المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جواهر النفى فى كتاب الله



اسامة محمد خيري
05-01-2015, 13:58
الجوهرة الاولي

{ ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}

قال السمين الحلبي فى الدر المصون:

قوله: { فَلاَ رَفَثَ } الفاءُ: إمَّا جوابُ الشرطِ، وإمَّا زائدةٌ في الخبرِ على حَسَبِ النحويين المتقدمين. وقرأ أبو عمرو وابن كثير بتنوين " رفث " و " فُسوق " ورفعِهما وفتحِ " جدال " ، والباقون بفتح الثلاثة، وأبو جعفر - ويروى عن عاصم - برفع الثلاثة والتنوين، والعطاردي بنصب الثلاثة والتنوين.

فأمَّا قراءة الرفع ففيها وجهان، أظهرُهما: أنَّ " لا " ملغاةٌ وما بعدها رفعٌ بالابتداء، وسَوَّغ الابتداء بالنكرةِ تقدُّم النفيِ عليها. و " في الحجّ " خبرُ المبتدأ الثالث، وحُذِفَ خبرُ الأولِ والثاني لدلالةِ خبرِ الثالثِ عليهما، أو يكونُ " في الحج " خبرَ الأول، وحُذِفَ خبرُ الثاني والثالث لدلالةِ خبرِ الأولِ عليهما، ويجوزُ أَنْ يكونَ " في الحج " خبرَ الثلاثة.

ولا يجوزُ أن يكونَ " في الحج " خبرَ الثاني، وحُذِفَ خبرُ الأولِ والثالثِ لقُبْحِ مثل هذا التركيب، ولتَأْدِيَتِهِ إلى الفَصْلِ.

والثاني: أن تكون " لا " عاملَةً عملَ ليس، ولعملِها عملَها شروطٌ: تنكيرُ الاسم، وألاّ يتقدَّم الخبرُ ولا ينتقض النفيُ، فيكونُ " رفث " اسمَها وما بعدَه عطفٌ عليه، و " وفي الحجِّ " الخبرُ على حسَبِ ما تقدَّم من التقادير فيما قبلَه. وابنُ عطية جَزَمَ بهذا الوجهِ، وهو ضعيفٌ لأنَّ إعمالَ " لا " عَمَلَ ليس لم يَقُمْ عليه دليلٌ صريحٌ، وإنما أنشدوا أشياءَ محتملةً، أنشد سيبويه:
880 ـ مَنْ صَدَّ عن نيرانِها فأنا ابنُ قيسٍ لا براحُ
وأنشد غيره:
881 ـ تَعَزَّ فلا شيءٌ على الأرضِ باقيا ولا وَزَرٌ مِمَّا قَضَى اللَّهُ واقِيَا
وقول الآخر:
882 - أَنْكَرْتُها بعد أعوامٍ مَضَيْنَ لها لا الدارُ داراً ولا الجيرانُ جيرانا
وأنشدَ ابنُ الشجري:
883 ـ وحَلَّتْ سوادَ القلبِ لا أنا باغياً سِواها ولا في حُبِّها متراخِيا
والكلامُ في هذه الأبيات له موضعٌ غيرُ هذا.

وأمَّا مَنْ نَصَبَ الثلاثةَ منونةً فتخريجُها على أن تكونَ منصوبة على المصدرِ بأفعالٍ مقدرةٍ من بفظِها، تقديرُه: فلا يَرْفُثُ رَفَثَاً ولا يَفْسُقُ فُسوقاً ولا يجدال جِدالاً، وحينئذٍ فلا عمل للا فيما بعدها، وإنما هي نافيةٌ للجمل المقدرة، و " في الحجِّ " متعلِّقٌ بأيِّ المصادرِ الثلاثةِ شِئْتَ، على أن المسألة من التنازعِ، ويكونُ هذا دليلاً على تنازع أكثرَ مِنْ عاملين، وقد يمكنُ أن يُقَال: إن هذه " لا " هي التي للتبرئِة على مَذْهَبِ مَنْ يرى أنَّ اسمهَا معربٌ منصوب، وإنما حُذِفَ تنوينُه تخفيفاً، فروجعُ الأصلُ في هذه القراءة الشاذةِ كما روجع في قوله:
884 ـ ألا رجلاً جَزاه اللهُ خيراً .........................
وقد تقدَّم تحريرُ هذا المذهبِ.

