المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معنى الأحكام العقليّة الثلاثة



خالد محمد بوشافع
28-02-2005, 04:06
أريد أن أشرح الأحكام العقلية الثلاثة للطلبة مع العلم أن هؤلاء الطلبة ليس لهم إلمام بعلم الكلام و لا بالمنطق.
و هذا الدرس للمبتدئين في العقيدة, فهل لمن درس هذه الأحكام طريقة في ضرب امثلة غير التي ضربها أئمتنا في كتبهم كالتحيز و الجرم الخ

و يا حبذا من درس هذه المادة و بسطها بأمثلة فيفيدنا. وخاصة بأمثلة سهلة للفهم.

فهل من إفادة من درركم و خاصة المولعين بعلم المنطق.

و لقد اطلعت على الأحكام التي فصلها الشيخ سعيد حفظه الله و التي و ضعها الأستاذ جلال في المنتدى.

فيا ليت الأمثلة تكون أكثر من ثلاثة أمثلة لكا من الأحكام العقلية الثلاثة بدهيا كان أو نظريا.

الأستاذ بلال النجار و الشيخ سعيد أكون سعيدا جدا بتعليقاتكما النفيسة و كذلك الأستاذ جلال.

و لامانع ممن يتطوع لذلك ممن لهم تجربة و الله ملهم الجميع و موفقهم .

و أنتظر منكما قبل الثلاثاء

بارك الله فيكم

بلال النجار
28-02-2005, 14:26
بسم الله الرحمن الرحيم
أخي الفاضل خالد،
وصلتني رسالتك وأجبتك عنها. وفقكم الله تعالى، وسدّد خطاكم، وجزاكم خيراً على ما تقومون به من جهد في تدريس الطلاب، وإن شاء الله تعالى نكون عند حسن ظنّكم بنا، وأن يجعل جهودنا وجهودكم لنشر هذه العلوم الشريفة العزيزة في ميزان حسناتنا جميعاً. آمين.

وأما عن سؤالك، فيمكنك أن تشرح الحكم العقليّ للمبتدئين على نحو مما يلي:

تقول: الحكم لغة المنع. ومنه سمّي الحاكم حاكماً، لأنه يمنع الظالم من المظلوم.

والحكم اصطلاحاً: هو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه.

وينقسم إلى عقليّ وعاديّ وشرعيّ.

أما الشرعيّ فكقولك صلاة الظهر واجبة. ونحو ذلك، فههنا تلاحظ أنك تثبت الوجوب لصلاة الظهر. وكقولك التسبيح عقيب الصلاة ليس فرضاً. فههنا تلاحظ أنك نفيت الفرضية عن التسبيح عقيب الصلاة. وهذا واضح. وتلاحظ ههنا أن مصدر الإثبات والنفي ههنا هو الشرع، أي مأخذ هذا الحكم واستمداده إنما هو أصالة الشرع الحنيف.

وأما الحكم العادي: فهو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه أيضاً، ولكن مأخذ هذا الحكم ومصدره هو ما ثبت بالعادة المستقرة. كالقوانين الطبيعيّة التي ثبتت صحتها من ملاحظة العقول لانضباط العلاقة بين السبب والمسبب. والعادة لا تثبت إلا بتكرار توارد الحاسة على أمر معين بحيث كلّما لاحظته وجدته على وفق الملاحظة السابقة. وهذا معنى الانضباط.

فمثلاً: زيت الخروع المعروف في بلادنا بالشربة، قد ثبت أنه مسهل للبطن. وقد عرف ذلك من ملاحظة الناس أنه كلّما شرب أحد زيت الخروع حصل له إسهال يفرغ جميع ما في أمعائه. فاستقرت هذه العادة، وانضبطت، فجاز أن يؤخذ منها حكم قانونيّ أو عاديّ هو أنّ: زيت الخروع مسهل عادة.

ومن أمثلة الأحكام العاديّة:
الأقمار تدور حول الكواكب.
كلّ جسمين يتجاذبان بقوة تتناسب طردياً مع كتلتيهما وعكسياً مع مربع المسافة بينهما.
النار حارة، والنار محرقة للمواد العضوية.
الماس أصلب من الحديد، فلا ينخدش ولا يقطع به.
الحيوان يموت إذا لم يتنفس.
النبات الأخضر ينتج الأكسجين عند تعرّضه للضوء.
المطر لا يهطل بلا سحاب في السماء.
العصا خشبة ميّتة لا تتحوّل من ذاتها إلى حيّة تسعى.
الماء يشرب ولا يتحول إلى دم عبيط من ذاته.
القمر جسم متّصل ليس من شأنه أن ينشقّ إلى فلقتين ثمّ يعود إلى ما كان عليه بدعاء إنسان أن يحصل ذلك.
الإنسان إذا مات لا يقوم من قبره حياً كما كان.
الكلام البليغ عن أمر ما يمكن معارضته بكلام يضاهيه في البلاغة عن نفس الأمر.

