المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نقد كتاب: منطق أرسطو وأثره السلبي في بنية الفكر الإسلامي



سعيد فودة
19-03-2005, 10:44
رأينا في كتاب
(منطق أرسطو وأثره السلبي في بنية الفكر الإسلامي)
تأليف: الدكتور عبد اللطيف الهميِّملقد حرص مؤلف الكتاب أن يعزو أكثر مظاهر التخلف والضعف التي طرأت على فكر المسلمين طوال العصور المتقدمة، إلى سبب أصيل ومهم جداً من بين جميع الأسباب الأخرى وهذا السبب هو اعتمادهم على المنطق، وهو دائماً يتكلم على المنطق ويصفه بأنه أرسطي، يجعل القارئ المسلم مستحضراً على الدوام أن أهم شخص ساهم في تأسيس المنطق هو أرسطو وهو يوناني وليس مسلماً. ليوحي إلى القراء إن كانوا ساذجين أن المنطق أيضاً لا يصح أن يأخذ به المسلم، لأن من قرر أكثر قواعده واشتهر به هو أرسطو وهو غير مسلم.
ومن الواضح أن هذا الكلام مجرد مغالطة مكشوفة لا تخفى على النبيه، وقد تكلمنا على العديد من جوانبها في كتاب تدعيم المنطق ولا داعي هنا لأن تسود بياض هذه الصفحات لبيان تهافت هذه المقدمات والنتائج التي يعتمد عليها المؤلف كثيراً في أغلب صفحات الكتاب.
والغريب أن المؤلف يعزو تقدم الأوروبيين إلى أمرين اثنين
الأول: استفادتهم من نتاج العقل اليوناني في المراحل التي سبقت أرسطو فوظفوا النظرة النسبية للأشياء التي ظهرت لدى السفسطائيين.
الثاني: استفادوا من مفهوم هيراقليطس عن التغير والصيرورة وقال إن هذا التوجه هو الأساس للنظرة التجريبية في التعاطي مع الطبيعة، فضلاً عن كون المنهج السفسطائي هو الأساس للنظرة الحسية للأشياء. ثم قال: وهذان المنطلقان هما أساس النهضة الأوروبية الحديثة. أهـ.
إذن إذا أردنا أن نتطور يجب علينا الأخذ بالمذهب التجريبي في فكرنا ويجب علينا اعتماد مذهب السفسطائيين في المعرفة والنظر، وهذه النظرة غريبة جداً وإن لم يتفرد بها هذا الدكتور المحترم، فإنني أذكر أن الدكتور علي الوردي قد وظف جزءاً كبيراً من جهده ومن كتبه للدعوة إلى مذاهب السفسطة واعتبر أنها السبب الأساسي في النهضة والتقدم، ولا شك في وجود تأثر وتأثير بينهما.
وعلى كل حال فالغريب أن السفسطة دائماً تكون مذمومة في تراثنا بل في كلامنا الشعبي، وذمها علماء الكلام في متونهم كما قال الإمام النسفي في أشهر متون العقائد عند أهل السنة: قال أهل الحق: حقائق الأشياء ثابتة والعلم بها متحقق، خلافاً للسفسطائية أهـ، فجعل الرد على السفسطة مهما جداً بحيث أورده في متن صار من ؟أشهر المتون التي يتعلم منها الناس أصول علم التوحيد.
والدكتور الهميم يريد منا أن نقلب الموازين فنجعل السفسطة منهجنا والغريب أيضاً أن الدكتور يعتبر المنطق سبباً أساسياً في اعتقاد الناس عدم تغير الكون وعدم الصيرورة، وعاب على المنطق بناءه في العديد من قواعده ومباحثه على مفهوم الماهية الثابت، ومتون أن الشيء هو هو، وهذا كما لا يخفى على العالم بحقيقة هذا المفهوم، كلام سفسطي مغالطي، فكون الشيء هو هو، لا يستلزم انعدامه أو تغيره، ولكن حال كونه هو فهو هو كما ببناء ذلك في تعليقاتنا على كتب المنطق. وهذه النظرة الباطلة لمفهوم الماهية شائعة عن العديد من كتاب هذا العصر. والحقيقة أن مفهوم الماهية لا يستلزم من قريب ولا من بعيد هو النظرة السكونية للكون ولا يستلزم نفي التغير والصيرورة كما يزعم هذا المؤلف المحترم. بل تلك الأفكار يمكن أن يقول بها مَنْ يقوم في فكره على المنطق، ويمكن أن يعارضها المعتمد على المنطق، فهذه النظرة فلسفية محض لا علاقة بها بالمنطق من حيث هو.