وأمَّا قراءةُ الفتحِ في الثلاثةِ فهي " لا " التي للتبرئةِ. وهل فتحةُ الاسمِ فتحةُ إعرابٍ أم بناءٍ؟ قولان، الثاني للجمهورِ. وإذا بُني معها فهل المجموع منها ومن اسمِها في موضعِ رفعٍ بالابتداء، وإن كَانَتْ عاملةً في الاسمِ النصبَ على الموضع ولا خبرَ لها؟ أو ليس المجموعُ في موضعِ مبتدأ، بل " لا " عاملةٌ في الاسمِ النصبَ على الموضعِ وما بعدها خبرٌ لـ " لا " ، لأنها أُجْرِيَتْ مُجْرى " أنَّ " في نصبِ الاسمِ ورفعِ الخبر؟ قولان، الأولُ قولُ سيبويه، والثاني قولُ الأخفش. وعلى هذين المذهبين يترتَّب الخلافُ في قوله " في الحج " فعلى مذهبِ سيبويه يكونُ في موضعِ خبرِ المبتدأ، وعلى رأي الأخفش يكونُ في موضعِ خبرِ " لا " ، وقد تقدَّم ذلك أولَ الكتابِ، وإنما أُعيدُ بعضَه تنبيهاً عليه.

وأمَّا مَنْ رفع الأوَّلَيْن وفتحَ الثالث: فالرفعُ على ما تقدَّم، وكذلك الفتحُ، إلا أنه ينبغي أَنْ يُتَنَبَّه لشيءٍ: وهو أنَّا إذا قلنا بمذهبِ سيبويه من كونِ " لا " وما بُني معها في موضعِ المبتدأ يكونُ " في الحج " خبراً عن الجميع، إذ ليس فيه إلا عَطْفُ مبتدأٍ على مبتدأ. وأمَّا على مذهبِ الأخفشِ فلا يجوز أن يكونَ " في الحج " إلا خبراً للمبتدأيْنِ أو خبراً لـ " لا ". ولا يجوزُ أن يكونَ خبراً للكلِّ لاختلافِ الطالبِ، لأنَّ المبتدأ يَطْلُبه خبراً له ولا يطلبُه خبراً له.

وإنما قُرِىء كذلك، قال الزمخشري: " لأنهما حَمَلا الأوَّلَيْنِ على معنى النهي، كأنه قيل: فلا يكونَنَّ رفثٌ ولا فسوقٌ، والثالِثُ على معنى الإِخبار بانتفاءِ الجدال، كأنه قيل: ولا شكَّ ولا خلافَ في الحج " واستدلَّ على أنّ المنهيَّ عنه هو الرفثُ والفسوقُ دونَ الجدالِ بقولِه عليه السلام:" مَنْ حَجَّ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ " وأنه لم يَذْكُرِ الجدالَ. وهذا الذي ذكره الزمخشري سبقه إليه صاحبُ هذه القراءة، إلا أنه أفصحَ عن مرادِه، قال أبو عمرو بن العلاء - أحد قارئيها -: الرفعُ بمعنى فلا يكونُ رفثٌ ولا فسوقٌ؛ أَيْ شيءٌ يَخْرُج من الحَجِّ، ثم ابتدأ النفيَ فقال: " ولا جدالَ " ، فأبو عمرو لم يجعل النفيَيْن الأوَّلَيْن نهياً، بل تركهما على النفي الحقيقي؛ فمِنْ ثَمَّ كان في قولِه هذا نظرٌ؛ فإنَّ جملة النفيِ بلا التبرئةِ قد يرادُ بها النهيُ أيضاً، وقيل ذلك في قوله:
{ لاَ رَيْبَ فِيهِ }
[البقرة: 2]. والذين يظهر في الجوابِ عن ذلك ما نقله أبو عبد الله الفاسي عن بعضهم فقال: " وقيل: الحُجَّةُ لمَنْ رفعهما أنَّ النفي فيهما ليس بعامٍّ، إذ قد يقع الرفث والفسوق في الحج من بعضِ الناسِ بخلاف نفي الجدال في أمر الحج فإنه عامٌّ... " وهذا يتمشَّى على عُرْفِ النحويين فإنهم يقولون: لا العاملةُ عملَ " ليس " لنفي الوَحْدة، والعاملةُ عملَ " إنَّ " لنفي الجنس، قالوا: ولذلك يُقال: لا رجلَ فيها بل رجلان أو رجال إذا رفعت، ولا يَحْسُن ذلك إذا بَنَيْتَ اسمَها أو نَصَبْتَ بها. وتوسَّط بعضُهم فقال: التي للتبرئة نصٌّ في العمومِ، وتلك ليست نَصَّاً، والظاهرُ أنَّ النكرةَ في سياق النفي مطلقاً للعموم.

