المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير



الصفحات : 1 [2] 3 4 5

اسامة محمد خيري
31-12-2016, 05:47
والصواب من القول في ذلك عندنا، أن الشاهدين ألزما اليمين في ذلك باتهام ورثة الميت إياهما فيما دفع إليهما الميت من ماله، ودعواهم قبلها خيانة مال معلوم المبلغ، ونقلت بعد إلى الورثة عند ظهور الريبة التي كانت من الورثة فيهما، وصحة التهمة عليهما بشهادة شاهد عليهما أو على أحدهما، فيحلف الوارث حينئذٍ مع شهادة الشاهد عليهما أو على أحدهما إنما صحح دعواه إذا حقق حقه، أو الإقرار يكون من الشهود ببعض ما ادّعى عليهما الوارث أو بجميعه، ثم دعواهما في الذي أقرّا به من مال الميت ما لا يقبل فيه دعواهما إلاَّ ببينة، ثم لا يكون لهما على دعواهما تلك بينة، فينقل حينئذٍ اليمين إلى أولياء الميت.

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصحة، لأنا لا نعلم من أحكام الإسلام حكماً يجب فيه اليمين على الشهود ارتيب بشهادتهما أو لم يرتب بها، فيكون الحكم في هذه الشهادة نظيراً لذلك. ولم نجد ذلك كذلك صحّ بخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا بإجماع من الأمة، لأن استحلاف الشهود في هذا الموضع من حكم الله تعالى، فيكون أصلاً مسلماً. والمقول إذا خرج من أن يكون أصلاً أو نظيراً لأصل فيما تنازعت فيه الأمة، كان واضحاً فساده. وإذا فسد هذا القول بما ذكرناه، فالقول بأن الشاهدين استحلفا من أجل أنهما ادّعيا على الميت وصية لهما بمال من ماله أفسد من أجل أن أهل العلم لا خلاف بينهم في أن من حكم الله تعالى أن مدّعياً لو ادّعى في مال ميت وصية أن القول قول ورثة المدّعي في ماله الوصية مع أيمانهم، دون قول مدّعي ذلك مع يمينه، وذلك إذا لم يكن للمدّعي بينة. وقد جعل الله تعالى اليمين في هذه الآية على الشهود إذا ارتيب بهما، وإنما نقل الإيمان عنهم إلى أولياء الميت، إذا عُثِر على أن الشهود استحقوا إثماً في أيمانهم فمعلوم بذلك فساد قول من قال: ألزم اليمين الشهود لدعواهم لأنفسهم وصية أوصى بها لهم الميت في ماله، ...

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ } فقرأ ذلك قرّاء الحجاز والعراق والشام: «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ» بضم التاء. ورُوِي عن عليّ وأبي بن كعب والحسن البصري أنهم قرءوا ذلك: { مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ } بفتح التاء.

واختلفت أيضاً في قراءة قوله: { الأوْلَيانِ } فقرأته عامَّة قرّاء أهل المدينة والشام والبصرة: { الأوْلَيانِ } ، وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة: «الأولين». وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك: «مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوَّلانِ».

وأولى القراءتين بالصواب في قوله: «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِم» قراءة من قرأ بضمّ التاء، لإجماع الحجة من القرّاء عليه، مع مساعدة عامَّة أهل التأويل على صحة تأويله، وذلك إجماع عامتهم على أن تأويله: فآخران من أهل الميت الذين استحقّ المؤتمنان على مال الميت الإثم فيهم، يقومان مقام المستحقّ الإثم فيهما بخيانتهما ما خانا من مال الميت....

وأحسب أن الذين قرءوا ذلك بفتح التاء، أرادوا أن يوجهوا تأويله إلى: فَآخران يقومان مقامهما مقام المؤتمنين اللذين عثر على خيانتهما في القسم والاستحقاق به عليهما دعواهما قبلهما من الذين استحقّ على المؤتمنين على المال على خيانتهما القيام مقامهما في القسم والاستحقاق في الأوليان بالميت. وكذلك كانت قراءة من رُوِيت هذه القراءة عنه، فقرأ ذلك: { مِنَ الَّذِينَ استَحَقَّ } بفتح التاء على معنى: الأوليان بالميت وماله. وذلك مذهب صحيح وقراءة غير مدفوعة صحتها، غير أنا نختار الأخرى لإجماع الحجة من القرّاء عليها مع موافقتها التأويل الذي ذكرنا عن الصحابة والتابعين....

وأما أولى القراءات بالصواب في قوله: { الأَوْلَيانِ } عندي، فقراءة من قرأ: { الأوْلَيانِ } بصحة معناها وذلك لأن معنى: فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق فيهم الإثم، ثم حذف «الإثم» وأقيم مقامه «الأوليان»، لأنهما هما اللذان ظلما وأثما فيهما بما كان من خيانة اللذين استحقا الإثم وعثر عليهما بالخيانة منهما فيما كان ائتمنهما عليه الميت، كما قد بينا فيما مضى من فعل العرب مثل ذلك من حذفهم الفعل اجتزاء بالاسم، وحذفهم الاسم اجتزاء بالفعل. ومن ذلك ما قد ذكرنا في تأويل هذه القصة، وهو قوله:
{ شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ }
ومعناه: أن يشهد اثنان، وكما قال:
{ فَيُقْسِمان باللّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي به ثَمَناً }
فقال «به»، فعاد بالهاء على اسم «الله» وإنما المعنى: لا نشتري بقسمنا بالله، فاجتزىء بالعود على اسم الله بالذكر، والمراد به: لا نشتري بالقسم بالله استغناء بفهم السامع بمعناه عن ذكر اسم القسم. وكذلك اجتزىء بذكر الأوليين من ذكر الإثم الذي استحقه الخائنان لخيانتهما إياها، إذ كان قد جرى ذكر ذلك بما أغنى السامع عند سماعه إياه عن إعادته، وذلك قوله: { فإنْ عُثِرَ على أنَّهُما اسْتَحَقَّا إثْماً }. وأما الذين قرءوا ذلك «الأوّلين» فإنهم قصدوا في معناه إلى الترجمة به عن «الذين»، فأخرجوا ذلك على وجه الجمع، إذ كان «الذين» جمعاً وخفضاً، إذ كان «الذين» مخفوضاً. وذلك وجه من التأويل، غير أنه إنما يقال للشيء أوّل إذا كان له آخر هو له أوّل، وليس للذين استحقّ عليهم الإثم آخرهم له أوّل، بل كانت أيمان الذين عثر على أنهما استحقا إثماً قبل أيمانهم، فهم إلى أن يكونوا إذ كانت أيمانهم آخراً أولى أن يكونوا آخرين من أن يكونوا أوّلين وأيمانهم آخرة لأولى قبلها....

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: «الأوليان» مرفوعان بما لم يسمّ فاعله، وهو قوله: «اسْتُحِقَّ عَلَيْهِم» وأنهما موضع الخبر عنهما، فعمل فيهما ما كان عاملاً في الخبر عنهما وذلك أن معنى الكلام: فآخران يقومان مقامهما من الذين استحقّ عليهم الإثم بالخيانة، فوضع «الأوليان» موضع «الإثم» كما قال تعالى في موضع آخر: أجَعَلْتُمْ سقايَةَ الحاجّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرَام كمَنْ آمَنَ باللّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ومعناه: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر؟ وكما قال: وأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ، وكما قال بعض الهذليين:
يُمَشِّي بَيْنَنا حانُوتُ خَمْرٍ مِنَ الخُرْسِ الصَّرَاصِرَةِ القِطاطِ
وهو يعني صاحب حانوت خمر، فأقام الحانوت مقامه لأنه معلوم أن الحانوت لا يمشي، ولكن لما كان معلوماً عنده أنه لا يخفى على سامعه ما قصد إليه من معناه حذف الصاحب، واجتزأ بذكر الحانوت منه، فكذلك قوله: «مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ» إنما هو من الذين استحقّ فيهم خيانتهما، فحذفت «الخيانة» وأقيم «المختانان» مقامها، فعمل فيهما ما كان يعمل في المحذوف ولو ظهر. وأما قوله: «عليهم» في هذا الموضع، فإن معناها: فيهم، كما قال تعالى:
{ وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ على مُلْكِ سُلَيْمانَ }
يعني: في ملك سليمان، وكما قال: ولأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ف «في» توضع موضع «على»، و «على» في موضع «في» كل واحدة منهما تعاقب صاحبتها في الكلام..

قال الإمام أبو جعفر: فذهب ابن عباس فيما أرى إلى نحو القول الذي حكيت عن شريح وقتادة، من أن ذلك رجلان آخران من المسلمين يقومان مقام النصرانِييَّن، أو عَدْلان من المسلمين هما أعدل وأجوز شهادة من الشاهدين الأوّلين أو المُقسِمَين. وفي إجماع جميع أهل العلم على أن لا حكم لله تعالى يجب فيه على شاهد يمين فيما قام به من الشهادة، دليل واضح على أن غير هذا التأويل الذي قاله الحسن ومن قال بقوله في قول الله تعالى: { فَآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما } أولى به.

وأما قوله { الأوْلَيانِ } فإن معناه عندنا: الأولى بالميت من المقسمين الأوّلين فالأولى، وقد يحتمل أن يكون معناه: الأولى باليمين منهما فالأولى، ثم حذف «فيهما» والعرب تفعل ذلك فتقول: فلان أفضل، وهي تريد أفضل منك، وذلك إذا وضع أفعل موضع الخبر. وإن وقع موقع الاسم وأدخلت فيه الألف واللام، فعلوا ذلك أيضاً إذا كان جواباً لكلام قد مضى، فقالوا: هذا الأفضل، وهذا الأشرف يريدون هو الأشرف منك. وقال ابن زيد: معنى ذلك: الأوليان بالميت....

اسامة محمد خيري
31-12-2016, 06:22
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: هي منسوخة. يعني هذه الآية:
{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ }
الآية.

وقال جماعة: هي محكمة وليست بمنسوخة. وقد ذكرنا قول أكثرهم فيما مضى.

والصواب من القول في ذلك أن حكم الآية منسوخ، وذلك أن من حكم الله تعالى ذكره الذي عليه أهل الإسلام، من لدن بعث الله تعالى ذكره نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، إلى يومنا هذا، أن من ادُّعِيَ عليه دعوى مما يملكه بنو آدم أن المدَّعى عليه لا يبرئه مما ادُّعِيَ عليه إلاَّ اليمين إذا لم يكن للمدّعي بينة تصحح دعواه، وأنه إن اعترف وفي يدي المدّعى سلعة له، فادّعى أنها له دون الذي في يده، فقال الذي هي في يده: بل هي لي اشتريتها من هذا المدّعي، أن القول قول من زعم الذي هي في يده أنه اشتراها منه دون من هي في يده مع يمينه إذا لم يكن للذي هي في يده بينة تحقق به دعواه الشراء منه. فإذ كان ذلك حكم الله الذي لا خلاف فيه بين أهل العلم، وكانت الآيتان اللتان ذكر الله تعالى ذكره فيهما أمر وصية الموصي إلى عدلين من المسلمين أو إلى آخرَيْن من غيرهم، إنما ألزَم النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما ذكر عنه الوصيين اليمين حين ادّعى عليهما الورثة ما ادّعوا ثم لم يُلزم المدّعى عليهما شيئاً إذ حلفا، حتى اعترفت الورثة في أيديهما ما اعترفوا من الجام أو الإبريق أو غير ذلك من أموالهم فزعما أنهما اشترياه من ميتهم، فحينئذٍ ألزم النبيّ صلى الله عليه وسلم ورثة الميت اليمين، لأن الوصيين تحوّلا مدّعِيَين بدعواهما ما وجدا في أيديهما من مال الميت أنه لهما اشتريا ذلك منه فصارا مقرّين بالمال للميت مدّعيين منه الشراء، فاحتاجا حينئذٍ إلى بينة تصحح دعواهما وورثة الميت ربّ السلعة أولى باليمين منهما، فذلك قوله تعالى:

{ فإنْ عُثرَ على أنَّهُما اسْتَحَقَّا إثْماً فآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ باللّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما }
الآية. فإذا كان تأويل ذلك كذلك فلا وجه لدعوى مدّع أن هذه الآية منسوخة، لأنه غير جائز أن يقضى على حكم من أحكام الله تعالى ذكره أنه منسوخ إلاَّ بخبر يقطع العذر إما من عند الله أو من عند رسوله صلى الله عليه وسلم، أو بورود النقل المستفيض بذلك، فأما ولا خبر بذلك، ولا يدفع صحته عقل، فغير جائز أن يقضى عليه بأنه منسوخ

اسامة محمد خيري
31-12-2016, 06:25
وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: معناه: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا، لأنه تعالى ذكره أخبر عنهم أنهم قالوا: { لا عِلْمَ لَنا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إنَّكَ أنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ }: أي أنك لا يخفى عليك ما عندنا من علم ذلك ولا غيره من خفي العلوم وجليها. فإنما نفي القوم أن يكون لهم بما سئلوا عنه من ذلك علم لا يعلمه هو تعالى ذكره، لا أنهم نفوا أن يكونوا علموا ما شاهدوا، كيف يجوز أن يكون ذلك كذلك وهو تعالى ذكره يخبر عنهم أنهم يخبرون بما أجابتهم به الأمم وأنهم سيشهدون على تبليغهم الرسالة شهداء، فقال تعالى ذكره:
{ وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ على النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً }
وأما الذي قاله ابن جريج من أن معناه: ماذا عملت الأمم بعدكم؟ وماذا أحدثوا؟ فتأويل لا معنى له، لأن الأنبياء لم يكن عندها من العلم بما يحدث بعدها إلا ما أعلمها الله من ذلك، وإذا سئلت عما عملت الأمم بعدها والأمر كذلك فإنما يقال لها: ماذا عرّفناك أنه كائن منهم بعدك؟ وظاهر خبر الله تعالى ذكره عن مسألته إياهم يدلّ على غير ذلك

اسامة محمد خيري
31-12-2016, 06:41
وأولى القراءتين عندي بالصواب قراءة من قرأ ذلك: { هَلْ يَسْتَطِيعُ } بالياء { رَبُّكَ } برفع الربّ، بمعنى: هل يستجيب لك إن سألته ذلك ويطيعك فيه؟

وإنما قلنا ذلك أولى القراءتين بالصواب لما بينا قبل من أن قوله: { إذْ قالَ الحَوَارِيُّونَ } من صلة «إذ أوحيت»، وأن معنى الكلام: وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي { إذْ قالَ الحَوَارِيُّونَ يا عيِسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ }. فبين إذ كان ذلك كذلك، أن الله تعالى ذكره قد كره منهم ما قالوا من ذلك واستعظمه، وأمرهم بالتوبة ومراجعة الإيمان من قيلهم ذلك، والإقرار لله بالقدرة على كلّ شيء، وتصديق رسوله فيما أخبرهم عن ربهم من الأخبار. وقد قال عيسى لهم عند قيلهم ذلك له استعظاماً منه لما قالوا: { اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } ففي استتابة الله إياهم، ودعائه لهم إلى الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم عند قيلهم ما قالوا من ذلك، واستعظام نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كلمتهم، الدلالة الكافية من غيرها على صحة القراءة في ذلك بالياء ورفع الربّ إذ كان لا معنى في قولهم لعيسى لو كانوا قالوا له: هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزّل علينا مائدة من السماء؟ أن تستكبر هذا الاستكبار.

فإن ظنّ ظانّ أن قولهم ذلك له إنما هو استعظام منهم، لأن ذلك منهم كان مسألة آية، فإن الآية إنما يسألها الأنبياء من كان بها مكذّباً، ليتقرّر عنده حقيقة ثبوتها وصحة أمرها، كما كانت مسألة قريش نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم أن يحوّل لهم الصفا ذهباً ويفجِّر فجاج مكة أنهاراً من سأله من مشركي قومه، وكما كانت مسألة صالح الناقة من مكذّبي قومه، ومسألة شعيب أن يسقط كِسْفاً من السماء من كفار من أرسل إليهم. وكان الذين سألوا عيسى أن يسأل ربه أن ينزّل عليهم مائدة من السماء، على هذا الوجه كانت مسألتهم، فقد أحلهم الذين قرءوا ذلك بالتاء ونصب الربّ محلاًّ أعظم من المحلّ الذي ظنوا أنهم نزّهوا ربهم عنه، أو يكونوا سألوا ذلك عيسى وهم موقنون بأنه لله نبيّ مبعوث ورسول مرسل، وأن الله تعالى على ما سألوا من ذلك قادر. فإن كانوا سألوا ذلك وهم كذلك، وإنما كانت مسألتهم إياه ذلك على نحو ما يسأل أحدهم نبيه، إذا كان فقيراً أن يسأل له ربه أن يغنيه، وإن عرضت به حاجة أن يسأل له ربه أن يقضيها، فأنَّى ذلك من مسألة الآية في شيء؟ بل ذلك سؤال ذي حاجة عرضت له إلى ربه، فسأل نبيه مسألة ربه أن يقضيها له. وخبر الله تعالى عن القوم ينبىء بخلاف ذلك، وذلك أنهم قالوا لعيسى، إذ قال لهم:
{ اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أنْ نَأكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا }
فقد أنبأ هذا من قيلهم أنهم لم يكونوا يعلمون أن عيسى قد صدقهم، ولا اطمأنت قلوبهم إلى حقيقة نبوّته، فلا بيان أبين من هذا الكلام في أن القوم كانوا قد خالط قلوبهم مرض وشكّ في دينهم وتصديق رسولهم، وأنهم سألوا ما سألوا من ذلك اختباراً.

اسامة محمد خيري
31-12-2016, 06:47
وقال آخرون: معنى قوله { عِيداً } عائدة من الله تعالى علينا حجة وبرهاناً.

وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: معناه: تكون لنا عيداً، نعبد ربنا في اليوم الذي تنزل فيه ونصلي له فيه، كما يعيِّد الناس في أعيادهم. لأن المعروف من كلام الناس المستعمل بينهم في العيد ما ذكرنا دون القول الذي قاله من قال معناه: عائدة من الله علينا وتوجيه معاني كلام الله إلى المعروف من كلام من خوطب به أولى من توجيهه إلى المجهول منه ما وجد إليه السبيل.

وأما قوله: { لأَوَّلِنا وآخِرِنا } فإن الأولى من تأويله بالصواب قول من قال: تأويله للأحياء منا اليوم ومن يجيء بعدنا منا للعلة التي ذكرناها في قوله: { تَكُونُ لَنا عِيداً } لأن ذلك هو الأغلب من معناه...

والصواب من القول عندنا في ذلك أن يقال: إن الله تعالى أنزل المائدة على الذين سألوا عيسى مسألته ذلك ربه. وإنما قلنا ذلك للخبر الذي روينا بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأهل التأويل من بعدهم غير من انفرد بما ذكرنا عنه. وبعد، فإن الله تعالى لا يخلف وعده ولا يقع في خبره الخلف، وقد قال تعالى مخبراً في كتابه عن إجابة نبيه عيسى صلى الله عليه وسلم حين سأله ما سأله من ذلك: { إنّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ } ، وغير جائز أن يقول تعالى ذكره إني منزلها عليكم، ثم لا ينزلها لأن ذلك منه تعالى خبر، ولا يكون منه خلاف ما يخبر. ولو جاز أن يقول: إني منزلها عليكم، ثم لا ينزلها عليهم، جاز أن يقول:
{ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فإنّي أُعَذّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذّبُهُ أحَداً مِن العالَمِينَ }
ثم يكفر منهم بعد ذلك فلا يعذّبه، فلا يكون لوعده ولا لوعيده حقيقة ولا صحة، وغير جائز أن يوصف ربنا تعالى بذلك.

وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة، فأن يقال: كان عليها مأكول، وجائز أن يكون كان سمكاً وخبزاً، وجائز أن يكون كان ثمراً من ثمر الجنة وغير نافع العلم به ولا ضارّ الجهل به إذا أقرّ تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل.

اسامة محمد خيري
31-12-2016, 06:52
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: { يا عِيسَى ابْنَ مَرْيمَ أأنْتَ قُلْتَ للنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ } متى يكون ذلك؟ قال: يوم القيامة، ألا ترى أنه يقول:
{ هَذَا يَومُ يَنْفَعُ الصَّادقِينَ صِدْقُهُمْ }
فعلى هذا التأويل الذي تأوّله ابن جريج يجب أن يكون «وإذْ» بمعنى «وإذا»، كما قال في موضع آخر: وَلَوْ تَرَى إذْ فَزِعُوا، بمعنى: يفزعون. وكما قال أبو النجم:
ثُمَّ جَزَاهُ اللَّهُ عَنَّا إذْ جَزَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فِي العَلاليِّ العُلا
والمعنى: إذا جزى. وكما قال الأسود:
فالآنَ إذْ هازَلْتُهُنَّ فإنَّمَا يَقُلْنْ ألا لم يذْهَبِ الشَّيخُ مَذْهَبا
بمعنى: إذا هازلتهنّ. وكأنّ من قال في ذلك بقول ابن جريج هذا، وجَّه تأويل الآية إلى:
{ فَمَنْ يَكْفُرْ بعدُ مِنْكُمْ فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالِمينَ }
في الدنيا وأعذّبه أيضاً في الآخرة، { إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيمَ أأنْتَ قُلْتَ للنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ }.

وأولى القولين عندنا بالصواب في ذلك، قول من قال بقول السدّيّ: وهو أن الله تعالى قال ذلك لعيسى حين رفعه إليه، وأن الخبر خبر عما مضى لعلتين: إحداهما: أن «إذ» إنما تصاحب في الأغلب من كلام العرب المستعمل بينها الماضي من الفعل، وإن كانت قد تدخلها أحياناً في موضع الخبر عما يحدث إذا عرف السامعون معناها وذلك غير فاشٍ ولا فصيح في كلامهم، فتوجيه معاني كلام الله تعالى إلى الأشهر الأعرف ما وجد إليه السبيل أولى من توجيهها إلى الأجهل الأنكر. والأخرى: أن عيسى لم يشكّ هو ولا أحد من الأنبياء أن الله لا يغفر لمشرك مات على شركه، فيجوز أن يتوهم على عيسى أن يقول في الآخرة مجيباً لربه تعالى:
{ إن تعذّب من اتخذني وأمي إلهين من دونك فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم }
فإن قال قائل: وما كان وجه سؤال الله عيسى: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله، وهو العالم بأن عيسى لم يقل ذلك؟ قيل: يحتمل ذلك وجهين من التأويل: أحدهما: تحذير عيسى عن قيل ذلك ونهيه، كما يقول القائل لآخر: أفعلت كذا وكذا؟ مما يعلم المقول له ذلك أن القائل يستعظم فعل ما قال له: «أفعلته» على وجه النهي عن فعله والتهديد له فيه. والآخر: إعلامه أن قومه الذين فارقهم قد خالفوا عهده وبدّلوا دينهم بعده، فيكون بذلك جامعاً إعلامه حالهم بعده وتحذيره له قيله.

اسامة محمد خيري
31-12-2016, 06:59
وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب: «هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ» بنصب اليوم على أنه منصوب على الوقت والصفة، لأن معنى الكلام: أن الله تعالى أجاب عيسى حين قال:
{ سُبْحانَكَ مَا يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ }
إلى قوله:
{ فإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ }
فقال له عزّ وجلّ: هذا القول النافع أو هذا الصدق النافع يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ فاليوم وقت القول والصدق النافع.

فإن قال قائل: فما موضع «هذا»؟ قيل رفع فإن قال: فأين رافعه؟ قيل مضمر، وكأنه قال: قال الله عزّ وجلّ: هذا، هذا يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ..

فتأويل الكلام إذا كان الأمر على ما وصفنا لما بينا: قال الله لعيسى: هذا القول النافع في يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ في الدنيا صِدْقُهُمْ ذلك في الآخرة عند الله. { لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهارُ } يقول: للصادقين في الدنيا جناتٌ تجري من تحتها الأنهار في الآخرة ثواباً لهم من الله عزّ وجلّ، على ما كان من صدقهم الذي صدقوا الله فيما وعدوه، فوفوا به لله، فوفى الله عزّ وجلّ لهم ما وعدهم من ثوابه. { خالِدِينَ فِيها أبَداً } يقول: باقين في الجنات التي أعطاهموها أبداً دائماً لهم فيها نعيم لا ينتقل عنهم ولا يزول. وقد بينا فيما مضى أن معنى الخلود: الدوام والبقاء....

اسامة محمد خيري
31-12-2016, 07:07
سورة الانعام

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } قال: الآلهة التي عبدوها عدلوها بالله قال: وليس لله عِدْل ولا ندّ، وليس معه آلهة، ولا اتخذ صاحبة ولا ولداً.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: إن الله تعالى أخبر أن الذين كفروا بربهم يعدلون، فعمّ بذلك جميع الكفار، ولم يخصص منهم بعضاً دون بعض، فجميعهم داخلون في ذلك: يهودهم، ونصاراهم، ومجوسهم، وعبدة الأوثان منهم ومن غيرهم من سائر أصناف الكفر.
...

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: معناه: ثم قضى أجل الحياة الدنيا، { وأَجَلٌ مُسَمًّى عندهُ } وهو أجل البعث عنده.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأنه تعالى نبه خلقه على موضع حجته عليهم من أنفسهم، فقال لهم: أيها الناس، إن الذي يعدل به كفاركم الآلهة والأنداد هو الذي خلقكم فابتدأكم وأنشأكم من طين، فجعلكم صوراً أجساماً أحياء بعد إذ كنتم طيناً جماداً، ثم قضى آجال حياتكم لفنائكم ومماتكم، ليعيدكم تراباً وطيناً كالذي كنتم قبل أن ينشأكم ويخلقكم. { وأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ } لإعادتكم أحياء وأجساماً كالذي كنتم قبل مماتكم. وذلك نظير قوله:
{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ باللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتاً فأحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيْتُكُمْ ثُمَّ يُحُيِيكُمْ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ }
القول في تأويل قوله تعالى: { ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتُرُونَ }.

اسامة محمد خيري
01-01-2017, 05:15
اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قراء الحجاز والمدينة والبصرة: { مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ } بضم الياء وفتح الراء، بمعنى: من يصرف عنه العذاب يومئذ. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة «مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ» بفتح الياء وكسر الراء، بمعنى: من يصرف الله عنه العذاب يومئذ.

وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي، قراءة من قرأه: «يَصْرِفْ عَنْهُ» بفتح الياء وكسر الراء، لدلالة قوله: { فَقَدْ رَحِمَهُ } على صحة ذلك، وأن القراءة فيه بتسمية فاعله. ولو كانت القراءة في قوله: { مَنْ يُصْرَفُ } على وجه ما لم يسمّ فاعله، كان الوجه في قوله: { فَقَدْ رَحِمَهُ } أن يقال: «فقد رُحِم» غير مسمى فاعله وفي تسمية الفاعل في قوله: { فَقَدْ رَحِمَهُ } دليل على بين أن ذلك كذلك في قوله: { مَنْ يَصْرِفُ عَنْهُ }. وإذ كان ذلك هو الوجه الأولى بالقراءة، فتأويل الكلام: { مَنْ يَصْرِفْ عَنْهُ } من خلقه { يَوْمِئِذٍ } عذابه { فَقَدْ رَحِمَهُ وذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ المُبِينُ }. ويعني بقوله: { ذَلِكَ }: وصرف الله عنه العذاب يوم القيامة، ورحمته إياه { الفَوْزُ } أي النجاة من الهلكة والظفر بالطلبة { المُبِينُ } يعني الذي بين لمن رآه أنه الظفر بالحاجة وإدراك الطلبة.

اسامة محمد خيري
01-01-2017, 05:39
وقرأ ذلك جماعة من قرّاء الكوفيين: «ثمَّ لَمْ يَكُنْ» بالياء «فِتْنَتَهُمْ» بالنصب { إلاَّ أنْ قالُوا } بنحو المعنى الذي قصده الآخرون الذين ذكرنا قراءتهم، غير أنهم ذكروا يكون لتذكير أن وهذه القراءة عندنا أولى القراءتين بالصواب، لأن «أنْ» أثبت في المعرفة من الفتنة.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } فقال بعضهم: معناه: ثم لم يكن قولهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال قتادة في قوله: { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } قال: مقالتهم. قال معمر: وسمعت غير قتادة يقول: معذرتهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } قال: قولهم.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إلاَّ أنْ قالُوا... } الآية، فهو كلامهم، قالوا: { واللّهِ رَبِّنَا ما كُنَا مُشْرِكِينَ }.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال سمعت الضحاك: { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُم } ْ يعني كلامهم.

وقال آخرون: معنى ذلك معذرتهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة: { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } قال: معذرتهم.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إلاَّ أنْ قالُوا وَاللّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ } يقول: اعتذارهم بالباطل والكذب.

والصواب من القول في ذلك أن يقال معناه: ثم لم يكن قيلهم عند فتنتنا إياهم اعتذاراً مما سلف منهم من الشرك بالله، { إلا أنْ قالُوا وَاللّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ } فوضعت الفتنة موضع القول لمعرفة السامعين معنى الكلام.

وإنما الفتنة: الاختبار والابتلاء، ولكن لما كان الجواب من القوم غير واقع هنالك إلاَّ عند الاختبار، وضعت الفتنة التي هي الاختبار موضع الخبر عن جوابهم ومعذرتهم.

واختلفت القرّاء أيضاً في قراءة قوله: { وَاللّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ } فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة وبعض الكوفيين والبصريين: { وَاللّهِ رَبِّنا } خفضاً على أن «الرب» نعت لله. وقرأ ذلك جماعة من التابعين: «واللّهِ رَبِّنا» بالنصب بمعنى: والله يا ربنا، وهي قراءة عامة قرّاء أهل الكوفة.

وأولى القراءتين عندي بالصواب في ذلك قراءة من قرأ: «وَاللّهِ رَبِّنا» بنصب الربّ، بمعنى: يا ربنا. وذلك أن هذا جواب من المسئولين المقول لهم:
{ أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمونَ }
وكان من جواب القوم لربهم: والله يا ربنا ما كنا مشركين، فنفوا أن يكونوا قالوا ذلك في الدنيا. يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون، ويعني بقوله: { ما كُنَّا مُشْرِكِينَ } ما كنا ندعو لك شريكاً ولا ندعو سواك.

اسامة محمد خيري
01-01-2017, 05:47
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني سعيد بن أبي أيوب، قال: قال عطاء بن دينار في قوله الله: { وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأَوْنَ عَنْهُ } أنها نزلت في أبي طالب، أنه كان ينهى الناس عن إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وينأى عما جاء به من الهدى.

وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، قول من قال: تأويله: { وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ } عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم من سواهم من الناس، وينأوْنَ عن اتباعه. وذلك أن الآيات قبلها جرت بذكر جماعة المشركين العادلين به، والخبر عن تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والإعراض عما جاءهم به من تنزيل الله ووحيه، فالواجب أن يكون قوله: { وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ } خبراً عنهم، إذ لم يأتنا ما يدلّ على انصراف الخبر عنهم إلى غيرهم، بل ما قبل هذه الآية وما بعدها يدلّ على صحة ما قلنا من أن ذلك خبر عن جماعة مشركي قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أن يكون خبراً عن خاصّ منهم.

وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: وإن ير هؤلاء المشركون يا محمد كلّ آية لا يؤمنوا بها، حتى إذا جاءوك يجادلونك، يقولون: إن هذا الذي جئتنا به إلا أحاديث الأوّلين وأخبارهم، وهم ينهون عن استماع التنزيل وينأون عنك، فيبعدون منك ومن اتباعك. { وإنْ يُهْلِكُونَ إلاَّ أَنْفُسَهُمْ } يقول: وما يهلكون بصدّهم عن سبيل الله وإعراضهم عن تنزيله وكفرهم بربهم إلا أنفسهم لا غيرها، وذلك أنهم يكسبونها بفعلهم ذلك سخط الله وأليم عقابه وما لا قبل لها به. { وَما يَشْعُرُونَ } يقول: وما يدرون ما هم مكسبوها من الهلاك والعطب بفعلهم. والعرب تقول لكلّ من بعد عن شيء: قد نأي عنه، فهو ينأي نأياً، ومسموع منهم: نَأَيْتُك بمعنى نأيت عنك وأما إذا أرادوا: أبعدتك عني، قالوا: أنأيتك. ومن نأيتك بمعنى نأيت عنك قول الحطيئة:
نَأَتْكَ أُمامَةُ إلا سُؤَالاَ وأبْصَرْتَ مِنْها بطَيْفٍ خَيالاَ

اسامة محمد خيري
01-01-2017, 05:52
والقراءة التي لا أختار غيرها في ذلك: «يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذّبَ بآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ» بالرفع في كليهما، بمعنى: يا ليتنا نردّ، ولسنا نكذّب بآيات ربنا إن رددنا، ولكنا نكون من المؤمنين على وجه الخبر منهم عما يفعلون إن هم ردّوا إلى الدنيا، لا على التمني منهم أن لا يكذّبوا بآيات ربهم ويكونوا من المؤمنين لأن الله تعالى ذكره قد أخبر عنهم أنهم لو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه، وأنهم كذبة في قيلهم ذلك.

ولو كان قيلهم ذلك على وجه التمني لاستحال تكذيبهم فيه، لأن التمني لا يكذّب، وإنما يكون التصديق والتكذيب في الأخبار. وأما النصب في ذلك، فإني أظنّ بقارئه أنه برجاء تأويل قراءة عبد الله التي ذكرناها عنه، وذلك قراءته ذلك: «يا لَيْتَنا نُرَدُّ فَلا نُكَذّبَ بآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ» على وجه جواب التمني بالفاء. وهو إذا قرىء بالفاء كذلك لا شكّ في صحة إعرابه، ومعناه في ذلك أن تأويله إذا قرىء كذلك: لو أنا رُددنا إلى الدنيا ما كذّبنا بآيات ربنا، ولكنا من المؤمنين. فإن يكن الذي حَكَي عن العرب من السماع منهم الجواب بالواو و«ثم» كهئية الجواب بالفاء صحيحاً، فلا شكّ في صحة قراءة من قرأ ذلك:
{ يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذّبَ بآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ }
نصباً على جواب التمني بالواو، على تأويل قراءة عبد الله ذلك بالفاء، وإلا فإن القراءة بذلك بعيدة المعنى من تأويل التنزيل. ولست أعلم سماع ذلك من العرب صحيحاً، بل المعروف من كلامها الجواب بالفاء والصرف بالواو.

اسامة محمد خيري
01-01-2017, 06:17
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك بمعنى: أنهم لا يكذّبونك فيما أتيتهم به من وحي الله، ولا يدفعون أن يكون ذلك صحيحاً بل يعلمون صحته، ولكنهم يجحدون حقيقته قولاً فلا يؤمنون به. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يحكي عن العرب أنهم يقولون: أكذبت الرجل: إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه. قال: ويقولون: كذبته: إذا أخبرت أنه كاذب. وقرأته جماعة من قرّاء المدينة والعراقيين والكوفة والبصرة: { فإنَّهُمْ لا يُكَذّبونَكَ } بمعنى: أنهم لا يكذّبونك علماً، بل يعلمون أنك صادق، ولكنهم يكذّبونك قولاً، عناداً وحسداً.

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكلّ واحدة منهما جماعة من القرّاء، ولكل واحدة منهما في الصحة مخرج مفهوم. وذلك أن المشركين لا شكّ أنه كان منهم قوم يكذّبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدفعونه عما كان الله تعالى خصه به من النبوّة فكان بعضهم يقول: هو شاعر، وبعضهم يقول: هو كاهن، وبعضهم يقول: هو مجنون وينفي جميعهم أن يكون الذي أتاهم به من وحي السماء ومن تنزيل ربّ العالمين قولاً. وكان بعضهم قد تبين أمره وعلم صحة نبوّته، وهو في ذلك يعاند ويجحد نبوّته حسداً له وبغياً. فالقارىء: «فإنهم لا يُكْذِبُونك» يعني به: أن الذين كانوا يعرفون حقيقة نبوّتك وصدق قولك فيما تقول، يجحدون أن يكون ما تتلوه عليهم من تنزيل الله ومن عند الله قولاً، وهم يعلمون أن ذلك من عند الله علماً صحيحاً مصيبٌ. لما ذكرنا من أنه قد كان فيهم من هذه صفته. وفي قول الله تعالى في هذه السورة:
{ الَّذِينَ آتَيْناهُمْ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كمَا يَعْرِفونَ أبْناءَهُمْ }
أوضح الدليل على أنه قد كان فيهم العناد في جحود نبوّته صلى الله عليه وسلم، مع علم منهم به وصحة نبوّته. وكذلك القارىء: «فإنهم لا يُكَذِّبُونَكَ»: يعني: أنهم لا يكذّبون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عناداً لا جهلاً بنبوّته وصدق لهجته مصيبٌ. لما ذكرنا من أنه قد كان فيهم مَن هذه صفته. وقد ذهب إلى كلّ واحد من هذين التأويلين جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال: معنى ذلك: فإنهم لا يكذّبونك، ولكنهم يجحدون الحقّ على علم منهم بأنك نبيّ لله صادق.

اسامة محمد خيري
01-01-2017, 06:30
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى أخبر أن كلّ دابة وطائر محشور إليه، وجائز أن يكون معنياً بذلك حشر القيامة، وجائز أن يكون معنياً به حشر الموت، وجائز أن يكون معنياً به الحشران جميعاً. ولا دلالة في ظاهر التنزيل ولا في خبر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أيّ ذلك المراد بقوله: { ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } إذ كان الحشر في كلام العرب: الجمع، ومن ذلك قول الله تعالى: { والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أوَّابٌ } يعني مجموعة: فإذ كان الجمع هو الحشر وكان الله تعالى جامعاً خلقه إليه يوم القيامة وجامعهم بالموت، كان أصوب القول في ذلك أن يُعمّ بمعنى الآية ما عمه الله بظاهرها، وأن يقال: كلّ دابة وكلّ طائر محشور إلى الله بعد الفناء وبعد بعث القيامة، إذ كان الله تعالى قد عمّ بقوله: { ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } ولم يخصص به حشراً دون حشر.

فإن قال قائل: فما وجه قوله: { وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ } وهل يطير الطائر إلاَّ بجناحيه؟ فما في الخبر عن طيرانه بالجناحين من الفائدة؟ قيل: قد قدمنا القول فيما مضى أن الله تعالى أنزل هذا الكتاب بلسان قوم وبلغاتهم وما يتعارفونه بينهم ويستعملونه في منطقهم خاطبهم، فإذ كان من كلامهم إذا أرادوا المبالغة في الكلام أن يقولوا: كلمت فلاناً بفمي، ومشيت إليه برجلي، وضربته بيدي خاطبهم تعالى بنظير ما يتعارفونه في كلامهم ويستعملونه في خطابهم، ومن ذلك قوله تعالى:
{ إنَّ هَذَا أخي لَهُ تسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً ولي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ }

اسامة محمد خيري
02-01-2017, 05:22
اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله تعالى بهذه الآية: فقال بعضهم: عَنَى بها الذين نهي الله نبيه عن طردهم، وقد مضت الرواية بذلك عن قائليه.

وقال آخرون: عنى بها قوماً استفتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم في ذنوب أصابوها عظام، فلم يؤيسهم الله من التوبة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، عن مجمع، قال: سمعت ماهان، قال: جاء قوم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أصابوا ذنوباً عظاماً. قال ماهان: فما أخاله ردّ عليهم شيئاً. قال: فأنزل الله هذه الآية: { وَإذَا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ... } الآية.

حدثنا هناد، قال: ثنا قيصة، عن سفيان، عن مجمع، عن ماهان: أن قوماً جاءوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد إنا أصبنا ذنوباً عظاماً فما أخاله ردّ عليهم شيئاً، فانصرفوا، فأنزل الله تعالى: { وَإذَا جاءَكَ الَّذِينَ يؤْمِنُونَ بآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرَّحْمَة } قال: فدعاهم، فقرأها عليهم.

حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن مجمع التميمي، قال: سمعت ماهان يقول، فذكر نحوه.

وقال آخرون: بل عُني بها قوم من المؤمنين كانوا أشاروا على النبيّ صلى الله عليه وسلم بطرد القوم الذين نهاه الله عن طردهم، فكان ذلك منهم خطيئة، فغفرها الله لهم وعفا عنهم، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم إذا أتوه أن يبشرهم بأن قد غفر لهم خطيئتهم التي سلفت منهم بمشورتهم على النبيّ صلى الله عليه وسلم بطرد القوم الذين أشاروا عليه بطردهم. وذلك قول عكرمة وعبد الرحمن بن زيد، وقد ذكرنا الرواية عنهما بذلك قبل.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بتأويل الآية، قول من قال: المعنيون بقوله: { وَإذَا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ } غير الذين نُهى الله النبيّ صلى الله عليه وسلم عن طردهم، لأن قوله: { وَإذَا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بآياتنا } خبر مستأنف بعد تقصي الخبر عن الذين نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن طردهم، ولو كانوا هم لقيل: «وإذا جاءوك فقل سلام عليكم»، وفي ابتداء الله الخبر عن قصة هؤلاء وتركه وصل الكلام بالخبر عن الأوّلين ما ينبىء عن أنهم غيرهم.

فتأويل الكلام إذ كان الأمر على ما وصفنا: وإذا جاءك يا محمد القوم الذين يصدّقون بتنزيلنا وأدلتنا وحججنا فيقرّون بذلك قولاً وعملاً، مسترشديك عن ذنوبهم التي سلفت منهم بيني وبينهم، هل لهم منها توبة؟ فلا تؤيسهم منها، وقل لهم: سلام عليكم: أمنة الله لكم من ذنوبكم أن يعاقبكم عليها بعد توبتكم منها، { كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرَّحْمَة } يقول: قضى ربكم الرحمة بخلقه، { أنَّه مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وأصْلَحَ فإنَّه غَفُورٌ رَحيمٌ }.

...

واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدنيين: { أنَّه مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا } فيحعلون «أنّ» منصوبة على الترجمة بها عن الرحمة، «ثمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وأصْلَحَ فإنَّه عَفُورٌ رَحِيمٌ» على ائتناف «إنه» بعد الفاء فيكسرونها ويجعلونها أداة لا موضع لها، بمعنى: فهو له غفور رحيم، أو فله المغفرة والرحمة. وقرأهما بعض الكوفيين بفتح الألف منهما جميعاً، بمعنى: كتب ربكم على نفسه الرحمة، ثم ترجم بقوله: { أنَّه مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ } عن الرحمة { فأنَّهُ غَفُورٌ رَحيمٌ } ، فيعطف «فأنه» الثانية على «أنه» الأولى، ويجعلهما اسمين منصوبين على ما بينت. وقرأ ذلك بعض المكيين وعامة قرّاء أهل العراق من الكوفة والبصرة بكسر الألف من «إنه» و «فإنه» على الابتداء، وعلى أنهما أداتان لا موضع لهما.

وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب، قراءة من قرأهما بالكسر: «كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ إنَّهُ» على ابتداء الكلام، وأن الخبر قد انتهى عند قوله: { كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } ثم استؤنف الخبر عما هو فاعل تعالى ذكره بمن عمل سوءاً بجهال ثم تاب وأصلح منه.

اسامة محمد خيري
02-01-2017, 05:27
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: «وَلِتَسْتبِينَ سَبِيل المُجْرِمِينَ» قال: الذين يأمرونك بطرد هؤلاء.

وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض البصريين: { ولِتَسْتَبِينَ } بالتاء { سَبِيلُ المُجْرِمِينَ } برفع السبيل على أن القصد للسبيل، ولكنه يؤنثها. وكأن معنى الكلام عندهم: وكذلك نفصّل الآيات ولتتضح لك وللمؤمنين طريق المجرمين. وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة: «ولِيَسْتَبِينَ» بالياء { سَبِيلُ المُجْرِمِينَ } برفع السبيل على أن الفعل للسبيل ولكنهم يذكرونه. ومعنى هؤلاء في هذا الكلام، ومعنى من قرأ ذلك بالتاء في: { ولِتَسْتَبِينَ } ورفع السبيل واحدٌ، وإنما الاختلاف بينهم في تذكير السبيل وتأنيثها.

وأولى القراءتين بالصواب عندي في «السبيل» الرفع، لأن الله تعالى ذكره فصّل آياته في كتابه وتنزيله، ليتبَيَّن الحقّ بها من الباطل جميع من خوطب بها، لا بعض دون بعض. ومن قرأ «السبيل» بالنصب، فإنما جعل تبيين ذلك محصوراً على النبيّ صلى الله عليه وسلم. وأما القراءة في قوله: { وَلِتَسْتَبِينَ } فسواء قُرِئت بالتاء أو بالياء، لأن من العرب من يذكر السبيل وهم تميم وأهل نجد، ومنهم من يؤنث السبيل وهم أهل الحجاز، وهما قراءتان مستفيضتان في قرّاء الأمصار ولغتان مشهورتان من لغات العرب، وليس في قراءة ذلك بإحداهما خلاف لقراءته بالأخرى ولا وجه لاختيار إحداهما على الأخرى بعد أن يرفع السبيل للعلة التي ذكرنا.

اسامة محمد خيري
02-01-2017, 05:30
واختلفت القراء في قراءة قوله: «يَقْضِي الحَقّ» فقرأه عامة قرّاء الحجاز والمدينة وبعض قرّاء أهل الكوفة والبصرة: { إن الحُكْمُ إلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الحَقَّ } بالصاد بمعنى القصص، وتأوّلوا في ذلك قول الله تعالى:
{ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ }
وذكر ذلك عن ابن عباس.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: { يَقُصُّ الحَقَّ } ، وقال: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ.

وقرأ ذلك جماعة من قرّاء الكوفة والبصرة: «إن الحُكْمُ إلاَّ لِلّهِ يَقْضِي الحَقَّ» بالضاد من القضاء بمعنى الحكم والفصل بالقضاء. واعتبروا صحة ذلك بقوله: { وَهُوَ خَيْرُ الفاصلِين } َ وأن الفصل بين المختلفين إنما يكون بالقضاء لا بالقصص.

وهذه القراءة عندنا أولى القراءتين بالصواب لما ذكرنا لأهلها من العلة. فمعنى الكلام إذن: ما الحكم فيما تستعجلون به أيها المشركون من عذاب الله وفيما بيني وبينكم، إلاَّ لله الذي لا يجور في حكمه، وبيده الخلق والأمر، يقضي الحقّ بيني وبينكم، وهو خير الفاصلين بيننا بقضائه وحكمه.

اسامة محمد خيري
02-01-2017, 21:11
حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { قُلْ هُوَ القَادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ } يعني: من أمرائكم، { أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ } يعني: سفلتكم.

وأولى التأويلين في ذلك بالصواب عندي قول من قال: عنى بالعذاب من فوقهم الرجم أو الطوفان وما أشبه ذلك مما ينزل عليهم من فوق رءوسهم، ومن تحت أرجلهم: الخسف وما أشبهه. وذلك أن المعروف في كلام العرب من معنى «فوق» و «تحت» الأرجل، هو ذلك دون غيره، وإن كان لما رُوي عن ابن عباس في ذلك وجه صحيح، غير أن الكلام إذا تنوع في تأويله فحمله على الأغلب الأشهر من معناه أحقّ وأولى من غيره ما لم يأت حجة مانعة من ذلك يجب التسليم لها......

حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن هارون بن موسى، عن حفص بن سليمان، عن الحسن، في قوله: { قُل هُوَ القَادِرُ على أن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِن فَوقِكُم أو مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ } قال: هذا للمشركين، { أو يَلْبِسَكُم شِيَعاً ويُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } قال هذا للمسلمين.

والصواب من القول عندي أن يقال: إن الله تعالى توعده بهذه الآية أهل الشرك به من عبدة الأوثان وإياهم خاطب بها، لأنها بين إخبار عنهم وخطاب لهم، وذلك أنها تتلو قوله:
{ قُلْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ البَرّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أنجانا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللَّهُ يُنْجِّيكُمْ مِنُها وَمِنْ كُلّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ }
ويتلوها قوله:
{ وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحَقُّ }
وغير جائز أن يكون المؤمنون كانوا به مكذّبين. فإذا كان غير جائز أن يكون ذلك كذلك، وكانت هذه الآية بين هاتين الآيتين، كان بيناً أن ذلك وعيد لمن تقدّم وصف الله إياه بالشرك وتأخر الخبر عنه بالتكذيب، لا لمن لم يجر له ذكر غير أن ذلك وإن كان كذلك فإنه قد عمّ وعيده بذلك كل من سلك سبيلهم من أهل الخلاف على الله وعلى رسوله والتكذيب بآيات الله من هذه وغيرها. وأما الأخبار التي رُوِيت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سألْتُ رَبي ثَلاثاً، فأعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً فجائز أن هذه الآية نزلت في ذلك الوقت وعيداً لمن ذكرت من المشركين ومن كان على منهاجهم من المخالفين ربهم، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن يعيذ أمته مما ابتلى به الأمم الذين استوجبوا من الله تعالى بمعصيتهم إياه هذه العقوبات فأعاذهم بدعائه إياه ورغبته إياه من المعاصي التي يستحقون بها من هذه الخلال الأربع من العقوبات أغلظها، ولم يعذهم من ذلك ما يستحقون به اثنتين منها. وأما الذين تأوّلوا أنه عني بجميع ما في هذه الآية هذه الأمة، فإني أراهم تأوّلوا أن في هذه الأمة من سيأتي من معاصي الله وركوب ما يسخط الله نحو الذي ركب من قبلهم من الأمم السالفة من خلافه والكفر به، فيحلّ بهم مثل الذي حلّ بمن قبلهم من المثلاث والنَّقِمات وكذلك قال أبو العالية ومن قال بقوله: جاء منهنّ اثنتان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ " وأنَّ قَوْماً مِنْ أُمَّتِهِ سَيَبِيتُونَ على لَهْوٍ وَلَعِبٍ ثُمَّ يُصْبِحُونَ قِرَدَةً وَخَنازِيرَ وذلك إذا كان، فلا شكّ أنه نظير الذي في الأمم الذين عتوا على ربهم في التكذيب وجحدوا آياته. وقد رُوِي نحو الذي روي عن أبي العالية، عن أبيّ.

حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا سفيان، قال: أخبرنا أبي، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب: { قُل هُوَ القَادِرُ على أن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِن فَوقِكُم أو مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ أو يَلْبِسَكُم شِيَعاً } قال: أربع خلال، وكلهنّ عذاب، وكلهنّ واقع قبل يوم القيامة، فمضت اثنتان بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة: أُلبسوا شيعاً، وأذيق بعضهم بأس بعض، وثنتان واقعتان لا محالة: الخسف، والرجم.

اسامة محمد خيري
02-01-2017, 21:36
وقال آخرون في تأويل ذلك، بما:

حدثني به محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الأرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أصحَابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدَى } فهو الرجل الذي لا يستجيب لهدى الله، وهو رجل أطاع الشيطان وعمل في الأرض بالمعصية وحار عن الحقّ وضلّ عنه، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى ويزعمون أن الذي يأمرونه هدى، يقول الله ذلك لأوليائهم من الإنس: إن الهدى هدى الله، والضلالة ما تدعو إليه الجنّ.

فكأن ابن عباس على هذه الرواية يرى أن أصحاب هذا الحيران الذين يدعونه إنما يدعونه إلى الضلال ويزعمون أن ذلك هدى، وأن الله أكذبهم بقوله: { قُلْ إنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الهُدَى } لا ما يدعوه إليه أصحابه.

وهذا تأويل له وجه لو لم يكن الله سمى الذي دعا الحيران إليه أصحاب هدى، وكان الخبر بذلك عن أصحابه الدعاة له إلى ما دعوه إليه، أنهم هم الذين سموه، ولكن الله سماه هدى، وأخبر عن أصحاب الحيران أنهم يدعونه إليه. وغير جائز أن يسمي الله الضلال هدى لأن ذلك كذب، وغير جائز وصف الله بالكذب لأن ذلك وصفه بما ليس من صفته. وإنما كان يجوز توجيه ذلك إلى الصواب لو كان ذلك خبراً من الله عن الداعي الحيران أنهم قالوا له: تعال إلى الهدى فأما وهو قائل: يدعونه إلى الهدى، فغير جائز أن يكون ذلك وهم كانوا يدعونه إلى الضلال.

اسامة محمد خيري
02-01-2017, 21:45
وقال آخرون: بل معنى الكلام: ويوم يقول لما فني: «كن» فيكون قوله الحقّ، فجعل القول مرفوعاً بقوله: { وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ } وجعل قوله: «كن فيكون» للقول محلاًّ، وقوله: { يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ } من صلة «الحقّ». كأنه وجَّه تأويل ذلك إلى: ويومئذ قوله الحقّ يوم يُنْفخ في الصور. وإن جعل على هذا التأويل: يوم ينفخ في الصور، بياناً عن اليوم الأوّل، كان وجهاً صحيحاً، ولو جعل قوله: { قَوْلُهُ الحَقُّ } مرفوعاً بقوله: { يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ } وقوله: { يَوْمَ يُنْفَخُ في الصورِ } محلاًّ وقوله: { وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ } من صلته كان جائزاً.

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنه المنفرد بخلق السموات والأرض دون كلّ ما سواه، معرّفاً من أشرك به من خلقه جهله في عبادة الأوثان والأصنام وخطأ ما هم عليه مقيمون من عبادة ما لا يضرّ ولا ينفع ولا يقدر على اجتلاب نفع إلى نفسه ولا دفع ضرّ عنها، ومحتجًّا عليهم في إنكارهم البعث بعد الممات والثواب والعقاب بقدرته على ابتداع ذلك ابتداء، وأن الذي ابتدع ذلك غير متعذّر عليه إفناؤه ثم إعادته بعد إفنائه، فقال: وهو الذي خلق أيها العادلون بربهم من لا ينفع ولا يضرّ ولا يقدر على شيء، السمواتِ والأرضَ بالحقّ، حجة على خلقه، ليعرفوا بها صانعها وليستدلوا بها على عظيم قدرته وسلطانه، فيخلصوا له العبادة. { وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ } يقول: ويوم يقول حين تبدّل الأرض غير الأرض والسموات كذلك: «كن فيكون»، كما شاء تعالى ذكره، فتكون الأرض غير الأرض عند قوله «كن»، فيكون متناهياً. وإذا كان كذلك معناه وجب أن يكون في الكلام محذوف يدلّ عليه الظاهر، ويكون معنى الكلام: ويوم يقول لذلك كن فيكون تبدّل غير السموات والأرض، ويدلّ على ذلك قوله: { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأرْضَ بالحَقّ } ثم ابتدأ الخبر عن القول فقال: { قَوْلُهُ الحَقُّ } بمعنى: وعده هذا الذي وعد تعالى ذكره من تبديله السموات والأرض غير الأرض والسموات، الحقّ الذي لا شك فيه، { وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ } فيكون قوله: { يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ } من صلة «الملك»، ويكون معنى الكلام: ولله الملك يومئذ لأن النفخة الثانية في الصور حال تبديل الله السموات والأرض وغيرهما. وجائز أن يكون القول، أعني قوله: { الحَقُّ } مرفوعاً بقوله: { ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ } ، ويكون قوله: { كُنْ فَيَكُونُ } محلاًّ للقول مرافعاً. فيكون تأويل الكلام: وهو الذي خلق السموات والأرض بالحقّ، ويوم يبدّلها غير السموات والأرض فيقول لذلك كن فيكون قوله الحقّ.
...

واختلف في معنى الصور في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو قرن ينفخ فيه نفختان: إحداهما لفناء من كان حيًّا على الأرض، والثانية لنشر كلّ ميت. واعتلوا لقولهم ذلك بقوله:
{ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فصَعِقَ وَمَنْ فِي الأرْضِ إلاَّ مَنْ شاءَ اللّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فإذَا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ }
وبالخبر الذي روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذْ سئل عن الصور: " هُوَ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ ". وقال آخرون: الصور في هذا الموضع: جمع صورة ينفخ فيها روحها فتحيا، كقولهم سُور لسور المدينة، وهو جمع سورة، كما قال جرير:
سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ
والعرب تقول: نفخ في الصور، ونفخ الصورَ. ومن قولهم: نفخ الصور، قول الشاعر:
لَوْلا ابنُ جَعْدَة لم تُفْتَح قُهُنْدُزُكُمْ وَلا خُرَاسانُ حتى يُنْفَخَ الصُّورُ
والصواب من القول في ذلك عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " إنَّ إسْرَافِيلَ قَدِ الْتَقَمَ الصُّورَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيُنْفَخُ " وأنه قال: " الصُّورُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ " وذكر عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله: { يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهادَةِ } يعني: أن عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور.

حدثني به المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: { عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ } يعني: أن عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور.

فكأن ابن عباس تأوّل في ذلك أن قوله: { عالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهادَةِ } اسم الفاعل الذي لم يسمّ في قوله: { يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ } وأن معنى الكلام: يوم ينفخ الله في الصور عالم الغيب والشهادة، كما تقول العرب: أُكل طعامُك عبد الله، فتظهر اسم الآكل بعد أن قد جرى الخبر بما لم يسمّ آكله. وذلك وإن كان وجهاً غير مدفوع، فإن أحسن من ذلك أن يكون قوله: { عالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهادَةِ } مرفوعاً على أنه نعت للذي» في قوله: { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأرْضَ بالحَقّ }. ورُوِي عنه أيضاً أنه كان يقول: الصور في هذا الموضع: النفخة الأولى.

اسامة محمد خيري
03-01-2017, 05:11
وإذ كان ذلك هو الصواب من القراءة وكان غير جائز أن يكون منصوباً بالفعل الذي بعد حرف الاستفهام، صحّ لك فتحه من أحد وجهين: إما أن يكون اسماً لأبي إبراهيم صلوات الله عليه وعلى جميع أنبيائه ورسله، فيكون في موضع خفض ردًّا على الأب، ولكنه فتح لما ذكرت من أنه لما كان اسماً أعجميًّا ترك إجراؤه، ففتح كما فتح العرب في أسماء العجم. أو يكون نعتاً له، فيكون أيضاً خفضاً بمعنى تكرير اللام عليه، ولكنه لما خرج مخرج أحمر وأسود ترك إجراؤه وفعل له كما يفعل بأشكاله. فيكون تأويل الكلام حينئذ: وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر: أتتخذ أصناماً آلهة؟ وإن لم يكن له وجهة في الصواب إلاَّ أحد هذين الوجهين، فأولى القولين بالصواب منهما عندي، قول من قال: هو اسم أبيه لأن الله تعالى أخبر أنه أبوه. وهو القول المحفوظ من قول أهل العلم دون القول الآخر الذي زعم قائله أنه نعت.

فإن قال قائل: فإن أهل الأنساب إنما ينسبون إبراهيم إلى تارح، فكيف يكون آزر اسماً له والمعروف به من الاسم تارح؟ قيل له: غير محال أن يكون له اسمان، كما لكثير من الناس في دهرنا هذا، وكان ذلك فيما مضى لكثير منهم. وجائز أن يكون لقباً، والله تعالى أعلم.

اسامة محمد خيري
03-01-2017, 05:14
وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب، قول من قال: عنى الله تعالى بقوله: { وكَذَلِكَ نُرِى إبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ والأرْضِ } أنه أراه ملك السموات والأرض، وذلك ما خلق فيهما من الشمس والقمر والنجوم والشجر والدوابّ وغير ذلك من عظيم سلطانه فيهما، وجلَّى له بواطن الأمور وظواهرها لما ذكرنا قبل من معنى الملكوت في كلام العرب فيما مضى قبل.

اسامة محمد خيري
03-01-2017, 05:18
وأنكر قوم من غير أهل الرواية هذا القول الذي رُوي عن ابن عباس، وعمن رُوِي عنه من أن إبراهيم قال للكوكب أو للقمر: هذا ربي وقالوا: غير جائز أن يكون لله نبيّ ابتعثه بالرسالة أتى عليه وقت من الأوقات وهو بالغ إلاَّ وهو لله موحد وبه عارف ومن كلّ ما يعبد من دونه برىء. قالوا: ولو جاز أن يكون قد أتى عليه بعض الأوقات وهو به كافر لم يجز أن يختصه بالرسالة، لأنه لا معنى فيه إلاَّ وفي غيره من أهل الكفر به مثله، وليس بين الله وبين أحد من خلقه مناسبة فيحابيه باختصاصه بالكرامة. قالوا: وإنما أكرم من أكرم منهم لفضله في نفسه، فأثابه لاستحقاقه الثواب بما أثابه من الكرامة. وزعموا أن خبر الله عن قيل إبراهيم عند رؤيته الكوكب أو القمر أو الشمس: «هذا ربي»، لم يكن لجهله بأن ذلك غير جائز أن يكون ربه وإنما قال ذلك على وجه الإنكار منه أن يكون ربه، وعلى العيب لقومه في عبادتهم الأصنام، إذ كان الكوكب والقمر والشمس أضوأَ وأحْسَنَ وأبهجَ من الأصنام، ولم تكن مع ذلك معبودة، وكانت آفلة زائلة غير دائمة، والأصنام التي دونها في الحسن وأصغر منها في الجسم، أحقّ أن لا تكون معبودة ولا آلهة. قالوا: وإنما قال ذلك لهم معارضة، كما يقول أحد المتناظرين لصاحبه معارضاً له في قول باطل قال به بباطل من القول على وجه مطالبته إياه بالفرقان بين القولين الفاسدين عنده اللذين يصحح خصمه أحدهما ويدَّعي فساد الآخر. وقال آخرون منهم: بل ذلك كان منه في حال طفوليته وقبل قيام الحجة عليه، وتلك حال لا يكون فيها كفر ولا إيمان. وقال آخرون منهم: وإنما معنى الكلام: أهذا ربي على وجه الإنكار والتوبيخ أي ليس هذا ربي. وقالوا: قد تفعل العرب مثل ذلك، فتحذف الألف التي تدلّ على معنى الاستفهام. وزعموا أن من ذلك قول الشاعر:
رفُونِي وقالُوا يا خُوَيلِدُ لا تُرَعْ فقلتُ وأنكرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ
يعني: «أهم هم»؟ قالوا: ومن ذلك قول أوس:
لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنْ كُنْتَ دَارِياً شُعَيْثُ بنُ سَهْمٍ أمْ شُعَيْثُ ابنُ مِنْقَرِ
بمعنى: أشعيث بن سهم؟ فحذف الأولف. ونظائر ذلك. وأما تذكير «هذا» في قوله:
{ فَلَمَّا رأى الشمْسَ بازِغَةً قالَ هَذَا رَبي }
فإنما هو على معنى: هذا الشيء الطالع ربي.

وفي خبر الله تعالى عن قيل إبراهيم حين أفل القمر:
{ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبي لأَكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضَّالِّينَ }
الدليل على خطأ هذه الأقوال التي قالها هؤلاء القوم. وأن الصواب من القول في ذلك: الإقرار بخبر الله تعالى الذي أخبر به عنه والإعراض عما عداه.

ملحوظة

مارجحه الطبري مرجوح لاراجح والله اعلم

اسامة محمد خيري
03-01-2017, 05:38
وقال آخرون: هذا جواب من قوم إبراهيم صلى الله عليه وسلم لإبراهيم حين قال لهم: أيّ الفريقين أحقّ بالأمن؟ فقالوا له: الذين آمنوا بالله فوحدوه أحقّ بالأمن إذا لم يلبسوا إيمانهم بظلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج:
{ فأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بالأَمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ }
أمن يعبد رباً واحداً أم من يعبد أرباباً كثيرة؟ يقول قومه: { الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ } بعبادة الأوثان، وهي حجة إبراهيم { أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنَ وَهُمْ مُهْتَدُونَ }.

وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: هذا خبر من الله تعالى عن أولى الفريقين بالأمن، وفصل قضاء منه بين إبراهيم صلى الله عليه وسلم وبين قومه، وذلك أن ذلك لو كان من قول قوم إبراهيم الذين كانوا يعبدون الأوثان ويشركونها في عبادة الله، لكانوا قد أقرّوا بالتوحيد واتبعوا إبراهيم على ما كانوا يخالفونه فيه من التوحيد، ولكنه كما ذكرت من تأويله بدءاً....

وذكر من قال: عُنِيَ بها المهاجرون خاصة:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمان وحميد بن عبد الرحمن، عن قيس بن الربيع، عن سماك، عن عكرمة: { الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ } قال: هي لمن هاجر إلى المدينة.

وأولى القولين بالصحة في ذلك، ما صح في ذلك، ما صحّ به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الخبر الذي رواه بن مسعود عنه أنه قال: " الظُّلْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالى فِي هَذَا المَوْضِعِ هُوَ الشِّرْكُ ". وأما قوله: { أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ } فإنه يعني: هؤلاء الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بشرك، لهم الأمن يوم القيامة من عذاب الله، { وَهُمْ مُهْتَدُونَ } يقول: وهم المصيبون سبيل الرشاد والسالكون طريق النجاة.

اسامة محمد خيري
03-01-2017, 05:43
{ وَمِنْ ذُرّيَّتِهِ دَاوُدَ } والهاء التي في قوله: { وَمِنْ ذُرّيَّتِهِ } من ذكر نوح، وذلك أن الله تعالى ذكر في سياق الآيات التي تتلو هذه الآية لوطاً، فقال:
{ وإسْمَاعِيلَ واليَسَعَ وَيُونُس وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنا على العالَمِينَ }
ومعلوم أن لوطاً لم يكن من ذرية إبراهيم صلى الله عليه وسلم أجمعين. فإذا كان ذلك، وكان معطوفاً على أسماء من سمينا من ذرّيته، كان لا شكّ أنه لو أريد بالذرية ذرّية إبراهيم لما دخل يونس ولوط فيهم، ولا شكّ أن لوطاً ليس من ذرّية إبراهيم ولكنه من ذرّية نوح، فلذلك وجب أن تكون الهاء في «الذرّية» من ذكر نوح.

اسامة محمد خيري
03-01-2017, 05:52
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: { فإنْ يَكْفُرْ بهَا هَؤلاءِ } قال: يعني: قوم محمد، ثم قال: { فَقَدْ وَكَّلْنَا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكَافِرِينَ } يعني: النبيين الذين قصّ قبل هذه الآية قصصهم، ثم قال: { أولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ }.

وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك بالصواب، قول من قال: عنى بقوله: { فإنْ يَكْفُرْ بهَا هَؤلاءِ } كفار قريش، { فَقَدْ وَكَّلْنَا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكَافِرِينَ } يعني به: الأنبياء الثمانية عشر الذين سماهم الله تعالى ذكره في الآيات قبل هذه الآية. وذلك أن الخبر في الآيات قبلها عنهم مضى وفي التي بعدها عنهم ذكر، ففيما بينهما بأن يكون خبراً عنهم أَوْلَى وأحقّ من أن يكون خبراً عن غيرهم.

فتأويل الكلام إذا كان ذلك كذلك: فإن يكفر قومك من قريش يا محمد بآياتنا، وكذّبوا وجحدوا حقيقتها، فقد استحفظناها واسترعينا القيام بها رسلنا وأنبياءنا من قبلك الذين لا يجحدون حقيقتها ولا يكذّبون بها، ولكنهم يصدّقون بها ويؤمنون بصحتها. وقد قال بعضم: معنى قوله: { فَقَدْ وَكَّلْنَا بِها قَوْماً }: رزقناها قوماً.

اسامة محمد خيري
03-01-2017, 06:00
وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال: عني بقوله: { وما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ } مشركو قريش. وذلك أن ذلك في سياق الخبر عنهم أوّلاً، فأن يكون ذلك أيضاً خبراً عنهم أشبه من أن يكون خبراً عن اليهود ولما يجر لهم ذكر يكون هذا به متصلاً، مع ما في الخبر عمن أخبر الله عنه في هذه الآية من إنكاره أن يكون الله أنزل على بشر شيئاً من الكتب وليس ذلك مما تدين به اليهود، بل المعروف من دين اليهود الإقرار بصحف إبراهيم وموسى وزبور داود. وإذا لم يكن بما روي من الخبر بأن قائل ذلك كان رجلاً من اليهود خبر صحيح متصل السند، ولا كان على أن ذلك كان كذلك من أهل التأويل إجماع، وكان الخبر من أوّل السورة ومبتدئَها إلى هذا الموضع خبراً عن المشركين من عبدة الأوثان، وكان قوله: { وَما قَدَرُوا حَقَّ اللّهَ قَدْرِهِ } موصولاً بذلك غير مفصول منه، لم يجز لنا أن ندّعي أن ذلك مصروف عما هو به موصول إلاَّ بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل ولكني أظنّ أن الذين تأوّلوا ذلك خبراً عن اليهود، وجدوا قوله: «قُلْ مَنْ أنزل الكتابَ الَّذِي جاء بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى للنَّاسِ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيراً وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ وَلا آباؤكُمْ» فوجهوا تأويل ذلك إلى أنه لأهل التوراة، فقرءوه على وجه الخطاب لهم: { تجعلونه قراطِيس تبدونها وتخفون كثيراً وعلَّمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم } فجعلوا ابتداء الآية خبراً عنهم، إذ كانت خاتمتها خطاباً لهم عندهم. وغير ذلك من التأويل والقراءة أشبه بالتنزيل، لما وصفت قبل من أن قوله: { وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } في سياق الخبر عن مشركي العرب وعبدة الأوثان، وهو به متصل، فالأولى أن يكون ذلك خبراً عنهم.

والأصوب من القراءة في قوله: «يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيراً» أن يكون بالياء لا بالتاء، على معنى أن اليهود يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً، ويكون الخطاب بقوله: { قُلْ منْ أنزلَ الكتابَ } لمشركي قريش. وهذا هو المعنى الذي قصده مجاهد إن شاء الله في تأويل ذلك، وكذلك كان يقرأ.

حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن أيوب، عن مجاهد أنه كان يقرأ هذا الحرف: «يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَها ويُخْفُونَ كَثِيراً».

اسامة محمد خيري
03-01-2017, 06:14
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، أن يقال: إن الله قال: { وَمَنْ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى على الله كَذِبا أوْ قالَ أُوحِيَ إليَّ وَلمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ } ولا تَمَانُعَ بين علماء الأمة أن ابن أبي سرح كان ممن قال: إني قد قلت مثل ما قال محمد، وأنه ارتدّ عن إسلامه ولحق بالمشركين. فكان لا شكّ بذلك من قيله مفترياً كذباً. وكذلك لا خلاف بين الجميع أن مسيلمة والعنسيّ الكذّابين ادّعيا على الله كذباً أنه بعثهما نبيين، وقال كلّ واحد منهما: إن الله أوحى إليه وهو كاذب في قيله.

فإذا كان ذلك كذلك فقد دخل في هذه الآية كل من كان مختلقاً على الله كذباً وقائلاً في ذلك الزمان وفي غيره أوحى الله إليه، وهو في قيله كاذب لم يوح الله إليه شيئاً فأما التنزيل فإنه جائز أن يكون نزل بسبب بعضهم وجائز أن يكون نزل بسبب جميعهم وجائز أن يكون عُني به جميع المشركين من العرب إذ كان قائلو ذلك منهم فلم يغيروه فعيرهم الله بذلك وتوعدهم بالعقوبة على تركهم نكير ذلك ومع تركهم نكيره هم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مكذبون ولنبوته جاحدون ولآيات كتاب الله وتنزيله دافعون، فقال لهم جل ثناؤه: ومن أظلم ممن ادعى على النبوّة كاذباً وقال { أوحيَ إليَّ وَلمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ } ومع ذلك يقول { ما أنْزَلَ اللّهُ على بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ } فينقض قوله بقوله ويكذب بالذي تحققه وينفى ما يثبته وذلك إذا تدبره العاقل إلا ريب علم أن فاعله من عقله عديم ...

فإن قال قائل ما وجه قوله { أخْرِجُوا أنْفُسَكُمْ } ونفوس بني آدم إنما يخرجها من أبدان أهلها ربّ العالمين؟ فكيف خوطب هؤلاء الكفار، وأمروا في حال الموت بإخراج أنفسهم فإن كان ذلك كذلك فقد وجب أن يكون بنو آدم هم يقبضون أنفس أجسامهم؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف الذي ذهبتَ، وإنما ذلك أمر من الله على ألسن رسله الذين يقبضون أرواح هؤلاء القوم من أجسامهم، بأداء ما أسكنها ربها من الأرواح إليه وتسليمها إلى رسله الذين يتوفونها.

اسامة محمد خيري
03-01-2017, 06:27
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي ما قدمنا القول به، وذلك أن الله جلّ ثناؤه أتبع ذلك بإخباره عن إخراجه الحيَّ من الميت والميت من الحيَّ، فكان معلوماً بذلك أنه إنما عنى بإخباره عن نفسه أنه فالق الحبّ عن النبات والنوى عن الغروس والأشجار، كما هو مخرج الحيّ من الميت والميت من الحيّ. وأما القول الذي حُكي عن الضحاك في معنى فالق أنه خالق، فقولٌ إن لم يكن أراد به أنه خالق منه النبات والغروس بفلقه إياه، لا أعرف له وجهاً، لأنه لا يُعرف في كلام العرب فلق الله الشيء بمعنى: خلق.

القول في تأويل قوله تعالى: { يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأنَّى تُؤْفَكُونَ }.

يقول تعالى ذكره: يخرج السنبل الحيّ من الحبّ الميت، ومخرج الحبّ الميت من السنبل الحيّ، والشجر الحيّ من النوى الميت، والنوى الميت من الشجر الحيّ. والشجر ما دام قائماً على أصوله لم يجفّ والنبات على ساقه لم ييبس، فإن العرب تسميه حيًّا، فإذا يبس وجفّ أو قطع من أصله سموه ميتاً.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، أما: { يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ } فيخرج السنبلة الحية من الحبة الميتة، ويخرج الحبة الميتة من السنبلة الحية، ويخرج النخلة الحية من النواة الميتة، ويخرج النواة الميتة من النخلة الحية.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن السديّ، عن أبي مالك: { يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيّ } قال: النخلة من النواة والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة والسنبلة من الحبة.

وقال آخرون بما:

حدثني به المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله: { إنَّ اللّهَ فالِقُ الحَبّ والنَّوَى يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيّ } قال: يخرج النطفة الميتة من الحيّ، ثم يخرج من النطفة بشراً حيًّا.

وإنما اخترنا التأويل الذي اخترنا في ذلك، لأنه عقيب قوله: { إنَّ اللّهَ فالِقُ الحَبّ والنَّوَى } على أن قوله: { يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيّ } وإن كان خبراً من الله عن إخراجه من الحبّ السنبل ومن السنبل الحبّ، فإنه داخل في عمومه ما رُوي عن ابن عباس في تأويل ذلك وكلّ ميت أخرجه الله من جسم حيّ، وكلّ حيّ أخرجه الله من جسم ميت.

اسامة محمد خيري
03-01-2017, 06:31
وقال آخرون: معنى ذلك: وجعل الشمس والقمر ضياء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْباناً } أي ضياء.

وأولى القولين في تأويل ذلك عندي بالصواب تأويل من تأوّله: وجعل الشمس والقمر يجريان بحساب وعدد لبلوغ أمرها ونهاية آجالهما، ويدوران لمصالح الخلق التي جُعِلا لها.

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لأن الله تعالى ذِكره ذكر قبله أياديه عند خلقه وعظم سلطانه، بفلقه الإصباح لهم وإخراج النبات والغراس من الحبّ والنوى، وعقب ذلك بذكره خلق النجوم لهدايتهم في البرّ والبحر، فكان وصفه إجراءه الشمس والقمر لمنافعهم أشبه بهذا الموضع من ذكر إضاءتهما لأنه قد وصف ذلك قبلُ بقوله: { فالِقُ الإصْباحِ } فلا معنى لتكريره مرّة أخرى في آية واحدة لغير معنى...

وأحسب أن قتادة في تأويل ذلك بمعنى الضياء، ذهب إلى شيء يرْوَى عن ابن عباس في قوله: أوْ يُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ قال: ناراً، فوجه تأويل قوله: { والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْباناً } إلى ذلك التأويل. وليس هذا من ذلك المعنى في شيء. وأما «الحِسْبان» بكسر الحاء: فإنه جمع الحِسبانة: وهي الوسادة الصغيرة، وليست من الأوليين أيضاً في شيء، يقال: حَسِبته: أجلسته عليها، ونصب قوله: { حُسْباناً } بقوله: { وَجَعَلَ }. وكان بعض البصريين يقول: معناه: و { والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْباناً } أي بحساب، فحذف الباء كما حذفها من قوله: هُوَ أعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلهِ: أي أعلم بمن يضلّ عن سبيله.

اسامة محمد خيري
03-01-2017, 06:36
وأولى التأويلات في ذلك بالصواب، أن يقال: إن الله جلّ ثناؤه عمّ بقوله: { فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَع } كلّ خلقه الذي أنشأ من نفس واحدة مستقرّاً ومستودعاً، ولم يخصص من ذلك معنى دون معنى. ولا شك أن من بني آدم مستقراً في الرحم ومستودعاً في الصلب، ومنهم من هو مستقرّ على ظهر الأرض أو بطنها ومستودع في أصلاب الرجال، ومنهم مستقرّ في القبر مستودع على ظهر الأرض، فكلّ مستقرّ أو مستودع بمعنى من هذه المعاني فداخل في عموم قوله: { فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَعٌ } ومراد به: إلا أن يأتي خبر يجب التسليم له بأنه معنيّ به معنى دون معنى وخاصّ دون عامّ.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَع } فقرأت ذلك عامة قراء أهل المدينة والكوفة: { فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَع } بمعنى: فمنهم من استقره الله في مقرّه فهو مستقرّ، ومنهم من استودعه الله فيما استودعه فيه فهو مستودع فيه. وقرأ ذلك بعض أهل المدينة وبعض أهل البصرة: «فمُسْتَقِرٌ» بكسر القاف بمعنى: فمنهم من استقر فهو مستودع فيه في مقرّه فهو مستقِرٌّ به.

وأولى القراءتين بالصواب عندي وإن كان لكليهما عندي وجه صحيح: { فمُسْتَقَرٌّ } بمعنى: استقرّه الله في مستقرّه، ليأتلف المعنى فيه وفي «المستودع» في أن كلّ واحد منهما لم يسمّ فاعله، وفي إضافة الخبر بذلك إلى الله في أنه المستقرّ هذا والمستودع هذا وذلك أن الجميع مجمعون على قراءة قوله: { وَمُسْتَوْدَعٌ } بفتح الدال على وجه ما لم يسمّ فاعله، فإجراء الأوّل، أعني قوله: «فمستقرّ» عليه أشبه من عدوله عنه.

اسامة محمد خيري
03-01-2017, 06:42
والقراءة التي لا أستجيز أن يُقرأ ذلك إلا بها النصب { وَجَنَّاتٍ مِنْ أعْنَابٍ } لإجماع الحجة من القرّاء على تصويبها والقراءة بها ورفضهم ما عداها، وبُعْد معنى ذلك من الصواب إذ قرىء رفعاً. وقوله: { والزَّيْتُونَ والرُّمَّانِ } عطف بالزيتون على «الجنات» بمعنى: وأخرجنا الزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه....

وأولى القراءتين في ذلك عند بالصواب، قراءة من قرأ: { انْظُرُوا إلى ثُمُرِهِ } بضمّ الثاء والميم، لأن الله جلّ ثناؤه وصف أصنافاً من المال، كما قال يحيى بن وثاب. وكذلك حبّ الزرع المتراكب، وقنوان النخل الدانية، والجنات من الأعناب والزيتون والرمان، فكان ذلك أنواعاً من الثمر، فجمعت الثمرة ثَمراً ثم جمع الثمر ثماراً، ثم جمع ذلك فقيل: «انظروا إلى ثُمُره»، فكان ذلك جمع الثمار، والثمار جمع الثمرة، وإثماره: عقد الثمر...

اسامة محمد خيري
03-01-2017, 06:50
واختلفوا في قراءة قوله: { وَخَلَقَهُمْ } فقرأته قرّاء الأمصار: { وَخَلَقَهُمْ } على معنى أن الله خلقهم منفردًّا بخلقه إياهم. وذكر عن يحيى بن يعمر ما:

حدثني به أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن واصل مولى أبي عيينة، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، أنه قال: «شُرَكَاءَ الجِنَّ وخَلْقَهُمْ»

بجزم اللام بمعنى أنهم قالوا: إن الجنّ شركاء لله في خلقه إيانا.

وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ ذلك { وَخَلَقَهُمْ } لإجماع الحجة من القرّاء عليها....

اسامة محمد خيري
04-01-2017, 05:31
وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه: { وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ } بتأويل: قرأت وتعلمت لأن المشركين كذلك كانوا يقولون للنبيّ صلى الله عليه وسلم وقد أخبر الله عن قيلهم ذلك بقوله:
{ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسانٌ عَرَبِيّ مُبِينٌ }
فهذا خبر من الله ينبىء عنهم أنهم كانوا يقولون: إنما يتعلم محمد ما يأتيكم به من غيره. فإذ كان ذلك كذلك، فقراءة: { وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ } يا محمد، بمعنى: تعلمت من أهل الكتاب، أشبه بالحقّ وأولى بالصواب من قراءة من قرأه: «دَارَسْتَ» بمعنى: قارأتهم وخاصمتهم، وغير ذلك من القراءات.....

اسامة محمد خيري
04-01-2017, 05:44
وأولى التأويلات في ذلك بتأويل الآية، قول من قال: ذلك خطاب من الله للمؤمنين به من أصحاب رسوله، أعنى قوله: { وَما يُشْعِرُكُمْ أنَّها إذَا جاءَتْ لا يُؤمِنُونَ } ، وأن قوله «أنها» بمعنى: «لعلها».

وإنما كان ذلك أولى تأويلاته بالصواب لاستفاضة القراءة في قرّاء الأمصار بالياء من قوله: { لا يُؤْمِنُونَ } ولو كان قوله: { وَما يُشْعِرُكُمْ } خطاباً للمشركين، لكانت القراءة في قوله: { لا يُؤْمِنُونَ } بالتاء، وذلك وإن كان قد قرأه بعض قراء المكيين كذلك، فقراءة خارجة عما عليه قرّاء الأمصار، وكفى بخلاف جميعهم لها دليلاً على ذهابها وشذوذها.

وإنما معنى الكلام: وما يدريكم أيها المؤمنون لعلّ الآيات إذا جاءت هؤلاء المشركين لا يؤمنون فيعاجَلوا بالنقمة والعذاب عند ذلك ولا يؤخَّروا به.

اسامة محمد خيري
04-01-2017, 05:50
وأولى التأويلات في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله جلّ ثناؤه أخبر عن هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمننّ بها، أنه يقلب أفئدتهم وأبصارهم ويصرّفها كيف شاء، وأن ذلك بيده يقيمه إذا شاء ويزيغه إذا أراد، وأنّ قوله: { كما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّة } دليل على محذوف من الكلام، وأن قوله «كما» تشبيه ما بعده بشيء قبله. وإذ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون معنى الكلام: ونقلب أفئدتهم فنزيغها عن الإيمان، وأبصارهم عن رؤية الحقّ ومعرفة موضع الحجة، وإن جاءتهم الآية التي سألوها فلا يؤمنوا بالله ورسوله وما جاء به من عند الله كما لم يؤمنوا بتقليبنا إياها قبل مجيئها مرّة قبل ذلك. وإذا كان ذلك تأويله كانت الهاء من قوله: { كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ } كناية ذكر التقليب.

اسامة محمد خيري
04-01-2017, 05:54
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول ابن عباس، لأن الله جلّ ثناؤه عمّ بقوله: { ما كانُوا لِيُؤْمِنوا } القوم الذين تقدّم ذكرهم في قوله: { وأقْسَمُوا باللّهِ جَهْدَ أيمَانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها }. وقد يجوز أن يكون الذين سألوا الآية كانوا هم المستهزئين الذين قال ابن جريج: إنهم عنوا بهذه الآية ولكن لا دلالة في ظاهر التنزيل على ذلك ولا خبر تقوم به حجة بأن ذلك كذلك. والخبر من الله خارج مخرج العموم، فالقول بأن ذلك عُني به أهل الشقاء منهم أولى لما وصفنا.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } فقرأته قرّاء أهل المدينة: «قِبَلاً» بكسر القاف وفتح الباء، بمعنى معاينة، من قول القائل: لقيته قِبَلاً: أي معاينة ومجاهرة.

وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين والبصريين: { وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } بضم القاف والباء.

وإذا قرىء كذلك كان له من التأويل ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون القُبُل: جمع قَبِيل كالرُّغُف التي هي جمع رغيف، والقُضُب التي هي جمع قضيب، ويكون القُبُل: الضمناء والكفلاء وإذا كان ذلك معناه، كان تأويل الكلام: وحشرنا عليهم كلّ شيء كفلاء يكفلون لهم بأن الذي نعدُهم على إيمانهم بالله إن آمنوا أو نوعدهم على كفرهم بالله إن هلكوا على كفرهم، ما آمنوا إلا أن يشاء الله.

والوجه الآخر: أن يكون «القُبُل» بمعنى المقابلة والمواجهة، من قول القائل: أتيتك قُبُلاً لا دُبُراً، إذا أتاه من قِبَل وجهه.

والوجه الثالث: أن يكون معناه: وحشرنا عليهم كلّ شيء قبيلة قبيلة، صنفاً صنفاً، وجماعة جماعة. فيكون القُبُل حينئذٍ جمع قَبيل الذي هو جمع قبيلة، فيكون القُبل جمع الجمع. وبكلّ ذلك قد قالت جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال: معنى ذلك: معاينة...

وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندنا، قراءة من قرأ: { وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } بضمّ القاف والباء لما ذكرنا من احتمال ذلك الأوجه التي بينا من المعاني، وأن معنى القِبَلِ داخل فيه، وغير داخل في القِبَلِ معاني القُبُل.

اسامة محمد خيري
04-01-2017, 06:23
واختلفت القرّاء فِي قراءة قوله: { لَيُضِلُّونَ } فقرأته عامة أهل الكوفة: { لَيُضِلُّونَ } بمعنى: أنهم يضلون غيرهم. وقرأ ذلك بعض البصريين والحجازيين: «لَيَضِلُّونَ» بمعنى: أنهم هم الذين يضلون عن الحقّ فيجورون عنه.

وأولى القراءتين بالصواب في ذلك، قراءة من قرأ: { وإنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بأهْوَائِهِمْ } بمعنى: أنهم يضلون غيرهم وذلك أن الله جلّ ثناؤه أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم عن إضلالهم من تبعهم ونهاه عن طاعتهم واتباعهم إلى ما يدعونه إليه، فقال: { وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ } ثم أخبر أصحابه عنهم بمثل الذي أخبره عنهم، ونهاهم من قبول قولهم عن مثل الذي نهاه عنه، فقال لهم: { وَإنَّ كَثِيراً } منهم { لَيُضِلُّونَ } كم { بأهْوَائِهمْ بغيرِ عِلْمِ } نظير الذي قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ }.

اسامة محمد خيري
04-01-2017, 06:28
والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره تقدّم إلى خلقه بترك ظاهر الإثم وباطنه وذلك سرّه وعلانيته، والإثم: كلّ ما عصى الله به من محارمه، وقد يدخل في ذلك سرّ الزنا وعلانيته، ومعاهرة أهل الرايات وأولات الأخدان منهنّ، ونكاح حلائل الآباء والأمهات والبنات، والطواف بالبيت عريانا، وكلّ معصية لله ظهرت أو بطنت. وإذ كان ذلك كذلك، وكان جميع ذلك إثماً، وكان الله عمّ بقوله: { وَذَرُوا ظاهِرَ الإثمِ وَباطِنَهُ } جميع ما ظهر من الإثم وجميع ما بطن، لم يكن لأحد أن يخصّ من ذلك شيئاً دون شيء إلا بحجة للعذر قاطعة. غير أنه لو جاز أن يوجه ذلك إلى الخصوص بغير برهان، كان توجيهه إلى أنه عني بظاهر الإثم وباطنه في هذا الموضع: ما حرّم الله من المطاعم والمآكل من الميتة والدم، وما بين الله تحريمه في قوله:
{ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ المَيْتَةُ }
إلى آخر الآية، أوْلى، إذ كان ابتداء الآيات قبلها بذكر تحريم ذلك جرى وهذه في سياقها، ولكنه غير مستنكر أن يكون عنى بها ذلك، وأدخل فيها الأمر باجتناب كلّ ما جانسه من معاصي الله، فخرج الأمر عامًّا بالنهي عن كلّ ما ظهر أو بطن من الإثم.

اسامة محمد خيري
04-01-2017, 06:33
حدثنا محمد بن عبد الأعلى وسفيان بن وكيع، قالا: ثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال ابن عبد الأعلى: خاصمت اليهود النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال ابن وكيع: جاءت اليهود إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: نأكل ما قتلنا، ولا نأكل ما قتل الله فأنزل الله: { وَلا تأكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإنَّهُ لَفِسْقٌ }.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: إن الله أخبر أن الشياطين يوحون إلى أوليائهم ليجادلوا المؤمنين في تحريمهم أكل الميتة بما ذكرنا من جدالهم إياهم. وجائز أن يكون الموحون كانوا شياطين الإنس يوحون إلى أوليائهم منهم، وجائز أن يكونوا شياطين الجن أوحوا إلى أوليائهم من الإنس، وجائز أن يكون الجنسان كلاهما تعاونا على ذلك، كما أخبر الله عنهما في الآية الأخرى التي يقول فيها:
{ وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلّ نَبِيّ عَدُوّاً شَياطِينَ الإنْسِ والجِنّ، يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُوراً }
بل ذلك الأغلب من تأويله عندي، لأن الله أخبر نبيه أنه جعل له أعداء من شياطين الجنّ والإنس، كما جعل لأنبيائه مِن قبله يوحي بعضهم إلى بعض المزيَّنَ من الأقوال الباطلة، ثم أعلمه أن أولئك الشياطين يوحون إلى أوليائهم من الإنس ليجادلوه ومن تبعه من المؤمنين فيما حرّم الله من الميتة عليهم....

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن أشعث، عن ابن سيرين، عن عبد الله بن يزيد، قال: كنت أجلس إليه في حلقة، فكان يجلس فيها ناس من الأنصار هو رأسهم، فإذا جاء سائل فإنما يسأله ويسكتون. قال: فجاءه رجل فسأله، فقال: رجل ذبح فنسي أن يسمي؟ فتلا هذه الآية: { وَلا تَأكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ } حتى فرغ منها.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله عنى بذلك: ما ذبح للأصنام والآلهة، وما مات أو ذبحه من لا تحلّ ذبيحته. وأما من قال: عنى بذلك ما ذبحه المسلم فنسي ذكر اسم الله، فقول بعيد من الصواب لشذوذه، وخروجه عما عليه الحجة مجمعة من تحليله، وكفى بذلك شاهداً على فساده. وقد بيَّنا فساده من جهة القياس في كتابنا المسمى «لطيف القول في أحكام شرائع الدين» فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.

واختلف أهل العلم في هذه الآية: هل نسخ من حكمها شيء أم لا؟ فقال بعضهم: لم ينسخ منها شيء وهي محكمة فيما عُنيت به، وعلى هذا قول عامة أهل العلم. ورُوى عن الحسن البصري وعكرمة، ما:

حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة والحسن البصريّ قالا: قال: { فَكُلُوا ممَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بآياتِهِ مُؤْمِنِينَ وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإنَّهُ لَفِسْقٌ } فنسخ واستثنى من ذلك، فقال:
{ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلّ لَهُمْ }
والصواب من القول في ذلك عندنا، أن هذه الآية محكمة فيما أنزلت لم ينسخ منها شيء، وأن طعام أهل الكتاب حلال وذبائحهم ذكية. وذلك مما حرّم الله على المؤمنين أكله بقوله: { وَلا تأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ } بمعزل، لأن الله إنما حرّم علينا بهذه الآية الميتة وما أهلّ به للطواغيت، وذبائح أهل الكتاب ذكية سَمّوْا عليها أو لم يسموا لأنهم أهل توحيد وأصحاب كتب لله يدينون بأحكامها، يذبحون الذبائح بأديانهم كما ذبح المسلم بدينه، سمى الله على ذبيحته أو لم يسمه، إلا أن يكون ترك من ذكر تسمية الله على ذبيحته على الدينونة بالتعطيل، أو بعبادة شيء سوى الله، فيحرم حينئذٍ أكل ذبيحته سمى الله عليها أو لم يسمّ.

اسامة محمد خيري
04-01-2017, 06:52
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة والعراق: { كأنَّمَا يَصَّعَّدُ } بمعنى: يتصعدُ، فأدغموا التاء في الصاد، فلذلك شدّدوا الصاد. وقرأ ذلك بعض الكوفيين: «يَصَّاعَدُ» بمعنى: يتصاعد، فأدغم التاء في الصاد وجعلها صاداً مشدّدة. وقرأ ذلك بعض قراء المكيين: «كأنَّمَا يَصْعَد» من صَعِدَ يَصْعَد. وكل هذه القراءات متقاربات المعاني وبأيها قرأ القارىء فهو مصيب، غير أني أختار القراءة في ذلك بقراءة من قرأه: { كأنَّمَا يَصَّعَّدُ } بتشديد الصاد بغير ألف، بمعنى: يتصعد، لكثرة القراء بها، ولقِيلِ عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ما تصعَّدني شيء ما تصعَّدني خُطْبَة النكاح».....

والصواب في ذلك من القول عندي ما قاله ابن عباس، ومن قال: إن الرجس والنجس واحد، للخبر الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا دخل الخلاء: " اللَّهُمَّ إنّي أعُوذ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ النَّجْسِ الخَبِيثِ المُخْبِثِ الشَّيْطانِ الرَّجِيم " حدثني بذلك عبد الرحمن بن البختريّ الطائي، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن وقتادة، عن أنس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.

وقد بَيَّن هذا الخبر أن الرجس هو النجس القذر الذي لا خير فيه، وأنه من صفة الشيطان.

اسامة محمد خيري
04-01-2017, 07:00
خالدينَ فِيها } يقول: لابثين فيها، { إلاَّ ما شاءَ اللّهُ } يعني: إلا ما شاء الله من قدر مدة ما بين مبعثهم من قبورهم إلى مصيرهم إلى جهنم، فتلك المدة التي استثناها الله من خلودهم في النار.

اسامة محمد خيري
04-01-2017, 07:06
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وكذلكَ نُوَلّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً } قال: ظالمي الجن وظالمي الإنس. وقرأ:
{ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ }
قال: نسلط ظلمة الجنّ على ظلمة الإنس.

وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: وكذلك نجعل بعض الظالمين لبعض أولياء. لأن الله ذكر قبل هذه الآية ما كان من قول المشركين، فقال جلّ ثناؤه:
{ وَقالَ أوْلِياؤُهُم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ }
وأخبر جلّ ثناؤه أن بعضهم أولياء بعض، ثم عقَّب خبره ذلك بخبره عن أن ولاية بعضهم بعضاً بتوليته إياهم، فقال: وكما جعلنا بعض هؤلاء المشركين من الجنّ والإنس أولياء بعض يستمتع بعضهم ببعض، كذلك نجعل بعضهم أولياء بعض في كلّ الأمور بما كانوا يكسبون من معاصي الله ويعملونه.

اسامة محمد خيري
04-01-2017, 07:09
{ يَظ°مَعْشَرَ ظ±لْجِنِّ وَظ±لإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـظ°ذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىظ° أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ ظ±لْحَيَاةُ ظ±لدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَىظ° أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ }

فتأويل الآية على هذا التأويل الذي تأوّله ابن عباس: ألم يأتكم أيها الجنّ والإنس رسل منكم؟ فأما رسل الإنس فرسل من الله إليهم، وأما رسل الجنّ فرسل رسل الله من بني آدم، وهم الذين إذ سمعوا القرآن ولَّوا إلى قومهم منذرين.

وأما الذين قالوا بقول الضحاك، فإنهم قالوا: إن الله تعالى ذكره أخبر أن من الجنّ رسلاً أرسلوا إليهم، كما أخبر أن من الإنس رسلاً أرسلوا إليهم. قالوا: ولو جاز أن يكون خبره عن رسل الجنّ بمعنى أنهم رسل الإنس، جاز أن يكون خبره عن رسل الإنس بمعنى أنهم رسل الجنّ. قالوا: وفي فساد هذا المعنى ما يدلّ على أن الخبرين جميعاً بمعنى الخبر عنهم أنهم رسل الله، لأن ذلك هو المعروف في الخطاب دون غيره.

اسامة محمد خيري
04-01-2017, 07:11
وقد يتجه من التأويل في قوله: «بظلم» وجهان: أحدهما: { ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ }: أي بشرك من أشرك، وكُفْر من كفر من أهلها، كما قال لقمان: إنَّ الشَّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. { وأهْلُها غافِلُونَ } يقول: لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسلاً تنبههم على حجج الله عليهم، وتنذرهم عذاب الله يوم معادهم إليه، ولم يكن بالذي يأخذهم غفلة فيقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير.

والآخر: { ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بظُلْمٍ } يقول: لم يكن ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر، فيظلمهم بذلك، والله غير ظلام للعبيد.

وأولى القولين بالصواب عندي القول الأوّل، أن يكون معناه: أن لم يكن ليهلكهم بشركهم دون إرسال الرسل إليهم والإعذار بينه وبينهم، وذلك أن قوله: { ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ } عقيب قوله: { ألَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي } فكان في ذلك الدليل الواضح على أن نص قوله: { ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ } إنما هو إنما فعلنا ذلك من أجل أنا لا نهلك القُرَى بغير تذكير وتنبيه. وأما قوله: { ذَلِكَ } فإنه يجوز أن يكون نصباً، بمعنى: فعلنا ذلك، ويجوز أن يكون رفعاً بمعنى الابتداء، كأنه قال: ذلك كذلك. وأما «أن» فإنها في موضع نصب بمعنى: فعلنا ذلك من أجل أن لم يكن ربك مُهْلِك القرى، فإذا حذف ما كان يخفضها تعلق بها الفعل فنصب.

اسامة محمد خيري
04-01-2017, 07:17
كمَا أنْشَأكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ } كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلقٍ آخرين كانوا قبلكم. ومعنى «مِنْ» في هذا الموضع: التعقيب، كما يقال في الكلام أعطيتك من دينارك ثوباً، بمعنى: مكان الدينار ثوباً، لا أن الثوب من الدينار بعض، كذلك الذين خوطبوا بقوله: { كمَا أنْشأَكُمْ } لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين، ولكن معنى ذلك ما ذكرنا من أنهم أنشئوا مكان خَلْقٍ خَلْفَ قوم آخرين قد هلكوا قبلهم.

اسامة محمد خيري
05-01-2017, 05:09
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمَّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيباً }... حتى بلغ: { وَما كانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ } قال: كلّ شيء جعلوه لله من ذِبْح يذبحونه لا يأكلونه أبداً حتى يذكروا معه أسماء الآلهة، وما كان للآلهة لم يذكروا اسم الله معه. وقرأ الآية حتى بلغ: { ساءَ ما يَحْكُمُونَ }.

وأولى التأويلين بالآية، ما قال ابن عباس، ومن قال بمثل قوله في ذلك لأن الله جلّ ثناؤه أخبر أنهم جعلوا لله من حرثهم وأنعامهم قسماً مقدّراً، فقالوا: هذا لله، وجعلوا مثله لشركائهم، وهم أوثانهم بإجماع من أهل التأويل عليه، فقالوا: هذا لشركائنا وإن نصيب شركائهم لا يصل منه إلى الله، بمعنى: لا يصل إلى نصيب الله، وما كان لله وصل إلى نصيب شركائهم. فلو كان وصول ذلك بالتسمية وترك التسمية، كان أعيان ما أخبر الله عنه أنّه لم يصل جائزاً أن تكون قد وصلت، وما أخبر عنه أنه قد وصل لم يصل، وذلك خلاف ما دلّ عليه ظاهر الكلام لأن الذبيحتين تذبح إحداهما لله والأخرى للآلهة، جائز أن تكون لحومهما قد اختلطت وخلطوهما، إذ كان المكروه عندهم تسمية الله على ما كان مذبوحاً للآلهة دون اختلاط الأعيان واتصال بعضها ببعض.

وأما قوله: { ساءَ ما يَحْكُمُونَ } فإنه خبر من الله جلّ ثناؤه عن فعل هؤلاء المشركين الذين وصف صفتهم. يقول جلّ ثناؤه: وقد أساءوا في حكمهم إذ أخذوا من نصيبي لشركائهم ولم يعطوني من نصيب شركائهم. وإنما عنى بذلك تعالى ذكره الخبر عن جهلهم وضلالتهم وذهابهم عن سبيل الحقّ بأنهم لم يرضوا أن عدلوا بمن خلقهم وغذاهم وأنعم عليهم بالنعم التي لا تحصى ما لا يضرّهم ولا ينفعهم، حتى فضلوه في إقسامهم عند أنفسهم بالقسم عليه.

اسامة محمد خيري
05-01-2017, 05:13
والقراءة التي لا أستجيز غيرها: { وكذلكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكيِنَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤهُمْ } بفتح الزاي من «زيَّن» ونصب «القتل» بوقوع «زيَّن» عليه وخفض «أولادهم» بإضافة «القتل» إليهم، ورفع «الشركاء» بفعلهم لأنهم هم الذين زينوا للمشركين قتل أولادهم على ما ذكرت من التأويل.

وإنما قلت: لا أستجيز القراءة بغيرها لإجماع الحجة من القرّاء عليه، وأن تأويل أهل التأويل بذلك ورد، ففي ذلك أوضح البيان على فساد ما خالفها من القراءة. ولولا أن تأويل جميع أهل التأويل بذلك ورد ثم قرأ قارىء: «وكذلكَ زُيَّنَ لِكَثير مِنَ المُشْرِكينَ قَتْلُ أوْلادِهِمْ شُرَكائِهمْ» بضم الزاي من «زيَّن» ورفع «القتل» وخفض «الأولاد» «والشركاء»، على أن «الشركاء» مخفوضون بالردّ على «الأولاد» بأن «الأولاد» شركاء آبائهم في النسب والميراث كان جائزاً. ولو قرأه كذلك قارىء، غير أنه رفع «الشركاء» وخفض «الأولاد» كما يقال: ضُرِب عبد الله أخوك، فيظهر الفاعل بعد أن جرى الخبر بما لم يسمّ فاعله، كان ذلك صحيحاً في العربية جائزاً.

اسامة محمد خيري
05-01-2017, 05:41
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن مجاهد: { ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا } السائبة والبحيرة.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الكفرة أنهم قالوا في أنعام بأعيانها: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا دون إناثنا. واللبن مما في بطونها، وكذلك أجنتها، ولم يخصص الله بالخبر عنهم أنهم قالوا بعض ذلك حرام عليهنّ دون بعض.

وإذ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يقال: إنهم قالوا ما في بطون تلك الأنعام من لبن وجنين حلّ لذكورهم خالصة دون إناثهم، وإنهم كانوا يؤثرون بذلك رجالهم، إلا أن يكون الذي في بطونها من الأجنة ميتاً فيشترك حينئذٍ في أكله الرجال والنساء...

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: { ومُحَرَّمٌ على أزْوَاجِنا } قال: النساء.

وقال آخرون: بل عنى بالأزواج البنات. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { ومُحَرَّمٌ على أزْوَاجنا } قال: الأزواج: البنات. وقالوا: ليس للبنات منه شيء.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن هؤلاء المشركين أنهم كانوا يقولون لما في بطون هذه الأنعام، يعني أنعامهم: هذا محرّم على أزواجنا. والأزواج إنما هي نساؤهم في كلامهم، وهن لا شكّ بنات من هن أولاده، وحلائل من هنّ أزواجه. وفي قول الله عزّ وجلّ: { وَمَحَرَّمٌ على أزواجِنا } الدليل الواضح على أن تأنيث «الخالصة» كان لما وصفت من المبالغة في وصف ما في بطون الأنعام بالخلوصة للذكور، لأنه لو كان لتأنيث الأنعام لقيل: ومحرّمة على أزواجنا، ولكن لما كان التأنيث في الخالصة لما ذكرت، ثم لم يقصد في المحرّم ما قصد في الخالصة من المبالغة، رجع فيها إلى تذكير «ما»، واستعمال ما هو أولى به من صفته....

اسامة محمد خيري
05-01-2017, 05:50
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية: { وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } قال: نسخه العشر ونصف العشر كانوا يعطون إذا حصدوا وإذا ذروا، فنسختها العشر ونصف العشر.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: كان ذلك فرضاً فرضه الله على المؤمنين في طعامهم وثمارهم التي تخرجها زروعهم وغروسهم، ثم نسخه الله بالصدقة المفروضة، والوظيفة المعلومة من العشر ونصف العشر وذلك أن الجميع مجمعون لا خلاف بينهم أن صدقة الحرث لا تؤخذ إلا بعد الدياس والتنقية والتذرية، وأن صدقة التمر لا تؤخذ إلا بعد الجفاف. فإذا كان ذلك كذلك، وكان قوله جلّ ثناؤه: { وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } ينبىء عن أنه أمر من الله جلّ ثناؤه بإيتاء حقه يوم حصاده، وكان يوم حصاده هو يوم جدّه وقطعه والحبّ لا شكّ أنه في ذلك اليوم في سنبله، والثمر وإن كان ثمر نخل أو كرم غير مستحكم جفوفه ويبسه، وكانت الصدقة من الحبّ إنما تؤخذ بعد دياسه وتذريته وتنقيته كيلاً، والتمر إنما تؤخذ صدقته بعد استحكام يبسه وجفوفه كيلاً عُلم أن ما يؤخذ صدقة بعد حين حصده غير الذي يجب إيتاؤه المساكين يوم حصاده.

فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون ذلك إيجاباً من الله في المال حقاً سوى الصدقة المفروضة؟ قيل: لأنه لا يخلو أن يكون ذلك فرضاً واجباً أو نفلاً، فإن يكن فرضاً واجباً فقد وجب أن يكون سبيله سبيل الصدقات المفروضات التي من فرَّط في أدائها إلى أهلها كان بربه آثماً ولأمره مخالفاً، وفي قيام الحجة بأن لا فرض لله في المال بعد الزكاة يجب وجوب الزكاة سوى ما يجب من النفقة لمن يلزم المرء نفقته ما ينبيء عن أن ذلك ليس كذلك. أو يكون ذلك نفلاً، فإن يكن ذلك كذلك فقد وجب أن يكون الخيار في إعطاء ذلك إلى ربّ الحرث والثمر، وفي إيجاب القائلين بوجوب ذلك ما ينبيء عن أن ذلك ليس كذلك.

وإذا خرجت الآية من أن يكون مراداً بها الندب، وكان غير جائز أن يكون لها مخرج في وجوب الفرض بها في هذا الوقت، علم أنها منسوخة. ومما يؤيد ما قلنا في ذلك من القول دليلاً على صحته، أنه جلّ ثناؤه أتبع قوله: { وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } { وَلا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ } ومعلوم أن من حكم الله في عباده مذ فرض في أموالهم الصدقة المفروضة المؤقتة القدر، أن القائم بأخذ ذلك ساستهم ورعاتهم. وإذا كان ذلك كذلك، فما وجه نهي ربّ المال عن الإسراف في إيتاء ذلك، والآخذ مجبرٌ، وإنما يأخذ الحقّ الذي فرض الله فيه؟.

فإن ظنّ ظانّ أن ذلك إنما هو نهي من الله القِّيمَ بأخذ ذلك من الرعاة عن التعدّي في مال ربّ المال والتجاوز إلى أخذ ما لم يبح له أخذه، فإن آخر الآية، وهو قوله: { وَلا تُسْرِفُوا } معطوف على أوّله وهو قوله: { وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ }. فإن كان المنهي عن الإسراف القيم بقبض ذلك، فقد يجب أن يكون المأمور بإيتانه المنهي عن الإسراف فيه، وهو السلطان. وذلك قولٌ إن قاله قائل، كان خارجاً من قول جميع أهل التأويل ومخالفاً المعهود من الخطاب، وكفى بذلك شاهداً على خطئه.

فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون معنى قوله: { وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ }: وآتوا حقه يوم كيله، لا يوم فَصْله وقطعه، ولا يوم جَذَاذه وقطافه، فقد علمت من قال ذلك من أهل التأويل؟ وذلك ما:

حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: { وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } قال: يوم كيله.

وحدثنا المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن الحجاج، عن سالم المكيّ، عن محمد ابن الحنفية، قوله: { وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } قال: يوم كيله يعطي العشر ونصف العشر.

مع آخرين، قد ذُكرت الرواية فيما مضى عنهم بذلك؟ قيل: لأن يوم كيله غير يوم حصاده. ولن يخلو معنى قائلي هذا القول من أحد أمرين: إما أن يكونوا وجهوا معنى الحصاد إلى معنى الكيل، فذلك ما لا يعقل في كلام العرب لأن الحصاد والحصد في كلامهم الجذّ والقطع، لا الكيل. أو يكونوا وجهوا تأويل قوله: { وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } إلى وآتوا حقه بعد يوم حصاده إذا كلتموه. فذلك خلاف ظاهر التنزيل، وذلك أن الأمر في ظاهر التنزيل بإيتاء الحقّ منه يوم حصاده لا بعد يوم حصاده. ولا فرق بين قائل: إنما عنى الله بقوله: { وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } بعد يوم حصاده، وآخر قال: عنى بذلك قبل يوم حصاده، لأنهما جميعاً قائلان قولاً دليل ظاهر التنزيل بخلافه....

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى بقوله: { ولاَ تُسْرِفُوا } عن جميع معاني الإسراف، ولم يخصص منها معنى دون معنى. وإذ كان ذلك كذلك، وكان الإسرف في كلام العرب: الإخطاء بإصابة الحقّ في العطية، إما بتجاوز حدّه في الزيادة وإما بتقصير عن حدّه الواجب كان معلوماً أن المفرق ماله مباراة والباذله للناس حتى أجحفت به عطيته، مسرف بتجاوزه حدّ الله إلى ما كيفته له، وكذلك المقصر في بذله فيما ألزمه الله بذله فيه، وذلك كمنعه ما ألزمه إيتاءه منه أهل سهمان الصدقة إذا وجبت فيه، أو منعه من ألزمه الله نفقته من أهله وعياله ما ألزمه منها، وكذلك السلطان في أخذه من رعيته ما لم يأذن الله بأخذه. كل هؤلاء فيما فعلوا من ذلك مسرفون، داخلون في معنى من أتى ما نهى الله عنه من الإسراف بقوله: { وَلا تُسْرِفُوا } في عطيتكم من أموالكم ما يجحف بكم، إذ كان ما قبله من الكلام أمراً من الله بإيتاء الواجب فيه أهله يوم حصاده، فإن الآية قد كانت تنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب خاص من الأمور والحكم بها على العامّ، بل عامة آي القرآن كذلك، فكذلك قوله: { وَلا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ }. ومن الدليل على صحة ما قلنا من معنى الإسراف أنه على ما قلنا قول الشاعر:
أعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدوها ثَمانِيَةٌ ما في عَطائِهِمُ مَنّ وَلا سَرَفُ
يعني بالسرف: الخطأ في العطية.

اسامة محمد خيري
05-01-2017, 06:10
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { حَمُولَةً وفَرْشاً } قال: الحمولة: ما تركبون، والفرش: ما تأكلون وتحلبون، شاة لا تحمل، تأكلون لحمها، وتتخذون من أصوافها لحافاً وفرشاً.

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الحمولة: هي ما حمل من الأنعام، لأن ذلك من صفتها إذا حملت، لا أنه اسم لها كالإبل والخيل والبغال فإذا كانت إنما سميت حمولة لأنها تحمل، فالواجب أن يكون كلّ ما حمل على ظهره من الأنعام فحمولة، وهي جمع لا واحد لها من لفظها، كالرَّكوبة والجَزُورة. وكذلك الفرش إنما هو صفة لما لطف فقرب من الأرض جسمه، ويقال له الفرش. وأحسبها سميت بذلك تمثيلاً لها في استواء أسنانها ولطفها بالفرش من الأرض، وهي الأرض المستوية التي يتوطؤها الناس. فأما الحُمولة بضمّ الحاء: فإنها الأحمال، وهي الحُمُول أيضاً بضم الحاء.

اسامة محمد خيري
05-01-2017, 06:32
حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَعلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ } الإبل فقط.

وأولى القولين في ذلك بالصواب، القول الذي ذكرنا عن ابن عباس ومن قال بمثل مقالته لأن الله جلّ ثناؤه أخبر أنه حرّم على اليهود كلّ ذي ظُفُر، فغير جائز إخراج شيء من عموم هذا الخبر إلا ما أجمع أهل العلم أنه خارج منه. وإذا كان ذلك كذلك، وكان النعام وكلّ ما لم يكن من البهائم والطير مما له ظفر غير منفرج الأصابع داخلاً في ظاهر التنزيل، وجب أن يحكم له بأنه داخل في الخبر، إذ لم يأت بأن بعض ذلك غير داخل في الآية خبر عن الله ولا عن رسوله، وكانت الأمة أكثرها مجمع على أنه فيه داخل....


اختلف أهل التأويل في الشحوم التي أخبر الله تعالى أنه حرّمها على اليهود من البقر والغنم، فقال بعضهم: هي شحوم الثروب خاصة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { وَمِنَ البَقَرِ الغَنمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما } الثروب. ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " قاتل الله اليهود حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ الثُّرُوبَ ثُمَّ أكَلُوا أثمَانَها ". وقال آخرون: بل ذلك كان كلّ شحم لم يكن مختلطاً بعظم ولا على عظم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريح، قوله: { حَرَّمنْا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما } قال: إنما حرّم عليهم الثَّرْب، وكلّ شحم كَدْن كذلك ليس في عظم.

وقال آخرون: بل ذلك شحم الثَّرْب والكُلى. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله: { حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما } قال: الثرب وشحم الكليتين. وكانت اليهود تقول: إنما حرّمه إسرائيل فنحن نحرّمه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما } قال: إنما حرّم عليهم الثروب والكليتين. هكذا هو في كتابي عن يونس، وأنا أحسب أنه الكلى.

والصواب في ذلك من القول أن يقال: إن الله أخبر أنه كان حرّم على اليهود من البقر والغنم شحومهما إلا ما استثناه منها مما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، فكلّ شحم سوى ما استثناه الله في كتابه من البقر والغنم، فإنه كان محرّماً عليهم...

اسامة محمد خيري
06-01-2017, 05:12
وقال آخرون في ذلك: معناه: ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على إحسان الله إلى أنبيائه وأياديه عندهم. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الكِتابَ تمَاماً على الَّذِي أحْسَنَ } قال: تماماً من الله وإحسانه الذي أحسن إليهم وهداهم للإسلام، وآتاهم ذلك الكتاب تماماً لنعمته عليه وإحسانه.

«وأحسن» على هذا التأويل أيضاً في موضع نصب على أنه فعل ماض. «والذي» على هذا القول والقول الذي قاله الربيع بمعنى: «ما». وذكر عن يحيى بن يعمُر أنه كان يقرأ ذلك: «تَمَاماً على الَّذِي أحْسَنُ» رفعاً، بتأويل: على الذي هو أحسن.

حدثني بذلك أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا الحجاج، عن هارون، عن أبي عمرو بن العلاء، عن يحيى بن يعمُر.

قال أبو جعفر: وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها وإن كان لها في العربية وجه صحيح، لخلافها ما عليه الحجة مجمعة من قرأة الأمصار.

وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: معناه: ثم آتينا موسى الكتاب تماماً لنعمنا عنده على الذي أحسن موسى في قيامه بأمرنا ونهينا لأن ذلك أظهر معانيه في الكلام، وأن إيتاء موسى كتابه نعمة من الله عليه ومنة عظيمة، فأخبر جلّ ثناؤه أنه أنعم بذلك عليه لما سلف له من صالح عمل وحسن طاعة. ولو كان التأويل على ما قاله ابن زيد كان الكلام: ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسنَّا، أو: ثم آتى الله موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن...

اختلف أهل العربية في العامل في «أن» التي في قوله: { أنْ تَقُولُوا } وفي معنى هذا الكلام، فقال بعض نحوِّيي البصرة: معنى ذلك: ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن كراهية أن تقولوا: إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا.

وقال بعض نحويي الكوفة: بل ذلك في موضع نصب بفعل مضمر، قال: ومعنى الكلام: فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون اتقوا أن تقولوا. قال: ومثله بقول الله { أن تَحْبَطَ أعْمَالُكُمْ وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ }.

وقال آخرون منهم: هو في موضع نصب. قال: ونصبه من مكانين، أحدهما «أنزلناه لئلا يقول: إنما أنزل الكتاب على». والآخر من قوله: { اتَّقوا } قال: ولا يصلح في موضع «أن» كقوله: يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أنْ تَضِلُّوا.

وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: نصب «أن» لتعلقها بالإنزال، لأن معنى الكلام: وهذا كتاب أنزلناه مبارك لئلا تقولوا: إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا. فأما الطائفتان اللتان ذكرهما الله، وأخبر أنه إنما أنزل كتابه على نبيه محمد، لئلا يقول المشركون: لم ينزل علينا كتاب فنتبعه، ولم نؤمر ولم ننه، فليس علينا حجة فيما نأتي ونذر، إذ لم يأت من الله كتاب ولا رسول، وإنما الحجة على الطائفتين اللتين أنزل عليهما الكتاب من قبلنا، فإنهما اليهود والنصارى.

اسامة محمد خيري
06-01-2017, 05:27
حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن وهب بن جابر، عن عبد الله بن عمرو: { يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ } قال: طلوع الشمس من مغربها.

وقال آخرون: بل ذلك بعض الآيات الثلاثة: الدابة، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جعفر بن عون، عن المسعودي، عن القاسم، قال: قال عبد الله: التوبة معروضة على ابن آدم إن قبلها ما لم تخرج إحدى ثلاث: ما لم تطلع الشمس من مغربها، أو الدَّابة، أو فتح يأجوج ومأجوج.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُليَة، قال: ثنا المسعوديُّ، عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: قال عبد الله: التوبة معروضة على ابن آدم إن قبلها ما لم تخرج إحدى ثلاث: الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج يأجوج ومأجوج.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن عامر، عن عائشة، قالت: إذا خرج أوّل الآيات طرحت الأقلام، وحبست الحفظة، وشهدت الأجساد على الأعمال.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن فضيل، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثَلاثٌ إذَا خَرَجَتْ لا يَنْفَعُ نَفْساً إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ فِي إيمانِها خَيْراً: طُلُوع الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبها، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الأرْضِ ". حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا معاوية بن عبد الكريم، قال: ثنا الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:بادِرُوا بالأعْمالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبها، وَالدَّجَّالَ، والدُّخانَ، وَدَابَّةَ الأرْضِ، وخُوَيِّصَةَ أحَدِكُمْ، وأمْرَ العامَّةِحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم يقول، فذكر نحوه.

وأولى الأقوال بالصواب في ذلك، ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ذَلِكَ حِينَ تطلع الشمسُ من مغربها ". وأما قوله: { أوْ كَسَبَتْ فِي إيمانِها خَيْراً } فإنه يعني: أو عملت في تصديقها بالله خيراً من عمل صالح تصدق قيله، وتحققه من قبل طلوع الشمس من مغربها، لا ينفع كافراً لم يكن آمن بالله قبل طلوعها، كذلك إيمانه بالله إن آمن وصدّق بالله ورسله، لأنها حالة لا تمتنع نفس من الإقرار بالله العظيم الهول الوارد عليهم من أمر الله، فحكم إيمانهم كحكم إيمانهم عند قيام الساعة وتلك حال لا يمتنع الخلق من الإقرار بوحدانية الله لمعاينتهم من أهوال ذلك اليوم ما ترتفع معه حاجتهم إلى الفكر والاستدلال والبحث والاعتبار، ولا ينفع من كان بالله وبرسله مصدّقاً ولفرائض الله مضيعاً غير مكتسب بجوارحه لله طاعة إذا هي طلعت من مغربها أعماله إن عمل، وكسبه إن اكتسب، لتفريطه الذي سلف قبل طلوعها في ذلك.

اسامة محمد خيري
06-01-2017, 05:34
اختلف القرّاء في قراءة قوله: { فَرَّقُوا } فرُوي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، ما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن دينار، أن عليًّا رضي الله عنه، قرأ: «إنَّ الَّذِينَ فارَقُوا دينَهُمْ».

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، قال: قال حمزة الزيات، قرأها عليّ رضي الله عنه: «فارَقُوا دِينَهُمْ».

وقال: ثنا الحسن بن عليّ، عن سفيان، عن قتادة: «فارَقُوا دينَهُمْ».

وكأن عليًّا ذهب بقوله: «فارَقُوا دينَهُمْ» خرجوا فارتدّوا عنه من المفارقة. وقرأ ذلك عبد الله بن مسعود، كما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن رافع، عن زهير، قال: ثنا أبو إسحاق أن عبد الله كان يقرؤها: { فَرَّقُوا دينَهُمْ }.

وعلى هذه القراءة، أعني قراءة عبد الله، قرّاء المدينة والبصرة وعامة قرّاء الكوفيين. وكأن عبد الله تأوّل بقراءته ذلك كذلك أن دين الله واحد، وهو دين إبراهيم الحنيفية المسلمة، ففرّق ذلك اليهود والنصارى، فتهوّد قوم، وتنصَّر آخرون، فجعلوه شيعاً متفرّقة.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان، قد قرأتْ بكلّ واحدة منهما أئمة من القرّاء، وهما متفقتا المعنى غير مختلفتيه. وذلك أن كلّ ضالّ فلدينه مفارق، وقد فرّق الأحزاب دين الله الذي ارتضاه لعباده، فتهوّد بعض، وتنصَّر آخرون، وتمجّس بعض، وذلك هو التفريق بعينه ومصير أهله شيعاً متفرّقين غير مجتمعين، فهم لدين الله الحقّ مفارقون وله مفرّقون فبأيّ ذلك قرأ القارىء فهو للحقّ مصيب، غير أنّي أختار القراءة بالذي عليه عظم القرّاء، وذلك تشديد الراء مِن «فرّقوا».
...

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ليث، عن طاوس، عن أبي هريرة: { إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكانُوا شِيَعاً } قال: هم أهل الضلالة.

حدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال: ثنا بقية بن الوليد، قال: كتب إليّ عباد بن كثير، قال: ثني ليث، عن طاوس، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية: " { إن الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } وَلَيْسُوا مِنْكَ، هُمْ أهْل البِدَعِ وأهْلُ الشُّبُهاتِ وأهْلُ الضَّلالَةِ مِنْ هَذِهِ الأمَّة ". والصواب من القول في ذلكّ عندي أن يقال: إن الله أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه برىء ممن فارق دينه الحقّ، وفرّقه، وكانوا فرقاً فيه وأحزاباً شيعاً، وأنه ليس منهم ولاهم منه لأن دينه الذي بعثه الله به هو الإسلام دين إبراهيم الحنيفية كما قال له ربه وأمره أن يقول:
{ قُلْ إنَّنِي هدانِي رَبِّي إلى صراطٍ مستقيمٍ دِيناً قيمَاً مِلَّةَ إبرَاهيمَ حَنيفاً ومَا كانَ مِنَ المشرِكِينَ }
فكان من فارق دينه الذي بعث به صلى الله عليه وسلم من مشرك ووثنيّ ويهوديّ ونصرانيّ ومتحنف مبتدع قد ابتدع في الدين ما ضلّ به عن الصراط المستقيم والدين القيم، ملة إبراهيم المسلم، فهو بريء من محمد صلى الله عليه وسلم ومحمد منه بريء، وهو داخل في عموم قوله: { إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ }.

...

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن قوله: { لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } إعلام من الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أنه من مبتدعة أمته الملحدة في دينه بريء، ومن الأحزاب من مشركي قومه ومن اليهود والنصارى. وليس في إعلامه ذلك ما يوجب أن يكون نهاه عن قتالهم، لأنه غير محال أن في الكلام: لست من دين اليهود والنصارى في شيء فقاتلهم، فإن أمرهم إلى الله في أن يتفضّل على من شاء منهم، فيتوب عليه، ويهلك من أراد إهلاكه منهم كافراً، فيقبض روحه، أو يقتله بيدك على كفره، ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون عند مقدمهم عليه. وإذ كان غير مستحيل اجتماع الأمر بقتالهم، وقوله: { لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إنَّمَا أمْرُهُمْ إلى اللّهِ } ولم يكن في الآية دليل واضح على أنها منسوخة ولا ورد بأنها منسوخة عن الرسول خبرٌ، كان غير جائز أن يقضي عليها بأنها منسوخة حتى تقوم حجة موجبة صحة القول بذلك لما قد بيِّنا من أن المنسوخ هو ما لم يجز اجتماعه وناسخه في حال واحدة في كتابنا كتاب «اللطيف عن أصول الأحكام».

اسامة محمد خيري
06-01-2017, 05:46
سورة الاعراف

قال الطبري عن الحروف المقطعة فى اول البقرة

والصواب من القول عندي فـي تأويـل مفـاتـح السور التـي هي حروف الـمعجم: أن الله جل ثناؤه جعلها حروفـاً مقطعة ولـم يصل بعضها ببعض فـيجعلها كسائر الكلام الـمتصل الـحروف لأنه عز ذكره أراد بلفظه الدلالة بكل حرف منه علـى معان كثـيرة لا علـى معنى واحد، كما قال الربـيع بن أنس، وإن كان الربـيع قد اقتصر به علـى معان ثلاثة دون ما زاد علـيها. والصواب فـي تأويـل ذلك عندي أن كل حرف منه يحوي ما قاله الربـيع وما قاله سائر الـمفسرين غيره فـيه، سوى ما ذكرت من القول عمن ذكرت عنه من أهل العربـية أنه كان يوجّه تأويـل ذلك إلـى أنه حروف هجاء استُغنـي بذكر ما ذكر منه فـي مفـاتـح السور عن ذكر تتـمة الثمانـية والعشرين حرفـاً من حروف الـمعجم بتأويـل: أن هذه الـحروف، ذلك الكتاب، مـجموعةٌ لا ريب فـيه، فإنه قول خطأ فـاسد لـخروجه عن أقوال جميع الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الـخالفـين من أهل التفسير والتأويـل، فكفـى دلالة علـى خطئه شهادة الـحجة علـيه بـالـخطأ مع إبطال قائل ذلك قوله الذي حكيناه عنه، إذ صار إلـى البـيان عن رفع ذلك الكتاب بقوله مرة إنه مرفوع كل واحد منهما بصاحبه ومرة أخرى أنه مرفوع بـالراجع من ذكره فـي قوله: { لاَ رَيْبَ فِـيهِ } ومرة بقوله: { هُدًى لِلْـمُتَّقِـينَ } وذلك ترك منه لقوله إن { الغ¤ـمغ¤ } رافعة { ذَلِكَ ظ±لْكِتَابُ } وخروج من القول الذي ادّعاه فـي تأويـل { الغ¤ـمغ¤ ذَلِكَ ظ±لْكِتَابُ } وأن تأويـل ذلك: هذه الـحروف ذلك الكتاب.

