المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التأويل في العقيدة



وائل سالم الحسني
04-03-2005, 12:31
مقدمة

التأويل مصدر (أولته، يؤوله، تأويله) وقد أُختلف في اشتقاقه:

فقال البعض من آل الأمر، يؤول، أولى، مآلاً، ومن آل الرجل (لأنهم يرجعون إليه في مختلف الأمور)، وقال آخرون أنه مأخوذ من الإيالة (السياسة)، إلنا وإيل علينا (أي سوسنا غيرنا وساسنا غيرنا). مطاوعه فَعَلَ (أَوَلَ).

من قواعد البيان في كتاب الله تعالى: أن الأمر إذا ورد بمعنيين، معناً راجح ومعناً مرجوح، وكان أحد المعنيين الأغلب في كتاب الله تعالى، فمن قواعد البيان أنه يُحمل على الأغلب وإن كان مرجوحاً.

الموضوع
للتأويل معنيين، البيان والكشف (التفسير)، وبيان مايؤول إليه الأمر (الخبر) في واقع الأمر وحقيقة الحال (وهو الأغلب في كتاب الله)، فإن الكلام من الله تعالى طلباً فتأويله فعل ما طُلب ، وإن كان نهياً فتأويله الإنتهاء عما نهى الله عنه، وإن كان خبراً فتأويله وقوع الخبر على الوصف المخبر به.


الفرق بين التفسير والتأويل:


قال المتقدمون التفسير كالتأويل.

قيل التفسير ما كان بالرواية والتأويل ما كان بالدراية.

قيل أن الفرق بينهما من وجه العموم والخصوص، فالتفسير أعم من التأويل، ومعنى التأويل بهذا النظـر: هو صرف اللفظ عن المعنى المتبادر منه إلى معناً آخر مرجوح لدليل أو قرينة من القرآئن ، ومعنى التفسير: هو فهم الألفاظ والوقوف على دلالاتها سواء أكان بالمتبادر أو بغير المتبادر، فإن كان من غير المتبادر قيل له تفسير وتأويل، وإن كان بالمتبادر قيل له تفسير فقط.

هناك فرق آخر ركز عليه الإمام الألوسي وهو يعنى أن التأويل هو محاولة الوقوف على معاني الألفاظ بطريق الإشارة، والتفسير هو محاولة الوقوف على معاني الألفاظ بطريق العبارة، فالتفسير الإشاري هو التأويل، والتفسير العباري هو التفسير.

وقال بعضهم إن التفسير هو الإكتفاء بالوقوف على معاني الألفاظ (فهماً معجمياً)، أما التأويل فهو الوقوف على المعاني العبارتية والجملية من خلال سياق الآية وسياقها ولحاقها، فالسباق هي الآيات التي قبلها، والسياق هي الآيات التي تدور في نفس الموضع، وأما اللحاق فهي ما جاء بعدها.

قسَّم علماء الأصول الألفاظ اللغوية المختلفة باعتبارات مختلفة، فمثلاً باعتبار الوضوح وعدمه أو الوضوح والخفاء إلى: النص، الظاهر، وبهذا قال الجمهور، أما السادة الحنفية فقسموه إلى: النص، الظاهر، المفسَّر، المحكم.



فالنص:هو اللفظ الذي يدل على معناه دلالة قطعية يقينية (وهو أوضح شيئ).
الظاهر:هو اللفظ الذي يدل على معناه المتبادر منه دلالة ظنية راجحة لا تنفي دلالة أخرى بإزائها مرجوحة، سواء كان التبادر بسبب الوضع أو العرف، فالمعنى الراجح هو الظاهر، والمعنى المرجوح هو التأويل.
التأويل:هو صرف اللفظ عن معناه المتبادر منه إلى المعنى المرجوح غير المتبادر بدليل أو لدليل (الباء للسببية، اللام للتعليل).
قسَّم علماء الأصول التأويل إلى:
تأويل صحيح (قريب): وهو إذا دل عليه دليل قوي.
تأويل فاسد (بعيد): وهو إن كان التأويل لا يستند إلى دليل قوي أو شبهه دليل.
تأويل لغير دليل أصلاً (وهو اللعب) باصطلاح الأصوليين: وهو الذي لا يتكأ على دليل أو شبهه دليل.
بعض الأمثلة على أنواع التأويل الثلاث:
التأويل الصحيح:
الآية "وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط" قالوا لا تؤخذ هذه الآية على ظاهرها، والغائط هو مااطمأن من الأرض، والآية هنا مؤولة، ثم قال الله تعالى "أو لامستم النساء"، فالمباشرة، اللمس، المس، الجس، كلها بمعنى واحد، فقد رُوي عن بن عباس أنه قال هو الجماع، وهذا تأويل في العمليات.