وقال القرطبي فى تفسيره

الثامنة: قوله تعالى: { وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ } قُرِىء «فَلاَ رَفَثٌ وَلاَ فُسُوقٌ» بالرفع والتنوين فيهما. وقرئا بالنصب بغير تنوين. وأجمعوا على الفتح في «ولا جدال»، وهو يقوّي قراءة النصب فيما قبله، ولأن المقصود النفي العام من الرفث والفسوق والجدال، وليكون الكلام على نظام واحد في عموم المنفي كلّه؛ وعلى النصب أكثر القرّاء. والأسماء الثلاثة في موضع رفع، كل واحد مع «لا». وقوله «في الحج» خبر عن جميعها. ووجه قراءة الرفع أن «لا» بمعنى «ليس» فٱرتفع الاسم بعدها، لأنه ٱسمها، والخبر محذوف تقديره: فليس رفث ولا فسوق في الحج؛ دّل عليه «في الحج» الثاني الظاهر وهو خبر «لا جدال». وقال أبو عمرو بن العلاء: الرفع بمعنى فلا يكونن رفثٌ ولا فسوقٌ؛ أي شيء يُخرج من الحج، ثم ٱبتدأ النفي فقال: ولا جدال.

قلت: فيحتمل أن تكون كان تامة، مثل قوله: { وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } فلا تحتاج إلى خبر. ويحتمل أن تكون ناقصة والخبر محذوف، كما تقدّم آنفاً.

ويجوز أن يرفع «رفث وفسوق» بالابتداء، « ولا» للنفي، والخبر محذوف أيضاً. وقرأ أبو جعفر بن القَعْقاع بالرفع في الثلاثة. ورُويت عن عاصم في بعض الطرق، وعليه يكون «في الحج» خبر الثلاثة، كما قلنا في قراءة النصب؛ وإنما لم يحسن أن يكون «في الحج» خبر عن الجميع مع ٱختلاف القراءة، لأن خبر ليس منصوب وخبر «ولا جدال» مرفوع؛ لأن «ولا جدال» مقطوع من الأوّل وهو في موضع رفع بالابتداء، ولا يعمل عاملان في ٱسم واحد. ويجوز «فلا رَفَثَ ولا فسوقٌ» تعطفه على الموضع. وأنشد النحويون:
لا نَسَبَ اليومَ ولا خُلّةٌ اتّسع الخَرْقُ على الرّاقعِ
ويجوز في الكلام «فلا رفثَ ولا فسوقاً ولا جدالاً في الحج» عطفاً على اللفظ على ما كان يجب في «لا». قال الفَرّاء: ومثله:
فلا أبَ وٱبناً مثلَ مروانَ وٱبنهِ إذا هو بالمجدِ ٱرْتَدَى وتأزّرَا
وقال أبو رجاء العطاردي: «فلا رفثَ ولا فسوقَ» بالنصب فيهما، «ولا جدالٌ» بالرفع والتنوين. وأنشد الأخفش:
هذا وجَدّكم الصَّغار بعينه لا أُمَّ لِي إن كان ذاك ولا أبُ
وقيل: إن معنى «فلا رفث ولا فسوق» النهي؛ أي لا ترفثوا ولا تفسقوا. ومعنى «ولا جدال» النفي، فلما ٱختلفا في المعنى خولف بينهما في اللفظ. قال القشيري: وفيه نظر، إذ قيل: «ولا جدال» نهي أيضاً؛ أي لا تجادلوا، فلم فرق بينهما.

اسامة محمد خيري
07-01-2015, 10:59
الجوهرة الثانية

{ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ } * { إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ }

قال ابن عاشور فى التحرير:

فقوله: { فلا تنسى } خبر مراد به الوعد والتكفل له بذلك.

والنسيان: عدم خطور المعلوم السابق في حافظة الإنسان برهة أو زماناً طويلاً.

والاستثناء في قوله: { إلا ما شاء اللَّه } مفرّع من فعل { تنسى } ، و(ما) موصولة هي المستثنى. والتقدير: إلا الذي شاء الله أن تنساه، فحذف مفعول فعل المشيئة جرياً على غالب استعماله في كلام العرب، وانظر ما تقدم في قوله:
{ ولو شاء اللَّه لذهب بسمعهم وأبصارهم }
في سورة البقرة (20).