فإن قال لنا قائل: وكيف يجوز أن يكون حرف واحد شاملاً الدلالة علـى معان كثـيرة مختلفة؟ قـيـل: كما جاز أن تكون كلـمة واحدة تشتـمل علـى معان كثـيرة مختلفة كقولهم للـجماعة من الناس: أمة، وللـحين من الزمان: أمة، وللرجل الـمتعبد الـمطيع لله: أمة، وللدين والـملة: أمة.

اسامة محمد خيري
06-01-2017, 06:03
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: تأويله: { وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ } ولقد خلقنا آدم، { ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ } بتصويرنا آدم، كما قد بيَّنا فيما مضى من خطاب العرب الرجل بالأفعال تضيفها إليه، والمعنىّ في ذلك سلفه، وكما قال جلّ ثناؤه لمن بين أظهر المؤمنين من اليهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوّةٍ }
وما أشبه ذلك من الخطاب الموجَّه إلى الحيّ الموجود والمراد به السلف المعدوم، فكذلك ذلك في قوله: { وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ } معناه: ولقد خلقنا أباكم آدم، ثم صوّرناه.

وإنما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الذي يتلو ذلك قوله: { ثُمَّ قُلْنا للمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ } ومعلوم أن الله تبارك وتعالى قد أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يصوّر ذرّيته في بطون أمهاتهم، بل قبل أن يخلق أمهاتهم، و«ثم» في كلام العرب لا تأتي إلا بإيذان انقطاع ما بعدها عما قبلها، وذلك كقول القائل: قمت ثم قعدت، لا يكون القعود إذ عطف به ب«ثم» على قوله: «قمت» إلا بعد القيام، وكذلك ذلك في جميع الكلام. ولو كان العطف في ذلك بالواو جاز أن يكون الذي بعدها قد كان قبل الذي قبلها، وذلك كقول القائل: قمت وقعدت، فجائز أن يكون القعود في هذا الكلام قد كان قبل القيام، لأن الواو تدخل في الكلام إذا كانت عطفاً لتوجب للذي بعدها من المعنى ما وجب للذي قبلها من غير دلالة منها بنفسها، على أن ذلك كان في وقت واحد أو وقتين مختلفين، أو إن كانا في وقتين أيهما المتقدّم وأيهما المتأخر.

اسامة محمد خيري
06-01-2017, 06:07
قال أبو جعفر: والصواب عندي من القول في ذلك أن يقال: إن في الكلام محذوفاً قد كفى دليل الظاهر منه، وهو أن معناه: ما منعك من السجود فأحوجك أن لا تسجد؟ فترك ذكر أحوجك استغناء بمعرفة السامعين. قوله:
{ إلاَّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ }
أن ذلك معنى الكلام من ذكره، ثم عمل قوله { ما مَنَعَكَ } في أن ما كان عاملاً فيه قبل أحوجك لو ظهر إذ كان قد ناب عنه.

وإنما قلنا إن هذا القول أولى بالصواب لما قد مضى من دلالتنا قبل على أنه غير جائز أن يكون في كتاب الله شيء لا معنى له، وأن لكلّ كلمة معنى صحيحاً، فتبين بذلك فساد قول من قال «لا» في الكلام حشو لا معنى لها. وأما قول من قال: معنى المنع ههنا: القول، فلذلك دخلت «لا» مع «أن، فإن المنع وإن كان قد يكون قولاً وفعلاً، فليس المعروف في الناس استعمال المنع في الأمر بترك الشيء، لأن المأمور بترك الفعل إذا كان قادراً على فعله وتركه ففَعَله لا يقال فعله وهو ممنوع من فعله إلا على استكراه للكلام وذلك أن المنع من الفعل حوّل بينه وبينه، فغير جائز أن يكن وهو محُول بينه وبينه فاعلاً له، لأنه إن جاز ذلك وجب أن يكون محولاً بينه وبينه لا محولاً وممنوعاً لا ممنوعاً وبعد، فإن إبليس لم يأتمر لأمر الله تعالى بالسجود لآدم كِبراً، فكيف كان يأتمر لغيره في ترك أمر الله وطاعته بترك السجود لآدم، فيجوز أن يقال له: أيّ شيء قال لك لا تسجد لآدم إذ أمرتك بالسجود له؟ ولكن معناه إن شاء الله ما قلت: ما منعك من السجود له، فأحوجك، أو فأخرجك، أو فاضطّرك إلى أن لا تسجد له على ما بيَّنت.

ملحوظة

قال السمين

وقد زعم جماعةٌ أن " لا " في هذه الآية الكريمة غيرُ زائدة، لكن اختلفت عبارتهم في تصحيح معنى ذلك فقال بعضهم: في الكلام حَذْفٌ يصحُّ به النفي، والتقدير: ما منعك فأحوجك أن لا تسجد؟ وقال بعضهم: المعنى على ما ألجأك أن لا تسجد؟ وبعضهم: مَنْ أمَرَكَ أن لا تسجد؟ ومَنْ قال لك أن لا تسجد، أو ما دَعاك أن لا تسجد؟ وهذا تمحُّل مَنْ يتحرَّج مِنْ نسبة الزيادة إلى القرآن وقد تقدَّم تحقيقه، وأنَّ معنى الزيادة على معنىً يفهمه أهلُ العلم وإلا فكيف يُدَّعى زيادةٌ في القرآن بالعُرْف العام؟ هذا ما لا يقوله أحد من المسلمين.

اسامة محمد خيري
06-01-2017, 06:19
وأما قوله: { لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ } فإنه يقول: لأجلسنّ لبني آدم صراطك المستقيم، يعني: طريقك القويم، وذلك دين الله الحقّ، وهو الإسلام وشرائعه.

وإنما معنى الكلام: لأصدنّ بني آدم عن عبادتك وطاعتك، ولأغوينهم كما أغويتني، ولأُضِلَّنهم كما أضَللْتَني. وذلك كما رُوي عن سَبْرة بن الفاكه أنه سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الشَّيْطانَ قَعَد لاِبْنِ آدَمَ بأطْرَقَةٍ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإسْلام، فَقالَ: أتُسْلَمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدينَ آبائِك؟ فَعَصَاهُ فَأسْلَم. ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيق الهجْرَةِ، فَقالَ: أتهاجِرُ وَتَذَرُ أرْضَكَ وَسَماءَكَ، وإنمَا مَثَلُ المُهاجرِ كالفَرَسِ فِي الطِّوَلِ؟ فَعَصَاه وَهاجَرَ. ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الجِهادِ، وَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ والمَالِ، فقالَ: أتُقاتلُ فتُقْتَلَ فَتُنْكَحُ المَرأةُ ويُقَسَّمُ المَالُ؟ قالَ: فَعَصَاهُ فَجاهَدَ "

ورُوي عن عون بن عبد الله في ذلك، ما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حيوة أبو يزيد، عن عبد الله بن بكير، عن محمد بن سوقة، عن عون بن عبد الله: { لأَقْعُدَنَّ لهُمْ صرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ } قال: طريق مكة.

والذي قاله عون وإن كان من صراط الله المستقيم فليس هو الصراط كله، وإنما أخبر عدوّ الله أنه يقعد لهم صراط الله المستقيم ولم يخصص منه شيئاً دون شيء، فالذي رُوي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه بظاهر التنزيل وأولى بالتأويل، لأن الخبيث لا يألو عباد الله الصدّ عن كلّ ما كان لهم قربة إلى الله.

اسامة محمد خيري
06-01-2017, 06:20
حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا: ثنا جرير، عن منصور، قال: تذاكرنا عند مجاهد قوله: { ثُمَّ لآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ } فقال مجاهد: هو كما قال: يأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم. زاد ابن حميد، قال: يأتيهم من ثَمّ.

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد المدني، قال: قال مجاهد: فذكر نحو حديث محمد بن عمرو، عن أبي عاصم.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: معناه: ثم لآتينهم من جميع وجوه الحقّ والباطل، فأصدّهم عن الحقّ وأحسِّن لهم الباطل وذلك أن ذلك عقيب قوله:
{ لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ }
فأخبر أنه يقعد لبني آدم على الطريق الذي أمرهم الله أن يسلكوه، وهو ما وصفنا من دين الله الحقّ، فيأتيهم في ذلك من كلّ وجوهه من الوجه الذي أمرهم الله به، فيصدّهم عنه، وذلك من بين أيديهم وعن أيمانهم، ومن الوجه الذي نهاهم الله عنه، فيزينه لهم ويدعوهم إليه، وذلك من خلفهم وعن شمائلهم. وقيل: ولم يقل: «من فوقهم» لأن رحمة الله تنزل على عباده من فوقهم.

اسامة محمد خيري
06-01-2017, 06:29
حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثني القاسم بن سلام، قال: ثنا حجاج، عن هارون، قال: ثنا يعلى بن حكيم، عن يحيى بن أبي كثير أنه قرأها: «ملكين» بكسر اللام.

وكأن ابن عباس ويحيى وجها تأويل الكلام إلى أن الشيطان قال لهما: { ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلاَّ أنْ تَكُونا مَلِكَيْنِ } من الملوك، وأنهما تأوّلا في ذلك قول الله في موضع آخر:
{ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى }
قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز القراءة في ذلك بغيرها، القراءة التي عليها قرّاء الأمصار، وهي فتح اللام من «مَلَكين»، بمعنى: ملَكين من الملائكة لما قد تقدم من بياننا في أن كلّ ما كان مستفيضاً في قرأة الإسلام من القراءة، فهو الصواب الذي لا يجوز خلافه.

اسامة محمد خيري
06-01-2017, 06:40
حُدثت عن عبيد الله، عن إسرائيل، عن السديّ، عمن حدثه، عن ابن عباس، قوله: { وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرّ } قال: القبور.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر آدم وحوّاء وإبليس والحية إذ أهبطوا إلى الأرض، أنهم عدوّ بعضهم لبعض، وأنّ لهم فيها مستقرّاً يستقرّون فيه، ولم يخصصها بأن لهم فيها مستقرّاً في حال حياتهم دون حال موتهم، بل عمّ الخبر عنها بأن لهم فيها مستقرّاً، فذلك على عمومه كما عمّ خبر الله، ولهم فيها مستقرّ في حياتهم على ظهرها وبعد وفاتهم في بطنها، كما قال جلّ ثناؤه: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتاً أحْياءً وأمْواتاً.

اسامة محمد خيري
07-01-2017, 05:23
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: { وأقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ } قال: في الإخلاص أن لا تدعوا غيره، وأن تخلصوا له الدين.

قال أبو جعفر: وأولى هذين التأويلين بتأويل الآية ما قاله الربيع، وهو أن القوم أمروا أن يتوجهوا بصلاتهم إلى ربهم، لا إلى ما سواه من الأوثان والأصنام، وأن يجعلوا دعاءهم لله خالصاً، لا مُكاءً ولا تصدية.

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لأن الله إنما خاطب بهذه الآية قوماً من مشركي العرب لم يكونوا أهل كنائس وبِيَع، وإنما كانت الكنائس والبيع لأهل الكتابين، فغير معقول أن يقال لمن لا يصلي في كنيسة ولا بيعة: وجِّه وجهك إلى الكعبة في كنيسة أو بيعة....

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { كمَا بَدأكُمْ تَعودُونَ } قال: كما خلقهم أوّلاً، كذلك يعيدهم آخراً.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب، القول الذي قاله من قال معناه: كما بدأكم الله خلقاً بعد أن لم تكونوا شيئاً تعودون بعد فنائكم خلقاً مثله، يحشركم إلى يوم القيامة لأن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يُعْلِمَ بما فِي هذه الآية قوماً مشركين أهل جاهلية لا يؤمنون بالمعاد ولا يصدّقون بالقيامة، فأمره أن يدعوهم إلى الإقرار بأن الله باعثهم يوم القيامة ومُثيب من أطاعه ومعاقب من عصاه، فقال له: قل لهم: أمر ربي بالقسط، وأن أقيموا وجوهكم عند كلّ مسجد، وأن ادعوه مخلصين له الدين، وأن أقرّوا بأن كما بدأكم تعودون فترك ذكر «وأن أقرّوا بأن» كما ترك ذكر «أن» مع «أقيموا»، إذ كان فيما ذكر دلالة على ما حذف منه.

وإذ كان ذلك كذلك، فلا وجه لأن يؤمر بدعاء من كان جاحداً النشور بعد الممات إلى الإقرار بالصفة التي عليها يُنشر من نُشر، وإنما يؤمر بالدعاء إلى ذلك من كان بالبعث مصدّقاً، فأما من كان له جاحداً فإنما يُدعى إلى الإقرار به ثم يُعَرَّف كيف شرائط البعث. على أن في الخبر الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي.

حَدثنَاه محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، قال: ثني المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: " يُحْشَر النَّاسُ عُرَاةً غُرْلاً، وأوَّل مَن يُكْسَى إبْرَاهِيمُ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ثمَّ قَرأ:
{ كمَا بَدأْنا أولَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إنَّا كُنَّا فاعِلينَ }
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا إسحاق بن يوسف، قال: ثنا سفيان، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، بنحوه..

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن المُغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة، فقال: " يا أيُّها النَّاسُ إنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إلى اللّهِ حُفاةً غُرْلاً كمَا بَدأنْا أولَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إنَّا كُنَّا فاعِلِينَ ". ما يبين صحة القول الذي قلنا في ذلك، من أن معناه: أن الخلق يعودون إلى الله يوم القيامة خلقاً أحياء كما بدأهم في الدنيا خلقاً أحياء، يقال منه: بدأ الله الخلق يَبْدَؤهم وأبدأهم يُبْدِئهم إبداء بمعنى خلقهم، لغتان فصيحتان. ثم ابتدأ الخبر جلّ ثناؤه عما سبق من علمه في خلقه وجرى به فيهم قضاؤه، فقال: هدى الله منهم فريقاً فوفَّقهم لصالح الأعمال فهم مهتدون، وحقّ على فريق منهم الضلالة عن الهدى والرشاد، باتخاذهم الشيطان من دون الله وليًّا.

وإذا كان التأويل هذا، كان الفريق الأوّل منصوباً بإعمال هَدَى فيه، والفريق الثاني بوقوع قوله حقّ على عائد ذكره في عليهم، كما قال جلّ ثناؤه:
{ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً ألِيماً }
ومن وجَّه تأويل ذلك إلى أنه كما بدأكم في الدنيا صنفين: كافراً، ومؤمناً، كذلك تعودون في الآخرة فريقين: { فَرِيقاً هَدَى وَفَريقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ } نصب «فريقاً» الأوّل بقوله: «تعودون»، وجعل الثاني عطفاً عليه.

اسامة محمد خيري
07-01-2017, 05:42
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { أُولَئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ } قال: من الأعمال والأرزاق والأعمال، فإذا فني هذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم وقد فرغوا من هذه الأشياء كلها.

قال أبو جعفر، وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: معنى ذلك: أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب مما كتب لهم من خير وشرّ في الدنيا ورزق وعمل وأجل.

وذلك أن الله جلّ ثناؤه أتبع ذلك قوله: { حتى إذَا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوفَّوْنَهُمْ قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ } فأبان بإتباعه ذلك قوله: { أُولَئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ } أن الذي ينالهم من ذلك إنما هو ما كان مقضياً عليهم في الدنيا أن ينالهم، لأنه قد أخبر أن ذلك ينالهم إلى وقت مجيئهم رسله لتقبض أرواحهم. ولو كان ذلك نصيبهم من الكتاب أو مما قد أعدّ لهم في الآخرة، لم يكن محدوداً بأنه ينالهم إلى مجيء رسل الله لو فاتهم لأن رسل الله لا تجيئهم للوفاة في الآخرة، وأن عذابهم في الآخرة لا آخر له ولا انقضاء فإن الله قد قضى عليهم بالخلود فيه، فبين بذلك أن معناه ما اخترنا من القول فيه.

اسامة محمد خيري
07-01-2017, 06:00
قال أبو جعفر: والصواب من القول في أصحاب الأعراف أن يقال كما قال الله جلّ ثناؤه فيهم: هم رجال يعرفون كلاًّ من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم، ولا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصحّ سنده ولا أنه متفق على تأويلها، ولا إجماع من الأمة على أنهم ملائكة. فإذ كان ذلك كذلك، وكان ذلك لا يدرك قياساً، وكان المتعارف بين أهل لسان العرب أن الرجال اسم يجمع ذكور بني آدم دون إناثهم ودون سائر الخلق غيرهم، كان بيِّناً أن ما قاله أبو مجلز من أنهم ملائكة قول لا معنى له، وأن الصحيح من القول في ذلك ما قاله سائر أهل التأويل غيره. هذا مع من قال بخلافه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك من الأخبار وإن كان في أسانيدها ما فيها. وقد:

حدثني القاسم، قال: ثني الحسين، قال: ثني جرير عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف، فقال: " هُمْ آخِرُ مَنْ يُفْصَلُ بَيْنَهُمْ مِنَ العِبادِ، وَإذَا فَرَغَ رَبُّ العالَمِينَ مِنْ فَصْلِهِ بينَ العِبادِ، قال: أنْتُمْ قَوْمٌ أخْرَجَتْكُمْ حَسنَاتُكُمْ مِنَ النَّارِ وَلمْ تُدْخِلْكُمُ الجَنَّةُ، وأنْتُمْ عُتَقائي فَارْعَوْا مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شِئْتُمْ ". ..

اسامة محمد خيري
08-01-2017, 05:11
والنشر بفتح النون وسكون الشين في كلام العرب من الرياح الطيبة اللينة الهبوب التي تنشىء السحاب، وكذلك كلّ ريح طيبة عندهم فهي نشر ومنه قول امرىء القيس:
كأنَّ المُدَامَ وَصَوْبَ الغَمامِ ورِيحَ الخُزَامَى وَنَشْرَ القُطُرْ
وبهذه القراءة قرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين خلا عاصم بن أبي النجود، فإنه كان يقرؤه: { بُشْراً } على اختلاف عنه فيه، فروى ذلك بعضهم عنه: { بُشْراً } بالباء وضمها وسكون الشين، وبعضهم بالباء وضمها وضمّ الشين، وكان يتأوّل في قراءته ذلك كذلك قوله: وَمِنْ آياتِه أن يُرْسِلَ الرّياحَ مُبَشِّراتٍ: تبشر بالمطر، وأنه جمع بشير بُشُراً، كما يجمع النذير نُذُراً. وأما قرّاء المدينة وعامة المكيين والبصريين، فإنهم قرأوا ذلك: «وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرّيَاحَ نُشْراً» بضم النون والشين، بمعنى جمع نشور جمع نشرا، كما يجمع الصبور صُبُرا، والشكور شُكُرا. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول: معناها إذا قرئت كذلك أنها الريح التي تهبّ من كلّ ناحية وتجيء من كلّ وجه. وكان بعضهم يقول: إذا قرئت بضمّ النون فينبغي أن تسكن شينها، لأن ذلك لغة بمعنى النشر بالفتح وقال: العرب تضمّ النون من النشر أحياناً، وتفتح أحياناً بمعنى واحد. قال: فاختلاف القرّاء في ذلك على قدر اختلافها في لغتها فيه. وكان يقول: هو نظير الخَسف والخُسف بفتح الخاء وضمها.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن قراءة من قرأ ذلك «نَشْراً» وَ «نُشُراً» بفتح النون وسكون الشين وبضمّ النون والشين قراءتان مشهورتان في قرأة الأمصار، فلا أحبّ القراءة بها، وإن كان لها معنى صحيح ووجه مفهوم في المعنى والإِعراب لما ذكرنا من العلة وأما قوله بين يدي رحمته فإنه يقول قدام رحمته وأمامها والعرب كذلك تقول لكل شيء حدث قدام شيء وأمامه جاء بين يديه لأن ذلك من كلامهم جرى في إخبارهم عن بني آدم وكثر استعماله فيهم حتى قالوا ذلك في غير ابن آدم وما لايد له والرحمة التي ذكرها جلّ ثناؤه في هذا الموضع المطر.

فمعنى الكلام إذن: والله الذي يرسل الرياح ليناً هبوبها، طيباً نسيمها، أمام غيثه الذي يسوقه بها إلى خلقه، فينشىء بها سحاباً ثقالاً، حتى إذا أقلّتها، والإقلال بها: حملها، كما يقال: استقلّ البعير بحمله وأقلّه: إذا حمله فقام به. ساقه الله لإحياء بلد ميت قد تعفت مزارعه ودرست مشاربه وأجدب أهله، فأنزل به المطر وأخرج به من كلّ الثمرات....

اسامة محمد خيري
09-01-2017, 05:24
حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: { بِـمَا كَذّبوا مِنْ قَبْلُ } قال: كقوله:
{ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِـمَا نُهُوا عَنْهُ }


قال أبو جعفر: وأشبه هذه الأقوال بتأويـل الآية وأولاها بـالصواب، القول الذي ذكرناه عن أبـيّ بن كعب والربـيع، وذلك أن من سبق فـي علـم الله تبـارك وتعالـى أنه لا يؤمن به، فلن يؤمن أبداً، وقد كان سبق فـي علـم الله تعالـى لـمن هلك من الأمـم التـي قصّ نبأهم فـي هذه السورة أنه لا يؤمن أبداً، فأخبر جلّ ثناؤه عنهم، أنهم لـم يكونوا لـيؤمنوا بـما هم به مكذّبون فـي سابق علـمه قبل مـجيء الرسل وعند مـجيئهم إلـيهم. ولو قـيـل تأويـله: فما كان هؤلاء الذين ورثوا الأرض يا مـحمد من مشركي قومك من بعد أهلها الذين كانوا بها من عاد وثمود، لـيؤمنوا بـما كذّب به الذين ورثوها عنهم من توحيد الله ووعده ووعيده، كان وجهاً ومذهبـاً، غير أني لا أعلـم قائلاً قاله مـمن يعتـمد علـى علـمه بتأويـل القرآن. وأما الذي قاله مـجاهد من أن معناه: لو ردّوا ما كانوا لـيؤمنوا، فتأويـل لا دلالة علـيه من ظاهر التنزيـل، ولا من خبر عن الرسول صحيح. وإذا كان ذلك كذلك، فأولـى منه بـالصواب ما كان علـيه من ظاهر التنزيـل دلـيـل.

اسامة محمد خيري
09-01-2017, 05:30
اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { حَقِـيقٌ عَلـى أن لا أقُولَ علـى اللَّهِ إلاَّ الـحَقَّ } فقرأه جماعة من قرّاء الـمكيـين والـمدنـيـين والبصرة والكوفة: { حَقِـيقٌ علـى أن لا أقُولَ } بإرسال الـياء من «علـى» وترك تشديدها، بـمعنى: أنا حقـيق بأن لا أقول علـى الله إلا الـحقّ، فوجهوا معنى علـى إلـى معنى البـاء، كما يقال: رميت بـالقوس وعلـى القوس، وجئت علـى حال حسنة، وبحال حسنة. وكان بعض أهل العلـم بكلام العرب يقول: إذا قرىء ذلك كذلك، فمعناه: حريص علـى أن لا أقول إلا بحقّ. وقرأ ذلك جماعة من أهل الـمدينة: «حَقِـيقٌ عَلـىَّ أنْ لا أقُولَ» بـمعنى: واجب علـيّ أن لا أقول، وحُقّ علـيّ أن لا أقول.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا الـمعنى، قد قرأ بكلّ واحدة منهما أئمة من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب فـي قراءته الصواب.

اسامة محمد خيري
09-01-2017, 06:12
وفـي قوله: { وَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ } وجهان من التأويـل: أحدهما أتذر موسى وقومه لـيفسدوا فـي الأرض وقد تركك وترك عبـادتك وعبـادة آلهتك؟ وإذا وجه الكلام إلـى هذا الوجه من التأويـل كان النصب فـي قوله: { وَيَذَرَكَ } علـى الصرف، لا علـى العطف به علـى قوله «لـيفسدوا». والثانـي: أتذر موسى وقومه لـيفسدوا فـي الأرض ولـيذرك وآلهتك كالتوبـيخ منهم لفرعون علـى ترك موسى لـيفعل هذين الفعلـين. وإذا وجه الكلام إلـى هذا الوجه كان نصب: { وَيَذَرَكَ } علـى العطف علـى { لـيُفْسِدُوا }.

والوجه الأوّل أولـى الوجهين بـالصواب، وهو أن يكون نصب: وَيَذَرَكَ علـى الصرف، لأن التأويـل من أهل التأويـل به جاء.

وبعد، فإن فـي قراءة أُبـيّ بن كعب الذي:

حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج عن هارون، قال: فـي حرف أبـيّ بن كعب: وقد تركوك أن يعبدوك وآلهتك.

دلالة واضحة علـى أن نصب ذلك علـى الصرف.

وقد روى عن الـحسن البصريّ أنه كان يقرأ ذلك: { وَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ } عطفـاً بقوله: { وَيَذَرَكَ } علـى قوله: { أتَذَرُ مُوسَى } كأنه وجَّه تأويـله إلـى: أتذرُ موسى وقومه ويذرك وآلهتك لـيفسدوا فـي الأرض؟ وقد تـحتـمل قراءة الـحسن هذه أن يكون معناها: أتذرُ موسى وقومه لـيفسدوا فـي الأرض وهو يذرُك وآلهتك؟ فـيكون «يذرُك» مرفوعا علـى ابتداء الكلام.

وأما قوله: { وآلِهَتَكَ } فإن قرّاء الأمصار علـى فتـح الألف منها ومدّها، بـمعنى: وقد ترك موسى عبـادتك وعبـادة آلهتك التـي تعبدها. وقد ذكر عن ابن عبـاس أنه كان له بقرةٌ يعبدوها. وقد رُوى عن ابن عبـاس ومـجاهد أنهما كانا يقرآنها: «وَيَذَرَكَ وإلا هَتَكَ» بكسر الألف، بـمعنى: ويذرك وعبُودتك.

والقراءة التـي لا نرى القراءة بغيرها، هي القراءة التـي علـيها قرّاء الأمصار لإجماع الـحجة من القراء علـيها.

ذكر من قال: كان فرعون يعبُد آلهة علـى قراءة من قرأ: { وَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ }:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { وَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ } وآلهته فـيـما زعم ابن عبـاس، كانت البقرة كانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها، فلذلك أخرج لهم عجلاً بقرة.

اسامة محمد خيري
10-01-2017, 05:13
وكان بعض نـحويِّـي الكوفـيـين يقول: الطوفـان مصدر مثل الرُّجْحان والنُّقْصان لا يجمع. وكان بعض نـحويـي البصرة يقول: هو جمع، واحدها فـي القـياس: الطوفـانة.

والصواب من القول فـي ذلك عندي، ما قاله ابن عبـاس علـى ما رواه] عنه أبو ظَبْـيان أنه أمر من الله طاف بهم، وأنه مصدر من قول القائل: طاف بهم أمر الله يطوف طوفـاناً، كما يقال: نقص هذا الشيء ينقص نُقْصانا. وإذا كان ذلك كذلك، جاز أن يكون الذي طاف بهم الـمطر الشديد، وجاز أن يكون الـموت الذريع. ومن الدلالة علـى أن الـمطر الشديد قد يسمى طوفـانا قول الـحسن بن عرفطة:
غَيِّرَ الـجِدَّةَ مِنْ آياتِهَا خُرُقُ الرّيحِ وَطُوفـانُ الـمَطَرْ
ويروى: «خُرُق الريح بطوفـان الـمطر» وقول الراعي:
تُضْحِي إذا العِيسُ أدْرَكنا نَكائِثَها خَرْقاءَ يعْتادُها الطوفـانُ والزُّؤُدُ

...

اسامة محمد خيري
10-01-2017, 05:17
حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { وَلـمَّا وَقَعَ عَلَـيْهِمُ الرّجْزُ } قال: الرجز: العذاب الذي سلَّطه الله علـيهم من الـجراد والقُمَّل وغير ذلك، وكلّ ذلك يعاهدونه ثم ينكثون.

وقد بـيَّنا معنى الرّجز فـيـما مضى من كتابنا هذا بشواهده الـمغنـية عن إعادتها.

وأولـى القولـين بـالصواب فـي هذا الـموضع أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أخبر عن فرعون وقومه أنهم لـما وقع علـيهم الرجز، وهو العذاب والسخط من الله علـيهم، فزعوا إلـى موسى بـمسألته ربه كشف ذلك عنهم وجائز أن يكون ذلك الرجز كان الطوفـان والـجراد والقمل والضفـادع والدم، لأن كل ذلك كان عذابـا علـيهم، وجائز أن يكون ذلك الرجز كان طاعوناً

ولـم يخبرنا الله أيّ ذلك كان، ولا صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيّ ذلك كان خبر فنسلـم له.

فـالصواب أن نقول فـيه كما قال جلّ ثناؤه: { وَلـمَّا وَقَعَ عَلَـيْهِمُ الرّجْزُ } ولا نتعدّاه إلاَّ بـالبـيان الذي لا تـمانع فـيه بـين أهل التأويـل، وهو لـما حلّ بهم عذاب الله وسخطه، { قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بـمَا عَهِدَ عِنْدَكَ } يقول: بـما أوصاك وأمرك به، وقد بـينا معنى العهد فـيـما مضى { لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرّجْزَ } يقول: لئن رفعت عنا العذاب الذي نـحن فـيه، { لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ } يقول: لنصدقنّ بـما جئت به ودعوت إلـيه ولنقرّنّ به لك، { ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِـي إسْرَائِيـلَ } يقول: ولنـخـلـينّ معك بنـي إسرائيـل فلا نـمنعهم أن يذهبوا حيث شاءوا.

اسامة محمد خيري
10-01-2017, 05:23
حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: { مَشارِقَ الأرْضِ وَمَغارِبَها التـي بـاركْنا فـيها } قال: التـي بـارك فَـيها: الشأم.

وكان بعض أهل العربـية يزعم أن مشارق الأرض ومغاربها نصب علـى الـمـحلّ، يعنـي: وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون فـي مشارق الأرض ومغاربها، وأن قوله: { وأوْرَثنا } إنـما وقع علـى قوله: { التـي بـاركْنا فِـيها } وذلك قول لا معنى له، لأن بنـي إسرائيـل لـم يكن يستضعفهم أيام فرعون غير فرعون وقومه، ولـم يكن له سلطان إلاَّ بـمصر، فغير جائز والأمر كذلك أن يقال: الذين يستضعفون فـي مشارق الأرض ومغاربها.

فإن قال قائل: فإن معناه: فـي مشارق أرض مصر ومغاربها فإن ذلك بعيد من الـمفهوم فـي الـخطاب: مع خروجه عن أقوال أهل التأويـل والعلـماء بـالتفسير...

اسامة محمد خيري
10-01-2017, 05:35
وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب عندي قراءة من قرأ: «جعله دكاء» بـالـمدّ، وترك الـجرّ لدلالة الـخبر الذي رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى صحته وذلك أنه رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «فَساخَ الـجَبَلُ» ولـم يقل: فتفتَّت، ولا تـحوّل ترابـاً. ولا شكّ أنه إذا ساخ فذهب ظهر وجه الأرض، فصار بـمنزلة الناقة التـي قد ذهب سنامها، وصارت دكاء بلا سنام. وأما إذا دكّ بعضه فإنـما يكسر بعضه بعضاً ويتفتَّت ولا يسوخ. وأما الدكاء فإنها خَـلَفٌ من الأرض، فلذلك أُنثت علـى ما قد بـينت. فمعنى الكلام إذن: فلـما تـجلـى ربه للـجبل ساخ، فجعل مكانه أرضاً دكاء....

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، قال: سمعت مـجاهداً يقول فـي قوله: { وأنا أوَّلُ الـمُؤْمِنِـينَ } قال: أوّل قومي آمن.

وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـي قوله: { وأنا أوَّلُ الـمُؤْمِنِـينَ } علـى قول من قال: معناه: أنا أوّل الـمؤمنـين من بنـي إسرائيـل لأنه قد كان قبله فـي بنـي إسرائيـل مؤمنون وأنبـياء، منهم ولد إسرائيـل لصلبه، وكانوا مؤمنـين وأنبـياء، فلذلك اخترنا القول الذي قلناه قبل.

اسامة محمد خيري
10-01-2017, 05:52
حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا مسلـم، قال: ثنا مبـارك، عن الـحسن، فـي قوله: { سأُرِيكُمْ دَارَ الفـاسِقِـينَ } قال: جهنـم.

وقال آخرون: معنى ذلك: سأدخـلكم أرض الشأم، فأريكم منازل الكافرين الذين هم سكانها من الـجبـابرة والعمالقة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { سأُرِيكُمْ دَارَ الفـاسِقِـينَ }: منازلهم.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: { دَارَ الفـاسِقِـينَ } قال: منازلهم.

وقال آخرون: معنى ذلك: سأريكم دار قوم فرعون، وهي مصر. ذكر من قال ذلك:............

وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـي تأويـل ذلك، لأن الذي قبل قوله جلّ ثناؤه: { سأُرِيكُمْ دَارَ الفـاسِقِـينَ } أمر من الله لـموسى وقومه بـالعمل بـما فـي التوراة، فأولـى الأمور بحكمة الله تعالـى أن يختـم ذلك بـالوعيد علـى من ضيعه وفرّط فـي العمل لله وحاد عن سبـيـله، دون الـخبر عما قد انقطع الـخبر عنه أو عما لـم يجر له ذكر.....

ثم اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء أهل الـمدينة ومكة والكوفة والبصرة: { لَئِنْ لَـمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا } بـالرفع علـى وجه الـخبر. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة: «لَئِنْ لَـمْ تَرْحَمْنا رَبَّنا» بـالنصب بتأويـل لئن لـم ترحمنا يا ربنا، علـى وجه الـخطاب منهم لربهم. واعتلّ قارئو ذلك كذلك بأنه فـي إحدى القراءتـين: «قالوا لَئِنْ لَـمْ تَرْحَمْنا رَبِّنا وَتَغْفِرْ لَنا»، وذلك دلـيـل علـى الـخطاب.

والذي هو أولـى بـالصواب من القراءة فـي ذلك القراءة علـى وجه الـخبر بـالـياء فـي «يرحمنا» وبـالرفع فـي قوله «ربُّنا»، لأنه لـم يتقدّم ذلك ما يوجب أن يكون موجها إلـى الـخطاب. والقراءة التـي حكيت علـى ما ذكرنا من قراءتها: «قالوا لَئِنْ لَـمْ تَرْحَمْنا رَبَّنا» لا نعرف صحتها من الوجه الذي يجب التسلـيـم إلـيه. ومعنى قوله: { لَئِنْ لَـمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا }: لئن لـم يتعطف علـينا ربنا بـالتوبة برحمته، ويتغمد بها ذنوبنا، لنكوننّ من الهالكين الذين حبطت أعمالهم.

اسامة محمد خيري
11-01-2017, 05:11
والذي هو أولـى بـالصواب من القول فـي ذلك أن يكون سبب إلقاء موسى الألواح كان من أجل غضبه علـى قومه لعبـادتهم العجلَ لأن الله جلّ ثناؤه بذلك أخبر فـي كتابه، فقال: { وَلـمَّا رَجَعَ مُوسَى إلـى قَوْمِهِ غَضْبـانَ أسِفـاً بِئْسَما خَـلَفْتُـمُونِـي مِنْ بَعْدِي أعَجِلْتُـمْ أمْرَ رَبِّكُمْ وألْقَـى الألْوَاحَ وأخَذَ بِرأسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَـيْهِ } وذلك أن الله لـما كتب لـموسى علـيه السلام فـي الألواح التوراة، أدناه منه حتـى سمع صريف القلـم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيـل، عن السديّ، عن أبـي عمارة، عن علـيّ علـيه السلام قال: كتب الله الألواح لـموسى علـيه السلام وهو يسمع صريف الأقلام فـي الألواح....

والقراءة التـي لا أستـجيز القراءة إلا بها قراءة من قرأ: { فَلا تُشْمِتْ } بضم التاء الأولـى وكسر الـميـم من أشمتُّ به عدوّه أشْمِته به، ونصب الأعداء لإجماع الـحجة من قراء الأمصار علـيها وشذوذ ما خالفها من القراءة، وكفـى بذلك شاهدا علـى ما خالفها. هذا مع إنكار معرفة عامة أهل العلـم بكلام العرب: شمَّتَ فلان فلاناً بفلان، وشمَت فلان بفلان يشمُت به، وإنـما الـمعروف من كلامهم إذا أخبروا عن شماتة الرجل بعدوّه شَمِتَ به بكسر الـميـم يَشْمَتُ به بفتـحها فـي الاستقبـال.

اسامة محمد خيري
11-01-2017, 05:23
وأولـى القولـين بتأويـل الآية، قول من قال: إن موسى إنـما حزن علـى هلاك السبعين بقوله: { أُتهْلِكُنا بِـمَا فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا } وأنه إنـما عنى بـالسفهاء: عبدة العجل وذلك أنه مـحال أن يكون موسى صلى الله عليه وسلم كان تـخير من قومه لـمسألة ربه ما أراه أن يسأل لهم إلا الأفضل فـالأفضل منهم، ومـحال أن يكون الأفضل كان عنده من أشرك فـي عبـادة العجل واتـخذه دون الله إلها.

قال: فإن قال قائل: فجائز أن يكون موسى علـيه السلام كان معتقداً أن الله سبحانه يعاقب قوما بذنوب غيرهم، فـيقول: أتهلكنا بذنوب من عبد العجل، ونـحن من ذلك برآء؟ قـيـل: جائز أن يكون معنى الإهلاك: قبض الأرواح علـى غير وجه العقوبة، كما قال جلّ ثناؤه:
{ إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ }
يعنـي: مات، فـيقول: أتـميتنا بـما فعل السفهاء منا....

وحدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { الَّذِي يُؤْمِنُ بـاللّهِ وكَلِـماتِهِ } فهو عيسى ابن مريـم.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك عندنا أن الله تعالـى ذكره أمر عبـاده أن يصدّقوا بنبوّة النبـيّ الأميّ الذي يؤمن بـالله وكلـماته. ولـم يخصص الـخبر جلّ ثناؤه عن إيـمانه من كلـمات الله ببعض دون بعض، بل أخبرهم عن جميع الكلـمات، فـالـحقّ فـي ذلك أن يعمّ القول، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤمن بكلـمات الله كلها علـى ما جاء به ظاهر كتاب الله.

اسامة محمد خيري
11-01-2017, 06:00
حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: { فَخَـلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَـلْفٌ } قال: النصارى.

والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالـى إنـما وصف أنه خـلَف القوم الذي قصّ قصصهم فـي الآيات التـي مضت خـلف سوْء رديء، ولـم يذكر لنا أنهم نصارى فـي كتابه، وقصتهم بقصص الـيهود أشبه منها بقصص النصارى. وبعدُ، فإن ما قبل ذلك خبر عن بنـي إسرائيـل وما بعده كذلك، فما بـينهما بأن يكون خبراً عنهم أشبه، إذ لـم يكن فـي الآية دلـيـل علـى صرف الـخبر عنهم إلـى غيرهم، ولا جاء بذلك دلـيـل يوجب صحة القول به.

فتأويـل الكلام إذن: فتبدّل من بعدهم بَدَلُ سوْء، ورثوا كتاب الله: تعلـموه، وضيعوا العمل به فخالفوا حكمه، يُرْشَوْنَ فـي حكم الله، فـيأخذون الرشوة فـيه من عرض هذا العاجل الأدنى، يعنـي بـالأدنى: الأقرب من الآجل الأبعد، ويقولون إذا فعلوا ذلك: إن الله سيغفر لنا ذنوبنا تـمنـيا علـى الله الأبـاطيـل، كما قال جلّ ثناؤه فـيهم:
{ فَوَيْـلٌ للَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثَّم يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِـيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِـيلاً فَوَيْـلٌ لَهُمْ مِـمَّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ وَوَيْـلٌ لَهُمْ مِـمَّا يَكْسِبونَ }
{ وَإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُه يأخُذُوهُ } يقول: وإن شرع لهم ذنب حرام مثله من الرشوة بعد ذلك أخذوه واستـحلوه، ولـم يرتدعوا عنه. يخبر جلّ ثناؤه عنهم أنهم أهل إصرار علـى ذنوبهم، ولـيسوا بأهل إنابة ولا توبة...

اسامة محمد خيري
12-01-2017, 05:14
فتأويـل الكلام علـى هذا التأويـل: وإذ أخذ ربك من بنـي آدم من ظهورهم ذرّياتهم، وأشهدهم علـى أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلـى. فقال الله وملائكته: شهدنا علـيكم بـاقراركم بأن الله ربكم كيلا تقولوا يوم القـيامة إنا كنا عن هذا غافلـين. وقد ذكرت الرواية عنه بذلك فـيـما مضى والـخبر الآخر الذي رُوي عن عبد الله بن عمرو عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم بـمثل ذلك.

وقال آخرون: ذلك خبر من الله عن قـيـل بعض بنـي آدم لبعض، حين أشهد الله بعضهم علـى بعض. وقالوا: معنى قوله: { وأشْهَدَهُمْ علـى أنْفُسِهِمْ } وأشهد بعضهم علـى بعض بإقرارهم بذلك، وقد ذكرت الرواية بذلك أيضاً عمن قاله قبل.

قال أبو جعفر: وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب، ما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان صحيحاً، ولا أعلـمه صحيحاً لأن الثقات الذين يعتـمد علـى حفظهم وإتقانهم حدّثوا بهذا الـحديث عن الثوري، فوقـفوه علـى عبد الله بن عمرو ولـم يرفعوه، ولـم يذكروا فـي الـحديث هذا الـحرف الذي ذكره أحمد بن أبـي طيبة عنه. وإن لـم يكن ذلك عنه صحيحاً، فـالظاهر يدلّ علـى أنه خبر من الله عن قـيـل بنـي آدم بعضهم لبعض، لأنه جلّ ثناؤه قال: { وأشْهَدَهُمْ علـى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلـى شَهِدْنا } فكأنه قـيـل: فقال الذين شهدوا علـى الـمقرّين حين أقرّوا، فقالوا: بلـى شهدنا علـيكم بـما أقررتـم به علـى أنفسكم كيلا تقولوا يوم القـيامة إنا كنا عن هذا غافلـين.

اسامة محمد خيري
12-01-2017, 05:23
حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، عن أبـيه، أنه سئل عن الآية: { وَاتْلُ عَلَـيهِمْ نَبأَ الَّذي آتَـيْناهُ آياتنا فـانْسَلَـخَ مِنْها } فحدّث عن سيَّار أنه كان رجلاً يقال له بَلْعَام، وكان قد أوتـي النبوّة، وكان مـجاب الدعوة.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أمر نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يتلو علـى قومه خبر رجل كان الله آتاه حججه وأدلته، وهي الآيات.

وقد دللنا علـى أن معنى الآيات الأدلة والأعلام فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته، وجائز أن يكون الذي كان الله آتاه ذلك بلعم، وجائز أن يكون أمية، وكذلك الآيات إن كانت بـمعنى الـحجة التـي هي بعض كتب الله التـي أنزلها علـى بعض أنبـيائه، فتعلـمها الذي ذكره الله فـي هذه الآية، وعناه بها فجائز أن يكون الذي كان أوتـيها بلعم، وجائز أن يكون أمية، لأن أمية كان فـيـما يقال قد قرأ من كتب أهل الكتاب، وإن كانت بـمعنى كتاب أنزله الله علـى من أمر نبـيّ الله علـيه الصلاة والسلام أن يتلو علـى قومه نبأه أو بـمعنى اسم الله الأعظم أو بـمعنى النبوّة، فغير جائز أن يكون معنـيا به أمية لأن أمية لا تـختلف الأمة فـي أنه لـم يكن أوتـي شيئاً من ذلك. ولا خبر بأيّ ذلك الـمراد وأيّ الرجلـين الـمعنـيّ يوجب الـحجة ولا فـي العقل دلالة علـى أن ذلك الـمعنـيّ به من أيّ. فـالصواب أن يقال فـيه ما قال الله، ويقرّ بظاهر التنزيـل علـى ما جاء به الوحي من الله.

اسامة محمد خيري
12-01-2017, 05:27
حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: { وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بها }: لرفعناه عنه.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي تأويـل ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله عمّ الـخبر بقوله: { وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بها } أنه لو شاء رفعه بآياته التـي آتاه إياها. والرفع يعمّ معانـي كثـيرة، منها الرفع فـي الـمنزلة عنده، ومنها الرفع فـي شرف الدنـيا ومكارمها. ومنها الرفع فـي الذكر الـجميـل والثناء الرفـيع. وجائز أن يكون الله عنى كلّ ذلك أنه لو شاء لرفعه، فأعطاه كلّ ذلك بتوفـيقه للعمل بآياته التـي كان آتاها إياه.

وإذ كان ذلك جائزا، فـالصواب من القول فـيه أن لا يُخَصّ منه شيء، إذ كان لا دلالة علـى خصوصه من خبر ولا عقل...

وقال آخرون: إنـما مثَّله جلّ ثناؤه بـالكلب لأنه كان يـلهث كما يـلهث الكلب. ذكر من قال ذلك.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { فَمَثَلُهُ كمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَـحْمِلْ عَلَـيْهِ يَـلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَـلْهَثْ } وكان بلعم يـلهث كما يـلهث الكلب. وأما تـحمل علـيه: فتشدّ علـيه.

قال: أبو جعفر: وأولـى التأويـلـين فـي ذلك بـالصواب تأويـل من قال: إنـما هو مثل لتركه العمل بآيات الله التـي آتاها إياه، وأن معناه: سواء وعظ أو لـم يوعظ فـي أنه لا يترك ما هو علـيه من خلافه أمر ربه، كما سواء حمل علـى الكلب أو طرد أو ترك فلـم يطرد فـي أنه لا يدع اللهث فـي كلتا حالتـيه.

وإنـما قلنا ذلك أولـى القولـين بـالصواب لدلالة قوله تعالـى ذلك: { مَثَلُ القَوم الَّذينَ كَذَّبُوا بآياتِنا } فجعل ذلك مثل الـمكذّبـين بآياته. وقد علـمنا أن اللهاث لـيس فـي خـلقة كلّ مكذّب كتب علـيه ترك الإنابة من تكذيب بآيات الله، وأن ذلك إنـما هو مثل ضربه الله لهم، فكان معلوماً بذلك أنه للذي وصف الله صفته فـي هذه الآية، كما هو لسائر الـمكذّبـين بآيات الله مَثَل....

اسامة محمد خيري
12-01-2017, 05:48
قال أبو جعفر: وأولـى ذلك عندي بـالصواب، قول من قال: معنى ذلك: ثقلت الساعة فـي السموات والأرض علـى أهلها أن يعرفوا وقتها وقـيامها لأن الله أخفـى ذلك عن خـلقه، فلـم يطلع علـيه أحداً منهم. وذلك أن الله أخبر بذلك بعد قوله: { قُلْ إنَّـمَا عِلْـمُها عِنْدَ رَبّـي لا يُجَلِـيها لِوَقْتِها إلاَّ هُوَ } وأخبر بعده أنها لا تأتـي إلاَّ بغتة، فـالذي هو أولـى أن يكون ما بـين ذلك أيضاً خبراً عن خفـاء علـمها عن الـخـلق، إذ كان ما قبله وما بعده كذلك....

فوجه هؤلاء تأويـل قوله: { كأنَّكَ حَفِـيّ عَنْها } إلـى حفـيّ بها، وقالوا: تقول العرب: تـحفـيت له فـي الـمسئلة، وتـحفـيت عنه. قالوا: ولذلك قـيـل: أتـينا فلاناً نسأل به، بـمعنى نسأل عنه.

قال أبو جعفر: وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معناه: كأنك حفـيّ بـالـمسئلة عنها فتعلـمها.

فإن قال قائل: وكيف قـيـل: { حَفِـيّ عَنْها } ولـم يقل حفـيّ بها، إن كان ذلك تأويـل الكلام؟ قـيـل: إن ذلك قـيـل كذلك، لأن الـحفـاوة إنـما تكون فـي الـمسئلة، وهي البشاشة للـمسؤول عند الـمسئلة، والإكثار من السؤال عنه، والسؤال يوصل ب «عن» مرّة وبـالبـاء مرّة، فـيقال: سألت عنه، وسألت به فلـما وضع قوله «حفـي» موضع السؤال، وصل بأغلب الـحرفـين اللذين يوصل بهما السؤال، وهو «عن»، كما قال الشاعر:
سُؤَالَ حَفِـيَ عَنْ أخِيهِ كأنَّه يُذَكِّرُهُ وَسْنانُ أوْ مُتَوَاسِنُ

اسامة محمد خيري
12-01-2017, 06:04
قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن آدم وحوّاء أنهما دعوا الله ربهما بحمل حَوّاء، وأقسما لئن أعطاهما فـي بطن حوّاء صالـحاً لـيكونان لله من الشاكرين. والصلاح قد يشمل معانـي كثـيرة: منها الصلاح فـي استواء الـخـلق. ومنها الصلاح فـي الدين، والصلاح فـي العقل والتدبـير. وإذ كان ذلك كذلك، ولا خبر عن الرسول يوجب الـحجة بأن ذلك علـى بعض معانـي الصلاح دون بعض، ولا فـيه من العقل دلـيـل وجب أن يَعُمّ كما عمه الله، فـيقال إنهما قالا { لئن آتـيتنا صالـحاً } بجميع معانـي الصلاح.

اسامة محمد خيري
12-01-2017, 06:09
قال أبو جعفر: وأولـى القولـين بـالصواب قول من قال: عنـي بقوله: { فَلَـمَّا آتاهُمَا صَالِـحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ } فـي الاسم لا فـي العبـادة، وأن الـمعنـيّ بذلك آدم وحوّاء لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـى ذلك.

فإن قال قائل: فما أنت قائل إذ كان الأمر علـى ما وصفت فـي تأويـل هذه الآية، وأن الـمعنـيّ بها آدم وحوّاء فـي قوله: { فَتَعالـى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ }؟ أهو استنكاف من الله أن يكون له فـي الأسماء شريك أو فـي العبـادة؟ فإن قلت فـي الأسماء دلّ علـى فساده قوله:

{ أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْـلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْـلَقُون }
وإن قلت فـي العبـادة، قـيـل لك: أفكان آدم أشرك فـي عبـادة الله غيره؟ قـيـل له: إن القول فـي تأويـل قوله: { فَتَعالـى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } لـيس بـالذي ظننت، وإنـما القول فـيه: فتعالـى الله عما يشرك به مشركو العرب من عبدة الأوثان. فأما الـخبر عن آدم وحوّاء فقد انقضى عند قوله: { جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِـيـما آتاهُمَا } ثم استؤنف قوله: { فَتَعالـى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ }. كما:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: { فَتَعالـى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } يقول: هذه فصل من آية آدم خاصة فـي آلهة العرب

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { شُرَكاءَ } فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الـمدينة وبعض الـمكيـين والكوفـيـين: «جَعَلا لَهُ شِرْكاً» بكسر الشين، بـمعنى الشركة. وقرأه بعض الـمكيـين وعامة قرّاء الكوفـيـين وبعض البصريـين: { جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ } بضمّ الشين، بـمعنى جمع شريك.

وهذه القراءة أولـى القراءتـين بـالصواب، لأن القراءة لو صحت بكسر الشين لوجب أن يكون الكلام: فلـما آتاهما صالـحاً جعلا لغيره فـيه شركاً لأن آدم وحوّاء لـم يَدينا بأن ولدهما من عطية إبلـيس ثم يجعلا لله فـيه شركاً لتسميتهما إياه بعبد الله، وإنـما كانا يدينان لا شكّ بأن ولدهما من رزق الله وعطيته، ثم سمياه عبد الـحرث، فجعلا لإبلـيس فـيه شركاً بـالاسم، فلو كانت قراءة من قرأ: «شِرْكاً» صحيحة وجب ما قلنا أن يكون الكلام: جعلا لغيره فـيه شركاً، وفـي نزول وحي الله بقوله: { جَعَلا لَهُ } ما يوضح عن أن الصحيح من القراءة: { شُرَكاءَ } بضم الشين علـى ما بـينت قبل.

فإن قال قائل: فإن آدم وحوّاء إنـما سميا ابنهما عبد الـحرث، والـحرث واحد، وقوله: { شُرَكاءَ } جماعة، فكيف وصفهما جلّ ثناؤه بأنهما جعلا له شركاء، وإنـما أشركا واحداً؟ قـيـل: قد دللنا فـيـما مضى علـى أن العرب تـخرج الـخبر عن الواحد مخرج الـخبر عن الـجماعة إذا لـم تقصد واحدا بعينه ولـم تسمه، كقوله:
{ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ }
وإنـما كان القائل ذلك واحداً، فأخرج الـخبر مخرج الـخبر عن الـجماعة، إذ لـم يقصد قصده، وذلك مستفـيض فـي كلام العرب وأشعارها.

اسامة محمد خيري
12-01-2017, 06:34
. { وتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إلَـيْكَ وهُمْ لا يُبْصِرُونَ } وهذا خطاب من الله لنبـيه صلى الله عليه وسلم، يقول: وترى يا مـحمد آلهتهم ينظرون إلـيك وهم لا يبصرون. ولذلك وحد، ولو كان أمر النبـيّ صلى الله عليه وسلم بخطاب الـمشركين لقال: وترونهم ينظرون إلـيكم.

وقد رُوي عن السديّ فـي ذلك ما:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { وَإنْ تَدْعُوهُمْ إلـى الهُدَى لا يَسْمَعوا وَتَرَاهمْ يَنْظرُونَ إلَـيكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ } قال: هؤلاء الـمشركين.

وقد يحتـمل قول السديّ هذا أن يكون أراد بقوله: هؤلاء الـمشركون قول الله: { وَإنْ تَدْعُوهُمْ إلـى الهدَى لا يَسْمَعوا }.

وقد كان مـجاهد يقول فـي ذلك ما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح عن مـجاهد: { وَتَرَاهُمْ يَنْظرُونَ إلَـيْكَ وَهمْ لا يُبْصِرُونَ } ما تدعوهم إلـى الهدى.

وكأن مـجاهداً وجه معنى الكلام إلـى أن معناه: وترى الـمشركين ينظرون إلـيك وهم لا يبصرون. فهو وجه، ولكن الكلام فـي سياق الـخبر عن الآلهة فهو بوصفها أشبه.

قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فما معنى قوله: { وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إلَـيْكَ وَهمْ لا يُبْصِرُونَ }؟ وهل يجوز أن يكون شيء ينظر إلـى شيء ولا يراه؟ قـيـل: إن العرب تقول للشيء إذا قابل شيئاً أو حاذاه هو ينظر إلـى كذا، ويقال: منزل فلان ينظر إلـى منزلـي إذا قابله. وحُكي عنها: إذا أتـيت موضع كذا وكذا، فنظر إلـيك الـجبل، فخذ يـمينا أو شمالاً. وحدثت عن أبـي عُبـيد، قال: قال الكسائي: الـحائط ينظر إلـيك إذا كان قريبـا منك حيث تراه، ومنه قول الشاعر:
إذَا نَظَرَتْ بِلادَ بَنِـي تَـمِيـم بِعَيْنٍ أوْ بِلادَ بَنِـي صُبـاحِ
يريد: تقابل نبتُها وعشبُها وتـحاذَى.

فمعنى الكلام: وترى يا مـحمد آلهة هؤلاء الـمشركين من عبدة الأوثان يقابلونك ويحاذونك، وهم لا يبصرونك، لأنه لا أبصار لهم. وقـيـل: «وتراهم»، ولـم يقل: «وتراها»، لأنها صور مصوّرة علـى صور بنـي آدم.

اسامة محمد خيري
12-01-2017, 06:38
حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { خُذِ العَفْوَ } قال: أمره فأعرض عنهم عشر سنـين بـمكة. قال: ثم أمره بـالغلظة علـيهم وأن يقعد لهم كلّ مرصد وأن يحصرهم، ثم قال:
{ فإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ }
الآية كلها، وقرأ:
{ يا أيُّها النَّبِـيّ جاهِدِ الكُفَّـارَ وَالـمُنافَقِـينَ وَاغْلُظْ عَلَـيْهِمْ }
قال: وأمر الـمؤمنـين بـالغلظة علـيهم، فقال:
{ يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَـلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّـارِ وَلْـيَجِدُوا فِـيكُمْ غِلْظَةً }
بعدما كان أمرهم بـالعفو، وقرأ قول الله:
{ قُلْ للَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا للَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيَّامَ اللّهِ }
ثم لـم يقبل منهم بعد ذلك إلاَّ الإسلام أو القتل، فنسخت هذه الآية العفو.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بـالصواب قول من قال: معناه: خذ العفو من أخلاق الناس، واترك الغلظة علـيهم، وقال: أُمر بذلك نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم فـي الـمشركين.

وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب، لأن الله جلّ ثناؤه اتبع ذلك تعلـيـمه نبـيه صلى الله عليه وسلم مـحاجته الـمشركين فـي الكلام، وذلك قوله:
{ قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونَ }
وعقبه بقوله:
{ وإخْوَانُهُمْ يَـمُدونَهُمْ فِـي الغَيّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ وإذَا لَـمْ تَأْتِهِمْ بآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَـيْتَها }
فما بـين ذلك بأن يكون من تأديبه نبـيه صلى الله عليه وسلم فـي عشرتهم به أشبه وأولـى من الاعتراض بأمره بأخذ الصدقة من الـمسلـمين.

..

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { وأْمُرْ بـالعُرْفِ } أي بـالـمعروف.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله أمر نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس بـالعُرْف، وهو الـمعروف فـي كلام العرب، مصدر فـي معنى الـمعروف، يقال أولـيته عُرْفـاً وعارفـاً وعارفةً كل ذلك بـمعنى الـمعروف. فإذا كان معنى العرف ذلك، فمن الـمعروف صلة رحم من قُطِع، وإعطاء من حُرِم، والعفو عمن ظَلَـم. وكلّ ما أمر الله به من الأعمال أو ندب إلـيه فهو من العرف. ولـم يخصص الله من ذلك معنى دون معنى فـالـحقّ فـيه أن يقال: قد أمر الله نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر عبـاده بـالـمعروف كله لا ببعض معانـيه دون بعض.

اسامة محمد خيري
12-01-2017, 06:41
قال أبو جعفر: وأولـى القراءتـين فـي ذلك عندي بـالصواب قراءة من قرأ: { طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ } لأن أهل التأويـل تأوّلوا ذلك بـمعنى الغضب والزلة تكون من الـمطيف به. وإذا كان ذلك معناه كان معلوماً إذ كان الطيف إنـما هو مصدر من قول القائل: طاف يطيف، أن ذلك خبر من الله عما يـمسّ الذين اتقوا من الشيطان، وإنـما يـمسهم ما طاف بهم من أسبـابه، وذلك كالغضب والوسوسة. وإنـما يطوف الشيطان بـابن آدم لـيستزله عن طاعة ربه أو لـيوسوس له، والوسوسة والاستزلال هو الطائف من الشيطان، وأما الطيف فإنـما هو الـخيال، وهو مصدر من طاف يطيف، ويقول: لـم أسمع فـي ذلك طاف يَطيف، ويتأوّله بأنه بـمعنى الـميت وهو من الواو. وحكى البصريون وبعض الكوفـيـين سماعاً من العرب: طاف يطيف، وطفت أطيف، وأنشدوا فـي ذلك:
أنَّى ألَـمَّ بِكَ الـخَيالُ يَطِيفُ ومَطافُه لَكَ ذِكْرَةٌ وَشُعُوفُ
وأما أهل التأويـل، فإنهم اختلفوا فـي تأويـله، فقال بعضهم: ذلك الطائف هو الغضب. ذكر من قال ذلك.

حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا: ثنا ابن يـمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد: إذَا مَسَّهُمْ طائِفٌ قال: الطيف: الغضب...

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا } يقول: إذا زلوا تابوا..

قال أبو جعفر: وهذان التأويلان متقاربـا الـمعنى، لأن الغضب من استزلال الشيطان. واللـمة من الـخطيئة أيضاً منه، وكان ذلك من طائف الشيطان. وإذ كان ذلك كذلك، فلا وجه لـخصوص معنى منه دون معنى، بل الصواب أن يعُمّ كما عمه جلّ ثناؤه، فـيقال: إن الذين اتقوا إذا عرض لهم عارض من أسبـاب الشيطان ما كان ذلك العارض، تذكروا أمر الله وانتهوا إلـى أمره.

اسامة محمد خيري
12-01-2017, 06:50
يقول تعالـى ذكره: وإخوان الشياطين تـمدّهم الشياطين فـي الغيّ. يعنـي بقوله: { يـمُدّونَهُمْ يزيدونهم }. { ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ } عما قصر عنه الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان. وإنـما هذا خبر من الله عن فريقـي الإيـمان والكفر، بأن فريق الإيـمان وأهل تقوى الله إذا استزلهم الشيطان تذكروا عظمة الله وعقابه، فكفتهم رهبته عن معاصيه وردتهم إلـى التوبة والإنابة إلـى الله مـما كان منهم من زلة، وأن فريق الكافرين يزيدهم الشيطان غيًّا إلـى غيهم إذا ركبوا معصية من معاصي الله، ولا يحجزُهم تقوى الله ولا خوف الـمعاد إلـيه عن التـمادي فـيها والزيادة منها، فهو أبداً فـي زيادة من ركوب الإثم، والشيطان يزيده أبداً، لا يُقصر الإنسيّ عن شيء من ركوب الفواحش ولا الشيطان من مدّه منه. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: { وإخْوَانُهُمْ يَـمُدُّونَهُمْ فِـي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ } قال: لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات، ولا الشياطين تـمسك عنهم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: { وإخْوَانُهُمْ يَـمُدُّونَهُمْ فِـي الغَيّ ثُم لا يُقْصِرُونَ } يقول: هم الـجنّ يوحون إلـى أولـيائهم من الإنس، ثم لا يقصرون، يقول: لا يسأمون.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { وإخْوَانُهُمْ يَـمُدُّونَهُمْ فِـي الغَيّ } إخوان الشياطين من الـمشركين، يـمدّهم الشيطان فـي الغيّ. { ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ }.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال عبد الله بن كثـير: وإخوانهم من الـجنّ، يـمدّون إخوانهم من الإنس، ثم لا يقصرون، ثم يقول لا يقصر الإنسانُ. قال: والـمدّ الزيادة، يعنـي: أهل الشرك، يقول: لا يقصر أهل الشرك، كما يقصر الذين اتقوا لأنهم لا يحجزهم الإيـمان. قال ابن جريج، قال مـجاهد { وإخْوَانُهُمْ من الشياطين يَـمُدُّونَهُمْ فِـي الغَيّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ } استـجهالاً يـمدّون أهل الشرك. قال ابن جريج:
{ وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِـجَهَنَّـمَ كَثِـيراً مِنَ الـجِنّ وَالإنْسِ }
قال: فهؤلاء الإنس. يقول الله: { وَإخْوَانُهُمْ يَـمُدُّونَهُمْ فِـي الغَيّ }.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنـي مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: { وإخْوَانُهُمْ يَـمُدُّونَهُمْ فِـي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ } قال: إخوان الشياطين يـمدّهم الشياطين فـي الغيّ ثم لا يقصرون.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { وإخْوَانُهُمْ } من الشياطين. { يَـمُدُّونَهُمْ فِـي الغَيّ } استـجهالاً.

وكان بعضهم يتأوّل قوله: { ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ } بـمعنى: ولا الشياطين يُقْصِرون فـي مدّهم إخوانهم من الغيّ. ذكر من قال ذلك.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وإخْوَانُهُمْ يَـمُدُّونَهُمْ فِـي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ } عنهم، ولا يرحمونهم.