روى الجماعة إلا البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله"، ظاهره متروك لأن الميت الذي مات وانقطع عمله من الحياة لا يُلقن، وهذا يعني التلقين عند الإحتضار، وهذا من بلاغة العرب (ما قارب الشيئ يأخذ حكمه)، فإذا سافر شخص من بلد إلى بلد وقد جاوز نصف المسافة، فعند ذلك يقول وصلنا، وقد يسـمى الشيئ بما يؤول إليـه كـما فـي سـورة يوســف "إني أراني أعصر خمراً" وكذلك في سورة نوح "ولا يلد إلا فاجراً كفَّاراَ"، وهذا الحديث مُؤَّول.

التأويل الفاســد:
مااستشهد به الإمام أبي حنيفة في آية كفارة الظهار "فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً " وقال إن المقصود هو إطعام طعام ستين مسكيناً، وقدر كلمة محذوفة هي طعام، ويقصد بذلك أنه إن أعطيت طعام الستين مسكيناً لـ60 أو أعطيته لمسكيناً واحداً لصح، وقد خالفه في ذلك الجمهور وتلميذاه أبي الحسن وأبو يوسف.

الحديث (زكاة الجنين زكاة أمه) فقال الإمام أبي حنيفة زكاة الجنين كزكاة أمه وقدر حرف محذوف هو "كـ" ويقصد بذلك أنه إذا ذبحت شاة وخرج جنينها حياً فلابد أن يزكي كأمه وإن كان الجنين ميتاً عند خروجه يرمى ولا يحل أكله (ميتة).

: الحديث (في كل أربعين شاة، شاة) أي زكاة أربعين شاة، شاة واحدة، قال الإمام أبو حنيفة: تستطيع أن تخرج الزكاة إما شاة أو تخرج بقيمتها أي شيئ بر أو شعير أو مال ..الخ، وقال إن هذا موافق للنص والمقصود بالمعنى (حكمة التشريع).
والنص هو: لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ لليمن قال معاذ "إئتوني بخميسة أو لبيس مكان البر أو الشعير فإنه أسهل عليكم وأصلح لأصحاب رسول الله في المدينة".
أما حكمة التشريع: فالمقصود من الزكاة هو سد حاجة الفقراء وهذه تتفاوت وتختلف باختلاف العوامل وحاجة الفقير لاتقف على المال فقط أو الشعير أو ..الخ، ونحن نشايع الإمام أبو حنيفة في هذا الرأي.

عندما أسلم فيروز الدارمي وكان تحته أختان فقال له عليه السلام أمسك إحداهما وفارق الأخرى، قال الإمام أبو حنيفة هذا يعني إبتدأ زواج إحداهما إن كنت قد عقدت عليهما في عقد واحد، وأمسك إحداهما وفارق الأخرى إن كنت عقدت عليهما في عقدين، أي فارقهما إن كنت عقدت على الأثنين في عقد واحد، ثم إبدأ زواج إحداهما أي تزوج إحداهما، وهذا تأويل بعيد وخلاف المذاهب الأخرى.

قال قائل: الآية "والسارق والسارقة فاقطعوا ..." إي اقطعوها بإعطائهم المال أو بالعطاء.

تأويل اللــعب:
كتأويل الباطنية في الآية: "إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة" قالوا إن المقصود بالبقرة هي عائشة، وكذلك تأويل المعتزلة في الآية: "وماكنا معذبين حتى نبعث رسول" قالوا المقصود بالرسول هو العقل.

ماهو النص أصولياً؟ هو ما لا يحتمل إلا معناً واحد، بمعنى آخر لا يختلف في فهمه أثنان مثل "قل هو الله أحد" وهو نص في الأحدية، وهي التي سماها الله في كتابه آيات محكمات.
هل يدخل النص التأويل؟ لا، فإن فعل فاعل فقد لعب بدينه واقتحم ما لا يجوز له أصلاً، فالنصوص لا تُؤَول.

قالت طائفة من الروافض أن الجن الذين سُخروا لسليمان هم جنود الباطل من أمثالنا، وقالوا إن آدم هو على وإبليس هو أبو بكر فقد أُمر أبو بكر أن يسجد لعلى فأبى واستكبر وكان من .... ، وقالوا إن الأعور الدجال هو أبو بكر لأنه كان يرى الحق بعين واحدة، وهكذا.