وهكذا تلاحظ أنّ كلّ هذه الأحكام مستمدّة من العادة، فالحكم العادي حكم ثبت واستقر بسبب ملاحظة العقل لتكرار الحس على أمر ما، بحيث يلاحظ الانضباط في إمكانه أو استحالته أو وجوبه في الواقع المحسوس.
فإذا حصل أن اختلف واختل هذا الانضباط والنظام، علمنا أنّ هذا الخرق للقانون ليس من فعل البشر بل من فعل خالق البشر. لأنه فعل ليس بمنسجم مع القوانين النظاميّة المعلومة من الطبيعة. بل إنه قد حصل ولا شكّ بسبب ممن لا يحتكم لهذه القوانين. وهو خالق هذه القوانين. فالذي خلق القانون وقرر العادة، وأرادها على هذا النحو، قادر على أن يخالف عادته فيها، بحيث يفعل فعلاً يخرق به تلك العادة المستقرة. كما هو الحال في معجزات الأنبياء عليهم السلام التي فعلها الله تعالى تصديقاً لأنبيائه صلوات الله تعالى وسلامه عليهم.
وتلاحظ أنّ هذه الأحكام ليست مستمدّة من الشرع، ولا من العقل المستقلّ، بل مركبة من العقل والحس. دور الحس منحصر فيها بتوصيل الصورة المحسوسة للنفس. ودور العقل فيها هو ملاحظة الانضباط في الصور الحسيّة التي تأتيه من الحواس.
كما أنّك كلّما سخّنت ماء نقياً عن ضغط مساو للضغط عند سطح البحر غلى على درجة مائة مئوي، وكرّرت ذلك مرات ومرّات وحصل الغليان على نفس الدرجة، وفعل ذلك أناس آخرون في أماكن مختلفة فحصلوا على نفس النتيجة، فتكرار ذلك يجعل العقل يلاحظ الارتباط بين الضغط المساوي للضغط عند سطح البحر ودرجة حرارة المائة مئوي وبين غليان الماء من جهة أخرى. فيقطع العقل بعلاقة هذين الأمرين بغليان الماء، لأنّ كلّ انضباط في نتيجة تجربة، وراءه قانون عاديّ يمكن اكتشافه.
وعليه يحكم بوجوب غليان الماء عند هذه الدرجة المئوية وهذا الضغط الجوي. وهذا الوجوب ليس وجوباً عقلياً ولكنه وجوب عاديّ، لأن مقدّماته مأخوذة من ملاحظة الواقع المحسوس. فالعقل المستقل عن هذه التجربة يجيز أن يغلي الماء على درجة حرارة وضغط أقل من ذلك. لأنّ غليانه على درجة وضغط مختلفين أمر ممكن في العقل وليس بمحال ولا واجب.
ولذلك ترى أنّ خوارق العادات من المعجزات والكرامات أمور جائزة في العقل أن تحصل، مع أنّها مستحيلة عادة أن تحصل. فالمستحيل عادة قد يكون ممكناً عقلاً. فتنبّه لذلك.

أما الحكم العقليّ، فهو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه مأخوذاً من نفس العقل. وهو ثلاثة أقسام بالحصر التام لا رابع لها، وهي الوجوب والاستحالة والجواز.

فالوجوب العقلي هو عدم قبول الانتفاء في العقل، فالواجب ما لا يتصور العقل نفيه، أي ما لا يمكن للعقل أن ينفك عن إثباته.
ومن أمثلته:
أولاً: وجود فاعل لكلّ فعل. فلا يمكن أن يتصوّر العقل أن يقع فعل بلا فاعل. فوجود فاعل لكل فعل أمر واجب في العقل.
ثانياً: كون خالق العالم قادراً على الخلق. فلا يمكن أن يتصوّر العقل أن يقع من الإله خلق العالم دون أن يكون له قدرة على إيجاده من العدم. فلذلك قلنا إنّ القدرة واجبة للخالق عقلاً. فإذا ثبت عقلاً أنّ العالم مخلوق وقد ثبت. فيجب عقلاً أن يكون له خالق. لأنه لا فعل بدون فاعل كما قلنا. وإذا ثبت أنّ للعالم خالقاً، فيجب عقلاً أن يكون هذا الخالق قادراً.
ونحو هذا الكلام يقال في قدمه تعالى، وبقائه، ومخالفته للحوادث، وقيامه تعالى بنفسه، ووحدانيّته، وإرادته وعلمه وحياته. فكلّ ذلك واجب له تعالى بالعقل بكلّ وضوح. لذلك يمثّل المشايخ على الواجبات عقلاً بذات الله تعالى وصفاته. ويمكن تفهيم الطلاب ذلك بلا إشكال إن شاء الله تعالى.