قال أبو جعفر: وقد بـيَّنا أولـى التأويـلـين عندنا بـالصواب، وإنـما اخترنا ما اخترنا من القول فـي ذلك علـى ما بـيَّناه لأن الله وصف فـي الآية قبلها أهل الإيـمان به وارتداعهم عن معصيته وما يكرهه إلـى مـحبته عند تذكرهم عظمته، ثم أتبع ذلك الـخبر عن إخوان الشياطين وركوبهم معاصيه، وكان الأولـى وصفهم بتـماديهم فـيها، إذ كان عقـيب الـخبر عن تقصير الـمؤمنـين عنها.

وأما قوله: { يَـمُدُّونَهُمْ } فإن القرّاء اختلفت فـي قراءته، فقرأه بعض الـمدنـيـين: «يُـمِدُّونَهُمْ» بضم الـياء من أمددت. وقرأته عامة قرّاء الكوفـيـين والبصريـين: { يَـمُدُّونَهُمْ } بفتـح الـياء من مددت.

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا: { يَـمُدُّونَهُمْ } بفتـح الـياء، لأن الذي يـمدّ الشياطينُ إخوانهم من الـمشركين إنـما هو زيادة من جنس الـمـمدود، وإذا كان الذي مدّ من جنس الـمـمدود كان كلام العرب مددت لا أمددت.

اسامة محمد خيري
12-01-2017, 07:00
حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: { لَوْلا اجْتَبَـيْتَها } يقول: لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء.

قال أبو جعفر: وأولـى التأويـلـين بـالصواب فـي ذلك، تأويـل من قال تأويـله: هلا أحدثتها من نفسك لدلالة قول الله: { قُلْ إنَّـمَا أتَّبِعُ ما يُوحَى إلـيَّ مِنْ رَبّـي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ } يبـين ذلك أن الله إنـما أمر نبـيه صلى الله عليه وسلم بأن يجيبهم بـالـخبر عن نفسه أنه إنـما يتبع ما ينزل علـيه ربه ويوحيه إلـيه، لا أنه يحدث من قِبَل نفسه قولاً وينشئه فـيدعو الناس إلـيه.

اسامة محمد خيري
12-01-2017, 07:04
حدثنا ابن البرقـي، قال: ثنا ابن أبـي مريـم، قال: ثنا يحيى بن أيوب، قال: ثنـي ابن جريج، عن عطاء بن أبـي ربـاح، قال: أوجب الإنصات يوم الـجمعة، قول الله تعالـى: { وَإذَا قُرِىءَ القُرآنُ فـاسْتَـمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } وفـي الصلاة مثل ذلك.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: أمروا بـاستـماع القرآن فـي الصلاة إذا قرأ الإمام وكان من خـلفه مـمن يأتـمّ به يسمعه، وفـي الـخطبة.

وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب، لصحة الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " إذَا قَرأ الإمامُ فأنْصِتوا " ، وإجماع الـجميع علـى أن من سمع خطبة الإمام مـمن علـيه الـجمعة، الاستـماع والإنصات لها، مع تتابع الأخبـار بـالأمر بذلك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا وقت يجب علـى أحد استـماع القرآن والإنصات لسامعه من قارئه إلاَّ فـي هاتـين الـحالتـين علـى اختلاف فـي إحداهما، وهي حالة أن يكون خـلف إمام مؤتـمّ به. وقد صحّ الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بـما ذكرنا من قوله: «إذَا قَرأ الإمامُ فأنْصِتُوا» فـالإنصات خـلفه لقراءته واجب علـى من كان به مؤتـماً سامعاً قراءته بعموم ظاهر القرآن والـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

اسامة محمد خيري
13-01-2017, 05:17
سورة الانفال

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بـالصواب فـي معنى الأنفـال قول من قال: هي زيادات يزيدها الإمام بعض الـجيش أو جميعهم إما من سلبه علـى حقوقهم من القسمة، وإما مـما وصل إلـيه بـالنفل، أو ببعض أسبـابه، ترغيبـاً له وتـحريضاً لـمن معه من جيشه علـى ما فـيه صلاحهم وصلاح الـمسلـمين، أو صلاح أحد الفريقـين. وقد يدخـل فـي ذلك ما قال ابن عبـاس من أنه الفرس والدرع ونـحو ذلك، ويدخـل فـيه ما قاله عطاء من أن ذلك ما عاد من الـمشركين إلـى الـمسلـمين من عبد أو فرس لأن ذلك أمره إلـى الإمام إذا لـم يكن ما وصلوا إلـيه لغلبة وقهر، يفعل ما فـيه صلاح أهل الإسلام، وقد يدخـل فـيه ما غلب علـيه الـجيش بقهر.

وإنـما قلنا ذلك أولـى الأقوال بـالصواب، لأن النَّفَل فـي كلام العرب إنـما هو الزيادة علـى الشيء، يقال منه: نفلتك كذا، وأنفلتك: إذا زدتك، والأنفـال: جمع نَفَل ومنه قول لبـيد بن ربـيعة:
إنَّ تَقْوَى رَبِّنا خَيْرُ نَفَلْ وَبـاذْنِ اللّهِ رَيْثـي وَعَجَلْ
فإذ كان معناه ما ذكرنا، فكلّ من زيد من مقاتلة الـجيش علـى سهمه من الغنـيـمة، إن كان ذلك لبلاء أبلاه أو لغناء كان منه عن الـمسلـمين، بتنفـيـل الوالـي ذلك إياه، فـيصير حكم ذلك له كالسلب الذي يسلبه القاتل، فهو منفل ما زيد من ذلك لأن الزيادة وإن كانت مستوجبة فـي بعض الأحوال بحقّ، فلـيست من الغنـيـمة التـي تقع فـيها القسمة، وكذلك كلّ ما رضخ لـمن لا سهم له فـي الغنـيـمة فهو نفل، لأنه وإن كان مغلوبـا علـيه فلـيس مـما وقعت علـيه القسمة. فـالفصل إذ كان الأمر علـى ما وصفنا بـين الغنـيـمة والنفل، أن الغنـيـمة هي ما أفـاء الله علـى الـمسلـمين من أموال الـمشركين بغلبة وقهر نفل منه منفل أو لـم ينفل والنفَل: هو ما أعطيه الرجل علـى البلاء والغناء عن الـجيش علـى غير قسمة. وإذ كان ذلك معنى النفل، فتأويـل الكلام: يسألك أصحابك يا مـحمد عن الفضل من الـمال الذي تقع فـيه القسمة من غنـيـمة كفـار قريش الذين قتلوا ببدر لـمن هو قل لهم يا مـحمد: هو لله ولرسوله دونكم، يجعله حيث شاء...

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: ثنا أيوب، عن عكرمة، فـي قوله: { يَسألُونَكَ عَنِ الأنْفـالِ } قال: يسألونك الأنفـال.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله تعالـى أخبر فـي هذه الآية عن قوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنفـال أن يعطيهموها، فأخبرهم الله أنها لله وأنه جعلها لرسوله.

وإذا كان ذلك معناه جاز أن يكون نزولها كان من أجل اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فـيها، وجائز أن يكون كان من أجل مسألة من سأله السيف الذي ذكرنا عن سعد أنه سأله إياه، وجائز أن يكون من أجل مسألة من سأله قسم ذلك بـين الـجيش....

وقال آخرون: هي مـحكمة ولـيست منسوخة. وإنـما معنى ذلك: قل الأنفـال لله، وهي لا شكّ لله مع الدنـيا بـما فـيها والآخرة، وللرسول يضعها فـي مواضعها التـي أمره الله بوضعها فـيه. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { يَسألُونَكَ عَنِ الأنْفـالِ } فقرأ حتـى بلغ: { إنْ كُنْتُـمْ مُؤْمِنِـينَ } فسلـموا لله ولرسوله يحكمان فـيها بـما شاء ويضعانها حيث أرادا، فقالوا: نعم. ثم جاء بعد الأربعين:
{ وَاعْلَـمُوا أنَّـمَا غَنِـمْتُـمْ مِنْ شَيْءٍ فَأنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وللرَّسُولِ... }
الآية، ولكم أربعة أخماس، وقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم يوم خَيبر: " وَهَذا الـخُمُسُ مَرْدُودٌ علـى فُقَرائِكُمْ يَصْنَعُ اللّهُ وَرَسُولَهُ فِـي ذلكَ الـخُمْسَ ما أحَبَّـا، وَيَضَعانِهِ حَيْثُ أحَبَّـا، ثم أخبرنا الله الذي يجب من ذلك " ثم قرأ الآية:
{ لِذِي القُرْبَى والـيَتامَى والـمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِـيـلِ كَيْلا يَكونَ دُولَةً بـينَ الأغْنِـياءِ مِنْكُمْ }


قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله جلّ ثناؤه أخبر أنه جعل الأنفـال لنبـيه صلى الله عليه وسلم ينفل من شاء، فنفل القاتل السلب، وجعل للـجيش فـي البداءة الربع وفـي الرجعة الثلث بعد الـخمس، ونفل قوماً بعد سهمانهم بعيراً بعيراً فـي بعض الـمغازي.

فجعل الله تعالـى ذكره حكم الأنفـال إلـى نبـيه صلى الله عليه وسلم ينفل علـى ما يرى مـما فـيه صلاح الـمسلـمين، وعلـى من بعده من الأئمة أن يستنوا بسنته فـي ذلك، ولـيس فـي الآية دلـيـل علـى أن حكمها منسوخ لاحتـمالها ما ذكرت من الـمعنى الذي وصفت، وغير جائز أن يحكم بحكم قد نزل به القرآن أنه منسوخ إلاَّ بحجة يجب التسلـيـم لها، فقد دللنا فـي غير موضع من كتبنا علـى أن لا منسوخ إلاَّ ما أبطل حكمه حادث حكم بخلافه ينفـيه من كلّ معانـيه، أو يأتـي خبر يوجب الـحجة أن أحدهما ناسخ الآخر. وقد ذُكر عن سعيد بن الـمسيب أنه كان ينكر أن يكون التنفـيـل لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم تأويلاً منه لقول الله تعالـى: { قُلِ الأنْفـالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ }...

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا عبـاد بن العوّام، عن سفـيان بن حسين، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس: { فـاتَّقُوا اللّهَ وأصْلِـحُوا ذَاتَ بَـيْنِكُمْ } قال هذا تـحريج من الله علـى الـمؤمنـين أن يتقوا ويصلـحوا ذات بـينهم. قال عبـاد، قال سفـيان: هذا حين اختلفوا فـي الغنائم يوم بدر.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { فـاتَّقُوا اللّهَ وأصْلِـحُوا ذَاتَ بَـيْنِكُمْ }: أي لا تستبوا.

واختلف أهل العربـية فـي وجه تأنـيث البـين، فقال بعض نـحويـي البصرة: أضاف ذات إلـى البـين وجعله ذاتا، لأن بعض الأشياء يوضع علـيه اسم مؤنث، وبعضاً يذكر نـحو الدار، والـحائط أنَّث الدار وذكَّر الـحائط. وقال بعضهم: إنـما أراد بقوله: { ذَاتَ بَـيْنِكُمْ }: الـحال التـي للبـين فقال: وكذلك «ذات العشاء» يريد الساعة التـي فـيها العشاء. قال: ولـم يضعوا مذكرا لـمؤنث ولا مؤنثاً لـمذكر إلاَّ لـمعنى.

قال أبو جعفر: هذا القول أولـى القولـين بـالصواب للعلة التـي ذكرتها له.

اسامة محمد خيري
13-01-2017, 05:26
حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { كمَا أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَـيْتِكَ بـالـحَقّ } قال: كذلك يجادلونك فِـي الـحقّ.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { كمَا أخْرَجَك رَبُّكَ مِنْ بَـيْتِكَ بـالـحَقّ } كذلك يجادلونك فـي الـحقّ، القتال.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: { كمَا أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَـيْتِكَ بـالـحَقّ } قال: كذلك أخرجك ربك.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: أنزل الله فـي خروجه يعنـي خروج النبـيّ صلى الله عليه وسلم إلـى بدر ومـجادلتهم إياه، فقال: { كمَا أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَـيْتِكَ بـالـحَقّ وَإنَّ فَرِيقاً مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ لَكارِهُونَ } لطلب الـمشركين، { يُجادِلُونَكَ فـي الـحَقّ بَعْدَما تَبَـيَّنَ }.

اختلف أهل العربـية فـي ذلك، فقال بعض نـحويـي الكوفـيـين: ذلك أمر من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يـمضي لأمره فـي الغنائم، علـى كُره من أصحابه، كما مضى لأمره فـي خروجه من بـيته لطلب العير وهم كارهون. وقال آخرون منهم: معنى ذلك: يسألونك عن الأنفـال مـجادلة كما جادلوك يوم بدر، فقالوا: أخرجتنا للعير، ولـم تعلـمنا قتالاً فنستعدّ له. وقال بعض نـحويـي البصرة: يجوز أن يكون هذا الكاف فـي: { كمَا أخْرَجَكَ } علـى قوله: { أُولَئِكَ هُمُ الـمُؤْمِنُونَ حَقًّا كمَا أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَـيْتِكَ بـالـحَقّ } وقـيـل: الكاف بـمعنى «علـى».

وقال آخرون منهم: هي بـمعنى القسم. قال: ومعنى الكلام: والذي أخرجك ربك.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال عندي بـالصواب قول من قال فـي ذلك بقول مـجاهد، وقال معناه: كما أخرجك ربك بـالـحقّ علـى كره من فريق من الـمؤمنـين، كذلك يجادلونك فـي الـحقّ بعدما تبـين.

لأن كلا الأمرين قد كان، أعنـي خروج بعض من خرج من الـمدينة كارهاً، وجِدَالهم فـي لقاء العدوّ عند دنوّ القوم بعضهم من بعض، فتشبـيه بعض ذلك ببعض مع قرب أحدهما من الآخر أولـى من تشبـيهه بـما بعد عنه. وقال مـجاهد فـي الـحقّ الذي ذكر أنهم يجادلون فـيه النبـيّ صلى الله عليه وسلم بعدما تبـينوه: هو القتال...

وقال آخرون: عُنـي بذلك الـمشركون. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { يُجادِلُونَكَ فِـي الـحقّ بَعْدَما تَبَـيَّنَ كأنَّـمَا يُساقُونَ إلـى الـمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ } قال: هؤلاء الـمشركون جادلوك فـي الـحق كأنـما يساقون إلـى الـموت حين يُدعون إلـى الإسلام، { وهم يَنْظُرُونَ } قال: ولـيس هذا من صفة الآخرين، هذه صفة مبتدأة لأهل الكفر.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يعقوب بن مـحمد، قال: ثنـي عبد العزيز بن مـحمد، عن ابن أخي الزهري، عن عمه، قال: كان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر: { كَأنَّـمَا يُسَاقُونَ إلـى الـمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ } خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى العير.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك ما قاله ابن عبـاس وابن إسحاق، من أن ذلك خبر من الله عن فريق من الـمؤمنـين أنهم كرهوا لقاء العدوّ، وكان جدالهم نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم أن قالوا: لـم يعلـمنا أنا نلقـى العدوّ فنستعدّ لقتالهم، وإنـما خرجنا للعير. ومـما يدلّ علـى صحة قوله:
{ وَإذْ يَعِدكُمُ اللّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَـيْنِ أنَّها لَكُم وَتَوَدُّونَ أنَّ غيرَ ذَاتِ الشَّوكَةِ تَكُونُ لَكُمْ }
ففـي ذلك الدلـيـل الواضح لـمن فهم عن الله أن القوم قد كانوا للشوكة كارهين وأن جدالهم كان فـي القتال كما قال مـجاهد، كراهية منهم له، وأن لا معنى لـما قال ابن زيد، لأن الذي قبل قوله: { يُجادِلُونَكَ فـي الـحَقّ } خبر عن أهل الإيـمان، والذي يتلوه خبر عنهم، فأن يكون خبراً عنهم أولـى منه بأن يكون خبراً عمن لـم يجر له ذكر.

اسامة محمد خيري
13-01-2017, 05:37
والصواب من القراءة فـي ذلك عندي قراءة من قرأ: { بألْفٍ مِنَ الـمَلائِكَةِ مُرْدِفِـينَ } بكسر الدال لإجماع أهل التأويـل علـى ما ذكرت من تأويـلهم أن معناه: يتبع بعضهم بعضا ومتتابعين. ففـي إجماعهم علـى ذلك من التأويـل الدلـيـل الواضح علـى أن الصحيح من القراءة ما اخترنا فـي ذلك من كسر الدال، بـمعنى: أردف بعض الـملائكة بعضاً، ومسموع من العرب: جئت مِرْدِفـا لفلان: أي جئت بعده.

وأما قول من قال: معنى ذلك إذا قرىء «مُرْدَفِـينَ» بفتـح الدال: أن الله أردف الـمسلـمين بهم، فقول لا معنى له إذ الذكر الذي فـي مردفـين من الـملائكة دون الـمؤمنـين.

وإنـما معنى الكلام: أن يـمدّكم بألف من الـملائكة يردَف بعضهم ببعض، ثم حذف ذكر الفـاعل، وأخرج الـخبر غير مسمى فـاعله، فقـيـل: { مُرْدَفِـينَ } بـمعنى: مردَف بعضُ الـملائكة ببعض، ولو كان الأمر علـى ما قاله من ذكرنا قوله وجب أن يكون فـي الـمردَفـين ذكر الـمسلـمين لا ذكر الـملائكة، وذلك خلاف ما دلّ علـيه ظاهر القرآن.

اسامة محمد خيري
13-01-2017, 05:49
واختلفت القراء فـي قراءة قوله: «إذْ يُغَشاكُمُ النُّعاسُ أمَنَةً مِنْهُ» فقرأ ذلك عامَّة قراء أهل الـمدينة «يُغَشِيكُمُ النُّعاسَ» بضم الـياء وتـخفـيف الشين ونصب «النعاس»، من أغشاهم الله النعاس، فهو يغشيهم. وقرأته عامة قراء الكوفـيـين: { يُغَشِّيكُم } بضم الـياء وتشديد الشين من غشّاهم الله النعاس، فهو يُغَشّيهم. وقرأ ذلك بعض الـمكيـين والبصريـين: «يَغْشاكُم النُّعاسُ» بفتـح الـياء ورفع «النعاس»، بـمعنى غشيهم النعاس، فهو يغشاهم واستشهد هؤلاء لصحة قراءتهم كذلك بقوله فـي آل عمران: { يَغْشَى طائفَةً }.

وأولـى ذلك بـالصواب: { إذْ يُغَشِّيكُم } علـى ماذكرت من قراءة الكوفـيـين، لإجماع جميع القرّاء علـى قراءة قوله: { ويُنَزّلُ عَلَـيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً } بتوجيه ذلك إلـى أنه من فعل الله عزّ وجلّ، فكذلك الواجب أن يكون كذلك: { يُغَشِّيكُم } إذ كان قوله: { ويُنَزّلُ } عطفـاً علـى «يُغَشّي»، لـيكون الكلام متسقاً علـى نـحو واحد...

والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله أمر الـمؤمنـين معلـمهم كيفـية قتل الـمشركين وضربهم بـالسيف أن يضربوا فوق الأعناق منهم والأيدي والأرجل وقوله: { فَوْقَ الأعْناقِ } مـحتـمل أن يكون مراداً به الرءوس، ومـحتـمل أن يكون مرادا به فوق جلدة الأعناق، فـيكون معناه: علـى الأعناق وإذا احتـمل ذلك صحّ قول من قال: معناه: الأعناق.

وإذا كان الأمر مـحتـملاً ما ذكرنا من التأويـل، لـم يكن لنا أن نوجهه إلـى بعض معانـيه دون بعض إلاَّ بحجة يجب التسلـيـم لها، ولا حجة تدلّ علـى خصوصه، فـالواجب أن يقال: إن الله أمر بضرب رءوس الـمشركين وأعناقهم وأيديهم وأرجلهم أصحاب نبـيه صلى الله عليه وسلم الذين شهدوا معه بدراً...

اسامة محمد خيري
13-01-2017, 05:57
وقال آخرون: بل هذه الآية حكمها عام فـي كلّ من ولـى الدبر عن العدوّ منهزماً. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قال: أكبر الكبـائر: الشرك بـالله، والفرار من الزحف لأن الله عزّ وجل يقول: { وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ... فَقَدْ بـاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ وَمأْوَاهُ جَهَنَّـمُ وَبِئْسَ الـمَصِير }.

وأولـى التأويـلـين فـي هذه الآية بـالصواب: عندي قول من قال: حكمها مـحكم، وأنها نزلت فـي أهل بدر، وحكمها ثابت فـي جميع الـمؤمنـين، وأن الله حرّم علـى الـمؤمنـين إذا لقوا العدوّ أن يولوهم الدبر منهزمين، إلاَّ لتـحرّف القتال، أو لتـحيز إلـى فئة من الـمؤمنـين حيث كانت من أرض الإسلام، وأن من ولاهم الدبر بعد الزحف لقتال منهزماً بغير نـية إحدى الـخـلتـين اللتـين أبـاح الله التولـية بهما، فقد استوجب من الله وعيده إلاَّ أن يتفضل علـيه بعفوه.

وإنـما قلنا هي مـحكمة غير منسوخة، لـما قد بـيَّنا فـي غير موضع من كتابنا هذا وغيره أنه لا يجوز أن يحكم لـحكم آية بنسخ وله فـي غير النسخ وجه إلاَّ بحجة يجب التسلـيـم لها من خبر يقطع العذر أو حجة عقل، ولا حجة من هذين الـمعنـيـين تدلّ علـى نسخ حكم قول الله عزّ وجلّ: { وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاَّ مُتَـحَرفـاً لِقِتالٍ أوْ مُتَـحَيِّزاً إلـى فِئَةٍ }....

وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { مُوهِنُ }.فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة وبعض الـمكيـين والبصريـين: «مُوَهِّنٌ» بـالتشديد، من وهَّنت الشيء: ضعَّفته. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين: { مُوهِنُ } من أوهنته فأنا موهنه، بـمعنى أضعفته. والتشديد فـي ذلك أعجب إلـيّ لأن الله تعالـى كان ينقض ما يبرمه الـمشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، عقداً بعد عقد، وشيئاً بعد شيء، وإن كان الآخر وجهاً صحيحاً...

وقد قـيـل: إن معنى قوله: { وَإنْ تَعُودُوا نَعُدْ } وإن تعودوا للاستفتاح نعد لفتـح مـحمد صلى الله عليه وسلم. وهذا القول لا معنى له لأن الله تعالـى قد كان ضمن لنبـيه علـيه الصلاة والسلام حين أذن له فـي حرب أعدائه إظهار دينه وإعلاء كلـمته من قبل أن يستفتـح أبو جهل وحزبه، فلا وجه لأن يقال والأمر كذلك إن تنتهوا عن الاستفتاح فهو خير لكم وإن تعودوا نعد لأن الله قد كان وعد نبـيه صلى الله عليه وسلم الفتـح بقوله: أُذنَ للَّذينَ يُقاتَلُونَ بأنَّهُمْ ظُلِـمُوا وإنَّ اللّهَ علـى نَصْرهِمْ لَقَديرٌ استفتـح الـمشركون أو لـم يستفتـحوا....

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { وأنَّ اللّهَ مَعَ الـمُؤْمِنِـينَ } ففتـحها عامة قرّاء أهل الـمدينة، بـمعنى: ولن تغنـي عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت، وأن الله مع الـمؤمنـين. فعطف ب «أنّ» علـى موضع «ولو كثرت» كأنه قال: لكثرتها، ولأن الله مع الـمؤمنـين ويكون موضع «أن» حينئذٍ نصبـاً علـى هذا القول. وكان بعض أهل العربـية يزعم أن فتـحها إذا فتـحت علـى:
{ وأنَّ اللّهَ مُوهِنُ كَيْدَ الكافِرِينَ، وأنَّ اللّهَ مَعَ الـمُؤْمِنِـينَ }
عطفـا بـالأخرى علـى الأولـى. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين والبصريـين: «وإنَّ اللّهَ» بكسر الألف علـى الابتداء، واعتلوا بأنها فـي قراءة عبد الله: «وَإنَّ اللّهَ لَـمَعَ الـمُؤْمِنِـينَ».

وأولـى القراءتـين بـالصواب، قراءة من كسر «إن» للابتداء، لتقضي الـخبر قبل ذلك عما يقضي قوله: { وَإنَّ اللّهَ مَعَ الـمُؤْمِنِـينَ }.

اسامة محمد خيري
13-01-2017, 06:17
اختلف أهل التأويـل، فـيـمن عنـي بهذه الآية وفـي معناها، فقال بعضهم: عنـي بها الـمشركون، وقال: معناه أنهم لو رزقهم الله الفهم لِـما أنزله علـى نبـيه صلى الله عليه وسلم لـم يؤمنوا به، لأن الله قد حكم علـيهم أنهم لا يؤمنون. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قوله: { وَلَوْ عَلِـمَ اللّهُ فِـيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أسْمَعَهُمْ } لقالُوا
{ ائْتِ بقُرآنٍ غيرِ هَذَا }
ولقالوا:
{ لولا اجْتَبَـيْتَهَا }
ولو جاءهم بقرآن غيره { لتولَّوْا وهُمْ مُعْرِضُونَ }.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { وَلَوْ أسْمَعْهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ } قال: لو أسمعهم بعد أن يعلـم أن لا خير فـيهم ما انتفعوا بذلك، ولتولوا وهم معرضون.

وحدثنـي به مرّة أخرى، فقال: لو علـم الله فـيهم خيراً لأسمعهم، ولو أسمعهم بعد أن يعلـم أن لا خير فـيهم ما نفعهم بعد أن نفذ علـمه بأنهم لا ينتفعون به.

وقال آخرون: بل عنـي بها الـمنافقون. قالوا: ومعناه: ما:

حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: { وَلَوْ عَلِـمَ اللّهُ فِـيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ } لأنفذ لهم قولهم الذي قالوه بألسنتهم، ولكن القلوب خالفت ذلك منهم، ولو خرجوا معكم لتولوا وهم معرضون، فأوفوا لكم بشرّ مـما خرجوا علـيه.

وأولـى القول فـي تأويـل ذلك بـالصواب عندي ما قاله ابن جريج وابن زيد لـما قد ذكرنا قبل من العلة، وأن ذلك لـيس من صفة الـمنافقـين.

فتأويـل الآية إذن: ولو علـم الله فـي هؤلاء القائلـين خيراً لأسمعهم مواعظ القرآن وعبره، حتـى يعقلوا عن الله حججه منه، ولكنه قد علـم أنه لا خير فـيهم وأنهم مـمن كتب لهم الشقاء فهم لا يؤمنون. ولو أفهمهم ذلك حتـى يعلـموا ويفهموا لتولوا عن الله وعن رسوله، وهم معرضون عن الإيـمان بـما دلهم علـى حقـيقته مواعظ الله وعبره وحججه معاندون للـحقّ بعد العلـم به.

اسامة محمد خيري
13-01-2017, 06:29
وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: معناه: استـجيبوا لله وللرسول بـالطاعة إذا دعاكم الرسول لِـما يحيـيكم من الـحقّ. وذلك أن ذلك إذا كان معناه كان داخلاً فـيه الأمر بإجابتهم لقتال العدوّ والـجهاد، والإجابة إذا دعاكم إلـى حكم القرآن، وفـي الإجابة إلـى كلّ ذلك حياة الـمـجيب. أما فـي الدنـيا، فـيقال: الذكر الـجميـل، وذلك له فـيه حياة. وأما فـي الآخرة، فحياة الأبد فـي الـجنان والـخـلود فـيها.

وأما قول من قال: معناه الإسلام، فقول لا معنى له لأن الله قد وصفهم بـالإيـمان بقوله: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَـجِيبُوا لِلّهِ وللرَّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِـمَا يُحْيِـيكُمْ } فلا وجه لأن يقال للـمؤمن استـجب لله وللرسول إذا دعاك إلـى الإسلام والإيـمان.

وبعد: ففـيـما:

حدثنا أحمد بن الـمقدام العجلـي، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا روح بن القاسم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبـيه، عن أبـي هريرة، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى أبـيّ وهو يصلـي، فدعاه:

" أي أبـيّ " فـالتفت إلـيه أبـيّ، ولـم يجبه. ثم إن أبـيًّا خفف الصلاة، ثم انصرف إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم فقال: السلام علـيك أي رسول الله قال: " وَعَلَـيْكَ ما مَنَعَكَ إذْ دَعَوْتُكَ أنْ تُـجِيبَنِـي؟ " قال: يا رسول الله كنت أصلـي. قال: " أفَلَـمْ تَـجِدْ فِـيـما أُوحِيَ إلـيّ { اسْتَـجُيبُوا لِلّهِ وللرَّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِـمَا يُحْيِـيكُمْ }؟ " قال: بلـى يا رسول الله، لا أعود.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا خالد بن مخـلد، عن مـحمد بن جعفر، عن العلاء، عن أبـيه، عن أبـي هريرة، قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى أبـيّ وهو قائم يصلـي، فصرخ به، فلـم يجبه، ثم جاء فقال: " يا أبـيّ ما منعك أن تـجيبنـي إذ دعوتك، ألـيس الله يقول { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَـجِيبُوا لِلّهِ وللرَّسُولِ إذَا دَعاكُمْ لِـمَا يُحْيِـيكُمْ }؟ " قال أبـيّ: لا جرم يا رسول الله، لا تدعونـي إلاَّ أجبت، وإن كنت أصلـي.

ما يبـين عن أن الـمعنـيّ بـالآية هم الذين يدعوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى ما فـيه حياتهم بإجابتهم إلـيه من الـحقّ بعد إسلامهم، لأن أبـيًّا لا شكّ أنه كان مسلـما فـي الوقت الذي قال له النبـيّ صلى الله عليه وسلم ما ذكرنا فـي هذين الـخبرين....

وقال آخرون: معنى ذلك أنه قريب من قلبه لا يخفـى علـيه شيء أظهره أو أسرّه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، قال: ثنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: { يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ } قال: هي كقوله أقْرَبُ إلَـيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ.

وأولـى الأقوال بـالصواب عندي فـي ذلك أن يقال: إن ذلك خبر من الله عزّ وجلّ أنه أملك لقلوب عبـاده منهم، وإنه يحول بـينهم وبـينها إذا شاء، حتـى لا يقدر ذو قلب أن يدرك به شيئاً من إيـمان أو كفر، أو أن يعي به شيئاً، أو أن يفهم إلاَّ بإذنه ومشيئته. وذلك أن الـحول بـين الشيء والشيء إنـما هو الـحجز بـينهما، وإذا حجز جلّ ثناؤه بـين عبد وقلبه فـي شيء أن يدركه أو يفهمه، لـم يكن للعبد إلـى إدراك ما قد منع الله قلبه إدراكه سبـيـل، وإذا كان ذلك معناه، دخـل فـي ذلك قول من قال: يحول بـين الـمؤمن والكفر وبـين الكافر والإيـمان، وقول من قال: يحول بـينه وبـين عقله، وقول من قال: يحول بـينه وبـين قلبه حتـى لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلاَّ بإذنه لأن الله عزّ وجلّ إذا حال بـين عبد وقلبه، لـم يفهم العبد بقلبه الذي قد حيـل بـينه وبـينه ما منع إدراكه به علـى ما بـينت.

غير أنه ينبغي أن يقال: إن الله عمّ بقوله: { وَاعْلَـمُوا أنَّ اللّهَ يَحُولُ بـينَ الـمَرْءِ وَقَلْبِهِ } الـخبر عن أنه يحول بـين العبد وقلبه، ولـم يخصص من الـمعانـي التـي ذكرنا شيئاً دون شيء، والكلام مـحتـمل كلّ هذه الـمعانـي، فـالـخبر علـى العموم حتـى يخصه ما يجب التسلـيـم له.

اسامة محمد خيري
13-01-2017, 06:42
حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا يونس بن الـحرث الطائفـي، قال: ثنا مـحمد بن عبد الله بن عون الثقـفـيّ، عن الـمغيرة بن شعبة، قال: نزلت هذه الآية فـي قتل عثمان رضي الله عنه: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَـخُونُوا اللّهَ والرَّسُولَ... } الآية.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله نهى الـمؤمنـين عن خيانته وخيانة رسوله وخيانة أمانته. وجائز أن تكون نزلت فـي أبـي لبـابة، وجائز أن تكون نزلت فـي غيره، ولا خبر عندنا بأيّ ذلك كان يجب التسلـيـم له بصحته، فمعنى الآية وتأويـلها ما قدمنا ذكره....

وقال آخرون: معنى الأمانات ههنا: الدِّين. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { وَتـخُونُوا أماناتِكُمْ } دينكم. { وأنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ } قال: قد فعل ذلك الـمنافقون وهم يعلـمون أنهم كفـار، يظهرون الإيـمان. وقرأ:
{ وَإذَا قامُوا إلـى الصَّلاةِ قامُوا كُسالـى... }
الآية، قال: هؤلاء الـمنافقون أمنهم الله ورسوله علـى دينه فخانوا، أظهروا الإيـمان وأسرّوا الكفر.

فتأويـل الكلام إذن: يا أيها الذين آمنوا لا تنقصوا الله حقوقه علـيكم من فرائضه ولا رسوله من واجب طاعته علـيكم، ولكن أطيعوهما فـيـما أمراكم به ونهياكم عنه، لا تنقصوهما، وتـخونوا أماناتكم، وتنقصوا أديانكم، وواجب أعمالكم، ولازمها لكم، وأنتـم تعلـمون أنها لازمة علـيكم وواجبة بـالـحجج التـي قد ثبتت لله علـيكم.

اسامة محمد خيري
13-01-2017, 06:55
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما كان الله لـيعذّب الـمشركين وهم يستغفرون. قالوا: ثم نسخ ذلك بقوله: { وَمالَهُمْ ألاَّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ }. ذكر من قال ذلك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الـحسين بن واقد، عن يزيد النـحويّ، عن عكرمة والـحسن البصريّ، قالا: قال فـي الأنفـال: { وَما كانَ اللّهُ لِـيُعَذّبَهُمْ وأنْتَ فِـيهِمْ وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } فنسختها الآية التـي تلـيها: { وَمالَهُمْ ألاَّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ... } إلـى قوله:
{ فَذُوقُوا العَذَابَ بِـمَا كُنْتُـمْ تَكْفُرُونَ }
فقوتلوا بـمكة، وأصابهم فـيها الـجوع والـحصر.

وأولـى هذه الأقوال عندي فـي ذلك بـالصواب قول من قال: تأويـله: وما كان الله لـيعذبهم وأنت فـيهم يا مـحمد وبـين أظهرهم مقـيـم، حتـى أخرجك من بـين أظهرهم لأنـي لا أهلك قرية وفـيها نبـيها.

وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون من ذنوبهم وكفرهم، ولكنهم لا يستغفرون من ذلك، بل هم مصرّون علـيه، فهم للعذاب مستـحقون، كما يقال: ما كنت لأحسن إلـيك وأنت تسيء إلـيّ، يراد بذلك: لا أحسن إلـيك إذا أسأت إلـيّ ولو أسأت إلـيّ لـم أحسن إلـيك، ولكن أحسن إلـيك لأنك لا تسيء إلـيّ وكذلك ذلك. ثم قـيـل: { وَمالَهُمْ ألاَّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ } بـمعنى: وما شأنهم وما يـمنعهم أن يعذّبهم الله وهم لا يستغفرون الله من كفرهم فـيؤمنوا به، وهم يصدّون الـمؤمنـين بـالله ورسوله عن الـمسجد الـحرام.

وإنـما قلنا هذا القول أولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، لأن القوم أعنـي مشركي مكة كانوا استعجلوا العذاب، فقالوا: اللهمّ إن كان ما جاء به مـحمد هو الـحقّ، فأمطر علـينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب ألـيـم فقال الله لنبـيه: ما كنت لأعذّبهم وأنت فـيهم وما كنت لأعذّبهم لو استغفروا، وكيف لا أعذّبهم بعد إخراجك منهم وهم يصدّون عن الـمسجد الـحرام فأعلـمه جلّ ثناؤه أن الذين استعجلوا العذاب حائق بهم ونازل، وأعلـمهم حال نزوله بهم، وذلك بعد إخراجه إياه من بـين أظهرهم. ولا وجه لإيعادهم العذاب فـي الآخرة، وهم مستعجلوه فـي العاجل، ولا شكّ أنهم فـي الآخرة إلـى العذاب صائرون، بل فـي تعجيـل الله لهم ذلك يوم بدر الدلـيـل الواضح علـى أن القول فـي ذلك ما قلنا. وكذلك لا وجه لقول مَن وجَّه قوله: { وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } إلـى أنه عنـي به الـمؤمنـين، وهو فـي سياق الـخبر عنهم وعما الله فـاعل بهم، ولا دلـيـل علـى أن الـخبر عنهم قد تقضَّى، وعلـى أن ذلك به عنوا، ولا خلاف فـي تأويـله من أهله موجود. وكذلك أيضا لا وجه لقول من قال: ذلك منسوخ بقوله: { وَما لَهُمْ ألاَّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ... } الآية، لأن قوله جلّ ثناؤه: { وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } خبر، والـخبر لا يجوز أن يكون فـيه نسخ، وإنـما يكون النسخ للأمر والنهي....

اسامة محمد خيري
14-01-2017, 05:12
حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَـيْتِ إلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً } والـمكاء: الصفـير، علـى نـحو طير أبـيض يقال له الـمكاء يكون بأرض الـحجاز والتصدية: التصفـيق.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَـيْتِ إلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً } قال: الـمكاء: صفـير كان أهل الـجاهلـية يعلنون به. قال: وقال فـي الـمكاء أيضا: صفـير فـي أيديهم ولعب.

وقد قـيـل فـي التصدية: إنها الصدّ عن بـيت الله الـحرام. وذلك قول لا وجه له لأن التصدية مصدر من قول القائل: صدّيت تصدية. وأما الصدّ فلا يقال منه: صدّيت، إنـما يقال منه صَدَدْت، فإن شدّدت منها الدال علـى معنى تكرير الفعل، قـيـل: صَدَّدت تصدية، إلاَّ أن يكون صاحب هذا القول وجَّه التصدية إلـى أنه من صدّدت، ثم قلبت إحدى دالـيه ياء، كما يقال: تظنـيت من ظننت، وكما قال الراجز:
تَقَضّي البـازِي إذَا البـازِي كَسَرْ
يعنـي: تقضض البـازي، فقلب إحدى ضاديه ياء، فـيكون ذلك وجها يوجه إلـيه. ذكر من قال ما ذكرنا فـي تأويـل التصدية:

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا طلـحة بن عمرو، عن سعيد بن جبـير: { وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ البَـيْتِ إلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً }: صدّهم عن بـيت الله الـحرام....

وقال بعضهم: عنـي بذلك الـمشركون من أهل بدر. ذكر من قال ذلك.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ لِـيَصُدُّوا عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ... } الآية، قال: هم أهل بدر.

والصواب من القول فـي ذلك عندي ما قلنا، وهو أن يقال: إن الله أخبر عن الذين كفروا به من مشركي قريش أنهم ينفقون أموالهم، لـيصدوا عن سبـيـل الله، لـم يخبرنا بأيّ أولئك عنى، غير أنه عمّ بـالـخبر الذين كفروا، وجائز أن يكون عنى: الـمنفقـين أموالهم لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأُحد، وجائز أن يكون عنى الـمنفقـين منهم ذلك ببدر، وجائز أن يكون عنى القريقـين.

وإذا كان ذلك كذلك، فـالصواب فـي ذلك أن يعمّ كما عمّ جلّ ثناؤه الذين كفروا من قريش.

اسامة محمد خيري
14-01-2017, 05:21
وأما قوله: { فإن انْتَهَوْا } فإن معناه: فإن انتهوا عن الفتنة، وهي الشرك بـالله، وصاروا إلـى الدين الـحقّ معكم. { فإنَّ اللّهَ بِـمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } يقول: فإن الله لا يخفـى علـيه ما يعملون من ترك الكفر والدخول فـي دين الإسلام لأنه يبصركم ويبصر أعمالكم والأشياء كلها متـجلـية له لا تغيب عنه ولا يعزب عنه مثقال ذرّة فـي السموات ولا فـي الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلاَّ فـي كتاب مبـين.

وقد قال بعضهم: معنى ذلك: فإن انتهوا عن القتال.

والذي قلنا فـي ذلك أولـى بـالصواب، لأن الـمشركين وإن انتهوا عن القتال، فإنه كان فرضاً علـى الـمؤمنـين قتالهم حتـى يسلـموا.

اسامة محمد خيري
14-01-2017, 05:29
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال قوله: { فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } افتتاح كلام وذلك لإجماع الحجة على أن الخمس غير جائز قسمه على ستة أسهم، ولو كان لله فيه سهم كما قال أبو العالية، لوجب أن يكون خمس الغنيمة مقسوماً على ستة أسهم. وإنما اختلف أهل العلم في قسمه على خمسة فما دونها، فأما على أكثر من ذلك فما لا نعلم قائلاً قاله غير الذي ذكرنا من الخبر عن أبي العالية، وفي إجماع من ذكرت الدلالة الواضحة على صحة ما اخترنا. فأما من قال: سهم الرسول لذوي القربى، فقد أوجب للرسول سهماً وإن كان صلى الله عليه وسلم صرفه إلى ذوي قرابته، فلم يخرج من أن يكون القسم كان على خمسة أسهم. ...

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي، قول من قال: سهم ذي القربى كان لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وحلفائهم من بني المطلب، لأن حليف القوم منهم، ولصحة الخبر الذي ذكرناه بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم....

والصواب من القول في ذلك عندنا، أن سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مردود في الخمس، والخمس مقسوم على أربعة أسهم على ما رُوي عن ابن عباس: للقرابة سهم، ولليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم لأن الله أوجب الخمس لأقوام موصوفين بصفات، كما أوجب الأربعة الأخماس الآخرين. وقد أجمعوا أن حقّ الأربعة الأخماس لن يستحقه غيرهم، فكذلك حقّ أهل الخمس لن يستحقه غيرهم، فغير جائز أن يخرج عنهم إلى غيرهم، كما غير جائز أن تخرج بعض السهمان التي جعلها الله لمن سماه في كتابه بفقد بعض من يستحقه إلى غير أهل السهمان الأخر. وأما اليتامى: فهم أطفال المسلمين الذين قد هلك آباؤهم. والمساكين: هم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين. وابن السبيل: المجتاز سفراً ...

اسامة محمد خيري
14-01-2017, 05:40
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ } فقال بعضهم: معناه: ولكن الله سلم للمؤمنين أمرهم حتى أظهرهم على عدوّهم. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ } يقول: سلم الله لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوّهم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولكن الله سلم أمره فيهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، قال: ثنا معمر، عن قتادة: { وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ } قال: سلم أمره فيهم.

وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي ما قاله ابن عباس، وهو أن الله سلم القوم بما أرى نبيه صلى الله عليه وسلم في منامه من الفشل والتنازع، حتى قويت قلوبهم واجترءوا على حرب عدوّهم وذلك أن قوله: { وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ } عقيب قوله: { وَلَوْ أرَاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الأمْرِ } فالذي هو أولى بالخبر عنه، أنه سلمهم منه جلّ ثناؤه ما كان مخوفا منه لو لم يُرِ نبيه صلى الله عليه وسلم من قلة القوم في منامه.

اسامة محمد خيري
14-01-2017, 06:02
يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل الملائكة لهؤلاء المشركين الذين قتلوا ببدر أنهم يقولون لهم وهم يضربون وجوههم وأدبارهم: ذوقوا عذاب الله الذي يحرقكم، هذا العذاب لكم { بما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ

اسامة محمد خيري
14-01-2017, 06:18
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأ: «لا تَحْسَبن» بالتاء «الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إنهُمْ» بكسر الألف من «إنهُمْ لا يُعْجِزُونَ» بمعنى: ولا تحسبنّ أنت يا محمد الذين جحدوا حجج الله وكذّبوا بها سبقونا بأنفسهم، ففاتونا، إنهم لا يعجزوننا: أي يفوتوننا بأنفسهم، ولا يقدرون على الهرب منا. كما:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: { وَلا يَحْسَبنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ } يقول: لا يفوتون.

اسامة محمد خيري
14-01-2017, 06:29
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أمر المؤمنين بإعداد الجهاد وآلة الحرب وما يتقوّون به على جهاد عدوّه وعدوّهم من المشركين من السلاح والرمي وغير ذلك ورباط الخيل. ولا وجه لأن يقال: عني بالقوّة معنى دون معنى من معاني القوّة، وقد عمّ الله الأمر بها.

فإن قال قائل: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد بين أن ذلك مراد به الخصوص بقوله: " ألا إن القُوَّةَ الرَّمْيُ " قيل له: إن الخبر وإن كان قد جاء بذلك فليس في الخير ما يدلّ على أنه مراد بها الرمي خاصة دون سائر معاني القوّة عليهم، فإن الرمي أحد معاني القوّة، لأنه إنما قيل في الخبر: «ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ» ولم يقل دون غيرها. ومن القوّة أيضاً السيف والرمح والحربة، وكل ما كان معونة على قتال المشركين، كمعونة الرمي أو أبلغ من الرمي فيهم وفي النكاية منهم، هذا مع وهي سند الخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما قوله: { وآخِرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ } فإن قول من قال: عني به الجنّ، أقرب وأشبه بالصواب لأنه جلّ ثناؤه قد أدخل بقوله: { وَمِنْ رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ } الأمر بارتباط الخيل لإرهاب كلّ عدوّ لله وللمؤمنين يعلمونهم، ولا شكّ أن المؤمنين كانوا عالمين بعداوة قريظة وفارس لهم، لعلمهم بأنهم مشركون وأنهم لهم حرب، ولا معنى لأن يقال: وهم يعلمونهم لهم أعداء، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم ولكن معنى ذلك: إن شاء الله ترهبون بارتباطكم أيها المؤمنون الخيل عدوّ الله وأعداءكم من بني آدم الذين قد علمتم عداوتهم لكم لكفرهم بالله ورسوله، وترهبون بذلك جنسا آخر من غير بني آدم لا تعلمون أماكنهم وأحوالهم الله يعلمهم دونكم، لأن بني آدم لا يرونهم. وقيل: إن صهيل الخيل يرهب الجنّ، وإن الجنّ لا تقرب داراً فيها فرس.

فإن قال قائل: فإن المؤمنين كانوا لا يعلمون ما عليه المنافقون، فما تنكر أن يكون عني بذلك المنافقون؟ قيل: فإن المنافقين لم يكن تروعهم خيل المسلمين ولا سلاحهم، وإنما كان يروعهم أن يظهر المسلمون على سرائرهم التي كانوا يستسرّون من الكفر، وإنما أمر المؤمنون بإعداد القوّة لإرهاب العدوّ، فأما من لم يرهبه ذلك فغير داخل في معنى من أمر بإعداد ذلك له المؤمنون، وقيل: «لا تعلمونهم»، فاكتفي للعلم بمنصوب واحد في هذا الموضع، لأنه أريد لا تعرفونهم، كما قال الشاعر:
فإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُنِي وَوَهْباً وأنَّا سَوْفَ يَلْقاهُ كِلانا

اسامة محمد خيري
14-01-2017, 06:38
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَإنْ جَنَحُوا للسَّلْمِ } إلى الصلح { فاجْنَحْ لَهَا } قال: وكانت هذه قبل براءة، كان نبيّ الله صلى الله عليه وسلم يوادع القوم إلى أجل، فإما أن يسلموا وإما أن يقاتلوا، ثم نسخ ذلك بعد في براءة فقال:
{ اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ }
وقال:
{ قاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً }
ونبذ إلى كلّ ذي عهد عهده، وأمره بقتالهم حتى يقولوا لا إله إلا الله ويسلموا، وأن لا يقبل منهم إلا ذلك، وكل عهد كان في هذه السورة وفي غيرها، وكلّ صلح يصالح به المسلمون المشركين يتوادعون به فإن براءة جاءت بنسخ ذلك، فأمر بقتالهم على كل حال حتى يقولوا: لا إله إلا الله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسن، عن يزيد، عن عكرمة والحسن البصري، قالا: { وَإنْ جَنَحُوا للسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } نسختها الآية التي في براءة قوله:
{ قاتِلُوا الَّذينَ لا يُؤْمِنُونَ باللَّهِ وَلا باليَوْمِ الآخِرِ... }
إلى قوله:
{ وَهُمْ صَاغِرُونَ }


حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: { وَإنْ جَنَحُوا للسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } يقول: وإن أرادوا الصلح فأرده.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { وَإنْ جَنَحُوا للسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا }: أي إن دعوك إلى السلم إلى الإسلام، فصالحهم عليه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَإنْ جَنَحُوا للسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } قال: فصالحهم. قال: وهذا قد نسخه الجهاد.

فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله من أن هذه الآية منسوخة، فقول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل. وقد دللنا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره على أن الناسخ لا يكون إلا ما نفي حكم المنسوخ من كل وجه، فأما ما كان بخلاف ذلك فغير كائن ناسخا.

وقول الله في براءة:
{ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حيْثُ وَجَدْتْموهُمْ }
غير ناف حكمه حكم قوله: { وَإنْ جَنَحُوا للسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } لأن قوله: وَإنْ جَنَحُوا للسَّلْمِ إنَّمَا عُني به بنو قريظة، وكانوا يهودا أهل كتاب، وقد أذن الله جلّ ثناؤه للمؤمنين بصلح أهل الكتاب ومتاركتهم الحرب على أخذ الجزية منهم. وأما قوله:
{ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حيْثُ وَجَدْتْموهُمْ }
فإنما عني به مشركو العرب من عبدة الأوثان الذين لا يجوز قبول الجزية منهم، فليس في إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى، بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه.

اسامة محمد خيري
16-01-2017, 05:19
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما قد بيناه قبل، وذلك أن قوله: { لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ } خبر عام غير محصور على معنى دون معنى. وكل هذه المعاني التي ذكرتها عمن ذكرت مما قد سبق في كتاب الله أنه لا يؤاخذ بشيء منها هذه الأمة، وذلك ما عملوا من عمل بجهالة، وإحلال الغنيمة والمغفرة لأهل بدر، وكل ذلك مما كتب لهم. وإذ كان ذلك كذلك فلا وجه لأن يخصّ من ذلك معنى دون معنى، وقد عمّ الله الخبر بكل ذلك بغير دلالة توجب صحة القول بخصوصه.

اسامة محمد خيري
16-01-2017, 05:37
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بتأويل قوله: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ } قول من قال: معناه: أن بعضهم أنصار بعض دون المؤمنين، وأنه دلالة على تحريم الله على المؤمن المقام في دار الحرب وترك الهجرة لأن المعروف في كلام العرب من معنى الوليّ أنه النصير والمعين أو ابن العم والنسيب. فأما الوارث فغير معروف ذلك من معانيه إلا بمعنى أنه يليه في القيام بإرثه من بعده، وذلك معنى بعيد وإن كان قد يحتمله الكلام. وتوجيه معنى كلام الله إلى الأظهر الأشهر، أولى من توجيهه إلى خلاف ذلك.

وإذ كان ذلك كذلك، فبِّين أن أولى التأويلين بقوله: { إلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ } تأويل من قال: إلا تفعلوا ما أمرتكم به من التعاون والنصرة على الدين تكن فتنة في الأرض، إذ كان متبدأ الآية من قوله:
{ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بأمْوَالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ }
بالحثّ على الموالاة على الدين والتناصر جاء، وكذلك الواجب أن يكون خاتمتها به.

اسامة محمد خيري
16-01-2017, 05:54
سورة التوبة

قال أبو جعفر رحمه الله: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: الأجل الذي جعله الله لأهل العهد من المشركين وأذن لهم بالسياحة فيه بقوله: { فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ } إنما هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقضوا عهدهم قبل انقضاء مدته فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ولم يظاهروا عليه، فإن الله جلّ ثناؤه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله:
{ إلا الذين عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكينَ ثُمَّ لَمْ يُنْقُصُوكُمْ شِيْئاً ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أحَداً فَأتمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ الله يُحِبُّ المُتَّقِينَ }


فإن ظنّ ظانّ أن قول الله تعالى ذكره:
{ فإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ }
يدلّ على خلاف ما قلنا في ذلك، إذ كان ذلك ينبىء عن أن الفرض على المؤمنين كان بعد انقضاء الأشهر الحرم قتل كل مشرك، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن، وذلك أن الآية التي تتلو ذلك تنبىء عن صحة ما قلنا وفساد ما ظنه من ظنّ أن انسلاخ الأشهر الحرم كان يبيح قتل كل مشرك كان له عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لم يكن له منه عهد، وذلك قوله:

{ كَيْفَ يَكُونُ للْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ }
فهؤلاء مشركون، وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالاستقامة لهم في عهدهم ما استقاموا لهم بترك نقض صلحهم وترك مظاهرة عدوّهم عليهم. وبعد: ففي الأخبار المتظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حين بعث عليًّا رضي الله عنه ببراءة إلى أهل العهود بينه وبينهم أمره فيما أمره أن ينادي به فيهم، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فعهده إلى مدته أوضح الدليل على صحة ما قلنا وذلك أن الله لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بنقض عهد قوم كان عاهدهم إلى أجل فاستقاموا على عهده بترك نقضه، وأنه إنما أجل أربعة أشهر من كان قد نقض عهده قبل التأجيل أو من كان له عهد إلى أجل غير محدود، فأما من كان أجل عهده محدودا ولم يجعل بنقضه على نفسه سبيلاً، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بإتمام عهده إلى غاية أجله مأموراً، بذلك بعث مناديه ينادي به في أهل الموسم من العرب....

...

قال أبو جعفر رحمه الله، فقد أنبأت هذه الأخبار ونظائرها عن صحة ما قلنا، وأن أجل الأشهر الأربعة إنما كان لمن وصفنا، فأما من كان عهده إلى مدة معلومة فلم يجعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين لنقضه ومظاهرة أعدائهم عليهم سبيلاً، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وَفَّى له بعهده إلى مدته عن أمر الله إياه بذلك، وعلى ذلك دلّ ظاهر التنزيل وتظاهرت به الأخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم. وأما الأشهر الأربعة فإنها كانت أجلَ من ذكرنا، وكان ابتداؤها يوم الحجّ الأكبر وانقضاؤها انقضاء عشر من ربيع الآخر، فذلك أربعة أشهر متتابعة، جعل لأهل العهد الذين وصفنا أمرهم فيها السياحة في الأرض، يذهبون حيث شاءوا، لا يعرض لهم فيها من المسلمين أحد بحرب ولا قتل ولا سلب.

فإن قال قائل: فإذا كان الأمر في ذلك كما وصفت، فما وجه قوله:
{ فإذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُموهُمْ }
وقد علمت أن انسلاخها انسلاخ المحرم، وقد زعمت أن تأجيل القوم من الله ومن رسوله كان أربعة أشهر، وإنما بين الحج الأكبر وانسلاخ الأشهر الحرم خمسون يوماً أكثره، فأين الخمسون يوماً من الأشهر الأربعة؟ قيل: إن انسلاخ الأشهر الحرم إنما كان أجل من لا عهد له من المشركين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأشهر الأربعة لمن له عهد، إما إلى أجل غير محدود وإما إلى أجل محدود قد نقضه، فصار بنقضه إياه بمعنى من خيف خيانته، فاستحق النبذ إليه على سواء غير أنه جعل له الاستعداد لنفسه والارتياد لها من الأجل الأربعة الأشهر، ألا ترى الله يقول لأصحاب الأشهر الأربعة، ويصفهم بأنهم أهل عهد { بَرَاءةٌ مِنَ الله وَرَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمُ مِنَ المُشْرِكينَ فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أنَّكُمْ غيرُ مُعْجِزِي الله } ووصف المجعول لهم انسلاخ الأشهر الحرام أجلاً بأنهم أهل شرك لا أهل عهد، فقال:

{ وأذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى النَّاسِ يَوْمَ الحَجّ الأكْبَرِ أنَّ الله بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ... }
الآية { إلاَّ الَّذينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ... } الآية، ثم قال:
{ فإذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكيِنَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ }
؟ فأمر بقتل المشركين الذين لا عهد لهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، وبإتمام عهد الذين لهم عهد إذا لم يكونوا نقضوا عهدهم بالمظاهرة على المؤمنين وإدخال النقص فيه عليهم.

فإن قال قائل: وما الدليل على أن ابتداء التأجيل كان يوم الحجّ الأكبر دون أن يكون كان من شوّال على ما قاله قائلوا ذلك؟ قيل له: إن قائلي ذلك زعموا أن التأجيل كان من وقت نزول براءة، وذلك غير جائز أن يكون صحيحاً لأن المجعول له أجل السياحة إلى وقت محدود إذا لم يعلم ما جعل له، ولا سيما مع عهد له قد تقدم قبل ذلك بخلافه، فكمن لم يجعل له ذلك لأنه إذا لم يعلم ماله في الأجل الذي جعل له وما عليه بعد انقضائه فهو كهيئته قبل الذي جعل له من الأجل، ومعلوم أن القوم لم يعلموا بما جعل لهم من ذلك إلا حين نودي فيهم بالموسم، وإذا كان ذلك كذلك صحّ أن ابتداءه ما قلنا وانقضاءه كان ما وصفنا.

اسامة محمد خيري
16-01-2017, 06:06
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة عندنا: قول من قال: { يَوْمُ الحَجّ الأكْبَرِ }: يوم النحر لتظاهر الأخبار عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عليًّا نادى بما أرسله به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرسالة إلى المشركين، وتلا عليهم براءة يوم النحر.

هذا مع الأخبار التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم النحر: " أتَدْرُونَ أيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ هَذَا يَوْمُ الحَجّ الأكْبَرِ " وبعد: فإن اليوم إنما يضاف إلى معنى الذي يكون فيه، كقول الناس: يوم عرفة، وذلك يوم وقوف الناس بعرفة، ويوم الأضحى، وذلك يوم يضحون فيه ويوم الفطر، وذلك يوم يفطرون فيه وكذلك يوم الحجّ، يوم يحجون فيه. وإنما يحجّ الناس ويقضون مناسكهم يوم النحر، لأن في ليلة نهار يوم النحر الوقوف بعرفة كان إلى طلوع الفجر، وفي صبيحتها يعمل أعمال الحجّ فأما يوم عرفة فإنه وإن كان الوقوف بعرفة فغير فائت الوقوف به إلى طلوع الفجر من ليلة النحر، والحجّ كله يوم النحر.

وأما ما قال مجاهد من أن يوم الحجّ إنما هو أيامه كلها، فإن ذلك وإن كان جائزا في كلام العرب، فليس بالأشهر الأعرف في كلام العرب من معانيه، بل غلب على معنى اليوم عندهم أنه من غروب الشمس إلى مثله من الغد، وإنما محمل تأويل كتاب الله على الأشهر الأعرف من كلام من نزل الكتاب بلسانه....

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي قول من قال: الحجّ الأكبر الحجّ لأنه أكبر من العمرة بزيادة عمله على عملها، فقيل له الأكبر لذلك. وأما الأصغر فالعمرة، لأن عملها أقلّ من عمل الحجّ، فلذلك قيل لها الأصغر لنقصان عملها عن عمله.

اسامة محمد خيري
16-01-2017, 06:19
يعني جلّ ثناؤه بقوله: { فإذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ } فإذا انقضى ومضى وخرج، يقال منه: سلخنا شهر كذا نسلخه سَلْخاً وسُلُوخاً، بمعنى: خرجنا منه، ومنه قولهم: شاة مسلوخة، بمعنى: المنزوعة من جلدها المخرجة منه ويعني بالأشهر الحرم: ذا القعدة، وذا الحجة، والمحرّم، أو إنما أريد في هذا الموضع انسلاخ المحرّم وحده، لأن الأذان كان ببراءة يوم الحجّ الأكبر، فمعلوم أنهم لم يكونوا أجلوا الأشهر الحرم كلها وقد دللنا على صحة ذلك فيما مضى. ولكنه لما كان متصلاً بالشهرين الآخرين قبله الحرامين وكان هولهما ثالثا وهي كلها متصل بعضها ببعض، قيل: فإذا انسلخ الأشهر الحرم.

ومعنى الكلام: فإذا انقضت الأشهر الحرم الثلاثة عن الذين لا عهد لهم، أو عن الذين كان لهم عهد، فنقضوا عهدهم بمظاهرتهم الأعداء على رسول الله وعلى أصحابه، أو كان عهدهم إلى أجل غيره معلوم { فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ } يقول: فاقتلوهم ..

اسامة محمد خيري
16-01-2017, 06:27
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا ابن عيينة، عن ابن جريج، عن مجاهد: { إلاَّ الَّذِينَ عاهدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ } قال: أهل العهد من خزاعة.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي قول من قال: هم بعض بني بكر من كنانة، ممن كان أقام على عهده ولم يكن دخل في نقض ما كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش يوم الحديبية من العهد مع قريش حين نقضوه بمعونتهم حلفاءهم من بني الديل على حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خزاعة.

وإنما قلت هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب لأن الله أمر نبيه والمؤمنين بإتمام العهد لمن كانوا عاهدوه عند المسجد الحرام، ما استقاموا على عهدهم. وقد بينا أن هذه الآيات إنما نادى بها عليّ في سنة تسع من الهجرة، وذلك بعد فتح مكة بسنة، فلم يكن بمكة من قريش ولا خزاعة كافر يومئذ بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فيؤمر بالوفاء له بعهده ما استقام على عهده، لأن من كان منهم من ساكني مكة كان قد نقض العهد وحورب قبل نزول هذه الآيات.

اسامة محمد خيري
16-01-2017, 06:31
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء المشركين الذين أمر نبيه والمؤمنين بقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم وحصرهم والقعود لهم على كلّ موصد أنهم لو ظهروا على المؤمنين لم يرقبوا فيهم إلاًّ، والإلّ: اسم يشتمل على معان ثلاثة: وهي العهد والعقد، والحلف، والقرابة، وهو أيضا بمعنى الله. فإذ كانت الكلمة تشمل هذه المعاني الثلاثة، ولم يكن الله خص من ذلك معنى دون معنى، فالصواب أن يعمّ ذلك كما عمّ بها جلّ ثناؤه معانيها الثلاثة، فيقال: لا يرقبون في مؤمن الله، ولا قرابة، ولا عهداً، ولا ميثاقاً. ومن الدلالة على أنه يكون بمعنى القرابة قول ابن مقبل:
أفْسَدَ النَّاسَ خُلُوفٌ خَلَفُوا قَطَعُوا الإلّ وأعْرَاقَ الرَّحِمْ
بمعنى: قطعوا القرابة وقول حسان بن ثابت:
لَعَمْرُكَ إنَّ إلَّكَ مِنْ قُرَيْشٍ كإلّ السَّقْبِ مِنْ رَألِ النَّعامِ
وأما معناه: إذا كان بمعنى العهد. فقول القائل:
وَجَدْنَاهُمُ كاذِباً إلُّهُمْ وذُو الإلّ والعَهْدِ لا يَكْذِبُ
وقد زعم بعض من ينسب إلى معرفة كلام العرب من البصريين، أن الإلّ والعهد والميثاق واليمين واحد، وأن الذمة في هذا الموضع: التذمم ممن لا عهد له، والجمع: ذمم. وكان ابن إسحاق يقول: عنى بهذه الآية: أهل العهد العام.

اسامة محمد خيري
16-01-2017, 06:37
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { إنَّهُمْ لا أيمَانَ لَهُمْ } فقرأه قرّاء الحجاز والعراق وغيرهم: { إنَّهُمْ لا أيمَانَ لَهُمْ } بفتح الألف من «أيمان» بمعنى: لا عهود لهم على ما قد ذكرنا من قول أهل التأويل فيه. وذُكر عن الحسن البصريّ أنه كان يقرأ ذلك: «إنَّهُمْ لا إيمَانَ لَهُمْ» بكسر الألف، بمعنى: لا إسلام لهم. وقد يتوجه لقراءته كذلك وجه غير هذا، وذلك أن يكون أراد بقراءته ذلك كذلك: أنهم لا أمان لهم: أي لا تؤمنوهم، ولكن اقتلوهم حيث وجدتموهم، كأنه أراد المصدر من قول القائل: آمنته، فأنا أومنه إيماناً.

قال أبو جعفر: والصواب من القراءات في ذلك الذي لا أستجيز القراءة بغيره، قراءة من قرأ بفتح الألف دون كسرها، لإجماع الحجة من القراء على القراءة به ورفض خلافه، ولإجماع أهل التأويل على ما ذكرت من أن تأويله لا عهد لهم. والأيمان التي هي بمعنى العهد، لا تكون إلا بفتح الألف، لأنها جمع «يمين» كانت على عقدٍ كان بين المتوادعين.

اسامة محمد خيري
17-01-2017, 06:15
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة: القول الذي ذُكِر عن ابن عمر من أن كلّ مال أديت زكاته فليس بكنز يحرم على صاحبه اكتنازه وإن كثر، وأن كلّ مال لم تؤدّ زكاته فصاحبه معاقب مستحقّ وعيد الله إلا أن يتفضل الله عليه بعفوه وإن قل إذا كان مما يجب فيه الزكاة. وذلك أن الله أوجب في خمس أواق من الوَرِق على لسان رسوله ربع عشرها، وفي عشرين مثقالاً من الذهب مثل ذلك ربع عشرها. فإذ كان ذلك فرض الله في الذهب والفضة على لسان رسوله، فمعلوم أن الكثير من المال وإن بلغ في الكثرة ألوف ألوف لو كان، وإن أدّيت زكاته من الكنوز التي أوعد الله أهلها عليها العقاب، لم يكن فيه الزكاة التي ذكرنا من ربع العشر، لأن ما كان فرضاً إخراج جميعه من المال وحرام اتخاذه فزكاته الخروج من جميعه إلى أهله لا ربع عشره، وذلك مثل المال المغصوب الذي هو حرام على الغاصب إمساكه وفرض عليه إخراجه من يده إلى يده، فالتطهر منه ردّه إلى صاحبه.

فلو كان ما زاد من المال على أربعة آلاف درهم، أو ما فضل عن حاجة ربه التي لا بد منها مما يستحق صاحبه باقتنائه إذا أدّى إلى أهل السهمان حقوقهم منها من الصدقة وعيد الله لم يكن اللازم ربه فيه ربع عشره، بل كان اللازم له الخروج من جميعه إلى أهله وصرفه فيما يجب عليه صرفه، كالذي ذكرنا من أن الواجب على غاصب رجل ماله ردّه على ربه. وبعد، فإن فيما:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، قال: قال معمر: أخبرني سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " ما مِنْ رَجُلٍ لا يُؤَدّي زَكَاةَ مالِهِ إلاَّ جُعِلَ يَوْمَ القِيَامَةِ صفَائِحَ مِنْ نارٍ يُكْوَى بِها جَنْبُهُ وجَبْهَتُهُ وظَهْرُهُ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألُفَ سَنَةٍ حتى يُقْضَى بينَ النَّاسِ ثُمَّ يَرَى سَبِيلَه وَإنْ كانَتْ إبِلاً إلاَّ بُطِحَ لَهَا بِقاعٍ قَرْقَرٍ تَطَؤُهُ بأخْفَافِها " حسبته قال: " وَتَعَضّهُ بأفْوَاهِها، يَرِدُ أُولاها على أُخْرَاها، حتى يُقْضَى بينَ النَّاسِ ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ. وَإنْ كانَتْ غَنَماً فَمِثْلُ ذلكَ، إلا أنَّها تَنْطَحُهُ بقُرُونِها، وَتَطَؤُهُ بأظْلاَفِها "

وفي نظائر ذلك من الأخبار التي كرهنا الإطالة بذكرها الدلالة الواضحة على أن الوعيد إنما هو من الله على الأموال التي لم تؤدّ الوظائف المفروضة فيها لأهلها من الصدقة، لا على اقتنائها واكتنازها.

وفيما بينا من ذلك البيان الواضح على أن الآية لخاصّ كما قال ابن عباس، وذلك ما:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفضَّةَ ولاَ يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ ألِيمٍ } يقول: هم أهل الكتاب، وقال: هي خاصة وعامة....

اسامة محمد خيري
17-01-2017, 06:34
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: فلا تظلموا في الأشهر الأربعة أنفسكم باستحلال حرامها، فإن الله عظمها وعظَّم حرمتها.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في تأويله لقوله: { فلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ } فأخرج الكناية عنه مخرج الكناية عن جمع ما بين الثلاثة إلى العشرة، وذلك أن العرب تقول فيما بين الثلاثة إلى العشرة إذا كَنَتْ عنه: فعلنا ذلك لثلاث ليال خلون، ولأربعة أيام بقين، وإذا أخبرت عما فوق العشرة إلى العشرين، قالت: فعلنا ذلك لثلاث عشرة خلت، ولأربع عشرة مضت.

فكان في قوله حلّ ثناؤه: { فلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ } وإخراجه كناية عدد الشهور التي نهى المؤمنين عن ظلم أنفسهم فِيهن مخرج عدد الجمع القليل من الثلاثة إلى العشرة الدليل الواضح على أن الهاء والنون من ذكر الأشهر الأربعة دون الاثني العشر لأن ذلك لو كان كناية عن الاثني عشر شهراً لكان: فلا تظلموا فيها أنفسكم.

فإن قال قائل: فما أنكرت أن يكون ذلك كناية عن الاثني عشر، وإن كان الذي ذكرت هو المعروف في كلام العرب، فقد علمت أن المعروف من كلامها إخراج كناية ما بين الثلاث إلى العشر بالهاء دون النون، وقد قال الشاعر:
أصْبَحْنَ فِي قُرْحَ وفي دَارَاتِها سَبْعَ لَيالٍ غَيْرَ مَعْلُوفاتِها
ولم يقل: معلوفاتهن، وذلك كناية عن السبع؟ قيل: إن ذلك وإن كان جائزاً فليس الأفصح الأعرف في كلامها، وتوجيه كلام الله إلى الأفصح الأعرف أولى من توجيهه إلى الأنكر.

فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت، فقد يجب أن يكون مباحاً لنا ظلم أنفسنا في غيرهنّ من سائر شهور السنة؟ قيل: ليس ذلك كذلك، بل ذلك حرام علينا في كل وقت وزمان، ولكن الله عظم حرمة هؤلاء الأشهر وشرفهن على سائر شهور السنة، فخصّ الذنب فيهنّ بالتعظيم كما خصهنّ بالتشريف، وذلك نظير قوله:
{ حافِظُوا على الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الوُسْطَى }
ولا شكّ أن الله قد أمرنا بالمحافظة على الصلوات المفروضات كلها بقوله:
{ حافِظُوا على الصَّلَوَاتِ }
ولم يبح ترك المحافظة عليهن بأمره بالمحافظة على الصلاة الوسطى، ولكنه تعالى ذكره زادها تعظيماً وعلى المحافظة عليها توكيداً وفي تضييعها تشديداً، فكذلك ذلك في قوله: { مِنْها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلكَ الدّينُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ }.

اسامة محمد خيري
18-01-2017, 05:18
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر المؤمنين بالنفر لجهاد أعدائه في سبيله خفافاً وثقالاً وقد يدخل في الخفاف كلّ من كان سهلاً عليه النفر لقوّة بدنه على ذلك وصحة جسمه وشبابه، ومن كان ذا تيسر بمال وفراغ من الاشتغال وقادراً على الظهر والركاب. ويدخل في الثقال كلّ من كان بخلاف ذلك من ضعيف الجسم وعليله وسقيمه، ومن معسر من المال ومشتغل بضيغة ومعاش، ومن كان لا ظهر له ولا ركاب، والشيخ وذو السنّ والعيال. فإذ كان قد يدخل في الخفاف والثقال من وصفنا من أهل الصفات التي ذكرنا ولم يكن الله جلّ ثناؤه خصّ من ذلك صنفاً دون صنف في الكتاب، ولا على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نصب على خصوصه دليلاً، وجب أن يقال: إن الله جلّ ثناؤه أمر المؤمنين من أصحاب رسوله بالنفر للجهاد في سبيله خفافاً وثقالاً مع رسوله صلى الله عليه وسلم على كلّ حال من أحوال الخفة والثقل.

اسامة محمد خيري
18-01-2017, 05:31
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان الذين استأذنوا فيما بلغني من ذوي الشرف منهم: عبد الله بن أبيّ ابن سلولَ والجدّ بن قيس، وكانوا أشرافا في قومهم، فثبطهم الله لعلمه بهم أن يخرجوا معهم فيفسدوا عليه جنده، وكان في جنده قوم أهل محبة لهم وطاعة فيما يدعونهم إليه لشرفهم فيهم، فقال: { وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ } فعلى هذا التأويل: وفيكم أهل سمع وطاعة منكم لو صحبوكم أفسدوهم عليكم بتثبيطهم إياهم عن السير معكم.

وأما على التأويل الأوّل، فإن معناه: وفيكم منهم سماعون يسمعون حديثكم لهم، فيبلغونهم ويؤدونه إليهم عيون لهم عليكم.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين عندي في ذلك بالصواب تأويل من قال: معناه: وفيكم سماعون لحديثكم لهم يبلغونه عنكم عيون لهم، لأن الأغلب من كلام العرب في قولهم: سماع، وصف من وصف به أنه سماع للكلام، كما قال الله جلّ ثناؤه في غير موضع من كتابه: سمَّاعُونَ للْكَذِبِ واصفاً بذلك قوماً بسماع الكذب من الحديث. وأما إذا وصفوا الرجل بسماع كلام الرجل وأمره ونهيه وقبوله منه، وانتهائه إليه فإنما تصفه بأنه له سامع ومطيع، ولا تكاد تقول: هو له سماع مطيع.

اسامة محمد خيري
18-01-2017, 05:43
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: فلا تعجبك يا محمد أموال هؤلاء المنافقين ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وقال: معنى ذلك: التقديم وهو مؤخر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { فَلا تُعْجِبْكَ أمْوَالُهُمْ وَلا أوْلادُهُمْ } قال: هذه من تقاديم الكلام، يقول: لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة.

حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ بِها } فِي الآخِرَةِ.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا، بما ألزمهم فيها من فرائضه. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن المسيب بن شريك، عن سلمان الأقصري، عن الحسن: { إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ بِها فِي الحَياةِ الدُّنْيا } قال: بأخذ الزكاة والنفقة في سبيل الله تعالى.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ بِها فِي الحَياةِ الدُّنْيا } بالمصائب فيها، هي لهم عذاب وهي للمؤمنين أجر.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك عندنا، التأويل الذي ذكرنا عن الحسن، لأن ذلك هو الظاهر من التنزيل، فصرف تأويله إلى ما دلّ عليه ظاهره أولى من صرفه إلى باطن لا دلالة على صحته، وإنما وجه من وجه ذلك إلى التقديم وهو مؤخر، لأنه لم يعرف لتعذيب الله المنافقين بأموالهم وأولادهم في الحياة الدنيا وجهاً يوجهه إليه، وقال: كيف يعذّبهم بذلك في الدنيا، وهي لهم فيها سرور، وذهب عنه توجيهه إلى أنه من عظيم العذاب عليه إلزامه ما أوجب الله عليه فيها من حقوقه وفرائضه، إذ كان يلزمه ويؤخذ منه وهو غير طيب النفس. ولا راج من الله جزاء ولا من الآخذ منه حمداً ولا شكراً على ضجر منه وكره.

اسامة محمد خيري
18-01-2017, 05:59
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال: الفقير: هو ذو الفقر أو الحاجة ومع حاجته يتعفف عن مسألة الناس والتذلل لهم في هذا الموضع، والمسكين: هو المحتاج المتذلل للناس بمسألتهم. وإنما قلنا إن ذلك كذلك وإن كان الفريقان لم يعطيا إلا بالفقر والحاجة دون الذلة والمسكنة، لإجماع الجميع من أهل العلم أن المسكين إنما يعطى من الصدقة المفروضة بالفقر، وأن معنى المسكنة عند العرب: الذلة، كما قال الله جلّ ثناؤه:
{ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلَّةُ وَالمَسْكَنَةُ }
يعني بذلك الهون، والذلة لا الفقر. فإذا كان الله جلّ ثناؤه قد صنف من قسم له من الصدقة المفروضة قسماً بالفقر فجعلهم صنفين، كان معلوماً أن كل صنف منهم غير الآخر. وإذ كان ذلك كذلك كان لا شكّ أن المقسوم له باسم الفقير غير المقسوم له باسم الفقر والمسكنة، والفقير المعطى ذلك باسم الفقير المطلق هو الذي لا مسكنة فيه، والمعطى باسم المسكنة والفقر هو الجامع إلى فقره المسكنة، وهي الذلّ بالطلب والمسألة.

فتأويل الكلام إذ كان ذلك معناه: إنما الصدقات للفقراء المتعفف منهم الذي لا يسأل، والمتذلل منهم الذي يسأل، وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو الذي قلنا في ذلك خبر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" لَيْسَ المِسْكِينُ بالَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتانِ والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ، إنَّمَا المسْكِينُ المُتَعَفِّفُ اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ لا يَسْألونُ النَّاسَ إلْحافاً ".

ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: " إنَّمَا المِسْكِينُ المُتَعَفَّفُ " على نحو ما قد جرى به استعمال الناس من تسميتهم أهل الفقر مساكين، لا على تفصيل المسكين من الفقير. ومما ينبىء عن أن ذلك كذلك، انتزاعه صلى الله عليه وسلم لقول الله: اقرءوا إن شِئتم { لا يَسأَلُونَ النَّاسَ إلْحافاً } وذلك في صفة من ابتدأ الله ذكره ووصفه بالفقر، فقال
{ للْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسأَلُونَ النَّاسَ إلْحافاً }...

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: يعطى العامل عليها على قدر عمالته أجر مثله.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله جلّ ثناؤه لم يقسم صدقة الأموال بين الأصناف الثمانية على ثمانية أسهم وإنما عرَّف خلقه أنّ الصدقات لن تجاوز هؤلاء الأصناف الثمانية إلى غيرهم. وإذ كان كذلك بما سنوضح بعد وبما قد أوضحناه في موضع آخر، كان معلوماً أن من أُعطي منها حقا، فإنما يعطى على قدر اجتهاد المعطي فيه. وإذا كان ذلك كذلك، وكان العامل عليها إنما يعطى على عمله لا على الحاجة التي تزول بالعطية، كان معلوماً أن الذي أعطاه من ذلك إنما هو عوض من سعيه وعمله، وأن ذلك إنما هو قدر يستحقه عوضا من عمله الذي لا يزول بالعطية وإنما يزول بالعزل....

وقال آخرون: المؤلفة قلوبهم في كلّ زمان، وحقهم في الصدقات. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر، قال: في الناس اليوم المؤلفة قلوبهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر، مثله.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي: أن الله جعل الصدقة في معنيين: أحدهما سدّ خلة المسلمين، والآخر معونة الإسلام وتقويته فما كان في معونة الإسلام وتقوية أسبابه فإنه يعطاه الغنيّ والفقير، لأنه لا يعطاه من يعطاه بالحاجة منه إليه وإنما يعطاه معونة للدين، وذلك كما يعطي الذي يعطاه بالجهاد في سبيل الله، فإنه يعطي ذلك غنياً كان أو فقيراً للغزو لا لسدّ خلته.

وكذلك المؤلفة قلوبهم يعطون ذلك وإن كانوا أغنياء، استصلاحاً بإعطائهموه أمر الإسلام وطلب تقويته وتأييده. وقد أعطى النبيّ صلى الله عليه وسلم من أعطى من المؤلفة قلوبهم، بعد أن فتح الله عليه الفتوح وفشا الإسلام وعزّ أهله، فلا حجة لمحتجّ بأن يقول: لا يتألف اليوم على الإسلام أحد لامتناع أهله بكثرة العدد ممن أرادهم وقد أعطى النبيّ صلى الله عليه وسلم من أعطى منهم في الحال التي وصفت...

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { وفِي الرّقابِ } قال: المكاتَبُ.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن: { وَفِي الرّقابِ } قال: هم المكاتبون.

ورُوي عن ابن عباس أنه قال: لا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي قول من قال: عنى بالرقاب في هذا الموضع المكاتبون، لإجماع الحجة على ذلك فإن الله جعل الزكاة حقاً واجباً على من أوجبها عليه في ماله يخرجها منه، لا يرجع إليه منها نفع من عرض الدنيا ولا عوض، والمعتق رقبة منها راجع إليه ولاء من أعتقه، وذلك نفع يعود إليه منها...

اسامة محمد خيري
18-01-2017, 06:14
واختلف القرّاء في قراءة قوله: { قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ } فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار: { قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ } بإضافة الأذن إلى الخير، يعني: قل لهم يا محمد: هو أذن خير لا أذن شرّ. وذُكر عن الحسن البصري أنه قرأ ذلك: «قُلْ أُذُنٌ خَيْرٌ لَكُمْ» بتنوين «أذن»، ويصير «خير» خبراً له، بمعنى: قل من يسمع منكم أيها المنافقون ما تقولون ويصدّقكم إن كان محمد كما وصفتموه من أنكر إذا آذيتموه فأنكرتم ما ذكر له عنكم من أذاكم إياه وعيبكم له سمع منكم وصدّقكم، خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل منكم ما تقولون. ثم كذّبهم فقال: بل لا يقبل إلا من المؤمنين، { يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلمُؤْمِنِينَ }.

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة عندي في ذلك، قراءة من قرأ: { قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ } بإضافة «الأذن» إلى «الخير»، وخفض «الخير»، يعني: قل هو أذن خير لكم، لا أذن شرّ....

وأما قوله: { وَرَحْمَةٌ للَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ } فإنّ القرّاء اختلفت في قراءته، فقرأ ذلك عامة الأمصار: { وَرَحْمَةٌ للَّذِينَ آمَنُوا } بمعنى: قل هو أذن خير لكم، وهو رحمة للذين آمنوا منكم. فرفع «الرحمة» عطفا بها على «الأذن». وقرأه بعض الكوفيين: «وَرَحْمَةٍ» عطفاً بها على «الخير»، بتأويل: قل أذن خير لكم، وأذن رحمة.

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي قراءة من قرأ { وَرَحْمَةٌ } بالرفع عطفاً بها على «الأذن»، بمعنى: وهو رحمة للذين آمنوا منكم، وجعله الله رحمة لمن اتبعه واهتدى بهداه وصدّق بما جاء به من عند ربه، لأن الله استنقذهم به من الضلالة وأورثهم باتباعه جناته.

اسامة محمد خيري
19-01-2017, 05:37
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يا أيُّها النَّبِي جاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ } قال: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجاهد الكفار بالسيف، ويغلظ على المنافقين في الحدود.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب ما قال ابن مسعود، من أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم من جهاد المنافقين، بنحو الذي أمره به من جهاد المشركين.

فإن قال قائل: فكيف تركهم صلى الله عليه وسلم مقيمين بين أظهر أصحابه مع علمه بهم؟ قيل: إن الله تعالى ذكره إنما أمر بقتال من أظهر منهم كلمة الكفر، ثم أقام على إظهاره ما أظهر من ذلك. وأما من إذا اطلع عليه منهم أنه تكلم بكلمة الكفر وأخذ بها، أنكرها ورجع عنها وقال: إني مسلم، فإن حكم الله في كل من أظهر الإسلام بلسانه، أن يحقن بذلك له دمه وماله وإن كان معتقدا غير ذلك، وتوكل هو جلّ ثناؤه بسرائرهم، ولم يجعل للخلق البحث عن السرائر فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بهم وإطلاع الله إياه على ضمائرهم واعتقاد صدورهم، كان يقرّهم بين أظهر الصحابة، ولا يسلك بجهادهم مسلك جهاد من قد ناصبه الحرب على الشرك بالله لأن أحدهم كان إذا اطلع عليه أنه قد قال قولاً كفر فيه بالله ثم أخذ به أنكره، وأظهر الإسلام بلسانه، فلم يكن صلى الله عليه وسلم يأخذه إلا بما أظهر له من قوله عند حضوره إياه وعزمه على إمضاء الحكم فيه، دون ما سلف من قول كان نطق به قبل ذلك، ودون اعتقاد ضميره الذي لم يبح الله لأحد الأخذ به في الحكم وتولَّى الأخذ به هو دون خلقه.

اسامة محمد خيري
19-01-2017, 06:00
وقوله: { خِلاف } مصدر من قول القائل: خالف فلان فلاناً فهو يخالفه خلافاً فلذلك جاء مصدره على تقدير فعال، كما يقال: قاتله فهو يقاتله قتالاً، ولو كان مصدراً من خلَفه، لكانت القراءة: «بمقعدهم خلف رسول الله»، لأن مصدر خلفه خلفٌ، لا خِلاف، ولكنه على ما بينت من أنه مصدر خالف، فقرىء: { خِلافَ رَسُولِ الله } وهي القراءة التي عليها قراءة الأمصار، وهي الصواب عندنا. وقد تأوّل بعضهم ذلك، بمعنى: بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستشهد على ذلك بقول الشاعر:
عَقَبَ الرَّبِيعُ خِلافَهُمْ فَكأنمَا بَسَطَ الشَّوَاطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرَا
وذلك قريب لمعنى ما قلنا، لأنهم قعدوا بعده على الخلاف له.

اسامة محمد خيري
19-01-2017, 06:06
حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس: { فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ } والخالفون: الرجال.

قال أبو جعفر: والصواب من التأويل في قوله { الخالِفِينَ } ما قال ابن عباس. فأما ما قال قتادة من أن ذلك النساء، فقول لا معنى له لأن العرب لا تجمع النساء إذا لم يكن معهنّ رجال بالياء والنون، ولا بالواو والنون. ولو كان معنياً بذلك النساء، لقيل: «فاقعدوا مع الخوالف»، أو «مع الخالفات»، ولكن معناه ما قلنا من أنه أريد به: فاقعدوا مع مرضى الرجال وأهل زمانتهم والضعفاء منهم والنساء. وإذا اجتمع الرجال والنساء في الخبر، فإن العرب تغلِّب الذكور على الإناث، ولذلك قيل: { فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ } والمعنى ما ذكرنا. ولو وجِّه معنى ذلك إلى: فاقعدوا مع أهل الفساد، من قولهم: خلف الرجال عن أهله يخلف خلوفاً، إذا فسد، ومن قولهم: هو خلف سوء كان مذهباً. وأصله إذا أريد به هذا المعنى من قولهم خَلَف اللبن يخَلُف خلوفاً إذا خَبُث من طول وضعه في السقاء حتى يفسد، ومن قولهم: خَلَف فَمُ الصائم: إذا تغيرت ريحه.

اسامة محمد خيري
20-01-2017, 05:11
فإن قال قائل: فكيف قيل: { وَجَاءَ المُعَذّرُونَ } وقد علمت أن المعذِّر في كلام العرب إنما هو الذي يُعَذِّر في الأمر، فلا يبالغ فيه ولا يُحكمه، وليست هذه صفة هؤلاء، وإنما صفتهم أنهم كانوا قد اجتهدوا في طلب ما ينهضون به مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدوّهم، وحرصوا على ذلك، فلم يجدوا إليه السبيل، فهم بأن يوصفوا بأنهم قد أعذروا أولى وأحقّ منهم بأن يوصفوا بأنهم عذروا. إذا وصفوا بذلك.

فالصواب في ذلك من القراءة ما قرأه ابن عباس، وذلك ما:

حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي حماد، قال: ثنا بشر بن عمار، عن أبي روق عن الضحاك، قال: كان ابن عباس يقرأ: { وّجاء المُعْذِرُونَ } مخففة، ويقول: هم أهل العذر.

مع موافقة مجاهد إياه وغيره عليه؟ قيل: إن معنى ذلك على غير ما ذهبت إليه، وإن معناه: وجاء المعتذرون من الأعراب ولكن التاء لما جاورت الذال أدغمت فيها، فصُيرتا ذالاً مشددة لتقارب مخرج إحداهما من الأخرى، كما قيل: يَذَّكَّرون في يتذكرون، ويذَّكر في يتذكر. وخرجت العين من المعذرين إلى الفتح، لأن حركة التاء من المعتذرين وهي الفتحة نقلت إليها فحركت بما كانت به محركة، والعرب قد توجه في معنى الاعتذار إلى الإعذار، فتقول: قد اعتذر فلان في كذا، يعني: أعذر، ومن ذلك قول لبيد:
إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما وَمَنْ يَبْكِ حَوْلاً كامِلاً فقدِ اعْتَذَرْ
فقال: فقد اعتذر، بمعنى: فقد أعذر....

وبعد، فإن الذي عليه من القراءة قرّاء الأمصار التشديد في الذال، أعني من قوله: { المُعَذّرُونَ } ففي ذلك دليل على صحة تأويل من تأوّله بمعنى الاعتذار لأن القوم الذين وصفوا بذلك لم يكلفوا أمراً عذروا فيه، وإنما كانوا فرقتين إما مجتهد طائع وإما منافق فاسق لأمر الله مخالف، فليس في الفريقين موصوف بالتعذير في الشخوص مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو معذر مبالغ، أو معتذر. فإذا كان ذلك كذلك، وكانت الحجة من القرّاء مجمعة على تشديد الذال من «المعذرين»، علم أن معناه ما وصفناه من التأويل. وقد ذكر عن مجاهد في ذلك موافقة ابن عباس

اسامة محمد خيري
20-01-2017, 05:27
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأ عامة أهل المدينة والكوفة: { عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ } بفتح السين، بمعنى النعت للدائرة، وإن كانت الدائرة مضافة إليه، كقولهم: هو رجل السوء، وامرؤ الصدق، كأنه إذا فتح مصدر من قولهم: سؤته أسوءة سَوْءا ومساءة ومَسَائِيةً. وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز وبعض البصريين: «عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السُّوء» بضمّ السين كأنه جعله اسما، كما يقال عليه دائرة البلاء والعذاب. ومن قال: { عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السُّوءِ } فضمّ، لم يقل هذا رجل السُّوء بالضمّ، والرجل السُّوء، وقال الشاعر:
وكُنْتَ كَذِئْبَ السَّوْءِ لَمَّا رأى دَماً بِصَاحِبِه يَوْماً أحالَ عَلى الدَّم
والصواب من القراءة في ذلك عندنا بفتح السين، بمعنى: عليهم الدائرة التي تسوءهم سَوْءاً كما يقال هو رجلٌ صِدْقٌ على وجه النعت.

اسامة محمد خيري
20-01-2017, 05:43
والقراءة على خفض «الأنصار» عطفا بهم على «المهاجرين». وقد ذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ: «الأنصارُ» بالرفع عطفا بهم على «السابقين».

والقراءة التي لا أستجيز غيرها الخفض في «الأنصار»، لإجماع الحجة من القرّاء عليه، وأن السابق كان من الفريقين جميعاً من المهاجرين والأنصار. وإنما قصد الخبر عن السابق من الفريقين دون الخبر عن الجميع، وإلحاق الواو في «الذين اتبعوهم بإحسان»، لأن ذلك كذلك في مصاحف المسلمين جميعاً، على أن التابعين بإحسان غير المهاجرين والأنصار. وأما السابقون فإنهم مرفوعون بالعائد من ذكرهم في قوله: { رَضِي اللَّهُ عَنْهُمْ ورضُوا عَنْهُ } ومعنى الكلام: رضي الله عن جميعهم لما أطاعوه وأجابوا نبيه إلى ما دعاهم إليه من أمره ونهيه، ورضي عنه السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان لما أجزل لهم من الثواب على طاعتهم إياه وإيمانهم به وبنبيه عليه الصلاة والسلام، وأعدّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار يدخلونها خالدين فيها لابثين فيها أبداً لا يموتون فيها ولا يخرجون منها، { ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ }.

اسامة محمد خيري
20-01-2017, 05:46
وقال آخرون: بل إحدى المرّتين: أخذ الزكاة من أموالهم، والأخرى: عذاب القبر. ذُكر ذلك عن سليمان بن أرقم، عن الحسن.

وقال آخرون: بل إحدى المرّتين عذابهم بما يدخل عليهم من الغيظ في أمر الإسلام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { سَنُعَذّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } قال: العذاب الذي وعدهم مرّتين فيما بلغني عنهم ما هم فيه من أمر الإسلام وما يدخل عليهم من غيظ ذلك على غير حسبة، ثم عذابهم في القبر إذ صاروا إليه، ثم العذاب العظيم الذي يردّونَ إليه عذاب الآخرة ويخلدون فيه.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: إن الله أخبر أنه يعذب هؤلاء الذين مردوا على النفاق مرّتين، ولم يضع لنا دليلاً نتوصل به إلى علم صفة ذينك العذابين وجائز أن يكون بعض ما ذكرنا عن القائلين ما أنبئنا عنهم، وليس عندنا علم بأيّ ذلك من بأيّ. على أن في قوله جلّ ثناؤه: { ثُمَّ يِرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ } دلالة على أن العذاب في المرّتين كلتيهما قبل دخولهم النار، والأغلب من إحدى المرّتين أنها في القبر. وقوله: { ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ } يقول: ثم يردّ هؤلاء المنافقون بعد تعذيب الله إياهم مرّتين إلى عذاب عظيم، وذلك عذاب جهنم.

اسامة محمد خيري
20-01-2017, 05:54
فإن قال قائل: وكيف قيل: خلطوا عملاً صالحا وآخر سيئا، وإنما الكلام: خلطوا عملاً صالحا بآخر سيىء؟ قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك، فكان بعض نحويي البصرة يقول: قيل ذلك كذلك، وجائز في العربية أن يكون بآخر كما تقول: استوى الماء والخشبة أي بالخشبة، وخلطت الماء واللبن. وأنكر آخرون أن يكون نظير قولهم: استوى الماء والخشبة. واعتلّ في ذلك بأن الفعل في الخلط عامل في الأول والثاني، وجائز تقديم كلّ واحد منهما على صاحبه، وأن تقديم الخشبة على الماء غير جائز في قولهم: استوى الماء والخشبة، وكان ذلك عندهم دليلاً على مخالفة ذلك الخلط. قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أنه بمعنى قولهم: خلطت الماء واللبن، بمعنى خلطته باللبن....


قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: نزلت هذه الآية في المعترفين بخطأ فعلهم في تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركهم الجهاد معه والخروج لغزو الروم حين شخص إلى تبوك، وأن الذين نزل فيهم جماعة أحدهم أبو لبابة/

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في ذلك، لأن الله جلّ ثناؤه قال: وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ فأخبر عن اعتراف جماعة بذنوبهم، ولم يكن المعترف بذنبه الموثق نفسه بالسارية في حصار قريظة غير أبي لبابة وحده. فإذا كان ذلك، وكان الله تبارك وتعالى قد وصف في قوله: { وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ } بالاعتراف بذنوبهم جماعة، علم أن الجماعة الذين وصفهم بذلك السبب غير الواحد، فقد تبين بذلك أن هذه الصفة إذا لم تكن إلا لجماعة، وكان لا جماعة فعلت ذلك فيما نقله أهل السير والأخبار وأجمع عليه أهل التأويل إلا جماعة من المتخلفين عن غزوة تبوك صحّ ما قلنا في ذلك، وقلنا: كان منهم أبو لبابة لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك.

اسامة محمد خيري
20-01-2017, 05:59
واختلف أهل العربية في وجه رفع «تزكيهم»، فقال بعض نحويي البصرة: رفع «تزكيهم بها» في الابتداء وإن شئت جعلته من صفة الصدقة، ثم جئت بها توكيداً، وكذلك «تطهرهم». وقال بعض نحويي الكوفة: إن كان قوله: { تُطَهِّرُهُمْ } للنبيّ عليه الصلاة والسلام فالاختيار أن تجزم بأنه لم يعد على الصدقة عائد، { وَتُزَكِّيهِمْ } مستأنف، وإن كانت الصدقة تطهرهم وأنت تزكيهم بها جاز أن تجزم الفعلين وترفعهما.

قال أبو جعفر: والصواب في ذلك من القول أن قوله: { تُطَهِّرُهُمْ } من صلة «الصدقة»، لأن القرّاء مجمعة على رفعها، وذلك دليل على أنه من صلة الصدقة. وأما قوله: { وَتُزَكِّيهِم بها } فخبر مستأنف، بمعنى: وأنت تزكيهم بها، فلذلك رفع.

اسامة محمد خيري
20-01-2017, 06:17
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: المسجد الذي أسس على التقوى: مسجد قباء.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير: الذين بني فيهم المسجد الذي أسس على التقوى، بنو عمرو بن عوف.

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قالّ: هو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم لصحة الخبر بذلك عن رسول الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قال أبو كريب: ثنا وكيع، وقال ابن وكيع: ثنا أبي، عن ربيعة بن عثمان التيمي، عن عمران بن أبي أنس رجل من الأنصار، عن سهل بن سعد، قال: اختلف رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الذي أسس في التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد النبيّ وقال الآخر: هو مسجد قباء. فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألاه، فقال: " هُوَ مَسْجِدِي ". هذا اللفظ لحديث أبي كريب، وحديث سفيان نحوه....

اسامة محمد خيري
20-01-2017, 06:23
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { إلاَّ أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ } فقرأ ذلك بعض قرّاء الحجاز والمدينة والبصرة والكوفة: « إلاَّ أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ » بضمّ التاء من «تقطع»، على أنه لم يسمّ فاعله، وبمعنى: إلا أن يقطع الله قلوبهم. وقرأ ذلك بعض قرّاء المدينة والكوفة: { إلاَّ أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ } بفتح التاء من تقطَّع على أن الفعل للقلوب. بمعنى: إلا أن تنقطع قلوبهم، ثم حذفت إحدى التاءين. وذكر أن الحسن كان يقرأ: « إلاَّ أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ » بمعنى: حتى تتقطع قلوبهم. وذكر أنها في قراءة عبد الله: «وَلَوْ قُطِّعَتْ قُلُوبهُمْ» وعلى الاعتبار بذلك قرأ من ذلك: «إلاَّ أنْ تُقَطَّعَ» بضم التاء.

والقول عندي في ذلك أن الفتح في التاء والضم متقارباً المعنى، لأن القلوب لا تتقطع إذا تقطعت إلا بتقطيع الله إياها، ولا يقطعها الله إلا وهي متقطعة. وهما قراءتان معروفتان قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب في قراءته. وأما قراءة من قرأ ذلك: «إلى أن تُقْطَّعَ»، فقراءة لمصاحف المسلمين مخالفة، ولا أرى القراءة بخلاف ما في مصاحفهم جائزة.

اسامة محمد خيري
21-01-2017, 05:17
وقال آخرون: معناه تبين له في الآخرة وذلك أن أباه يتعلق به إذا أراد أن يجوز الصراط فيمرّ به عليه، حتى إذا كاد يجاوزه حانت من إبراهيم التفاتة فإذا هو بأبيه في صورة قرد أو ضبع، فخَلَّى عنه وتبرأ منه حينئذ. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا حفص بن غياث، قال: ثنا عبد الله بن سليمان، قال: سمعت سعيد ابن جبير يقول: إن إبراهيم يقول يوم القيامة: ربّ والدي ربّ والدي فإذا كان الثالثة أخذ بيده، فيلتفت إليه وهو ضبعان فيتبرأ منه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن عبيدة بن عمير، قال: إنكم مجموعون يوم القيامة في صعيد واحد يسمعكم الداعي وينفذكم البصر، قال: فتزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل إلا وقع لركبتيه ترعد فرائصه. قال: فحسبته يقول: نفسي نفسي قال: ويضرب الصراط على جسر جهنم كحدّ السيف، وحضر من له وفي جانبيه ملائكة معهم خطاطيف كشوك السعدان. قال: فيمضون كالبرق وكالريح وكالطير، وكأجاويد الركاب، وكأجاويد الرجال، والملائكة يقولون: ربّ سلّم سلّم فناج سالم، ومخدوش ناج، ومكدوس في النار. يقول إبراهيم لأبيه: إني آمرك في الدنيا فتعصيني ولست تاركك اليوم، فخذ بحقويّ فيأخذ بضبعيه، فيمسخ ضبعاً، فإذا رآه قد مسخ تبرأ منه.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول الله، وهو خبره عن إبراهيم أنه لما تبين له أن أباه لله عدوُ تبرأ منه، وذلك حال علمه ويقينه أنه لله عدوّ وهو به مشرك، وهو حال موته على شركه....

وقال آخرون: هو المتضرّع الخاشع. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا عبد الحميد بن بهرام، قال: ثنا شهر بن حوشب، عن عبد الله بن شدّاد بن الهاد، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، قال رجل: يا رسول الله ما الأوّاه؟ قال: " المتضرّع ". قالَ: " إنَّ إبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ ". حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن عبد الحميد، عن شهر، عن عبد الله بن شداد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الأوَّاه: الخاشِعُ المُتَضَرّعُ ". وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب القول الذي قاله عبد الله بن مسعود الذي رواه عنه زرّ أنه الدَّعّاء.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله ذكر ذلك ووصف به إبراهيم خليله صلوات الله عليه بعد وصفه إياه بالدعاء والاستغفار لأبيه، فقال: { وَما كانَ اسْتِغْفَارُ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدْوّ للَّهِ تَبَرأَ مِنْهُ } وترك الدعاء والاستغفار له، ثم قال: أن إبراهيم لدّعاء لربه شاكٍ له حليم عمن سبه وناله بالمكروه وذلك أنه صلوات الله عليه وعد أباه بالاستغفار له، ودعاء الله له بالمغفرة عند وعيد أبيه إياه، وتهدده له بالشتم بعد ما ردّ عليه نصيحته في الله، وقوله:
{ أرَاغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَّنَكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا }
فقال له صلوات الله عليه:
{ سَلامٌ عَلَيْكَ سأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا وأعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وأدْعُو رَبّي عَسَى أنْ لا أكُونَ بِدُعاءِ رَبّي شَقِيًّا }
فوفى لأبيه بالاستغفار له حتى تبين له أنه عدوّ لله، فوصفه الله بأنه دعاء لربه حليم عمن سفه عليه.

اسامة محمد خيري
21-01-2017, 05:34
وقال آخرون: هذه الآية نزلت وفي أهل الإسلام قلة، فلما كثروا نسخها الله وأباح التخلف لمن شاء، فقال:
{ وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً }
ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { ما كانَ لأَهْلِ المَدِينَةِ وَمَن حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ } فقرأ حتى بلغ: { ليَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما كانُوا يعْمَلُونَ } قال: هذا حين كان الإسلام قليلاً، فلما كثر الإسلام بعد قال:
{ وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلّ فِرْقَة مِنْهُمْ طائِفَةٌ... }
إلى آخر الآية.

والصواب من القول في ذلك عندي، أَن الله عني بها الذين وصفهم بقوله:
{ وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ... }
الآية، ثم قال جلّ ثناؤه: ما كان لأهل المدينة الذين تخلفوا عن رسول الله ولا لمن حولهم من الأعراب الذين قعدوا عن الجهاد معه أن يتخلفوا خلافه ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ندب في غزوته تلك كلّ من أطاق النهوض معه إلى الشخوص إلا من أذن له أو أمره بالمقام بعده، فلم يكن لمن قدر على الشخوص التخلف، فعدّد جلّ ثناؤه من تخلف منهم، فأظهر نفاق من كان تخلفه منهم نفاقاً وعذر من كان تخلفه لعذر، وتاب على من كان تخلفه تفريطاً من غير شكّ ولا ارتياب في أمر الله إذ تاب من خطأ ما كان منه من الفعل. فأما التخلف عنه في حال استغنائه فلم يكن محظوراً إذا لم يكن عن كراهته منه صلى الله عليه وسلم ذلك، وكذلك حكم المسلمين اليوم إزاء إمامهم، فليس بفرض على جميعهم النهوض معه إلا في حال حاجته إليهم لما لا بدّ للإسلام وأهله من حضورهم واجتماعهم واستنهاضه إياهم فيلزمهم حينئذ طاعته. وإذا كان ذلك معنى الآية لم تكن إحدى الآيتين اللتين ذكرنا ناسخة للأخرى، إذ لم تكن إحداهما نافية حكم الأخرى من كلّ وجوهه، ولا جاء خبر يوجه الحجة بأن إحداهما ناسخة للأخرى.

اسامة محمد خيري
21-01-2017, 05:40
وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: تأويله: وما كان المؤمنون لينفروا جميعاً ويتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، وأن الله نهى بهذه الآية المؤمنين به أن يخرجوا في غزو وجهاد وغير ذلك من أمورهم ويدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيدا ولكن عليهم إذا سرى رسول الله سرية أن ينفر معها من كلّ قبيلة من قبائل العرب وهي الفرقة. طائفة وذلك من الواحد إلى ما بلغ من العدد، كما قال الله جلّ ثناؤه: { فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ } يقول: فهلاّ نفر من كلّ فرقة منهم طائفة وهذا إلى هاهنا على أحد الأقوال التي رُويت عن ابن عباس، وهو قول الضحاك وقتادة.

وإنما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الله تعالى ذكره حظر التخلف خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المؤمنين به من أهل المدينة، مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن الأعراب لغير عذر يعذرون به إذا خرج رسول الله لغزو وجهاد عدوّ قبل هذه الآية بقوله: { ما كانَ لأَهْلِ المَدِينَةِ وَمَن حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ } ، ثم عقب ذلك جلّ ثناؤه بقوله: { وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً } فكان معلوماً بذلك إذ كان قد عرّفهم في الآية التي قبلها اللازم لهم من فرض النفر والمباح لهم من تركه في حال غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم وشخوصه عن مدينته لجهاد عدوّ، وأعلمهم أنه لا يسعهم التخلف خلافه إلا لعذر بعد استنهاضه بعضهم وتخليفه بعضهم أن يكون عقيب تعريفهم ذلك تعريفهم الواجب عليهم عند مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدينته وإشخاص غيره عنها، كما كان الابتداء بتعريفهم الواجب عند شخوصه وتخليفه بعضهم.

وأما قوله: { لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدّينِ وَلِيُنْذِرُوا قوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ }. فإن أولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: ليتفقه الطائفة النافرة بما تعاين من نصر الله أهل دينه وأصحاب رسوله على أهل عداوته والكفر به، فيفقه بذلك من معاينته حقيقة علم أمر الإسلام وظهوره على الأديان من لم يكن فقهه، ولينذروا قومهم فيحذروهم أن ينزل بهم من بأس الله مثل الذي نزل بمن شاهدوا وعاينوا ممن ظفر بهم المسلمون من أهل الشرك إذا هم رجعوا إليهم من غزوهم. لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ يقول: لعلّ قومهم إذا هم حذّروهم ما عاينوا من ذلك يحذرون، فيؤمنون بالله ورسوله، حذرا أن ينزل بهم ما نزل بالذين أخبروا خبرهم.

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب، وهو قول الحسن البصري الذي رويناه عنه لأن النفر قد بيَّنا فيما مضى أنه إذا كان مطلقاً بغير صلة بشيء أن الأغلب من استعمال العرب إياه في الجهاد والغزو فإذا كان ذلك هو الأغلب من المعاني فيه، وكان جلّ ثناؤه قال: { فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدّينِ } علم أن قوله: «ليتفقهوا» إنما هو شرط للنفر لا لغيره، إذ كان يليه دون غيره من الكلام.

فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون معناه: ليتفقه المتخلفون في الدين؟ قيل: ننكر ذلك لاستحالته وذلك أن نفر الطائفة النافرة لو كان سبباً لتفقه المتخلفة، وجب أن يكون مقامها معهم سبباً لجهلهم وترك التفقه وقد علمنا أن مقامهم لو أقاموا ولم ينفروا لم يكن سببا لمنعهم من التفقه. وبعد، فإنه قال جلّ ثناؤه: { وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ } عطفاً به على قوله: { لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدّينِ } ولا شكّ أن الطائفة النافرة لم ينفروا إلا والإنذار قد تقدم من الله إليها، وللإنذار وخوف الوعيد نفرت، فما وجه إنذرا الطائفة المتخلفة الطائفة النافرة وقد تساوتا في المعرفة بإنذار الله إياهما؟ ولو كانت إحداهما جائز أن توصف بإنذار الأخرى، لكان أحقهما بأن يوصف به الطائفة النافرة، لأنها قد عاينت من قدرة الله ونصرة المؤمنين على أهل الكفر به ما لم تعاين المقيمة، ولكن ذلك إن شاء الله كما قلنا من أنها تنذر من حيها وقبيلتها ومن لم يؤمن بالله إذا رجعت إليه أن ينزل به ما أنزل بمن عاينته ممن أظفر الله به المؤمنين من نظرائه من أهل الشرك.

اسامة محمد خيري
21-01-2017, 05:55
اختلفت القرّاء في قراءة قوله: { أوَ لا يَرَوْنَ } فقرأته عامة قرّاء الأمصار: { أوَ لا يَرَوْنَ } بالياء، بمعنى أو لا يرى هؤلاء الذين في قلوبهم مرض النفاق. وقرأ ذلك حمزة: «أوَ لا تَرَوْنَ» بالتاء، بمعنى أو لا ترون أنتم أيها المؤمنون أنهم يفتنون؟

والصواب عندنا من القراءة في ذلك: الياء، على وجه التوبيخ من الله لهم، لإجماع الحجة من قرّاء الأمصار عليه وصحة معناه: فتأويل الكلام إذا: أوَ لا يرى هؤلاء المنافقون أن الله يختبرهم في كلّ عام مرّة أو مرّتين، بمعنى أنه يختبرهم في بعض الأعوام مرّة، وفي بعضها مرّتين. { ثم لا يَتُوبُونَ } يقول: ثم هم مع البلاء الذي يحلّ بهم من الله والاختبار الذي يعرض لهم لا ينيبون من نفاقهم، ولا يتوبون من كفرهم، ولا هم يتذكرون بما يرون من حجج الله ويعاينون من آياته، فيعظوا بها ولكنهم مصرّون على نفاقهم....

وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: إن الله عجّب عباده المؤمنين من هؤلاء المنافقين، ووبخ المنافقين في أنفسهم بقلة تذكرهم وسوء تنبههم لمواعظ الله التي يعظهم بها. وجائز أن تكون تلك المواعظ الشدائد التي يُنزلها بهم من الجوع والقحط، وجائز أن تكون ما يريهم من نصرة رسوله على أهل الكفر به ويرزقه من إظهار كلمته على كلمتهم، وجائز أن تكون ما يظهر للمسلمين من نفاقهم وخبث سرائرهم بركونهم إلى ما يسمعون من أراجيف المشركين برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ولا خبر يوجب صحة بعض ذلك، دون بعض من الوجه الذي يجب التسليم له، ولا قول في ذلك أولى بالصواب من التسليم لظاهر قول الله، وهو: أو لا يرون أنهم يختبرون في كلّ عام مرّة أو مرّتين بما يكون زاجراً لهم ثم لا ينزجرون ولا يتعظون.

اسامة محمد خيري
21-01-2017, 06:02
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ } عزيز عليه عنت مؤمنهم.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول ابن عباس وذلك أن الله عمّ بالخبر عن نبيّ الله أنه عزيز عليه ما عنت قومه، ولم يخصص أهل الإيمان به، فكان صلى الله عليه وسلم كما وصفه الله به عزيزا عليه عنت جميعهم.

فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يوصف صلى الله عليه وسلم بأنه كان عزيزا عليه عنت جميعهم وهو يقتل كفارهم ويسبي ذراريهم ويسلبهم أموالهم؟ قيل: إن إسلامهم لو كانوا أسلموا كان أحبّ إليه من إقامتهم على كفرهم وتكذيبهم إياه حتى يستحقوا ذلك من الله، وإنما وصفه الله جلّ ثناؤه بأنه عزيز عليه عنتهم، لأنه كان عزيزاً عليه أن يأتوا ما يعنتهم وذلك أن يضلوا فيستوجبوا العنت من الله بالقتل والسبي.

اسامة محمد خيري
21-01-2017, 06:12
سورة يونس

القول في تأويل قوله تعالى: { تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ }.

واختلف في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تلك آيات التوراة. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن مجاهد: { تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ } قال: التوراة والإنجيل.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة: { تِلْكَ آياتُ الكِتابِ } قال: الكتب التي كانت قبل القرآن.

وقال آخرون: معنى ذلك: هذه آيات القرآن.

وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأوّله: هذه آيات القرآن، ووجه معنى «تلك» إلى معنى «هذه»، وقد بيَّنا وجه توجيه تلك إلى هذا المعنى في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته.....

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن فضيل بن عمرو بن الجون، عن قتادة أو الحسن: { أنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ } قال: محمد شفيع لهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ }: أي سلف صدق عند ربهم.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن زيد بن أسلم، في قوله: { أنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ } قال: محمد صلى الله عليه وسلم.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال: معناه أن لهم أعمالاً صالحة عند الله يستوجبون بها منه الثواب وذلك أنه محكيّ عن العرب: هؤلاء أهل القدم في الإسلام أي هؤلاء الذين قدموا فيه خيراً، فكان لهم فيه تقديم، ويقال: له عندي قدم صدق وقدم سوء، وذلك ما قدم إليه من خير أو شرّ، ومنه قول حسان بن ثابت رضي الله عنه:
لَنا القَدَمُ الأُولى إلَيْكَ وخَلْفُنا لأوَّلِنا في طاعَةِ اللَّهِ تابِعُ
وقول ذي الرمَّة:
لَكُمْ قَدَمٌ لا يُنْكِرُ النَّاسُ أنَّها مَعَ الحَسَبِ العادِيّ طَمَّتْ على البَحْرِ
فتأويل الكلام إذا: وبشر الذين آمنوا أن لهم تقدمة خير من الأعمال الصالحة عند ربهم....

اسامة محمد خيري
21-01-2017, 06:24
وقوله: { تَجْرِي مِنْ تَحْتَهِمُ الأنهارُ } يقول: تجري من تحت هؤلاء المؤمنين الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم أنهار الجنة. { في جَنَّاتِ النَّعِيمِ } يقول: في بساتين النعيم الذي نعمَّ الله به أهل طاعته والإيمان به.

فإن قال قائل: وكيف قيل تجري من تحتهم الأنهار، وإنما وصف جلّ ثناؤه أنهار الجنة في سائر القرآن أنها تجري تحت الجنات؟ وكيف يمكن الأنهار أن تجري من تحتهم إلا أن يكونوا فوق أرضها والأنهار تجري من تحت أرضها، وليس ذلك من صفة أنهار الجنة، لأن صفتها أنها تجري على وجه الأرض في غير أخاديد؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبتَ، وإنما معنى ذلك: تجري من دونهم الأنهار إلى ما بين أيديهم في بساتين النعيم، وذلك نظير قول الله: { قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا } ومعلوم أنه لم يجعل السريّ تحتها وهي عليه قاعدة، إذ كان السريّ هو الجدول، وإنما عني به جعل دونها: بين يديها، وكما قال جلّ ثناؤه مخبرا عن قيل فرعون: { ألَيْسَ لي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي } بمعنى: من دوني بين يدي.

اسامة محمد خيري
22-01-2017, 05:16
والقراءة التي لا أستجيز أن تعدوها هي القراءة التي عليها قرّاء الأمصار: { لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أدْرَاكُمْ بِهِ } بمعنى: ولا أعلمكم به، ولا أشعركم به.

اسامة محمد خيري
22-01-2017, 05:36
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تبارك وتعالى وعد المحسنين من عباده على إحسانهم الحسنى أن يجزيهم على طاعتهم إياه الجنة وأن تبيض وجوههم، ووعدهم مع الحسنى الزيادة عليها، ومن الزيادة على إدخالهم الجنة أن يكرمهم بالنظر إليه، وأن يعطيهم غرفاً من لآلىء، وأن يزيدهم غفراناً ورضواناً كلّ ذلك من زيادات عطاء الله إياهم على الحسنى التي جعلها الله لأهل جناته. وعمّ ربنا جلّ ثناؤه بقوله: { وَزِيادَةٌ } الزيادات على الحسنى، فلم يخصص منها شيئاً دون شيء، وغير مستنكر من فضل الله أن يجمع ذلك لهم، بل ذلك كله مجموع لهم إن شاء الله. فأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يعمّ كما عمه عزّ ذكره.

اسامة محمد خيري
22-01-2017, 05:39
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يكون الجزاء مرفوعاً بإضمار بمعنى: فلهم جزاء سيئة بمثلها لأن الله قال في الآية التي قبلها: { لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيادَةٌ } فوصف ما أعدّ لأوليائه، ثم عقب ذلك بالخبر عما أعدّ الله لأعدائه، فأشبه بالكلام أن يقال: وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة. وإذا وجه ذلك إلى هذا المعنى كانت الياء للجزاء....

وقرأه بعض متأخري القرّاء: «قِطْعاً» بسكون الطاء، بمعنى: كأنما أغشيت وجوههم سواداً من الليل، وبقية من الليل، ساعة منه، كما قال: { فَأَسْرِ بأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ } أي ببقية قد بقيت منه، ويعتلّ لتصحيح قراءته ذلك كذلك أنه في مصحف أبيّ: «ويغشى وجوههم قطع من الليل مظلم».

والقراءة التي لا يجوز خلافها عندي قراءة ذلك بفتح الطاء، لإجماع الحجة من قرّاء الأمصار على تصويبها وشذوذ ما عداها. وحسب الأخرى دلالة على فسادها، خروج قارئها عما عليه قرّاء أهل الأمصار والإسلام.

فإن قال لنا قائل: فإن كان الصواب في قراءة ذلك ما قلت، فما وجه تذكير المظلم وتوحيده، وهو من نعت القِطَع والقِطْع جمع لمؤنث؟ قيل في تذكيره ذلك وجهان: أحدهما: أن يكون قطعاً من الليل، وإن يكون من نعت الليل، فلما كان نكرة والليل معرفة نصب على القطع. فيكون معنى الكلام حينئذ: كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل المظلم، ثم حذفت الألف واللام من «المظلم»، فلما صار نكرة وهو من نعت الليل نصب على القطع وتسمي أهل البصرة ما كان كذلك حالاً، والكوفيُّون قطعاً. والوجه الآخر على نحو قول الشاعر:
لو أنَّ مِدْحَةَ حَيّ مُنْشِرٌ أحَداً
والوجه الأول أحسن وجهيه.

اسامة محمد خيري
22-01-2017, 05:51
اختلفت القرّاء في قراءة قوله: { هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْس } بالباء، بمعنى: عند ذلك تختبر كلّ نفس بما قدّمت من خير أو شرّ. وكان ممن يقرؤه ويتأوّله كذلك مجاهد.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: هُنالكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ قال: تختبر.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة وبعض أهل الحجاز: «تَتْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ» بالتاء.

واختلف قارئو ذلك كذلك في تأويله، فقال بعضهم: معناه وتأويله: هنالك تتبع كلّ نفس ما قدمت في الدنيا لذلك اليوم. ورُوي بنحو ذلك خبر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من وجه وسند غير مرتضى أنه قال: " يُمَثَّلُ لِكُلّ قَوْمٍ ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَتَّبِعُونَهُمْ حتى يُورِدُوهُمُ النَّارَ " قال: ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: " هُنالكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ". وقال بعضهم: بل معناه: تتلو كتاب حسناته وسيئاته، يعني تقرأ، كما قال جلّ ثناؤه:
{ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً }


وقال آخرون: تبلو: تعاين. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { هُنالكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ } قال: ما عملت. تبلو: تعاينه.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكلّ واحدة منهما أئمة من القرّاء، وهما متقاربتا المعنى وذلك أن من تبع في الآخرة ما أسلف من العمل في الدنيا، هجم به على مورده، فيخبر هنالك ما أسلف من صالح أو سيىء في الدنيا، وإن من خير من أسلف في الدنيا من أعماله في الآخرة، فإنما يخبر بعد مصيره إلى حيث أحله ما قدم في الدنيا من علمه، فهو في كلتا الحالتين متبع ما أسلف من عمله مختبر له، فبأيتهما قرأ القارىء كما وصفنا فمصيب الصواب في ذلك.

اسامة محمد خيري
23-01-2017, 06:09
وأولى القراءة في ذلك بالصواب قراءة من قرأ: «أمْ مَنْ لا يَهَدّي» بفتح الهاء وتشديد الدال، لما وصفنا من العلة لقارىء ذلك كذلك، وأن ذلك لا يدفع صحته ذو علم بكلام العرب وفيهم المنكر غيره، وأحقّ الكلام أن يقرأ بأفصح اللغات التي نزل بها كلام الله تبارك وتعالى.

فتأويل الكلام إذا: أفمن يهدي إلى الحقّ أحقّ أن يتبع، أم من لا يهتدي إلى شيء إلا أن يُهْدَى.

وكان بعض أهل التأويل يزعم أن معنى ذلك: أم من لا يقدر أن ينتقل عن مكانه إلا أن ينقل.

وكان مجاهد يقول في تأويل ذلك ما:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: «أفمَنْ يَهْدِي إلى الحَقّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمْ مَنْ لا يَهِدّي إلاَّ أنْ يُهْدَىٰ» قال: الأوثان، الله يهدي منها ومن غيرها من شاء لما شاء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: «أمَّنْ لا يهَدّي إلاَّ أنْ يُهْدَىٰ» قال: قال: الوثن.

اسامة محمد خيري
23-01-2017, 06:34
يقول تعالى ذكره: ولكلّ أمة خلت قبلكم أيها الناس رسول أرسلته إليهم، كما أرسلت محمدا إليكم يدعون من أرسلتهم إليهم إلى دين الله وطاعته. { فإذا جَاءَ رَسُولُهُمْ } يعني في الآخرة كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: { ولِكُلّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فإذَا جاء رَسَوُلُهُمْ } قال: يوم القيامة.

اسامة محمد خيري
23-01-2017, 06:47
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قرّاء الأمصار من قراءة الحرفين جميعا بالياء: { فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعونَ } لمعنيين: أحدهما: إجماع الحجة من القرّاء عليه، والثاني: صحته في العربية.

وذلك أن العرب لا تكاد تأمر المخاطب باللام والتاء، وإنما تأمره فتقول: افعل ولا تفعل.

وبعد: فإني لا أعلم أحدا من أهل العربية إلا وهو يستردىء أمر المخاطب باللام، ويرى أنها لغة مرغوب عنها غير الفراء، فإنه كان يزعم أن اللام في ذي التاء الذي خلق له واجهتَ به أم لم تواجِهْ، إلا أن العرب حذفت اللام من فعل المأمور المواجه لكثرة الأمر خاصة في كلامهم، كما حذفوا التاء من الفعل. قال: وأنت تعلم أن الجازم والناصب لا يقعان إلا على الفعل الذي أوله الياء والتاء والنون والألف، فلما حذفت التاء ذهبت اللام وأحدثت الألف في قولك: اضرب وافرح، لأن الفاء ساكنة، فلم يستقم أن يستأنف بحرف ساكن، فأدخلوا ألفا خفيفة يقع بها الابتداء، كما قال: ادّاركوا واثَّاقَلْتُمْ. وهذا الذي اعتلّ به الفراء عليه لا له وذلك أن العرب إن كانت قد حذفت اللام في المواجه وتركتها، فليس لغيرها إذا نطق بكلامها أن يدخل فيها ما ليس منه ما دام متكلما بلغتها، فإن فعل ذلك كان خارجا عن لغتها، وكلام الله الذي أنزله على محمد بلسانها، فليس لأحد أن يتلوه إلا بالأفصح من كلامها، وإن كان معروفاً بعض ذلك من لغة بعضها، فكيف بما ليس بمعروف من لغة حيّ ولا قبيلة منها؟ وإنما هو دعوى لا ثبَت بها ولا حجة.

اسامة محمد خيري
23-01-2017, 06:54
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وَما تَكُونُ } يا محمد { فِي شأْنِ } يعني في عمل من الأعمال، { وَما تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرآن } يقول: وما تقرأ من كتاب الله من قرآن، { وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ } يقول: ولا تعملون من عمل أيها الناس من خير أو شرّ { إلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً } يقول: إلا ونحن شهود لأعمالكم وشؤونكم إذ تعملونها وتأخذون فيها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك رُوي القول عن ابن عباس وجماعة. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: { إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } يقول: إذ تفعلون.

وقال آخرون: معنى ذلك: إذ تشيعون في القرآن الكذب ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن المسيب بن شريك، عن أبي روق، عن الضحاك: { إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } يقول: فتشيعون في القرآن من الكذب.

وقال آخرون: معنى ذلك: إذ تفيضون في الحقّ. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن أبي نجيح، عن مجاهد: { إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } في الحقّ ما كان.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

وإنما اخترنا القول الذي اخترناه فيه، لأنه تعالى ذكره أخبر أنه لا يعمل عبادُه عملاً إلا كان شاهده، ثم وصل ذلك بقوله: { إذْ يُفِيضُونَ فِيهِ } فكان معلوماً أن قوله: { إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } إنما هو خبر منه عن وقت عمل العاملين أنه له شاهد لا عن وقت تلاوة النبيّ صلى الله عليه وسلم القرآن لأن ذلك لو كان خبراً عن شهوده تعالى ذكره وقت إفاضة القوم في القرآن، لكانت القراءة بالياء: { إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } خبراً منه عن المكذّبين فيه.

فإن قال قائل: ليس ذلك خبراً عن المكذّبين، ولكن خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم أنه شاهده إذ تلا القرآن فإن ذلك لو كان كذلك لكان التنزيل: «إذ تفيض فيه»، لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم واحد لا جمع، كما قال: { وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرآنٍ } فأفرده بالخطاب، ولكن ذلك في ابتدائه خطابه صلى الله عليه وسلم بالإفراد ثم عوده إلى إخراج الخطاب على الجمع نظير قوله:
{ يا أيُّها النَّبِيّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ }
وذلك أن في قوله:
{ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ }
دليلاً واضحاً على صرفه الخطاب إلى جماعة المسلمين مع النبيّ صلى الله عليه وسلم مع جماعة الناس غيره لأنه ابتدأ خطابه ثم صرف الخطاب إلى جماعة الناس، والنبيّ صلى الله عليه وسلم فيهم، وخبر عن أنه لا يعمل أحد من عباده عملاً إلا وهو له شاهد يحصى عليه ويعلمه، كما قال: { وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ } يا محمد عمل خلقه، ولا يذهب عليه علم شيء حيث كان من أرض أو سماء....

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: { وَلا أصْغَرَ مِنَ ذلكَ وَلا أكْبَرَ } فقرأ ذلك عامَّة القرّاء بفتح الراء من «أصغر» و«أكبر» على أن معناها الخفض، عطفاً بالأصغر على الذرّة وبالأكبر على الأصغر، ثم فتحت راؤهما لأنهما لا يجريان. وقرأ ذلك بعض الكوفيين: «وَلا أصْغَرُ مِنْ ذلكَ وَلا أكْبَرُ» رفعاً، عطفا بذلك على معنى المثقال لأن معناه الرفع. وذلك أن «مِنْ» لو أُلقيت من الكلام لرفع المثقال، وكان الكلام حينئذ: وَما يَعْزُبُ عن ربك مثقال ذرّة ولا أصغر من مثقال ذرّة ولا أكبر، وذلك نحو قوله:
{ منْ خَالِقٍ غَيرُ اللَّهِ }
و«غيرِ الله».

وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ بالفتح على وجه الخفض والردّ على الذرّة لأن ذلك قراءة قرّاء الأمصار وعليه عوامّ القرّاء، وهو أصحّ في العربية مخرجا وإن كان للأخرى وجه معروف.

اسامة محمد خيري
23-01-2017, 07:06
حدثنا بحر بن نصر الخولاني، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا عبد الحميد بن بهرام، قال: ثنا شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يَأْتِي مِنْ أفناءِ النَّاسِ ونَوَازِعِ القَبائِلِ قَوْمٌ لَمْ يَتَّصِلْ بَيْنَهُمْ أرْحامٌ مُتَقارِبَةٌ، تَحابُّوا فِي اللَّهِ وَتَصَافَوْا فِي اللَّهِ يَضَعُ اللَّهُ لَهُمْ يَومَ القِيامَةِ مَنابِرَ مِنْ نُورٍ فَيُجْلِسُهُمْ عَلَيْها، يَفْزَعُ النَّاسُ فَلا يَفْزَعُونَ، وَهُمْ أوْلِياءُ اللَّهِ الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ".

والصواب من القول في ذلك أن يقال: الوليّ، أعني وليّ الله، هو من كان بالصفة التي وصفه الله بها، وهو الذي آمن واتقى، كما قال الله:
{ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ }
وبنحو الذي قلنا في ذلك، كان ابن زيد يقول:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: { ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } من هم يا ربّ؟ قال: { الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ } قال: أبى أن يتقبل الإيمان إلا بالتقوى.

اسامة محمد خيري
23-01-2017, 07:08
وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن لأوليائه المتقين البشرى في الحياة الدنيا، ومن البشارة في الحياة الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرَى له منها بشرى الملائكة إياه عند خروج نفسه برحمة الله، كما رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: " إنَّ المَلائِكَةَ التي تَحْضُرُه عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ، تَقُولُ لَنْفْسِهِ: اخْرُجي إلى رَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ " وَمنها: بشرى الله إياه ما وعده في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من الثواب الجزيل، كما قال جلّ ثناؤه:
{ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحاتِ أنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهارُ... }
الآية. وكلّ هذه المعاني من بشرى الله إياه في الحياة الدنيا بشره بها، ولم يخصص الله من ذلك معنى دون معنى، فذلك مما عمه جلّ ثناؤه أن { لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَياةِ الدُّنْيا } وأما في الآخرة فالجنة.

اسامة محمد خيري
24-01-2017, 05:11
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته قراء الأمصار: وشَرَكاءَكُمْ نصبا، وقوله: فَأجْمِعُوا بهمز الألف وفتحها، من أجمعت أمري فأنا أجمعه إجماعاً. وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: { فأجمِعوا أمْرَكُمْ } بفتح الألف وهمزها «وَشُرَكاؤُكُمْ» بالرفع على معنى: وأجمعوا أمركم، وليجمع أمرهم أيضاً معكم شركاؤكم.

والصواب من القول في ذلك قراءة من قرأ: { فَأجْمِعُوا أمْرَكُمُ وَشُرَكاءَكُمْ } بفتح الألف من «أجمعوا»، ونصب «الشركاء»، لأنها في المصحف بغير واو، ولإجماع الحجة على القراءة بها ورفض ما خالفها، ولا يعترض عليها بمن يجوز عليه الخطأ والسهو. وعني بالشركاء آلهتهم وأوثانهم.

اسامة محمد خيري
24-01-2017, 05:34
يقول تعالى ذكره: { فَلَمَّا ألْقَوْا } ما هم ملقوه { قالَ } لهم { مُوسَى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ }.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والعراق { ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ } على وجه الخبر من موسى عن الذي جاءت به سحرة فرعون أنه سحر كأن معنى الكلام على تأويلهم، قال موسى: الذي جئتم به أيها السحرة هو السحر. وقرأ ذلك مجاهد وبعض المدنيين البصريين: «ما جئْتُمْ بِهِ آلسِّحْرُ» على وجه الاستفهام من موسى إلى السحرة عما جاءوا به، أسحر هو أم غيره؟

وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه على وجه الخبر لا على الاستفهام، لأن موسى صلوات الله وسلامه عليه لم يكن شاكًّا فيما جاءت به السحرة أنه سحر لا حقيقة له فيحتاج إلى استخبار السحرة عنه أيّ شيءٍ هو، وأخرى أنه صلوات الله عليه قد كان على علم من السحرة، إنما جاء بهم فرعون ليغالبوه على ما كان جاءهم به من الحقّ الذي كان الله آتاه، فلم يكن يذهب عليه أنهم لم يكونوا يصدّقونه في الخبر عما جاءوا به من الباطل، فيستخبرهم أو يستجيز استخبارهم عنه ولكنه صلوات الله عليه أعلمهم أنه عالم ببطول ما جاءوا به من ذلك بالحقّ الذي أتاه ومبطل كيدهم بجدّه، وهذه أولى بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآخرى.

فإن قال قائل: فما وجه دخول الألف واللام في السحر إن كان الأمر على ما وصفت وأنت تعلم أن كلام العرب في نظير هذا أن يقولوا: ما جاءني به عمرو درهم، والذي أعطاني أخوك دينار، ولا يكادون أن يقولوا الذي أعطاني أخوك الدرهم، وما جاءني به عمرو الدينار؟ قيل له: بلى كلام العرب إدخال الألف واللام في خبر ما والذي إذا كان الخبر عن معهود قد عرفه المخاطب والمخاطب، بل لا يجوز إذا كان ذلك كذلك إلا بالألف واللام، لأن الخبر حينئذ خبر عن شيء بعينه معروف عند الفريقين وإنما يأتي ذلك بغير الألف إذا كان الخبر عن مجهول غير معهود ولا مقصود قصد شيء بعينه، فحينئذ لا تدخل الألف واللام في الخبر، وخبر موسى كان خبراً عن معروف عنده وعند السحرة، وذلك أنها كانت نسبت ما جاءهم به موسى من الآيات التي جعلها الله علما له على صدقه ونبوته إلى أنه سحر، فقال لهم موسى: السحر الذي وصفتم به ما جئتكم به من الآيات أيها السحرة، هو الذي جئتم به أنتم لا ما جئتكم به أنا. ثم أخبرهم أن الله سيبطله. فقال: { إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ } يقول: سيذهب به، فذهب به تعالى ذكره بأن سلط عليه عصا موسى قد حوّلها ثعباناً يتلقفه حتى لم يبق منه شيء. { إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ } يعني: أنه لا يصلح عمل من سعى في أرض الله بما يكرهه وعمل فيها بمعاصيه. وقد ذكر أن ذلك في قراءة أبيّ بن كعب: «ما أتيتم به سحر»، وفي قراءة ابن مسعود: «ما جئتم به سحر»، وذلك مما يؤيد قراءة من قرأ بنحو الذي اخترنا من القراءة فيه.

اسامة محمد خيري
24-01-2017, 05:45
وأولى هذه الأقوال عندي بتأويل الآية القول الذي ذكرته عن مجاهد، وهو أن الذرية في هذا الموضع أريد بها ذرية من أرسل إليه موسى من بني إسرائيل، فهلكوا قبل أن يقرّوا بنبوّته لطول الزمان، فأدركت ذرّيتهم فآمن منهم من ذكر الله بموسى.

وإنما قلت هذا القول أولى بالصواب في ذلك لأنه لم يجر في هذه الآية ذكر لغير موسى، فلأن تكون الهاء في قوله «من قومه» من ذكر موسى لقربها من ذكره، أولى من أن تكون من ذكر فرعون لبُعد ذكره منها، إذ لم يكن بخلاف ذلك دليل من خبر ولا نظر.

وبعد، فإن في قوله: { عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ } الدليل الواضح على أن الهاء في قوله: { إلاَّ ذُرّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ } من ذكر موسى لا من ذكر فرعون لأنها لو كانت من ذكر فرعون لكان الكلام: «على خوف منه»، ولم يكن { على خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ }.

وأما قوله: { عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ } فإنه يعني على حال خوف ممن آمن من ذرّية قوم موسى بموسى.

فتأويل الكلام: فما آمن لموسى إلا ذرّية من قومه من بني إسرائيل وهم خائفون من فرعون وملئهم أن يفتنوهم. وقد زعم بعض أهل العربية أنه إنما قيل: فما آمن لموسى إلا ذرّية من قومه، لأن الذين آمنوا به إنما كانت أمهاتهم من بني إسرائيل وآباؤهم من القبط، فقيل لهم الذرّية من أجل ذلك، كما قيل لأبناء الفرس الذين أمهاتهم من العرب وآباؤهم من العجم: أبناء. والمعروف من معنى الذرّية في كلام العرب: أنها أعقاب من نسبت إليه من قِبَل الرجال والنساء، كما قال جلّ ثناؤه:
{ ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوح }
وكما قال:
{ وَمنْ ذُرّيَتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيمانَ وأيُّوبَ وَيُوسُفَ }
ثم قال بعد:
{ وَزَكَرِيَّا وَيْحَيى وَعِيسَى وَإلَيْاسَ }
فجعل من كان من قِبَل الرجال والنساء من ذرّية إبراهيم....

وأما قوله: { وَمَلَئِهِمْ } فإن الملأ: الأشراف. وتأويل الكلام: على خوف من فرعون ومن أشرافهم.

واختلف أهل العربية فيمن عني بالهاء والميم اللتين في قوله: { وَمَلَئِهِمْ } فقال بعض نحويي البصرة: عني بها الذرّية. وكأنه وجه الكلام إلى: فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه، على خوف من فرعون، وملأ الذرية من بني إسرائيل. وقال بعض نحويي الكوفة: عني بهما فرعون، قال: وإنما جاز ذلك وفرعون واحد لأن الملك إذا ذكر لخوف أو سفر أو قدوم من سفر ذهب الوهم إليه وإلى من معه. وقال: ألا ترى أنك تقول: قدم الخليفة فكثر الناس، تريد بمن معه، وقدم فغلت الأسعار؟ لأنا ننوي بقدومه قدوم من معه.

قال: وقد يكون يريد أن بفرعون آل فرعون، ويحذف آل فرعون فيجوز، كما قال:
{ وَاسْئَل القَرْيَةَ }
يريد أهل القرية، والله أعلم. قال: ومثله قوله:
{ يا أيُّها النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ }


وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: الهاء والميم عائدتان على الذرية. ووجه معنى الكلام إلى أنه على خوف من فرعون، وملأ الذرّية لأنه كان في ذرّية القرن الذين أرسل إليهم موسى من كان أبوه قبطيًّا وأمه إسرائيلية، فمن كان كذلك منهم كان مع فرعون على موسى. وقوله: { أنْ يَفْتِنَهُمْ } يقول: كان إيمان من آمن من ذرّية قوم موسى على خوف من فرعون أن يفتنهم بالعذاب، فيصدّهم عن دينهم، ويحملهم على الرجوع عن إيمانهم والكفر بالله. وقال: { أنْ يَفْتِنَهُمْ } فوحد ولم يقل: «أن يفتنوهم»، لدليل الخبر عن فرعون بذلك أن قومه كانوا على مثل ما كان عليه لما قد تقدّم من قوله: { عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ }.

اسامة محمد خيري
24-01-2017, 05:53
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله تعالى: { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنا فِتْنَةً للقَوْمِ الظَّالِمِينَ } لا تبتلنا ربنا فتجهدنا وتجعله فتنة لهم هذه الفتنة. وقرأ: { فِتْنَةً للظَّالمينَ } قال المشركون حين كانوا يؤذون النبيّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ويرمونهم:: أليس ذلك فتنة لهم، وسوءا لهم؟ وهي بلية للمؤمنين.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن القوم رغبوا إلى الله في أن يجيرهم من أن يكونوا محنة لقوم فرعون وبلاء، وكل ما كان من أحرٍ لهم مَصَدّة عن اتباع موسى والإقرار به وبما جاءهم به، فإنه لا شكّ أنه كان لهم فتنة، وكان من أعظم الأمور لهم إبعادا من الإيمان بالله ورسوله. وكذلك من المَصَدّة كان لهم عن الإيمان، أن لو كان قوم موسى عاجلتهم من الله محنة في أنفسهم من بلية تنزل بهم، فاستعاذ القوم بالله من كل معنى يكون صادا لقوم فرعون عن الإيمان بالله بأسبابهم.

اسامة محمد خيري
24-01-2017, 05:55
وقال آخرون: معنى ذلك: واجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمران بن عيينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير: { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } قال: يقابل بعضها بعضا.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب القول الذي قدمنا بيانه وذلك أن الأغلب من معاني البيوت وإن كانت المساجد بيوتا، البيوت المسكونة إذا ذكرت باسمها المطلق دون المساجد لأن المساجد لها اسم هي به معروفة خاصّ لها، وذلك المساجد. فأما البيوت المطلقة بغير وصلها بشيء ولا إضافتها إلى شيء، فالبيوت المسكونة، وكذلك القبلة الأغلب من استعمال الناس إياها في قِبَل المساجد وللصلوات. فإذا كان ذلك كذلك، وكان غير جائز توجيه معاني كلام الله إلا إلى الأغلب من وجوهها المستعمل بين أهل اللسان الذي نزل به دون الخفي المجهول ما لم تأت دلالة تدلّ على غير ذلك، ولم يكن على قوله: { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } دلالة تقطع العذر بأن معناه غير الظاهر المستعمل في كلام العرب، لم يجز لنا توجيهه إلى غير الظاهر الذي وصفنا. وكذلك القول في قوله: { قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ } يقول تعالى ذكره: وأدّوا الصلاة المفروضة بحدودها في أوقاتها. وقوله: { وَبَشِّرِ المُومِنِينَ } يقول جلّ ثناؤه لنبيه عليه الصلاة والسلام: وبشر مقيمي الصلاة المطيعي الله يا محمد المؤمنين بالثواب الجزيل منه.

اسامة محمد خيري
24-01-2017, 06:06
وقد اختلفت أهل العلم بالعربية في معنى هذه اللام التي في قوله: { لِيُضِلّوا } فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: ربنا فضلوا عن سبيلك، كما قال:
{ فالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُوَنَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً }
أي فكان لهم وهم لم يلتقطوه ليكون عدوا وحزنا، وإنما التقطوه فكان لهم. قال: فهذه اللام تجيء في هذا المعنى. وقال بعض نحويي الكوفة: هذه اللام لام كي ومعنى الكلام: ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم كي يضلوا، ثم دعا عليهم وقال آخر: هذه اللامات في قوله «ليضلوا» و «ليكون لهم عدوًّا»، وما أشبهها بتأويل الخفض: آتيتهم ما أتيتهم لضلالهم، والتقطوه لكونه لأنه قد آلت الحالة إلى ذلك. والعرب تجعل لام كي في معنى لام الخفض، ولام الخفض في معنى لام كي لتقارب المعنى، قال الله تعالى:
{ سَيَحْلِفُونَ باللَّهِ لَكُمْ إذَا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتَعْرِضُوا عَنْهُمْ }
أي لإعراضكم، ولم يحلفوا لإعراضهم وقال الشاعر:

سَمَوْتَ ولَمْ تَكُنْ أهْلاً لِتَسْمُو وَلكنَّ المُضَيَّعَ قَدْ يُصَابُ
قال: وإنما يقال: وما كنت أهلاً للفعل، ولا يقال لتفعل إلا قليلاً. قال: وهذا منه.

والصواب من القول في ذلك عندي: أنها لا م كي، ومعنى الكلام: ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم من زينة الحياة الدنيا والأموال لتفتنهم فيه، ويُضِلوا عن سبيلك عبادك، عقوبةً منك. وهذا كما قال جلّ ثناؤه:
{ لأَسْقَيْناهُمْ مَاءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ }....

واختلف أهل العربية في موضع: { يُوءْمِنُوا } فقال بعض نحويي البصرة: هو نصب لأن جواب الأمر بالفاء أو يكون دعاء عليهم إذا عصوا. وقد حُكي عن قائل هذا القول أنه كان يقول: هو نصب عطفا على قوله: { لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ }. وقال آخر منهم، وهو قول نحوييِّ الكوفة: موضعه جزم على الدعاء من موسى عليهم، بمعنى: فلا آمنوا، كما قال الشاعر:

فَلا يَنْبَسِطْ مِنْ بينِ عَيْنَيْكَ ما انْزَوَى وَلا تَلْقَنِي إلاَّ وأنْفُكَ رَاغِمُ
بمعنى: فلا انبسط من بين عينيك ما انزوى، ولا لقيتني على الدعاء. وكان بعض نحويّي الكوفة يقول: هو دعاء، كأنه قال: اللهم فلا يؤمنوا. قال: وإن شئت جعلتها جوابا لمسئلته إياه، لأن المسئلة خرجت على لفظ الأمر، فتجعل { فلا يؤْمِنُوا } في موضع نصب على الجواب، وليس بسهل.

قال: ويكون كقول الشاعر:

يا ناقَ سِيرِي عَنَقاً فَسِيحا إلى سُلَيْمَانَ فَنَستَرِيحا
قال: وليس الجواب بسهل في الدعاء لأنه ليس بشرط.

والصواب من القول في ذلك أنه في موضع جزم على الدعاء، بمعنى: فلا آمنوا. وإنما اخترت ذلك لأن ما قبله دعاء، وذلك قوله:
{ رَبَّنا اطْمِسْ على أمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ على قُلُوبِهِمْ }
فإلحاق قوله: { فَلا يؤْمِنُوا } إذ كان في سياق ذلك بمعناه أشبهُ وأولى.

اسامة محمد خيري
24-01-2017, 06:33
يقول تعالى ذكره: فهلا كانت قرية آمنت وهي كذلك فيما ذكر في قراءة أبيّ.

ومعنى الكلام: فما كانت قرية آمنت عند معاينتها العذاب ونزول سخط الله بها بعصيانها ربها واستحقاقها عقابه، فنفعها إيمانها ذلك في ذلك الوقت، كما لم ينفع فرعون إيمانه حين أدركه الغرق بعد تماديه في غيِّه واستحقاقه سخط الله بمعصيته. { إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ } فإنهم نفعهم إيمانهم بعد نزول العقوبة وحلول السخط بهم. فاستثنى الله قوم يونس من أهل القرى الذين لم ينفعهم إيمانهم بعد نزول العذاب بساحتهم، وأخرجهم منهم، وأخبر خلقه أنه نفعهم إيمانهم خاصة من بين سائر الأمم غيرهم.

فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت من أن قوله: { فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها } بمعنى: فما كانت قرية آمنت بمعنى الجحود، فكيف نصب «قوم» وقد علمت أن ما قبل الاستثناء إذا كان جحداً كان ما بعده مرفوعاً، وأن الصحيح من كلام العرب: ما قام أحد إلا أخوك، وما خرج أحد إلا أبوك؟ قيل: إن ذلك إنما يكون كذلك إذا كان ما بعد الاستثناء من جنس ما قبله وذلك أن الأخ من جنس أحد، وكذلك الأب. ولكن لو اختلف الجنسان حتى يكون ما بعد الاستثناء من غير جنس ما قبله كان الفصيح من كلامهم النصب، وذلك لو قلت: ما بقي في الدار أحد إلا الوتد، وما عندنا أحد إلا كلباً أو حماراً لأن الكلب والوتد والحمار من غير جنس أحد، ومنه قول النابغة الذبياني:
............ أعْيَتْ جوَاباً ومَا بالرَّبعْ مِنْ أحَدِ
ثم قال
إلاَّ أوارِيَّ لأَيا ما أُبَيِّنُها والنّؤْىُ كالحَوْضِ بالمظلومة الجَلَدِ
فنصب «الأواريّ» إذ كان مستثنى من غير جنسه، فكذلك نصب قوم يونس لأنهم أمة غير الأمم الذين استثنوا منهم من غير جنسهم وشكلهم وإن كانوا من بني آدم، وهذا الاستثناء الذي يسميه بعض أهل العربية الاستثناء المنقطع. ولو كان قوم يونس بعض الأمة الذين استثنوا منهم كان الكلام رفعاً، ولكنهم كما وصفت.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: { فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها } يقول: لم تكن قرية آمنت فنفعها الإيمان إذا نزل بها بأس الله، إلا قرية يونس.

قال ابن جريج: قال مجاهد: فلم تكن قرية آمنت فنفعها إيمانها كما نفع قوم يونس إيمانهم إلا قوم يونس.

اسامة محمد خيري
25-01-2017, 05:16
سورة هود

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: { أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصّلَتْ } قال: أحكمها الله من الباطل، ثم فصلها: بينها.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: أحكم الله آياته من الدَّخل والخلل والباطل، ثم فصلها بالأمر والنهي. وذلك أن إحكام الشيء إصلاحه وإتقانه، وإحكام آيات القرآن إحكامها من خلل يكون فيها أو باطل يقدر ذو زيغ أن يطعن فيها من قبله. وأما تفصيل آياته فإنه تمييز بعضها من بعض بالبيان عما فيها من حلال وحرام وأمر ونهي. وكان بعض المفسرين يفسر قوله: { فُصّلَتْ } بمعنى: فسرت، وذلك نحو الذي قلنا فيه من القول....

اسامة محمد خيري
25-01-2017, 05:25
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { ألا إنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } يقول: تثنوني صدورُهم.

وهذا التأويل الذي تأوّله الضحاك على مذهب قراءة ابن عباس، إلا أن الذي حدثنا هكذا ذكر القراءة في الرواية. فإذا كانت القراءة التي ذكرنا أولى القراءتين في ذلك بالصواب لإجماع الحجة من القرّاء عليها. فأولى التأويلات بتأويل ذلك، تأويل من قال: إنهم كانوا يفعلون ذلك جهلاً منهم بالله أنه يخفى عليه ما تضمره نفوسهم أو تناجوه بينهم.

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بالآية، لأن قوله: { لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ } بمعنى: ليستخفوا من الله، وأن الهاء في قوله: { مِنْهُ } عائدة على اسم الله، ولم يجر لمحمد ذكر قبل،. فيجعل من ذكره صلى الله عليه وسلم وهي في سياق الخبر عن الله. فإذا كان ذلك كذلك كانت بأن تكون من ذكر الله أولى. وإذا صحّ أن ذلك كذلك، كان معلوما أنهم لم يحدِّثوا أنفسهم أنهم يستخفون من الله إلا بجهلهم به، فلما أخبرهم جلّ ثناؤه أنه لا يخفى عليه سرّ أمورهم وعلانيتها على أيّ حال كانوا تغشوا بالثياب أو ظهروا بالبراز، فقال: { ألاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ } يعني: يتغشون ثيابهم يتغطونها ويلبسون، يقال منه: استغشى ثوبه وتغشاه، قال الله: واسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وقالت الخنساء
أرْعَى النُّجُومَ وَما كُلِّفْتُ رِعْيَتَها وتارَةً أتَغشَّى فَضْلَ أطْمارِى
{ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ } يقول جلّ ثناؤه: يعلم ما يسرّ هؤلاء الجهلة بربهم، الظانون أن الله يخفى عليه ما أضمرته صدورهم إذا حنوها على ما فيها وثنوه، وما تناجوه بينهم فأخفوه { وما يُعْلِنُونَ } سواء عنده سرائر عباده وعلانيتهم { إنّه عَلِيمٌ بذَاتِ الصُّدُورَ } يقول تعالى ذكره: إن الله ذو علم بكلّ ما أخفته صدور خلقه من إيمان وكفر وحقّ وباطل وخير وشرّ، وما تستجنّه مما لم يجنه بعد. كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس: { ألاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ } يقول: يغطون رؤسهم.

قال أبو جعفر،فاحذروا أن يطلع عليكم ربكم وأنتم مضمرون في صدوركم الشك في شىء من توحيده أو أمره أو نهيه،أو فيما ألزمكم الإيمان به والتصديق،فتهلكوا باعتقادكم ذلك.

اسامة محمد خيري
25-01-2017, 05:31
وقوله: { وَيَعْلَـمُ مُسْتَقَرَّها } حيث تستقرّ فـيه، وذلك مأواها الذي تأوي إلـيه لـيلاً أو نهارا. { وَمُسْتَوْدَعَها }: الـموضع الذي يُودِعها، إما بـموتها فـيه أو دفنها...

وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـيه، لأن الله جلّ ثناؤه أخبر أن ما رزقت الدوابّ من رزق فمنه، فأولـى أن يتبع ذلك أن يعلـم مثواها ومستقرّها دون الـخبر عن علـمه بـما تضمنته الأصلاب والأرحام.

اسامة محمد خيري
25-01-2017, 05:52
وأولـى هذه الأقوال التـي ذكرناها بـالصواب فـي تأويـل قوله: { وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ }: قول من قال: هو جبرئيـل، لدلالة قوله: { وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسَى إماماً وَرَحْمَةً } علـى صحة ذلك وذلك أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم لـم يتلُ قبل القرآن كتاب موسى، فـيكون ذلك دلـيلاً علـى صحة قول من قال: عُنِـي به لسان مـحمد صلى الله عليه وسلم، أو مـحمد نفسه، أو علـيّ علـى قول من قال: عُنِـي به علـيٌّ. ولا يعلـم أن أحداً كان تلا ذلك قبل القرآن أو جاء به مـمن ذكر أهل التأويـل أنه عُنِـي بقوله: { وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ } غير جبرئيـل علـيه السلام.

فإن قال قائل: فإن كان ذلك دلـيـلك علـى أن الـمَعْنـيّ به جبرئيـل، فقد يجب أن تكون القراءة فـي قوله: { وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسَى } بـالنصب لأن معنى الكلام علـى ما تأوّلت يجب أن يكون: ويتلو القرآن شاهد من الله، ومن قَبل القرآن كتاب موسى؟ قـيـل: إن القراء فـي الأمصار قد أجمعت علـى قراءة ذلك بـالرفع فلـم يكن لأحد خلافُها، ولو كانت القراءة جاءت فـي ذلك بـالنصب كانت قراءة صحيحة ومعنى صحيحاً.

فإن قال: فما وجه رفعهم إذا الكتاب علـى ما ادّعيت من التأويـل؟ قـيـل: وجه رفعهم هذا أنهم ابتدءوا الـخبر عن مـجيء كتاب موسى قبل كتابنا الـمنزل علـى مـحمد، فرفعوه ب «من» قبله، والقراءة كذلك، والـمعنى الذي ذكرت من معنى تلاوة جبرئيـل ذلك قبل القرآن، وأن الـمراد من معناه ذلك وإن كان الـخبر مستأنفـا علـى ما وصفت اكتفـاء بدلالة الكلام علـى معناه.

وأما قوله: { إماماً } فإنه نصب علـى القطع من كتاب موسى، وقوله { وَرَحْمَةً } عطف علـى «الإمام»، كأنه قـيـل: ومن قبله كتاب موسى إماماً لبنـي إسرائيـل يأَتَـمُّون به، ورحمة من الله تلاه علـى موسى...

اسامة محمد خيري
25-01-2017, 06:04
وقوله: { ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ } فإنه اختلف فـي تأويـله، فقال بعضهم: ذلك وصف الله به هؤلاء الـمشركين أنه قد ختـم علـى سمعهم وأبصارهم، وأنهم لا يسمعون الـحقّ، ولا يبصرون حُجَج الله سماع منتفع ولا إبصار مهتد. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ } صمّ عن الـحقّ فما يسمعونه، بكم فما ينطقون به، عُمْي فلا يبصرونه، ولا ينتفعون به.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: { ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ } قال: ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا خبراً فـينتفعوا به، ولا يبصروا خيراً فـيأخذوا به.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قال: أخبر الله سبحانه أنه حال بـين أهل الشرك وبـين طاعته فـي الدنـيا والآخرة. أما فـي الدنـيا فإنه قال: { ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ } وهي طاعته، { وَما كانُوا يُبْصِرُونَ }. وأما فـي الآخرة فإنه قال: { فَلا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً }.

وقال آخرون: إنـما عَنـي بقوله: { وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أوْلِـياءِ } آلهة الذين يصدّون عن سبـيـل الله. وقالوا: معنى الكلام: أولئك وآلهتهم لـم يكونوا معجزين فـي الأرض، { يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ } يعنـي الآلهة أنها لـم يكن لها سمع ولا بصر. هذا قول رُوي عن ابن عبـاس من وجه كرهت ذكره لضعف سنده.

وقال آخرون: معنى ذلك: يضاعف لهم العذاب بـما كانوا يستطيعون السمع ولا يسمعونه، وبـما كانوا يبصرون ولا يتأملون حجج الله بأعينهم فـيعتبروا بها. قالوا: والبـاء كان ينبغي لها أن تدخـل، لأنه قد قال:
{ فَلَهُمْ عَذَابٌ ألِـيـمٌ بِـمَا كانُوا يَكْذِبُونَ }
بكذبهم فـي غير موضع من التنزيـل أدخـلت فـيه البـاء، وسقوطها جائز فـي الكلام كقولك فـي الكلام: لاحن بـما فـيك ما علـمت وبـما علـمت، وهذا قول قاله بعض أهل العربـية.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا ما قاله ابن عبـاس وقتادة، من أن الله وصفهم تعالـى ذكره بأنهم لا يستطيعون أن يسمعوا الـحقّ سماع منتفع، ولا يبصرونه إبصار مهتد، لاشتغالهم بـالكفر الذي كانوا علـيه مقـيـمين، عن استعمال جوارحهم فـي طاعة الله، وقد كانت لهم أسماع وأبصار.

اسامة محمد خيري
25-01-2017, 06:14
وقوله: { بـادِيَ الرأيِ } اختلفت القرّاء فـي قراءته، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والعراق: { بـادِيَ الرأيِ } بغير همز «البـادي» وبهمز «الرأي»، بـمعنى: ظاهر الرأي، من قولهم: بدا الشيء يبدو: إذا ظهر، كما قال الراجز
أضْحَى لـخالـي شَبَهِي بـادِيَ بَدِيْ وصَارَ للفَحْلِ لِسانِـي وَيَدِي
«
بـادي بدي» بغير همز. وقال آخر:

وَقَدْ عَلَتْنِـي ذُرْأةٌ بـادِي بَدِي
وقرأ ذلك بعض أهل البصرة: «بـادِىءَ الرأيِ» مهموز أيضا، بـمعنى: مبتدأ الرأي، من قولهم: بدأت بهذا الأمر: إذا ابتدأت به قبل غيره.

وأولـى القراءتـينِ بـالصواب فـي ذلك عندنا قراءة من قرأ: { بـادِيَ } بغير همز «البـادي»، وبهمز «الرأي»، لأن معنى ذلك الكلام: إلا الذين هم أراذلنا فـي ظاهر الرأي وفـيـما يظهر لنا....

واختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل الـمدينة وبعض أهل البصرة والكوفة: «فَعَمِيَتْ» بفتـح العين وتـخفـيف الـميـم، بـمعنى: فعميت الرحمة علـيكم فلـم تهتدوا لها فتقروا بها وتصدقوا رسولكم علـيها. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين: { فَعُمِّيَتْ عَلَـيْكُمْ } بضمّ العين وتشديد الـميـم، اعتبـاراً منهم ذلك بقراءة عبد الله، وذلك أنهما فـيـما ذكر فـي قراءة عبد الله: «فعماها علـيكم».

وأولـى القراءتـين فـي ذلك عندي بـالصواب قراءة من قرأه: { فَعُمِّيَتْ عَلَـيْكُمْ } بضمّ العين وتشديد الـميـم للذي ذكروا من العلة لـمن قرأ به، ولقربه من قوله: { أرأيْتُـمْ إنْ كُنْتُ علـى بَـيِّنَةٍ مِنْ رَبـيّ وآتانِـي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ } فأضاف الرحمة إلـى الله، فكذلك تعميته علـى الآخرين بـالإضافة إلـيه أولـى. وهذه الكلـمة مـما حوّلت العرب الفعل عن موضعه، وذلك أن الإنسان هو الذي يَعْمَى عن إبصار الـحقّ، إذ يَعْمى عن إبصاره، والـحقّ لا يوصف بـالعَمَى إلا علـى الاستعمال الذي قد جرى به الكلام، وهو فـي جوازه لاستعمال العرب إياه نظير قولهم: دخـل الـخاتـم فـي يدي، والـخفّ فـي رجلـي، ومعلوم أن الرجل هي التـي تدخـل فـي الـخفّ، والأصبع فـي الـخاتـم، ولكنهم استعملوا ذلك كذلك لـما كان معلوماً الـمراد فـيه.

اسامة محمد خيري
26-01-2017, 05:17
وأولـى هذه الأقوال عندنا بتأويـل قوله: { التَّنُّور } قول من قال: هو التنور الذي يخبز فـيه لأن ذلك هو الـمعروف من كلام العرب، وكلام الله لا يوجه إلا إلـى الأغلب الأشهر من معانـيه عند العرب إلا أن تقوم حجة علـى شيء منه بخلاف ذلك فـيسلـم لها....

والقراءة التـي نـختارها فـي ذلك قراءة من قرأ: { بِسْمِ اللَّهِ مَـجْرَاها } بفتـح الـميـم { وَمُرْساها } بضم الـميـم، بـمعنى: بسم الله حين تَـجْري وحين تُرْسِي.

وإنـما اخترت الفتـح فـي ميـم «مَـجْراها» لقرب ذلك من قوله: { وَهِيَ تَـجْرِي بِهِمْ فِـي مَوْجٍ كالـجِبـالِ } ولـم يقل: تُـجْرَى بهم. ومن قرأ: «بِسْمِ اللَّهِ مُـجْراها» كان الصواب علـى قراءته أن يقرأ: وهي تُـجْرَي بهم. وفـي إجماعهم علـى قراءة «تـجري» بفتـح التاء دلـيـل واضح علـى أن الوجه فـي «مَـجراها» فتـح الـميـم. وإنـما اخترنا الضم فـي «مُرساها» لإجماع الـحجة من القرّاء علـى ضمها. ومعنى قوله { مَـجْراها } مسيرها { وَمُرْساها } وَقْـفها، من وقـفها الله وأرساها. وكان مـجاهد يقرأ ذلك بضم الـميـم فـي الـحرفـين جميعاً.

اسامة محمد خيري
26-01-2017, 05:25
وقال بعض نـحويـي البصرة: { لا عاصِمَ الـيَوْمَ مِنْ أمْرِ اللَّهِ إلاَّ مَنْ رَحِمَ } علـى: لَكِنْ مَنْ رحم، ويجوز أن يكون علـى: لا ذا عصمة: أي معصوم، ويكون «إلا من رحم» رفعاً بدلاً من العاصم. ولا وجه لهذه الأقوال التـي حكيناها عن هؤلاء، لأن كلام الله تعالـى إنـما يوجه إلـى الأفصح الأشهر من كلام مَن نزل بلسانه ما وجد إلـى ذلك سبـيـل، ولـم يضطرنا شيء إلـى أن نـجعل «عاصماً» فـي معنى «معصوم»، ولا أن نـجعل «إلاَّ» بـمعنى «لكن»، إذ كنا نـجد لذلك فـي معناه الذي هو معناه فـي الـمشهور من كلام العرب مَخْرجا صحيحا، وهو ما قلنا من أن معنى ذلك: قال نوح: لا عاصم الـيوم من أمر الله إلا من رحمنا فأنـجانا من عذابه، كما يقال: لا مُنْـجِيَ الـيوم من عذاب الله إلا الله، ولا مُطِعم الـيوم من طعام زيد إلا

إلا زيد. فهذا هو الكلام الـمعروف والـمعنى الـمفهوم.

اسامة محمد خيري
26-01-2017, 05:37
وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: تأويـل ذلك: إنه لـيس من أهلك الذين وعدتك أن أنـجَيهم، لأنه كان لدينك مخالفـاً وبـي كافراً. وكان ابنه لأن الله تعالـى ذكره قد أخبر نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم أنه ابنه، فقال: { وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ } وغير جائز أن يخبر أنه ابنه فـيكون بخلاف ما أخبر. ولـيس فـي قوله: { إنَّهُ لَـيْسَ مِنْ أهْلِكَ } دلالة علـى أنه لـيس بـابنه، إذ كان قوله: { لَـيْسَ مِنْ أهْلِكَ } مـحتـملاً من الـمعنى ما ذكرنا، ومـحتـملاً أنه لـيس من أهل دينك، ثم يحذف «الدين» فـيقال: إنه لـيس من أهلك، كما قـيـل: { وَاسأَلِ القَرْيَةَ التـي كُنَّا فِـيها }....

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا ما علـيه قرّاء الأمصار، وذلك رفع «عمل» بـالتنوين، ورفع «غير»، يعنـي: إن سؤالك إياي ما تسألنـيه فـي ابنك الـمخالف دينك الـموالـي أهل الشرك بـي من النـجاة من الهلاك، وقد مضت إجابتـي إياك فـي دعائك:
{ لا تَذَرْ علـى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيَّاراً }
ما قد مضى من غير استثناء أحد منهم عملٌ غير صالـح، لأنه مسألة منك إلـيّ أن لا أفعل ما قد تقدم منـي القول بأنـي أفعله فـي إجابتـي مسألتك إياي فعله، فذلك هو العمل غير الصالـح. وقوله: { فَلا تَسأَلْنِ ما لَـيْسَ لَكَ بِهِ عِلْـمٌ } نهي من الله تعالـى ذَكَّره نبـيه نوحاً أن يسأله عن أسبـاب أفعاله التـي قد طوى علـمها عنه وعن غيره من البشر. يقول له تعالـى ذكره: إنـي يا نوح قد أخبرتك عن سؤالك سبب إهلاكي ابنك الذي أهكلته، فلا تسألن بعدها عما قد طَوَيت علـمه عنك من أسبـاب أفعالـي، ولـيس لك به علـم إنـي أعظك أن تكون من الـجاهلـين فـي مسألتك إياي عن ذلك.

اسامة محمد خيري
27-01-2017, 05:13
قالُوا سَلاماً } يقول: فسلـموا علـيه سلاماً، ونصب «سلاماً» بإعمال «قالوا» فـيه، كأنه قـيـل: قالوا قولاً وسلَّـموا تسلـيـماً. { قالَ سَلامٌ } يقول: قال إبراهيـم لهم: سلام. فرفع «سلام»، بـمعنى علـيكم السلام، أو بـمعنى سلام منكم. وقد ذُكِر عن العرب أنها تقول: سِلْـم، بـمعنى السلام كما قالوا: حِلّ وحلال، وحِرْم وحرام. وذكر الفراء أن بعض العرب أنشده:

مَرَرْنا فَقُلْنا إيهِ سِلْـمٌ فَسَلَّـمَتْ كمَا اكْتَلَّ بـالبَرْقِ الغَمامُ اللَّوَائِحُ
بـمعنى «سلام». وقد روي «كما انكلّ». وقد زعم بعضهم أن معناه إذا قرىء كذلك: نـحن سِلْـم لكم، من الـمسالـمة التـي هي خلاف الـمـحاربة، وهذه قراءة عامة قرّاء الكوفـيـين. وقرأ ذلك عامة قرّاء الـحجاز والبصرة { قالوا سلاماً قال سَلامٌ } علـى أن الـجواب من إبراهيـم صلى الله عليه وسلم لهم، بنـحو تسلـيـمهم علـيكم السلام.

والصواب من القول فـي ذلك عندي: أنهما قراءتان متقاربتا الـمعنى، لأن السِّلْـم قد يكون بـمعنى السلام علـى ما وصفت، والسلام بـمعنى السلـم، لأن التسلـيـم لا يكاد يكون إلا بـين أهل السِّلـم دون الأعداء، فإذا ذكر تسلـيـم من قوم علـى قوم وردّ الآخرين علـيهم، دلّ ذلك علـى مسالـمة بعضهم بعضاً. وهما مع ذلك قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما أهل قدوة فـي القراءة، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب.

اسامة محمد خيري
27-01-2017, 05:20
وأولـى الأقوال التـي ذكرت فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معنى قوله: «فضحكت»: فعجبت من غفلة قوم لوط عما قد أحاط بهم من عذاب الله وغفلته عنه.

وإنـما قُلْنا هذا القول أولـى بـالصواب لأنه ذكر عقـيب قولهم لإبراهيـم: لا تـخف إنا أرسلنا إلـى قوم لوط. فإذْ كان ذلك كذلك، وكان لا وجه للضحك والتعجب من قولهم لإبراهيـم: لا تـخف، كان الضحك والتعجب إنـما هو من أمر قوم لوط....

اسامة محمد خيري
27-01-2017, 05:54
والصواب من القول فـي ذلك ما قاله الربـيع بن أنس، وذلك أن قوله: { مَنْضُودٍ } من نعت «سجيـل»، لا من نعت الـحجارة، وإنـما أمطر القوم حجارة من طين، صفة ذلك الطين أنه نضد بعضه إلـى بعض، فـيصير حجارة، ولـم يـمطروا الطين فـيكون موصوفـا بأنه تتابع علـى القوم بـمـجيئه، وإنـما كان جائزاً أن يكون علـى ما تأوّله هذا الـمتأوّل لو كان التنزيـل بـالنصب متضودة فـيكون من نعت الـحجارة حينئذ....

اسامة محمد خيري
27-01-2017, 05:58
وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب ما أخبر الله عن شعيب أنه قال لقومه، وذلك قوله: { إنّـي أرَاكُمْ بِخَيْرٍ } يعنـي بخير الدنـيا. وقد يدخـل فـي خير الدنـيا الـمال وزينة الـحياة الدنـيا ورخص السعر، ولا دلالة علـى أنه عنـي بقـيـله ذلك بعض خيرات الدنـيا دون بعض، فذلك علـى كلّ معانـي خيرات الدنـيا التـي ذكر أهل العلـم أنهم كانوا أوتوها. وإنـما قال ذلك شعيب، لأن قومه كانوا فـي سعة من عيشهم ورخص من أسعارهم كثـيرة أموالهم، فقال لهم: لا تنقصوا الناس حقوقهم فـي مكايـيـلكم وموازينكم، فقد وسَّع الله علـيكم رزقكم، { وَإنِّـي أخافُ عَلـيكُم } بـمخالفتكم أمر الله وبخسكم الناس أموالهم فـي مكايـيـلكم وموازينكم عذابَ يومٍ مُـحيطٍ يقول: أن ينزل بكم عذاب يوم مـحيط بكم عذابه. فجعل الـمـحيط نعتاً للـيوم، وهو من نعت العذاب، إذ كان مفهوماً معناه، وكان العذاب فـي الـيوم، فصار كقولهم جُبَّتك مـحترقة.

اسامة محمد خيري
27-01-2017, 06:00
وإنـما اخترت فـي تأويـل ذلك القول الذي اخترته، لأن الله تعالـى ذكره إنـما تقدم إلـيهم بـالنهي عن بخس الناس أشياءهم فـي الـمكيال والـميزان، وإلـى ترك التطفـيف فـي الكيـل والبخس فـي الـميزان دعاهم شعيب، فتعقـيب ذلك بـالـخبر عما لهم من الـحظّ فـي الوفـاء فـي الدنـيا والآخرة أولـى، مع أن قوله: { بَقِـيَّةُ } إنـما هي مصدر من قول القائل بَقَّـيْت بَقِـيَّة من كذا، فلا وجه لتوجيه معنى ذلك إلا إلـى: بقـية الله التـي أبقاها لكم مـما لكم بعد وفـائكم الناس حقوقهم خير لكم من بقـيتكم من الـحرام الذي يبقـى لكم من ظلـمكم الناس ببخسكم إياهم فـي الكيـل والوزن.

اسامة محمد خيري
27-01-2017, 06:12
وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـي تأويـل ذلك لقرب قوله: { واتَّـخَذْتُـمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا } من قوله: أرَهْطِي أعَزُّ عَلَـيْكُمْ مِنَ اللَّهِ فكانت الهاء فـي قوله { واتَّـخَذْتُـمُوهُ } بأن تكون من ذكر الله لقرب جوارها منه أشبه وأولـى.

اسامة محمد خيري
27-01-2017, 09:17
حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { خَالدِينَ فِـيها ما دَامَتِ السَّمَاوَاتُ والأرْضُ آلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ } فقرأ حتـى بلغ:
{ عَطَاءً غيرَ مـجْذُوذٍ }
قال: وأخبرنا بـالذي يشاء لأهل الـجنة، فقال: عطاء غير مـجذوذ، ولـم يخبرنا بـالذي يشاء لأهل النار.

وأولـى هذه الأقوال فـي تأويـل هذه الآية بـالصواب، القول الذي ذكرنا عن قتادة والضحاك، من أن ذلك استثناء فـي أهل التوحيد من أهل الكبـائر أنه يدخـلهم النار، خالدين فـيها أبداً إلا ما شاء من تركهم فـيها أقل من ذلك، ثم يخرجهم فـيدخـلهم الـجنة، كما قد بـيَّنا فـي غير هذا الـموضع بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وإنـما قلنا ذلك أولـى الأقوال بـالصحة فـي ذلك لأن الله جل ثناؤه أوعد أهل الشرك به الـخـلود فـي النار، وتظاهرت بذلك الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغير جائز أن يكون استثناء فـي أهل الشرك، وأن الأخبـار قد تواترت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يدخـل قوماً من أهل الإيـمان به بذنوب أصابوها النار ثم يخرجهم منها فـيدخـلهم الـجنة فغير جائز أن يكون ذلك استثناء أهل التوحيد قبل دخولها مع صحة الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بـما ذكرنا، وأنا إن جعلناه استثناء فـي ذلك كنا قد دخـلنا فـي قول من يقول: لا يدخـل الـجنة فـاسق ولا النار مؤمن، وذلك خلاف مذاهب أهل العلـم وما جاءت به الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا فسد هذان الوجهان فلا قول قال به القدوة من أهل العلـم إلا الثالث. ولأهل العربـية فـي ذلك مذهب غير ذلك سنذكره بعد، ونبـينه إن شاء الله تعالـى.

اسامة محمد خيري
27-01-2017, 09:20
وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب، القول الذي ذكرته عن الضحاك، وهو { وأمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِـي الـجَنَّةِ خالِدِينَ فِـيها ما دَامَتِ السَّمَوَاتُ والأرْضُ إلاَّ ما شَاءَ رَبُّكَ } من قدر مكثهم فـي النار، من لدن دخـلوها إلـى أن أدخـلوا الـجنة، وتكون الآية معناها الـخصوص لأن الأشهر من كلام العرب فـي «إلا» توجيهها إلـى معنى الاستثناء وإخراج معنى ما بعدها مـما قبلها إلا أن يكون معها دلالة تدل علـى خلاف ذلك، ولا دلالة فـي الكلام، أعنـي فـي قوله: { إلاَّ ما شَاءَ رَبُّكَ } تدلّ علـى أن معناها غير معنى الاستثناء الـمفهوم فـي الكلام فـيوجه إلـيه.

اسامة محمد خيري
27-01-2017, 09:29
وأصح هذه القراءات مخرجاً علـى كلام العرب الـمستفـيض فـيهم قراءة من قرأ: «وإنَّ» بتشديد نونها، «كُلاًّ لَـمَا» بتـخفـيف ما { لَـيُوَفِّـيَنَّهُمْ رَبُّكَ } بـمعنى: وإن كلّ هؤلاء الذين قصصنا علـيك يا مـحمد قصصهم فـي هذه السور، لـمن لـيوفـينهم ربك أعمالهم بـالصالـح منها بـالـجزيـل من الثواب، وبـالطالـح منها بـالتشديد من العقاب، فتكون «ما» بـمعنى «من» واللام التـي فـيها جوابـاً لأن واللام فـي قوله: { لَـيُوفِّـيَنَّهُمْ } لام قسم.

اسامة محمد خيري
27-01-2017, 09:51
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، عن الـحسن: { أقِم الصَّلاةَ طَرَفِـي النَّهارِ } قال: الغداة والعصر.

وقال بعضهم: بل عنى بطرفـى النهار: الظهر، والعصر وبقوله: { زُلَفـاً مِنَ اللَّـيْـل }: الـمغرب، والعشاء، والصبح.

وأولـى هذه الأقول فـي فـي ذلك عندي بـالصواب قول من قال: هي صلاة الـمغرب كما ذكرنا عن ابن عبـاس.

وأنـما قلنا هو أولـى بـالصواب لإجماع الـجميع علـى أن صلاة أحد الطرفـين من ذلك صلاة الفجر، وهي تصلـى قبل طلوع الشمس فـالواجب إذ كان ذلك من جميعهم إجماعاً أن تكون صلاة الطرف الآخر الـمغرب، لأنها تصلـى بعد غروب الشمس، ولو كان واجبـا أن يكون مراداً بصلاة أحد الطرفـين قبل غروب الشمس وجب أن يكون مراداً بصلاة الطرف الآخر بعد طلوعها، وذلك ما لا نعلـم قائلاً قاله إلا من قال: عنى بذلك صلاة الظهر والعصر، وذلك قول لا نخِيـلُ فساده، لأنهما إلـى أن يكونا جميعاً من صلاة أحد الطرفـين أقرب منهما إلـى أن يكونا من صلاة طرفـى النهار، وذلك أن الظهر لا شكّ أنها تصلـى بعد مضيّ نصف النهار فـي النصف الثانـي منه، فمـحال أن تكون من طرف النهار الأوّل وهي فـي طرفه الآخر. فإذا كان لا قائل من أهل العلـم يقول: عنـي بصلاة طرف النهار الأوّل صلاة بعد طلوع الشمس، وجب أن يكون غير جائز أن يقال: عنى بصلاة طرف النهار الآخرة صلاة قبل غروبها. وإذا كان ذلك صحّ ما قلنا فـي ذلك من القول وفسد ما خالفه....

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والعراق: { وَزُلَفـاً } بضم الزاي وفتـح اللام. وقرأه بعض أهل الـمدينة بضم الزاي واللام، كأنه وجَّهه إلـى أنه واحد وأنه بـمنزلة الـحلـم. وقرأه بعض الـمكيـين: «وزُلْفـاً» بضم الزاي وتسكين اللام.

وأعجب القراءات فـي ذلك إلـيّ أن أقرأها: { وَزُلَفـاً } ضم الزاي وفتـح اللام، علـى معنى جمع زُلْفة، كما تـجمع غرفة غُرَف، وحُجْرة حُجَر. وإنـما اخترت قراءة ذلك كذلك، لأن صلاة العشاء الآخرة إنـما تصلـى بعد مضيّ زلف من اللـيـل، وهي التـي عنـيت عندي بقوله: { وَزُلَفـاً مِنَ اللَّـيْـلِ } وبنـحو الذي قلنا فـي قوله: { وَزُلَفـاً مِنَ اللّـيْـلِ } قال جماعة من أهل التأويـل...

وقال آخرون: هو قوله: سبحان الله، والـحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحمانـي، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن مـجاهد: { إنَّ الـحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئات } قال: سبحان الله، والـحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.

وأولـى التأويـلـين بـالصواب ذلك قول من قال فـي ذلك: هُنّ الصلوات الـخمسُ، لصحة الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتواترها عنه أنه قال: " مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الـخَمْسِ مَثَلُ نَهْرٍ جارٍ علـى بـابِ أحَدِكُمْ يَنْغَمِسُ فِـيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَمَاذَا يُبْقِـينَ مِنْ دَرَنِهِ " ، وإن ذلك فـي سياق أمر الله بإقامة الصلوات، والوعد علـى إقامتها الـجزيـل من الثواب عقـيبها أولـى من الوعد علـى ما لـم يجر له ذكر من صالـحات سائر الأعمال إذا خصّ بـالقصد بذلك بعض دون بعض...

اسامة محمد خيري
27-01-2017, 09:59
يقول تعالـى ذكره: فهلا كان من القرون الذين قصصت علـيك نبأهم فـي هذه السورة الذين أهلكتهم بـمعصيتهم إياي وكفرهم برسلـي من قبلكم. { أولُو بَقِـيَّةٍ } يقول: ذو بقـية من الفهم والعقل، يعتبرون مواعظ الله وبتدبرون حججه، فـيعرفون ما لهم فـي الإيـمان بـالله وعلـيهم فـي الكفر به { يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ فِـي الأرْضِ } يقول: ينهون أهل الـمعاصي عن معاصيهم أهل الكفر بـالله عن كفرهم به فـي أرضه. { إلاَّ قَلِـيلاً مِـمَّنْ أنـجَيْنا مِنْهُمْ } يقول: لـم يكن من القرون من قبلكم أولو بقـية ينهون عن الفساد فـي الأرض إلا يسيرا، فإنهم كانوا ينهون عن الفساد فـي الأرض، فنـجاهم الله من عذابه، حين أخذ من كان مقـيـما علـى الكفر بـالله عذابه، وهم أتبـاع الأنبـياء والرسل. ونصب «قلـيلاً» لأن قوله: { إلاَّ قَلِـيلاً } استثناء منقطع مـما قبله، كما قال: { إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَـمَّا آمَنُوا } ، وقد بـيَّنا ذلك فـي غير موضع بـما أغنى عن إعادته.وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: اعتذر فقال: { فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ }... حتـى بلغ: { إلاَّ قَلِـيلاً مِـمَّنْ أنـجَيْنا مِنْهُمْ } فإذا هم الذين نـجوا حين نزل عذاب الله. وقرأ: { واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَـمُوا ما أُتْرِفُوا فِـيهِ }....

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: { واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَـمُوا ما أُتْرِفُوا فِـيهِ } قال: فـي ملكهم وتـجبرهم، وتركوا الـحقّ.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، نـحوه، إلا أنه قال: وتركهم الـحقّ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثل حديث مـحمد بن عمرو سواء.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أخبر أن الذين ظلـموا أنفسهم من كل أمة سلفت فكفروا بـالله، اتبعوا ما أنظروا فـيه من لذّات الدنـيا فـاستكبروا وكفروا بـالله واتبعوا ما أنظروا فـيه من لذّات الدنـيا، فـاستكبروا عن أمر الله وتـجبروا وصدّوا عن سبـيـله وذلك أن الـمترف فـي كلام العرب: هو الـمنعم الذي قد غَذّى بـاللذات، ومنه قول الراجز
: تُهْدِي رُءُوس الـمُتْرَفِـينَ الصُّدَّادْ إلـى أمِيرِ الـمُوءْمِنِـينَ الـمُـمْتادْ
وقوله: { وكانُوا مُـجْرِمِينَ } يقول: وكانوا مكتسي الكفر بـالله.

اسامة محمد خيري
27-01-2017, 10:07
وأولـى الأقوال فـي تأويـل ذلك بـالصواب قول من قال: معنى ذلك: ولا يزال الناس مختلفـين فـي أديانهم وأهوائهم علـى أديان وملل وأهواء شتّـى، { إلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ } فآمن بـالله وصدّق رسله، فإنهم لا يختلفون فـي توحيد الله وتصديق رسله وما جاءهم من عند الله.

وإنـما قلت ذلك أولـى بـالصواب فـي تأويـل ذلك، لأن الله جلّ ثناؤه أتبع ذلك قوله: { وَتَـمَّتْ كِلـمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّـمَ مِنَ الـجِنَّةِ والنَّاسِ أجمَعِينَ } ففـي ذلك دلـيـل واضح أن الذي قبله من ذكر خبره عن اختلاف الناس، إنـما هو خبر عن اختلاف مذموم يوجب لهم النار، ولو كان خبراً عن اختلافهم فـي الرزق لـم يعقب ذلك بـالـخبر عن عقابهم وعذابهم....

حدثنـي سعد بن عبد الله، قال: ثنا حفص بن عمر، ثنا الـحكم بن أبـان، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، فـي قوله: { وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِـينَ إلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلذلكَ } قال: للرحمة { خَـلَقَهُمْ } ولـم يخـلقهم للعذاب.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: وللاختلاف بـالشقاء والسعادة خـلقهم لأن الله جلّ ذكره ذكر صنفـين من خـلقه: أحدهما أهل اختلاف وبـاطل، والآخر أهل حقّ ثم عقب ذلك بقوله: { وَلذلكَ خَـلَقَهُمْ } ، فعمّ بقوله: { وَلذلكَ خَـلَقَهُمْ } صفة الصنفـين، فأخبر عن كلّ فريق منهما أنه ميسر لـما خـلق له.

فإن قال قائل: فإن كان تأويـل ذلك كما ذكرت، فقد ينبغي أن يكون الـمختلفون غير ملومين علـى اختلافهم، إن كان لذلك خـلقهم ربهم، وأن يكونوا الـمتـمتعون هم الـملومين؟ قـيـل: إن معنى ذلك بخلاف ما إلـيه ذهبت وإنـما معنى الكلام: ولا يزال الناس مختلفـين بـالبـاطل من أديانهم ومللهم { إلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ } فهداه للـحقّ ولعلـمه، وعلـى علـمه النافذ فـيهم قبل أن يخـلقهم أنه يكون فـيهم الـمؤمن والكافر، والشقّـي والسعيد خـلقهم، فمعنى اللام فـي قوله: { وَلذلكَ خَـلَقَهُمْ } بـمعنى «علـى» كقولك للرجل: أكرمتك علـى برّك بـي، وأكرمتك لبرّك بـي.

اسامة محمد خيري
27-01-2017, 10:16
وقال آخرون: معنى ذلك: وجاءك فـي هذه الدنـيا الـحقّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار ومـحمد بن الـمثنى، قالا: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة { وَجاءَكَ فِـي هَذِهِ الـحَقُّ } قال: فـي هذه الدنـيا.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن شعبة، عن قتادة: { وَجاءَكَ فِـي هَذِهِ الـحَقُّ } قال: كان الـحسن يقول: فـي الدنـيا.

وأولـى التأويـلـين بـالصواب فـي تأويـل ذلك، قول من قال: وجاءك فـي هذه السورة الـحقّ لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـى أن ذلك تأويـله.

فإن قال قائل: أو لـم يجيء النبـي صلى الله عليه وسلم الـحقّ من سورة القرآن إلا فـي هذه السورة فـيقال وجاءك فـي هذه السورة الـحقّ؟ قـيـل له: بلـى قد جاءه فـيها كلها.

فإن قال: فما وجه خصوصه إذن فـي هذه السورة بقوله: { وَجاءَكَ فِـي هَذِهِ الـحَقُّ }؟ قـيـل: إن معنى الكلام: وجاءك فـي هذه السورة الـحقّ مع ما جاءك فـي سائر سور القرآن، أو إلـى ما جاءك من الـحقّ فـي سائر سور القرآن، لا أن معناه: وجاءك فـي هذه السورة الـحقّ دون سائر سور القرآن.

اسامة محمد خيري
28-01-2017, 05:24
سورة يوسف

وأولـى القراءة فـي ذلك عندي بـالصواب، قراءة من قرأه فـي الـحرفـين كلـيهما بـالـياء وبجزم العين فـي «يرتعْ». لأن القوم إنـما سألوا إياهم إرسال يوسف معهم، وخدعوه بـالـخبر عن مسألتهم إياه ذلك عما لـيوسف فـي إرساله معهم من الفرح والسرور والنشاط بخروجه إلـى الصحراء وفسحتها ولعبه هنالك، لا بـالـخبر عن أنفسهم. وبذلك أيضاً جاء تأويـل أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: { أرْسِلْهُ مَعَنا غَدا يَرْتَعْ وَيَـلْعَبْ } يقول: يسع وينشط....

اسامة محمد خيري
28-01-2017, 05:42
وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين { يا بشرى } بارسال الياء وترك الاضافة وإذا قرىء ذلك كذلك احتمل وجهين من التأويل أحدهما ما قاله السدى وهو أن يكون اسم رجل دعاه المستقى باسمه كما يقال يا زيد ويا عمرو فيكون بشرى في موضع رفع بالنداء والآخر أن يكون أراد اضافة البشرى إلى نفسه فحذف الياء وهو يريدها فيكون مفراداً وفيه نية الاضافة كما تفعل العرب في النداء فتقول يا نفس اصبري ويا نفسي اصبري ويا بني لا تفعل ويا بني لا تفعل فتفرد وترفع وفيه نية الاضافة وتضيف أحيانا فتكسر كما تقول يا غلام أقبل ويا غلامي أقبل وأعجب القراءة في ذلك الى قراءة من قرأه بارسال الياء وتسكينها لأنه ان كان اسم رجل بعينه كان معروفا فيهم كما قال السدى فذلك هي القراية الصحيحة لا شك فيها وان كان من التبشير فإنه يحتمل ذلك إذا قرىء كذلك على ما بينت وأما التشديد والاضافة في الياء فقراءة شاذة لا أرى القراءة بها وإن كانت لغة معروفة لاجماع الحجة من القراء على خلافها...

وأولى هذه الاقوال بالصواب قول من قال وأسر وارد القوم المدلى دلوه ومن معه من أصحابه من رفقته السيارة أمر يوسف أنهم اشتروه خيفة منهم أن يستشركوهم وقالوا لهم هو بضاعة أبضعها معنا أهل الماء وذلك أنه عقيب الخبر عنه فلأن يكون ما وليه من الخبر خبراً عنه أشبه من أن يكون خبراً عمن هو بالخب عنه غير متصل وقوله { والله عليم بما يعملون } يقول تعالى ذكره والله ذو عليم بما يعمله باعة يوسف ومشتروه في أمره لا يخفى عليه من ذلك شيء ولكنه ترك تغيير ذلك ليمضى فيه وفيهم حكمة السابق في علمه وليرى اخوة يوسف ويوسف وأباه قدرته فيه وهذا وإن كان خبرا من الله تعالى ذكره عن يوسف نبيه صلى الله عليه وسلم فإنه تذكير من الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم وتسلية منه له عما كان يلقى من أقر بائه وأنسبائه المشركين من الاذى فيه يقول له فاصبر يا محمد على ما نالك في الله فأنى قادر على تغيير ما ينالك به هؤلاء المشركون كما كنت قادراً على تغيير ما لقي يوسف من إخوته في حال ما كانوا يفعلون به ما فعلوا ولم يكن تركي ذلك لهو ان يوسف على ولكن ماضي علمي فيه وفي إخوته فكذلك تركي تغيير ما ينالك به هؤلاء المشركون لغير هوان بك على ولكن لسابق علمي فيك وفيهم ثم يصير أمرك وأمرهم إلى علوك عليهم وإذعانهم لك كما صار أمر إخوة يوسف إلى الاذعان ليوسف بالسؤدد عيهم وعلو يوسف عليهم....

وقال آخرون: بل عنـي بقوله: { وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ } السيارة أنهم بـاعوا يوسف بثمن بخس. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: { وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ } وهم السيارة الذين بـاعوه.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: تأويـل ذلك: وشرى إخوة يوسف يوسف بثمن بخس، وذلك أن الله عزّ وجلّ قد أخبر عن الذين اشتروه أنهم أسرّوا شراء يوسف من أصحابهم خيفة أن يستشركوهم بـادعائهم أنه بضاعة، ولـم يقولوا ذلك إلا رغبة فـيه أن يخـلص لهم دونهم واستر خاصاً لثمنه الذي ابتاعه به، لأنهم ابتاعوه كما قال جلّ ثناؤه { بِثَمَنٍ بَخْسٍ }.

ولو كان مبتاعوه من إخوته فـيه من الزاهدين لـم يكن لقـيـلهم لرفقائهم هو بضاعة معنى، ولا كان لشرائهم إياه وهم فـيه من الزاهدين وجه، إلا أن يكونوا كانوا مغلوبـاً علـى عقولهم لأنه مـحال أن يشترى صحيح العقل ما هو فـيه زاهد من غير إكراه مكره له علـيه، ثم يكذب فـي أمره الناس بأن يقول: هو بضاعة لـم أشتره مع زهده فـيه، بل هذا القول من قول من هو بسلعته ضنـين لنفـاستها عنده، ولـما يرجو من نفـيس الثمن لها وفضل الربح....

اسامة محمد خيري
28-01-2017, 05:53
وأولـى القراءة فـي ذلك، قراءة من قرأه: { هَيْتَ لَكَ } بفتـح الهاء والتاء، وتسكين الـياء، لأنها اللغة الـمعروفة فـي العرب دون غيرها، وأنها فـيـما ذكر قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن أبـي وائل، قال ابن مسعود: قد سمعتُ القرأة فسمعتهم متقاربـين، فـاقرءوا كما علـمتـم، وإياكم والتنطع والاختلاف، فإنـما هو كقول أحدكم: هلـمّ وتعال. ثم قرأ عبد الله: { هَيْتَ لَكَ } فقلت: يا أبـا عبد الرحمن إن ناساً يقرءونها: «هِيتَ لَكَ» فقال عبد الله: إنـي أقرؤها كما علـمت أحبّ إلـيّ...

اسامة محمد خيري
28-01-2017, 06:03
فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يوصف يوسف بـمثل هذا وهو لله نبـيّ؟ قـيـل: إن أهل العلـم اختلفوا فـي ذلك، فقال بعضهم: كان مـمن ابتلـي من الأنبـياء بخطيئة، فإنـما ابتلاه الله بها لـيكون من الله عزّ وجلّ علـى وَجَل إذا ذكرها، فـيجدّ فـي طاعته إشفـاقا منها، ولا يتكل علـى سعة عفو الله ورحمته.

وقال آخرون: بل ابتلاهم الله بذلك لـيعرّفهم موضع نعمته علـيهم، بصفحة عنهم وتركه عقوبته علـيه فـي الآخرة.

وقال آخرون: بل ابتلاهم بذلك لـيجعلهم أئمة لأهل الذنوب فـي رجاء رحمة الله، وترك الإياس من عفوه عنه إذا تابوا.

وأما آخرون مـمن خالف أقوال السلف وتأوّلوا القرآن بآرائهم، فأنهم قالوا فـي ذلك أقوالاً مختلفة، فقال بعضهم: معناه: ولقد همت الـمرأة بـيوسف، وهمّ بها يوسف أن يضربها أو ينالها بـمكروه لهمها به مـما أرادته من الـمكروه، لولا أن يوسف رأى برهان ربه، وكفه ذلك عما همّ به من أذاها، لا أنها ارتدعت من قِبلَ نفسها. قالوا: والشاهد علـى صحة ذلك قوله: { كذلكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ } قالوا: فـالسوء: هو ما كان همّ به من أذاها، وهو غير الفحشاء.

وقال آخرون منهم: معنى الكلام: ولقد همت به. فتناهى الـخبر عنها، ثم ابتدىء الـخبر عن يوسف، فقـيـل: وهمّ بها يوسف، لولا أن أرى برهان ربه. كأنهم وجهوا معنى الكلام إلـى أن يوسف لـم يهمّ بها، وأن الله إنـما أخبر أن يوسف لولا رؤيته برهان ربه لهمّ بها، ولكنه رأى برهان ربه فلـم يهمّ بها، كما قـيـل:
{ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَـيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُـمُ الشَّيْطانَ إلاَّ قَلـيلاً }
ويفسد هذين القولـين أن العرب لا تقدم جواب «لولا» قبلها، لا تقول: لقد قمت لولا زيد، وهي تريد: لولا زيد لقد قمت، هذا مع خلافهما جميع أهل العلـم بتأويـل القرآن الذين عنهم يؤخذ تأويـله.

وقال آخرون منهم: بل قد همّت الـمرأة بـيوسف وهمّ يوسف بـالـمرأة، غير أن همهما كان تـمثـيلاً منهما بـين الفعل والترك، لا عزما ولا إرادة قالوا: ولا حرج فـي حديث النفس ولا فـي ذكر القلب إذا لـم يكن معهما عزم ولا فعل. وأما البرهان الذي رآه يوسف فترك من أجله مواقعة الـخطيئة،...

ملحوظة

مارجحه الطبري مرجوووح

وأولى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله جلّ ثناؤه أخبر عن همّ يوسف وامرأة العزيز كلّ واحد منهما بصاحبه، لولا أن رأى يوسف برهان ربه، وذلك آية من آيات الله، زجرته عن ركوب ما همّ به يوسف من الفـاحشة. وجائز أن تكون تلك الآية صورة يعقوب، وجائز أن تكون صورة الـملك، وجائز أن يكون الوعيد فـي الآيات التـي ذكرها الله فـي القرآن علـى الزنا، ولا حجة للعذر قاطعة بأيّ ذلك من أيّ. والصواب أن يقال فـي ذلك ما قاله الله تبـارك وتعالـى، والإيـمان به، وترك ما عدا ذلك إلـى عالـمِه.

اسامة محمد خيري
28-01-2017, 06:16
قال: ثنا حفص، عن لـيث، عن مـجاهد: { وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها } قال: كان من أمر الله، ولـم يكن إنسياً.

والصواب من القول فـي ذلك، قول من قال: كان صبـيًّا فـي الـمهد للـخبر الذي ذكرناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر من تكلـم فـي الـمهد، فذكر أن أحدهم صاحب يوسف. فأما ما قاله مـجاهد من أنه القميص الـمقدود فما لا معنى له لأن الله تعالـى ذكره أخبر عن الشاهد الذي شهد بذلك أنه من أهل الـمرأة فقال: { وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أهْلها } ولا يقال للقميص هو من أهل الرجل ولا الـمرأة.
..

اسامة محمد خيري
28-01-2017, 06:25
وهذا فـيـما ذكر ابن عبـاس، خبر من الله تعالـى ذكره عن قـيـل الشاهد أنه قال للـمرأة ولـيوسف، يعنـي بقوله: { يُوسُفُ } يا يوسف { أعْرِضْ عَنْ هَذَا } يقول: أعرض عن ذكر ما كان منها إلـيك فـيـما راودتك علـيه فلا تذكره لأحد. كما:

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذَا } قال: لا تذكره، { واسْتَغْفِري } أنت زوجك، يقول: سلـيه أن لا يعاقبك علـى ذنبك الذي أذنبت، وأن يصفح عنه فـيستره علـيك...

وقال ابن زيد فـي ذلك ما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال: ابن زيد، فـي قوله: { قَدْ شَغَفَها حُبًّـا } قال: أن الشَّغْف والشَّعَف مختلفـان، والشعْف فـي البغض، والشغْف فـي الـحبّ. وهذا الذي قاله ابن زيد لا معنى له، لأن الشعْف فـي كلام العرب بـمعنى عموم الـحبّ أشهر من أن يجهله ذو علـم بكلامهم.

والصواب فـي ذلك عندنا من القراءة: { قَدْ شَغَفَها } بـالغين لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه.

اسامة محمد خيري
29-01-2017, 05:11
وهذا القول، أعنـي القول الذي رُوي عن عبد الصمد، عن أبـيه، عن جده، فـي معنى { أكْبَرْنَهُ } أنه حِضْنَ، إن لـم يكن عنى به أنهنّ حضن من إجلالهنّ يوسف وإعظامهنّ لـما كان الله قسم له من البهاء والـجمال، ولـما يجد من مثل ذلك النساء عند معايَنتهنّ إياه، فقول لا معنى له لأن تأويـل ذلك: فلـما رأين يوسف أكبرنه، فـالهاء التـي فـي أكبرنه من ذكر يوسف، ولا شكّ أن من الـمـحال أن يَحِضْن يوسف، ولكن الـخبر إن كان صحيحاً عن ابن عبـاس علـى ما رُوي، فخـلـيق أن يكون كان معناه فـي ذلك أنهن حضن لـما أكبرن من حُسن يوسف وجماله فـي أنفسهن ووجدن ما يجدد النساء من مثل ذلك....

اسامة محمد خيري
29-01-2017, 05:21
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن خـلف الأشجعي، عن سلـمة بن نبـيط، عن الضحاك فـي: { إنَّا نَرَاكَ مِنَ الـمُـحْسِنِـينَ } قال: كان يوسع للرجل فـي مـجلسه، ويتعاهد الـمرضى.

وقال آخرون: معناه: { إنَّا نَرَاكَ مِنَ الـمُـحْسِنِـينَ } إذ نبأتنا بتأويـل رؤيانا هذه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: استفتـياه فـي رؤياهما، وقالا له: { نَبَئِّنْا بتَأْوِيـلِهِ إنَّا نَرَاكَ مِنَ الـمُـحْسِنِـينَ } إن فعلت.

وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب القول الذي ذكرناه عن الضحاك وقتادة.

فإن قال قائل: وما وجه الكلام إن كان الأمر إذن كما قلت، وقد علـمت أن مسألتهما يوسف أن ينبئهما بتأويـل رؤياهما لـيست من الـخبر عن صفته بأنه يعود الـمريض ويقوم علـيه ويحسن إلـى من احتاج فـي شيء، وإنـما يقال للرجل: نبئنا بتأويـل هذا فإنك عالـم، وهذا من الـمواضع التـي تـحسن بـالوصف بـالعلـم لا بغيره؟

قـيـل: إن وجه ذلك أنهما قالا له: نبئنا بتأويـل رؤيانا مـحسناً إلـينا فـي إخبـارك إيانا بذلك، كما نراك تـحسن فـي سائر أفعالك، إنا نراك من الـمـحسنـين.

اسامة محمد خيري
29-01-2017, 06:08
واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعض أهل الـمدينة والبصرة والكوفة: { وَفِـيهِ يَعْصِرُونَ } بـالـياء، بـمعنى ما وصفت من قول من قال: عصر الأعناب والأدهان. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين: «وَفِـيهِ تَعْصِرُونَ» بـالتاء. وقرأه بعضهم: «وَفِـيهِ يَعْصَرُونَ» بـمعنى: يُـمطرون، وهذه قراءة لا أستـجيز القراءة بها لـخلافها ما علـيه من قرّاء الأمصار.

والصواب من القراءة فـي ذلك أن لقارئه الـخيار فـي قراءته بأيّ القراءتـين الأخريـين شاء، إن شاء بـالـياء ردًّا علـى الـخبر به عن الناس، علـى معنى: { فِـيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِـيهِ يَعْصِرُونَ } أعْنابهم وأدهانهم. وإن شاء بـالتاء ردًّا علـى قوله:
{ إلاَّ قَلِـيلاً مِـمَّا تُـحْصِنُونَ }
وخطابـاً به لـمن خاطبه بقوله:
{ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُـمْ لَهُنَّ إلاَّ قَلِـيلاً مِـمَّا تُـحْصِنُونَ }
لأنهما قراءتان مستفـيضتان فـي قِرَاءَة الأمصار بـاتفـاق الـمعنى، وإن اختلفت الألفـاظ بهما. وذلك أن الـمخاطبـين بذلك كان لا شكّ أنهم أغيثوا وعصروا: أغيث الناس الذين كانوا بناحيتهم وعصروا، وكذلك كانوا إذا أغيث الناس بناحيتهم وعصروا، أغيث الـمخاطبون وعصروا، فهما متفقتا الـمعنى، وإن اختلفت الألفـاظ بقراءة ذلك. وكان بعض من لا علـم له بأقوال السلف من أهل التأويـل مـمن يفسر القرآن برأيه علـى مذهب كلام العرب يوجه معنى قوله: { وَفِـيهِ يَعْصِرُونَ } إلـى: وفـيه يَنْـجون من الـجدب والقحط بـالغيث، ويزعم أنه من العَصر والعصر التـي بـمعنى الـمنـجاة، من قول أبـي زبـيد الطائي:

صَادِياً يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثٍ وَلَقَدْ كانَ عُصْرَةَ الـمَنْـجُودِ
أي الـمقهور، ومن قول لبـيد
: فبـاتَ وأسْرَى القَوْمُ آخِرَ لَـيْـلهِمْ
وَما كانَ وَقَّافـاً بغَيْرِ مُعَصَّرِ
وذلك تأويـل يكفـي من الشهادة علـى خطئه خلافه قول جميع أهل العلـم من الصحابة والتابعين. وأما القول الذي روى الفَرج بن فضالة عن علـيّ بن أبـي طلـحة، فقول لا معنى له، لأنه خلاف الـمعروف من كلام العرب وخلاف ما يعرف من قول ابن عبـاس رضي الله عنهما.

اسامة محمد خيري
29-01-2017, 06:16
يعنـي بقوله: { ذلكَ لِـيَعْلَـمَ أنّـي لَـمْ أخْنْهُ بـالغَيْبِ } هذا الفعل الذي فعلته من ردّي رسول الـملك إلـيه، وتركي إجابته والـخروج إلـيه، ومسألتـي إياه أن يسأل النَّسْوَة اللاتـي قطَّعْنَ أيْدِيَهُن، عن شأنهنّ إذ قطعن أيديهن، إنـما فعلته لـيعلـم أنـي لـم أخنه فـي زوجته بـالغيب: يقول: لـم أركب منها فـاحشة فـي حال غيبته عنـي. وإذا لـم يركب ذلك بـمغيبه، فهو فـي حال مشهده إياه أحرى أن يكون بعيداً عن ركوبه. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: يقول يوسف: { ذلكَ لِـيَعْلَـمَ } إطفـير سيده، { أنّـي لَـمْ أخُنْهُ بـالغَيْبِ } أنـي لـم أكن لأخالفه إلـى أهله من حيث لا يعلـمه...

وأولـى القولـين عندنا بـالصواب، قول من قال: معنى ذلك: إنـي حافظ لـما استودعتنـي، عالـم بـما أولـيتنـي، لأن ذلك عقـيب قوله: { اجْعَلْنِـي علـى خَزَائِنِ الأرْضِ } ومسألته الـملك استكفـاءة خزائن الأرض، فكان إعلامه بأن عنده خبرة فـي ذلك، وكفـايته إياه، أشبه من إعلامه حفظه الـحساب ومعرفته بـالألسن.

اسامة محمد خيري
29-01-2017, 06:40
واختلفت القراء فـي قراءة قوله: { نَكْتَلْ } ، فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الـمدينة وبعض أهل مكة والكوفة { نَكْتَلْ } بـالنون، بـمعنى: نكتل نـحن وهو. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة: «يَكْتَلْ» بـالـياء، بـمعنى يكتل هو لنفسه كما نكتال لأنفسنا.

والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان معروفتان متفقتا الـمعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب. وذلك أنهم إنـما أخبروا أبـاهم أنه مَنَع منهم زيادة الكيـل علـى عدد رؤوسهم، فقالوا: { يا أبـانَا مُنِعَ مِنَّا الكَيْـلُ } ثم سألوه أن يرسل معهم أخاهم لـيكتال لنفسه، فهو إذاً اكتال لنفسه واكتالوا هم لأنفسهم، فقد دخـل الأخ فـي عَدَدهم. فسواء كان الـخبر بذلك عن خاصة نفسه، أو عن جميعهم بلفظ الـجميع، إذ كان مفهوماً معنى الكلام وما أريد به.

اسامة محمد خيري
30-01-2017, 05:56
وقوله: { فَأسَرَّها يُوسُفُ فِـي نَفْسِهِ ولَـمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أنْتُـمْ شَرّ مَكاناً وَاللّهُ أعْلَـمُ بِـمَا تَصِفُونَ } يعنـي بقوله: «فأسرّها»: فأضمرها، وقال: «فأسرّها» فأنث، لأنه عنى بها الكلـمة، وهي: «أنتـمّ شرّ مكاناً، والله أعلـم بـما تصفون»، ولو كانت جاءت بـالتذكير كان جائزاً، كما قـيـل: تِلْكَ مِنْ أنْبـاءِ الغَيْبِ و ذلكَ منْ أنْبـاءِ القُرَى، وكنـى عن الكلـمة ولـم يجر لها ذكر متقدّم، والعرب تفعل ذلك كثـيراً، إذا كان مفهوماً الـمعنى الـمراد عند سامعي الكلام. وذلك نظير قول حاتـم الطائي:
أماوِيَّ ما يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الفَتى إذَا حَشْرَجَتْ يَوْماً وَضَاقَ بِها الصَّدْرُ
يريد: وضاق بـالنفس الصدر. فكنـى عنها ولـم يجر لها ذكر، إذ كان فـي قوله: «إذا حشرجت يوماً»، دلالة لسامع كلامه علـى مراده بقوله: «وضاق بها». ومنه قول الله:
{ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ للَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحيـمٌ }
فقال: «من بعدها»، ولـم يجر قبل ذلك ذكر لاسم مؤنث.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { فَأسَرَّها يُوسُفُ فِـي نَفْسِهِ ولَـمْ يُبْدِها لَهُمْ } أما الذي أسرّ فـي نفسه فقوله: { أنْتُـمْ شَرّ مَكاناً وَاللّهُ أعْلَـمُ بِـمَا تَصِفُونَ }.

اسامة محمد خيري
30-01-2017, 06:00
وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصحة قول من قال: عنى بقوله: { قالَ كَبـيرُهُمْ } رُوبـيـل لإجماع جميعهم علـى أنه كان أكبرهم سنًّا، ولا تفهم العرب فـي الـمخاطبة إذا قـيـل لهم: فلان كبـير القوم مطلقاً بغير وصل إلاَّ أحد معنـيـين، إما فـي الرياسة علـيهم والسؤدد وإما فـي السنّ، فأما فـي العقل فإنهم إذا أرادوا ذلك وصلوه، فقالوا: هو كبـيرهم فـي العقل، فأما إذا أطلق بغير صلته بذلك فلا يفهم إلاَّ ما ذكرت. وقد قال أهل التأويـل: لـم يكن لشمعون وإن كان قد كان من العلـم والعقل بـالـمكان الذي جعله الله به علـى إخوته رياسة وسؤدد، فـيعلـم بذلك أنه عنى بقوله: { قالَ كَبِـيرُهُمْ } فإذا كان ذلك كذلك فلـم يبق إلاَّ الوجه الآخر، وهو الكبر فـي السنّ، وقد قال الذين ذكرنا جميعاً: رُوبـيـل كان أكبر القوم سنًّا، فصحّ بذلك القول الذي اخترناه.

اسامة محمد خيري
30-01-2017, 06:03
وأولى التأويلين بـالصواب عندنا فـي قوله: { وَما شَهِدْنا إلاَّ بِـمَا عَلِمْنا } قول من قال: وما شهدنا بأن ابنك سرق إلاَّ بـما علـمنا من رؤيتنا للصواع فـي وعائه لأنه عقـيب قوله: { إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ } فهو بأن يكون خبراً عن شهادتهم بذلك أولـى من أن يكون خبراً عما هو منفصل. وذكر أن الغيب فـي لغة حمير هو اللـيـل بعينه.

اسامة محمد خيري
30-01-2017, 06:17
قال الـحارث: قال القاسم: يذهب ابن عيـينة إلـى أنهم لـم يقولوا ذلك إلاَّ والصدقة لهم حلال، وهم أنبـياء، فإن الصدقة إنـما حرمت علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم، لا علـيهم.

وقال آخرون: إنـما عنى بقوله: { وَتَصَدَّقْ عَلَـيْنا } وتصدّق علـينا بردّ أخينا إلـينا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: { وَتَصَدَّقْ عَلَـيْنا } قال: ردّ إلـينا أخانا.

وهذا القول الذي ذكرناه عن ابن جريج، وإن كان قولاً له وجه، فلـيس بـالقول الـمختار فـي تأويـل قوله: { وَتَصَدَّقْ عَلَـيْنا } لأن الصدقة فـي الـمتعارف: إنـما هي إعطاء الرجل ذا الـحاجة بعض أملاكه ابتغاء ثواب الله علـيه، وإن كان كل معروف صدقة، فتوجيه تأويـل كلام الله إلـى الأغلب من معناه فـي كلام من نزل القرآن بلسانه أولـى وأحرى.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال مـجاهد.

اسامة محمد خيري
30-01-2017, 06:20
وقد اختلف القرّاء فـي قراءة قوله: { إنكَ لأَنْتَ يُوسُفُ } فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار: { أئنك } علـى الاستفهام. وذُكر أن ذلك فـي قراءة أبـيّ بن كعب: «أوَ أنْتَ يُوسُفُ». ورُوي عن ابن مـحيصن أنه قرأ: «إنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ» علـى الـخبر، لا علـى الاستفهام.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا، قراءة من قرأة بـالاستفهام، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه.

اسامة محمد خيري
31-01-2017, 05:15
وقال آخرون: بل قوله: { إنْ شاءَ اللّهُ } استثناء من قول يعقوب لبنـيه
{ أسْتَغفِرُ لَكُمْ رَبّـي }
قال: وهو من الـمؤخر الذي معناه التقديـم، قالوا: وإنـما معنى الكلام: قال: أستغفر لكم ربـي إن شاء الله إنه هو الغفور الرحيـم. { فَلَـمَّا دَخَـلُوا علـى يُوسُفَ آوَى إلَـيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخـلوا مصْر } ورفع أبويه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج:

{ قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّـي }
إن شاء الله آمنـين. وبـين ذلك ما بـينه من تقديـم القرآن.

يعنـي ابن جريج: «وبـين ذلك ما بـينه من تقديـم القرآن» أنه قد دخـل بـين قوله: { سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّـي } وبـين قوله: { إنْ شاءَ اللّهُ } من الكلام ما قد دخـل، وموضعه عنده أن يكون عقـيب قوله: { سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّـي }.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا ما قاله السُّديّ، وهو أن يوسف قال ذلك لأبويه ومن معهما من أولادهما وأهالـيهم قبل دخولهم مصر حين تلقاهم، لأن ذلك فـي ظاهر التنزيـل كذلك، فلا دلالة تدلّ علـى صحة ما قال ابن جريج، ولا وجه لتقديـم شيء من كتاب الله عن موضعه أو تأخيره عن مكانه إلا بحجة واضحة...

اسامة محمد خيري
31-01-2017, 06:02
حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك فـي قوله: { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ } يقول: استـيأسوا من قومهم أن يجيبوهم، ويؤمنوا بهم، وظنوا: يقول: وظنّ قوم الرسل أن الرسل قد كذبوهم الـموعد.

والقراءة علـى هذا التأويـل الذي ذكرنا فـي قوله: { كُذِبُوا } بضم الكاف وتـخفـيف الذال، وذلك أيضاً قراءة بعض قرّاء أهل الـمدينة وعامَّة قرّاء أهل الكوفة.

وإنـما اخترنا هذا التأويـل وهذه القراءة، لأن ذلك عقـيب قوله:
{ وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إلاَّ رِجالاً نُوحِي إلَـيْهِمْ مِنْ أهْل القُرَى أفَلَـم يَسِيرُوا فـي الأرْضِ فَـيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ }
فكان ذلك دلـيلاً علـى أن إياس الرسل كان من إيـمان قومهم الذين أهلكوا، وأن الـمضمر فـي قوله: { وظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } إنـما هو من ذكر الذين من قبلهم من الأمـم الهالكة، وزاد ذلك وضوحاً أيضاً إتبـاع الله فـي سياق الـخبر عن الرسل وأمـمهم قوله: { فَنُـجِّيَ مَنْ نَشاءُ } إذ الذين أهلكوا هم الذين ظنوا أن الرسل قد كذبتـم، فكَذَّبُوهم ظنًّا منهم أنهم قد كَذَبُوهم...
وقد ذهب قوم مـمن قرأ هذه القراءة إلـى غير التأويـل الذي اخترنا، ووجهوا معناه إلـى: حتـى إذا استـيأس الرسل من إيـمان قومهم، وظنت الرسل أنهم قد كذبوا فـيـما وعدوا من النصر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا ابن جريج، عن ابن أبـي ملـيكة، قال: قرأ ابن عبـاس: { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } قال: كانوا بشراً ضعفوا ويئسوا.

قال: ثنا حجاج بن مـحمد، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي ابن أبـي ملـيكة، عن ابن عبـاس، قرأ: { وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } خفـيفة. قال ابن جريج: أقول كما يقول: أخـلفوا. قال عبد الله: قال لـي ابن عبـاس: كانوا بشراً، وتلا ابن عبـاس:
{ حتـى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتـى نَصْرُ اللّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ }
قال ابن جريج: قال ابن أبـي ملـيكة: ذهب بها إلـى أنهم ضعفوا فظنوا أنهم أخـلفوا.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن أبـي الضحى، عن مسروق عن عبد الله، أنه قرأ: { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } مخففة، قال عبد الله: هو الذي تكره.

قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفـيان، عن سلـيـمان، عن أبـي الضحى، عن مسروق، أن رجلا سأل عبد الله بن مسعود: { حَتـى إذا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } قال: هو الذي تكره، مخففة.

قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جبـير، أنه قال فـي هذه الآية: { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } قلت: كُذِبُوا؟ قال: نعم ألـم يكونوا بشراً.

حدثنا الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيـل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، فـي قوله: { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } قال: كانوا بشراً قد ظنوا.

وهذا تأويـلٌ وقولٌ، غيره من أهل التأويـل أولـى عندي بـالصواب، وخلافه من القول أشبه بصفـات الأنبـياء والرسل، إن جاز أن يرتابوا بوعد الله إياهم ويشكوا فـي حقـيقة خبره مع معاينتهم من حجج الله وأدلته ما لا يعاينه الـمرسَل إلـيهم، فـيعذروا فـي ذلك أن الـمرسل إلـيهم لأولـى فـي ذلك منهم بـالعذر، وذلك قول إن قاله قائل لا يخفـى أمره. وقد ذكر هذا التأويـل الذي ذكرناه أخيراً عن ابن عبـاس لعائشة، فأنكرته أشدّ النكرة فـيـما ذُكر لنا. ذكر الرواية بذلك عنها رضوان الله علـيها:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا ابن جريج، عن ابن أبـي ملـيكة، قال: قرأ ابن عبـاس: { حتـى إذَا اسْتَـيْأَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا } فقال: كانوا بشراً ضعفوا ويئسوا، قال ابن أبـي ملـيكة: فذكرت ذلك لعروة، فقال: قالت عائشة: معاذ الله، ما حدّث الله رسوله شيئاً قطّ إلا علـم أنه سيكون قبل أن يـموت، ولكن لـم يزل البلاء بـالرسل، حتـى ظنّ الأنبـياء أن من تبعهم قد كذبوهم.

فكانت تقرؤها: «قد كُذّبوا» تثقلها.

ورُوي عن مـجاهد فـي ذلك قول هو خلاف جميع ما ذكرنا من أقوال الـماضين الذين سمينا أسماءهم وذكرنا أقوالهم وتأويـل خلاف تأويـلهم وقراءة غير قراءة جميعهم، وهو أنه فـيـما ذكر عنه كان يقرأ: «وظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوا» بفتـح الكاف والذال وتـخفـيف الذال. ذكر الرواية عنه بذلك:

حدثنـي أحمد بن يوسف، قال: ثنا أبو عبـيد، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، أنه قرأها: «كَذَبُوا» بفتـح الكاف بـالتـخفـيف. وكان يتأوّله كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: استـيأس الرجل أن تَعذّبَ قومهم، وظنّ قومهم أن الرسل قد كذَبوا، جاءهم نصرنا، قال: جاء الرسل نصرُنا. قال مـجاهد: قال فـي الـمؤمن:
{ فَلَـمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بـالبَـيِّناتِ فَرِحُوا بِـمَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْـمَ }
قال: قولهم نـحن أعلـم منهم، ولن نعذَّب. وقوله:
{ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ }
قال: حاق بهم ما جاءت به رسلهم من الـحقّ.

وهذه القراءة لا أستـجيز القراءة بها لإجماع الـحجة من قرّاء الأمصار علـى خلافها، ولو جازت القراءة بذلك لاحتـمل وجهاً من التأويـل وهو أحسن مـما تأوّله مـجاهد، وهو: { حَتـى إذَا استَـيأس الرسُلُ } من عذاب الله قومَها الـمكذّبة بها، وظنت الرسلُ أن قومها قد كَذَّبوا وافتروا علـى الله بكفرهم بها. ويكون الظنّ موجهاً حينئذٍ إلـى معنى العلـم، علـى ما تأوّله الـحسن وقتادة.

اسامة محمد خيري
31-01-2017, 06:07
يقول تعالـى ذكره: لقد كان فـي قصص يوسف وإخوته عِبرة لأهل الـحِجا والعقول، يعتبرون بها وموعظة يتعظون بها وذلك أن الله جلّ ثناؤه بعد أن ألقـي يوسف فـي الـجبّ لـيهلك، ثم بِـيع بـيع العبـيد بـالـخسيس من الثمن، وبعد الإسار والـحبس الطويـل ملَّكه مصر ومكَّن له فـي الأرض وأعلاه علـى من بغاه سوءاً من إخوته، وجمع بـينه وبـين والديه وإخوته بقدرته بعد الـمدّة الطويـلة، وجاء بهم إلـيه من الشُّقَّة النائية البعيدة. فقال جلّ ثناؤه للـمشركين من قريش من قوم نبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: لقد كان لكم أيُّها القوم فـي قَصَصهم عبرة لو اعتبرتـم به، أن الذي فعل ذلك بـيوسف وإخوته لا يتعذّر علـيه أن يفعل مثله بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، فـيخرجه من بـين أظهركم ثم يظهره علـيكم ويـمكن له فـي البلاد ويؤيده بـالـجند والرجال من الأتبـاع والأصحاب، وإن مرّت به شدائد وأتت دونه الأيام واللـيالـي والدهور والأزمان.

وكان مـجاهد يقول: معنى ذلك: لقد كان فـي قصصهم عبرة لـيوسف وإخوته. ذكر الرواية بذلك:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: { لَقَدْ كانَ فـي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ } لـيوسف وإخوته.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: عبرة لـيوسف وإخوته.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله: { لَقَدْ كانَ فِـي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولـى الألْبـاب } قال: يوسف وإخوته.

وهذا القول الذي قاله مـجاهد وإن كان له وجه يحتـمله التأويـل، فإن الذي قلنا فـي ذلك أولـى به لأن ذلك عقـيب الـخبر عن نبـينا صلى الله عليه وسلم وعن قومه من الـمشركين، وعقـيب تهديدهم ووعيدهم علـى الكفر بـالله وبرسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم، ومنقطع عن خبر يوسف وإخوته، ومع ذلك أنه خبر عامّ عن جميع ذوي الألبـاب، أن قصصهم لهم عبرة، وغير مخصوص بعض به دون بعض. فإذا كان الأمر علـى ما وصفت فـي ذلك، فهو بأن يكون خبراً عن أنه عبرة لغيرهم أشبه، والرواية التـي ذكرناها عن مـجاهد من رواية ابن جريج أشبه به أن تكون من قوله لأن ذلك موافق القول الذي قلناه فـي ذلك.

اسامة محمد خيري
31-01-2017, 06:22
سورة الرعد

وفـي قوله: { وَالَّذِي أُنْزِلَ إلَـيْكَ } وجهان من الإعراب: أحدهما الرفع علـى أنه كلام مبتدأ، فـيكون مرفوعاً بـ «الـحق» و «الـحق به». وعلـى هذا الوجه تأويـل مـجاهد وقتادة الذي ذكرنا قبل عنهما. والآخر: الـخفض علـى العطف به علـى الكتاب، فـيكون معنى الكلام حينئذٍ: تلك آيات التوراة والإنـجيـل والقرآن، ثم يبتدىء الـحقّ بـمعنى ذلك الـحقّ، فـيكون رفعه بـمضمر من الكلام قد استغنـي بدلالة الظاهر علـيه منه. ولو قـيـل: معنى ذلك: تلك آيات الكتاب الذي أنزل إلـيك من ربك الـحقّ، وإنـما أدخـلت الواو فـي «والذي»، وهو نعت للكتاب، كما أدخـلها الشاعر فـي قوله:

إلـى الـمَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمام ولَـيْثِ الكَتِـيبَةِ فـي الـمُزْدَحَمْ
فعطف بــ(الواو)، وذلك كله من صفة واحد، كان مذهبـاً من التأويـل ولكن ذلك إذا تؤوّل كذلك فـالصواب من القراءة فـي «الـحقّ الـخفض» علـى أنه نعت لـ «الذي».

اسامة محمد خيري
31-01-2017, 06:24
وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصحة أن يقال كما قال الله تعالـى: { اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها } فهي مرفوعة بغير عمد نراها، كما قال ربنا جلّ ثناؤه. ولا خبر بغير ذلك، ولا حجة يجب التسلـيـم لها بقول سواه.

اسامة محمد خيري
31-01-2017, 06:48
وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصحة أن يقال كما قال الله تعالـى: { اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها } فهي مرفوعة بغير عمد نراها، كما قال ربنا جلّ ثناؤه. ولا خبر بغير ذلك، ولا حجة يجب التسلـيـم لها بقول سواه.

اسامة محمد خيري
31-01-2017, 06:49
حدثنا أحمد بن يحيى الصوفـيّ، قال: ثنا الـحسن بن الـحسين الأنصاري، قال: ثنا معاذ بن مسلـم، ثنا الهروي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: لـما نزلت { إنَّـمَا أنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلّ قَومٍ هادٍ } وضع صلى الله عليه وسلم يده علـى صدره، فقال: " أنَا الـمُنْذِرُ وَلِكُلّ قَوْمٍ هادٍ " وأومأ بـيده إلـى منكب علـيّ، فقال: " أنْتَ الهادِي يا عَلـيّ، بك يَهْتَدِي الـمُهْتَدُون بَعْدِي ".

وقال آخرون: معناه: لكلّ قوم داع. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: { وَلِكُلّ قَوْمٍ هادٍ } قال: داع.

وقد بـيَّنت معنى الهداية، وأنه الإمام الـمتبع الذي يقدمُ القوم. فإذا كان ذلك كذلك، فجائز أن يكون ذلك هو الله الذي يهدي خـلقه وَيَتْبِعُ خـلقه هداه ويأتـمون بأمره ونهيه، وجائز أن يكون نبـيّ الله الذي تأتـمّ به أمته، وجائز أن يكون إماماً من الأئمة يؤتـمّ به ويتبع مِنهاجَه وطريقته أصحابه، وجائز أن يكون داعياً من الدُّعاة إلـى خير أو شرّ.

وإذا كان ذلك كذلك، فلا قول أولـى فـي ذلك بـالصواب من أن يقال كما قال جلّ ثناؤه: إن مـحمداً هو الـمنذر مَن أُرْسِل إلـيه بـالإنذار، وإن لكلّ قوم هادياً يهديهم فـيتبعونه ويأتـمون به.

اسامة محمد خيري
31-01-2017, 07:03
وأولـى التأويـلـين فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: الهاء فـي قوله: { لَهُ مُعَقِّبـاتٌ } من ذكر «من» التـي فـي قوله:
{ وَمَنْ هُوَ مُسْتَـخْفٍ بـاللَّـيْـلِ }
وأن الـمعقبـات من بـين يديه ومن خـلفه، هي حَرَسه وجَلاَوِزته كما قال ذلك مَن ذكرنا قوله.

وإنـما قلنا: ذلك أولـى التأويـلـين بـالصواب لأن قوله: { لَهُ مُعَقِّبـاتٌ } أقرب إلـى قوله:
{ وَمَنْ هُوَ مُسْتَـخْفٍ بـاللَّـيْـلِ }
منه إلـى عالـم الغيب، فهي لقربها منه أولـى بأن تكون من ذكره، وأن يكون الـمعنىّ بذلك هذا، مع دلالة قول الله: { وَإذَا أرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ } علـى أنهم الـمعِنـيُّون بذلك. وذلك أنه جلّ ثناؤه ذكر قوماً أهل معصية له وأهل ريبة، يستـخفون بـاللـيـل ويظهرون بـالنهار، ويـمتنعون عند أنفسهم بحرس يحرسهم، ومَنَعَة تـمنعهم من أهل طاعته أن يحولوا بـينهم وبـين ما يأتون من معصية الله، ثم أخبر أن الله تعالـى ذكره إذا أراد بهم سوءاً لـم ينفعهم حرسهم، ولا يدفع عنهم حفظهم...

قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله ابن زيد فـي تأويـل هذه الآية قول بعيد من تأويـل الآية مع خلافه أقوال من ذكرنا قوله من أهل التأويـل، وذلك أنه جعل الهاء فـي قوله: { لَهُ مُعَقِّبـاتٌ } من ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولـم يجر له فـي الآية التـي قبلها ولا فـي التـي قبل الأخرى ذكر، إلا أن يكون أراد أن يردّها علـى قوله:
{ إنَّـمَا أنْتَ مُنْذِرٌ وَلكُلّ قَوْمٍ هادٍ لَهُ مُعَقِّبـاتٌ }
فإن كان أراد ذلك، فذلك بعيد لـما بـينهما من الآيات بغير ذكر الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا كان كذلك، فكونها عائدة علـى «مَن» التـي فـي قوله:
{ وَمَنْ هُوَ مُسْتَـخْفٍ بـاللَّـيْـلِ }
أقرب، لأنه قبلها والـخبر بعدها عنه. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الكلام: سواء منكم أيها الناس من أسرّ القول ومن جهر به عند ربكم، ومن هو مستـخف بفسقه وريبته فـي ظلـمة اللـيـل، وسارب: يذهب ويجيء فـي ضوء النهار مـمتنعاً بجنده وحرسه الذين يتعقبونه من أهل طاعة الله أن يحولوا بـينه وبـين ما يأتـي من ذلك، وأن يقـيـموا حدّ الله علـيه، وذلك قوله: { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ }....

وأما قوله: { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ } فإن أهل العربـية اختلفوا فـي معناه، فقال بعض نـحويـي الكوفة معناه: له معقبـات من أمر الله يحفظونه، ولـيس من أمره إنـما هو تقديـم وتأخير. قال: ويكون يحفظونه ذلك الـحفظ من أمر الله وبإذنه، كما تقول للرجل: أجبتك من دعائك إياي، وبدعائك إياي. وقال بعض نـحويـي البصريـين: معنى ذلك: يحفظونه عن أمر الله، كما قالوا: أطعمنـي من جوع وعن جوع، وكسانـي عن عُرْي ومن عُرْي.

وقد دللنا فـيـما مضى علـى أن أولـى القول بتأويـل ذلك أن يكون قوله: { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أمْرِ اللّهِ } من صفة حرس هذا الـمستـخفـي بـاللـيـل وهي تـحرسه ظنًّا منها أنها تدفع عنه أمر الله، فأخبر تعالـى ذكره أن حرسه ذلك لا يغنـي عنه شيئاً إذا جاء أمره، فقال: { وَإذَا أرَادَ اللّهُ بَقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ }.

اسامة محمد خيري
31-01-2017, 07:12
والقول الذي ذكرناه عن قتادة فـي تأويـل الـمـحال أنه الـحيـلة، والقول الذي ذكره ابن جريج عن ابن عبـاس يدلان علـى أنهما كانا يقرآن: «وَهُوَ شَدِيدُ الـمَـحَال» بفتـح الـميـم، لأن الـحيـلة لا يأتـي مصدرها مِـحَالاً بكسر الـميـم، ولكن قد يأتـي علـى تقدير الـمَفْعلة منها، فـيكون مَـحَالة، ومن ذلك قولهم: «الـمرء يعجز لا مَـحالة»، والـمـحالة فـي هذا الـموضع: الـمفعلة من الـحيـلة. فأما بكسر الـميـم، فلا تكون إلا مصدراً، من ما حلت فلاناً أما حلهِ مـحالاً، والـمـماحلة بعيدة الـمعنى من الـحيـلة، ولا أعلـم أحداً قرأه بفتـح الـميـم. فإذا كان ذلك كذلك، فـالذي هو أولـى بتأويـل ذلك ما قلنا من القول.

اسامة محمد خيري
01-02-2017, 05:40
حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { أفَلَـمْ يَـيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا } قال: ألـم يعلـم الذين آمنوا.

والصواب من القول فـي ذلك ما قاله أهل التأويـل: إن تأويـل ذلك: أفلـم يتبـين ويعلـم لإجماع أهل التأويـل علـى ذلك والأبـيات التـي أنشدناها فـيه.

فتأويل الكلام إذن: ولو أن قرآناً سوى هذا القرآن كان سيرت به الـجبـال لسير بهذا القرآن، أو قطِّعت به الأرض لقطِّعت بهذا، أو كلِّـم به الـموتـى لكلِّـم بهذا، ولو يفعل بقرآن قبل هذا القرآن لفُعل بهذا. { بَلْ لِلّهِ الأمْرُ جَمِيعاً } يقول: ذلك كله إلـيه وبـيده، يهدى من يشاء إلـى الإيـمان فـيوفقه له ويضلّ من يشاء فـيخذله، أفلـم يتبـين الذين آمنوا بـالله ورسوله إذ طمعوا فـي إجابتـي من سأل نبـيهم من تسيـير الـجبـال عنهم وتقريب أرض الشام علـيهم وإحياء موتاهم، أن لو يشاء الله لهدَى الناس جميعاً إلـى الإيـمان به من غير إيجاد آية ولا إحداث شيء مـما سألوا إحداثه. يقول تعالـى ذكره: فما معنى مـحبتهم ذلك مع علـمهم بأن الهداية والإهلاك إلـيّ وبـيدي أنزلت آية أو لـم أنزلها أهدي من أشاء بغير إنزال آية، وأضلّ من أردت مع إنزالها....

اسامة محمد خيري
01-02-2017, 05:59
وقال آخرون: معنى ذلك: ويغفر ما يشاء من ذنوب عبـاده، ويترك ما يشاء فلا يغفر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد، فـي قوله { يَـمْـحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ } قال: يثبت فـي البطن الشقاء والسعادة وكلّ شيء، فـيغفر منه ما يشاء ويؤخر ما يشاء.

وأولـى الأقوال التـي ذكرت فـي ذلك بتأويـل الآية، وأشبهها بـالصواب، القول الذي ذكرناه عن الـحسن ومـجاهد وذلك أن الله تعالـى ذكره توعد الـمشركين الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات بـالعقوبة وتهدّدهم بها وقال لهم:
{ وَما كانَ لرَسُولٍ أنْ يَأْتِـيَ بآيَةٍ إلاَّ بإذْنِ اللّهِ لكُلّ أجَلٍ كتابٌ }
يعلـمهم بذلك أن لقضائه فـيهم أجلاً مثبتاً فـي كتاب هم مؤخرون إلـى وقت مـجيء ذلك الأجل، ثم قال لهم: فإذا جاء ذلك الأجل يجيء الله بـما شاء مـمن قد دنا أجله وانقطع رزقه أو حان هلاكه أو اتضاعه، من رفعة أو هلاك مال، فـيقضي ذلك فـي خـلقه، فذلك مـحوه. ويُثبت ما شاء مـمن بقـي أجله ورزقه وأُكْله، فـيتركه علـى ما هو علـيه فلا يـمـحوه. وبهذا الـمعنى جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ما:

حدثنـي مـحمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا ابن أبـي مريـم، قال: ثنا اللـيث بن سعد، عن زيادة بن مـحمد، عن مـحمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبـيد، عن أبـي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ اللّهَ يَفْتَـحُ الذّكْرَ فِـي ثَلاثِ ساعاتٍ يَبْقـينَ منَ اللَّـيْـلِ، فِـي السَّاعَةِ الأُولـى منْهُنَّ يَنْظُرُ فِـي الكتابِ الَّذِي لا يَنْظُرُ فـيهِ أحَدٌ غيرُهُ، فَـيَـمْـحُو ما يَشاءُ ويُثْبتُ " ثم ذكر ما فـي الساعتـين الآخرتـين.

حدثنا موسى بن سهل الرملـي، قال: ثنا آدم، قال: ثنا اللـيث، قال: ثنا زيادة بن مـحمد، عن مـحمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبـيد، عن أبـي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ اللّهَ يَنْزِلُ فِـي ثَلاثِ ساعاتٍ يَبْقـيْنَ منَ اللَّـيْـلِ، يَفْتَـحُ الذّكْرَ فِـي السَّاعَةِ الأُولـى الَّذِي لَـمْ يَرَهُ أحَدٌ غيرُهُ، يَـمْـحُو ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ما يَشاءُ ". ...

وقال آخرون: هو الذِّكْرُ. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج قال أبو جعفر: لا أدري فـيه ابن جريج أم لا قال: قال ابن عبـاس: { وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ } قال: الذكر.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: وعنده أصل الكتاب وجملته وذلك أنه تعالـى ذكره أخبر أنه يـمـحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، ثم عقب ذلك بقوله: { وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ } فكان بـيِّناً أن معناه: وعنده أصل الـمثبَت منه والـمـمـحو، وجملته فـي كتاب لديه...

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { وَيُثْبِتُ } فقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والكوفة: «ويُثَبِّتُ» بتشديد البـاء بـمعنى: ويتركه ويقره علـى حاله، فلا يـمـحوه. وقرأه بعض الـمكيـين وبعض البصريـين وبعض الكوفـيـين: { ويُثْبِتُ } بـالتـخفـيف، بـمعنى: يكتب، وقد بـيَّنا قبل أن معنى ذلك عندنا: إقراره مكتوبـاً وترك مـحوه علـى ما قد بـيَّنا، فإذا كان ذلك كذلك فـالتثبـيت به أولـى، والتشديد أصوب من التـخفـيف، وإن كان التـخفـيف قد يحتـمل توجيهه فـي الـمعنى إلـى التشديد والتشديد إلـى التـخفـيف، لتقارب معنـيـيهما.

اسامة محمد خيري
01-02-2017, 06:11
وأولـى الأقوال فـي تأويـل ذلك بـالصواب، قول من قال: { أو لَـمْ يَرَوْا أنَّا نَأْتِـي الأرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أطْرَافِها } بظهور الـمسلـمين من أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم علـيها وقهرهم أهلها، أفلا يعتبرون بذلك فـيخافون ظهورهم علـى أرضهم وقهرهم إياهم؟ وذلك أن الله توعد الذين سألوا رسوله الآيات من مُشركي قومه بقوله:
{ وإمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِيَ نَعِدُهُمْ أوْ نَتَوَفَّـيَنَّكَ فإنَّـما عَلَـيْكَ البَلاغُ وَعَلَـيْنا الـحسابُ }

ثم وبخهم تعالـى ذكره بسوء اعتبـارهم ما يعاينون من فعل الله بضربـائهم من الكفـار، وهم مع ذلك يسألون الآيات، فقال: { أو لَـمْ يَرَوْا أنَّا نَأْتِـي الأرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أطْرَافِها } بقهر أهلها، والغلبة علـيها من أطرافها وجوانبها، وهم لا يعتبرون بـما يرون من ذلك.

اسامة محمد خيري
01-02-2017, 06:16
وكان سعيد يقرؤها: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ».

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي عبـاد، عن عوف، عن الـحسن وجويبر، عن الضحاك بن مزاحم، قالا: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ» قال: من عند الله.

وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر بتصحيح هذه القراءة وهذا التأويـل، غير أن فـي إسناده نظراً، وذلك ما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي عبـاد بن العوّام، عن هارون الأعور، عن الزهريّ، عن سالـم بن عبد الله، عن أبـيه، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: «وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِـمَ الكِتابُ» عند الله علـم الكتاب.

وهذا خبر لـيس له أصل عند الثقات من أصحاب الزهريّ.

فإذا كان ذلك كذلك وكانت قرّاء الأمصار من أهل الـحجاز والشام والعراق علـى القراءة الأخرى، وهي: { وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْـمُ الكِتابِ } كان التأويـل الذي علـى الـمعنى الذي علـيه قرّاء الأمصار أولـى بـالصواب مـمن خالفه، إذ كانت القراءة بـما هم علـيه مـجمعون أحقّ بـالصواب.

اسامة محمد خيري
02-02-2017, 05:14
وأشبه هذه الأقوال عندي بالصواب في تأويل هذه الآية القول الذي ذكرناه عن عبد الله بن مسعود أنهم ردّوا أيديهم في أفواههم، فعضوا عليها غيظاً على الرسل، كما وصف الله عزّ وجلّ به إخوانهم من المنافقين فقال
{ وَإذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ }
فهذا هو الكلام المعروف والمعنى المفهوم من ردّ اليد إلى الفم

اسامة محمد خيري
03-02-2017, 05:08
وقال آخرون: بل الحين في هذا الموضع: شهران. ذكر من قال ذلك

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال ثنا محمد بن مسلم الطائفي، عن إبراهيم بن ميسرة، قال جاء رجل إلى سعيد بن المسيب، فقال: إني حلفت أن لا أكلم فلاناً حينا، فقال: قال الله تعالى: { تُؤْتِى أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بإذْنِ رَبَّها } قال: هي النخلة لا يكون منها أكلها الا شهرين: فالحين شهران.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عنى بالحين في هذا الموضع: غدوة وعشية، وكلّ ساعة، لأن الله تعالى ذكره ضرب ما تؤتى هذه الشجرة كلّ حين من الأكل لعمل المؤمن وكلامه مثلا، ولا شكّ أن المؤمن يرفع إلى الله في كل يوم صالح من العمل والقول، لا في كل سنة، أوفى كل ستة أشهر، أوفي كلّ شهرين

اسامة محمد خيري
03-02-2017, 05:14
وقال آخرون: معنى ذلك: يثبت الله الذين آمنوا بـالإيـمان فـي الـحياة الدنـيا، وهو القول الثابت، وفـي الآخرة: الـمسألة فـي القبر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبـيه: { يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بـالقَوْلِ الثَّابِتِ فِـي الـحَياةِ الدُّنْـيا } قال: لا إله إلاَّ الله. { وفِـي الآخِرةِ } الـمسألة فـي القبر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بـالقَوْلِ الثَّابِتِ فِـي الـحَياةِ الدُّنْـيا } أما الـحياة الدنـيا، فـيثبتهم بـالـخير والعمل الصالـح. وقوله: { فِـي الآخِرَةِ } أي فـي القبر.

والصواب من القول فـي ذلك ما ثبت به الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي ذلك، وهو أن معناه: يثبت الله الذين آمنوا بـالقول الثابت فـي الـحياة الدنـيا، وذلك تثبـيته إياهم فـي الـحياة الدنـيا بـالإيـمان بـالله وبرسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم، وفـي الآخرة بـمثل الذِي ثبتهم به فـي الـحياة الدنـيا، وذلك فـي قبورهم حين يُسألون عن الذي هم علـيه من التوحيد والإيـمان برسوله صلى الله عليه وسلم

اسامة محمد خيري
03-02-2017, 05:28
حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: { وآتاكُمْ مِنْ كُلَ ما سألْتُـمُوهُ } قال: لـم تسألوه من كلّ الذي آتاكم.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا، القراءة التـي علـيها قرّاء الأمصار، وذلك إضافة «كل» إلـى «ما» بـمعنى: وآتاكم من سؤلكم شيئاً، علـى ما قد بـيَّنا قبل، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها ورفضهم القراءة الأخرى.

اسامة محمد خيري
03-02-2017, 05:46
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وأفْئدَتُهُمْ هَوَاءٌ } انتزعت حتـى صارت فـي حناجرهم لا تـخرج من أفواههم، ولا تعود إلـى أمكنتها.

وأولـى هذه الأقوال عندي بـالصواب فـي تأويـل ذلك قول من قال: معناه: أنها خالـية لـيس فـيها شيء من الـخير، ولا تعقل شيئاً وذلك أن العرب تسمي كلّ أجوف خاو: هواء ومنه قول حسَّان بن ثابت:

ألا أبْلِغْ أبـا سُفْـيانَ عَنّـي فأنْتَ مُـجَوَّفٌ نَـخِبٌ هَوَاءُ

اسامة محمد خيري
03-02-2017, 05:55
واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { لِتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ } فقرأ ذلك عامَّة قرّاء الـحجاز والـمدينة والعراق ما خلا الكسائي: { وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ } بكسر اللام الأولـى وفتـح الثانـية، بـمعنى: وما كان مكرهم لتزول منه الـجبـال. وقرأه الكسائي: { وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لتَزُولُ مِنْهُ الـجِبـالُ } بفتـح اللام الأولـى ورفع الثانـية علـى تأويـل قراءة من قرأ ذلك: { وَإنْ كادَ مَكْرُهُمْ لتَزُولُ مِنْهُ الـجِبـالُ } من الـمتقدمين الذين ذكرت أقوالهم، بـمعنى: اشتدّ مكرهم حتـى زالت منه الـجبـال، أو كادت تزول منه. وكان الكسائيّ يحدّث عن حمزة، عن شبل عن مـجاهد، أنه كان يقرأ ذلك علـى مثل قراءته: { وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لتَزُولُ مِنْهُ الـجبـالُ } برفع تزول.

حدثنـي بذلك الـحارث عن القاسم عنه.

والصواب من القراءة عندنا، قراءة من قرأه: { وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ } بكسر اللام الأولـى وفتـح الثانـية، بـمعنى: وما كان مكرههم لتزول منه الـجبـال.

وإنـما قلنا ذلك هو الصواب، لأن اللام الأولـى إذا فُتـحت، فمعنى الكلام: وقد كان مكرهم تزول منه الـجبـال، ولو كانت زالت لـم تكن ثابتة، وفـي ثبوتها علـى حالتها ما يبـين عن أنها لـم تزُل. وأخرى إجماع الـحجة من القرّاء علـى ذلك، وفـي ذلك كفـاية عن الاستشهاد علـى صحتها وفساد غيرها بغيره.

فإن ظنّ ظانّ أن ذلك لـيس بإجماع من الـحجة إذ كان من الصحابة والتابعين من قرأ ذلك كذلك، فإن الأمر بخلاف ما ظنّ فـي ذلك، وذلك أن الذين قرءوا ذلك بفتـح اللام الأولـى ورفع الثانـية قرءوا: { وَإنْ كادَ مَكْرُهُمْ } بـالدال، وهي إذا قرئت كذلك، فـالصحيح من القراءة مع: { وَإنْ كادَ } فتـح اللام الأولـى ورفع الثانـية علـى ما قرءوا، وغير جائز عندنا القراءة كذلك، لأن مصاحفنا بخلاف ذلك، وإنـما خطّ مصاحفنا وإن كان بـالنون لا بـالدال....

فـالأولـى من القول بـالصواب فـي تأويـل الآية، إذ كانت القراءة التـي ذكرت هي الصواب لـما بـيَّنا من الدلالة فـي قوله: { وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ الله مَكْرُهُمْ وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ } وقد أشرك الذين ظلـموا أنفسهم بربهم وافتروا علـيه فريتهم علـيه، وعند الله علـم شركهم به وافترائهم علـيه، وهو معاقبهم علـى ذلك عقوبتهم التـي هم أهلها، وما كان شركهم وفريتهم علـى الله لتزول منه الـجبـال، بل ما ضرّوا بذلك إلاَّ أنفسهم، ولا عادت بغية مكروهة إلاَّ علـيهم.

اسامة محمد خيري
03-02-2017, 06:01
وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: معناه: يوم تبدّل الأرض التـي نـحن علـيها الـيوم يوم القـيامة غيرَها، وكذلك السموات الـيوم تبدّل غيرها، كما قال جلّ ثناؤه. وجائز أن تكون الـمبدلة أرضاً أخرى من فضة، وجائز أن تكون ناراً وجائز أن تكون خبزاً، وجائز أن تكون غير ذلك، ولا خبر فـي ذلك عندنا من الوجه الذي يجب التسلـيـم له أيّ ذلك يكون، فلا قول فـي ذلك يصحّ إلاَّ ما دلّ علـيه ظاهر التنزيـل

اسامة محمد خيري
03-02-2017, 06:30
يقول تعالـى ذكره: كما سلكنا الكفر فـي قلوب شيع الأوّلـين. بـالاستهزاء بـالرسل، كذلك نفعل ذلك فـي قلوب مشركي قومك الذين أجرموا بـالكفر بـالله { لا يُوءْمِنُونَ بِهِ } يقول: لا يصدّقون: بـالذكر الذي أنزل إلـيك. والهاء فـي قوله: { نَسْلُكُهُ } من ذكر الاستهزاء بـالرسل والتكذيب بهم كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: { كذلكَ نَسْلُكُهُ فِـي قُلُوبِ الـمُـجْرِمِينَ } قال: التكذيب.

اسامة محمد خيري
03-02-2017, 06:34
وقال آخرون: معنى ذلك: عميت. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن الكلبـي: { سُكِّرَتْ } قال: عميت.

وأولـى هذه الأقوال بـالصواب عندي قول من قال: معنى ذلك: أخذت أبصارنا وسحرت، فلا تبصر الشيء علـى ما هو به، وذهب حدّ إبصارنا وانطفأ نوره كما يقال للشيء الـحارّ إذا ذهبت فورته وسكن حدّ حرّة: قد سكر يسكر. قال الـمثنى بن جندل الطُّهوي:

جاءَ الشِّتاءُ واجْثَأَلَّ القُبَّرُ واستَـخْفَتِ الأفْعَى وكانت تَطبرُ
وجَعَلَتْ عينُ الحَرُور تَسْكُرُ
أي تسكن وتذهب وتنطفـىء. وقال ذو الرّمَّة:

قَبْلَ انْصِداعِ الفَجْرِ والتَّهَجُّرِ وخَوْضُهُنَّ اللَّـيْـلَ حينَ يَسْكُرُ
يعنـي: حين تسكن فورته. وذُكر عن قـيس أنها تقول: سكرت الريح تسكر سُكُوراً، بـمعنى: سكنت. وإن كان ذلك عنها صحيحاً، فإن معنى سُكِرَت وسُكِّرَتْ بـالتـخفـيف والتشديد متقاربـان، غير أن القراءة التـي لا أستـجيز غيرها فـي القرآن: { سُكِّرَتْ } بـالتشديد لإجماع الـحجة من القراءة علـيها، وغير جائز خلافها فـيـما جاءت به مـجمعة علـيه.

اسامة محمد خيري
03-02-2017, 09:19
حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: { مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ } يقول: معلوم.

وكان بعضهم يقول: معنى ذلك وأنبتنا فـي الـجبـال من كلّ شيء موزون يعنـي من الذهب والفضة والنـحاس والرصاص ونـحو ذلك من الأشياء التـي توزن. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { وأنْبَتْنا فِـيها مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ } قال: الأشياء التـي توزن.

وأولـى القولـين عندنا بـالصواب القول الأوّل لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـيه.

اسامة محمد خيري
03-02-2017, 09:21
اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـي فـي قوله: { وَمَنْ لَسْتُـمْ لَهُ بِرَازِقـينَ } فقال: بعضهم: عُنـي به الدوّاب والأنعام. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسين قال: ثنا ورقاء وحدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله جمعياً، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { وَمَنْ لَسْتُـمْ لَهُ بِرَازِقـينَ } الدوابّ والأنعام.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وقال آخرون: عُنـي بذلك الوحشُ خاصة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور فـي هذه الآية { وَمَنْ لَسْتُـمْ لَهُ بِرَازِقـينَ } قال: الوحش.

فتأويـل «مَنْ» فـي: { وَمَنْ لَسْتُـمْ لَهُ بِرَازِقـينَ } علـى هذا التأويـل بـمعنى «ما»، وذلك قلـيـل فـي كلام العرب.

وأولـى ذلك بـالصواب، وأحسن أن يقال: عُنـي بقوله: { وَمَنْ لَسْتُـمْ لَهُ بِرَازِقـينَ } من العبـيد والإماء والدوابّ والأنعام. فمعنى ذلك: وجعلنا لكم فـيها معايشَ والعبـيدَ والإماء والدوابّ والأنعام. وإذا كان ذلك كذلك، حسن أن توضع حينئذ مكان العبـيد والإماء والدوابّ «من»، وذلك أن العرب تفعل ذلك إذا أرادت الـخبر عن البهائم معها بنو آدم. وهذا التأويـل علـى ما قلناه وصرفنا إلـيه معنى الكلام إذا كانت «من» فـي موضع نصب عطفـاً به علـى «معايش» بـمعنى: جعلنا لكم فـيها معايش، وجعلنا لكم فـيها من لستـم له برازقـين. وقـيـل: إنّ «من» فـي موضع خفض عطفـاً به علـى الكاف والـميـم فـي قوله: { وَجَعلْنَا لَكُمْ } بـمعنى: وجعلنا لكم فـيها معايش { وَمَنْ لَسْتُـمْ لَهُ بِرَازِقـينَ }. وأحسب أن منصوراً فـي قوله: هو الوحش، قصد هذا الـمعنى وإياه أراد وذلك وإن كان له وجه كلام العرب فبعيد قلـيـل، لأنها لا تكاد تظاهر علـى معنى فـي حال الـخفض، وربـما جاء فـي شعر بعضهم فـي حال الضرورة، كما قال بعضهم:

هَلاَّ سألْتَ بذِي الـجمَاجِمِ عنهُمُ وأبى نُعَيـمٍ ذي اللِّوَاءِ الـمُخْرَقِ
فردّ أبـا نعيـم علـى الهاء والـميـم فـي «عنهم». وقد بـيَّنت قبح ذلك فـي كلامهم.

اسامة محمد خيري
03-02-2017, 09:38
قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال عندي فـي ذلك بـالصحة قول من قال: معنى ذلك: ولقد علـمنا الأموات منكم يا بنـي آدم فتقدّم موته، ولقد علـمنا الـمستأخرين الذين استأخر موتهم مـمن هو حيّ ومن هو حادث منكم كم لـم يحدث بعدُ لدلالة ما قبله من الكلام، وهو قوله: { وَإنَّا لَنَـحْنُ نُـحْيِـي ونُـمِيتُ وَنَـحْنُ الْوَارِثُونَ } وما بعده وهو قوله: { وإنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ } علـى أن ذلك كذلك، إذ كان بـين هذين الـخبرين، ولـم يجر قبل ذلك من الكلام ما يدلّ علـى خلافه، ولا جاء بعد.

وجائز أن تكون نزلت فـي شأن الـمستقدمين فـي الصفّ لشأن النساء والـمستأخرين فـيه لذلك، ثم يكون الله عزّ وجلّ عمّ بـالـمعنى الـمراد منه جميع الـخـلق، فقال جلّ ثناؤه لهم: قد علـمنا ما مضى من الـخـلق وأحصيناهم، وما كانوا يعملون، ومن هو حيّ منكم ومن هو حادث بعدكم أيها الناس، وأعمال جميعكم خيرها وشرّها، وأحصينا جميع ذلك ونـحن نـحشر جميعهم، فنـجازي كلاًّ بأعماله، إن خيراً فخيراً وإن شرّاً فشرّاً. فـيكون ذلك تهديداً ووعيداً للـمستأخرين فـي الصفوف لشأن النساء ولكلّ من تعدّى حدّ الله وعمل بغير ما أذن له به، ووعداً لـمن تقدّم فـي الصفوف لسبب النساء وسارع إلـى مـحبة الله ورضوانه فـي أفعاله كلها.

اسامة محمد خيري
03-02-2017, 09:43
والذي هو أولـى بتأويـل الآية أن يكون الصلصال فـي هذا الـموضع الذي له صوت من الصلصلة وذلك أن الله تعالـى وصفه فـي موضع آخر فقال: { خَـلَقَ الإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كالفَخَّارِ } فشبهه تعالـى ذكره بأنه كان كالفخَّار فـي يُبسه. ولو كان معناه فـي ذلك الـمُنتِن لـم يشبه بـالفخار، لأن الفخار لـيس بـمنتن فـيشبَّه به فـي النتن غيره...

اسامة محمد خيري
03-02-2017, 10:08
اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { قالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ } فقرأه عامَّة قراء الـحجاز والـمدينة والكوفة والبصرة:
{ هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ }
بـمعنى: هذا طريق إلـيَّ مستقـيـم.

فكان معنى الكلام: هذا طريق مرجعه إلـيّ فأجازي كلاًّ بأعمالهم كما قال الله تعالـى ذكره: { إنَّ رَبَّكَ لَبـالـمرْصَاد }. وذلك نظير قول القائل لـمن يتوعده ويتهدده: طريقك علـيّ، وأنا علـى طريقك فكذلك قوله: { هَذَا صِرَاطٌ } معناه: هذا طريق علـيّ وهذا طريق إلـيّ. وكذلك تأوّل من قرأ ذلك كذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: { هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ } قال: الـحقّ يرجع إلـى الله وعلـيه طريقه، لا يعرِّج علـى شيء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، بنـحوه.

حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا مَرْوان بن شجاع، عن خَصِيف، عن زياد بن أبـي مريـم، وعبد الله بن كثـير أنهما قرآها: { هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ } وقالا: «علـيّ» هي «إلـيّ» وبـمنزلتها.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن إسماعيـل بن مسلـم، عن الـحسن وسعيد عن قتادة، عن الـحسن: { هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ } يقول: إلـيّ مستقـيـم.

وقرأ ذلك قـيس بن عبـاد وابن سيرين وقتادة فـيـما ذُكر عنهم «هَذَا صِرَاطٌ عَلـيٌّ مُسْتَقِـيـمٌ» برفع «علـيّ»علـى أنه نعت للصراط، بـمعنى رفـيع. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي حماد، قال: ثنـي جعفر البصري، عن ابن سيرين أنه كان يقرأ: { هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ } يعنـي: رفـيع.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ } أي رفـيع مستقـيـم. قال بشر، قال يزيد، قال سعيد: هكذا نقرؤها نـحن وقتادة.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عبد الوهاب، عن هارون، عن أبـي العوّام، عن قتادة، عن قـيس بن عبـاد: { هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ } يقول: رفـيع.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا قراءة من قرأ: { هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ } علـى التأويـل الذي ذكرناه عن مـجاهد والـحسن البصري ومن وافقهما علـيه، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها وشذوذ ما خالفها.

اسامة محمد خيري
04-02-2017, 05:20
وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: عُنـي بـالسبع الـمثانـي السبع اللواتـي هنّ آيات أم الكتاب، لصحة الـخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي:

حدّثنـيه يزيد بن مخـلد بن خِدَاش الواسطي، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن العلاء، عن أبـيه، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمُّ القُرآنِ السَّبْعُ الـمَثانِـي الَّتِـي أُعْطِيتُها "
...

فإذ كان الصحيح من التأويـل فـي ذلك ما قلنا للذي به استشهدنا، فـالواجب أن تكون الـمثانـي مراداً بها القرآن كله، فـيكون معنى الكلام: ولقد آتـيناك سبع آيات مـما يَثْنـيِ بعض آيه بعضاً. وإذا كان ذلك كذلك كانت الـمثانـي: جمع مَثْناة، وتكون آي القرآن موصوفة بذلك، لأن بعضها يَثْنِـي بعضاً وبعضها يتلو بعضاً بفصول تفصل بـينها، فـيعرف انقضاء الآية وابتداء التـي تلـيها كما وصفها به تعالـى ذكره فقال:
{ اللّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الـحَدِيثِ كِتَابـاً مُتَشابِها مَثانِـيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْن رَبَّهُمْ }
وقد يجوز أن يكون معناها كما قال ابن عبـاس والضحاك ومن قال ذلك إن القرآن إنـما قـيـل له مَثَانى لأن القصص والأخبـار كرّرت فـيه مرّة بعد أخرى. وقد ذكرنا قول الـحسن البصريّ أنها إنـما سميت مَثاني لأنها تُثْنَى فـي كلّ قراءة، وقول ابن عبـاس إنها إنـما سميت مثاني، لأن الله تعالـى ذكره استثناها لـمـحمد صلى الله عليه وسلم دون سائر الأنبـياء غيره فـادّخرها له....

اسامة محمد خيري
04-02-2017, 05:31
وقال آخرون: عُنِـيَ بذلك رهط من قوم صالـح الذين تقاسموا علـى تبـيـيت صالـح وأهله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { كمَا أنْزَلْنا علـى الـمُقْتَسِمِينَ } قال: الذين تقاسموا بصالـح. وقرأ قول الله تعالـى:
{ وكانَ فِـي الـمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِـي الأرْضِ وَلا يُصْلِـحُونَ }
قال: تقاسموا بـالله حتـى بلغ الآية.

وقال بعضهم: هم قوم اقتسموا طرق مكة أيام قدوم الـحاجّ علـيهم، كان أهلها بعثوهم فـي عقابها، وتقدموا إلـى بعضهم أن يشيع فـي الناحية التـي توجه إلـيها لـمن سأله عن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم من القادمين علـيهم، أن يقول: هو مـجنون، وإلـى آخر: إنه شاعر، وإلـى بعضهم: إنه ساحر.

والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالـى أمر نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يُعلـم قومه الذين عضَّوا القرآن ففرقوه، أنه نذير لهم من سخط الله تعالـى وعقوبته أن يَحُلّ بهم علـى كفرهم ربهم وتكذيبهم نبـيهم ما حلّ بـالـمقتسمين من قبلهم ومنهم.

وجائز أن يكون عنـي بـالـمقتسمين: أهل الكتابـين التوراة والإنـجيـل، لأنهم اقتسموا كتاب الله، فأقرّت الـيهود ببعض التوراة وكذبت ببعضها وكذبت بـالإنـجيـل والفرقان، وأقرّت النصارى ببعض الإنـجيـل وكذّبت ببعضه وبـالفرقان. وجائز أن يكون عُنِـي بذلك: الـمشركون من قريش، لأنهم اقتسموا القرآن، فسماه بعضهم شعراً وبعض كهانة وبعض أساطير الأوّلـين. وجائز أن يكون عُنِـي به الفريقان. ومـمكن أن يكون عُنِـيَ به الـمقتسمون علـى صالـح من قومه.

فإذ لـم يكن فـي التنزيـل دلالة علـى أنه عُنـي به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين، ولا فـي خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا فـي فطرة عقل، وكان ظاهر الآية مـحتـملاً ما وصفت، وجب أن يكون مقتضيّا بأن كلّ من اقتسم كتابـاً لله بتكذيب بعض وتصديق بعض، واقتسم علـى معصية الله مـمن حلّ به عاجل نقمة الله فـي الدار الدنـيا قبل نزول هذه الآية، فداخـل فـي ذلك لأنهم لأشكالهم من أهل الكفر بـالله كانوا عبرة وللـمتعظين بهم منهم عظَة....

والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أمر نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يُعْلِـم قوماً عَضَهُوا القرآن أنه لهم نذير من عقوبة تنزل بهم بِعْضِههمْ إياه مثل ما أنزل بـالـمقتسمين، وكان عَضْهُهُم إياه: قذفهموه بـالبـاطل، وقـيـلهم إنه شعر وسحر، وما أشبه ذلك.

وإنـما قلنا إن ذلك أولـى التأويلات به لدلالة ما قبله من ابتداء السورة وما بعده، وذلك قوله:
{ إنَّا كَفَـيْناكَ الـمُسْتَهْزِئِينَ }
علـى صحة ما قلنا، وإنه إنـما عُنِـيَ بقوله: { الَّذِينَ جَعَلُوا القُرآنَ عِضِينَ } مشركي قومه. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه لـم يكن فـي مشركي قومه من يؤمن ببعض القرآن ويكفر ببعض، بل إنـما كان قومه فـي أمره علـى أحد معنـيـين: إما مؤمن بجميعه، وإما كافر بجميعه. وإذ كان ذلك كذلك، فـالصحيح من القول فـي معنى قوله: { الَّذِينَ جَعَلُوا القُرآنَ عِضِينَ } قول الذين زعموا أنهم عَضَهوه، فقال بعضهم: هو سحر، وقال بعضهم: هو شعر، وقال بعضهم: هو كهانة وأما أشبه ذلك من القول، أو عَضَّوْه ففرقوه، بنـحو ذلك من القول. وإذا كان ذلك معناه احتـمل قوله { عِضِين } ، أن يكون جمع: عِضة، واحتـمل أن يكون جمع عُضْو، لأن معنى التعضية: التفريق، كما تُعَضى الـجَزُرِ والشاة، فتفرق أعضاء. والعَضْه: البَهْت ورميه بـالبـاطل من القول فهما متقاربـان فـي الـمعنى.

اسامة محمد خيري
05-02-2017, 05:02
سورة النحل

وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب، قول من قال: هو تهديد من أهل الكفر به وبرسوله، وإعلام منه لهم قرب العذاب منهم والهلاك وذلك أنه عقَّب ذلك بقوله سبحانه وتعالـى: { عَمَّا يُشْرِكُونَ } فدلّ بذلك علـى تقريعه الـمشركين ووعيده لهم. وبعد، فإنه لـم يبلغنا أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم استعجل فرائض قبل أن تُفرض علـيهم فـيقال لهم من أجل ذلك: قد جاءتكم فرائض الله فلا تستعجلوها. وأما مستعجلو العذاب من الـمشركين، فقد كانوا كثـيراً...

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله تعالـى: { عَمَّا يُشْرِكُونَ } فقرأ ذلك أهل الـمدينة وبعض البصريـين والكوفـيـين: { عَمَّا يُشْرِكُونَ } بـالـياء علـى الـخبر عن أهل الكفر بـالله وتوجيه للـخطاب بـالاستعجال إلـى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك قرأوا الثانـية بـالـياء. وقرأ ذلك عامَّة قرّاء الكوفة بـالتاء علـى توجيه الـخطاب بقوله: { فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ } إلـى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقوله تعالـى: «عَمَّا تُشْرِكُونَ» إلـى الـمشركين. والقراءة بـالتاء فـي الـحرفـين جميعاً علـى وجه الـخطاب للـمشركين أولـى بـالصواب لـما بـيَّنت من التأويـل أن ذلك إنـما هو وعيد من الله للـمشركين ابتدأ أوّل الآية بتهديدهم وختـم آخرها بنكير فعلهم واستعظام كفرهم علـى وجه الـخطاب لهم.

اسامة محمد خيري
05-02-2017, 05:14
الـمثنى حدثنـي، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبـي حماد، قال: ثنـي أبو سعيد الرازي، عن أبـي جعفر قارىء الـمدينة، أنه كان يقرأ: «لَـمْ تَكُونُوا بـالِغيهِ إلاَّ بِشَقّ الأنْفُسِ» بفتـح الشين، وكان يقول: إنـما الشقّ: شقّ النفس. وقال ابن أبـي حماد: وكان معاذ الهرّاء يقول: هي لغة، تقول العرب بشقّ وبشِقّ، وبرَق وبرِق.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا ما علـيه قرّاء الأمصار وهي كسر الشين، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه وشذوذ ما خالفه. وقد يُنشد هذا البـيت بكسر الشين وفتـحها، وذلك قول الشاعر:

وذِي إبِلِ يَسْعَى وَيحْسِبُها لَهُ أخِي نَصَبٍ مِنْ شَقِّها ودُؤُوبِ
و «من شِقِّـيها» أيضاً بـالكسر والفتـح وكذلك قول العجاج:
أصبحَ مَسْحُولٌ يُوَازِي شَقَّا
و «شِقًّا» بـالفتـح والكسر. ويعنـي بقوله: «يوازي شَقَّا»: يقاسي مشقة. وكان بعض أهل العربـية يذهب بـالفتـح إلـى الـمصدر من شققت علـيه أشقّ شقًّا، وبـالكسر إلـى الاسم. وقد يجوز أن يكون الذين قرأوا بـالكسر أرادوا إلا بنقص من القوّة وذهاب شيء منها حتـى لا يبلغه إلا بعد نقصها، فـيكون معناه عند ذلك: لـم تكونوا بـالغيه إلا بشقّ قوى أنفسكم وذهاب شقها الآخر. ويحكى عن العرب: خذ هذا الشِّقّ: لشقة الشاة بـالكسر، فأما فـي شقت علـيك شَقًّا فلـم يحك فـيه إلا النصب.

اسامة محمد خيري
05-02-2017, 05:18
ذكر بعض من كان لا يرى بأسا بأكل لـحم الفرس:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيـم، عن الأسود: أنه أكل لـحم الفرس.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن شعبة، عن الـحكم، عن إبراهيـم، عن الأسود بنـحوه.

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم قال: نـحر أصحابنا فرساً فـي النـجع وأكلوا منه، ولـم يروا به بأساً.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا ما قاله أهل القول الثانـي، وذلك أنه لو كان فـي قوله تعالـى ذكره: { لِتَرْكَبُوها } دلالة علـى أنها لا تصلـح إذ كانت للركوب للأكل لكان فـي قوله:
{ فِـيها دِفْءٌ ومنَافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ }
دلالة علـى أنها لا تصلـح إذ كانت للأكل والدفء للركوب. وفـي إجماع الـجميع علـى أن ركوب ما قال تعالـى ذكره { وَمِنْها تَأْكُلُونَ } جائز حلال غير حرام، دلـيـل واضح علـى أن أكل ما قال: { لِتَرْكَبُوها } جائز حلال غير حرام، إلا بـما نصّ علـى تـحريـمه أو وضع علـى تـحريـمه دلالة من كتاب أو وحي إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما بهذ الآية فلا يحرم أكل شيء. وقد وضع الدلالة علـى تـحريـم لـحوم الـحمُر الأهلـية بوحيه إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلـى البغال بـما قد بـيَّنا فـي كتابنا كتاب الأطعمة بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع، إذا لـم يكن هذا الـموضع من مواضع البـيان عن تـحريـم ذلك، وإنـما ذكرنا ما ذكرنا لـيدلّ علـى أنه لا وجه لقول من استدلّ بهذه الآية علـى تـحريـم لـحم الفرس.

اسامة محمد خيري
05-02-2017, 05:32
وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله تعالـى ذكره عدّد علـى عبـاده من نعمه، إنعامَهُ علـيهم بـما جعل لهم من العلامات التـي يهتدون بها فـي مسالكهم وطرقهم التـي يسيرونها، ولـم يخصص بذلك بعض العلامات دون بعض، فكلّ علامة استدلّ بها الناس علـى طرقهم وفجاج سُبلهم فداخـل فـي قوله: { وَعَلاماتٍ }. والطرق الـمسبولة: الـموطوءة، علامة للناحية الـمقصودة، والـجبـال علامات يهتدي بهنّ إلـى قصد السبـيـل، وكذلك النـجوم بـاللـيـل. غير أن الذي هو أولـى بتأويـل الآية أن تكون العلامات من أدلة النهار، إذ كان الله قد فصل منها أدلة اللـيـل بقوله: { وبـالنَّـجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ }. وإذا كان ذلك أشبه وأولـى بتأويـل الآية، فـالواجب أن يكون القول فـي ذلك ما قاله ابن عبـاس فـي الـخبر الذي رويناه عن عطية عنه، وهو أن العلامات معالـم الطرق وأماراتها التـي يهتدى بها إلـى الـمستقـيـم منها نهاراً، وأن يكون النـجم الذي يهتدى به لـيلاً هو الـجدي والفرقدان، لأن بها اهتداء السفر دون غيرها من النـجوم. فتأويـل الكلام إذن: وجعل لكم أيها الناس علامات تستدلون بها نهاراً علـى طرقكم فـي أسفـاركم. ونـجوماً تهتدون بها لـيلاً فـي سُبلكم.

اسامة محمد خيري
05-02-2017, 05:46
وقال آخرون: عنى بقوله: { فَخَرَّ عَلَـيْهِمُ السَّقْـفُ مِنْ فَوْقِهِمْ } أن العذاب أتاهم من السماء. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: { فَخَرَّ عَلَـيْهِمُ السَّقْـفُ مِنْ فَوْقِهِمْ } يقول: عذاب من السماء لَـما رأوه استسلـموا وذلوا.

وأولـى القولـين بتأويـل الآية، قول من قال: معنى ذلك: تساقطت علـيهم سقوف بـيوتهم، إذ أتـى أصولها وقواعدها أمر الله، فـائتفكت بهم منازلهم لأن ذلك هو الكلام الـمعروف من قواعد البنـيان وخرّ السقـف، وتوجيه معانـي كلام الله إلـى الأشهر الأعرف منها، أولـى من توجيهها إلـى غير ذلك ما وُجِد إلـيه سبـيـل

اسامة محمد خيري
06-02-2017, 05:04
واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الكوفـيـين: { فإنَّ اللّهَ لا يَهْدِي مَنْ يَضِلُّ } بفتـح الـياء من «يهدي»، وضمها من «يضلّ». وقد اختلف فـي معنى ذلك قارئوه كذلك، فكان بعض نـحويـي الكوفة يزعم أن معناه: فإن الله من أضله لا يهتدي، وقال: العرب تقول: قد هُدي الرجل يريدون قد اهتدى، وهُدي واهتدى بـمعنى واحد. وكان آخرون منهم يزعمون أن معناه: فإن الله لا يهدي من أضله، بـمعنى: أن من أضله الله فإن الله لا يهديه. وقرأ ذلك عامَّة قرّاء الـمدينة والشام والبصرة: «فإنَّ اللّهَ لاَ يُهْدَى» بضم الـياء من «يُهدى» ومن «يُضل» وفتـح الدال من «يُهدَى» بـمعنى: من أضله الله فلا هادي له.

وهذه القراءة أولـى القراءتـين عندي بـالصواب، لأن يَهْدي بـمعنى يهتدى قلـيـل فـي كلام العرب غير مستفـيض، وأنه لا فـائدة فـي قول قائل: من أضله الله فلا يهديه، لأن ذلك مـما لا يجهله أحد. وإذ كان ذلك كذلك، فـالقراءة بـما كان مستفـيضاً فـي كلام العرب من اللغة بـما فـيه الفـائدة العظيـمة أولـى وأحرى.

فتأويـل الكلام لو كان الأمر علـى ما وصفنا: إن تـحرص يا مـحمد علـى هداهم، فإن من أضله الله فلا هادي له، فلا تـجهد نفسك فـي أمره وبلغه ما أرسلت به لتتـمّ علـيه الـحجة.

اسامة محمد خيري
06-02-2017, 05:09
وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معنى { لَنُبَوّئَنَّهُمْ }: لنـحلنهم ولنسكننهم، لأن التبوأ فـي كلام العرب الـحلول بـالـمكان والنزول به. ومنه قول الله تعالـى:
{ وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنـي إسْرَائيـلَ مُبَوَّأَ صدْقٍ }

اسامة محمد خيري
06-02-2017, 05:17
حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: { أو لَـمْ يَرَوْا إلـى ما خَـلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَـيَّأُ ظِلالُهُ } ما خـلق من كلّ شيء عن يـمينه وشمائله، فلفظ ما لفظ عن الـيـمين والشمائل، قال: ألـم تر أنك إذا صلـيت الفجر كان ما بـين مطلع الشمس إل مغربها ظلاًّ؟ ثم بعث الله علـيه الشمس دلـيلاً، وقبض الله الظلّ.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله أخبر فـي هذه الآية أن ظلال الأشياء هي التـي تسجد، وسجودها: مَيَلانها ودورانها من جانب إلـى جانب وناحية إلـى ناحية، كما قال ابن عبـاس يقال من ذلك: سجدت النـخـلة إذا مالت، وسجد البعير وأسجد: إذا أميـل للركوب. وقد بـيَّنا معنى السجود فـي غير هذا الـموضع بـما أغنى عن إعادته....

اسامة محمد خيري
06-02-2017, 05:37
وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب القول الذي اخترناه، وذلك أن الإفراط الذي هو بـمعنى التقديـم، إنـما يقال فـيـمن قدَم مقدمَاً لإصلاح ما يقدم إلـيه إلـى وقت ورود من قدّمه علـيه، ولـيس بـمُقَدَّم من قُدِّم إلـى النار من أهلها لإصلاح شيء فـيها لوارد يرد علـيها فـيها فـيوافقه مصلـحاً، وإنـما تَقَدّم مَن قُدِّم إلـيها لعذاب يُعجَّل له. فإذا كان معنى ذلك الإفراط الذي هو تأويـل التعجيـل ففسد أن يكون له وجه فـي الصحة، صحّ الـمعنى الآخر وهو الإفراط الذي بـمعنى التـخـلـيف والترك وذلك أن يُحْكَى عن العرب: ما أفْرَطت ورائي أحداً: أي ما خَـلَّفته وما فرطته: أي لـم أخـلفه.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمِصرَينِ الكوفة والبصرة: { وأنَّهُم مُفْرَطُونَ } بتـخفـيف الراء وفتـحها، علـى معنى ما لـم يُسَمّ فـاعله من أُفرِط فهو مُفْرَط. وقد بـيَّنت اختلاف قراءة ذلك كذلك فـي التأويـل. وقرأه أبو جعفر القارىء: «وأنَّهُم مُفْرَطُونَ» بكسر الراء وتشديدها، بتأويـل: أنهم مفرِّطون فـي أداء الواجب الذي كان لله علـيهم فـي الدنـيا، من طاعته وحقوقه، مضيعو ذلك، من قول الله تعالـى:
{ يا حَسْرتَا علـى ما فَرَّطْتُ فـي جَنْبِ اللَّهِ }
وقرأ نافع بن أبـي نعيـم: «وأنَّهُم مُفْرَطُونَ» بكسر الراء وتـخفـيفها.

حدثنـي بذلك يونس، عن وَرْش عنه.

بتأويـل: أنهم مُفْرِطون فـي الذنوب والـمعاصي، مُسْرِفون علـى أنفسهم مكثرون منها، من قولهم: أفرط فلان فـي القول: إذا تـجاوز حَدَّه، وأسرف فـيه.

والذي هو أولـى القراءات فـي ذلك بـالصواب قراءة الذين ذكرنا قراءتهم من أهل العراق لـموافقتها تأويـل أهل التأويـل الذي ذكرنا قبل، وخروج القراءات الأخرى عن تأويـلهم.

اسامة محمد خيري
06-02-2017, 05:48
وعلـى هذا التأويـل، الآية غير منسوخة، بل حكمها ثابت.

وهذا التأويـل عندي هو أولـى الأقوال بتأويـل هذه الآية، وذلك أن السكر فـي كلام العرب علـى أحد أوجه أربعة: أحدها: ما أسكر من الشراب. والثانـي: ما طُعِم من الطعام، كما قال الشاعر:
جَعَلْتُ عَيْبَ الأكْرَمِينَ سَكَرَا
أي طعماً. والثالث: السُّكُون، من قول الشاعر:

جَعَلَتْ عينْ الـحَرُورِ تَسْكُرُ
وقد بيَّنا ذلك فـيـما مضى. والرابع: الـمصدر من قولهم: سَكِرَ فلان يَسْكَرُ سُكْراً وسَكْراً وسَكَراً. فإذا كان ذلك كذلك، وكان ما يُسْكِر من الشراب حراماً بـما قد دللنا علـيه فـي كتابنا الـمسمى: «لطيف القول فـي أحكام شرائع الإسلام» وكان غير جائز لنا أن نقول: هو منسوخ، إذ كان الـمنسوخ هو ما نَفَـى حكمه الناسخ وما لا يجوز اجتـماع الـحكم به وناسخه، ولـم يكن فـي حكم الله تعالـى ذكره بتـحريـم الـخمر دلـيـل علـى أن السَّكَر الذي هو غير الـخمر، وغير ما يسكر من الشراب، حرام إذ كان السكر أحد معانـيه عند العرب، ومن نزل بلسانه القرآن هو كلّ ما طعم، ولـم يكن مع ذلك، إذ لـم يكن فـي نفس التنزيـل دلـيـل علـى أنه منسوخ، أو ورد بأنه منسوخ خبر من الرسول، ولا أجمعت علـيه الأمة، فوجب القول بـما قلنا من أن معنى السَّكَرَ فـي هذا الـموضع: هو كلّ ما حلّ شربه مـما يتـخذ من ثمر النـخـل والكرم، وفسد أن يكون معناه الـخمر أو ما يسكر من الشراب، وخرج من أن يكون معناه السَّكَر نفسه، إذ كان السَّكَر لـيس مـما يتـخذ من النَّـخْـل والكَرْم، ومن أن يكون بـمعنى السكون.

اسامة محمد خيري
06-02-2017, 05:53
حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: { فِـيهِ شِفـاءٌ للنَّاسِ } العسل.

وهذا القول، أعنـي قول قتادة، أولـى بتأويـل الآية لأن قوله: { فِـيهِ } فـي سياق الـخبر عن العسل، فأن تكون الهاء من ذكر العسل، إذ كانت فـي سياق الـخبر عنه أولـى من غيره.

اسامة محمد خيري
06-02-2017, 06:01
والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالـى أخبر عبـاده معرفَهم نعمه علـيهم، فـيـما جعل لهم من الأزواج والبنـين، فقال تعالـى: { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ أزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أزْوَاجِكُمْ بَنِـينَ وَحَفَدَةً } فأعلـمهم أنه جعل لهم من أزواجهم بنـين وحَفدة، والـحفَدة فـي كلام العرب: جمع حافد، كما الكذبة: جمع كاذب، والفسَقة: جمع فـاسق. والـحافد فـي كلامهم: هو الـمتـخفِّف فـي الـخدمة والعمل، والـحَفْد: خفة العمل يقال: مرّ البعير يحَفِدُ حفَدَاناً: إذا مرّ يُسرع فـي سيره. ومنه قولهم: «إلـيك نسعى ونَـحْفِدُ»: أي نسرع إلـى العمل بطاعتك.

يقال منه: حَفَدَ له يَحْفِدُ حَفْداً وحُفُوداً وحَفَدَاناً ومنه قول الراعي:

كَلَّفْتُ مَـجْهُوَلَها نُوقاً يَـمَانـيَةً إذا الـحُدَاةُ علـى أكْسائها حَفَدُوا
وإذ كان معنى الـحفدة ما ذكرنا من أنهم الـمسرعون فـي خدمة الرجل الـمتـخففون فـيها، وكان الله تعالـى ذكره أخبرنا أن مـما أنعم به علـينا أن جعل لنا حفدة تـحفد لنا، وكان أولادنا وأزواجنا الذين يصلـحون للـخدمة منا ومن غيرنا وأختاننا الذين هم أزواج بناتنا من أزواجنا وخدمنا من مـمالـيكنا إذا كانوا يحفدوننا فـيستـحقون اسم حفدة، ولـم يكن الله تعالـى دلّ بظاهر تنزيـله ولا علـى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ولا بحجة عقل، علـى أنه عنى بذلك نوعاً من الـحفدة دون نوع منهم، وكان قد أنعم بكلّ ذلك علـينا، لـم يكن لنا أن نوجه ذلك إلـى خاصّ من الـحفدة دون عام، إلا ما اجتـمعت الأمة علـيه أنه غير داخـل فـيهم. وإذا كان ذلك كذلك فلكلّ الأقوال التـي ذكرنا عمن ذكرنا وجه فـي الصحة ومَخْرج فـي التأويـل وإن كان أولـى بـالصواب من القول ما اخترنا لـما بـيَّنا من الدلـيـل.

اسامة محمد خيري
07-02-2017, 05:06
وقال آخرون: بل كلا الـمثلـين للـمؤمن والكافر. وذلك قول يُروَى عن ابن عبـاس، وقد ذكرنا الرواية عنه فـي الـمثل الأوّل فـي موضعه.

وأما فـي الـمثل الآخر:

فحدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: { وَضَرَب اللَّهُ مْثَلاً رَجُلَـيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلـى شَيْءٍ وَهُوَ كَلّ عَلـى مَوْلاهُ }... إلـى آخر الآية، يعنـي بـالأبكم: الذي هو كَلٌّ علـى مولاه الكافر، وبقوله: { وَمَنْ يَأْمُرُ بـالعَدْلِ } الـمؤمن، وهذا الـمثل فـي الأعمال.

حدثنا الـحسن بن الصبـاح البزار، قال: ثنا يحيى بن إسحاق السيـلـحينـي، قال: ثنا حماد، عن عبد الله بن عثمان بن خثـيـم، عن إبراهيـم، عن عكرمة، عن يَعْلـىَ بن أمية، عن ابن عبـاس، فـي قوله: { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَـمْلُوكاً } قال: نزلت فـي رجل من قريش وعبده. وفـي قوله: { مَثَلاً رَجُلَـيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ علـى شَيْءٍ }... إلـى قوله: { وَهُوَ عَلـى صِرَاطٍ مُسْتَقِـيـمٍ } قال: هو عثمان بن عفـان. قال: والأبكم الذي أينـما يُوَجَّهُ لا يأت بخير، ذاك مولـى عثمان بن عفَّـان، كان عثمان ينفق علـيه ويكفله ويكفـيه الـمئونة، وكان الآخر يكره الإسلام ويأبـاه وينهاه عن الصدقة والـمعروف، فنزلت فـيهما.

وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـي الـمثل الأوّل لأنه تعالـى ذكره مثَّل مثَل الكافر بـالعبد الذي وصف صفته، ومَثَّل مثل الـمؤمن بـالذي رزقه رزقاً حسناً فهو ينفق مـما رزقه سرّاً وجهراً، فلـم يجز أن يكون ذلك لله مثلاً، إذ كان الله إنـما مثَّل الكافر الذي لا يقدر علـى شيء بأنه لـم يرزقه رزقاً ينفق منه سرّاً ومثَّل الـمؤمن الذي وفَّقه الله لطاعته فهداه لرشده فهو يعمل بـما يرضاه الله، كالـحرّ الذي بسط له فـي الرزق فهو ينفق منه سرّاً وجهراً، والله تعالـى ذكره هو الرازق غير الـمرزوق، فغير جائز أن يـمثل إفضاله وجوده بإنفـاق الـمرزوق الرزق الـحسن. وأما الـمثل الثانـي، فإنه تـمثـيـل منه تعالـى ذكره مَنْ مثله الأبكم الذي لا يقدر علـى شيء والكفـار لا شكّ أن منهم من له الأموال الكثـيرة، ومن يضرّ أحياناً الضرّ العظيـم بفساده، فغير كائن ما لا يقدر علـى شيء، كما قال تعالـى ذكره مثلاً، لـمن يقدر علـى أشياء كثـيرة. فإذا كان ذلك كذلك كان أولـى الـمعانـي به تـمثـيـل ما لا يقدر علـى شيء كما قال تعالـى ذكره بـمثله ما لا يقدر علـى شيء، وذلك الوثن الذي لا يقدر علـى شيء، بـالأبكم الكَلّ علـى مولاه الذي لا يقدر علـى شيء كما قال ووصف.

اسامة محمد خيري
07-02-2017, 05:16
وقوله: { كذلكَ يُتِـمُّ نِعْمَتَهُ عَلَـيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِـمُونَ } يقول تعالـى ذكره: كما أعطاكم ربكم هذه الأشياء التـي وصفها فـي هذه الآيات نعمة منه بذلك علـيكم، فكذا يتُـمّ نعمته علـيكم لعلكم تسلـمون. يقول: لتـخضعوا لله بـالطاعة، وتذلّ منكم بتوحيده النفوس، وتـخـلصوا له العبـادة. وقد رُوِي عن ابن عبـاس أنه كان يقرأ: «لَعَلَّكُمْ تَسْلَـمُونَ» بفتـح التاء.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبـي حماد، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن حنظلة، عن شهر بن حَوْشب، قال: كان ابن عبـاس يقول: «لَعَلَّكُمْ تَسْلَـمُونَ» قال: يعنـي من الـجراح.

حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا عبـاد بن العوّام، عن حنظلة السَّدوسيّ، عن شهر بن حَوْشب، عن ابن عبـاس، أنه قرأها: «لَعَلَّكُمْ تَسْلَـمُونَ» من الـجرَاحات، قال أحمد بن يوسف: قال أبو عبـيدة: يعنـي بفتـح التاء واللام.

فتأويـل الكلام علـى قراءة ابن عبـاس هذه: كذلك يتـمّ نعمته علـيكم بـما جعل لكم من السرابـيـل التـي تقـيكم بأسكم، لتسلـموا من السلاح فـي حروبكم. والقراءة التـي أستـجيز القراءة بخلافها بضم التاء من قوله: { لَعَلَّكُمْ تُسْلِـمُونَ } وكسر اللام من أسلـمت تُسْلِـم يا هذا، لإجماع الـحجة من قرّاء الأمصار علـيها....

فإن قال لنا قائل: وكيف جعل لكم سرابـيـل تقـيكم الـحرّ، فخصّ بـالذكر الـحرّ دون البرد، وهي تقـي الـحرّ والبرد؟ أم كيف قـيـل: { وجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الـجِبـالِ أكْناناً } وترك ذكر ما جعل لهم من السهل؟ قـيـل له: قد اختُلف فـي السبب الذي من أجله جاء التنزيـل كذلك، وسنذكر ما قـيـل فـي ذلك ثم ندلّ علـى أولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب.

فرُوِي عن عطاء الـخراسانـي فـي ذلك ما:

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا مـحمد بن كثـير، عن عثمان بن عطاء، عن أبـيه، قال: إنـما نزل القرآن علـى قدر معرفتهم، ألا ترى إلـى قول الله تعالـى ذكره: { وَالله جَعَلَ لَكُمْ مِـمَّا خَـلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الـجِبـالِ أكْناناً } وما جعل لهم من السهول أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب جبـال، ألا ترى إلـى قوله: { وَمِنْ أصْوَافِها وأوْبـارِها وأشْعارِها أثاثاً وَمَتاعاً إلـى حِينٍ }؟ وما جعل لهم من غير ذلك أعظم منه وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب وَبَر وشَعَر ألا ترى إلـى قوله: { ويُنَزّلُ مِنَ السَّماءِ منْ جِبَـالٍ فِـيها مِنْ بَرَدٍ } يعجَّبهم من ذلك؟ وما أنزل من الثلـج أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفون به، ألا ترى إلـى قوله: { سَرَابِـيـلَ تَقِـيكُمُ الـحَرَّ } وما تقـي من البرد أكثر وأعظم؟ ولكنهم كانوا أصحاب حرّ.

فـالسبب الذي من أجله خصّ الله تعالـى ذكرهُ السرابـيـل بأنها تقـي الـحرّ دون البرد علـى هذا القول، هو أن الـمخاطبـين بذلك كانوا أصحاب حرّ، فذكر الله تعالـى ذكره نعمته علـيهم بـما يقـيهم مكروه ما به عرفوا مكروهه دون ما لـم يعرفوا مبلغ مكروهه، وكذلك ذلك فـي سائر الأحرف الأُخَر.

وقال آخرون: ذكر ذلك خاصة اكتفـاء بذكر أحدهما من ذكر الآخر، إذ كان معلوماً عند الـمخاطبـين به معناه، وأن السرابـيـل التـي تقـي الـحرّ تقـي أيضاً البرد وقالوا: ذلك موجود فـي كلام العرب مستعمل، واستشهدوا لقولهم بقول الشاعر:

وَما أدْرِي إذا يَـمَّـمْتُ وَجْهاً أُريدُ الـخَيْرَ أيُّهُما يَـلِـيِنـي
فقال: أيهما يـلـينـي: يريد الـخير أو الشرّ، وإنـما ذكر الـخير لأنه إذا أراد الـخير فهو يتقـي الشرّ.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: إن القوم خوطبوا علـى قدر معرفتهم، وإن كان فـي ذكر بعض ذلك دلالة علـى ما ترك ذكره لـمن عرف الـمذكور والـمتروك وذلك أن الله تعالـى ذكره إنـما عدّد نعمه التـي أنعمها علـى الذين قُصدوا بـالذكر فـي هذه السورة دون غيرهم، فذكر أياديه عندهم.

اسامة محمد خيري
07-02-2017, 05:19
وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب وأشبهها بتأويـل الآية، قول من قال: عُنـي بـالنعمة التـي ذكرها الله فـي قوله { يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللّهِ } النعمة علـيهم بإرسال مـحمد صلى الله عليه وسلم إلـيهم داعياً إلـى ما بعثه بدعائهم إلـيه.

وذلك أن هذه الآية بـين آيتـين كلتاهما خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعما بعث به، فأولـى ما بـينهما أن يكون فـي معنى ما قبله وما بعده، إذ لـم يكن معنى يدلّ علـى انصرافه عما قبله وعما بعده فـالذي قبل هذه الآية قوله: { فإنْ تَوَلَّوْا فإنَّـمَا عَلَـيْكَ البَلاغُ الـمُبِـينُ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها } وما بعده:
{ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلّ أُمَّةٍ شَهِيداً }
وهو رسولها. فإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الآية: يعرف هؤلاء الـمشركون بـالله نعمة الله علـيهم يا مـحمد بك، ثم ينكرونك ويجحدون نبوّتك. { وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ } يقول: وأكثر قومك الـجاحدون نبوّتك، لا الـمقرّون بها

اسامة محمد خيري
07-02-2017, 05:30
حدثنـي ابن البرَقـيّ، قال: ثنا ابن أبـي مَريـم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، قال: سألت يحيى بن سعيد، عن قول الله: { وَلا تَنْقُضُوا الأيـمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها } قال: العهود.

والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله تعالـى أمر فـي هذه الآية عبـاده بـالوفـاء بعهوده التـي يجعلونها علـى أنفسهم، ونهاهم عن نقض الأيـمان بعد توكيدها علـى أنفسهم لآخرين بعقود تكون بـينهم بحقّ مـما لا يكرهه الله. وجائز أن تكون نزلت فـي الذين بـايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهيهم عن نقض بـيعتهم حذراً من قلة عدد الـمسلـمين وكثرة عدد الـمشركين، وأن تكون نزلت فـي الذين أرادوا الانتقال بحلفهم عن حلفـائهم لقلة عددهم فـي آخرين لكثرة عددهم، وجائز أن تكون فـي غير ذلك. ولا خبر تَثْبُت به الـحجة أنها نزلت فـي شيء من ذلك دون شيء، ولا دلالة فـي كتاب ولا حجة عقل أيّ ذلك عُنِـيَ بها، ولا قول فـي ذلك أولـى بـالـحقّ مـما قلنا لدلالة ظاهره علـيه، وأن الآية كانت قد نزلت لسبب من الأسبـاب، ويكون الـحكم بها عامًّا فـي كلّ ما كان بـمعنى السبب الذي نزلت فـيه....

وقوله: { وَتَذُوقُوا السُّوءَ } يقول: وتذوقوا أنتـم السوء وذلك السوء هو عذاب الله الذي يعذّب به أهل معاصيه فـي الدنـيا، وذلك بعض ما عذّب به أهل الكفر. { بِـمَا صَدَدْتُـمْ عَنْ سَبِـيـلِ اللَّهِ } يقول: بـما فَتنتـم من أراد الإيـمان بـالله ورسوله عن الإيـمان. { وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيـمٌ } فـي الآخرة، وذلك نار جهنـم. وهذه الآية تدلّ علـى أن تأويـل برَيُدة الذي ذكرنا عنه فـي قوله:
{ وأوْفُوا بعَهْدِ اللَّهِ إذَا عاهَدْتُـمْ }
والآيات التـي بعدها، أنه عُنِـي بذلك: الذين بـايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى الإسلام، عن مفـارقة الإسلام لقلة أهله، وكثرة أهل الشرك هو الصواب، دون الذي قال مـجاهد أنهم عنوا به، لأنه لـيس فـي انتقال قوم تـحالفوا عن حلفـائهم إلـى آخرين غيرهم صدّ عن سبـيـل الله ولا ضلال عن الهدى، وقد وصف تعالـى ذكره فـي هذه الآية فـاعِلِـي ذلك أنهم بـاتـخاذهم الأيـمان دخلا بـينهم ونقضهم الأيـمان بعد توكيدها، صادّون عن سبـيـل الله، وأنهم أهل ضلال فـي التـي قبلها، وهذه صفة أهل الكفر بـالله لا صفة أهل النُّقْلة بـالـحلف عن قوم إلـى قوم.

اسامة محمد خيري
07-02-2017, 05:41
حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، فـي قوله: { مَنْ عَمِلَ صَالِـحاً مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ } قال: الإيـمان: الإخلاص لله وحده، فبـين أنه لا يقبل عملاً إلا بـالإخلاص له.

وأولـى الأقوال بـالصواب قول من قال: تأويـل ذلك: فلنـحيـينه حياة طيبة بـالقناعة وذلك أن من قنعه الله بـما قسم له من رزق لـم يكثر للدنـيا تعبه ولـم يعظم فـيها نَصَبه ولـم يتكدّر فـيها عيشه بـاتبـاعه بغية ما فـاته منها وحرصه علـى ما لعله لا يدركه فـيها.

وإنـما قلت ذلك أولـى التأويلات فـي ذلك بـالآية لأن الله تعالـى ذكره أوعد قوماً قبلها علـى معصيتهم إياه إن عصوه أذاقهم السوء فـي الدنـيا والعذاب فـي الآخرة، فقال تعالـى:
{ وَلا تَتَّـخِذُوا أيـمَانَكُمْ دَخَلاً بَـيْنَكُمْ فَتزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِـمَا صَدَدَتُـمْ عَنْ سَبِـيـلِ اللَّهِ }
فهذا لهم فـي الدنـيا، ولهم فـي الآخرة عذاب عظيـم، فهذا لهم فـي الآخرة. ثم أتبع ذلك ما لـمَن أوفـى بعهد الله وأطاعه فقال تعالـى: ما عندكم فـي الدنـيا ينفد، وما عند الله بـاق، فـالذي هذه السيئة بحكمته أن يعقب ذلك الوعد لأهل طاعته بـالإحسان فـي الدنـيا، والغفران فـي الآخرة، وكذلك فَعَلَ تعالـى ذكره.

وأما القول الذي رُوِي عن ابن عبـاس أنه الرزق الـحلال، فهو مـحَتـمَل أن يكون معناه الذي قلنا فـي ذلك، من أنه تعالـى يقنعه فـي الدنـيا بـالذي يرزقه من الـحلال وإن قلّ فلا تدعوه نفسه إلـى الكثـير منه من غير حله، لا أنه يرزقه الكثـير من الـحلال، وذلك أن أكثر العاملـين لله تعالـى بـما يرضاه من الأعمال لـم نرهم رُزِقوا الرزق الكثـير من الـحلال فـي الدنـيا، ووجدنا ضيق العيش علـيهم أغلب من السعة.

اسامة محمد خيري
07-02-2017, 05:45
وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: معناه: إنه لـيس له سلطان علـى الذين آمنوا فـاستعاذوا بـالله منه، بـما ندب الله تعالـى ذكره من الاستعاذة { وَعَلـى رَبهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } علـى ما عرض لهم من خطراته ووساوسه.

وإنـما قلنا ذلك أولـى التأويلات بـالآية لأن الله تعالـى ذكره أتبع هذا القول: { فإذَا قَرأتَ القُرآنَ فـاسْتَعِذْ بـاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيـمِ } وقال فـي موضع آخر:
{ وَإمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فـاسْتَعِذْ بـاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِـيـمٌ }
فكان بـينا بذلك أنه إنـما ندب عبـاده إلـى الاستعاذة منه فـي هذه الأحوال لـيُعيذهم من سلطانه...

وأما قوله: { وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ } فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي تأويـله، فقال بعضهم فـيه بـما قلنا إن معناه: والذين هم بـالله مشركون. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: { وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ } قال: يعدلون بربّ العالـمين.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: { وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ } قال: يعدلون بـالله.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول: فـي قوله: { وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ } عدلوا إبلـيس بربهم، فإنهم بـالله مشركون.

وقال آخرون: معنى ذلك: والذين هم به مشركون، أشركوا الشيطان فـي أعمالهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: { وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ } أشركوه فـي أعمالهم.

والقول الأوّل، أعنـي قول مـجاهد، أولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب وذلك أن الذين يتولون الشيطان إنـما يشركونه بـالله فـي عبـادتهم وذبـائحهم ومطاعمهم ومشاربهم، لا أنهم يشركون بـالشيطان. ولو كان معنى الكلام ما قاله الربـيع، لكان التنزيـل: الذين هم مشركوه، ولـم يكن فـي الكلام «به»، فكان يكون لو كان التنزيـل كذلك: والذين هم مشركوه فـي أعمالهم، إلا أن يوجه موجه معنى الكلام إلـى أن القوم كانوا يدينون بألوهة الشيطان ويشركون الله به فـي عبـادتهم إياه، فـيصحّ حينئذ معنى الكلام، ويخرج عما جاء التنزيـل به فـي سائر القرآن وذلك أن الله تعالـى وصف الـمشركين فـي سائر سور القرآن أنهم أشركوا بـالله ما لـم ينزل به علـيهم سلطاناً، وقال فـي كل موضع تقدّم إلـيهم بـالزجر عن ذلك: لا تشركوا بـالله شيئاً، ولـم نـجد فـي شيء من التنزيـل: لا تشركوا الله بشيء، ولا فـي شيء من القرآن خبراً من الله عنهم أنهم أشركوا الله بشيء فـيجوز لنا توجيه معنى قوله: { وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ } إلـى والذين هم بـالشيطان مشركو الله.

فبـين إذا إذ كان ذلك كذلك أن الهاء فـي قوله: { وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ } عائدة علـى «الربّ» فـي قوله: { وَعَلـى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }.

اسامة محمد خيري
08-02-2017, 05:15
اختلف أهل العربـية فـي العامل فـي «مَن» من قوله: { مَنْ كَفَرَ بـاللَّهِ } ومن قوله: { وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بـالكُفْرِ صَدْراً } ، فقال بعض نـحويـي البصرة: صار قوله: { فَعَلَـيْهِمْ } خبراً لقوله: { وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بـالكُفْرِ صَدْراً } ، وقوله: { مَنْ كَفَرَ بـاللَّهِ مِنْ بَعْدَ إيـمانِهِ } فأخبر لهم بخبر واحد، وكان ذلك يدلّ علـى الـمعنى. وقال بعض نـحويـي الكوفة: إنـما هذان جزءان اجتـمعا، أحدهما منعقد بـالآخر، فجوابهما واحد كقول القائل: من يأتنا فمن يحسن نكرمه، بـمعنى: من يحسن مـمن يأتنا نكرمه. قال: وكذلك كلّ جزاءين اجتـمعا الثانـي منعقد بـالأوّل، فـالـجواب لهما واحد. وقال آخر من أهل البصرة: بل قوله: { مَنْ كَفَرَ بـاللَّهِ } مرفوع بـالردّ علـى «الذين» فـي قوله: { إنَّـمَا يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بآياتِ اللَّهِ } ومعنى الكلام عنده: إنـما يفتري الكذب من كفر بـالله من بعد إيـمانه، إلا من أكره من هؤلاء وقلبه مطمئنّ بـالإيـمان. وهذا قول لا وجه له وذلك أن معنى الكلام لو كان كما قال قائل هذا القول، لكان الله تعالـى ذكره قد أخرج مـمن افترى الكذب فـي هذه الآية الذين وُلدوا علـى الكفر وأقاموا علـيه ولـم يؤمنوا قطّ، وخصّ به الذين قد كانوا آمنوا فـي حال، ثم راجعوا الكفر بعد الإيـمان والتنزيـل يدلّ علـى أنه لـم يخصص بذلك هؤلاء دون سائر الـمشركين الذين كانوا علـى الشرك مقـيـمين، وذلك أنه تعالـى أخبر خبر قوم منهم أضافوا إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم افتراء الكذب، فقال:
{ وَإذَا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أعْلَـمُ بِـمَا يُنَزّلُ قَالُوا إنـمَا أنْتَ مُفْترٍ، بَلْ أكْثرُهُمْ لاَ يَعْلَـمُونَ }
وكذّب جميع الـمشركين بـافترائهم علـى الله وأخبر أنهم أحقّ بهذه الصفة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
{ إنـما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ }
ولو كان الذين عنوا بهذه الآية هم الذين كفروا بـالله من بعد إيـمانهم، وجب أن يكون القائلون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنـما أنت مفتر حين بدّل الله آية مكان آية، كانوا هم الذين كفروا بـالله بعد الإيـمان خاصة دون غيرهم من سائر الـمشركين لأن هذه فـي سياق الـخبر عنهم، وذلك قول إن قاله قائلٌ فبـين فساده مع خروجه عن تأويـل جميع أهل العلـم بـالتأويـل.

والصواب من القول فـي ذلك عندي أن الرافع لـ «من» الأولـى والثانـية، قوله: { فَعَلَـيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ } والعرب تفعل ذلك فـي حروف الـجزاء إذا استأنفت أحدهما علـى آخر.

اسامة محمد خيري
08-02-2017, 05:32
وكان بعضهم يقول: إنـما عنـي بقوله: { فَكُلُوا مِـمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّبـاً } طعاماً كان بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى الـمشركين من قومه فـي سِنِـي الـجدب والقحط رقة علـيهم، فقال الله تعالـى للـمشركـين: فكلوا مـما رزقكم الله من هذا الذي بعث به إلـيكم حلالاً طيبـاً. وذلك تأويـل بعيد مـما يدلّ علـيه ظاهر التنزيـل، وذلك أن الله تعالـى قد أتبع ذلك بقوله:
{ إنَّـمَا حَرَّمَ عَلَـيْكُمُ الـمَيْتَةَ والدَّمَ... }
الآية والتـي بعدها، فبـين بذلك أن قوله: { فَكُلُوا مِـمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّبـاً } إعلام من الله عبـاده أن ما كان الـمشركون يحرّمونه من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك مـما قد بـيَّنا قبل فـيـما مضى لا معنى له، إذ كان ذلك من خطوات الشيطان، فإن كلّ ذلك حلال لـم يحرّم الله منه شيئاً.

اسامة محمد خيري
08-02-2017, 05:37
اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الـحجاز والعراق { وَلا تَقُولُوا لِـمَا تَصِفُ ألْسِنتُكُمُ الكَذِبَ } فتكون تصف الكذب، بـمعنى: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب، فتكون «ما» بـمعنى الـمصدر. وذُكر عن الـحسن البصري أنه قرأ: «وَلا تَقُولُوا لِـمَا تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبِ» هذا بخفض الكذب، بـمعنى: ولا تقولوا للكذب الذي تصفه ألسنتكم، { هَذَا حَلاَلٌ وهذَا حَرَامٌ } فـيجعل الكذب ترجمة عن «ما» التـي فـي «لِـمَا»، فتـخفضه بـما تـخفض به «ما». وقد حُكي عن بعضهم: «لِـمَا تَصِفُ ألْسِنَتُكمُ الكُذُبُ» يرفع «الكُذُب»، فـيجعل الكُذُب من صفة الألسنة، ويخرج علـى فُعُل علـى أنه جمع كُذُوب وكُذُب، مثل شُكُور وشُكُر.

والصواب عندي من القراءة فـي ذلك نصب «الكَذِب» لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه. فتأويـل الكلام إذ كان ذلك كذلك لـما ذكرنا: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذبَ فـيـما رزق الله عبـاده من الـمطاعم: هذا حلال، وهذا حرام، كي تفتروا علـى الله بقـيـلكم ذلك الكذبَ، فإن الله لـم يحرم من ذلك ما تـحرِّمون، ولا أحلّ كثـيراً مـما تُـحِلُّون.

اسامة محمد خيري
08-02-2017, 05:48
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ } لا تعتدوا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره، أمر من عوقب من المؤمنين بعقوبة أن يعاقب من عاقبه بمثل الذي عوقب به، إن اختار عقوبته، وأعلمه أن الصبر على ترك عقوبته، على ما كان منه إليه خير وعزم على نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصبر، وذلك أن ذلك هو ظاهر التنزيل، والتأويلات التي ذكرناها عمن ذكروها عنه، محتملتها الآية كلها، فإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن في الآية دلالة على أي ذلك عني بها من خبر ولا عقل كان الواجب علينا الحكم بها إلى ناطق لا دلالة عليه؛ وأن يقال: هي آية محكمة أمر الله تعالى ذكره عباده أن لا يتجاوزوا فيما وجب لهم قِبَل غيرهم من حق من مال أو نفس، الحقّ الذي جعله الله لهم إلى غيره، وأنها غير منسوخة، إذ كان لا دلالة على نسخها، وأن للقول بأنها محكمة وجهاً صحيحاً مفهوماً.

...

واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء العراق { وَلا تَكُ في ضَيْقٍ } بفتح الضَّاد في الضيق على المعنى الذي وصفت من تأويله. وقرأه بعض قرّاء أهل المدينة { وَلا تَكُ في ضَيْقٍ } بكسر الضاد.

وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا قراءة من قرأه في ضَيْقٍ، بفتح الضاد، لأن الله تعالى إنما نهى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يَضيق صدره مما يلقى من أذى المشركين على تبليغه إياهم وحى الله وتنزيله، فقال له
{ فَلاَ يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ }
وقال
{ فَلَعَلَّك تَارِكٌ بَعْضَ ما يُوحَى إلَيْكَ وضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ، أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ، أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إنَّمَا أنْتَ نّذِيرٌ }
، وإذ كان ذلك هو الذي نهاه تعالى ذكره، ففتح الضاد هو الكلام المعروف من كلام العرب في ذلك المعنى، تقول العرب في ذلك المعنى، تقول العرب في صدري من هذا الأمر ضيق، وإنما تكسر الضاد في الشيء المعاش، وضيق المسكن، ونحو ذلك؛ فإن وقع الضَّيق بفتح الضاد في موضع الضِّيق بالكسر، كان على الذي يتسع أحياناً، ويضيق من قلة أحد وجهين، إما على جمع الضيقة،

اسامة محمد خيري
08-02-2017, 06:05
سورة الاسراء

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، أن يقال: إن الله عزّ وجلّ أخبر أنه أسرى بعبده من الـمسجد الـحرام، والـمسجد الـحرام هو الذي يتعارفه الناس بـينهم إذا ذكروه، وقوله: { إلـى الـمَسْجِدِ الأقْصَى } يعنـي: مسجد بـيت الـمقدس، وقـيـل له: الأقصى، لأنه أبعد الـمساجد التـي تزار، ويُبتَغى فـي زيارته الفضل بعد الـمسجد الـحرام....

والصواب من القول فـي ذلك عندنا أن يقال: إن الله أسرى بعبده مـحمد صلى الله عليه وسلم من الـمسجد الـحرام إلـى الـمسجد الأقصى، كما أخبر الله عبـاده، وكما تظاهرت به الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الله حمله علـى البراق حين أتاه به، وصلـى هنالك بـمن صلـى من الأنبـياء والرسل، فأراه ما أراه من الآيات ولا معنى لقول من قال: أسرى بروحه دون جسده، لأن ذلك لو كان كذلك لـم يكن فـي ذلك ما يوجب أن يكون ذلك دلـيلاً علـى نبوّته، ولا حجة له علـى رسالته، ولا كان الذين أنكروا حقـيقة ذلك من أهل الشرك، كانوا يدفعون به عن صدقه فـيه، إذ لـم يكن منكرا عندهم، ولا عند أحد من ذوي الفطرة الصحيحة من بنـي آدم أن يرى الرائي منهم فـي الـمنام ما علـى مسيرة سنة، فكيف ما هو علـى مسيرة شهر أو أقلّ؟ وبعد، فإن الله إنـما أخبر فـي كتابه أنه أسرى بعبده، ولـم يخبرنا أنه أسرى بروح عبده، ولـيس جائزا لأحد أن يتعدّى ما قال الله إلـى غيره. فإن ظنّ ظانّ أن ذلك جائز، إذ كانت العرب تفعل ذلك فـي كلامها، كما قال قائلهم:
حَسِبْتُ بُغامَ رَاحِلَتِـي عَناقاً وَما هِيَ وَيْبَ غيرِكِ بـالْعَناقِ
يعنـي: حسبت بغام راحلتـي صوت عناق، فحذف الصوت واكتفـى منه بـالعناق، فإن العرب تفعل ذلك فـيـما كان مفهوما مراد الـمتكلـم منهم به من الكلام. فأما فـيـما لا دلالة علـيه إلا بظهوره، ولا يوصل إلـى معرفة مراد الـمتكلِّـم إلا ببـيانه، فإنها لا تـحذف ذلك ولا دلالة تدلّ علـى أن مراد الله من قوله: { أسْرَى بِعَبْدِهِ } أسرى بروح عبده، بل الأدلة الواضحة، والأخبـار الـمتتابعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله أسرى به علـى دابة يُقال لها البراق ولو كان الإسراء بروحه لـم تكن الروح مـحمولة علـى البراق، إذ كانت الدوابّ لا تـحمل إلا الأجسام. إلا أن يقول قائل: إن معنى قولنا: أسرى بروحه: رأى فـي الـمنام أنه أسرى بجسده علـى البراق، فـيكذب حينئذٍ بـمعنى الأخبـار التـي رُويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن جبرئيـل حمله علـى البراق، لأن ذلك إذا كان مناماً علـى قول قائل هذا القول، ولـم تكن الروح عنده مـما تركب الدوابّ، ولـم يحمل علـى البراق جسم النبـيّ صلى الله عليه وسلم، لـم يكن النبـيّ صلى الله عليه وسلم علـى قوله حُمل علـى البراق لا جسمه، ولا شيء منه، وصار الأمر عنده كبعض أحلام النائمين، وذلك دفع لظاهر التنزيـل، وما تتابعت به الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءت به الآثار عن الأئمة من الصحابة والتابعين.

اسامة محمد خيري
08-02-2017, 06:18
وقد بـيَّنا فـيـما مضى قبل أن معنى القضاء: الفراغ من الشيء، ثم يستعمل فـي كلّ مفروغ منه، فتأويـل الكلام فـي هذا الـموضع: وفرغ ربك إلـى بنـي إسرائيـل فـيـما أنزل من كتابه علـى موسى صلوات الله وسلامه علـيه بإعلامه إياهم، وإخبـاره لهم { لَتُفْسِدُنَّ فِـي الأرْضِ مَرَّتَـيْنِ } يقول: لتعصنّ الله يا معشر بنـي إسرائيـل ولتـخالفنّ أمره فـي بلاده مرّتـين { وَلَتَعْلُنَّ عَلُوًّا كَبِـيراً } يقول: ولتستكبرنّ علـى الله بـاجترائكم علـيه استكبـاراً شديداً. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قول الله: { وَقَضَيْنا إلـى بَنِـي إسْرَائيِـلَ } قال: أعلـمناهم.

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله: { وَقَضَيْنا إلـى بَنِـي إسْرَائِيـلَ } يقُول: أعلـمناهم.

وقال آخرون: معنى ذلك: وقضينا علـى بنـي إسرائيـل فـي أمّ الكتاب، وسابق علـمه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، { وَقَضَيْنا إلـى بَنِـي إسْرَائِيـلَ } قال: هو قضاء قضى علـيهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سيعد، عن قتادة، قوله: { وَقَضَيْنا إلـى بَنِـي إسْرَائِيـلَ } قضاء قضاه علـى القوم كما تسمعون.

وقال آخرون: معنى ذلك: أخبرنا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: { وَقَضَيْنا إلـى بَنِـي إسْرَائِيـلَ فِـي الكِتابِ } قال: أخبرنا بنـي إسرائيـل.

وكلّ هذه الأقوال تعود معانـيها إلـى ما قلت فـي معنى قوله: { وَقَضَيْنا } وإن كان الذي اخترنا من التأويـل فـيه أشبه بـالصواب لإجماع القرّاء علـى قراءة قوله { لَتُفْسِدُنَّ } بـالتاء دون الـياء، ولو كان معنى الكلام: وقضينا علـيهم فـي الكتاب، لكانت القراءة بـالـياء أولـى منها بـالتاء، ولكن معناه لـما كان أعلـمناهم وأخبرناهم، وقلنا لهم، كانت التاء أشبه وأولـى للـمخاطبة...

اسامة محمد خيري
08-02-2017, 06:26
وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله { لِـيْسُوءُوا وُجُوهَكُمْ } فقرأ ذلك عامَّة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة { لِـيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ } بـمعنى: لـيسوء العبـاد أولو البأس الشديد الذين يبعثهم الله علـيكم وجوهكم، واستشهد قارئوا ذلك لصحة قراءتهم كذلك بقوله { وَلِـيَدْخُـلُوا الـمَسْجِدَ } وقالوا: ذلك خبر عن الـجميع فكذلك الواجب أن يكون قوله { لِـيَسُوءُوا }. وقرأ ذلك عامَّة قرّاء الكوفة: «لِـيَسُوءَ وُجُوهَكُمْ» علـى التوحيد وبـالـياء. وقد يحتـمل ذلك وجهين من التأويـل أحدهما ما قد ذكرت، والآخر منهما: لـيسوء الله وجوهكم. فمن وجَّه تأويـل ذلك إلـى لـيسوء مـجيء الوعد وجوهَكم، جعل جواب قوله «فإذا» مـحذوفـاً، وقد استغنـي بـما ظهر عنه، وذلك الـمـحذوف «جاء»، فـيكون الكلام تأويـله: فإذا جاء وعد الآخرة لـيسوء وجوهكم جاء. ومن وجَّهَ تأويـله إلـى: لـيسوء الله وجوهكم، كان أيضا فـي الكلام مـحذوف، قد استغنـي هنا عنه بـما قد ظهر منه، غير أن ذلك الـمـحذوف سوى «جاء»، فـيكون معنى الكلام حينئذٍ: فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم لـيسوء الله وجوهكم، فـيكون الـمضمر بعثناهم، وذلك جواب «إذا» حينئذٍ. وقرأ ذلك بعض أهل العربـية من الكوفـيـين: «لِنَسُوءَ وُجُوهَكُمْ» علـى وجه الـخبر من الله تبـارك وتعالـى اسمه عن نفسه....

اسامة محمد خيري
09-02-2017, 05:05
والصواب من القول فـي ذلك عندي أي يقال: معنى ذلك: { وَجَعَلْنا جَهَنَـمٍ للْكافرِينَ حَصِيراً } فراشاً ومهاداً لا يزايـله من الـحصير الذي بـمعنى البساط، لأن ذلك إذا كان كذلك كان جامعاً معنى الـحبس والامتهاد، مع أن الـحصير بـمعنى البساط فـي كلام العرب أشهر منه بـمعنى الـحبس، وأنها إذا أرادت أن تصف شيئاً بـمعنى حبس شيء، فإنـما تقول: هو له حاصر أو مـحصر فأما الـحصير فغير موجود فـي كلامهم، إلا إذا وصفته بأنه مفعول به، فـيكون فـي لفظ فعيـل، ومعناه مفعول به ألا ترى بـيت لبـيد: لدى بـاب الـحصير؟ فقال: لدى بـاب الـحصير، لأنه أراد: لدى بـاب الـمـحصور، فصرف مفعولاً إلـى فعيـل.

اسامة محمد خيري
09-02-2017, 05:14
وقرأ ذلك بعض أهل الـمدينة: «ويُخَرجُ لَهُ» بضم الـياء علـى مذهب ما لـم يسمّ فـاعله، وكأنه وجَّه معنى الكلام إلـى ويخرج له الطائر يوم القـيامة كتابـا، يريد: ويخرج الله ذلك الطائر قد صيره كتابـاً، إلا أنه نـحاه نـحو ما لـم يسمّ فـاعله.

وأولـى القراءات فـي ذلك بـالصواب، قراءة من قرأه: { ونُـخْرِجُ } بـالنون وضمها { لَهُ يَوْمَ القـيامَةِ كِتابـاً يَـلقاهُ منْشُوراً } بفتـح الـياء وتـخفـيف القاف، لأن الـخبر جري قبل ذلك عن الله تعالـى أنه الذي ألزم خـلقه ما ألزم من ذلك فـالصواب أن يكون الذي يـلـيه خبراً عنه، أنه هو الذي يخرجه لهم يوم القـيامة، أن يكون بـالنون كما كان الـخبر الذي قبله بـالنون. وأما قوله: { يَـلقاهُ } فإنّ فـي إجماع الـحجة من القرّاء علـى تصويب ما اخترنا من القراءة فـي ذلك، وشذوذ ما خالفه الـحجة الكافـية لنا علـى تقارب معنى القراءتـين: أعنـي ضمّ الـياء وفتـحها فـي ذلك، وتشديد القاف وتـخفـيفها فـيه فإذا كان الصواب فـي القراءة هو ما اخترنا بـالذي علـيه دللنا، فتأويـل الكلام: وكلّ إنسان منكم يا معشر بنـي آدم، ألزمناه نـحسه وسعده، وشقاءه وسعادته، بـما سبق له فـي علـمنا أنه صائر إلـيه، وعامل من الـخير والشرّ فـي عنقه، فلا يجاوز فـي شيء من أعماله ما قضينا علـيه أنه عامله، وما كتبنا له أنه صائر إلـيه، ونـحن نـخرج له إذا وافـانا كتابـاً يصادفه منشوراً بأعماله التـي عملها فـي الدنـيا، وبطائره الذي كتبنا له، وألزمناه إياه فـي عنقه، قد أحصى علـيه ربه فـيه كلّ ما سلف فـي الدنـيا.