ومن المعلوم بأدنى نظر أننا يمكننا القول بالتغير في صور الموجودات في حال القول بقوانين وصور كلية مطردة لطريقة التغير، ثم نقول بعد ذلك إن ماهية التغير ثابتة، وهذا القول لا يستلزم نفي أصل التغير ولا يحق لأحد أن يخالفنا في هذا القول إلا إذا كان يعتقد أن نفس الصورة الكلية والهيئة التي خلق عليها الكون، والمعبر عنها بالقوانين الطبيعية، عند الفيزيائيين أو بالعادة عن متكلمي أهل السنة من الأشاعرة، تتغير، ولكن القول بتغيرها الدائم المستمر، لا يقول به عاقل إلا إذا كان ينفي نفس الانتظام والاتساق والتناسق المشاهد في هذا الكون. ونفي المشاهد حساً سفسطة، وربما لهذا يميل المصنف إلى هذا القول.
وادعاؤه دائماً أن هذه القوانين المنطقية متعارضة مع التجديد أو بالإضافة والتغيير، غير صحيح ولا دليل عليه، ولا تلازم كما بينا بين القوانين المنطقين وبين نفي الحركة والتغيير والصيرورة.
وغاية ما أقوله: إن طريقة نقد المؤلف لهذا العلم ولآثاره التي يدعيها هي طريقة شاعر يحلم أو قصاص يكتب رواية لا غير، وليست هي طريقة مفكر يبحث في الأسباب الحقيقية للتقدم والتأخر، ولا طريقة واحد يتصدى لبحث الآثار السلبية لعلم لا يمكن إنكار آثاره كعلم المنطق.
وعندما وضح المؤلف كيف تغلغل المنطق الأرسطي في الثقافة الإسلامية كان كلامه غريباً ساذجاً أو يدل على أنه يعتقد أن العلماء كانوا ساذجين، فقد قرر أنهم كانوا ينظرون لها المنطق نظرة تقديسية على اعتبار أنه قانون العقل البشري الكامل، وبالتالي فهو غير قابل للتطوير والتجديد، وثمَّ تخدير أجيال من العلماء بهذه النظرة حتى جاءت كتب المنطق المتأخرة التي وضعها بعض المفكرين المسلمين ترديداً ببغائياً لما جاء في كتب أوائل المفكرين المسلمين الذين تبنوا هذا المنطق. وهذه هي الصورة التي يتصورها المؤلف عن سيرة علماء المسلمين أولهم مدهوش وأخرهم مقلد ببغائي! هل فعلاً كانوا كذلك؟! ألا يعرف هذا المؤلف أنهم نقدوا المنطق وعدلوا عليه وفسروه وزادوا عليه ما لم يكن يخطر لأرسطو وأتباعه على بال. إن الصورة التي يملكها هذا المؤلف لا تختلف مطلقاً عن الصورة التي في أذهان كثير من الكتاب المعاصرين عن طريقة وتطور العلوم الإسلامية، إنهم يدعون دائماً أن بدايتها تقليد وانبهار بالآخرين وأخرها تقليد للأوائل، فالحاصل عنده أنه لا توجد شخصية حقيقية لعلماء الإسلام، كانوا مقلدين لليونان وللغرب، وهذه هي نفس نظرة المستشرقين وبعض متحجري العقول من المسلمين.

يتبع .....

