المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مناقشة لسؤال مكلوم بشأن الجوهر الفرد



بلال النجار
16-08-2003, 15:07
الإخوة الأعزاء،
سألني الأخ مكلوم سؤالاً حول الجوهر الفرد. فأحببت أن أجعل تقرير السؤال، وطرفاً من الجواب عليه في موضوع جديد، ليكون بمكانة دعوة لأصحاب النظر، للمشاركة فيه، والله تعالى الموفق.

أخي الكريم،
كان سؤالك أنه ماذا لو فرضنا أن هنالك ثلاثة جواهر ممتدة على استقامة واحدة، فإما أن يتماس الطرفان أو لا. فإن تماسا لزم إما عدم الوسط أو تداخل الجواهر. (الأول خلاف الفرض فيلزم من القول به إبطال إمكان امتدادها على الوجه الذي ذكر، وقد لا يلزم منه نفي الجواهر الفردة، فتأمل. والثاني باطل اتفاقاً. وتأمل) وكلاهما باطلان، وإما أن لا يتماسا، فالقول به يلزم منه أن وجه الجوهر الفرد الأوسط الذي يلاقي به الجوهر الذي في هذا الطرف هو غير الوجه الذي يلاقي به الجوهر الذي في ذلك الطرف، وكل ما كانت هذه صفته وجب انقسامه كما قالت الفلاسفة. وكل ما وجب انقسامه لا يكون جوهراً فرداً. فبطل الجوهر الفرد. هذا تقرير حسن لشبهة النافي للجوهر الفرد.

فأقول: على تسليم صحة الفرض. فالجواب إلزاماً أن كثيراً من الاعتراضات على إثبات الجوهر الفرد مبنية على وجوب انقسام ما يتصور فيه جهات. ولكنا نقول: هل هذا الانقسام بالفعل أو بالقوة؟ إن كان الأول فلا نقول نحن به وهو مما ألجأنا إلى القول بأن هنالك حداً لانقسام المادة، أي أنها تنقسم بحيث تصغر إلى درجة معينة ثم يستحيل بعد ذلك قسمتها. وسميناه الجزء الذي لا يتجزأ. وكذلك لا يقول بأن المادة تنقسم إلى لانهاية بالفعل كل من ينفي الجوهر الفرد، لأن وقوع ما لانهاية بالفعل محال. فيبقى قولهم أن المادة منقسمة إلى ما لانهاية له بالقوة، وهو عين قولنا بالجزء الذي يتجزأ لو تأملت. فإننا نجيز وهماً أن تنقسم المادة إلى ما لانهاية، ولكنا نحيل ذلك خارجاً. وهم يحيلونه خارجاً أيضاً، ولا معنى لإحالته خارجاً إلا القول بأنه يجب أن تقف القسمة عند حد معين، سميناه نحن الجزء الذي لا يتجزأ.

وقد أناقش هذه المسألة بتحقيق أكثر حين أقرأ ما ستقول، ولكني أنبه ههنا على أمور. أولاً أن المذهب الأشعري وإن قال الجمهور فيه بالجزء الذي لا يتجزأ، فهذا لا برهان قطعياً عليه بعد، فإذا استطاع أحد أن يفسر العالم بنظرية أخرى لا تتناقض قبلناها منه. وأزيد أن إثبات أصول ديننا لا تتوقف على تسليم الجوهر الفرد فلا يضر ترك القول به إلى بدل يفسر العالم بأحسن أو تفسيراً مساوياً لتفسيرنا. كما أذكر ما نبه عليه شيخنا سعيد غفر الله له ولوالديه في بعض دروسه إلى إمكان الجمع بين القولين في نظرية ثالثة. وأنا فهمت من ذلك أنه يشير به إلى ما فعله علماء الفيزياء حين جمعوا بين النظرية الجسمية والنظرية الموجية لتفسير خصائص الضوء. وسأدعك تتأمل ما سأقوله الآن، وأكمل الكلام معك في مسألتك قدر ما تريد إن شاء الله، بعد أن أقرأك أكثر.

.. لقائل أن يقول: لا نسلم إمكان اجتماع ثلاثة الجواهر معاً على الصورة المذكورة في الفرض. لأنا نقول لم لا تكون على صورة أخرى لا يعقل فيها التماس. ونحن نعلم اليوم أن هذه المادة الممتدة كما نراها لو قدر وجود مجهر إلكتروني يكبر بما يكفي لرؤية الذرات لبانت الذرات بحيث لا يماس شيء منها الآخر، فكيف بالجواهر الفردة التي على فرض وجودها فإنها قطعاً أصغر من الذرات. وما يجمعها معاً على هذه الصورة هو القوى الكهربية وروابط طاقية معينة. بحيث تبقى في اتزان معين فإذا أثرت فيها مؤثرات أخرى انفعلت لتلك المؤثرات بحيث تحافظ دائماً على مسافة معينة بين الجواهر الفردة، فلا تتلاصق الجواهر. والمعنى الذي أرمي إليه هو أنه إذا جاز في العقل أن الجواهر تتلاصق وهماً فقط لا خارجاً، وأمكن تفسير امتدادات المادة دون التزام التصاقها، ألا يسقط السؤال؟ فتأمل.