وقالت طائفة من الباطنية إن الكعبة هي محمد عليه السلام وباب الكعبة على، وقالوا إن المحرمات هم الأشرار من عباد الله وأن الواجبات هم الطيبون، ولم يتركوا معجزة لنبي إلا أولوها وأخرجوها عن ظاهرها، فقالوا إن الطوفان هو طوفان العلم الحقيقي.


اتفق السادة العلماء على أن التأويل يدخل في النصوص المتعلقة بالأحكام العملية أي الفقهية ولا خلاف في ذلك، ولكن الخلاف جاء في النصوص المتعلقة بالعقائد والغيوب.

قال الإمام أبو حامد الغزالي في "مفصل التفرقة": وجود الأشياء له خمسة وجوه من الوجود:
الوجود الحقيقي - الوجود الحسي - الوجود الخيالي - الوجود العقلي - الوجود الشبهي.

الوجود الحقيقي:
هو الشيئ في ذاته كما خلقه الله بعلمه بغض النظر عن إدراك الإنسان له أو غير الإنسان، فقد أُخبرنا مثلاً عن سبع سماوات عن طريق الخبر الصادق المتواتر، وكذلك الجنة والنار، والصراط والحور العين، وهذا من أقسام المدركات.

الوجود الحسي:
هو أن تنطبع صورة في مخيلة المرء أو في عين أو دماغ الإنسان، وهذه الأشياء ليست موجودة في الواقع ولكن في الحس، فلو أخذت لمبة صغيرة مثلاً ثم مررتها بسرعة، فسوف يظهر لك خط مستقيم منير وهذا موجود في الحس فقط وليس حقيقة، وكذلك إذا مررتها في شكل دائرة، وفي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لقد رأيت الجنة في عرض هذا الحائط".

الوجود الخيالي:
بعد أي يغيب الشيئ المدرك أو الشيئ المحسوس يترك انطباعاً أو صورة في مخيلة الإنسان، فإذا رأى شخص ما مبنى أو حصان أو..الخ، فستنطبع هذه الصورة في الذاكرة، كذلك إذا حُكى لك عن شخص ما وقيل أنه طويل وأسمر مثلاً، فبالطبع سوف تنطبع لديك في مخيلتك صورة لهذا الشخص حسب هذه الأوصاف.

الوجود العقلي:
فمثلاً اليد، ماذا ندرك منها، الجلد والعظم والعصب واللحم والدم، لكن اليد لها مدلول عقلي آخر، أين يتشكل هذا المدلول العقلي؟ في الثقافة المحلية، واليد لها مدلول عقلي ألا وهو البطش، أو النعمة، أو القوة، كذلك القلم، ماذا ندرك منه، اسطوانة بها سائل وشكله كذا وكذا، لكن وجوده العقلي هو أنه شيئ تُخط به المعلومات.

الوجود الشبهي:
وهو ألا يكون للشيئ وجود لا في ذاته ولا حسياً ولا خيالياً ولا عقلياً وإنما يشبهه في صفة من صفاته فجُعل كأن له وجوداً مستقلاً لمشابهته صفة لشيئ آخر فيسمى الوجود الشبهي، وكذلك كصفة الغضب لله.

من هذا نفهم أن من جاء بتأويل لا يخضع لمراتب هذه الوجوه الخمسة من الوجود هذه فهو متحلل أو زنديق أو كافر، وعلى هذا كفَّرت بعض الفرق بعضها بعضاً، وحتى لا نقع في هذه الورطة ولا في مهلكة التكفير يقول الإمام الغزالي لابد أن نأخذ بهذا القانون:
أصل الإيمان هو التصديق بما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام ومن كفر ببعض ما جاء به فضلاً على أن يكفر بكل ما جاء به فهو الكافر.

إن آيات وأحاديث الصفات في الآيات والنصوص المتشابهة من قول الله وقول رسوله عليه السلام على مذاهب ثلاث:

مذهب من رأى ومن قال أن هذه النصوص تُوخذ على ظاهرها وظواهرها مرادة، أي لا يتطرق إليها تأويل وهؤلاء هم المشبهه والعياذ بالله، وهؤلاء قوم معثرون، مثل قوله تعالى "وجاء ربك والملك صفاً صفاً" قالوا إنه يجئ حقيقة، وكذلك قوله تعالى "تجري بأعيننا"، إذن هذا القول مردود ولم يقل به أحد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو التابعين والسلف الصالح وإنما قالت به طائفة من المشبه أو المجسمة الذين ما قدروا الله حق قدره، وهناك قانون النجاة من ذلك وهو: متشابهة الآيات والحديث يرد إلى محكمه، والمحكم قانونه وعروته الوثــقى وفيـها العصمـة لمـن أراد الإعتـصام وهو قـول اللــه تعــالى "ليس كمثله شيئ وهو السميع البصير".

مذهب من قال أن لها تأويلاً إلا أننا لا ندري ونمسك عنه وننزه إعتقادنا في الله تعالى عن التمثيل والتعطيل جميعاً، وقالوا إن الأمر في ذاته له تأويل ولكن لا نعلمه ونمسك عنه، وهذا مذهب المفوضة، فمثلاً قوله تعالى "يد الله فوق أيديهم" قالوا إن له يداً ولكن ما معنى ذلك، قالوا هو يدري سبحانه بذلك ولكن شيء يليق بجلاله وبذاته وبمقامه لا ندريه ولا يشبه شيئاً للمخلوقين من الصفات والسمات على الإطلاق، وهذا القول منقول عن كم غفير من السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الدين.

مذهب من يقول إنها مُؤَولة يدخلها التأويل ونحن نلوذ بهذا التأويل، فاليد مثلاً لها معناً حقيقياً وهو الذي نعرفه وكذلك لها معاني كثيرة مجازاً مثل النعمة (يقال فلان له علىّ يد)، وأيضاً يقال مالي بهذا الأمر ومالي عليه يداً أو يدان، أي لا قدرة ولا سلطان.

قال العلامة ابن بَرَهان الشافعي فيما نقله عنه الإمام الشوكاني: والمذهبان الآخران منقولان عن السلف، فلا يجوز التشنيع على من أوَّل ولا نسخر منه ولا نزدريه على الإطلاق، لأن لهذا المؤِّول قدوة في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وتابعيهم، وقال الإمام الشوكاني إن المذهب الثالث منقول عن على، بن مسعود، بن عباس، أم سلمة رضي الله عنها.

فمثلاُ ما يروى عن بن عباس في قوله تعالى "يوم يكشف عن ساق" قال أي عن شدة وعن أمر شديد، وتقول العرب كشفت الحرب عن ساقها أو ساقيها، وكذلك قال في قوله تعالى "والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون" قال أي بقوة وهذا مروي عن بن زيد والثوري وعن قتادة، كما ذكر الحافظ بن جرير الطبري عن بن عباس في قوله تعالى "فأينما تولوا فثم وجه الله" قال أي قبلة الله.

أما ما روي عن الإمام بن حنبل، فقد روي الإمام البيهقي في الأسماء والصفات بإسناده إلى حنبل عن عمه أحمد بن حنبل أنه قال في قوله تعالى "وجاء ربك والملك ..." قال أي ثوابه، قال الحافظ بن كثير كما نقله عن البيهقي في البداية والنهاية أن إسناده لا غبار عليه (أي صحيح).

الآية "فاليوم ننساهم ..."، هذا ما يسمى في لغة العرب وفي علم البيان إطلاق اللازم (النسيان) وإرادة الملزوم (الترك)، لأن من نسى شيئاً بداهة يتركه لأنه في حال غفلة وذهول عنه، وهذا مؤَّول، وقد اضطر الإمام أحمد في مواضع كثيرة من أن يأول تنزيهاً لله عز وجل مع أنه ممن لا يأخذ بالتأويل، وكذلك الظاهرية اضطروا بأن يأولوا كذلك.

ونحن نأخذ برأي وسط فيه إنصاف إن شاء الله وهو قول العلامة الإمام أبي الفتح محمد بن دقيق العيد القشيري إمام المالكية والشافعية في عصره توفى سنة 902هـ:
ونقول في التأويل إن ما كان من هذا التأويل قريباً بحيث يجري على لسان العرب وتعرفه العرب في لغتها ومخاطبتها قلنا به، وما كان منه بعيداً فهذا نستبعده ولا نقول به ونقول بأصلنا في التنزيه، وقد نقل مثله عن الإمام العز بن عبد السلام (سلطان العلماء).

لذا قال بعض الأذكياء من علمائنا نحن نأول مالم يؤدي بنا التأويل إلى التعطيل، ونفوض ونسلم مالم يؤدي بنا التأويل إلى التجسيم والتمثيل.

مثال على حديث لا يمكن أن يؤخذ على ظاهره ولا بد من تأويله:
وهو ما خرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزال جهنم تلقى فيها وتقول هل من مزيد، حتى يضع رب العزة تبارك وتعالى قدمه فيها، فتقول قط قط بعزتك وكرمك، وينزوي بعضها على بعض، أما الجنة فيبقى فيها فضل فينشأ الله لها خلقاً فيسكنهم فضل الجنة"، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المشكلة هنا في قوله عليه السلام حتى يضع قدمه فيها، ونحن كمسلمين نؤمن بكتاب الله (ليس كمثله شيئ)، لابد أن ننفي أن تكون هذه القدم كقدم إنسان أو خلافه وأستغفر الله، ربما قال قائل إنها قدم لله حقيقية تليق بجلاله، هذا غلط، ولا نقول هنا بالتسليم والتفويض، فكما قلنا إذا أدى هذا التسليم والتفويض إلى التجسيم والتمثيل والتشبيه فهو مردود، فإذا كانت القدم صفة ذات تدخل النار (هناك صفات ذات وصفات أفعال)، أي إنها محدودة والعياذ بالله ، وهذا كلام مرفوض ، قال العلامة جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي الحنبلي من قال بذلك فقد قال بتبعيض الله وهي عقيدة سخيفة.

والسؤال هنا، هل هذا التأويل قريب من كلام العرب ولغتهم؟ قريب جداً ومعروف ذلك عند العرب، فالعرب تسمي أو يسمون القادم قدماً والمتقدم قدماً أيضاً، يقولون للمتقدم قدم وللمتهدم هدم، ولذا روى الإمام البيهقي عن الإمام الحسن البصري أنه قال يضع الجبار قدمه في النار أي الذين قدَّمهم من عباده الذين سبق في علمه وتقدم أنهم أهل لها.

وإذا سأل سائل لماذا قال قدم؟ هذه الإضافة لأدنى ملابسة كما يقول النحاة، كما في قولـه تعـــالى "ناقة الله وسقياها"، أي منسوبة إلى الله نسبة تشريف، كذلك تسمى المساجد بيوت الله، هل معنى هذا أن ا لله يسكنها؟ لا ولكن نسبة تشريف لأنه يُعبد فيها الله وحده وهكذا، وهذا هو المعني، قال ذلك العلامة الأزهري وابن الأعرابي إمام اللغة والحسن البصري.

وإذا قال قائل هذا الكلام غير مقنع لأنه قد ورد نفس الحديث لكن بلفظ الرجل وذلك عند الطبراني (يضع رجله عليها)، ولو فرضنا وسلمنا بذلك، نقول بأن العرب تعرف معنى آخر للرجل غير المعروف لدينا وهو معنى الجماعة الكثير من الناس أو الجراد، فقد قال الشاعر:



فمر بنا رجل من الناس وانزوى إليهم من الحي اليمانيين أرجل


ومعنى ذلك أن الله يُدخل كثير من الناس في النار، ويؤكد ما قلنا حديث بن مسعود: "ما من بيت ولا سلسلة ولا مقمع ولا تابوت إلا مكتوب عليه إسم صاحبه وصفته، وخزنة النار ينتظر كل واحد منهم صاحبه الذي وكِّل به حتى إذا استوفى كل واحد منهم صاحبه الذي ينتظر قالت النار قط قط وانزوى بعضها إلى بعض، وأما الجنة فيبقى فيها فضل فينشأ الله لها فضلاً فيسكنهم فضل الجنة".

ففي هذا الحديث لم يذكر بن مسعود قدم أو رجل، فإن كان هذا الحديث من ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من فهم بن مسعود فيه فإنه يؤكد ما قلنا ويعني أن القدم أو الرجل هم الجماعة الكثيرة من الناس الذين تقدم في علم الله أنه يعرفهم وحتى قد كتبت أسماؤهم على المقامع ..الخ، وهذا سقناه على التأويل الصحيح القريب الذي يدل عليه لسان العربية وطرق العرب فى مخاطبتها وبيانها ويجتمع شمل النصوص بعضعها وبعض ولا تتناقض ولا تتضارب.

نحن لا ندعو إلى مذهب التأوبل ولا غير ذلك، الذي نريده أن نخلص إلى نتيجة واحدة، وهو ألا ينبغي أن نعنف المخالفين لنا في أمثال هذه المناهج، فمن نهج منهج التأويل لا ندمدم عليه ولا نثرب ولا نكفِّر ولا نبدِّع ولا نضلل، وكيف نبدع ولنا في أصحاب رسول الله عليه السلام أسوة حسنة.


منقولة عن الشيخ
أبو محمد عدنان إبراهيم