والاستحالة ضد الوجوب فهي عدم قبول الثبوت في العقل، فالمستحيل ما لا يتصور العقل ثبوته، أي أن العقل لا ينفك عن نفيه وسلبه والحكم بعدمه كلما عرض مفهومه على العقل.
ومن أمثلته:
انتفاء فاعل لفعل.
واجتماع الضدّين في محلّ واحد. كالحكم بأنّ شيئاً ما هو متحرّك وساكن معاً، فهذا أمر محال في العقل.
وأيضاً كون الجسم في مكانين في زمان واحد. كأن تقول زيد موجود الآن في البيت وموجود في المدرسة في نفس الوقت. لأنّ العقل يلاحظ التلازم بين الجسم ومحلّه، ويحيل اختصاص الجسم الواحد بمكانين متضادين. ولعلك تلاحظ أنّ هذا المثال فرع استحالة اجتماع الضدّين في محلّ واحد.

وكذلك كون القديم جسماً. فهذا أمر مستحيل عقلاً. لأنّ الجسم حادث محتاج لمن يخصصه بالمقدار والمكان والزمان وصفاته العرضية، وهذا كلّه لا يكون إلا للحوادث. فيستحيل عقلاً كون الشيء قديماً حال اتصافه بصفات الحوادث. لذلك لمّا ثبت للإله سبحانه وتعالى القدم، استحال عليه اتصافه بشيء من صفات الحوادث. ووجب له المخالفة للحوادث في العقول السليمة.

ولعلّك تلاحظ أنّ كلّ ما وجب في العقل، استحال ضدّه في العقل أيضاً. لذلك يقول المشايح أنه يستحيل على الله سبحانه أضداد صفاته، فيستحيل عليه سبحانه وتعالى العجز وهو ضد القدرة، وكونه مضطراً وهو ضدّ كونه مريداً، والعدم وهو ضدّ الوجود، والجهل وهو ضدّ العلم، إلخ مما هو واضح إن شاء الله تعالى.

أما الجواز أو الإمكان العقلي فهو تمام القسمة العقلية بين الوجوب والاستحالة، فهو قبول الثبوت والانتفاء في العقل؛ فالجائز العقلي هو ما يتصور العقل ثبوته ونفيه، أي أنه عند عرضه على العقل فإن العقل ينفك عن إثباته كما ينفك عن نفيه.
وأمثلته لا تكاد تحصى. فكلّ الحوادث التي تقع في الوجود هي أمثلة على الممكنات العقليّة. لأنها لو وجبت لم تكن حادثة، ولو استحالت لم يجز أن تقع في الوجود، لأنّ المستحيل عقلاً لا يقبل الوجود، لأنّ نفس حقيقته ممتنعة الثبوت في العقل والواقع.

ودليل انحصار الأحكام العقليّة في هذه الثلاثة هو القسمة التامّة، وبيانها:
أن المعلوم إما أن لا ينفك العقل عن إثباته وهو الواجب لذاته، أوْ ينفك عن إثباته كما ينفك عن نفيه وهو الجائز لذاته، أو لا ينفك عن نفيه وهو الممتنع لذاته. ولا ثالث بين الإثبات والنفي كما هو مقرر. فثبت بذلك انحصار الأحكام العقليّة في الثلاثة المذكورة.

مما مضى تلاحظ أن المستحيل لا يمكن للعقل أن يحكم بوقوعه لأن ذات المستحيل غير قابلة للثبوت في نفسها، فلا تقبل إلا الانتفاء في العقل والواقع. أما الممكن فذاته تقبل الثبوت والانتفاء في العقل والواقع. وذات الواجب متصفة بالثبوت قطعاً ودائماً لأنها غير قابلة للانتفاء في العقل وعليه فلا يمكن انتفاؤها في الواقع. وهذه الأحكام الثلاثة عقلية، بمعنى أن الحاكم فيها إنما هو محض العقل، إذ لا يحتاج العقل في الحكم بالجواز أو الاستحالة أو الوجوب على أمر ما إلا إلى فهمه وإدراك معناه، أي تصوره ولو من وجهٍ ما بما يكفي للحكم عليه بهذه الأحكام. فإن تعذر تصوره مطلقاً ولو ببعض لوازمه الكافية لغرض الحكم عليه، تعذر الحكم عليه مطلقاً. وهذا هو المراد من عبارة المشايخ: (الحكم على الشي فرع عن تصوره).

