المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير



الصفحات : 1 2 3 [4] 5

اسامة محمد خيري
13-03-2017, 04:40
والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أخبر أنه أورث الـمؤمنـين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض بنـي قريظة وديارهم وأموالهم، وأرضاً لـم يطئوها يومئذٍ ولـم تكن مكة ولا خَيبر، ولا أرض فـارس والروم ولا الـيـمن، مـما كان وطئوه يومئذٍ، ثم وطئوا ذلك بعد، وأورثهموه الله، وذلك كله داخـل فـي قوله { وأرْضاً لَـمْ تَطَئُوها } لأنه تعالـى ذكره لـم يخصص من ذلك بعضاً دون بعض. { وكانَ اللّهُ علـى كُلّ شَيْءٍ قَدِيراً } يقول تعالـى ذكره: وكان الله علـى أن أورث الـمؤمنـين ذلك، وعلـى نصره إياهم، وغير ذلك من الأمور قدرة، لا يتعذّر علـيه شيء أراده، ولا يـمتنع علـيه فعل شيء حاول فعله.

اسامة محمد خيري
13-03-2017, 04:47
واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار: { يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ } بـالألف، غير أبـي عمرو، فإنه قرأ ذلك: «يُضَعَّفْ» بتشديد العين تأوّلاً منه فـي قراءته ذلك أن يضعَّف، بـمعنى: تضعيف الشيء مرّة واحدة، وذلك أن يجعل الشيء شيئين، فكأن معنى الكلام عنده: أن يجعل عذاب من يأتـي من نساء النبـيّ صلى الله عليه وسلم بفـاحشة مبـينة فـي الدنـيا والآخرة، مثلـي عذاب سائر النساء غيرهنّ، ويقول: إنَّ { يُضَاعَفْ } بـمعنى أنْ يجْعَل إلـى الشيء مثلاه، حتـى يكون ثلاثة أمثاله فكأن معنى من قرأ { يُضَاعَفْ } عنده كان أن عذابها ثلاثة أمثال عذاب غيرها من النساء من غير أزواج النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فلذلك اختار «يضعَّف» علـى يضاعف. وأنكر الآخرون الذين قرءوا ذلك يضاعف ما كان يقول فـي ذلك، ويقولون: لا نعلـم بـين: ويُضاعَفْ ويُضَعَّفْ فرقاً.

والصواب من القراءة فـي ذلك ما علـيه قرّاء الأمصار، وذلك { يُضَاعَفْ }. وأما التأويـل الذي ذهب إلـيه أبو عمرو، فتأويـل لا نعلـم أحداً من أهل العلـم ادّعاه غيره، وغير أبـي عُبـيدة معمر بن الـمثنى، ولا يجوز خلاف ما جاءت به الـحجة مـجمعة علـيه بتأويـل لا برهان له من الوجه الذي يجب التسلـيـم له.

اسامة محمد خيري
13-03-2017, 04:54
واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { وَقَرْنَ فِـي بُـيُوتِكُنَّ } فقرأته عامة قرّاء الـمدينة وبعض الكوفـيـين: { وَقَرْنَ } بفتـح القاف، بـمعنى: واقررن فـي بـيوتكنّ، وكأن من قرأ ذلك كذلك حذف الراء الأولـى من اقررن، وهي مفتوحة، ثم نقلها إلـى القاف، كما قـيـل:
{ فَظَلْتُـمْ تَفَكَّهُونَ }
وهو يريد فظللتـم، فأسقطت اللام الأولـى وهي مكسورة، ثم نُقلت كسرتها إلـى الظاء. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة والبصرة: «وَقِرْنَ» بكسر القاف، بـمعنى: كنّ أهل وقار وسكينة { فِـي بُـيُوتِكُنَّ }.

وهذه القراءة وهي الكسر فـي القاف أَولـى عندنا بـالصواب، لأن ذلك إن كان من الوقار علـى ما اخترنا، فلا شكّ أن القراءة بكسر القاف، لأنه يقال: وقر فلان فـي منزله فهو يقر وقوراً، فتكسر القاف فـي تفعل فإذا أمر منه قـيـل: قرّ، كما يقال من وزن: يزن زن، ومن وَعد: يعِد عِد.

وإن كان من القرار، فإن الوجه أن يقال: اقررن، لأن من قال من العرب: ظلت أفعل كذا، وأحست بكذا، فأسقط عين الفعل، وحوّل حركتها إلـى فـائه فـي فعل وفعلنا وفعلتـم، لـم يفعل ذلك فـي الأمر والنهِي، فلا يقول: ظلّ قائماً، ولا تظلّ قائماً، فلـيس الذي اعتلّ به من اعتلّ لصحة القراءة بفتـح القاف فـي ذلك يقول العرب فـي ظللت وأحسست ظلت، وأحست بعلة توجب صحته لـما وصفت من العلة. وقد حكى بعضهم عن بعض الأعراب سماعاً منه: ينـحطن من الـجبل، وهو يريد: ينـحططن. فإن يكن ذلك صحيحاً، فهو أقرب إلـى أن يكون حجة لأهل هذه القراءة من الـحجة الأخرى....

وأَولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب أن يقال: إن الله تعالـى ذكره نهى نساء النبـيّ أن يتبرّجن تبرّج الـجاهلـية الأولـى، وجائز أن يكون ذلك ما بـين آدم وعيسى، فـيكون معنى ذلك: ولا تبرّجن تبرّج الـجاهلـية الأولـى التـي قبل الإسلام.

فإن قال قائل: أَوَ فـي الإسلام جاهلـية حتـى يقال: عنى بقوله { الـجاهِلِـيَّةِ الأولـى } التـي قبل الإسلام؟ قـيـل: فـيه أخلاقٌ من أخلاق الـجاهلـية. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { وَلا تَبرَّجْنَ تَبرُّجَ الـجاهِلِـيَّةِ الأُولـى } قال: يقول: التـي كانت قبل الإسلام، قال: وفـي الإسلام جاهلـية؟ قال: قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم لأبـي الدرداء، وقال لرجل وهو ينازعه: يا ابْن فلانة، لأُمّ كان يعيره بها فـي الـجاهلـية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبـا الدَّرْدَاءِ إنَّ فِـيكَ جاهِلِـيَّةً " ، قال: أجاهلـية كفر أو إسلام؟ قال: " بل جاهِلِـيَّةُ كُفْرٍ " ، قال: فتـمنـيت أن لو كنت ابتدأت إسلامي يومئذ. قال: وقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم: " ثَلاثٌ مِنْ عَمَلِ أهْلِ الـجاهِلِـيَّةِ لا يَدَعُهُنَّ النَّاسُ: الطَّعْنُ بـالأنْساب، والإسْتِـمْطارُ بـالكَوَاكِبِ، والنِّـياحَةُ " ...

اسامة محمد خيري
14-03-2017, 04:36
وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب أن يقال: إن الله تعالـى ذكره جعل لنبـيه أن يرجي من النساء اللواتـي أحلهنّ له من يشاء، ويُؤوي إلـيه منهنّ من يشاء، وذلك أنه لـم يحصر معنى الإرجاء والإيواء علـى الـمنكوحات اللواتـي كنّ فـي حبـاله، عندما نزلت هذه الآية دون غيرهنّ مـمن يستـحدث إيواؤها أو إرجاؤها منهنّ. وإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: تؤخر من تشاء مـمن وهبت نفسها لك، وأحللت لك نكاحها، فلا تقبلها ولا تنكحها، أو مـمن هنّ فـي حبـالك، فلا تقربها، وتضمّ إلـيك من تشاء مـمن وهبت نفسها لك، أو أردت من النساء التـي أحللت لك نكاحهنّ، فتقبلها أو تنكحها، ومـمن هي فـي حبـالك فتـجامعها إذا شئت، وتتركها إذا شئت بغير قَسْم....

وأولـى التأويـلـين بـالصواب فـي ذلك، تأويـل من قال: معنى ذلك: ومن ابتغيت إصابته من نسائك { مـمَّنْ عَزَلْتَ } عن ذلك منهنّ { فَلا جُناحَ عَلَـيْكَ } لدلالة قوله: { ذَلكَ أدْنَى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ } علـى صحة ذلك، لأنه لا معنى لأن تقرّ أعينهنّ إذا هو صلى الله عليه وسلم استبدل بـالـميتة أو الـمطلقة منهنّ، إلا أن يعنـي بذلك: ذلك أدنى أن تقرّ أعين الـمنكوحة منهنّ، وذلك مـما يدلّ علـيه ظاهر التنزيـل بعيد.

وقوله: { ذَلكَ أدْنَى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ } يقول: هذا الذي جعلت لك يا مـحمد من إذنـي لك أن ترجي من تشاء من النساء اللواتـي جعلت لك إرجاءهنّ، وتؤوي من تشاء منهنّ، ووضعي عنك الـحرج فـي ابتغائك إصابة من ابتغيت إصابته من نسائك، وعزلك عن ذلك من عزلت منهنّ، أقرب لنسائك أن تقرّ أعينهنّ به ولا يَحْزَنّ ويرضين بـما آتـيتهنّ كلهنّ من تفضيـل من فضلت من قسم، أو نفقة وإيثار من آثرت منهم بذلك علـى غيره من نسائك، إذا هنّ علـمن أنه من رضاي منك بذلك، وإذنـي لك به، وإطلاق منـي لا من قِبَلك. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { ذَلكَ أدْنَى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِـمَا آتَـيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ } إذا علـمن أن هذا جاء من الله لرخصة، كان أطيب لأنفسهنّ، وأقلّ لـحزنهنّ....

والصواب من القراءة فـي قوله: { بِـمَا آتَـيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ } الرفع غير جائز غيره عندنا، وذلك أن كلهنّ لـيس بنعت للهاء فـي قوله { آتَـيْتَهُنَّ } ، وإنـما معنى الكلام: ويرضين كلهنّ، فإنـما هو توكيد لـما فـي يرضين من ذكر النساء وإذا جعل توكيداً للهاء التـي فـي آتـيتهنّ لـم يكن له معنى، والقراءة بنصبه غير جائزة لذلك، ولإجماع الـحجة من القرّاء علـى تـخطئة قارئه كذلك.

اسامة محمد خيري
14-03-2017, 04:52
وأولـى الأقوال عندي بـالصحة قول من قال: معنى ذلك: لا يحلّ لك النساء من بعد بعد اللواتـي أحللتهن لك بقولـي:
{ إنَّا أحْلَلْنا لَكَ أزْوَاجَكَ اللاَّتـي آتَـيْتَ أُجُورَهُنَّ }
... إلـى قوله:
{ وَامْرأةً مُؤْمنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَها للنَّبـيّ }


وإنـما قلت ذلك أولـى بتأويـل الآية، لأن قوله: { لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ } عَقـيب قوله:
{ إنَّا أحْلَلْنا لَكَ أزْوَاجَكَ }
وغير جائز أن يقول: قد أحللت لك هؤلاء، ولا يحللن لك إلا بنسخ أحدهما صاحبه، وعلـى أن يكون وقت فرض إحدى الآيتـين، فَعَلَ الأخرى منهما. فإذ كان ذلك كذلك ولا برهان ولا دلالة علـى نسخ حكم إحدى الآيتـين حكم الأخرى، ولا تقدّم تنزيـل إحداهما قبل صاحبتها، وكان غير مستـحيـل مخرجهما علـى الصحة، لـم يجز أن يقال: إحداهما ناسخة الأخرى. وإذا كان ذلك كذلك، ولـم يكن لقول من قال: معنى ذلك: لا يحلّ من بعد الـمسلـمات يهودية ولا نصرانـية ولا كافرة، معنى مفهوم، إذ كان قوله { مِنْ بَعْدُ } إنـما معناه: من بعد الـمسميات الـمتقدم ذكرهنّ فـي الآية قبل هذه الآية، ولـم يكن فـي الآية الـمتقدم فـيها ذكر الـمسميات بـالتـحلـيـل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر إبـاحة الـمسلـمات كلهنّ، بل كان فـيها ذكر أزواجه وملك يـمينه الذي يفـيء الله علـيه، وبنات عمه وبنات عماته، وبنات خاله وبنات خالاته، اللاتـي هاجرن معه، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبـيّ، فتكون الكوافر مخصوصات بـالتـحريـم، صحّ ما قلنا فـي ذلك، دون قول من خالف قولنا فـيه....

واختلفت القراء فـي قراءة قوله { لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ } فقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والكوفة { يحِلُّ } بـالـياء، بـمعنى: لا يحلّ لك شيء من النساء بعد. وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل البصرة: «لا تَـحِلُّ لَكَ النِّساءُ» بـالتاء، توجيهاً منه إلـى أنه فعل للنساء، والنساء جمع للكثـير منهن.

وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك قراءة من قرأه بـالـياء للعلة التـي ذكرت لهم، ولإجماع الـحجة من القرّاء علـى القراءة بها، وشذوذ من خالفهم فـي ذلك....

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: معنى ذلك: ولا أن تطلق أزواجك فتستبدل بهنّ غيرهنّ أزواجاً.

وأنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب، لـما قد بـيننا قبل من أن قول الذي قال معنى قوله: { لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ } لا يحلّ لك الـيهودية أو النصرانـية والكافرة، قول لا وجه له.

فإذ كان ذلك كذلك فكذلك قوله: { وَلا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ } كافرة لا معنى له، إذ كان من الـمسلـمات من قد حرم علـيه بقوله { لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ } الذي دللنا علـيه قبل. وأما الذي قاله ابن زيد فـي ذلك أيضاً، فقول لا معنى له، لأنه لو كان بـمعنى الـمبـادلة، لكانت القراءة والتنزيـل: ولا أن تبـادل بهنّ من أزواج، أو: ولا أن تُبدّل بهنّ بضمّ التاء ولكن القراءة الـمـجمع علـيها. ولا أن تبدّل بهنّ، بفتـح التاء، بـمعنى: ولا أن تستبدل بهنّ، مع أنّ الذي ذكر ابن زيد من فعل الـجاهلـية غير معروف فـي أمة نعلـمه من الأمـم: أن يُبـادل الرجل آخر بـامرأته الـحرّة، فـيقال: كان ذلك من فعلهم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فعل مثله.

فإن قال قائل: أفلـم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوّج امرأة علـى نسائه اللواتـي كنّ عنده، فـيكون موجهاً تأويـل قوله: { وَلا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أزْوَاجٍ } إلـى ما تأوّلت، أو قال: وأين ذكر أزواجه اللواتـي كنّ عنده فـي هذا الـموضع، فتكون الهاء من قوله: { وَلا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ } من ذكرهن وتوهم أن الهاء فـي ذلك عائدة علـى النساء، فـي قوله: { لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ }؟ قـيـل: قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوّج من شاء من النساء اللواتـي كان الله أحلهنّ له علـى نسائه اللاتـي كن عنده يوم نزلت هذه الآية، وإنـما نُهي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية أن يفـارق من كان عنده بطلاق أراد به استبدال غيرها بها، لإعجاب حسن الـمستبدلة له بها إياه إذ كان الله قد جعلهنّ أمَّهات الـمؤمنـين وخيرهن بـين الـحياة الدنـيا والدار الآخرة، والرضا بـالله ورسوله، فـاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فحرمن علـى غيره بذلك، ومنع من فراقهنّ بطلاق فأما نكاح غيرهنّ فلـم يـمنع منه، بل أحلّ الله له ذلك علـى ما بـين فـي كتابه. وقد رُوي عن عائشة أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم لـم يقبض حتـى أحلّ الله له نساء أهل الأرض.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، عن عائشة قالت: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتـى أحلّ له النساء تعنـي أهل الأرض....

فإن قال قائل: فإن كان الأمر علـى ما وصفت من أن الله حرّم علـى نبـيه بهذه الآية طلاق نسائه اللواتـي خيرهنّ فـاخترنه، فما وجه الـخبر الذي رُوي عنه أنه طلق حفصة ثم راجعها، وأنه أراد طلاق سودة حتـى صالـحته علـى ترك طلاقه إياها، ووهبت يومها لعائشة؟ قـيـل: كان ذلك قبل نزول هذه الآية.

والدلـيـل علـى صحة ما قلنا، من أن ذلك كان قبل تـحريـم الله علـى نبـيه طلاقهن، الرواية الواردة أن عمر دخـل علـى حفصة معاقبَها حين اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، كان من قـيـله لها: قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طلقك، فكلـمته فراجعك، فوالله لئن طلَّقك، أو لو كان طلَّقك لا كلَّـمته فـيك وذلك لا شك قبل نزول آية التـخيـير، لأن آية التـخيـير إنـما نزلت حين انقضى وقت يـمين رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى اعتزالهنّ.

وأما أمر الدلالة علـى أن أمر سَوْدة كان قبل نزول هذه الآية، أن الله إنـما أمر نبـيه بتـخيـير نسائه بـين فراقه والـمُقام معه علـى الرضا بأن لا قَسْم لهن، وأنه يُرْجِي من يشاء منهنّ، ويُؤْوي منهنّ من يشاء، ويُؤْثر من شاء منهنّ علـى من شاء، ولذلك قال له تعالـى ذكره:
{ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِـمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَـيْكَ ذلكَ أدْنَى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِـمَا آتَـيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ }
، ومن الـمـحال أن يكون الصلـح بـينها وبـين رسول الله صلى الله عليه وسلم جرى علـى تركها يومها لعائشة فـي حالِ لا يومَ لها منه....

...

فتأويـل الكلام: لا يحلّ لك يا مـحمد النساء من بعد اللواتـي أحللتهنّ لك فـي الآية قبلُ، ولا أن تُطَلق نساءك اللواتـي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فتبدّل بهنّ من أزواج ولو أعجبك حسن من أردت أن تبدّل به منهنّ، إلا ما ملكت يـمينك. وأن فـي قوله { أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ } رفع، لأن معناها: لا يحلّ لك النساء من بعد، ولا الاستبدال بأزواجك، وإلا فـي قوله: { إلاَّ ما مَلَكَتْ يَـمِينُكَ } استثناء من النساء. ومعنى ذلك: لا يحلّ لك النساء من بعد اللواتـي أحللتهنّ لك، إلا ما ملكت يـمينك من الإماء، فإن لك أن تَـمْلك من أيّ أجناس الناس شئت من الإماء.

اسامة محمد خيري
14-03-2017, 05:04
يقول تعالـى ذكره لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الذين أمنوا بـالله ورسوله، لا تدخـلوا بـيوت نبـيّ الله إلا أن تُدْعَوا إلـى طعام تطعمونه { غَيرَ ناظِرِينَ إناهُ } يعنـي: غير منتظرين إدراكه وبلوغه وهو مصدر من قولهم: قد أنى هذا الشيء يَأنِـي إنىً وأنْـياً وإنَاءً قال الـحُطَيئة:
وآنَـيْتُ العَشاءَ إلـى سُهَيْـلٍ أوِ الشِّعْرَى فَطالَ بـيَ الأَناءُ
وفـيه لغة أخرى، يقال: قد إن لك: أي تبـين لك إيناً، ونال لك، وأنال لك ومنه قول رُؤبة بن العَجاج:
هاجَتْ وَمِثْلِـي نَوْلُه أنْ يَرْبَعا حَمامَةٌ ناخَتْ حَماماً سُجَّعا
وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: إلـى طَعامٍ { غيرَ ناظِرِينَ إناهُ } قال: مُتَـحَيِّنـين نُضْجَه....

اسامة محمد خيري
14-03-2017, 05:12
وقال آخرون: وضع عنهنّ الـجناح فـيهنّ فـي ترك الاحتـجاب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة، فـي قوله { لا جُناحَ عَلَـيْهنَّ }... إلـى { شَهِيداً }: فرخص لهؤلاء أن لا يحتـجبن منهم.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: ذلك وضع الـجناح عنهنّ فـي هؤلاء الـمسلـمين أن لا يحتـجبن منهم، وذلك أن هذه الآية عقـيب آية الـحجاب، وبعد قول الله:
{ وَإذَا سألْتُـمُوهُنَّ مَتاعاً فـاسأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجابٍ }
فلا يكون قوله: { لا جُناحَ عَلَـيْهِنَّ فِـي آبـائهِنَّ } استثناء من جملة الذين أمروا بسؤالهنّ الـمتاع من وراء الـحجاب إذا سألوهنّ ذلك أولـى وأشبه من أن يكون خبر مبتدإ عن غير ذلك الـمعنى.

فتأويـل الكلام إذن: لا إثم علـى نساء النبـيّ صلى الله عليه وسلم، وأمَّهات الـمؤمنـين فـي إذنهنّ لآبـائهنّ، وترك الـحجاب منهنّ، ولا لأبنائهنّ ولا لإخوانهنّ، ولا لأبناء إخوانهنّ. وعُنـي بإخوانهنّ وأبناء إخوانهنّ إخوتهنّ وأبناء إخوتهنّ. وخرج معهم جمع ذلك مخرج جمع فتـى إذا جمع فتـيان، فكذلك جمع أخ إذا جمع إخوان. وأما إذا جمع إخوة، فذلك نظير جمع فتـى إذا جمع فتـية، ولا أبناء إخوانهنّ، ولـم يذكر فـي ذلك العمّ علـى ما قال الشعبـي حذراً من أن يصفهنّ لأبنائه.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا حجاج بن الـمنهال، قال: ثنا حماد، عن داود، عن الشعبـي وعكرِمة فـي قوله: { لا جُناحَ عَلَـيْهِنَّ فِـي آبـائهِنَّ وَلا أبْنائهِنَّ وَلا إخْوَانِهِنَّ وَلا أبْناءِ إخْوَانِهِنَّ وَلا أبْناءِ أخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسائهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أيـمَانُهُنَّ } قلت: ما شأن العم والـخال لـم يذكرا؟ قال: لأنهما ينعتانها لأبنائهما، وكرهاً أن تضع خمارها عند خالها وعمها....

اسامة محمد خيري
14-03-2017, 05:25
واختلفوا فـي قراءة قوله: { لَعْناً كَبِـيراً } فقرأت ذلك عامة قرّاء الأمصار بـالثاء: «كَثِـيراً» من الكثرة، سوى عاصم، فإنه قرأه { لَعْناً كَبِـيراً } من الكبر. والقراءة فـي ذلك عندنا بـالثاء لإجماع الـحجة من القراء علـيها.

اسامة محمد خيري
14-03-2017, 05:29
وقال آخرون: بل كان أذاهم إياه ادّعاءهم علـيه قتل هارون أخيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ بن مسلـم الطوسي، قال: ثنا عبـاد، قال: ثنا سفـيان بن حبـيب، عن الـحكم، عن سعيد بن جُبـير، عن ابن عبـاس، عن علـيّ بن أبـي طالب، رضي الله عنه، فـي قول الله: { لاَ تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى }... الآية، قال: صعد موسى وهارون الـجبل، فمات هارون، فقالت بنو إسرائيـل: أنت قتلته، وكان أشدّ حبـاً لنا منك، وألـين لنا منك، فآذوه بذلك، فأمر الله الـملائكة فحملته حتـى مرّوا به علـى بنـي إسرائيـل، وتكلَّـمت الـملائكة بـموته، حتـى عرف بنو إسرائيـل أنه قد مات، فبرأه الله من ذلك فـانطلقوا به فدفنوه، فلـم يطلع علـى قبره أحد من خـلق الله إلا الرخم، فجعله الله أصمّ أبكم.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن بنـي إسرائيـل آذوا نبـيّ الله ببعض ما كان يكره أن يؤذي به، فبرأه الله مـما آذوه به. وجائز أن يكون ذلك كان قـيـلهم إنه أبرص، وجائز أن يكون كان ادّعاءهم علـيه قتل أخيه هارون. وجائز أن يكون كلّ ذلك، لأنه قد ذكر كلّ ذلك أنهم قد آذوه به، ولا قول فـي ذلك أولـى بـالـحقّ مـما قال الله إنهم آذوا موسى، فبرأه الله مـما قالوا.

اسامة محمد خيري
14-03-2017, 05:38
وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب ما قاله الذين قالوا: إنه عُنِـي بـالأمانة فـي هذا الـموضع: جميع معانـي الأمانات فـي الدين، وأمانات الناس، وذلك أن الله لـم يخصّ بقوله: { عَرَضنا الأمانَةَ } بعضَ معانـي الأمانات لـما وصفنا.

اسامة محمد خيري
15-03-2017, 04:47
سورة سبأ

وقال آخرون: كانت صفة ذلك أن الـماء الذي كانوا يعمُرُون به جَناتهم سال إلـى موضع غير الـموضع الذي كانوا ينتفعون به، فبذلك خربت جناتهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: بعث الله علـيهم، يعنـي علـى العرم، دابة من الأرض، فثَقَبت فـيه ثَقبـاً، فسال ذلك الـماء إلـى موضع غير الـموضع الذي كانوا ينتفعون به، وأبدلهم الله مكان جنتـيهم جنتـين ذواتـي أُكُلٍ خَمْط، وذلك حين عَصَوا، وبَطِروا الـمعيشة.

والقول الأوّل أشبه بـما دلّ علـيه ظاهر التنزيـل، وذلك أن الله تعالـى ذكره أخبر أنه أرسل علـيهم سيـل العرم، ولا يكون إرسال ذلك علـيهم إلا بإسالته علـيهم، أو علـى جناتهم وأرضهم، لا بصرفه عنهم...

اسامة محمد خيري
15-03-2017, 04:50
والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا: { رَبَّنا بـاعِدْ } و«بَعِّدْ» لأنهما القراءتان الـمعروفتان فـي قرأة الأمصار وما عداهما فغير معروف فـيهم علـى أن التأويـل من أهل التأويـل أيضاً يحقِّق قراءة من قرأه علـى وجه الدعاء والـمسألة، وذلك أيضاً مـما يزيد القراءة الأخرى بُعداً من الصواب.

فإذا كان هو الصواب من القراءة، فتأويـل الكلام: فقالوا: يا ربنا بـاعِدْ بـين أسفـارنا، فـاجعل بـيننا وبـين الشأم فَلَوات ومَفـاوِز، لنركب فـيها الرواحل، ونتزوّد معنا فـيها الأزواد وهذا من الدلالة علـى بطر القوم نعمة الله علـيهم وإحسانه إلـيهم، وجهلهم بـمقدار العافـية ولقد عجل لهم ربهم الإجابة، كما عجل للقائلـين: { إنْ كانَ هَذَا هُوَ الـحَقَّ مِنْ عَنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَـيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذَابٍ ألِـيـمٍ } أعطاهم ما رغبوا إلـيه فـيه وطلبوا من الـمسألة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أبو خُصَين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عَبْثَر، قال: ثنا حُصَين، عن أبـي مالك فـي هذه الآية: { فَقالُوا رَبَّنا بـاعِدْ بـينَ أسْفـارِنا } قال: كانت لهم قُرًى متصلة بـالـيـمن، كان بعضها ينظر إلـى بعض، فبطروا ذلك، وقالوا: ربنا بـاعدْ بـين أسفـارنا، قال: فأرسل الله علـيهم سَيْـل العَرِم، وجعل طعامهم أَثْلاً وخَمْطاً وشيئاً من سدر قلـيـل.

اسامة محمد خيري
15-03-2017, 05:07
وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، القول الذي ذكره الشَّعْبـيّ، عن ابن مسعود لصحة الـخبر الذي ذكرناه عن ابن عبـاس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتأيـيده. وإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: لا تنفع الشفـاعة عنده، إلا لـمن أذن له أن يشفَع عنده، فإذا أذن الله لـمن أذن له أن يشفع فزع لسماعه إذنه، حتـى إذا فُزِّع عن قلوبهم، فجُلِّـيَ عنها، وكشَف الفزع عنهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالت الـملائكة: الـحقّ، { وهو العلـيّ } علـى كل شيء { الكبـير } الذي لا شيء دونه. والعرب تستعمل فُزِّع فـي معنـيـين، فتقول للشجاع الذي به تنزل الأمور التـي يفزَع منها: وهو مُفَزَّع وتقول للـجبـان الذي يَفْزَع من كلّ شيء: إنه لـمُفَزَّع، وكذلك تقول للرجل الذي يقضي له الناس فـي الأمور بـالغلبة علـى من نازله فـيها: هو مُغَلِّب وإذا أريد به هذا الـمعنى كان غالبـاً وتقول للرجل أيضاً الذي هو مغلوب أبداً: مُغَلَّب.

وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار أجمعون: { فُزِّعَ } بـالزاي والعين علـى التأويـل الذي ذكرناه عن ابن مسعود ومن قال بقوله فـي ذلك. ورُوي عن الـحسن أنه قرأ ذلك: «حتـى إذَا فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ» بـالراء والغين علـى التأويـل الذي ذكرناه عن ابن زيد. وقد يحتـمل توجيه معنى قراءة الـحسن ذلك كذلك، إلـى «حتـى إذَا فُزِغَ عَنْ قُلُوبِهِمْ» فصارت فـارغة من الفزع الذي كان حلّ بها. ذُكر عن مـجاهد أنه قرأ ذلك: «فُزِعَ» بـمعنى: كَشَف الله الفزع عنها.

والصواب من القراءة فـي ذلك القراءة بـالزاي والعين لإجماع الـحجة من القراء وأهل التأويـل علـيها، ولصحة الـخبر الذي ذكرناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتأيـيدها، والدلالة علـى صحتها.

اسامة محمد خيري
16-03-2017, 04:42
وقال آخرون: بل عنى بذلك الـمشركون إذا فزعوا عند خروجهم من قبورهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن، قوله: { وَلَوْ تَرَى إذْ فَزِعوا } قال: فزعوا يوم القـيامة حين خرجوا من قبورهم. وقال قتادة: { وَلَوْ تَرَى إذْ فَزِعُوا فَلاَ فَوْتَ وأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ } حين عاينوا عذاب الله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن ابن معقل { وَلَوْ تَرَى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ } قال: أفزعهم يوم القـيامة فلـم يفوتوا.

والذي هو أولـى بـالصواب فـي تأويـل ذلك، وأشبه بـما دلَّ علـيه ظاهر التنزيـل قول من قال: وعيد الله الـمشركين الذين كذّبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه لأن الآيات قبل هذه الآية جاءت بـالإخبـار عنهم وعن أسبـابهم، وبوعيد الله إياهم مغبته، وهذه الآية فـي سياق تلك الآيات، فلأن يكون ذلك خبراً عن حالهم أشبه منه بأن يكون خبراً لـما لـم يجر له ذكر. وإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام: ولو ترى يا مـحمد هؤلاء الـمشركين من قومك، فتعاينهم حين فزعوا من معاينتهم عذاب الله { فَلا فَوْتَ } يقول فلا سبـيـل حينئذٍ أن يفوتوا بأنفسهم، أو يعجزونا هربـاً، وينـجوا من عذابنا، كما:

حدثنا علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: { وَلَوْ تَرَى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ } يقول: فلا نـجاة.

اسامة محمد خيري
16-03-2017, 04:45
والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان فـي قرّاء الأمصار، متقاربتا الـمعنى، وذلك أن معنى ذلك: وقالوا آمنا بـالله، فـي حين لا ينفعهم قـيـل ذلك، فقال الله { وأنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ } أي وأين لهم التوبة والرجعة: أي قد بعدت عنهم، فصاروا منها كموضع بعيد أن يتناولوها وإنـما وصفت ذلك الـموضع بـالبعيد، لأنهم قالوا ذلك فـي القـيامة، فقال الله: أنـي لهم بـالتوبة الـمقبولة، والتوبة الـمقبولة إنـما كانت فـي الدنـيا، وقد ذهبت الدنـيا فصارت بعيداً من الآخرة، فبأية القراءتـين اللتـين ذكرت قرأ القارىء فمصيب الصواب فـي ذلك.

وقد يجوز أن يكون الذين قرؤوا ذلك بـالهمز همزوا، وهم يريدون معنى من لـم يهمز، ولكنهم همزوه لانضمام الواو فقلبوها، كما قـيـل:
{ وَإذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ }
فجعلت الواو من وُقتت، إذا كانت مضمومة همزوه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، قال: قلت لابن عبـاس: أرأيت قول الله: { وأنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ } قال: يسألون الردّ، ولـيس بحين ردّ.

اسامة محمد خيري
16-03-2017, 04:56
يقول تعالـى ذكره: وحيـل بـين هؤلاء الـمشركين حين فزعوا، فلا فوت، وأخذوا من مكان قريب، فقالوا آمنا به { وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ } حينئذ من الإيـمان بـما كانوا به فـي الدنـيا قبل ذلك يكفرون ولا سبـيـل لهم إلـيه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي إسماعيـل بن حفص الأبلـي، قال: ثنا الـمعتـمر، عن أبـي الأشهب، عن الـحسن، فـي قوله: { وَحيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ } قال: حيـل بـينهم وبـين الإيـمان بـالله.

حدثنا ابن بِشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن عبد الصمد، قال: سمعت الـحسن، وسئل عن هذه الآية { وَحِيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ } قال: حيـل بـينهم وبـين الإيـمان.

حدثنـي ابن أبـي زياد، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا أبو الأشهب، عن الـحسن { وَحِيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ } قال: حيـل بـينهم وبـين الإيـمان.

حدثنا أحمد بن عبد الصمد الأنصاري، قال: ثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد { وَحِيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ } قال: من الرجوع إلـى الدنـيا لـيتوبوا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَحِيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ } كان القوم يشتهون طاعة الله أن يكونوا عملوا بها فـي الدنـيا حين عاينوا ما عاينوا.

حدثنا الـحسن بن واضح، قال: ثنا الـحسن بن حبـيب، قال: ثنا أبو الأشهب، عن الـحسن، فـي قوله: { وَحِيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ } قال: حيـل بـينهم وبـين الإيـمان.

وقال آخرون: معنى ذلك: وحيـل بـينهم وبـين ما يشتهون من مال وولد وزهرة الدنـيا. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى قال: ثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: { وَحِيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ } قال: من مال أو ولد أو زهرة.

حدثنـي يونس، قال: قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { وَحِيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ } قال: فـي الدنـيا التـي كانوا فـيها والـحياة.

وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـي ذلك، لأن القوم إنـما تَـمَنَّوا حين عاينوا من عذاب الله ما عاينوا، ما أخبر الله عنهم أنهم تَـمَنَّوه، وقالوا آمنا به، فقال الله: وأنى لهم تَناوُش ذلك من مكان بعيد، وقد كفروا من قبل ذلك فـي الدنـيا. فإذا كان ذلك كذلك، فلأن يكون قوله: { وَحِيـلَ بَـيْنَهُم وَبَـينَ ما يَشْتَهُونَ } خبراً عن أنه لا سبـيـل لهم إلـى ما تـمنوه أولـى من أن يكون خبراً عن غيره.

اسامة محمد خيري
16-03-2017, 05:17
سورة فاطر

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَـيْهِمْ حَسَراتٍ } فقرأته قرّاء الأمصار سوى أبـي جعفر الـمدنـي { فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ } بفتـح التاء من { تَذهَبْ } ، ونفسك برفعها. وقرأ ذلك أبو جعفر: «فَلا تُذْهِبْ» بضم التاء من { تَذْهَبْ } ، ونفسَك بنصبها، بـمعنى: لا تذهب أنت يا مـحمد نفسك.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا ما علـيه قرّاء الأمصار، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه.

اسامة محمد خيري
16-03-2017, 05:30
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { مَنْ كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعاً } يقول: فلـيتعزّز بطاعة الله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: من كان يريد علـم العزّة لـمن هي، فإنه لله جميعاً كلها: أي كلّ وجه من العزّة فللّه.

والذي هو أولـى الأقوال بـالصواب عندي قول من قال: من كان يريد العزّة، فبـالله فلـيتعزّز، فللّه العزّة جميعاً، دون كلّ ما دونه من الآلهة والأوثان.

وإنـما قلت: ذلك أولـى بـالصواب، لأن الآيات التـي قبل هذه الآية، جرت بتقريع الله الـمشركين علـى عبـادتهم الأوثان، وتوبـيخه إياهم، ووعيده لهم علـيها، فأولـى بهذه أيضاً أن تكون من جنس الـحث علـى فراق ذلك، فكانت قصتها شبـيهة بقصتها، وكانت فـي سياقها...

وقوله: { إلَـيْه يَصْعَدُ الكَلِـمُ الطَّيِّب } يقول تعالـى ذكره: إلـى الله يصعد ذكر العبد إياه وثناؤه علـيه { والعَمَلُ الصَّالِـحُ يَرْفَعُهُ } يقول: ويرفع ذكر العبد ربه إلـيه عمله الصالـح، وهو العمل بطاعته، وأداء فرائضه، والانتهاء إلـى ما أمر به. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل

اسامة محمد خيري
16-03-2017, 05:38
حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلاَّ فِـي كِتابٍ } قال: ألا ترى الناس: الإنسانُ يعيش مئة سنة، وآخرُ يـموت حين يولد؟ فهذا هذا.

فـالهاء التـي فـي قوله { وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ } علـى هذا التأويـل وإن كانت فـي الظاهر أنها كناية عن اسم الـمْعَمَّر الأوّل، فهي كناية اسم آخر غيره، وإنـما حسُن ذلك لأن صاحبها لو أظهر لظهر بلفظ الأوّل، وذلك كقولهم: عندي ثوب ونصفه، والـمعنى: ونصف الآخر

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما يُعمَّر من معمَّر ولا ينقص من عمره بفناء ما فنـي من أيام حياته، فذلك هو نقصان عمره. والهاء علـى هذا التأويـل للـمُعَمَّر الأوّل، لأن معنى الكلام: ما يطوّل عمر أحد، ولا يذهب من عمره شيء، فـيُنْقَص إلاَّ وهو فـي كتاب عبد الله مكتوب قد أحصاه وعلـمه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن أبـي مالك فـي هذه الآية: { وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلاَّ فِـي كِتابٍ } قال: ما يقضي كم أيامه التـي عددت له إلاَّ فـي كتاب.

وأولـى التأويـلـين فـي ذلك عندي الصواب، التأويـل الأوّل وذلك أن ذلك هو أظهر معنـيـيه، وأشبههما بظاهر التنزيـل.

اسامة محمد خيري
17-03-2017, 04:26
والقول فـي ذلك عندي، أن الـحَرور يكون بـاللـيـل والنهار، غير أنه فـي هذا الـموضع بأن يكون كما قال أبو عبـيدة: أشبه مع الشمس، لأن الظلّ إنـما يكون فـي يوم شمس، فذلك يدلّ علـى أنه أريد بـالـحَرور: الذي يوجد فـي حال وجود الظلّ.

اسامة محمد خيري
17-03-2017, 04:46
وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب تأويـل من قال: عنى بقوله: { ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا } الكتب التـي أُنزلت من قبل الفرقان.

فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يكون ذلك معناه، وأمة مـحمد صلى الله عليه وسلم لا يتلون غير كتابهم، ولا يعملون إلاَّ بـما فـيه من الأحكام والشرائع؟ قـيـل: إن معنى ذلك علـى غير الذي ذهبت إلـيه، وإنـما معناه: ثم أورثنا الإيـمان بـالكتاب الذين اصطفـينا، فمنهم مؤمنون بكلّ كتاب أنزله الله من السماء قبل كتابهم وعاملون به، لأن كل كتاب أنزل من السماء قبل الفرقان، فإنه يأمر بـالعمل بـالفرقان عند نزوله، وبـاتبـاع من جاء به، وذلك عمل من أقرّ بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وبـما جاء به، وعمل بـما دعاه إلـيه بـما فـي القرآن، وبـما فـي غيره من الكتب التـي أنزلت قبله.

وإنـما قـيـل: عنى بقوله { ثُمَّ أوْرَثْنا الكتابَ } الكتب التـي ذكرنا لأن الله جلّ ثناؤه قال لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم
{ وَالَّذِي أوْحَيْنَا إلَـيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الـحَقُّ مُصَدِّقاً لِـمَا بَـيْنَ يَدَيْهِ }
ثم أتبع ذلك قوله { ثُمَّ أَوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَـيْنا } فكان معلوماً، إذ كان معنى الـميراث إنـما هو انتقال معنى من قوم إلـى آخرين، ولـم تكن أمة علـى عهد نبـينا صلى الله عليه وسلم انتقل إلـيهم كتاب من قوم كانوا قبلهم غير أمته، أن ذلك معناه.

وإذ كان ذلك كذلك، فبـيِّنٌ أن الـمصطفـين من عبـاده هم مؤمنو أمته وأما الظالـم لنفسه، فإنه لأن يكون من أهل الذنوب والـمعاصي التـي هي دون النفـاق والشرك عندي أشبه بـمعنى الآية من أن يكون الـمنافق أو الكافر، وذلك أن الله تعالـى ذكره أتبع هذه الآية قوله:
{ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُـلُونَها }
فعمَّ بدخول الـجنة جميع الأصناف الثلاثة.

فإن قال قائل: فإن قوله
{ يَدْخُـلُونَها }
إنـما عنى به الـمقتصد والسابق قـيـل له: وما برهانك علـى أن ذلك كذلك من خبر أو عقل؟ فإن قال: قـيام الـحجة أن الظالـم من هذه الأمة سيدخـل النار، ولو لـم يدخـل النار من هذه الأصناف الثلاثة أحد وجب أن لا يكون لأهل الإيـمان وعيد قـيـل: إنه لـيس فـي الآية خبر أنهم لا يدخـلون النار، وإنـما فـيها إخبـار من الله تعالـى ذكره أنهم يدخـلون جنات عَدْن، وجائز أن يدخـلها الظالـم لنفسه بعد عقوبة الله إياه علـى ذنوبه التـي أصابها فـي الدنـيا، وظلـمه نفسه فـيها بـالنار، أو بـما شاء من عقابه، ثم يُدخـله الـجنة، فـيكون مـمن عمه خبر الله جلّ ثناؤه بقوله
{ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخَـلُونَها }


وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنـحو الذي قلنا فـي ذلك أخبـارٌ، وإن كان فـي أسانـيدها نظر، مع دلـيـل الكتاب علـى صحته علـى النـحو الذي بـيَّنت. ذكر الرواية الواردة بذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: ثنا سفـيان عن الأعمش، قال: ذكر أبو ثابت أنه دخـل الـمسجد، فجلس إلـى جنب أبـي الدرداء، فقال: اللهمّ آنس وحشتـي، وارحم غُرْبتـي، ويسِّر لـي جلـيساً صالـحاً، فقال أبو الدرداء: لئن كنت صادقاً لأنا أسعد به منك سأحدّثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لـم أحدّث به منذ سمعته ذَكَرَ هذه الآية: { ثُمَّ أَوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا فَمِنْهُمْ ظالِـمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بـالـخَيْرَاتِ } فأما السابق بـالـخيرات، فـيدخـلها بغير حساب، وأما الـمقتصد فـيحاسب حسابـاً يسيراً، وأما الظالـم لنفسه فـيصيبه فـي ذلك الـمكان من الغمّ والـحزن، فذلك قوله:
{ الـحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنَّا الـحَزَنَ }


حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة عن الولـيد بن الـمغيرة، أنه سمع رجلاً من ثقـيف حدّث عن رجل من كنانة، عن أبـي سعيد الـخدريّ، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال فـي هذه الآية: { ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا فَمِنْهُمْ ظالِـمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بـالـخَيْرَاتِ بإذْنِ الله } قال: " هؤلاء كلهم بـمنزلة واحدة، وكلهم فـي الـجنة " ...

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أخبر عن هؤلاء القوم الذين أكرمهم بـما أكرمهم به أنهم قالوا حين دخـلوا الـجنة { الـحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنَّا الـحَزَنَ } وخوف دخول النار من الـحزن، والـجَزَع من الـموت من الـحزن، والـجزع من الـحاجة إلـى الـمطعم من الـحزن، ولـم يخصص الله إذ أخبر عنهم أنهم حمدوه علـى إذهابه الـحزن عنهم نوعاً دون نوع، بل أخبر عنهم أنهم عموا جميع أنوع الـحزن بقولهم ذلك، وكذلك ذلك، لأن من دخـل الـجنة فلا حزن علـيه بعد ذلك، فحمدهم علـى إذهابه عنهم جميع معانـي الـحزن.

اسامة محمد خيري
17-03-2017, 05:03
حدثنا مـحمد بن سوار، قال: ثنا أسد بن حميد، عن سعيد بن طريف، عن الأصبغ بن نبـاتة، عن علـيّ رضي الله عنه، فـي قوله: { أوَ لَـمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِـيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ } قال: العمر الذي عمركم الله به ستون سنة.

وأشبه القولـين بتأويـل الآية إذ كان الـخبر الذي ذكرناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبراً فـي إسناده بعض من يَجِب التثبت فـي نقله، قول من قال ذلك أربعون سنة، لأن فـي الأربعين يتناهى عقل الإنسان وفهمه، وما قبل ذلك وما بعده منتقَص عن كماله فـي حال الأربعين.

اسامة محمد خيري
17-03-2017, 05:26
سورة يس

واختلف أهل العربـية فـي معنى «ما» التـي فـي قوله: { ما أُنْذرَ آبـاؤُهُمْ } إذا وُجِّه معنى الكلام إلـى أن آبـاءهم قد كانوا أنذروا، ولـم يُرد بها الـجحد، فقال بعض نـحويِّـي البصرة: معنى ذلك: إذا أريد به غير الـجحد لتنذرهم الذي أُنذر آبـاؤهم { فَهُمْ غافِلُونَ }. وقال: فدخول الفـاء فـي هذا الـمعنى لا يجوز، والله أعلـم. قال: وهو علـى الـجحد أحسن، فـيكون معنى الكلام: إنك لـمن الـمرسلـين إلـى قوم لـم ينذر آبـاؤهم، لأنهم كانوا فـي الفترة.

وقال بعض نـحويّـي الكوفة: إذا لـم يرد بـما الـجحد، فإن معنى الكلام: لتنذرهم بـما أنذر آبـاؤهم، فتلقـى البـاء، فتكون «ما» فـي موضع نصب { فَهُمْ غافِلُونَ } يقول: فهم غافلون عما الله فـاعل: بأعدائه الـمشركين به، من إحلال نقمته، وسطوته بهم.

اسامة محمد خيري
17-03-2017, 05:33
يقول تعالـى ذكره: إنا جعلنا أيـمان هؤلاء الكفـار مغلولة إلـى أعناقِهم بـالأغلال، فلا تُبْسط بشيء من الـخيرات وهي فـي قراءة عبد الله فـيـما ذُكر: «إنَّا جَعَلْنا فِـي أيـمَانِهِمْ أغْلالاً فَهِيَ إلـى الأَذْقانِ». وقوله: { إلـى الأَذْقانِ } يعنـي: فأَيـمانهم مـجموعة بـالأغلال فـي أعناقهم، فكُنِّـي عن الأيـمان، ولـم يجر لها ذكر لـمعرفة السامعين بـمعنى الكلام، وأن الأغلال إذا كانت فـي الأعناق لـم تكن إلاَّ وأيدي الـمغلولـين مـجموعة بها إلـيها فـاستغنى بذكر كون الأغلال فـي الأعناق من ذكر الأيـمان، كما قال الشاعر:
وَما أَدْرِي إذَا يَـمَّـمْتُ وَجْهاً أُرِيدُ الـخَيْرَ أيُّهُما يَـلِـينِـي
أألْـخَيْرُ الَّذِي أنا أبْتَغِيهِ أمِ الشَّرُّ الَّذِي لا يَأْتَلِـينِـي
فكنى عن الشرّ، وإنـما ذكر الـخير وحده لعلـم سامع ذلك بـمعنـيّ قائله، إذ كان الشرّ مع الـخير يُذكر. والأذقان: جمع ذَقَن، والذَّقَن: مـجمع اللَّـحْيَـين.

اسامة محمد خيري
18-03-2017, 04:27
{ فَعَزَّزْنا } قرأت القرّاء سِوى عاصم، فإنه قرأه بـالتـخفـيف، والقراءة عندنا بـالتشديد، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه، وأن معناه، إذا شُدّد: فقوّينا، وإذا خُفف: فغلبنا، ولـيس لغلبنا فـي هذا الـموضع كثـير معنى.

اسامة محمد خيري
18-03-2017, 04:32
وقوله: { أئِنْ ذُكِّرْتُـمْ } اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار { أئِنْ ذُكِّرْتُـمْ } بكسر الألف من «إنْ» وفتـح ألف الاستفهام: بـمعنى إن ذكرناكم فمعكم طائركم، ثم أدخـل علـى «إن» التـي هي حرف جزاء ألفَ استفهام فـي قول بعض نـحويّـي البصرة، وفـي قول بعض الكوفـيـين منويّ به التكرير، كأنه قـيـل: قالوا طائركم معكم إن ذُكِّرتـم فمعكم طائركم، فحذف الـجواب اكتفـاء بدلالة الكلام علـيه. وإنـما أنكر قائل هذا القول القول الأوّل، لأن ألف الاستفهام قد حالت بـين الـجزاء وبـين الشرط، فلا تكون شرطاً لـما قبل حرف الاستفهام. وذُكر عن أبـي رَزِين أنه قرأ ذلك: { أئِنْ ذُكِّرْتُـمْ } بـمعنى: ألأِن ذُكِّرتُـم طائركم معكم؟. وذُكر عن بعض قارئيه أنه قرأه: «قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أيْنَ ذُكِرْتُـمْ» بـمعنى: حيث ذُكِرتـم بتـخفـيف الكاف من ذُكِرْتـم.

والقراءة التـي لا نـجيز القراءة بغيرها القراءة التـي علـيها قرّاء الأمصار، وهي دخول ألف الاستفهام علـى حرف الـجزاء، وتشديد الكاف علـى الـمعنى الذي ذكرناه عن قارئيه كذلك، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { أئِنْ ذُكِّرْتُـمْ }: أي إن ذكَّرناكم اللّهَ تطيرتـم بنا؟ { بَلْ أنْتُـمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ }

اسامة محمد خيري
18-03-2017, 04:39
واختلف أهل التأويـل فـي معنى الـجند الذي أخبر الله أنه لـم ينزل إلـى قوم هذا الـمؤمن بعد قتلهموه فقال بعضهم: عُنِـي بذلك أنه لـم ينزل الله بعد ذلك إلـيهم رسالة، ولا بعث إلـيهم نبـياً. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: { مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ } قال: رسالة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكَّام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بَزَّة عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَما أنْزَلْنا عَلـى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِـينَ } قال: فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله { إنْ كانَتْ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فإذَا هُمْ خامدُونَ }.

وقال آخرون: بل عُنـي بذلك أن الله تعالـى ذكره لـم يبعث لهم جنوداً يقاتلهم بها، ولكنه أهلكهم بصيحة واحدة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي ابن إسحاق، عن بعض أصحابه، أن عبد الله بن مسعود، قال: غضب الله له، يعنـي لهذا الـمؤمن، لاستضعافهم إياه غضبةً لـم تبق من القوم شيئاً، فعجَّل لهم النقمة بـما استـحلوا منه، وقال: { وَما أنْزَلْنا عَلـى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السمَّاءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِـينَ } يقول: ما كاثرناهم بـالـجموع: أي الأمر أيسر علـينا من ذلك { إنْ كانَتْ إلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فإذَا هُمْ خامِدُونَ } فأهلك الله ذلك الـملك وأهل أنطاكية، فبـادوا عن وجه الأرض، فلـم تبق منهم بـاقـية.

وهذا القول الثانـي أولـى القولـين بتأويـل الآية، وذلك أن الرسالة لا يقال لها جند إلا أن يكون أراد مـجاهد بذلك الرُّسُل، فـيكون وجهاً، وإن كان أيضاً من الـمفهوم بظاهر الآية بعيداً، وذلك أن الرسُل من بنـي آدم لا ينزلون من السماء والـخبر فـي ظاهر هذه الآية عن أنه لـم ينزل من السماء بعد مَهْلِك هذا الـمؤمن علـى قومه جنداً وذلك بـالـملائكة أشبه منه ببنـي آدم.

اسامة محمد خيري
18-03-2017, 04:43
و«ما» التـي فـي قوله: { وَما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ } فـي موضع خفض عطفـاً علـى الثمر، بـمعنى: ومن الذي عملت وهي فـي قراءة عبد الله فـيـما ذُكر: «وَمـمَّا عَمِلَتْهُ» بـالهاء علـى هذا الـمعنى فـالهاء فـي قراءتنا مضمرة، لأن العرب تضمرها أحياناً، وتظهرها فـي صلات: من، وما، والذي. ولو قـيـل: «ما» بـمعنى الـمصدر كان مذهبـاً، فـيكون معنى الكلام: ومن عمل أيديهم. ولو قـيـل: إنها بـمعنى الـجحد ولا موضع لها كان أيضاً مذهبـاً، فـيكون معنى الكلام: لـيأكلوا من ثمره ولـم تعمله أيديهم

اسامة محمد خيري
18-03-2017, 04:50
يقول تعالـى ذكره: ودلـيـل لهم أيضاً علـى قدرة الله علـى فعل كل ما شاء { اللَّـيْـلُ نَسْلَـخُ مِنْهُ النَّهارَ } يقول: ننزع عنه النهار. ومعنى «منه» فـي هذا الـموضع: عنه، كأنه قـيـل: نسلَـخ عنه النهار، فنأتـي بـالظلـمة ونذهب بـالنهار. ومنه قوله:
{ وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَـيْناهُ فـانْسَلَـخَ مِنْها }
أي خرج منها وتركها، فكذلك انسلاخ اللـيـل من النهار. وقوله: { فإذَا هُمْ مُظْلِـمُونَ } يقول: فإذا هم قد صاروا فـي ظلـمة بـمـجيء اللـيـل. وقال قتادة فـي ذلك ما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وآيَةٌ لَهُمُ اللَّـيْـلُ نَسْلَـخُ مِنْهُ النَّهارَ فإذَا هُمْ مُظْلِـمُونَ } قال: يولـج اللـيـل فـي النهار، ويولـج النهار فـي اللـيـل.

وهذا الذي قاله قتادة فـي ذلك عندي، من معنى سلـخ النهار من اللـيـل، بعيد وذلك أن إيلاج اللـيـل فـي النهار، إنـما هو زيادة ما نقص من ساعات هذا فـي ساعات الآخر، ولـيس السلْـخ من ذلك فـي شيء، لأن النهار يسلـخ من اللـيـل كله، وكذلك اللـيـل من النهار كله، ولـيس يولـج كلّ اللـيـل فـي كلّ النهار، ولا كلّ النهار فـي كلّ اللـيـل.

اسامة محمد خيري
18-03-2017, 04:55
حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: { وَخَـلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ } قال: من الأنعام.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الـحسن: هي الإبل.

وأشبه القولـين بتأويـل ذلك قول مَن قال: عُنِـي بذلك السفن، وذلك لدلالة قوله: { وَإنْ نَشأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ } علـى أن ذلك كذلك، وذلك أن الغرق معلوم أن لا يكون إلا فـي الـماء، ولا غرق فـي البرّ.

اسامة محمد خيري
18-03-2017, 05:09
وقد اختلف أهل التأويـل فـي الذي يقول حينئذٍ: هذا ما وعد الرحمن، فقال بعضهم: يقول ذلك أهل الإيـمان بـالله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { هَذَا ما وَعَدَ الرَّحمَنُ } مـما سرّ الـمؤمنون يقولون هذا حين البعث.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، فـي قوله: { هَذَا ما وَعَدَ الرَّحمَنُ وَصَدَقَ الـمُرْسَلُونَ } قال: قال أهل الهدى: هذا ما وعد الرحمن وصدق الـمرسلون.

وقال آخرون: بل كلا القولـين، أعنـي { يا وَيْـلَنا مَنْ بَعثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هَذَا ما وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَق الـمُرْسَلُونَ } من قول الكفـار. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { يا وَيْـلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنا } ثم قال بعضهم لبعض: { هَذَا ما وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الـمُرْسَلُونَ } كانوا أخبرونا أنا نبعث بعد الـموت، ونُـحاسب ونُـجازَى.

والقول الأوّل أشبه بظاهر التنزيـل، وهو أن يكون من كلام الـمؤمنـين، لأن الكفـار فـي قـيـلهم: { مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا } دلـيـل علـى أنهم كانوا بـمن بعثهم من مَرْقَدهم جُهَّالاً، ولذلك من جهلهم استثبتوا، ومـحال أن يكونوا استثبتوا ذلك إلاَّ من غيرهم، مـمن خالفت صفته صفتهم فـي ذلك.

اسامة محمد خيري
18-03-2017, 05:16
وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال كما قال الله جل ثناؤه { إنَّ أصحَابَ الـجَنَّةِ } وهم أهلها { فِـي شُغُلٍ فـاكِهُونَ } بنعم تأتـيهم فـي شغل، وذلك الشغل الذي هم فـيه نعمة، وافتضاض أبكار، ولهو ولذّة، وشغل عما يَـلْقـى أهل النار...

وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { فـي شُغُلٍ } ، فقرأت ذلك عامة قرّاء الـمدينة وبعض البصريـين علـى اختلاف عنه: «فِـي شُغْلٍ» بضم الشين وتسكين الغين. وقد رُوي عن أبـي عمرو الضمّ فـي الشين والتسكين فـي الغين، والفتـح فـي الشين والغين جميعاً فـي شغل. وقرأ ذلك بعض أهل الـمدينة والبصرة وعامة قرّاء أهل الكوفة { فِـي شُغُلٍ } بضم الشين والغين.

والصواب فـي ذلك عندي قراءته بضم الشين والغين، أو بضم الشين وسكون الغين، بأيّ ذلك قرأه القارىء فهو مصيب، لأن ذلك هو القراءة الـمعروفة فـي قرّاء الأمصار مع تقارب معنـيـيهما. وأما قراءته بفتـح الشين والغين، فغير جائزة عندي، لإجماع الـحجة من القرّاء علـى خلافها.

واختلفوا أيضاً فـي قراءة قوله: { فـاكِهُونَ } فقرأت ذلك عامة قرّاء الأمصار { فـاكِهُونَ } بـالألف. وذُكر عن أبـي جعفر القارىء أنه كان يقرؤه: «فَكِهُونَ» بغير ألف.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندي قراءة من قرأه بـالألف، لأن ذلك هو القراءة الـمعروفة.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معناه: فَرِحون. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: { فِـي شُغُلٍ فـاكِهُونَ } يقول: فرحون.

وقال آخرون: معناه: عجبون. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: { فـاكِهُونَ } قال: عجبون.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد { فَكِهُونَ } قال: عَجِبون.

واختلف أهل العلـم بكلام العرب فـي ذلك، فقال بعض البصريـين: منهم الفكه الذي يتفكَّه. وقال: تقول العرب للرجل الذي يتفكَّه بـالطعام أو بـالفـاكهة، أو بأعراض الناس: إن فلاناً لفكِه بأعراض الناس، قال: ومن قرأها { فـاكِهُونَ } جعله كثـير الفواكه صاحب فـاكهة، واستشهد لقوله ذلك ببـيت الـحُطَيئة:
وَدَعَوْتَنِـي وَزَعَمْتَ أنَّكَ لابنٌ بـالصَّيْفِ تامِرْ
أي عنده لبن كثـير، وتـمرٌ كثـير، وكذلك عاسل، ولاحم، وشاحم. وقال بعض الكوفـيـين: ذلك بـمنزلة حاذرون وحذرون، وهذا القول الثانـي أشبه بـالكلـمة.

اسامة محمد خيري
18-03-2017, 05:22
والذي هو أولـى بـالصواب علـى ما جاء به الـخبر عن مـحمد بن كعب القُرَظيّ، أن يكون { سَلامٌ } خبراً لقوله: { وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ } فـيكون معنى ذلك: ولهم فـيها ما يدّعون، وذلك هو سلام من الله علـيهم، بـمعنى: تسلـيـم من الله، ويكون سلام ترجمة ما يدّعون، ويكون القول خارجاً من قوله: سلام. وإنـما قلت ذلك أولـى بـالصواب لـما:

حَدَّثنا به إبراهيـم بن سعيد الـجوهريّ، قال: ثنا أبو عبد الرحمن الـمقري عن حرملة، عن سلـيـمان بن حميد، قال: سمعت مـحمد بن كعب، يحدّث عمر بن عبد العزيز، قال: إذا فرغ الله من أهل الـجنة وأهل النار، أقبل يـمشي فـي ظُلَل من الغمام والـملائكة، فـيقـف علـى أوّل أهل درجة، فـيسلـم علـيهم، فـيردّون علـيه السلام، وهو فـي القرآن: { سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبّ رَحِيـمٍ } فـيقول: سَلُوا، فـيقولون: ما نسألك وعزّتك وجلالك، لو أنك قسمت بـيننا أرزاق الثَّقَلـين لأطعمناهم وسقـيناهم وكسوناهم، فـيقول: سَلُوا، فـيقولون: نسألك رضاك، فـيقول: رضائي أحلَّكم دار كرامتـي، فـيفعل ذلك بأهل كلّ درجة حتـى ينتهي، قال: ولو أن امرأة من الـحُور العِين طلعت لأطفأ ضوء سِوارَيْها الشمس والقمر، فكيف بـالـمُسَوَّرة.

اسامة محمد خيري
18-03-2017, 05:34
حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: { وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلـى أعْيُنِهِمْ } يقول: أضللتهم وأعميتهم عن الهدى.

وقال آخرون: معنى ذلك: ولو نشاء لتركناهم عمياً. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن أبـي رجاء، عن الـحسن، فـي قوله: { وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلـى أعْيُنِهِمْ فـاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأنَّى يُبْصِرُونَ } قال: لو يشاء لطمس علـى أعينهم فتركهم عمياً يتردّدون.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا علـى أعْيُنِهِمْ فـاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فأنَّى يُبْصِرُونَ } يقول: لو شئنا لتركناهم عمياً يترددون.

وهذا القول الذي ذكرناه عن الـحسن وقتادة أشبه بتأويـل الكلام، لأن الله إنـما تهدّد به قوماً كفـاراً، فلا وجه لأن يقال: وهم كفـار، لو نشاء لأضللناهم وقد أضلهم، ولكنه قال: لو نشاء لعاقبناهم علـى كفرهم، فطمسنا علـى أعينهم فصيرَّناهم عمياً لا يبصرون طريقاً، ولا يهتدون له والطَّمْس علـى العين: هو أن لا يكون بـين جفنـي العين غرٌّ، وذلك هو الشقّ الذي بـين الـجفنـين، كما تطمس الريح الأثر، يقال: أعمى مطموس وطميس.

اسامة محمد خيري
19-03-2017, 04:21
واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: { مُـحْضَرُونَ } وأين حضورهم إياهم، فقال بعضهم: عُنـي بذلك: وهم لهم جند مـحضرون عند الـحساب. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: { وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُـحْضَرُونَ } قال: عند الـحساب.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهم لهم جند مـحضَرون فـي الدنـيا يغضبون لهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ } الآلهة { وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُـحْضَرُونَ } والـمشركون يغضَبون للآلهة فـي الدنـيا، وهي لا تسوق إلـيهم خيراً، ولا تدفع عنهم سوءاً، إنـما هي أصنام.

وهذا الذي قاله قتادة أولـى القولـين عندنا بـالصواب فـي تأويـل ذلك، لأن الـمشركين عند الـحساب تتبرأ منهم الأصنام، وما كانوا يعبدونه، فكيف يكونون لها جنداً حينئذٍ، ولكنهم فـي الدنـيا لهم جند يغضبون لهم، ويقاتلون دونهم.

اسامة محمد خيري
19-03-2017, 04:31
سورة الصافات

وقال آخرون: بل ذلك آي القرآن التـي زجر الله بها عما زَجر بها عنه فـي القرآن. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { فـالزَّاجِرَاتِ زَجْراً } قال: ما زَجَر الله عنه فـي القرآن.

والذي هو أولـى بتأويـل الآية عندنا ما قال مـجاهد، ومن قال هم الـملائكة، لأن الله تعالـى ذكره، ابتدأ القسم بنوع من الـملائكة، وهم الصافون بإجماع من أهل التأويـل، فلأن يكون الذي بعد قسماً بسائر أصنافهم أشبه.

وقوله: { فـالتَّالِـياتِ ذِكْراً } يقول: فـالقارئات كتابـاً.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيِّ بذلك، فقال بعضهم: هم الـملائكة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد { فـالتَّالِـياتِ ذِكْراً } قال: الـملائكة.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ { فـالتَّالِـياتِ ذِكْراً } قال: هم الـملائكة.

وقال آخرون: هو ما يُتلـى فـي القرآن من أخبـار الأمـم قبلنا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { فـالتَّالـيات ذِكْراً } قال: ما يُتلـى علـيكم فـي القرآن من أخبـار الناس والأمـم قبلكم.

اسامة محمد خيري
19-03-2017, 04:38
وقوله: { لا يَسَّمَّعُونَ إلـى الـمَلإِ الأعْلَـى } اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { لا يَسَّمَّعُونَ } ، فقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والبصرة، وبعض الكوفـيـين: «لا يَسْمَعُونَ» بتـخفـيف السين من يسمعون، بـمعنى أنهم يتسمَّعون ولا يسمعون. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين بعد { لا يسَّمَّعون } بـمعنى: لا يتسمعون، ثم أدغموا التاء فـي السين فشدّدوها.

وأولـى القراءتـين فـي ذلك عندي بـالصواب قراءة من قرأه بـالتـخفـيف، لأن الأخبـار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، أن الشياطين قد تتسمع الوحي، ولكنها تُرمَى بـالشهب لئلا تسمع...



إنَّ الـمَلائِكَةَ تَنْزِلُ فِـي العَنان وَهُوَ السَّحابُ فَتَذْكُرُ ما قُضِيَ فِـي السَّماءِ، فَتَسْتَرِقُ الشَّياطِينُ السَّمْعَ، فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إلـى الكُهَّانِ، فَـيَكْذِبُونَ مَعَها مِئَةَ كِذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أنْفُسهِمْ ". فهذه الأخبـار تُنبىء عن أن الشياطين تسمع، ولكنها تُرْمى بـالشهب لئلا تسمع. فإن ظنّ ظانّ أنه لـما كان فـي الكلام «إلـى»، كان التسمع أولـى بـالكلام من السمع، فإن الأمر فـي ذلك بخلاف ما ظنّ، وذلك أن العرب تقول: سمعت فلاناً يقول كذا، وسمعت إلـى فلان يقول كذا، وسمعت من فلان.

وتأويـل الكلام: إنا زينا السماء الدنـيا بزينة الكواكب. وحفظاً من كلّ شيطان مارد أن لا يسَّمَّع إلـى الـملإ الأعلـى،...

وأولـى التأويـلـين فـي ذلك بـالصواب تأويـل من قال: معناه: دائم خالص، وذلك أن الله قال
{ وَلَهُ الدّين وَاصِبـاً }
فمعلوم أنه لـم يصفه بـالإيلام والإيجاع، وإنـما وصفه بـالثبـات والـخـلوص ومنه قول أبـي الأسود الدؤلـي:
لا أشْتَرِي الـحَمْدَ القَلِـيـلَ بَقاؤُهُ يَوْماً بِذَمّ الدَّهْر أجمَعَ وَاصِبـا
أي دائماً....

اسامة محمد خيري
19-03-2017, 04:47
قوله: { بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ } اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة: «بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ» بضم التاء من عجبت، بـمعنى: بل عظم عندي وكبر اتـخاذهم لـي شريكاً، وتكذيبهم تنزيـلـي وهم يسخرون. وقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة { بَلْ عَجِبْتَ } بفتـح التاء بـمعنى: بل عجبت أنت يا مـحمد ويسخرون من هذا القرآن.

والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان فـي قرّاء الأمصار، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

اسامة محمد خيري
19-03-2017, 04:58
فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله تعالـى ذكره قد نفـى عن شراب الـجنة أن يكون فـيه غَوْل، فـالذي هو أولـى بصفته أن يقال فـيه كما قال جلّ ثناؤه { لا فِـيها غَوْلٌ } فـيعمّ بنفـي كلّ معانـي الغَوْل عنه، وأعمّ ذلك أن يقال: لا أذى فـيها ولا مكروه علـى شاربـيها فـي جسم ولا عقل، ولا غير ذلك.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله { وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ } فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة { يُنْزَفُونَ } بفتـح الزاي، بـمعنى: ولا هم عن شربها تُنْزَف عقولهم. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: «وَلا هُمْ عَنْها يُنْزِفُونَ» بكسر الزاي، بـمعنى: ولا هم عن شربها يَنْفَد شرابهم.

والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا الـمعنى غير مختلفتـيه، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب وذلك أن أهل الـجنة لا ينفد شرابهم، ولا يُسكرهم شربهم إياه، فـيُذهِب عقولَهم.

اسامة محمد خيري
19-03-2017, 05:04
وقال آخرون: بل عنى بـالبـيض فـي هذا الـموضع: اللؤلؤ، وبه شبهن فـي بـياضه وصفـائه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: { كأنَّهُنَّ بَـيضٌ مَكْنُونٌ } يقول: اللؤلؤ الـمكنون.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب عندي قول من قال: شبهن فـي بـياضهن، وأنهنّ لـم يـمسَّهنّ قبل أزواجهنّ إنس ولا جانّ ببـياض البـيض الذي هو داخـل القشر، وذلك هو الـجلدة الـمُلْبَسة الـمُـحّ قبل أن تـمسه يد أو شيء غيرها، وذلك لا شكّ هو الـمكنون فأما القشرة العلـيا فإن الطائر يـمسها، والأيدي تبـاشرها، والعُشُّ يـلقاها. والعرب تقول لكلّ مصون مكنون ما كان ذلك الشيء لؤلؤاً كان أو بـيضاً أو متاعاً، كما قال أبو دَهْبَل:
وَهْيَ زَهْرَاءُ مِثْلُ لُؤْلُؤَةِ الغَوَّا صِ مِيزَتْ مِنْ جَوْهَرٍ مَكْنُونِ
وتقول لكلّ شيء أضمرته الصدور: أكنته، فهو مُكنٌّ. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثنا مـحمد بن الفرج الصِّدَفـي الدِّمياطيّ، عن عمرو بن هاشم عن ابن أبـي كريـمة، عن هشام، عن الـحسن، عن أمه، عن أمّ سلـمة قلتُ: يا رسول الله أخبرنـي عن قوله { كأنَّهُنَّ بَـيْضٌ مَكْنُون } قال: " رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الـجِلْدَةِ التـي رأيْتَها فِـي داخِـلِ البَـيْضَة التـي تَلِـي القِشْرَ وَهِيَ الغِرْقـيءُ

اسامة محمد خيري
19-03-2017, 05:05
وهذا التأويـل الذي تأوّله فرات بن ثعلبة يقوّي قراءة من قرأ «إنَّكَ لـمِنَ الـمُصّدِّقِـينَ» بتشديد الصاد بـمعنى: لـمن الـمتصدقـين، لأنه يذكر أن الله تعالـى ذكره إنـما أعطاه ما أعطاه علـى الصدقة لا علـى التصديق، وقراءة قرّاء الأمصار علـى خلاف ذلك، بل قراءتها بتـخفـيف الصاد وتشديد الدال، بـمعنى: إنكار قرينه علـيه التصديق أنه يبعث بعد الـموت، كأنه قال: أتصدّق بأنك تبعث بعد مـماتك، وتُـجْزَى بعملك، وتـحاسَب؟ يدل علـى ذلك قول الله: { أئِذَا مِتْنا وكُنَّا تُرَابـاً وَعِظاماً أئِنَّا لَـمَدِينونَ } وهي القراءة الصحيحة عندنا التـي لا يجوز خِلافُها لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها.

اسامة محمد خيري
20-03-2017, 04:24
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الـمسيب بن رافع، عن أبـي هريرة، قال: " ما كذب إبراهيـم غير ثلاث كذبـات، قوله: إنـي سَقِـيـمٌ، وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِـيرُهُمْ هَذَا، وإنـما قاله موعظة، وقوله حين سأله الـملك، فقال أختـي لسارّة، وكانت امرأته ". حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن أيوب، عن مـحمد، قال: " إن إبراهيـم ما كذب إلا ثلاث كذبـات، ثنتان فـي الله، وواحدة فـي ذات نفسه فأما الثنتان فقوله: إنـي سَقِـيـمٌ، وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِـيرُهُمْ هَذَا وقصته فـي سارة، وذكر قصتها وقصة الـملك ". وقال آخرون: إن قوله { إنّـي سَقِـيـمٌ } كلـمة فـيها مِعْراض، ومعناها أن كلّ من كان فـي عقبة الـموت فهو سقـيـم، وإن لـم يكن به حين قالها سقم ظاهر، والـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف هذا القول، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الـحقّ دون غيره.

اسامة محمد خيري
20-03-2017, 04:28
والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا قراءة من قرأه بفتـح الـياء وتشديد الفـاء، لأن ذلك هو الصحيح الـمعروف من كلام العرب، والذي علـيه قراءة الفصحاء من القرّاء.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي معناه، فقال بعضهم: معناه: فأقبل قوم إبراهيـم إلـى إبراهيـم يَجْرُون. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: { فأقْبَلُوا إلَـيْهِ يَزِفُّونَ }: فأقبلوا إلـيه يجرون.

وقال آخرون: أقبلوا إلـيه يَـمْشُون. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: { فأقْبَلُوا إلَـيْهِ يَزِفُّونَ } قال: يَـمْشُون.

وقال آخرون: معناه: فأقبلوا يستعجلون. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، عن أبـيه { فَأَقْبَلُوا إلَـيْهِ يَزِفُّونَ } قال: يستعجلون، قال: يَزِفّ: يستعجل....

وفـي قوله: { وَما تَعْمَلُونَ } وجهان: أحدهما: أن يكون قوله: «ما» بـمعنى الـمصدر، فـيكون معنى الكلام حينئذٍ: والله خـلقكم وعملكم. والآخر أن يكون بـمعنى «الذي»، فـيكون معنى الكلام عند ذلك: والله خـلقكم والذي تعملونه: أي والذي تعملون منه الأنصام، وهو الـخشب والنـحاس والأشياء التـي كانوا ينـحِتون منها أصنامهم. وهذا الـمعنى الثانـي قصد إن شاء الله قتادةُ بقوله الذي:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { وَاللّهُ خَـلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ }: بأيْدِيكُمْ.

اسامة محمد خيري
20-03-2017, 04:31
وقوله: { وَقالَ إنّـي ذَاهِبٌ إلـى رَبّـي سَيَهْدِينِ } يقول: وقال إبراهيـم لـما أفْلَـجَه الله علـى قومه ونـجاه من كيدهم: { إنّـي ذاهِبٌ إلـى رَبّـي } يقول: إنـي مهاجِرٌ من بلدة قومي إلـى الله: أي إلـى الأرض الـمقدَّسة، ومفـارقهم، فمعتزلهم لعبـادة الله. وكان قتادة يقول فـي ذلك ما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { وَقالَ إنّـي ذاهِبٌ إلـى رَبِّـي سَيَهْدِينِ }: ذاهب بعمله وقلبه ونـيته.

وقال آخرون فـي ذلك: إنـما قال إبراهيـم { إنّـي ذاهِبٌ إلـى رَبّـي } حنـي أرادوا أن يُـلْقُوه فـي النار. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أبـي إسحاق، قال: سمعت سلـيـمان بن صُرَدَ يقول: لـما أرادوا أن يُـلْقوا إبراهيـم فـي النار { قالَ إنّـي ذاهِبٌ إلـى رَبّـي سَيَهْدِينِ } فجمع الـحطب، فجاءت عجوز علـى ظهرها حطب، فقـيـل لها: أين تريدين؟ قالت: أريد أذهب إلـى هذا الرجل الذي يُـلْقَـى فـي النار فلـما أُلقـي فـيها، قال: حَسْبِـيَ الله علـيه توكلت، أو قال: حسبـي الله ونعم الوكيـل، قال: فقال الله:
{ يا نارُ كُونِـي بَرْداً وَسَلاماً علـى إبْرَاهِيـمَ }
قال: فقال ابن لُوط، أو ابن أخي لوط: إن النار لـم تـحرقه من أجلـي، وكان بـينهما قرابة، فأرسل الله علـيه عُنُقـاً من النار فأحرقته.

وإنـما اخترت القول الذي قلت فـي ذلك، لأن الله تبـارك وتعالـى ذكر خبره وخبر قومه فـي موضع آخر، فأخبر أنه لـما نـجاه مـما حاول قومه من إحراقه
{ قال إنّـي مُهاجِرٌ إلـى رَبّـي }
ففسر أهل التأويـل ذلك أن معناه: إنـي مهاجر إلـى أرض الشام، فكذلك قوله: { إنّـي ذَاهِبٌ إلـى رَبّـي } لأنه كقوله:
{ إنّـي مُهاجِرٌ إلـى رَبّـي }
وقوله: { سَيَهْدِينِ } يقول: سيثبتنـي علـى الهدى الذي أبصرته، ويعيننـي علـيه.

اسامة محمد خيري
20-03-2017, 04:33
قوله: { فـانْظُرْ ماذَا تَرَى }: اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { ماذَا تَرَى } ، فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة، وبعض قرّاء أهل الكوفة: { فـانْظُرْ ماذَا تَرَى }؟ بفتـح التاء، بـمعنى: أيّ شيء تأمر، أو فـانظر ما الذي تأمر، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: { ماذَا تُرَى } بضم التاء، بـمعنى: ماذا تُشير، وماذا تُرَى من صبرك أو جزعك من الذبح؟.

والذي هو أولـى القراءتـين فـي ذلك عندي بـالصواب قراءة من قرأه: { ماذَا تَرَى } بفتـح التاء، بـمعنى: ماذا ترى من الرأي.

فإن قال قائل: أَوَ كان إبراهيـم يؤامر ابنه فـي الـمضي لأمر الله، والانتهاء إلـى طاعته؟ قـيـل: لـم يكن ذلك منه مشاورة لابنه فـي طاعة الله، ولكنه كان منه لـيعلـم ما عند ابنه من العَزْم: هل هو من الصبر علـى أمر الله علـى مثل الذي هو علـيه، فـيسرّ بذلك أم لا، وهو فـي الأحوال كلها ماض لأمر الله.

اسامة محمد خيري
20-03-2017, 04:40
قال أبو جعفر: وأولـى القولـين بـالصواب فـي الـمفْدِيّ من ابنـي إبراهيـم خـلـيـل الرحمن علـى ظاهر التنزيـل قول من قال: هو إسحاق، لأن الله قال: { وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيـمٍ } فذكر أنه فَدَى الغلامَ الـحلـيـمَ الذي بُشِّر به إبراهيـم حين سأله أن يهب له ولداً صالـحاً من الصالـحين، فقال:
{ رَبّ هَبْ لـي مِنَ الصَّالِـحِينَ }
فإذ كان الـمفدِيّ بـالذبح من ابنـيه هو الـمبشَّر به، وكان الله تبـارك اسمه قد بـين فـي كتابه أن الذي بُشِّر به هو إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فقال جلّ ثناؤه:
{ فَبَشَّرْناهُ بإسَحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إسحَاقَ يَعْقُوبَ }
وكان فـي كل موضع من القرآن ذكر تبشيره إياه بولد، فإنـما هو معنّى به إسحاق، كان بـيِّناً أن تبشيره إياه بقوله:
{ فَبَشَّرْناهُ بغُلامٍ حَلِـيـمٍ }
فـي هذا الـموضع نـحو سائر أخبـاره فـي غيره من آيات القرآن.

وبعد: فإن الله أخبر جلّ ثناؤه فـي هذه الآية عن خـلـيـله أن بشَّره بـالغلام الـحلـيـم عن مسألته إياه أن يهب له من الصالـحين، ومعلوم أنه لـم يسأله ذلك إلا فـي حال لـم يكن له فـيه ولد من الصالـحين، لأنه لـم يكن له من ابنـيه إلا إمام الصالـحين، وغير موهوم منه أن يكون سأل ربه فـي هبة ما قد كان أعطاه ووهبه له. فإذ كان ذلك كذلك فمعلوم أن الذي ذكر تعالـى ذكره فـي هذا الـموضع هو الذي ذكر فـي سائر القرآن أنه بشَّره به وذلك لا شك أنه إسحاق، إذ كان الـمفديّ هو الـمبشَّر به.

وأما الذي اعتلّ به من اعتلّ فـي أنه إسماعيـل، أن الله قد كان وعد إبراهيـم أن يكون له من إسحاق ابن ابن، فلـم يكن جائزاً أن يأمره بذبحه مع الوعد الذي قد تقدم فإن الله إنـما أمره بذبحه بعد أن بلغ معه السعي، وتلك حال غير مـمكن أن يكون قد وُلد لإسحاق فـيها أولاد، فكيف الواحد؟ وأما اعتلال من اعتل بأن الله أتبع قصة الـمفديّ من ولد إبراهيـم بقوله:
{ وَبَشَّرْناهُ بإسحَاقَ نَبِـيًّا }
ولو كان الـمفديّ هو إسحاق لـم يبشَّر به بعد، وقد ولد، وبلغ معه السعي، فإن البشارة بنبوّه إسحاق من الله فـيـما جاءت به الأخبـار جاءت إبراهيـم وإسحاق بعد أن فُدِي تكرمة من الله له علـى صبره لأمر ربه فـيـما امتـحنه به من الذبح، وقد تقدمت الرواية قبلُ عمن قال ذلك. وأما اعتلال من اعتلّ بأن قرن الكبش كان معلقاً فـي الكعبة فغير مستـحيـل أن يكون حُمِل من الشام إلـى مكة. وقد رُوي عن جماعة من أهل العلـم أن إبراهيـم إنـما أُمِر بذبح ابنه إسحاق بـالشام، وبها أراد ذبحه.....

اسامة محمد خيري
20-03-2017, 04:48
وقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة: «سَلاَمٌ عَلـى آلِ ياسِينَ» بقطع آل من ياسين، فكان بعضهم يتأوّل ذلك بـمعنى: سلام علـى آل مـحمد. وذُكر عن بعض القرّاء أنه كان يقرأ قوله: { وَإنَّ إلْـياسَ } بترك الهمز فـي إلـياس ويجعل الألف واللام داخـلتـين علـى «ياس» للتعريف، ويقول: إنـما كان اسمه «ياس» أدخـلت علـيه ألف ولام ثم يقرأ علـى ذلك» «سلام علـى الْـياسين».

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا قراءة من قرأه: { سَلامٌ عَلـى إلْـياسِينَ } بكسر ألفها علـى مثال إدراسين، لأن الله تعالـى ذكره إنـما أخبر عن كلّ موضع ذكر فـيه نبـياً من أنبـيائه صلوات الله علـيهم فـي هذه السورة بأن علـيه سلاماً لا علـى آله، فكذلك السلام فـي هذا الـموضع ينبغي أن يكون علـى إلـياس كسلامه علـى غيره من أنبـيائه، لا علـى آله، علـى نـحو ما بـيَّنا من معنى ذلك.

فإن ظنّ ظانّ أن إلـياسين غير إلـياس، فإن فـيـما حكينا من احتـجاج من احتـجّ بأن إلـياسين هو إلـياس غنـي عن الزيادة فـيه، مع أن فـيـما:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي { سَلامٌ عَلـى إلْـياسِينَ } قال: إلـياس.

اسامة محمد خيري
20-03-2017, 05:07
حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حتـى حِينٍ } قال: حتـى يوم بدر.

وقال آخرون: معنى ذلك: إلـى يوم القـيامة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حتـى حِينٍ } قال: يوم القـيامة.

وهذا القول الذي قاله السديّ، أشبه بـما دلّ علـيه ظاهر التنزيـل، وذلك أن الله توعدهم بـالعذاب الذي كانوا يستعجلونه، فقال: { أفَبِعَذَابِنا يَسْتَعْجِلُونَ } ، وأمر نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يُعْرِض علـيهم إلـى مـجِيء حينه. فتأويـل الكلام: فتولّ عنهم يا مـحمد إلـى حين مـجِيء عذابنا، ونزوله بهم.

اسامة محمد خيري
21-03-2017, 04:22
سورةص

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معناه: ذي التذكير لكم، لأن الله أتبع ذلك قولَه: { بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِـي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ } فكان معلوماً بذلك أنه إنـما أخبر عن القرآن أنه أنزله ذكراً لعبـاده ذكَّرهم به، وأن الكفـار من الإيـمان به فـي عزّة وشقاق....

والصواب من القول فـي ذلك عندي، القول الذي قاله قتادة، وأن قوله: { بَلْ } لـما دلَّت علـى التكذيب وحلَّت مـحلّ الـجواب استغنـي بها من الـجواب، إذ عُرف الـمعنى، فمعنى الكلام إذ كان ذلك كذلك: { ص والقُرآنِ ذِي الذّكْرِ } ما الأمر، كما يقول هؤلاء الكافرون: بل هم فـي عزّة وشقاق...

والصواب من القول فـي ذلك عندنا: أن «لا» حرف جحد كما، وإن وُصلت بها تصير فـي الوصل تاء، كما فعلت العرب ذلك بـالأدوات، ولـم تستعمل ذلك كذلك مع «لا» الـمُدَّة إلا للأوقات دون غيرها، ولا وجه للعلة التـي اعتلّ بها القائل: إنه لـم يجد لات فـي شيء من كلام العرب، فـيجوز توجيه قوله: { وَلاتَ حِينَ } إلـى ذلك، لأنها تستعمل الكملة فـي موضع، ثم تستعملها فـي موضع آخر بخلاف ذلك، ولـيس ذلك بأبعد فـي القـياس من الصحة من قولهم: رأيت بـالهمز، ثم قالوا: فأنا أراه بترك الهمز لـما جرى به استعمالهم، وما أشبه ذلك من الـحروف التـي تأتـي فـي موضع علـى صورة، ثم تأتـي بخلاف ذلك فـي موضع آخر للـجاري من استعمال العرب ذلك بـينها.

وأما ما استشهد به من قول الشاعر: «كما زعمت تلانا»، فإن ذلك منه غلط فـي تأويـل الكلـمة وإنـما أراد الشاعر بقوله: «وصِلِـينا كما زَعمْتِ تَلانا»: وصِلـينا كما زعمت أنتِ الآن، فأسقط الهمزة من أنت، فلقـيت التاء من زعمت النون من أنت وهي ساكنة، فسقطت من اللفظ، وبقـيت التاء من أنت، ثم حذفت الهمزة من الآن، فصارت الكلـمة فـي اللفظ كهيئة تلان، والتاء الثانـية علـى الـحقـيقة منفصلة من الآن، لأنها تاء أنت. وأما زعمه أنه رأى فـي الـمصحف الذي يقال له «الإمام» التاء متصلة بحين، فإن الذي جاءت به مصاحف الـمسلـمين فـي أمصارها هو الـحجة علـى أهل الإسلام، والتاء فـي جميعها منفصلة عن حين، فلذلك اخترنا أن يكون الوقـف علـى الهاء فـي قوله: { وَلاتَ حِينَ }.

اسامة محمد خيري
21-03-2017, 04:36
حُدثت عن الـمـحاربـيّ، عن جُوَيبر، عن الضحاك { ذُو الأوْتادِ } قال: ذو البنـيان.

وأشبه الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: عُنِـي بذلك الأوتاد، إما لتعذيب الناس، وإما للعب، كان يُـلْعَب له بها، وذلك أن ذلك هو الـمعروف من معنى الأوتاد،...

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة { مِنْ فَوَاقٍ } بفتـح الفـاء. وقرأته عامة أهل الكوفة: «مِنْ فُوَاقٍ» بضم الفـاء.

واختلف أهل العربـية فـي معناها إذا قُرئت بفتـح الفـاء وضمها، فقال بعض البصريـين منهم: معناها، إذا فتـحت الفـاء: ما لها من راحة، وإذا ضمت جعلها فُواق ناقة ما بـين الـحلبتـين. وكان بعض الكوفـيـين منهم يقول: معنى الفتـح والضمّ فـيها واحد، وإنـما هما لغتان مثل السَّوَاف والسُّواف، وجَمام الـمكوك وجُمامة، وقَصاص الشعر وقُصاصة.

والصواب من القول فـي ذلك أنهما لغتان، وذلك أنا لـم نـجد أحداً من الـمتقدمين علـى اختلافهم فـي قراءته يفرّقون بـين معنى الضمّ فـيه والفتـح، ولو كان مختلف الـمعنى بـاختلاف الفتـح فـيه والضم، والضم، لقد كانوا فرقوا بـين ذلك فـي الـمعنى. فإذ كان ذلك كذلك، فبأيّ القراءتـين قرأ القارىء فمصيب وأصل ذلك من قولهم: أفـاقت الناقة، فهي تفـيق إفـاقة، وذلك إذا رَدّت ما بـين الرضعتـين ولدها إلـى الرضعة الأخرى، وذلك أن ترضع البهيـمة أمها، ثم تتركها حتـى ينزل شيء من اللبن، فتلك الإفـاقة يقال إذا اجتـمع ذلك فـي الضرع فـيقة، كما قال الأعشى:
حتـى إذَا فِـيْقَةٌ فِـي ضَرْعِها اجْتَـمَعَتْ جاءَتْ لِتُرْضِعَ شِقَّ النَّفْسِ لوْ رَضِعا
..

وقال آخرون: سألوا أن يعجل لهم كتبهم التـي قال الله
{ فأمَّا مَنْ أوتِـيَ كِتابَهُ بـيَـمِينِهِ }

{ وَأمَّا مَنْ أُوتِـيَ كِتَابَهُ بِشِمالِهِ }
فـي الدنـيا، لـينظروا بأيـمانهم يُعْطَوْنها أم بشمائلهم؟ ولـينظروا مِن أهل الـجنة هم، أم من أهل النار قبل يوم القـيامة استهزاء منهم بـالقرآن وبوعد الله.

وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب أن يقال: إن القوم سألوا ربهم تعجيـل صكاكهم بحظوظهم من الـخير أو الشرّ الذي وعد الله عبـاده أن يؤتـيهموها فـي الآخرة قبل يوم القـيامة فـي الدنـيا استهزاء بوعيد الله.

وإنـما قلنا إن ذلك كذلك، لأن القطّ هو ما وصفت من الكتب بـالـجوائز والـحظوظ، وقد أخبر الله عن هؤلاء الـمشركين أنهم سألوه تعجيـل ذلك لهم، ثم أتبع ذلك قوله لنبـيه:
{ اصْبِرْ علـى ما يَقُولُونَ }
فكان معلوماً بذلك أن مسألتهم ما سألوا النبـيّ صلى الله عليه وسلم لو لـم تكن علـى وجه الاستهزاء منهم لـم يكن بـالذي يتبع الأمر بـالصبر علـيه، ولكن لـما كان ذلك استهزاء، وكان فـيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أذى، أمره الله بـالصبر علـيه حتـى يأتـيه قضاؤه فـيهم، ولـما لـم يكن فـي قوله: { عَجِّلْ لنَا قِطَّنا } بـيان أيّ القطوط إرادتهم، لـم يكن لـما توجيه ذلك إلـى أنه معنـيّ به القُطوط ببعض معانـي الـخير أو الشرّ، فلذلك قلنا إن مسألتهم كانت بـما ذكرت من حظوظهم من الـخير والشرّ.

اسامة محمد خيري
21-03-2017, 04:41
وقال آخرون: بل هو قولُ: أما بعد. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا إسماعيـل، عن الشعبـيّ فـي قوله: { وَفَصْلَ الـخِطابِ } قال: قول الرجل: أما بعد.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه آتـى داود صلوات الله علـيه فصل الـخطاب، والفصل: هو القطع، والـخطاب هو الـمخاطبة، ومن قطع مخاطبة الرجل الرجل فـي حال احتكام أحدهما إلـى صاحبه قطع الـمـحتكم إلـيه الـحكم بـين الـمـحتكم إلـيه وخصمه بصواب من الـحكم، ومن قطع مخاطبته أيضاً صاحبه إلزام الـمخاطب فـي الـحكم ما يجب علـيه إن كان مدعياً، فإقامة البـينة علـى دعواه وإن كان مدعى علـيه فتكلـيفه الـيـمين إن طلب ذلك خصمه. ومن قطع الـخطاب أيضاً الذي هو خطبة عند انقضاء قصة وابتداء فـي أخرى الفصل بـينهما بأما بعد. فإذ كان ذلك كله مـحتـملاً ظاهر الـخبر ولـم تكن فـي هذه الآية دلالة علـى أيّ ذلك الـمرادُ، ولا ورد به خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ثابت، فـالصواب أن يعم الـخبر، كما عمه الله، فـيقال: أُوتـي داود فصل الـخطاب فـي القضاء والـمـحاورة والـخطب.

اسامة محمد خيري
21-03-2017, 04:56
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يـمان، عن سفـيان، عن السُدِّيّ { قالَ إنّـي أحْبَبْتُ حُبَّ الـخَيْرِ } قال: الـخيـل.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: { إنّـي أحْبَبْتُ حُبَّ الـخَيْرِ } قال: الـمال.

وقوله: { عَنْ ذِكْرِ رَبّـي } يقول: إنـي أحببت حبّ الـخير حتـى سهوت عن ذكر ربـي وأداء فريضته. وقـيـل: إن ذلك كان صلاة العصر. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { عَنْ ذِكْر رَبّـي } عن صلاة العصر.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ { عَنْ ذِكْرِ رَبّـي } قال: صلاة العصر.

حدثنا مـحمد بن عبد الله بن عبد الـحكم، قال: ثنا أبو زرعة، قال: ثنا حيوة بن شريح، قال: ثنا أبو صخر، أنه سمع أبـا معاوية البجلـي من أهل الكوفة يقول: سمعت أبـا الصَّهبـاء البكري يقول: سألت علـيّ ابن أبـي طالب، عن الصلاة الوسطى، فقال: هي العصر، وهي التـي فتن بها سلـيـمان بن داود.

وقوله: { حتـى تَوَارَتْ بـالـحِجابِ } يقول: حتـى توارت الشمس بـالـحجاب، يعنـي: تغيبت فـي مغيبها.
..

وقوله: { رُدُّوها عَلـيَّ } يقول: ردّوا علـيّ الـخيـل التـي عرضت علـيّ، فشغلتنـي عن الصلاة، فكُّروها علـيّ.

كما حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ { رُدُّوها عَلـيَّ } قال: الـخيـل.

وقوله: { فَطَفِقَ مَسْحاً بـالسُّوقِ والأعْناقِ } يقول: فجعل يـمسح منها السوق، وهي جمع الساق، والأعناق.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى مسح سلـيـمان بسوق هذه الـخيـل الـجياد وأعناقها، فقال بعضهم: معنى ذلك أنه عقرها وضرب أعناقها، من قولهم: مَسَحَ علاوته: إذا ضرب عنقه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة فَطَفِقَ مَسْحاً بـالسُّوقِ والأعْناقِ قال: قال الـحسن: قال لا والله لا تشغلـينـي عن عبـادة ربـي آخر ما علـيك، قال قولهما فـيه، يعنـي قتادة والـحسن قال: فَكَسف عراقـيبها، وضرب أعناقها.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ { فَطَفِقَ مَسْحاً بـالسُّوق والأعْناقِ } فضرب سوقها وأعناقها.

حدثنا مـحمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن الـمفضل، عن عوف، عن الـحسن، قال: أمر بها فعُقرت.

وقال آخرون: بل جعل يـمسح أعرافها وعراقـيبها بـيده حُبًّـا لها. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـي، عن ابن عبـاس، قوله: { فَطَفِقَ مَسْحاً بـالسُّوقِ والأعْناقِ } يقول: جعل يـمسح أعراف الـخيـل وعراقـيبها: حبـا لها.

وهذا القول الذي ذكرناه عن ابن عبـاس أشبه بتأويـل الآية، لأن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم لـم يكن إن شاء الله لـيعذّب حيواناً بـالعرقبة، ويهلك مالاً من ماله بغير سبب، سوى أنه اشتغل عن صلاته بـالنظر إلـيها، ولا ذنب لها بـاشتغاله بـالنظر ألـيها.

اسامة محمد خيري
21-03-2017, 05:00
وقوله: { ثُمَّ أنابَ } سلـيـمان، فرجع إلـى مُلكه من بعد ما زال عنه مُلكه فذهب. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الـمـحاربـي، عن عبد الرحمن، عن جُوَيبر، عن الضحاك، فـي قوله: { ثُمَّ أنابَ } قال: دخـل سلـيـمان علـى امرأة تبـيع السمك، فـاشترى منها سمكة، فشقّ بطنها، فوجد خاتـمه، فجعل لا يـمرّ علـى شجر ولا حجر ولا شيء إلا سجد له، حتـى أتـى مُلكه وأهله، فذلك قوله { ثُمَّ أنابَ } يقول: ثم رجع.
..

اسامة محمد خيري
21-03-2017, 05:05
وقال آخرون: بل ذلك ما كان أوتـي من القوّة علـى الـجماع. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن أبـي يوسف، عن سعيد بن طريف، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: كان سلـيـمان فـي ظهره ماءُ مِئَة رجل، وكان له ثلاث مئة امرأة وتسع مِئَة سُرِّيَّة { هَذَا عَطاؤُنَا فَـامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ }.

وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب القولُ الذي ذكرناه عن الـحسن والضحاك من أنه عنـى بـالعطاء ما أعطاه من الـملك تعالـى ذكره، وذلك أنه جلّ ثناؤه ذكر ذلك عُقَـيب خبره عن مسألة نبـيه سلـيـمان صلوات الله وسلامه علـيه إياه مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، فأخبر أنه سخر له ما لـم يُسَخِّر لأحد من بنـي آدم، وذلك تسخيره له الريح والشياطين علـى ما وصفت، ثم قال له عزّ ذكره: هذا الذي أعطيناك من الـمُلك، وتسخيرنا ما سخرنا لك عطاؤنا، ووهبنا لك ما سألْتنا أن نهبه لك من الـملك الذي لا ينبغي لأحد من بعدك { فـامْنُنْ أو أَمْسِكْ بغَيْرِ حِسابٍ }.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله { فـامْنُنْ أوْ أَمْسِكْ بغَيْرِ حِسابٍ } فقال بعضهم: عَنَى ذلك: فأعط من شئت ما شئت من الـمُلك الذي آتـيناك، وامنع من شئت منه ما شئت، لا حساب علـيك فـي ذلك...

وقال آخرون: بل ذلك من الـمقدّم والـمؤخر. ومعنى الكلام: هذا عطاؤنا بغير حساب، فـامُننْ أو أمسك. وذُكر أن ذلك فـي قراءة عبد الله: { هذا فـامْنُنْ أوْ أمْسِكْ عَطاؤُنا بِغَيرِ حِسابٍ }.

وكان بعض أهل العلـم بكلام العرب من البصريـين يقول فـي قوله: { بغَيرِ حِسابٍ } وجهان أحدهما: بغير جزاء ولا ثواب، والآخر: مِنَّةٍ ولا قِلَّةٍ.

والصواب من القول فـي ذلك ما ذكرته عن أهل التأويـل من أن معناه: لا يحاسب علـى ما أعطى من ذلك الـمُلك والسلطان. وإنـما قلنا ذلك هو الصواب لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـيه.

اسامة محمد خيري
21-03-2017, 05:17
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مـجاهد، فـي قوله: { أُولـي الأَيْدِي والأَبْصَارِ } قال: الأيدي: القوّة، والأبصار: العقول.

فإن قال لنا قائل: وما الأيدي من القوّة، والأيدي إنـما هي جمع يد، والـيد جارحة، وما العقول من الأبصار، وإنـما الأبصار جمع بصر؟ قـيـل: إن ذلك مثل، وذلك أن بـالـيد البطش، وبـالبطش تُعرف قوّة القويّ، فلذلك قـيـل للقويّ: ذويَدٍ وأما البصر، فإنه عنى به بصر القلب، وبه تنال معرفة الأشياء، فلذلك قـيـل للرجل العالـم بـالشيء: بصير به.

وقد يُـمكن أن يكون عَنـي بقوله: { أولـي الأَيْدِي }: أولـي الأيدي عند الله بـالأعمال الصالـحة، فجعل الله أعمالهم الصالـحة التـي عملوها فـي الدنـيا أيدياً لهم عند الله تـمثـيلاً لها بـالـيد، تكون عند الرجل الآخر...

وكان بعض أهل العلـم بكلام العرب من البصريـين يتأوّل ذلك علـى القراءة بـالتنوين { بِخالِصَةٍ } عمل فـي ذكر الآخرة.

وأولـى الأقوال بـالصواب فـي ذلك علـى قراءة من قرأه بـالتنوين أن يقال: معناه: إنا أخـلصناهُمْ بخالصة هي ذكرى الدار الآخرة، فعملوا لها فـي الدنـيا، فأطاعوا الله وراقبوه وقد يدخـل فـي وصفهم بذلك أن يكون من صفتهم أيضاً الدعاء إلـى الله وإلـى الدار الآخرة، لأن ذلك من طاعة الله، والعمل للدار الآخرة، غير أن معنى الكلـمة ما ذَكَرْت. وأما علـى قراءة من قرأه بـالإضافة، فأن يقال: معناه: إنا أخـلصناهم بخالصة ما ذكر فـي الدار الآخرة فلـمَّا لـم تُذْكر «فـي» أضيفت الذكرى إلـى الدار كما قد بـيَّنا قبل فـي معنى قوله:
{ لا يَسْأَمُ الإنْسانُ مِنْ دُعاءِ الـخَيْرِ }
وقوله:
{ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلـى نِعاجِهِ }
وقوله:
{ وإنَّهُمْ عِنْدَنا لَـمِنَ الـمُصْطَفَـينَ الأخيْارِ }
يقول: وإن هؤلاء الذين ذكرنا عندنا لـمن الذين اصطفـيناهم لذكرى الآخرة الأخيار، الذين اخترناهم لطاعتنا ورسالتنا إلـى خـلقنا.

اسامة محمد خيري
21-03-2017, 05:27
حدثنـي علـيّ بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمـحاربـيّ، عن جُوَيبر، عن الضحاك { هَذَا فَلْـيَذُوقُوهُ حَمِيـمٌ وغَسَّاقٌ } قال: يقال: الغسَّاق: أبرد البرد، ويقول آخرون: لا بل هو أنتن النَتْن.

وقال آخرون: بل هو الـمُنْتِن. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الـمسيب، عن إبراهيـم النكري، عن صالـح بن حيان، عن أبـيه، عن عبد الله بن بُرَيدة، قال: الغسَّاق: الـمنتن، وهو بـالطُّخارية.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنـي عمرو بن الـحارث، عن درّاج، عن أبـي الهيثم، عن أبـي سعيد الـخُدريّ، أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال: " لَوْ أنَّ دَلْوا مِنْ غَسَّاقٍ يُهَراقُ فِـي الدُّنـيْا لأَنُتَنَ أهْلَ الدُّنْـيا ". وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب قول من قال: هو ما يسيـل من صديدهم، لأن ذلك هو الأغلب من معنى الْغُسُوق، وإن كان للآخر وجه صحيح...

وقوله: { وآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أزْوَاجٌ } اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والكوفة { وآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أزْوَاجٌ } علـى التوحيد، بـمعنى: هذا حميـم وغساق فلـيذوقوه، وعذاب آخر من نـحو الـحميـم ألوان وأنواع، كما يقال: لك عذاب من فلان: ضروب وأنواع وقد يحتـمل أن يكون مراداً بـالأزواج الـخبر عن الـحميـم والغسَّاق، وآخر من شكله، وذلك ثلاثة، فقـيـل أزواج، يراد أن ينعت بـالأزواج تلك الأشياء الثلاثة. وقرأ ذلك بعضُ الـمكيـين وبعض البصريـين: «وأُخَرُ» علـى الـجماع، وكأن من قرأ ذلك كذلك كان عنده لا يصلـح أن يكون الأزواج وهي جمع نعتاً لواحد، فلذلك جمع أخَر، لتكون الأزواج نَعْتاً لها والعرب لا تـمنع أن ينعَت الاسم إذا كان فعلاً بـالكثـير والقلـيـل والاثنـين كما بـيَّنا، فتقول: عذاب فلان أنواع، ونوعان مختلفـان.

وأعجب القراءتـين إلـيّ أن أقرأ بها: { وآخَرُ } علـى التوحيد، وإن كانت الأخرى صحيحة لاستفـاضة القراءة بها فـي قرّاء الأمصار وإنـما اخترنا التوحيد لأنه أصحّ مخرجاً فـي العربـية، وأنه فـي التفسير بـمعنى التوحيد. وقـيـل إنه الزَّمهرير. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن السديّ، عن مُرّة، عن عبد الله { وآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أزْوَاجٌ } قال الزمهرير....

اسامة محمد خيري
22-03-2017, 04:17
وقوله: { أتَّـخَذْناهُمْ سِخْرِياًّ } اختلفت القرّاء فـي قراءته، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والشام وبعض قرّاء الكوفة: { أتَّـخَذْناهُمْ } بفتـح الألف من أتـخذناهم، وقطعها علـى وجه الاستفهام، وقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة، وبعض قرّاء مكة بوصل الألف من الأشرار: «اتَّـخَذْناهُمْ». وقد بـيَّنا فـيـما مضى قبلُ، أن كلّ استفهام كان بـمعنى التعجب والتوبـيخ، فإن العرب تستفهم فـيه أحياناً، وتُـخرجه علـى وجه الـخبر أحياناً.

وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأه بـالوصل علـى غير وجه الاستفهام، لتقدّم الاستفهام قبلَ ذلك فـي قوله: { ما لَنا لا نَرَى رِجالاً كُنَّا } فـيصير قوله: «اتَّـخَذْناهُمْ» بـالـخبر أولـى وإن كان للاستفهام وجه مفهوم لـما وصفتُ قبلُ من أنه بـمعنى التعجب.

وإذ كان الصواب من القراءة فـي ذلك ما اخترنا لـما وصفنا، فمعنى الكلام: وقال الطاغون: ما لنا لا نرى سَلْـمان وبِلالاً وخَبَّـابـاً الذين كنَّا نعدّهم فـي الدنـيا أشراراً، اتـخذناهم فـيها سُخرياً نهزأ بهم فـيها معنا الـيوم فـي النار؟.

وكان بعض أهل العلـم بـالعربـية من أهل البصرة يقول: من كسر السين من السِّخْرِي، فإنه يريد به الهُزء، يريد يسخر به، ومن ضمها فإنه يجعله من السُّخْرَة، يستسخِرونهم: يستذِلُّونهم، أزاغت عنهم أبصارنا وهم معنا. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن لـيث، عن مـجاهد { أتَّـخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ } يقول: أهم فـي النار لا نعرف مكانهم؟.

اسامة محمد خيري
22-03-2017, 04:21
حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ { بـالـمَلإِ الأَعْلَـى إذْ يَخْتَصِمَونَ } هو:
{ إذْ قالَ رَبُّكَ للْـمَلائِكَةِ إنّـي جاعِلٌ فِـي الأرْضِ خَـلِـيفَة }
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ما كانَ لِـيَ مِنْ عِلْـمٍ بـالـمَلإِ الأعْلـى } قال: هم الـملائكة، كانت خصومتهم فـي شأن آدم حين قال ربك للـملائكة:
{ إنّـي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ }
حتـى بلغ
{ ساجِدينَ }
وحين قال:
{ إنّـي جاعِلٌ فِـي الأرْضِ خَـلِـيفَةً }
حتـى بلغ
{ وَيَسْفِكَ الدّماءَ }
ففـي هذا اختصم الـملأ الأعلـى.

اسامة محمد خيري
22-03-2017, 04:27
ثم اختلفوا فـي مدة الـحِين الذي ذكره الله فـي هذا الـموضع: ما هي، وما نهايتها؟ فقال بعضهم: نهايتها الـموت. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَلَتَعْلَـمُنَّ نَبأَهُ بَعْدَ حِينٍ }: أي بعد الـموت وقال الـحسن: يا ابن آدم عند الـموت يأتـيك الـخبر الـيقـين.

وقال بعضهم: كانت نهايتها إلـى يوم بدر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: { وَلَتَعْلَـمُنَّ نَبأَهُ بَعْدَ حِينٍ } قال: يوم بدر.

وقال بعضهم: يوم القـيامة. وقال بعضهم: نهايتها القـيامة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { وَلَتَعْلَـمُنَّ نَبأَهُ بَعْدَ حِينٍ } قال: يوم القـيامة يعلـمون نبأ ما كذّبوا به بعد حين من الدنـيا وهو يوم القـيامة. وقرأ:
{ لِكُلّ نَبأٍ مُسْتَقَرٌ وَسَوْفَ تَعْلَـمُونَ }
قال: وهذا أيضاً الآخرة يستقرّ فـيها الـحقّ، ويبطُل البـاطل.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله أعلـم الـمشركين الـمكذّبـين بهذا القرآن أنهم يعلـمون نبأه بعد حين من غير حدّ منه لذلك الـحين بحدّ، وقد علـم نبأه من أحيائهم الذين عاشوا إلـى ظهور حقـيقته، ووضوح صحته فـي الدنـيا، ومنهم من علـم حقـيقة ذلك بهلاكه ببدر، وقبل ذلك، ولا حدّ عند العرب للـحين، لا يُجاوَز ولا يقصر عنه. فإذ كان ذلك كذلك فلا قول فـيه أصحْ من أن يطلَق كما أطلقه الله من غير حصر ذلك علـى وقت دون وقت. وبنـحو الذين قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنا أيوب، قال: قال عكرمة: سُئِلْت عن رجل حلف أن لا يصنع كذا وكذا إلـى حين، فقلت: إن من الـحين حيناً لا يُدرك، ومن الـحين حِينٌ يُدرك، فـالـحين الذي لا يُدرك قوله: { وَلَتَعْلَـمُنَّ نَبأَهُ بَعْدَ حِينٍ } ، والـحين الذي يُدرك قوله:
{ تُؤْتِـي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بإذْن رَبِّها }
وذلك من حين تُصْرَم النـخـلة إلـى حين تُطْلِع، وذلك ستة أشهر.

اسامة محمد خيري
22-03-2017, 04:33
سورة الزمر

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { خَـلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحدَةٍ } يعنـي آدم، ثم خـلق منها زوجها حواء، خـلقها من ضلع من أضلاعه.

فإن قال قائل: وكيف قـيـل: خـلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها؟ وإنـما خـلق ولد آدم من آدم وزوجته، ولا شك أن الوالدين قبل الولد، فإن فـي ذلك أقوالاً: أحدها أن يقال: قـيـل ذلك لأنه رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ اللّهَ لَـمَّا خَـلَقَ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فأَخْرَج كُلَّ نَسَمَةٍ هِيَ كائِنَةٌ إلـى يَوْمِ القِـيامَةِ، ثُمَّ أسْكَنَهُ بَعْدَ ذلكَ الـجَنَّةَ، وَخَـلَقَ بَعْدَ ذلكَ حَوَّاءَ مِنْ ضِلْعٍ مِنْ أضْلاعِهِ " فهذا قول. والآخر: أن العرب ربـما أخبر الرجل منهم عن رجل بفعلـين، فـيردّ الأول منهما فـي الـمعنى بثم، إذا كان من خبر الـمتكلـم، كما يقال: قد بلغنـي ما كان منك الـيوم، ثم ما كان منك أمس أعجب، فذلك نسق من خبر الـمتكلـم. والوجه الآخر: أن يكون خـلقه الزوج مردوداً علـى واحدها، كأنه قـيـل: خـلقكم من نفس وحدها ثم جعل منها زوجها، فـيكون فـي واحدة معنى: خـلقها وحدها، كما قال الراجز:
أَعْدَدْتَهُ للْـخَصْمِ ذِي التَّعَدِّي كَوَّحْتَهُ مِنْكَ بِدُونِ الـجَهُدِ
بـمعنى: الذي إذا تعدى كوحته، ومعنى: كوّحته: غلبته.

والقول الذي يقوله أهل العلـم أولـى بـالصواب، وهو القول الأوّل الذي ذكرت أنه يقال: إن الله أخرج ذرّية آدم من صلبه قبل أن يخـلق حوّاء، وبذلك جاءت الرواية عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقولان الآخران علـى مذاهب أهل العربـية...

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: { فِـي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَـلْقاً مِنْ بَعْدِ خَـلْقٍ } خـلق نطفة، ثم علقة، ثم مضغة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: يخـلقكم فـي بطون أمهاتكم من بعد خـلقه إياكم فـي ظهر آدم، قالوا: فذلك هو الـخـلق من بعد الـخـلق. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد { يَخْـلُقُكُمْ فِـي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَـلْقاً مِنْ بَعْدِ خَـلْقٍ } قال: خـلقاً فـي البطون من بعد الـخـلق الأوّل الذي خـلقهم فـي ظهر آدم.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب، القول الذي قاله عكرمة ومـجاهد، ومن قال فـي ذلك مثل قولهما، لأن الله جلّ وعزّ أخبر أنه يخـلقنا خـلقاً من بعد خـلق فـي بطون أمهاتنا فـي ظلـمات ثلاث، ولـم يخبر أنه يخـلقنا فـي بطون أمهاتنا من بعد خـلقنا فـي ظهر آدم، وذلك نـحو قوله:
{ وَلَقَدْ خَـلَقْنا الإنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِـي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَـلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً }...

اسامة محمد خيري
22-03-2017, 04:39
{ وَلا يَرْضَى لِعِبـادِهِ الكُفْرَ } وهم عبـاده الـمخـلصون الذين قال فـيهم:
{ إنَّ عِبـادِي لَـيْسَ لَكَ عَلَـيْهمْ سُلْطانٌ }
فألزمهم شهادة أن لا إله إلا الله وحَبَّبها إلـيهم.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي { وَلا يَرْضَى لِعِبـادِهِ الكُفْرَ } قال: لا يرضى لعبـاده الـمؤمنـين أن يكفروا.

وقال آخرون: بل ذلك عام لـجميع الناس، ومعناه: أيها الناس إن تكفروا، فإن الله غنـي عنكم، ولا يرضى لكم أن تكفروا به.

