَدَهُمْ لَيَغِيبُ فِي رَشْحِهِ إلى نِصْفِ أُذُنَيْهِ ".

اسامة محمد خيري
23-04-2017, 05:36
وإنما اخترت القول الذي اخترت في معنى قوله: { سِجِّينٍ } لما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، قال: ثنا الأعمش، قال: ثنا المنهال بن عمرو، عن زاذان أبي عمرو، عن البراء، قال: { سِجِّينٍ }: الأرض السفلى.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن المنهال، عن زاذان، عن البراء، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " وذكر نفس الفاجر، وأنَّهُ يُصْعَدُ بها إلى السَّماءِ، قال: فَيَصْعَدُونَ بِها فَلا يَمُرُّونَ بِها عَلى مَلإِ مِنَ المَلائِكَةِ إلاَّ قالُوا: ما هَذَا الرُّوحُ الخَبِيثُ؟ قال: فَيَقُولُونَ فُلانٌ بأقْبَحِ أسمَائِهِ التي كانَ يُسَمَّى بِها فِي الدنْيا حتى يَنْتَهُوا بِها إلى السَّماءِ الدُّنيْا، فَيسْتَفْتِحُونَ لَهُ، فَلا يُفْتَحُ لَهُ " ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: " { لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أبْوَابُ السَّماءِ ولاَ يَدْخُلُونَ الجَّنَةَ حتى تَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمّ الخِياطِ } فَيَقُولُ اللّهُ: اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي أسْفَلِ الأرْضِ فِي سِجِّينٍ فِي الأرْضِ السُّفْلَى "...

وقوله: { كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلى قُلُوبِهِمْ } يقول تعالى ذكره مكذّباً لهم في قيلهم ذلك: كلا، ما ذلك كذلك، ولكنه ران على قلوبهم يقول: غلب على قلوبهم وغَمَرها، وأحاطت بها الذنوب فغطتها يقال منه: رانت الخمر على عقله، فهي تَرِين عليه رَيْناً، وذلك إذا سكر، فغلبت على عقله ومنه قول أبي زُبيد الطائي:
ثُمَّ لَمَّا رآهُ رَانَتْ بِهِ الخَمـ ـر وأنْ لا تَرِينَهُ باتِّقاءِ
يعني ترينه بمخافة، يقول: سكر فهو لا ينتبه ومنه قول الراجز:
لمْ نَرْوَ حتى هَجَّرَتْ وَرِينَ بِي وَرِينَ بالسَّاقي الَّذي أمْسَى مَعِي
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاء الأثَر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو خالد، عن ابن عجلان، عن القَعْقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذَا أذْنَبَ العَبْدُ نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فإنْ تابَ صُقِلَ مِنْها، فإنْ عادَ عادَتْ حتى تَعْظُمْ فِي قَلْبِهِ، فَذلكَ الرَّانُ الَّذي قالَ اللّهُ { كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ } "

اسامة محمد خيري
23-04-2017, 05:44
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنهم محجوبون عن رؤية ربهم. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمار الرازيّ، قال: ثنا أبو معمر المنقريّ، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن في قوله: { كَلاَّ إنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ } قال: يكشف الحجاب فينظر إليه المؤمنون كلّ يوم غُدْوة وعشية، أو كلاماً هذا معناه.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء القوم أنهم عن رؤيته محجوبون. ويُحتمل أن يكون مراداً به الحجاب عن كرامته، وأن يكون مراداً به الحجاب عن ذلك كله، ولا دلالة في الآية تدلّ على أنه مراد بذلك الحجاب عن معنى منه دون معنى، ولا خبر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قامت حجته. فالصواب أن يقال: هم محجوبون عن رؤيته، وعن كرامته، إذ كان الخبر عاماً، لا دلالة على خصوصه.

اسامة محمد خيري
23-04-2017, 05:46
وقال آخرون: بل عُنِي بالعِلّيين: في السماء عند الله. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { إنَّ كِتابَ الأبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ } يقول: أعمالُهم في كتاب عند الله في السماء.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن كتاب الأبرار في عِليين والعليون: جمع، معناه: شيء فوق شيء، وعلوّ فوق علوّ، وارتفاع بعد ارتفاع، فلذلك جُمعت بالياء والنون، كجمع الرجال، إذا لم يكن له بناء من واحده واثنيه، كما حُكِي عن بعض العرب سماعاً: أطْعَمَنا مَرَقَة مَرَقَينِ: يعن اللحم المطبوخ كما قال الشاعر:
قَدْ رَوِيَتْ إلاَّ الدُّهَيْدِ هِينا قُلَيِّصَاتٍ وأُبَيْكِرِينَا
فقال: وأبيكرينا، فجمعها بالنون إذ لم يقصد عدداً معلوماً من البكارة، بل أراد عدداً لا يحدّ آخره، وكما قال الآخر:
فأصْبَحَتِ المَذَاهِبُ قَد أذَاعَتْ بِها الإعْصَارُ بَعْدُ الْوَابِلِينا
يعني: مطراً بعد مطر غير محدود العدد، وكذلك تفعل العرب في كلّ جمع لم يكن بناء له من واحده واثنيه، فجمعه في جميع الإناث، والذكران بالنون على ما قد بيَّنا، ومن ذلك قولهم للرجال والنساء: عشرون وثلاثون. فإذا كان ذلك كالذي ذكرنا، فبَّينٌ أن قوله: { لَفِي عِلِّيِّينَ } معناه: في علوّ وارتفاع، في سماء فوق سماء، وعلوّ فوق علوّ، وجائز أن يكون ذلك إلى السماء السابعة، وإلى سدرة المنتَهى، وإلى قائمة العرش، ولا خبر يقطع العذر بأنه معنيّ به بعضُ ذلك دون بعض.

والصواب أن يقال في ذلك، كما قال جلّ ثناؤه: إن كتاب أعمال الأبرار لفي ارتفاع إلى حدّ قد علم الله جلّ وعزّ منتهاه، ولا علم عندنا بغايته، غير أن ذلك لا يَقْصُر عن السماء السابعة، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك.

اسامة محمد خيري
23-04-2017, 05:49
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { مَخْتُومٍ } الخمر { خِتامُهُ مِسْكٌ }: ختامه عند الله مسك، وختامها اليوم في الدنيا طين.

وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب: قول من قال: معنى ذلك: آخره وعاقبته مسك: أي هي طيبة الريح، إن ريحها في آخر شربهم، يختم لها بريح المسك.

وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصحة، لأنه لا وجه للختم في كلام العرب إلا الطبع، والفراغ كقولهم: ختم فلان القرآن: إذا أتى على آخره، فإذا كان لا وجه للطبع على شراب أهل الجنة، يفهم إذا كان شرابهم جارياً جري الماء في الأنهار، ولم يكن مُعتقاً في الدنان، فيُطَيَّن عليها وتختم، تعين أن الصحيح من ذلك الوجه الآخر، وهو العاقبة والمشروب آخراً، وهو الذي ختم به الشراب. وأما الختم بمعنى المزج، فلا نعلمه مسموعاً من كلام العرب.

وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار: { خِتامُهُ مِسْكٌ } سوى الكسائيّ، فإنه كان يقرؤه: «خاتَمَهُ مِسْكٌ».

والصواب من القول عندنا في ذلك: ما عليه قَرَأَة الأمصار، وهو { خِتامُهُ } ، لإجماع الحجة من القرّاء عليه، والختام والخاتم، وإن اختلفا في اللفظ، فإنهما متقاربان في المعنى، غير أن الخاتم اسم، والختام مصدر ومنه قول الفرزدق:
فَبِتْنَ بِجانِبَيَّ مُصَرَّعتٍ وَبِتُّ أفُضُّ أغْلاقَ الخَتامِ
ونظير ذلك قولهم: هو كريم الطبائع والطباع....

واختلف أهل العربية في وجه نصب قوله: { عَيْناً } فقال بعض نحويِّي البصرة: إن شئت جعلت نصبه على يُسْقون عيناً، وإن شئت جعلته مدحاً، فيُقطع من أوّل الكلام، فكأنك تقول: أعني عيناً.

وقال بعض نحويِّي الكوفة: نصب العين على وجهين: أحدهما: أن يُنْوَى من تسنِيم عَيْن، فإذا نوّنت نصبت، كما قال:
{ أوْ إطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً }
، وكما قال:
{ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتاً أحْياءً }
والوجه الآخر: أن ينوى من ماء سُنِّم عيناً، كقولك: رفع عيناً يشرب بها. قال: وإن لم يكن التسنيم اسماً للماء، فالعين نكرة، والتسنيم معرفة، وإن كان اسماً للماء، فالعين نكرة فخرجت نصباً. وقال آخر من البصريين: { مِنْ تَسْنِيمٍ } معرفة، ثم قال { عَيْناً } فجاءت نكرة، فنصبتها صفة لها. وقال آخر نُصبت بمعنى: من ماء يَتَسَنَّم عيناً.

والصواب من القول في ذلك عندنا: أن التسنيم اسم معرفة، والعين نكرة، فنصبت لذلك إذ كانت صفة له. وإنما قلنا: ذلك هو الصواب لما قد قدّمنا من الرواية عن أهل التأويل، أن التسنيم هو العين، فكان معلوماً بذلك أن العين إذ كانت منصوبة وهي نكرة، أن التسنيم معرفة....

ومَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ } يقول جلّ ثناؤه: وما بُعث هؤلاء الكفار القائلون للمؤمنين إن هؤلاء لضالون، حافظين عليهم أعمالهم يقول: إنما كُلِّفوا الإيمان بالله، والعمل بطاعته، ولم يُجعلوا رُقباء على غيرهم يحفظون عليهم، أعمالهم ويتفقدونها.

اسامة محمد خيري
24-04-2017, 04:34
سورة الانشقاق

وقوله: { وَأذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ } يقول: وسمعت الأرضُ في إلقائها ما في بطنها من الموتى إلى ظهرها أحياء، أمرَ ربها وأطاعت { وحُقَّتْ } يقول: وحقَّقها الله للاستماع لأمره في ذلك، والانتهاء إلى طاعته.

واختلف أهل العربية في موقع جواب قوله: { إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ } ، وقوله: { وَإذَا الأرْضُ مُدَّتْ } ، فقال بعض نحويّي البصرة: { إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ } على معنى قوله:
{ يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحا فَمُلاقِيهِ }
إذا السماء انشقت، على التقديم والتأخير.

وقال بعض نَحويّي الكوفة: قال بعض المفسرين: جواب { إذَا السَّماءُ انْشَّقَّتْ } قوله: { وَأذِنَتْ } قال: ونرى أنه رأي ارتآه المفسر، وشبَّهه بقول الله تعالى:
{ حتى إذَا جاءُوها وَفُتِحَتْ أبْوَابُها }
لأنا لم نسمع جواباً بالواو في إذا مبتدأة، ولا كلام قبلها، ولا في إذا، إذا ابتدئت قال: وإنما تجيب العرب بالواو في قوله: حتى إذا كان، وفلما أن كان، لم يجاوزوا ذلك قال: والجواب في { إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ } وفي { إذَا الأرْضُ مُدَّتْ } كالمتروك، لأن المعنى معروف قد تردّد في القرآن معناه، فعُرِف، وإن شئت كان جوابه: يا أيها الإنسان، كقول القائل: إذا كان كذا وكذا، فيا أيها الناس تَرَون ما عملتم من خير أو شرّ، تجعل يا أيها الإنسان هو الجواب، وتضمر فيه الفاء، وقد فسِّر جواب { إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ } فيما يلقَى الإنسان من ثواب وعقاب، فكأن المعنى: ترى الثواب والعقاب إذا السماء انشقَّت.

والصواب من القول في ذلك عندنا: أن جوابه محذوف، ترك استغناء بمعرفة المخاطبين به بمعناه. ومعنى الكلام: إذا السماء انشقت رأى الإنسان ما قدّم من خير أو شرّ، وقد بين ذلك قوله:
{ يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ }
والآياتُ بعدها.

اسامة محمد خيري
24-04-2017, 04:38
إن قال قائل: وكيف قيل: { فَسَوْفَ يُحاسَبُ } والمحاسبة لا تكون لا من اثنين، والله القائم بأعمالهم، ولا أحد له قِبَل ربه طَلِبة فيحاسبه؟ قيل: إن ذلك تقرير من الله للعبد بذنوبه، وإقرار من العبد بها، وبما أحصاه كتاب عمله، فذلك المحاسبة على ما وصفنا، ولذلك قيل: يحاسَب.

حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن أبي يونس القشيري، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَيْسَ أحَدٌ يُحاسَبُ يَوْمَ الْقِيامَةِ إلاَّ هَلَكَ " قالت: فقلت: يا رسول الله { فأمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً } فقال: " ذَلِكَ الْعَرْضُ، لَيْسَ أحَدٌ يُحاسَبُ يَوْمَ الْقِيامَةِ إلاَّ هَلَكَ "

اسامة محمد خيري
24-04-2017, 04:44
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد { فَلا أُقْسِمُ بالشَّفَقِ } قال: النهار.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله.

وقال آخرون: الشفَق: هو اسم للحمرة والبياض، وقالوا: هو من الأضداد.

والصواب من القول في ذلك عندي: أن يقال: إن الله أقسم بالنهار مدبراً، والليل مقبلاً. وأما الشفَق الذي تحُلّ به صلاة العشاء، فإنه للحمرة عندنا، للعلة التي قد بيَّنَّاها في كتابنا كتاب الصلاة...


وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة وبعض الكوفيين: { لَترْكَبُنَّ } بالتاء، وبضمّ الياء، على وجه الخطاب للناس كافة، أنهم يركبون أحوال الشدة حالاً بعد حال. وقد ذكر بعضهم أنه قرأ ذلك بالياء، وبضم الباء، على وجه الخبر عن الناس كافة، أنهم يفعلون ذلك.

وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب: قراءة من قرأ بالتاء وبفتح الباء، لأن تأويل أهل التأويل من جميعهم بذلك ورد وإن كان للقراءات الأُخَر وجوه مفهومة. وإذا كان الصواب من القراءة في ذلك ما ذكرنا، فالصواب من التأويل قول من قال: «لَترْكَبَنَّ» أنت يا محمد حالاً بعد حال، وأمراً بعد أمر من الشدائد....

والمراد بذلك، وإن كان الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم موجهاً، جميع الناس، أنهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأهواله أحوالاً....

اسامة محمد خيري
24-04-2017, 04:52
سورة البروج

وقال آخرون: بل معنى ذلك: والسماء ذات الرمل والماء. ذكر من قال ذلك:

حدثني الحسن بن قزعة، قال: ثنا حصين بن نمير، عن سفيان بن حسين، في قوله: { والسَّماءِ ذَاتِ البُرُوجِ } قال: ذات الرمل والماء.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: معنى ذلك: والسماء ذات منازل الشمس والقمر، وذلك أن البروج: جمع برج، وهي منازل تتخذ عالية عن الأرض مرتفعة، ومن ذلك قول الله:
{ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ }
، وهي منازل مرتفعة عالية في السماء، وهي اثنا عشر برجاً، فمسير القمر في كلّ برج منها يومان وثلث، فذلك ثمانية وعشرون منزلاً، ثم يستسرّ ليلتين، ومسير الشمس في كلّ برج منها شهر.
...

وقال آخرون: الشاهد: يوم الأضحى، والمشهود، يوم عَرَفة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: { وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قال: الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة.

وقال آخرون: المشهود: يوم الجمعة، ورَوَوْا ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر الرواية بذلك:

حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثني عمي عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد ابن أبي هلال، عن زيد بن أيمن، عن عبادة بن نسيّ، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أكْثِرُوا عَليَّ الصَّلاةَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فإنَّهُ يَوْمٌ مَشْهُودٌ تَشْهَدُهُ المَلائِكَةُ "

والصواب من القول في ذلك عندنا: أن يقال: إن الله أقسم بشاهد شهد، ومشهود شهد، ولم يخبرنا مع إقسامه بذلك أيّ شاهد وأيّ مشهود أراد، وكلّ الذي ذكرنا أن العلماء قالوا: هو المعنيّ مما يستحقّ أن يُقال له { شاهِدٍ وَمَشْهُودٍ }....

واختُلف في موضع جواب القسم بقوله:
{ والسَّماءِ ذَاتِ البُرُوجِ }
فقال بعضهم: جوابه:
{ إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }
ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: وقع القسم هاهنا
{ إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ }


وقال بعض نحويِّي البصرة: موضع قسمها والله أعلم، على قتل أصحاب الأخدود، أضمر اللام كما قال: والشَّمْسِ وضُحاها قَدْ أفْلَحَ مَنْ زَكَّاها يريد: إن شاء الله: لقد أفلح من زكَّاها، فألقى اللام، وإن شئت قلت على التقديم، كأنه قال: قتل أصحاب الأخدود، والسماء ذات البروج.

وقال بعض نحويي الكوفة: يقال في التفسير: إن جواب القسم في قوله: { قُتِلَ } كما كان قسم
{ والشَّمْسِ وَضُحاها }
في قوله:
{ قَدْ أفْلَحَ }
هذا في التفسير قالوا: ولم نجد العرب تدع القسم بغير لام يستقبل بها أو «لا» أو «إن» أو «ما»، فإن يكن ذلك كذلك، فكأنه مما ترك فيه الجواب، ثم استؤنف موضع الجواب بالخبر، كما قيل: يا أيها الإنسان، في كثير من الكلام.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب: قول من قال: جواب القسم في ذلك متروك، والخبر مستأنف لأن علامة جواب القسم لا تحذفها العرب من الكلام إذا أجابته.

وأولى التأويلين بقوله: { قُتِلَ أصحَابُ الأُخْدُودِ }: لُعِن أصحاب الأخدود الذين ألقوا المؤمنين والمؤمنات في الأخدود.

وإنما قلت: ذلك أولى التأويلين بالصواب للذي ذكرنا عن الربيع من العلة، وهو أن الله أخبر أن لهم عذاب الحريق مع عذاب جهنم، ولو لم يكونوا أحرقوا في الدنيا لم يكن لقوله
{ ولَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ }
معنى مفهوم، مع إخباره أن لهم عذاب جهنم، لأن عذابَ جهنم هو عذاب الحريق مع سائر أنواع عذابها في الآخرة والأخدود: الحفرة تحفر في الأرض.

وقوله: { النَّارِ ذَاتِ الوَقُودِ } فقوله النار: ردّ على الأخدود، ولذلك خفضت، وإنما جاز ردّها عليه وهي غيره، لأنها كانت فيه، فكأنها إذ كانت فيه هو، فجرى الكلام عليه لمعرفة المخاطبين به بمعناه وكأنه قيل: قتل أصحاب النار ذَاتِ الوَقُودِ. ويعني بقوله: { ذَاتِ الوَقُودِ } ذات الحطب الجزل، وذلك إذا فتحت الواو، فأما الوقود بضم الواو، فهو الاتقاد.

اسامة محمد خيري
24-04-2017, 04:56
يقول تعالى ذكره: النار ذات الوقود، إذ هؤلاء الكفار من أصحاب الأخدود عليها، يعني على النار، فقال عليها، والمعنى أنهم قعود على حافة الأخدود، فقيل: على النار، والمعنى: لشفير الأخدود، لمعرفة السامعين معناه: وكان قتادة يقول في ذلك ما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { النَّارِ ذَاتِ الوَقُودِ إذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ } يعني بذلك المؤمنين.

وهذا التأويل الذي تأوّله قتادة على مذهب من قال: قُتل أصحاب الأخدود من أهل الإيمان. وقد دللنا على أن الصواب من تأويل ذلك غير هذا القول الذي وجه تأويله قتادة قبل.

اسامة محمد خيري
24-04-2017, 05:06
اختلف أهل التأويل في معنى قوله: { إنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } فقال بعضهم: معنى ذلك: إن الله أبدى خلقه، فهو يبتدىء، بمعنى: يحدث خلقه ابتداء، ثم يميتهم، ثم يعيدهم أحياء بعد مماتهم، كهيئتهم. قبل مماتهم. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { يُبْدِىءُ ويُعِيدُ } يعني: الخلق.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } قال: يُبدىء الخلق حين خلقه، ويعيده يوم القيامة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه هو يبدىء العذاب ويعيده. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس { إنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ } قال: يبدىء العذاب ويعيده.

وأوليَ التأويلين في ذلك عندي بالصواب، وأشبههما بظاهر ما دلّ عليه التنزيل، القول الذي ذكرناه عن ابن عباس، وهو أنه يُبدىء العذاب لأهل الكفر به ويعيد، كما قال جلّ ثناؤه:
{ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ولَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ }
في الدنيا، فأبدأ ذلك لهم في الدنيا، وهو يعيده لهم في الآخرة.

وإنما قلت: هذا أولى التأويلين بالصواب، لأن الله أتبع ذلك قوله { إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ } فكان للبيان عن معنى شدّة بطشه الذي قد ذكره قبله، أشبه به بالبيان عما لم يجر له ذكر ومما يؤيد ما قلنا من ذلك وضوحاً وصحة، قوله: { وَهُوَ الْغَفُورُ الوَدُودُ } فبين ذلك عن أن الذي قبله من ذكر خبره عن عذابه وشدّة عقابه....

اسامة محمد خيري
24-04-2017, 05:08
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { مَحْفُوظٍ } فقرأ ذلك من قرأه من أهل الحجاز، أبو جعفر القارىء، وابن كثير. ومن قرأه من قرّاء الكوفة عاصم والأعمش وحمزة والكسائي، ومن البصريين أبو عمرو { محفوظٍ } خفضاً على معنى أن اللوح هو المنعوت بالحفظ. وإذا كان ذلك كذلك كان التأويل في لوح محفوظ من الزيادة فيه، والنقصان منه، عما أثبته الله فيه. وقرأ ذلك من المكِّيين ابن مُحَيْصِن، ومن المدنيين نافع «مَحْفُوظٌ» رفعاً، ردّاً على القرآن، على أنه من نعته وصفته. وكان معنى ذلك على قراءتهما: بل هو قرآن مجيد، محفوظ من التغيير والتبديل في لوح.

والصواب من القول في ذلك عندنا: أنهما قراءتان معروفتان في قَرَأة الأمصار، صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. وإذ كان ذلك كذلك، فبأيّ القراءتين قرأ القارىء فتأويل القراءة التي يقرؤها على ما بيَّنا. وقد:

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد { فِي لَوْحٍ } قال: في أمّ الكتاب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } عند الله.

وقال آخرون: إنما قيل محفوظ، لأنه من جبهة إسرافيل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عمرو بن عليّ، قال: سمعت قرة بن سليمان، قال: ثنا حرب بن سريج، قال: ثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، في قوله: { بَلْ هُوَ قُرآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } قال: إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله، { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مجيد فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } في جَبْهة إسرافيل.

اسامة محمد خيري
24-04-2017, 05:14
سورة الطارق

وقرأ ذلك من أهل المدينة نافع، ومن أهل البصرة أبو عمرو: «لَمَا» بالتخفيف، بمعنى: إن كلّ نفس لعليها حافظ. وعلى أن اللام جواب «إن» و«ما» التي بعدها صلة. وإذا كان ذلك كذلك لم يكن فيه تشديد.

والقراءة التي لا أختار غيرها في ذلك: التخفيف، لأن ذلك هو الكلام المعروف من كلام العرب، وقد أنكر التشديد جماعة من أهل المعرفة بكلام العرب، أن يكون معروفاً من كلام العرب، غير أن الفرّاء كان يقول: لا نعرف جهة التثقيل في ذلك، ونرى أنها لغة من هُذَيل، يجعلون إلا مع إن المخففة لَمَا، ولا يجاوزون ذلك، كأنه قال: ما كلّ نفس إلاَّ عليها حافظ، فإن كان صحيحاً ما ذكر الفرّاء، من أنها لغة هُذَيل، فالقراءة بها جائزة صحيحة، وإن كان الاختيار أيضاً إذا صحّ ذلك عندنا، القراءة الأخرى، وهي التخفيف، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، ولا ينبغي أن يترك الأعرف إلى الأنكر. وقد:

حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا أبو عبيد، قال: ثنا معاذ، عن ابن عون، قال: قرأت عند ابن سيرين: «إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَا عَلَيْها حافِظٌ» فأنكره، وقال: سبحان الله، سبحان الله.

فتأويل الكلام: إذن: إن كلّ نفس لَعَليها حافظ من ربها، يحفظ عملها، وَيَحْصِي عليها ما تكسب من خير أو شرّ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: «إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَا عَلَيْها حافِظٌ» قال: كلّ نفس عليها حفظة من الملائكة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: «إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَا عَلَيْها حافِظٌ»: حفظة يحفظون عملك ورزقك وأجلك إذا توفيته يا بن آدم قبضت إلى ربك....

وقال آخرون: هي عصارة القلب. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني الليث أن معمر بن أبي حَبِيبة المَدِيني حدّثه، أنه بلغه في قول الله: { يَخْرُجُ مِنْ بَين الصُّلْب والتَّرَائِبِ } قال: هو عُصارة القلب، ومنه يكون الولد.

والصواب من القول في ذلك عندنا: قول من قال: هو موضع القِلادة من المرأة، حيث تقع عليه من صدرها، لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، وبه جاءت أشعارهم، قال المثقِّب العبدي:
ومِنْ ذَهَبٍ يُسَنُّ على تَرِيب كَلَوْنِ العاج ليسَ بذي غُضُونِ
وقال آخر:
والزَّعْفَرَانُ عَلى تَرَائِبِهَا شَرِقاً بِهِ اللَّبَّاتُ والنَّحْرُ
وقوله: { إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ } يقول تعالى ذكره: إن هذا الذي خلقكم أيها الناس من هذا الماء الدافق، فجعلكم بشراً سويّاً، بعد أن كنتم ماء مدفوقاً، على رجعه لقادر.

واختلف أهل التأويل في الهاء التي في قوله: { عَلى رَجْعِهِ } على ما هي عائدة، فقال بعضهم: هي عائدة على الماء. وقالوا: معنى الكلام: إن الله على ردّ النطفة في الموضع التي خرجت منه { لَقادِرٌ }. ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن عكرِمة، في قوله: { إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ } قال: إنه على رَدّه في صُلْبه لقادر....

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه على ردّ الإنسان ماء كما كان قبل أن يخلقه منه. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { إنَّهُ عَلى رَجْعه لَقادِرٌ } إن شئتُ رددتُه كما خلقته من ماء.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه على حبس ذلك الماء لقادر. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ } قال: على رجع ذلك الماء لقادر، حتى لا يخرج، كما قدر على أن يخلق منه ما خلق، قادر على أن يرجعه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنه قادر على رجع الإنسان من حال الكبر إلى حال الصغر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن مقاتل بن حَيّان، عن الضحاك قال: سمعته يقول في قوله: { إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ } يقول: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصِّبا، ومن الصبا إلى النطفة.

وعلى هذا التأويل تكون الهاء في قوله: { عَلى رَجْعِهِ } من ذكر الإنسان.

وقال آخرون ممن زعم أن الهاء للإنسان معنى ذلك أنه على إحيائه بعد مماته لقادر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لقادِرٌ } إن الله تعالى ذكره على بعثه وإعادته قادر.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال معنى ذلك: إن الله على ردّ الإنسان المخلوق من ماء دافق من بعد مماته حياً، كهيئته قبل مماته لقادر.

وإنما قلت هذا أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لقوله: { يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ } فكان في إتباعه قوله: { إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ } نبأ من أنباء القيامة، دلالة على أن السابق قبلها أيضاً منه، ومنه { يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ } يقول تعالى ذكره: إنه على إحيائه بعد مماته لقادر، يوم تُبلى السرائر فاليوم من صفة الرجع، لأن المعنى: إنه على رجعه يوم تبلى السرائر لقادر.

وعُنِي بقوله: { يَوْمَ تُبْلى السَّرَائِرُ } يوم تُخْتَبرُ سرائر العباد، فيظهر منها يومئذٍ ما كان في الدنيا مستخفياً عن أعين العباد، من الفرائض التي كان الله ألزمه إياها، وكلَّفه العمل بها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن عبد الله بن صالح، عن يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، في قوله: { يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ } قال: ذلك الصوم والصلاة وغُسْل الجنابة، وهو السرائر ولو شاء أن يقول: قد صُمْتُ وليس بصائم، وقد صلَّيتُ ولم يصلّ، وقد اغتسلت ولم يغتسل....

وقوله: { فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ } يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فمهِّل يا محمد الكافرين ولا تعجلْ عليهم { أمْهِلْهُمْ رُوَيْداً } يقول: أمهلهم آناً قليلاً، وأنظرهم للموعد الذي هو وقت حلول النقمة بهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً } يقول: قريباً.

اسامة محمد خيري
24-04-2017, 05:26
سورة الاعلي

وقال آخرون: معنى قوله: { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى }: صلّ بذكر ربك يا محمد، يعني بذلك: صلّ وأنت له ذاكر، ومنه وَجِل خائف.

وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب: قول من قال: معناه: نزّه اسم ربك أن تدعو به الآلهة والأوثان، لما ذكرت من الأخبار، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن الصحابة أنهم كانوا إذا قرأوا ذلك قالوا: سبحان ربيَ الأعلى، فبَيَّن بذلك أن معناه كان عندهم معلوماً: عظم اسم ربك، ونزّهه...

والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الله عمّ بقوله { فَهَدَى } الخبر عن هدايته خلقه، ولم يخصص من ذلك معنى دون معنى، وقد هداهم لسبيل الخير والشرّ، وهدى الذكور لمأتى الإناث، فالخبر على عمومه، حتى يأتي خبر تقوم به الحجة، دالّ على خصوصه. واجتمعت قرّاء الأمصار على تشديد الدال من قَدَّر، غير الكسائي فإنه خفَّفها. والصواب في ذلك التشديد، لإجماع الحجة عليه....

ثم اختلف أهل التأويل في معنى قوله { فلا تَنْسَى إلاَّ ما شاءَ اللّهُ } فقال بعضهم: هذا إخبار من الله نبيه عليه الصلاة والسلام أنه يعلمه هذا القرآن، ويحفظه عليه، ونهي منه أن يعجل بقراءته، كما قال جلّ ثناؤه:
{ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بهِ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرآنَهُ }
ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى } قال: كان يتذكر القرآن في نفسه مخافة أن ينسى.

فقال قائلو هذه المقالة: معنى الاستثناء في هذا الموضع على النسيان، ومعنى الكلام: فلا تنسى، إلاَّ ما شاء الله أن تنساه، ولا تذكُرَه، قالوا: ذلك هو ما نسخه الله من القرآن، فرفع حكمه وتلاوته. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى } كان صلى الله عليه وسلم لا ينسى شيئاً { إلاَّ ما شاءَ اللّهُ }.

وقال آخرون: معنى النسيان في هذا الموضع: الترك وقالوا: معنى الكلام: سنقرئك يا محمد فلا تترك العمل بشيء منه، إلاَّ ما شاء الله أن تترك العمل به، مما ننسخه.

وكان بعض أهل العربية يقول في ذلك: لم يشأ الله أن تنسى شيئاً، وهو كقوله:
{ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّمَوَاتُ والأرْضُ إلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ }
ولا يشاء. قال: وأنت قائل في الكلام: لأعطينك كلّ ما سألت إلاَّ ما شئت، وإلاَّ أن أشاء أن أمنعك، والنية أن لا تمنعه، ولا تشاء شيئاً. قال: وعلى هذا مجارِي الأَيمان، يستثنى فيها، ونية الحالف: اللمام.

والقول الذي هو أولى بالصواب عندي، قول من قال: معنى ذلك: فلا تنسى إلاَّ أن نشاء نحن أن نُنسيكه بنسخه ورفعه. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن ذلك أظهر معانيه.

اسامة محمد خيري
24-04-2017, 05:36
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس { وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } يقول: وحَّد الله سبحانه وتعالى.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وذكر الله ودعاه ورغب إليه.

والصواب من القول في ذلك: أن يقال: وذكر الله فوحّده، ودعاه ورغب إليه، لأن كلّ ذلك من ذكر الله، ولم يخصُصِ الله تعالى من ذكره نوعاً دون نوع.

وقوله: { فَصَلَّى } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: عُنِي به: فصّلى الصلوات الخمس. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { فَصَلَّى } يقول: صَّلى الصلوات الخمس.

وقال آخرون: عني به: صلاة العيد يوم الفطر.

وقال آخرون: بل عُني به: وذكر اسم ربه فدعا وقالوا: الصلاة هاهنا: الدعاء.

والصواب من القول أن يقال: عُنِي بقوله: { فَصَلَّى }: الصلوات، وذكر الله فيها بالتحميد والتمجيد والدعاء...

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنيْا } فقرأ ذلك عامَّة قرّاء الأمصار: { بَلْ تُؤْثِرُونَ } بالتاء، إلا أبا عمرو، فإنه قرأه بالياء، وقال: يعني الأشقياء.

والذي لا أوثر عليه في قراءة ذلك التاء، لإجماع الحجة من القرّاء عليه. وذُكر أن ذلك في قراءة أُبيّ: { بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ } فذلك أيضاً شاهد لصحة القراءة بالتاء....

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: إن قوله: { قَدْ أفْلَحَ مَنْ تَزَكى وَذَكَرَ اسمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنيْا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأبْقَى }: لفي الصحف الأولى، صحف إبراهيم خليل الرحمن، وصحف موسى بن عمران.

وإنما قلت: ذلك أولى بالصحة من غيره، لأن هذا إشارة إلى حاضر، فلأن يكون إشارة إلى ما قرب منها، أولى من أن يكون إشارة إلى غيره. وأما الصحف: فإنها جمع صحيفة، وإنما عُنِي بها: كتب إبراهيم وموسى.

اسامة محمد خيري
24-04-2017, 05:39
سورة الغاشية

والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ } ولم يخبرنا أنه عنى غاشية القيامة، ولاأنه عنى غاشية النار، وكلتاهما غاشية، هذه تغشى الناس بالبلاء والأهوال والكروب، وهذه تغشى الكفار باللفْح في الوجوه، والشُّواظ والنُّحاس، فلا قول في ذلك أصحّ من أن يقال كما قال جلّ ثناؤه، ويعمّ الخبر بذلك كما عمه.
..

وقوله: { إلاَّ مَنْ تَوَلَّى وكَفَرَ } يتوجَّه لوجهين: أحدهما: فذكّر قومك يا محمد، إلا من تولَّى منهم عنك، وأعرض عن آيات الله فكفر، فيكون قوله «إلا» استثناء من الذين كان التذكير عليهم، وإن لم يذكروا، كما يقال: مضى فلان، فدعا إلا من لا تُرْجَى إجابته، بمعنى: فدعا الناس إلا من لا تُرْجَى إجابته.

والوجه الثاني: أن يجعل قوله: { إلاَّ مَنْ تَوَلَّى وكَفَرَ } منقطعاً عما قبله، فيكون معنى الكلام حينئذٍ: لست عليهم بمسيطر، إلا من تولى وكفر، يعذّبه الله، وكذلك الاستثناء المنقطع يمتحن بأن يحسن معه إن، فإذا حسنت معه كان منقطعاً، وإذا لم تحسن كان استثناء متصلاً صحيحاً، كقول القائل: سار القوم إلا زيدا، ولا يصلح دخول إن هاهنا لأنه استثناء صحيح.

اسامة محمد خيري
25-04-2017, 04:42
سورة الفجر

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَلَيالٍ عَشْرٍ } قال: أوّل ذي الحجة وقال: هي عشر المحرّم من أوّله.

والصواب من القول في ذلك عندنا: أنها عشر الأضحى، لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه، وأن عبد الله ابن أبي زياد القَطْوانيّ:

حدثني قال: ثني زيد بن حباب، قال: أخبرني عياش بن عقبة، قال: ثني جُبير بن نعيم، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " والفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ، قال: عَشْرُ الأَضْحَى " ...

وقال آخرون: بل ذلك: الصلاة المكتوبة، منها الشفع كصلاة الفجر والظهر، ومنها الوتر كصلاة المغرب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: كان عمران بن حصين يقول: { الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ }: الصلاة.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ } قال عمران: هي الصلاة المكتوبة فيها الشفع والوتر.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس { وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ } قال: ذلك صلاة المغرب، الشفع: الركعتان، والوتر: الركعة الثالثة.

وقد رفع حديث عمران بن حُصين بعضهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثني أبي، قال: ثني خالد بن قيس، عن قتادة، عن عمران بن عصام، عن عمران بن حصين، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في الشفع والوتر، قال: " هيَ الصَّلاةُ مِنْها شَفْعٌ، وَمِنْها وَتْرٌ "

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا همام، عن قتادة، أنه سُئل عن الشفع والوتر، فقال: أخبرني عمران بن عِصام الضُّبَعي، عن شيخ من أهل البصرة، عن عمران بن حصين، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: " هِيَ الصَّلاةُ مِنْها شَفْعٌ، وَمِنْها وَتْرٌ "

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا همام بن يحيى، عن عمران بن عصام، عن شيخ من أهل البصرة، عن عمران بن حصين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية { وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ } قال: " هيَ الصَّلاةِ مِنْها شَفْعٌ، وَمِنْها وَتْرٌ "

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ } إن من الصلاة شفعاً، وإن منها وتراً.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا همام، عن قتادة، أنه سُئل عن الشفع والوتر، فقال: قال الحسن: هو العدد.

ورُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم خبر يؤيد القول الذي ذكرنا عن أبي الزُّبير. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عبد الله بن أبي زياد القَطْوَانيّ، قال: ثنا زيد بن حُباب، قال: أخبرني عَياش بن عقبة، قال: ثني جبير ابن نعيم، عن أبي الزبير، عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الشَّفْعُ: الْيَوْمانِ، والْوَتْرُ: الْيَوْمُ الْوَاحِدُ "

والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إن الله تعالى ذكره أقسم بالشفع والوتر، ولم يخصص نوعاً من الشفع ولا من الوتر دون نوع بخبر ولا عقل، وكلّ شفع ووتر فهو مما أقسم به، مما قال أهل التأويل إنه داخل في قسمه هذا، لعموم قسمه بذلك....

اسامة محمد خيري
25-04-2017, 04:49
وقال آخرون { إرَمَ }: الهالك. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إرَمَ } يعني بالإرم: الهالك ألا ترى أنك تقول: أُرِمَ بنو فلان.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { بِعادٍ إرَمَ } الهلاك ألا ترى أنك تقول: أُرِمَ بنو فلان: أي هَلَكُوا.

والصواب من القول في ذلكَ: أن يُقال: إن إرم إما بلدة كانت عاد تسكنها، فلذلك ردّت على عاد للإتباع لها، ولم يُجْر من أجل ذلك، وإما اسم قبيلة فلم يُجْر أيضاً، كما لا يُجْرى أسماء القبائل، كتميم وبكر، وما أشبه ذلك إذا أرادوا به القبيلة

وأما اسم عاد فلم يجر، إذ كان اسماً أعجمياً.

فأما ما ذُكر عن مجاهد، أنه قال: عُنِي بذلك القديمة، فقول لا معنى له، لأن ذلك لو كان معناه لكان مخفوضاً بالتنوين، وفي ترك الإجراء الدليل على أنه ليس بنعت ولا صفة.

وأشبه الأقوال فيه بالصواب عندي: أنها اسم قبيلة من عاد، ولذلك جاءت القراءة بترك إضافة عاد إليها، وترك إجرائها، كما يقال: ألم تر ما فعل ربك بتميم نهشل؟ فيترك إجراء نهشل، وهي قبيلة، فترك إجراؤها لذلك، وهي في موضع خفض بالردّ على تميم، ولو كانت إرم اسم بلدة أو اسم جدّ لعاد لجاءت القراءة بإضافة عاد إليها، كما يقال: هذا عمرُو زبيدٍ وحاتمُ طيء وأعشى هَمْدانَ، ولكنها اسم قبيلة منها، فيما أرى، كما قال قتادة، والله أعلم، فلذلك أجمعت القرّاء فيها على ترك الإضافة، وترك الإجراء...

وقال آخرون: قيل ذلك لهم لشدة أبدانهم وقواهم. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: { ذَاتِ الْعِمادِ } يعني: الشدّة والقوّة.

وأشبه الأقوال في ذلك بما دلّ عليه ظاهر التنزيل: قول من قال: عُنِي بذلك أنهم كانوا أهل عمود سيارة، لأن المعروف في كلام العرب من العماد، ما عُمد به الخيام من الخشب، والسواري التي يحمل عليها البناء، ولا يعلم بناء كان لهم بالعماد بخبر صحيح، بل وجَّه أهل التأويل قوله: { ذَاتِ الْعِمادِ } إلى أنه عُنِي به طول أجسامهم، وبعضهم إلى أنه عُني به عماد خِيامهم، فأما عِماد البنيان، فلا يعلم كثير أحد من أهل التأويل وجهه إليه، وتأويل القرآن إنما يوجه إلى الأغلب الأشهر من معانيه، ما وُجد إلى ذلك سبيل، دون الأنكر....

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ }: ذكر أنهم كانوا اثني عشر ذراعاً طولاً في السماء.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ذات العماد التي لم يُخلق مثلها في البلاد، لم يخلق مثل الأعمدة في البلاد، وقالوا: التي لم يخلق مثلها من صفة ذات العماد، والهاء التي في مثلها إنما هي من ذكر ذات العماد. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله، فذكر نحوه.

وهذا قول لا وجه له، لأن العماد واحد مذكر، والتي للأنثى، ولا يوصف المذكر بالتي، ولو كان ذلك من صفة العِماد لقيل: الذي لم يخلق مثله في البلاد، وإن جعلت التي لإرم، وجعلت الهاء عائدة في قوله: { مِثْلُها } عليها وقيل: هي دِمشق أو إسكندرية، فإن بلاد عاد هي التي وصفها الله في كتابه فقال:
{ وَاذْكُرْ أخا عَادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ }
والأحقاف: هي جمع حِقْف، وهو ما انعطف من الرمل وانحنى، وليست الإسكندرية ولا دمشق من بلاد الرمال، بل ذلك الشِّحْر من بلاد حضرموت، وما والاها..

وقال آخرون: إنما قيل ذلك لأنه كان له بنيان يعذّب الناس عليه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل، عن رجل، عن سعيد بن جُبَير { وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ } قال: كان له مَنارات يعذّبهم عليها.

وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال: عُنِي بذلك: الأوتاد التي تُوتَد، من خشب كانت أو حديد، لأن ذلك هو المعروف من معاني الأوتاد، ووصف بذلك، لأنه إما أن يكون كان يعذّب الناس بها، كما قال أبو رافع وسعيد بن جُبير، وإما أن يكون كان يُلْعب له بها.

اسامة محمد خيري
25-04-2017, 04:55
واختلفت القرّاء في قراءة قوله { فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ } فقرأت عامة قرّاء الأمصار ذلك بالتخفيف، فقَدَر: بمعنى فقتر، خلا أبي جعفر القارىء، فإنه قرأ ذلك بالتشديد: «فَقَدَّر». وذُكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول: قدّر، بمعنى يعطيه ما يكفيه، ويقول: لو فعل ذلك به ما قال ربي أهانني.

والصواب من قراءة ذلك عندنا بالتخفيف، لإجماع الحجة من القرّاء عليه.
...

وقوله: { كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ } اختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: { كَلاَّ } في هذا الموضع، وما الذي أنكر بذلك، فقال بعضهم: أنكر جلّ ثناؤه أن يكون سبب كرامته من أكرم كثرة ماله، وسبب إهانته من أهان قلة ماله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وأمَّا إذَا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيقُولُ رَبِّي أهانني } ما أسرع ما كفر ابن آدم يقول الله جلّ ثناؤه: كلا إني لا أكرم من أكرمت بكثرة الدنيا، ولا أهين من أهنت بقلتها، ولكن إنما أُكرم من أكرمت بطاعتي، وأُهين من أهنت بمعصيتي.

وقال آخرون: بل أنكر جلّ ثناؤه حمد الإنسان ربه على نِعمه دون فقره، وشكواه الفاقة. وقالوا: معنى الكلام: كلاّ، أي لم يكن ينبغي أن يكون هكذا، ولكن كان ينبغي أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر.

وأولى القولين في ذلك بالصواب: القول الذي ذكرناه عن قتادة، لدلالة قوله { بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ } والآيات التي بعدها، على أنه إنما أهان من أهان بأنه لا يكرم اليتيم، ولا يَحُضّ على طعام المسكين، وسائر المعاني التي عدّد، وفي إبانته عن السبب الذي من أجله أهان من أهان، الدلالة الواضحة على سبب تكريمه من أكرم، وفي تبيينه ذلك عَقيب قوله: { فَأمَّا الإنْسانُ إذَا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ وَأمَّا إذَا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ } بيان واضح عن الذي أنكر من قوله ما وصفنا....

اسامة محمد خيري
25-04-2017, 05:03
وقوله: { فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أحَدٌ } أجمعت القرّاء قرّاء الأمصار في قراءة ذلك على على كسر الذال من يعذّب، والثاء من يوثِق، خلا الكسائي، فإنه قرأ ذلك بفتح الذال والثاء، اعتلالاً منه بخبر رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأه كذلك، واهي الإسناد.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن خارجة، عن خالد الحذّاء، عن أبي قِلابة، قال: ثني من أقرأه النبيّ صلى الله عليه وسلم: «فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أحَدٌ ».

والصواب من القول في ذلك عندنا: ما عليه قرّاء الأمصار، وذلك كسر الذال والثاء، لإجماع الحجة من القرّاء عليه. فإذَا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: فيومئذٍ لا يعذَّب بعذاب الله أحد في الدنيا، ولا يوثق كوثاقه يومئذٍ أحد في الدنيا. وكذلك تأوّله قارئو ذلك كذلك من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أحَدٌ } ولا يوثِق كوثاق الله أحد.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن { فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أحَدٌ } قال: قد علم الله أن في الدنيا عذاباً وَوَثاقاً، فقال: فيومئذٍ لا يعذّب عذابه أحد في الدنيا، ولا يُوثِقُ وثاقه أحد في الدنيا.

وأما الذي قرأ ذلك بالفتح، فإنه وجَّه تأويله إلى: فيومئذٍ لا يعذَّب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذٍ، ولا يوثَق أحد في الدنيا كوثاقه يومئذٍ. وقد تأوّل ذلك بعض من قرأ ذلك كذلك بالفتح من المتأخرين: فيومئذٍ لا يعذَّب عذاب الكافر أحَد ولا يُوثَق وَثاق الكافر أحد.

وقال: كيف يجوز الكسر، ولا معذّب يومئذٍ سوى الله وهذا من التأويل غلط. لأن أهل التأويل تأوّلوه بخلاف ذلك. مع إجماع الحجة من القراء على قراءته بالمعنى الذي جاء به تأويل أهل التأويل، وما أحسبه دعاه إلى قراءة ذلك كذلك، إلاَّ ذهابه عن وجه صحته في التأويل.
..

وقوله: { ارْجِعي إلى رَبِّكِ } اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: هذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن قيل الملائكة لنفس المؤمن عند البعث، تأمرها أن ترجع في جسد صاحبها قالوا: وعُنِي بالردّ هاهنا صاحبها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً } قال: تردّ الأرواح المطمئنة يوم القيامة في الأجساد.

وقال آخرون: بل يقال ذلك لها عند الموت. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح { ارْجِعي إلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً } قال: هذا عند الموت { فادْخُلِي فِي عِبادِي } قال: هذا يوم القيامة.

وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن ابن عباس والضحاك، أن ذلك إنما يقال لهم عند ردّ الأرواح في الأجساد يوم البعث لدلالة قوله: { فادْخُلِي فِي عِبادِي وادْخُلِي جَنَّتِي }.

..

والصواب من القراءة في ذلك فادخُلي في عِبادي بمعنى: فادخلي في عبادي الصالحين. لإجماع الحجة من القراء عليه

اسامة محمد خيري
25-04-2017, 05:08
سورة البلد

حدثنا سوار بن عبد الله، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الملك، عن عطاء { وأنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الّبَلَدِ } قال: إن الله حرّم مكة، لم تحلّ لنبيّ إلا نبيكم ساعة من نهار...

وقال آخرون: عُنِي بذلك: إبراهيم وما ولد. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن موسى الحَرَشِيّ، قال: ثنا جعفر بن سليمان، قال: سمعت أبا عمران الجَوْنِيّ يقرأ: { وَوَالِدٍ وَما وَلَدَ } قال: إبراهيم وما ولد.

والصواب من القول في ذلك: ما قاله الذي قالوا: إن الله أقسم بكلّ والد وولده، لأن الله عمّ كلّ والد وما ولد. وغير جائز أن يخصّ ذلك إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر، أو عقل، ولا خبر بخصوص ذلك، ولا برهان يجب التسليم له بخصوصه، فهو على عمومه كما عمَّه...

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنه خُلق في السماء. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ فِي كَبَدٍ } قال: في السماء، يسمى ذلك الكَبَد.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: معنى ذلك أنه خلق يُكابد الأمور ويُعالجها، فقوله: { فِي كَبَدٍ } معناه: في شدّة.

وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب، لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب من معاني الكَبَد ومنه قول لبيد بن ربيعة:
عَيْنِ هِلاَّ بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْ قُمْنا وَقامَ الخُصُوم فِي كَبَدِ
...

اسامة محمد خيري
25-04-2017, 05:13
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهديناه الثَّديين: سبيلي اللبن الذي يتغذّى به، وينبت عليه لحمه وجسمه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا عيسى بن عقال، عن أبيه، عن ابن عباس { وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ } قال: هما الثديان.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن المبارك بن مجاهد، عن جُويبر، عن الضحاك، قال: الثديان.

وأولى القولين بالصواب في ذلك عندنا: قول من قال: عُنِي بذلك طريق الخير والشرّ، وذلك أنه لا قول في ذلك نعلمه غير القولين اللذين ذكرنا والثديان، وإن كانا سبيلي اللبن، فإن الله تعالى ذكْره إذ عدّد على العبد نِعَمه بقوله:
{ إنَّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً إنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ }
إنما عدّد عليه هدايته إياه إلى سبيل الخير من نِعمه، فكذلك قوله: { وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْن }....

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء مكة وعامة قرّاء البصرة، عن ابن أبي إسحاق، ومن الكوفيين: الكسائي: «فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ أطْعَمَ». وكان أبو عمرو بن العلاء يحتجّ فيما بلغني فيه بقوله: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا كأن معناه: كان عنده، فلا فكّ رقبة، ولا أطعم، ثم كان من الذين آمنوا. وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والكوفة والشأم { فَكُّ رَقَبَةٍ } على الإضافة { أوْ إطْعامٌ } على وجه المصدر.

والصواب من القول في ذلك: أنهما قراءتان معروفتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، وتأويل مفهوم، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. فقراءته إذا قرىء على وجه الفعل تأويله: فلا اقتحم العقبة، لا فكّ رقبة، ولا أطعم، ثم كان من الذين آمنوا، { وَما أدْرَاكَ ما الْعَقَبَةُ } على التعجب والتعظيم. وهذه القراءة أحسن مخرجاً في العربية، لأن الإطعام اسم، وقوله:
{ ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا }
فعل، والعرب تُؤْثِر ردّ الأسماء على الأسماء مثلها، والأفعال على الأفعال، ولو كان مجيء التَّنزيل ثم إن كان من الذين آمنوا، كان أحسن، وأشبه بالإطعام والفكّ من ثم كان، ولذلك قلت: «فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ أطْعَمَ» أوجه في العربية من الآخر، وإن كان للآخر وجه معروف، ووجهه { أنْ } تضمر أن ثم تلقى، كما قال طرفة بن العبد:
ألا أيُّهاذا الزَّاجري أحْضُرَ الْوَغَى وأنْ أشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أنتَ مُخْلِدي
بمعنى: ألا أيهاذا الزاجري أن أحضر الوغى. وفي قوله: «أن» أشهد الدلالة البينة على أنها معطوفة على أن أخرى مثلها، قد تقدّمت قبلها، فذلك وجه جوازه. وإذا وُجِّه الكلام إلى هذا الوجه كان قوله: { فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ } تفسيراً لقوله: { وَما أدْرَاكَ ما الْعَقَبَةُ } كأنه قيل: وما أدراك ما العقبة؟ هي فكّ رقبة { أوْ إطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ } كما قال جلّ ثناؤه:


{ وَما أدْرَاكَ ماهِيَهْ }
، ثم قال:
{ نارٌ حامِيَةٌ }
مفسراً لقوله:
{ فأُمُّهُ هاوِيَةٌ }
، ثم قال: وما أدراك ما الهاوية؟ هي نار حامية..

وقال آخرون: بل هو ذو العيال الكثير الذين قد لصقوا بالتراب من الضرّ وشدّة الحاجة. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس { أوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } يقول: مسكين ذو بنين وعِيال، ليس بينك وبينه قرابة.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر بن أبي المُغيرة، عن سعيد بن جُبير، في قوله: { أوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } قال: ذا عِيال.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { أوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } كنا نحدّث أن الترب هو ذو العيال الذي لا شيء له.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { أوْ مسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } ذا عيال لاصقين بالأرض، من المسكنة والجهد.

وأولى الأقوال في ذلك بالصحة قول من قال: عُنِي به: أو مسكيناً قد لصق بالتراب من الفقر والحاجة، لأن ذلك هو الظاهر من معانيه. وأن قوله: { مَتْرَبَةٍ } إنما هي «مَفْعَلة» من تَرِب الرجل: إذا أصابه التراب.

اسامة محمد خيري
25-04-2017, 05:17
سورة الشمس

وقوله: { وَالنَّهارِ إذَا جَلاَّها } يقول: والنهار إذا جَلاَّها، قال: إذا أضاء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَالنَّهارِ إذَا جَلاَّها } قال: إذا غشيها النهار.

وكان بعض أهل العربية يتأوّل ذلك بمعنى: والنهار إذا جَلاَّ الظلمة، ويجعل الهاء والألف من جلاَّها كناية عن الظلمة، ويقول: إنما جاز الكناية عنها، ولم يجر لها ذكر قبل، لأن معناها معروف، كما يعرف معنى قول القائل: أصبحت باردة، وأمست باردة، وهبَّت شمالاً، فكنى عن مؤنثات لم يجر لها ذكر، إذ كان معروفاً معناهن.

والصواب عندنا في ذلك: ما قاله أهل العلم الذين حكينا قولهم، لأنهم أعلم بذلك، وإن كان للذي قاله من ذكرنا قوله من أهل العربية وجه.
...

وقوله: { فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها } يقول تعالى ذكره: فدمَّر عليهم ربهم بذنبهم ذلك، وكفَّرهم به، وتكذيبهم رسوله صالحاً، وعَقْرهم ناقته { فَسَوَّاها } يقول: فَسوّى الدمدمة عليهم جميعهم، فلم يُفْلِت منهم أحد، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها } ذُكر لنا أن أحيمرَ ثمود أبى أن يعقِرَها، حتى بايعه صغيرُهم وكبيرُهم، وذَكَرُهم وأنثاهم، فلما اشترك القومُ في عَقْرها دمدم الله عليهم بذنبهم فسوّاها...

وقوله: { وَلا يَخافُ عقْباها } اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: لا يخاف تبعة دَمْدمته عليهم. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { وَلا يَخافُ عُقْباها } قال: لا يخاف اللّهُ من أحد تَبِعَةً.

حدثني إبراهيم بن المستمرّ، قال: ثنا عثمان بن عمرو، قال: ثنا عمر بن مرثد، عن الحسن، في قوله: وَلا يَخاف عُقْباها قال: ذاك ربنا تبارك وتعالى، لا يخاف تبعةً مما صنع بهم.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن عمرو بن منبه، هكذا هو في كتابي، سمعت الحسن قرأ: { وَلا يَخافُ عُقْباها } قال: ذلك الربّ صنع ذلك بهم، ولم يخف تبعةً.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: { وَلا يَخاف عُقْباها } قال: لا يخاف تبعتهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَلا يَخافُ عُقْباها } يقول: لا يخاف أن يُتْبَعَ بشيء مما صَنعَ بهم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { وَلا يَخافُ عُقْباها } قال محمد بن عمرو في حديثه، قال: الله { لا يَخافُ عُقْباها }. وقال الحارث في حديثه: الله لا يخاف عقباها.

حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا رزين بن إبراهيم، عن أبي سليمان، قال: سمعت بكر بن عبد الله المُزَنيّ يقول في قوله: { وَلا يَخافُ عُقْباها } قال: لا يخاف الله التبعةَ.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولم يخف الذي عقرها عقباها: أي عُقبى فَعْلَتِهِ التي فعل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا أبو رَوْق، قال: ثنا الضحاك { وَلا يَخافُ عُقْباها } قال: لم يَخَفِ الذي عقرها عقباها.

اسامة محمد خيري
25-04-2017, 05:26
سورة الليل

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله { وَصَدَّقَ بالْحُسْنَى } قال: صدّق المؤمن بموعود الله الحسن.

وأشبه هذه الأقوال بما دلّ عليه ظاهر التنزيل، وأولاها بالصواب عندي: قول من قال: عُنِي به التصديق بالخَلَف من الله على نفقته.

وإنما قلت: ذلك أولى الأقوال بالصواب في ذلك، لأن الله ذكر قبله مُنفقاً أنفق طالباً بنفقته الخَلَف منها، فكان أولى المعاني به أن يكون الذي عقيبه الخبر عن تصديقه بوعد الله إياه بالخَلَف إذ كانت نفقته على الوجه الذي يرضاه، مع أن الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو الذي قلنا في ذلك ورد. ذكر الخبر الوارد بذلك:

حدثني الحسن بن سلمة بن أبي كبشة، قال: ثنا عبد الملك بن عمرو، قال: ثنا عَبّاد بن راشد، عن قتادة قال: ثني خُلَيد العَصْرِيّ، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما مِنْ يَوْمٍ غَرَبَتْ فِيهِ شَمْسُهُ، إلاَّ وبِجَنْبَيْها مَلَكانِ يُنادِيانِ، يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللّهِ كُلُّهُمْ إلاَّ الثَّقَلَينِ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً، وأعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً " فأنْزَلَ اللّهُ فِي ذلك القرآن { فأمَّا مَنْ أعْطَى واتَّقَى وَصَدَّقَ بالْحُسْنَى.. }. إلى قوله { لِلْعُسرَى...

وقوله: { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } يقول تعالى ذكره: فسنهيئه في الدنيا للخَلَّة العُسرى، وهو من قولهم: قد يسرت غنم فلان: إذا ولدت وتهيأت للولادة، وكما قال الشاعر:
هُمَا سَيِّدَانا يَزْعُمانِ وإنَّمَا يَسُودَانِنا أنْ يَسَّرَتْ غَنَماهُمَا
وقيل: { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } ولا تيسر في العُسرى للذي تقدّم في أوّل الكلام من قوله: { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى } وإذا جمع بين كلامين أحدهما ذكر الخير والآخر ذكر الشرّ، جاز ذلك بالتيسير فيهما جميعاً والعُسرى التي أخبر الله جلّ ثناؤه أنه ييسره لها: العمل بما يكرهه ولا يرضاه. وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر الخبر بذلك:

حدثني واصل بن عبد الأعلى وأبو كُرَيب، قالا: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن السُّلميّ، عن عليّ، قال: كُنَّا جلوساً عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، فنكَتَ الأرض، ثم رفع رأسه فقال: " ما مِنْكمْ مِنْ أحَدٍ إلاَّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ " قلنا: يا رسول الله أفلا نتَّكل؟ قال: " لا، اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ " ، ثم قرأ: { فأمَّا مَنْ أعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى }...

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا مات. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد { وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذَا تَرَدَّى } قال: إذا مات.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { إذا تَرَدَّى } قال: إذا مات.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا الأشجعيّ، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال: إذا مات.

وأَولَى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: إذا تردّى في جهنم، لأن ذلك هو المعروف من التردّي فأما إذا أُريد معنى الموت، فإنه يقال: رَدِيَ فلان، وقلما يقال: تردَّى

...

وعلى هذا التأويل الذي ذكرناه عن هؤلاء، ينبغي أن يكون قوله: { إلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى } نصباً على الاستثناء من معنى قوله: { وَما لاِءَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى } لأن معنى الكلام: وما يؤتي الذي يؤتي من ماله ملتسما من أحد ثوابه، إلا ابتغاء وجه ربه. وجائز أن يكون نصبه على مخالفة ما بعد إلا ما قبلها، كما قال النابغة:
............ وَما بالرَّبْعِ مِنْ أحَدِ
إلاَّ أَوَارِيَّ لأَيْا ما أُبَيِّنُها............
وقوله: { وَلَسَوْفَ يَرْضَى } يقول: ولسوف يرضى هذا المؤتي ماله في حقوق الله عزّ وجلّ، يتزكى بما يثيبه الله في الآخرة عوضا مما أتى في الدنيا في سبيله، إذا لقي ربه تبارك وتعالى.

اسامة محمد خيري
25-04-2017, 05:34
سورة الضحى

حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَاللَّيْلِ إذَا سَجَى } قال: إذا سكن، قال: ذلك سَجْوه، كما يكون سكون البحر سجوه.

وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي في ذلك قول من قال معناه: والليل إذا سكن بأهله، وثبت بظلامه، كما يقال: بحر ساج: إذا كان ساكناً ومنه قول أعشى بني ثعلبة.
فَمَا ذَنْبُنا إنْ جاش بَحْرُ ابنِ عَمِّكُمْ وَبَحْرُكَ ساجٍ ما يُوَارِي الدَّعامِصَا..

سورة الشرح

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: { فَإذَا فَرَغْتَ } قال: إذا فرغت من أمر الدنيا، وقمت إلى الصلاة، فاجعل رغبتك ونيتك له.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: إن الله تعالى ذكره، أمر نبيه أن يجعل فراغه من كلّ ما كان به مشتغلاً، من أمر دنياه وآخرته، مما أدّى له الشغل به، وأمره بالشغل به إلى النصب في عبادته، والاشتغال فيما قرّبه إليه، ومسألته حاجاته، ولم يخصُصْ بذلك حالاً من أحوال فراغه دون حال، فسواء كلّ أحوال فراغه، من صلاة كان فراغه، أو جهاد، أو أمر دنيا كان به مشتغلاً، لعموم الشرط في ذلك، من غير خصوص حال فراغ، دون حال أخرى.

اسامة محمد خيري
26-04-2017, 04:43
سورة التين

وقال آخرون: التين: مسجد نوح، والزيتون: مسجد بيت المقدس. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ } يعني مجسد نوح الذي بني على الجُودِيّ، والزيتون: بيت المقدس قال: ويقال: التين والزيتون وطور سينين: ثلاثة مساجد بالشام.

والصواب من القول في ذلك عندنا: قول من قال: التين: هو التين الذي يُؤكل، والزيتون: هو الزيتون الذي يُعصر منه الزيت، لأن ذلك هو المعروف عند العرب، ولا يُعرف جبل يسمى تيناً، ولا جبل يقال له زيتون، إلاَّ أن يقول قائل: أقسم ربنا جلّ ثناؤه بالتين والزيتون. والمراد من الكلام: القسمَ بمنابت التين، ومنابت الزيتون، فيكون ذلك مذهباً، وإن لم يكن على صحة ذلك أنه كذلك، دلالة في ظاهر التنزيل، ولا من قول من لا يجوِّز خلافه، لأن دمشق بها منابت التين، وبيت المقدس منابت الزيتون....

وقال آخرون: هو الجبل، وقالوا: سينين: مبارك حسن. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { وَطُورِ }: الجبل { وسِينِينَ } قال: المبارك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَطُورِ سِينِينَ } قال: جبل مبارك بالشام.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { وَطُورِ سِينِينَ } قال: جبل بالشام، مُبارك حسن.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: طور سينين: جبل معروف، لأن الطور هو الجبل ذو النبات، فإضافته إلى سينين تعريف له، ولو كان نعتاً للطور، كما قال من قال معناه حسن أو مبارك، لكان الطور منوّناً، وذلك أن الشيء لا يُضاف إلى نعته، لغير علة تدعو إلى ذلك.....

وقال آخرون: قيل ذلك لأنه ليس شيء من الحيوان إلاَّ وهو منكبّ على وجهه غير الإنسان. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس { لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ } قال: خلق كلّ شيء منكباً على وجهه، إلاَّ الإنسان.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: إن معنى ذلك: لقد خلقنا الإنسان في أحسن صورة وأعدلها لأن قوله: { أحْسَنِ تَقْوِيمٍ } إنما هو نعت لمحذوف، وهو في تقويم أحسن تقويم، فكأنه قيل: لقد خلقناه في تقويم أحسن تقويم.....

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم رددناه إلى النار في أقبح صورة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن أبي جعفر الرازيّ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } قال: في شر صورة في صورة خنزير.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } قال: النار.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: إلى النار.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: في النار.

قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: إلى النار.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } قال: قال الحسن: جهنم مأواه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال الحسن، في قوله: { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } قال: في النار.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } قال: إلى النار.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصحة، وأشبهها بتأويل الآية، قول من قال: معناه: ثم رددناه إلى أرذل العمر، إلى عمر الخَرْفَى، الذين ذهبت عقولهم من الهَرَم والكِبر، فهو في أسفل من سفل: في إدبار العمر وذهاب العقل.

وإنما قلنا: هذا القول أولى بالصواب في ذلك: لأن الله تعالى ذكره، أخبر عن خلقه ابن آدم، وتصريفه في الأحوال، احتجاجاً بذلك على مُنكري قُدرته على البعث بعد الموت. ألا ترى أنه يقول:
{ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بالدِّينِ }
يعني: بعد هذه الحُجَج

ومحال أن يحتجّ على قوم كانوا مُنكرين معنى من المعاني، بما كانوا له مُنكرين. وإنما الحجة على كلّ قوم بما لا يقدرون على دفعه، مما يعاينونه ويحسُّونه، أو يقرّون به، وإن لم يكونوا له مُحِسّين.

وإذْ كان ذلك كذلك، وكان القوم للنار التي كان الله يتوعدهم بها في الآخرة مُنكرين، وكانوا لأهل الهَرَم والخَرَف من بعد الشباب والجَلَد شاهدين، عُلِم أنه إنما احتجّ عليهم بما كانوا له مُعاينين، من تصريفه خلقه، ونقله إياهم من حال التقويم الحسن والشباب والجلد، إلى الهَرَم والضعف وفناء العمر، وحدوث الخَرَف....

وقوله: { إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ } اختلف أهل التأويل في معنى هذا الاستثناء، فقال بعضهم: هو استثناء صحيح من قوله { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } قالوا: وإنما جاز استثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهم جمع، من الهاء في قوله { ثُمَّ رَدَدْناهُ } وهي كناية الإنسان، والإنسان في لفظ واحد، لأن الإنسان وإن كان في لفظ واحد، فإنه في معنى الجمع، لأنه بمعنى الجنس، كما قيل:
{ وَالْعَصْرِ إنَّ الإنْسانَ لَفِي خُسْرٍ }
قالوا: وكذلك جاز أن يقال: { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } فيضاف أفعل إلى جماعة، وقالوا: ولو كان مقصوداً به قصدُ واحد بعينه، لم يجز ذلك، كما لا يُقال: هذا أفضل قائمين، ولكن يقال: هذا أفضل قائم ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن سعيد بن سابق، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، قال: كان يقال: من قرأ القرآن لم يُردّ إلى أرذل العمر، ثم قرأ: { لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ فِي أحْسَن تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ } قال: لا يكونُ حتى لا يعلَم من بعد علم شيئاً

. فعلى هذا التأويل قوله: { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } لخاصّ من الناس، غير داخل فيهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، لأنه مستثنى منهم.

وقال آخرون: بل الذين آمنوا وعملوا الصالحات قد يدخلون في الذين رُدّوا إلى أَسْفَل سافلين، لأن أرذْل العُمر قد يردّ إليه المؤمن والكافر. قالوا: وإنما استثنى قوله: { إلاَّ الَّذِين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ } من معنى مضمر في قوله: { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ } قالوا: ومعناه: ثم رددناه أسفل سافلين، فذهبت عقولهم وخَرِفوا، وانقطعت أعمالهم، فلم تثبت لهم بعد ذلك حسنة. { إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحاتِ } فإن الذي كانوا يعملونه من الخير، في حال صحة عقولهم، وسلامة أبدانهم، جارٍ لهم بعد هَرَمهم وخَرَفهم.

وقد يُحتمل أن يكون قوله: { إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحاتِ } استثناء منقطعاً، لأنه يحسن أن يقال: ثم رددناه أسفل سافلين، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، لهم أجر غير ممنون، بعد أن يردّ أسفل سافلين. ذكر من قال معنى هذا القول:

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس { إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أجْرٌ غَيرُ مَمْنُونِ } قال: فأيُّما رجل كان يعمل عملاً صالحاً وهو قويّ شاب، فعجز عنه، جرى له أجر ذلك العمل حتى يموت....

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم رددناه أسفل سافلين في جهنم، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فلهم أجر غير ممنون، فعلى هذا التأويل: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات مستثَنون من الهاء في قوله: { ثُمَّ رَدَدْناهُ } ، وجاز استثناؤهم منها إذ كانت كناية للإنسان، وهو بمعنى الجمع، كما قال:

{ إنَّ الإنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إلاَّ الَّذِين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ }
ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا }: إلا من آمن.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: قال الحسن، في قوله: { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ }: في النار { إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ } قال الحسن: هي كقوله:
{ وَالْعَصْر إنَّ الإنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ }


وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصحة، قول من قال: معناه: ثم رددناه إلى أرذل العمر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات في حال صحتهم وشبابهم، فلهم أجر غير ممنون بعد هَرَمهم، كهيئة ما كان لهم من ذلك على أعمالهم، في حال ما كانوا يعملون وهم أقوياء على العمل.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة لما وصفنا من الدلالة على صحة القول بأن تأويل قوله: { ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَل سافِلِينَ } إلى أرذل العمر.

واختلفوا في تأويل قوله: { غَيرُ مَمْنُونٍ } فقال بعضهم: معناه: لهم أجر غير منقوص. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: { فَلَهُمْ أجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ } يقول: غير منقوص.

وقال آخرون: بل معناه: غير محسوب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد { فَلَهُمْ أجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ }: غير محسوب.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { فَلَهُمْ أجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ } قال: غير محسوب.

قال: ثنا سفيان، عن حماد، عن إبراهيم { فَلَهُمْ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } قال: غير محسوب.

قال: ثنا سفيان، عن حماد، عن إبراهيم { فَلَهُمْ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } قال: غير محسوب.

وقد قيل: إن معنى ذلك: فلهم أجر غير مقطوع.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: فلهم أجر غير منقوص، كما كان له أيام صحته وشبابه، وهو عندي من قولهم: جبل مَنِين: إذا كان ضعيفاً ومنه قول الشاعر:
أعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدُوها ثَمَانِيَةٌ ما فِي عَطائِهِمُ مَنٌّ وَلا سَرَفُ
يعني: أنه ليس فيه نقص، ولا خطأ.

اسامة محمد خيري
26-04-2017, 04:51
سورة العلق

وقوله: { كَلاَّ } يقول تعالى ذكره: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان أن يُنْعِمَ عليه ربُّه بتسويته خَلقه، وتعليمه ما لم يكن يعلم، وإنعامه بما لا كُفؤَ له، ثم يكفر بربه الذي فعل به ذلك، ويطغى عليه، أن رآه استغنى.

وقوله: { إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغَى أنْ رآهُ اسْتَغْنَى } يقول: إن الإنسان ليتجاوز حدّه، ويستكبر على ربه، فيكفر به، لأنْ رأى نفسه استغنت. وقيل: أن رآه استغنى لحاجة «رأى» إلى اسم وخبر، وكذلك تفعل العرب في كل فعل اقتضى الاسمَ والفعلَ، إذا أوقعه المخبر عن نفسه على نفسه، مكنياً عنها فيقول: متى تراك خارجاً؟ ومتى تحسبك سائراً؟ فإذا كان الفعل لا يقتضي إلا منصوباً واحداً، جعلوا موضع المكنى نفسه، فقالوا: قتلت نفسك، ولم يقولوا: قتلتك ولا قتلته....

يقول تعالى ذكره: { أرأَيْتَ إنْ كانَ } محمد { عَلى الهُدَى } يعني: على استقامة وسَدَاد في صلاته لربه { أوْ أمَرَ بالتَّقْوَى } أو أمر محمد هذا الذي يَنْهى عن الصلاة، باتقاء الله، وخوف عقابه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { أرأَيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدَى أوْ أمَرَ بالتَّقْوَى } قال محمد: كان على الهدى، وأمر بالتقوى....

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن قتادة، في قوله: { سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ } قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " لَوْ فَعَلَ أبُو جَهْلٍ لأَخَذَتْهُ الزَّبانِيَةُ المَلائِكَةُ عِياناً "

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ } قال: الملائكة.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: الزبانية، قال: الملائكة.

وقوله: { كَلاَّ } يقول تعالى ذكره: ليس الأمر كما يقول أبو جهل، إذ ينهى محمداً عن عبادة ربه، والصلاة له { لا تُطِعْهُ } يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تُطع أبا جهل فيما أمرك به من ترك الصلاة لربك { وَاسْجُدْ لِرَبِّكَ وَاقْتَرِبْ } منه، بالتحبب إليه بطاعته، فإن أبا جهل لن يقدر على ضرّك، ونحن نمنعك منه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ } ذُكر لنا أنها نزلت في أبي جهل، قال: لئن رأيتُ محمداً يصلي لأطأنّ عنقه، فأنزل الله: { كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ } قال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه الذي قال أبو جهل، قال: " لو فعل لاختطفته الزبانية ".