واعلم أن المحتاج إليه لإطلاق هذه الأحكام لا يتعدى إدراك ذات المحكوم عليه إلى شيء آخر خارج عن مفهومه أبداً. وإن بعض الأمور الممكنة لذاتها أي بالنظر إلى ذاتها قد تكون واجبة لغيرها، أي أن العقل عند ملاحظة غيرها قد لا ينفك عن إثباتها فيحكم بوجوبها لا لذاتها بل لغيرها. ومثال الممكن في نفسه الواجب لغيره دخول أبي لهب النار. فإنه أمر ممكن أصلاً في نفسه وليس بواجب عقلاً ولا مستحيل عقلاً. ولكنّ الله تعالى أخبرنا أنه أراد دخول أب لهب النار. فصار دخوله النار أمراً واجباً لغيره، وهو إرادة الله تعالى ذلك. فهذا أمر ممكن عقلاً صار واجباً عقلاً لا لذاته بل لغيره. وكلّ ما تعلّقت إرادة الله تعالى بوقوع فيجب عقلاً وقوعه مع كونه ممكناً لذاته.
وكذلك فإن بعض الأمور الممكنة لذاتها قد تكون مستحيلة لغيرها لأن العقل حين يلاحظ أمراً خارجاً عنها فإنه لا ينفك عن نفيها، فيحيلها لا لذاتها بل لغيرها. ويمكن اختراع الكثير من الأمثلة على ذلك بسهولة إن شاء الله تعالى.
أما المستحيل لذاته فلا يجب ولا يمكن لغيره أبداً بأي حال من الأحوال، وكذلك الواجب لذاته فإنه لا يمكن ولا يستحيل لغيره أبداً. وأخيراً فإن هذه الأحكام لا تنقلب لذاتها أبداً، أي أن المستحيل لذاته لا يمكن أن ينقلب لذاته واجباً أو جائزاً، وكذلك الكلام في الواجب لذاته والجائز لذاته، فلا يمكن أن ينقلب أي منهما لذاته ليصبح حكماً عقليّاً آخر. وهذا هو المقصود من قول المشايخ: (انقلاب الأحكام العقلية محال).

تطبيق:
تعذيب المطيع وتنعيم العاصي أمران بالنظر إلى ذاتيهما جائزان عقلاً. ولكنك عند ملاحظة الشرع ووعد الله سبحانه بالجنة للمؤمنين وبالنار للكفار يحكم عقلك باستحالتهما لا لذاتيهما بل لغيرهما، وغيرهما هذا هو العلم باستحالة وقوعهما المأخوذ من خبر الصادق القطعي بأنّ من أطاع الله تعالى فله الجنّة، ومن عصاه فهو في النار. إذا توضّح ذلك، فإنك ستدرك معنى قول المشايخ (أن الله تعالى لا يجب عليه عقلاً تعذيب العاصي، ولا إثابة المطيع. وأنه يعذب من يشاء عدلاً منه تعالى، ويثيب من يشاء تفضلاً منه سبحانه ومنّاً على عباده).

أرجو بهذه العجالة أن أكون قد أتيت المطلوب دون تطويل ممل أو تقصير مخلّ. وإن بقي لك من استفسار فيسعدني أن أكون في عونك إن شاء الله تعالى بحسب استطاعتي. وقد تكلّمت في مسألة العادة، والحكم العاديّ في عدد من المشاركات في هذا المنتدى، انظر مثلاً الرد على مقالة العادة عند الأشاعرة في منتدى نقد الفلسفات المعاصرة، والروابط الموجودة فيها، فلعلك تجد فيها ما يفيد. والله تعالى الموفق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

بلال النجار
28-02-2005, 14:39
انظر يا أخي خالد هذا الرابط أيضاً عن العادة عند الأشعريّة

http://www.al-razi.net/vb/showthread.php?s=&threadid=1458

وأرجو أن لا تكرر نفس المشاركة في عدّة مواضيع، فقد أتغيب يومين أو ثلاثة عن المنتدى لظروف قاهرة ولكني أطالع ما يجري فيه باستمرار وأقول بالرد بحسب الوسع إن شاء الله تعالى. وقد وجدت كررت نفس الأسئلة الواردة ههنا في ثلاث مشاركات أخرى فقمت بحذفها لهذا السبب. وفقك الله تعالى، واسلم لأخيك.