سعيد فودة
21-03-2005, 11:01
ثم وبعد أن أعاد المؤلف تفسيره لكيفية تأثير المنطق في النظرة السكونية ذلك التفسير الذي بينا فساده ومجرد كونه خيالاً في خيال، رجع وأعاد تعليله لاطمئنان العرب إلى هذا المنطق على نحو غريب عجيب. إنه يقول إن المنطق يهتم بالصورة والشكل الثابتين كقوانين ولا يهتم بالمادة، وهذا عنده يرجع إلى الميل إلى الشكل الذي يعد سمة من سمات العقل العربي الأساسية يرجع أصلاً إلى البيئة التي تفاعل معها العقل العربي- بيئة الجزيرة العربية – باعتبارها صحراء قاحلة لا تغير ولا تجدد فيها. هكذا يؤسس المؤلف للفكر والأفكار، إنه يعتمد على النظرة الجغرافية التي قال بها بعض من سلفه كالجابري، وقد اتضح الآن مدى سخف هذه النظرة، ثم ألا يعلم المؤلف أن الأوروبيين كانوا متأثرين بالمنطق الصوري طوال تاريخهم الفكري إلى ما قبل قرنين فقط، ألا يعلم أن اليونان هم الذين اشتهروا بالمنطق، وهل غفل عن أن الأوروبيين واليونان لم يكونوا يعيشون في صحراء وأنه توجد عندهم أنهار وزوابع وأعاصير وغيوم تتحرك. فما هو السبب الذي دفع هؤلاء إلى تبني المنطق إذن؟!
والمؤلف لا يفرق مطلقاً بين ثبات القانون وتغير المصاديق، فإذا ثبت القانون الفكري والطبيعي، فهذا لا يستلزم ثبوت وسكون مصاديق مطلقاً، فقوانين الجاذبية بين الكواكب مع ثبوتها إلا أن الكواكب دائماً تتحرك، وقوانين الضغط الجوي الثابتة دائماً، لا تستلزم سكون الغيوم والرياح المؤثرة في الطقس. وبالجملة فتعليلات هذا المؤلف ساذجة كما أراها.
وبعد ذلك يقع المؤلف في نفس الغلط الذي وقع فيه كثير من الكتاب والمؤلفين عندما ظنوا أن المنطق هو صورة للغة، وبالتالي فمنطق أرسطو يدل فقط على النحو الحاكم للغة اليونان، كما قال الشيخ السيرافي ولذلك كان يرفض استعمال المنطق. وبعضهم كالمذهب الوضعي لا يتعاملون مع الأفكار والمعاني بل مع الألفاظ والمباني ودلالاتها، ويغفل المؤلف مرة أخرى عن وجه الفرق بين المنطق واللغة، حيث إن المنطق يتعامل مع ترتيبات الذهن البشري للمعاني وكيفية توليه للأفكار منها، واللغة تعامل أصالة مع الألفاظ من حيث دلالتها على المعاني، فتعامل المنطق مع اللفظ عارض وليس أصيلاً بخلاف اللغة فإن اللفظ جزء من ماهيتها، كما هو المعنى. ولكن اللغة تهتم باللفظ من حيث دلالته على المعنى، ولا تهتم أساساً بكيفية الوصول إلى هذا المعنى في نفس الإنسان، فإن هذه وظيفة نظرية المعرفة ومنها المنطق مثلاً.
وغفل أيضاً عن أنه يوجد وجه تشابه بين المنطق واللغة من جهة اهتمام الاثنين بالمعاني ولكن من جهتين مختلفتين، واختلاف الجهة كما وضحناه يستلزم قطعاً اختلاف حقيقة علم المنطق عن اللغة. وبناءٌ عليه فادعاء أن المنطق الأرسطي كان عبارة عن تحليل للغة اليونانية ونحوها العام، قول باطل وغير صحيح وإلا لما قبله سائر الشعوب غير اليونان.
وحاول المؤلف أن يفصل بين أصول الفقه والمنطق، فادعى أن منطق المسلمين هو أصول الفقه فقط، لا المنطق الصوري، وغفل عن أن نفس علم الأصول من حيث كونه دلالات وطرق استدلال، لا يتعدى كونه تشريعات على الأصول الكلية لعلم المنطق، مع زيادة بعض المسائل الأخرى والطرق الخاصة بعلم الأصول من حيث كونه باحثاً في كيفية استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها، فعلم الأصول لهذه الخاصية فيه، استلزم وجود أساليب وطرائق تختص به، ولكن هذا لا يخرجه عن كونه في الجملة بيناً على الطرق المنطقية، وأيضا، فإن هذه الطرق الخاصة في علم الأصول والتي لا تبحث في المنطق، لا يعترف بها جميع البشر بل لا يعترف بها إلى المسلمون. وادعاء أن لعلم الأصول منطقاً خاصاً يفصله ويميزه تماماً عن علم المنطق المتعارف عليه بحيث لا يجتمعان، مجرد دعوى بلا دليل، ولهذا فقد كان نظر علمائنا مثل الغزالي والرازي وابن الحاجب وغيرهم أحَدَّ وأصوب عندما اعتبروا المنطق مقدمة لأصول الفقه كما هو مقدمة لسائر العلوم. ولم يجعلوا العلاقة بين المنطق وأصول الفقه علاقة تضاد وتنافر، بل علاقة احتواء واشتمال واستلزام.