اسامة محمد خيري
26-04-2017, 05:00
سورة القدر

وقوله: { تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بإذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أمْرٍ } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: تنزل الملائكة وجبريل معهم، وهو الروح، في ليلة القدر { بإذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أمْرٍ } يعني بإذن ربهم، من كلّ أمر قضاه الله في تلك السنة، من رزق وأجل وغير ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { مِنْ كُلِّ أمْرٍ } قال: يُقْضى فيها ما يكون في السنة إلى مثلها.

فعلى هذا القول منتهى الخبر، وموضع الوقف من كلّ أمر.

وقال آخرون: { تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بإذْنِ رَبِّهِمْ } لا يلْقَون مؤمناً ولا مؤمنة إلا سلَّموا عليه. ذكر من قال ذلك:

حُدِّثت عن يحيى بن زياد الفرّاء، قال: ثني أبو بكر بن عياش، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أنه كان يقرأ: «مِنْ كُلِّ امْرِىءٍ سَلامٌ» وهذه القراءة من قرأ بها وجَّه معنى مِن كلّ امرىء: من كلّ مَلَك كَانَ معناه عنده: تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كلّ مَلَك يُسلِّم على المؤمنين والمؤمنات ولا أرى القراءة بها جائزة، لإجماع الحجة من القرّاء على خلافها، وأنها خلاف لما في مصاحف المسلمين، وذلك أنه ليس في مصحف من مصاحف المسلمين في قوله «أمر» ياء، وإذا قُرئت: «مِنْ كُلِّ امْرىءٍ» لحقتها همزة، تصير في الخطّ ياء.

والصواب من القول في ذلك: القول الأوّل الذي ذكرناه قبل، على ما تأوَّله قتادة....

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } فقرأت ذلك عامة قرّاء الأمصار، سوى يحيى بن وثاب والأعمش والكسائيّ { مَطْلَعِ الْفَجْرِ } بفتح اللام، بمعنى: حتى طلوع الفجر تقول العرب: طلعت الشمس طلوعاً ومَطْلَعاً. وقرأ ذلك يحيى بن وثاب والأعمش والكسائي: «حَتَّى مَطْلِعِ الْفَجْرِ» بكسر اللام، توجيهاً منهم ذلك إلى الاكتفاء بالاسم من المصدر، وهم ينوون بذلك المصدر.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا: فتح اللام لصحة معناه في العربية، وذلك أن المطلَع بالفتح هو الطلوع، والمطلِع بالكسر: هو الموضع الذي تَطْلُع منه، ولا معنى للموضع الذي تطلع منه في هذا الموضع.

اسامة محمد خيري
26-04-2017, 05:03
سورة البينة

اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا منْ أهل الْكِتابِ وَالمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ } فقال بعضهم: معنى ذلك: لم يكن هؤلاء الكفار من أهل التوراة والإنجيل، والمشركون من عَبدة الأوثان { منفكين } يقول: منتهين، حتى يأتيهم هذا القرآن. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: { مُنْفَكِّينَ } قال: لم يكونوا ليَنتهوا حتى يتبين لهم الحقّ.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { مُنْفَكِّينَ } قال: منتهين عما هم فيه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله { مُنْفَكِّينَ حَتَى تأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ }: أي هذا القرآن.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: { وَالمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ } قال: لم يكونوا منتهين حتى يأتيهم ذلك المنفَكّ.

وقال آخرون: بل معنى ذلك أن أهل الكتاب وهم المشركون، لم يكونوا تاركين صفة محمد في كتابهم، حتى بُعث، فلما بُعث تفرّقوا فيه.

وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: معنى ذلك: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين مفترقين في أمر محمد، حتى تأتيهم البيِّنة، وهي إرسال الله إياه رسولاً إلى خلقه، رسول من الله. وقوله: { مُنْفَكِّينَ } في هذا الموضع عندي من انفكاك الشيئين أحدهما من الآخر، ولذلك صَلُح بغير خبر ولو كان بمعنى ما زال، احتاج إلى خبر يكون تماماً له، واستؤنف قوله { رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ } وهي نكرة على البيِّنة، وهي معرفة، كما قيل:
{ ذُو الْعَرْشِ المَجِيدُ فَعَّالٌ }
فقال: حتى يأتيهم بيان أمر محمد أنه رسول الله، ببعثه الله إياه إليهم، ثم ترجم عن البيِّنة، فقال: تلك البينة { رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً } يقول: يقرأ صحفاً مطهرة من الباطل { فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ } يقول: في الصحف المطهرة كتب من الله قيمة عادلة مستقيمة، ليس فيها خطأ، لأنها من عند الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً } يذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليه بأحسن الثناء.

وقوله: { وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ } يقول: وما تفرّق اليهود والنصارى في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، فكذّبوا به، إلا من بعد ما جاءتهم البينة، يعني: من بعد ما جاءت هؤلاء اليهود والنصارى { البيِّنةُ } يعني: بيان أمر محمد، أنه رسول بإرسال الله إياه إلى خلقه يقول: فلما بعثه الله تفرّقوا فيه، فكذّب به بعضهم، وآمن بعضهم، وقد كانوا قبل أن يُبعث غير مفترقين فيه أنه نبيّ.
...

اسامة محمد خيري
26-04-2017, 05:08
سورة الزلزلة

يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها } يقول: يومئذٍ تحدّث الأرض أخبارها. وتحديثها أخبارها، على القول الذي ذكرناه عن عبد الله بن مسعود، أن تتكلم فتقول: إن الله أمرني بهذا، وأوحى إليّ به، وأذِن لي فيه.

وأما سعيد بن جُبير، فإنه كان يقول في ذلك ما:

حدثنا به أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل بن عبد الملك، قال: سمعت سعيد بن جُبير يقرأ في المغرب مرّة: «يَوْمَئِذٍ تُنَبِّىءُ أخْبارَها» ومرة: { تُحَدّثُ أخْبارَها }.

فكأنّ معنى تحدّث كان عند سعيد: تُنَبىء، وتنبيئها أخبارَها: إخراجها أثقالها من بطنها إلى ظهرها. وهذا القول قول عندي صحيح المعنى، وتأويل الكلام على هذا المعنى: يومئذٍ تبّين الأرض أخبارها بالزلزلة والرَّجَّة، وإخراج الموتى من بطونها إلى ظهورها، بوحي الله إليها، وإذنه لها بذلك، وذلك معنى قوله: { بأنَّ رَبَّكَ أوْحَى لَهَا }. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن. قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: { وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَهَا بأنَّ رَبَّكَ أوْحَى لَهَا } قال: أمرها، فألقَت ما فيها وتخلَّت.

حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحُبُليّ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: أنزلت: { إذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا } وأبو بكر الصدّيق قاعد، فبكى حين أُنزلت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما يُبْكِيكَ يا أبا بَكْرٍ؟ " قال: يُبكيني هذه السورة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَوْلا أنَّكُمْ تُخْطِئونَ وَتُذْنِبُونَ فَيَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، لَخَلَقَ اللَّهُ أُمةً يُخْطِئُونَ وَيُذْنِبُونَ فَيْغْفِرُ لَهُمْ "

فهذه الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تُنبىء عن أن المؤمن إنما يَرَى عقوبة سيِّئاته في الدنيا، وثواب حسناته في الآخرة، وأن الكافر يرى ثواب حسناته في الدنيا، وعقوبة سيئاته في الآخرة، وأن الكافر لا ينفعه في الآخرة ما سلف له من إحسان في الدنيا مع كُفره.

اسامة محمد خيري
26-04-2017, 05:15
سورة العاديات

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم { وَالْعادِياتِ ضَبْحاً } قال: قال ابن مسعود: هي الإبل.

وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب: قول من قال: عني بالعاديات: الخيل، وذلك أن الإبل لا تضْبَح، وإنما تضبح الخيل، وقد أخبر الله تعالى أنها تعدو ضَبْحاً، والضَّبْح: هو ما قد ذكرنا قبل. وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، قال: قال عليّ رضي الله عنه: الضبح من الخيل: الحَمْحَمة، ومن الإبل: النفس.

قال: ثنا سفيان، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، قال: سمعت ابن عباس يصف الضبح: أَحْ أَحْ....

وقال آخرون: هي الإبل حين تسير تَنْسِفَ بمناسمها الحصى. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مُغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله: { فالمُورِياتِ قَدْحاً } قال: إذا تَسَفت الحصى بمناسمها، فضربَ الحصَى بعضُه بعضاً، فيخرج منه النار.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: إن الله تعالى ذكره أقسم بالموريات التي توري النيران قدحاً فالخيل تُوري بحوافرها، والناس يورونها بالزَّند، واللسان مثلاً يوري بالمنطق، والرجال يورون بالمكر مثلاً، وكذلك الخيل تهيج الحرب بين أهلها: إذا التقت في الحرب ولم يضع الله دلالة على أن المراد من ذلك بعضٌ دون بعض فكلّ، ما أوْرت النارَ قدْحاً، فداخلة فيما أقسم به، لعموم ذلك بالظاهر....

وقوله: { فالمُغِيرَاتِ صُبْحاً } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: فالمغيرات صبحاً على عدوّها علانية. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، عن أبي معاوية البَجَليّ، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: سألني رجل عن المغيرات صبحاً، فقال: الخيل تغير في سبيل الله.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: أخبرنا أبو رجاء، قال: سألت عكرِمة، عن قوله { فالمُغِيرَاتِ صُبْحاً } قال: أغارت على العدوّ صبحاً.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { فالمُغَيرَاتِ صُبْحاً } قال: هي الخيل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { فالمُغيرَاتِ صُبْحاً } قال: هي الخيل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { فالمُغِيرَاتِ صُبْحاً } قال: أغار القومُ بعدما أصبحوا على عدوّهم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ثور، عن معمر، عن قتادة { فالمُغِيرَاتِ صُبْحاً } قال: أغارت حين أصبحت.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سعيد، عن قتادة { فالمُغِيرَاتِ صُبْحاً } قال: أغار القوم حين أصبحوا.

وقال آخرون: عُنِي بذلك الإبل حين تدفع بركبانها من «جَمْعٍ» يوم النحر إلى «مِنَى». ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مُغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله { فالمُغِيرَاتِ صُبْحاً } حين يفيضون من جَمْع.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: إن الله جلّ ثناؤه أقسم بالمُغيرات صبحاً، ولم يخصصْ من ذلك مغيرة دون مغيرة، فكلّ مغيرة صُبحاً، فداخلة فيما أقسم به وقد كان زيد بن أسلم يذكر تفسير هذه الأحرف ويأباها، ويقول: إنما هو قسم أقسم الله به....

وقوله: { فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً } يقول تعالى ذكره: فرفعن بالوادي غُباراً والنقْع: الغبار، ويقال: إنه التراب. والهاء قوله «به» كناية اسم الموضع، وكنى عنه، ولم يجر له ذكر، لأنه معلوم أن الغبار لا يثار إلا من موضع، فاستغنى بفهم السامعين بمعناه من ذكره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً } قال: الخيل....

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن واصل، عن عطاء { فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً } قال: جمع العدوّ.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً } قال: جمع هؤلاء وهؤلاء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً } فوسطن جمع القوم.

حدثنا ابن حميد قال: ثنا مهران، عن سعيد، عن قتادة { فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً } فوسطن بالقوم جمعَ العدوّ.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً } قال: وسطن جمع القوم.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً } الجمع: الكتيبة.

وقال آخرون: بل عُنِي بذلك { فَوَسَطْنَ بِهِ } مزدلفة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مُغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله { فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً } يعني: مزدلفة...

وتأويل الكلام: إن الإنسان لربه لكنود، وإنه لحبّ الخير لشديد، وإن الله على ذلك من أمره لشاهد. ولكن قوله: { وَإنَّهُ عَلى ذِلكَ لَشَهِيدٌ } قدّم، ومعناه التأخير، فجعل معترضاً بين قوله: { إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ } ، وبين قوله: { وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ } وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سعيد، عن قتادة { إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وإنَّهُ عَلى ذلكَ لَشَهِيدٌ } قال: هذا في مقاديم الكلام، قال: يقول: إن الله لشهيد أن الإنسان لحبّ الخير لشديد.

وقوله: { أفَلا يَعْلَمُ إذَا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ } يقول: أفلا يعلم هذا الإنسان الذي هذه صفته، إذا أُثير ما في القبر، وأُخرج ما فيها من الموتى وبُحث.

اسامة محمد خيري
26-04-2017, 05:19
سورة القارعة

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ } قال: مصيره إلى النار، هي الهاوية. قال قتادة: هي كلمة عربية، كان الرجل إذا وقع في أمر شديد، قال: هوت أمه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الأشعث بن عبد الله الأعمى، قال: إذا مات المؤمن ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين، فيقولون: رَوِّحوا أخاكم، فإنه كان في غمّ الدنيا قال: ويسألونه ما فعل فلان؟ فيقول: مات، أَو مَا جاءكم؟ فيقولون: ذهبوا به إلى أمِّه الهاوية.

حدثني إسماعيل بن سيف العجليّ، قال: ثنا عليّ بن مُسْهِر، قال: ثنا إسماعيل، عن أبي صالح، في قوله { فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ } قال: يهوُون في النار على رؤوسهم.

حدثنا ابن سيف، قال: ثنا محمد بن سَوَّار، عن سعيد، عن قتادة { فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ } قال: يهوى في النار على رأسه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ } قال: الهاوية: النار هي أمُّه ومأواه التي يرجع إليها، ويأوي إليها، وقرأ: { وَمأوَاهُمُ النَّارُ }.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس { فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ } وهو مثلها، وإنما جعل النار أمَّه، لأنها صارت مأواه، كما تؤوي المرأة ابنها، فجعلها إذ لم يكن له مأوى غيرها، بمنزلة أمّ له.

قوله: { وَما أدْرَاكَ ماهِيَهْ } يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما أشعرك يا محمد ما الهاوية، ثم بَيَّن ما هي، فقال: { هَيَ نَارٌ حَامِيَةٌ } ، يعني بالحامية: التي قد حميت من الوقود عليها.

اسامة محمد خيري
26-04-2017, 05:21
سورة التكاثر

وقوله: { لَتَرُونَّ الجَحِيمَ } اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته قرّاء الأمصار: { لَتَرَوُنَّ الجَحيمَ } بفتح التاء من { لَتَرَوُنَّ } في الحرفين كليهما، وقرأ ذلك الكسائي بضم التاء من الأولىَ، وفتحها من الثانية.

والصواب عندنا في ذلك الفتح فيهما كليهما، لإجماع الحجة عليه. وإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: لترونّ أيها المشركون جهنم يوم القيامة، ثم لترونها عياناً لا تغيبون عنها.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ } يعني: أهل الشرك...

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن مَعْمر، عن قتادة { لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } قال: إن الله تعالى ذكره سائل كلَّ ذي نعمة فيما أنعم عليه.

وكان الحسن وقتادة يقولان: ثلاث لا يُسئل عنهنّ ابن آدم، وما خَلاهنّ فيه المسألة والحساب، إلا ما شاء الله: كُسوة يواري بها سَوْءَته، وكسرة يشدّ بها صُلْبه، وبيت يظلُّه.

والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إن الله أخبر أنه سائل هؤلاء القوم عن النعيم، ولم يخصص في خبره أنه سائلهم عن نوع من النعيم دون نوع، بل عمّ بالخبر في ذلك عن الجميع، فهو سائلهم كما قال عن جميع النعيم، لا عن بعض دون بعض.

اسامة محمد خيري
27-04-2017, 04:33
سورة العصر

اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { وَالْعَصْرِ } فقال بعضهم: هو قَسَم أقسم ربنا تعالى ذكره بالدهر، فقال: العصر: هو الدهر. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: { وَالْعَصْرِ } قال: العصر: ساعة من ساعات النهار.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن { وَالْعَصْرِ } قال: هو العشيّ.

والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إن ربنا أقسم بالعصر { وَالْعَصْرِ } اسم للدهر، وهو العشيّ والليل والنهار، ولم يخصص مما شمله هذا الاسم معنى دون معنى، فكلّ ما لزِمه هذا الاسم، فداخل فيما أقسم به جلّ ثناؤه...

اسامة محمد خيري
27-04-2017, 04:38
سورة الهمزة

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: { وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ } قال: ليست بخاصة لأحد.

والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إن الله عمّ بالقول كلّ همزة لمزة، كلّ من كان بالصفة التي وصف هذا الموصوف بها، سبيله سبيله كائناً من كان من الناس.

وقوله: { الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ } يقول: الذي جمع مالاً وأحصى عدده، ولم ينفقه في سبيل الله، ولم يؤدّ حقّ الله فيه، ولكنه جمعه فأوعاه وحفظه.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه من قرّاء أهل المدينة أبو جعفر، وعامة قرّاء الكوفة سوى عاصم: «جَمَّع» بالتشديد، وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والحجاز، سوى أبي جعفر وعامة قرّاء البصرة، ومن الكوفة عاصم، «جَمَع» بالتخفيف، وكلهم مجمعون على تشديد الدال من { عَدَّدَهُ } ، على الوجه الذي ذكرت من تأويله. وقد ذُكر عن بعض المتقدّمين بإسناد غير ثابت، أنه قرأه: «جَمَعَ مالاً وَعَدَدَهُ» بتخفيف الدال، بمعنى: جمع مالاً، وجمع عشيرته وعَدَدَه.

هذه قراءة لا أستجيز القراءة بها، بخلافِها قراءة الأمصار، وخروجِها عما عليه الحجة مجمعة في ذلك.

وأما قوله: { جَمَعَ مالاً } فإن التشديد والتخفيف فيهما صوابان، لأنهما قراءتان معروفتان في قَرَأَة الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب....

وقوله: { فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ } اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة: { فِي عَمَدٍ } بفتح العين والميم. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: «فِي عُمُدٍ» بضم العين والميم. والقول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، ولغتان صحيحتان. والعرب تجمع العمود: عُمُداً وعَمَداً، بضم الحرفين وفتحهما، وكذلك تفعل في جمع إهاب، تجمعه: أُهُباً، بضم الألف والهاء، وأَهَباً بفتحهما، وكذلك القضم، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: إنها عليهم مُؤصدة بعمد ممدّدة: أي مغلقة مطبقة عليهم، وكذلك هو في قراءة عبد الله فيما بلغنا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن قتادة، في قراءة عبد الله: «إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ».

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنما دخلوا في عمد، ثم مدّت عليهم تلك العمد بعماد. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس { فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ } قال: أدخلهم في عمد، فمدّت عليهم بعماد، وفي أعناقهم السلاسل، فسُدّت بها الأبواب.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد { فِي عَمَدٍ } من حديد مغلولين فيها، وتلك العمد من نار قد احترقت من النار، فهي من نار { مُمَدّدةٍ } لهم.

وقال آخرون: هي عَمَد يعذّبون بها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ } كنا نحدّث أنها عمد يعذّبون بها في النار، قال بشر: قال يزيد: في قراءة قتادة: { عَمَدٍ }.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مِهْران، عن سعيد، عن قتادة { فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ } قال: عمود يعذّبون به في النار.

وأولى الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: معناه: أنهم يعذّبون بعمد في النار، والله أعلم كيف تعذيبه إياهم بها، ولم يأتنا خبر تقوم به الحجة بصفة تعذيبهم بها، ولا وُضِعَ لنا عليها دليل، فندرك به صفة ذلك، فلا قول فيه، غير الذي قلنا يصحّ عندنا، والله أعلم.

اسامة محمد خيري
27-04-2017, 04:43
سورة الفيل

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { حِجَارَةٍ مِنْ سَجِّيلٍ } قال: هي من طين.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: هي طير بِيض، خرجت من قِبَل البحر، مع كلّ طير ثلاثة أحجار: حَجران في رجليه، وحجر في منقاره، ولا يصيب شيئاً إلا هشَمه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث بن يعقوب أن أباه أخبره أنه بلغه أن الطير التي رمت بالحجارة، كانت تحملها بأفواهها، ثم إذا ألقتها نَفِط لها الجلد.

وقال آخرون: معنى ذلك: ترميهم بحجارة من سماء الدنيا. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سَجِّيلٍ } قال: السماء الدنيا، قال: والسماء الدنيا اسمها سجِّيل، وهي التي أنزل الله جلّ وعزّ على قوم لوط.

قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، أنه بلغه أن الطير التي رمت بالحجارة، أنها طير تخرج من البحر، وأن سجيل: السماء الدنيا.

وهذا القول الذي قاله ابن زيد لا نعرف لصحته وجها في خبر ولا عقل، ولا لغة، وأسماء لا تُدرك إلا من لغة سائرة، أو خبر من الله تعالى ذكره....

اسامة محمد خيري
27-04-2017, 04:48
سورة قريش

اختلفت القراء في قراءة: { لإيلافِ قُرَيْشٍ إيلافِهِمْ } ، فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار بياء بعد همز لإيلاف وإيلافهم، سوى أبي جعفر، فإنه وافق غيره في قوله { لإيلافِ } فقرأه بياء بعد همزة، واختلف عنه في قوله { إيلافِهِمْ } فروي عنه أنه كان يقرؤه: «إلْفِهِمْ» على أنه مصدر من ألف يألف إلفاً، بغير ياء. وحَكى بعضهم عنه أنه كان يقرؤه: «إلافِهِمْ» بغير ياء مقصورة الألف.

والصواب من القراءة في ذلك عندي: من قرأه: { لإيلافِ قُرَيْشٍ إيلافِهِمْ } بإثبات الياء فيهما بعد الهمزة، من آلفت الشيء أُولفه إيلافاً، لإجماع الحجة من القرّاء عليه. وللعرب في ذلك لغتان: آلفت، وألفت فمن قال: آلفت بمد الألف قال: فأنا أؤالف إيلافاً ومن قال: ألفت بقصر الألف قال: فأنا آلَفُ إلْفاً، وهو رجل آلِفٌّ إلْفاً. وحُكي عن عكرِمة أنه كان يقرأ ذلك: «لتألُّفِ قُرَيْشٍ إلْفَهُمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ».

حدثني بذلك أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن أبي مكين، عن عكرِمة.

وقد رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في ذلك، ما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مِهْران، عن سفيان، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، قالت: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ: «إلْفَهُمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ».

واختلف أهل العربية في المعنى الجالب هذه اللام في قوله: { لإيلافِ قُرَيْشٍ } ، فكان بعض نحويي البصرة يقول: الجالب لها قوله: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مأْكُولٍ فهي في قول هذا القائل صلة لقوله جعلهم، فالواجب على هذا القول، أن يكون معنى الكلام: ففعلنا بأصحاب الفيل هذا الفعل، نعمة منا على أهل هذا البيت، وإحساناً منا إليهم، إلى نعمتنا عليهم في رحلة الشتاء والصيف، فتكون اللام في قوله { لإِيلافِ } بمعنى إلى، كأنه قيل: نعمة لنعمة وإلى نعمة، لأن إلى موضع اللام، واللام موضع إلى. وقد قال معنى هذا القول بعض أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ } قال: إيلافهم ذلك فلا يشقّ عليهم رحلة شتاء ولا صيف....

وكان بعض نحويي الكوفة يقول: قد قيل هذا القول، ويقال: إنه تبارك وتعالى عجَّب نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: اعجب يا محمد لنِعَم الله على قريش، في إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. ثم قال: فلا يتشاغلوا بذلك عن الإيمان واتباعك يستدل بقوله: { فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ }.

وكان بعض أهل التأويل يوجِّه تأويل قوله: { لإيلافِ قُرَيْشٍ } إلى أُلفة بعضهم بعضاً. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: { لإيلافِ قُرَيْشٍ } فقرأ:
{ ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصحَابِ الْفِيلِ }
إلى آخر السورة، قال: هذا لإيلاف قريش، صنعت هذا بهم لألفة قريش، لئلا أفرّق أُلفتهم وجماعتهم، إنما جاء صاحب الفيل ليستبيد حريمهم، فصنع الله ذلك.

والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن هذه اللام بمعنى التعجب. وأن معنى الكلام: اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف، وتركهم عبادة ربّ هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف، فليعبدوا ربّ هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف. والعرب إذا جاءت بهذه اللام، فأدخلوها في الكلام للتعجب اكتفوا بها دليلاً على التعجب من إظهار الفعل الذي يجلبها، كما قال الشاعر:
أغَرَّكَ أنْ قالُوا لِقُرَّةَ شاعِراً فيالأباهُ مِنْ عَرِيفٍ وَشاعِرِ
فاكتفى باللام دليلاً على التعجب من إظهار الفعل وإنما الكلام: أغرّك أن قالوا: اعجبوا لقرّة شاعراً فكذلك قوله: { لإيلافِ }.

وأما القول الذي قاله من حَكينا قوله، أنه من صلة قوله: { فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مأْكُولٍ } فإن ذلك لو كان كذلك، لوجب أن يكون «لإيلاف» بعض «ألم تر»، وأن لا تكون سورة منفصلة من «ألم تر» وفي إجماع جميع المسلمين على أنهما سورتان تامَّتان كلّ واحدة منهما منفصلة عن الأخرى، ما يبين عن فساد القول الذي قاله من قال ذلك. ولو كان قوله: { لإيلافِ قُرَيْشٍ } من صلة قوله:
{ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مأكُولٍ }
لم تكن «ألم تر» تامَّة حتى توصلَ بقوله: { لإيلافِ قُرَيْشٍ } لأن الكلام لا يتمّ إلاَّ بانقضاء الخبر الذي ذُكر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: «إلْفَهُمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ» يقول: لزومهم.
...

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنه { آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ } والعدوّ مخوف منه، والجذام مخوف منه، ولم يخصُصِ الله الخبر عن أنه آمنهم من العدوّ دون الجذام، ولا من الجذام دون العدوّ، بل عمّ الخبر بذلك فالصواب أن يُعَمّ كما عمّ جلّ ثناؤه، فيقال: آمنهم من المعنيين كليهما.

اسامة محمد خيري
27-04-2017, 04:53
سورة الماعون


وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب بقوله: { ساهُونَ }: لاهون يتغافلون عنها وفي اللهو عنها والتشاغل بغيرها، تضييعها أحياناً، وتضييع وقتها أخرى. وإذا كان ذلك كذلك صحّ بذلك قول من قال: عُنِي بذلك ترك وقتها، وقول من قال: عُنِي به تركها، لما ذكرت من أن في السهو عنها المعاني التي ذكرت.

وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك خبران يؤيدان صحة ما قلنا في ذلك: أحدهما ما:

حدثني به زكريا بن أبان المصريّ، قال: ثنا عمرو بن طارق، قال: ثنا عكرِمة بن إبراهيم، قال: ثنا عبد الملك بن عُمَير، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص، قال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم، عن { الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ } قال: " هم الذين يؤخِّرون الصلاة عن وقتها " والآخر منهما ما:

حدثني به أبو كُرَيب، قال: ثنا معاوية بن هشام، عن شبيان النحويّ، عن جابر الجُعْفِيّ، قال: ثني رجل، عن أبي بَرْزة الأسلميّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما نزلت هذه الآية: { الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ }: " الله أكبرُ هذه خيرٌ لكم من أن لو أُعطيَ كلّ رجل منكم مثلَ جميع الدنيا هو الذي إن صلى لم يرجُ خير صلاته، وإن تركها لم يخف ربه..

وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، إذ كان الماعون هو ما وصفنا قبل، وكان الله قد أخبر عن هؤلاء القوم، وأنهم يمنعونه الناس، خبراً عاماً، من غير أن يخصّ من ذلك شيئاً، أن يقال: إن الله وصفهم بأنهم يمنعون الناس ما يتعاورونه بينهم، ويمنعون أهل الحاجة والمسكنة ما أوجب الله لهم في أموالهم من الحقوق، لأن كلّ ذلك من المنافع التي ينتفع بها الناس بعضهم من بعض.

اسامة محمد خيري
27-04-2017, 05:02
سورة الكوثر

وقال آخرون: هو حوض أُعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن مطر، عن عطاء { إنَّا أعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ } قال: حوض في الجنة أُعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا أحمد بن أبي سريج، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا مطر، قال: سألت عطاء ونحن نطوف بالبيت عن قوله: { إنَّا أعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ } قال: حوض أعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي، قول من قال: هو اسم النهر الذي أُعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة، وصفه الله بالكثرة، لعظَم قدره.

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك، لتتابع الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ذلك كذلك. ذكر الأخبار الواردة بذلك:...

وكان بعض أهل العربية يتأوّل قوله: { وَانْحَرْ } واستقبل القبلة بنحرك. وذُكر أنه سمع بعض العرب يقول: منازلهم تتناحَر: أي هذا بنحر هذا: أي قبالته. وذُكر أن بعض بني أسد أنشده:
أبا حَكَمٍ هَلْ أنْتَ عَمُّ مُجَالِدٍ وَسَيِّدُ أهْلِ الأَبْطَحِ المُتَناحِرِ؟
أي ينحر بعضه بعضاً.

وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب: قول من قال: معنى ذلك: فاجعل صلاتَك كلَّها لربك خالصاً دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان، شكراً له على ما أعطاك من الكرامة والخير الذي لا كُفْء له، وخصك به، من إعطائه إياك الكوثر.

وإنما قلت: ذلك أولى الأقوال بالصواب في ذلك، لأن الله جلّ ثناؤه أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بما أكرمه به من عطيته وكرامته، وإنعامه عليه بالكوثر، ثم أتبع ذلك قوله: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } ، فكان معلوماً بذلك أنه خصه بالصلاة له، والنحر على الشكر له، على ما أعلمه من النعمة التي أنعمها عليه، بإعطائه إياه الكوثَر، فلم يكن لخصوص بعض الصلاة بذلك دون بعض، وبعض النحر دون بعض، وجه، إذ كان حثاً على الشكر على النِّعم.

فتأويل الكلام إذن: إنا أعطيناك يا محمد الكوثر، إنعاماً منا عليك به، وتكرمة منا لك، فأخلص لربك العبادة، وأفرد له صلاتك ونُسُكَك، خلافاً لما يفعله من كفر به، وعبد غيره، ونحر للأوثان....

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن مُبغض رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأقلّ الأذلّ، المنقطع عقبه، فذلك صفة كلّ من أبغضه من الناس، وإن كانت الآية نزلت في شخص بعينه.

اسامة محمد خيري
27-04-2017, 05:03
سورة الكافرون

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وكان المشركون من قومه فيما ذُكر عرضوا عليه أن يعبدوا الله سنة، على أن يعبد نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم آلهتهم سنة، فأنزل الله مُعَرِّفه جوابهم في ذلك: { قُلْ } يا محمد لهؤلاء المشركين الذين سألوك عبادة آلهتهم سنة، على أن يعبدوا إلهك سنة { يا أيُّها الكافِرُونَ } بالله { لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ } من الآلهة والأوثان الآن { وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ } الآن { وَلا أنا عابِدٌ } فيما أستقبل { ما عَبَدْتُمْ } فيما مضى { وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ } فيما تستقبلون أبداً { ما أعْبُدُ } أنا الآن، وفيما أستقبل. وإنما قيل ذلك كذلك، لأن الخطاب من الله كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أشخاص بأعيانهم من المشركين، قد علم أنهم لا يؤمنون أبداً، وسبق لهم ذلك في السابق من علمه، فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يُؤَيِّسَهم من الذي طمعوا فيه، وحدّثوا به أنفسهم، وأن ذلك غير كائن منه ولا منهم، في وقت من الأوقات، وآيسَ نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم من الطمع في إيمانهم، ومن أن يفلحوا أبداً، فكانوا كذلك لم يفلحوا ولم ينجحوا، إلى أن قُتِل بعضُهم يوم بدر بالسيف، وهلك بعض قبل ذلك كافراً. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت به الآثار. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن موسى الحَرَشِيّ، قال: ثنا أبو خلف، قال: ثنا داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس: إن قريشاً وعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطوه مالاً، فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوّجوه ما أراد من النساء، ويَطئوا عَقِبه، فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمد، وكُفَّ عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل، فإنا نعرض عليك خَصْلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح، قال: «ما هي؟» قالوا: تعبد آلهتنا سنة: اللات والعزّي، ونعبد إلهك سنة، قال: «حتى أنظُرَ ما يأْتي مِنْ عِنْدَ رَبِّي»، فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: { قُلْ يا أيُّها الْكافِرُونَ } السورة، وأنزل الله:
{ قُلْ أفَغَيْرَ أللّهِ تَأْمُرونِي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ... }
إلى قوله:
{ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ }..

اسامة محمد خيري
27-04-2017, 05:09
سورة المسد

وقوله: { وَامْرأتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ } يقول: سيصلى أبو لهب وامرأته حمالة الحطب، ناراً ذات لهب.

واختلفت القرّاء في قراءة { حَمَّالَةَ الْحَطَبِ } فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والكوفة والبصرة: «حَمَّالَةُ الْحَطَبِ» بالرفع، غير عبد الله بن أبي إسحاق، فإنه قرأ ذلك نصباً فيما ذُكر لنا عنه.

واختُلف فيه عن عاصم، فحكي عنه الرفع فيها والنصب، وكأنّ من رفع ذلك جعله من نعت المرأة، وجعل الرفع للمرأة ما تقدّم من الخبر، وهو «سيصلى»، وقد يجوز أن يكون رافعها الصفة، وذلك قوله: { فِي جِيدِها } وتكون «حَمَّالَة» نعتاً للمرأة. وأما النصب فيه فعلى الذمّ، وقد يُحتمل أن يكون نصبها على القطع من المرأة، لأن المرأة معرفة، وحمالة الحطب نكرة.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا: الرفع، لأنه أفصح الكلامين فيه، ولإجماع الحجة من القرّاء عليه....

وقال بعضهم: كانت تُعَيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر، وكانت تَحْطِبُ فَعُيِّرت بأنها كانت تحطب.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان { وامْرأتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ } قال: كانت تمشي بالنميمة.

وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي، قول من قال: كانت تحمل الشوك، فتطرحه في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن ذلك هو أظهر معنى ذلك...

وقال آخرون: هو قِلادة من وَدَع في عنقها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ } قال: قلادة من وَدَع.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ } قال: قلادة من وَدَع.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: هو حبلٌ جُمع من أنواع مختلفة، ولذلك اختلف أهل التأويل في تأويله على النحو الذي ذكرنا، ومما يدلّ على صحة ما قلنا في ذلك قول الراجز:
وَمَسَدٍ أُمِرَّ مِنْ أيانِقَ صُهْبٍ عِتاقٍ ذاتِ مُخَ زَاهِقِ
فجعل إمراره من شتى، وكذلك المسد الذي في جيد امرأة أبي لهب، أُمِرَّ من أشياء شتى، من ليف وحديد ولحاء، وجعل في عنقها طوقاً كالقلادة من ودع ومنه قول الأعشى:
تُمْسِي فيَصْرِفُ بابُها مِنْ دُونِنا غَلْقاً صَرِيفَ مَحَالَةِ الأَمْسادِ
يعني بالأمساد: جمع مَسَد، وهي الجبال.

اسامة محمد خيري
27-04-2017, 05:14
سورة الاخلاض

واختلف أهل العربية في الرافع { أحَدٌ } فقال بعضهم: الرافع له «الله»، و «هو» عماد، بمنزلة الهاء في قوله:
{ إنَّهُ أنا اللّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }
وقال آخر منهم: بل «هو» مرفوع، وإن كان نكرة بالاستئناف، كقوله: هذا بعلي شيخ، وقال: هو الله جواب لكلام قوم قالوا له: ما الذي تعبد؟ فقال: هو الله، ثم قيل له: فما هو؟ قال: هو أحد.

وقال آخرون { أحَدٌ } بمعنى: واحد، وأنكر أن يكون العماد مستأنفاً به، حتى يكون قبله حرف من حروف الشكّ، كظنّ وأخواتها، وكان وذواتها، أو إنّ وما أشبهها، وهذا القول الثاني هو أشبه بمذاهب العربية.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار { أحَدٌ اللّهُ الصَّمَدُ } بتنوين «أحدٌ»، سوى نصر بن عاصم، وعبد الله بن أبي إسحاق، فإنه رُوي عنهما ترك التنوين: «أحَدُ اللّهُ» وكأن من قرأ ذلك كذلك، قال: نون الإعراب إذا استقبلتها الألف واللام أو ساكن من الحروف حُذفت أحياناً، كما قال الشاعر:
كَيْفَ نَوْمي على الفرَاشِ ولمَا تَشْمَلِ الشَّامَ غارَةٌ شَعْوَاءُ
تُذْهِلُ الشَّيْخَ عَن بَنِيهِ وتُبْدِي عَنْ خِدَامِ العَقِيلَةُ العَذْراءُ
يريد: عن خِدامٍ العقيلةُ.

والصواب في ذلك عندنا: التنوين، لمعنيين: أحدهما أفصح اللغتين، وأشهر الكلامين، وأجودهما عند العرب. والثاني: إجماع الحجة من قرّاء الأمصار على اختيار التنوين فيه، ففي ذلك مُكْتفًى عن الاستشهاد على صحته بغيره. وقد بيَّنا معنى قوله «أحد» فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع....

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: { الصَّمَدُ }: الدائم.

قال أبو جعفر: الصَّمَدُ عند العرب: هو السيد الذي يُصْمَدُ إليه، الذي لا أحد فوقه، وكذلك تسمي أشرافَها ومنه قول الشاعر:
ألا بَكَرَ النَّاعي بِخَيْرَيْ بَنِي أسَدْ بعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبالسَّيِّدِ الصَّمَدْ
وقال الزبرقان:
وَلا رَهِينَةَ إلاَّ سَيِّدٌ صَمَدُ
فإذا كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويل الكلمة، المعنى المعروف من كلام من نزل القرآن بلسانه ولو كان حديث ابن بُريدة، عن أبيه صحيحاً، كان أولى الأقوال بالصحة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بما عَنى الله جلّ ثناؤه، وبما أنْزل عليه.
..

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { كُفُوًا }. فقرأ ذلك عامة قرّاء البصرة: { كُفُوًا } بضم الكاف والفاء. وقرأه بعض قرّاء الكوفة بتسكين الفاء وهمزها «كُفْئاً».

والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان، ولغتان مشهورتان، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

اسامة محمد خيري
27-04-2017, 05:19
سورة الفلق

والصواب من القول في ذلك، أن يقال: إن الله جلّ ثناؤه أمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقول: { أعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ } والفلق في كلام العرب: فَلق الصبح، تقول العرب: هو أبينُ من فَلَق الصُّبح، ومن فَرَق الصُّبح. وجائز أن يكون في جهنم سجن اسمه فَلَق. وإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن جلّ ثناؤه وضعَ دلالة على أنه عُنِي بقوله { بِرَبِّ الْفَلَقِ } بعض ما يُدْعَى الفلق دون بعض، وكان الله تعالى ذكره ربّ كل ما خلق من شيء، وجب أن يكون معنياً به كل ما اسمه الفَلَق، إذ كان ربّ جميع ذلك...

وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن خاله الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: أخذ النبيّ صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم نظر إلى القمر، ثم قال: " يا عائِشَةُ تَعَوَّذِي باللّهِ مِنْ شَرِّ غاسِقٍ إذَا وَقَبَ، وَهَذَا غاسِقٌ إذَا وَقَبَ " ، وهذا لفظ حديث أبي كُرَيب وابن وكيع. وأما ابن حُمَيد، فإنه قال في حديثه: قالت أخَذَ النبيّ صلى الله عليه وسلم بيدي، فقال: " أتَدْرِينَ أيُّ شَيْءٍ هَذَا؟ تَعَوَّذِي باللّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا، فإنَّ هَذَا الْغاسِقُ إذَا وَقَبَ "

حدثنا محمد بن سنان، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن عائشة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر. فقال: " يا عائِشَةُ اسْتَعِيذِي باللّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا، فإنَّ هَذَا الْغاسِقُ إذَا وَقَبَ "

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، أن يقال: إن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ { مِنْ شَرِّ غاسِقٍ } وهو الذي يُظْلم، يقال: قد غَسَق الليل يَغْسُق غسوقاً: إذا أظلم. { إذَا وَقَبَ } يعني: إذا دخل في ظلامه والليل إذا دخل في ظلامه غاسق، والنجم إذا أفل غاسق، والقمر غاسق إذا وقب، ولم يخصص بعض ذلك بل عمّ الأمر بذلك، فكلّ غاسق، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يُؤمر بالاستعاذة من شرّه إذا وقب. وكان قتادة يقول في معنى وقب: ذهب.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { غاسِقٍ إذَا وَقَبَ } قال: إذا ذهب.

ولست أعرف ما قال قتادة في ذلك في كلام العرب، بل المعروف من كلامها من معنى وقب: دخل....

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَمِنْ شَرّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ } قال: النفاثات: السواحر في العقد.

وقوله: { وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إذَا حَسَدَ }: اختلف أهل التأويل في الحاسد الذي أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ من شرّ حسده به، فقال بعضهم: ذلك كلّ حاسد أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ من شرّ عينه ونفسه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إذَا حَسَدَ } قال: من شرّ عينه ونفسه، وعن عطاء الخُراساني مثل ذلك. قال مَعْمر: وسمعت ابن طاوُس يحدّث عن أبيه، قال: العَينُ حَقٌّ، وَلَو كان شَيءٌ سابق القَدرِ، سَبَقتْه العَينُ، وإذا اسْتُغْسِل أحدُكم فَلْيَغْتَسل.

وقال آخرون: بل أُمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بهذه الآية أن يستعيذ من شرّ اليهود الذين حسدوه. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إذَا حَسَدَ } قال: يهود، لم يمنعم أن يؤمنوا به إلا حسدهم.

وأولى القولين بالصواب في ذلك، قول من قال: أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ من شرّ كلّ حاسد إذا حسد، فعابه أو سحره، أو بغاه سوءاً.

وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب، لأن الله عزّ وجلّ لم يخصص من قوله { وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إذَا حَسَدَ } حاسداً دون حاسد، بل عمّ أمرُه إياه بالاستعاذة من شر كلّ حاسد، فذلك على عمومه.

اسامة محمد خيري
27-04-2017, 05:23
سورة الناس

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله { الْوَسْواس } قال: هو الشيطان يأمره، فإذا أطيع خنس.

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله أمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ به من شرّ شيطان يوسوس مرّة ويخنس أخرى، ولم يخصّ وسوسته على نوع من أنواعها، ولا خنوسه على وجه دون وجه، وقد يوسوس الدعاء إلى معصية الله، فإذا أطيع فيها خَنَس، وقد يوسوس بالنَّهْي عن طاعة الله فإذا ذكر العبدُ أمر به، فأطاعه فيه، وعصى الشيطان خنس، فهو في كل حالتيه وَسْواس خَنّاس، وهذه الصفة صفته.

وقوله: { الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ } يعني بذلك: الشيطان الوسواس، الذي يوسوس في صدور الناس: جنهم وإنسهم.

فإن قال قائل: فالجنّ ناس، فيقال: { } الذي يوسوس في صدور الناس: من الجنة والناس. قيل: قد سماهم الله في هذا الموضع ناساً، كما سماهم في موضع آخر رجالاً، فقال:
{ وَأنَّهُ كَانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ }
، فجعل الجنّ رجالاً، وكذلك جعل منهم ناساً.

وقد ذكر عن بعض العرب أنه قال وهو يحدّث، إذ جاء قوم من الجنّ فوقفوا، فقيل: من أنتم؟ فقالوا: ناس من الجنّ، فجعل منهم ناساً، فكذلك ما في التنزيل من ذلك.


تمت بحمد الله ترجيحات الامام الطبري فى تفسيره كاملة فلله الحمد والمنة ان يسرنا لهذا العمل العظيم

اسامة محمد خيري
29-04-2017, 20:00
استدراك علي الترجيحات فى اول سورة البقرة

{ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ }

قال أبو جعفر: وإذ كان تأويـل قول الله جل ثناؤه:
{ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ }
[البقرة: 17] هو ما وصفنا من أن ذلك خبر من الله جل ثناؤه عما هو فـاعل بـالـمنافقـين فـي الآخرة، عند هتك أستارهم، وإظهاره فضائح أسرارهم، وسلبه ضياء أنوارهم من تركهم فـي ظلـم أهوال يوم القـيامة يترددون، وفـي حنادسها لا يبصرون فبـينٌ أن قوله جل ثناؤه: { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } من الـمؤخر الذي معناه التقديـم، وأن معنى الكلام:
{ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ، مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }

ملحوظة

ذكرنا قول الطبري فى ايه ذهب الله بنورهم عند ترجيحات سورة البقرة

اسامة محمد خيري
29-04-2017, 22:00
{ يَكَادُ ظ±لْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَظ°رَهُمْ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ ظ±للَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَظ°رِهِمْ إِنَّ ظ±للَّهَ عَلَىظ° كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

فتأويـل الآية إذا إذا كان الأمر علـى ما وصفنا: أَوَ مَثَلُ ما استضاء به الـمنافقون من قـيـلهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللـمؤمنـين بألسنتهم: آمنا بـالله وبـالـيوم الآخر وبـمـحمد وما جاء به، حتـى صار لهم بذلك فـي الدنـيا أحكام الـمؤمنـين، وهم مع إظهارهم بألسنتهم ما يظهرون بـالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند الله وبـالـيوم الآخر، مكذِّبون، ولـخلاف ما يظهرون بـالألسن فـي قلوبهم معتقدون، علـى عَمًى منهم وجهالة بـما هم علـيه من الضلالة لا يدرون أيّ الأمرين اللذين قد شرعا لهم فـيه الهداية فـي الكفر الذي كانوا علـيه قبل إرسال الله مـحمداً صلى الله عليه وسلم بـما أرسله به إلـيهم، أم فـي الذي أتاهم به مـحمد صلى الله عليه وسلم من عند ربهم؟ فهم من وعيد الله إياهم علـى لسان مـحمد صلى الله عليه وسلم وَجِلُون، وهم مع وجلهم من ذلك فـي حقـيقته شاكون فـي قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً. كمثل غيث سرى لـيلاً فـي مزنة ظلـماء ولـيـلة مظلـمة يحدوها رعد ويستطير فـي حافـاتها برق شديد لـمعانه كثـير خَطَرانه، يكاد سنا برقه يذهب بـالأبصار، ويختطفها من شدة ضيائه ونور شعاعه وينهبط منها نارات صواعق تكاد تدع النفوس من شدة أهوالها زواهق. فـالصيب مثلٌ لظاهر ما أظهر الـمنافقون بألسنتهم من الإقرار والتصديق، والظلـمات التـي هي فـيه لظلـمات ما هم مستبطنون من الشك والتكذيب ومرض القلوب. وأما الرعد والصواعق فلـما هم علـيه من الوجل من وعيد الله إياهم علـى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فـي آي كتابه، إما فـي العاجل وإما فـي الآجل، أي يحل بهم مع شكهم فـي ذلك: هل هو كائن، أم غير كائن، وهل له حقـيقة أم ذلك كذب وبـاطل؟ مَثَلٌ. فهم من وجلهم أن يكون ذلك حقاً يتقونه بـالإقرار بـما جاء به مـحمد صلى الله عليه وسلم بألسنتهم مخافة علـى أنفسهم من الهلاك ونزول النقمات. وذلك تأويـل قوله جل ثناؤه:
{ يَجْعَلُونَ أَصَظ°بِعَهُمْ فِيغ¤ آذَانِهِم مِّنَ ظ±لصَّوَظ°عِقِ حَذَرَ ظ±لْمَوْتِ }
[البقرة: 19] يعنـي بذلك يتقون وعيد الله الذي أنزله فـي كتابه علـى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بـما يبدونه بألسنتهم من ظاهر الإقرار، كما يتقـي الـخائف أصوات الصواعق بتغطية أذنـيه وتصيـير أصابعه فـيها حذراً علـى نفسه منها.

وقد ذكرنا الـخبر الذي رُوي عن ابن مسعود وابن عبـاس أنهما كانا يقولان: إن الـمنافقـين كانوا إذا حضروا مـجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخـلوا أصابعهم فـي آذانهم فَرَقاً من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل فـيهم شيء، أو يُذكروا بشيء فـيقتلوا. فإن كان ذلك صحيحاً، ولست أعلـمه صحيحاً، إذ كنت بإسناده مرتابـاً فإن القول الذي روي عنهما هو القول. وإن يكن غير صحيح، فأولـى بتأويـل الآية ما قلنا لأن الله إنـما قص علـينا من خبرهم فـي أول مبتدأ قصصهم أنهم يخادعون الله ورسوله والـمؤمنـين بقولهم آمنا بـالله وبـالـيوم الآخر، مع شك قلوبهم ومرض أفئدتهم فـي حقـيقة ما زعموا أنهم به مؤمنون مـما جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند ربهم، وبذلك وصفهم فـي جميع آي القرآن التـي ذكر فـيها صفتهم. فكذلك ذلك فـي هذه الآية.

وإنـما جعل الله إدخالهم أصابعهم فـي آذانهم مثلاً لاتقائهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والـمؤمنـين بـما ذكرنا أنهم يتقونهم به كما يتقـي سامع صوت الصاعقة بإدخال أصابعه فـي أذنـيه. وذلك من الـمَثَلِ نظير تـمثـيـل الله جل ثناؤه ما أنزل فـيهم من الوعيد فـي آي كتابه بأصوات الصواعق، وكذلك قوله: { حَذَرَ ظ±لْمَوْتِ } جعله جل ثناؤه مثلاً لـخوفهم وإشفـاقهم من حلول عاجل العقاب الـمهلك الذي توعده بساحتهم، كما يجعل سامع أصوات الصواعق أصابعه فـي أذنـيه حذر العطب والـموت علـى نفسه أن تزهق من شدتها. وإنـما نصب قوله: حذر الـموت علـى نـحو ما تنصب به التكرمة فـي قولك: زرتَكَ تكرمَةَ لك، تريد بذلك: من أجل تكرمتك، وكما قال جل ثناؤه: { وَيَدْعُونَنَا رَغَبـاً وَرَهَبـاً } علـى التفسير للفعل. وقد رُوي عن قتادة أنه كان يتأوّل قوله: { حَذَرَ ظ±لْمَوْتِ }: حذراً من الـموت.

حدثنا بذلك الـحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عنه.

وذلك مذهب من التأويـل ضعيف، لأن القوم لـم يجعلوا أصابعهم فـي آذانهم حذراً من الـموت فـيكون معناه ما قال إنه مراد به حذراً من الـموت، وإنـما جعلوها من حذار الـموت فـي آذانهم.

وكان قتادة وابن جريج يتأوّلان قوله:
{ يَجْعَلُونَ أَصَظ°بِعَهُمْ فِيغ¤ آذَانِهِم مِّنَ ظ±لصَّوَظ°عِقِ حَذَرَ ظ±لْمَوْتِ }
[البقرة: 19] أن ذلك من الله جل ثناؤه صفةٌ للـمنافقـين بـالهلع. وضعف القلوب، وكراهة الـموت، ويتأوّلان فـي ذلك قوله:
{ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ }
[المنافقون: 4] ولـيس الأمر فـي ذلك عندي كالذي قالا. وذلك أنه قد كان فـيهم من لا تنكر شجاعته ولا تدفع بسالته كقزمان الذي لـم يقم مقامه أحد من الـمؤمنـين بـأحد و دونه. وإنـما كانت كراهتهم شُهود الـمشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركهم معاونته علـى أعدائه لأنهم لـم يكونوا فـي أديانهم مستبصرين ولا برسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقـين، فكانوا للـحضور معه مشاهده كارهين، إلا بـالتـخذيـل عنه.

ولكن ذلك وصف من الله جل ثناؤه لهم بـالإشفـاق من حلول عقوبة الله بهم علـى نفـاقهم، إما عاجلاً، وإما آجلاً.

اسامة محمد خيري
29-04-2017, 22:13
إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }

وإذ كان ذلك كذلك وكانت قادة الاحزاب لا شك أنهم ممن لم ينفعه الله عز وجل بإنذار النبي صلى الله عليه وسلم اياه حتى قتلهم الله تبارك وتعالى بأيدي المؤمنين يوم بدر، علم أنهم ممن عنى الله جل ثناؤه بهذه الآية وأما علتنا في اختيارنا ما اخترنا من التأويل في ذلك، فهي أن قول الله جل ثناؤه { إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } عقيب خبر الله جل ثناؤه عن مؤمني أهل الكتاب، وعقيب نعتهم، وصفتهم وثنائه عليهم بإيمانهم به وبكتبه ورسله؛ فأولى الامور بحكمة أن يتلى ذلك الخبر عن كفارهم ونعوتهم وذم أسبابهم وأحوالهم واظهار شتمهم والبراءة منهم لأن مؤمنيهم ومشركيهم وإن اختلفت أحوالهم باختلاف أديانهم، فإن الجنس يجمع جميعهم بأنهم بنو اسرائيل.

وإنما احتج الله جل ثناؤه بأول هذه السورة لنبيه صلى الله عليه وسلم على مشركي اليهود من أحبار بني اسرائيل الذين كانوا مع علمهم بنبوته منكرين نبوته بإظهار نبيه صلى الله عليه وسلم على ما كانت تسره الاحبار منهم وتكتمه فيجهله عظم اليهود وتعلمه الاحبار منهم ليعلموا ان الذي أطلعه على علم ذلك هو الذي أنزل الكتاب على موسى، اذ كان ذلك من الامور التي لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم ولا قومه ولا عشيرته يعلمونه ولا يعرفونه من قبل نزول الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم، فيمكنهم ادعاء البس في أمره عليه السلام أنه نبي، وأن ما جاء به من عند الله وأنى يمكنهم ادعاء اللبس في صدق أمي نشأ بين أميين لا يكتب، ولا يقرأ، ولا يحسب، فيقال: قرأ الكتب فعلم أو حسب فنجم، وانبعث على أحبار قرّاء كتب، قد درسوا الكتب ورأسوا الأمم يخبرهم عن مستور عيوبهم، ومصون علومهم، ومكتوم أخبارهم، وخفيات أمورهم التي جهلها من هو دونهم من أحبارهم؟! ان أمرمن كان كذلك لغير مشكل، وأن صدقه لبين.

ومما ينبىء عن صحة ما قلنا من ان الذين عنى الله تعالى ذكره بقوله { إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } هم أحبار اليهود الذين قتلوا على الكفر وماتوا عليه اقتصاص الله تعالى ذكرنبأهم وتذكيره إياهم ما أخذ عليهم من العهود،والمواثيق من أمر محمد صلى الله عليه وسلم بعد اقتصاصه تعالى ذكره ما اقتص من أمر المنافقين واعتراضه بين ذلك بما اعترض به من الخبر عن ابليس وآدم في قوله:

{ ظ°بَنِي إِسْرَائِيلَ ظ±ذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ظ±لَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ }
[البقرة: 40] الآيات واحتجاجه لنبيه عليهم بما احتج عليهم فيها بعد جحودهم نبوّته، فإذا كان الخبر أولا عن مؤمني أهل الكتاب وآخر عن مشركيهم، فأولى أن يكون وسطاً عنهم، إذ كان الكلام بعضه لبعض تبع،الا أن تأتيهم دلالة واضحة بعدول بعض ذلك عما ابتدىء به من معانيه، فيكون معروفا حينئذ انصرافه عنه.

وأما معنى الكفر في قوله { إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ } فإنه الجحود، وذلك ان الاحبار من يهود المدينة جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وستروه عن الناس وكتموا أمره، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وأصل الكفر عند العرب تغطية الشيء، ولذلك سمو الليل كافر التغطية ظلمته ما لبسته، كما قال الشاعر
فتذكرا ثقلا رثيدا بعدما ألقت ذكاء يمينها في كافر
وقال لبيد بن ربيعة
في ليلة كفر النجوم غمامها
يعني عطاها فكذلك الاحبار من اليهود غطوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وكتموه الناس مع علمهم بنبوته ووجودهم صفته في كتبهم،فقال الله جل ثناؤه فيهم
{ إِنَّ ظ±لَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ظ±لْبَيِّنَاتِ وَظ±لْهُدَىظ° مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ظ±لْكِتَابِ أُولَـظ°ئِكَ يَلعَنُهُمُ ظ±للَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ظ±للاَّعِنُونَ }
[البقرة: 159] وهم الذين أنزل الله عز وجل فيهم { إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }. القول في تأويل قوله جل ثناؤه: { سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }

وتأويل سواء معتدل مأخوذ من التساوي، كقولك متساو هذان الامران عندي، وهما عندي سواء:أي هما متعادلان عندي. ومنه قول الله جل ثناؤه " فانبذ اليهم على سواء " ، يعني أعلمهم وآذنهم بالحرب، حتى يستوي علمك وعلمهم بما عليه كل فريق منهم للفريق الآخر، فكذلك قوله: { سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ } معتدل عندهم أي الامرين كان منك اليهم الإنذارأم ترك الإنذار لأنهم كانوا لا يؤمنون، وقد ختمت على قلوبهم وسمعهم، ومن ذلك قول عبد الله بن قيس الرقيات:
تغذ بي الشهباء نحو ابن جعفر سواء عليها ليلها ونهارها
يعني بذلك معتدل عندها في السير الليل والنهار، لأنه لا فتور فيه. ومنه قول الآخر:
وليل يقول المرء من ظلماته سواء صحيحات العيون وعورها
لأن الصحيح لا يبصر فيه إلا بصرا ضعيفا من ظلمته.

اسامة محمد خيري
30-04-2017, 13:26
{ إِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ظ±لْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ظ±للَّهُ بِهَـظ°ذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ظ±لْفَظ°سِقِينَ }

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى الذي أنزل الله جل ثناؤه فـيه هذه الآية وفـي تأويـلها.

فقال بعضهم بـما:

حدثنـي به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: لـما ضرب الله هذين الـمثلـين للـمنافقـين، يعنـي قوله:
{ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ظ±لَّذِي ظ±سْتَوْقَدَ نَاراً }
[البقرة: 17] وقوله:
{ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ظ±لسَّمَآءِ }
[البقرة: 19] الآيات الثلاث، قال الـمنافقون: الله أعلـى وأجلّ من أن يضرب هذه الأمثال. فأنزل الله { إِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً } إلـى قوله: { أُولَـغ¤ئِكَ هُمُ ظ±لْخَظ°سِرُونَ }.

وقال آخرون بـما:

حدثنـي به أحمد بن إبراهيـم، قال: حدثنا قُراد عن أبـي جعفر الرازي، عن الربـيع بن أنس، فـي قوله تعالـى: { إِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } قال: هذا مثل ضربه الله للدنـيا، إن البعوضة تـحيا ما جاعت، فإذا سمنت ماتت، وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب الله لهم هذا الـمثل فـي القرآن، إذا امتلئوا من الدنـيا رِيّا أخذهم الله عند ذلك. قال: ثم تلا
{ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ }
[الأنعام: 44] الآية.

وحدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال: حدثنا إسحاق بن الـحجاج، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس بنـحوه، إلا أنه قال: فإذا خـلى آجالهم، وانقطعت مدتهم، صاروا كالبعوضة تـحيا ما جاعت وتـموت إذا رويت فكذلك هؤلاء الذين ضرب الله لهم هذا الـمثل إذا امتلئوا من الدنـيا ريّا أخذهم الله فأهلكهم، فذلك قوله:
{ حَتَّىظ° إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوغ¤اْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ }
[الأنعام: 44]. وقال آخرون بـما:

حدثنا به بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله: { إِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } أي إن الله لا يستـحيـي من الـحقّ أن يذكر منه شيئاً ما قل منه أو كثر. إن الله حين ذكر فـي كتابه الذبـاب والعنكبوت، قال أهل الضلالة: ما أراد الله من ذكر هذا؟ فأنزل الله: { إِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا }.

وحدثنا الـحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: لـما ذكر الله العنكبوت والذبـاب، قال الـمشركون: ما بـال العنكبوت والذبـاب يذكران؟ فأنزل الله: { إِنَّ ظ±للَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا }.

وقد ذهب كل قائل مـمن ذكرنا قوله فـي هذه الآية وفـي الـمعنى الذي نزلت فـيه مذهبـاً، غير أن أولـى ذلك بـالصواب وأشبهه بـالـحقّ ما ذكرنا من قول ابن مسعود وابن عبـاس.

وأما تأويـل قوله: { فَمَا فَوْقَهَا }: فما هو أعظم منها عندي لـما ذكرنا قبل من قول قتادة وابن جريج أن البعوضة أضعف خـلق الله، فإذا كانت أضعف خـلق الله فهي نهاية فـي القلة والضعف، وإذ كانت كذلك فلا شك أن ما فوق أضعف الأشياء لا يكون إلا أقوى منه، فقد يجب أن يكون الـمعنى علـى ما قالاه فما فوقها فـي العظم والكبر، إذ كانت البعوضة نهاية فـي الضعف والقلة.

وقـيـل فـي تأويـل قوله: { فَمَا فَوْقَهَا } فـي الصغر والقلة، كما يقال فـي الرجل يذكره الذاكر فـيصفه بـاللؤم والشحّ، فـيقول السامع: نعم، وفوق ذاك، يعنـي فوق الذي وصف فـي الشحّ واللؤم. وهذا قول خلاف تأويـل أهل العلـم الذين تُرتضى معرفتهم بتأويـل القرآن، فقد تبـين إذا بـما وصفنا أن معنى الكلام: إن الله لا يستـحيـي أن يصف شبهاً لـما شبه به الذي هو ما بـين بعوضة إلـى ما فوق البعوضة. فأما تأويـل الكلام لو رفعت البعوضة فغير جائز فـي ما إلا ما قلنا من أن تكون اسماً لا صلة بـمعنى التطول.

اسامة محمد خيري
01-05-2017, 05:48
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى }.

قال أبو جعفر: وتأويـل قوله: { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم } فإن يأتكم، و«ما» التـي مع «إن» توكيد للكلام، ولدخولها مع «إن» أدخـلت النون الـمشددة فـي «يأتـينكم» تفرقة بدخولها بـين «ما» التـي تأتـي بـمعنى توكيد الكلام التـي تسميها أهل العربـية صلة وحشواً، وبـين «ما» التـي تأتـي بـمعنى «الذي»، فتؤذن بدخولها فـي الفعل، أن «ما» التـي مع «إن» التـي بـمعنى الـجزاء توكيد، ولـيست «ما» التـي بـمعنى «الذي».

وقد قال بعض نـحويـي البصريـين: إنّ «إما» «إن» زيدت معها «ما»، وصار الفعل الذي بعده بـالنون الـخفـيفة أو الثقـيـلة، وقد يكون بغير نون. وإنـما حسنت فـيه النون لـمّا دخـلته «ما»، لأن «ما» نفـي، فهي مـما لـيس بواجب، وهي الـحرف الذي ينفـي الواجب، فحسنت فـيه النون، نـحو قولهم: «بعين ما أرينك» حين أدخـلت فـيها «ما» حسنت النون فـيـما ههنا. وقد أنكر جماعة من أهل العربـية دعوى قائلـي هذه الـمقالة أن «ما» التـي مع «بعين ما أرينّك» بـمعنى الـجحد، وزعموا أن ذلك بـمعنى التوكيد للكلام.

وقال آخرون: بل هو حشو فـي الكلام، ومعناها الـحذف، وإنـما معنى الكلام: بعين أراك، وغير جائز أن يجعل مع الاختلاف فـيه أصلاً يقاس علـيه غيره.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }.

قال أبو جعفر: والهدى فـي هذا الـموضع البـيان والرشاد، كما:

حدثنا الـمثنى ابن إبراهيـم، قال: حدثنا آدم العسقلانـي، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية فـي قوله: { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى } قال: الهدى: الأنبـياء والرسل والبـيان.

فإن كان ما قال أبو العالـية فـي ذلك كما قال، فـالـخطاب بقوله: { ظ±هْبِطُواْ } وإن كان لآدم وزوجته، فـيجب أن يكون مراداً به آدم وزوجته وذرّيتهما. فـيكون ذلك حينئذٍ نظير قوله:
{ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ظ±ئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ }
[فصلت: 11] بـمعنى أتـينا بـما فـينا من الـخـلق طائعين. ونظير قوله فـي قراءة ابن مسعود: «رَبَّنا وَاجْعَلْنَا مُسْلِـمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرّيَّتِنا أمةً مُسْلِـمَةً لَكَ وأرِهِمْ مَناسِكَهُمْ» فجمع قبل أن تكون ذرية، وهو فـي قراءتنا:
{ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا }
[البقرة: 128] وكما يقول القائل لآخر: كأنك قد تزوّجت وولد لك وكثرتـم وعززتـم. ونـحو ذلك من الكلام.

وإنـما قلنا إن ذلك هو الواجب علـى التأويـل الذي ذكرناه عن أبـي العالـية لأن آدم كان هو النبـي صلى الله عليه وسلم أيام حياته بعد أن أهبط إلـى الأرض، والرسول من الله جل ثناؤه إلـى ولده، فغير جائز أن يكون معنـياً وهو الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى } خطابـاً له ولزوجته: فإما يأتـينكم منـي هدى أنبـياء ورسل إلا علـى ما وصفت من التأويـل.

وقول أبـي العالـية فـي ذلك وإن كان وجهاً من التأويـل تـحتـمله الآية، فأقرب إلـى الصواب منه عندي وأشبه بظاهر التلاوة أن يكون تأويـلها: فإما يأتـينكم منـي يا معشر من أهبطته إلـى الأرض من سمائي، وهو آدم وزوجته وإبلـيس، كما قد ذكرنا قبل فـي تأويـل الآية التـي قبلها: إما يأتـينكم منـي بـيان من أمري وطاعتـي ورشاد إلـى سبـيـلـي ودينـي، فمن اتبعه منكم فلا خوف علـيهم ولا هم يحزنون، وإن كان قد سلف منهم قبل ذلك إلـيّ معصية وخلاف لأمري وطاعتـي. يعرّفهم بذلك جل ثناؤه أنه التائب علـى من تاب إلـيه من ذنوبه، والرحيـم لـمن أناب إلـيه كما وصف نفسه بقوله: { إنه هُوَ التَّوَّاب الرَّحِيـمُ }. وذلك أن ظاهر الـخطاب بذلك إنـما هو للذين قال لهم جل ثناؤه: { ظ±هْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً } والذين خوطبوا به هم من سمينا فـي قول الـحجة من الصحابة والتابعين الذين قد قدمنا الرواية عنهم. وذلك وإن كان خطابـاً من الله جل ذكره لـمن أهبط حينئذٍ من السماء إلـى الأرض، فهو سنة الله فـي جميع خـلقه، وتعريف منه بذلك للذين أخبر عنهم فـي أول هذه السورة بـما أخبر عنهم فـي قوله:
{ إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }
[البقرة: 6] وفـي قوله:
{ وَمِنَ ظ±لنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِظ±للَّهِ وَبِظ±لْيَوْمِ ظ±لآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ }
[البقرة: 8] وأن حكمه فـيهم إن تابوا إلـيه وأنابوا واتبعوا ما أتاهم من البـيان من عند الله، علـى لسان رسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم، أنهم عنده فـي الآخرة، مـمن لا خوف علـيهم ولا هم يحزنون، وأنهم إن هلكوا علـى كفرهم وضلالتهم قبل الإنابة والتوبة، كانوا من أهل النار الـمخـلدين فـيها.

اسامة محمد خيري
01-05-2017, 05:49
وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: { فَتَلَقَّىظ° ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَظ°تٍ } قال: هو قوله:
{ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ظ±لْخَاسِرِينَ }
[الأعراف: 23] حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: هو قوله:
{ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ظ±لْخَاسِرِينَ }
[الأعراف: 23] وهذه الأقوال التـي حكيناها عمن حكيناها عنه وإن كانت مختلفة الألفـاظ، فإن معانـيها متفقة فـي أن الله جل ثناؤه لقَّـى آدم كلـمات، فتلقاهن آدم من ربه فقبلهن وعمل بهن وتاب بقـيـله إياهن وعمله بهن إلـى الله من خطيئته، معترفـاً بذنبه، متنصلاً إلـى ربه من خطيئته، نادماً علـى ما سلف منه من خلاف أمره. فتاب الله علـيه بقبوله الكلـمات التـي تلقاهن منه وندمه علـى سالف الذنب منه.

والذي يدلّ علـيه كتاب الله أن الكلـمات التـي تلقاهن آدم من ربه هنّ الكلـمات التـي أخبر الله عنه أنه قالها متنصلاً بقـيـلها إلـى ربه معترفـاً بذنبه، وهو قوله:
{ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ظ±لْخَاسِرِينَ }
[الأعراف: 23] ولـيس ما قاله من خالف قولنا هذا من الأقوال التـي حكيناها بـمدفوع قوله، ولكنه قول لا شاهد علـيه من حجة يجب التسلـيـم لها فـيجوز لنا إضافته إلـى آدم، وأنه مـما تلقاه من ربه عند إنابته إلـيه من ذنبه.

اسامة محمد خيري
01-05-2017, 05:51
وحدثنـي يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { ظ±هْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } قال: لهما ولذرّيتهما.

قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وما كانت عداوة ما بـين آدم وزوجته، وإبلـيس، والـحية؟ قـيـل: أما عداوة إبلـيس آدم وذرّيته، فحسده إياه، واستكبـاره عن طاعة الله فـي السجود له حين قال لربه:
{ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }
[الأعراف: 12] وأما عداوة آدم وذرّيته إبلـيس، فعداوة الـمؤمنـين إياه لكفره بـالله وعصيانه لربه فـي تكبره علـيه ومخالفته أمره وذلك من آدم ومؤمنـي ذرّيته إيـمان بـالله. وأما عداوة إبلـيس آدم، فكفر بـالله. وأما عداوة ما بـين آدم وذرّيته، والـحية، فقد ذكرنا ما رُوي فـي ذلك عن ابن عبـاس ووهب بن منبه، وذلك هي العداوة التـي بـيننا وبـينها، كما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما سالَـمْنَاهُن مُنْذُ حارَبْناهُن فَمَنْ تَرَكَهُنَّ خَشْيَةَ ثَأْرِهِن فَلَـيْسَ مِنَّا "

اسامة محمد خيري
01-05-2017, 05:55
قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية ما قاله ابن عبـاس، وهو أن معنى قوله: { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ } وأعلـم مع علـمي غيب السموات والأرض ما تظهرون بألسنتكم { وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } وما كنتـم تـخفونه فـي أنفسكم، فلا يخفـى علـيّ شيء سواء عندي سرائركم وعلانـيتكم. والذي أظهروه بألسنتهم ما أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوه، وهو قولهم:

{ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ظ±لدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ }
[البقرة: 30] والذي كانوا يكتـمونه ما كان منطوياً علـيه إبلـيس من الـخلاف علـى الله فـي أمره والتكبر عن طاعته لأنه لا خلاف بـين جميع أهل التأويـل أن تأويـل ذلك غير خارج من أحد الوجهين اللذين وصفت، وهو ما قلنا. والآخر ما ذكرنا من قول الـحسن وقتادة.

ومن قال: إن معنى ذلك كتـمان الـملائكة بـينهم لن يخـلق الله خـلقاً إلا كنا أكرم علـيه منه فإذْ كان لا قول فـي تأويـل ذلك إلا أحد القولـين اللذين وصفت ثم كان أحدهما غير موجودة علـى صحته الدلالة من الوجه الذي يجب التسلـيـم له صحّ الوجه الآخر.

فـالذي حكي عن الـحسن وقتادة ومن قال بقولهما فـي تأويـل ذلك غير موجودة الدلالة علـى صحته من الكتاب ولا من خبر يجب به حجة. والذي قاله ابن عبـاس يدلّ علـى صحته خبر الله جل ثناؤه عن إبلـيس وعصيانه إياه إذ دعاه إلـى السجود لآدم، فأبـى واستكبر، وإظهاره لسائر الـملائكة من معصيته وكبره ما كان له كاتـماً قبل ذلك.

فإن ظنّ ظانّ أن الـخبر عن كتـمان الـملائكة ما كانوا يكتـمونه لـما كان خارجاً مخرج الـخبر عن الـجميع كان غير جائز أن يكون ما رُوي فـي تأويـل ذلك عن ابن عبـاس ومن قال بقوله من أن ذلك خبر عن كتـمان إبلـيس الكبر والـمعصية صحيحاً، فقد ظنّ غير الصواب وذلك أن من شأن العرب إذا أخبرت خبراً عن بعض جماعة بغير تسمية شخص بعينه أن تـخرج الـخبر عنه مخرج الـخبر عن جميعهم، وذلك كقولهم: قتل الـجيش وهزموا، وإنـما قتل الواحد أو البعض منهم، وهزم الواحد أو البعض، فتـخرج الـخبر عن الـمهزوم منه والـمقتول مخرج الـخبر عن جميعهم كما قال جل ثناؤه:
{ إِنَّ ظ±لَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ظ±لْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ }
[الحجرات: 4] ذكر أن الذي نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية فـيه، كان رجلاً من جماعة بنـي تـميـم، كانوا قدموا علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخرج الـخبر عنه مخرج الـخبر عن الـجماعة، فكذلك قوله: { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } أخرج الـخبر مخرج الـخبر عن الـجميع، والـمراد به الواحد منهم....

وأولـى هذه الأقوال بـالصواب وأشبهها بـما دلّ علـى صحته ظاهر التلاوة قول من قال فـي قوله: { وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا } إنها أسماء ذرّيته وأسماء الـملائكة، دون أسماء سائر أجناس الـخـلق. وذلك أن الله جل ثناؤه قال: { ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ } يعنـي بذلك أعيان الـمسمين بـالأسماء التـي علـمها آدم، ولا تكاد العرب تكنـي بـالهاء والـميـم إلا عن أسماء بنـي آدم والـملائكة وأما إذا كانت عن أسماء البهائم وسائر الـخـلق، سوى من وصفنا، فإنها تكنـي عنها بـالهاء والألف، أو بـالهاء والنون، فقالت: عرضهن، أو عرضها. وكذلك تفعل إذا كنت عن أصناف من الـخـلق، كالبهائم والطير وسائر أصناف الأمـم، وفـيها أسماء بنـي آدم والـملائكة، فإنها تكنـي عنها بـما وصفنا من الهاء والنون، أو الهاء والألف. وربـما كنت عنها إذ كان كذلك بـالهاء والـميـم، كما قال جل ثناؤه:
{ وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ }
[النور: 45] فكنـي عنها بـالهاء والـميـم، وهي أصناف مختلفة فـيها الآدميّ وغيره. وذلك وإن كان جائزاً فإن الغالب الـمستفـيض فـي كلام العرب ما وصفنا من إخراجهم كناية أسماء أجناس الأمـم إذا اختلطت بـالهاء والألف، أو الهاء والنون. فلذلك قلت: أولـى بتأويـل الآية أن تكون الأسماء التـي علـمها آدم أسماء أعيان بنـي آدم وأسماء الـملائكة.

وإن كان ما قال ابن عبـاس جائزاً علـى مثال ما جاء فـي كتاب الله من قوله:
{ وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ }
[النور: 45] الآية. وقد ذكر أنها فـي حرف ابن مسعود: «ثم عرضهن»، وأنها فـي حرف أبـيّ: «ثم عرضها».

ولعلّ ابن عبـاس تأوّل ما تأوّل من قوله: علـمه اسم كل شيء حتـى الفسوة والفسية علـى قراءة أبـيّ، فإنه فـيـما بلغنا كان يقرأ قراءة أبـيّ. وتأويـل ابن عبـاس علـى ما حكي عن أبـيّ من قراءته غير مستنكر، بل هو صحيح مستفـيض فـي كلام العرب علـى نـحو ما تقدم وصفـي ذلك....

وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنا حجاج، عن جرير بن حازم، ومبـارك عن الـحسن وأبـي بكر، عن الـحسن وقتادة قالا: { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ } أنـي لـم أخـلق خـلقاً إلا كنتـم أعلـم منه، فأخبرونـي بأسماء هؤلاء إن كنتـم صادقـين.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية تأويـل ابن عبـاس ومن قال بقوله.

ومعنى ذلك فقال: أنبئونـي بأسماء من عرضته علـيكم أيتها الـملائكة القائلون:
{ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ }
[البقرة: 30] من غيرنا، أم منّا؟ فنـحن نسبح بحمدك ونقدس لك إن كنتـم صادقـين فـي قـيـلكم أنـي إن جعلت خـلـيفتـي فـي الأرض من غيركم عصانـي ذريته، وأفسدوا فـيها، وسفكوا الدماء، وإن جعلتـكم فـيها أطعتـمونـي، واتبعتـم أمري بـالتعظيـم لـي والتقديس. فإنكم إن كنتـم لا تعلـمون أسماء هؤلاء الذين عرضتهم علـيكم من خـلقـي وهم مخـلوقون موجودون ترونهم وتعاينونهم، وعلـمه غيركم بتعلـيـمي إياه، فأنتـم بـما هو غير موجود من الأمور الكائنة التـي لـم توجد بعد، وبـما هو مستتر من الأمور التـي هي موجودة عن أعينكم أحرى أن تكونوا غير عالـمين، فلا تسألونـي ما لـيس لكم به علـم، فإنـي أعلـم بـما يصلـحكم ويصلـح خـلقـي.

اسامة محمد خيري
01-05-2017, 06:06
قال أبو جعفر: وأولـى هذه التأويلات بقول الله جل ثناؤه مخبراً عن ملائكته قـيـلها له: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ظ±لدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } تأويـل من قال: إن ذلك منها استـخبـار لربها بـمعنى: أعلـمنا يا ربنا، أجاعل أنت فـي الأرض من هذه صفته وتارك أن تـجعل خـلفـاءك منا، ونـحن نسبح بحمدك، ونقدّس لك؟ لا إنكارٌ منها لـما أعلـمها ربها أنه فـاعل، وإن كانت قد استعظمت لـما أخبرت بذلك أن يكون لله خـلق يعصيه.

وأما دعوى من زعم أن الله جل ثناؤه كان أذن لها بـالسؤال عن ذلك فسألته علـى وجه التعجب، فدعوى لا دلالة علـيها فـي ظاهر التنزيـل ولا خبر بها من الـحجة يقطع العذر، وغير جائز أن يقال فـي تأويـل كتاب الله بـما لا دلالة علـيه من بعض الوجوه التـي تقوم بها الـحجة.

وأما وصف الـملائكة من وصفت فـي استـخبـارها ربها عنه بـالفساد فـي الأرض وسفك الدماء، فغير مستـحيـل فـيه ما رُوي عن ابن عبـاس وابن مسعود من القول الذي رواه السدّي ووافقهما علـيه قتادة من التأويـل. وهو أن الله جل ثناؤه أخبرهم أنه جاعل فـي الأرض خـلـيفة تكون له ذرية يفعلون كذا وكذا، فقالوا: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } علـى ما وصفت من الاستـخبـار.

فإن قال لنا قائل: وما وجه استـخبـارها والأمر علـى ما وصفت من أنها قد أخبرت أن ذلك كائن؟ قـيـل: وجه استـخبـارها حينئذٍ يكون عن حالهم عند وقوع ذلك، وهل ذلك منهم؟ ومسألتهم ربهم أن يجعلهم الـخـلفـاء فـي الأرض حتـى لا يعصوه.

وغير فـاسد أيضاً ما رواه الضحاك عن ابن عبـاس وتابعه علـيه الربـيع بن أنس من أن الـملائكة قالت ذلك لـما كان عندها من علـم سكان الأرض قبل آدم من الـجن، فقالت لربها: أجاعل فـيها أنت مثلهم من الـخـلق يفعلون مثل الذي كانوا يفعلون؟ علـى وجه الاستعلام منهم لربهم، لا علـى وجه الإيجاب أن ذلك كائن كذلك، فـيكون ذلك منها إخبـاراً عما لـم تطلع علـيه من علـم الغيب.

وغير خطأ أيضاً ما قاله ابن زيد من أن يكون قـيـل الـملائكة ما قالت من ذلك علـى وجه التعجب منها من أن يكون لله خـلق يعصي خالقه.

وإنـما تركنا القول بـالذي رواه الضحاك عن ابن عبـاس ووافقه علـيه الربـيع بن أنس وبـالذي قاله ابن زيد فـي تأويـل ذلك لأنه لا خبر عندنا بـالذي قالوه من وجه يقطع مـجيئه العذر ويـلزم سامعه به الـحجة. والـخبر عما مضى وما قد سلف، لا يدرك علـم صحته إلا بـمـجيئه مـجيئاً يـمتنع منه التشاغب والتواطؤ، ويستـحيـل منه الكذب والـخطأ والسهو. ولـيس ذلك بـموجود كذلك فـيـما حكاه الضحاك عن ابن عبـاس ووافقه علـيه الربـيع، ولا فـيـما قاله ابن زيد. فأولـى التأويلات إذ كان الأمر كذلك بـالآية، ما كان علـيه من ظاهر التنزيـل دلالةٌ مـما يصحّ مخرجه فـي الـمفهوم.

فإن قال قائل: فإن كان أولـى التأويلات بـالآية هو ما ذكرتَ من أن الله أخبر الـملائكة بأن ذرية خـلـيفته فـي الأرض يفسدون فـيها ويسفكون فـيها الدماء، فمن أجل ذلك قالت الـملائكة: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } فأين ذكر إخبـار الله إياهم فـي كتابه بذلك؟ قـيـل له: اكتفـي بدلالة ما قد ظهر من الكلام علـيه عنه، كما قال الشاعر:
فَلاَ تَدْفِنُونِـي إنَّ دَفْنِـي مُـحَرَّمٌ عَلَـيْكُمْ وَلَكِنْ خامِرِي أُمَّ عامِرِ
فحذف قوله دعونـي للتـي يقال لها عند صيدها خامري أم عامر، إذ كان فـيها أظهر من كلامه دلالة علـى معنى مراده. فكذلك ذلك فـي قوله: { قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } لـما كان فـيه دلالة علـى ما ترك ذكره بعد قوله: { إنّـي جاعِلٌ فِـي الأرْضِ خَـلِـيفَةً } من الـخبر عما يكون من إفساد ذريته فـي الأرض اكتفـى بدلالته وحذف، فترك ذكره كما ذكرنا من قول الشاعر. ونظائر ذلك فـي القرآن وأشعار العرب وكلامها أكثر من أن يحصى. فلـما ذكرنا من ذلك اخترنا ما اخترنا من القول فـي تأويـل قوله: { قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ظ±لدِّمَآءَ }.

اسامة محمد خيري
01-05-2017, 06:09
وأولـى ما ذكرنا من الأقوال التـي بـينا بتأويـل قول الله جل ذكره: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِظ±للَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَظ°تاً فَأَحْيَظ°كُمْ } الآية، القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود، وعن ابن عبـاس، من أن معنى قوله: { وَكُنْتُمْ أَمْوَظ°تاً }: أموات الذكر خمولاً فـي أصلاب آبـائكم نُطفـاً لا تعرفون ولا تذكرون، فأحياكم بـانشائكم بشراً سوياً، حتـى ذُكرتـم وعُرفتـم وحَيـيتـم، ثم يـميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم رفـاتاً لا تُعرفون ولا تُذكرون فـي البرزخ إلـى يوم تبعثون، ثم يحيـيكم بعد ذلك بنفخ الأرواح فـيكم لبعث الساعة وصيحة القـيامة، ثم إلـى الله ترجعون بعد ذلك، كما قال: ثم إلـيه ترجعون لأن الله جل ثناؤه يحيـيهم فـي قبورهم قبل حشرهم، ثم يحشرهم لـموقـف الـحساب، كما قال جل ذكره:
{ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ظ±لأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَىظ° نُصُبٍ يُوفِضُونَ }
[المعارج: 43] وقال:
{ وَنُفِخَ فِي ظ±لصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ظ±لأَجْدَاثِ إِلَىظ° رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ }
[يس: 51] والعلة التـي من أجلها اخترنا هذا التأويـل، ما قد قدمنا ذكره للقائلـين به وفساد ما خالفه بـما قد أوضحناه قبل. وهذه الآية توبـيخ من الله جل ثناؤه للقائلـين:
{ آمَنَّا بِظ±للَّهِ وَبِظ±لْيَوْمِ ظ±لآخِرِ }
[البقرة: 8] الذين أخبر الله عنهم أنهم مع قـيـلهم ذلك بأفواههم غير مؤمنـين به، وأنهم إنـما يقولون ذلك خداعاً لله وللـمؤمنـين. فعَذَلهم الله بقوله: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِظ±للَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَظ°تاً فَأَحْيَظ°كُمْ } ووبخهم واحتـجّ علـيهم فـي نكيرهم ما أنكروا من ذلك، وجحودهم ما جحدوا بقلوبهم الـمريضة فقال: كيف تكفرون بـالله فتـجحدون قدرته علـى إحيائكم بعد إماتتكم وإعادتكم بعد إفنائكم وحشركم إلـيه لـمـجازاتكم بأعمالكم. ثم عدّد ربنا علـيهم وعلـى أولـيائهم من أحبـار الـيهود الذين جمع بـين قصصهم وقصص الـمنافقـين فـي كثـير من آي هذه السورة التـي افتتـح الـخبر عنهم فـيها بقوله:
{ إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }
[البقرة: 6] نِعَمَه التـي سلفت منه إلـيهم وإلـى آبـائهم التـي عظمت منهم مواقعها، ثم سلب كثـيراً منهم كثـيراً منها بـما ركبوا من الآثام واجترموا من الإجرام وخالفوا من الطاعة إلـى الـمعصية، يحذّرهم بذلك تعجيـل العقوبة لهم كالتـي عجلها للأسلاف والأفراط قبلهم، ويخوّفهم حلول مَثُلاته بساحتهم كالذي أحلّ بأولـيهم، ويعرفهم مالهم من النـجاة فـي سرعة الأوبة إلـيه، وتعجيـل التوبة من الـخلاص لهم يوم القـيامة من العقاب.

اسامة محمد خيري
01-05-2017, 06:13
ظ±لَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ظ±للَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَظ°قِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ظ±للَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ظ±لأرْضِ أُولَـغ¤ئِكَ هُمُ ظ±لْخَظ°سِرُونَ }

قال أبو جعفر: وهذا وصف من الله جل ذكره الفـاسقـين الذين أخبر أنه لا يضلّ بـالـمثل الذي ضربه لأهل النفـاق غيرهم، فقال: { ومَا يُضِلُّ } اللَّهُ بـالـمثل الذي يضربه علـى ما وصف قبل فـي الآيات الـمتقدمة إلا الفـاسقـين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه.

ثم اختلف أهل الـمعرفة فـي معنى العهد الذي وصف الله هؤلاء الفـاسقـين بنقضه، فقال بعضهم: هو وصية الله إلـى خـلقه، وأمره إياهم بـما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته فـي كتبه وعلـى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ونقضهم ذلك تركهم العمل به.

وقال آخرون: إنـما نزلت هذه الآيات فـي كفـار أهل الكتاب والـمنافقـين منهم، وإياهم عنى الله جل ذكره بقوله:
{ إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ }
[البقرة: 6] وبقوله:
{ وَمِنَ ظ±لنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِظ±للَّهِ وَبِظ±لْيَوْمِ ظ±لآخِرِ }
[البقرة: 8] فكل ما فـي هذه الآيات فعذل لهم وتوبـيخ إلـى انقضاء قصصهم. قالوا: فعهد الله الذي نقضوه بعد ميثاقه: هو ما أخذه الله علـيهم فـي التوراة من العمل بـما فـيها، واتبـاع مـحمد صلى الله عليه وسلم إذا بعث، والتصديق به وبـما جاء به من عند ربهم. ونقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقـيقته، وإنكارهم ذلك، وكتـمانهم علـم ذلك عن الناس، بعد إعطائهم الله من أنفسهم الـميثاق لـيبـيننه للناس ولا يكتـمونه. فأخبر الله جل ثناؤه أنهم نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قلـيلاً.

وقال بعضهم: إن الله عنى بهذه الآية جميع أهل الشرك والكفر والنفـاق وعهده إلـى جميعهم فـي توحيده ما وضع لهم من الأدلة الدال علـى ربوبـيته وعهده إلـيهم فـي أمره ونهيه ما احتـج به لرسله من الـمعجزات التـي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتـي بـمثلها الشاهدة لهم علـى صدقهم. قالوا: ونقضهم ذلك تركهم الإقرار بـما قد تبـينت لهم صحته بـالأدلة، وتكذيبهم الرسل والكتب، مع علـمهم أن ما أتوا به حق.

وقال آخرون: العهد الذي ذكره الله جل ذكره، هو العهد الذي أخذه علـيهم حين أخرجهم من صلب آدم، الذي وصفه فـي قوله:
{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيغ¤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىظ° أَنفُسِهِمْ }
[الأعراف: 172] الآيتـين، ونقضُهم ذلك، تركهم الوفـاء به. وأولـى الأقوال عندي بـالصواب فـي ذلك، قول من قال: إن هذه الآيات نزلت فـي كفـار أحبـار الـيهود الذين كانوا بـين ظهرانـي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما قرب منها من بقايا بنـي إسرائيـل، ومن كان علـى شركه من أهل النفـاق الذين قد بـينا قصصهم فـيـما مضى من كتابنا هذا. وقد دللنا علـى أن قول الله جل ثناؤه: { إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ } وقوله: { وَمِنَ ظ±لنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِظ±للَّهِ وَبِظ±لْيَوْمِ ظ±لآخِرِ } فـيهم أنزلت، وفـيـمن كان علـى مثل الذي هم علـيه من الشرك بـالله.

غير أن هذه الآيات عندي وإن كانت فـيهم نزلت، فإنه معنـيّ بها كل من كان علـى مثل ما كانوا علـيه من الضلال، ومعنـيّ بـما وافق منها صفة الـمنافقـين خاصةً جميعُ الـمنافقـين، وبـما وافق منها صفة كفـار أحبـار الـيهود جميع من كان لهم نظيراً فـي كفرهم. وذلك أن الله جل ثناؤه يعمّ أحياناً جميعهم بـالصفة لتقديـمه ذكر جميعها فـي أول الآيات التـي ذكرتْ قصصهم، ويخصّ أحياناً بـالصفة بعضهم لتفصيـله فـي أول الآيات بـين فريقـيهم، أعنـي فريق الـمنافقـين من عبدة الأوثان وأهل الشرك بـالله، وفريق كفـار أحبـار الـيهود، فـالذين ينقضون عهد الله: هم التاركون ما عهد الله إلـيهم من الإقرار بـمـحمد صلى الله عليه وسلم وبـما جاء به وتبـيـين نبوّته للناس الكاتـمون بـيان ذلك بعد علـمهم به وبـما قد أخذ الله علـيهم فـي ذلك، كما قال الله جل ذكره:
{ وَإِذْ أَخَذَ ظ±للَّهُ مِيثَاقَ ظ±لَّذِينَ أُوتُواْ ظ±لْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ }
[آل عمران: 187] ونبذهم ذلك وراء ظهورهم: هو نقضهم العهد الذي عهد إلـيهم فـي التوراة الذي وصفناه، وتَرْكُهم العمل به.

وإنـما قلت: إنه عنى بهذه الآيات من قلت إنه عَنَى بها، لأن الآيات من ابتداء الآيات الـخمس والستّ من سورة البقرة فـيهم نزلت إلـى تـمام قصصهم، وفـي الآية التـي بعد الـخبر عن خـلق آدم وابـنائه فـي قوله:
{ يَظ°بَنِي إِسْرَائِيلَ ظ±ذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ظ±لَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيغ¤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ }
[البقرة: 40] وخطابه إياهم جلّ ذكره بـالوفـاء فـي ذلك خاصة دون سائر البشر ما يدلّ علـى أن قوله: { ظ±لَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ظ±للَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَظ°قِهِ } مقصود به كفـارهم ومنافقوهم، ومن كان من أشياعهم من مشركي عبدة الأوثان علـى ضلالهم. غير أن الـخطاب وإن كان لـمن وصفت من الفريقـين فداخـل فـي أحكامهم وفـيـما أوجب الله لهم من الوعيد والذمّ والتوبـيخ كل من كان علـى سبـيـلهم ومنهاجهم من جميع الـخـلق وأصناف الأمـم الـمخاطبـين بـالأمر والنهي. فمعنى الآية إذا: وما يضلّ به إلا التاركين طاعة الله، الـخارجين عن اتبـاع أمره ونهيه، الناكثـين عهود الله التـي عهدها إلـيهم فـي الكتب التـي أنزلها إلـى رسله وعلـى ألسن أنبـيائه بـاتبـاع أمر رسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وطاعة الله فـيـما افترض علـيهم فـي التوراة من تبـيـين أمره للناس، وإخبـارهم إياهم أنهم يجدونه مكتوبـاً عندهم أنه رسول من عند الله مفترضة طاعته وترك كتـمان ذلك لهم. ونَكْثُهم ذلك ونَقْضُهم إياه، هو مخالفتهم الله فـي عهده إلـيهم فـيـما وصفت أنه عهد إلـيهم بعد إعطائهم ربهم الـميثاق بـالوفـاء بذلك كما وصفهم به جل ذكره بقوله:
{ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ظ±لْكِتَظ°بَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـظ°ذَا ظ±لأَدْنَىظ° وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَظ°قُ ظ±لْكِتَظ°بِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ظ±للَّهِ إِلاَّ ظ±لْحَقَّ }

اسامة محمد خيري
01-05-2017, 06:18
{ وَبَشِّرِ ظ±لَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ظ±لصَّـظ°لِحَظ°تِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّظ°تٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ظ±لأَنْهَظ°رُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـظ°ذَا ظ±لَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَظ°بِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَظ°جٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَظ°لِدُونَ }



وهذا التأويـل مذهب من تأوَّل الآية. غير أنه يدفع صحته ظاهر التلاوة. والذي يدل علـى صحته ظاهر الآية ويحقق صحته قول القائلـين إن معنى ذلك: هذا الذي رزقنا من قبل فـي الدنـيا. وذلك أن الله جل ثناؤه قال: { كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً } فأخبر جل ثناؤه أن من قـيـل أهل الـجنة كلـما رزقوا من ثمر الـجنة رزقاً أن يقولوا: هذا الذي رُزقنا من قبل. ولـم يخصص بأن ذلك من قـيـلهم فـي بعض ذلك دون بعض. فإذْ كان قد أخبر جل ذكره عنهم أن ذلك من قـيـلهم فـي كل ما رزقوا من ثمرها، فلا شك أن ذلك من قـيـلهم فـي أول رزق رزقوه من ثمارها أتوا به بعد دخولهم الـجنة واستقرارهم فـيها، الذي لـم يتقدمه عندهم من ثمارها ثمرة. فإذْ كان لا شك أن ذلك من قـيـلهم فـي أوله، كما هو من قـيـلهم فـي وسطه وما يتلوه، فمعلوم أنه مـحال أن يكون من قـيـلهم لأوّل رزق رزقوه من ثمار الـجنة: { هَـظ°ذَا ظ±لَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } هذا من ثمار الـجنة. وكيف يجوز أن يقولوا لأوّل رزق رزقوه من ثمارها ولـما يتقدمه عندهم غيره: هذا هو الذي رزقناه من قبل إلا أن ينسبهم ذو غرّة وضلال إلـى قـيـل الكذب الذي قد طهرهم الله منه، أو يدفع دافع أن يكون ذلك من قـيـلهم لأول رزق رزقوه منها من ثمارها، فـيدفع صحة ما أوجب الله صحته بقوله: { كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً } من غير نصب دلالة علـى أنه معنـيّ به حال من أحوالهم دون حال. فقد تبـين بـما بـينا أن معنى الآية: كلـما رزق الذين آمنوا وعملوا الصالـحات من ثمرة من ثمار الـجنة فـي الـجنة رزقا، قالوا: { هَـظ°ذَا ظ±لَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } هذا فـي الدنـيا.

فإن سألنا سائل فقال: وكيف قال القوم: { هَـظ°ذَا ظ±لَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } والذي رُزقوه من قبل قد عدم بأكلهم إياه؟ وكيف يجوز أن يقول أهل الـجنة قولاً لا حقـيقة له؟ قـيـل: إن الأمر علـى غير ما ذهبت إلـيه فـي ذلك، وإنـما معناه: هذا من النوع الذي رزقناه من قبل هذا من الثمار والرزق، كالرجل يقول لآخر: قد أعدّ لك فلان من الطعام كذا وكذا من ألوان الطبـيخ والشواء والـحلوى، فـيقول الـمقول له ذاك: هذا طعامي فـي منزلـي. يعنـي بذلك أن النوع الذي ذكر له صاحبه أنه أعده له من الطعام هو طعامه، لا أن أعيان ما أخبره صاحبه أنه قد أعدّه له هو طعامه...

قال أبو جعفر: وأولـى هذه التأويلات بتأويـل الآية، تأويـل من قال: { وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَظ°بِهاً } فـي اللون والـمنظر، والطعمُ مختلفٌ.

يعنـي بذلك اشتبـاه ثمر الـجنة وثمر الدنـيا فـي الـمنظر واللون، مختلفـاً فـي الطعم والذوق لـما قدمنا من العلة فـي تأويـل قوله: { كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـظ°ذَا ظ±لَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } وأن معناه: كلـما رزقوا من الـجنان من ثمرة من ثمارها رزقا قالُوا: { هَـظ°ذَا ظ±لَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } هذا فـي الدنـيا. فأخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوا ذلك من أجل أنهم أُتوا بـما أتوا به من ذلك فـي الـجنة متشابهاً، يعنـي بذلك تشابه ما أتوا به فـي الـجنة منه والذي كانوا رزقوه فـي الدنـيا فـي اللون والـمرأى والـمنظر وإن اختلفـا فـي الطعم والذوق فتبـاينا، فلـم يكن لشيء مـما فـي الـجنة من ذلك نظير فـي الدنـيا.

وقد دللنا علـى فساد قول من زعم أن معنى قوله: { قَالُواْ هَـظ°ذَا ظ±لَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } إنـما هو قول من أهل الـجنة فـي تشبـيههم بعض ثمر الـجنة ببعض، وتلك الدلالة علـى فساد ذلك القول هي الدلالة علـى فساد قول من خالف قولنا فـي تأويـل قوله: { وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَظ°بِهاً } لأن الله جل ثناؤه إنـما أخبر عن الـمعنى الذي من أجله قال القوم: { هَـظ°ذَا ظ±لَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } ُبقوله: { وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَظ°بِهاً }.

وسئل من أنكر ذلك فـزعم أنه غير جائز أن يكون شيء مـما فـي الـجنة نظير الشيء مـما فـي الدنـيا بوجه من الوجوه، فـيقال له: أيجوز أن يكون أسماء ما فـي الـجنة من ثمارها وأطعمتها وأشربتها نظائر أسماء ما فـي الدنـيا منها؟ فإن أنكر ذلك خالف نصّ كتاب الله، لأن الله جل ثناؤه إنـما عرّف عبـاده فـي الدنـيا ما هو عنده فـي الـجنة بـالأسماء التـي يسمى بها ما فـي الدنـيا من ذلك. وإن قال: ذلك جائز، بل هو كذلك قـيـل: فما أنكرت أن يكون ألوان ما فـيها من ذلك نظائر ألوان ما فـي الدنـيا منه بـمعنى البـياض والـحمرة والصفرة وسائر صنوف الألوان وإن تبـاينت فتفـاضلت بفضل حسن الـمرآة والـمنظر، فكان لـما فـي الـجنة من ذلك من البهاء والـجمال وحسن الـمرآة والـمنظر خلاف الذي لـما فـي الدنـيا منه كما كان جائزاً ذلك فـي الأسماء مع اختلاف الـمسميات بـالفضل فـي أجسامها؟ ثم يعكس علـيه القول فـي ذلك، فلن يقول فـي أحدهما شيئاً إلا أُلزم فـي الآخر مثله.

وكان أبو موسى الأشعري يقول فـي ذلك بـما:

حدثنـي به ابن بشار، قال: حدثنا ابن أبـي عديّ وعبد الوهاب، ومـحمد بن جعفر، عن عوف عن قسامة عن الأشعري، قال: إن الله لـما أخرج آدم من الـجنة زوّده من ثمار الـجنة، وعلـمه صنعة كل شيء، فثماركم هذه من ثمار الـجنة، غير أن هذه تَغَيَّرُ وتلك لا تَغَيَّرُ.

اسامة محمد خيري
01-05-2017, 06:22
قال أبو جعفر: والتأويـل الأوّل الذي قاله مـجاهد وقتادة هو التأويـل الصحيح لأن الله جل ثناؤه قال فـي سورة أخرى:
{ أَمْ يَقُولُونَ ظ±فْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ }
[يونس: 38] ومعلوم أن السورة لـيست لـمـحمد بنظير ولا شبـيه، فـيجوز أن يقال: فأتوا بسورة مثل مـحمد.

فإن قال قائل: إنك ذكرت أن الله عنى بقوله: { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ } من مثل هذا القرآن، فهل للقرآن من مثل فـيقال: ائتوا بسورة من مثله؟ قـيـل: إنه لـم يعن به: ائتوا بسورة من مثله فـي التألـيف والـمعانـي التـي بـاين بها سائر الكلام غيره، وإنـما عنى: ائتوا بسورة من مثله فـي البـيان لأن القرآن أنزله الله بلسان عربـي، فكلام العرب لا شكّ له مثل فـي معنى العربـية فأما فـي الـمعنى الذي بـاين به القرآن سائر كلام الـمخـلوقـين، فلا مثل له من ذلك الوجه ولا نظير ولا شبـيه. وإنـما احتـجّ الله جل ثناؤه علـيهم لنبـيه صلى الله عليه وسلم بـما احتـجّ به له علـيهم من القرآن، إذ ظهر عجز القوم عن أن يأتوا بسورة من مثله فـي البـيان، إذ كان القرآن بـياناً مثل بـيانهم، وكلاماً نزل بلسانهم، فقال لهم جل ثناؤه: وإن كنتـم فـي ريب من أنّ ما أنزلت علـى عبدي من القرآن من عندي، فأتوا بسورة من كلامكم الذي هو مثله فـي العربـية، إذْ كنتـم عربـاً، وهو بـيان نظير بـيانكم، وكلام شبـيه كلامكم. فلـم يكلفهم جل ثناؤه أن يأتوا بسورة من غير اللسان الذي هو نظير اللسان الذي نزل به القرآن، فـيقدروا أن يقولوا: كلفتنا ما لو أحسنّاه أتـينا به، وإنا لا نقدر علـى الإتـيان به، لأنا لسنا من أهل اللسان الذي كلفتنا الإتـيان به، فلـيس لك علـينا حجة بهذا لأنا وإن عجزنا عن أن نأتـي بـمثله من غير ألسنتنا لأنا لسنا بأهله، ففـي الناس خـلق كثـير من غير أهل لساننا يقدر علـى أن يأتـي بـمثله من اللسان الذي كلفتنا الإتـيان به. ولكنه جل ثناؤه قال لهم: ائتوا بسورة مثله، لأن مثله من الألسن ألسنتكم، وأنتـم إن كان مـحمد اختلقه وافتراه، إذا اجتـمعتـم وتظاهرتـم علـى الإتـيان بـمثل سورة منه من لسانكم وبـيانكم أقدر علـى اختلاقه ووضعه وتألـيفه من مـحمد صلى الله عليه وسلم، وإن لـم تكونوا أقدر علـيه منه فلن تعجزوا وأنتـم جميع عما قدر علـيه مـحمد من ذلك وهو وحده، إن كنتـم صادقـين فـي دعواكم وزعمكم أن مـحمداً افتراه واختلقه وأنه من عند غيري.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: { وَظ±دْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ظ±للَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَظ°دِقِينَ } فقال ابن عبـاس بـما:

حدثنا به مـحمد بن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد، عن ابن عبـاس: { وَظ±دْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ظ±للَّهِ } يعنـي أعوانكم علـى ما أنتـم علـيه، { إِنْ كُنْتُمْ صَظ°دِقِينَ }.

وحدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن نـجيح، عن مـجاهد: { وَظ±دْعُواْ شُهَدَآءَكُم } ناس يشهدون.

وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل عن ابن أبـي نـجيح عن مـجاهد مثله.

وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع عن سفـيان، عن رجل، عن مـجاهد، قال: قوم يشهدون لكم.

وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاح، عن ابن جريج، عن مـجاهد: { وَظ±دْعُواْ شُهَدَآءَكُم } قال: ناس يشهدون. قال ابن جريج: شهداءكم علـيها إذا أتـيتـم بها أنها مثله مثل القرآن.

وذلك قول الله لـمن شك من الكفـار فـيـما جاء به مـحمد صلى الله عليه وسلم. وقوله: { فـادْعُوا } يعنـي استنصروا واستعينوا، كما قال الشاعر:
فَلَـمَّا الْتَقَتْ فُرْسانُنا وَرِجَالُهُمْ دَعَوْا يا لَكَعْبٍ واعْتَزَيْنا لِعامِرِ
يعنـي بقوله: دعوا يالكعب: استنصروا كعبـاً واستعانوا بهم.

وأما الشهداء فإنها جمع شهيد، كالشركاء جمع شريك، والـخطبـاء جمع خطيب. والشهيد يسمى به الشاهد علـى الشيء لغيره بـما يحقق دعواه، وقد يسمى به الـمشاهد للشيء كما يقال فلان جلـيس فلان، يعنـي به مـجالسه، ونديـمه يعنـي به منادمه، وكذلك يقال: شهيده يعنـي به مشاهده. فإذا كانت الشهداء مـحتـملة أن تكون جمع الشهيد الذي هو منصرف للـمعنـيـين اللذين وصفت، فأولـى وجهيه بتأويـل الآية ما قاله ابن عبـاس، وهو أن يكون معناه: واستنصروا علـى أن تأتوا بسورة من مثله أعوانَكم وشهداءَكم الذين يشاهدونكم ويعاونونكم علـى تكذيبكم الله ورسوله ويظاهرونكم علـى كفركم ونفـاقكم إن كنتـم مـحقـين فـي جحودكم أن ما جاءكم به مـحمد صلى الله عليه وسلم اختلاق وافتراء، لتـمتـحنوا أنفسكم وغيركم: هل تقدرون علـى أن تأتوا بسورة من مثله، فـيقدر مـحمد علـى أن يأتـي بجميعه من قبل نفسه اختلاقاً؟

وأما ما قاله مـجاهد وابن جريج فـي تأويـل ذلك فلا وجه له لأن القوم كانوا علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصنافـاً ثلاثة: أهل إيـمان صحيح، وأهل كفر صحيح، وأهل نفـاق بـين ذلك. فأهل الإيـمان كانوا بـالله وبرسوله مؤمنـين، فكان من الـمـحال أن يدّعي الكفـار أن لهم شهداء علـى حقـيقة ما كانوا يأتون به لو أتوا بـاختلاق من الرسالة، ثم ادعوا أنه للقرآن نظير من الـمؤمنـين. فأما أهل النفـاق والكفر فلا شك أنهم لو دُعوا إلـى تـحقـيق البـاطل وإبطال الـحق لسارعوا إلـيه مع كفرهم وضلالهم، فمن أيّ الفريقـين كانت تكون شهداؤهم لو ادّعوا أنهم قد أتوا بسورة من مثل القرآن؟ ولكن ذلك كما قال جل ثناؤه:

{ قُل لَّئِنِ ظ±جْتَمَعَتِ ظ±لإِنْسُ وَظ±لْجِنُّ عَلَىظ° أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـظ°ذَا ظ±لْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً }
[الإسراء: 88] يعنـي بذلك: إن كنتـم فـي شك فـي صدق مـحمد فـيـما جاءكم به من عندي أنه من عندي، فأتوا بسورة من مثله، ولـيستنصر بعضكم بعضاً علـى ذلك إن كنتـم صادقـين فـي زعمكم حتـى تعلـموا أنكم إذا عجزتـم عن ذلك أنه لا يقدر علـى أن يأتـي به مـحمد صلى الله عليه وسلم ولا من البِشر أحد، ويصح عندكم أنه تنزيـلـي ووحيـي إلـى عبدي.فأخبر جل ثناؤه فـي هذه الآية أن مثل القرآن لا يأتـي به الـجن والإنس ولو تظاهروا وتعاونوا علـى الإتـيان به وتـحدّاهم بـمعنى التوبـيخ لهم فـي سورة البقرة، فقال تعالـى: { وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىظ° عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَظ±دْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ظ±للَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَظ°دِقِينَ }.

اسامة محمد خيري
01-05-2017, 06:33
فإن كان قائل هذه الـمقالة ظنّ أن قوله: { أُوْلَـظ°ئِكَ ظ±لَّذِينَ ظ±شْتَرَوُاْ ظ±لضَّلَـظ°لَةَ بِظ±لْهُدَىظ° } هو الدلـيـل علـى أن القوم قد كانوا علـى الإيـمان فـانتقلوا عنه إلـى الكفر، فلذلك قـيـل لهم: اشتروا فإن ذلك تأويـل غير مسلـم له، إذ كان الاشتراء عند مخالفـيه قد يكون أخذ شيء بترك آخر غيره، وقد يكون بـمعنى الاختـيار وبغير ذلك من الـمعانـي. والكلـمة إذا احتـملت وجوهاً لـم يكن لأحد صرف معناها إلـى بعض وجوهها دون بعض إلا بحجة يجب التسلـيـم لها.

قال أبو جعفر: والذي هو أولـى عندي بتأويـل الآية ما روينا عن ابن عبـاس وابن مسعود من تأويـلهما قوله: { ظ±شْتَرَوُاْ ظ±لضَّلَـظ°لَةَ بِظ±لْهُدَىظ° } أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. وذلك أن كل كافر بـالله فإنه مستبدل بـالإيـمان كفراً بـاكتسابه الكفر الذي وجد منه بدلاً من الإيـمان الذي أمر به. أَوَ ما تسمع الله جل ثناؤه يقول فـيـمن اكتسب كفراً به مكان الإيـمان به وبرسوله:
{ وَمَن يَتَبَدَّلِ ظ±لْكُفْرَ بِظ±لإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ظ±لسَّبِيلِ }

اسامة محمد خيري
01-05-2017, 06:37
{ ظ±للَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }

وكذلك قوله:
{ فَمَنِ ظ±عْتَدَىظ° عَلَيْكُمْ فَظ±عْتَدُواْ عَلَيْهِ }
[البقرة: 194] فـالعدوان الأول ظلـم، والثانـي جزاء لا ظلـم، بل هو عدل لأنه عقوبة للظالـم علـى ظلـمه وإن وافق لفظه لفظ الأول. وإلـى هذا الـمعنى وجهوا كل ما فـي القرآن من نظائر ذلك مـما هو خبر عن مكر الله جلّ وعزّ بقوم، وما أشبه ذلك.

وقال آخرون: إن معنى ذلك أن الله جل وعز أخبر عن الـمنافقـين أنهم إذا خـلوا إلـى مردتهم قالوا: إنا معكم علـى دينكم فـي تكذيب مـحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وإنـما نـحن بـما نظهر لهم من قولنا لهم صدّقنا بـمـحمد علـيه الصلاة والسلام وما جاء به مستهزءون. يعنون: إنّا نظهر لهم ما هو عندنا بـاطل لا حقٌّ ولا هُدًى. قالوا: وذلك هو معنى من معانـي الاستهزاء. فأخبر الله أنه يستهزىء بهم فـيظهر لهم من أحكامه فـي الدنـيا خلاف الذي لهم عنده فـي الآخرة، كما أظهروا للنبـي صلى الله عليه وسلم والـمؤمنـين فـي الدين ما هم علـى خلافه فـي سرائرهم.

والصواب فـي ذلك من القول والتأويـل عندنا، أن معنى الاستهزاء فـي كلام العرب: إظهار الـمستهزىء للـمستهزإ به من القول والفعل ما يرضيه ويوافقه ظاهراً، وهو بذلك من قـيـله وفعله به مورثه مساءة بـاطناً، وكذلك معنى الـخداع والسخرية والـمكر. وإذ كان ذلك كذلك، وكان الله جل ثناؤه قد جعل لأهل النفـاق فـي الدنـيا من الأحكام بـما أظهروا بألسنتهم من الإقرار بـالله وبرسوله وبـما جاء به من عند الله الـمُدْخِـل لهم فـي عداد من يشمله اسم الإسلام وإن كانوا لغير ذلك مستبطنـين من أحكام الـمسلـمين الـمصدقـين إقرارهم بألسنتهم بذلك بضمائر قلوبهم وصحائح عزائمهم وحميد أفعالهم الـمـحققة لهم صحة إيـمانهم، مع علـم الله عز وجل بكذبهم، واطلاعه علـى خبث اعتقادهم وشكهم فـيـما ادعوا بألسنتهم أنهم مصدقون حتـى ظنوا فـي الآخرة إذ حشروا فـي عداد من كانوا فـي عدادهم فـي الدنـيا أنهم واردون موردهم وداخـلون مدخـلهم، والله جلّ جلاله مع إظهاره ما قد أظهر لهم من الأحكام لـملـحقهم فـي عاجل الدنـيا وآجل الآخرة إلـى حال تـميـيزه بـينهم وبـين أولـيائه وتفريقه بـينهم وبـينهم معدّ لهم من ألـيـم عقابه ونكال عذابه ما أعدّ منه لأعدى أعدائه وأشرّ عبـاده، حتـى ميز بـينهم وبـين أولـيائه فألـحقهم من طبقات جحيـمه بـالدرك الأسفل. كان معلوماً أنه جل ثناؤه بذلك من فعله بهم، وإن كان جزاء لهم علـى أفعالهم وعدلاً ما فعل من ذلك بهم لاستـحقاقهم إياه منه بعصيانهم له كان بهم بـما أظهر لهم من الأمور التـي أظهرها لهم من إلـحاقه أحكامهم فـي الدنـيا بأحكام أولـيائه وهم له أعداء، وحشره إياهم فـي الآخرة مع الـمؤمنـين وهم به من الـمكذّبـين إلـى أن ميز بـينهم وبـينهم، مستهزئاً وساخراً ولهم خادعاً وبهم ماكراً

إذ كان معنى الاستهزاء والسخرية والـمكر والـخديعة ما وصفنا قبل، دون أن يكون ذلك معناه فـي حال فـيها الـمستهزىء بصاحبه له ظالـم أو علـيه فـيها غير عادل، بل ذلك معناه فـي كل أحواله إذا وجدت الصفـات التـي قدمنا ذكرها فـي معنى الاستهزاء وما أشبهه من نظائره. وبنـحو ما قلنا فـيه رُوي الـخبر عن ابن عبـاس.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمار، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس فـي قوله: { ظ±للَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ } قال: يسخر بهم للنقمة منهم.

وأما الذين زعموا أن قول الله تعالـى ذكره: { ظ±للَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ } إنـما هو علـى وجه الـجواب، وأنه لـم يكن من الله استهزاء ولا مكر ولا خديعة فنافون علـى الله عز وجل ما قد أثبته الله عز وجل لنفسه وأوجبه لها. وسواء قال قائل: لـم يكن من الله جل ذكره استهزاء ولا مكر ولا خديعة ولا سخرية بـمن أخبر أنه يستهزىء ويسخر ويـمكر به، أو قال: لـم يخسف الله بـمن أخبر أنه خسف به من الأمـم، ولـم يغرق من أخبر أنه أغرقه منهم. ويقال لقائل ذلك: إن الله جل ثناؤه أخبرنا أنه مكر بقوم مضوا قبلنا لـم نرهم، وأخبر عن آخرين أنه خسف بهم، وعن آخرين أنه أغرقهم، فصدقنا الله تعالـى ذكره فـيـما أخبرنا به من ذلك، ولـم نفرّق بـين شيء منه، فما برهانك علـى تفريقك ما فرقت بـينه بزعمك أنه قد أغرق وخسف بـمن أخبر أنه أغرق وخسف به، ولـم يـمكر به أخبر أنه قد مكر به؟ ثم نعكس القول علـيه فـي ذلك فلن يقول فـي أحدهما شيئاً إلا ألزم فـي الآخر مثله. فإن لـجأ إلـى أن يقول إن الاستهزاء عبث ولعب، وذلك عن الله عزّ وجلّ منفـيّ. قـيـل له: إن كان الأمر عندك علـى ما وصفت من معنى الاستهزاء، أفلست تقول: { ظ±للَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ } وسخر الله منهم مكر الله بهم، وإن لـم يكن من الله عندك هزء ولا سخرية؟ فإن قال: «لا» كذَّب بـالقرآن وخرج عن ملة الإسلام، وإن قال: «بلـى»، قـيـل له: أفتقول من الوجه الذي قلت: { ظ±للَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ } وسخر الله منهم يـلعب الله بهم ويعبث، ولا لعب من الله ولا عبث؟ فإن قال: «نعم»، وصف الله بـما قد أجمع الـمسلـمون علـى نفـيه عنه وعلـى تـخطئة واصفه به، وأضاف إلـيه ما قد قامت الـحجة من العقول علـى ضلال مضيفه إلـيه. وإن قال: لا أقول يـلعب الله به ولا يعبث، وقد أقول يستهزىء بهم ويسخر منهم قـيـل: فقد فرقت بـين معنى اللعب، والعبث، والهزء، والسخرية، والـمكر، والـخديعة. ومن الوجه الذي جازَ قِـيـلُ هذا ولـم يَجُزْ قِـيـلُ هذا افترق معنـياهما، فعلـم أن لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر.
...

وأولـى هذه الأقوال بـالصواب فـي قوله: { وَيَمُدُّهُمْ } أن يكون بـمعنى يزيدهم، علـى وجه الإملاء والترك لهم فـي عتوّهم وتـمرّدهم، كما وصف ربنا أنه فعل بنظرائهم فـي قوله:
{ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَظ°رَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }
[الأنعام: 110] يعنـي نذرهم ونتركهم فـيه ونـملـي لهم لـيزدادوا إثماً إلـى إثمهم. ولا وجه لقول من قال ذلك بـمعنى «يـمدّ لهم» لأنه لا تَدَافُع بـين العرب وأهل الـمعرفة بلغتها أن يستـجيزوا قول القائل: مدّ النهر نهر آخر، بـمعنى: اتصل به فصار زائداً ماء الـمتصل به بـماء الـمتصل من غير تأوّل منهم، ذلك أن معناه مدّ النهر نهر آخر، فكذلك ذلك فـي قول الله: { وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { فِي طُغْيَانِهِمْ }.

اسامة محمد خيري
01-05-2017, 06:39
فإن قال لنا قائل: أرأيت قوله: { وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىظ° شَيَاطِينِهِمْ } فكيف قـيـل «خـلوا إلـى شياطينهم» ولـم يقل «خـلوا بشياطينهم»؟ فقد علـمت أن الـجاري بـين الناس فـي كلامهم «خـلوت بفلان» أكثر وأفشى من «خـلوت إلـى فلان»، ومن قولك: إن القرآن أفصح البـيان قـيـل: قد اختلف فـي ذلك أهل العلـم بلغة العرب، فكان بعض نـحويـي البصرة يقول: يقال خـلوت إلـى فلان، إذا أريد به: خـلوت إلـيه فـي حاجة خاصة لا يحتـمل إذا قـيـل كذلك إلا الـخلاء إلـيه فـي قضاء الـحاجة. فأما إذا قـيـل: خـلوت به احتـمل معنـيـين: أحدهما الـخلاء به فـي الـحاجة، والآخر: فـي السخرية به، فعلـى هذا القول { وَإذَا خَـلَوْا إلـى شَياطينهمْ } لا شك أفصح منه لو قـيـل: «وإذا خـلوا بشياطينهم» لـما فـي قول القائل: «إذا خـلوا بشياطينهم» من التبـاس الـمعنى علـى سامعيه الذي هو منتف عن قوله: { وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىظ° شَيَاطِينِهِمْ } فهذا أحد الأقوال. والقول الآخر أن توجيه معنى قوله: { وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىظ° شَيَاطِينِهِمْ } أي إذا خـلوا مع شياطينهم، إذ كانت حروف الصفـات يعاقب بعضها بعضاً كما قال الله مخبراً عن عيسى ابن مريـم أنه قال للـحواريـين:
{ مَنْ أَنصَارِيغ¤ إِلَى ظ±للَّهِ }
[آل عمران: 52] يريد مع الله، وكما توضع «علـى» فـي موضع «من» و«فـي» و«عن» و«البـاء»، كما قال الشاعر:
إذَا رَضِيَتْ عَلـيَّ بَنُو قُشَيْرٍ لَعَمْرُ اللّهِ أعْجَبَنِـي رِضَاها
بـمعنى «عنِّـي».

وأما بعض نـحويـي أهل الكوفة فإنه كان يتأوّل أن ذلك بـمعنى: { وَإِذَا لَقُواْ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوغ¤ا آمَنَّا } وإذا صرفوا خلاءهم إلـى شياطينهم فـيزعم أن الـجالب «إلـى» الـمعنى الذي دل علـيه الكلام: من انصراف الـمنافقـين عن لقاء الـمؤمنـين إلـى شياطينهم خالـين بهم، لا قوله «خـلوا».

وعلـى هذا التأويـل لا يصلـح فـي موضع «إلـى» غيرها لتغير الكلام بدخول غيرها من الـحروف مكانها.

وهذا القول عندي أولـى بـالصواب، لأن لكل حرف من حروف الـمعانـي وجهاً هو به أولـى من غيره، فلا يصلـح تـحويـل ذلك عنه إلـى غيره إلا بحجة يجب التسلـيـم لها. ول«إلـى» فـي كل موضع دخـلت من الكلام حكم وغير جائز سلبها معانـيها فـي أماكنها.

اسامة محمد خيري
01-05-2017, 06:40
وأولـى التأويـلـين بـالآية تأويـل من قال: إن قول الله تبـارك اسمه: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ظ±لأَرْضِ قَالُوغ¤اْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } نزلت فـي الـمنافقـين الذين كانوا علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان معنـياً بها كل من كان بـمثل صفتهم من الـمنافقـين بعدهم إلـى يوم القـيامة. وقد يحتـمل قول سلـمان عند تلاوة هذه الآية: «ما جاء هؤلاء بعد» أن يكون قاله بعد فناء الذين كانوا بهذه الصفة علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم خبراً منه عمن جاء منهم بعدهم ولـما يجيء بعد، لا أنه عنى أنه لـم يـمض مـمن هذه صفته أحد.

وإنـما قلنا أولـى التأويـلـين بـالآية ما ذكرنا، لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـى أن ذلك صفة من كان بـين ظهرانـي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الـمنافقـين، وأن هذه الآيات فـيهم نزلت. والتأويـل الـمـجمع علـيه أولـى بتأويـل القرآن من قول لا دلالة علـى صحته من أصل ولا نظير. والإفساد فـي الأرض: العمل فـيها بـما نهى الله جل ثناؤه عنه، وتضيـيع ما أمر الله بحفظه.

اسامة محمد خيري
01-05-2017, 06:44
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ }.

اختلفت القراءة فـي قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } مخففة الذال مفتوحة الـياء، وهي قراءة معظم أهل الكوفة. وقرأه آخرون: { يُكَذِّبُونَ } بضم الـياء وتشديد الذال، وهي قراءة معظم أهل الـمدينة والـحجاز والبصرة. وكأن الذين قرءوا ذلك بتشديد الذال وضم الـياء رأوا أن الله جل ثناؤه إنـما أوجب للـمنافقـين العذاب الألـيـم بتكذيبهم نبـيهم مـحمداً صلى الله عليه وسلم وبـما جاء به، وأن الكذب لولا التكذيب لا يوجب لأحد الـيسير من العذاب، فكيف بـالألـيـم منه؟

ولـيس الأمر فـي ذلك عندي كالذي قالوا وذلك أن الله عزّ وجلّ أنبأ عن الـمنافقـين فـي أول النبأ عنهم فـي هذه السورة بأنهم يكذبون بدعواهم الإيـمان وإظهارهم ذلك بألسنتهم خداعاً لله عزّ وجلّ ولرسوله وللـمؤمنـين، فقال:
{ وَمِنَ ظ±لنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِظ±للَّهِ وَبِظ±لْيَوْمِ ظ±لأْخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَـظ°دِعُونَ ظ±للَّهَ وَظ±لَّذِينَ ءامَنُوا }
[البقرة: 8-9] بذلك من قـيـلهم مع استسرارهم الشك، { وَمَا يَخْدَعُونَ } بصنـيعهم ذلك { إِلاَّ أَنْفُسَهُم } دون رسول الله صلى الله عليه وسلم والـمؤمنـين، { وَمَا يَشْعُرُونَ } بـموضع خديعتهم أنفسهم واستدراج الله عزّ وجل إياهم بإملائه لهم فـي قلوبهم شك أي نفـاق وريبة، والله زائدهم شكّاً وريبة بـما كانوا يكذبون الله ورسوله والـمؤمنـين بقولهم بألسنتهم:

{ ءامَنَّا بِظ±للَّهِ وَبِظ±لْيَوْمِ ظ±لأْخِرِ }
[البقرة: 8] وهم فـي قـيـلهم ذلك كَذَبة لاستسرارهم الشك والـمرض فـي اعتقادات قلوبهم. فـي أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فأولـى فـي حكمة الله جل جلاله أن يكون الوعيد منه لهم علـى ما افتتـح به الـخبر عنهم من قبـيح أفعالهم وذميـم أخلاقهم، دون ما لـم يجز له ذكر من أفعالهم إذ كان سائر آيات تنزيـله بذلك نزل. وهو أن يفتتـح ذكر مـحاسن أفعال قوم ثم يختـم ذلك بـالوعيد علـى ما افتتـح به ذكره من أفعالهم، ويفتتـح ذكر مساوىء أفعال آخرين ثم يختـم ذلك بـالوعيد علـى ما ابتدأ به ذكره من أفعالهم. فكذلك الصحيح من القول فـي الآيات التـي افتتـح فـيها ذكر بعض مساوىء أفعال الـمنافقـين أن يختـم ذلك بـالوعيد علـى ما افتتـح به ذكره من قبـائح أفعالهم، فهذا مع دلالة الآية الأخرى علـى صحة ما قلنا وشهادتها بأن الواجب من القراءة ما اخترنا، وأن الصواب من التأويـل ما تأوّلنا من أن وعيد الله الـمنافقـين فـي هذه الآية العذاب الألـيـم علـى الكذب الـجامع معنى الشك والتكذيب، وذلك قول الله تبـارك وتعالـى:
{ إِذَا جَاءكَ ظ±لْمُنَـظ°فِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ظ±للَّهِ وَظ±للَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَظ±للَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ لَكَـظ°ذِبُونَ ظ±تَّخَذُواْ أَيْمَـظ°نَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ظ±للَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }
[المنافقون: 1-2] والآية الأخرى فـي الـمـجادلة:
{ ظ±تَّخَذْواْ أَيْمَـظ°نَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ظ±للَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ }
[المجادلة: 16] فأخبر جلّ ثناؤه أن الـمنافقـين بقـيـلهم ما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مع اعتقادهم فـيه ما هم معتقدون، كاذبون. ثم أخبر تعالـى ذكره أن العذاب الـمهين لهم علـى ذلك من كذبهم. ولو كان الصحيح من القراءة علـى ما قرأه القارئون فـي سورة البقرة: { وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } لكانت القراءة فـي السورة الأخرى:
{ وَظ±للَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ }
[المنافقون: 1] لـيكون الوعيد لهم الذي هو عقـيب ذلك وعيداً علـى التكذيب، لا علـى الكذب.

وفـي إجماع الـمسلـمين علـى أن الصواب من القراءة فـي قوله:
{ وَظ±للَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ لَكَـظ°ذِبُونَ }
[المنافقون: 1] بـمعنى الكذب، وأن إيعاد الله تبـارك وتعالـى فـيه الـمنافقـين العذاب الألـيـم علـى ذلك من كذبهم، أوضح الدلالة علـى أن الصحيح من القراءة فـي سورة البقرة: { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } بـمعنى الكذب، وأن الوعيد من الله تعالـى ذكره للـمنافقـين فـيها علـى الكذب حق، لا علـى التكذيب الذي لـم يجز له ذكر نظير الذي فـي سورة الـمنافقـين سواء.

اسامة محمد خيري
01-05-2017, 07:00
{ ظ±لَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِظ±لْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ظ±لصَّلظ°وةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ }

وقال بعضهم: بل نزلت هذه الآيات الأربع فـي مؤمنـي أهل الكتاب خاصة، لإيـمانهم بـالقرآن عند إخبـار الله جل ثناؤه إياهم فـيه عن الغيوب التـي كانوا يخفونها بـينهم ويسرّونها، فعلـموا عند إظهار الله جل ثناؤه نبـيه صلى الله عليه وسلم علـى ذلك منهم فـي تنزيـله أنه من عند الله جل وعز، فآمنوا بـالنبـي صلى الله عليه وسلم وصدقوا بـالقرآن وما فـيه من الإخبـار عن الغيوب التـي لا علـم لهم بها لـما استقرّ عندهم بـالـحجة التـي احتـجّ الله تبـارك وتعالـى بها علـيهم فـي كتابه، من الإخبـار فـيه عما كانوا يكتـمونه من ضمائرهم أن جميع ذلك من عند الله.

وقال بعضهم: بل الآيات الأربع من أول هذه السورة أنزلت علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم بوصف جميع الـمؤمنـين الذين ذلك صفتهم من العرب والعجم وأهل الكتابـين و سواهم، وإنـما هذه صفة صنف من الناس، والـمؤمن بـما أنزل الله علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل من قبله هو الـمؤمن بـالغيب. قالوا: وإنـما وصفهم الله بـالإيـمان بـما أنزل إلـى مـحمد وبـما أنزل إلـى من قبله بعد تَقَضِّي وصفه إياهم بـالإيـمان بـالغيب لأن وصفه إياهم بـما وصفهم به من الإيـمان بـالغيب كان معنـياً به أنهم يؤمنون بـالـجنة والنار والبعث، وسائر الأمور التـي كلفهم الله جل ثناؤه بـالإيـمان بها مـما لـم يروه ولـم يأت بَعْدُ مـما هو آت، دون الإخبـار عنهم أنهم يؤمنون بـما جاء به مـحمد صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الرسل والكتب. قالوا: فلـما كان معنى قوله:
{ وَظ±لَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ }
[البقرة: 4]غير موجود فـي قوله: { ظ±لَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِظ±لْغَيْبِ } كانت الـحاجة من العبـاد إلـى معرفة صفتهم بذلك لـيعرفوهم نظير حاجتهم إلـى معرفتهم بـالصفة التـي وصفوا بها من إيـمانهم بـالغيب لـيعلـموا ما يرضي الله من أفعال عبـاده، ويحبه من صفـاتهم، فـيكونوا به إن وفقهم له ربهم. مؤمنـين. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو بن العبـاس البـاهلـي، قال: حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخـلد، قال: حدثنا عيسى بن ميـمون الـمكي، قال: حدثنا عبد الله بن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: أربع آيات من سورة البقرة فـي نعت الـمؤمنـين وآيتان فـي نعت الكافرين وثلاث عشرة فـي الـمنافقـين.

حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: حدثنا أبـي عن سفـيان، عن رجل، عن مـجاهد بـمثله.

وحدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال حدثنا موسى بن مسعود، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله.

وحدثت عن عمار بن الـحسن، قال: حدثنا عبد الله إبن أبـي جعفر، عن أبـيه عن الربـيع بن أنس، قال: أربع آيات من فـاتـحة هذه السورة يعنـي سورة البقرة فـي الذين آمنوا، وآيتان فـي قادة الأحزاب.

وأولـى القولـين عندي بـالصواب وأشبههما بتأويـل الكتاب، القول الأول، وهو: أن الذين وصفهم الله تعالـى ذكره بـالإيـمان بـالغيب، وما وصفهم به جل ثناؤه فـي الآيتـين الأوَّلَتـين غير الذين وصفهم بـالإيـمان بـالذي أنزل علـى مـحمد والذي أنزل إلـى من قبله من الرسل لـما ذكرت من العلل قبل لـمن قال ذلك، ومـما يدل أيضاً مع ذلك علـى صحة هذا القول إنه جَنَّسَ بعد وصف الـمؤمنـين بـالصفتـين اللتـين وصف، وبعد تصنـيفه كل صنف منهما علـى ما صنف الكفـار جِنْسَين، فجعل أحدهما مطبوعاً علـى قلبه مختوماً علـيه مأيوساً من إيـمانه، والآخر منافقاً يرائي بإظهار الإيـمان فـي الظاهر، ويستسرّ النفـاق فـي البـاطن، فصير الكفـار جنسين كما صير الـمؤمنـين فـي أول السورة جنسين.

اسامة محمد خيري
01-05-2017, 12:40
حدثنـي القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنا حجاج، قال: قال ابن جريج فـي قوله: { وَلاَ تَكُونُوغ¤اْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } بـالقرآن.

قال أبو جعفر: ورُوي عن أبـي العالـية فـي ذلك ما:

حدثنـي به الـمثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: { وَلاَ تَكُونُوغ¤اْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } يقول: لا تكونوا أوّل من كفر بـمـحمد صلى الله عليه وسلم.

وقال بعضهم: { وَلاَ تَكُونُوغ¤اْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } يعنـي بكتابكم، ويتأوّل أن فـي تكذيبهم بـمـحمد صلى الله عليه وسلم تكذيبـاً منهم بكتابهم لأن فـي كتابهم الأمر بـاتبـاع مـحمد صلى الله عليه وسلم.

وهذان القولان من ظاهر ما تدلّ علـيه التلاوة بعيدان. وذلك أن الله جل ثناؤه أمر الـمخاطبـين بهذه الآية فـي أوّلها بـالإيـمان بـما أنزل علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم، فقال جل ذكره: { وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ } ومعقول أن الذي أنزله الله فـي عصر مـحمد صلى الله عليه وسلم هو القرآن لا مـحمد، لأن مـحمداً صلوات الله علـيه رسول مرسل لا تنزيـلٌ مُنزل، والـمنزل هو الكتاب. ثم نهاهم أن يكونوا أوّل من يكفر بـالذي أمرهم بـالإيـمان به فـي أوّل الآية من أهل الكتاب. فذلك هو الظاهر الـمفهوم، ولـم يجر لـمـحمد صلى الله عليه وسلم فـي هذه الآية ذكر ظاهر فـيعاد علـيه بذكره مكنـيًّا فـي قوله: { وَلاَ تَكُونُوغ¤اْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } وإن كان غير مـحال فـي الكلام أن يذكر مكنـيُّ اسم لـم يجر له ذكر ظاهر فـي الكلام. وكذلك لا معنى لقول من زعم أن العائد من الذكر فـي «به» علـى «ما» التـي فـي قوله: { لِّمَا مَعَكُمْ } لأنّ ذلك وإن كان مـحتـمل ظاهر الكلام فإنه بعيد مـما يدلّ علـيه ظاهر التلاوة والتنزيـل، لـما وصفنا قبل من أن الـمأمور بـالإيـمان به فـي أوّل الآية هو القرآن، فكذلك الواجب أن يكون الـمنهي عن الكفر به فـي آخرها هو القرآن.

وأما أن يكون الـمأمور بـالإيـمان به غير الـمنهي عن الكفر به فـي كلام واحد وآية واحدة، فذلك غير الأشهر الأظهر فـي الكلام، هذا مع بعد معناه فـي التأويـل

اسامة محمد خيري
01-05-2017, 13:24
وأخرج جلّ ذكره قوله: { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ظ±لْعَظ°لَمِينَ } مخرج العموم، وهو يريد به خصوصاً لأن الـمعنى: وإنـي فضلتكم علـى عالـم من كنتـم بـين ظهريه وفـي زمانه. كالذي:

حدثنا به مـحمد بن عبد الأعلـى الصنعانـي، قال: حدثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ظ±لْعَظ°لَمِينَ } قال: فضلهم علـى عالـم ذلك الزمان.

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ظ±لْعَظ°لَمِينَ } قال: بـما أعطوا من الـملك والرسل والكتب علـى عالـم من كان فـي ذلك الزمان، فإن لكل زمان عالـماً.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مـجاهد فـي قوله: { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ظ±لْعَظ°لَمِينَ } قال: علـى من هم بـين ظهرانـيه.

وحدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: علـى من هم بـين ظهرانـيه.

وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألت ابن زيد عن قول الله: { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ظ±لْعَظ°لَمِينَ } قال: عالـم أهل ذلك الزمان. وقرأ قول الله:
{ وَلَقَدِ ظ±خْتَرْنَاهُمْ عَلَىظ° عِلْمٍ عَلَى ظ±لْعَالَمِينَ }
[الدخان: 32] قال: هذه لـمن أطاعه واتبع أمره، وقد كان فـيهم القردة وهم أبغض خـلقه إلـيه، وقال لهذه الأمة:
{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ }
[آل عمران: 110] قال: هذه لـمن أطاع الله واتبع أمره واجتنب مـحارمه.

قال أبو جعفر: والدلـيـل علـى صحة ما قلنا من أن تأويـل ذلك علـى الـخصوص الذي وصفنا ما:

حدثنـي به يعقوب بن إبراهيـم، قال: حدثنا ابن علـية، وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر جميعا، عن بهز بن حكيـم، عن أبـيه، عن جده. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ألا إنّكُمْ وَفّـيْتُـمْ سَبْعِين أُمّةً " قال يعقوب فـي دحديثه: «أنتـم آخرها». وقال الـحسن: «أنتـم خيرها وأكرمها علـى الله». فقد أنبأ هذا الـخبر عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أن بنـي إسرائيـل لـم يكونوا مفضلـين علـى أمة مـحمد علـيه الصلاة والسلام، وأن معنى قوله: وقوله: { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ظ±لْعَظ°لَمِينَ } علـى ما بـينا من تأويـله. وقد أتـينا علـى بـيان تأويـل قوله: { ظ±لْعَظ°لَمِينَ } بـما فـيه الكفـاية فـي غير هذا الـموضع، فأغنى ذلك عن إعادته.

اسامة محمد خيري
01-05-2017, 15:50
قال أبو جعفر: والذي قاله من ذكرنا قوله من أهل العلـم كان ذبح آل فرعون أبناء بنـي إسرائيـل واستـحياؤهم نساءهم، فتأويـل قوله إذا علـى ما تأوّله الذين ذكرنا قولهم: { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ }: يستبقونهن فلا يقتلونهن.

وقد يجب علـى تأويـل من قال بـالقول الذي ذكرنا عن ابن عبـاس وأبـي العالـية والربـيع بن أنس والسدي فـي تأويـل قوله: { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ }: أنه تركهم الإناث من القتل عند ولادتهن إياهن أن يكون جائزاً أن تسمى الطفلة من الإناث فـي حال صبـاها وبعد ولادها امرأة، والصبـايا الصغار وهن أطفـال: نساء، لأنهم تأوّلوا قول الله جل وعزّ: { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ }: يستبقون الإناث من الولدان عند الولادة فلا يقتلونهن.

وقد أنكر ذلك من قولهم ابن جريج، فقال بـما:

حدثنا به القاسم بن الـحسن، قال: حدثنا الـحسين بن داود، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج قوله: { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ } قال: يسترقّون نساءكم.

فحاد ابن جريج بقوله هذا عما قاله من ذكرنا قوله فـي قوله: { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ } إنه استـحياء الصبـايا الأطفـال، قال: إذ لـم نـجدهن يـلزمهن اسم نساء. ثم دخـل فـيـما هو أعظم مـما أنكر بتأويـله «ويستـحيون» يسترقّون، وذلك تأويـل غير موجود فـي لغة عربـية ولا عجمية، وذلك أن الاستـحياء إنـما هو الاستفعال من الـحياة نظير الاستبقاء من البقاء والاستسقاء من السقـي، وهو معنى من الاسترقاق بـمعزل.

وقد قال آخرون: قوله { يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ } بـمعنى يذبحون رجالكم آبـاء أبنائكم. وأنكروا أن يكون الـمذبوحون الأطفـال، وقد قرن بهم النساء. فقالوا: فـي إخبـار الله جل ثناؤه إن الـمستـحين هم النساء الدلالة الواضحة علـى أن الذين كانوا يذبحون هم الرجال دون الصبـيان، لأن الـمذبحين لو كانوا هم الأطفـال لوجب أن يكون الـمستـحيون هم الصبـايا. قالوا: وفـي إخبـار الله عزّ وجل أنهم النساء ما يبـين أن الـمذبحين هم الرجال. وقد أغفل قائلوا هذه الـمقالة مع خروجهم من تأويـل أهل التأويـل من الصحابة والتابعين موضع الصواب، وذلك أن الله جل ثناؤه قد أخبر عن وحيه إلـى أمّ موسى أنه أمرها أن ترضع موسى، فإذا خافت علـيه أن تلقـيه فـي التابوت ثم تلقـيه فـي الـيـم. فمعلوم بذلك أن القوم لو كانوا إنـما يقتلون الرجال ويتركون النساء لـم يكن بأمّ موسى حاجة إلـى إلقاء موسى فـي الـيـمّ، أو لو أن موسى كان رجلاً لـم تـجعله أمه فـي التابوت ولكن ذلك عندنا علـى ما تأوّله ابن عبـاس ومن حكينا قوله قبل من ذبح آل فرعون الصبـيان وتركهم من القتل الصبـايا.

وإنـما قـيـل: { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ } إذ كان الصبـايا داخلات مع أمهاتهن، وأمهاتهن لا شك نساء فـي الاستـحياء، لأنهم لـم يكونوا يقتلون صغار النساء ولا كبـارهن، فقـيـل: { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ } يعنـي بذلك الوالدات والـمولودات كما يقال: قد أقبل الرجال وإن كان فـيهم صبـيان، فكذلك قوله: { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ }......

وقال ابن زيد فـي ذلك بـما:

حدثنـي به يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألته، يعنـي ابن زيد، عن قول الله عز وجل: { وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى ظ±لْكِتَابَ وَظ±لْفُرْقَانَ } فقال: أما الفرقان الذي قال الله جل وعز:
{ يَوْمَ ظ±لْفُرْقَانِ يَوْمَ ظ±لْتَقَى ظ±لْجَمْعَانِ }
[الأنفال: 41] فذلك يوم بدر، يوم فرق الله بـين الـحق والبـاطل، والقضاءُ الذي فرق به بـين الـحق والبـاطل. قال: فكذلك أعطى الله موسى الفرقان، فرق الله بـينهم، وسلـمه الله وأنـجاه فرق بـينهم بـالنصر، فكما جعل الله ذلك بـين مـحمد والـمشركين، فكذلك جعله بـين موسى وفرعون.

قال أبو جعفر: وأولـى هذين التأويـلـين بتأويـل الآية ما رُوي عن ابن عبـاس وأبـي العالـية ومـجاهد، من أن الفرقان الذي ذكر الله أنه آتاه موسى فـي هذا الـموضع هو الكتاب الذي فرق به بـين الـحقّ والبـاطل، وهو نعت للتوراة وصفة لها. فـيكون تأويـل الآية حينئذ: وإذ آتـينا موسى التوراة التـي كتبناها له فـي الألواح، وفرقنا بها بـين الـحقّ والبـاطل. فـيكون الكتاب نعتاً للتوراة أقـيـم مقامها استغناءً به عن ذكر التوراة، ثم عطف علـيه بـالفرقان، إذ كان من نعتها. وقد بـينا معنى الكتاب فـيـما مضى من كتابنا هذا، وأنه بـمعنى الـمكتوب. وإنـما قلنا هذا التأويـل أولـى بـالآية وإن كان مـحتـملاً غيره من التأويـل، لأن الذي قبله ذكر الكتاب، وأن معنى الفرقان الفصل، وقد دللنا علـى ذلك فـيـما مضى من كتابنا هذا، فإلـحاقه إذ كان كذلك بصفة ما ولـيه أَوْلـى من إلـحاقه بصفة ما بعد منه.

اسامة محمد خيري
01-05-2017, 21:14
والذي هو أقرب عندي فـي ذلك إلـى الصواب وأشبه بظاهر الكتاب، أن يكون رفع حطة بنـية خبر مـحذوف قد دل علـيه ظاهر التلاوة، وهو دخولنا البـاب سجداً حطة، فكفـى من تكريره بهذا اللفظ ما دل علـيه الظاهر من التنزيـل، وهو قوله: { وَظ±دْخُلُواْ ظ±لْبَابَ سُجَّداً } كما قال جل ثناؤه:
{ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ظ±للَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىظ° رَبِّكُمْ }
[الأعراف: 164] يعنـي موعظتنا إياهم معذرة إلـى ربكم. فكذلك عندي تأويـل قوله: { وَقُولُواْ حِطَّةٌ } يعنـي بذلك: { وَإِذْ قُلْنَا ظ±دْخُلُواْ هَـظ°ذِهِ ظ±لْقَرْيَةَ... وَظ±دْخُلُواْ ظ±لْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ } دخولنا ذلك سجداً { حُطّةٌ } لذنوبنا، وهذا القول علـى نـحو تأويـل الربـيع بن أنس وابن جريج وابن زيد الذي ذكرناه آنفـا.

وأما علـى تأويـل قول عكرمة، فإن الواجب أن تكون القراءة بـالنصب فـي «حطة»، لأن القوم إن كانوا أمروا أن يقولوا: لا إلظ°ه إلا الله، أو أن يقولوا: نستغفر الله، فقد قـيـل لهم: قولوا هذا القول، ف«قولوا» واقع حينئذٍ علـى الـحطة، لأن الـحطة علـى قول عكرمة هي قول لا إلظ°ه إلا الله، وإذ كانت هي قول لا إلظ°ه إلا الله، فـالقول علـيها واقع، كما لو أمر رجل رجلاً بقول الـخير، فقال له: «قل خيراً» نصبـاً، ولـم يكون صوابـاً أن يقول له «قل خير» إلا علـى استكراه شديد.

وفـي إجماع القراء علـى رفع «الـحطة» بـيان واضح علـى خلاف الذي قاله عكرمة من التأويـل فـي قوله: { وَقُولُوا حِطّةٌ }. وكذلك الواجب علـى التأويـل الذي رويناه عن الـحسن وقتادة فـي قوله: { وَقُولُوا حِطّةٌ } أن تكون القراءة فـي «حطة» نصبـاً، لأن من شأن العرب إذا وضعوا الـمصادر مواضع الأفعال وحذفوا الأفعال أن ينصبوا الـمصادر، كما قال الشاعر:
أُبِـيدوا بأيْدِي عُصْبَةٍ وَسُيُوفُهُمْ علـى أُمّهاتِ الهَامِ ضَرْبـا شآمِيَا
وكقول القائل للرجل: سمعاً وطاعة، بـمعنى: أسمع سمعاً وأطيع طاعة، وكما قال جل ثناؤه: مَعَاذ الله بـمعنى: نعوذ بـالله.

.....
وقد دللنا علـى أن تأويـل الرجز: العذاب. وعذابُ الله جل ثناؤه أصناف مختلفة. وقد أخبر الله جل ثناؤه أنه أنزل علـى الذين وصفنا أمرهم الرجز من السماء، وجائز أن يكون ذلك طاعونا، وجائز أن يكون غيره، ولا دلالة فـي ظاهر القرآن ولا فـي أثر عن الرسول ثابت أيّ أصناف ذلك كان.

فـالصواب من القول فـي ذلك أن يقال كما قال الله عزّ وجل: { فَأَنزَلْنَا عَلَى ظ±لَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ ظ±لسَّمَآءِ } بفسقهم. غير أنه يغلب علـى النفس صحة ما قاله ابن زيد للـخبر الذي ذكرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي إخبـاره عن الطاعون أنه رجز، وأنه عذّب به قوم قبلنا. وإن كنت لا أقول إن ذلك كذلك يقـيناً لأن الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بـيان فـيه أيّ أمة عذّبت بذلك. وقد يجوز أن يكون الذين عذّبوا به كانوا غير الذين وصف الله صفتهم فـي قوله: { فَبَدَّلَ ظ±لَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ظ±لَّذِي قِيلَ لَهُمْ }.

اسامة محمد خيري
02-05-2017, 04:42
{ وَإِذْ قُلْتُمْ يَظ°مُوسَىظ° لَن نَّصْبِرَ عَلَىظ° طَعَامٍ وَاحِدٍ فَظ±دْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ظ±لأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ظ±لَّذِي هُوَ أَدْنَىظ° بِظ±لَّذِي هُوَ خَيْرٌ ظ±هْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ظ±لذِّلَّةُ وَظ±لْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ظ±للَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ظ±للَّهِ وَيَقْتُلُونَ ظ±لنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ظ±لْحَقِّ ذظ°لِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ }

فرأينا الله جل وعز قد أخبر عنهم أنه كتب لهم الأرض الـمقدسة، ولـم يخبرنا عنهم أنه ردّهم إلـى مصر بعد إخراجه إياهم منها، فـيجوز لنا أن نقرأ اهبطوا مصر، ونتأوّله أنه ردّهم إلـيها.

قالوا: فإن احتـجّ مـحتـجّ بقول الله جل ثناؤه:
{ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيغ¤ إِسْرَائِيلَ }
[الشعراء: 57-59] قـيـل لهم: فإن الله جل ثناؤه إنـما أورثهم ذلك فملكهم إياها ولـم يردّهم إلـيها، وجعل مساكنهم الشأم.

وأما الذين قالوا: إن الله إنـما عنى بقوله جل وعز: { ظ±هْبِطُواْ مِصْراً } مِصْرَ، فإن من حجتهم التـي احتـجوا بها الآية التـي قال فـيها:
{ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيغ¤ إِسْرَائِيلَ }
[الشعراء: 57-59] وقوله:
{ كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ }
[الدخان: 25-28] قالوا: فأخبر الله جل ثناؤه أنه قد ورّثهم ذلك وجعلها لهم، فلـم يكونوا يرثونها ثم لا ينتفعون بها. قالوا: ولا يكونون منتفعين بها إلا بـمصير بعضهم إلـيها، وإلا فلا وجه للانتفـاع بها إن لـم يصيروا أو يصر بعضهم إلـيها. قالوا: وأخرى أنها فـي قراءة أبـيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود: «اهْبِطُوا مِصْرَ» بغير ألف، قالوا: ففـي ذلك الدلالة البـينة أنها مصر بعينها.

والذي نقول به فـي ذلك أنه لا دلالة فـي كتاب الله علـى الصواب من هذين التأويـلـين، ولا خبر به عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقطع مـجيئه العذر، وأهل التأويـل متنازعون تأويـله.

فأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب أن يقال: إن موسى سأل ربه أن يعطي قومه ما سألوه من نبـات الأرض علـى ما بـينه الله جل وعز فـي كتابه وهم فـي الأرض تائهون، فـاستـجاب الله لـموسى دعاءه، وأمره أن يهبط بـمن معه من قومه قراراً من الأرض التـي تنبت لهم ما سأل لهم من ذلك، إذ كان الذي سألوه لا تنبته إلا القرى والأمصار وأنه قد أعطاهم ذلك إذ صاروا إلـيه، وجائز أن يكون ذلك القرار مصر، وجائز أن يكون الشأم. فأما القراءة فإنها بـالألف والتنوين: { ظ±هْبِطُواْ مِصْراً } وهي القرائة التـي لا يجوز عندي غيرها لاجتـماع خطوط مصاحف الـمسلـمين، واتفـاق قراءة القراء علـى ذلك. ولـم يقرأ بترك التنوين فـيه وإسقاط الألف منه إلا من لا يجوز الإعتراض به علـى الـحجة فـيـما جاءت به من القراءة مستفـيضاً بـينها....

فإن قال لنا قائل: فأين تـمام قوله: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلصَّابِئِينَ }؟ قـيـل: تـمامه جملة قوله: { مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } لأن معناه: من آمن منهم بـالله والـيوم الآخر فترك ذكر منهم لدلالة الكلام علـيه استغناء بـما ذكر عما ترك ذكره.

فإن قال: وما معنى هذا الكلام؟ قـيـل: إن معناه: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من يؤمن بـالله والـيوم الآخر فلهم أجرهم عند ربهم.

فإن قال: وكيف يؤمن الـمؤمن؟ قـيـل: لـيس الـمعنى فـي الـمؤمن الـمعنى الذي ظننته من انتقال من دين إلـى دين كانتقال الـيهودي والنصرانـي إلـى الإيـمان، وإن كان قد قـيـل إن الذين عنوا بذلك من كان من أهل الكتاب علـى إيـمانه بعيسى، وبـما جاء به، حتـى أدرك مـحمداً صلى الله عليه وسلم، فآمن به وصدّقه، فقـيـل لأولئك الذين كانوا مؤمنـين بعيسى وبـما جاء به إذ أدركوا مـحمداً صلى الله عليه وسلم: آمنوا بـمـحمد وبـما جاء به، ولكن معنى إيـمان الـمؤمن فـي هذا الـموضع ثبـاته علـى إيـمانه وتركه تبديـله.

وأما إيـمان الـيهود والنصارى والصابئين، فـالتصديق بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وبـما جاء به، فمن يؤمن منهم بـمـحمد، وبـما جاء به والـيوم الآخر، ويعمل صالـحاً، فلـم يبدّل ولـم يغير، حتـى توفـي علـى ذلك، فله ثواب عمله وأجره عند ربه، كما وصف جل ثناؤه.


وقال ابن عبـاس بـما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: حدثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس قوله: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلصَّابِئِينَ } إلـى قوله: { ولا هُمْ يَحْزَنُونَ }. فأنزل الله تعالـى بعد هذا: وَمَنْ يَبْتَغِ غيرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِـي الآخِرَةِ مِنَ الـخَاسِرِينَ. وهذا الـخبر يدلّ علـى أن ابن عبـاس كان يرى أن الله جل ثناؤه كان قد وعد من عمل صالـحاً من الـيهود والنصارى والصابئين علـى عمله فـي الآخرة الـجنة، ثم نسخ ذلك بقوله:
{ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ }
[آل عمران: 85] فتأويـل الآية إذا علـى ما ذكرنا عن مـجاهد والسدي: إن الذين آمنوا من هذه الأمة، والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن من الـيهود والنصارى والصابئين بـالله والـيوم الآخر، { فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }.

والذي قلنا من التأويـل الأول أشبه بظاهر التنزيـل، لأن الله جل ثناؤه لـم يخصص بـالأجر علـى العمل الصالـح مع الإيـمان بعض خـلقه دون بعض منهم، والـخبر بقوله: { مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } عن جميع ما ذكر فـي أول الآية.

اسامة محمد خيري
02-05-2017, 05:30
حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ظ±لَّذِينَ ظ±عْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ظ±لسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ } قال: مسخت قلوبهم، ولـم يـمسخوا قردة، وإنـما هو مثل ضربه الله لهم كمثل الـحمار يحمل أسفـارا.

وهذا القول الذي قاله مـجاهد قول لظاهر ما دل علـيه كتاب الله مخالف، وذلك أن الله أخبر فـي كتابه أنه جعل منهم القردة والـخنازير وعبد الطاغوت، كما أخبر عنهم أنهم قالوا لنبـيـم:
{ أَرِنَا ظ±للَّهَ جَهْرَةً }
[النساء: 153] وأن الله تعالـى ذكره أصعقهم عند مسألتهم ذلك ربهم وأنهم عبدوا العجل، فجعل توبتهم قتل أنفسهم، وأنهم أُمروا بدخول الأرض الـمقدسة، فقالوا لنبـيهم:
{ ظ±ذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاغ¤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ }
[المائدة: 24] فـابتلاهم بـالتـيه. فسواء قال قائل: هم لـم يـمسخهم قردة، وقد أخبر جل ذكره أنه جعل منهم قردة وخنازير، وآخر قال: لـم يكن شيء مـما أخبر الله عن بنـي إسرائيـل أنه كان منهم من الـخلاف علـى أنبـيائهم والعقوبـات والأنكال التـي أحلها الله بهم. ومن أنكر شيئاً من ذلك وأقرّ بآخر منه، سئل البرهان علـى قوله وعورض فـيـما أنكر من ذلك بـما أقرّ به، ثم يسأل الفرق من خبر مستفـيض أو أثر صحيح...

وأولـى هذه التأويلات بتأويـل الآية ما رواه الضحاك عن ابن عبـاس وذلك لـما وصفنا من أن الهاء والألف فـي قوله: { فجَعَلْناها نَكالاً } بأن تكون من ذكر العقوبة والـمَسْخة التـي مسخها القوم أولـى منها بأن تكون من ذكر غيرها، من أجل أن الله جل ثناؤه إنـما يحذّر خـلقه بأسه وسطوته، وبذلك يخوّفهم. وفـي إبـانته عز ذكره بقوله: { نَكالاً } أنه عنى به العقوبة التـي أحلها بـالقوم ما يعلـم أنه عنى بقوله: { فجَعَلْناهَا نَكالاً لِـمَا بَـينَ يَدَيْها وَما خَـلْفَها }: فجعلنا عقوبتنا التـي أحللناها بهم عقوبة لـما بـين يديها وما خـلفها، دون غيره من الـمعانـي. وإذا كانت الهاء والألف بأن تكون من ذكر الـمسخة والعقوبة أولـى منها بأن تكون من ذكر غيرها، فكذلك العائد فـي قوله: { لِـمَا بـينَ يَدَيها وَما خَـلْفَها } من الهاء والألف أن يكون من ذكر الهاء والألف اللتـين فـي قوله: { فَجَعَلْناها } أولـى من أن يكون من غيره.

فتأويـل الكلام إذا كان الأمر علـى ما وصفنا: فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين، فجعلنا عقوبتنا لهم عقوبة لـما بـين يديها من ذنوبهم السالفة منهم مسخنا إياهم وعقوبتنا لهم، ولـما خـلف عقوبتنا لهم من أمثال ذنوبهم، أن يعمل بها عامل، فـيـمسخوا مثل ما مسخوا، وأن يحلّ بهم مثل الذي حلّ بهم تـحذيرا من الله تعالـى ذكره عبـاده أن يأتوا من معاصيه مثل الذي أتـى الـمـمسوخون فـيعاقبوا عقوبتهم.

وأما الذي قال فـي تأويـل ذلك: { فجَعَلْناها } يعنـي الـحيتان عقوبة لـما بـين يدي الـحيتان من ذنوب القوم وما بعدها من ذنوبهم، فإنه أبْعَدَ فـي الانتزاع وذلك أن الـحيتان لـم يجر لها ذكر فـيقال: { فجَعَلْناها } فإن ظنّ ظانّ أن ذلك جائز وإن لـم يكن جرى للـحيتان ذكر، لأن العرب قد تكنـي عن الاسم ولـم يجر له ذكر، فإن ذلك وإن كان كذلك، فغير جائز أن يترك الـمفهوم من ظاهر الكتاب والـمعقول به ظاهر فـي الـخطاب والتنزيـل إلـى بـاطن لا دلالة علـيه من ظاهر التنزيـل ولا خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم منقول ولا فـيه من الـحجة إجماع مستفـيض.

اسامة محمد خيري
02-05-2017, 12:16
{ قَالُواْ ظ±دْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ظ±لبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ظ±للَّهُ لَمُهْتَدُونَ }

قال أبو جعفر: وهذه الأقوال التـي ذكرناها عمن ذكرناها عنه من الصحابة والتابعين والـخالفـين بعدهم من قولهم: إن بنـي إسرائيـل لو كانوا أخذوا أدنى بقرة فذبحوها أجزأت عنهم ولكنهم شدّدوا فشدّد الله علـيهم، من أوضح الدلالة علـى أن القوم كانوا يرون أن حكم الله فـيـما أمر ونهى فـي كتابه وعلـى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم علـى العموم الظاهر دون الـخصوص البـاطن، إلا أن يخصّ بعض ما عمه ظاهر التنزيـل كتاب من الله أو رسول الله، وأن التنزيـل أو الرسول إن خصّ بعض ما عمه ظاهر التنزيـل بحكم خلاف ما دل علـيه الظاهر، فـالـمخصوص من ذلك خارج من حكم الآية التـي عمت ذلك الـجنس خاصة، وسائر حكم الآية علـى العموم، علـى نـحو ما قد بـيناه فـي كتابنا كتاب «الرسالة من لطيف القول فـي البـيان عن أصول الأحكام» فـي قولنا فـي العموم والـخصوص، وموافقة قولهم فـي ذلك قولنا، ومذهبهم مذهبنا، وتـخطئتهم قول القائلـين بـالـخصوص فـي الأحكام، وشهادتهم علـى فساد قول من قال: حكم الآية الـجائية مـجيء العموم علـى العموم ما لـم يختصّ منها بعض ما عمته الآية، فإن خصّ منها بعض، فحكم الآية حينئذٍ علـى الـخصوص فـيـما خصّ منها، وسائر ذلك علـى العموم. وذلك أن جميع من ذكرنا قوله آنفـاً مـمن عاب علـى بنـي إسرائيـل مسألتهم نبـيهم صلى الله عليه وسلم عن صفة البقرة التـي أمروا بذبحها وسنها وحلـيتها، رأوا أنهم كانوا فـي مسألتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى ذلك مخطئين/

وأنهم لو كانوا استعرضوا أدنى بقرة من البقر إذ أمروا بذبحها بقوله
{ إِنَّ ظ±للَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً }
[البقرة: 67] فذبحوها كانوا للواجب عليهم من أمر الله في ذلك مؤدّين وللحق مطيعين إذ لم يكن القوم حصروا على نوع من البقر دون نوع وسن دون سن ورأوا مع ذلك أنهم إذا سألوا موسى عن سنها فأخبرهم عنها وحصرهم منها على سن دون سن ونوع دون نوع وخص من جميع أنواع البقر نوعاً منها كانوا في مسألتهم إياه في المسئلة الثانية بعد الذي خص لهم من أنواع البقر من الخطا على مثل الذي كانوا عليه من الخطأ في مسئلتهم إياه المسئلة الأولى وكذلك رأوا أنهم في المسئلة الثالثة على مثل الذي كانوا عليه من ذلك في الاولى والثانية وأن اللازم كان لهم في الحالة الاولى استعمال ظاهر الامر وذبح أي بهيمة شاؤا مما وقع عليها اسم بقرة وكذلك رأوا أن اللازم كان لهم في الحال الثانية استعمال ظاهر الامر وذبح أي بهيمة شاؤا مما وقع عليها اسم بقرة عوان لا فارض ولا بكر ولم يروا أن حكمهم إذ خص لهم بعض البقر دون البعض في الحالة الثانية انتقل عن اللازم الذي كان لهم في الحالة الاولى من استعمال ظاهر الامر إلى الخصوص ففي اجماع جميعهم على ما روينا عنهم من ذلك مع الرواية التي رويناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموافقة لقولهم دليل واضح على صحة قولنا في العموم والخصوص وأن أحكام الله جل ثناؤه في آي كتابه فيما أمر ونهى على العموم ما لم يخص ذلك ما يجب التسليم له وأنه إذا خص منه شيء فالمخصوص منه خارج حكمه من حكم الآية العامة الظاهر وسائر حكم الآية على ظاهرها العام ويؤيد حقيقة ما قلنا في ذلك وشاهد عدل على فساد قول من خالف قولنا فيه

وقد زعم بعض من عظمت جهالته واشتدت حيرته، أن القوم إنـما سألوا موسى ما سألوا بعد أمر الله إياهم بذبح بقرة من البقر لأنهم ظنوا أنهم أمروا بذبح بقرة بعينها خصت بذلك، كما خصت عصا موسى فـي معناها، فسألوه أن يحلـيها لهم لـيعرفوها.

ولو كان الـجاهل تدبر قوله هذا، لسهل علـيه ما استصعب من القول وذلك أنه استعظم من القوم مسألتهم نبـيهم ما سألوه تشددا منهم فـي دينهم، ثم أضاف إلـيهم من الأمر ما هو أعظم مـما استنكره أن يكون كان منهم، فزعم أنهم كانوا يرون أنه جائز أن يفرض الله علـيهم فرضا ويتعبدهم بعبـادة، ثم لا يبـين لهم ما يفرض علـيهم ويتعبدهم به حتـى يسألوا بـيان ذلك لهم. فأضاف إلـى الله تعالـى ذكره ما لا يجوز إضافته إلـيه، ونسب القوم من الـجهل إلـى ما لا ينسب الـمـجانـين إلـيه، فزعم أنهم كانوا يسألون ربهم أن يفرض علـيهم الفرائض. فتعوذ بـالله من الـحيرة، ونسأله التوفـيق والهداية...

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: { قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِـالـحَقّ } فقال بعضهم: معنى ذلك: الآن بـينت لنا الـحقّ فتبـيناه، وعرفناه أنه بقرة عينت. ومـمن قال ذلك قتادة.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِـالـحَقّ } أي الآن بـينت لنا.

وقال بعضهم: ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن القوم أنهم نسبوا نبـيّ الله موسى صلوات الله علـيه إلـى أنه لـم يكن يأتـيهم بـالـحقّ فـي أمر البقرة قبل ذلك. ومـمن رُوي عنه هذا القول عبد الرحمن بن زيد.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: اضطروا إلـى بقرة لا يعلـمون علـى صفتها غيرها، وهي صفراء لـيس فـيها سواد ولا بـياض، فقالوا: هذه بقرة فلان { الآنَ جِئْتَ بـالـحَقّ } وقبل ذلك والله قد جاءهم بـالـحق.

وأولـى التأويـلـين عندنا بقوله: { قالُوا الآنَ جِئْتَ بـالـحَقّ } قول قتادة وهو أن تأويـله: الآن بـينت لنا الـحق فـي أمر البقرة، فعرفنا أنها الواجب علـينا ذبحها منها لأن الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم قد أطاعوه فذبحوها بعد قـيـلهم هذا مع غلظ مؤنة ذبحها علـيهم وثقل أمرها، فقال: { فَذَبحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ } وإن كانوا قد قالوا بقولهم: الآن بـينت لنا الـحق، هراء من القول، وأتوا خطأ وجهلاً من الأمر. وذلك أن نبـي الله موسى صلى الله عليه وسلم كان مبـينا لهم فـي كل مسألة سألوها إياه، وردّ رادُّوه فـي أمر البقرة الـحق. وإنـما يقال: الآن بـينت لنا الـحق لـمن لـم يكن مبـيناً قبل ذلك، فأما من كان كل قـيـله فـيـما أبـان عن الله تعالـى ذكره حقا وبـيانا، فغير جائز أن يقال له فـي بعض ما أبـان عن الله فـي أمره ونهيه وأدّى عنه إلـى عبـاده من فرائضه التـي أوجبها علـيهم: { الآنَ جِئْتَ بِـالـحَقّ } كأنه لـم يكن جاءهم بـالـحق قبل ذلك...

والصواب من التأويـل عندنا، أن القوم لـم يكادوا يفعلون ما أمرهم الله به من ذبح البقرة للـخـلّتـين كلتـيهما إحداهما غلاء ثمنها مع ذكر ما لنا من صغر خطرها وقلة قـيـمتها. والأخرى خوف عظيـم الفضيحة علـى أنفسهم بإظهار الله نبـيه موسى صلوات الله علـيه وأتبـاعه علـى قاتله...

اسامة محمد خيري
02-05-2017, 15:52
{ وَإِذَا لَقُواْ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوغ¤اْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىظ° بَعْضٍ قَالُوغ¤اْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ظ±للَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }

فإذا كان معنى الفتـح ما وصفنا، تبـين أن معنى قوله: { قالُوا أتُـحَدّثُونَهُمْ بِـمَا فَتَـح اللَّهُ عَلَـيْكُمْ لِـيُحاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ } إنـما هو أتـحدثونهم بـما حكم الله به علـيكم وقضاه فـيكم، ومن حكمه جل ثناؤه علـيهم ما أخذ به ميثاقهم من الإيـمان بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وبـما جاء به فـي التوراة، ومن قضائه فـيهم أن جعل منهم القردة والـخنازير، وغير ذلك من أحكامه وقضائه فـيهم، وكل ذلك كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللـمؤمنـين به حجة علـى الـمكذّبـين من الـيهود الـمقرّين بحكم التوراة وغير ذلك.

فإن كان كذلك فـالذي هو أولـى عندي بتأويـل الآية قول من قال: معنى ذلك: { أتُـحَدّثُونَهُمْ بِـمَا فَتَـحَ اللَّهُ عَلَـيْكُمْ } من بعث مـحمد صلى الله عليه وسلم إلـى خـلقه لأن الله جل ثناؤه إنـما قصّ فـي أول هذه الآية الـخبر عن قولهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه: آمنا بـما جاء به مـحمد صلى الله عليه وسلم فـالذي هو أولـى بآخرها أن يكون نظير الـخبر عما ابتدىء به أولها. وإذا كان ذلك كذلك، فـالواجب أن يكون تلاومهم كان فـيـما بـينهم فـيـما كانوا أظهروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه من قولهم لهم: آمنا بـمـحمد صلى الله عليه وسلم وبـما جاء به، وكان قـيـلهم ذلك من أجل أنهم يجدون ذلك فـي كتبهم وكانوا يخبرون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فكان تلاومهم فـيـما بـينهم إذا خـلوا علـى ما كانوا يخبرونهم بـما هو حجة للـمسلـمين علـيهم عند ربهم. وذلك أنهم كانوا يخبرونهم عن وجود نعت مـحمد صلى الله عليه وسلم فـي كتبهم ويكفرون به، وكان فتـح الله الذي فتـحه للـمسلـمين علـى الـيهود وحكمه علـيهم لهم فـي كتابهم أن يؤمنوا بـمـحمد صلى الله عليه وسلم إذا بعث، فلـما بعث كفروا به مع علـمهم بنبوتّه....

وأولـى ما روينا فـي تأويـل قوله: { إلاَّ أمانِـيَّ } بـالـحقّ وأشبهه بـالصواب، الذي قاله ابن عبـاس، الذي رواه عنه الضحاك، وقول مـجاهد: إن الأميـين الذين وصفهم الله بـما وصفهم به فـي هذه الآية وأنهم لا يفقهون من الكتاب الذي أنزله الله علـى موسى شيئا، ولكنهم يتـخرّصون الكذب ويتقوّلون الأبـاطيـل كذبـاً وزوراً. والتـمنـي فـي هذا الـموضع، هو تـخـلق الكذب وتـخرّصه وافتعاله، يقال منه: تـمنـيت كذا: إذا افتعلته وتـخرّصته. ومنه الـخبر الذي رُوي عن عثمان بن عفـان رضي الله عنه: «ما تغنّـيت ولا تـمنـيت». يعنـي بقوله ما تـمنـيت: ما تـخرّصت البـاطل ولا اختلقت الكذب والإفك.

والذي يدلّ علـى صحة ما قلنا فـي ذلك وأنه أولـى بتأويـل قوله: { إلاَّ أمانِـيَّ } من غيره من الأقوال، قول الله جل ثناؤه: { وَإنْ هُمْ إلاَّ يَظُنُّونَ } فأخبر عنهم جل ثناؤه أنهم يتـمنون ما يتـمنون من الأكاذيب ظنّاً منهم لا يقـينا. ولو كان معنى ذلك أنهم يتلونه لـم يكونوا ظانـين، وكذلك لو كان معناه: يشتهونه لأن الذي يتلوه إذا تدبره علـمه، ولا يستـحقّ الذي يتلو كتابـا قرأه وإن لـم يتدبره بتركه التدبـير أن يقال: هو ظانّ لـما يتلو إلا أن يكون شاكّا فـي نفس ما يتلوه لا يدري أحقّ هو أم بـاطل. ولـم يكن القوم الذين كانوا يتلون التوراة علـى عصر نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم من الـيهود فـيـما بلغنا شاكين فـي التوراة أنها من عند الله. وكذلك الـمتـمنـي الذي هو فـي معنى الـمتشهي غير جائز أن يقال: هو ظانّ فـي تـمنـيه، لأن التـمنـي من الـمتـمنـي إذا تـمنى ما قد وجد عينه، فغير جائز أن يقال: هو شاك فـيـما هو به عالـم لأن العلـم والشك معنـيان ينفـي كل واحد منهما صاحبه لا يجوز اجتـماعهما فـي حيز واحد، والـمتـمنـي فـي حال تـمنـيه موجود غير جائز أن يقال: هو يظنّ تـمنـيه.

وإنـما قـيـل: { لا يَعْلَـمُونَ الكِتابَ إلاَّ أمانِـيَّ } والأمانـي من غير نوع الكتاب، كما قال ربنا جل ثناؤه:
{ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ظ±تِّبَاعَ ظ±لظَّنِّ }
[النساء: 157] والظنّ من العلـم بـمعزل، وكما قال:
{ وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىظ° * إِلاَّ ظ±بْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ظ±لأَعْلَىظ° }
[الليل: 19-20]. وكما قال الشاعر:
لَـيْسَ بَـيْنِـي وَبَـينَ قَـيْسٍ عِتابُ غيرَ طَعْنِ الكُلَـى وَضَرْبِ الرّقابِ
وكما قال نابغة بنـي ذبـيان:
حَلَفْتُ يَـمِينا غيرَ ذِي مَثْنَوِيّةٍ وَلا عِلْـمَ إلاَّ حُسْنَ ظَنّ بِغائِبِ
فـي نظائر لـما ذكرنا يطول بإحصائها الكتاب. ويخرج ب«إلاّ» ما بعدها من معنى ما قبلها، ومن صفته، وإن كان كل واحد منهما من غير شكل الآخر ومن غير نوعه، ويسمي ذلك بعض أهل العربـية استثناء منقطعاً لانقطاع الكلام الذي يأتـي بعد إلا عن معنى ما قبلها. وإنـما يكون ذلك كذلك فـي كل موضع حسن أن يوضع فـيه مكان «إلا» «لكن»، فـيعلـم حينئذ انقطاع معنى الثانـي عن معنى الأول، ألا ترى أنك إذا قلت: { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَـمُونَ الكِتابَ إلاَّ أمانِـيَّ } ثم أردت وضع «لكن» مكان «إلا» وحذف «إلا»، وجدت الكلام صحيحاً معناه صحته وفـيه «إلا»؟ وذلك إذا قلت: { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَـمُونَ الكِتابَ } لكن أمانـي، يعنـي لكنهم يتـمنون، وكذلك قوله:
{ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ظ±تِّبَاعَ ظ±لظَّنِّ }
[النساء: 157] لكن اتبـاع الظنّ، بـمعنى: لكنهم يتبعون الظنّ، وكذلك جميع هذا النوع من الكلام علـى ما وصفنا....

قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: ما وجه { فَوَيْـلٌ لِلّذِينَ يَكُتُبُونَ الكِتابَ بأيْدِيهِمْ }؟ وهل تكون الكتابة بغير الـيد حتـى احتاج الـمخاطبون بهذه الـمخاطبة إلـى أن يخبروا عن هؤلاء القوم الذين قصّ الله قصتهم أنهم كانوا يكتبون الكتاب بأيديهم؟ قـيـل له: إن الكتاب من بنـي آدم وإن كان منهم بـالـيد، فإنه قد يضاف الكتاب إلـى غير كاتبه وغير الـمتولـي رسم خطه، فـيقال: كتب فلان إلـى فلان بكذا، وإن كان الـمتولـي كتابته بـيده غير الـمضاف إلـيه الكتاب، إذا كان الكاتب كتبه بأمر الـمضاف إلـيه الكتاب. فأعلـم ربنا بقوله: { فَوَيْـلٌ لِلّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بأيْدِيهِمْ } عبـاده الـمؤمنـين أن أحبـار الـيهود تلـي كتابة الكذب والفرية علـى الله بأيديهم علـى علـم منهم وعمد للكذب علـى الله ثم تنـحله إلـى أنه من عند الله وفـي كتاب الله تكذّبـاً علـى الله وافتراء علـيه. فنفـى جل ثناؤه بقوله: { يَكْتُبُونَ الكِتابَ بأيْدِيهِمْ } أن يكون ولـي كتابة ذلك بعض جهالهم بأمر علـمائهم وأحبـارهم. وذلك نظير قول القائل: بـاعنـي فلان عينه كذا وكذا، فـاشترى فلان نفسه كذا، يراد بإدخال النفس والعين فـي ذلك نفـي اللبس عن سامعه أن يكون الـمتولـي بـيع ذلك وشراءه غير الـموصوف به بأمره، ويوجب حقـيقة الفعل للـمخبر عنه فكذلك قوله: { فَوَيْـلٌ لِلّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بأيْدِيهِمْ }.

اسامة محمد خيري
02-05-2017, 18:47
حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع قوله: { بَلـى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً } يعنـي الشرك.

وإنـما قلنا: إن السيئة التـي ذكر الله جل ثناؤه أن من كسبها وأحاطت به خطيئته فهو من أهل النار الـمخـلدين فـيها فـي هذا الـموضع، إنـما عنى الله بها بعض السيئات دون بعض، وإن كان ظاهرها فـي التلاوة عاما، لأن الله قضى علـى أهلها بـالـخـلود فـي النار، والـخـلود فـي النار لأهل الكفر بـالله دون أهل الإيـمان به لتظاهر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أهل الإيـمان لا يخـلدون فـيها، وأن الـخـلود فـي النار لأهل الكفر بـالله دون أهل الإيـمان به فإن الله جل ثناؤه قد قرن بقوله: { بَلـى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فـاولئِكَ أصحَابُ النارِ هُم فِـيها خالِدُونَ } قولَهُ: { والّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ أُولَئِكَ أصحَابُ الـجَنّةِ هُمْ فِـيها خَالِدُونَ } فكان معلوما بذلك أن الذين لهم الـخـلود فـي النار من أهل السيئات، غير الذين لهم الـخـلود فـي الـجنة من أهل الإيـمان.

فإن ظنّ ظانٌّ أن الذين لهم الـخـلود فـي الـجنة من الذين آمنوا هم الذين عملوا الصالـحات دون الذين عملوا السيئات، فإن فـي إخبـار الله أنه مكفر بـاجتنابنا كبـائر ما ننهى عنه سيئاتنا، ومدخـلنا الـمدخـل الكريـم، ما ينبىء عن صحة ما قلنا فـي تأويـل قوله: { بَلـى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً } بأن ذلك علـى خاص من السيئات دون عامها.

فإن قال لنا قائل: فإن الله جل ثناؤه إنـما ضمن لنا تكفـير سيئاتنا بـاجتنابنا كبـائر ما ننهى عنه، فما الدلالة علـى أن الكبـائر غير داخـلة فـي قوله: { بَلـى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً }؟ قـيـل: لـما صحّ من أن الصغائر غير داخـلة فـيه، وأن الـمعنّى بـالآية خاص دون عام، ثبت وصحّ أن القضاء والـحكم بها غير جائز لأحد علـى أحد إلا علـى من وَقَـفَه الله علـيه بدلالة من خبر قاطع عذر من بلغه. وقد ثبت وصحّ أن الله تعالـى ذكره قد عنى بذلك أهل الشرك والكفر به، بشهادة جميع الأمة، فوجب بذلك القضاء علـى أن أهل الشرك والكفر مـمن عناه الله بـالآية. فأما أهل الكبـائر فإن الأخبـار القاطعة عذر من بلغته قد تظاهرت عندنا بأنهم غير معنـيـين بها، فمن أنكر ذلك مـمن دافع حجة الأخبـار الـمستفـيضة والأنبـاء الـمتظاهرة فـاللازم له ترك قطع الشهادة علـى أهل الكبـائر بـالـخـلود فـي النار بهذه الآية ونظائرها التـي جاءت بعمومهم فـي الوعيد، إذْ كان تأويـل القرآن غير مدرك إلا ببـيان من جَعَلَ اللَّهُ إلـيه بـيانَ القرآن، وكانت الآية تأتـي عاماً فـي صنف ظاهرها، وهي خاص فـي ذلك الصنف بـاطنها. ويُسئل مدافعوا الـخبر بأن أهل الكبـائر من أهل الاستثناء سؤالنا منكر رجم الزانـي الـمـحصن، وزوال فرض الصلاة عن الـحائض فـي حال الـحيض، فإن السؤال علـيهم نظير السؤال علـى هؤلاء سواء.

اسامة محمد خيري
03-05-2017, 04:47
وأما من قرأ: { تُفـادُوهُمْ } فإنه أراد أنكم تفدونهم من أسرهم، ويفدى منكم الذين أسروهم ففـادوكم بهم أسراكم منهم.

وأما من قرأ ذلك: «تَفْادُوهُمْ» فإنه أراد أنكم يا معشر الـيهود إن أتاكم الذين أخرجتـموهم منكم من ديارهم أسرى فديتـموهم فـاستنقذتـموهم. وهذه القراءة أعجب إلـيّ من الأولـى، أعنـي: «أسرى تفادوهم» لأن الذي علـى الـيهود فـي دينهم فداء أسراهم بكل حال فَدَى الآسرون أسراهم منهم أم لـم يفدوهم....

وقال آخرون: هو الاسم الذي كان عيسى يحيـي به الـموتـى. ذكر من قال ذلك:

حدثت عن الـمنـجاب، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: { وأيّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ } قال: هو الاسم الذي كان يحيـي عيسى به الـموتـى.

وأولـى التأويلات فـي ذلك بـالصواب قول من قال: الروح فـي هذا الـموضع جبريـل لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه أيد عيسى به، كما أخبر فـي قوله:
{ إِذْ قَالَ ظ±للَّهُ يظ°عِيسَى ظ±بْنَ مَرْيَمَ ظ±ذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىظ° وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ظ±لْقُدُسِ تُكَلِّمُ ظ±لنَّاسَ فِي ظ±لْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ظ±لْكِتَابَ وَظ±لْحِكْمَةَ وَظ±لتَّوْرَاةَ وَظ±لإِنْجِيلَ }
[المائدة: 110]. فلو كان الروح الذي أيده الله به هو الإنـجيـل لكان قوله: «إذ أيدتك بروح القدس وإذ علـمتك الكتاب والـحكمة والتوراة والإنـجيـل» تكرير قول لا معنى له. وذلك أنه علـى تأويـل قول من قال: معنى:
{ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ظ±لْقُدُسِ }
[المائدة: 110] إنـما هو: إذْ أيدتك بـالإنـجيـل، وإذْ علـمتك الإنـجيـل وهو لا يكون به مؤيداً إلا وهو معلـمه. فذلك تكرير كلام واحد من غير زيادة معنى فـي أحدهما علـى الآخر، وذلك خُـلْفٌ من الكلام، والله تعالـى ذكره يتعالـى عن أن يخاطب عبـاده بـما لا يفـيدهم به فـائدة.

وإذا كان ذلك كذلك فبـيّنٌ فساد قول من زعم أن الروح فـي هذا الموضع الإنـجيـل، وإن كان جميع كتب الله التـي أوحاها إلـى رسله روحاً منه لأنها تـحيا بها القلوب الـميتة، وتنتعش بها النفوس الـمولـيّة، وتهتدي بها الأحلام الضالة.

اسامة محمد خيري
03-05-2017, 05:27
والصواب من القول فـي تأويـله وقراءته عندنا القول الأول، وهو قراءة: { غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم } بخفض الراء من «غير» بتأويـل أنها صفة للذين أنعمت علـيهم ونعت لهم لـما قد قدمنا من البـيان إن شئت، وإن شئت فبتأويـل تكرار «صراط» كل ذلك صواب حسن...

قال أبو جعفر: واختلف فـي صفة الغضب من الله جل ذكره فقال بعضهم: غضب الله علـى من غضب علـيه من خـلقه إحلالُ عقوبته بـمن غضب علـيه، إما فـي دنـياه، وإما فـي آخرته، كما وصف به نفسه جل ذكره فـي كتابه فقال:
{ فَلَمَّا ءاسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ }
[الزخرف: 55] وكما قال:
{ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ }
[المائدة: 60] وقال بعضهم: غضب الله علـى من غضب علـيه من عبـاده ذمّ منه لهم ولأفعالهم، وشتـم منه لهم بـالقول. وقال بعضهم: الغضب منه معنى مفهوم، كالذي يعرف من معانـي الغضب. غير أنه وإن كان كذلك من جهة الإثبـات، فمخالف معناه منه معنى ما يكون من غضب الآدميـين الذين يزعجهم ويحركهم ويشقّ علـيهم ويؤذيهم لأن الله جل ثناؤه لا تـحل ذاته الآفـات، ولكنه له صفة كما العلـم له صفة، والقدرة له صفة علـى ما يعقل من جهة الإثبـات، وإن خالفت معانـي ذلك معانـي علوم العبـاد التـي هي معارف القلوب وقواهم التـي توجد مع وجود الأفعال وتُعدم مع عدمها.

اسامة محمد خيري
03-05-2017, 15:23
{ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ }

قال أبو جعفر: وهذه الآية مـما احتـجّ الله بها لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم علـى الـيهود الذين كانوا بـين ظهرانـي مهاجره، وفضح بها أحبـارهم وعلـماءهم. وذلك أن الله جل ثناؤه أمر نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم إلـى قضية عادلة بـينه وبـينهم فـيـما كان بـينه وبـينهم من الـخلاف، كما أمره الله أن يدعو الفريق الآخر من النصارى إذ خالفوه فـي عيسى صلوات الله علـيه وجادلوا فـيه إلـى فـاصلة بـينه وبـينهم من الـمبـاهلة. وقال لفريق الـيهود: إن كنتـم مـحقـين فتـمنوا الـموت، فإن ذلك غير ضاركم إن كنتـم مـحقـين فـيـما تدّعون من الإيـمان وقرب الـمنزلة من الله، بل إن أعطيتـم أمنـيتكم من الـموت إذا تـمنـيتـم فإنـما تصيرون إلـى الراحة من تعب الدنـيا ونصبها وكدر عيشها والفوز بجوار الله فـي جنانه، إن كان الأمر كما تزعمون أن الدار الآخرة لكم خالصة دوننا. وإن لـم تُعْطَوْها علـم الناس أنكم الـمبطلون ونـحن الـمـحقون فـي دعوانا وانكشف أمرنا وأمركم لهم. فـامتنعت الـيهود من إجابة النبـيّ صلى الله عليه وسلم إلـى ذلك لعلـمها أنها إن تـمنت الـموت هلكت فذهبت دنـياها وصارت إلـى خزي الأبد فـي آخرتها. كما امتنع فريق النصارى الذين جادلوا النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي عيسى إذ دُعوا إلـى الـمبـاهلة من الـمبـاهلة فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لَوْ أنَّ الـيَهُودَ تَـمَنّوُا الـمَوْتَ لَـمَاتُوا وَلَرَأَوْا مَقاعِدَهُمْ مِنَ النّارِ، وَلَوْ خَرَجَ الّذِينَ يُبَـاهِلُونَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَرَجَعُوا لا يَجِدُونَ أَهْلاً وَلا مالاً "

اسامة محمد خيري
03-05-2017, 16:02
وقوله: { مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ } وهم علـماء الـيهود الذين أعطاهم الله العلـم بـالتوراة وما فـيها.

ويعنـي بقوله: { كِتابَ الله } التوراة، وقوله: { نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ } جعلوه وراء ظهورهم وهذا مَثَلٌ، يقال لكل رافض أمراً كان منه علـى بـال: قد جعل فلان هذا الأمر منه بظهر وجعله وراء ظهره، يعنـي به أعرض عنه وصدّ وانصرف. كما:

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: { وَلَـمّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِن عِندِ اللَّهِ مُصَدّقٌ لِـمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابِ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ } قال: لـما جاءهم مـحمد صلى الله عليه وسلم عارضوه بـالتوراة فخاصموه بها، فـاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فذلك قوله الله: { كأنّهُمْ لاَ يَعْلَـمُونَ }.

اسامة محمد خيري
04-05-2017, 10:12
والصواب من القول فـي تأويـل قوله: { واتّبَعُوا ما تَتْلُوا الشّياطِينُ علـى مُلْكِ سُلَـيْـمَانَ } أن ذلك توبـيخ من الله لأحبـار الـيهود الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجحدوا نبوّته وهم يعلـمون أنه لله رسول مرسل، وتأنـيب منه لهم فـي رفضهم تنزيـله، وهجرهم العمل به وهو فـي أيديهم يعلـمونه ويعرفون أنه كتاب الله، واتّبـاعهم واتّبـاع أوائلهم وأسلافهم ما تَلَتْهُ الشياطين فـي عهد سلـيـمان. وقد بـينا وجه جواز إضافة أفعال أسلافهم إلـيهم فـيـما مضى، فأغنى ذلك عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وإنـما اخترنا هذا التأويـل لأن الـمتبعة ما تلته الشياطين فـي عهد سلـيـمان وبعده إلـى أن بعث الله نبـيه بـالـحقّ وأمر السحر لـم يزل فـي الـيهود، ولا دلالة فـي الآية أن الله تعالـى أراد بقوله: { واتبعوا } بعضاً منهم دون بعض، إذ كان جائزاً فصيحاً فـي كلام العرب إضافة ما وصفنا من اتبـاع أسلاف الـمخبر عنهم بقوله: { واتّبَعُوا ما تَتْلُوا الشّياطِينُ } إلـى أخلافهم بعدهم. ولـم يكن بخصوص ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر منقول، ولا حجة تدلّ علـيه، فكان الواجب من القول فـي ذلك أن يقال: كل متبع ما تلته الشياطين علـى عهد سلـيـمان من الـيهود داخـل فـي معنى الآية، علـى النـحو الذي قلنا...

وقال آخرون: معنى قوله: { ما تَتْلُوا } ما تتبعه وترويه وتعمل به. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن عمرو العنقزي، قال: حدثنـي أبـي، عن أسبـاط، عن السدي، عن أبـي مالك، عن ابن عبـاس: { تَتْلُوا } قال: تتبع.

حدثنـي نصر بن عبد الرحمن الأزدي، قال: ثنا يحيى بن إبراهيـم، عن سفـيان الثوري، عن منصور، عن أبـي رزين مثله.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله عزّ وجلّ أخبر عن الذين أخبر عنهم أنهم اتبعوا ما تتلو الشياطين علـى عهد سلـيـمان بـاتبـاعهم ما تلته الشياطين. ولقول القائل: «هو يتلو كذا» فـي كلام العرب معنـيان: أحدهما الاتبـاع، كما يقال: تلوت فلانا إذا مشيت خـلفه وتبعت أثره، كما قال جل ثناؤه:
{ هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ }
[يونس: 30] يعنـي بذلك تتّبع. والآخر: القراءة والدراسة، كما تقول: فلان يتلو القرآن، بـمعنى أنه يقرؤه ويدرسه، كما قال حسان بن ثابت:
نَبِـيٌّ يَرَى مَا لا يَرَى النّاسُ حَوْلَهُ ويَتْلُو كِتابَ اللَّهِ فـي كُلّ مَشْهَدِ
ولـم يخبرنا الله جل ثناؤه بأيّ معنى التلاوة كانت تلاوة الشياطين الذين تلوا ما تلوه من السحر علـى عهد سلـيـمان بخبر يقطع العذر. وقد يجوز أن تكون الشياطين تلت ذلك دراسةً وروايةً وعملاً، فتكون كانت متبعته بـالعمل، ودارسته بـالرواية فـاتبعت الـيهود منهاجها فـي ذلك وعملت به وروته.
..

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: حدثنـي ابن إسحاق: { وَمَا كَفَرَ سُلَـيْـمَانُ وَلَكِنَّ الشّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلَّـمُونَ النّاسَ السّحْرَ } وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـيـما بلغنـي لـما ذكر سلـيـمان بن داود فـي الـمرسلـين، قال بعض أحبـار الـيهود: ألا تعجبون من مـحمد يزعم أن ابن داود كان نبـيًّا، والله ما كان إلا ساحراً فأنزل الله فـي ذلك من قولهم: { وَما كَفَرَ سُلَـيْـمَانُ وَلَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا } أي بإتبـاعهم السحر وعملهم به { وَما أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ بِبَـابِلَ هارُوتَ وَمَارُوتَ }.

قال أبو جعفر: فإذا كان الأمر فـي ذلك علـى ما وصفنا وتأويـل قوله: { وَاتّبَعُوا ما تَتْلُوا الشّياطِينُ علـى مُلْكِ سُلَـيْـمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَـيْـمَانُ وَلَكِنَّ الشّياطِينَ كَفَرُوا } ما ذكرنا فتبـين أن فـي الكلام متروكاً ترك ذكره اكتفـاءً بـما ذكر منه، وأن معنى الكلام: { وَاتّبَعُوا ما تَتْلُوا الشّياطِينُ } من السحر { علـى مُلْكِ سُلَـيْـمَانَ } فتضيفه إلـى سلـيـمان، { وَما كَفَرَ سُلَـيْـمَانُ } فـيعمل بـالسحر { وَلَكِنَّ الشّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّـمُونَ النّاسَ السِّحْرَ }.

وقد كان قتادة يتأوّل قوله: { وَما كَفَرَ سُلَـيْـمَانُ وَلَكِنَّ الشّياطِينَ كَفَرُوا } علـى ما قلنا....

وقد قـيـل: إن قوله: { فَـيَتَعَلّـمُونَ } خبر عن الـيهود معطوف علـى قوله: { وَلَكِنَّ الشّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّـمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ بِبـابِلَ هارُوتَ وَمَارُوتَ فَـيَتَعَلّـمُونَ مِنْهُمَا ما يُفَرّقُونَ بِهِ بَـيْنَ الـمَرْءِ وَزَوْجِهِ } وجعلوا ذلك من الـمؤخر الذي معناه التقديـم.

والذي قلنا أشبه بتأويـل الآية لأن إلـحاق ذلك بـالذي يـلـيه من الكلام ما كان للتأويـل وجه صحيح أَوْلـى من إلـحاقه بـما قد حيـل بـينه وبـينه من معترض الكلام. والهاء والـميـم والألف من قوله: { مِنْهُمَا } من ذكر الـملكين. ومعنى ذلك: فـيتعلـم الناس من الـملكين الذي يفرّقون به بـين الـمرء وزوجه. و«ما» التـي مع «يفرّقون» بـمعنى «الذي». وقـيـل معنى ذلك: السحر الذي يفرّقون به، وقـيـل: هو معنى غير السحر. وقد ذكرنا اختلافهم فـي ذلك فـيـما مضى قبل. وأما الـمرء فإنه بـمعنى رجل من أسماء بنـي آدم، والأنثى منه الـمرأة يوحد ويثنى، ولا تـجمع ثلاثيه علـى صورته، يقال منه: هذا امرؤ صالـح، وهذان امرآن صالـحان، ولا يقال: هؤلاء امرءو صدق، ولكن يقال: هؤلاء رجال صدق، وقوم صدق. وكذلك الـمرأة توحد وتثنى ولا تـجمع علـى صورتها، يقال: هذه امرأة وهاتان امرأتان، ولا يقال: هؤلاء امرآت، ولكن هؤلاء نسوة....

فإن قال لنا قائل: وكيف قال جل ثناؤه: { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَـمُونَ } وقد قال قَبْلُ: { وَلَقَدْ عَلِـمُوا لَـمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِـي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ } فكيف يكونون عالـمين بأن من تعلـم السحر فلا خلاق لهم، وهم يجهلون أنهم بئس ما شروا بـالسحر أنفسهم؟ قـيـل: إن معنى ذلك علـى غير الوجه الذي توهمته من أنهم موصوفون بـالـجهل بـما هم موصوفون بـالعلـم به، ولكن ذلك من الـمؤخر الذي معناه التقديـم، وإنـما معنى الكلام: وما هم ضارّون به من أحد إلا بإذن الله، ويتعلـمون ما يضرّهم ولا ينفعهم، ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلـمون، ولقد علـموا لـمن اشتراه ما له فـي الآخرة من خلاق. فقوله: { لَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِه أنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَـمُونَ } ذمّ من الله تعالـى ذكره فعل الـمتعلـمين من الـملكين التفريق بـين الـمرء وزوجه، وخبر منه جل ثناؤه عنهم أنهم بئس ما شروا به أنفسهم برضاهم بـالسحر عِوَضاً عن دينهم الذي به نـجاة أنفسهم من الهلكة، جهلاً منهم بسوء عاقبة فعلهم وخسارة صفقة بـيعهم، إذ كان قد يتعلـم ذلك منهما من لا يعرف الله ولا يعرف حلاله وحرامه وأمره ونهيه.

ثم عاد إلـى الفريق الذين أخبر الله عنهم أنهم نبذوا كتابه وراء ظهورهم كأنهم لا يعلـمون: { وَاتّبَعُوا مَا تَتْلُو الشّياطِينُ علـى مُلْكِ سُلَـيْـمانَ، وما أُنْزِلَ علـى الـمَلَكَيْنِ }. فأخبر عنهم أنهم قد علـموا أن من اشترى السحر ما له فـي الآخرة من خلاق، ووصفهم بأنهم يركبون معاصي الله علـى علـم منهم بها، ويكفرون بـالله ورسله، ويؤثرون اتبـاع الشياطين، والعمل بـما أحدثته من السحر علـى العمل بكتابه ووحيه وتنزيـله، عناداً منهم وبغياً علـى رسله، وتعديّاً منهم لـحدوده، علـى معرفة منهم بـما لـمن فعل ذلك عند الله من العقاب والعذاب، فذلك تأويـل قوله.

وقد زعم بعض الزاعمين أن قوله: { وَلَقَدْ عَلِـمُوا لَـمَنِ اشْتَرَاهُ ما لَهُ فِـي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ } يعنـي به الشياطين، وأن قوله: { لَوْ كَانُوا يَعْلَـمُونَ } يعنـي به الناس. وذلك قول لـجميع أهل التأويـل مخالف وذلك أنهم مـجمعون علـى أن قوله: { وَلَقَدْ عَلِـمُوا لـمَنِ اشْتَرَاهُ } معنـيٌّ به الـيهود دون الشياطين. ثم هو مع ذلك خلاف ما دلّ علـيه التنزيـل، لأن الآيات قبل قوله: { وَلَقَدْ عَلِـمُوا لـمَنِ اشْتَرَاهُ } وبعد قوله: { لَوْ كَانُوا يَعْلَـمُونَ } جاءت من الله بذمّ الـيهود، وتوبـيخهم علـى ضلالهم، وذمًّا لهم علـى نبذهم وحي الله وآيات كتابه وراء ظهورهم، مع علـمهم بخطأ فعلهم. فقوله: { وَلَقَدْ عَلِـمُوا لَـمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِـي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ } أحد تلك الأخبـار عنهم.

وقال بعضهم: إن الذين وصف الله جل ثناؤه بقوله: { وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَـمُونَ } فنفـى عنهم العلـم هم الذين وصفهم الله بقوله: { وَلَقَدْ عَلِـمُوا لـمنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِـي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ } وإنـما نفـى عنهم جل ثناؤه العلـم بقوله: { لَوْ كَانُوا يَعْلَـمُونَ } بعد وصفه إياهم بأنهم قد علـموا بقوله: { وَلَقَدْ عَلِـمُوا } من أجل أنهم لـم يعملوا بـما علـموا، وإنـما العالـم العامل بعلـمه، وأما إذا خالف عمله علـمه فهو فـي معانـي الـجهال. قال: وقد يقال للفـاعل الفعل بخلاف ما ينبغي أن يفعل وإن كان بفعله عالـماً: لو علـمت لأقصرت كما قال كعب بن زهير الـمزنـي، وهو يصف ذئبـا وغرابـاً تبعاه لـينالا من طعامه وزاده:
إذَا حَضَرَانِـي قُلْتُ لَوْ تَعْلَـمَا نِهِ ألـم تَعْلَـمَا أنـي مِنَ الزَّادِ مُرْمِلُ
فأخبر أنه قال لهما: لو تعلـمانه، فنفـى عنهما العلـم. ثم استـخبرهما فقال: ألـم تعلـما. قالوا: فكذلك قوله: { وَلَقَدْ عَلِـمُوا لـمنِ اشْتَرَاهُ } و: { لَوْ كَانُوا يَعْلَـمُونَ } وهذا تأويـل وإن كان له مخرج ووجهٌ فإنه خلاف الظاهر الـمفهوم بنفس الـخطاب. أعنـي بقوله: { وَلَقَدْ عَلِـمُوا } وقوله: { لَوْ كَانُوا يَعْلَـمُونَ } وإنـما هو استـخراج. وتأويـل القرآن علـى الـمفهوم الظاهر الـخطاب دون الـخفـيّ البـاطن منه، حتـى تأتـي دلالة من الوجه الذي يجب التسلـيـم له بـمعنى خلاف دلـيـله الظاهر الـمتعارف فـي أهل اللسان الذين بلسانهم نزل القرآن، أَوْلَـى.

ملحوظة

ذكرنا الاية فى اول رحلتنا وذكرنا هنا مالم نذكره هناك

والصواب من القول فـي نهي الله جل ثناؤه الـمؤمنـين أن يقولوا لنبـيه: راعنا، أن يقال إنها كلـمة كرهها الله لهم أن يقولوها لنبـيه صلى الله عليه وسلم، نظير الذي ذكر عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لاَ تَقُولُوا للعِنَبِ الكَرْمَ ولَكِنْ قُولُوا الـحَبلَة " ، و " لا تَقُولُوا عبْدِي وَلَكِنْ قُولُوا فَتَايَ " وما أشبه ذلك من الكلـمتـين اللتـين تكونان مستعملتـين بـمعنى واحد فـي كلام العرب، فتأتـي الكراهة أو النهي بـاستعمال إحداهما واختـيار الأخرى علـيها فـي الـمخاطبـات.

فإن قال لنا قائل: فإنا قد علـمنا معنى نهي النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي العنب أن يقال له كرم، وفـي العبد أن يقال له عبد، فما الـمعنى الذي فـي قوله: { راعِنا } حينئذٍ الذي من أجله كان النهي من الله جل ثناؤه للـمؤمنـين عن أن يقولوه، حتـى أمرهم أن يؤثروا قوله: { انْظُرْنا }؟ قـيـل: الذي فـيه من ذلك، نظير الذي فـي قول القائل الكرم للعنب، والعبد للـمـملوك، وذلك أن قول القائل عبد، لـجميع عبـاد الله، فكره النبـيّ صلى الله عليه وسلم أن يضاف بعض عبـاد الله، بـمعنى العبودية إلـى غير الله، وأمر أن يضاف ذلك إلـى غيره بغير الـمعنى الذي يضاف إلـى الله عزّ وجل، فـيقال: فتاي. وكذلك وجه نهيه فـي العنب أن يقال كرم خوفـا من توهم وصفه بـالكرم، وإن كانت مسكَّنة، فإن العرب قد تسكن بعض الـحركات إذا تتابعت علـى نوع واحد، فكره أن يتصف بذلك العنب. فكذلك نهى الله عزّ وجل الـمؤمنـين أن يقولوا «راعنا»، لـما كان قول القائل «راعنا» مـحتـملاً أن يكون بـمعنى احفظنا ونـحفظك وارقبنا ونرقبك، من قول العرب بعضهم لبعض: رعاك الله بـمعنى حفظك الله وكلأك. ومـحتـملاً أن يكون بـمعنى أرعنا سمعك، من قولهم: أرعيت سمعي إرعاءً، أو راعيته سمعي رعاء أو مراعاة، بـمعنى: فرّغته لسماع كلامه. كما قال الأعشى ميـمون بن قـيس:
يَرْعَى إلـى قَوْلِ ساداتِ الرّجالِ إذَا أبْدَوْا لَهُ الـحَزْمَ أوْ مَا شَاءهُ ابْتَدعَا
يعنـي بقوله يرعى: يصغي بسمعه إلـيه مُفْرِغَهُ لذلك.

وكأن الله جل ثناؤه قد أمر الـمؤمنـين بتوقـير نبـيه صلى الله عليه وسلم وتعظيـمه، حتـى نهاهم جلّ ذكره فـيـما نهاهم عنه عن رفع أصواتهم فوق صوته وأن يجهروا له بـالقوْل كجهر بعضهم لبعض وخوّفهم علـى ذلك حبوط أعمالهم، فتقدّم إلـيهم بـالزجر لهم عن أن يقولوا له من القول ما فـيه جفـاء، وأمرهم أن يتـخيروا لـخطابه من الألفـاظ أحسنها، ومن الـمعانـي أرقها، فكان من ذلك قولهم: { راعِنا } لِـمَا فِـيهِ من احتـمال معنى ارعنا نرعاك، إذْ كانت الـمفـاعلة لا تكون إلا من اثنـين، كما يقول القائل: عاطنا وحادثنا وجالسنا، بـمعنى افعل بنا ونفعل بك.

ومعنى أرعنا سمعك حتـى نفهمك وتفهم عنا. فنهى الله تعالـى ذكره أصحاب مـحمد أن يقولوا ذلك كذلك وأن يفردوا مسألته بـانتظارهم وإمهالهم لـيعقلوا عنه بتبجيـل منهم له وتعظيـم، وأن لا يسألوه ما سألوه من ذلك علـى وجه الـجفـاء والتـجهم منهم له، ولا بـالفظاظة والغلظة، تشبهاً منهم بـالـيهود فـي خطابهم نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم بقولهم له:
{ ٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَٰعِنَا }
[النساء: 46]. يدلّ علـى صحة ما قلنا فـي ذلك قوله:
{ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ }
[البقرة: 105] فدلّ بذلك أن الذي عاتبهم علـيه مـما يسرّ الـيهود والـمشركين.

فأما التأويـل الذي حكي عن مـجاهد فـي قوله: { رَاعِنا } أنه بـمعنى خلافـاً، فمـما لا يعقل فـي كلام العرب لأن «راعيت» فـي كلام العرب إنـما هو علـى أحد وجهين: أحدهما بـمعنى فـاعلت من «الرِّعْية»، وهي الرِّقْبة والكلاءة. والآخر بـمعنى إفراغ السمع، بـمعنى أرعيته سمعي. وأما «راعيت» بـمعنى «خالفت»، فلا وجه له مفهوم فـي كلام العرب، إلا أن يكون قرأ ذلك بـالتنوين ثم وجهه إلـى معنى الرعونة والـجهل والـخطأ، علـى النـحو الذي قال فـي ذلك عبد الرحمن بن زيد، فـيكون لذلك وإن كان مخالفـاً قراءة القراء معنى مفهوم حينئذٍ.

وأما القول الآخر الذي حكي عن عطية ومن حَكَى ذلك عنه، أن قوله: { رَاعِنا } كانت كلـمة للـيهود بـمعنى السبّ والسخرية، فـاستعملها الـمؤمنون أخذاً منهم ذلك عنهم فإن ذلك غير جائز فـي صفة الـمؤمنـين أن يأخذوا من كلام أهل الشرك كلاما لا يعرفون معناه ثم يستعملونه بـينهم وفـي خطاب نبـيهم صلى الله عليه وسلم، ولكنه جائز أن يكون ذلك مـما روي عن قتادة أنها كانت كلـمة صحيحة مفهومة من كلام العرب وافقت كلـمة من كلام الـيهود بغير اللسان العربـي هي عند الـيهود سبّ، وهي عند العرب: أرْعنِـي سمعك وفرّغه لتفهم عنـي. فعلـم الله جل ثناؤه معنى الـيهود فـي قـيـلهم ذلك للنبـيّ صلى الله عليه وسلم، وأن معناها منهم خلاف معناها فـي كلام العرب، فنهى الله عزّ وجلّ الـمؤمنـين عن قـيـلها للنبـيّ صلى الله عليه وسلم لئلا يجترىء من كان معناه فـي ذلك غير معنى الـمؤمنـين فـيه أن يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم به.

وهذا تأويـل لـم يأت الـخبر بأنه كذلك من الوجه الذي تقوم به الـحجة. وإذْ كان ذلك كذلك فـالذي هو أولـى بتأويـل الآية ما وصفنا، إذْ كان ذلك هو الظاهر الـمفهوم بـالآية دون غيره.

اسامة محمد خيري
06-05-2017, 05:02
فإذا كان معنى «أم» ما وصفنا، فتأويـل الكلام: أتريدون أيها القوم أن تسألوا رسولكم من الأشياء نظير ما سأل قوم موسى من قبلكم، فتكفروا إن منعتـموه فـي مسألتكم ما لا يجوز فـي حكمة الله إعطاؤكموه، أو أن تهلكوا، إن كان مـما يجوز فـي حكمته عطاؤكموه فأعطاكموه ثم كفرتـم من بعد ذلك، كما هلك من كان قبلكم من الأمـم التـي سألت أنبـياءها ما لـم يكن لها مسألتها إياهم، فلـما أعطيت كفرت، فعوجلت بـالعقوبـات لكفرها بعد إعطاء الله إياها سؤلها.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بـالإيـمَانِ }.

يعنـي جل ثناؤه بقوله: { وَمَنْ يَتَبَدَّلِ } ومن يستبدل الكفر ويعنـي بـالكفر: الـجحود بـالله وبآياته بـالإيـمان، يعنـي بـالتصديق بـالله وبآياته والإقرار به. وقد قـيـل عنى بـالكفر فـي هذا الـموضع الشدة وبـالإيـمان الرخاء. ولا أعرف الشدة فـي معانـي الكفر، ولا الرخاء فـي معنى الإيـمان، إلا أن يكون قائل ذلك أراد بتأويـله الكفر بـمعنى الشدّة فـي هذا الـموضع وبتأويـله الإيـمان فـي معنى الرخاء ما أعدّ الله للكفـار فـي الآخرة من الشدائد، وما أعدّ الله لأهل الإيـمان فـيها من النعيـم، فـيكون ذلك وجها وإن كان بعيدا من الـمفهوم بظاهر الـخطاب. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن أبـي العالـية: { وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِـالإيـمَانِ } يقول: يتبدّل الشدّة بـالرخاء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسن، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن أبـي جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية بـمثله.

وفـي قوله: { وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بـالإيـمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِـيـلِ } دلـيـل واضح علـى ما قلنا من أن هذه الآيات من قوله:
{ يَظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا }
[البقرة: 104] خطاب من الله جل ثناؤه الـمؤمنـين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعتاب منه لهم علـى أمر سلف منهم مـما سرّ به الـيهود وكرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم، فكرهه الله لهم. فعاتبهم علـى ذلك، وأعلـمهم أن الـيهود أهل غشّ لهم وحسد وبغي، وأنهم يتـمنون لهم الـمكاره ويبغونهم الغوائل، ونهاهم أن ينتصحوهم، وأخبرهم أن من ارتدّ منهم عن دينه فـاستبدل بإيـمانه كفراً فقد أخطأ قصد السبـيـل.

اسامة محمد خيري
07-05-2017, 10:15
وأولـى التأويلات التـي ذكرتها بتأويـل الآية قول من قال: عنى الله عز وجل بقوله: { وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسمُهُ } النصارى وذلك أنهم هم الذين سعوا فـي خراب بـيت الـمقدس، وأعانوا بختنصر علـى ذلك، ومنعوا مؤمنـي بنـي إسرائيـل من الصلاة فـيه بعد منصرف بختنصر عنهم إلـى بلاده.

والدلـيـل علـى صحة ما قلنا فـي ذلك: قـيام الـحجة بأن لا قوم فـي معنى هذه الآية إلا أحد الأقوال الثلاثة التـي ذكرناها، وأن لا مسجد عنى الله عزّ وجل بقوله: { وَسَعَى فِـي خَرَابِها } إلا أحد الـمسجدين، إما مسجد بـيت الـمقدس، وإما الـمسجد الـحرام. وإذْ كان ذلك كذلك، وكان معلوماً أن مشركي قريش لـم يسعوا قط فـي تـخريب الـمسجد الـحرام، وإن كانوا قد منعوا فـي بعض الأوقات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الصلاة فـيه صحّ وثبت أن الذين وصفهم الله عزّ وجل بـالسعي فـي خراب مساجده غير الذين وصفهم الله بعمارتها، إذْ كان مشركو قريش بنوا الـمسجد الـحرام فـي الـجاهلـية، وبعمارته كان افتـخارهم، وإن كان بعض أفعالهم فـيه كان منهم علـى غير الوجه الذي يرضاه الله منهم. وأخرى، أن الآية التـي قبل قوله: { وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسْمُهُ } مضت بـالـخبر عن الـيهود والنصارى وذَمِّ أفعالهم، والتـي بعدها نبهت بذمّ النصارى والـخبر عن افترائهم علـى ربهم، ولـم يَجْرِ لقريش ولا لـمشركي العرب ذكر، ولا للـمسجد الـحرام قبلها، فـيوجه الـخبر بقول الله عز وجل: { وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسْمُهُ } إلـيهم وإلـى الـمسجد الـحرام.

وإذْ كان ذلك كذلك، فـالذي هو أَوْلـى بـالآية أن يوجه تأويـلها إلـيه، هو ما كان نظير قصة الآية قبلها والآية بعدها، إذ كان خبرها لـخبرهما نظيراً وشكلاً، إلاّ أن تقوم حجة يجب التسلـيـم لها بخلاف ذلك وإن اتفقت قصصها فـاشتبهت.

فإن ظنّ ظانّ أن ما قلنا فـي ذلك لـيس كذلك، إذْ كان الـمسلـمون لـم يـلزمهم قط فرض الصلاة فـي الـمسجد الـمقدس، فمنعوا من الصلاة فـيه، فـيـلـجئون توجيه قوله: { وَمَنْ أَظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسمُهُ } إلـى أنه معنـيّ به مسجد بـيت الـمقدس فقد أخطأ فـيـما ظنّ من ذلك. وذلك أن الله جل ذكره إنـما ذكر ظلـم من منع من كان فرضه الصلاة فـي بـيت الـمقدس من مؤمنـي بنـي إسرائيـل، وإياهم قصد بـالـخبر عنهم بـالظلـم والسعي فـي خراب الـمسجد، وإن كان قد دلّ بعموم قوله: { وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسمُهُ } أن كل مانع مصلـياً فـي مسجد لله فرضاً كانت صلاته فـيه أو تطوّعاً، وكل ساع فـي إخرابه فهو من الـمعتدين الظالـمين....

فإذ كان قوله عز وجل: { فأيْنَـمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } مـحتـملاً ما ذكرنا من الأوجه، لـم يكن لأحد أن يزعم أنها ناسخة أو منسوخة إلا بحجة يجب التسلـيـم لها لأن الناسخ لا يكون إلا بـمنسوخ، ولـم تقم حجة يجب التسلـيـم لها بأن قوله: { فأيْنَـمَا تُولُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّه } معنـيّ به: فأينـما توجهوا وجوهكم فـي صلاتكم فثم قبلتكم. ولا أنها نزلت بعد صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نـحو بـيت الـمقدس أمراً من الله عز وجل لهم بها أن يتوجهوا نـحو الكعبة، فـيجوز أن يقال: هي ناسخة الصلاة نـحو بـيت الـمقدس إذْ كان من أهل العلـم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأئمة التابعين، من ينكر أن تكون نزلت فـي ذلك الـمعنى. ولا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتٌ بأنها نزلت فـيه، وكان الاختلاف فـي أمرها موجوداً علـى ما وصفت. ولا هي إذْ لـم تكن ناسخة لـما وصفنا قامت حجتها بأنها منسوخة، إذ كانت مـحتـملة ما وصفنا بأن تكون جاءت بعموم، او معناها: فـي حال دون حال إن كان عنـي بها التوجه فـي الصلاة، وفـي كل حال إن كان عنـي بها الدعاء، وغير ذلك من الـمعانـي التـي ذكرنا.

وقد دللنا فـي كتابنا: «كتاب البـيان عن أصول الأحكام»، علـى أن لا ناسخ من آي القرآن وأخبـار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاَّ ما نفـي حكماً ثابتاً، وألزم العبـاد فرضه غير مـحتـمل بظاهره وبـاطنة غير ذلك. فأما إذا ما احتـمل غير ذلك من أن يكون بـمعنى الاستثناء أو الـخصوص والعموم، أو الـمـجمل، أو الـمفسر، فمن الناسخ والـمنسوخ بـمعزل، بـما أغنى عن تكريره فـي هذا الـموضع. ولا منسوخ إلا الـمنفـي الذي كان قد ثبت حكمه وفرضه، ولـم يصحّ واحد من هذين الـمعنـيـين لقوله: { فأيْنَـمَا تُوَلُّوا فَثمَّ وَجْهُ اللَّهِ } بحجة يجب التسلـيـم لها، فـيقال فـيه: هو ناسخ أو منسوخ.


واختلف فـي تأويـل قوله: { فَثَمَّ } (وجه الله) فقال بعضهم: تأويـل ذلك: فثم قبلة الله، يعنـي بذلك: وجهه الذي وجههم إلـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن النضر بن عربـي، عن مـجاهد: { فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } قال: قبلة الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي إبراهيـم، عن مـجاهد، قال: حيثما كنتـم فلكم قبلة تستقبلونها.

وقال آخرون: معنى قول الله عز وجل { فثم وجه الله } فثم الله تبـارك وتعالـى.

وقال آخرون: معنى قوله: { فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } فثم تدركون بـالتوجه إلـيه رضا الله الذي له الوجه الكريـم.

وقال آخرون: عنى بـالوجه: ذا الوجه، وقال قائلوا هذه الـمقالة: وجهُ الله صفةٌ له.

فإن قال قائل: وما هذه الآية من التـي قبلها؟ قـيـل: هي لها مواصلة، وإنـما معنى ذلك: ومن أظلـم من النصارى الذين منعوا عبـاد الله مساجده أن يذكر فـيها اسمه، وَسَعْوا فـي خرابها، ولله الـمشرق والـمغرب، فأينـما تُوجهوا وجوهَكم فـاذكروه، فإن وجهه هنالك يَسَعُكم فضله وأرضه وبلاده، ويعلـم ما تعملون، ولا يـمنعكم تـخريب من خرّب مسجد بـيت الـمقدس، ومنعهم من منعوا من ذكر الله فـيه أن تذكروا الله حيث كنتـم من أرض الله تبتغون به وجهه.

اسامة محمد خيري
12-05-2017, 14:41
حدثنا به مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي حمزة، قال: قال ابن عبـاس: لا تقولوا: { فإنْ آمَنُوا بِـمِثْلِ ما آمَنْتُـمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا } فإنه لـيس لله مثل، ولكن قولوا: «فإن آمنوا بـالذين آمنتـم به فقد اهتدوا»، أو قال: «فإن آمنوا بـما آمنتـم به». فكأن ابن عبـاس فـي هذه الرواية إن كانت صحيحة عنه يوجه تأويـل قراءة من قرأ: { فإنْ آمَنُوا بِـمِثْلِ ما آمَنْتُـمْ بِهِ }: فإن آمنوا بـمثل الله، وبـمثل ما أنزل علـى إبراهيـم وإسماعيـل وذلك إذا صرف إلـى هذا الوجه شرك لا شكّ بـالله العظيـم، لأنه لا مثل لله تعالـى ذكره، فنؤمن أو نكفر به. ولكن تأويـل ذلك علـى غير الـمعنى الذي وجه إلـيه تأويـله، وإنـما معناه ما وصفنا، وهو: فإن صدّقوا مثل تصديقكم بـما صدقتـم به من جميع ما عددنا علـيكم من كتب الله وأنبـيائه، فقد اهتدوا. فـالتشبـيه إنـما وقع بـين التصديقـين والإقرارين اللذين هما إيـمان هؤلاء وإيـمان هؤلاء، كقول القائل: مرّ عمرو بأخيك مثل ما مررت به، يعنـي بذلك مرّ عمرو بأخيك مثل مروري به، والتـمثـيـل إنـما دخـل تـمثـيلاً بـين الـمروريـين، لا بـين عمرو وبـين الـمتكلـم فكذلك قوله: { فإنْ آمَنُوا بِـمِثْلِ ما آمَنْتُـمْ بِهِ } إنـما وقع التـمثـيـل بـين الإيـمانـين لا بـين الـمُؤْمنَ به.

اسامة محمد خيري
12-05-2017, 15:25
حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: { وَمَنْ أَظْلَـمُ مِـمَّنْ كَتَـمَ شَهَادَةً عنْدَهُ مِنَ اللَّهِ } قال: الشهادة النبـيّ صلى الله عليه وسلم مكتوب عندهم، وهو الذي كتـموا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، نـحو حديث بشر بن معاذ عن يزيد.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمَّنْ كَتَـمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ } قال:لّهم يهودُ يسألون عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم وعن صفته فـي كتاب الله عندهم، فـيكتـمون الصفة.

وإنـما اخترنا القول الذي قلناه فـي تأويـل ذلك لأن قوله تعالـى ذكره: { وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمَّنْ كَتَـمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ الله } فـي أثر قصة من سمى الله من أنبـيائه، وأمام قصته لهم. فأولـى بـالذي هو بـين ذلك أن يكون من قصصهم دون غيره.

فإن قال قائل: وأية شهادة عند الـيهود والنصارى من الله فـي أمر إبراهيـم وإسماعيـل وإسحاق ويعقوب والأسبـاط؟ قـيـل: الشهادة التـي عندهم من الله فـي أمرهم، ما أنزل الله إلـيهم فـي التوراة والإنـجيـل، وأمرهم فـيها بـالاستنان بسنّتهم واتبـاع ملتهم، وأنهم كانوا حنفـاء مسلـمين. وهي الشهادة التـي عندهم من الله التـي كتـموها حين دعاهم نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم إلـى الإسلام، فقالوا له: لن يدخـل الـجنة إلا من كان هوداً أو نصارى وقالوا له ولأصحابه:
{ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىظ° تَهْتَدُواْ }
[البقرة: 135]. فأنزل الله فـيهم هذه الآيات فـي تكذيبهم وكتـمانهم الـحقّ، وافترائهم علـى أنبـياء الله البـاطل والزور.