وأيضاً لقائل أن يقول: الجوهر الفرد لا يمكن تصور الوجوه له، ليقال بعد ذلك يلزم إن وقع بين جوهرين أن يكون له وجهان فيلزم انقسامه فيبطل. لأنا نقول: إن الجوهر الفرد هو أدنى ما يمكن أن تتصور فيه المادة متحيزة، وما نراه من امتداد للمادة ليس إلا اجتماعاً للجواهر. وبهذه الهيئة الوضعية الجمعية تظهر صفات جديدة للمادة كأن يصير لها الجهة وغير ذلك من صفات العناصر والمركبات، ولكن قبل هذه الهيئة الاجتماعية فلا يوصف الجوهر الفرد عند انفراده بأن له جهة يمين أو يسار أو أن له لوناً وشكلاً معيناً... إلخ. فهو لبنة مادة العالم الأساسية التي لا تملك من صفات المادة إلا ما يصحح لها أن تكون كذلك، تصور أنه التحيز مثلاً.

ولقائل أن يقول: لم لا تكون الجواهر الفردة غير موجودة منفردة في الطبيعة، على الاستحالة، باعتبار أن الجوهر الفرد حالة غير مستقرة للمادة، بمعنى أنك إذا أردت تحطيم المادة إلى القدر الذي تكون فيه على عتبة الوصول إلى الجوهر الفرد استحالت المادة إلى شيء آخر، سمه طاقة إذا أردت وفقاً لآينشتين. حيث كان يقرر أن المادة والطاقة مظهران لنفس الشيء ويمكن تحويل إحداهما إلى الأخرى. والمعنى أن الطاقة هذه هي شيء آخر غير الجوهر الفرد، وليس لها جميع صفات المادة الجوهرية المعروفة. أفلا يمكن بذلك تفسير الكثير من المظاهر في العالم بناء على هذا الفرض. كما أود أن ألفت النظر إلى أن الجديد في هذا الفرض هو تصور الجوهر الفرد كحد لانقسام المادة لا يمكن بلوغه في الحقيقة، أي أن المادة تنقسم إلى قدر معين بحيث تحافظ على أدنى قدر ممكن من الصفات المادية، ثم إذا اضطررناها للانقسام بعد ذلك انحلت إلى شيء آخر ذي خواص جديدة سمه ما شئت. ولكن تنبه إلى أن هذا الشيء الجديد موسوم أيضاً بالحدوث، وهو من العالم، وبالإمكان معرفته، والعلاقة بينه وبين أصله الذي استحال عنه. وتأمل.

ثم لقائل أن يقول: إن الفرض مبني على تصور الجزء الذي لا يتجزأ جسماً، وهذا باطل. والدليل على ذلك أن السائل يتصور الجوهر جسماً هو قوله بأنه لا بد أن تكون له جهة تلاقي الجوهر الذي يليه، ولكني أقول هذه الملاقاة إما أن تكون في نقطة واحدة أو في أكثر من نقطة. وعلى الأول إما أن النقطة التي تلاقي الذي على اليمين هي عينها النقطة التي تلاقي الذي على اليسار فيبطل السؤال، أو غيرها فيلزم أن يكون الجوهر الفرد مركباً من أكثر من نقطة وعلى الأقل من نقطتين واحدة تلاقي الجوهر الذي على اليمين والأخرى تلاقي الذي على الشمال، ونحن فرضنا أن الجوهر الفرد غير مركب، وأنه هو عين النقطة تلك الشيء المبهم، الذي لا نعرف حقيقته، ولكنا نعرف شيئاً من أحكامه ولوازمه. فتأمل. وأصدقك القول أنني كثيراً ما حاولت تصور معنى لالتقاء نقطة بنقطة فلم أتمكن من ذلك. وهذا معلوم في الرياضيات على ما أظن.

ولقائل أن يقول أخيراً: إن من المبرهن عليه في الهندسة أنه إذا فرض ثلاثة نقاط على سطح، فبالإمكان إقامة ثلاثة مستقيمات تصل بينها، فإذا سلمنا فرض السائل، فاعلم أنه مهما فرضت لهذه النقاط من مواقع على السطح فبالإمكان دوماً حساب مسافة بين كل نقطتين، تعبر عن امتداد هذه المستقيمات بين النقاط الثلاث، فإذا أثبت مسافة وامتداداً بينها بطل القول بالالتصاق. وهذا جواب إلزامي كما لا يخفى. لأننا نظرياً في المستوى يمكننا فرض مسافات صغيرة جداً جداً قد لا يمكن أن تتحقق في الواقع عند القول بالجزء الذي لا يتجزأ. فتأمل.

والحق أخي الكريم، أنني كنت أتحرق شوقاً للفراغ الذي يمكنني معه أدرس بتفصيل ما استجد من النظريات الحديثة، وأفكر في أقوال القدماء أكثر في ضوء هذه النظريات. وطالما دعانا لذلك شيخنا السعيد. وأعلم أن له تحقيقات في هذا الباب غاية في اللطافة، وكان يذكر بعضها في دروسه. وأمثال هذه البحوث مشوقة جداً، وسوف أنقل موضوعنا هذا، وأجعله موضوعاً رئيساً للبحث فيه في المنتدى. ولعل من المشايخ من يجد من الفراغ ما يتيح له أن يدلي بدلوه فيه، فتعم الفائدة. وقد حاولت في هذه العجالة إثارة بعض الجهات للتفكير في هذه المسألة، وليس بالضرورة أنني قلت ما أتبناه أنا في مسألة الجزء الذي لا يتجزأ، وما زال هنالك الكثير عندي لأقوله، فإذا ظهرت همم في مقابل حماستي فيسعدني أن أستمر في الكلام، وللمتأمل أن يسرح نظره كما يحلو له.
وإلى لقاء بعد أن أقرأ رأيك فيما قرأت.
والسلام عليكم

الأزهري
29-08-2003, 16:34
الاعتقاد بالجوهر الفرد أمر ضروري في حقيقته وإنما الغامض الاصطلاح أمامعناه فلا غموض فيه وهو ضروري.

بلال النجار
30-08-2003, 11:00
الأخ الفاضل الأزهري المحترم،
السلام عليكم،

أرجو الله أن تكون في تمام الصحة والعافية، ولقد قرأت لك شيئاً مما نشرت، وإنه لمن دواعي غبطتي أن أتكلم مع فاضل مثلك.

ولي على ما كتبت ملحوظات:

قولك: (الاعتقاد بالجوهر الفرد أمر ضروري في حقيقته)
إن كنت تقصد الاعتقاد المنسوب إلى دين الإسلام فما موجب هذه الضرورة؟ وإن كنت تقصد انبناءه على تصديق ضروري بمعنى بديهي فلا نسلم هذه الضرورة بهذا المعنى لا نحن ولا من خالفنا على الأقل، ولو علم بالبداهة ثبوته ما خالف فيه من خالف، ولو قلت هذا الكلام ثم استدل علينا النافي العاقل لكفى ذلك في إسقاط بداهته، فكيف يقابل استدلاله بادعاء الضرورة غير المسلمة من الأشعرية أنفسهم، ألا ترى ذا تحكماً في مقابل استدلال النافي؟ ولعلك تعلم إقرار المحقيين من أصحابنا على ضعف أدلة الطرفين نفياً وإثباتاً، وأنهم يستدلون على الإثبات، فماذا تريد أكثر من هذا دليلاً على نظري إثباته واعتقاده.

قولك: (وإنما الغامض الاصطلاح أما معناه فلا غموض فيه وهو ضروري)
تسليم غموض الاصطلاح عند وضعه لمعنى ضروري التصور إذا أردت منه أنه السبب في نفي النافي، فلو كان هذا صحيحاً لكفانا التنبيه على أن هذا المصطلح موضوع بإزاء ذلك المعنى ليفهم فيصدق بثبوته. ولكن المعنى نفسه مختلف فيه بيننا وبين الحكماء وبعض المعتزلة. ثم سلمنا بداهة تصوره لكن تصوير مرادنا ومرداهم من إطلاقه لا يكفي للحكم عليه إثباتاً ونفياً. ولو كان إثباته من باب التصديقات البديهية ما احتاج منا أكثر من تصويره. ولكن محل النزاع هو في التصديق بتصويرنا، فما وجه حكمك بضرورة ثبوته، والخلاف فيه؟ وإن أردت بغموضه كونه سبباً في غير ذلك فبين لنا مدخليته في ما نحن فيه من نفي وإثبات.
وسؤال السائل بعض الوارد على إثباته، فبينت ما بينت، ووسعت البحث في السؤال. فالمشارك إما أن يرد الشبهة بالجواب، أو يعضدها فيقوي شبهة الخصم، أو يناقش ما تناولته من كلام، وأنت كأنك رددت الشبهة وأثبت القول به مدعياً ضرورة هذا الثبوت، ولكن الخلاف بين العقلاء في ثبوته لم يزل مستمراً من قديم الزمان، فهذا غريب. فما قولكم دام فضلكم؟
والسلام عليكم ورحمة الله

الأزهري
19-12-2005, 19:07
لا إله إلا الله !!

ما رأيت هذا الكلام من فضيلة الشيخ النجار إلا الساعة فاعذر أخي وسامح عفا الله عنا وعنك، والأمر بعد ذلك إليك فإن كنت منصرفا عنه تركناه أو مقبلا عليه أعدناه.