والمقصود بهذا أن بعض القرآن ينساه النبي إذا شاء الله أن ينساه. وذلك نوعان:

أحدهما: وهو أظهرهما أن الله إذا شاء نسخ تلاوة بعض ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم أمره بأن يترك قراءَته فأمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بأن لا يقرأوه حتى ينساه النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون.
وهذا مثل ما روي عن عمر أنه قال: «كان فيما أنزل الشيخُ والشيخه إذا زنيا فارجموهما» قال عمر: لقد قرأنَاها، وأنه كان فيما أنزل: «لا تَرغبوا عن ءابائكم فإنَّ كفراً بكم أن ترغبوا عن ءابائكم». وهذا ما أشير إليه بقوله تعالى: { أو ننسها } في قراءة من قرأ:
{ نُنْسِها }
في سورة البقرة (106).

النوع الثاني: ما يعرض نسيانه للنبيء صلى الله عليه وسلم نسياناً موقتاً كشأن عوارض الحافظة البشرية ثم يقيض الله له ما يذكره به. ففي «صحيح البخاري» عن عائشة قالت: «سمع النبيءُ صلى الله عليه وسلم رجلاً يقرأ من الليل بالمسجد فقال: يرحمه الله لقد أذكَرَنِي كذا وكذا آيةً أسقطتهن أو كنت أنسيتُها من سورة كذا وكذا، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقط آية في قراءته في الصلاة فسأله أبَيّ بن كعب أُنسِخَتْ؟ فقال: «نسيتُها».

وليس قوله: { فلا تنسى } من الخبر المستعمل في النهي عن النسيان لأن النسيان لا يدخل تحت التكليف، أمَّا إنه ليست (لا) فيه ناهية فظاهر ومن زعمه تعسف لتعليل كتابة الألف في آخره.

وقال السمين الحلبي فى الدر المصون

{ فَلاَ تَنسَىٰ }: قيل: هو نَفْيٌ، أخبر تعالى أنَّ نبيَّه عليه السلام لا يَنْسَى. وقيل: نهيٌّ، والألفُ إشباعٌ، وقد تَقَدَّم نحوٌ مِنْ هذا في يوسف وطه. ومنع مكي أَنْ يكونَ نهياً لأنه لا يُنْهَى عمَّا ليس باختيارِه. وهذا غيرُ لازمٍ؛ إذ المعنى: النهيُ عن تعاطي أسبابِ النسيانِ، وهو شائعٌ.

وقال ابو حيان فى بحره:

سنقرِئك فلا تنسى } ، قال الحسن وقتادة ومالك: هذا في معنى
{ لا تحرك به لسانك }
[القيامة: 16] وعده الله أن يقرئه، وأخبره أنه لا ينسى، وهذه آية للرسول صلى الله عليه وسلم في أنه أمّيّ، وحفظ الله عليه الوحي، وأمنه من نسائه.

وقيل: هذا وعد بإقراء السور، وأمر أن لا ينسى على معنى التثبيت والتأكيد، وقد علم أن النسيان ليس في قدرته، فهو نهي عن إغفال التعاهد، وأثبتت الألف في { فلا تنسى } ، وإن كان مجزوماً بلا التي للنهي لتعديل رءوس الآي.

{ إلا ما شاء الله } ، الظاهر أنه استثناء مقصود. قال الحسن وقتادة وغيرهما: مما قضى الله نسخه، وأن ترتفع تلاوته وحكمه. وقال ابن عباس: إلا ما شاء الله أن ينسيك لتسن به، على نحو قوله عليه الصلاة والسلام: " أني لأنسى وأنسى لأسن " وقيل: إلا ما شاء الله أن يغلبك النسيان عليه، ثم يذكرك به بعد، كما قال عليه الصلاة والسلام، حين سمع قراءة عباد بن بشير: " لقد ذكرني كذا وكذا آية في سورة كذا وكذا " وقيل: { فلا تنسى }: أي فلا تترك العمل به إلا ما شاء الله أن تتركه بنسخه إياه، فهذا في نسخ العمل. وقال الفراء وجماعة: هذا استثناء صلة في الكلام على سنة الله تعالى في الاستثناء، وليس ثم شيء أبيح استثناؤه.

وأخذ الزمخشري هذا القول فقال: وقال: إلا ما شاء الله، والغرض نفي النسيان رأساً، كما يقول الرجل لصاحبه: أنت سهيمي فيما أملك إلا ما شاء الله، ولا يقصد استثناء شيء، وهو من استعمال القلة في معنى النفي، انتهى. وقول الفراء والزمخشري يجعل الاستثناء كلا استثناء، وهذا لا ينبغي أن يكون في كلام الله تعالى، بل ولا في كلام فصيح. وكذلك القول بأن لا في { فلا تنسى } للنهي، والألف ثابتة لأجل الفاصلة، وهذا قول ضعيف. ومفهوم الآية في غاية الظهور، وقد تعسفوا في فهمها. والمعنى أنه تعالى أخبر أنه سيقرئه، وأنه لا ينسى إلا ما شاء الله، فإنه ينساه إما النسخ، وإما أن يسن، وإما على أن يتذكر. وهو صلى الله عليه وسلم معصوم من النسيان فيما أمر بتبليغه، فإن وقع نسيان، فيكون على وجه من الوجوه الثلاثة.