ونحن نستطيع أن نبين أن تلك الطرق التي تميز بها علم أصول الفقه، لا يمكن أن تتنافر منافرة تامة مع أصول علم المنطق بل تنبني عليها، ولكن تستلزم شروطاً زائدة لقبولها، فمن سلم بهذه الشروط قبل هذه الطرائق الأصولية ولو لم يكن مسلماً، ويمكنه بناءها على نفس القواعد والأسس المنطقية. فلا تنافر ولا تضاد.
ثم يدعي المؤلف أن المنطق مهيأ للتعاطي مع ما هو قائم بالفعل وليس مع ما يمكن أن يقوم. وهذا الزعم منه غير مبرهن، فإن المنطق كما طوّره المسلمون يأخذ في الحسبان فائدة التجارب والعادة والحس وغير ذلك، ولا يعتمد فقط على الكليات العقلية التي يزعم المؤلف أنها تؤدي إلى الموقف السكوني في النظرة إلى الحياة والواقع والصحيح إن المنطق مهيأ للتعامل مع الواقع ومع ما يمكن أن يكون واقعاً.
وقد تطرق إلى القول بأن المنطق ومبحث الكليات الخمس منه تحديداً لا تقوم إلا بناء على القول بوجود الكلي الطبيعي في الخارج، والمتكلمون لا يقولون بوجود الكليات فيبطل القول بالكليات الخمس، وهذا التعليل نقله عن ابن خلدون في مقدمته، والصحيح أن المنطق ومبحث الكليات لا يتوقف القول به على إثبات وجود الكليات خارجاً، بل يكفي كون الكليات تجريدات ذهنية لما في الخارج على حسب ما يقوله المتكلمون للقول بالكليات الخمس، بل هذا هو الذي يصرّح به المناطقة المسلمون، ولذلك أدخلوا مناقشة هذه المسألة في الكتب المنطقية مع أنها كلامية أو حكمية. وأما أرسطو فالتحقيق كما نص عليه بعض العلماء أنه لا يقول بوجود الكليات في الخارج. وبذلك يبطل أصل الاعتراض على المنطق، ويبطل اتهام أرسطو بوجود الكليات، ولا تنهدم أركان المنطق كما زعم الزاعمون.

يتبع...

سعيد فودة
22-03-2005, 19:16
وتعرض المصنف لإشكالية أخرى وهي أن المنطق إذا كان عمله في الذهن، أولا وأخيراً فما الذي يميزه عن المنجز الأدبي؟! وهذه الإشكالية بحثها المعاصرون وأشار للمتقدمون إلى نقدها، وحاصل الجواب هو الفرق بين الوجدانيات العاطفية والشهوانية والخيالية التي يعتمد عليها الأدب، وبين ما هو حاصل في العقول من ترتيب المقدمات واستخلاص النتائج، وأي واحدٍ يعرف ماذا يعني القياس والاستدلال والاستقراء، يعرف قطعاً الفرق بين الأدب وعلم المنطق. وأن الخلط بينهما وادعاء أن المنطق كالأدب، وبالتالي فلا يستحق أن يكون معياراً للعلوم، ادعاء ساذج ناقشه كثيرٌ ممن تكلموا في علم النفس والمنطق. وأنا أعجب كثيراً ممن يدعي أنهما حقيقة واحدة، ولا أرى ذلك إلا مغالطة.
ولما كان المؤلف قد اعتبر المنطق معارضا للاعتراف بالتغيرات والصيرورة الحاصلة في العالم الخارجي، وقد أشرنا نحن إلى بطلان هذا الرأي، استلزم عنده ذلك أن المنطق سيكون عائقاً أمام التقدم. وهذا الاستلزام لو صحت المقدمات صحيح، ولكنا أبطلنا المقدمات التي اعتمد عليها المؤلف وهي كون المنطق وقوانين لا يعترف بالمتغيرات وأظهرنا أنه لا يتناقص مع ذلك، فتحصل أن كلام المؤلف مجرد شعر أو خطابة.
واعترض المؤلف على المنطق من جهة أن القياس يعتبر صحيحاً برغم أن نتيجته غير مطابقة للواقع. وهذا الكلام غير صحيح، فالمنطق الذي نعرفه من علمائنا المسلمين يراعي في الحكم على القياس بالصحة، صحة تركيب وتأليف المقدمات، وصحة مأخذ مواد المقدمات، فلو كانت الترتيبات صحيحة والمقدمات غير صحيحة، فيقال على صورة القياس إنها صحيحة، ولكن لا يطلق على هذا القياس إنه صحيح مطلقاً أي برهان، لأن مواد قضاياه غير مسلمة. فكلام المؤلف هنا باطل أيضا ولا قيمة له.
وأما كون ما نقول عنه إنه حدٌّ للماهية، فنحن إنما نقول ذلك بحسب الطاقة البشرية، مع مراعاة أن أحكامنا تجريدية، وليست مرآتيه، أي إنها تطابق الواقع من حيث تصدق عليه لكن لا تماثله كما تماثل الصورة المرآتيه الجسم مقابلها. لأنا نقول أن المفاهيم الذهنية تجريدات وليست الروح مرآة للخارج ولا الذهن كذلك بل يحدث العلم باكتساب بكيفية أخرى.
فما نسميه ماهيات ليس افتئاتا على الله تعالى، ولا تعالياً على مقامنا، ولا هو تجرد على مقام الله تعالى، كما يلمح إلى ذلك ابن تيمية في نقده للمناطقة، وقد تأثر به المؤلف وبعض الكتاب المعاصرين. ولو أنهم هؤلاء ما هو المقصود بالعالم الذهني أو بالعلم على أنه تجريدات أو إضافات، لما قالوا بذلك، ولو أدركوا لماذا نفي المتكلمون ما ادعاه الفلاسفة وخاصة الاشراقيون بالعالم الذهني، وبوجود الماهية نفسها ذهناً وخارجاً، لما قالوا ذلك.
فالحقيقة أن المتكلمين أعادوا صياغة كثير من المفاهيم وعدَّلوا عليها يناءً على أنظار تحقيقية وعقلية في غاية الدقة، ولم يسلموا لكل ما قاله الفلاسفة ويا ليت هذا المؤلف استوعب ذلك، خاصة أنه مدح المتكلمين أكثر من مكان في كتابه.
ولقد وصل المؤلف من السذاجة إلى مرحلة كبيرة عندما قال: (يعتمد أرسطو في منطقه على بنية ثنائية القيم معبراً عنها بقوانين عدم التناقض، الذاتية (الهوية)، والثالث المرفوع، فالقضية في منطق أرسطو مثلاً إما أن تكون صادقة أو كاذبة، في حين أن بنية الفكر الإسلامي أوجدت قيمة ثالثة بالإضافة إلى القيمتين السابقتين) أهـ وضرب أمثلة نحو قول بعض المعتزلة بشيئية المعدوم، وعدهم اللطف الواجب خياراً بين الجبر والاختيار، والمنزلة بين المنزلتين رتبة وسطى بين الفكر والإيمان، ووضعوا الصفات عين الذات لحل إشكالية الثنائية بين الصفات والذات...الخ، وكذلك فكرة الكسب بين الجبر والاختيار والحقيقة إن المؤلف في هذا القول قد وصل إلى موضع عالٍ من الخلط والخطل.
فالصدق هو نسبة بين القضية ونفس الأمر، وهذه النسبة إما مطابقة أو غير مطابقة. ولا احتمال ثالث. وأن شيئية المعدوم أو نظرية الأحوال فهي قول لبعض المتكلمين حاصلة أن القسمة تنطلق من المعلوم إلى ثابت ومنفي، ولا ثالث بينهما، ثم الثابت إما موجود أو معدوم أو حال بينهما، فالأحوال التي قال بها أبو هاشم ليست في وصف النسبة الخبرية إلى الواقع، بل هي قسم ثالث لنفس الواقع وكذلك كون اللطف الواجب بين الجبر والاختيار، فهذا مع أنه ليس قول جميع المسلمين بل للمعتزلة والشيعة ومن تأثر بهم، إلا أنه منقوص بأنه إن كان واجباً فكيف يكون لطفاً. وكيف بالأولى يكون بين الجبر والاختيار، بل الواجب بهذا المفهوم هو نافٍ للاختيار وملزم للجبر ونفى الإرادة التي هي أساس الاختيار، وهذا ما صرح به الشيعة والمعتزلة حيث نفوا الإرادة كصفة وأثبتوا كونها فعلاً. وكذلك المنزلة بين المنزلتين فهي ليست تناقض كون الخبر إما صادق أو كاذب، بل هي نظرية للمعتزلة فقط في مراتب بعض أحوال الوجود، وهكذا.
فالمؤلف خلط الأوراق ولم يحسن تدبُّرَ الأمر.
ولعله أراد أن يساير الاتجاه المعاصر لبعض المناطقة حين اخترعوا المنطق المتعدد القيم أي الذي لا يقتصر على قيمتي الصدق والكذب فقط، بل، ربما تكون القيم أكثر من ذلك. وهو اتجاه لا يقوم على دليل بالنسبة لنا.
وفوق ذلك كله فلم يقل بهذه الأمور التي عدها المؤلف مثالاً على زعمه إلا بعض المسلمين ولم يرتضها جماهير المسلمين ولا أهل السنة، فكيف صحَّ له عَدُّها من منتجات بنية الفكر الإسلامي هكذا على سبيل التعميم؟ ألا يكون هذا العدُّ منه مبالغاً فيه وتجاوزاً منه لحدود المنهج العلمي؟!
نعم إن الفكر الإسلامي يقوم على فكرة الخلق لا من شيء، المعبر عنها في عبارات بعض العلماء بالخلق من عدم، ولكن المؤلف يدعي أن المنطق من حيث ما هو يناقض هذه الفكرة لأنه يقوم على أنه لا شيء إلا من شيء، مما يؤدي إلى قدم العالم، ولم يبين جهة البناء هذه، ونحن نرى كلامه خلطاً بين مبادئ المنطق ومبادئ الفلسفة اليونانية – على سبيل الغالب- القائمة على قدم مادة العالم.
ولقد بحث المتكلمون قياس الغائب على الشاهد وأجازه المحققون منهم بشروط معروفة في علم الكلام، ولم يتم رفضه مطلقاً من جميعهم. وكذلك الموقف بالنسبة لقياس التمثيل والاستقراء، وبينوا كيف أن كل نوع من هذه الأنواع ينفع في محل وقد لا ينفع في غير، وبينوا كيف أن المستفاد من بعضها الظن ومن بعضها اليقين، وبناءً على ذلك فلا يصح من المؤلف الادعاء أن كل الأقيسة والبراهين الممكنة قد هجرها المناطقة والمتكلمون وانهمكوا بعد ذلك في القياس الحملي الشمولي.

يتبع....

سعيد فودة
23-03-2005, 23:50
وأما ادعاؤه بأن الأصوليين رفضوا الحد واكتفوا بالرسم، فهذا ادعاء محض، فلم أعرف أحداً من الأصوليين قال بذلك، غاية الأمر أن المناسب لعلم الأصول هو التمييز بالرسوم وهو كافٍ في بناء الأحكام والقواعد، ولا يتوقف ذلك على معرفة ماهية الأمور والأفعال، أما أن يقال وأنهم رفضوا الحدَّ فهو كلام باطل. فلم يحصل إلا انهم أكثروا من استعمال الرسوم لمناسبة ذلك لعلمهم وكفايته.
وأما ما قاله من أن الأصوليين اصطلحوا على معنى للجنس والنوع: فجعلوا الجنس أخص من النوع، فهذا اصطلاح غير مؤثر، وقد ذكر ذلك الإمام السعد التفتازاني في حاشيته على شرح العضد على متن ابن الحاجب الأصولي. وأما جعل المصنف ذلك الاصطلاح الخاص دليلاً على وجود منطق أصولي خاص بعلم الأصول يقابل المنطق فهو مجرد توهم وخيال، خاصة أن السعد ذكر هذه المسألة في حاشيته على الكتاب المذكور الذي جعل ابن الحاجب في أوله مقدمة منطقية على الطريقة المشهورة واعتمدها ولم يشير إلى وجود منطق خاص للأصوليين.
وكل المتكلمين لم أعرف أحداً منهم رفض علم المنطق أو ادعى أنه علم باطل بل لا تجد متكلماً كبيراً إلا أنه وله مؤلف في علم المنطق كما له مؤلف في علم الكلام وبالتالي فإن ادعاء المؤلف أن علم الكلام لأنه ليس له مبادئ في علم آخر فهذا يستلزم الاستغناء عن المنطق، ادعاء باطل، فإن هذه المسألة بحثها العلماء ولذلك جعل بعضهم المنطق ملحقاً وجزءاً بعلم الكلام، وذكروا أن من لم يجعله كذلك لا يستلزم ذلك انتقاص علم الكلام، لأن احتياجه إلى المنطق كاحتياجه إلى آلة السمع والتعقل لا غير.
وأنا استغرب من التناقض الكبير الذي يقع فيه المؤلف حينما يمدح علم الكلام ويقول إنه علم أصيل وأنه ينبغي أن يتبوأ المكانة التي يستحقها في وضع الأصول العقلية للعقيدة الإسلامية في كل عصر من العصور، وهو كلام صحيح، وبين ما يتوجه إليه من انتقاص علم المنطق واعتماده على ابن تيمية العدو اللدود لعلم الكلام، وتجاهله لآراء وأقوال المتكلمين الجهابذة في الاعتماد على علم المنطق، بل إنه ادعى أكثر من مرة أن السبب الرئيسي في زعمه الذي أدى إلى تخلخل علم المنطق المنبوذ برأيه في الأوساط الثقافية والفكرية والعلمية الإسلامية هم المتكلمون مثل الغزالي والجويني.
وأنا أرى ذلك كله تذبذباً لا يليق بباحث يبحث في أمر عميق ودقيق مثل هذا الموضوع.
وعاد واعتمد على ابن تيمية في رفضه لمفهوم الحدّ، وربط ذلك بأن الماهية لا توجد في الخارج وقد أشرنا قبل ذلك إلى أن هذا لا يتوقف على ذلك، وأن ادعاء توقفه وهم محض، فيمكن القول بالحدود والماهيات كتجريدات ذهنية فقط ولا يدعي المتكلمون ولا المناطقة الإسلامية وجود الكليات في الخارج. ثم هو لم يستطع أن يبين سبباً معقولاً يكفي لرفض التمييز بين الصفات الذاتية والصفات العارضة الخارجية عن الماهية.
وادعاؤه متابعة لابن تيمية أن دلالة الحد هي من نوع دلالة الاسم يحتوي على مغالطة، لأن مفهوم الحد ليس موضوعاً في اللغة، بل إنه يتم اكتشافه بوسائط التركيب والتحليل كما بينه في تدعيم المنطق، ثم يوضع اللفظ أمام هذا المعنى، فهو في المرحلة الثانية يصبح وضعاً صناعياً لا لغوياً.
ويثير بعد ذلك مسائل صارت مملة مثل أن المنطق وليد اللغة، ومثل قياس الغائب على الشاهد وغير ذلك، وكله تأثر بابن تيمية وتكرير لمقولاته من دون تحقيق ولا تدقيق حسبما نراه، وقد أشرنا إلى هذه المسائل وجهة الرد عليها إجمالاً.
ويدعي المؤلف دعوى عريضة وهي أن الاستقراء والتمثيل والقياس ليست طرائق لها حقائق في أنفسها ثابتة لأمور معقولة تتفق عليها الأمم، بل هي لا تعدو كونها صوراً ثم الاصطلاح عليها، وحالها حال العبارات اللغوية التي تختلف باختلاف الأمم. وهذه الدعوى في الحقيقة يستمدها من ابن تيمية ولكنها في غاية الخطورة، وأنا لم أسمع أحداً من علماء الإسلام يقول مثل هذا القول، نعم ربما تكلموا على بعض المصطلحات والأوضاع، أما أن يطلق الحكم على نفس مفاهيم الأدلة كالقياس والاستقراء ويدعى أنها مجرد طرق وضعية لا تعتمد على حقائق عقلية ثابتة عند الأمم، فهذا قلبٌ للحقائق، وادعاءٌ بأن الطرق المنطقية وضعية، ومعنى ذلك أنها لا تشير إلى حقائق ثابتة بل أنها تم وضعها بالإرادة الإنسانية، وبالتالي فهي مسلمات لا مبرهنات وهذا الرأي وإن قال به بعض المعاصرين إلا أننا نرفضه ونردُّه ونرى فيه لوناً جديداً من السفسطة، والغريب أن يقول بهذا الرأي واحد مسلم يدعي أنه يحقق في أدق العلوم والمعارف.
إن معنى هذا القول أننا يمكن أن نتواضع ونتفق على مجموعة أخرى من طرق الاستدلال أو فلنقل على طرق نسميها طرقاً للاستدلال، ونقوم ببناء ما نسميه بعد ذلك علوماً ومعارف، وسوف تكون النتيجة علوماً ومعارف مخالفة تماماً لما بين أيدينا وسنكون مضطرين للخضوع لها، ولا يجوز لنا التفريق أو التمييز بينها وبين ما نعرفه حالياً. وهذا الأمر سفسطة محضة مع ملاحظة إمكان إنتاج مفاهيم وأحكام تناقض مال نعلمه الآن.
في الواقع، إنني أرى أن هذا الكاتب المحترم يقع في كثير من المغالطات والمفاسد ليس هو بحاجة للسقوط فيها حال محاولته بيان مفاسد منطق أرسطو.
وكان بإمكانه أن يخضع هذه القواعد المنطقية للنظر بطريقة أخرى، وربما كان يمكنه عند ذاك أم يكون كلامه أكثر إقناعاً وعقلانية.
ثم تكلم بعد ذلك عن تجاوز الأوروبيين للمنطق الأرسطي، الذي يطلقه المؤلف على جميع الآثار الإسلامية المنطقية أيضا، حيث من الجلي أنه يعتقد أن مناطق الإسلام مجرد متابعين لأرسطو. ولا نريد أن نتعقبه ونبين بعض الأغلاط والتجاوزات التي وقع فيها في هذا الفصل، لأننا سوف نكتب فيه كتاباً موسعاً بإذن الله تعالى، والمؤلف لم يأت فيه بما يقنع كعادته في أغلب ما كتبه، ولم أرَ فيه ما يدفعني إلى التعليق خاصة أن أكثره كان عرضاً مختصراً لا يفيد في هذا المقام.
وبهذا نكون قد أكملنا ما شرعنا فيه بحمد الله تعالى والحقيقة أنني لم أر بعد حتى الآن من يوجه سهاماً نقدية قوية وصائبة إلى علم المنطق وغاية ما أراه مجرد كلمات وعظية أو جدلية لا ترتقي لأن تكون كافية لإعادة النظر في هذا العلم أو لتركه والاقتناع بغلط ما ادعوا أنه غلط. بل إنني أزداد كلما أقرأ لهؤلاء الكتاب، قناعة بضعف بضاعتهم العقلية وسوء تمييزهم بين القضايا والأحكام، وبالتالي تزداد كفة أقوال علمائنا المناطقة والمتكلمين من أهل السنة رجحاناً وصواباً في عقلي ونفسي.
والله الموفق
سعيد فودة 24/2/2005

فواز محمد البحر
07-07-2005, 19:38
اقسم بالله العظيم باني احترمتك بعد قرائه ممتعه جدا لهذا المبحث ...

والقنبله الافحاميه تكمن هنا (المنطق يتعامل مع ترتيبات الذهن البشري للمعاني وكيفية توليه للأفكار منها، واللغة تعامل أصالة مع الألفاظ من حيث دلالتها على المعاني، )


سلمت يداك يا شيخ سعيد ....

وحقيقتا حين قال الشيخ في متن السلم فالمنطق للجنان نسبته كالنحو للسان ..يحمي الفكر عن غي الخطى ..وعن دقيق الفهم يكشف الغطى

يلمازيوسف صالح
04-08-2005, 00:35
العلامة الفاضل سعيد فودة بارك الله فيك وعافك ونصرك آمين
انك والله ان تدعهم الى الهدى مائة عام لايهتد وياليت شعري هل فاقد الشيء يعطيه الم يقرء الدكتور مصنفات مفتي العراق الشيخ عبد الكريم المدرس شافاه الله تعالى ام لم يطلع على علمي اصول الدين والفقة ام هي الرجم بالغيب ورحم الله الامام الاخضري حين قال (متن السلم)
والقولة المشهورة الصحيحة جوازه لكامل القريحة
ممارس السنة والكتاب ليهتدي به الى الصواب