والصواب من القول فـي ذلك ما قال الله جلّ وعزّ: إن تكفروا بـالله أيها الكفـار به، فإن غنـيّ عن إيـمانكم وعبـادتكم إياه، ولا يرضى لعبـاده الكفر، بـمعنى: ولا يرضى لعبـاده أن يكفروا به، كما يقال: لست أحب الظلـم، وإن أحببت أن يظلـم فلان فلاناً فـيعاقب....

اسامة محمد خيري
22-03-2017, 04:46
حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ { وَجَعَلَ لِلّهِ أنْدَاداً } قال: الأنداد من الرجال: يطيعونهم فـي معاصي الله.

وقال آخرون: عنى بذلك أنه عبد الأوثان، فجعلها لله أنداداً فـي عبـادتهم إياها.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: عَنَى به أنه أطاع الشيطان فـي عبـادة الأوثان، فجعل له الأوثان أنداداً، لأن ذلك فـي سياق عتاب الله إياهم له علـى عبـادتها.

اسامة محمد خيري
23-03-2017, 04:28
واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { وَرَجُلاً سَلَـماً } فقرأ ذلك بعض قرّاء أهل مكة والبصرة: «وَرَجُلاً سالِـمَاً» وتأوّلوه بـمعنى: رجلاً خالصاً لرجل. وقد رُوي ذلك أيضاً عن ابن عبـاس.

حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن جرير بن حازم، عن حميد، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس أنه قرأها: «سالِـمَاً لِرَجُلٍ» يعنـي بـالألف، وقال: لـيس فـيه لأحد شيء.

وقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والكوفة: { وَرَجُلاً سَلَـماً لِرَجُلٍ } بـمعنى: صلـحاً.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علـماء من القرّاء، متقاربتا الـمعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب وذلك أن السَّلَـم مصدر من قول القائل: سَلِـيـم فلان لله سَلَـماً بـمعنى: خَـلَص له خُـلوصاً، تقول العرب: ربح فلان فـي تـجارته رِبْحاً ورَبَحاً، وسَلِـم سِلْـماً وسَلَـماً وسلامة، وأن السالـم من صفة الرجل، وسلـم مصدر من ذلك. وأما الذي توهمه من رغب من قراءة ذلك سَلَـماً من أن معناه صلـحاً، فلا وجه للصلـح فـي هذا الـموضع، لأن الذي تقدم من صفة الآخر، إنـما تقدّم بـالـخبر عن اشتراك جماعة فـيه دون الـخبر عن حربه بشيء من الأشياء، فـالواجب أن يكون الـخبر عن مخالفه بخـلوصه لواحد لا شريك له، ولا موضع للـخبر عن الـحرب والصلـح فـي هذا الـموضع. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: «رَجُلاً فِـيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سالِـماً لِرَجُلٍ» قال: هذا مثل إله البـاطل وإله الـحقّ.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِـيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ } قال: هذا الـمشرك تتنازعه الشياطين، لا يقرّبه بعضهم لبعض «وَرَجُلاً سالِـماً لِرَجُلٍ» قال: هو الـمؤمن أخـلص الدعوة والعبـادة.

اسامة محمد خيري
23-03-2017, 04:33
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: عُني بذلك: إنك يا محمد ستموت، وإنكم أيها الناس ستموتون، ثم إن جميعكم أيها الناس تختصمون عند ربكم، مؤمنكم وكافركم، ومحقوكم ومبطلوكم، وظالموكم ومظلوموكم، حتى يؤخذ لكلِّ منكم ممن لصاحبه قبله حق حقُّه.

وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب لأن الله عمّ بقوله: { ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } خطاب جميع عباده، فلم يخصص بذلك منهم بعضاً دون بعض، فذلك على عمومه على ما عمه الله به وقد تنزل الآية في معنى، ثم يكون داخلاً في حكمها كلّ ما كان في معنى ما نزلت به.

اسامة محمد خيري
23-03-2017, 04:36
والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره عنى بقوله: { وَالَّذِي جاءَ بالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ } كلّ من دعا إلى توحيد الله، وتصديق رسوله، والعمل بما ابتعث به رسوله صلى الله عليه وسلم من بين رسل الله وأتباعه والمؤمنين به، وأن يقال: الصدق هو القرآن، وشهادة أن لا إله إلا الله، والمصدّق به: المؤمنون بالقرآن، من جميع خلق الله كائنا من كان من نبيّ الله وأتباعه.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن قوله تعالى ذكره: { وَالَّذِي جاءَ بالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ } عُقيب قوله:
{ فَمَنْ أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ على اللَّهِ، وَكَذَّبَ بالصّدْقِ إذْ جاءَهُ }
وذلك ذمّ من الله للمفترين عليه، المكذّبين بتنزيله ووحيه، الجاحدين وحدانيته، فالواجب أن يكون عقيب ذلك مدح من كان بخلاف صفة هؤلاء المذمومين، وهم الذين دعوهم إلى توحيد الله، ووصفه بالصفة التي هو بها، وتصديقهم بتنزيل الله ووحيه، والذين هم كانوا كذلك يوم نزلت هذه الآية، رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن بعدهم، القائمون في كل عصر وزمان بالدعاء إلى توحيد الله، وحكم كتابه، لأن الله تعالى ذكره لم يخصّ وصفه بهذه الصفة التي في هذه الآية على أشخاص بأعيانهم، ولا على أهل زمان دون غيرهم، وإنما وصفهم بصفة، ثم مدحهم بها، وهي المجيء بالصدق والتصديق به، فكل من كان كذلك وصفه فهو داخل في جملة هذه الآية إذا كان من بني آدم.

ومن الدليل على صحة ما قلنا أن ذلك كذلك في قراءة ابن مسعود: «والَّذِينَ جاءُوا بالصدْقِ وصدَّقُوا بِهِ» فقد بين ذلك من قراءته أن الذي من قوله { وَالَّذِي جاءَ بالصِّدْقِ } لم يعن بها واحد بعينه، وأنه مراد بها جِمَاعٌ ذلك صفتهم، ولكنها أخرجت بلفظ الواحد، إذ لم تكن مؤقتة. وقد زعم بعض أهل العربية من البصريين، أن «الذي» في هذا الموضع جُعل في معنى جماعة بمنزلة «مَن». ومما يؤيد ما قلنا أيضاً قوله: { أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ } فجُعل الخبر عن «الذي» جماعا، لأنها في معنى جماع. وأما الذين قالوا: عني بقوله: { وَصَدَّقَ بِهِ }: غير الذي جاء بالصدق، فقول بعيد من المفهوم، لأن ذلك لو كان كما قالوا لكان التنزيل: والذي جاء بالصدق، والذي صدق به أولئك هم المتقون فكانت تكون «الذي» مكرّرة مع التصديق، ليكون المصدق غير المصدق فأما إذا لم يكرّر، فإن المفهوم من الكلام، أن التصديق من صفة الذي جاء بالصدق، لا وجه للكلام غير ذلك. وإذا كان ذلك كذلك، وكانت «الذي» في معنى الجماع بما قد بيَّنا، كان الصواب من القول فـي تأويـله ما بَيَّنا.

اسامة محمد خيري
23-03-2017, 04:56
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عني تعالى ذكره بذلك جميع من أسرف على نفسه من أهل الإيمان والشرك، لأن الله عمّ بقوله { يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ } جميع المسرفين، فلم يخصص به مسرفاً دون مسرف.

فإن قال قائل: فيغفر الله الشرك؟ قيل: نعم إذا تاب منه المشرك. وإنما عني بقوله { إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذنُوبَ جَمِيعاً } لمن يشاء، كما قد ذكرنا قبل، أن ابن مسعود كان يقرؤه: وأن الله قد استثنى منه الشرك إذا لم يتب منه صاحبه، فقال: إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فأخبر أنه لا يغفر الشرك إلا بعد توبة بقوله:
{ إلاَّ مَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صَالِحاً }
فأما ما عداه فإن صاحبه في مشيئة ربه، إن شاء تفضل عليه، فعفا له عنه، وإن شاء عدل عليه فجازاه به.

اسامة محمد خيري
23-03-2017, 05:01
وقوله: { وَاتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ } يقول تعالى ذكره: واتبعوا أيها الناس ما أمركم به ربكم في تنزيله، واجتنبوا ما نهاكم فيه عنه، وذلك هو أحسن ما أنزل إلينا من ربنا.

فإن قال قائل: ومن القرآن شيء وهو أحسن من شيء؟ قيل له: القرآن كله حسن، وليس معنى ذلك ما توهمت، وإنما معناه: واتبعوا مما أنزل إليكم ربكم من الأمر والنهي والخبر، والمثل، والقصص، والجدل، والوعد، والوعيد أحسنه وأحسنه أن تأتمروا لأمره، وتنتهوا عما نهى عنه، لأن النهي مما أنزل في الكتاب، فلو عملوا بما نهوا عنه كانوا عاملين بأقبحه، فذلك وجهه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ { واتَّبِعُوا أحْسَن ما أنْزِل إلَيْكمْ مِنْ رَبِّكُمْ } يقول: ما أمرتم به في الكتاب { مِنْ قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ }.

اسامة محمد خيري
24-03-2017, 04:23
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا المحاربي عبد الرحمن بن محمد، عن إسماعيل بن رافع المدني، عن يزيد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يُنْفَخُ في الصُّور ثَلاث نَفَخاتٍ: الأُولى: نَفْخَة الفَزَعِ، والثَّانِيَةُ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثَّالِثَةُ: نَفْخَةُ الْقِيامِ لِرَبّ العالَمِينَ تَبارَكَ وَتَعالى يأْمُرُ اللَّهُ إسْرَافِيلَ بالنَّفْخَةِ الأُولى، فَيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ، فَتَفْزَعُ أهْلُ السَّمَوَاتِ وأهْلُ الأرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ " قال أبو هريرة: يا رسولَ الله، فمن استثنىٰ حين يقول: { ففَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ } قال: " أُولَئِكَ الشُّهَداءُ، وإنَّما يَصلُ الفَزَعُ إلى الأحْياءِ، أُولَئِكَ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وَقاهُمُ اللَّهُ فَزَعَ ذلكَ اليَوْمِ وأمَّنَهُمُ، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ إسْرافِيلَ بنَفْخَةِ الصَّعْقِ، فَيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الصَّعْقِ، فَيَصْعَقُ أهْلُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ فإذا هُمْ خامِدُونَ، ثُمَّ يأتي مَلَكُ المَوْتِ إلى الجَبَّارِ تَبارَكَ وَتَعالى فَيَقُولُ: يا رَبّ قَدْ ماتَ أهْلُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ إلاَّ مَنْ شِئْتَ، فَيَقُولُ لَهُ وَهُوَ أعْلَمُ: فَمَنْ بَقِيَ؟ فَيَقُولُ: بَقِيتَ أنْتَ الحَيَّ الَّذِي لا يَمُوتُ، وَبَقِيَ حَمَلَةُ عَرْشِكَ، وَبَقِيَ جِبْرِيلَ وَمِيكائِيلُ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: اسْكتْ إنّي كتَبْتُ المَوْتَ على مَنْ كانَ تَحْتَ عَرْشِي ثُمَّ يأتي مَلَكُ المَوْتِ فَيَقُولُ: يا رَب قَدْ ماتَ جِبْرِيلُ وَمِيكائِيلُ فَيَقولُ اللَّهُ وَهُوَ أعْلَمُ: فَمَنْ بَقِيَ؟ فَيَقولُ: بَقِيتَ أنتَ الحيَّ الَّذِي لا يَمُوتُ، وَبَقِيَ حَمَلَةُ عَرْشِكَ، وَبَقِيتُ أنا، فَيَقُولُ اللَّهُ: فَلْيَمُتْ حَمَلَةُ العَرْشِ، فَيَمُوتُونَ وَيأْمُرُ اللَّهُ تعالى العَرْشَ فَيَقْبِضُ الصُّورَ. فَيَقُولُ: أيْ رَبّ قَدْ ماتَ حَمَلَةُ عَرْشِكَ فَيَقُولُ: مَنْ بَقِي؟ وَهُوَ أعْلَمُ، فَيَقُولُ: بَقِيت أنْتَ الحَيَّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَبَقِيتُ أنا، قال: فَيَقُولُ اللَّهُ: أنْتَ مِنْ خَلقِي خَلَقْتُكَ لِمَا رأيْتُ، فَمُتْ لا تَحْيَ، فَيَمُوتُ ". وهذا القول الذي رُوي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالصحة، لأن الصعقة في هذا الموضع: الموت. والشهداء وإن كانوا عند الله أحياء كما أخبر الله تعالى ذكره فإنهم قد ذاقوا الموت قبل ذلك.

وإنما عنى جلّ ثناؤه بالاستثناء في هذا الموضع، الاستثناء من الذين صعقوا عند نفخة الصعق، لا من الذين قد ماتوا قبل ذلك بزمان ودهر طويل وذلك أنه لو جاز أن يكون المراد بذلك من قد هلك، وذاق الموت قبل وقت نفخة الصعق، وجب أن يكون المراد بذلك من قد هلك، فذاق الموت من قبل ذلك، لأنه ممن لا يصعق في ذلك الوقت إذا كان الميت لا يجدّد له موت آخر في تلك الحال.

اسامة محمد خيري
24-03-2017, 04:26
وقوله: { وَجِيءَ بالنَّبِيِّينَ والشُّهدَاءِ } يقول: وجيء بالنبيين ليسألهم ربهم عما أجابتهم به أممهم، وردّت عليهم في الدنيا، حين أتتهم رسالة الله والشهداء، يعني بالشهداء: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يستشهدهم ربهم على الرسل، فيما ذكرت من تبليغها رسالة الله التي أرسلهم بها ربهم إلى أممها، إذ جحدت أممهم أن يكونوا أبلغوهم رسالة الله، والشهداء: جمع شهيد، وهذا نظير قول الله: { وكَذلكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ على النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً } وقيل: عُني بقوله: الشُّهدَاء: الذين قتلوا في سبيل الله وليس لما قالوا من ذلك في هذا الموضع كبير معنى، لأن عقيب قوله: { وَجِيءَ بالنَّبِيِّينَ والشهدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالحَقّ } ، وفي ذلك دليل واضح على صحة ما قلنا من أنه إنما دعى بالنبيين والشهداء للقضاء بين الأنبياء وأممها، وأن الشهداء إنما هي جمع شهيد، الذين يشهدون للأنبياء على أممهم كما ذكرنا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله { وَجِيءَ بالنَّبِيِّينِ وَالشُّهدَاءِ } فإنهم ليشهدون للرسل بتبليغ الرسالة، وبتكذيب الأمم إياهم.

اسامة محمد خيري
24-03-2017, 04:31
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: الجواب متروك، وإن كان القول الآخر غير مدفوع، وذلك أن قوله: { وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ } يدلّ على أن في الكلام متروكاً، إذ كان عقيبه { وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدّقَنا وَعْدَهُ } وإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها: سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين، دخلوها وقالوا: الحمد لله الذي صدقنا وعده....

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وأوْرَثَنا الأرْضَ } قال: أرض الجنة، وقرأ:
{ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ }
وقوله: { نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيثُ نَشاءُ } يقول: نتخذ من الجنة بيتاً، ونسكن منها حيث نحبّ ونشتهي، كما:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ { نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ } ننزل منها حيث نشاء.

اسامة محمد خيري
24-03-2017, 04:48
سورة غافر

واختلف أهل العربية في وجه دخول هذه اللام في قوله: { لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ } فقال بعض أهل العربية من أهل البصرة: هي لام الابتداء، كأن ينادون يقال لهم، لأن في النداء قول قال: ومثله في الإعراب يقال: لزيد أفضل من عمرو. وقال بعض نحوييِّ الكوفة: المعنى فيه: ينادون إن مقت الله إياكم، ولكن اللام تكفي من أن تقول في الكلام: ناديت أنّ زيداً قائم، قال: ومثله قوله:
{ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حتى حِينِ }
اللام بمنزلة «إن» في كلّ كلام ضارع القول مثل ينادون ويخبرون، وأشباه ذلك.

وقال آخر غيره منهم: هذه لام اليمين، تدخل مع الحكاية، وما ضارع الحكاية لتدلّ على أن ما بعدها ائتناف. قال: ولا يجوز في جوابات الأيمان أن تقوم مقام اليمين، لأن اللام كانت معها النون أو لم تكن، فاكتفى بها من اليمين، لأنها لا تقع إلا معها.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: دخلت لتؤذن أن ما بعدها ائتناف وأنها لام اليمين

اسامة محمد خيري
25-03-2017, 04:22
وقوله: { وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمَانَهُ } اختلف أهل العلم في هذا الرجل المؤمن، فقال بعضهم: كان من قوم فرعون، غير أنه كان قد آمن بموسى، وكان يُسِرّ إيمانه من فرعون وقومه خوفاً على نفسه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ { وَقَالَ رَجُلٌ مُوءْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ } قال: هو ابن عمّ فرعون.

ويقال: هو الذي نجا مع موسى، فمن قال هذا القول، وتأوّل هذا التأويل، كان صواباً الوقف إذا أراد القارىء الوقف على قوله: { مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ } ، لأن ذلك خبر متناه قد تمّ.

وقال آخرون: بل كان الرجل إسرائيلياً، ولكنه كان يكتم إيمانه من آل فرعون.

والصواب على هذا القول لمن أراد الوقف أن يجعل وقفه على قوله: { يَكْتُمُ إيمَانَهُ } لأن قوله: { مِنَ آلِ فِرْعَوْنَ } صلة لقوله: { يَكْتمُ إيمَانَهُ } فتمامه قوله: يكتم إيمانه، وقد ذكر أن اسم هذا الرجل المؤمن من آل فرعون: جبريل، كذلك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق.

وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي القول الذي قاله السدي من أن الرجل المؤمن كان من آل فرعون، قد أصغى لكلامه، واستمع منه ما قاله، وتوقَّف عن قتل موسى عند نهيه عن قتله، وقيله ما قال، وقال له: ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، ولو كان إسرائيلياً لكان حرياً أن يعاجل هذا القائل له، ولملئه ما قال بالعقوبة على قوله، لأنه لم يكن يستنصح بني إسرائيل، لاعتداده إياهم أعداء له، فكيف بقوله عن قتل موسى لو وجد إليه سبيلاً؟ ولكنه لما كان من ملأ قومه، استمع قوله، وكفّ عما كان همّ به في موسى....

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن هذا المؤمن أنه عمّ بقوله: { إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هو مُسْرِفٌ كَذَّابٌ } والشرك من الإسراف، وسفك الدم بغير حقّ من الإسراف، وقد كان مجتمعاً في فرعون الأمران كلاهما، فالحقّ أن يعمّ ذلك كما أخبر جلّ ثناؤه عن قائله، أنه عمّ القول بذلك.

اسامة محمد خيري
25-03-2017, 04:28
قال فرعون { أُرِيكُمْ إلاَّ ما أرَى } يقول: قال فرعون مجيباً لهذا المؤمن الناهي عن قتل موسى: ما رأيكم أيها الناس من الرأي والنصيحة إلا ما أرى لنفسي ولكم صلاحاً وصواباً، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. يقول: وما أدعوكم إلا إلى طريق الحقّ والصواب في أمر موسى وقتله، فإنكم إن لم تقتلوه بدّل دينكم، وأظهر في أرضكم الفساد.

اسامة محمد خيري
25-03-2017, 04:36
وقرأ ذلك آخرون: «يَوْمَ التَّنادِّ» بتشديد الدال، بمعنى: التفاعل من النَّدّ، وذلك إذا هربوا فنَدّوا في الأرض، كما تَنِدّ الإبل: إذا شَرَدَت على أربابها. ذكر من قال ذلك كذلك، وذكر المعنى الذي قَصَد بقراءته ذلك كذلك:

حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقيّ، قال: ثنا أبو أسامة، عن الأجلح، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، قال: إذا كان يوم القيامة، أمر الله السماء الدنيا فتشقَّقت بأهلها، ونزل من فيها من الملائكة، فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، فصفوا صفاً دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدّوا فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا السبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قول الله: { إنّي أخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ توَلَّونَ مُدْبِرِين } وذلك قوله:
{ وَجاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفَّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ }
وقوله:
{ يا مَعْشَرَ الجِنّ والإنْس إن اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِنْ أقْطارِ السَّمَوَاتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلاَّ بِسُلْطانٍ }
وذلك قوله:
{ وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِي يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالمَلَكُ على أرْجائِها }
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله { يَوْمَ التَّنادِ } قال: تَنِدُّون.

ورُوِي عن الحسن البصري أنه قرأ ذلك: «يَوْمَ التَّنادِي» بإثبات الياء وتخفيف الدال.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، وهو تخفيف الدال وبغير إثبات الياء، وذلك أن ذلك هو القراءة التي عليها الحجة مجمعة من قرّاء الأمصار، وغير جائز خلافها فيما جاءت به نقلاً. فإذا كان ذلك هو الصواب، فمعنى الكلام: ويا قوم إني أخاف عليكم يوم ينادي الناس بعضُهم بعضاً، إما من هول ما قد عاينوا من عظيم سلطان الله، وفظاعة ما غشيهم من كرب ذلك اليوم، وإما لتذكير بعضهم بعضاً إنجاز الله إياهم الوعد الذي وعدهم في الدنيا، واستغاثة من بعضهم ببعض، مما لقي من عظيم البلاء فيه....

وقوله: { يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ } فتأويله على التأويل الذي ذكرنا من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يَوْمَ يُوَلّونَ هارِبِينَ فِي الأرْضِ حِذَارَ عَذَابِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ عِنْدَ مُعايَنَتِهِمْ جَهَنَّمَ "

وتأويله على التأويل الذي قاله قتادة في معنى { يَوْمَ التَّنادِ }: يوم تولُّون مُنْصَرِفِينَ عن موقف الحساب إلى جهنم. وبنحو ذلك رُوي الخبر عنه، وعمن قال نحو مقالته في معنى { يَوْمَ التَّنادِ }. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ }: أي منطلقاً بكم إلى النار.

وأولى القولين في ذلك بالصواب، القول الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان الذي قاله قتادة في ذلك غير بعيد من الحقّ، وبه قال جماعة من أهل التأويل....

اسامة محمد خيري
25-03-2017, 04:44
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار، خلا أبي عمرو بن العلاء، على: { كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ } بإضافة القلب إلى المتكبر، بمعنى الخبر عن أن الله طبع على قلوب المتكبرين كلها ومن كان ذلك قراءته، كان قوله «جبار». من نعت «متكبر». وقد رُوي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ذلك «كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ على قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ».

حدثني بذلك ابن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثني حجاج، عن هارون أنه كذلك في حرف ابن مسعود.

وهذا الذي ذُكر عن ابن مسعود من قراءته يحقق قراءة من قرأ ذلك بإضافة قلب إلى المتكبر، لأن تقديم «كل» قبل القلب وتأخيرها بعده لا يغير المعنى، بل معنى ذلك في الحالتين واحد. وقد حُكي عن بعض العرب سماعاً: هو يرجِّل شعره يوم كلّ جمعة، يعني: كلّ يوم جمعة. وأما أبو عمرو فقرأ ذلك بتنوين القلب وترك إضافته إلى متكبر، وجعل المتكبر والجبار من صفة القلب.

وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بإضافة القلب إلى المتكبر، لأن التكبر فعل الفاعل بقلبه، كما أن القاتل إذا قتل قتيلاً وإن كان قتله بيده، فإن الفعل مضاف إليه، وإنما القلب جارحة من جوارح المتكبر. وإن كان بها التكبر، فإن الفعل إلى فاعله مضاف، نظير الذي قلنا في القتل، وذلك وإن كان كما قلنا، فإن الأخرى غير مدفوعة، لأن العرب لا تمنع أن تقول: بطشت يد فلان، ورأت عيناه كذا، وفهم قلبه، فتضيف الأفعال إلى الجوارح، وإن كانت في الحقيقة لأصحابها.

اسامة محمد خيري
25-03-2017, 04:47
لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ } اختلف أهل التأويل في معنى الأسباب في هذا الموضع، فقال بعضهم: أسباب السموات: طرقها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن هشام، قال: ثنا عبد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السديّ، عن أبي صالح { أسْبابَ السَّمَوَاتِ } قال: طُرُق السموات.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ { أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّمَوَاتِ } قال: طُرُق السموات.

وقال آخرون: عُني بأسباب السموات: أبواب السموات. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لي صَرْحاً } وكان أوّل من بنى بهذا الآجر وطبخه { لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّمَوَاتِ }: أي أبواب السموات.

وقال آخرون: بل عُني به مَنْزِل السماء. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّمَوَاتِ } قال: منزل السماء.

وقد بيَّنا فيما مضى قبل، أن السبب: هو كلّ ما تُسَبِّبَ به إلى الوصول إلى ما يطلب من حبل وسلم وطريق وغير ذلك.

فأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: معناه لعلي أبلغ من أسباب السموات أسباباً أتسبب بها إلى رؤية إله موسى، طرقاً كانت تلك الأسباب منها، أو أبواباً، أو منازل، أو غير ذلك....

وقوله: { فأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسَى } اختلف القرّاء في قراءة قوله: { فأطَّلِعَ } فقرأت ذلك عامة قرّاء الأمصار: «فأطَّلِعُ» بضم العين: ردّا على قوله: { أبْلُغُ الأسْبابَ } وعطفاً به عليه. وذُكر عن حميد الأعرج أنه قرأ { فأطِّلِعَ } نصباً جواباً للعَلِّي، وقد ذكر الفرّاء أن بعض العرب أنشده:
عَلِّ صُرُوفِ الدَّهْرِ أَوْ دُولاتِها يُدِيلْنَنا اللَّمَّةَ مِنْ لَمَّاتِها
فَتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِنْ زَفْرَاتِها
فنصب فتستريحَ على أنها جواب للعلّ.

والقراءة التي لا أستجيز غيرها الرفع في ذلك، لإجماع الحجة من القراء عليه...


وقرأ ذلك حميد وأبو عمرو وعامة قرّاء البصرة «وَصَدَّ» بفتح الصاد، بمعنى: وأعرض فرعون عن سبيل الله التي ابتُعِث بها موسى استكباراً.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان في قرأة الأمصار، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

اسامة محمد خيري
25-03-2017, 04:57
وأنَّ المُسْرِفِينَ هُمْ أصحَابُ النَّارِ } يقول: وإن المشركين بالله المتعدّين حدوده، القتلة النفوس التي حرّم الله قتلها، هم أصحاب نار جهنم عند مرجعنا إلى الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في معنى المسرفين في هذا الموضع، فقال بعضهم: هم سفاكو الدماء بغير حقها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله: { وإن الُمْسرفين هُمُ أصحابُ النارِ } قال: هم السفاكون الدماء بغير حقها.

حدثناعليّ بن سهل، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في قول الله { وأنَّ المُسْرِفينَ هْمُ أصحابُ النارِ } قال: هم السفاكون الدماء بغير حقها.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { وأنَّ المُسْرِفينَ } قال: السفاكون الدماء بغير حقها، هم أصحاب النار.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وأنَّ المُسْرِفِينَ هُمْ أصحابُ النارِ } قال: سماهم الله مسرفين، فرعون ومن معه.

وقال آخرون: هم المشركون. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، { وأنَّ المُسْرِفينَ هُمْ أصحَابُ النَّارِ }: أي المشركون.

وقد بيَّنا معنى الإسراف فيما مضى قَبْلُ بما فيه الكفاية من إعادته في هذا الموضع.

وإنما اخترنا في تأويل ذلك في هذا الموضع ما اخترنا، لأن قائل هذا القول لفرعون وقومه، إنما قصد فرعون به لكفره، وما كان همّ به من قتل موسى، وكان فرعون عالياً عاتياً في كفره بالله سفاكاً للدماء التي كان محرّماً عليه سفكها، وكلّ ذلك من الإسراف، فلذلك اخترنا ما اخترنا من التأويل في ذلك.

اسامة محمد خيري
25-03-2017, 05:02
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { غُدُوّاً وَعَشِيًّا } قال: ما كانت الدنيا.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أن آل فرعون يعرضون على النار غدوّاً وعشياً. وجائز أن يكون ذلك العرض على النار على نحو ما ذكرناه عن الهذيل ومن قال مثل قوله، وإن يكون كما قال قتادة، ولا خبر يوجب الحجة بأن ذلك المعنيّ به، فلا في ذلك إلا ما دلّ عليه ظاهر القرآن، وهم أنهم يعرضون على النار غدوّاً وعشياً، وأصل الغدوّ والعشيّ مصادر جعلت أوقاتاً....

وقوله: { وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذَابِ } اختلفت القراء في قراءة ذلك فقرأته عامة قرّاء أهل الحجاز والعراق سوى عاصم وأبي عمرو { وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ } بفتح الألف من أدخلوا في الوصل والقطع بمعنى: الأمر بإدخالهم النار. وإذا قُرىء ذلك كذلك، كان الآل نصباً بوقوع أدخلوا عليه، وقرأ ذلك عاصم وأبو عمرو: «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا» يوصل الألف وسقوطها في الوصل من اللفظ، وبضمها إذا ابتدىء بعد الوقف على الساعة، ومن قرأ ذلك كذلك، كان الآل على قراءته نصباً بالنداء، لأن معنى الكلام على قراءته: ادخلو يا آل فرعون أشدّ العذاب.

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال إنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. فمعنى الكلام إذن: ويوم تقوم الساعة يقال لآل فرعون: ادخلوا يا آل فرعون أشدّ العذاب، فهذا على قراءة من وصل الألف من ادخلوا ولم يقطع، ومعناه على القراءة الأخرى، ويوم تقوم الساعة يقول الله لملائكته { أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذَابِ }.

اسامة محمد خيري
26-03-2017, 05:23
واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية، فقال بعضهم: عنى بها أهل القدر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، قالا: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن داود بن أبي هند، عن محمد بن سيرين، قال: إن لم تكن هذه الآية نزلت في القدرية، فإني لا أدري فيمن نزلت: { ألَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أنى يُصْرَفُونَ } إلى قوله:
{ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كذَلكَ يُضِلّ اللَّهُ الكافِرِينَ }
حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن ابن سيرين، قال: إن لم يكن أهل القدر الذين يخوضون في آيات الله فلا علم لنا به.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أبي الخير الزيادي، عن أبي قبيل، قال: أخبرني عقبة بن عامر الجهني، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " سَيَهْلِكُ مِنْ أُمَّتِي أهْلُ الكِتابِ، وأهْلُ اللِّينِ " فقال عقبة: يا رسول الله، وما أهل الكتاب؟ قال: " قَوْمٌ يَتَعَلَّمُونَ كِتابَ اللَّهِ يُجادِلُونَ الَّذِينَ آمَنُوا " فقال عقبة: يا رسول الله، وما أهل اللِّين؟ قال: " قَوْمٌ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ، ويُضَيِّعُونَ الصَّلَوَاتِ ". قال أبو قبيل: لا أحسب المكذّبين بالقدر إلا الذين يجادلون الذين آمنوا، وأما أهل اللِّين، فلا أحسبهم إلا أهل العمود ليس عليهم إمام جماعة، ولا يعرفون شهر رمضان.

وقال آخرون: بل عنى به أهل الشرك. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { ألَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أنى يُصْرَفُونَ } قال: هؤلاء المشركون.

والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن زيد وقد بين الله حقيقة ذلك بقوله:
{ الَّذِينَ كَذَّبُوا بالْكِتَابِ وبِمَا أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا }

اسامة محمد خيري
27-03-2017, 05:15
سورة فصلت

اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: معناه: الذين لا يعطون الله الطاعة التي تطهرهم، وتزَكِّي أبدانهم، ولا يوحدونه وذلك قول يُذكر عن ابن عباس. ذكر الرواية بذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { وَوَيْلٌ للْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤتُونَ الزَّكاةَ } قال: هم الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله.

حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا حفص، قال: ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، قوله: { وَوَيْلٌ للْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ }: الذين لا يقولون لا إله إلا الله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: الذين لا يقرّون بزكاة أموالهم التي فرضها الله فيها، ولا يعطونها أهلها. وقد ذكرنا أيضاً قائلي ذلك قبلُ. وقد:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَوَيْلٌ للْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤتُونَ الزَّكاةَ } قال: لا يقرّون بها ولا يؤمنون بها. وكان يقال: إن الزكاة قنطرة الإسلام، فمن قطعها نجا، ومن تخلف عنها هلك وقد كان أهل الردّة بعد نبيّ الله قالوا: أما الصلاة فنصلّي، وأما الزكاة فوالله لا تغصب أموالنا قال: فقال أبو بكر: والله لا أفرّق بين شيء جمع الله بينه واللَّهِ لو منعوني عِقالاً مما فرض الله ورسوله لقاتلناهم عليه.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ { وَوَيْلٌ للْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤتُونَ الزَّكاةَ } قال: لو زَكّوا وهم مشركون لم ينفعهم.

والصواب من القول في ذلك ما قاله الذين قالوا: معناه: لا يؤدّون زكاة أموالهم وذلك أن ذلك هو الأشهر من معنى الزكاة، وأن في قوله: { وَهُمْ بالآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ } دليلاً على أن ذلك كذلك، لأن الكفار الذين عنوا بهذه الآية كانوا لا يشهدون أن لا إله إلا الله، فلو كان قوله: { الَّذِينَ لا يُؤتُونَ الزَّكاةَ } مراداً به الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله لم يكن لقوله: { وَهُمْ بالآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ } معنى، لأنه معلوم أن من لا يشهد أن لا إله إلا الله لا يؤمن بالآخرة، وفي اتباع الله قوله: { وَهُمْ بالآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ } قوله: { الَّذِينَ لا يُؤتُونَ الزَّكاةَ } ما ينبىء عن أن الزكاة في هذا الموضع معنيٌّ بها زكاة الأموال.

اسامة محمد خيري
27-03-2017, 05:22
والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى أخبر أنه قدّر في الأرض أقوات أهلها، وذلك ما يقوتهم من الغذاء، ويصلحهم من المعاش، ولم يخصص جلّ ثناؤه بقوله: { وَقَدَّرَ فِيها أقْوَاتَها } أنه قدّر فيها قوتاً دون قوت، بل عمّ الخبر عن تقديره فيها جميع الأقوات، ومما يقوت أهلها ما لا يصلحهم غيره من الغذاء، وذلك لا يكون إلا بالمطر والتصرفّ في البلاد لما خصّ به بعضاً دون بعض، ومما أخرج من الجبال من الجواهر، ومن البحر من المآكل والحليّ، ولا قول في ذلك أصحّ مما قال جلّ ثناؤه: قدّر في الأرض أقوات أهلها، لما وصفنا من العلة.....

واختلفت القراء في قراءة ذلك. فقرأته عامة قراء الأمصار غير أبي جعفر والحسن البصري: { سَوَاءً } بالنصب. وقرأه أبو جعفر القارىء: «سَوَاءٌ» بالرفع. وقرأ الحسن: «سَوَاءٍ» بالجر.

والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قراءة الأمصار، وذلك قراءته بالنصب لإجماع الحجة من القراء عليه، ولصحة معناه. وذلك أن معنى الكلام: قدر فيها أقواتها سواء لسائليها على ما بهم إليه الحاجة، وعلى ما يصلحهم....

وقد اختلف أهل العربية في وجه نصب سواءً، فقال بعض نحويي البصرة: من نصبه جعله مصدراً، كأنه قال: استواء. قال: وقد قُرىء بالجرّ وجعل اسماً للمستويات: أي في أربعة أيام تامَّة. وقال بعض نحويي الكوفة: من خفض سواء، جعلها من نعت الأيام، وإن شئت من نعت الأربعة، ومن نصبها جعلها متَّصلة بالأقوات. قال: وقد تُرفع كأنه ابتداء، كأنه قال: ذلك { سَوَاءً للسَّائِلِينَ } يقول: لمن أراد علمه.

والصواب من القول في ذلك أن يكون نصبه إذا نصب حالاً من الأقوات، إذ كانت سواء قد شبهت بالأسماء النكرة، فقيل: مررت بقوم سواء، فصارت تتبع النكرات، وإذا تبعت النكرات انقطعت من المعارف فنصبت، فقيل: مررت بإخوتك سواء، وقد يجوز أن يكون إذا لم يدخلها تثنية ولا جمع أن تشبه بالمصادر. وأما إذا رُفعت، فإنما تُرفع ابتداء بضمير ذلك ونحوه، وإذا جُرّت فعلى الإتباع للأيام أو للأربعة....

اسامة محمد خيري
27-03-2017, 05:46
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد، وذلك أن قوله: { صَرْصَراً } إنما هو صوت الريح إذا هبَّت بشدّة، فسُمع لها كقول القائل: صرر، ثم جعل ذلك من أجل التضعيف الذي في الراء، فقال ثم أبدلت إحدى الراءات صاداً لكثرة الراءات، كما قيل في ردّده: ردرده، وفي نههه: نهنهه، كما قال رؤبة:
فالْيَوْمَ قَدْ نَهْنَهَنِي تَنَهْنُهِي وأوَّلُ حِلْمٍ لَيْسَ بالمُسَفَّهِ
وكما قيل في كففه: كفكفه، كما قال النابغة:

أُكَفْكِفُ عَبْرَةً غَلَبَتْ عُداتِي إذَا نَهْنَهْتُها عادَتْ ذُباحا
وقد قيل: إن النهر الذي يسمى صرصراً، إنما سمي بذلك لصوت الماء الجاري فيه، وإنه «فعلل» من صرر نظير الريح الصرصر....

وقال آخرون: النحسات: الشداد. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول { في أيَّامٍ نَحِساتٍ } قال: شداد.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال عنى بها: أيام مشائيم ذات نحوس، لأن ذلك هو المعروف من معنى النحس في كلام العرب.

اسامة محمد خيري
27-03-2017, 06:01
وقال آخرون: معناه: وما كنتم تتقون. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ } قال: تتقون.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما كنتم تظنون. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ } يقول: وما كنتم تظنون { أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أبْصَارُكُمْ } حتى بلغ { كَثِيراً مِمَّا } كنتم { تَعْملَونَ } ، والله إن عليك با ابن آدم لشهوداً غير متهمة من بدنك، فراقبهم واتق الله في سرّ أمرك وعلانيتك، فإنه لا يخفى عليه خافية، الظلمة عنده ضوء، والسرّ عنده علانية، فمن استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظنّ فليفعل، ولا قوّة إلا بالله.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: وما كنتم تستَخْفُون، فتتركوا ركوب محارم الله في الدنيا حذراً أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم اليوم.

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن المعروف من معاني الاستتار الاستخفاء.

فإن قال قائل: وكيف يستخفى الإنسان عن نفسه مما يأتي؟ قيل: قد بيَّنا أن معنى ذلك إنما هو الأماني، وفي تركه إتيانه إخفاؤه عن نفسه....

اسامة محمد خيري
28-03-2017, 05:15
وقال آخرون: معناه: إن الباطل لا يطيق أن يزيد فيه شيئاً من الحروف ولا ينقص منه شيئاً منها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ { لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ } قال: الباطل: هو الشيطان لا يستطيع أن يزيد فيه حرفاً ولا ينقص.

وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: معناه: لا يستطيع ذو باطل بكيده تغييره بكيده، وتبديل شيء من معانيه عما هو به، وذلك هو الإتيان من بين يديه، ولا إلحاق ما ليس منه فيه، وذلك إتيانه من خلفه.

اسامة محمد خيري
28-03-2017, 05:23
وقد خالف هذا القول الذي ذكرناه عن هؤلاء آخرون، فقالوا: معنى ذلك { لَوْلا فُصّلَتْ آياتُهُ } بعضها عربيّ، وبعضها عجميّ. وهذا التأويل على تأويل من قرأ { أعْجَمِيّ } بترك الاستفهام فيه، وجعله خبراً من الله تعالى عن قيل المشركين ذلك، يعني: هلا فصّلت آياته، منها عجميّ تعرفه العجم، ومنها عربي تفقهه العرب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: قالت قريش: لولا أنزل هذا القرآن أعجمياً وعربياً، فأنزل الله { وقَالُوا لَوْلا فُصّلَتْ آياتُهُ أعْجَمِيّ وَعَربِيّ، قُلْ هُوَ للَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفاءٌ } فأنزل الله بعد هذه الآية كل لسان، فيه
{ حِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ }
قال: فارسية، أعربت: سنك وكَلَّ.

وقرأت قرّاء الأمصار: { أأعْجَمِيّ وَعَرَبِيّ } على وجه الاستفهام، وذُكر عن الحسن البصري أنه قرأ ذلك: أعجمي بهمزة واحدة على غير مذهب الاستفهام، على المعنى الذي ذكرناه عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا القراءة التي عليها قرّاء الأمصار لإجماع الحجة عليها على مذهب الاستفهام...

واختلف أهل العربية في موضع تمام قوله:
{ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالذّكْر لَمَّا جاءَهُمْ }
فقال بعضهم: تمامه: { أُولَئكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ } وجعل قائلوا هذا القول خبر
{ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالذّكْر }
{ أُولَئكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ } وقال بعض نحويي البصرة: ذلك ويجوز أن يكون على الأخبار التي في القرآن يستغنى بها، كما استغنت أشياء عن الخبر إذا طال الكلام، وعرف المعنى، نحو قوله:
{ وَلَوْ أنَّ قُرْآنا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ }
وما أشبه ذلك.

قال: وحدثني شيخ أهل العلم، قال: سمعت عيسى بن عمر يسأل عمرو بن عبيد
{ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالذّكْر لَمَّا جاءَهُمْ }
أين خبره؟ فقال عمرو: معناه في التفسير: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم كفروا به
{ وإنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ }
فقال عيسى: أجدت يا أبا عثمان.

وكان بعض نحويي الكوفة يقول: إن شئت جعلت جواب { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالذّكْر أُولَئكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ } وإن شئت كان جوابه في قوله:
{ وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزيزٌ }
فيكون جوابه معلوماً، فترك فيكون أعرب الوجهين وأشبهه بما جاء في القرآن.

وقال آخرون: بل ذلك مما انصرف عن الخبر عما ابتدىء به إلى الخبر عن الذي بعده من الذكر فعلى هذا القول ترك الخبر عن الذين كفروا بالذكر، وجعل الخبر عن الذكر فتمامه على هذا القول وإنه لكتاب عزيز فكان معنى الكلام عند قائل هذا القول: إن الذكر الذي كفر به هؤلاء المشركون لما جاءهم، وإنه لكتاب عزيز، وشبهه بقوله:
{ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجاً يَتَربَّصْنَ بأنْفُسِهِنَّ }
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: هو مما ترك خبره اكتفاء بمعرفة السامعين بمعناه لما تطاول الكلام.

اسامة محمد خيري
28-03-2017, 05:33
وقال آخرون: بل عنى بذلك أن يريهم نجوم الليل وقمره، وشمس النهار، وذلك ما وعدهم أنه يريهم في الآفاق. وقالوا: عنى بالآفاق: آفاق السماء، وبقوله: { وفِي أنْفُسِهِمْ } سبيل الغائط والبول. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وفِي أنْفُسِهِمْ } قال: آفاق السموات: نجومها وشمسها وقمرها اللاتي يجرين، وآيات في أنفسهم أيضاً.

وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الأوّل، وهو ما قاله السديّ، وذلك أن الله عزّ وجلّ وعد نبيه صلى الله عليه وسلم أن يُري هؤلاء المشركين الذين كانوا به مكذّبين آيات في الآفاق، وغير معقول أن يكون تهدّدهم بأن يريهم ما هم راؤوه، بل الواجب أن يكون ذلك وعداً منه لهم أن يريهم ما لم يكونوا رأوه قبل من ظهور نبيّ الله صلى الله عليه وسلم على أطراف بلدهم وعلى بلدهم، فأما النجوم والشمس والقمر، فقد كانوا يرونها كثيراً قبل وبعد ولا وجه لتهدّدهم بأنه يريهم ذلك.

اسامة محمد خيري
28-03-2017, 05:48
سورة الشورى

وقد اختلف أهل التأويل في معنى قوله: { يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ } في هذا الموضع، فقال بعضهم: معنى ذلك: يخلقكم فيه. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ } قال: نسل بعد نسل من الناس والأنعام.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله: { يَذْرَؤُكُمْ } قال: يخلقكم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد، في قوله: { يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ } قال: نسلاً بعد نسل من الناس والأنعام.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، أنه قال في هذه الآية: { يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ } قال: يخلقكم.

وقال آخرون: بل معناه: يعيشكم فيه. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ أزْوَاجاً وَمِنَ الأنْعام أزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ } يقول: يجعل لكم فيه معيشة تعيشون بها.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة { يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ } قال: يعيشكم فيه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ } قال: عيش من الله يعيشكم فيه.

وهذان القولان وإن اختلفا في اللفظ من قائليهما فقد يحتمل توجيههما إلى معنى واحد، وهو أن يكون القائل في معناه يعيشكم فيه، أراد بقوله ذلك: يحييكم بعيشكم به كما يحيى من لم يخلق بتكوينه إياه، ونفخه الروح فيه حتى يعيش حياً. وقد بيَّنت معنى ذرء الله الخلق فيما مضى بشواهده المغنية عن إعادته.
...

وقوله: { لَيْس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } فيه وجهان: أحدهما أن يكون معناه: ليس هو كشيء، وأدخل المثل في الكلام توكيداً للكلام إذا اختلف اللفظ به وبالكاف، وهما بمعنى واحد، كما قيل:


ما إنْ نَدِيتُ بشَيْءٍ أنْتَ تَكْرَهُهُ
فأدخل على «ما» وهي حرف جحد «إن» وهي أيضاً حرف جحد، لاختلاف اللفظ بهما، وإن اتفق معناهما توكيداً للكلام، وكما قال أوس بن حَجَر:
وَقَتْلَى كمِثْلِ جُذوعِ النَّخيل ْتَغَشَّاهُمْ مُسْبِلٌ مُنْهَمِرْ
ومعنى ذلك: كجذوع النخيل، وكما قال الآخر:
سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذَا أبْصَرْتَ فَضْلَهُمُ ما إنْ كمِثْلِهِمِ فِي النَّاسِ مِنَ أحَدِ
والآخر: أن يكون معناه: ليس مثله شيء، وتكون الكاف هي المدخلة في الكلام، كقول الراجز:

وَصَالِياتِ كَكَما يُؤْثَفَيْنِ
فأدخل على الكاف كافاً توكيداً للتشبيه، وكما قال الآخر:
تَنْفِي الغَيادِيقُ عَلى الطَّرِيقِ قَلَّصَ عَنْ كَبَيْضَةٍ فِي نِيقِ
فأدخل الكاف مع «عن»، وقد بيَّنا هذا في موضع غير هذا المكان بشرح هو أبلغ من هذا الشرح، فلذلك تجوّزنا في البيان عنه في هذا الموضع.

اسامة محمد خيري
29-03-2017, 05:22
وقال آخرون: بل معنى ذلك: قل لا أسألكم أيها الناس على ما جئتكم به أجراً إلا أن تَوَدَّدوا إلى الله، وتتقرّبوا بالعمل الصالح والطاعة. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ بن داود ومحمد بن داود أخوه أيضاً قالا: ثنا عاصم بن علي، قال: ثنا قزعة بن سويد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: " قُلْ لا أسألُكُمْ على ما أتَيْتُكُمْ بِهِ مِنَ البَيِّناتِ وَالهُدَى أجْراً إلاَّ أنُ تَوَدَّدُوا للّهِ، وتَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بطاعَتِهِ "

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن أنه قال في هذه الآية { قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْه أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى } قال: القُربى إلى الله.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عوف، عن الحسن، في قوله: { قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى } قال: إلا التقرّب إلى الله، والتودّد إليه بالعمل الصالح.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن: في قوله: { قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى } قل لا أسألكم على ما جئتكم به، وعلى هذا الكتاب أجراً، إلا المودّة في القربى، إلا أن تودّدوا إلى الله بما يقرّبكم إليه، وعمل بطاعته.

قال بشر: قال يزيد: وحدثنيه يونس، عن الحسن، حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { قُلْ لا أسألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبى } إلا أن تودّدوا إلى الله فيما يقرّبكم إليه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إلا أن تصلوا قرابتكم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، عن عبد الله بن القاسم، في قوله: { إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى } قال: أمرت أن تصل قرابتك.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، وأشبهها بظاهر التنزيل قول من قال: معناه: قل لا أسألكم عليه أجراً يا معشر قريش، إلا أن تودّوني في قرابتي منكم، وتصلوا الرحم التي بيني وبينكم.

وإنما قلت: هذا التأويل أولى بتأويل الآية لدخول «في» في قوله: { إلاَّ المَوَدَةَ فِي القُرْبَى } ، ولو كان معنى ذلك على ما قاله من قال: إلا أن تودّوا قرابتي، أو تقربوا إلى الله، لم يكن لدخول «في» في الكلام في هذا الموضع وجه معروف، ولكان التنزيل: إلا مودّة القربى إن عُنِيَ به الأمر بمودّة قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إلا المودّة بالقُرْبَى، أو ذا القربَى إن عُنِيَ به التودّد والتقرّب...

وفي دخول «في» في الكلام أوضح الدليل على أن معناه: إلا مودّتي في قرابتي منكم، وأن الألف واللام في المودّة أدخلتا بدلاً من الإضافة، كما قيل: { فَإنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأوَى }. وقوله: «إلا» في هذا الموضع استثناء منقطع. ومعنى الكلام: قل لا أسألكم عليه أجراً، لكن أسألكم المودّة في القُربى، فالمودّة منصوبة على المعنى الذي ذكرت. وقد كان بعض نحويي البصرة يقول: هي منصوبة بمضمر من الفعل، بمعنى: إلا أن أذكر مودّة قرابتي........

اسامة محمد خيري
29-03-2017, 05:28
يقول تعالى ذكره: ويجيب الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا بما أمرهم الله به، وانتهوا عما نهاهم عنه لبعضهم دعاء بعض. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثام، قال: ثنا الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن سلمة بن سبرة، قال: خطبنا معاذ، فقال: أنتم المؤمنون، وأنتم أهل الجنة، والله إني لأرجو أن من تصيبون من فارس والروم يدخلون الجنة، ذلك بأن أحدهم إذا عمل لأحدكم العمل قال: أحسنت رحمك الله، أحسنت غفر الله لك، ثم قرأ: { وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ }.

وقوله: { وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ } يقول تعالى ذكره: ويزيد الذين آمنوا وعملوا الصالحات مع إجابته إياهم دعاءهم، وإعطائه إياهم مسألتهم من فضله على مسألتهم إياه، بأن يعطيهم ما لم يسألوه. وقيل: إن ذلك الفضل الذي ضمن جلّ ثناؤه أن يزيدهموه، هو أن يشفعهم في إخوان إخوانهم إذا هم شفعوا في إخوانهم، فشفعوا فيهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابيّ، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن بشر، عن قتادة، عن إبراهيم النخعيّ في قول الله عزّ وجلّ: { وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ } قال: يُشَفَّعون في إخوانهم، ويزدهم من فضله، قال: يشفعون في إخوان إخوانهم.

وقوله: { والكافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } يقول جلّ ثناؤه: والكافرون بالله لهم يوم القيامة عذاب شديد على كفرهم به.

واختلف أهل العربية في معنى قوله: { وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا } فقال بعضهم: أي استجاب فجعلهم هم الفاعلين، فالذين في قوله رفع، والفعل لهم. وتأويل الكلام على هذا المذهب: واستجاب الذين آمنوا وعملوا الصالحات لربهم إلى الإيمان به، والعمل بطاعته إذ دعاهم إلى ذلك.

وقال آخر منهم: بل معنى ذلك: ويجيب الذين آمنوا. وهذا القول يحتمل وجهين: أحدهما الرفع، بمعنى: ويجيب الله الذين آمنوا. والآخر ما قاله صاحب القول الذي ذكرنا.

وقال بعض نحويي الكوفة: { وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا } يكون «الذين» في موضع نصب بمعنى: ويجيب الله الذين آمنوا. وقد جاء في التنزيل:
{ فاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ }
والمعنى: فأجاب لهم ربهم، إلا أنك إذا قلت استجاب، أدخلت اللام في المفعول وإذا قلت أجاب حذفت اللام، ويكون استجابهم، بمعنى: استجاب لهم، كما قال جلّ ثناؤه:
{ وَإذَا كالُوهُمْ أوْ وَزَنُوهُمْ }
والمعنى والله أعلم: وإذا كالوا لهم، أو وزنوا لهم
{ يُخْسِرُونَ }
قال: ويكون «الذين» في موضع رفع إن يجعل الفعل لهم، أي الذين آمنوا يستجيبون لله، ويزيدهم على إجابتهم، والتصديق به من فضله. وقد بيَّنا الصواب في ذلك من القول على ما تأوّله ومن ذكرنا قوله فيه.

اسامة محمد خيري
29-03-2017, 05:57
يقول تعالى ذكره: والذين إذا بغى عليهم باغٍ، واعتدى عليهم هم ينتصرون.

ثم اختلف أهل التأويل في الباغي الذي حمد تعالى ذكره، المنتصر منه بعد بغيه عليه، فقال بعضهم: هو المشرك إذا بغى على المسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرني ابن وهب قال: قال ابن زيد: ذكر المهاجرين صنفين، صنفاً عفا، وصنفاً انتصر، وقرأ { وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَوَاحِشَ وَإذَا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ } قال: فبدأ بهم
{ وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبّهِمْ... }
إلى قوله:
{ ومِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ }
وهم الأنصار. ثم ذكر الصنف الثالث فقال: { وَالَّذِينَ إذَا أصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ } من المشركين. وقال آخرون: بل هو كل باغٍ بغي فحمد المنتصر منه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: { وَالَّذِينَ إذَا أصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ } قال: ينتصرون ممن بغى عليهم من غير أن يعتدوا.

وهذا القول الثاني أولى في ذلك بالصواب، لأن الله لم يخصص من ذلك معنى دون معنى، بل حمد كلّ منتصر بحقّ ممن بغى عليه.

فإن قال قائل: وما في الانتصار من المدح؟ قيل: إن في إقامة الظالم على سبيل الحقّ وعقوبته بما هو له أهل تقويماً له، وفي ذلك أعظم المدح.

وقوله: { وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها } وقد بيَّنا فيما مضى معنى ذلك، وأن معناه: وجزاء سيئة المسيء عقوبته بما أوجبه الله عليه، فهي وإن كانت عقوبة من الله أوجبها عليه، فهي مَساءة له. والسيئة: إنما هي الفعلة من السوء، وذلك نظير قول الله عزّ وجلّ
{ وَمَنْ جاءَ بالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إلاَّ مِثْلَها }
وقد قيل: إن معنى ذلك: أن يجاب القائل الكلمة القزعة بمثلها. ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب، قال: قال لي أبو بشر: سمعت ابن أبي نجيح يقول في قوله: { وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها } قال: يقول أخزاه الله، فيقول: أخزاه الله.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها } قال: إذا شتمك بشتيمة فاشتمه مثلها من غير أن تعتدي. وكان ابن زيد يقول في ذلك بما:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في: { وَالَّذِينَ إذَا أصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ } من المشركين { وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، فَمَنْ عَفا وأصْلَحَ... } الآية، ليس أمركم أن تعفوا عنهم لأنه أحبهم
{ وَلَمَنِ انْتَصَر بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ }
، ثم نسخ هذا كله وأمره بالجهاد، فعلى قول ابن زيد هذا تأويل الكلام: وجزاء سيئة من المشركين إليكم، سيئة مثلها منكم إليهم، وإن عفوتم وأصلحتم في العفو، فأجركم في عفوكم عنهم إلى الله، إنه لا يحبّ الكافرين وهذا على قوله كقول الله عزّ وجلّ

{ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْل ما اعْتَدَى عَلَيْكُمْ، وَاتَّقُوا اللّهَ }
، وللذي قال من ذلك وجه. غير أن الصواب عندنا: أن تحمل الآية على الظاهر ما لم ينقله إلى الباطن ما يجب التسليم له، وأن لا يحكم لحكم في آية بالنسخ إلا بخبر يقطع العذر، أو حجة يجب التسليم لها، ولم تثبت حجة في قوله: { وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها } أنه مراد به المشركون دون المسلمين، ولا بأن هذه الآية منسوخة، فنسلم لها بأن ذلك كذلك....

وقد اختلف أهل التأويل في المعنيّ بذلك، فقال بعضهم: عني به كلّ منتصر ممن أساء إليه، مسلماً كان المسيء أو كافراً. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا معاذ، قال: ثنا ابن عون، قال: كنت أسأل عن الانتصار { وَلَمن انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ... } الآية، فحدثني عليّ بن زيد بن جدعان، عن أمّ محمد امرأة أبيه، قال ابن عون: زعموا أنها كانت تدخل على أمّ المؤمنين قالت: قالت أمّ المؤمنين: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندنا زينب بنت جحش، فجعل يصنع بيده شيئاً، ولم يفطن لها، فقلت بيدي حتى فطَّنته لها، فأمسك، وأقبلت زينب تقحم لعائشة، فنهاها، فأبت أن تنتهي، فقال لعائشة: «سُبيها» فسبتها وغلبتها وانطلقت زينب فأتت علياً، فقالت: إن عائشة تقع بكم وتفعل بكم، فجاءت فاطمة، فقال لها: «إنها حِبَّة أبيك ورَبّ الكَعْبَة»، فانصرفت وقالت لعليّ: إني قلت له كذا وكذا، فقال كذا وكذا قال: وجاء عليّ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فكلَّمه في ذلك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَلَمَنِ انْتَصَر بَعْدَ ظُلْمِهِ... } الآية، قال: هذا في الخمش يكون بين الناس.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ } قال: هذا فيما يكون بين الناس من القصاص، فأما لو ظلمك رجل لم يحلّ لك أن تظلمه.

وقال آخرون: بل عُنِي به الانتصار من أهل الشرك، وقال: هذا منسوخ. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَلَمَنِ انْتَصَر بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ } قال: لمن انتصر بعد ظلمه من المؤمنين انتصر من المشركين وهذا قد نسخ، وليس هذا في أهل الإسلام، ولكن في أهل الإسلام الذي قال الله تبارك وتعالى:
{ ادْفَعْ بالَّتِي هِيَ أحْسَنُ، فإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كأنَّهُ وَلِيّ حَمِيمٌ }


والصواب من القول أن يقال: إنه معنيّ به كلّ منتصر من ظالمه، وأن الآية محكمة غير منسوخة للعلة التي بينت في الآية قبلها.

اسامة محمد خيري
29-03-2017, 06:10
واختلف أهل العربية في وجه دخول «إن» في قوله: { إنَّ ذَلكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ } مع دخول اللام في قوله: { وَلَمِنْ صَبَر وَغَفَرَ } فكان نحويّ أهل البصرة يقول في ذلك: أما اللام التي في قوله: { وَلَمَنْ صَبَرَ وغَفَرَ } فلام الابتداء، وأما إن ذلك فمعناه والله أعلم: إن ذلك منه من عزم الأمور، وقال: قد تقول: مررت بالدار الذراع بدرهم: أي الذراع منها بدرهم، ومررت ببرّ قفيز بدرهم، أي قفيز منه بدرهم. قال: وأما ابتداء «إن» في هذا الموضع، فمثل
{ قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإنَّهُ مُلاَقِيكُمْ }
يجوز ابتداء الكلام، وهذا إذا طال الكلام في هذا الموضع.

وكان بعضهم يستخطيء هذا القول ويقول: إن العرب إذا أدخلت اللام في أوائل الجزاء أجابته بجوابات الأيمان بما، ولا، وإنّ واللام: قال: وهذا من ذاك، كما قال:
{ لئن أُخْرِجُوا لا يَخْرَجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ }
فجاء بلا وباللام جواباً للام الأولى. قال: ولو قال: لئن قمت إني لقائم لجاز ولا حاجة به إلى العائد، لأن الجواب في اليمين قد يكون فيه العائد، وقد لا يكون ألا ترى أنك تقول: لئن قمت لأقومنَّ، ولا أقوم، وإني لقائم فلا تأتي بعائد. قال: وأما قولهم: مررت بدار الذراع بدرهم وببرّ قفيز بدرهم، فلا بدّ من أن يتصل بالأوّل بالعائد، وإنما يحذف العائد فيه، لأن الثاني تبعيض للأوّل مررت ببرّ بعضه بدرهم، وبعضه بدرهم فلما كان المعنى التبعيض حذف العائد. قال: وأما ابتداء «إن» في كل موضع إذا طال الكلام، فلا يجوز أن تبتديء إلا بمعنى: قل إن الموت الذي تفرّون منه، فإنه جواب للجزاء، كأنه قال: ما فررتم منه من الموت، فهو ملاقيكم. وهذا القول الثاني عندي أولى في ذلك بالصواب للعلل التي ذكرناها.

اسامة محمد خيري
29-03-2017, 06:13
واختلف أهل التأويل في معنى قوله: { مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ } فقال بعضهم: معناه: من طرف ذليل. وكأن معنى الكلام: من طرف قد خَفِي من ذلَّةٍ. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلّ... } إلى قوله: { مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ } يعني بالخفيّ: الذليل.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى: وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله عزّ وجلّ: { مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ } قال: ذليل.

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم يسارقون النظر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ } قال: يسارقون النظر.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ { مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ } قال: يسارقون النظر.

واختلف أهل العربية في ذلك، فقال بعض نحويي البصرة في ذلك: جعل الطرف العين، كأنه قال: ونظرهم من عين ضعيفة، والله أعلم. قال: وقال يونس: إن { مِنْ طَرْفٍ } مثل بطرفٍ، كما تقول العرب: ضربته في السيف، وضربته بالسيف.

وقال آخر منهم: إنما قيل: { مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ } لأنه لا يفتح عينيه، إنما ينظر ببعضها.

وقال آخرون منهم: إنما قيل: { مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ } لأنهم ينظرون إلى النار بقلوبهم، لأنهم يُحشرُون عُمياً.

والصواب من القول في ذلك، القول الذي ذكرناه عن ابن عباس ومجاهد، وهو أن معناه: أنهم ينظرون إلى النار من طرف ذليل، وصفه الله جلّ ثناؤه بالخفاء للذلة التي قد ركبتهم، حتى كادت أعينهم أن تغور، فتذهب....

وقال ابن زيد: في معنى قوله: { أوْ يُزَوّجُهُمْ } ما:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: في قوله: { أوْ يُزَوّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإناثاً } قال: أو يجعل في الواحد ذكراً وأنثى توأماً، هذا قوله: { أوْ يُزَوّجَهُمْ ذُكْرَاناً وَإناثاً }.

اسامة محمد خيري
29-03-2017, 16:10
استدراك علي سورة الفاتحة😊

قبل استكمال الرحلة مع الامام الطبري

اذكر ماقاله فى تفسير سورة الفاتحة فى معنى الرحمن الرحيم😊

فهذا ما فـي قول القائل «الرحمٰن» من زيادة الـمعنى علـى قوله: «الرحيـم» فـي اللغة.

وأما من جهة الأثر والـخبر، ففـيه بـين أهل التأويـل اختلاف.

فحدثنـي السريّ بن يحيى التـميـمي، قال: حدثنا عثمان بن زفر، قال: سمعت العرزمي يقول: «الرحمن الرحيـم» قال: الرحمن بجميع الـخـلق. «الرحيـم» قال: بـالـمؤمنـين.

وحدثنا إسماعيـل بن الفضل، قال: حدثنا إبراهيـم بن العلاء، قال: حدثنا إسماعيـل بن عياش، عن إسماعيـل بن يحيى، عن ابن أبـي ملـيكة، عمن حدثه، عن ابن مسعود، ومسعر بن كدام، عن عطية العوفـي، عن أبـي سعيد يعنـي الـخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَـمَ قالَ: الرَّحْمَنُ: رَحْمَنُ الآخِرَةِ والدُّنْـيَا، والرَّحِيـمُ: رَحِيـمُ الآخِرَةِ "

فهذان الـخبران قد أنبآ عن فرق ما بـين تسمية الله جل ثناؤه بـاسمه الذي هو «رحمن»، وتسميته بـاسمه الذي هو «رحيـم». واختلاف معنى الكلـمتـين، وإن اختلفـا فـي معنى ذلك الفرق، فدل أحدهما علـى أن ذلك فـي الدنـيا، ودل الآخر علـى أنه فـي الآخرة.

فإن قال: فأيّ هذين التأويـلـين أولـى عندك بـالصحة؟ قـيـل: لـجميعهما عندنا فـي الصحة مخرج، فلا وجه لقول قائل: أيهما أولـى بـالصحة. وذلك أن الـمعنى الذي فـي تسمية الله بـالرحمن، دون الذي فـي تسميته بـالرحيـم هو أنه بـالتسمية بـالرحمن موصوف بعموم الرحمة جميع خـلقه، وأنه بـالتسمية بـالرحيـم موصوف بخصوص الرحمة بعض خـلقه، إما فـي كل الأحوال، وإما فـي بعض الأحوال. فلا شكّ إذا كان ذلك كذلك، أن ذلك الـخصوص الذي فـي وصفه بـالرحيـم لا يستـحيـل عن معناه، فـي الدنـيا كان ذلك أو فـي الآخرة، أو فـيهما جميعاً. فإذا كان صحيحاً ما قلنا من ذلك وكان الله جل ثناؤه قد خص عبـاده الـمؤمنـين فـي عاجل الدنـيا بـما لطف بهم فـي توفـيقه إياهم لطاعته، والإيـمان به وبرسله، واتبـاع أمره واجتناب معاصيه مـما خذل عنه من أشرك به فكفر، وخالف ما أمره به وركب معاصيه، وكان مع ذلك قد جعل جل ثناؤه ما أعد فـي آجل الآخرة فـي جناته من النعيـم الـمقـيـم والفوز الـمبـين لـمن آمن به وصدق رسله وعمل بطاعته خالصاً دون من أشرك وكفر به كان بـيِّناً أن الله قد خص الـمؤمنـين من رحمته فـي الدنـيا والآخرة، مع ما قد عمهم به والكفـار فـي الدنـيا، من الإفضال والإحسان إلـى جميعهم، فـي البسط فـي الرزق، وتسخير السحاب بـالغيث، وإخراج النبـات من الأرض، وصحة الأجسام والعقول، وسائر النعم التـي لا تـحصى، التـي يشترك فـيها الـمؤمنون والكافرون. فربنا جل ثناؤه رحمنُ جميع خـلقه فـي الدنـيا والآخرة، ورحيـم الـمؤمنـين خاصة فـي الدنـيا والآخرة.....

اسامة محمد خيري
30-03-2017, 05:17
سورة الزخرف

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { أفَنَضْرِبُ عَنْكُمْ الذِّكْرَ صَفْحاً } قال: لو أن هذه الأمة لم يؤمنوا لضرب عنهم الذكر صفحاً، قال: الذكر ما أنزل عليهم مما أمرهم الله به ونهاهم صفحاً، لا يذكر لكم منه شيئاً.

وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأوّله: أفنضرب عنكم العذاب فنترككم ونعرض عنكم، لأن كنتم قوماً مسرفين لا تؤمنون بربكم.

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لأن الله تبارك وتعالى أتبع ذلك خبره عن الأمم السالفة قبل الأمم التي توعدها بهذه الآية في تكذيبها رسلها، وما أحلّ بها من نقمته، ففي ذلك دليل على أن قوله: { أفَنَضْرِبُ عَنْكُمْ الذِّكْرَ صَفْحاً } وعيد منه للمخاطبين به من أهل الشرك، إذ سلكوا في التكذيب بما جاءهم عن الله رسولهم مسلك الماضين قبلهم....

والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الكسر والفتح في الألف في هذا الموضع قراءتان مشهورتان في قَرَأة الأمصار صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، وذلك أن العرب إذا تقدم «أن» وهي بمعنى الجزاء فعل مستقبل كسروا ألفها أحياناً، فمحضوا لها الجزاء، فقالوا: أقوم إن قمت، وفتحوها أحياناً، وهم ينوون ذلك المعنى، فقالوا: أقوم أن قمت بتأويل، لأن قمت، فإذا كان الذي تقدمها من الفعل ماضياً لم يتكلَّموا إلا بفتح الألف من «أن» فقالوا: قمتُ أن قمتَ، وبذلك جاء التنزيل، وتتابع شعر الشعراء.

اسامة محمد خيري
30-03-2017, 05:32
وقوله: { وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } وما كنا له مُطِيقين ولا ضابطين، من قولهم: قد أقرنت لهذا: إذا صرت له قرناً وأطقته، وفلان مقرن لفلان: أي ضابط له مُطِيق. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس { وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } يقول: مُطِيقين.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: { مُقْرِنِينَ } قال: الإبل والخيل والبغال والحمير....

يقول تعالى ذكره: وجعل هؤلاء المشركون لله من خلقه نصيباً، وذلك قولهم للملائكة: هم بنات الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عزّ وجلّ: { وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً } قال: ولداً وبنات من الملائكة.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ { وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً } قال: البنات.

وقال آخرون: عنى بالجزء هاهنا: العدل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً }: أي عِدلاً.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً }: أي عِدلاً.

وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في تأويل ذلك، لأن الله جلّ ثناؤه أتبع ذلك قوله: { أمِ اتَّخَذَ مِما يخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكُمْ بالبَنِينَ } توبيخاً لهم على قولهم ذلك، فكان معلوماً أن توبيخه إياهم بذلك إنما هو عما أخبر عنهم من قيلهم ما قالوا في إضافة البنات إلى الله جلّ ثناؤه.

اسامة محمد خيري
30-03-2017, 05:37
وقال آخرون: عُنِي بذلك أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { أوْ مَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيةِ... } الآية، قال: هذه تماثيلهم التي يضربونها من فضة وذهب يعبدونها هم الذين أنشأُوها، ضربوها من تلك الحلية، ثم عبدوها { وَهُوَ فِي الخِصَامِ غَيرُ مُبِينٍ } قال: لا يتكلم، وقرأ فإذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبينٌ.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عني بذلك الجواري والنساء، لأن ذلك عقيب خبر الله عن إضافة المشركين إليه ما يكرهونه لأنفسهم من البنات، وقلة معرفتهم بحقه، وتحليتهم إياه من الصفات والبخل، وهو خالقهم ومالكهم ورازقهم، والمنعم عليهم النعم التي عددها في أوّل هذه السورة ما لا يرضونه لأنفسهم، فاتباع ذلك من الكلام ما كان نظيرا له أشبه وأولى من اتباعه ما لم يجر له ذكر...

واختلف القرّاء في قراءة قوله: { أوَ مَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ } فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض المكيين والكوفيين «أوْ مَنْ يَنْشَأُ» بفتح الياء والتخفيف من نشأ ينشأ. وقرأته عامة قرّاء الكوفة { يُنَشَّأُ } بضم الياء وتشديد الشين من نُشَّأته فهو ينَشَّأ.

والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان في قرأة الأمصار، متقاربتا المعنى، لأن المنشَّأ من الإنشاء ناشىء، والناشىء منشأ، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. وقد ذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله «أوْ مَنْ لا يُنَشَّأُ إلاَّ فِي الْحِلْيَةِ»، وفي «من» وجوه من الإعراب الرفع على الاستئناف والنصب على إضمار يجعلون كأنه قيل: أو من ينشأ في الحلية يجعلون بنات الله. وقد يجوز النصب فيه أيضاً على الردّ على قوله: أم اتخذ مما يخلق بنات أو من ينشأ في الحلية، فيردّ «من» على البنات، والخفض على الردّ على «ما» التي في قوله: { وَإذَا بُشِّرَ أحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ للرَّحْمَن مَثَلاً }.

اسامة محمد خيري
30-03-2017, 05:40
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة «الَّذِينَ هُمْ عِنْدَ الرَّحْمَنِ» بالنون، فكأنهم تأوّلوا في ذلك قول الله جلّ ثناؤه:
{ إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ }
فتأويل الكلام على هذه القراءة: وجعلوا ملائكة الله الذين هم عنده يسبحونه ويقدّسونه إناثاً، فقالوا: هم بنات الله جهلاً منهم بحقّ الله، وجرأة منهم على قيل الكذب والباطل. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة والبصرة { وَجَعَلوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثاً } بمعنى: جمع عبد. فمعنى الكلام على قراءة هؤلاء: وجعلوا ملائكة الله الذين هم خلقه وعباده بنات الله، فأنثوهم بوصفهم إياهم بأنهم إناث.

والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان في قرأة الأمصار صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، وذلك أن الملائكة عباد الله وعنده.

واختلفوا أيضاً في قراءة قوله: { أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ } فقرأ ذلك بعض قرّاء المدينة «أُشْهِدُوا خَلْقَهُمْ» بضم الألف، على وجه ما لم يسمّ فاعله، بمعنى: أأشهد الله هؤلاء المشركين الجاعلين ملائكة الله إناثاً، خلق ملائكته الذين هم عنده، فعلموا ما هم، وأنهم إناث، فوصفوهم بذلك، لعلمهم بهم، وبرؤيتهم إياهم، ثم رُدّ ذلك إلى ما لم يسمّ فاعله. وقُرىء بفتح الألف، بمعنى: أَشهدوا هم ذلك فعلموه؟

والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

اسامة محمد خيري
30-03-2017, 05:49
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { على أُمَّةٍ } فقرأته عامة قرّاء الأمصار على أُمَّةٍ بضم الألف بالمعنى الذي وصفت من الدين والملة والسنة. وذُكر عن مجاهد وعمر بن عبد العزيز أنهما قرآه «على إمَّةٍ» بكسر الألف. وقد اختُلف في معناها إذا كُسرت ألفها، فكان بعضهم يوجه تأويلها إذا كُسرت على أنها الطريقة وأنها مصدر من قول القائل: أممت القوم فأنا أؤمهم إمَّة. وذُكر عن العرب سماعاً: ما أحسن عمته وإمته وجلسته إذا كان مصدراً. ووجهه بعضهم إذا كُسرت ألفها إلى أنها الإمة التي بمعنى النعيم والمُلك، كما قال عديّ ابن زيد:
ثُمَّ بَعْدَ الفَلاحِ وَالمُلْكِ والإمْـ ـةِ وَارَتّهُمْ هُناكَ القُبورُ
وقال: أراد إمامة الملك ونعيمه. وقال بعضهم: (الأُمَّة بالضم، والإمَّة بالكسر بمعنى واحد).

والصواب من القراءة في ذلك الذي لا أستجيز غيره: الضمّ في الألف لإجماع الحجة من قرّاء الأمصار عليه. وأما الذين كسروها فإني لا أراهم قصدوا بكسرها إلاَّ معنى الطريقة والمنهاج، على ما ذكرناه قبلُ، لا النعمة والملك، لأنه لا وجه لأن يقال: إنا وجدنا آباءنا على نعمة ونحن لهم متبعون في ذلك، لأن الاتباع إنما يكون في الملل والأديان وما أشبه ذلك لا في الملك والنعمة، لأن الاتباع في الملك ليس بالأمر الذي يصل إليه كلّ من أراده.

اسامة محمد خيري
30-03-2017, 06:26
وقوله: { وإنَّهُمْ لَيَصُدُّوَنهُمْ عَنِ السَّبِيل } يقول تعالى ذكره: وإن الشياطين ليصدّون هؤلاء الذين يعشون عن ذكر الله، عن سبيل الحقّ، فيزينون لهم الضلالة، ويكرّهون إليهم الإيمان بالله، والعمل بطاعته { وَيحْسَبُونَ أنَّهُمْ مُهْتَدُونَ } يقول: ويظنّ المشركون بالله بتحسين الشياطين لهم ما هم عليه من الضلالة، أنهم على الحقّ والصواب، يخبر تعالى ذكره عنهم أنهم من الذي هم عليه من الشرك على شكّ وعلى غير بصيرة. وقال جلّ ثناؤه: { وإنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ } فأخرج ذكرهم مخرج ذكر الجميع، وإنما ذُكر قبل واحدا، فقال: { نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً } لأن الشيطان وإن كان لفظه واحداً، ففي معنى جمع.

اسامة محمد خيري
30-03-2017, 06:33
وقوله: { وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ } أيها العاشون عن ذكر الله في الدنيا { إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكُمْ فِي العَذَابِ مُشْترِكُونَ } يقول: لن يخفف عنكم اليوم من عذاب الله اشتراككم فيه، لأن لكل واحد منكم نصيبه منه، و«أنَّ» من قوله { أنَّكُمْ } في موضع رفع لما ذكرت أن معناه: لن ينفعكم اشتراككم.

اسامة محمد خيري
30-03-2017, 06:35
وقوله: { فإمَّا نَذْهَبَّنَ بِكَ فإنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ } اختلف أهل التأويل في المعنيين بهذا الوعيد، فقال بعضهم: عُنِي به أهل الإسلام من أمة نبينا عليه الصلاة والسلام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال: ثني أبي، عن أبي الأشهب، عن الحسن، في قوله: { فإمَّا نَذْهَبنَّ بِكَ فإنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ } قال: لقد كانت بعد نبيّ الله نقمة شديدة، فأكرم الله جلّ ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يريه في أمته ما كان من النقمة بعده.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { فإمَّا نَذْهَبنَّ بِكَ فإنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ } فذهب الله بنبيه صلى الله عليه وسلم، ولم ير في أمته إلا الذي تقرّ به عينه، وأبقى الله النقمة بعده، وليس من نبيّ إلا وقد رأى في أمته العقوبة، أو قال ما لا يشتهي. ذُكر لنا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أُري الذي لقيت أمته بعده، فما زال منقبضاً ما انبسط ضاحكاً حتى لقي الله تبارك وتعالى.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: تلا قتادة { فإمَّا نَذْهَبنَّ بِكَ فإنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ } فقال: ذهب النبيّ صلى الله عليه وسلم وبقيت النقمة، ولم يُرِ الله نبيه صلى الله عليه وسلم في أمته شيئاً يكرهه حتى مضى، ولم يكن نبيّ قطُّ إلا رأى العقوبة في أمته، إلا نبيكم صلى الله عليه وسلم. قال: وذُكر لنا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أُري ما يصيب أمته بعده، فما رُئي ضاحكاً منبسطاً حتى قبضه الله.

وقال آخرون: بل عنى به أهل الشرك من قريش، وقالوا: قد رأى الله نبيه عليه الصلاة والسلام فيهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: { فإمَّا نَذْهَبنَّ بِكَ فإنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ } كما انتقمنا من الأمم الماضية { أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعْدْناهُمْ } فقد أراه الله ذلك وأظهره عليه وهذا القول الثاني أولى التأويلين في ذلك بالصواب وذلك أن ذلك في سياق خبر الله عن المشركين فلأن يكون ذلك تهديداً لهم أولى من أن يكون وعيداً لمن لم يجر له ذكر. فمعنى الكلام إذ كان ذلك كذلك: فإن نذهب بك يا محمد من بين أظهر هؤلاء المشركين، فنخرجَك من بينهم { فَإنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ } ، كما فعلنا ذلك بغيرهم من الأمم المكذّبة رسلها، { أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ } يا محمد من الظفر بهم، وإعلائك عليهم { فَإنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ } أن نظهرك عليهم، ونخزيهم بيدك وأيدي المؤمنين بك.

اسامة محمد خيري
30-03-2017, 06:39
وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ظ±لرَّحْمَـظ°نِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ }

اختلف أهل التأويل في معنى قوله: { واسئلْ مَنْ أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا } ومن الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسألتهم ذلك، فقال بعضهم الذين أُمر بمسألتهم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، مؤمنو أهل الكتابين: التوراة، والإنجيل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: في قراءة عبد الله ابن مسعود «وَاسأَلِ الَّذِينَ أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ رُسُلَنا».

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ { وَاسْألِ مَنْ أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا } إنها قراءة عبد الله: «سل الذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا».

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { واسأَلْ مَنْ أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا } يقول: سل أهل التوراة والإنجيل: هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد أن يوحدوا الله وحده؟ قال: وفي بعض القراءة: «واسأل الذين أرسلنا إليهم رسلنا قبلك». { أجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَة يُعْبَدُونَ }.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في بعض الحروف «واسألِ الَّذِينَ أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا» سل أهل الكتاب: أما كانت الرسل تأتيهم بالتوحيد؟ أما كانت تأتي بالإخلاص؟.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله: { واسأَلْ مَنْ أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا } في قراءة ابن مسعود «سَلِ الَّذينَ يَقْرَءُونَ الكِتاب مِنْ قَبْلِكَ» يعني: مؤمني أهل الكتاب.

وقال آخرون: بل الذي أمر بمسألتهم ذلك الأنبياء الذين جُمعوا له ليلة أُسري به ببيت المقدس. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { واسْئَلِ مَنْ أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ... } الآية، قال: جمعوا له ليلة أُسري به ببيت المقدس، وصلى بهم، فقال الله له: سلهم، قال: فكان أشدّ إيمانا ويقينا بالله وبما جاءه من الله أن يسألهم، وقرأ { فإنْ كُنْتَ فِي شَكّ مِمَّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسأَل الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ } قال: فلم يكن في شكّ، ولم يسأل الأنبياء، ولا الذين يقرأون الكتاب. قال: ونادى جبرائيل صلى الله عليه وسلم، فقلت في نفسي: " الآن يؤمنا أبونا إبراهيم " قال: " فدفع جبرائيل في ظهري " قال: تقدم يا محمد فصلّ، وقرأ
{ سُبْحانَ الَّذِي أَسْرَى بعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ... }
حتى بلغ
{ لِنُرِيهُ مِنْ آياتِنا }


وأولى القولين بالصواب في تأويل ذلك، قول من قال: عنى به: سل مؤمني أهل الكتابين.

فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يقال: سل الرسل، فيكون معناه: سل المؤمنين بهم وبكتابهم؟ قيل: جاز ذلك من أجل أن المؤمنين بهم وبكتبهم أهل بلاغ عنهم ما أتوهم به عن ربهم، فالخبر عنهم وعما جاؤوا به من ربهم إذا صحّ بمعنى خبرهم، والمسألة عما جاؤوا به بمعنى مسألتهم إذا كان المسؤول من أهل العلم بهم والصدق عليهم، وذلك نظير أمر الله جلّ ثناؤه إيانا بردّ ما تنازعنا فيه إلى الله وإلى الرسول..

اسامة محمد خيري
31-03-2017, 05:10
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عزّ وجلّ { بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ } قال لئن آمنا ليُكْشَفنّ عنا العذاب.

إن قال لنا قائل: وما وجه قيلهم يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك، وكيف سموه ساحراً وهم يسألونه أن يدعو لهم ربه ليكشف عنهم العذاب؟ قيل: إن الساحر كان عندهم معناه: العالم، ولم يكن السحر عندهم ذماً، وإنما دعوه بهذا الاسم، لأن معناه عندهم كان: يا أيها العالم.

اسامة محمد خيري
31-03-2017, 05:15
والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قرّاء الأمصار. وأولى التأويلات بالكلام إذ كان ذلك كذلك، تأويل من جعل: أمْ أنا { خَيْرٌ }؟ من الاستفهام الذي جعل بأم، لاتصاله بما قبله من الكلام، ووجهه إلى أنه بمعنى: أأنا خير من هذا الذي هو مهين؟ أم هو؟ ثم ترك ذكر أم هو، لما في الكلام من الدليل عليه. وعنى بقوله: { مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ }: من هذا الذي هو ضعيف لقلَّة ماله، وأنه ليس له من الملك والسلطان ماله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { أمْ أنا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِين } قال: ضعيف....

اسامة محمد خيري
31-03-2017, 05:23
اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة غير عاصم «فَجَعَلْناهُمْ سُلُفاً» بضم السين واللام، توجيهاً ذلك منهم إلى جمع سليف من الناس، وهو المتقدّم أمام القوم. وحَكى الفراء أنه سمع القاسم بن معن يذكر أنه سمع العرب تقول: مضى سليف من الناس. وقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وعاصم: { فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً } بفتح السين واللام. وإذا قُرىء كذلك احتمل أن يكون مراداً به الجماعة والواحد والذكر والأنثى، لأنه يُقال للقوم: أنتم لنا سلف، وقد يُجمع فيقال: هم أسلاف ومنه الخبر الذي رُوي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يَذْهَب الصَّالِحُونَ أَسْلافاً " وكان حُميد الأعرج يقرأ ذلك: «فَجَعَلْناهُمْ سُلَفاً» بضم السين وفتح اللام، توجيهاً منه ذلك إلى جمع سلفة من الناس، مثل أمة منهم وقطعة.

وأولى القراءات في ذلك بالصواب قراءة من قرأه بفتح السين واللام، لأنها اللغة الجوداء، والكلام المعروف عند العرب، وأحقّ اللغات أن يُقرأ بها كتاب الله من لغات العرب أفصحها وأشهرها فيهم. فتأويل الكلام إذن: فجعلنا هؤلاء الذين أغرقناهم من قوم فرعون في البحر مقدّمة يتقدمون إلى النار، كفار قومك يا محمد من قريش، وكفار قومك لهم بالأثر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً للآخرِين } قال: قوم فرعون كفارهم سلفاً لكفار أمة محمد صلى الله عليه وسلم....

وقال آخر: منهم من كسر الصاد فمجازها يضجون، ومن ضمها فمجازها يعدلون. وقال بعض من كسرها: فإنه أراد يضجون، ومن ضمها فإنه أراد الصدود عن الحقّ.

حُدثت عن الفرّاء قال: ثني أبو بكر بن عياش، أن عاصماً ترك يصدّون من قراءة أبي عبد الرحمن، وقرأ يصدّون، قال: قال أبو بكر. حدثني عاصم، عن أبي رزين، عن أبي يحيى، أن ابن عباس لقي ابن أخي عبيد بن عمير، فقال: إن عمك لعربيّ، فما له يُلحِن في قوله: «إذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصُدُّونَ»، وإنما هي { يَصِدُّونَ }.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، ولغتان مشهورتان بمعنى واحد، ولم نجد أهل التأويل فرّقوا بين معنى ذلك إذا قرىء بالضمّ والكسر، ولو كان مختلفاً معناه، لقد كان الاختلاف في تأويله بين أهله موجوداً وجود اختلاف القراءة فيه باختلاف اللغتين، ولكن لما لم يكن مختلف المعنى لم يختلفوا في أن تأويله: يضجون ويجزعون، فبأيّ القراءتين قرأ القارىء فمصيب. ذكر ما قلنا في تأويل ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { إذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ } قال: يضجون.

اسامة محمد خيري
31-03-2017, 05:36
وقال آخرون: الهاء التي في قوله: { وَإنَّهُ } من ذكر القرآن، وقالوا: معنى الكلام: وإن هذا القرآن لعلم للساعة يعلمكم بقيامها، ويخبركم عنها وعن أهوالها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول: «وَإنَّهُ لَعَلَمٌ للسَّاعَةِ» هذا القرآن.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: كان ناس يقولون: القرآن علم للساعة. واجتمعت قرّاء الأمصار في قراءة قوله: { وَإنَّهُ لَعِلْمٌ للسَّاعَةِ } على كسر العين من العلم. ورُوي عن ابن عباس ما ذكرت عنه في فتحها، وعن قتادة والضحاك.

والصواب من القراءة في ذلك: الكسر في العين، لإجماع الحجة من القرّاء عليه. وقد ذُكر أن ذلك في قراءة أُبيّ، وإنه لذكر للساعة، فذلك مصحح قراءة الذين قرأوا بكسر العين من قوله: { لَعِلْمٌ }....

اسامة محمد خيري
31-03-2017, 05:39
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: { فاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ } قال: اليهود والنصارى.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: معنى ذلك: فاختلف الفِرَق المختلفون في عيسى بن مريم من بين من دعاهم عيسى إلى ما دعاهم إليه من اتقاء الله والعمل بطاعته، وهم اليهود والنصارى، ومن اختلف فيه من النصارى، لأن جميعهم كانوا أحزاباً مبتسلين، مختلفي الأهواء مع بيانه لهم أمر نفسه، وقوله لهم:
{ إنَّ الله هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ }

اسامة محمد خيري
31-03-2017, 05:47
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: معنى: إنْ الشرط الذي يقتضي الجزاء على ما ذكرناه عن السديّ، وذلك أن «إن» لا تعدو في هذا الموضع أحد معنيين: إما أن يكون الحرف الذي هو بمعنى الشرط الذي يطلب الجزاء، أو تكون بمعنى الجحد، وهب إذا وجهت إلى الجحد لم يكن للكلام كبير معنى، لأنه يصير بمعنى: قل ما كان للرحمن ولد، وإذا صار بذلك المعنى أوهم أهل الجهل من أهل الشرك بالله أنه إنما نفي بذلك عن الله عزّ وجلّ أن يكون له ولد قبل بعض الأوقات، ثم أحدث له الولد بعد أن لم يكن، مع أنه لو كان ذلك معناه لقدر الذين أمر الله نبيَّه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: ما كان للرحمن ولد، فأنا أوّل العابدين أن يقولوا له صدقت، وهو كما قلت، ونحن لم نزعم أنه لم يزل له ولد. وإنما قلنا: لم يكن له ولد، ثم خلق الجنّ فصاهرهم، فحدث له منهم ولد، كما أخبر الله عنهم أنهم كانوا يقولونه، ولم يكن الله تعالى ذكره ليحتجّ لنبيه صلى الله عليه وسلم وعلى مكذّبيه من الحجة بما يقدرون على الطعن فيه، وإذ كان في توجيهنا «إن» إلى معنى الجحد ما ذكرنا، فالذي هو أشبه المعنيين بها الشرط.

وإذ كان ذلك كذلك، فبينة صحة ما نقول من أن معنى الكلام: قل يا محمد لمشركي قومك الزاعمين أن الملائكة بنات الله: إن كان للرحمن ولد فأنا أوّل عابديه بذلك منكم، ولكنه لا ولد له، فأنا أعبده بأنه لا ولد له، ولا ينبغي أن يكون له.

وإذا وجه الكلام إلى ما قلنا من هذا الوجه لم يكن على وجه الشكّ، ولكن على وجه الإلطاف في الكلام وحُسن الخطاب، كما قال جلّ ثناؤه
{ قُلِ اللّهُ وأنا أوْ إيَّاكُمْ لَعَلى هُدًى أوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ }


وقد علم أن الحقّ معه، وأن مخالفيه في الضلال المبين.

اسامة محمد خيري
31-03-2017, 05:52
وقال آخرون: عني بذلك: ولا تملك الآلهة التي يدعوها المشركون ويعبدونها من دون الله الشفاعة إلاَّ عيسى وعُزير وذووهما، والملائكة الذين شهدوا بالحقّ، فأقرّوا به وهم يعلمون حقيقة ما شهدوا به. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دونِهِ الشَّفاعَةَ إلاَّ مَنْ شَهِدَ بالحَقّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }: الملائكة وعيسى وعُزير، قد عُبِدوا من دون الله ولهم شفاعة عند الله ومنزلة.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { إلاَّ مَنْ شَهِدَ بالحَقّ } قال: الملائكة وعيسى ابن مريم وعُزير، فإن لهم عند الله شهادة.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنه لا يملك الذين يعبدهم المشركون من دون الله الشفاعة عنده لأحد، إلاَّ من شهد بالحقّ، وشهادته بالحقّ: هو إقراره بتوحيد الله، يعني بذلك: إلاَّ من آمن بالله، وهم يعلمون حقيقة توحيده، ولم يخصص بأن الذي لا يملك ملك الشفاعة منهم بعض من كان يعبد من دون الله، فذلك على جميع من كان تعبد قريش من دون الله يوم نزلت هذه الآية وغيرهم، وقد كان فيهم من يعبد من دون الله الآلهة، وكان فيهم من يعبد من دونه الملائكة وغيرهم، فجميع أولئك داخلون في قوله: ولا يملك الذين يدعو قريش وسائر العرب من دون الله الشفاعة عند الله. ثم استثنى جلّ ثناؤه بقوله: { إلاَّ مَنْ شَهِدَ بالحَقّ وَهُم يَعْلَمُونَ } وهم الذين يشهدون شهادة الحقّ فيوحدون الله، ويخلصون له الوحدانية، على علم منهم ويقين بذلك، أنهم يملكون الشفاعة عنده بإذنه لهم بها، كما قال جلّ ثناؤه: { وَلا يَشْفَعُونَ إلا لِمَن ارْتَضَى } فأثبت جلّ ثناؤه للملائكة وعيسى وعُزير ملكهم من الشفاعة ما نفاه عن الآلهة والأوثان باستثنائه الذي استثناه.

اسامة محمد خيري
31-03-2017, 05:54
وقوله: { وَقِيِله يا رَبّ إن هَؤُلاءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤمِنُونَ } اختلفت القرّاء في قراءة قوله: { وَقِيلِهِ } فقرأته عامة قرّاء المدينة ومكة والبصرة «وَقِيلَهُ» بالنصب. وإذا قرىء ذلك كذلك، كان له وجهان في التأويل: أحدهما العطف على قوله: { أمْ يَحْسَبُونَ أنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ ونَجْوَاهُمْ } ، ونسمع قيله يا ربّ. والثاني: أن يضمر له ناصب، فيكون معناه حينئذٍ: وقال قوله: { يا رَبّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يَؤْمِنُونَ } وشكا محمد شكواه إلى ربه. وقرأته عامة قرّاء الكوفة وَقِيلِهِ بالخفض على معنى: وعنده علم الساعة، وعلم قيله.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان في قرأة الأمصار صحيحتا المعنى فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. فتأويل الكلام إذن: وقال محمد قيله شاكياً إلى ربه تبارك وتعالى قومه الذين كذّبوه، وما يلقى منهم: يا ربّ إن هؤلاء الذين أمرتني بإنذارهم وأرسلتني إليهم لدعائهم إليك، قوم لا يؤمنون. كما:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { وَقِيلِهِ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاء قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ } قال: فأبرّ الله عزّ وجلّ قول محمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَقِيلِهِ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ } قال: هذا قول نبيكم عليه الصلاة والسلام يشكو قومه إلى ربه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { وَقِيلِهِ يا رَبِّ } قال: هو قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم { إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ }.

اسامة محمد خيري
31-03-2017, 05:59
سورة الدخان

واختلف أهل التأويل في تلك الليلة، أيّ ليلة من ليالي السنة هي؟ فقال بعضهم: هي ليلة القدر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { إنَّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُباركَةٍ }: ليلة القدر، ونزلت صحف إبراهيم في أوّل ليلة من رمضان، ونزلت التوراة لستّ ليال مضت من رمضان، ونزل الزَّبور لستّ عشرة مضت من رمضان، ونزل الإنجيل لثمان عشرة مضت من رمضان، ونزل الفُرقان لأربع وعشرين مضت من رمضان.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ } قال: هي ليلة القدر.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله عزّ وجل: { إنَّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنَّا كُنَّا مُنْذِرِيْنَ } قال: تلك الليلة ليلة القدر، أنزل الله هذا القرآن من أمّ الكتاب في ليلة القدر، ثم أنزله على الأنبياء في الليالي والأيام، وفي غير ليلة القدر.

وقال آخرون: بل هي ليلة النصف من شعبان.

والصواب من القول في ذلك قول من قال: عنى بها ليلة القدر، لأن الله جلّ ثناؤه أخبر أن ذلك كذلك لقوله تعالى: { إنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ } خَلْقنا بهذا الكتاب الذي أنزلناه في الليلة المباركة عقوبتنا أن تحلّ بمن كفر منهم، فلم ينب إلى توحيدنا، وإفراد الألوهية لنا....

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: ذلك ليلة القدر لما قد تقدّم من بياننا عن أن المعنِيَّ بقوله: { إنَّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ } ليلة القدر، والهاء في قوله: فِيها من ذكر الليلة المباركة. وعنى بقوله: { فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ } في هذه الليلة المباركة يُقْضَى ويُفْصَل كلّ أمر أحكمه الله تعالى في تلك السنة إلى مثلها من السنة الأخرى، ووضع حكيم موضع محكم، كما قال: آلم، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الحَكِيمِ يعني: المحكم.

وقوله: { أمْراً مِنْ عِنْدِنا إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } يقول تعالى ذكره: في هذه الليلة المباركة يُفْرق كلّ أمر حكيم، أمرا من عندنا.

اسامة محمد خيري
31-03-2017, 06:05
وأولى القولين بالصواب في ذلك ما رُوي عن ابن مسعود من أن الدخان الذي أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرتقبه، هو ما أصاب قومه من الجهد بدعائه عليهم، على ما وصفه ابن مسعود من ذلك إن لم يكن خبر حُذيفة الذي ذكرناه عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحاً، وإن كان صحيحاً، فرسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بما أنزل الله عليه، وليس لأحد مع قوله الذي يصح عنه قول، وإنما لم أشهد له بالصحة، لأن محمد بن خلف العسقلانيّ حدثني أنه سأل روّاداً عن هذا الحديث، هل سمعه من سفيان؟ فقال له: لا، فقلت له: فقرأته عليه، فقال: لا، فقلت له: فقرىء عليه وأنت حاضر فأقرّ به، فقال: لا، فقلت: فمن أين جئت به؟ قال: جاءني به قوم فعرضوه عليّ وقالوا لي: اسمعه منا فقرأوه عليّ، ثم ذهبوا، فحدّثوا به عني، أو كما قال فلما ذكرت من ذلك لم أشهد له بالصحة، وإنما قلت: القول الذي قاله عبد الله بن مسعود هو أولى بتأويل الآية، لأن الله جلّ ثناؤه توعَّد بالدخان مشركي قريش وأن قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم: { فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ } في سياق خطاب الله كفار قريش وتقريعه إياهم بشركهم بقوله:
{ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ يُحْي ويُمِيتُ ربُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الأوّلِينَ، بَلْ هُمْ فِي شَكّ يَلْعَبُونَ }
، ثم أتبع ذلك قوله لنبيه عليه الصلاة والسلام: { فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِين } أمراً منه له بالصبر إلى أن يأتيهم بأسه وتهديداً للمشركين فهو بأن يكون إذ كان وعيداً لهم قد أحله بهم أشبه من أن يكون آخره عنهم لغيرهم، وبعد، فإنه غير منكر أن يكون أحلّ بالكفار الذين توعدهم بهذا الوعيد ما توعدهم، ويكون مُحِلاً فيما يستأنف بعد بآخرين دخانا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا كذلك، لأن الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تظاهرت بأن ذلك كائن، فإنه قد كان ما رَوَى عنه عبد الله بن مسعود، فكلا الخبرين اللذين رُويا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح.

وإن كان تأويل الآية في هذا الموضع ما قلنا، فإذ كان الذي قلنا في ذلك أولى التأويلين، فبين أن معناه: فانتظر يا محمد لمشركي قومك يوم تأتيهم السماء من البلاء الذي يحل بهم على كفرهم بمثل الدخان المبين لمن تأمله أنه دخان. يغشَى الناسَ: يقول: يغشى أبصارهم من الجهد الذي يصيبهم هَذَا عَذَابٌ ألِيمٌ يعني أنهم يقولون مما نالهم من ذلك الكرب والجهد: هذا عذاب أليم. وهو الموجع، وترك من الكلام «يقولون» استغناءً بمعرفة السامعين معناه من ذكره....

حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب، قالا: ثنا ابن دريس، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم، قال: مرّ بي عكرمة، فسألته عن البطشة الكبرى فقال: يوم القيامة قال: قلت: إن عبد الله بن مسعود كان يقول: يوم بدر، وأخبرني من سأله بعد ذلك فقال: يوم بدر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: { يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى } قال قتادة عن الحسن: إنه يوم القيامة.

وقد بيَّنا الصواب في ذلك فيما مضى، والعلة التي من أجلها اخترنا ما أخترنا من القول فيه.

اسامة محمد خيري
01-04-2017, 05:03
وقال آخرون: بل عنى بقوله: { أنْ تَرْجُمُونِ }: أن تقتلوني.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما دلّ عليه ظاهر الكلام، وهو أن موسى عليه السلام استعاذ بالله من أن يرجُمه فرعون وقومه، والرجم قد يكون قولاً باللسان، وفعلاً باليد. والصواب أن يقال: استعاذ موسى بربه من كل معاني رجمهم الذي يصل منه إلى المرجوم أذًى ومكروه، شتماً كان ذلك باللسان، أو رجماً بالحجارة باليد.

اسامة محمد خيري
01-04-2017, 05:05
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { وَاتْرُكِ البَحْرَ رَهْواً } كما هو طريقاً يابساً.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال معناه: اتركه على هيئته كما هو على الحال التي كان عليها حين سَلكْته، وذلك أن الرهو في كلام العرب: السكون، كما قال الشاعر:
كأَنما أهْلُ حُجْرٍ يَنْظُرُونَ مَتى يَرَوْنَنِي خارِجاً طَيْرٌ يَنادِيد
طَيرٌ رأَتْ بازِيا نَضْحُ الدّماءِ بِهِ وأُمُّهُ خَرَجَتْ رَهْوا إلى عِيد
يعني على سكون، وإذا كان ذلك معناه كان لا شكّ أنه متروك سهلاً دَمِثاً، وطريقاً يَبَساً لأن بني إسرائيل قطعوه حين قطعوه، وهو كذلك، فإذا ترك البحر رهواً كما كان حين قطعه موسى ساكناً لم يُهج كان لا شكّ أنه بالصفة التي وصفت.

اسامة محمد خيري
01-04-2017, 05:07
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { فاكِهِينَ } فقرأته عامة قرّاء الأمصار خلا أبي جعفر القارىء { فاكِهِينَ } على المعنى الذي وصفت. وقرأه أبو رجاء العُطاردي والحسن وأبو جعفر المدنيّ «فَكِهِينَ» بمعنى: أشِرِين بَطِرين.

والصواب من القراءة عندي في ذلك، القراءة التي عليها قرّاء الأمصار، وهي { فاكِهِينَ } بالألف بمعنى ناعمين...

اسامة محمد خيري
01-04-2017, 05:13
حدثنا يحيى بن طلحة، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد الحضرمي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ الإسْلامَ بَدأ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً، ألا لا غُرْبَةَ على المُؤْمن، ما ماتَ مُؤْمِنٌ فِي غُرْبَةٍ غابَتْ عَنْهُ فِيها بَوَاكِيهِ إلاَّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ " ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ } ، ثم قال: " إنَّهُما لا يَبْكِيانِ على الكافِرِ "

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ... } الآية، قال: ذلك أنه ليس على الأرض مؤمن يموت إلا بكى عليه ما كان يصلي فيه من المساجد حين يفقده، وإلا بكى عليه من السماء الموضعُ الذي كان يرفع منه كلامه، فذلك قوله لأهل معصيته: { فَمَا بَكَت عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ، وَما كانُوا مُنْظَرِينَ } لأنهما يبكيان على أولياء الله...

وقال آخرون: بل ابتلاهم بالرخاء والشدّة. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { وآتَيْناهُمْ مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ } ، وقرأ
{ وَنَبْلُوَكُمْ بالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً وَإلَيْنا تُرْجِعُونَ }
وقال: بلاء مبين لمن آمن بها وكفر بها، بلوى نبتليهم بها، نمحصهم بلوى اختبار، نختبرهم بالخير والشرّ، نختبرهم لننظر فيما أتاهم من الآيات من يؤمن بها، وينتفع بها ويضيعها.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه آتى بني إسرائيل من الآيات ما فيه ابتلاؤهم واختبارهم، وقد يكون الابتلاء والاختبار بالرخاء، ويكون بالشدّة، ولم يضع لنا دليلاً من خبر ولا عقل، أنه عنى بعض ذلك دون بعض، وقد كان الله اختبرهم بالمعنيين كليهما جميعاً. وجائز أن يكون عنى اختباره إياهم بهما، فإذا كان الأمر على ما وصفنا، فالصواب من القول فيه أن نقول كما قال جلّ ثناؤه إنه اختبرهم.

اسامة محمد خيري
01-04-2017, 05:19
وقوله: { إلاَّ مَنْ رَحِمَ اللّهُ } اختلف أهل العربية في موضع «مَنْ» في قوله: { إلاَّ مَنْ رَحِمَ اللّهُ } فقال بعض نحويي البصرة: إلاَّ من رحم الله، فجعله بدلاً من الاسم المضمر في ينصرون، وإن شئت جعلته مبتدأ وأضمرت خبره، يريد به: إلاَّ من رحم الله فيغني عنه. وقال بعض نحويي الكوفة قوله: { إلاَّ مَنْ رَحِمَ اللّهُ } قال: المؤمنون يشفع بعضهم في بعض، فإن شئت فاجعل «مَنْ» في موضع رفع، كأنك قلت: لا يقوم أحد إلاَّ فلان، وإن شئت جعلته نصباً على الاستثناء والانقطاع عن أوّل الكلام، يريد: اللهمّ إلاَّ من رحم الله.

وقال آخرون منهم: معناه: لا يغني مولًى عن مولًى شيئاً، إلاَّ من أذن الله له أن يشفع قال: لا يكون بدلاً مما في ينصرون، لأن إلاَّ محقق، والأوّل منفيّ، والبدل لا يكون إلاَّ بمعنى الأوّل. قال: وكذلك لا يجوز أن يكون مستأنفاً، لأنه لا يستأنف بالاستثناء.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يكون في موضع رفع بمعنى: يوم لا يغني مولًى عن مولًى شيئاً إلاَّ من رحم الله منهم، فإنه يغني عنه بأن يشفع له عند ربه.

اسامة محمد خيري
01-04-2017, 05:24
{ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ظ±لْعَزِيزُ ظ±لْكَرِيمُ } * { إِنَّ هَـظ°ذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ }

وحكاية قول هذا القائل: إني أنا العزيز الكريم. وقرأ ذلك بعض المتأخرين «ذُقْ أَنَّكَ» بفتح الألف على إعمال قوله: { ذُقْ } في قوله: { إِنَّكَ } كأنّ معنى الكلام عنده: ذق هذا القول الذي قلته في الدنيا.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا كسر الألف من { إنَّكَ } على المعنى الذي ذكرت لقارئه، لإجماع الحجة من القرّاء عليه، وشذوذ ما خالفه، وكفى دليلاً على خطأ قراءة خلافها، ما مضت عليه الأئمة من المتقدمين والمتأخرين، مع بُعدها من الصحة في المعنى وفراقها تأويل أهل التأويل

اسامة محمد خيري
01-04-2017, 05:29
وقوله: { لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلاَّ المَوْتَةَ الأُولى } يقول تعالى ذكره: لا يذوق هؤلاء المتقون في الجنة الموت بعد الموتة الأولى التي ذاقوها في الدنيا.

وكان بعض أهل العربية يوجه «إلاّ» في هذا الموضع إلى أنها في معنى سوى، ويقول: معنى الكلام: لا يذوقون فيها الموت سوى الموتة الأولى، ويمثله بقوله تعالى ذكره:

{ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إلاَّ ما قَدْ سَلَف }
بمعنى: سوى ما قد فعل آباؤكم، وليس للذي قال من ذلك عندي وجه مفهوم، لأن الأغلب من قول القائل: لا أذوق اليوم الطعام إلا الطعام الذي ذقته قبل اليوم أنه يريد الخبر عن قائله أن عنده طعاماً في ذلك اليوم ذائقه وطاعمه دون سائر الأطعمة غيره. وإذا كان ذلك الأغلب من معناه وجب أن يكون قد أثبت بقوله: { إلاَّ المَوْتَةَ } الأُولى موتة من نوع الأولى هم ذائقوها، ومعلوم أن ذلك ليس كذلك، لأن الله عزّ وجلّ قد آمَن أهل الجنة في الجنة إذا هم دخلوها من الموت، ولكن ذلك كما وصفت من معناه. وإنما جاز أن توضع «إلا» في موضع «بعد» لتقارب معنييهما في هذا الموضع وذلك أن القائل إذا قال: لا أكلم اليوم رجلاً إلا رجلاً عند عمرو قد أوجب على نفسه أن لا يكلم ذلك اليوم رجلاً بعد كلام الرجل الذي عند عمرو. وكذلك إذا قال: لا أكلم اليوم رجلاً بعد رجل عند عمرو، قد أوجب على نفسه أن لا يكلم ذلك اليوم رجلاً إلا رجلاً عند عمرو، فبعد، وإلا: متقاربتا المعنى في هذا الموضع. ومن شأن العرب أن تضع الكلمة مكان غيرها إذا تقارب معنياهما، وذلك كوضعهم الرجاء مكان الخوف لما في معنى الرجاء من الخوف، لأن الرجاء ليس بيقين، وإنما هو طمع، وقد يصدق ويكذب كما الخوف يصدق أحياناً ويكذب، فقال في ذلك أبو ذُؤَيْب:
إذا لَسَعَتْهُ الدَّبْرُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها وَخالَفَها فِي بَيْتِ نُوبٍ عَوَامِلُ
فقال: لم يرج لسعها، ومعناه في ذلك: لم يخف لسعها، وكوضعهم الظنّ موضع العلم الذي لم يدرك من قِبل العيان، وإنما أدرك استدلالاً أو خبراً، كما قال الشاعر:
فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بألْفَيْ مُدَجَّجٍ سَرَاتُهُمُ في الفارِسِيّ المُسَرَّدِ
بمعنى: أيقنوا بألفى مدجَّج واعلموا، فوضع الظنّ موضع اليقين، إذ لم يكن المقول لهم ذلك قد عاينوا ألفي مدجج، ولا رأوهم، وإن ما أخبرهم به هذا المخبر، فقال لهم ظنوا العلم بما لم يعاين من فعل القلب، فوضع أحدهما موضع الآخر لتقارب معنييهما في نظائر لما ذكرت يكثر إحصاؤها، كما يتقارب معنى الكلمتين في بعض المعاني، وهما مختلفتا المعنى في أشياء أخر، فتضع العرب إحداهما مكان صاحبتها في الموضع الذي يتقارب معنياهما فيه، فكذلك قوله: لا يَذُوقُون فِيها المَوْتَ إلاَّ المَوْتَةَ الأُولى وضعت «إلا» في موضع «بعد» لما نصف من تقارب معنى «إلا»، و«بعد» في هذا الموضع، وكذلك
{ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إلاَّ ما قَدْ سَلَفَ }

إنما معناه: بعد الذي سلف منكم في الجاهلية، فأما إذا وجهت «إلا» في هذا الموضع إلى معنى سوى، فإنما هو ترجمة عن المكان، وبيان عنها بما هو أشدّ التباساً على من أراد علم معناها منها.

ملحوظة

قال السمين

قوله: { إِلاَّ ظ±لْمَوْتَةَ ظ±لأُولَىظ° } فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّه منقطعٌ أي: لكنْ الموتةُ الأولى قد ذاقُوها. الثاني: أنه متصلٌ وتَأَوَّلوه: بأنَّ المؤمنَ عند موتِه في الدنيا بمنزلته في الجنة لمعاينة ما يُعْطاه منها، أو لِما يَتَيَقَّنُه مِنْ نعيمِها. الثالث: أنَّ " إلاَّ " بمعنى سِوى نقله الطبريُّ وضَعَّفَه. قال ابن عطية: " وليس تَضْعيفُه بصحيحٍ، بل هو كونُها بمعنى سِوى مستقيمٌ مُتَّسِقٌ ".

الرابع: أن " إلاَّ " بمعنى بَعْد. واختاره الطبريُّ، وأباه الجمهورُ؛ لأنَّ " إلاَّ " بمعنى بعد لم يَثْبُتْ. وقال الزمخشري: " فإنْ قلت: كيف اسْتُثْنِيَتِ الموتةُ الأُولى المَذُوْقَةُ قبلَ دخول الجنةِ مِنَ الموتِ المنفيِّ ذَوْقُه؟ قلت: أُريدَ أَنْ يُقالَ: لا يَذُوْقون فيها الموتَ البتةَ، فوضع قولَه { إِلاَّ ظ±لْمَوْتَةَ ظ±لأُولَىظ° } مَوْضِعَ ذلك؛ لأنَّ الموتَةَ الماضيةَ مُحالٌ ذَوْقُها في المستقبل فهو من بابِ التعليقِ بالمُحال: كأنَّه قيل: إنْ كانت الموتةُ الاُولى يَسْتقيم ذَوْقُها في المستقبلِ؛ فإنَّهم يَذْوْقونها في الجنة ". قلت: وهذا عند علماءِ البيانِ يُسَمَّى نَفْيَ الشيء بدليلِه. ومثلُه قول النابغةِ:
4022 ـ لا عَيْبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهُمْ بهنَّ فُلولٌ مِنْ قِراعِ الكتائبِ
يعني: إنْ كان أحدٌ يَعُدُّ فُلولَ السيوفِ مِنْ قِراع الكتائب عَيْباً فهذا عيبُهم، لكنَّ عَدَّهُ من العيوبِ مُحالٌ، فانتفى عنهم العيبُ بدليل تعلُّقِ الأمرِ على مُحال. وقال ابن عطية بعد ما قَدَّمْتُ حكايَته عن الطبريِّ: فَبيَّنَ أنه نَفَى عنهم ذَوْقَ الموتِ، وأنه لا ينالُهم من ذلك غيرُ ما تقدَّم في الدنيا ". يعني أنه كلامٌ محمولٌ على معناه.

اسامة محمد خيري
01-04-2017, 05:45
سورة الجاثية

واختلف القرّاء في قراءة قوله: { لِيَجْزِيَ قَوْماً } فقرأه بعض قرّاء المدينة والبصرة والكوفة: { لِيَجْزِيَ } بالياء على وجه الخبر عن الله أنه يجزيهم ويثيبهم وقرأ ذلك بعض عامة قرّاء الكوفيين «لِنَجْزِيَ» بالنون على وجه الخبر من الله عن نفسه. وذُكر عن أبي جعفر القارىء أنه كان يقرأه «لِيُجْزَى قَوْماً» على مذهب ما لم يسمّ فاعله، وهو على مذهب كلام العرب لحن، إلاَّ أن يكون أراد: ليجزى الجزاء قوماً، بإضمار الجزاء، وجعله مرفوعاً «لِيُجْزَى» فيكون وجهاً من القراءة، وإن كان بعيداً.

والصواب من القول في ذلك عندنا أن قراءته بالياء والنون على ما ذكرت من قراءة الأمصار جائزة بأيّ تينك القراءتين قرأ القارىء. فأما قراءته على ما ذكرت عن أبي جعفر، فغير جائزة عندي لمعنيين: أحدهما: أنه خلاف لما عليه الحجة من القرّاء، وغير جائز عندي خلاف ما جاءت به مستفيضاً فيهم. والثاني بعدها من الصحة في العربية إلاَّ على استكراه الكلام على غير المعروف من وجهه.

اسامة محمد خيري
02-04-2017, 05:05
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أفرأيت من اتخذ معبوده ما هويت عبادته نفسه من شيء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: كانت قريش تعبد العُزّى، وهو حجر أبيض، حيناً من الدهر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأوّل وعبدوا الآخر، فأنزل الله { أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ }.

وأولى التأويلين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: أفرأيت يا محمد من اتخذ معبوده هواه، فيعبد ما هوي من شيء دون إله الحقّ الذي له الألوهة من كلّ شيء، لأن ذلك هو الظاهر من معناه دون غيره.

وقوله: { وأضَلَّهُ اللّهُ على عِلْمٍ } يقول تعالى ذكره: وخذله عن محجة الطريق، وسبيل الرشاد في سابق علمه على علم منه بأنه لا يهتدي، ولو جاءته كل آية. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

اسامة محمد خيري
02-04-2017, 05:22
سورة الاحقاف

وقوله: { أوْ أثارةٍ مِنْ عِلْمٍ } اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والعراق { أوْ أثارةٍ من علم } بالألف، بمعنى: أو ائتوني ببقية من علم. ورُوي عن أبي عبد الرحمن السلميّ أنه كان يقرأه «أوْ أثَرَةٍ من علم»، بمعنى: أو خاصة من علم أوتيتموه، وأوثرتم به على غيركم، والقراءة التي لا أستجيز غيرها { أوْ أثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ } بالألف، لإجماع قرّاء الأمصار عليها...

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ببقية من علم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُريب، قال: سُئل أبو بكر، يعني ابن عياش عن { أثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ } قال: بقية من علم.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: الأثارة: البقية من علم، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وهي مصدر من قول القائل: أثر الشيء أثارة، مثل سمج سماجة، وقبح قباحة، كما قال راعي الإبل:
وذاتِ أثارةٍ أكَلَتْ عَلَيْها نَبَاتاً فِي أكِمتِهِ قَفَارَا
يعني: وذات بقية من شحم، فأما من قرأه أوْ أثَرةٍ فإنه جعله أثرة من الأثر، كما قيل: قترة وغبرة. وقد ذُكر عن بعضهم أنه قرأه «أوْ أثْرةٍ» بسكون الثاء، مثل الرجفة والخطفة، وإذا وجه ذلك إلى ما قلنا فيه من أنه بقية من علم، جاز أن تكون تلك البقية من علم الخط، ومن علم استثير من كُتب الأوّلين، ومن خاصة علم كانوا أوثروا به. وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك خبر بأنه تأوّله أنه بمعنى الخط، سنذكره إن شاء الله تعالى، فتأويل الكلام إذن: ائتوني أيها القوم بكتاب من قبل هذا الكتاب، بتحقيق ما سألتكم تحقيقه من الحجة على دعواكم ما تدّعون لآلهتكم، أو ببقية من علم يوصل بها إلى علم صحة ما تقولون من ذلك { إنْ كُنْتُمْ صادِقِين } في دعواكم لها ما تدّعون، فإن الدعوى إذا لم يكن معها حجة لم تُغنِ عن المدّعي شيئاً.

اسامة محمد خيري
02-04-2017, 05:39
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة والحسن البصري قالا: قال في حم الأحقاف { وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ، إنْ أتَّبِعُ إلاَّ ما يُوحَى إليَّ وَما أنا إلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ } فنسختها الآية التي في سورة الفتح
{ إنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِينا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ... }
الآية، فخرج نبيّ الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية، فبشرهم بأنه غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، فقال له رجال من المؤمنين: هنيئا لك يا نبيّ الله، قد علمنا ما يفعل بك، فماذا يُفعل بنا؟ فأنزل الله عزّ وجلّ في سورة الأحزاب، فقال:
{ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بأنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبيراً }
وقال
{ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهارُ خالِدِينَ فِيها، وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتهِمْ وكان ذلكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً، وَيُعَذّبَ المُنافِقِينَ وَالمُنَافِقاتِ وَالمُشْرِكينَ وَالمُشْركاتِ الظَّانِّينَ باللَّهِ... }
الآية، فبين الله ما يفعل به وبهم.
..

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو بكر الهذليّ، عن الحسن، في قوله: { وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ } فقال: أما في الآخرة فمعاذ الله، قد علم أنه في الجنة حين أخذ ميثاقه في الرسل، ولكن قال: وما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا، أخرج كما أخرجت الأنبياء قبلي أو أُقتل كما قُتلت الأنبياء من قبلي، ولا أدري ما يُفْعل بي ولا بكم، أمتي المكذّبة، أم أمتي المصدّقة، أم أمتي المرمية بالحجارة من السماء قذفاً، أم مخسوف بها خسفاً، ثم أوحي إليه:
{ وَإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بالنَّاسِ }
يقول: أحطت لك بالعرب أن لا يقتلوك، فعرف أنه لا يُقتل، ثم أنزل الله عزّ وجلّ:

{ هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ على الدّين كُلِّهِ، وَكَفَى باللَّهٍ شَهِيداً }
يقول: أشهد لك على نفسه أنه سيُظهر دينك على الأديان، ثم قال له في أمته: { وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وأنْتَ فِيهِمْ، وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } فأخبره الله ما يصنع به، وما يصنع بأمته.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما أدري ما يفترض عليّ وعليكم، أو ينزل من حكم، وليس يعني ما أدري ما يفعل بي ولا بكم غداً في المعاد من ثواب الله من أطاعه، وعقابه من كذّبه.

وقال آخرون: إنما أمر أن يقول هذا في أمر كان ينتظره من قِبَل الله عزّ وجلّ في غير الثواب والعقاب.

وأولى الأقوال في ذلك بالصحة وأشبهها بما دلّ عليه التنزيل، القول الذي قاله الحسن البصري، الذي رواه عنه أبو بكر الهُذَليّ.

وإنما قلنا ذلك أولاها بالصواب لأن الخطاب من مبتدإ هذه السورة إلى هذه الآية، والخبر خرج من الله عزّ وجلّ خطاباً للمشركين وخبراً عنهم، وتوبيخاً لهم، واحتجاجاً من الله تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم عليهم. فإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن هذه الآية أيضاً سبيلها سبيل ما قبلها وما بعدها في أنها احتجاج عليهم، وتوبيخ لهم، أو خبر عنهم. وإذا كان ذلك كذلك، فمحال أن يقال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: قل للمشركين ما أدري ما يُفعل بي ولا بكم في الآخرة، وآيات كتاب الله عزّ وجلّ في تنزيله ووحيه إليه متتابعة بأن المشركين في النار مخلدون، والمؤمنون به في الجنان منعمون، وبذلك يرهبهم مرّة، ويرغبهم أخرى، ولو قال لهم ذلك، لقالوا له: فعلام نتبعك إذن وأنت لا تدري إلى أيّ حال تصير غداً في القيامة، إلى خفض ودعة، أم إلى شدّة وعذاب وإنما اتباعنا إياك إن اتبعناك، وتصديقنا بما تدعونا إليه، رغبة في نِعمة، وكرامة نصيبها، أو رهبة من عقوبة، وعذاب نهرب منه، ولكن ذلك كما قال الحسن، ثم بين الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ما هو فاعل به، وبمن كذّب بما جاء به من قومه وغيرهم.

اسامة محمد خيري
02-04-2017, 05:43
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا داود، عن الشعبيّ، عن مسروق، في قوله { قُلْ أرأيْتُمْ إنْ كانَ مِنْ عنْدِ اللَّهِ } الآية، قال: كان إسلام ابن سلام بالمدينة ونزلت هذه السورة بمكة إنما كانت خصومة بين محمد عليه الصلاة والسلام وبين قومه، فقال: { قُلْ أرأيْتُمْ إنْ كانَ مِنْ عنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَني إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ } قال: التوراة مثل الفرقان، وموسى مثل محمد، فآمن به واستكبرتم، ثم قال: آمن هذا الذي من بني إسرائيل بنبيه وكتابه، واستكبرتم أنتم، فكذّبتم أنتم نبيكم وكتابكم، { إنَّ الله لا يهْدِي... } إلى قوله:
{ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ }...

والصواب من القول في ذلك عندنا أن الذي قاله مسروق في تأويل ذلك أشبه بظاهر التنزيل، لأن قوله: { قُلْ أرأيْتُمْ إنْ كانَ مِنْ عنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَني إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ } في سياق توبيخ الله تعالى ذكره مشركي قريش، واحتجاجاً عليهم لنبيه صلى الله عليه وسلم، وهذه الآية نظيرة سائر الآيات قبلها، ولم يجر لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذكر، فتوجه هذه الآية إلى أنها فيهم نزلت، ولا دلّ على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدّم الخبر عنهم معنى، غير أن الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ذلك عنى به عبد الله بن سلام وعليه أكثر أهل التأويل، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن، والسبب الذي فيه نزل، وما أريد به، فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك، وشهد عبد الله بن سلام، وهو الشاهد من بني إسرائيل على مثله، يعني على مثل القرآن، وهو التوراة، وذلك شهادته أن محمداً مكتوب في التوراة أنه نبيّ تجده اليهود مكتوباً عندهم في التوراة، كما هو مكتوب في القرآن أنه نبيّ.

اسامة محمد خيري
02-04-2017, 05:52
وقد ذُكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود «وهذا كتاب مصدّق لما بين يديه لساناً عربياً» فعلى هذه القراءة يتوجه النصب في قوله: { لِساناً عَرَبِيًّا } من وجهين: أحدهما على ما بيَّنت من أن يكون اللسان خارجاً من قوله { مُصَدّقٌ } والآخر: أن يكون قطعاً من الهاء التي في بين يديه.

والصواب من القول في ذلك عندي أن يكون منصوباً على أنه حال مما في مصدّق من ذكر الكتاب، لأن قوله: { مَصدّقٌ } فعل، فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك: وهذا القرآن يصدق كتاب موسى بأن محمداً نبي مرسل لساناً عربياً.....

اسامة محمد خيري
02-04-2017, 06:02
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ } ، فقرأته عامة قرّاء الأمصار { أذْهَبْتُمْ } بغير استفهام، سوى أبي جعفر القارىء، فإنه قرأه بالاستفهام، والعرب تستفهم بالتوبيخ، وتترك الاستفهام فيه، فتقول: أذهبت ففعلت كذا وكذا، وذهبت ففعلت وفعلت.

وأعجب القراءتين إليّ ترك الاستفهام فيه، لإجماع الحجة من القرّاء عليه، ولأنه أفصح اللغتين.

اسامة محمد خيري
03-04-2017, 05:17
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تبارك وتعالى أخبر أن عاداً أنذرهم أخوهم هود بالأحقاف، والأحقاف ما وصفت من الرمال المستطيلة المشرفة، كما قال العجَّاج:
بات إلى أرْطاةِ حِقْفٍ أحْقَفا
وكما:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَاذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بالأحْقافِ } قال: الأحقاف: الرمل الذي يكون كهيئة الجبل تدعوه العرب الحقف، ولا يكون أحقافا إلا من الرمل، قال: وأخو عاد هود. وجائز أن يكون ذلك جبلاً بالشام. وجائز أن يكون واديا بين عمان وحضرموت. وجائز أن يكون الشحر وليس في العلم به أداء فرض، ولا في الجهل به تضييع واجب، وأين كان فصفته ما وصفنا من أنهم كانوا قوماً منازلهم الرمال المستعلية المستطيلة.

اسامة محمد خيري
03-04-2017, 05:21
واختلفت القرّاء في قراءة قوله { فأصْبَحُوا لا يُرَى إلاَّ مَساكِنُهُمْ } فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة «لا تُرَى إلاَّ مَساكِنُهُمْ» بالتاء نصباً، بمعنى: فأصبحوا لا ترى أنت يا محمد إلا مساكنهم وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة لا يُرَى إلاَّ مَساكِنُهُمْ بالياء في يُرى، ورفع المساكن، بمعنى: ما وصفت قبل أنه لا يرى في بلادهم شيء إلا مساكنهم. وروى الحسن البصري «لا تُرَى» بالتاء، وبأيّ القراءتين اللتين ذكرت من قراءة أهل المدينة والكوفة قرأ ذلك القارىء فمصيب وهو القراءة برفع المساكن إذا قُرىء قوله يُرَى بالياء وضمها وبنصب المساكن إذا قُرىء قوله: «تَرَى» بالتاء وفتحها، وأما التي حُكيت عن الحسن، فهي قبيحة في العربية وإن كانت جائزة، وإنما قبحت لأن العرب تذكِّر الأفعال التي قبل إلا، وإن كانت الأسماء التي بعدها أسماء إناث، فتقول: ما قام إلا أختك، ما جاءني إلا جاريتك، ولا يكادون يقولون: ما جاءتني إلا جاريتك، وذلك أن المحذوف قبل إلا أحد، أو شيء واحد، وشيء يذكر فعلهما العرب، وإن عنى بهما المؤنث، فتقول: إن جاءك منهنّ أحد فأكرمه، ولا يقولون: إن جاءتك، وكان الفرّاء يجيزها على الاستكراه، ويذكر أن المفضل أنشده:
وَنارُنا لَمْ تُرَ ناراً مِثْلُها قَدْ عَلِمَتْ ذاكَ مَعَدّ أكْرَمَا
فأنث فعل مثل لأنه للنار، قال: وأجود الكلام أن تقول: ما رؤي مثلها.

اسامة محمد خيري
03-04-2017, 05:23
حدثني عليّ، قال: ثني أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ } يقول: لم نمكنكم.

اسامة محمد خيري
03-04-2017, 05:35
وقوله: { وَلَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ } يقول: انصرفوا منذرين عذاب الله على الكفر به.

وذُكر عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلهم رسلاً إلى قومهم.

حدثنا بذلك أبو كُرَيب، قال: ثنا عبد الحميد الحِمَّانيّ، قال: ثنا النضر، عن عكرمة، عن ابن عباس. وهذا القول خلاف القول الذي رُوي عنه أنه قال: لم يكن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم علم أنهم استمعوا إليه وهو يقرأ القرآن، لأنه محال أن يرسلهم إلى آخرين إلا بعد علمه بمكانهم، إلا أن يقال: لم يعلم بمكانهم في حال استماعهم للقرآن، ثم علم بعد قبل انصرافهم إلى قومهم، فأرسلهم رسلاً حينئذٍ إلى قومهم، وليس ذلك في الخبر الذي روي.

اسامة محمد خيري
04-04-2017, 05:11
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا على أدْبارِهِمْ... } إلى { إسْرَارَهُمْ } هم أهل النفاق. وهذه الصفة بصفة أهل النفاق عندنا، أشبه منها بصفة أهل الكتاب، وذلك أن الله عزّ وجلّ أخبر أن ردّتهم كانت بقيلهم
{ لِلَّذِينَ كَرِهُوا، ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُم في بَعْضِ الأَمْرِ }
ولو كانت من صفة أهل الكتاب، لكان في وصفهم بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم الكفاية من الخبر عنهم بأنهم إنما ارتدّوا من أجل قيلهم ما قالوا.
....

وقوله: { وأمْلَى لَهُمْ } يقول: ومدّ الله لهم في آجالهم مُلاوة من الدهر، ومعنى الكلام: الشيطان سوّل لهم، والله أملى لهم.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والكوفة { وأمْلَى لَهُمْ } بفتح الألف منها بمعنى: وأملى الله لهم. وقرأ ذلك بعض أهل المدينة والبصرة «وأُمْلِيَ لَهُمْ» على وجه ما لم يسمّ فاعله. وقرأ مجاهد فيما ذُكر عنه «وأُمْلِي» بضم الألف وإرسال الياء على وجه الخبر من الله جلّ ثناؤه عن نفسه أنه يفعل ذلك بهم.

وأولى هذه القراءات بالصواب، التي عليها عامة قرّاء الحجاز والكوفة من فتح الألف في ذلك، لأنها القراءة المستفيضة في قَرَأةَ الأمصار، وإن كان يجمعها مذهب تتقارب معانيها فيه.

اسامة محمد خيري
04-04-2017, 05:34
سورة الفتح

يعني بقوله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم { إنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً } يقول: إنا حكمنا لك يا محمد حكماً لمن سمعه أو بلغه على من خالفك وناصبك من كفار قومك، وقضينا لك عليهم بالنصر والظفر، لتشكر ربك، وتحمده على نعمته بقضائه لك عليهم، وفتحه ما فتح لك، ولتسبحه وتستغفره، فيغفر لك بفعالك ذلك ربك، ما تقدّم من ذنبك قبل فتحه لك ما فتح، وما تأخَّر بعد فتحه لك ذلك ما شكرته واستغفرته.

وإنما اخترنا هذا القول فـي تأويـل هذه الآية لدلالة قول الله عزّ وجلّ
{ إذَا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالفَتْح، ورأيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أفْوَاجاً، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوَّاباً }
على صحته، إذ أمره تعالى ذكره أن يسبح بحمد ربه إذا جاءه نصر الله وفتح مكة، وأن يستغفره، وأعلمه أنه توّاب على من فعل ذلك، ففي ذلك بيان واضح أن قوله تعالى ذكره: { لَيَغْفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ } إنما هو خبر من الله جلّ ثناؤه نبيه عليه الصلاة والسلام عن جزائه له على شكره له، على النعمة التي أنعم بها عليه من إظهاره له ما فتح، لأن جزاء الله تعالى عباده على أعمالهم دون غيرها.

وبعد ففي صحة الخبر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوم حتى ترِم قدماه، فقيل له: يا رسول الله تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: " أفَلا أكُونُ عَبْداً شَكُوراً؟ " ، الدلالة الواضحة على أن الذي قلنا من ذلك هو الصحيح من القول، وأن الله تبارك وتعالى، إنما وعد نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم غفران ذنوبه المتقدمة، فتح ما فتح عليه، وبعده على شكره له، على نعمه التي أنعمها عليه. وكذلك كان يقول صلى الله عليه وسلم: " إنّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وأتُوبُ إلَيْهِ فِي كُلّ يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ " ولو كان القول في ذلك أنه من خبر الله تعالى نبيه أنه قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر على غير الوجه الذي ذكرنا، لم يكن لأمره إياه بالاستغفار بعد هذه الآية، ولا لاستغفار نبيّ الله صلى الله عليه وسلم ربه جلّ جلاله من ذنوبه بعدها معنى يعقل، إذ الاستغفار معناه: طلب العبد من ربه عزّ وجلّ غفران ذنوبه، فإذا لم يكن ذنوب تغفر لم يكن لمسألته إياه غفرانها معنى، لأنه من المحال أن يقال: اللهمّ اغفر لي ذنباً لم أعمله. وقد تأوّل ذلك بعضهم بمعنى: ليغفر لك ما تقدّم من ذنبك قبل الرسالة، وما تأخر إلى الوقت الذي قال: { إنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأخَّرَ }....

اسامة محمد خيري
04-04-2017, 05:51
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { إنْ أرَادَ بِكُمْ ضَرّاً } فقرأته قرّاء المدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة { ضَرّاً } بفتح الضاد، بمعنى: الضرّ الذي هو خلاف النفع. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين «ضُرّاً» بضم الضاد، بمعنى البؤس والسَّقم.

وأعجب القراءتين إليّ الفتح في الضاد في هذا الموضع بقوله: { أوْ أرَادَ بِكُمْ نَفْعاً } ، فمعلوم أن خلاف النفع الضرّ، وإن كانت الأخرى صحيحاً معناها.

اسامة محمد خيري
04-04-2017, 06:01
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: سيقول يا محمد المخلفون في أهليهم عن صحبتك إذا سرت معتمراً تريد بيت الله الحرام، إذا انطلقت أنت ومن صحبك في سفرك ذلك إلى ما أفاء الله عليك وعليهم من الغنيمة { لِتَأخُذُوها } وذلك ما كان الله وعد أهل الحديبية من غنائم خيبر { ذَرُوَنا نَتَّبِعْكُم } إلى خيبر، فنشهد معكم قتال أهلها { يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ } يقول: يريدون أن يغيروا وعد الله الذي وعد أهل الحديبية، وذلك أن الله جعل غنائم خيبر لهم، ووعدهم ذلك عوضاً من غنائم أهل مكة إذا انصرفوا عنهم على صلح، ولم يصيبوا منهم شيئاً. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: رجع، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة، فوعده الله مغانم كثيرة، فعجلت له خيبر، فقال المخلَّفون { ذَرُونا نَتَّبِعْكُم يُرِيُدونَ أن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ } وهي المغانم ليأخذوها، التي قال الله جلّ ثناؤه: { إذَا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتأْخُذُوها } وعرض عليهم قتال قوم أولي بأس شديد.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن رجل من أصحابه، عن مقسم قال: لما وعدهم الله أن يفتح عليهم خيبر، وكان الله قد وعدها من شهد الحديبية لم يعط أحداً غيرهم منها شيئاً، فلما علم المنافقون أنها الغنيمة قالوا: { ذَرُونا نَتَّبِعْكُم يُرِيُدونَ أن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ } يقول: ما وعدهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذَا انْطَلَقْتُمْ.... } الآية، وهم الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية. ذُكر لنا أن المشركين لما صدّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية عن المسجد الحرام والهدي، قال المقداد: يا نبيّ الله، إنا والله لا نقول كالملأ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبيهم:
{ اذْهَبْ أنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إنَّا هاهُنا قاعِدُونَ }
ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فلما سمع ذلك أصحاب نبيّ الله صلى الله عليه وسلم تبايعوا على ما قال فلما رأى ذلك نبيّ الله صلى الله عليه وسلم صالح قريشاً، ورجع من عامه ذلك.

وقال آخرون: بل عنى بقوله: { يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ } إرادتهم الخروج مع نبيّ الله صلى الله عليه وسلم في غزوه، وقد قال الله تبارك وتعالى { فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِي عَدُوّاً }.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذَا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ... } الآية، قال الله له عزّ وجلّ حين رجع من غزوه،
{ فَاسْتَأذنَوُكَ للُخُرُوجِ فقل لَنْ تَخْرُجُوا مَعيَ أبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّاً... }
الآية يريدون أن يبدّلوا كلام الله: أرادوا أن يغيروا كلام الله الذي قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ويخرجوا معه، وأبى الله ذلك عليهم ونبيه صلى الله عليه وسلم.

وهذا الذي قاله ابن زيد قول لا وجه له، لأن قول الله عزّ وجلّ
{ فاسْتأْذَنُوكَ للْخُرُوج فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَداً ولَنْ تُقاتِلُوا مَعيَ عَدُوّاً }
إنما نزَل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مُنْصَرَفَه من تَبوك، وعُنِي به الذين تخلَّفوا عنه حين توجه إلى تبوك لغزو الروم، ولا اختلاف بين أهل العلم بمغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تبوك كانت بعد فتح خيبر وبعد فتح مكة أيضاً، فكيف يجوز أن يكون الأمر على ما وصفنا معنياً بقول الله: { يُرِيُدونَ أن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ } وهو خبر عن المتخلفين عن المسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ شخص معتمراً يريد البيت، فصدّه المشركون عن البيت، الذين تخلَّفوا عنه في غزوة تبوك، وغزوة تبوك لم تكن كانت يوم نزلت هذه الآية، ولا كان أُوحِيَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:
{ فاسْتأْذَنُوكَ للْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعي أبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً }


فإذ كان ذلك كذلك، فالصواب من القول في ذلك: ما قاله مجاهد وقتادة على ما قد بيَّنا....

وقوله: { قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذَلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ } يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المخلفين عن المسير معك يا محمد: لن تتبعونا إلى خيبر إذا أردنا السير إليهم لقتالهم { كَذَلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبلُ } يقول: هكذا قال الله لنا من قبل مَرْجِعنا إليكم، إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية معنا، ولستم ممن شهدها، فليس لكم أن تَتَّبعونا إلى خيبر، لأن غنيمتها لغيركم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { كَذَلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ } أي إنما جعلت الغنيمة لأهل الجهاد، وإنما كانت غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب....

اسامة محمد خيري
05-04-2017, 05:05
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء المخلَّفين من الأعراب أنهم سيدعون إلى قتال قوم أولي بأس في القتال، ونجدة في الحروب، ولم يوضع لنا الدليل من خبر ولا عقل على أن المعنيَّ بذلك هوازن، ولا بنو حنيفة ولا فارس ولا الروم، ولا أعيان بأعيانهم، وجائز أن يكون عنى بذلك بعض هذه الأجناس، وجائز أن يكون عُنِي بهم غيرهم، ولا قول فيه أصحّ من أن يُقال كما قال الله جلّ ثناؤه: إنهم سيدعون إلى قوم أولي بأس شديد.

وقوله: { تُقاتِلُونَهُمْ أوْ يُسْلِمُونَ } يقول تعالى ذكره للمخلَّفين من الأعراب: تقاتلون هؤلاء الذين تُدعون إلى قتالهم، أو يسلمون من غير حرب ولا قتال.

وقد ذُكر أن ذلك في بعض القراءات «تُقاتِلُونَهُمْ أوْ يُسْلمُوا»، وعلى هذه القراءة وإن كانت على خلاف مصاحف أهل الأمصار، وخلافا لما عليه الحجة من القرّاء، وغير جائز عندي القراءة بها لذلك تأويل ذلك: تقاتلونهم أبدا إلا أن يسلموا، أو حتى يسلموا.

اسامة محمد خيري
05-04-2017, 05:16
وقال آخرون: بل عنى بذلك الصلح الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس { فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ } قال: الصلح.

وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب ما قاله مجاهد، وهو أن الذي أثابهم الله من مسيرهم ذلك مع الفتح القريب المغانم الكثيرة من مغانم خيبر، وذلك أن المسلمين لم يغنموا بعد الحديبية غنيمة، ولم يفتحوا فتحاً أقرب من بيعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية إليها من فتح خيبر وغنائمها.

وأما قوله: { وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً } فهي سائر المغانم التي غنمهموها الله بعد خيبر، كغنائم هوازن، وغطفان، وفارس، والروم.

وإنما قلنا ذلك كذلك دون غنائم خيبر، لأن الله أخبر أنه عجَّل لهم هذه التي أثابهم من مسيرهم الذي ساروه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، ولما علم من صحة نيتهم في قتال أهلها، إذ بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن لا يفرّوا عنه، ولا شكّ أن التي عجَّلت لهم غير التي لم تُعجَّل لهم...

وقوله: { وكَفَّ أيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ } يقول تعالى ذكره لأهل بيعة الرضوان: وكفّ الله أيدي المشركين عنكم.

ثم اختلف أهل التأويل في الذين كفَّت أيديهم عنهم من هم؟ فقال بعضهم: هم اليهود كفّ الله أيديهم عن عيال الذين ساروا من المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وكَفَّ أيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ }: عن بيوتهم، وعن عيالهم بالمدينة حين ساروا إلى الحديبية وإلى خيبر، وكانت خيبر في ذلك الوجه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { وكَفَّ أيْدِي النَّاس عَنْكُمْ } قال: كفّ أيدي الناس عن عيالهم بالمدينة.

وقال آخرون: بل عنى بذلك أيدي قريش إذ حبسهم الله عنهم، فلم يقدروا له على مكروه.

والذي قاله قتادة في ذلك عندي أشبه بتأويل الآية، وذلك أن كفّ الله أيدي المشركين من أهل مكة عن أهل الحُديبية قد ذكره الله بعد هذه الآية في قوله:
{ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وأيْدِيَكُم عَنْهُمْ بِبَطْن مَكَّةَ }
فعلم بذلك أن الكفّ الذي ذكره الله تعالى في قوله: { وكَفَّ أيْدِيِ النَّاسِ عَنْكُمْ } غير الكفّ الذي ذكر الله بعد هذه الآية في قوله:
{ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهُم عَنْكُمْ وأيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْن مَكَّةَ }...

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { وأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها } قال: بلغنا أنها مكة.

وهذا القول الذي قاله قتادة أشبه بما دلّ عليه ظاهر التنزيل، وذلك أن الله أخبر هؤلاء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، أنه محيط بقرية لم يقدروا عليها، ومعقولٌ أنه لا يقال لقوم لم يقدروا على هذه المدينة، إلا أن يكونوا قد راموها فتعذّرت عليهم، فأما وهم لم يروموها فتتعذّر عليهم فلا يقال: إنهم لم يقدروا عليها.

فإذ كان ذلك كذلك، وكان معلوماً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقصد قبل نزول هذه الآية عليه خيبر لحرب، ولا وجه إليها لقتال أهلها جيشاً ولا سرية، علم أن المعنيَّ بقوله: { وأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها } غيرها، وأنها هي التي قد عالجها ورامها، فتعذّرت فكانت مكة وأهلها كذلك، وأخبر الله تعالى ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أنه أحاط بها وبأهلها، وأنه فاتحها عليهم، وكان الله على كلّ ما يشاء من الأشياء ذا قُدرة، لا يتعذّر عليه شيء شاءه.

اسامة محمد خيري
05-04-2017, 05:28
واختلف أهل التأويل في المعرة التي عناها الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: عنى بها الإثم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أنْ تَطَئوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بغَيرِ عِلْمٍ } قال: إثم بغير علم.

وقال آخرون: عنى بها غرم الدية. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق { فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بغَيرِ عِلْمٍ } فتخرجوا ديته، فأما إثم فلم يحسبه عليهم. والمعرّة: هي المفعلة من العرّ، وهو الجرب. وإنما المعنى: فتصيبكم من قبلهم معرّة تعرّون بها، يلزمكم من أجلها كفَّارة قتل الخطأ، وذلك عتق رقبة مؤمنة، من أطاق ذلك، ومن لم يطق فصيام شهرين.

وإنما اخترت هذا القول دون القول الذي قاله ابن إسحاق، لأن الله إنما أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يكن هاجر منها، ولم يكن قاتله علم إيمانه الكفارة دون الدية، فقال:
{ وإنْ كانَ مِنْ قَوْم عَدُوَ لَكُمْ وهُوَ مُؤْمِنٌ، فَتَحْرِيرُ رقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ }
لم يوجب على قاتله خطأ ديته، فلذلك قلنا: عنى بالمعرّة في هذا الموضع الكفارة،

اسامة محمد خيري
05-04-2017, 05:37
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق { فجعَلَ مِنْ دُونِ ذلكَ فَتْحاً قَرِيباً } قال: صلح الحُديبية.

وقال آخرون: عنى بالفتح القريب في هذا الموضع: فتح خيبر. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلكَ فَتْحاً قَرِيباً } قال: خيبر حين رجعوا من الحُديبية، فتحها الله عليهم، فقسمها على أهل الحديبية كلهم إلا رجلاً واحداً من الأنصار، يقال له: أبو دجانة سماك بن خرشة، كان قد شهد الحُديبية وغاب عن خَيبر.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه جعل لرسوله والذين كانوا معه من أهل بيعة الرضوان فتحاً قريباً من دون دخولهم المسجد الحرام، ودون تصديقه رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان صلح الحُديبية وفتح خيبر دون ذلك، ولم يخصص الله تعالى ذكره خبره ذلك عن فتح من ذلك دون فتح، بل عمّ ذلك، وذلك كله فتح جعله الله من دون ذلك.

والصواب أن يعمه كما عمه، فيقال: جعل الله من دون تصديقه رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدخوله وأصحابه المسجد الحرام محلِّقين رؤوسهم ومقصِّرين، لا يخافون المشركين صلح الحُديبية وفتح خيبر.

اسامة محمد خيري
05-04-2017, 05:43
حدثنا ابن سنان القزّاز، قال: ثنا هارون بن إسماعيل، قال: ثنا عليّ بن المبارك، قال: ثنا مالك بن دينار، قال: سمعت عكرِمة يقول: { سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أثَرِ السُّجُودِ } قال: هو أثر التراب.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبرنا أن سيما هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في وجوههم من أثر السجود، ولم يخصّ ذلك على وقت دون وقت. وإذ كان ذلك كذلك، فذلك على كلّ الأوقات، فكان سيماهم الذي كانوا يعرفون به في الدنيا أثر الإسلام، وذلك خشوعه وهديه وزهده وسمته، وآثار أداء فرائضه وتطوّعه، وفي الآخرة ما أخبر أنهم يعرفون به، وذلك الغرّة في الوجه والتحجيل في الأيدي والأرجل من أثر الوضوء، وبياض الوجوه من أثر السجود. وبنحو الذي قلنا في معنى السيما قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أثَرِ السُّجُودِ } يقول: علامتهم أو أعلمتهم الصلاة....

وقال آخرون: هذان المَثَلان في التوراة والإنجيل مثلهم. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { ذلكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ } والإنجيل واحد.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: مثلهم في التوراة، غير مثَلهم في الإنجيل، وإن الخبر عن مَثلهم في التوراة متناهٍ عند قوله: { ذلكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ } وذلك أن القول لو كان كما قال مجاهد من أن مثلهم في التوراة والإنجيل واحد، لكان التنزيل: ومثلهم في الإنجيل، وكزرع أخرج شطأه، فكان تمثيلهم بالزرع معطوفاً على قوله: { سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أثَرِ السُّجُودِ } حتى يكون ذلك خبراً عن أن ذلك مَثلهم في التوراة والإنجيل، وفي مجيء الكلام بغير واو في قوله: { كَزَرْعٍ } دليل بَيِّن على صحة ما قُلنا، وأن قولهم { وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجِيلِ } خبر مبتدأ عن صفتهم التي هي في الإنجيل دون ما في التوراة منها...

وقوله: { مِنْهُمْ } يعني: من الشطء الذي أخرجه الزرع، وهم الداخلون فِي الإسلام بعد الزرع الذي وصف ربنا تبارك وتعالى صفته. والهاء والميم في قوله { مِنْهُمْ } عائدة على معنى الشطء لا على لفظه، ولذلك جمع فقيل: «منهم»، ولم يقل «منه». وإنما جمع الشطء لأنه أريد به من يدخل في دين محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة بعد الجماعة الذين وصف الله صفتهم بقوله: { وَالَّذِين مَعَهُ أشِدَّاءُ عَلى الكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُم رُكَّعاً سُجَّداً }.

اسامة محمد خيري
05-04-2017, 06:07
سورة الحجرات

والذي هو أولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين أن يتنابزوا بالألقاب والتنابز بالألقاب: هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة، وعمّ الله بنهيه ذلك، ولم يخصص به بعض الألقاب دون بعض، فغير جائز لأحد من المسلمين أن ينبز أخاه باسم يكرهه، أو صفة يكرهها.

وقوله: { بِئْسَ الاِسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ } يقول تعالى ذكره: ومن فعل ما نهينا عنه، وتقدّم على معصيتنا بعد إيمانه، فسخر من المؤمنين، ولمز أخاه المؤمن، ونبزه بالألقاب، فهو فاسق { بِئْسَ الاِسْمْ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ } يقول: فلا تفعلوا فتستحقوا إن فعلتموه أن تسموا فساقاً، بئس الاسم الفسوق، وترك ذكر ما وصفنا من الكلام، اكتفاء بدلالة قوله: { بِئْسَ الاِسْمُ الفُسُوقُ } عليه.

وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:

حدثنا به يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وقرأ { بِئْسَ الاِسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ } قال: بئس الاسم الفسوق حين تسميه بالفسق بعد الإسلام، وهو على الإسلام. قال: وأهل هذا الرأي هم المعتزلة، قالوا: لا نكفره كما كفره أهل الأهواء، ولا نقول له مؤمن، كما قالت الجماعة، ولكنا نسميه باسمه إن كان سارقاً فهو سارق، وإن كان خائناً سموه خائناً وإن كان زانياً سموه زانياً قال: فاعتزلوا الفريقين أهل الأهواء وأهل الجماعة، فلا بقول هؤلاء قالوا، ولا بقول هؤلاء، فسموا بذلك المعتزلة.

فوجه ابن زيد تأويل قوله: { بِئْسَ الاِسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ } إلى من دعي فاسقاً، وهو تائب من فسقه، فبئس الاسم ذلك له من أسمائه.. وغير ذلك من التأويل أولى بالكلام، وذلك أن الله تقدّم بالنهي عما تقدّم بالنهي عنه في أوّل هذه الآية، فالذي هو أولى أن يختمها بالوعيد لمن تقدّم على بغيه، أو بقبيح ركوبه ما ركب مما نهي عنه، لا أن يخبر عن قُبح ما كان التائب أتاه قبل توبته، إذ كانت الآية لم تفتتح بالخبر عن ركوبه ما كان ركب قبل التوبة من القبيح، فيختم آخرها بالوعيد عليه أو بالقبيح.

اسامة محمد خيري
06-04-2017, 05:06
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد { قُولُوا أسْلَمْنا } قال: استسلمنا.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وقرأ قول الله { قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا } استسلمنا: دخلنا في السلم، وتركنا المحاربة والقتال بقولهم: لا إله إلاَّ الله، وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتى يَقُولُوا لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، فإذا قالُوا لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهُمْ وأمْوَالَهُمْ إلاَّ بِحَقِّها وَحِسابُهُمْ على اللَّهِ "

وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك القول الذي ذكرناه عن الزهريّ وهو أن الله تقدّم إلى هؤلاء الأعراب الذين دخلوا في الملة إقراراً منهم بالقول، ولم يحققوا قولهم بعملهم أن يقولوا بالإطلاق آمنا دون تقييد قولهم بذلك بأن يقولوا آمنا بالله ورسوله، ولكن أمرهم أن يقولوا القول الذي لا يشكل على سامعيه والذي قائله فيه محقّ، وهو أن يقولوا أسلمنا، بمعنى: دخلنا في الملة والأموال، والشهادة الحقّ....

والصواب من القراءة عندنا في ذلك، ما عليه قرّاء المدينة والكوفة { لا يَلِتْكُمْ } بغير ألف ولا همز، على لغة من قال: لات يليت، لعلتين: إحداهما: إجماع الحجة من القرّاء عليها. والثانية أنها في المصحف بغير ألف، ولا تسقط الهمزة في مثل هذا الموضع، لأنها ساكنة، والهمزة إذا سكنت ثبتت، كما يقال: تأمرون وتأكلون، وإنما تسقط إذا سكن ما قبلها، ولا يحمل حرف في القرآن إذا أتى بلغة على آخر جاء بلغة خلافها إذا كانت اللغتان معروفتين في كلام العرب. وقد ذكرنا أن ألت ولات لغتان معروفتان من كلامهم.

اسامة محمد خيري
06-04-2017, 05:15
سورة ق

واختلف أهل العربية في موضع جواب هذا القسم، فقال بعض نحوِّيي البصرة { ق والقُرآنِ المَجِيدِ } قسم على قوله:
{ قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ }
وقال بعض نحوِّيي أهل الكوفة: فيها المعنى الذي أقسم به، وقال: ذكر أنها قضى والله، وقال: يقال: إن قاف جبل محيط بالأرض، فإن يكن كذلك فكأنه في موضع رفع: أي هو قاف والله قال: وكان ينبغي لرفعه أن يظهر لأنه اسم وليس بهجاء قال: ولعلّ القاف وحدها ذكرت من اسمه، كما قال الشاعر:
قُلْت لهَا قِفِي لَنَا قالَتْ قافْ
ذُكرت القاف إرادة القاف من الوقف: أي إني واقفة.

وهذا القول الثاني عندنا أولى القولين بالصواب، لأنه لا يعرف في أجوبة الإيمان قد، وإنما تجاب الأيمان إذا أجيبت بأحد الحروف الأربعة: اللام، وإن، وما، ولا، أو بترك جوابها فيكون ساقطاً.

اسامة محمد خيري
06-04-2017, 05:18
{ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ } * { قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ظ±لأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ }

يقول القائل: لم يجر للبعث ذكر، فيخبر عن هؤلاء القوم بكفرهم ما دعوا إليه من ذلك، فما وجه الخبر عنهم بإنكارهم ما لم يدعوا إليه، وجوابهم عما لم يُسألوا عنه. قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك، فنذكر ما قالوا في ذلك، ثم نتبعه البيان إن شاء الله تعالى، فقال في ذلك بعض نحوِّيي البصرة قال: { أئذا مِتْنا وكُنَّا تُرَاباً ذَلكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ } ، لم يذكر أنه راجع، وذلك والله أعلم لأنه كان على جواب، كأنه قيل لهم: إنكم ترجعون، فقالوا: { أئِذَا متنا وكُنَّا تُرَاباً ذَلكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ } وقال بعض نحوِّيي الكوفة قوله: { أئِذَا متْنا وكُنَّا تُرَاباً } كلام لم يظهر قبله، ما يكون هذا جواباً له، ولكن معناه مضمر، إنما كان والله أعلم:
{ ق والقرآن المجيد }
لَتُبْعثنّ بعد الموت، فقالوا: أئذَا كنا تراباً بُعثنا؟ جحدوا البعث، ثم قالوا: { ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ } جحدوه أصلاً، قوله: { بَعِيدٌ } كما تقول للرجل يخطىء في المسألة، لقد ذهبت مذهباً بعيداً من الصواب: أي أخطأت. والصواب من القول في ذلك عندنا، أن في هذا الكلام متروكاً استغني بدلالة ما ذُكر عليه من ذكره، وذلك أن الله دلّ بخبره عن تكذيب هؤلاء المشركين الذين ابتدأ هذه السورة بالخبر عن تكذيبهم رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله:
{ بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الكافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ }
على وعيده إياهم على تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم، فكأنه قال لهم: إذ قالوا منكرين رسالة الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم
{ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ }
ستعلمون أيها القوم إذا أنتم بُعثتم يوم القيامة ما يكون حالكم في تكذيبكم محمداً صلى الله عليه وسلم، وإنكاركم نبوّته، فقالوا مجيبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أئِذَا مِتْنا وكُنَّا تُراباً نعلم ذلك، ونرى ما تعدنا على تكذيبك { ذلكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ }: أي أن ذلك غير كائن، ولسنا راجعين أحياء بعد مماتنا، فاستغني بدلالة قوله:
{ بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فقال الكافرون هَذَا شَيْءٌ عَجيبٌ }
من ذكر ما ذكرت من الخبر عن وعيدهم. وفيما:

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول قي قوله: { أئِذَا متْنا وكُنَّا تُرَاباً ذلكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ } قالوا: كيف يحيينا الله، وقد صرنا عظاماً ورفاتاً، وضللنا في الأرض، دلالة على صحة ما قلنا من أنهم أنكروا البعث إذا توعَّدوا به...

اسامة محمد خيري
06-04-2017, 05:35
وقد ذُكر عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه كان يقرأ «وَجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقّ بالمَوْتِ». ذكر الرواية بذلك:

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن واصل، عن أبي وائل، قال: لما كان أبو بكر رضي الله عنه يقضي، قالت عائشة رضي الله عنها هذا، كما قال الشاعر:
إذَا حَشْرَجَتْ يَوْماً وَضَاقَ بِها الصَّدْرُ
فقال أبو بكر رضي الله عنه: لا تقولي ذلك، ولكنه كما قال الله عزّ وجلّ: { وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بالحَقّ ذلكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ }. وقد ذُكر أن ذلك كذلك في قراءة ابن مسعود. ولقراءة من قرأ ذلك كذلك من التأويل وجهان:

أحدهما: وجاءت سكرة الله بالموت، فيكون الحقّ هو الله تعالى ذكره. والثاني: أن تكون السكرة هي الموت أُضيفت إلى نفسها، كما قيل: { إنَّ هذَا لهُوَ حَقُّ اليَقِينِ }. ويكون تأويل الكلام: وجاءت السكرةُ الحقُّ بالموت.

اسامة محمد خيري
06-04-2017, 05:39
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ } يعني المشركين.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عنى بها البرّ والفاجر، لأن الله أتبع هذه الآيات قوله:
{ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُه }
والإنسان في هذا الموضع بمعنى: الناس كلهم، غير مخصوص منهم بعض دون بعض. فمعلوم إذا كان ذلك كذلك أن معنى قوله:
{ وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بالحَقّ }
وجاءتك أيها الإنسان سكرة الموت بالحقّ { ذلكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدٌ } وإذا كان ذلك كذلك كانت بينةٌ صحة ما قلنا...

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا } قال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لقد كنت في غفلة من هذا الأمر يا محمد، كنت مع القوم في جاهليتهم { فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ }.

وعلى هذا التأويل الذي قاله ابن زيد يجب أن يكون هذا الكلام خطاباً من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه كان في غفلة في الجاهلية من هذا الدين الذي بعثه به، فكشف عنه غطاءه الذي كان عليه في الجاهلية، فنفذ بصره بالإيمان وتبيَّنه حتى تقررّ ذلك عنده، فصار حادّ البصر به. ذكر من قال: هو جميع الخلق من الجنّ والإنس.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني يعقوب بن عبد الرحمن الزهريّ، قال: سألت عن ذلك الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، فقال: يريد به البرّ والفاجر، { فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكُ اليَوْمَ حَدِيدٌ } قال: وكُشِف الغطاء عن البرّ والفاجر، فرأى كلّ ما يصير إليه. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: { فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ } قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ } قال: الحياة بعد الموت.

اسامة محمد خيري
06-04-2017, 05:42
يقول تعالى ذكره: وقال قرين هذا الإنسان الذي جاء به يوم القيامة معه سائق وشهيد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَقالَ قَرِينُهُ هَذَا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ } الملك.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وقَالَ قَرِينُهُ هَذَا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ... } إلى آخر الآية، قال: هذا سائقه الذي وُكِّل به، وقرأ { وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهيدٌ }.

وقوله: { هَذَا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ } يقول تعالى ذكره مخبراً عن قِيل قَرينِ هذا الإنسان عند موافاته ربه به، ربّ هذا ما لديّ عتيد: يقول: هذا الذي هو عندي معدّ محفوظ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { هَذَا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ } قال: والعتيد: الذي قد أخذه، وجاء به السائق والحافظ معه جميعاً....

وقوله: { أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ } فيه متروك استغنى بدلالة الظاهر عليه منه، وهو: يقال ألقيا في جهنم، أو قال تعالى: ألقيا، فأخرج الأمر للقرين، وهو بلفظ واحد مخرج خطاب الاثنين. وفي ذلك وجهان من التأويل: أحدهما: أن يكون القرين بمعنى الاثنين، كالرسول، والاسم الذي يكون بلفظ الواحد في الواحد، والتثنية والجمع، فردّ قوله: { أَلْقِيا في جَهَنَّمَ } إلى المعنى. والثاني: أن يكون كما كان بعض أهل العربية يقول، وهو أن العرب تأمر الواحد والجماعة بما تأمر به الاثنين، فتقول للرجل ويلك أرحلاها وازجراها، وذكر أنه سَمِعها من العرب قال: وأنشدني بعضهم:
فَقُلْتُ لصَاحِبي لا تَحْبسانا بنزْعِ أُصُولهِ واجْتَزَّ شيحا
وقال: وأنشدني أبو ثروان:
فإنْ تَزْجُرانِي يا بْنَ عَفَّانَ أنْزَجِرْ وَإنْ تَدَعانِي أحْمِ عِرْضاً مُمَنَّعا
قال: فيروي أن ذلك منهم أن الرجل أدنى أعوانه في إبله وغنمه اثنان، وكذلك الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، وقال: ألا ترى الشعراء أكثر شيئاً قيلاً يا صاحبيّ يا خليليّ، وقال امرؤ القَيس:
خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي على أُمّ جُنْدَبِ نُقَضِّ لُباناتِ الفُؤَادِ المُعَذَّبِ
ثم قال:
ألَمْ تَرَ أنّي كُلَّما جِئْتُ طارِفاً وَجَدْتُ بِها طِيْباً وَإنْ لَّمْ تَطَيَّبِ
فرجع إلى الواحد، وأوّل الكلام اثنان؛ قال: وأنشدني بعضهم:
خَلِيلَيَّ قُوما في عَطالَةَ فانْظُرَا: أنارٌ تُرَى مِنْ ذِي أبانَيْنِ أَمْ بَرْقا
وبعضهم يروي: أناراً نرى....

اسامة محمد خيري
06-04-2017, 05:51
أما قوله ( هل من مزيد ) فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله ، فقال بعضهم : معناه : ما من مزيد . قالوا : وإنما يقول الله لها : هل امتلأت بعد أن يضع قدمه فيها ، فينزوي بعضها إلى بعض ، وتقول : قط قط ، من تضايقها ، [ ص: 360 ] فإذا قال لها وقد صارت كذلك : هل امتلأت ؟ قالت حينئذ : هل من مزيد : أي ما من مزيد ، لشدة امتلائها ، وتضايق بعضها إلى بعض .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله ( يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) قال ابن عباس : " إن الله الملك تبارك وتعالى قد سبقت كلمته ( لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) فلما بعث الناس وأحضروا ، وسيق أعداء الله إلى النار زمرا ، جعلوا يقتحمون في جهنم فوجا فوجا ، لا يلقى في جهنم شيء إلا ذهب فيها ، ولا يملؤها شيء ، قالت : ألست قد أقسمت لتملأني من الجنة والناس أجمعين؟ فوضع قدمه ، فقالت حين وضع قدمه فيها : قد قد ، ‌ فإني قد امتلأت ، فليس لي مزيد ، ولم يكن يملؤها شيء ، حتى وجدت مس ما وضع عليها ، فتضايقت حين جعل عليها ما جعل ، فامتلأت فما فيها موضع إبرة " .

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله ( وتقول هل من مزيد ) قال : وعدها الله ليملأنها ، فقال : هلا وفيتك؟ قالت : وهل من مسلك .

حدثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ ، يقول : أخبرنا عبيد قال : سمعت الضحاك يقول في قوله ( يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) كان ابن عباس يقول : " إن الله الملك ، قد سبقت منه كلمة ( لأملأن جهنم ) لا يلقى فيها شيء إلا ذهب فيها ، لا يملؤها شيء ، حتى إذا لم يبق من أهلها أحد إلا دخلها ، وهي لا يملؤها شيء ، أتاها الرب فوضع قدمه عليها ، ثم قال لها : هل امتلأت يا جهنم؟ فتقول : قط قط ; قد امتلأت ، ملأتني من الجن والإنس فليس في مزيد ; قال ابن عباس : ولم يكن يملؤها شيء حتى وجدت [ ص: 361 ] مس قدم الله - تعالى ذكره - ، فتضايقت ، فما فيها موضع إبرة " .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : زدني ، إنما هو هل من مزيد ، بمعنى الاستزادة .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن حميد قال : ثنا يحيى بن واضح قال : ثنا الحسين بن ثابت ، عن أنس قال : " يلقى في جهنم وتقول : هل من مزيد ثلاثا ، حتى يضع قدمه فيها ، فينزوي بعضها إلى بعض ، فتقول : قط قط ، ثلاثا " .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله ( يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) لأنها قد امتلأت ، وهل من مزيد : هل بقي أحد؟ قال : هذان الوجهان في هذا ، والله أعلم ، قال : قالوا هذا وهذا .

وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال : هو بمعنى الاستزادة ، هل من شيء أزداده؟

وإنما قلنا ذلك أولى القولين بالصواب لصحة الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما حدثني أحمد بن المقدام العجلي قال : ثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي قال : ثنا أيوب ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا كان يوم القيامة ، لم يظلم الله أحدا من خلقه شيئا ، ويلقي في النار ، تقول هل من مزيد ، حتى يضع عليها قدمه ، فهنالك يملؤها ، ويزوى بعضها إلى بعض وتقول : قط قط " .

حدثنا أحمد بن المقدام قال : ثنا المعتمر بن سليمان قال : سمعت أبي يحدث عن قتادة ، عن أنس قال : " ما تزال جهنم تقول : هل من مزيد؟ حتى يضع الله عليها قدمه ، فتقول : قد قد ، وما يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله خلقا ، فيسكنه فضول الجنة " . [ ص: 362 ]

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : ثنا ابن علية قال : أخبرنا أيوب وهشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة قال : " اختصمت الجنة والنار ، فقالت الجنة : ما لي إنما يدخلني فقراء الناس وسقطهم; وقالت النار : ما لي إنما يدخلني الجبارون والمتكبرون ، فقال : أنت رحمتي أصيب بك من أشاء ، وأنت عذابي أصيب بك من أشاء ، ولكل واحدة منكما ملؤها . فأما الجنة فإن الله ينشئ لها من خلقه ما شاء . وأما النار فيلقون فيها وتقول : هل من مزيد ؟ ويلقون فيها وتقول هل من مزيد؟ ، حتى يضع فيها قدمه ، فهناك تملأ ويزوى بعضها إلى بعض ، وتقول : قط ، قط " .

حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن ثور ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " احتجت الجنة والنار ، فقالت الجنة : مالي لا يدخلني إلا فقراء الناس؟ وقالت النار : مالي لا يدخلني إلا الجبارون والمتكبرون؟ فقال للنار : أنت عذابي أصيب بك من أشاء ; وقال للجنة : أنت رحمتي أصيب بك من أشاء ، ولكل واحدة منكما ملؤها; فأما الجنة فإن الله عز وجل ينشئ لها ما شاء ; وأما النار فيلقون فيها وتقول : هل من مزيد ، حتى يضع قدمه فيها ، هنالك تمتلئ ، وينزوي بعضها إلى بعض ، وتقول : قط ، قط " .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول : هل من مزيد حتى يضع رب العالمين قدمه ، فينزوي بعضها إلى بعض وتقول : قد ، قد ، بعزتك وكرمك ، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة " .

حدثنا ابن المثنى قال : ثنا عبد الصمد قال : ثنا أبان العطار قال : ثنا قتادة ، عن أنس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : " لا تزال جهنم [ ص: 363 ] تقول : هل من مزيد حتى يضع رب العالمين فيها قدمه ، فينزوي بعضها إلى بعض ، فتقول : بعزتك قط ، قط; وما يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله خلقا فيسكنه في فضل الجنة " .

قال : ثنا عمرو بن عاصم الكلابي قال : ثنا المعتمر ، عن أبيه ، قال : ثنا قتادة ، عن أنس قال : ما تزال جهنم تقول : هل من مزيد فذكر نحوه " غير أنه قال : أو كما قال .

حدثنا زياد بن أيوب قال : ثنا عبد الوهاب بن عطاء الخفاف ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : " احتجت الجنة والنار ، فقالت النار : يدخلني الجبارون والمتكبرون; وقالت الجنة : يدخلني الفقراء والمساكين; فأوحى الله عز وجل إلى الجنة : أنت رحمتي أصيب بك من أشاء ، وأوحى إلى النار : أنت عذابي أصيب بك من أشاء ، ولكل واحدة منكما ملؤها; فأما النار فتقول : هل من مزيد؟ حتى يضع قدمه فيها ، فتقول : قط قط " . ففي قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لا تزال جهنم تقول هل من مزيد " دليل واضح على أن ذلك بمعنى الاستزادة لا بمعنى النفي ، لأن قوله : " لا تزال " دليل على اتصال قول بعد قول .

اسامة محمد خيري
06-04-2017, 05:53
وقوله ( ولدينا مزيد ) يقول : وعندنا لهم على ما أعطيناهم من هذه [ ص: 367 ] الكرامة التي وصف جل ثناؤه صفتها مزيد يزيدهم إياه . وقيل : إن ذلك المزيد : النظر إلى الله جل ثناؤه .

ذكر من قال ذلك :

حدثني أحمد بن سهيل الواسطي قال : ثنا قرة بن عيسى قال : ثنا النضر بن عربي عن جده ، عن أنس ، " إن الله عز وجل إذا أسكن أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، هبط إلى مرج من الجنة أفيح ، فمد بينه وبين خلقه حجبا من لؤلؤ ، وحجبا من نور ثم وضعت منابر النور وسرر النور وكراسي النور ، ثم أذن لرجل على الله عز وجل بين يديه أمثال الجبال من النور يسمع دوي تسبيح الملائكة معه ، وصفق أجنحتهم فمد أهل الجنة أعناقهم ، فقيل : من هذا الذي قد أذن له على الله؟ فقيل : هذا المجعول بيده ، والمعلم الأسماء ، والذي أمرت الملائكة فسجدت له ، والذي له أبيحت الجنة ، آدم عليه السلام ، قد أذن له على الله تعالى; قال : ثم يؤذن لرجل آخر بين يديه أمثال الجبال من النور ، يسمع دوي تسبيح الملائكة معه ، وصفق أجنحتهم; فمد أهل الجنة أعناقهم ، فقيل : من هذا الذي قد أذن له على الله؟ فقيل : هذا الذي اتخذه الله خليلا وجعل عليه النار بردا وسلاما ، إبراهيم قد أذن له على الله . قال : ثم أذن لرجل آخر على الله ، بين يديه أمثال الجبال من النور يسمع دوي تسبيح الملائكة معه ، وصفق أجنحتهم; فمد أهل الجنة أعناقهم ، فقيل : من هذا الذي قد أذن له على الله؟ فقيل : هذا الذي اصطفاه الله برسالته وقربه نجيا ، وكلمه [ كلاما ] موسى عليه السلام ، قد أذن له على الله . قال : ثم يؤذن لرجل آخر معه مثل جميع مواكب النبيين قبله ، بين يديه أمثال الجبال ، [ من النور ] يسمع دوي تسبيح الملائكة معه ، وصفق أجنحتهم; فمد أهل الجنة أعناقهم ، فقيل : من هذا الذي قد أذن له على الله؟ فقيل : هذا أول شافع ، وأول مشفع ، وأكثر [ ص: 368 ] الناس واردة ، وسيد ولد آدم ; وأول من تنشق عن ذؤابتيه الأرض ، وصاحب لواء الحمد ، أحمد - صلى الله عليه وسلم - ، قد أذن له على الله . قال : فجلس النبيون على منابر النور ، [ والصديقون على سرر النور ; والشهداء على كراسي النور ] وجلس سائر الناس على كثبان المسك الأذفر الأبيض ، ثم ناداهم الرب تعالى من وراء الحجب : مرحبا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي . يا ملائكتي ، انهضوا إلى عبادي ، فأطعموهم . قال : فقربت إليهم من لحوم طير ، كأنها البخت لا ريش لها ولا عظم ، فأكلوا ، قال : ثم ناداهم الرب من وراء الحجاب : مرحبا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي ، أكلوا اسقوهم . قال : فنهض إليهم غلمان كأنهم اللؤلؤ المكنون بأباريق الذهب والفضة بأشربة مختلفة لذيذة ، لذة آخرها كلذة أولها ، لا يصدعون عنها ولا ينزفون; ثم ناداهم الرب من وراء الحجب : مرحبا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي ، أكلوا وشربوا ، فكهوهم . قال : فيقرب إليهم على أطباق مكللة بالياقوت والمرجان; ومن الرطب الذي سمى الله ، أشد بياضا من اللبن ، وأطيب عذوبة من العسل . قال : فأكلوا ثم ناداهم الرب من وراء الحجب : مرحبا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي ، أكلوا وشربوا ، وفكهوا; اكسوهم; قال ففتحت لهم ثمار الجنة بحلل مصقولة بنور الرحمن فألبسوها . قال : ثم ناداهم الرب تبارك وتعالى من وراء الحجب : مرحبا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي; أكلوا ، وشربوا ، وفكهوا ، وكسوا؛ طيبوهم . قال : فهاجت عليهم ريح يقال لها المثيرة ، بأباريق المسك [ الأبيض ] الأذفر ، فنفحت على وجوههم من غير غبار ولا قتام . قال : ثم ناداهم الرب عز وجل من وراء الحجب : مرحبا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي ، أكلوا وشربوا وفكهوا ، وكسوا وطيبوا ، وعزتي لأتجلين لهم حتى ينظروا إلي قال : فذلك انتهاء العطاء وفضل المزيد; قال : فتجلى لهم الرب عز [ ص: 369 ] وجل ، ثم قال : السلام عليكم عبادي ، انظروا إلي فقد رضيت عنكم . قال : فتداعت قصور الجنة وشجرها : سبحانك أربع مرات ، وخر القوم سجدا; قال : فناداهم الرب تبارك وتعالى : عبادي ، ارفعوا رءوسكم فإنها ليست بدار عمل ، ولا دار نصب؛ إنما هي دار جزاء وثواب ، وعزتي وجلالي ما خلقتها إلا من أجلكم ، وما من ساعة ذكرتموني فيها في دار الدنيا ، إلا ذكرتكم فوق عرشي " .

حدثنا علي بن الحسين بن أبجر قال : ثنا عمر بن يونس اليمامي قال : ثنا جهضم بن عبد الله بن أبي الطفيل قال : ثني أبو طيبة ، عن معاوية العبسي ، عن عثمان بن عمير ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أتاني جبريل عليه السلام في كفه مرآة بيضاء ، فيها نكتة سوداء فقلت : يا جبريل ما هذه؟ قال : هذه الجمعة ، قلت : فما هذه النكتة السوداء فيها؟ قال : هي الساعة تقوم يوم الجمعة وهو سيد الأيام عندنا ، ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد; قلت : ولم تدعون يوم المزيد قال : إن ربك تبارك وتعالى اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض ، فإذا كان يوم الجمعة نزل من عليين على كرسيه ، ثم حف الكرسي بمنابر من نور ، ثم جاء النبيون حتى يجلسوا عليها ثم تجيء أهل الجنة حتى يجلسوا على الكثب فيتجلى لهم ربهم عز وجل حتى ينظروا إلى وجهه وهو يقول : أنا الذي صدقتكم عدتي ، وأتممت عليكم نعمتي ، فهذا محل كرامتي ، فسلوني ، فيسألونه الرضا ، فيقول : رضاي أحلكم داري وأنالكم كرامتي ، فسلوني ، فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم ، فيفتح لهم عند ذلك ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، إلى مقدار منصرف الناس من الجمعة حتى يصعد على كرسيه فيصعد معه الصديقون والشهداء ، وترجع أهل الجنة إلى غرفهم درة بيضاء ، لا نظم فيها ولا فصم ، أو ياقوتة حمراء ، أو زبرجدة خضراء ، منها غرفها وأبوابها ، فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة ، ليزدادوا منه كرامة ، وليزدادوا نظرا إلى وجهه ، ولذلك دعي يوم المزيد " . [ ص: 370 ]

حدثنا ابن حميد قال : ثنا جرير ، عن ليث بن أبي سليم ، عن عثمان بن عمير ، عن أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، نحو حديث علي بن الحسين .

حدثنا الربيع بن سليمان قال : ثنا أسد بن موسى قال : ثنا يعقوب بن إبراهيم ، عن صالح بن حيان ، عن أبي بريدة ، عن أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه .

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : ثنا ابن علية قال : أخبرنا ابن عون ، عن محمد قال : حدثنا ، أو قال : " قالوا : إن أدنى أهل الجنة منزلة ، الذي يقال له تمن ، ويذكره أصحابه فيتمنى ، ويذكره أصحابه فيقال له ذلك ومثله معه . قال : قال ابن عمر : ذلك لك وعشرة أمثاله ، وعند الله مزيد " .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : أخبرنا عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح ، حدثه عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري ، أنه قال عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الرجل في الجنة ليتكئ سبعين سنة قبل أن يتحول ثم تأتيه امرأته فتضرب على منكبيه ، فينطر وجهه في خدها أصفى من المرآة ، وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب ، فتسلم عليه ، فيرد السلام ، ويسألها من أنت؟ فتقول : أنا من المزيد وإنه ليكون عليها سبعون ثوبا أدناها مثل النعمان من طوبى فينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك ، وإن عليها من التيجان ، وإن أدنى لؤلؤة فيها لتضيء ما بين المشرق والمغرب " .

اسامة محمد خيري
06-04-2017, 06:00
وقال آخرون: هي الصلاة بالليل في أيّ وقت صلى. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد { وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ } قال: من الليل كله.

والقول الذي قاله مجاهد في ذلك أقرب إلى الصواب، وذلك أن الله جلّ ثناؤه قال: { وَمَنِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ } فلم يَحُدّ وقتاً من الليل دون وقت. وإذا كان ذلك كذلك كان على جميع ساعات الليل. وإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا، فهو بأن يكون أمراً بصلاة المغرب والعشاء، أشبه منه بأن يكون أمراً بصلاة العَتَمة، لأنهما يصلَّيان ليلاً....

وقال آخرون: هي النوافل في أدبار المكتوبات. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وأدْبارَ السُّجُودِ }: النوافل.

وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، قول من قال: هما الركعتان بعد المغرب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك، ولولا ما ذكرت من إجماعها عليه، لرأيت أن القول في ذلك ما قاله ابن زيد، لأن الله جلّ ثناؤه لم يخصص بذلك صلاة دون صلاة، بل عمّ أدبار الصلوات كلها، فقال: وأدبار السجود، ولم تقم بأنه معنيّ به: دبر صلاة دون صلاة، حجة يجب التسليم لها من خبر ولا عقل.

اسامة محمد خيري
06-04-2017, 06:11
سورة الذاريات

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { وَالذَّارِياتِ } قال: الرياح...

وقوله: { فالجارِياتِ يُسْراً } يقول: فالسفن التي تجري في البحار سهلاً يسيراً { فالمُقَسِّماتِ أمْراً } يقول: فالملائكة التي تقسم أمر الله في خلقه....

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { فالْحامِلاتِ وِقْراً } قال: السحاب تحمل المطر، { فالجارِياتِ يُسْراً } قال: السفن { فالمُقَسّماتِ أمْراً } قال: الملائكة ينزلها بأمره على من يشاء....

اسامة محمد خيري
07-04-2017, 05:04
وأولى القولين بالصواب في تأويل قوله: { يَوْمَ هُمْ على النَّارِ يُفْتَنُونَ } قول من قال: يعذّبون بالإحراق، لأن الفتنة أصلها الاختبار، وإنما يقال: فتنت الذهب بالنار: إذا طبختها بها لتعرف جودتها، فكذلك قوله: { يَوْمَ هُمْ على النَّارِ يُفْتَنُونَ } يحرقون بها كما يحرق الذهب بها، وأما النصب في اليوم فلأنها إضافة غير محضة على ما وصفنا من قول قائل ذلك.

اسامة محمد خيري
07-04-2017, 05:13
وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله: { كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ } قول من قال: كانوا قليلاً من الليل هجوعهم، لأن الله تبارك وتعالى وصفهم بذلك مدحاً لهم، وأثنى عليهم به، فوصفهم بكثرة العمل، وسهر الليل، ومكابدته فيما يقرّبهم منه ويرضيه عنهم أولى وأشبه من وصفهم من قلة العمل، وكثرة النوم، مع أن الذي اخترنا في ذلك هو أغلب المعاني على ظاهر التنزيل.
..

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عياش، قال: قال زيد بن أسلم في قوله: { وَفِي أمْوَالِهِمْ حَقٌّ للسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ } قال: ليس ذلك بالزكاة، ولكن ذلك مما ينفقون من أموالهم بعد إخراج الزكاة، والمحروم: الذي يُصاب زرعه أو ثمره أو نسل ماشيته، فيكون له حقّ على من لم يصبه ذلك من المسلمين، كما قال لأصحاب الجنة حين أهلك جنتهم
{ قالُوا بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ }
وقال أيضاً:
{ لَوْ نَشاءُ لجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إنَّا لَمَغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ }


وكان الشعبيّ يقول في ذلك ما.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، قال: قال الشعبيّ: أعياني أن أعلم ما المحروم.

والصواب من القول في ذلك عندي أنه الذي قد حُرم الرزق واحتاج، وقد يكون ذلك بذهاب ماله وثمره، فصار ممن حرمه الله ذلك، وقد يكون بسبب تعففه وتركه المسألة، ويكون بأنه لا سهم له في الغنيمة لغيبته عن الوقعة، فلا قول في ذلك أولى بالصواب من أن تعمّ، كما قال جلّ ثناؤه: { وفي أمْوَالِهِمْ حَقٌّ للسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ }.

اسامة محمد خيري
07-04-2017, 05:17
واختلف أهل التأويل في تأويل، قوله: { وَما تُوعَدُونَ } فقال بعضهم: معنى ذلك: وما توعدون من خير، أو شرّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهد { وَما تُوعَدُونَ } قال: وما توعدون من خير أو شرّ.

حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { وفي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ } يقول: الجنة في السماء، وما توعدون من خير أو شرّ.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما توعدون من الجنة والنار. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا النضر، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: { وَما تُوعَدُونَ } قال: الجنة والنار.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان { وَما تُوعَدُونَ } من الجنة.

وأولى القولين بالصواب في ذلك عندي، القول الذي قاله مجاهد، لأن الله عمّ الخبر بقوله: { وَما تُوعَدُونَ } عن كلّ ما وعدنا من خير أو شرّ، ولم يخصص بذلك بعضاً دون بعض، فهو على عمومه كما عمه الله جلّ ثناؤه.

اسامة محمد خيري
07-04-2017, 05:38
واختلُف في معنى { خَلَقْنا زَوْجَيْنِ } فقال بعضهم: عنى به: ومن كلّ شيء خلقنا نوعين مختلفين كالشقاء والسعادة والهدى والضلالة، ونحو ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا ابن جريج، قال: قال مجاهد، في قوله: { وَمِنْ كُلّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجِينِ } قال: الكفر والإيمان، والشقاوة والسعادة، والهدى والضلالة، والليل والنهار، والسماء والأرض، والإنس والجنّ.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا إبراهيم بن أبي الوزير، قال: ثنا مروان بن معاوية الفزاريُّ، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: { وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ } قال: الشمس والقمر.

وقال آخرون: عنى بالزوجين: الذكر والأنثى. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَمِنْ كُلّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ } قال: ذكراً وأنثى، ذاك الزوجان، وقرأ
{ وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجه }
قال: امرأته.

وأولى القولين في ذلك قول مجاهد، وهو أن الله تبارك وتعالى، خلق لكلّ ما خلق من خلقه ثانياً له مخالفاً في معناه، فكلّ واحد منهما زوج للآخر، ولذلك قيل: خلقنا زوجين. وإنما نبه جلّ ثناؤه بذلك من قوله على قُدرته على خلق ما يشاء خلقه من شيء، وأنه ليس كالأشياء التي شأنها فعل نوع واحد دون خلافه، إذ كلّ ما صفته فعل نوع واحد دون ما عداه كالنار التي شأنها التسخين، ولا تصلح للتبريد، وكالثلج الذي شأنه التبريد، ولا يصلح للتسخين، فلا يجوز أن يوصف بالكمال، وإنما كمال المدح للقادر على فعل كلّ ما شاء فعله من الأشياء المختلفة والمتفقة.

اسامة محمد خيري
07-04-2017, 05:45
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { وَما خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ } فقال بعضهم: معنى ذلك: وما خلقت السُّعداء من الجنّ والإنس إلا لعبادتي، والأشقياء منهم لمعصيتي. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن جُرَيج، عن زيد بن أسلم { وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونَ } قال: ما جبلوا عليه من الشقاء والسعادة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن جُرَيج، عن زيد بن أسلم بنحوه.

حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا سفيان، عن ابن جُرَيج، عن زيد ابن أسلم، بمثله.

حدثنا حُمَيد بن الربيع الخرّاز، قال: ثنا ابن يمان، قال: ثنا ابن جُرَيج، عن زيد بن أسلم، في قوله: { وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ } قال: جَبَلَهم على الشقاء والسعادة.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان { وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْس إلاَّ لِيَعْبُدُونَ } قال: من خلق للعبادة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك. وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليُذْعِنوا لي بالعبودة. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { وَما خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ }: إلا ليقرّوا بالعبودة طوعاً وكَرهاً.

وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي ذكرنا عن ابن عباس، وهو: ما خلقت الجنّ والإنس إلا لعبادتنا، والتذلل لأمرنا.

فإن قال قائل: فكيف كفروا وقد خلقهم للتذلل لأمره؟ قيل: إنهم قد تذللوا لقضائه الذي قضاه عليهم، لأن قضاءه جار عليهم، لا يقدرون من الامتناع منه إذا نزل بهم، وإنما خالفه من كفر به في العمل بما أمره به، فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه.
...

اسامة محمد خيري
07-04-2017, 05:55
سورة الطور

وقوله: { وَالبَحْرِ المَسْجُورِ } اختلف أهل التأويل في معنى البحر المسجور، فقال بعضهم: الموقد. وتأوّل ذلك: والبحر الموقد المحمّى. ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود، عن سعيد بن المسيب، قال: قال عليّ رضي الله عنه لرجل من اليهود: أين جهنم؟ فقال: البحر، فقال: ما أراه إلا صادقاً، { والبَحْرِ المَسْجورِ }
{ وَإذَا البِحارِ سُجِرَتْ }
مخففة.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يعقوب، عن حفص بن حُمَيد، عن شمر بن عطية، في قوله: { وَالبَحْرِ المَسْجُورِ } قال: بمنزلة التنُّور المسجور.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { وَالبَحْرِ المَسْجُورِ } قال: الموقَد.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَالبَحْرِ المَسْجُورِ } قال: الموقد، وقرأ قول الله تعالى:
{ وَإذَا البِحارُ سُجِّرَتْ }
قال: أوقدت.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وإذا البحار مُلئت، وقال: المسجور: المملوء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَالبَحْرِ المَسْجُورِ } الممتلىء.

وقال آخرون: بل المسجور: الذي قد ذهب ماؤه. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: { والبَحْرِ المَسْجُورِ } قال: سجره حين يذهب ماؤه ويفجر.

وقال آخرون: المسجور: المحبوس. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: { وَالبَحْرِ المَسْجُورِ } يقول: المحبوس.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: معناه: والبحر المملوء المجموع ماؤه بعضه في بعض، وذلك أن الأغلب من معاني السجر: الإيقاد، كما يقال: سجرت التنور، بمعنى: أوقدت، أو الامتلاء على ما وصفت، كما قال لبيد:

فَتَوَسَّطا عُرْضَ السَّرِيِّ وَصَدَّعا مَسْجُورَةً مُتَجاوِراً قُلاَّمُها
وكما قال النمر بن تولَب العُكْليّ:

إذَا شاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً تَرَى حَوْلَها النَّبْعَ والسَّا سمَا
سَقْتْها رَوَاعِدُ مِنْ صَيِّفٍ وَإنْ مِنْ خَرِيفٍ فَلَنْ يَعْدَما
فإذا كان ذلك الأغلب من معاني السَّجْر، وكان البحر غير مُوقَد اليوم، وكان الله تعالى ذكره قد وصفه بأنه مسجور، فبطل عنه إحدى الصفتين، وهو الإيقاد صحّت الصفة الأخرى التي هي له اليوم، وهو الامتلاء، لأنه كلّ وقت ممتلىء.

وقيل: إن هذا البحر المسجور الذي أقسم به ربنا تبارك وتعالى بحر في السماء تحت العرش. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، عن عليّ { والبَحْرِ المَسْجُورِ } قال: بحر في السماء تحت العرش.

قال: ثنا مهران، قال: وسمعته أنا من إسماعيل، قال: ثنا مهران عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو { وَالبَحْرِ المَسْجُورِ } قال: بحر تحت العرش.
...

اسامة محمد خيري
07-04-2017, 06:10
وأولى هذه الأقوال بالصواب وأشبهها بما دلّ عليه ظاهر التنزيل، القول الذي ذكرنا عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، وهو: والذين آمنوا بالله ورسوله، وأتبعناهم ذرياتهم الذين أدركوا الإيمان بإيمان، وآمنوا بالله ورسوله، ألحقنا بالذين آمنوا ذريتهم الذين أدركوا الإيمان فآمنوا، في الجنة فجعلناهم معهم في درجاتهم، وإن قصرت أعمالهم عن أعمالهم تكرمة منا لآبائهم، وما ألتناهم من أجور عملهم شيئاً....

وقوله: { وما ألَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ } يقول تعالى ذكره: وما ألتنا الآباء، يعني بقوله: { وَما ألَتْناهُمْ }: وما نقصناهم من أجور أعمالهم شيئاً، فنأخذه منهم، فنجعله لأبنائهم الذين ألحقناهم بهم، ولكنا وفَّيناهم أجور أعمالهم، وألحقنا أبناءهم بدرجاتهم، تفضلاً منا عليهم. والألت في كلام العرب: النقص والبخس، وفيه لغة أخرى، ولم يقرأ بها أحد نعلمه، ومن الألت قول الشاعر:

أبْلِغْ بني ثُعَلٍ عَنِّي مُغَلْغَلَةً جَهْدَ الرّسالَةِ لا ألْتا وَلا كَذِبا
يعني: لا نُقصان ولا زيادة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار قال: ثنا مؤمل قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، { وَما ألَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ } قال: ما نقصناهم

اسامة محمد خيري
08-04-2017, 05:03
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أم هم المُنْزِلُونَ. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { أمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ } قال: يقول أم هم المنزلون.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أم هم الأرباب، وممن قال ذلك معمر بن المثنى، قال: يقال: سيطرتَ عليّ: أي اتخذتني خولاً لك.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: أم هم الجبَّارون المتسلطون المستكبرون على الله، وذلك أن المسيطر في كلام العرب الجبار المتسلط، ومنه قول الله:
{ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ }
يقول: لست عليهم بجبار مسلط.

اسامة محمد خيري
08-04-2017, 05:09
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن للذين ظلموا أنفسهم بكفرهم به عذاباً دون يومهم الذي فيه يصعقون، وذلك يوم القيامة، فعذاب القبر دون يوم القيامة، لأنه في البرزخ، والجوع الذي أصاب كفار قريش، والمصائب التي تصيبهم في أنفسهم وأموالهم وأولادهم دون يوم القيامة، ولم يخصص الله نوعاً من ذلك أنه لهم دون يوم القيامة دون نوع بل عمّ فقال { وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ } فكلّ ذلك لهم عذاب، وذلك لهم دون يوم القيامة، فتأويل الكلام: وإن للذين كفروا بالله عذاباً من الله دون يوم القيامة { وَلِكنَّ أكْثرَهُمْ لا يَعْلمُونَ } بأنهم ذائقو ذلك العذاب.

اسامة محمد خيري
08-04-2017, 05:12
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } إلى الصلاة المفروضة.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: وصلّ بحمد ربك حين تقوم من مَنامك، وذلك نوم القائلة، وإنما عنى صلاة الظهر.

وإنما قلت: هذا القول أولى القولين بالصواب، لأن الجميع مجمعون على أنه غير واجب أن يقال في الصلاة: سبحانك وبحمدك، وما رُوي عن الضحاك عند القيام إلى الصلاة، فلو كان القول كما قاله الضحاك لكان فرضاً أن يُقال لأن قوله: { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } أمر من الله تعالى بالتسبيح، وفي إجماع الجميع على أن ذلك غير واجب الدليل الواضح على أن القول في ذلك غير الذي قاله الضحاك.

فإن قال قائل: ولعله أُريد به الندب والإرشاد. قيل: لا دلالة في الآية على ذلك، ولم تقم حجة بأن ذلك معنيّ به ما قاله الضحاك، فيجعل إجماع الجميع على أن التسبيح عند القيام إلى الصلاة مما خير المسلمون فيه دليلاً لنا على أنه أُريد به الندب والإرشاد.

وإنما قلنا: عُنِي به القيام من نوم القائلة، لأنه لا صلاة تجب فرضاً بعد وقت من أوقات نوم الناس المعروف إلا بعد نوم الليل، وذلك صلاة الفجر، أو بعد نوم القائلة، وذلك صلاة الظهر فلما أمر بعد قوله: { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } بالتسبيح بعد إدبار النجوم، وذلك ركعتا الفجر بعد قيام الناس من نومها ليلاً، عُلِم أن الأمر بالتسبيح بعد القيام من النوم هو أمر بالصلاة التي تجب بعد قيام من نوم القائلة على ما ذكرنا دون القيام من نوم الليل....

وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عني بها: الصلاة المكتوبة صلاة الفجر، وذلك أن الله أمر فقال: { وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإدْبارَ النُّجُومِ } والركعتان قبل الفريضة غير واجبتين، ولم تقم حجة يجب التسليم لها، أن قوله فسبحه على الندب، وقد دللنا في غير موضع من كتبنا على أمر الله على الفرض حتى تقوم حجة بأنه مراد به الندب، أو غير الفرض بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

اسامة محمد خيري
08-04-2017, 05:15
سورة النجم

اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { والنَّجْمِ إذَا هَوَى } فقال بعضهم: عُنِي بالنجم: الثُّريا، وعُنِي بقوله: { إذَا هَوَى }: إذا سقط، قالوا: تأويل الكلام: والثريا إذا سقطت. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى } قال: إذا سقطت الثريا مع الفجر.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان { وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى } قال: الثريا. وقال مجاهد: { وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى } قال: سقوط الثريا.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى } قال: إذا انصبّ.

وقال آخرون: معنى ذلك: والقرآن إذا نزل. ذكر من قال ذلك:

حدثني زياد بن عبد الله الحساني أبو الخطاب، قال: ثنا مالك بن سعير، قال: ثنا الأعمش، عن مجاهد، في قوله: { وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى } قال: القرآن إذا نزل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى ما ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَما غَوَى } قال: قال عُتْبة بن أبي لهب: كفرتُ بربّ النجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمَا تَخافُ أنْ يَأْكُلُكَ كَلْبُ اللّهِ " قال: فخرج في تجارة إلى اليمن، فبينما هم قد عرَّسوا، إذ سمعَ صوتَ الأسد، فقال لأصحابه إني مأكول، فأحدقوا به، وضرب على أصمختهم فناموا، فجاء حتى أخذه، فما سمعوا إلا صوته.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، قال: ثنا معمر، عن قتادة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم تلا: { وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى } فقال ابن لأبي لهب حسبته قال: اسمه عُتبة: كفرت بربّ النجم، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " احْذَرْ لا يَأْكُلْكَ كَلْبُ اللّهِ " قال: فضرب هامته. قال: وقال ابن طاوس عن أبيه، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " ألاَ تخافُ أنْ يُسَلِّطَ اللّهُ عَلَيْكَ كَلْبَهُ؟ " فخرج ابن أبي لهب مع ناس في سفر حتى إذا كانوا في بعض الطريق سمعوا صوت الأسد، فقال: ما هو إلا يريدني، فاجتمع أصحابه حوله وجعلوه في وسطهم، حتى إذا ناموا جاء الأسد فأخذه من بينهم. وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول: عنى بقوله: { والنَّجْمِ } والنجوم. وقال: ذهب إلى لفظ الواحد، وهو في معنى الجميع، واستشهد لقوله ذلك بقول راعي الإبل:

فَباتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ في مُسْتَحِيرَةٍ سَرِيعٌ بِأيْـدِي الآكِلِينَ جُمُودُها
والصواب من القول في ذلك عندي ما قاله مجاهد من أنه عنى بالنجم في هذا الموضع: الثريا، وذلك أن العرب تدعوها النجم، والقول الذي قاله من حكينا عنه من أهل البصرة قول لا نعلم أحداً من أهل التأويل قاله، وإن كان له وجه، فلذلك تركنا القول به.

اسامة محمد خيري
08-04-2017, 05:20
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا حكام عن أبي جعفر عن الربيع { ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوَى } جبريل عليه السلام.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى بالمِرّة: صحة الجسم وسلامته من الآفات والعاهات، والجسم إذا كان كذلك من الإنسان، كان قوياً، وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لأن المِرة واحدة المِرر، وإنما أُريد به: { ذو مِرّة } سوية. وإذا كانت المِرّة صحيحة، كان الإنسان صحيحاً. ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: " لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيّ، وَلا لِذِي مِرَّةٍ سِوِيًّ ".

وقوله: { فاسْتَوَى وَهُوَ بالأُفُقِ الأعْلَى } يقول: فاستوى هذا الشديد القويّ وصاحبكم محمد بالأفق الأعلى، وذلك لما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم استوى هو وجبريل عليهما السلام بمطلع الشمس الأعلى، وهو الأفق الأعلى، وعطف بقوله: «وهو» على ما في قوله: «فاستوى» من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم، والأكثر من كلام العرب إذا أرادوا العطف في مثل هذا الموضع أن يظهروا كناية المعطوف عليه، فيقولوا: استوى هو وفلان، وقلَّما يقولون استوى وفلان وذكر الفرّاء عن بعض العرب أنه أنشده:

ألَمْ تَرَ أنَّ النَّبْعَ يَصْلُبُ عُودُهُ وَلا يَسْتَوِي وَالخِرْوعُ المُتَقَصِّفُ
فردّ الخروع على «ما» في يستوي من ذكر النبع، ومنه قوله الله:
{ أئِذَا كُنَّا تُرَاباً وآباؤُنا }
فعطف بالآباء على المكنيّ في كنا من غير إظهار نحن، فكذلك قوله: { فاسْتَوَى وَهُوَ } ، وقد قيل: إن المستوي: هو جبريل، فإن كان ذلك كذلك، فلا مُؤْنة في ذلك، لأن قوله: { وهو } من ذكر اسم جبريل، وكأن قائل ذلك وجَّه معنى قوله: { فاسْتَوَى }: أي ارتفع واعتدل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع { ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوَى } جبريل عليه السلام وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَهُوَ بالأُفُقِ الأَعْلَى } والأفق: الذي يأتي منه النهار.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، في قوله: { وَهُوَ بالأُفقِ الأعْلَى } قال: بأفق المشرق الأعلى بينهما.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع { وَهُوَ بالأُفُقِ الأعْلَى } يعني جبريل.

قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع { وَهُوَ بالأُفُقِ الأَعْلَى } قال: السماء الأعلى، يعني جبريل عليه السلام.

اسامة محمد خيري
08-04-2017, 05:25
يقول تعالى ذكره: ثم دنا جبريل من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى إليه، وهذا من المؤخَّر الذي معناه القديم، وإنما هو: ثم تدلى فدنا، ولكنه حسن تقديم قوله: { دنا } ، إذ كان الدنوّ يدلّ على التدلي والتدلي على الدنوّ، كما يقال: زارني فلان فأحسن، وأحسن إليّ فزارني وشتمني، فأساء، وأساء فشتمني لأن الإساءة هي الشتم: والشتم هو الإساءة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن { ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى } قال: جبريل عليه السلام....

وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب قول من قال: معنى ذلك: فأوحى جبريل إلى عبده محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى إليه ربه، لأن افتتاح الكلام جرى في أوّل السورة بالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن جبريل عليه السلام، وقوله: { فأوْحَى إلى عَبْدِهِ ما أوْحَى فِي سِياقِ ذلكَ } ولم يأت ما يدلّ على انصراف الخبر عنهما، فيوجه ذلك إلى ما صرف إليه....

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { ما كَذَبَ الفُؤَادُ ما رأَى } فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة ومكة والكوفة والبصرة { كَذَبَ } بالتخفيف، غير عاصم الجحدري وأبي جعفر القارىء والحسن البصري فإنهم قرأوه «كذَّب» بالتشديد، بمعنى: أن الفؤاد لم يكذّب الذي رأى، ولكنه جعله حقاً وصدقاً، وقد يحتمل أن يكون معناه إذا قرىء كذلك: ما كذّب صاحب الفؤاد ما رأى. وقد بيَّنا معنى من قرأ ذلك بالتخفيف.

والذي هو أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بالتخفيف لإجماع الحجة من القرّاء عليه، والأخرى غير مدفوعة صحتها لصحة معناها.

اسامة محمد خيري
08-04-2017, 05:32
اختلفت القرّاء في قراءة { أفَتُمارُونَهُ } ، فقرأ ذلك عبد الله بن مسعود وعامة أصحابه «أفَتَمْرُونهُ» بفتح التاء بغير ألف، وهي قراءة عامة أهل الكوفة، ووجهَّوا تأويله إلى أفتجحدونه.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم أنه كان يقرأ: «أفَتَمْرُونَهُ» بفتح التاء بغير ألف، يقول: أفتجحدونه ومن قرأ { أفَتُمارُونَهُ } قال: أفتجادلونه. وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة ومكة والبصرة وبعض الكوفيين { أفَتُمارُونَهُ } بضم التاء والألف، بمعنى: أفتجادلونه.

والصواب من القول في ذلك: أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، وذلك أن المشركين قد جحدوا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ما أراه الله ليلة أُسري به وجادلوا في ذلك، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. وتأويل الكلام: أفتجادلون أيها المشركون محمداً على ما يرى مما أراه الله من آياته....

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن معنى المنتهى الانتهاء، فكأنه قيل: عند سدرة الانتهاء. وجائز أن يكون قيل لها سدرة المنتهى: لانتهاء علم كلّ عالم من الخلق إليها، كما قال كعب. وجائز أن يكون قيل ذلك لها، لانتهاء ما يصعد من تحتها، وينزل من فوقها إليها، كما رُوي عن عبد الله. وجائز أن يكون قيل ذلك كذلك لانتهاء كلّ من خلا من الناس على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها. وجائز أن يكون قيل لها ذلك لجميع ذلك، ولا خبر يقطع العذر بأنه قيل ذلك لها لبعض ذلك دون بعض، فلا قول فيه أصحّ من القول الذي قال ربنا جلّ جلاله، وهو أنها سدرة المنتهى.

وبالذي قلنا في أنها شجرة النبق تتابعت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أهل العلم. ذكر ما في ذلك من الآثار، وقول أهل العلم:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " انْتَهَيْتُ إلى السِّدْرَةِ فإذَا نَبْقُها مِثْلُ الجِرَارِ، وَإذَا وَرَقُها مِثْل آذَانِ الفِيلَةِ فَلَمَّا غَشِيَها مِنْ أمْرِ اللّهِ ما غَشِيَها، تَحَوَّلَتْ ياقُوتاً وَزُمُرُّداً وَنَحْوَ ذلكَ "

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيّ، عن سعيد عن قتادة، عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رجل من قومه قال: قال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: " لَمَّا انْتَهَيْتُ إلى السَّماءِ السَّابِعَةِ أتَيْتُ عَلى إبْرَاهِيمَ فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا؟ قال: هَذَا أبُوكَ إبْرَاهِيمُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقالَ: مَرْحَباً بالابْنِ الصَّالِحِ والنَّبِيّ الصَّالِح، قال: ثُمَّ رُفِعَتْ لي سِدْرَةُ المُنْتَهَى فحدّث نبيّ الله أنّ نبقها مثل قلال هجر، وأن ورقها مثل آذان الفِيلة ". ...

اسامة محمد خيري
08-04-2017, 05:37
حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: { اللاَّتَّ } قال: رجل يلتّ للمشركين السويق، فمات فعكفوا على قبره.

حدثنا أحمد بن هشام، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي صالح، في قوله: «اللاَّتَّ» قال: اللاتّ: الذي كان يقوم على آلهتهم، يَلُتّ لهم السويق، وكان بالطائف.

حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا أبو عبيد، قال: ثنا عبد الرحمن، عن أبي الأشهب، عن أبي الجوزاء عن ابن عباس، قال: كان يلتّ السويق للحاجّ.

وأولى القراءتين بالصواب عندنا في ذلك قراءة من قرأه بتخفيف التاء على المعنى الذي وصفت لقارئه كذلك لإجماع الحجة من قرّاء الأمصار عليه. وأما العُزّى فإن أهل التأويل اختلفوا فيها، فقال بعضهم: كان شجرات يعبدونها. ...

اسامة محمد خيري
08-04-2017, 05:47
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال «إلا» بمعنى الاستثناء المنقطع، ووجَّه معنى الكلام إلى { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ } بما دون كبائر الإثم، ودون الفواحش الموجبة للحدود في الدنيا، والعذاب في الآخرة، فإن ذلك معفوّ لهم عنه، وذلك عندي نظير قوله جلّ ثناؤه:

{ إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلُكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً }
فوعد جلّ ثناؤه باجتناب الكبائر، العفو عما دونها من السيئات، وهو اللمم الذي قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " العَيْنانِ تَزْنِيانِ، وَاليَدَانِ تَزْنِيانِ، وَالرِّجْلانِ تَزْنِيانِ وَيُصَدّقُ ذلكَ الفَرْجُ أوْ يُكَذّبُهُ " وذلك أنه لا حد فيما دون ولوج الفرج في الفرج، وذلك هو العفو من الله في الدنيا عن عقوبة العبد عليه، والله جلّ ثناؤه أكرم من أن يعود فيما قد عفا عنه، كما رُوِي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم واللمم في كلام العرب: المقاربة للشيء، ذكر الفرّاء أنه سمع العرب تقول: ضربه ما لمم القتل، يريدون ضرباً مقارباً للقتل. قال: وسمعت من آخر: ألمّ يفعل في معنى: كاد يفعل.

اسامة محمد خيري
08-04-2017, 05:51
وقال آخرون: بل وفَّى ربه عمل يومه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا الحسن بن عطية، قال: ثنا إسرائيل، عن جعفر بن الزبير عن القاسم، عن أبي أُمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { وَإبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى } قال: " أتَدْرُونَ ما وَفَّى " قالوا الله ورسوله أعلم، قال: " وَفَّى عَمَلَ يَوْمِهِ أرْبَعَ رَكَعاتٍ فِي النَّهارِ ".

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: وفَّى جميع شرائع الإسلام وجميع ما أُمر به من الطاعة، لأن الله تعالى ذكره أخبر عنه أنه وفَّى فعمّ بالخبر عن توفيته جميع الطاعة، ولم يخصص بعضاً دون بعض.

اسامة محمد خيري
08-04-2017, 06:00
وقوله: { ثُمَّ يُجْزَاهُ الجَزَاءَ الأَوْفَى } يقول تعالى ذكره: ثم يُثاب بسعيه ذلك الثواب الأوفى. وإنما قال جلّ ثناؤه { الأَوْفَى } لأنه أوفى ما وعد خلقه عليه من الجزاء، والهاء في قوله: { ثُمَّ يُجْزَاهُ } من ذكر السعي، وعليه عادت.

اسامة محمد خيري
08-04-2017, 06:07
وقوله: { هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى } اختلف أهل التأويل في معنى قوله جل ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم { هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى } ووصفه إياه بأنه من النذر الأولى وهو آخرهم، فقال بعضهم: معنى ذلك: أنه نذير لقومه، وكانت النذر الذين قبله نُذراً لقومهم، كما يقال: هذا واحد من بني آدم، وواحد من الناس. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى } قال: أنذر محمد صلى الله عليه وسلم كما أُنذرت الرسل من قبله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى } إنما بعث محمد صلى الله عليه وسلم بما بعث الرسل قبله.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن شريك، عن جابر، عن أبي جعفر { هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُر الأُولى } قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: معنى ذلك غير هذا كله، وقالوا: معناه هذا الذي أنذرتكم به أيها القوم من الوقائع التي ذكرت لكم أني أوقعتها بالأمم قبلكم من النذر التي أنذرتها الأمم قبلكم في صحف إبراهيم وموسى. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي مالك { هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُر الأُولى } قال: مما أنذروا به قومهم في صحف إبراهيم وموسى.

وهذا الذي ذكرت، عن أبي مالك أشبه بتأويل الآية، وذلك أن الله تعالى ذكره ذكر ذلك في سياق الآيات التي أخبر عنها أنها في صحف إبراهيم وموسى نذير من النُّذر الأولى التي جاءت الأمم قبلكم كما جاءتكم، فقوله: { هَذَا } بأن تكون إشارة إلى ما تقدمها من الكلام أولى وأشبه منه بغير ذلك....

اسامة محمد خيري
08-04-2017, 06:13
سورة القمر

وقوله: { وكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرّ } يقول تعالى ذكره: وكلّ أمر من خير أو شرّ مستقرّ قراره، ومتناه نهايته، فالخير مستقرّ بأهله في الجنة، والشرّ مستقرّ بأهله في النار. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وكُلّ أمْرٍ مُسْتَقِرّ }: أي بأهل الخير الخير، وبأهل الشرّ الشرّ.

اسامة محمد خيري
09-04-2017, 05:04
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { جَزَاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ } قال: لمن كان كفر نعم الله، وكفر بأياديه وآلائه ورسله وكتبه، فإن ذلك جزاء له.

والصواب من القول من ذلك عندي ما قاله مجاهد، وهو أن معناه: ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر، وفجَّرنا الأرض عيوناً، فغرّقنا قوم نوح، ونجينا نوحاً عقاباً من الله وثواباً للذي جُحِد وكُفِر، لأن معنى الكفر: الجحود، والذي جحد ألوهته ووحدانتيه قوم نوح، فقال بعضهم لبعض:
{ لا تَذرُنَّ آلهَتَكُمْ وَلا تَذَرُونّ وَدًّا ولا سُواعاً ولاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ ونَسْراً }
ومن ذهب به إلى هذا التأويل، كانت من الله، كأنه قيل: عوقبوا لله ولكفرهم به. ولو وَجَّه موَجِّه إلى أنها مراد بها نوح والمؤمنون به كان مذهباً، فيكون معنى الكلام حينئذٍ، فعلنا ذلك جزاء لنوح ولمن كان معه في الفلك، كأنه قيل: غرقناهم لنوح ولصنيعهم بنوح ما صنعوا من كفرهم به.

اسامة محمد خيري
09-04-2017, 05:34
واختلف أهل العربية في وجه نصب قوله: { كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ } فقال بعض نحويِّي البصرة: نصب كلّ شيء في لغة من قال: عبد الله ضربته قال: وهي في كلام العرب كثير. قال: وقد رفعت كلّ في لغة من رفع، ورفعت على وجه آخر. قال { إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بقَدَرٍ } فجعل خلقناه من صفة الشيء وقال غيره: إنما نصب كلّ لأن قوله خلقناه فعل، لقوله «إنا»، وهو أولى بالتقديم إليه من المفعول، فلذلك اختير النصب، وليس قيل عبد الله في قوله: عبد الله ضربته شيء هو أولى بالفعل، وكذلك إنا طعامك، أكلناه الاختيارُ النصب لأنك تريد: إنا أكلنا طعامك الأكل، أولى بأنا من الطعام. قال: وأما قول من قال: خلقناه وصف للشيء فبعيد، لأن المعنى: إنا خلقناه كلّ شيء بقدر، وهذا القول الثاني أولى بالصواب عندي من الأوّل للعلل التي ذكرت لصاحبها.

اسامة محمد خيري
09-04-2017, 05:46
سورة الرحمن

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { عَلَّمَهُ البَيانَ } قال: البيان: الكلام.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: معنى ذلك: أن الله علَّم الإنسان ما به الحاجة إليه من أمر دينه ودُنياه من الحلال والحرام، والمعايش والمنطق، وغير ذلك مما به الحاجة إليه، لأن الله جلّ ثناؤه لم يخصص بخبره ذلك، أنه علَّمه من البيان بعضاً دون بعض، بل عمّ فقال: علَّمه البيان، فهو كما عمّ جلّ ثناؤه....

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: الشمس والقمر يجريان بحساب ومنازل، لأن الحسبان مصدر من قول القائل: حسبته حساباً وحسباناً، مثل قولهم: كُفرته كفراناً، وغُفْرته غُفْراناً. وقد قيل: إنه جمع حساب، كما الشهبان: جمع شهاب.

اسامة محمد خيري
09-04-2017, 05:48
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عُنِي بالنجم: ما نجم من الأرض من نبت لعطف الشجر عليه، فكان بأن يكون معناه لذلك: ما قام على ساق وما لا يقوم على ساق يسجدان لله، بمعنى: أنه تسجد له الأشياء كلها المختلفة الهيئات من خلقه أشبه وأولى بمعنى الكلام من غيره. وأما قوله: { والشَّجَرُ } فإن الشجر ما قد وصفت صفته قبل. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { والشَّجَرُ يَسْجُدانِ } قال: الشجر: كل شيء قام على ساق.

اسامة محمد خيري
09-04-2017, 05:56
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله وصف النخل بأنها ذات أكمام، وهي متكممة في ليفها، وطلعها متكمم في جُفِّهِ، ولم يخصص الله الخبر عنها بتكممها في ليفها ولا تكمم طلعها في جفه، بل عمّ الخبر عنها بأنها ذات أكمام


والصواب أن يقال: عني بذلك ذات ليف، وهي به مُتَكَممة وذات طَلْع هو في جُفِّه متكَمِّم فيُعَمَّم، كما عَمَّ جلّ ثناؤه.

وقال آخرون: هو ما قام على ساق. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: { الرَّيْحانُ } ما قام على ساق.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عُنِي به الرزق، وهو الحبّ الذي يؤكل منه.

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الله جلّ ثناؤه أخبر عن الحبّ أنه ذو العصف، وذلك ما وصفنا من الورق الحادث منه، والتبن إذا يبس، فالذي هو أولى بالريحان، أن يكون حبه الحادث منه، إذ كان من جنس الشيء الذي منه العصف، ومسموع من العرب تقول: خرجنا نطلب رَيْحان الله ورزقه، ويقال: سبحانَك وريحانَك: أي ورزقك، ومنه قول النْمر بن تَوْلب:
سَلامُ الإلهِ وَرَيْحانُهُ وجَنَّتُهُ وسَماءٌ دِرَرْ
وذُكر عن بعضهم أنه كان يقول: العصف: المأكول من الحبّ والريحان: الصحيح الذي لم يؤكل.

واختلفت القراء في قراءة قوله: { والرَّيْحانُ } فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض المكيين وبعض الكوفيين بالرفع عطفاً به على الحبّ، بمعنى: وفيها الحبّ ذو العصف، وفيها الريحان أيضاً. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين «والرَّيْحانِ» بالخفض عطفاً به على العصف، بمعنى: والحبّ ذو العصف وذو الريحان.

وأولى القراءتين في ذلك بالصواب: قراءة من قرأه بالخفص للعلة التي بينت في تأويله، وأنه بمعنى الرزق. وأما الذين قرأوه رفعاً، فإنهم وجَّهوا تأويله فيما أرى إلى أنه الريحان الذي يشمّ، فلذلك اختاروا الرفع فيه وكونه خفضا بمعنى: وفيها الحبّ ذو الورق والتبن، وذو الرزق المطعوم أولى وأحسن لما قد بيَّناه قبل.

اسامة محمد خيري
09-04-2017, 06:07
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عُنِيَ به بحر السماء، وبحر الأرض، وذلك أن الله قال { يَخْرُجُ منْهُما اللُّؤْلُؤُ وَالمَرْجانُ } واللؤلؤ والمرجان إنما يخرج من أصداف بحر الأرض عن قَطْر ماء السماء، فمعلوم أن ذلك بحر الأرض وبحر السماء.

وقوله: { بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ } يقول تعالى ذكره: بينهما حاجز وبعدٌ، لا يُفسد أحدهما صاحبه فيبغي بذلك عليه، وكل شيء كان بين شيئين فهو برزخ عند العرب، وما بين الدنيا والآخرة برزخ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن ابن أبزى { بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ } لا يبغي أحدهما على صاحبه....

وقال آخرون: بل معناه: لا يبغيان أن يلتقيا. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { لا يَبْغِيانِ } قال: لا يبغي أحدهما أن يلتقي مع صاحبه.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله وصف البحرين اللذين ذكرهما في هذه الآية أنهما لا يبغيان، ولم يخصص وصفهما في شيء دون شيء، بل عمّ الخبر عنهما بذلك، فالصواب أن يُعَمَّ كما عمّ جلّ ثناؤه، فيقال: إنهما لا يبغيان على شيء، ولا يبغي أحدهما على صاحبه، ولا يتجاوزان حدّ الله الذي حدّه لهما.

اسامة محمد خيري
09-04-2017, 06:11
والصواب من القول في اللؤلؤ، أنه هو الذي عرفه الناس مما يخرج من أصداف البحر من الحبّ وأما المرجان، فإني رأيت أهل المعرفة بكلام العرب لا يتدافعون أنه جمع مرجانة، وأنه الصغار من اللؤلؤ، قد ذكرنا ما فيه من الاختلاف بين متقدمي أهل العلم، والله أعلم بصواب ذلك.

وقد زعم بعض أهل العربية أن اللؤلؤ والمرجان يخرج من أحد البحرين، ولكن قيل: يخرج منهما، كما يقال أكلت: خبزاً ولبناً، وكما قيل:

وَرأيْتُ زَوْجَكِ فِي الوَغَى مُتَقَلِّدا سَيْفاً وَرُمْحاً
وليس ذلك كما ذهب إليه، بل ذلك كما وصفت من قبل من أن ذلك يخرج من أصداف البحر، عن قطر السماء، فلذلك قيل: { يَخْرُجُ مِنْهُما اللُّؤلُؤُ } يعني بهما: البحران. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال: إن السماء إذا أمطرت، فتحت الأصداف أفواهها، فمنها اللؤلؤ.

حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: ثنا أبو يحيى الحماني، قال: ثنا الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: إذا نزل القطر من السماء تفتَّحت الأصداف فكان لؤلؤاً.

حدثني عبد الله بن محمد بن عمرو الغزي، قال: ثنا الفريابي، قال: ذكر سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: إن السماء إذا أمطرت تفتحت لها الأصداف، فما وقع فيها من مطر فهو لؤلؤ.

حدثنا محمد بن إسماعيل الفزاري، قال: أخبرنا محمد بن سوار، قال: ثنا محمد بن سليمان الكوخي ابن أخي عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عبد الرحمن الأصبهاني، عن عكرِمة، قال: ما نزلت قطرة من السماء في البحر إلاَّ كانت بها لؤلؤة أو نبتت بها عنبرة، فيما يحسب الطبري.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { يَخْرُجُ مِنْهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ } فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة: «يُخْرَجُ» على وجه ما لم يسمّ فاعله. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة وبعض المكيين بفتح الياء.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، لتقارب معنييهما....

وقرأ ذلك عامة قرّاء البصرة والمدينة وبعض الكوفيين { المُنْشَئاتُ } بفتح الشين، بمعن المرفوعات القلاع اللاتي تقبل بهنّ وتدبر.

والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى متقاربتاه، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. ذكر من قال في تأويل ذلك ما ذكرناه فيه:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { المُنْشَئاتُ فِي البَحْرِ } قال: ما رفع قلعه من السفن فهي منشئات، وإذا لم يرفع قلعها فليست بمنشأة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَلَهُ الجَوَارِ المُنْشَئاتُ فِي البَحْرِ كالأعْلام } يعني: السفن.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَلَهُ الجوَارِ المُنْشَئاتُ فِي البَحْرِ كالأعْلامِ } يعني السفن.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَلَهُ الجَوَارِ المُنْشَئاتُ فِي البَحْرِ كالأعْلامِ } قال السفن.

اسامة محمد خيري
09-04-2017, 06:19
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { لا تَنْفُذُونَ إلاَّ بسُلْطانٍ } يقول إلا بملكة من الله.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: إلا بحجة وبينة، لأن ذلك هو معنى السلطان في كلام العرب، وقد يدخل الملك في ذلك، لأن الملك حجة....

وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عُنِي بالنحاس: الدخان، وذلك أنه جلّ ثناؤه ذكر أنه يرسل على هذين الحيَّين شواظ من نار، وهو النار المحضة التي لا يخلطها دخان. والذي هو أولى بالكلام أنه توعدهم بنار هذه صفتها أن يُتبع ذلك الوعد بما هو خلافها من نوعها من العذاب دون ما هو من غير جنسها، وذلك هو الدخان، والعرب تسمي الدخان نُحاساً بضم النون، ونِحاساً بكسرها، والقرّاء مجمعة على ضمها، ومن النُّحاس بمعنى الدخان، قول نابغة بني ذُبيان:

يَضُوءُ كَضَوْء سِرَاج السَّلي طِ لمْ يجْعَل اللّهُ فيهِ نُحاسا
يعني: دخانا.

...

واختلف أهل التأويل في معنى قوله: { كالدّهانِ } فقال بعضهم: معناه كالدهن صافية الحمرة مشرقة. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { وَرْدَةً كالدّهانِ } قال: كالدهن.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { كالدّهانِ } يعني: خالصة.

وقال آخرون: عني بذلك: فكانت وردة كالأديم، وقالوا: الدهان: جماع، واحدها دهن.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عني به الدهن في إشراق لونه، لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب.

اسامة محمد خيري
09-04-2017, 06:28
يقول تعالى ذكره: فيومئذٍ لا يسأل الملائكة المجرمين عن ذنوبهم، لأن الله قد حفظها عليهم، ولا يسأل بعضهم عن ذنوب بعض ربهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ وَلا جانّ } يقول تعالى ذكره: لا يسألهم عن أعمالهم، ولا يسأل بعضهم عن بعض وهو مثل قوله: وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ ومثل قوله لمحمد صلى الله عليه وسلم وَلا تُسْئَلُ عَنْ أصحَابِ الجَحِيمِ.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله: { لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ وَلا جانّ } قال: حفظ الله عزّ وجلّ عليهم أعمالهم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ وَلا جانّ } قال: كان مجاهد يقول: لا يسأل الملائكة عن المجرم يعرفون بسيماهم.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان، قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة { فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَل عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ وَلا جانّ } قال: قد كانت مسألة ثم ختم على ألسنة القوم فتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون.

وقوله: { فَبِأيّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذّبانِ } يقول تعالى ذكره: فبأيّ نعم ربكما معشر الثقلين، التي أنعم عليكم من عدله فيكم، أنه لم يعاقب منكم إلاَّ مجرماً...

وقوله: { يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بسِيماهُمْ } يقول تعالى ذكره تعرف الملائكة المجرمين بعلاماتهم وسيماهم التي يسوّمهم الله بها من اسوداد الوجوه، وازرقاق العيون. كما:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور عن معمر، عن الحسن، في قوله: { يُعْرَفُ المُجْرِمونَ بسِيماهُمْ } قال: يعرفون باسوداد الوجوه، وزُرقة العيون.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة { يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بسِيماهُمْ } قال: زرق العيون، سود الوجوه

اسامة محمد خيري
10-04-2017, 05:08
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ } يقول: نضاختان بالخير.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عُنِي بذلك أنهما تنضخان بالماء، لأنه المعروف بالعيون إذ كانت عيون ماء.

اسامة محمد خيري
10-04-2017, 05:15
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { مَقْصُورَاتٌ } قال: المحبوسات في الخيام لا يخرجن منها.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: { مَقْصُورَاتٌ فِي الخِيامِ } قال: محبوسات، ليس بطوّافات في الطرق.

والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تبارك وتعالى وصفهنّ بأنهنّ مقصورات في الخيام والقصر: هو الحبس ولم يخصص وصفهنّ بأنهنّ محبوسات على معنى من المعنيين اللذين ذكرنا دون الآخر بل عمّ وصفهنّ بذلك. والصواب أن يعمّ الخبر عنهنّ بأنهنّ مقصورات في الخيام على أزواجهنّ، فلا يردن غيرهم، كما عمّ ذلك.

وقوله: { فِي الخِيامِ } يعني بالخيام: البيوت، وقد تسمي العرب هوادج النساء خياماً ومنه قول لبيد:

شاقَتْكَ ظُعْنُ الحَيِّ يَوْمَ تَحَمَّلُوا فَتَكَنَّسُوا قُطُنا تُصِرُّ خِيامُها
وأما في هذه الآية فإنه عُنِيَ بها البيوت. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى، عن سعيد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا عبد الملك بن ميسرة، عن أبي الأحوص، عن عبد الله { حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الخِيامِ } قال: الدرّ المجوّف.

حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا شعبة، عن عبد الملك، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، مثله.

حدثني يحيى بن طلحة اليربوعيّ، قال: ثنا فضيل بن عياش، عن هشام، عن محمد، عن ابن عباس في قوله: { حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الخِيامِ } قال: الخيمة لؤلؤة أربعة فراسخ في أربعة فراسخ لها أربعة آلاف مصراع من ذهب.

حدثنا أبو هشام، قال: ثنا أبو نعيم، عن إسرائيل، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس { فِي الخِيامِ } قال: بيوت اللؤلؤ....

اسامة محمد خيري
10-04-2017, 05:20
سورة الواقعة

وقوله: { لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ } يقول تعالى: ليس لوقعة الواقعة تكذيب ولا مردودية ولا مثنوية، والكاذبة في هذا الموضع مصدر، مثل العاقبة والعافية. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ }: أي ليس لها مثنوية، ولا رجعة، ولا ارتداد.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ } قال: مثنوية.

اسامة محمد خيري
10-04-2017, 05:26
وقوله: { وَلا يُنْزِفُونَ } اختلفت القرّاء في قراءته، فقرأت عامة قرّاء المدينة والبصرة «يُنْزَفُونَ» بفتح الزاي، ووجهوا ذلك إلى أنه لا تنزف عقولهم. وقرأته عامة قرّاء الكوفة { لا يُنْزِفُونَ } بكسر الزاي بمعنى: ولا ينفد شرابهم.

والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب فيها الصواب.

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك على نحو اختلاف القرّاء فيه. وقد ذكرنا اختلاف أقوالهم في ذلك، وبيَّنا الصواب من القول فيه في سورة الصافات، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع، غير أنا سنذكر قول بعضهم في هذا الموضع لئلا يظنّ ظانّ أن معناه في هذا الموضع مخالف معناه هنالك. ذكر قول من قال منهم: معناه لا تنزف عقولهم.

حدثنا إسماعيل بن موسى، قال: أخبرنا شريك، عن سالم، عن سعيد { وَلا يُنْزِفُونَ } قال: لا تنزف عقولهم.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد { وَلا يُنْزِفُونَ } قال: لا تنزف عقولهم.

وحدثنا ابن حميد، مرة أخرى فقال ولا تذهب عقولهم.

حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { وَلا يُنْزِفُونَ } لا تنزف عقولهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: { وَلا يُنْزِفُونَ } قال: لا يغلب أحد على عقله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، في قوله: { وَلا يُنْزِفُونَ } قال: لا يغلب أحد على عقله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة في قول الله: { وَلا يُنْزِفُونَ } قال: لا تغلب على عقولهم.

اسامة محمد خيري
10-04-2017, 05:30
اختلفت القرّاء في قراءة قوله: { وحُورٌ عِينٌ } فقرأته عامة قرّاء الكوفة وبعض المدنيين «وحُورٍ عِينٍ» بالخفض إتباعاً لإعرابها إعراب ما قبلها من الفاكهة واللحم، وإن كان ذلك مما لا يُطاف به، ولكن لما كان معروفاً معناه المراد أتبع الآخر الأوّل في الإعراب، كما قال بعض الشعراء:

إذَا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْماً وَزَجَّجْن الْحَوَاجِبَ والعُيُونا
فالعيون تكَحَّل، ولا تزجَّج إلا الحواجب، فردّها في الإعراب على الحواجب، لمعرفة السامع معنى ذلك وكما قال الآخر:

تَسْمَعُ للأَحْشاءِ مِنْهُ لَغَطَا وللْيَدَيْنِ جُسأَةً وَبَدَدَا
والجسأة: غلظ في اليد، وهي لا تُسمع.

وقرأ ذلك بعض قرّاء المدينة ومكة والكوفة وبعض أهل البصرة بالرفع { وحُورٌ عِينٌ } على الابتداء، وقالوا: الحور العين لا يُطاف بهنّ، فيجوز العطف بهنّ في الإعراب على إعراب فاكهة ولحم، ولكنه مرفوع بمعنى: وعندهم حور عين، أو لهم حور عين.

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرّاء مع تقارب معنييهما، فبأيّ القراءتين قرأ القارىء فمصيب. والحور جماعة حَوْراء: وهي النقية بياض العين، الشديدة سوادها. والعين: جمع عيناء، وهي النجلاء العين في حُسن.
...

اسامة محمد خيري
10-04-2017, 05:48
واختلف أهل العربية في وجه تأنيث الشجر في قوله: { فَمالِئُونَ مِنْها البُطُونَ }: أي من الشجر، { فَشارِبُونَ عَلَيْهِ } لأن الشجر تؤنث وتذكر، وأنث لأنه حمله على الشجرة، لأن الشجرة قد تدلّ على الجميع، فتقول العرب: نبتت قبلنا شجرة مرّة وبقلة رديئة، وهم يعنون الجميع. وقال بعض نحويي الكوفة { لآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ } ، وفي قراءة عبد الله «لآَكِلُونَ مِنْ شَجَرَةٍ مِنْ زَقُّومٍ» على واحدة، فمعنى شجر وشجرة واحد، لأنك إذا قلت أخذت من الشاء، فإن نويت واحدة أو أكثر من ذلك، فهو جائز، ثم قال: { فَمالِئُونَ مِنْها البُطُونَ } يريد من الشجرة ولو قال: فمالئون منه إذا لم يذكر الشجر كان صواباً يذهب إلى الشجر في منه، ويؤنث الشجر، فيكون منها كناية عن الشجر والشجر يؤنث ويذكر، مثل التمر يؤنث ويذكر.

والصواب من القول في ذلك عندنا القول الثاني، وهو أن قوله: { فَمَالِئُونَ مِنْها } مراد به من الشجر أنث للمعنى، وقال { فَشارِبُونَ عَلَيْهِ } مذكراً للفظ الشجر.....

يقول تعالى ذكره: فشاربٌ أصحابُ الشمال على الشجر من الزَّقوم إذا أكلوه، فملأوا منه بطونهم من الحميم الذي انتهى غليه وحرّه. وقد قيل: إن معنى قوله: { فَشارِبُونَ عَلَيْهِ }: فشاربون على الأكل من الشجر من الزقوم.

وقوله: { فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ } اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والكوفة { شُرْبَ الهِيمِ } بضم الشين، وقرأ ذلك بعض قرّاء مكة والبصرة والشأم «شَرْبَ الهِيمِ» اعتلالاً بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لأيام منى: " إنَّها أيَّامُ أكْلٍ وشُرْبٍ ".

والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان قد قرأ بكلّ واحدة منهما علماء من القرّاء مع تقارب معنييهما، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب في قراءته، لأن ذلك في فتحه وضمه نظير فتح قولهم: الضَّعف والضُّعف بضمه. وأما الهِيم، فإنها جمع أهيم، والأنثى هيماء والهيم: الإبل التي يصيبها داء فلا تروى من الماء. ومن العرب من يقول: هائم، والأنثى هائمة، ثم يجمعونه على هيم، كما قالوا: عائط وعِيط، وحائل وحول ويقال: إن الهيم: الرمل، بمعنى أن أهل النار يشربون الحميم شرب الرمل الماء. ذكر من قال عنى بالهيم الإبل العطاش:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { شُرْبَ الهِيِمْ } يقول: شرب الإبل العطاش.

اسامة محمد خيري
10-04-2017, 05:59
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فظلتم تعجبون. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ } قال: تعجبون حين صنع بحرثكم ما صنع به، وقرأ قول الله عزّ وجلّ { إنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومونَ } وقرأ قول الله:
{ وَإَذَا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ انْقَلَبُوا فَكِهِين }
قال: هؤلاء ناعمين، وقرأ قول الله جل ثناؤه:
{ فأخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ }
إلى قوله:
{ كانُوا فِيها فاكِهِينَ }


وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى { فَظَلْتُم }: فأقمتم تعجبون مما نزل بزرعكم وأصله من التفكه بالحديث إذا حدّث الرجلُ الرجلَ بالحديث يعجب منه، ويلهى به، فكذلك ذلك. وكأن معنى الكلام: فأقمتم تتعجبون يُعَجِّب بعضكم بعضاً مما نزل بكم.
...

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: قال مجاهد، في قوله: { إنَّا لَمُغْرَمُونَ } أي لمولع بنا.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنا لمعذّبون. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { إنَّا لَمَغْرَمُونَ }: أي معذّبون وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنا لملقون للشرّ. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { إنَّا لَمُغْرَمُونَ } قال: مُلْقون للشرّ.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: إنا لمعذّبون، وذلك أن الغرام عند العرب: العذاب ومنه قول الأعشى:

إنْ يُعاقِبْ يَكُنْ غَرَاماً وَإنْ يُعْ طِ جَزِيلاً فإنَّهُ لا يُبالي
يعني بقوله: يكن غراماً: يكن عذاباً. وفي الكلام متروك اكتفى بدلالة الكلام عليه، وهو: فظلتم تفكهون «تقولون» إنا لمغرمون، فترك تقولون من الكلام لما وصفنا....


وقوله: { بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } يعني بذلك تعالى ذكره أنهم يقولون: ما هلك زرعنا وأصبنا به من أجل { إنَّا لَمُغْرَمُونَ } ولكنا قوم محرومون، يقول: إنهم غير مجدودين، ليس لهم جَدّ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } قال: حُورِفنا فحرمنا.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } قال: أي محارَفون.

اسامة محمد خيري
10-04-2017, 06:06
وقال آخرون: بل عُنِي بذلك: الجائعون. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ابن زيد، في قوله: { وَمَتاعاً للْمُقْوِينَ } قال: المقوي: الجائع. في كلام العرب، يقول: أقويت منه كذا وكذا: ما أكلت منه كذا وكذا شيئاً.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال: عُنِي بذلك للمسافر الذي لازاد معه، ولا شيء له، وأصله من قولهم: أقوت الدار: إذا خلت من أهلها وسكانها كما قال الشاعر:

أقْوَى وأقْفَرَ مِنْ نُعْمٍ وغَيَّرَها هُوجُ الرّياحِ بهابي التُّرْبِ مَوَّارِ
يعني بقوله: «أقوى»: خلا من سكانه، وقد يكون المقوي: ذا الفرس القويّ، وذا المال الكثير في غير هذا الموضع.

اسامة محمد خيري
10-04-2017, 06:10
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: { فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجومِ } قال: قال الحسن انكدارها وانتثارها يوم القيامة.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: فلا أقسم بمساقط النجوم ومغايبها في السماء، وذلك أن المواقع جمع موقع، والموقع المفعل، من وقع يقع موقعاً، فالأغلب من معانيه والأظهر من تأويله ما قلنا في ذلك، ولذلك قلنا: هو أولى معانيه به.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة بموقع على التوحيد، وقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين بمواقع: على الجماع.

والصواب من القول في ذلك، أنهما قراءتان معروفتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.....

والصواب من القول من ذلك عندنا، أن الله جلّ ثناؤه، أخبر أن لا يمسّ الكتاب المكنون إلا المطهرون فعمّ بخبره المطهرين، ولم يخصص بعضاً دون بعض فالملائكة من المطهرين، والرسل والأنبياء من المطهرين وكل من كان مطهراً من الذنوب، فهو ممن استثني، وعني بقوله: { إلاَّ المُطَهَّرُونَ }.

اسامة محمد خيري
11-04-2017, 04:56
وقال آخرون: معناه: غير مبعوثين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن { فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيرَ مَدِينِينَ } غير مبعوثين يوم القيامة، ترجعونها إن كنتم صادقين.

وقال آخرون: بل معناه: غير مجزيين بأعمالكم.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: غير محاسبين فمجزيين بأعمالكم من قولهم: كما تدين تدان، ومن قول الله:
{ مالِكِ يَوْمِ الدّينِ }...

واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار { فَرَوْحٌ } بفتح الراء، بمعنى: فله برد. { وَرَيْحانٌ } يقول: ورزق واسع في قول بعضهم، وفي قول آخرين فله راحة وريحان وقرأ ذلك الحسن البصريّ «فَرُوحٌ» بضم الراء، بمعنى: أن روحه تخرج في ريحانة.

وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأه بالفتح لإجماع الحجة من القرّاء عليه، بمعنى: فله الرحمة والمغفرة، والرزق الطيب الهنّي.....

وأما الذين قرأوا ذلك بضم الراء فإنهم قالوا: الرُّوح: هي رُوح الإنسان، والرَّيحان: هو الريحان المعروف. وقالوا: معنى ذلك: أن أرواح المقرّبين تخرج من أبدانهم عند الموت برَيحان تشمه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، عن الحسن { فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ } قال: تخرج رُوحه في ريحانة.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية { فأما إنْ كانَ مِنَ المقرّبين } قال: لم يكن أحد من المقرّبين يفارق الدنيا، والمقرّبون السابقون، حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه، ثم يُقبض.

وقال آخرون ممن قرأ ذلك بفتح الراء: الرَّوْح: الرحمة، والرَّيحان: الريحان المعروف. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ } قال: الروح: الرحمة، والريحان: يُتَلَقى به عند الموت.

وقال آخرون منهم: الرَّوْح: الرحمة، والرَّيحان: الاستراحة. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول { فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ } الرَّوْح: المغفرة والرحمة، والرَّيحان: الاستراحة.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي: قول من قال: عُني بالرَّوْح: الفرح والرحمة والمغفرة، وأصله من قولهم: وجدت رَوْحاً: إذا وجد نسيماً يَسَترْوح إليه من كَرَبِ الحرّ. وأما الرَّيحان، فإنه عندي الريحان الذي يُتَلقى به عند الموت، كما قال أبو العالية والحسن، ومن قال في ذلك نحو قولهما، لأن ذلك الأغلب والأظهر من معانيه.

اسامة محمد خيري
11-04-2017, 04:58
وأما أهل العربية، فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال بعض نحوِّيي البصرة { وأمَّا إنْ كانَ مِنْ أصحَابِ اليَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أصحَابِ اليَمِينِ }: أي فيقال سلم لك. وقال بعض نحويِّي الكوفة: قوله: { فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أصحَابِ اليَمِينِ }: أي فذلك مسلم لك أنك من أصحاب اليمين، وألقيت «أن» ونوى معناها، كما تقول: أنت مصدّق مسافر عن قليل، إذا كان قد قال: إني مسافر عن قليل، وكذلك يجب معناه أنك مسافر عن قليل، ومصدّق عن قليل. قال: وقوله: { فَسَلامٌ لَكَ } معناه: فسلم لك أنت من أصحاب اليَمين. قال: وقد يكون كالدعاء له، كقوله: فسُقياً لك من الرجال. قال: وإن رفعت السلام فهو دعاء، والله أعلم بصوابه.

وقال آخر منهم قوله: { فأمَّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ } فإنه جمع بين جوابين، ليعلم أن أمَّا جزاء. قال: وأما قوله: { فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أصحَاب اليَمِينِ } قال: وهذا أصل الكلمة مسلم لك هذا، ثم حذفت «أن» وأقيم «مِنْ» مَقامها. قال: وقد قيل: فسلام لك أنت من أصحاب اليَمِينِ، فهو على ذاك: أي سلام لك، يقال: أنت من أصحاب اليمين، وهذا كله على كلامين. قال: وقد قيل مسلم: أي كما تقول: فسلام لك من القوم، كما تقول: فسُقياً لك من القوم، فتكون كلمة واحدة.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: معناه: فسلام لك إنك من أصحاب اليمين، ثم حُذفت واجتزىء بدلالة مِنْ عليها منها، فسلمت من عذاب الله، ومما تكره، لأنك من أصحاب اليمين.

اسامة محمد خيري
11-04-2017, 05:03
سورة الحديد

يقول تعالى ذكره: { هو الأوّل } قبل كل شيء بغير حدّ { والآخر } يقول: والآخر بعد كل شيء بغير نهاية. وإنما قيل ذلك كذلك، لأنه كان ولا شيء موجود سواه، وهو كائن بعد فناء الأشياء كلها، كما قال جلّ ثناؤه:
{ كُلُّ شَيْءٍ هالكٌ إلاَّ وَجْهَهُ }
وقوله: { والظَّاهِرُ } يقول: وهو الظاهر عل كل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلى منه { والباطِنُ } يقول: وهو الباطن جميع الأشياء، فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال:
{ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْل الوَرِيدِ }
وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال به أهل التأويل. ذكر من قال ذلك، والخبر الذي روي فيه:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ والباطِنُ } ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في أصحابه، إذ ثار عليهم سحاب، فقال: " هَلْ تَدْرُونَ ما هَذَا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " فإنَّها الرَّقِيعَ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ، وَسَقْفٌ مَحْفُوظٌ، " قال: " فَهَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَها " قالوا: الله ورسوله أعلم؟ قال: " مَسِيرَةُ خَمْسٍ مِئَةِ سَنَةٍ " قال: " فَهَلْ تَدْرُونَ ما فَوْقَ ذلكَ؟ " فقالوا مثل ذلك، قال: " فَوْقَها سَماءٌ أُخْرَى وَبَيْنَهُما مَسِيرِةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ " قال: " هَلْ تَدْرُونَ ما فَوْقَ ذلك؟ " فقالوا مثل قولهم الأوّل، قال: " فإنَّ فَوْقَ ذلكَ العَرْشَ، وَبَيْنَهُ وَبَينَ السَّماءِ السَّابِعَةِ مِثْلُ ما بَينَ السَّماءَيْن " قال: " هَلْ تَدْرُونَ ما الَّتِي تَحْتَكُمْ؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم قال: " فإنَّها الأرْضُ " قال: " فَهَلْ تَدْرُونَ ما تَحْتَها؟ " قالوا له مثل قولهم الأوّل، قال: " فإنَّ تَحْتَها أرْضاً أُخْرَى، وَبَيْنَهُما مَسِيرَةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ " حتى عدّ سبع أرضين، بين كلّ أرضيْن مسيرة خمس مئة سنة، ثم قال: " وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ دُلِّيَ أحَدكُمْ بِحَبْل إلى الأرْضِ الأُخْرى لَهَبَطَ على اللّهِ " ثُمَّ قرأ { هُوَ الأوَّلُ والآخَرُ والظَّاهِرُ والباطِنُ وَهُوْ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }....

اسامة محمد خيري
11-04-2017, 05:11
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية: " يُوشِكُ أنْ يأتِي قَوْمٌ تَحَقِرُونَ أعمالَكُمْ مَعَ أعمالِهِمْ " قلنا: من هم يا رسول الله، أقريش هم؟ قال: " لا، وَلَكَنْ أهْلُ اليَمَنِ أرَقُّ أفْئِدَةً وألْيَنُ قُلُوباً " فقلنا: هم خير منا يا رسول الله، فقال: " لَوْ كانَ لأَحَدَهِمْ جَبَلٌ مِنْ ذَهَب فأنْفَقَهُ ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِكُمْ وَلا نَصِيفَهُ، ألا إنَّ هَذَا فَصْلُ ما بَيْنَنا وَبَينَ النَّاسِ، { لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ... } الآية، إلى قوله: { وَاللّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } ".

حدثني ابن البَرْقيّ، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني زيد بن أسلم، عن أبي سعيد التمار، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يُوشِكُ أنْ يأَتِي قَوْمٌ تَحَقِرُونَ أعمالَكُمْ مع أعمالَهُمْ " فقلنا: من هم يا رسولَ الله، أقريش؟ قال: " لا، هُمْ أرَقُّ أفْئَدَةً وألْيَنُ قُلُوباً " وأشار بيده إلى اليمن، فقال: " هُمْ أهْلُ اليَمَنِ، ألا إنَّ الإيمانَ يمانِ، والْحِكْمَةُ يَمانِيَةٌ " فقلنا: يا رسول الله هم خير منا؟ قال: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَده لَوْ كان لأحَدِهِمْ جَبَلُ ذَهَب يُنْفِقَهُ ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِكُمْ وَلا نَصِيفَهُ " ثم جمع أصابعه، ومدّ خنصره وقال: " إلا إنَّ هَذَا فَصْلُ ما بَيْنَنا وَبَيَنَ النَّاسِ " { لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ وَقاتَل أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى }.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: معنى ذلك لا يستوي منكم أيها الناس من أنفق في سبيل الله من قبل فتح الحُدَيبية للذي ذكرنا من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي رويناه عن أبي سعيد الخُدريّ عنه، وقاتل المشركين بمن أنفق بعد ذلك، وقاتل وترك ذكر من أنفق بعد ذلك، وقاتل استغناء بدلالة الكلام الذي ذُكر عليه من ذكره { أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا } يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين أنفقوا في سبيل الله من قبل فتح الحديبية، وقاتلوا المشركين أعظم درجة في الجنة عند الله من الذين أنفقوا من بعد ذلك، وقاتلوا.

اسامة محمد خيري
11-04-2017, 05:16
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { يَوْمَ تَرَى المُؤْمِنِينٌ وَالمُؤْمِناتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَينَ أيْدِيهِمْ وبأيمانِهِمْ } فقال بعضهم: معنى ذلك: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يضيء نورهم بين أيديهم وبأيمانهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يَوْمَ تَرَى المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ... } الآية، ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " مِنَ المُؤْمِنِينَ مَنْ يُضِيءُ نُورُهُ مِن المَدِينَةِ إلى عَدَنَ أبَيْنَ فَصَنْعاءَ، فَدُونَ ذلكَ، حتى إنَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَنْ لا يُضِيء نُورُهُ إلاَّ مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ ".

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، بنحوه.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبي يذكر عن المنهال، عن عمرو، عن قيس بن سكن، عن عبد الله، قال: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة، ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نوراً على إبهامه يطفأ مرة ويقدُ مرّة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى إيمانهم وهداهم بين أيديهم، وبأيمانهم: كتبهم. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { يَسْعَى نُورُهُمْ بَينَ أيْدِيهِمْ وَبأيمانِهِمْ }: كتبهم، يقول الله: فأما من أوتي كتابه بيمينه، وأما نورهم فهداهم.

وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن الضحاك، وذلك أنه لو عنى بذلك النور الضوء المعروف، لم يخصّ عنه الخبر بالسعي بين الأيدي والأيمان دون الشمائل، لأن ضياء المؤمنين الذي يؤتونه في الآخرة يضيء لهم جميع ما حولهم، وفي خصوص الله جلّ ثناؤه الخبر عن سعيه بين أيديهم وبأيمانهم دون الشمائل، ما يدلّ على أنه معنيّ به غير الضياء، وإن كانوا لا يخلون من الضياء.

فتأويل الكلام إذ كان الأمر على ما وصفنا: وكلاًّ وعد الله الحسنى يوم ترون المؤمنين والمؤمنات يسعى ثواب إيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم، وفي أيمانهم كتب أعمالهم تتطاير.

اسامة محمد خيري
11-04-2017, 05:22
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { انْظُرُونا } فقرأت ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة { انْظُرُونا } موصولة بمعنى: انتظرونا، وقرأته عامة قرّاء الكوفة «أنْظُرُونا» مقطوعة الألف من أنظرت بمعنى: أخرونا، وذكر الفرّاء أن العرب تقول: أنظرني وهم يريدون: انتظرني قليلاً وأنشد في ذلك بيت عمرو بن كلثوم:

أبا هِنْدٍ فَلا تَعْجَلْ عَلَيْنا وأنْظِرْنا نُخَبّرْكَ اليقِينَا
قال: فمعنى هذا: انتظرنا قليلاً نخبرك، لأنه ليس ها هنا تأخير، إنما هو استماع كقولك للرجل: اسمع مني حتى أخبرك.

والصواب من القراءة في ذلك عندي الوصل، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب إذا أريد به انتظرنا، وليس للتأخير في هذا الموضع معنى، فيقال: أنظرونا، بفتح الألف وهمزها.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ وَالمُنافِقاتُ... } إلى قوله:
{ وَبِئْسَ المَصِيرُ }
قال ابن عباس: بينما الناس في ظلمة، إذ بعث الله نوراً فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور دليلاً من الله إلى الجنة فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا، تبعوهم، فأظلم الله على المنافقين، فقالوا حينئذٍ: انظرونا نقتبس من نوركم، فإنا كنا معكم في الدنيا قال المؤمنون: ارجعوا من حيث جئتم من الظلمة، فالتمسوا هنالك النور.

اسامة محمد خيري
11-04-2017, 05:31
وقوله: { إنَّ المُصَّدِّقِينَ وَالمُصَّدِّقاتِ } اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار، خلا ابن كثير وعاصم بتشديد الصاد والدال، بمعنى أن المتصدّقين والمتصدّقات، ثم تُدغم التاء في الصاد، فتجعلها صاداً مشدّدة، كما قيل: يا أيها المُزَّمِّلُ يعني المتزمل. وقرأ ابن كثير وعاصم «إنَّ المُصَدّقِينَ والمُصَدقاتِ» بتخفيف الصاد وتشديد الدال، بمعنى: إن الذين صدقوا الله ورسوله.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان صحيح معنى كلّ واحدة منهما فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

فتأويل الكلام إذن على قراءة من قرأ ذلك بالتشديد في الحرفين: أعني في الصاد والدال، أن المتصدّقين من أموالهم والمتصدّقات { وأقْرَضُوا للّهِ قَرْضاً حَسَناً } يعني بالنفقة في سبيله، وفيما أمر بالنفقة فيه، أو فيما ندب إليه { يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أجْرٌ كَرِيمٌ } يقول: يضاعف الله لهم قروضهم التي أقرضوها إياه، فيوفيهم ثوابها يوم القيامة، { وَلَهُمْ أجْرٌ كَرِيمٌ } يقول: ولهم ثواب من الله على صدقهم، وقروضهم إياه كريم، وذلك الجنة.

اسامة محمد خيري
11-04-2017, 05:34
وقال آخرون: الشهداء عند ربهم في هذا الموضع: النبيون الذين يشهدون على أممهم من قول الله عزّ وجلّ
{ فَكَيْفَ إذَا جِئْنا مِنْ كُلّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ على هَؤُلاءِ شَهِيداً }
والذي هو أولى الأقوال عندي في ذلك بالصواب قول من قال: الكلام والخبر عن الذين آمنوا، متناه عند قوله: { أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ } وإن قوله: { والشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ } خبر مبتدأ عن الشهداء.

وإنما قلنا: إن ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن ذلك هو الأغلب من معانيه في الظاهر، وأنّ الإيمان غير موجب في المتعارف للمؤمن اسم شهيد لا بمعنى غيره، إلا أن يُراد به شهيد على ما آمن به وصدّقه، فيكون ذلك وجهاً، وإن كان فيه بعض البعد، لأن ذلك ليس بالمعروف من معانيه، إذا أطلق بغير وصل، فتأويل قوله: { والشُهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ } إذن والشهداء الذين قُتلوا في سبيل الله، أو هلكوا في سبيله عند ربهم، لهم ثواب الله إياهم في الآخرة ونورهم....

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { بِما آتاكُمْ } فقرأ ذلك عامة قرّاء الحجاز والكوفة { بِما آتاكُمْ } بمدّ الألف. وقرأه بعض قرّاء البصرة «بِما أتاكُمْ» بقصر الألف وكأن من قرأ ذلك بقصر الألف اختار قراءته كذلك، إذ كان الذي قبله على ما فاتكم، ولم يكن على ما أفاتكم، فيردّ الفعل إلى الله، فألحق قوله: «بِمَا أتاكُمْ» به، ولم يردّه إلى أنه خبر عن الله.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان صحيح معناهما، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، وإن كنت أختار مدّ الألف لكثرة قارئي ذلك كذلك، وليس للذي اعتلّ به منه معتلو قارئيه بقصر الألف كبير معنى، لأن ما جعل من ذلك خبراً عن الله، وما صرف منه إلى الخبر عن غيره، فغير خارج جميعه عند سامعيه من أهل العلم أنه من فعل الله تعالى، فالفائت من الدنيا من فاته منها شيء، والمدرك منها ما أدرك عن تقدّم الله عزّ وجلّ وقضائه، وقد بين ذلك جلّ ثناؤه لمن عقل عنه بقوله:
{ ما أصَابَ مِنْ مُصيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي أنْفُسِكُم إلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أنْ نَبْرَأَها }
فأخبر أن الفائت منها بإفاتته إياهم فاتهم، والمدرك منها بإعطائه إياهم أدركوا، وأن ذلك محفوظ لهم في كتاب من قبل أن يخلقهم.

اسامة محمد خيري
12-04-2017, 04:55
يقول تعالى ذكره: ثم أتبعنا على آثارهم برسلنا الذين أرسلناهم بالبيَّنات على آثار نوح إبراهيم برسلنا، وأتبعنا بعيسى ابن مريم { وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ } يعني: الذين اتبعوا عيسى على منهاجه وشريعته { رأَفَةً } وهو أشدّ الرحمة { وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها } يقول: أحدثوها { ما كَتَبَناها عَلَيْهِمْ } يقول: ما افترضنا تلك الرهبانية عليهم { إلاَّ ابْتِغاءِ رِضْوَانِ اللّهِ } يقول: لكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله { فَمَا رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها }.

واختلف أهل التأويل في الذين لم يرعوا الرهبانية حقّ رعايتها، فقال بعضهم: هم الذين ابتدعوها، لم يقوموا بها، ولكنهم بدّلوا وخالفوا دين الله الذي بعث به عيسى: فتنصّروا وتهوّدوا.

وقال آخرون: بل هم قوم جاؤوا من بعد الذين ابتدعوها فلم يرعوها حقّ رعايتها، لأنهم كانوا كفاراً ولكنهم قالوا: نفعل كالذي كانوا يفعلون من ذلك أوّلياً، فهم الذين وصف الله بأنهم لم يرعوها حق رعايتها....

وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: إن الذين وصفهم الله بأنهم لم يرعوا الرهبانية حقّ رعايتها، بعض الطوائف التي ابتدعتها، وذلك أن الله جلّ ثناؤه أخبر أنه آتى الذين آمنوا منهم أجرهم قال: فدلّ بذلك على أن منهم من قد رعاها حقّ رعايتها، فلو لم يكن منهم من كان كذلك لم يكن مستحقّ الأجر الذي قال جلّ ثناؤه: { فآتَيْنا الَّذِينَ آمَنوا مِنْهُمْ أجْرَهُمْ } إلا أن الذين لم يرعوها حقّ رعايتها ممكن أن يكونوا كانوا على عهد الذين ابتدعوها، وممكن أن يكونوا كانوا بعدهم، لأن الذين هم من أبنائهم إذا لم يكونوا رعوها، فجائز في كلام العرب أن يقال: لم يرعها القوم على العموم.

والمراد منهم البعض الحاضر، وقد مضى نظير ذلك في مواضع كثيرة من هذا الكتاب.

وقوله: { فآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أجْرَهُمْ } يقول تعالى ذكره: فأعطينا الذين آمنوا بالله ورسله من هؤلاء الذين ابتدعوا الرهبانية ثوابهم على ابتغائهم رضوان الله، وإيمانهم به وبرسوله في الآخرة، وكثير منهم أهل معاص، وخروج عن طاعته، والإيمان به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد { فآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أجْرَهُمْ } قال: الذين رعوا ذلك الحقّ.

اسامة محمد خيري
12-04-2017, 05:02
قال: ثنا مهران، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جُبَير، قال: بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم جعفراً في سبعين راكباً إلى النجاشيّ يدعوه، فقدم عليه، فدعاه فاستجاب له وآمن به فلما كان انصرافه، قال ناس ممن قد آمن به من أهل مملكته، وهم أربعون رجلاً: ائذن لنا، فنأتي هذا النبيّ، فنسلم به، ونساعد هؤلاء في البحر، فإنَّا أعلم بالبحر منهم، فقدموا مع جعفر على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تهيأ النبيّ صلى الله عليه وسلم لوقعة أُحُدُ فلما رأوا ما بالمسلمين من الخَصاصة وشدّة الحال، استأذنوا النبيّ صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا نبيّ الله إن لنا أموالاً، ونحن نرى ما بالمسلمين من الخصاصة، فإن أذِنت لنا انصرفنا، فجئنا بأموالنا، وواسينا المسلمين بها.

فَأَذنَ لهم، فانصرفوا، فأتوا بأموالهم، فواسوا بها المسلمين، فأنزل الله فيهم
{ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ }
إلى قوله:
{ ومِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ }
فكانت النفقة التي واسَوْا بها المسلمين فلما سمع أهل الكتاب ممن لم يؤمن بقوله:
{ يُؤْتَوْنَ أجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا }
فَخَروا على المسلمين، فقالوا: يا معشر المسلمين، أما من آمن منا بكتابكم وكتابنا فله أجره مرّتين، ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم، فما فضلكم علينا، فأنزل الله { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ } فجعل لهم أجرهم، وزادهم النورَ والمغفرة، ثم قال:
{ لِكَيْلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ }
وهكذا قرأها سعيد بن جُبَير
{ لِكَيْلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ }


حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْن مِنْ رَحَمَتِهِ } قال: ضعفين....

حدثني محمد بن عبد الحكم، قال: أخبرنا إسحاق بن الفرات، عن يحيى بن أيوب، قال: قال يحيى بن سعيد أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنَّمَا آجالُكُم فِي آجالِ مَن خَلا مِنَ الأُمَم، كمَا بَينَ صَلاةِ العَصْرِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْس، وإنما مَثَلُكُم وَمَثَلُ اليَهُودِ والنَّصَارَى كمَثَلِ رَجُلٍ اسْتأجَرَ عُمَّالاً، فَقالَ: مَن يَعْمَل مِن بُكْرَةٍ إلى نِصفِ النَّهارِ على قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ألا فَعَمِلَت اليَهُودُ ثُمَّ قالَ: مَن يَعْمَلُ مِنْ نِصفِ النَّهارِ إلى صَلاةِ العَصْر على قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ألا فَعَمِلَتِ النَّصَارَى ثُمَّ قالَ: مَن يعْمَل مِن صَلاةِ العَصْر إلى مَغارِبِ الشَّمْس على قِيرَاطَيْن قِيرَاطَيْن، ألا فَعَمِلْتُم " ...

وقال آخرون: عُنِي بالنور في هذا الموضع: الهدى. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { تَمْشُونَ بِهِ } قال: هدى.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره وعد هؤلاء القوم أن يجعل لهم نوراً يمشون به، والقرآن، مع اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم نور لمن آمن بهما وصدّقهما وهدى، لأن من آمن بذلك، فقد اهتدى....

يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، يفعل بكم ربكم هذا لكي يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله الذي آتاكم وخصّكم به، لأنهم كانوا يرون أن الله قد فضّلهم على جميع الخلق، فأعلمهم الله جلّ ثناؤه أنه قد آتى أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الفضل والكرامة، ما لم يؤتهم، وأن أهل الكتاب حسدوا المؤمنين لما نزل قوله:
{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُون بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }
فقال الله عزّ وجلّ: فعلت ذلك ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:
{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ... }
الآية، قال: لما نزلت هذه الآية، حَسدَ أهل الكتاب المسلمين عليها، فأنزل الله عزّ وجلّ { لِئَلاَّ يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألاَّ يَقْدِرُونَ... } الآية، قال: ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " إنَّمَا مَثَلُنا وَمَثَلُ أهْلِ الكِتابَيْنِ قَبْلَنا، كمَثَلِ رَجُلٍ اسْتأْجَرَ أُجَرَاءَ يَعْمَلُونَ إلى اللَّيْلِ على قِيرَاطٍ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهارُ سَئِمُوا عَمَلَهُ وَمَلُّوا، فحاسَبَهُمْ، فأَعطَاهُمْ عَلى قَدْرِ ذَلكَ، ثُمَّ اسْتأْجَرَ أُجُرَاءَ إلى اللَّيْلِ عَلى قِيرَاطَيْنِ، يَعْمَلُونَ لَهُ بَقِيَّةَ عَمَلِهِ، فَقِيلَ لَهُ: ما شأْنُ هَؤُلاءِ أقَلُّهُمْ عَمَلاً، وأكْثَرُهُمْ أجْراً؟ قال: مالي أُعْطي مَنْ شِئْتُ، فأرْجُوا أنْ نَكُونَ نَحْنُ أصحَابَ القِيرَاطَينِ ".

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة
{ كِفْلَينِ مِنْ رَحْمَتِهِ }
قال: بلغنا أنها حين نزلت حسد أهل الكتاب المسلمين، فأنزل الله { لِئَلاَّ يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللّهِ }.

حدثنا أبو عمار، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس { لِئَلاَّ يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ } الذين يتسمعون { ألاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللّهِ }.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، مثله.

وقيل: { لِئَلاَّ يَعْلَمَ } إنما هو ليعلم. وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله «لِكَيْ يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألاَّ يَقْدِرُونَ» لأن العرب تجعل «لا» صلة في كلّ كلام دخل في أوّله أو آخره جحد غير مصرّح، كقوله في الجحد السابق، الذي لم يصرّح به
{ ما مَنَعَكَ ألاَّ تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ }
وقوله:
{ وَما يَشْعِرُكُمْ أنَّها إذَا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ }
وقوله:
{ وَحَرَامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها }
الآية، ومعنى ذلك: أهلكناها أنهم يرجعون.

اسامة محمد خيري
12-04-2017, 05:13
سورة المجادلة

قوله: { ثُمَّ يَعُودُونَ لمَا قالُوا } اختلف أهل العلم في معنى العود لما قال المظاهر، فقال بعضهم: هو الرجوع في تحريم ما حرّم على نفسه من زوجته التي كانت له حلالاً قبل تظاهره، فيحلها بعد تحريمه إياها على نفسه بعزمه على غشيانها ووطئها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا } قال: يريد أن يغشى بعد قوله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، مثله.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا } قال: حرّمها، ثم يريد أن يعود لها فيطأها.

وقال آخرون نحو هذا القول، إلا أنهم قالوا: إمساكه إياها بعد تظهيره منها، وتركه فراقها عود منه لما قال، عَزَم على الوطء أو لم يعزم. وكان أبو العالية يقول: معنى قوله: { لِمَا قالُوا }: فيما قالوا.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثني عبد الأعلى، قال: ثنا داود، قال: سمعت أبا العالية يقول في قوله: { ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا }: أي يرجع فيه.

واختلف أهل العربية في معنى ذلك، فقال بعض نحويي البصرة في ذلك المعنى: فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا، فمن لم يجد فصيام، فإطعام ستين مسكيناً، ثم يعودون لما قالوا إنا لا نفعله فيفعلونه هذا الظهار، يقول: هي عليّ كظهر أمي، وما أشبه هذا من الكلام، فإذا أعتق رقبة أو أطعم ستين مسكيناً عاد لما قد قال: هو عليّ حرام يفعله. وكأن قائل هذا القول كان يرى أن هذا من المقدّم الذي معناه التأخير.

وقال بعض نحويي الكوفة { ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا } يصلح فيها في العربية: ثم يعودون إلى ما قالوا، وفيما قالوا، يريدون النكاح، يريد: يرجعون عما قالوا، وفي نقض ما قالوا، قال: ويجوز في العربية أن تقول: إن عاد لما فعل، تريد إن فعل مرّة أخرى، ويجوز إن عاد لما فعل: إن نقض ما فعل، وهو كما تقول: حلف أن يضربك، فيكون معناه: حلف لا يضربك، وحلف ليضربنك.

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: معنى اللام في قوله { لِمَا قالُوا } بمعنى إلى أو في، لأن معنى الكلام: ثم يعودون لنقض ما قالوا من التحريم فيحللونه. وإن قيل معناه: ثم يعودون إلى تحليل ما حرّموا، أو في تحليل ما حرّموا فصواب، لأن كلّ ذلك عود له، فتأويل الكلام: ثم يعودون لتحليل ما حرّموا على أنفسهم مما أحله الله لهم....

اسامة محمد خيري
12-04-2017, 05:20
يقول تعالى ذكره: فمن لم يجد منكم ممن ظاهر من امرأته رقبة يحرّرها، فعليه صيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا والشهران المتتابعان هما اللذان لا فصل بينهما بإفطار في نهار شيء منهما إلا من عذر، فإنه إذا كان الإفطار بالعذر ففيه اختلاف بين أهل العلم، فقال بعضهم: إذا كان إفطاره لعذر فزال العذر بنى على ما مضى من الصوم.

وقال آخرون: بل يستأنف، لأن من أفطر بعذر أو غير عذر لم يتابع صوم شهرين. ذكر من قال: إذا أفطر بعذر وزال العذر بنى وكان متابعاً:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن عديّ وعبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب أنه قال في رجلٍ صام من كفارة الظهار، أو كفارة القتل، ومرِضَ فأفطر، أو أفطر من عذر، قال: عليه أن يقضيَ يوماً مكان يوم، ولا يستقبل صومه...

وأولى القولين عندنا بالصواب قول من قال: يبني المفطر بعذر، ويستقبل المفطر بغير عذر، لإجماع الجميع على أن المرأة إذا حاضت في صومها الشهرين المتتابعين بعذر، فمثله، لأن إفطار الحائض بسبب حيضها بعذر كان من قِبل الله، فكلّ عذر كان من قبل الله فمثله.

اسامة محمد خيري
12-04-2017, 05:29
وقوله: { وَإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ } يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإذا جاءك يا محمد هؤلاء الذين نهوا عن النجوى، الذين وصف الله جلّ ثناؤه صفتهم، حيوك بغير التحية التي جعلها الله لك تحية، وكانت تحيتهم التي كانوا يحيونه بها التي أخبر الله أنه لم يحيه بها فيما جاءت به الأخبار، أنهم كانوا يقولون: السام عليك. ذكر الرواية الواردة بذلك:

حدثنا ابن حُمَيد وابن وكيع قالا: ثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة قالت: «جاء ناس من اليهود إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، فقلت: السام عليكم، وفعل الله بكم وفعل، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " يا عائِشَةُ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفُحْشَ " فقلت: يا رسول الله، ألست ترى ما يقولون؟ فقال: " أَلَسْتِ تَرَيْنَنِي أرُدُّ عَلَيْهِمْ ما يَقُولُونَ؟ أقُول: عَلَيْكُمْ " وهذه الآية في ذلك نزلت { وإذَا جاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله وَيَقُولُونَ فِي أنْفُسِهمْ لَوْلا يُعَذّبُنا الله بِمَا نَقُول، حَسْبُهُمْ جَهَنَّم يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المَصِيرِ }.

اسامة محمد خيري
12-04-2017, 05:31
وقال آخرون: عُنِي بذلك أحلام النوم التي يراها الإنسان في نومه فتحزنه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يحيى بن داود البلخي، قال: سئل عطية، وأنا أسمع الرؤيا، فقال: الرؤيا على ثلاث منازل، فمنها وسوسة الشيطان، فذلك قوله { إنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ } ومنها ما يحدّث نفسه بالنهار فيراه بالليل ومنها كالأخذ باليد.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عُنِي به مناجاة المنافقين بعضهم بعضاً بالإثم والعدوان، وذلك أن الله جلّ ثناؤه تقدم بالنهي عنها بقوله
{ إذَا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بالإثْم والعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ }
ثم عما في ذلك من المكروه على أهل الإيمان، وعن سبب نهيه إياهم عنه، فقال: { إنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا } فبين بذلك إذ كان النهي عن رؤية المرء في منامه كان كذلك، وكان عقيب نهيه عن النجوى بصفة أنه من صفة ما نهى عنه.

اسامة محمد خيري
12-04-2017, 05:34
وقال آخرون: بل عُنِي بذلك في مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المجالس فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ } قال: ذلك في مجلس القتال.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر المؤمنين أن يتفسحوا في المجلس، ولم يخصص بذلك مجلس النبيّ صلى الله عليه وسلم دون مجلس القتال، وكلا الموضعين يقال له مجلس، فذلك على جميع المجالس من مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومجالس القتال....

اسامة محمد خيري
13-04-2017, 04:58
سورة الحشر

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والمدينة والعراق سوى أبي عمرو: { يُخْرِبُونَ } بتخفيف الراء، بمعنى يخرجون منها ويتركونها معطلة خراباً، وكان أبو عمرو يقرأ ذلك «يخرّبون» بالتشديد في الراء بمعنى يهدّمون بيوتهم. وقد ذكر عن أبي عبد الرحمن السلمي والحسن البصري أنهما كانا يقرآن ذلك نحو قراءة أبي عمرو. وكان أبو عمرو فيما ذكر عنه يزعم أنه إنما اختار التشديد في الراء لما ذكرت من أن الإخراب: إنما هو ترك ذلك خراباً بغير ساكن، وإن بني النضير لم يتركوا منازلهم، فيرتحلواعنها، ولكنهم خربّوبها بالنقض والهدم، وذلك لا يكون فيما قال إلا بالتشديد.

وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندى قراءة من قرأه بالتخفيف لاجماع الحجة من القراء عليه وقد كان بعض أهل المعرفة بكلام العرب يقول التخريب والاخراب بمعنى واحد وانما ذلك في اختلاف اللفظ لا اختلاف في المعنى

اسامة محمد خيري
13-04-2017, 05:29
وقال آخرون: هي كرام النخل. ذكر من قال ذلك.

حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا سفيان في { ما قَطَعْتُم مِن لِّينَةٍ } قال: من كرام نخلهم.

والصواب من القول في ذلك قول من قال: اللينة: النخلة، وهي من ألوان النخل ما لم تكن عجوة، وإياها عنى ذو الرُّمَّة بقوله:

طِراقُ الخَوَافِي وَاقِعٌ فَوْقَ لِينَةٍ نَدَى لَــيْلِــة في رِيــشِـهِ يَــترَقْــرَقُ
وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: اللينة من اللون، والليان في الجماعة واحدها اللينة. قال: وإنما سميت لينة لأنه فعلة من فَعْل، وهو اللون، وهو ضرب من النخل، ولكن لما انكسر ما قبلها انقلبت إلى الياء. وكان بعضهم ينكر هذا القول ويقول: لو كان كما قال لجمعوه: اللوان لا الليان. وكان بعض نحوبي الكوفة يقول: جمع اللينة لين، وإنما أُنزلت هذه الآية فيما ذُكر من أجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قطع نخل بني النضير وحرّقها، قالت بنو النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك كنت تنهى عن الفساد وتعيبه، فما بالك تقطع نخلنا وتُحرقها؟ فأنزل الله هذه الآية، فأخبرهم أن ما قطع من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ترك، فعن أمر الله فعل.

وقال آخرون: بل نزل ذلك لاختلاف كان من المسلمين في قطعها وتركها ذكر من قال: نزل ذلك لقول اليهود للمسلمين ما قالوا.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثنا يزيد بن رومان، قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم يعني ببني النضير تحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع النخل، والتحريق فيها، فنادوْه يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها؟ فأنزل الله عزّ وجلّ { ما قَطَعْتُم مِن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتمُوُهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقيِنَ }. ذكر من قال: نزل ذلك لاختلاف كان بين المسلمين في أمرها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ما قَطَعْتُم مِن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتمُوُهَا... } الآية، أي ليعظهم فقطع المسلمون يومئذ النخل، وأمسك آخرون كراهية أن يكون افساداً، فقالت اليهود: الله أذن لكم في الفساد، فأنزل الله { ما قَطَعْتُم مِن لِّينَةٍ }....

اسامة محمد خيري
13-04-2017, 05:31
وقال آخرون: عني بذلك: ما صالح عليه أهل الحرب المسلمين من أموالهم، وقالوا قوله { ما أفاءَ اللَّهُ على رَسُولِه مِنْ أهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وللرَّسُولِ }... الآيات، بيان قسم المال الذي ذكره الله في الآية التي قبل هذه الآية، وذلك قوله:
{ ما أفاءَ اللَّهُ على رَسُولِه مِنْهُمْ فَمَا أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل وَلا رِكاب }
وهذا قول كان يقوله بعض المتفقهة من المتأخرين.

والصواب من القول في ذلك عندي أن هذه الآية حكمها غير حكم الآية التي قبلها، وذلك أن الآية التي قبلها مال جعله الله عزّ وجلّ لرسوله صلى الله عليه وسلم خاصة دون غيره، لم يجعل فيه لأحد نصيباً، وبذلك جاء الأثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: أرسل إليّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فدخلت عليه، فقال: إنه قد حضر أهل أبيات من قومك وإنا قد أمرنا لهم برضخ، فاقسمه بينهم، فقلت: يا أمير المؤمنين مر بذلك غيري، قال: اقبضه أيها المرء فبينا أنا كذلك، إذ جاء يرفأ مولاه، فقال: عبد الرحمن بن عوف، والزبير، وعثمان، وسعد يستأذنون، فقال: ائذن لهم ثم مكث ساعة، ثم جاء فقال: هذا عليّ والعباس يستأذنان، فقال: ائذن لهما فلما دخل العباس قال: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا الغادر الخائن الفاجر، وهما جاءا يختصمان فيما أفاء الله على رسوله من أعمال بني النضير، فقال القوم: اقض بينهما يا أمير المؤمنين، وأرح كلّ واحد منهما من صاحبه، فقد طالت خصومتهما، فقال: أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السموات والأرض، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا نُورَثُ ما تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ " قالوا: قد قال ذلك ثم قال لهما: أتعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك؟ قالا: نعم قال: فسأخبركم بهذا الفيء إن الله خصّ نبيه صلى الله عليه وسلم بشيء لم يعطه غيره، فقال:
{ وَما أفاءَ اللَّهُ على رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل وَلا رِكاب }
فكانت هذه لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، فوالله ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها دونكم، ولقد قسمها عليكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله منه سنتهم، ثم يجعل ما بقي في مال الله.

فإذَا كانت هذه الآية التي قبلها مضت، وذكر المال الذي خصّ الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يجعل لأحد معه شيئاً، وكانت هذه الآية خبراً عن المال الذي جعله الله لأصناف شتى، كان معلوماً بذلك أن المال الذي جعله لأصناف من خلقه غير المال الذي جعله للنبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، ولم يجعل له شريكاً.

وقوله: { وَلِذي القُرْبى } يقول: ولذي قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وبني المطلب واليتامى، وهم أهل الحاجة من أطفال المسلمين الذين لا مال لهم والمساكين: وهم الجامعون فاقة وذلّ المسئلة وابن السبيل: وهم المنقطع بهم من المسافرين في غير معصية الله عزّ وجلّ.
...

وقد اختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى ذلك، إذا ضمت الدال أو فُتحت، فقال بعض الكوفيين: معنى ذلك: إذا فتحت الدولة وتكون للجيش يهزم هذا هذا، ثم يهزم الهازم، فيقال: قد رجعت الدولة على هؤلاء قال: والدولة برفع الدال في الملك والسنين التي تغير وتبدّل على الدهر، فتلك الدولة والدول. وقال بعضهم: فرق ما بين الضمّ والفتح أن الدولة: هي اسم الشيء الذي يتداول بعينه، والدولة الفعل.

والقراءة التي لا أستجيز غيرها في ذلك: { كَيْلا يَكْونَ } بالياء { دُولَةً } بضم الدال ونصب الدولة على المعنى الذي ذكرت في ذلك لإجماع الحجة عليه، والفرق بين الدُّولة والدَّولة بضم الدال وفتحها ما ذكرت عن الكوفيّ في ذلك.

وقوله: { وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ } يقول تعالى ذكره: وما أعطاكم رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء عليه من أهل القرى فخذوه { وَما نهاكُمْ عَنْهُ } من الغَلول وغيره من الأمور { فانْتَهُوا } وكان بعض أهل العلم يقول نحو قولنا في ذلك غير أنه كان يوجه معنى قوله { وَمَا آتاكُمُ الرَّسُولُ فخُذُوهُ } إلى ما آتاكم من الغنائم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن عوف، عن الحسن، في قوله: { وَمَا آتاكُمُ الرَّسُولُ فخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهُوا } قال: يؤتيهم الغنائم ويمنعهم الغلول.

اسامة محمد خيري
13-04-2017, 05:35
{ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ظ±للَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ ظ±للَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـظ°ئِكَ هُمُ ظ±لصَّادِقُونَ }

يقول تعالى ذكره: كيلا يكون ما أفاء الله على رسوله دُولة بين الأغنياء منكم، ولكن يكون للفقراء المهاجرين. وقيل: عُني بالمهاجرين: مهاجرة قريش. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد
{ ما أفاءَ اللَّهُ على رَسُولِهِ }
من قريظة جعلها لمهاجرة قريش.

اسامة محمد خيري
13-04-2017, 05:44
واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بالذين من قبلهم، فقال بعضم: عني بذلك بنو قَيْنُقاع. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قوله { كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُوا وَبالَ أمْرِهِمْ وَلهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ } يعني بني قَيْنُقاع.

وقال آخرون: عُني بذلك مشركو قريش ببدر. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمر، قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُوا وَبالَ أمْرِهِمْ } قال: كفار قريش.

وأولى الأقوال بالصواب أن يقال: إن الله عزّ وجلّ مثل هؤلاء الكفار من أهل الكتاب مما هو مذيقهم من نكاله بالذين من قبلهم من مكذّبي رسوله صلى الله عليه وسلم، الذين أهلكهم بسخطه، وأمر بني قينقاعٍ ووقعة بدر، كانا قبل جلاء بني النضير، وكلّ أولئك قد ذاقوا وبال أمرهم، ولم يخصص الله عزّ وجلّ منهم بعضاً في تمثيل هؤلاء بهم دون بعض، وكلّ ذائق وبال أمره، فمن قربت مدته منهم قبلهم، فهم ممثلون بهم فيما عُنُوا به من المثل.

اسامة محمد خيري
13-04-2017, 05:53
وقوله: { السلامُ } يقول: هو الذي يسلم خلقه من ظلمه، وهو اسم من أسمائه، كما:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { السَّلامُ }: الله السلام.

حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد الله، يعني العَتَكي، عن جابر بن زيد قوله: { السَّلامُ } قال: هو الله.

وقد ذكرت الرواية فيما مضى، وبيَّنت معناه بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته. وقوله: { المؤْمِنُ } يعني بالمؤمن: الذي يؤمن خلقه من ظلمه. وكان قتادة يقول في ذلك ما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { المؤْمِنُ } أمن بقوله أنه حقّ.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { المؤْمِنُ } أمن بقوله أنه حقّ.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جُوَيبر عن الضحاك { المُؤْمِنُ } قال: المصدق.

اسامة محمد خيري
14-04-2017, 04:59
سورة الممتحنة

وقوله: { إلاَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أمْلِكُ لَكَ مِنْ الله مِنْ شَيْءٍ } يقول تعالى ذكره: قد كانت لكم أُسوة حسنة في إبراهيم والذين معه في هذه الأمور التي ذكرناها من مباينة الكفار ومعاداتهم، وترك موالاتهم إلا في قول إبراهيم لأبيه { لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } فإنه لا أسوة لكم فيه في ذلك، لأن ذلك كان من إبراهيم لأبيه عن موعدة وعدها إياه قبل أن يتبين له أنه عدوّ الله فلما تبين له أنه عدّو لله تبرأ منه. يقول تعالى ذكره: فكذلك أنتم أيها المؤمنون بالله، فتبرّءوا من أعداء الله من المشركين به ولا تتخذوا منهم أولياء يؤمنوا بالله وحده ويتبرّءوا عن عبادة ما سواه وأظهروا لهم العداوة والبغضاء. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { إلاَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ } قال: نُهُوا أن يتأسَّوْا باستغفار إبراهيم لأبيه، فيستغفروا للمشركين.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي جعفر، عن مطرِّف الحارثي، عن مجاهد: { أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ }... إلى قوله { لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } يقول: في كلّ أمر أسوة، إلا الاستغفار لأبيه.

اسامة محمد خيري
14-04-2017, 05:02
وقال آخرون: بل عُنِي بها من مشركي مكة من لم يقاتل المؤمنين، ولم يخرجوهم من ديارهم قال: ونسخ الله ذلك بعدُ بالأمر بقتالهم. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وسألته عن قول الله عزّ وجلّ: { لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ }... الآية، فقال: هذا قد نسخ، نَسَخه، القتال، أمروا أن يرجعوا إليهم بالسيوف، ويجاهدوهم بها، يضربونهم، وضرب الله لهم أجل أربعة أشهر، إما المذابحة، وإما الإسلام.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله { لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ }... الآية، قال: نسختها
{ اقْتُلُوا المُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ }
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عُنِي بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، من جميع أصناف الملل والأديان أن تبرُّوهم وتصلوهم، وتقسطوا إليهم، إن الله عزّ وجلّ عمّ بقوله { الَّذِينَ لَمْ يُقاتلُوكُمْ فِي الدّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكمْ مِنْ دِيارِكُمْ } جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصُصْ به بعضاً دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ، لأن برّ المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولانسب غير محرّم ولا منهى عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكُراع أو سلاح.

قد بين صحة ما قلنا في ذلك، الخبر الذي ذكرناه عن ابن الزبير في قصة أسماء وأمها.

اسامة محمد خيري
14-04-2017, 05:12
وقوله: { وَاسْئَلُوا ما أنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أنْفَقُوا } يقول تعالى ذكره لأزواج اللواتي لحقن من المؤمنين من دار الإسلام بالمشركين إلى مكة من كفار قريش: واسئلوا أيها المؤمنون الذين ذهبت أزواجهم فلحقن بالمشركين ما أنفقتم على أزواجكم اللواتي لحقن بهم من الصداق من تزوّجهن منهم، وليسئلكم المشركون منهم الذين لحق بكم أزواجهم مؤمنات إذا تزوّجن فيكم من تزوّجها منكم ما أنفقوا عليهنّ من الصداق.

...

وقوله: { فَعاقَبْتُمْ } اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار { فَعاقَبْتُمْ } بالألف على مثال فاعلتم، بمعنى: أصبتم منهم عقبى. وقرأه حميد الأعرج فيما ذُكر عنه: «فَعَقَّبْتُمْ» على مثال فعَّلتم مشددة القاف، وهما في اختلاف الألفاظ بهما نظير قوله:
{ وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ للنَّاسِ }
وتُصَاعِرْ مع تقارب معانيهما.

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين عندي بالصواب في ذلك قراءة من قرأ { فَعاقَبْتُمْ } بالألف لإجماع الحجة من القرّاء عليه.
...

حدثنا أحمد، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: { فَعاقَبْتُمْ } قال: غنمتم.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: سألنا الزهريّ، عن هذه الآية وقول الله فيها: { وَإنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أزْوَاجِكُمْ إلى الكُفَّارِ }. الآية، قال: يقول: إن فات أحداً منكم أهله إلى الكفار، ولم تأتكم امرأة تأخذون لها مثل الذي يأخذون منكم، فعوّضوه من فيء إن أصبتموه.

وقال آخرون في ذلك ما:

حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { وَإنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أزْوَاجِكُمْ إلى الكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ } قال: خرجت امرأة من أهل الإسلام إلى المشركين، ولم يخرج غيرها. قال: فأتت امرأة من المشركين، فقال القوم: هذه عُقْبتكم قد أتتكم، فقال الله { وَإنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أزْوَاجِكُمْ إلى الكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ }: أمسكتم الذي جاءكم منهم من أجل الذي لكم عندهم { فآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْوَاجُهُمْ مِثْلَ ما أنْفَقُوا } ثم أخبرهم الله أنه لا جناح عليهم إذا فعلوا الذي فعلوا أن ينكحوهنّ إذا استبرىء رحمها، قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذهبت امرأته إلى الكفار، فقال لهذه التي أتت من عند المشركين: هذا زوج التي ذهبت أزوجكه؟ فقالت: يا رسول الله، عذر الله زوجة هذا أن تفرّ منه، لا والله مالي به حاجة، فدعا البختري رجلاً جسيماً، قال: هذا؟ قالت: نعم، وهي ممن جاء من مكة.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: أمر الله عزّ وجلّ في هذه الآية المؤمنين أن يعطوا من فرّت زوجته من المؤمنين إلى أهل الكفر إذا هم كانت لهم على أهل الكفر عُقْبى، إما بغنيمة يصيبونها منهم، أو بلحاق نساء بعضهم بهم، مثل الذي أنفقوا على الفارّة منهم إليهم، ولم يخصص إيتاءهم ذلك من مال دون مال، فعليهم أن يعطوهم ذلك من كلّ الأموال التي ذكرناها.

اسامة محمد خيري
14-04-2017, 05:20
حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا جرير، عن منصور، في قوله: { يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ }... الآية، قال: قد يئسوا أن يكون لهم ثواب الآخرة، كما يئس من في القبور من الكفار من الخير، حين عاينوا العذاب والهوان.

وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: قد يئس هؤلاء الذين غضب الله عليهم من اليهود من ثواب الله لهم في الآخرة، وكرامته لكفرهم وتكذيبهم رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم على علم منهم بأنه لله نبيّ، كما يئس الكفار منهم الذين مضوا قبلهم فهلكوا، فصاروا أصحاب القبور، وهم على مثل الذي هؤلاء عليه من تكذيبهم عيسى صلوات الله عليه وغيره من الرسل، من ثواب الله وكرامته إياهم.

وإنما قلنا: ذلك أولى القولين بتأويل الآية، لأن الأموات قد يئسوا من رجوعهم إلى الدنيا، أو أن يُبعثوا قبل قيام الساعة المؤمنون والكفار، فلا وجه لأن يخصّ بذلك الخبر عن الكفار، وقد شركهم في الإياس من ذلك المؤمنون.

اسامة محمد خيري
14-04-2017, 05:24
سورة الصف

وقال آخرون: بل هذا توبيخ من الله لقوم من المنافقين، كانوا يَعِدُونَ المؤمنين النصر وهم كاذبون. ذكر من قال ذلك:

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: { كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ } يقول للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: لو خرجتم خرجنا معكم، وكنا في نصركم، وفى، وفى، فأخبرهم أنه { كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ }.

وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عنى بها الذين قالوا: لو عرفنا أحبّ الأعمال إلى الله لعملنا به، ثم قصروا في العمل بعدما عرفوا.

وإنما قلنا: هذا القول أولى بها، لأن الله جلّ ثناؤه خاطب بها المؤمنين، فقال: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا } ولو كانت نزلت في المنافقين لم يسموْا، ولم يوصفوا بالإيمان، ولو كانوا وصفوا أنفسهم بفعل ما لم يكونوا فعلوه، كانوا قد تعمدوا قيل الكذب، ولم يكن ذلك صفة القوم، ولكنهم عندي أمَّلوا بقولهم: لو علمنا أحبّ الأعمال إلى الله عملناه أنهم لو علموا بذلك عملوه فلما علموا ضعفت قوى قوم منهم، عن القيام بما أملوا القيام به قبل العلم، وقوي آخرون فقاموا به، وكان لهم الفضل والشرف....

والصواب من القول في ذلك عندي أن قوله { مَقْتاً } منصوب على التفسير، كقول القائل: كبر قولاً هذا القول.

اسامة محمد خيري
14-04-2017, 05:30
وقوله: { لِيُظْهِرَهُ على الدّينِ كُلِّه } يقول: ليظهر دينه الحقّ الذي أرسل به رسوله على كلّ دين سواه، وذلك عند نزول عيسى ابن مريم، وحين تصير الملة واحدة، فلا يكون دين غير الإسلام، كما:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي المقدام ثابت بن هرمز، عن أبي هريرة { لِيَظْهِرَهُ على الدّينِ كُلِّه } قال: خروج عيسى ابن مريم.

وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في معنى قوله { لَيُظْهِرَهُ على الدّين كُلِّه } والصواب عندنا من القول في ذلك بعلله فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقد:

حدثني عبد الحميد بن جعفر، قال: ثنا الأسود بن العلاء، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " لا يَذْهَبُ اللَّيْلُ والنَّهارُ حتى تُعْبَدَ اللاَّتُ والعُزَّى " فقالت عائشة: والله يا رسول الله إن كنت لأظنّ حين أنزل الله { هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بالهُدَى وَدِينِ الحَقّ لِيُظْهِرَهُ على الدّينِ كُلِّه }... الآية، أن ذلك سيكون تاماً، فقال: " إنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذلكَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحاً طَيِّبَةً، فَيَتَوَفَّى مَنْ كانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مَنْ خَيْرٍ، فَيَبْقَى مَنْ لا خَيْرَ فِيهِ، فَيَرْجِعُونَ إلى دِينِ آبائِهمْ ".

اسامة محمد خيري
14-04-2017, 05:42
اختلف أهل العربية فيما نعتت به قوله { وأُخْرَى } فقال بعض نحوييّ البصرة: معنى ذلك: وتجارة أخرى، فعلى هذا القول يجب أن يكون أخرى في موضع خفض عطفاً به على قوله:
{ هَلْ أدُلُّكُمْ على تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ ألِيمِ }
وقد يحتمل أن يكون رفعاً على الابتداء. وكان بعض نحويي الكوفة يقول: هي في موضع رفع. أي ولكم أخرى في العاجل مع ثواب الآخرة، ثم قال: { نصر من الله } مفسراً للأخرى.

والصواب من القول في ذلك عندي القول الثاني، وهو أنه معنّي به: ولكم أخرى تحبونها، لأن قوله { نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ } مبين عن أن قوله { وأُخرى } في موضع رفع، ولو كان جاء ذلك خفضاً حسن أن يجعل قوله { وأُخْرَى } عطفاً على قوله { تِجَارَةٍ } ، فيكون تأويل الكلام حينئذ لو قرىء ذلك خفضاً، وعلى خلة أخرى تحبونها، فمعنى الكلام إذا كان الأمر كما وصفت: هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله، يغفر لكم ذنوبكم، ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار، ولكم خلة أخرى سوى ذلك في الدنيا تحبونها: نصر من الله لكم على أعدائكم، وفتح قريب يعجله لكم...

وقوله: { فأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا على عَدُوّهِمْ } يقول: فقوّينا الذين آمنوا من الطائفتين من بني إسرائيل على عدوّهم، الذي كفروا منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم لتصديقه إياهم، أن عيسى عبد الله ورسوله، وتكذيبه من قال هو إله، ومن قال: هو ابن الله تعالى ذكره، فأصبحوا ظاهرين، فأصبحت الطائفة المؤمنون ظاهرين على عدوّهم الكافرين منهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عبد الله الهلالي، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { فأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا على عَدُوّهِمْ } قال: قوّينا.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك، عن إبراهيم { فآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ } قال: لما بعث الله محمداً، ونزل تصديق من آمن بعيسى، أصبحت حجة من آمن به ظاهرة.

قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك، عن إبراهيم، في قوله { فأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا على عَدُوّهِمْ فأصْبَحُوا ظاهِرِينَ } قال: أيدوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فصدّقهم، وأخبر بحجتهم.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: { فأصْبَحُوا ظاهِرِينَ } قال: أصبحت حجة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم كلمة الله وروحه.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { فأصْبَحُوا ظاهِرِينَ } من آمن مع عيسى صلى الله عليه وسلم.

اسامة محمد خيري
15-04-2017, 04:48
سورة الجمعة

وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي قول من قال: عُنِيَ بذلك كلّ لاحق لحق بالذين كانوا صحبوا النبيّ صلى الله عليه وسلم في إسلامهم من أيّ الأجناس لأن الله عزّ وجلّ عمّ بقوله: { وآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ } كلَّ لاحق بهم من آخرين، ولم يخصص منهم نوعاً دون نوع، فكلّ لاحق بهم فهو من الآخرين الذي لم يكونوا في عداد الأوّلين الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو عليهم آيات الله وقوله: { لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ } يقول: لم يجيئوا بعد وسيجيئون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ } يقول: لم يأتوا بعد.

وقوله: { وَهُوَ العَزِيزُ الْحكِيم } يقول: والله العزيز في انتقامه ممن كفر به منهم، الحكيم في تدبيره خلقه.

اسامة محمد خيري
15-04-2017, 05:03
حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآمُلى، قال: ثنا جرير، عن حصين، عن سالم، عن جابر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً يوم الجمعة، فجاءت عير من الشام، فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلاً، قال: فنزلت هذه الآية في الجمعة { وَإذَا رَأَوْا تِجارَةَ أوْ لَهْواً انْفَضُّوا إلَيْها وَتَركُوكَ قائماً }.

وأما اللهو، فإنه اختُلف من أيّ أجناس اللهو كان، فقال بعضهم: كان كَبَراً ومزامير. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا يحيى بن صالح، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، قال: كان الجواري إذا نكحوا كانوا يمرّون بالكبر والمزامير ويتركون النبيّ صلى الله عليه وسلم قائماً على المنبر، وينفضون إليها، فأنزل الله { وَإذَا رَأَوْا تِجارَةَ أوْ لَهْواً انْفَضُّوا إلَيْها }.

وقال آخرون: كان طبلاً. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: اللهو: الطبل.

حدثني الحارث، قال: ثنا الأشيب، قال: ثنا ورقاء، قال: ذكر عبد الله بن أبي نجيح، عن إبراهيم بن أبي بكير، عن مجاهد أن اللهو: هو الطبل.

والذي هو أولى بالصواب في ذلك الخبر الذي رويناه عن جابر، لأنه قد أدرك أمر القوم ومشاهدهم.

اسامة محمد خيري
15-04-2017, 05:11
سورة المنافقون

يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: تعالوا إلى رسول الله يستغفر لكم لوّوا رؤوسهم، يقول: حرّكوها وهزّوها استهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم وباستغفاره وبتشديدها الواو من «لوّوا» قرأت القرّاء على وجه الخبر عنهم أنهم كرّروا هز رؤوسهم وتحريكها، وأكثروا، إلاّ نافعاً فإنه قرأ ذلك بتخفيف الواو: «لوَوْا» على وجه أنهم فعلوا ذلك مرّة واحدة.

والصواب من القول في ذلك قراءة من شدّد الواو لإجماع الحجة من القرّاء عليه...

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { وأكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ } فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الأمصار غير ابن محيصن وأبي عمرو: وأكن، جزماً عطفاً بها على تأويل قوله { فأصَّدَّقَ } لو لم تكن فيه الفاء، وذلك أن قوله: فأصَّدَّقَ } لو لم تكن فيه الفاء كان جزماً. وقرأ ذلك ابن محيصن وأبو عمرو: «وأكُونَ» بإثبات الواو ونصب «وأكونَ» عطفاً به على قوله { فأصَّدَّق } فنصب قوله «وأكُونَ» إذ كان قوله { فأصَّدَّقَ } نصباً.

والصواب من القول في ذلك: أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

اسامة محمد خيري
16-04-2017, 04:46
سورة التغابن

وقد تقدم بياننا عن معنى الناسخ والمنسوخ بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع وليس في قوله: { فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ } دلالة واضحة على أنه لقوله: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ناسخ، إذ كان محتملاً قوله: اتقوا الله حقّ تقاته فيما استطعتم، ولم يكن بأنه له ناسخ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا كان ذلك كذلك، فالواجب استعمالهما جميعاً على ما يحتملان من وجوه الصحة.

اسامة محمد خيري
16-04-2017, 04:56
سورة الطلاق

وقال آخرون: الفاحشة المبينة التي ذكر الله عزّ وجلّ في هذا الموضع خروجها من بيتها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: { وَلا يَخْرُجْنَ إلا أنْ يَأتِينَ بفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } قال: خروجها من بيتها فاحشة. قال بعضهم: خروجها إذا أتت بفاحشة أن تخرج فيُقام عليها الحدّ.

حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، قال: ثنا سعيد بن الحكم ابن أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب قال: ثني محمد بن عجلان، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، في قوله: { لا تُخْرِجُوهُن مِنْ بُيُوتهِنِّ وَلا يَخْرُجْنَ إلا أنْ يَأْتِينَ بفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } قال: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة.

والصواب من القول في ذلك عندي قول من قال: عنى بالفاحشة في هذا الموضع: المعصية، وذلك أن الفاحشة هي كلّ أمر قبيح تعدّى فيه حدّه، فالزنى من ذلك، والسرقة والبذاء على الأحماء، وخروجها متحوّلة عن منزلها الذي يلزمها أن تعتدّ فيه منه، فأيّ ذلك فعلت وهي في عدتها، فلزوجها إخراجها من بيتها ذلك، لإتيانها بالفاحشة التي ركبتها....

اسامة محمد خيري
16-04-2017, 05:09
وأولى الأقوال في ذلك بالصحة قول من قال: عُنِي بذلك: إن ارتبتم فلم تدروا ما الحكم فيهنّ، وذلك أن معنى ذلك لو كان كما قاله من قال: إن ارتبتم بدمائهنّ فلم تدروا أدم حيض، أو استحاضة؟ لقيل: إن ارتبتنّ لأنهنّ إذا أشكل الدم عليهنّ فهنّ المرتابات بدماء أنفسهنّ لا غيرهنّ، وفي قوله: { إن ارْتَبْتُمْ } وخطابه الرجال بذلك دون النساء الدليل الواضح على صحة ما قلنا من أن معناه: إن ارتبتم أيها الرجال بالحكم فيهنّ وأخرى وهو أنه جلّ ثناؤه قال: { وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ المَحيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إنِ ارْتَبْتُمْ } واليائسة من المحيض هي التي لا ترجو محيضاً للكبر، ومحال أن يقال: واللائي يئسن، ثم يقال: ارتبتم بيأسهنّ، لأن اليأس: هو انقطاع الرجاء والمرتاب بيأسها مرجوّ لها، وغير جائز ارتفاع الرجاء ووجوده في وقت واحد، فإذا كان الصواب من القول في ذلك ما قلنا، فبين أن تأويل الآية: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم بالحكم فيهنّ، وفي عِددهنّ، فلم تدروا ما هنّ، فإن حكم عددهنّ إذا طلقن، وهنّ ممن دخل بهنّ أزواجهنّ، فعدتهنّ ثلاثة أشهر { وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ } يقول: وكذلك عدد اللائي لم يحضن من الجواري لصغر إذا طلقهنّ أزواجهنّ بعد الدخول. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ في قوله: { وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ المَحيضِ مِنْ نِسائِكُمْ } يقول: التي قد ارتفع حيضها، فعدتها ثلاثة أشهر { واللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ } قال: الجواري.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ المَحيضِ مِنْ نِسائِكُمْ } وهنّ اللواتي قعدن من المحيض فلا يحضن، واللائي لم يحضن هنّ الأبكار التي لم يحضن، فعدتهنّ ثلاثة أشهر....

وقال آخرون: ذلك خاصّ في المطلقات، وأما المتوفي عنها فإن عدتها آخر الأجلين، وذلك قول مرويّ عن عليّ وابن عباس رضي الله عنهما.

وقد ذكرنا الرواية بذلك عنهما فيما مضى قبل.

والصواب من القول في ذلك أنه عامّ في المطلقات والمتوفي عنهنّ، لأن الله جلّ وعزّ، عمّ بقوله بذلك فقال: { وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } ولم يخصص بذلك الخبر عن مطلقة دون متوفي عنها، بل عمّ الخبر به عن جميع أولات الأحمال. إن ظنّ ظانّ أن قوله { وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } في سياق الخبر عن أحكام المطلقات دون المتوفي عنهنّ، فهو بالخبر عن حكم المطلقة أولى بالخبر عنهنّ، وعن المتوفي عنهنّ، فإن الأمر بخلاف ما ظنّ، وذلك أن ذلك وإن كان في سياق الخبر عن أحكام المطلقات، فإنه منقطع عن الخبر عن أحكام المطلقات، بل هو خبر مبتدأ عن أحكام عدد جميع أولات الأحمال المطلقات منهنّ وغير المطلقات، ولا دلالة على أنه مراد به بعض الحوامل دون بعض من خبر ولا عقل، فهو على عمومه لما بيَّنا.

اسامة محمد خيري
16-04-2017, 05:16
والصواب من القول في ذلك عندنا أن لا نفقة للمبتوتة إلا أن تكون حاملاً، لأن الله جلّ ثناؤه جعل النفقة بقوله { وَإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ } للحوامل دون غيرهنّ من البائنات من أزواجهن ولو كان البوائن من الحوامل وغير الحوامل في الواجب لهنّ من النفقة على أزواجهنّ سواء، لم يكن لخصوص أولات الأحمال بالذكر في هذا الموضع وجه مفهوم، إذ هنّ وغيرهنّ في ذلك سواء، وفي خصوصهن بالذكر دون غيرهنّ أدلّ الدليل على أن لا نفقة لبائن إلا أن تكون حاملاً...

وبالذي قلنا في ذلك صحّ الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعيّ، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، قال: ثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: حدثتني فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس أن أبا عمرو المخزوميّ، طلقها ثلاثاً فأمر لها بنفقة فاستقلتها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه نحو اليمن، فانطلق خالد بن الوليد في نفر من بني مخزوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند ميمونة، فقال: يا رسول الله إن أبا عمرو طلق فاطمة ثلاثاً، فهل لها من نفقة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَيْسَ لَهَا نَفَقَةٌ " فأرسل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن " انتقلي إلى بيت أمّ شريك " وأرسل إليها " أن لا تسبقيني بنفسك " ثم أرسل إليها " أنّ أمّ شريك يأتيها المهاجرون الأوّلون، فانتقلي إلى ابن أمّ مكتوم، فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك " فزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم أُسامة بن زيد....

وقوله: { قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً } اختلف أهل التأويل في المعنيِّ بالذكر والرسول في هذا الموضع، فقال بعضهم: الذكر هو القرآن، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: { قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً } قال: الذكر: القرآن، والرسول: محمد صلى الله عليه وسلم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله عزّ وجلّ: { قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكُمْ ذِكْراً } قال: القرآن روح من الله، وقرأ:
{ وكَذَلكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحاً مِنْ أمْرِنا }
إلى آخر الآية، وقرأ: { قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً } قال: القرآن، وقرأ:
{ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالذّكْرِ لمَّا جاءَهُمْ }
قال: بالقرآن، وقرأ: { إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذّكْرَ } قال: القرآن، قال: وهو الذكر، وهو الروح.

وقال آخرون: الذكر: هو الرسول.

والصواب من القول في ذلك أن الرسول ترجمة عن الذكر، وذلك نصب لأنه مردود عليه على البيان عنه والترجمة.

فتأويل الكلام إذن: قد أنزل الله إليكم يا أولي الألباب ذِكراً من الله لكم يذكركم به، وينبهكم على حظكم من الإيمان بالله، والعمل بطاعته، رسولاً يتلو عليكم آيات الله التي أنزلها عليه { مُبَيِّنات } يقول: مبينات لمن سمعها وتدبرها أنها من عند الله.

اسامة محمد خيري
16-04-2017, 05:37
سورة التحريم

وقال آخرون: كان ذلك شراباً يشربه، كان يعجبه ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن عبد الله بن شدّاد بن الهاد، قال: نزلت هذه الآية في شراب { يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أزْوَجكَ }.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو قَطن البغدادي عمرو بن الهيثم، قال: ثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن عبد الله بن شدّاد مثله.

قال: ثنا أبو قطن، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، عن ابن أبي مليكة، قال: نزلت في شراب.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: كان الذي حرّمه النبيّ صلى الله عليه وسلم على نفسه شيئاً كان الله قد أحله له، وجائز أن يكون ذلك كان جاريته، وجائز أن يكون كان شراباً من الأشربة، وجائز أن يكون كان غير ذلك، غير أنه أيّ ذلك كان، فإنه كان تحريم شيء كان له حلالاً، فعاتبه الله على تحريمه على نفسه ما كان له قد أحله، وبين له تحلَّة يمينه كان حلف بها مع تحريمه ما حرّم على نفسه.

فإن قائل قائل: وما برهانك على أنه صلى الله عليه وسلم كان حلف مع تحريمه ما حرم، فقد علمت قول من قال: لم يكن من النبيّ صلى الله عليه وسلم في ذلك غير التحريم، وأن التحريم هو اليمين؟ قيل: البرهان على ذلك واضح، وهو أنه لا يعقل في لغة عربية ولا عجمية أن قول القائل لجاريته، أو لطعام أو شراب، هذا عليّ حرام يمين، فإذا كان ذلك غير معقول، فمعلوم أن اليمين غير قول القائل للشيء الحلال له: هو عليّ حرام. وإذا كان ذلك كذلك صحّ ما قلنا، وفسد ما خالفه، وبعد، فجائز أن يكون تحريم النبيّ صلى الله عليه وسلم ما حرّم على نفسه من الحلال الذي كان الله تعالى ذكره، أحله له بيمين، فيكون قوله { لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ } معنا: لم تحلف على الشيء الذي قد أحله الله أن لا تقربه، فتحرّمه على نفسك باليمين.

وإنما قلنا: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم حرّم ذلك، وحلف مع تحريمه، كما:

حدثني الحسن بن قزعة، قال: ثنا مسلمة بن علقمة، عن داود ابن أبي هند، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن عائشة قالت: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرم، فأُمِرَ في الإيلاء بكفارة، وقيل له في التحريم { لِمَ تُحَرّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ }.

اسامة محمد خيري
16-04-2017, 05:44
يقول تعالى ذكره: { وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ } محمد صلى الله عليه وسلم { إلى بَعْض أزْوَاجِهِ } ، وهو في قول ابن عباس وقتادة وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن بن زيد والشعبي والضحاك بن مزاحم: حَفْصَةُ. وقد ذكرنا الرواية في ذلك قبل.

وقوله: { حَديثاً } والحديث الذي أسرّ إليها في قول هؤلاء هو قوله لمن أسرّ إليه ذلك من أزواجه تحريمُ فتاته، أو ما حرّم على نفسه مما كان الله جلّ ثناؤه قد أحله له، وحلفه على ذلك وقوله: " لا تَذْكُرِي ذَلِكَ لأَحَدٍ ".

وقوله: { فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ } يقول تعالى ذكره: فلما أخبرت بالحديث الذي أسرّ إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبتها { وأظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ } يقول: وأظهر الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم على أنها قد أنبأت بذلك صاحبتها.

وقوله: { عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْض } اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار غير الكسائي: { عَرَّفَ } بتشديد الراء، بمعنى: عرّف النبيّ صلى الله عليه وسلم حفصة بعض ذلك الحديث وأخبرها به، وكان الكسائي يذكر عن الحسن البصريّ وأبي عبد الرحمن السلمي وقتادة، أنهم قرأوا ذلك: «عَرَفَ» بتخفيف الراء، بمعنى: عرف لحفصة بعض ذلك الفعل الذي فعلته من إفشائها سرّه، وقد استكتمها إياه: أي غضب من ذلك عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجازاها عليه من قول القائل لمن أساء إليه: لأعرفنّ لك يا فلان ما فعلت، بمعنى: لإجازينك عليه قالوا: وجازاها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك من فعلها بأن طلقها.

وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه { عَرَّفَ بَعْضَهُ } بتشديد الراء، بمعنى: عرّف النبيّ صلى الله عليه وسلم حفصة، يعني ما أظهره الله عليه من حديثها صاحبتها لإجماع الحجة من القرّاء عليه.

وقوله: { وأعْرَضَ عَنْ بَعْض } يقول: وترك أن يخبرها ببعض. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْوَاجِهِ حَدِيثاً } قوله لها: لا تذكريه { فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ } وكان كريماً صلى الله عليه وسلم.....

اسامة محمد خيري
16-04-2017, 05:54
وقال آخرون: عُنِي بصالح المؤمنين: الأنبياء صلوات الله عليهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَصَالِحُ المُؤْمِنِينَ } قال: هم الأنبياء.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله { وَصَالِحُ المُؤْمِنِينَ } قال: هم الأنبياء.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان { وَصَالِحُ المؤْمِنِينَ } قال الأنبياء.

والصواب من القول في ذلك عندي: أن قوله: { وَصَالِحُ المؤْمِنِينَ } وإن كان في لفظ واحد، فإنه بمعنى الجميع، وهو بمعنى قوله
{ إنَّ الإنْسانَ لَفِي خَسْر }
فالإنسان وإن كان في لفظ واحد، فإنه بمعنى الجميع، وهو نظير قول الرجل: لا تَقريَنّ إلا قارىء القرآن، يقال: قارىء القرآن، وإن كان في اللفظ واحداً، فمعناه الجمع، لأنه قد أذن لكلّ قارىء القرآن أن يقريه، واحداً كان أو جماعة.

وقوله: { وَالمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلكَ ظَهِيرٌ } يقول: والملائكة مع جبريل وصالح المؤمنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم أعوان على من آذاه، وأراد مساءته. والظهير في هذا الموضع بلفظ واحد في معنى جمع. ولو أخرج بلفظ الجميع لقيل: والملائكة بعد ذلك ظهراء. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { وَإنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فإن اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْريلُ وَصَالِحُ المؤْمِنِينَ } قال: وبدأ بصالح المؤمنين ها هنا قبل الملائكة، قال: { والمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلكَ ظَهِيرٌ }

اسامة محمد خيري
16-04-2017, 06:08
وقوله: { وأهْلِيكُمْ ناراً } يقول: وعلموا أهليكم من العمل بطاعة الله ما يقون به أنفسهم من النار. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن رجل، عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: { قُوا أنْفُسَكُمْ وأهْلِيكُمْ ناراً وَقُودَها النَّاسُ والْحِجارَةُ } قال: علِّموهم، أدّبوهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن رجل، عن علي { قُوا أنْفُسَكُمْ وأهْلِيكُمْ ناراً } يقول: أدّبوهم، علِّموهم.

حدثني الحسين بن يزيد الطحان، قال: ثنا سعيد بن خثيم، عن محمد بن خالد الضبيّ، عن الحكم، عن عليّ بمثله.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله { قُوا أنْفُسَكُمْ وأهْلِيكُمْ ناراً } يقول: أعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، ومروا أهليكم بالذكر ينْجيكم الله من النار.

اسامة محمد خيري
17-04-2017, 04:45
حدثني نصر بن عبد الرحمن الأوديّ، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: { تَوْبَةً نَصُوحاً } قال: النصوح: أن تحول عن الذنب ثم لا تعود له أبداً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً } قال: هي الصادقة الناصحة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ابن زيد، في قول الله: { تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً } قال: التوبة النصوح الصادقة، يعلم أنها صدق ندامة على خطيئته، وحبّ الرجوع إلى طاعته، فهذا النصوح.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامّة الأمصار خلا عاصم: { نَصُوحاً } بفتح النون على أنه من نعت التوبة وصفتها، وذُكر عن عاصم أنه قرأه: «نُصُوحاً» بضمّ النون، بمعنى المصدر من قولهم: نصح فلان لفلان نصوحاً.

وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ بفتح النون على الصفة للتوبة لإجماع الحجة على ذلك.

اسامة محمد خيري
17-04-2017, 04:55
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي عامر الهمداني، عن الضحاك { كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صَالِحَيْنِ } قال: ما بغت امرأة نبيّ قط { فَخانَتاهُما } قال: في الدين خانتاهما....

يقول تعالى ذكره: { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها } يقول: التي منعت جيب درعها جبريل عليه السلام، وكلّ ما كان في الدرع من خرق أو فتق، فإنه يسمى فَرْجاً، وكذلك كلّ صدع وشقّ في حائط، أو فرج سقف فهو فرج.

وقوله: { فَنَفَخْنا فِيهِ منْ رُوحِنا } يقول: فنفخنا فيه في جيب درعها، وذلك فرجها، من روحنا من جبرئيل، وهو الروح. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا } فنفخنا في جيبها من روحنا.

اسامة محمد خيري
17-04-2017, 05:07
سورة الملك

وقوله: { الَّذِي خَلَقَ الموت والْحَياةَ } فأمات من شاء وما شاء، وأحيا من أراد وما أراد إلى أجل معلوم { لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلاً } يقول: ليختبركم فينظر أيكم له أيها الناس أطوع، وإلى طلب رضاه أسرع.....

وَجَعلْناها رُجُوماً للشَّياطِينِ } يقول: وجعلنا المصابيح التي زيَّنا بها السماء الدنيا رجوماً للشياطين تُرْجم بها. وقد:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { وَلَقَدْ زَيَّنا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً للشَّاطِينِ } إن الله جلّ ثناؤه إنما خلق هذه النجوم لثلاث خصال: خلقها زينة للسماء الدنيا، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدي بها فمن يتأوّل منها غير ذلك، فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلَّف ما لا علم له به.

اسامة محمد خيري
17-04-2017, 05:17
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { فامْشُوا فِي مَناكِبها } قال: طرقها وفجاجها.

وأولى القولين عندي بالصواب قول من قال: معنى ذلك: فامشوا في نواحيها وجوانبها، وذلك أن نواحيها نظير مناكب الإنسان التي هي من أطرافه.

اسامة محمد خيري
17-04-2017, 05:34
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار { هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ } بتشديد الدال بمعنى تفتعلون من الدعاء.

وذُكر عن قتادة والضحاك أنهما قرءا ذلك: «تَدْعُونَ» بمعنى تفعلون في الدنيا.

حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، قال: أخبرنا أبان العطار وسعيد بن أبي عُروبة، عن قتادة أنه قرأها: «الذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدْعُونَ» خفيفة ويقول: كانوا يدعون بالعذاب، ثم قرأ:
{ وَإذْ قالُوا اللهمَّ إنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بعَذَابٍ أليمٍ }


والصواب من القراءة في ذلك، ما عليه قرّاء الأمصار لإجماع الحجة من القرّاء عليه.

اسامة محمد خيري
17-04-2017, 05:51
سورة القلم

وقوله: { بأَيِّكُمُ المَفْتُونُ } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويله بأيكم المجنون، كأنه وجَّه معنى الباء في قوله { بأَيِّكُمُ } إلى معنى في. وإذا وجهت الباء إلى معنى «في» كان تأويل الكلام: ويبصرون في أيّ الفريقين المجنون في فريقك يا محمد أو فريقهم، ويكون المجنون اسماً مرفوعاً بالباء. ذكر من قال معنى ذلك: بأيكم المجنون:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد { بأَيِّكُمُ المَفْتُونُ } قال: المجنون.

قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد { بأَيِّكُمُ المَفْتُونُ } قال: بأيكم المجنون.

وقال آخرون: بل تأويل ذلك: بأيكم الجنون وكأن الذين قالوا هذا القول وجهوا المفتون إلى معنى الفتنة أو الفتون، كما قيل: ليس له معقول ولا معقود: أي بمعنى ليس له عقل ولا عقد رأى فكذلك وضع المفتون موضع الفُتُون. ذكر من قال: المفتون: بمعنى المصدر، وبمعنى الجنون:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { بأَيِّكُمُ المَفْتُونُ } قال: الشيطان.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: { بأَيِّكُمُ المَفْتُونُ } يعني الجنون.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس يقول: بأيكم الجنون.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أيكم أولى بالشيطان فالباء على قول هؤلاء زيادة دخولها وخروجها سواء، ومثَّل هؤلاء ذلك بقول الراجز:
نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصحَابُ الفَلَجْ نَضْرِبُ بالسَّيْفِ وَنَرْجُو بالفَرَجْ
بمعنى: نرجو الفرج، فدخول الباء في ذلك عندهم في هذا الموضع وخروجها سواء.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بأَيِّكُمُ المَفْتُونُ } يقول: بأيكم أولى بالشيطان.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { بأَيِّكُمُ المَفْتُونُ } قال: أيكم أولى بالشيطان.

واختلف أهل العربية في ذلك نحوَ اختلاف أهل التأويل، فقال بعض نحوِّيي البصرة: معنى ذلك: فستبصر ويبصرون أيُّكم المفتون. وقال بعض نحويي الكوفة: بأيكم المفتون هاهنا، بمعنى الجنون، وهو في مذهب الفُتُون، كما قالوا: ليس له معقول ولا معقود قال: وإن شئت جعلت بأيكم في أيكم في أيّ الفريقين المجنون قال: وهو حينئذٍ اسم ليس بمصدر.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: معنى ذلك: بأيكم الجنون، ووجه المفتون إلى الفتون بمعنى المصدر، لأن ذلك أظهر معاني الكلام، إذا لم ينو إسقاط الباء، وجعلنا لدخولها وجهاً مفهوماً.

وقد بيَّنا أنه غير جائز أن يكون في القرآن شيء لا معنى له.

اسامة محمد خيري
17-04-2017, 06:06
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: { وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } قال: ودّوا لو يُدْهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيُدْهنون.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ودّ هؤلاء المشركون يا محمد لو تلين لهم في دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم، فيلينون لك في عبادتك إلهك، كما قال جلّ ثناؤه:
{ وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إذًا لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ المَماتِ }
وإنما هو مأخوذ من الدُّهن شبه التليين في القول بتليين الدُّهن.

اسامة محمد خيري
17-04-2017, 06:11
اختلفت القرّاء في قراءة قوله: { أنْ كانَ } فقرأ ذلك أبو جعفر المدنيّ وحمزة: «أأنْ كانَ ذَا مالٍ» بالاستفهام بهمزتين، وتتوجه قراءة من قرأ ذلك كذلك إلى وجهين: أحدهما أن يكون مراداً به تقريع هذا الحلاَّف المهين، فقيل: ألأن كان هذا الحلاف المهين ذا مال وبنين { إذَا تُتْلَى عَلَيْه آياتُنا قالَ أساطيرُ الأوّلين } وهذا أظهر وجهيه. والآخر أن يكون مراداً به: ألأن كان ذا مال وبنين تطيعه، على وجه التوبيخ لمن أطاعه. وقرأ ذلك بعد سائر قرّاء المدينة والكوفة والبصرة: { أنْ كانَ ذا مال } على وجه الخبر بغير استفهام بهمزة واحدة ومعناه إذا قُرىء كذلك: ولا تطع كلّ حلاف مهين { أن كان ذا مال وبنين } كأنه نهاه أن يطيعه من أجل أنه ذو مال وبنين.

وقوله: { إذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ } يقول: إذا تقرأ عليه آيات كتابنا، قال: هذا مما كتبه الأوّلون استهزاء به وإنكاراً منه أن يكون ذلك من عند الله.

وقوله: { سَنَسِمُهُ على الخُرْطُومِ } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: سنخطمه بالسيف، فنجعل ذلك علامة باقية، وسمة ثابتة فيه ما عاش. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس { سَنَسِمُهُ على الخُرْطُومِ } فقاتل يوم بدر، فخُطِم بالسيف في القتال.

وقال آخرون: بل معنى ذلك سنشينه شيناً باقياً.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { سَنَسِمُهُ على الخُرْطُومِ } شَيْن لا يفارقه آخر ما عليه.

وقال آخرون: سيمَى على أنفه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { سَنَسِمُهُ على الخُرْطومِ } قال: سنسم على أنفه.

وأولى القولين بالصواب في تأويل ذلك عندي قول من قال: معنى ذلك: سنبين أمره بياناً واضحاً حتى يعرفوه، فلا يخفى عليهم، كما لا تخفى السمة على الخرطوم. وقال قتادة: معنى ذلك: شين لا يفارقه آخر ما عليه، وقد يحتمل أيضاً أن يكون خطم بالسيف، فجمع له مع بيان عيوبه للناس الخطم بالسيف.

اسامة محمد خيري
18-04-2017, 04:41
{ وَلا يَستَثْنون }: ولا يقولون إن شاء الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماكَ، عن عكرِمة، في قوله:
{ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكينٌ }
قال: هم ناس من الحبشة كانت لأبيهم جنة، كان يطعم المساكين منها، فلما مات أبوهم، قال بنوه: والله إن كان أبونا الأحمق حين يُطعم المساكين، فأقسموا ليصرمنها مصبحين، ولا يستثنون، ولا يطعمون مسكيناً.

اسامة محمد خيري
18-04-2017, 04:46
وقال آخرون: بل معنى ذلك: على حنق.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان { وَغَدَوْا على حَرْدٍ قادرينَ } قال: على حنق، وكأن سفيان ذهب في تأويله هذا إلى مثل قول الأشهب بن رُميلة:
أُسُودُ شَرًى لاقَتْ أُسُودَ خفِيَّةٍ تَساقَوْا على حَرْدٍ دِماءَ الأساوِدِ
يعني: على غضب. وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يتأوّل ذلك: وغدوا على منع. ويوجهه إلى أنه مِن قولهم: حاردَتِ السنة إذا لم يكن فيها مطر، وحاردت الناقة إذا لم يكن لها لبن، كما قال الشاعر:
فإذا ما حارَدَتْ أوْ بَكأَتْ فُتَّ عَنْ حاجِب أُخْرَى طِينُها
وهذا قول لا نعلم له قائلاً من متقدّمي العلم قاله وإن كان له وجه، فإذا كان ذلك كذلك، وكان غير جائز عندنا أن يتعدّى ما أجمعت عليه الحجة، فما صحّ من الأقوال في ذلك إلا أحد الأقوال التي ذكرناها عن أهل العلم. وإذا كان ذلك كذلك، وكان المعروف من معنى الحرد في كلام العرب القصد من قولهم: قد حرد فلان حَرْد فلان: إذا قصد قصده ومنه قول الراجز:
وجاءَ سَيْلٌ كانَ مِنْ أمْرِ اللَّهْ يَحْرُدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ
يعني: يقصد قصدها، صحّ أن الذي هو أولى بتأويل الآية قول من قال: معنى قوله { وَغَدَوْا على حَرْدٍ قادرِينَ } وَغدوا على أمر قد قصدوه واعتمدوه، واستسرّوه بينهم، قادرين عليه في أنفسهم.

اسامة محمد خيري
18-04-2017, 04:50
وقوله: { ألمْ أقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُوْنَ } يقول: هلا تستثنون إذ قلتم { لَنَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ } ، فتقولوا إن شاء الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إبراهيم بن المهاجر، عن مجاهد { لَوْلا تُسَبِّحونَ } قال: بلغني أنه الاستثناء.

قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهد { ألمْ أقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ } قال: يقول: تستثنون، فكان التسبيح فيهم الاستثناء.

اسامة محمد خيري
18-04-2017, 05:16
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن المبارك، عن أُسامة بن زيد، عن عكرِمة، في قوله { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ } قال: هو يومُ كربٍ وشدَّة.

وذُكر عن ابن عباس أنه كان يقرأ ذلك: «يَوْمَ تَكْشِفُ عَنْ ساقٍ» بمعنى تكشف القيامة عن شدّة شديدة، والعرب تقول: كشَف هذا الأمرُ عن ساق: إذا صار إلى شدّة ومنه قول الشاعر:
كَشَفَتْ لَهُمْ عَنْ ساقِها وَبَدَا مِنَ الشَّرِّ الصُّرَاحُ
وقوله: { وَيُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطيعُونَ } يقول: ويدعوهم الكشف عن الساق إلى السجود لله تعالى فلا يطيقون ذلك....

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَيُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ } ذلكم والله يوم القيامة. ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " يُؤْذَنُ للْمُؤْمِنينَ يَوْمَ القِيامَةِ في السُّجُودِ، فَيَسْجُدُ المُؤْمِنُونَ، وَبَينَ كُلّ مُؤْمِنَيْنِ مُنافقٌ، فَيَقْسُو ظَهْرُ المُنافِقِ عَنْ السُّجُودِ، ويَجْعَلُ اللَّهُ سُجُودَ المُؤْمِنينَ عَلَيْهِمْ تَوْبِيخاً وَذُلاًّ وَصَغاراً، وَنَدَامَةً وَحَسْرَةً "

اسامة محمد خيري
18-04-2017, 05:18
سورة الحاقة

واختلف في معنى الطاغية التي أهلك الله بها ثمود أهل التأويل، فقال بعضهم: هي طغيانهم وكفرهم بالله.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عزّ وجلّ: { فأُهْلِكُوا بالطَّاغِيَةِ } قال: بالذنوب.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { فأمَّا ثمُودُ فأُهْلِكُوا بالطَّاغِيَةِ } فقرأ قول الله:
{ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بطَغْوَاها }
وقال: هذه الطاغية طغيانهم وكفرهم بآيات الله. الطاغية طغيانهم الذي طغوا في معاصي الله وخلاف كتاب الله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فأهلكوا بالصيحة التي قد جاوزت مقادير الصياح وطغت عليها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { فأَمَّا ثَمُودُ فأُهْلِكُوا بالطَّاغِيَةِ } بعث الله عليهم صيحة فأهمدتهم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { بالطَّاغِيَةِ } قال: أرسل الله عليهم صيحة واحدة فأهمدتهم.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: فأُهلكوا بالصيحة الطاغية.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله إنما أخبر عن ثمود بالمعنى الذي أهلكها به، كما أخبر عن عاد بالذي أهلكها به، فقال: وأمَّا عادٌ فأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ ولو كان الخبر عن ثمود بالسبب الذي أهلكها من أجله، كان الخبر أيضاً عن عاد كذلك، إذ كان ذلك في سياق واحد، وفي إتباعه ذلك بخبره عن عاد بأن هلاكها كان بالريح الدليل الواضح على أن إخباره عن ثمود إنما هو ما بينت....

وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عُنِي بقوله { حُسُوماً } متتابعة، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك. وكان بعض أهل العربية يقول: الحسوم: التباع، إذا تتابع الشيء فلم ينقطع أوّله عن آخره قيل فيه حسوم قال: وإنما أخذوا والله أعلم من حسم الداء: إذا كوى صاحبه، لأنه لحم يكوى بالمكواة، ثم يتابع عليه.

وقوله: { فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعَى } يقول: فترى يا محمد قوم عاد في تلك السبع الليالي والثمانية الأيام الحسوم صرعى قد هلكوا { كأنَّهُمْ أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ } يقول: كأنهم أصول نخل قد خوت، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { كأنَّهُمْ أعْجازُ نخْلٍ خاوِيَةٍ }: وهي أصول النخل.

اسامة محمد خيري
18-04-2017, 05:21
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { وَمَنْ قَبْلَهُ } فقرأته عامة قرّاء المدينة والكوفة ومكة خلا الكسائيّ: { وَمَنْ قَبْلَهُ } بفتح القاف وسكون الباء، بمعنى: وجاء من قبل فرعون من الأمم المكذبة بآيات الله كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط بالخطيئة. وقرأ ذلك عامة قرّاء البصرة والكسائي: «وَمَنْ قِبَلِهِ» بكسر القاف وفتح الباء، بمعنى: وجاء مع فرعون من أهل بلده مصر من القبط.

والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب....

وقوله: { لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً } يقول: لنجعل السفينة الجارية التي حملناكم فيها لكم تذكرة، يعني عبرة وموعظة تتعظون بها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً } فأبقاها الله تذكرة وعبرة وآية حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رماداً....

اسامة محمد خيري
18-04-2017, 05:26
والملكُ على أرجائها } يقول تعالى ذكره: والملك على أطراف السماء حين تشقق وحافاتها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { والمَلَكُ على أرْجائها } يقول: والملك على حافات السماء حين تشقَّق ويقال: على شقة، كلّ شيء تشقَّق عنه....

اسامة محمد خيري
18-04-2017, 05:51
سورة المعارج

قال أبو جعفر: اختلفت القرّاء في قراءة قوله: { سأَلَ سائِلٌ } فقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة: { سأَلَ سائِلٌ } بهمز سأل سائل، بمعنى سأل سائل من الكفار عن عذاب الله، بمن هو واقع وقرأ ذلك بعض قرّاء المدينة: «سال سائِلٌ» فلم يهمز سأل، ووجهه إلى أنه فعل من السيل.

والذي هو أولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأه بالهمز لإجماع الحجة من القرّاء على ذلك، وأن عامة أهل التأويل من السلف بمعنى الهمز تأوّلوه. ذكر من تأوّل ذلك كذلك، وقال تأويله نحو قولنا فيه:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { سألَ سائِلٌ بعَذَابٍ وَاقِعٍ } قال: ذاك سؤال الكفار عن عذاب الله وهو واقع.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد
{ إنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ... }
الآية، قال { سأَلَ سائِلٌ بعَذَابِ وَاقِعٍ }.
...

وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:

حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { فاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً } قال: هذا حين كان يأمره بالعفو عنهم لا يكافئهم، فلما أمر بالجهاد والغلظة عليهم أمر بالشدّة والقتل حتى يتركوا، ونسخ هذا.

وهذا الذي قاله ابن زيد أنه كان أمر بالعفو بهذه الآية، ثم نسخ ذلك قول لا وجه له، لأنه لا دلالة على صحة ما قال من بعض الأوجه التي تصحّ منها الدعاوي، وليس في أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم في الصبر الجميل على أذى المشركين ما يوجب أن يكون ذلك أمراً منه له به في بعض الأحوال، بل كان ذلك أمراً من الله له به في كلّ الأحوال، لأنه لم يزل صلى الله عليه وسلم من لدن بعثه الله إلى أن اخترمه في أذى منهم، وهو في كلّ ذلك صابر على ما يلقى منهم من أذًى قبل أن يأذن الله له بحربهم، وبعد إذنه له بذلك.

اسامة محمد خيري
18-04-2017, 06:00
وقال آخرون: بل عُنِي بذلك الكفار الذين كانوا أتباعاً لآخرين في الدنيا على الكفر، أنهم يعرفون المتبوعين في النار.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { يُبَصَّرونَهُمْ } قال: يبصرون الذين أضلوهم في الدنيا في النار.

وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، قول من قال: معنى ذلك: ولا يسأل حميم حميماً عن شأنه، ولكنهم يبصرونهم فيعرفونهم، ثم يفرّ بعضهم من بعض، كما قال جلّ ثناؤه:
{ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلّ امْرْىءٍ منهم يَوْمَئِذٍ شأْنٌ يُغْنِيهِ }


وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بالصواب، لأن ذلك أشبهها بما دل عليه ظاهر التنزيل، وذلك أن قوله: { يُبَصَّرُونَهُمْ } تلا قوله: { وَلا يَسألُ حَميمٌ حَميماً } فلأن تكون الهاء والميم من ذكرهم أشبه منها بأن تكون من ذكر غيرهم.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { وَلا يَسألُ } فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار سوى أبي جعفر القارىء وشَيبة بفتح الياء وقرأه أبو جعفر وشيبة: «وَلا يُسْئَلُ» بضم الياء، يعني: لا يقال لحميم أين حميمك؟ ولا يطلب بعضهم من بعض.

والصواب من القراءة عندنا فتح الياء، بمعنى: لا يسأل الناس بعضهم بعضاً عن شأنه، لصحة معنى ذلك، ولإجماع الحجة من القرّاء عليه.

اسامة محمد خيري
19-04-2017, 04:46
ولظى: اسم من أسماء جهنم، ولذلك لم يجز.

واختلف أهل العربية في موضعها، فقال بعض نحويي البصرة: موضعها نصب على البدل من الهاء، وخبر إن: { نَزَّاعةً } قال: وإن شئت جعلت لظَى رفعاً على خبر إن، ورفعت { نَزَّاعَةً } على الابتداء. وقال بعض من أنكر ذلك: لا ينبغي أن يتبع الظاهر المكنى إلا في الشذوذ قال: والاختيار { إنَّها لَظَى نَزَّاعَةً للشَّوَى } لظى: الخبر، ونزاعة: حال قال: ومن رفع استأنف، لأنه مدح أو ذمّ قال: ولا تكون ابتداء إلا كذلك.

والصواب من القول في ذلك عندنا، أن { لَظَى } الخبر، و { نَزَّاعةٌ } ابتداء، فذلك رفع، ولا يجوز النصب في القراءة لإجماع قرّاء الأمصار على رفعها، ولا قارىء قرأ كذلك بالنصب وإن كان للنصب في العربية وجه وقد يجوز أن تكون الهاء من قوله «إنها» عماداً، ولظى مرفوعة بنزّاعة، ونزّاعة بلظى، كما يقال: إنها هند قائمة، وإنه هند قائمة، فالهاء عماد في الوجهين.

اسامة محمد خيري
19-04-2017, 05:02
سورة نوح

وقوله: { يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ } يقول: يغفر لكم ذنوبكم.

فإن قال قائل: أَوَليست «من» دالة على البعض؟ قيل: إن لها معنيين وموضعين، فأما أحد الموضعين فهو الموضع الذي لا يصلح فيه غيرها. وإذا كان ذلك كذلك لم تدلّ إلا على البعض، وذلك كقولك: اشتريت من مماليكك، فلا يصلح في هذا الموضع غيرها، ومعناها: البعض، اشتريت بعض مماليكك، ومن مماليكك مملوكاً. والموضع الآخر: هو الذي يصلح فيه مكانها عن فإذا، صلحت مكانها «عن» دلت على الجميع، وذلك كقولك: وجع بطني من طعام طعِمته، فإن معنى ذلك: أوجع بطني طعام طعمته، وتصلح مكان «من» عن، وذلك أنك تضع موضعها «عن»، فيصلح الكلام فتقول: وجع بطني عن طعام طعمته، ومن طعام طعمته، فكذلك قوله: { يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ } إنما هو: ويصفح لكم، ويعفو لكم عنها وقد يحتمل أن يكون معناها يغفر لكم من ذنوبكم ما قد وعدكم العقوبة عليه. فأما ما لم يعدكم العقوبة عليه فقد تقدّم عفوه لكم عنها.

اسامة محمد خيري
19-04-2017, 05:09
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما لكم لا ترجون لله طاعة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: { ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً } قال: الوقار: الطاعة.

وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ما لكم لا تخافون لله عظمة، وذلك أن الرجاء قد تضعه العرب إذا صحبه الجحد في موضع الخوف، كما قال أبو ذُؤيب:
إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها وخَالَفَها في بَيْتِ نُوبٍ عَوَاسِلِ
يعني بقوله: «لم يرج»: لم يخف.

اسامة محمد خيري
19-04-2017, 05:24
سورة الجن

واختلفت القرّاء في قراءة قوله { وأنَّهُ تَعالى } فقرأه أبو جعفر القارىء وستة أحرف أُخر بالفتح، منها: { إنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ }
{ وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ }

{ وأنَّهُ كان يَقُولُ سَفِيهُنا }

{ وأنَّهُ كانَ رِجال مِنَ الإنْس }

{ وأنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ }

{ وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا على الطَّرِيقَةِ }
وكان نافع يكسرها إلا ثلاثة أحرف: أحدها: { قُلْ أُوحِيَ إليَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ } والثانية
{ وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا }
، والثالثة
{ وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ }
وأما قرّاء الكوفة غير عاصم، فإنهم يفتحون جميع ما في آخر سورة النجم وأوّل سورة الجنّ إلا قوله { فَقالُوا إنَّا سمِعْنا } ، وقوله:
{ قالَ إنَّمَا أدْعُو رَبّي }
وما بعده إلى آخر السورة، وأنهم يكسرون ذلك غير قوله:
{ لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ }
وأما عاصم فإنه كان يكسر جميعها إلا قوله:
{ وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ }
فإنه كان يفتحها، وأما أبو عمرو، فإنه كان يكسر جميعها إلا قوله:
{ وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا على الطَّرِيقَةِ }
فإنه كان يفتح هذه وما بعدها فأما الذين فتحوا جميعها إلا في موضع القول، كقوله: { فَقالُوَا إنَّا سَمِعْنا } وقوله:
{ قالَ إنَّمَا أدْعُو رَبّي }
ونحو ذلك، فإنهم عطفوا أن في كلّ السورة على قوله فآمنا به، وآمنا بكلّ ذلك، ففتحوها بوقوع الإيمان عليها. وكان الفرّاء يقول: لا يمنعنك أن تجد الإيمان يقبح في بعض ذلك من الفتح، وأن الذي يقبح مع ظهور الإيمان قد يحسن فيه فعل مضارع للإيمان، فوجب فتح أنّ كما قالت العرب:
إذَا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يَوْماً وزَجَّجْنَ الْحَوَاجِبَ والعُيُونا
فنصب العيون لاتباعها الحواجب، وهي لا تزجج، وإنما تكحل، فأضمر لها الكحل، كذلك يضمر في الموضع الذي لا يحسن فيه آمنَّا صدّقنا وآمَّنا وشهدنا. قال: وبقول النصب قوله:
{ وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا على الطَّرِيقَةِ }
فينبغي لمن كسر أن يحذف «أن» من «لو» لأن «أن» إذا خُففت لم تكن حكاية. ألا ترى أنك تقول: أقول لو فعلت لفعلت، ولا تدخل «أن». وأما الذين كسروها كلهم وهم في ذلك يقولون:
{ وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا }
فكأنهم أضمروا يميناً مع «لو» وقطعوها عن النسق على أوّل الكلام، فقالوا: والله أن لو استقاموا قال: والعرب تدخل «أن» في هذا الموضع مع اليمين وتحذفها، قال الشاعر:
فَأُقْسِمُ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولُهُ سِوَاكَ وَلَكِنَ لَمْ نَجدْ لَكَ مَدْفَعا
قالوا: وأنشدنا آخر:
أمَا وَاللَّهَ أنْ لَوْ كُنْتَ حرا وَما بالْحُرّ أنْتَ وَلا العَتِيقِ
وأدخل «أن» من كسرها كلها، ونصب
{ وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ }
فإنه خصّ ذلك بالوحي، وجعل
{ وأنْ لَوْ }
مضمرة فيها اليمين على ما وصفت. وأما نافع فإن ما فتح من ذلك فإنه ردّه على قوله: { أُوحِيَ إليّ } وما كسره فإنه جعله من قول الجنّ. وأحبّ ذلك إليَّ أن أقرأ به الفتح فيما كان وحياً، والكسر فيما كان من قول الجنّ، لأن ذلك أفصحها في العربية، وأبينها في المعنى، وإن كان للقراءات الأُخر وجوه غير مدفوعة صحتها.

اسامة محمد خيري
19-04-2017, 05:31
وقال آخرون: بل عُنِي بذلك أن الكفار زادوا بذلك طغيانا. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله { فَزَادُوهُمْ رَهَقاً } قال: زاد الكفار طغياناً.

وقال آخرون: بل عُنِي بذلك فزادوهم فَرَقا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس { فَزَادُوهُمْ رَهَقاً } قال: فيزيدهم ذلك رهقاً، وهو الفَرَق.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله { فَزَادُوهُمْ رَهَقاً } قال: زادهم الجنّ خوفاً.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: فزاد الإنس الجنّ بفعلهم ذلك إثماً، وذلك زادوهم به استحلالاً لمحارم الله. والرهق في كلام العرب: الإثم وغِشيان المحارم ومنه قول الأعشى:
لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِنْ دُونِ رُؤْيَتِها هلْ يَشْتَفِي وَامِقٌ ما لم يُصِبْ رَهَقا
يقول: ما لم يغْشَ محرماً

.

اسامة محمد خيري
19-04-2017, 05:38
وقوله: { وأنَّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأرْض أمْ أرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً } يقول عزّ وجلّ مخبراً عن قيل هؤلاء النفر من الجنّ: وأنا لا ندري أعذابا أراد الله أن ينزله بأهل الأرض، بمنعه إيانا السمع من السماء ورجمه من استمع منا فيها بالشهب { أمْ أرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً } يقول: أم أراد بهم ربهم الهدى بأن يبعث منهم رسولاً مرشداً يرشدهم إلى الحقّ. وهذا التأويل على التأويل الذي ذكرناه عن ابن زيد قبل.

وذُكر عن الكلبي في ذلك ما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، عن الكلبي في قوله: { وأنَّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأرْض أمْ أرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً } أن يطيعوا هذا الرسول فيرشدهم أو يعصوه فيهلكهم.

وإنما قلنا القول الأوّل لأن قوله: { وأنَّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأرْض } عقيب قوله: { وأنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ للسَّمْعِ }... الآية، فكان ذلك بأن يكون من تمام قصة ما وليه وقرب منه أولى بأن يكون من تمام خبر ما بعد عنه.