اسامة محمد خيري
16-01-2015, 11:34
الجوهرة الثالثة


{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }

قال الشيخ ابن كثير فى تفسيره:

يقول تعالى: فسدد وجهك، واستمر على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملة إبراهيم، الذي هداك الله لها، وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها؛ فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره؛ كما تقدم عند قوله تعالى:
{ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ }
[الأعراف: 172]. وفي الحديث: " إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم " وسنذكر في الأحاديث أن الله تعالى فطر خلقه على الإسلام، ثم طرأ على بعضهم الأديان الفاسدة؛ كاليهودية والنصرانية والمجوسية.

وقوله تعالى: { لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ } قال بعضهم: معناه: لا تبدلوا خلق الله، فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فيكون خبراً بمعنى الطلب؛ كقوله تعالى:
{ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً }
[آل عمران: 97] وهو معنى حسن صحيح، وقال آخرون: هو خبر على بابه، ومعناه: أنه تعالى ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة، لا يولد أحد إلا على ذلك، ولا تفاوت بين الناس في ذلك. ولهذا قال ابن عباس وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك وابن زيد في قوله: { لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ } أي: لدين الله، وقال البخاري: قوله: { لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ } لدين الله، خلق الأولين: دين الأولين، الدين والفطرة: الإسلام.

حدثنا عبدان: أخبرنا عبد الله، أخبرنا يونس عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ " ثم يقول: " فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم " ..

قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثنا قتادة عن مطرف عن عياض بن حمار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم، فقال في خطبته: " إن ربي عز وجل أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا: كل ما نحلته عبادي حلال، وإِني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإِنهم أتتهم الشياطين، فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، ثم إن الله عز وجل نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم؛ عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظان، ثم إن الله أمرني أن أحرق قريشاً، فقلت: رب إذاً يثلغ رأسي، فيدعه خبزة، قال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق عليهم، فسننفق عليك، وابعث جيشاً، نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك ــــ قال ــــ: وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف فقير متصدق. وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له الذين هم فيكم تبع لا يبتغون أهلاً ولا مالاً، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك "

وقال ابن عاشور فى التحرير:

وجملة { لا تبديل لخلق الله } مبيِّنة لمعنى { فطرة الله التي فطر الناس عليها } فهي جارية مجرى حال ثالثة من { الدّين } على تقدير رابط محذوف. والتقدير: لا تبديل لخلق الله فيه، أي في هذا الدين، فهو كقوله في حديث أم زرع في قول الرابعة: زوجي كلَيْل تهامة لا حرَّ ولا قُرَّ ولا مخافة ولا سآمة أي في ذلك الليل.

فمعنى { لا تبديل لخلق الله } أنه الدين الحنيف الذي ليس فيه تبديل لخلق الله خلاف دين أهل الشرك، قال تعالى عن الشيطان:
{ ولآمرنهم فَلُيغيِّرُنَّ خلقَ الله }
[النساء: 119]. ويجوز أن تكون جملة { لا تبديل لخلق الله } معترضة لإفادة النهي عن تغيير خلق الله فيما أودعه الفطرة. فتكون { لا تبديل لخلق الله } خبراً مستعملاً في معنى النهي على وجه المبالغة كقوله
{ ولا تَقْتُلوا أنفسكم }
[النساء: 29]. فنفي الجنس مراد به جنس من التبديل خاص بالوصف لا نفي وقوع جنس التبديل فهو من العام المراد به الخصوص بالقرينة. واسم الإشارة لزيادة تمييز هذا الدين مع تعظيمه.

ملحوظة

{ وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلأَنْعَٰمِ وَلأَمُرَنَّهُمْفَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِوَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً }

قال ابن كثير فى تفسيره:

وقال ابن عباس في رواية عنه، ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والحكم والسدي والضحاك وعطاء الخراساني في قوله: { وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ }

يعني: دين الله عز وجل، هذا كقوله:
{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ }
[الروم: 30]
على قول من جعل ذلك أمراً، أي: لا تبدلوا فطرة الله

، ودعوا الناس على فطرتهم، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل مولود يولد علىالفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تجدون بها من جدعاء " ؟ وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم "