المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تلخيص كتاب: مفهوم النص، لنصر حامد أبو زيد



عمر البوريني
15-01-2014, 06:22
بسم الله الررجمن الرحيم

هذا تلخيص لكتاب «مفهوم النص» لنصر حامد أبو زيد.
والكتاب مكون من ثلاثة أبواب ومقدمة، قمت بتلخيصها ماعدا الباب الثالث وهو المخصص -كما يزعم المؤلف- لنقد ما يسميه بمشروع أبي حامد الغزالي، أجلته لاحقا لأنه مبني على ما سبق، ولأن أخطاءه الكثيرة في فهم كلام الحجة لا يمكن اختصارها.

-آثرت في المقدمة تلخيصها على شكل اقتباسات مرتبة حسب الصفحة، مع التعليق عليها تحتها، ثم قمت بتلخيص تلك الاقتباسات ولم أشتاتها على شكل نقاط مرتبة ترتيبا موضوعيا جامعا بناء على وحدة الموضوع ومناسبتها لما بعدها مما هو مسطور في صلب الكتاب، مع الإحالة إلى كل صفحة تم الاقتباس منها.
-أما في العرض، فقد آثرت -لأجل الاختصار- التركيز على أهم النقاط التي يركز عليها المؤلف بصفتها نقاطا أساسية في موضوع يطرقه المؤلف، ومن ألفاظه هو، ولم أتصرف فيها إلا في القليل من أجل الشرح والبيان.
-وكل ما هو موجود داخل إطار الاقتباس فهو من كلام أبو زيد بنصه ولفظه، وغيره من تلخيصي لكلامه، أو من تعليقي على كلامه، شرحا أو نقدا.
-ولا ادعي فيه الغاية القصوى في إبراز الفكرة، فقط بذلت ما أستطيع بذله، رغبة في مشاركة نافعة في بيان حقيقة (العلمانية) من خلال تحليل لكلام أحد منظريها.
وأعتذر للقارئ مقدما على كثرة التكرار والإعادة والتطويل، ولم ألجأ إليه إلا لإبراز الفكرة الواحدة من نصوص متعددة، وهذا الهدف لا يحصل إلا بتكرار الفكرة كلما وردت في كلامه.
-الطبعة المعتمدة هنا طبعة الهيئة المصرية للكتاب، 1990
-تنبيه: ترتيب الصفحات في هذه الطبعة يختلف عن ترتيب الصفحات في طبعة المركز الثقافي العربي.

----------

وهذا تعريف موجز بالكاتب والكتاب:

- نصر حامد أبو زيد، مصري يحمل شهادة الدكوراه في اللغة العربية، وهو علماني ماركسي متطرف، عنده نزعة نفسية حاقدة على الأديان وأهلها بشكل عام وعلى الإسلام وأهله بشكل خاص، أثرت تلك النزعة كثيرا في كتبه على طريقة تأليفه مما أبعدها كثيرا عن المصداقية والحقيقة، ككذبته المعروفة على الإمام الشافعي، وشتائمه التي تطفح بها كتبه حتى تخرجها عما يدعيه من الموضوعية والبحث والعلم.
يتوسل دائما -كما هي عادة العلمانيين- بالطعن في المتدينين من شتى الصنوف للطعن في الدين نفسه، حيث يطعن في العلماء على سبيل المثال لأنهم يقولون بأن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ قبل نزوله واصفا إياهم بالمتخلفين والمشعوذين والملفقين أولا ثم واصفا لحقيقة اللوح المحفوظ بأنه أسطورة رجعية متخلفة!
وهو مع ادعائه الاجتهاد المطلق -كما صرح بذلك في بعض كتبه وبلسانه في مناظرته مع محمد عمارة على قناة الجزيرة في الاتجاه المعاكس- يطمح إلى تطبيق التجارب الغربية والشرقية -في ثورتهم على الكنيسة- على دين الإسلام، داعيا إلى الثورة على دين الإسلام بوصفه كذبة أو (عملية نصب كبرى) *[نقد خ د،ص11] افترتها أيدي العلماء تواطئا مع السلاطين والحكام:

” لا يمكن للعلمانية أن تتأسّس دون الإصلاح الديني الذي لم يتحقّق بعد عندنا، بل تحقّق في أوروبا القرن السادس عشر، سيقول لنا فلاسفة الفكر الإسلاميّ إنّ أوروبا احتاجت الإصلاح الديني بسبب "الكنيسة"، المرض الذي لا وجود له في حضارتنا. وهنا بالضبط يكمن الخطأ، فلدينا كنائس لا كنيسة واحدة، إذا كان معنى الكنيسة وجود سلطة، أو سلطات، تحتكر المعنى الديني، وتكفّر كلّ من يخالف هذا المعنى“ من موقع: الحوار المتمدن، عنوان المقال: الفزع من العلمانية -فصل الدين عن الدولة/ العدد3054- 5/7/2010
وفي كتابه «نقد الخطاب الديني» يرفض أن يكون «الإسلام هو الحل» لمشاكل الأمة اليوم، ويمتدح العلمانيين الرافضين لذلك الحل، حيث يقول:

”ولعل هذا الطرح يساهم بشكل أو بآخر في ترشيد الجدل السجالي القديم والمستمر من جانب الرافضين لمشروعية شعار «الإسلام هو الحل» وهو الاتجاه الثالث في التعامل مع ظاهرة المد الديني، ... بل هو تيار أصيل في فكرنا الحديث، لعل من أبرز ممثليه من يطلق عليهم اسم "التنويريين"، ويطلق على أصحاب هذا الاتجاه الآن اسم "العلمانيين"...“ ط3- ص9
وقال فيه:

”والخلاف يتركز حول المقصود من الدين كما يطرح ويمارس بشكل أيديولوجي نفعي من جانب اليمين واليسار على السواء، أم الدين بعد تحليله وفهمه وتأويله تأويلا علميا ينفي عنه الأسطورة ويستبقي ما فيه من قوة دافعة نحو التقدم والعدل والحرية؟ والعلمانية في جوهرها ليست سوى التأويل الحقيقي والفهم العلمي للدين“ ص11

إذن فالعلمانية عنده هي المذهب الوحيد الصحيح في فهم الدين، وكل المذاهب الأخرى مذاهب باطلة أسطورية خرافية متخلفة.. إلخ، والدين لم تعرفه الأمة الإسلامية من قبل مجيء أبو زيد، بل لم يوظفوا الدين إلا توظيفا نفعيا بمن فيهم نبي الإسلام ص ، بدليل أنه لم يختر دين الإسلام إلا لأن المصالح المادية فرضت عليه أن يختار هذا الدين بدلا عن غيره ليوحد به كلمة العرب ووجودهم الذي كان محاطا بالكثير من المخاطر. (مفهوم النص، ص72-74)
فلو ربطنا وصفه للنبي بأنه اختار الإسلام لكي يدر عليه وعلى قومه الربح الوفير بالنص التالي:

”وكانت الأسطورة أن التقوى تجلب البركة وتدر الربح الوفير“ اهـ نقد الخطاب الديني، ص11
لوجدنا حقيقة مذهبه العلماني وخلاصته.
ولو ربطنا النص الأخير بالنص التالي فحقيقة نظرته إلى النبي ص و إلى الإسلام تزداد وضوحا:


”تتحدث كثير من آيات القرآن عن الله بوصفه ملكا له عرش وكرسي وجنود، وتتحدث عن القلم واللوح،...وكلها تساهم إذا فهمت فهما حرفيا في تشكيل صورة أسطورية عن عالم ما وراء عالمنا المادي الماهد المحسوس،... ولعل المعاصرين لمرحلة تكون النصوص -تنزيلها- كانوا يفهمون هذه النصوص فهما حرفيا“ نقد الخطاب، 210
المقصود بالمعاصرين النبي ص وأصحابه كما يدل على ذلك توظيفه لهذا المصطلح في كل كتبه.
إذن، فالنبي والصحابة كانوا يفهمون القرآن فهما خرافيا أسطوريا ليدر عليهم الربح الوفير ... وهذا الاتهام لا نستغربه ممن لا يمانع بأن يصنف كعدو لدين الإسلام، أما أن يصدر ممن يدعي بأنه مجتهد مطلق فهو مرفوض، لا لأنه كفر فحسب، بل لأنه (استحمار) واستحقار للعقل الذي يدعي أبو زيد بأنه يخاطبه، (استحمار) لا مثيل له في تاريخ البشرية، إذ كيف تذم النبي ودينه بهذه الصورة القذرة ثم تعتبر نفسك جزءا من ذلك الدين الذي تصفه بالأسطورة والخرافة؟ أليس الاجتهاد من جزء من ذلك الدين؟ أليس العلماء الذين تصفهم بالمشعوذين هم الذين وضعوا مسمى الاجتهاد وشروطه؟
-وفي الكثير من كتبه ومقاللاته ومحاضراته ينكر -تصريحا- أن يكون هناك حقيقة مطلقة، وينكر أن يكون هناك شيء مقدس، لا الله ولا القرآن ولا الدين!
-وهو في معظم كتبه يكشف عن جهل عميق في أبسط مسائل التراث الإسلامي ينفيه عن أن يكون متدينا عاديا فضلا عن أن يكون مجتهدا، وهو في المقابل أكثر اطلاعا وتطبيقا للمناهج الغربية والإلحادية في نظرتها إلى الأديان.

----------

- أما فيما يخص كتابه هذا، فهدفه منه كما وضح في المقدمة هو إعادة صياغة لمفهومي القرآن والإسلام، حيث يقول:


” إن البحث عن مفهوم النص ليس في حقيقته إلا بحثا عن ماهية القرآن وطبيعته بوصفه نصا لغويا... فالقرآن كتاب الفن العربي الأقدس“ ص23
ولذلك:

”تستهدف هذه الدراسة تحقيق هدفين، أما أولهما فهو إعادة ربط الدراسات القرآنية بمجال الدراسات الأدبية والنقدية بعد أن انفصلت عنها... وعلى ذلك تقع هذه الدراسة في صميم الدرس الأدبي“ ص21-22

”فإن بلورة مفهوم للنص قد يزيل بعض جوانب هذا التعتيم“ ص18

”ومحاولة لاستقطار دلالة التراث لتأصيل مفهوم معاصر للنص“ ص22
محاولة لاستقطار دلالة التراث لتأصيل مفهوم النص لأنه يرى بأن نص القرآن منتج ثقافي، أي إن مادته ومعانيه "صنعة" و"إنتاج" من تلك الصنعات الثقافية للثقافة التي "شكلت" نص القرآن. وهو ما سأتي بالنص في صلب الكتاب.
أما الهدف الثاني فهو:

”محاولة تحيد مفهوم موضوعي للإسلام، مفهوم يتجاوز الطروح الأيديولوجية“ ص22.

” "إن دراستنا لمفهوم النص سعي لتحديد ماهية الإسلام“ ص30
وهو في إعادة صياغته لهذين المفهومين يدعي أنه سيدخل من مدخل اللغة بوصفها تجسيدا لتصورات الثقافة -التي صيغ فيها نص القرآن- وأفكارِها، فيقول:

”ومن الطبيعي أن يكون المدخل لدرس النص القرآني مدخل الواقع والثقافة... الواقع الذي ينتظم حركة البشر المخاطبين بالنص، وينتظم المستقبل الأول للنص وهو الرسول، والثقافة التي تتجسد في اللغة، بهذا المعنى يكون البدء في دراسة النص بالثقافة والواقع بمثابة بدءء بالحقائق الإمبريقية“ ص27
ثم قال:

”ومن أجل الكشف عن هذا التداخل العلاقي بين النص والثقافة تعتمد هذه الدراسة بصفة أساسية المدخل اللغوي“ ص28

فهو يرى بأن الثقافة السائدة متجلية في النصوص اللغوية، وبما أن خصمه يتفق معه في أن القرآن نص لغوي فلا مناص له -أي لخصمه- من أن يعترف بأن معاني القرآن ومفاهيمه..إلخ محصورة في تلك الثقافة، ولا تصلح للدلالة إلا في ذلك الواقع لأنها متصلة به، ولو تم توظيف تلك الدلالات في واقع جديد وثقافة جديدة فإن ذلك يفقد كونه نصا حيث يصير هناك (قفز على الواقع) أي انفصام بين الثقافة الجديدة التي حل فيها النص ضيفا و بين الثقافة الكامنة في النص.
وحقيقة هذا الكلام أن دلالات القرآن على الأحكام الشرعية لا تصلح لكل زمان ومكان، بل حتى لا تصلح إلا لزمان واحد ومكان واحد وهو زمان نزول القرآن ومكان تنزله، وهذا ما سنراه لاحقا.
وفي الحقيقة هذف أبو زيد الأهم من هذا الكتاب يتجلى في قوله :

" إن دراستنا لمفهوم النص سعي لتحديد ماهية الإسلام".
فهو يهدف أولا وأخيرا إلى تغيير معنى الإسلام كله.
وفي تحديده لمفهوم الإسلام ادعى بأن المدخل اللغوي هو مدخله، فقال:

”لا يمكن فهم طبيعة الرسالة التي يتضمنها النص إلا بتحليل معطياته اللغوية في ضوء الواقع الذي تشكل النص من خلاله“ ص30
فالإسلام كذلك ثقافة عاشت في واقع معين، وتشكل بسبب اختيار الناس له كحل للمشاكل التي كانت سائدة في ذلك الواقع بالخصوص، حتى إن النبي ص نفسه لم يختر الإسلام "لسواد عيونه" بل اختاره لأن الظروف المادية أجبرته على أن يختار هذا الدين -الإبراهيمية- بدلا عن غيره، وهذا ما سنراه منصوصا عليه في الكتاب.

وفيما سيأتي سوف نرى هل التزم أبو زيد في ادعائه بأن هذا الكتاب يمثل دراسة لغوية حقيقية أم أنه جعل اللغة غطاء يتسلل به إلى الطعن في القرآن وإعجازه بما يخالف اللغة نفسها، حتى صار كلامه جدلا فلسفيا عقيما، لا يعتمد لا على اللغة ولا على الثقافة وإنما على الفلسفة الماركسية المادية فحسب؟

----------

أما السبب الذي جعلني أضع هذا التلخيص في قسم علوم القرآن هو أن المؤلف زعم بأن كتابه هذا يخص علوم القرآن، حيث سمى كتابه: «مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن».
والحق يقال، إن هذا العنوان عنوان كاذب، لأنه مخالف لمضمون الكتاب الذي يمثل ردا علمانيا على علوم القرآن، فكان حريا به أن يسمي كتابه: «دراسة عن علوم القرآن من خلال كتاب الإتقان»، لأنه لم يتناول إلا مباحث جزئية في علوم القرآن في في كتابي الإتقان للسيوطي والبرهان للزركشي، وهما في الحقيقة بل كتاب واحد إلا أن السيوطي وسع بعض المسائل توسيعا بسيطا، فكتاب الإتقان للسيوطي نسخة عن برهان الزركشي، ثم يأتي أبو زيد ويقول: «في علوم القرآن» موهما بذلك أنه استقرأ علوم القرآن من مصادرها استقراء شاملا، والحقيقة أن علوم القرآن ليست منحصرة في هذين الكتابين، كلا، ولا ادعى ذلك مؤلفاهما، فهذا الزركشي -رضوان الله عليه- يقول بأنه لم يقصد بهذا الكتاب حصر مباحث علوم القرآن، وانه لم يتناول منها إلا ما قدر عليه، بل ما وضعه إلا ليكون مفتاحا لأبواب علوم القرآن، حيث قال في المقدمة:


” ولما كانت علوم القران لا تنحصر، ومعانيه لا تستقصى ، وجبت العناية بالقدر الممكن ... وضمنته من المعاني الانيقة، والحكم الرشيقة، مايهز القلوب طربا، ويبهر العقول عجبا، ليكون مفتاحا لابوابه، عنوانا على كتابه، معينا للمفسر على حقائقه، ومطلعا على بعض أسراره ودقائقه“ مقدمة البرهان.
و أبو زيد عندما يشتم علماء المسلمين لا يشتم السيوطي ولا الزركشي فحسب، بل يشتم علماء المسلمين كلهم، من فقهاء ومفسرين ومحدثين ومتكلمين ولغويين ...إلخ، قديمهم وحديثهم، ممن ألف في علوم القرآن وممن لم يؤلف، موهما بذلك أنه قد استقرأ علوم القرآن عند كل هؤلاء وعلى جميع المستويات، ولذلك نراه يكثر من ذكر التراث بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، مع أنه لم يتابع في كتابه إلا مسائل لا تتعدى أصابع اليد.
فإذا كان العنوان كذبة فما بالك بالباقي؟

----------

رقم الصفحة يليها النص من كتابه:


12- إن البحث عن مفهوم النص بحث عن البعد المفقود في هذا التراث.
12- لقد تنبه جيل الليبراليين المجددين لأهمية هذا البعد في تراثنا،ولكن صيحاتهم وتنبيهاتهم راحت أدراج الرياح.
12- إن البحث عن مفهوم النص ليس في حقيقته إلا بحثا عن ماهية القرآن وطبيعته بوصفه نصا لغويا، وهو يتناول القرآن من حيث هو كتاب العربية الأكبر، وأثرها الأدبي الخالد، فالقرآن كتاب الفن العربي الأقدس، سواء نظر إليه الناظرون أنه كذلك في الدين أم لا.

في هذا الكلام مقدمة مغالطة، ومصادرة على المطلوب، فلا أحد أصلا يتفق معه على أن القرآن أدب فني.
ومعنى كلامه أن القرآن ليس إلا كتابا أدبيا فنيا فحسب، ولو نظر إليه الناظرون -نظرة تقوم على أساس الدين- أي أنه ليس كذلك في الدين، فلا عبرة بهذه النظرة، بل النظرة الدينية إلى هذا النص لا عبرة بها حتى ولو وافقت، فهو كتاب أدب سواء كان كذلك في الدين أم لا!
وإذا كان الأمر كذلك فهذا يعني أن مضمون القرآن ليس دينا بل فن وأدب فقط، لأن النظرة الدينية لا ينظر بها إلا إلى مضمون ديني، و النظرة الفنية لا ينظر إليها إلا إلى مضمون فني، وبما أن القرآن لا يجوز النظر إليه نظرة دينية بل فنية فمضمونه إذن فن وادب لا دين وشريعة.
والفن لا يكون فنا إلا في حالتين، الاولى أن يكون فاعله (المرسل) قاصدا به أن يكون فنا، بغض النظر عن الستقبل، والثانية أن يكون فنا من وجهة نظر المستقبل حتى ولو لم يقصد المرسل جعله فنا، أي يكون اعتبار الفنية فيه خارجا عن مقصود المرسل وراجعا إلى مقصود المستقبل، وما يتوافق مع كلامه السابق هو الحالة الثانية، فإرادة الله من كلامه ملغية، والعبرة بالنظرة الفنية للقرآن الخارجة عن مقصود المرسل (الله).
والفن في الحالة الثانية يصنف علميا ضمن أبواب النقد الأدبي، أي إن المتلقي عندما يستقبل النص يجد فيه من التفنن ما لم يكن يقصده الفنان نفسه، فالوظيفة هنا -في تذوق مواطن الجمال وإبراز المعاني الفنية الجديدة الإبداعية- ليست وظيفة المرسل ففد عبر المرسل واستقال عن نصه، بل الوظيفة هنا صارت للمتلقي فحسب، تماما كما نشاهد في الفنون التي تنتجها النحلة مثلا، فهي غير واعية بالمعاني الفنية التي تنتجها في بناء مساكنها، ولكننا نجد لفنها معان جديدة غير الذي قصدته النحلة، بغض النظر عن أن النحلة قصدت ذلك التفنن أو لا، فشعورنا بجماليات فنها لا يتوقف على مغرفتنا لمقصودها من ذلك العمل الذي قامت به...
ولو طبقت هذه النظرية على القرآن فالنتيجة واضحة، وهي تحييد لإرادة الله من رسالته وتفريغ للقرآن عن مضمونه، وجعله مباحة أم كل إنسان يأخذ منه ما يشاء و يترك منه مايشاء متأولا للقرآن على هواه وعلى وفق مايحب ويشتهي، فضلا عما يدل عليه من إلغاء لإعجاز القرآن، وكل هذه النتائج التي يدل عليها كلام أبو زيد ليست تقولا عليه، بل إنه ينص عليها في معظم كتبه نصا حرفيا، ومنها هذا الكتاب.
وكلامه التالي لو لم يفهم على هذا النحو فسوف يجده القارئ متناقضا وغير مفهوم، أو سوف يجده غير مترابط ولا منظوم، وهو ليس كذلك، بل هذا هو الأسلوب المفضل لدى العلمانيين في الإيهام والإبهام.

وتتميما لما سبق أكمل شارحا:

12- وهذا الدرس الدرس الأدبي للقرآن في ذلك المستوى الفني -دون نظر إلى اعتبار ديني- هو ما نعتده وتعتده معنا الأمم العربية أصلا، العربية اختلاطا، مقصدا أول وغرضا أبعد.

فلا عبرة بالدين في دراسة القرآن، ولا عبرة بالنتائج المبنية على النظر الديني للقرآن، وهذا مما أجمعت عليه الأمة الإسلامية قاطبة، عربيها وعجميها، والأمة الإسلامية كانت ولا زالت تعتد بدراسة (أبو زيد) للقرآن دراسة فنية أدبية مجردة عن المنطلقات الدينية.
إذن، يجب أن ننحي قواعد الدين جانبا في دراستنا للقرآن حتى نفهمه بالطريقة العلمانية المفضلة.
وليت شعري كيف له بهذه الجرأة حتى يدعي بأن الأمة كلها مثله لا تعتد بالدين مع أن الكثير من علماء بلده كفروه بهذا الكلام حتى طردوه خارج بلده؟ وإذا كان هذا حال علماء عصره -مع قلة بضاعتهم بالنسبة للأسلاف- فما بالك بعلمائنا القدماء؟
مثل هذه الكذبات «الأسطورية» تشكل ملمحا أسلوبيا في أدبيات الخطاب العلماني بشكل عام و خطاب أبو زيد بشكل خاص.
ولا أدري كيف انقلب الأمر في رأسه بعد أن كان: (البعد المفقود في هذا التراث) حتى صار: (تعتده معنا الأمم العربية)!

ثم أكمل النص السابق قائلا:

13- ثم لكل ذي غرض أو صاحب مقصد بعد هذا الوفاء بهذا الدرس الأدبي أن يعمد إلى ذلك الكتاب فيأخذ منه ما يشاء ويقتبس منه ما يريد.

هذه الجملة تصوب فهمي للكلام السابق، فهي نتيجة طبيعية من نتائج النظر الفني في القرآن، فبما أنه فن إذن يجوز لكل واحد أن يفهم هذا الفن كما يحب ويشتهي، تبعا لمشيئته هو لا لمشيئة المرسل وإرادته منه، لا يجوز النظر إلى القرآن لمعرفة مراد اله منه، بل لمعرفة مرادنا نحن منه... فتأمل، وهو ما يطلق عليه أبو زيد مصطلح (القراءة) أو (التأويل) للنصوص الدينية.
سوف يكون كتاب مفهوم النص برهنة على أن القرآن كتاب فن و متعة لا كتاب دين وشريعة، إن شئت أن تأخذ منه شيئا فلك ذلك، وإن لم تشأ فلك ذلك.

عمر البوريني
15-01-2014, 06:24
13- إن الدراسة الأدبية و محورها مفهوم النص هي الكفيلة بتحقيق وعي علمي نتاوز به موقف التوجيه الأيديولوجي... والبحث عن هذا المفهوم وبلورته وصياغته لا يمكن أن يتم بمعزل عن إعادة قراءة علوم القرآن قراءة جديدة باحثة ومنقبة.
ما هو القرآن؟ أبو زيد يقول بأن الإجابة عن هذا السؤال كانت خاطئة من قبل علماء المسلمين، ويريد هو -مع العلمانيين- أن يعطوا التعريف الصحيح للقرآن، وذلك بعد قراءتهم لعلوم القرآن.
وهو يؤكد بأن دراسة القرآن لا يجوز أن تكون دراسة دينية بل يجب أن تكون دراسة فنية، أي كما تتم قراءة الشعر و الفنون الأدبية الأخرى قراءة نقدية فلا بد أن يكون القرآن مثلها.
والمؤلف يصرح في هذا الكتاب بأن القرآن مثل الشعر وسجع الكهان، ولا فرق بينه وبينها إلا من حيث أن القرآن من الله -بالنسبة للمشركين- والشعر من الجن -بالنسبة للمشركين-، وسوف يأتي لاحقا.

---------



14- إن التأليف في علوم القرآن -كبرهان الزركشي و إتقان السيوطي- كان يتم من منطلق تصور ديني صاغته اتجاهات الفكر الرجعي في تيار الثقافة العربية الإسلامية، ... وهو تصور أقل ما يقال عنه الآن إنه تصور يعزل النص عن سياق ظروفه الموضوعية التاريخية، بحيث يتباعد به عن طبيعته الأصلية بوصفه نصا لغويا، ويحوله إلى شيء له قداسته بوصفه شيئا.

الزركشي والسيوطي من الاتجاهات الرجعية المتخلفة.
وهذه النظرة الحاقدة على علماء المسلمين -بما فيها من التبري مما هم عليه من دين- ليست راجعة إلى شخص الإمامين الزركشي والسيوطي فحسب، ولا على أمثالهما من العلماء، بل ترجع إلى حقد دفين على ذلك الدين الذي كانوا يدينون الله به، فهو يرى بأن هذا الدين ليس دين الله الحقيقي، بل يرى أنه "وضع" أو "نصب واحتيال" من قبل علماء المسلمين -على مر الزمن- تمت صناعته و إنتاجه تحت توجيهات السلاطين ليدر عليهم الربح الوفير ويمكن لهم في رقاب الناس.
فإذا كان أمثال هاذين العالمين هم الذين وضعوا معنى الاجتهاد وشروطه -وهو جزء من التراث الرجعي المتخلف- فلا شك بأن من يقبل أن يسمي نفسه "مجتهدا" -بناء على شروط يعتبرها رجعية- سيكون أكثر رجعية وتخلفا حيث عرف الباطل و فعله.
وهذا النص يفصح عن مشكلة أبو زيد مع القرآن، فمشكلته مع القرآن أنه "جُعِل" مقدسا، وبما أنه علماني ينفي أن يكون في العالم شيء مقدس في ذاته، فهو بالتالي سوف ينفي أن يكون القرآن مقدسا في نفسه مقدسا بالنسبة للمسلمين.


17- إن المطالبة بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية واعتبارها مطلبا أوليا في الفكر الديني المعاصر مع التسليم بصحة منطلقاتها النظرية وثب على الواقع.
معنى وثب على الواقع أي تقديم حل أونظام يرفضه الواقع لأنه لا يناسبه ولا يلبي احتياجاته، فلا يجوز لأحد أن يطبق في وقتنا احكام الشريعة الإسلامية لأن تطبيقها لا يصلح لزماننا.
إذا تعاملنا مع القرآن تعاملا فنيا لا دينيا كان من الطبيعي أن نتوصل إلى نتيجة لا دينية مغايرة للنتيجة التي يتوصل إليها النظر الديني متمثلة في شعار "تطبيق أحكام الشريعة".
ولو قلنا هذا لعلماني متأسلم هل تقول بأن تطبيق الشريعة لا يصلح لزماننا؟ فقد يقول: لا، بل يجب تطبيق أحكام الشريعة، ولكن ما هي أحكام الشريعة؟ ومن أين لكم بها؟
ولو قبل العلماني بشعار:"تطبيق الشريعة" فهو لا يعني ما نعنيه نحن، بل يعني شيئا آخر مناقض لما أجمع المسلمون على تسميته بالشريعة الإسلامية.
ولا أدري كيف جوز أبو زيد لنفسه أن يدعي بأنه مجتهد إسلامي نادر في نوعه والاجتهاد إنما هو استنباط الأحكام الشرعية العملية، أي التي يجب أن يعمل بها.
ولكن اللافت للانتباه في هذا الكلام -من حيث أسلوبه في الخطاب- أنه يجعل نفسه محاميا عن أحكام الشريعة ويجعل: 17-المطالب بتطبيق الشريعة:
" يتنكر دون أن يدري لمقاصد الوحي وأهداف الشريعة حين يفصل النص عن الواقع، وذلك بالمطالبة بتطبيق نص مطلق على واقع مطلق".
وهذه الجملة الأخيرة تفسر قاعدة مهمة يقوم عليها الكتاب بشكل خاص والفكر العلماني بشكل عام، حيث يرى العلمانيون بأن تطبيق الشريعة على واقعنا يؤدي إلى فصل النص (القرآن) عن الواقع، وذلك -كما شرحه في صلب الكتاب- أن القرآن معبر عن الواقع الذي صنع نصوص القرآن في شكلها ومضمونها، فهو نسخة مكتوبة عن ذلك الواقع الذي كان يعيشه النبي ص، وتطبيق أحكامه على واقعنا يصير مثل تطبيق ذلك الواقع القديم على واقعنا الجديد، فيكون النص منفصلا عن الواقع الجديد وتطبيق أحكامه تمثل وثبا على الواقع.
ولهذا يصر أبو زيد في هذا الكتاب على جعل القرآن نسخة مكتوبة عن الواقع الذي نزل فيه، حتى جعل القرآن حادثة تاريخية انتهت صلاحية تطبيقها عند انتهاء الزمن الذي وقعت فيه، وهذا لا يمنع عنده أن نعاود تناول هذه الواقعة التاريخية بطريقة جديدة (بالقراءة الجديدة)، طريقة تشبه تناولنا لأي حادثة فنية تاريخية أخرى، كالرسومات الموجودة على الآثار مثلا والتي وجدت لغرض ديني أو سياسي أو اجتماعي، ونحن في هذه الأيام لا نفهمها لتطبيق ما فيها من دين أو سياسة أو اقتصاد بل بل لكي نشعر بجمالياتها فحسب، أو كأواني الحجر والفخار مثلا، كان الناس قديما يستعملونها قبل للشرب والأكل و الطهي.. إلخ، بينما صارت اليوم بسبب التقدم الحضاري و تغير العادات والتقاليد توضع في المنازل للزينة، فاستخدام الإنسان لها تغير تبعا لتغير الثقافة والواقع، وهكذا النصوص الدينية ينبغي أن تتغير دلالاتها بتغير الثقافة والواقع.
إذن، فهو لايفهم تطبيق الشريعة إلا على أنه "فصل للنص عن الواقع" و"وثب على الواقع"، لماذا؟ لأن السبب عنده يرجع إلى طبيعة القرآن كنص لغوي معبر عن واقع بعينه، غير معبر عن أي واقع آخر إلا إذا أعيدت قراءته بتغيير دلالاته القديمة التي تشكل منها إلى دلالات مغايرة تتناسب والواقع الجديد، فهو بهذه (القراءة) يصير معبرا عن الواقع الجديد ودالا عليه لا على غيره، وهذا ما يعنيه أبو زيد بــ"مصداقية النص"، والنص عنده لا يكتسب مصداقيته إلا من حيث تعبيره عن الثقافة التي حل فيها.

-----------


17- إن بلورة مفهوم للنص قد يزيل بعض جوانب هذا التعتيم.
17- لا يمكننا أن نقلد القدماء، فقد عاش الدماء عصرهم، واجتهدوا،وأسسوا علوما...وصاغوا فكرا، ومجمل هذا كله هو «التراث» الذي ورثناه عنهم.
ماذا يقصد أبو زيد بقوله «التراث»؟
لقد شرح هذه الكلمة من خلال اقتباس من حسن حنفي في قوله:

”التراث إذن هو مجموعة التفاسير التي يعطيها كل جيل بناء على متطلباته... ليس التراث مجموعة من العقائد النظرية الثابتة والحقائق الدائمة التي لا تتغير، بل هو مجموع تحققات هذه النظريات في ظرف معين، وفي موقف تاريخي محدد، وعند جماعة خاصة تضع رؤيتها وتكون تصوراتها للعالم“ ص19
يقصد بالتراث التراث الديني، لأنه قال بأنه عقائد غير ثابتة وحقائق غير دائمة، والحقائق والعقائد هي الدين.
فليس هناك عقائد ثابتة دائمة الصحة لا تقبل البطلان بوجه، بل هناك مجموعة من التصورات البشرية تشكلت بسبب ظروف معينة، وكما أن القدماء صاغوا فكرا دينيا (الدين مادته) بناء على متطلبات عصرهم، فلنا -من وجهة نظر العلمانيين- أن نصوغ فكرا دينيا (يكون الدين مادته) مختلف بناء على متطلبات عصرنا!

-----------


21- إن دراسة النص من حيث كونه نصا لغويا، أي من حيث بناؤه وتركيبه ودلالته وعلاقته بالنصوص الأخرى في ثقافة معينة، دراسة لا انتماء لها إلا لمجال الدراسات الأدبية في الوعي المعاصر،... قد يقال إن النص القرآني نص خاص، وخصوصيته نابعة من قداسته وألوهية مصدره. لكنه رغم ذلك يظل نصا لغويا ينتمي لثقافة خاصة، وهو ما نأمل أن تكشف عنه هذه الدراسة لمفهوم النص.

النص -والقرآن نص- لا يمكن دراسته دراسة دينية، بل يجب دراسته دراسة أدبية في شكله ومضمونه، كما ندرس المعلقات أوالروايات والمسرحيات أو أي فن آخر من الفنون الأدبية دراسة ذوقية جمالية.
وما الضرر في اعتبار اقرآن نصا أدبيا فنيا؟ يؤدي ذلك إلى أن لايوجد له دلالات نهائية وثابتة يمكن الوثوق بأنها هي المرادة من هذا الخطاب الإلهي دون غيرها، فتتحول دلالات القرآن ومعانيه كلها إلى نصوص تاريخية ادبية قابلة للتغيير والترك بتعدد القراءات و الأفهام، وتستحق كل قراءة من هذه القراءات الترك والتغييروالإضراب عنها، لأن فهم النصوص الأدبية فهم نسبي قابل للاختلاف والتعدد، ولو اعتبرناه نصا أدبيا فيجب أن نعامله كما نتعامل مع النصوص الأدبية الأخرى.
ومن التطبيقات العملية على هذا الكلام أن أبو زيد زعم في هذا الكتاب بأن القرآن مثل الشعر وسجع الكهان، ولا فرق بينهما إلا في الإعجاز الذي يعني به أن القرآن -بالنسبة للمسلمين- من الله الخالق إلى الإنسان المخلوق، أما الشعر فهو غير معجز لأنه من الجن المخلوق إلى الإنسان المخلوق. وهذا التحريف لمصطلحات الدين يسميه العلمانيون بـ"زحزحة المفاهيم".
ولما كانت هذه النظرة إلى القرآن توصل إلى هذه النتيجة كان من الطبيعي أن يقترن الكلام بالحديث عن "قداسة" القرآن من حيث أنه لا يجوز اعتبارها ولا الاهتمام بها، أصلا إذا صار معنى الإعجاز كما ابتدعه أبو زيد فمن الطبيعي أن لايعود لإعجاز القرآن قداسة أو احترام.
ولو كان الشيء يصير معجزة لأنه من الله فكل شيء من الله يصير معجزة كالقرآن!
ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.

عبد الله عبد الحى سعيد
15-01-2014, 14:21
أرى أن الرجل أقل من أن يتحدث عنه أحد!!
ولكن لا بأس فقد اختلفت فبه الآراء ولكنكم قمتم مشكورين بإلقاء الضوء على ماكان خافيا على مثلى من حال هذا المرتد..


”تتحدث كثير من آيات القرآن عن الله بوصفه ملكا له عرش وكرسي وجنود، وتتحدث عن القلم واللوح،...وكلها تساهم إذا فهمت فهما حرفيا في تشكيل صورة أسطورية عن عالم ما وراء عالمنا المادي الماهد المحسوس،... ولعل المعاصرين لمرحلة تكون النصوص -تنزيلها- كانوا يفهمون هذه النصوص فهما حرفيا“ نقد الخطاب، 210
لقد قرأ الرجل كثيرا من علوم الدين ولكن لم ينتفع بشئ من ذلك فهو ينطبق عليه قول الله تعالى :

"ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ( 176 ) الأعراف
صدقت يا إلهى..

عمر البوريني
21-01-2014, 17:23
---

22- وإذا كان مفهوم النص مفهوما محوريا في علوم القرآن فهو بالمثل مفهوم محوري في الدراسات الأدبية.

هنا يقدم المؤلف مقدمة مشتملة على مغالطة.
والمقدمة تتكون من جزئين:
الأول: أن القرآن نص.
والثاني: كل نص يجب أن يدرس دراسة أدبية.
والنتيجة: بما أن القرآن نص وكل نص يجب أن يدرس دراسة أدبية فالقرآن يجب أدن يدرس دراسة أدبية.
المغالطة التي تسببت في خطأ النتيجة هي المقدمة الثانية، لأنه ليس كل نص يجب أن يدرس دراسة أدبية، فنجن قد ندرس نص السياسيين دراسة سياسية، والنصوص التاريخية ندرسها دراسة تاريخية، بمعنى أن كل نص يجب أن يدرس بناء على الإرادة التي نشأ عنها هذا النص، وإلا كان ضربا من الكذب على النص نفسه وعلى صاحبه.
والنص في حقيقته ليس إلا إرادة مكتوبة أو محكية، فإرادة الله مكتوبة في نص القرآن، محكية أيضا على لسان رسوله، ولا أظن أمثال أبو زيد ولا غيره ينكرون أن القرآن دين، وإذا كان القرآن دينا فلم لا ندرسه دراسة دينية؟
ومن الواضح أن اعتبار القرآن نصا أدبيا يلغي كونه معجزة، ولهذا فالمؤلف اعتبر إعجاز القرآن لاغيا.
و فيه إلغاء الإلزامية في اتباع القرآن، تماما كما فعل المسيحيون الأوروبيون بدينهم.
ولكن المؤلف استخدم هذه الحيلة ليمزج بين النقيضين على أنهما شيء واحد، ليكون القرآن و الشعر والرقص والطرب شيء واحد.

-----------


23- أليس مما له دلالته في هذا الصدد أن تكون القدس وبها المسجد الأقصى أولى القبلتين وثاني الحرمين الشريفين تحت سيطرة الصهاينة ويبارك علماؤنا الصلح مع العدو مباركة علنية أو مباركة صامتتة؟

24- إن من حقنا والحال كذلك أن نتسائل بجدية وإخلاص وموضوعية: ما هو الإسلام؟

يفصل الخطاب العلماني بين الإسلام الحقيقي الذي نص القرآن فحسب و بين الإسلام القائم في نفوس المسلمين والذي يعنيه التاريخ عندما يقول هذا هو الإسلام، فالإسلام الحقيقي هو الذي لم يعمل به البشر قط وهو نص القرآن فحسب، ولا يمكن التوصل إلى دلالاته أبدا، أما الإسلام المزور فهو الذي عمل به المسلمون منذ نشأتهم وإلى اليوم.
ويرى أبو زيد بأن الادعاء بمعرفة مراد الله من خطابه (وهو القرآن الكريم) يؤدي إلى كارثة خطيرة، وهي «التحدث باسم الإله» وأن يصيرالقرآن عقيدة. [انظر مثلا نقد الخطاب، ص30، 54-55 النص والسلطة 69-70، 92.
ولكن المؤلف هنا لم يفصل بينهما، لأن معنى كلامه كالتالي: (إذا كان العلماء المسلمون يتحالفون مع الأعداء فمن الصواب أن نبحث عن معنى جديد للإسلام.)
فالبحث عن معنى جديد للإسلام لم يحصل عنده إلا بعد اكتشاف أن علماء الإسلام متعاونون مع الأعداء.
وبهذا يكون المؤلف قد كرس كل معاني الإسلام في هذه الطائفة ممن يصفهم بالعلماء، ثم أوجد مبررَ (التحالف مع العدو) يتستر به ليطرح علامة استفهام على الإسلام نفسه، إذا فالمشكلة في الأصل ليست مع الإسلاميين بل مشكلته الأصلية في طبيعة الإسلام ومعناه.
ولو فرضنا أنه لا يقصد التشكيك في وجود الإسلام نفسه بل التشكيك في الإسلام الخاص بأولئك العلماء، فلماذا يسأل عن ماهية الإسلام عندما يتكلم عن علماء السوء وهم لا يمثلون الإسلام عنده؟ هل صاروا الآن بسبب سوئهم ممثلين للإسلام فاستحق الإسلام المتمثل فيهم أن يُستفهم عنه؟ لماذا عندما يتكلم عن عيوب العلماء يجعلهم معبرين عن الإسلام، في الوقت الذي يرفض أشد الرفض أن يكون علماء المسلمين معبرين عن الإسلام الحقيقي!
وإذا فرضنا أنه لا يقصد الاستفهام عن حقيقة الإسلام بل الاستفهام عن حقيقة إسلام أولئك العلماء، فهذا يعني التشكيك في إسلام هؤلاء العلماء! ولكن ألا يتعارض هذا الحس التكفيري مع رفضه الشديد للتكفير الذي حاربه في كتابه نقد الخاطاب حتى كفر التكفيريين؟؟
ولكن إذا قلنا بأنه يتعارض مع رفضه لهذا التكفير، ألا تجدنا قد رجعنا إلى أنه لا يطعن في إسلام هؤلاء العلماء بل يطعن في الإسلام الآخر؟
وهو لا يذكر كلمة "العلماء" إلا في سياق السخرية والاستهزاء بهم، ولكن عندما يتحدث عن أمر قد يشعر بإظهار فضيلة لهم فإنه يضرب عن تسميتهم بالعلماء ويسميهم بالمشعوذين أو الرجعيين أو المتخلفين على عادة أسلافه ماركس ولينين.
أما أولئك العلماء الذين باركوا الصلح مع اليهود فبالنسبة لي أنا لا أثق بصدقه فيها، لأنه لا يوجد في علماء المسلمين المعتبرين أناس باركوا الصلح مع اليهود، وحتى لو صدق فلن تصل نسبتهم في علماء المسلمين واحدا مقابل مليون ولا عشر معشار ذلك، ولكن تهوره وشدة حقده على علماء المسلمين جعلاه يفتري عليهم بهذا التعميم الماكر.
ثم لو كان هناك من العلماء من بارك الصلح مع اليهود سرا لعرف واشتهر، أما لو باركه سرا فكيف لأبي زيد وحده أن يطلع على ذلك السر المكتوم؟ أهو سر أم كذبة على علماء المسلمين؟
ولي سؤال آخر: منذ متى يا أبو زيد وأنت تغار على المسجد الأقصى وقداسته وهما من التراث الذي يحلو لك ولأمثالك أن ينعتوه بالتراث التخلفي الرجعي؟ هل صارت القدس الآن مقدسة بالنسبة لك حتى تظهر الغيرة عليها؟ إذن فلماذا تنكر أن يكون في الوجود شيء مقدس؟ أتحرم القداسة عاما وتحلها عاما؟
في محاضرة له على موقع اليوتيوب بعنوان: «في انتظار أبو زيد»، يقول فيها: "مفيش قداسة توجد في الشيء"اهـ، و قال: "مفيش حقيقة مطلقة"اهـ، و قال: "أنا أريد أن أهدم مفهوم الحقيقة" اهـ، و قال: "القداسة ليست صفة قارة في الشيء..ما الذي جعل المقد يصير مقدسا؟ الناس"اهـ.
ثم لماذا تغضب من هؤلاء العلماء وأنت أصلا تدافع عن أوروبا فكرا ومعتقدا، وهي التي مكنت للصهيونية من احتلال الأقصى ولا زالوا يدافعون عنها؟ فلماذا تقدس علمانية الفكر الأوروبي الذي يشرعن -انطلاقا من علمانيته- اغتصاب القدس ثم تتباكى عليها؟
فإما أن تنتقد علمانية الأوروبيين كما تنتقد هؤلاء الذين تنعتهم بالعلماء، أو أن تسكت عنهم كسكوتك عن الجريمة الأوروربية.
وللدكتور المصري أحمد فؤاد أنور رسالة دكتوراه بعنوان: "الخلافات بين المتدينين والعلمانيين في إسرائيل" يرى فيه أن إسرائيل دولة علمانية من الطراز الأول.

ثم رجع إلى طرح علامة استفهام على الإسلام، ولكن هذه المرة أكثر وضوحا وأكثر شمولية، حيث قال:

26- إن إعادة طرح السؤال: «ما هو الإسلام» بمثابة السؤال عن هوتنا الحضارية في التاريخ.
إذن فعلامة الاستفهام التي يطرحها أبو زيد على الإسلام ليس إسلام أولئك الصنف من العلماء ولا من غيرهم، بل علامة الاستفهام مطروحة على الإسلام من بدايته إلى نهايته.
السؤال: ما هو الإسلام؟
الإجابة: هناك وهم زائف يفصل بين العروبة و الإسلام على أساس العرق،
”فعلى هؤلاء إن استطاعوا أن ينكروا عروبة النصوص الدينية، وعليهم إن استطاعوا أن يتجاهلوا الحقائق التاريخية لعروبة حامل الرسالة ومتلقيها الأول... فإذا نظرنا إلى مفهوم الإسلام من منظور الثقافة تبدد ذلك الوهم الزائف الذي يفصل بين العروبة والإسلام“ما بين علامتي التنصيص من ألفاظ المؤلف، ص25-26.
ولكن، ما علاقة العروبة بمفهوم الإسلام؟ لماذا عند شرحه لماهية الإسلام وطبيعته يتحدث عن الثقافة العربية؟ لأنه يرى بأن الإسلام نفسه منذ المتلقي الأول لنص القرآن -وهو النبي ص- وحتى اليوم إنما هو إنتاج بشري لا وحي إلهي، أنتجته الثقافة العربية وسمته إسلاما.
أضرب للشرح بمثال تطبيقي من الكتاب: في ذلك الواقع الذي شكل نصوص القرآن كان النمط الثقافي لدى العرب يقتضي بأن تكون المرأة تابعة للرجل، وعندما أنتجت تلك الثقافة العربية نصوص القرآن فقد عبرت به عن نفسها وعن تصوراتها ومبادئها، بدليل أن خطاب القرآن عندما جاء بكلمة «رجال» فهو لا يعني دائما الذكور، بل قد يشير إلى الذكور والإناث معا على التغليب، لأن الثقافة العربية التي أنتج نص القرآن ثقافة رجولية، أي ثقافة تتبع فيها المرأة الرجل وتكون جزءا منه غير مستقل بذاته.
فأحكام الإسلام المستمدة من القرآن أصلها مستمد من الثقافة العربية. وبهذا الفهم لكلام المؤلف يتضح سبب ذكره لـ (العروبة) و(عروبة النصوص الدينية)، ويتضح قصده منهما، فالعروية هنا تعني الثقافة العربية، وهذا إلغاء لإلهية النصوص حيث جعلها معبرة عن بشرية لا عن مراد الله. وسوف نرى هذا جليا فيما بعد.

-----------
وفيما بقي من مقدمة الكاتب يتحدث فيه المؤلف عن موضوعين:
الأول: أن القرآن صنعة بشرية، صنعته الثقافة العربية وأنتجته على ما هو عليه شكلا ومضمونا، و ان هذه القضية قضية بديهية.
الثاني: طريقة معالجته للموضوع.
أما بالنسبة للموضوع الأول، فقد قال:

27- إن النص في حقيقته وجوهره منتج ثقافي.
يعني الثقافة العربية هي التي "أنتجت" نصوص القرآن، بحيث يكون إنتاج الواقع البشري لنصوص القرآن يناقض وجودها قبل ذلك، لأن:
27- الإيمان بوجودٍ ميتافيزيقيٍ سابقٍ للنص يعود لكي يطمس هذه الحقيقة البديهية. [القائلة بأن النص منتج ثقافي للثقافة العربية]
فمعنى إنتاج الثقافة والواقع لنص القرآن عكس وجوده قبلهما، وعكس وجوده قبلهما يعني أنه وجد بعدهما، فتكون الثقافة والواقع هما السبب الذي أدى إلى وجود نصوص القرآن، فيصير معنى إنتاج الواقع للنص يساوي إيجاده لنص القرآن، فالثقافة والواقع هما اللذان أوجدا نص القرآن، ولذلك أكمل النص السابق قائلا: ”وجوده العيني في الواقع والثقافة“ ص27
ثم قال ص29 شارحا معنى التشكل بأنه «وجود» النص: ”وحين نقول «تشكلت» فإننا نقصد «وجودها» المتعين في الواقع والثقافة...“
فتشكل النص يعني وجوده، بمعني أن تشكيل الثقافة والواقع للنص يعني إيجادهما له إيجادا عينيا يتنافى مع أن يكون له وجود سابق على الواقع الذي أوجده.
وابما أن الإنتاج والصناعة بمعى واحد فالمؤلف لا يتحاشى عن أن يقول بأن الواقع البشري والثقافة البشرية هما اللتان صنعا نص القرآن، صنعاه صناعة، حيث يقول في صلب الكتاب: ” إن دلالة النصوص ليست إلا محصلة لعملية التفاعل في عملية تشكيل النصوص وصنعها من جانبي اللغة والواقع“ ص122
فالقرآن مصنوع من قبل الثقافة العربية.
والواقع -بما فيه المكان والزمان- صنع نصوص القرآن شكلا ومضمونا، فالمرحلتان المكية والمدنية وهما جزء من الواقع والثقافة: ”ساهمتا في تشكيل النص سواء على مستوى المضمون أو على مستوى التركيب والبناء“ ص85.
وبما أن:
27- الثقافة تتجسد في اللغة.
والقرآن نص لغوي، فالقرآن تجسيد للثقافة العربية[ص28] التي عاش فيها النبي ص، أي إننا:
27- لا يمكن أن نتحدث عن لغة مفارقة للثقافة و الواقع.
فإذا كان القرآن تجسيدا للثقافة العربية التي عبر عنها، فمن الطبيعي ألا يمكن الفصل بين دلالات القرآن وبين تلك الثقافة، فلو جئنا وطبقنا ما فهمه الجيل الأول، جيل النبي ص وأصحابه من دلالات القرآن على واقع مختلف فإن ذلك يفقد النص القرآني كونه نصا، أي يفقده كونه دالا على الثقافة التي شكلت نصوص القرآن،
و بالتالي:
27- لا يمكن أن نتحدث عن نص مفارق للثقافة والواقع أيضا مادام أنه نص داخل إطار النظام اللغوي للثقافة.
والواقع هو: ” مفهوم واسع يشمل الأبنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ويشمل المتلقي الأول للنص ومبلغه، كما يشمل المخاطبين بالنص“ ص30
فإذا كان البشر المخاطبون جزءا من الواقع والثقافة: ”فإن لكليهما دورا في تشكيل هذه النصوص“ ص29.
فهذا يعني أن للبشر دورا في تشكيل نصوص القرآن، ولذك لا يتحاشى هذا (العلماني) عن أن يدعي بأن القرآن صنعة بشرية في قوله:
”وإذا كنا هنا نتبنى القول ببشرية النصوص الدينية فإن هذا التبيني لا يقوم على أساس نفعي أيديولوجي...وإذا كانت النصوص الدينية نصوصا بشرية بحكم انتمائها للغة ولثقافة في فترة تاريخية محددة -هي فترة تشكلها وإنتاجها- فهي بالضرورة نصوص تاريخية، بمعنى أن دلالتها لا تنفك عن النظام اللغوي الثقافي الذي تعد جزءا منه“ ن خ د، ص209
وبما أن النصوص الدينية ومنها القرآن نصوص بشرية:
”فإننا نجعل المتلقي -الإنسان- [أي متلقى نص القرآن] بكل ما يحيط به من واقع اجتماعي تاريخي هو نقطة البدء والمعاد“ ن خ د، ص200
أي نقطة بدء نص القرآن
وما سبق يشرح قوله:

27- إن ألوهية مصدر النص لا تنفي واقعية محتواه، ولاتنفي من ثم انتماءه إلى ثقافة البشر.
27- بهذا المعنى يكون البدء في دراسة النص بالثقافة والواقع بمثابة بدء بالحقائق الإمبريقية.

-----------

وللنص عنده مرحلتان يمر فيهما:
الأولى:
28- مرحلة التكون والاكتمال...[أي] استمداده من الثقافة وتعبيره عنها... فالنص في مرحلته الأولى -في تعبيره عن الثقافة-... كانت له فعاليته في تجسيد الثقافة والواقع.
بمعنى أنه مكون من مواد الثقافة البشرية، ولذلك فهو إذا دل فلا يدل على شيء إلا على تلك الثقافة وعلى ذلك الواقع وما شاع فيه من تصورات وأفكار، فإذا حاولنا تطبيق تلك الدلات والأحكام المستنبطة منه -كما دل عليها في ذلك الواقع وتلك الثقافة الذي تكون فيها- على واقع جديد مختلف و ثقافة جديدة مختلفة نكون قد تسببنا بإلغاء: ”جذوره الدلالية الناتجة عن علاقته بالواقع“ ص99]
بمعنى أنه: ”لا يصح إخضاع الواقع [الجديد] لأحكام و تشريعات جامدة [قديمة] لا تتغير و لا تتطور“ [ص13].
فإن: ”ربط دلالة النص بالأفق العقلي والإطار الثقافي لعصر الجيل الاول من المسلمين... وفصر دور المفسر الحديث على الرواية عن القدماء، يؤدي إلى نتيجة أخطر من ذلك في حياة المجتمع، فإما ان يتمسك الناس بحرفية هذه التفاسير... وإما أن يتحول العلم إلى دين، ويتحول الدين من ثم إلى خرافات وخزعبلات وبقية من بقايا الماضي“ [ص251]
من المرفوض عنده أن يتحو العلم إلى دين، والعلم إذا صار دينا صار خزعبلات وأساطير.
واعتبار الدلالة الأولى التي فهمها الجيل الأول بمن فيهم المتلقي الأول للنص، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، أنها هي وتطبيق الدلالات الثقافية والواقعية للنص على ثقافة أخرى وواقع زماني ومكاني آخر ، يؤدي إلى نتيجة خطيرة، وهي: ”افتراض إمكانية صلاحية حلول الماضي للتطبيق على الحاضر“ ن خ د، ص55.
وإذا كان للنص رسالة إعلامية يعلم بها عن نمط ثقافي ما، وكان للنص وظيفة في الثقافة وهي وظيفة إعلامية، فإن وظيفة النص القرآني هي أن يكون رسالة إعلامية: ”لا تنفصل عن مجال الثقافة والواقع“ ص28.

*ولكن ماذا يحدث لو تغير الواقع الثقافي نفسه؟
”فالتغير صفة ثابتتة في الواقع لازمة له من حيث هو حركة مستمرة سيالة دافعة“ ص
وبسبب ذلك التغير: ”لا يصح إخضاع الواقع لأحكام و تشريعات جامدة لا تتحرك ولا تتطور“ ص135
الجواب: في هذه الحالة ينتقل النص إلى المرحلة الثانية، بحيث يصير النص فيها مشكلا للثقافة و منتجا لها.
”إن الفارق بين المرحلتين هو الفارق بين استمداده من الثقافة وتعبيره عنها، و بين إمداده للثقافة و تغييره لها“ ص28
*و لكن كيف يصير النص منتجا للثقافة مع أنه لا يدل إلا على الثقافة التي أنتجته؟
الجواب: عندما يصير جزءا من الواقع الجديد.
كيف؟
”وذلك بإعادة قراءته و تأويله“ ص28
فلا بد للنص أولا من أن يصير جزءا من الواقع الجديد، وهذا ما يعنيه «بمصداقية النص» ص31،
30- فمصداقية النص تنبع من تقبل الثقافة للنص و احتفائها به.
31- فما ترفضه الثقافة وتنفيه لا يقع في دائرة النصوص، وما تتلقاه الثقافة بوصفه نصا دالا فهو كذلك.
فإذا صار جزءا من الواقع الجديد فلا بد من أن يدل عليه لا على الواقع القديم، و دلالته على الجديد تحصل بإعادة قراءته و تبديل دلالاته و تشكيلها من جديد بحيث تكون مرهونة بالزمان و المكان التي تشكلت هذه الدلالة الجديدة فيهما، و هذا ما يعنيه «بموضوعية النص» وهو مصطلح ثان مغاير لمصطلح المصداقية، فــ ”لا يصح إخضاع الواقع [الجديد] لأحكام و تشريعات جامدة [قديمة] لا تتغير و لا تتطور“، فلن يكون النص موضوعيا إلا إذا دل على الثقافة التي صار محورا لها لا أن يدل على ثقافة مطلقة من حدود الزمان و المكان، فلا وجود في النص لدلالات ثابتة صالحة لكل زمان و مكان، ”فإن دلالة النص لا تقف عند حدود زمان ومكان“ ص222 ، ولا يجوز ربط دلالات النص بالإطار الثقافي لعصر الجيل الأول، فـ”إن الموضوعية التي يمكن تحقيقها في تأويل النصوص هي الموضوعية الثقافية المرهونة بالزمان و المكان، لا الموضوعية المطلقة التي ثبت أنها وهم“ ص271.
28- إن القول بأن النص منتج ثقافي يكون في هذه الحالة قضية بديهية لا تحتاج لإثبات.
ولذلك:
28-تعتمد هذه الدراسة بصفة أساسية المدخل اللغوي.
*إذا: فما المقصود بكون القرآن «منتجا ثقافيا»؟
”المقصود بذلك أنه تشكل في الواقع و الثقافة خلال فترة تزيد على العشرين عاما“، و أنه ”استمداد من الثقافة و تعبير عنها“، و أنه ”تجسيد للثقافة و الواقع“،”و أن للثقافة و الواقع "دورا في تشكيل هذه النصوص“.

------------

أما الموضوع الثاني الذي تناوله المؤلف وهو طريقة معالجته لمفهومي النص و الإسلام.
بين المؤلف أن هذه الدراسة تدرس مفهوم النص من خلال أمرين:
الأول : التصورات و المفاهيم الموروثة التي صاغتها الثقافة العربية عن القرآن.
الثاني: المفاهيم التي يطرحها النص نفسه.
و الفصل بين الأمرين تعسفي غير ممكن، لأنه إذا كنا نريد دراسة القرآن فلا بد أن نرى ما هي التصورات التي كانت شائعة عنه عند تشكله في الثقافة التي أنتجته و في الثقافة التي شكلها النص فيما بعد، فهذا ”لا يتعارض مع تحليل النص من خلال فهم الثقافة التي ينتمي إليها“ ، فلا بد عند دراسة النص أن ندرس معه التصورات التي تشكلت حوله من قبل أهل ثقافته حتى و إن كانت خاطئة من وجهة نظر العلم الطبيعي الصحيح المعتبر عند المؤلف، و المتمثل في النظرة المادية "الديالكتيكية" للتراث.
إذن، ” منهج هذه الدراسة بمثابة ديالكتيك صاعد... يبدأ من الحسي و العيني صعودا“ أي صعودا إلى الأفكار و التصورات، ”يبدأ من الحقائق و البديهيات ليصل إلى المجهول ويكشف عما هو خفي“.
فلو كان الباحث عن طبيعة القرآن لا يؤمن بألوهية مصدر القرآن فإن هذا لا يمنع من أن يدرس القرآن ضمن ما ”صاغته الثقافة عنه“ من ألوهية مصدره، فيكون مصدره إلهيا لا عنده بل عند الثقافة التي التي يدرسها، فيدرس القرآن على فرض أنه من الله لا على أنها هي الحقيقة المطلقة عن النص.

”من هنا يكون البحث عن حقيقة التراث بحثا عن حقائق في ثقافتنا ، لا بحثا عن حقائق مطلقة“ ، أي لا يكون بحثا عن حقيقة معترف بها عنده بل بحثا عن حقائق داخل الثقافة معترف بها عند أهلها فحسب، فما كان عندهم حقا فهذا لا يعني أنه حق في نفس الأمر، لأن ”ما تدركه ثقافة ما بوصفه حقيقة مطلقة هو كذلك [أي هو حقيقة مطلقة و لكن] بالنسبة لهذه الثقافة“، فــ”ألوهية مصدر النص لا تنفي واقعية محتواه ولا تنفي من ثم انتماءه إلى ثقافة البشر“ فالحقيقة القائلة بألوهية مصدر القرآن إنما هي حقيقة عند أهلها فحسب وهي ليست حقيقة عند المؤلف، وهذه الحقيقة (عدم وجود مصدر إلهي للنص) تعني بالضرورة أن الواقع الذي أنتج القرآن هو «الواقع البشري» لا غير، ولذلك فإننا ”نتبنى القول ببشرية النصوص الدينية...و إذا كانت النصوص الدينية نصوصا بشرية بحكم انتمائها للغة و الثقافة في فترة تاريخية محددة-وهي فترة تشكلها و إنتاجها- فهي بالضرورة نصوص تاريخية، بمعنى أن دلالتها لا تنفك عن النظام اللغوي الثقافي الذي تعد جزءا منه“.

انتهى إلى هنا تلخيص المقدمة، وسوف يأتي تلخيص صلب الكتاب باستثناء الباب الأخير منه، وهو الذي تناول فيه المؤلف كتاب جواهر القرآن على أنه نموذج لفهم علماء المسلمين لطبيعة القرآن وطريقة فهمه.

عمر البوريني
22-01-2014, 16:00
وفيما يلي تلخيص لصلب الكتاب مشتملا على المقدمة أيضا، وقد جعلت التلخيص في الأعلى والتعليق عليه في الأسفل.


مفهوم «النص» = مفهوم «الإسلام» 1
تكفل المؤلف في المقدمة التي تبلغ 31 صفحة ببيان هذين المفهومين، وخصص باقي أبواب الكتاب ذي 350 صفحة للبرهنة على صحة ماذهب إليه من تعريف بهما.
وهذا ملخص نظره فيهما:
إن نص القرآن في حقيقته و جوهره «منتَج ثقافي»2 ، أي إن الواقع الثقافي هو الذي «شكل»3 نص القرآن و«صنعه»4 شكلا ومضمونا، فالثقافة التي شكلت النص و أنتجته «فاعل» للنص و النص «منفعل» بها 5 لأنه تشكل في الثقافة و «تشكل بها»6 حيث كانت مادتَه، إذ لم يكن للنص وجود سابق على الواقع الذي شكّله، لا في ذات الله (المتكلم به)، و لا في اللوح المحفوظ7 ، بل الزعم بوجودٍ «ميتافيزيقيٍ» سابقٍ للنص يعتبر «أسطورة» 8 و طمسا للحقيقة9 القائلة بأن الواقع هو الذي أنتجه، والزعم بوجوده قبل إنتاج الواقع له يمثل وثبا على الواقع، فقد كان نص القرآن مثل النصوص الأخرى (كسجع الكهان و الشعر..إلخ) نابعا من معطيات الواقع الثقافي و تصوراته و مفاهيمه الشائعة آنئذ10 ،
__________
1 - أشار المؤلف في المقدمة بأن هدف هذا الكتاب هو تحقيق مفهومي: النص و الإسلام، حيث قال ص 12: "إن البحث عن مفهوم النص ليس في حقيقته إلا بحثا عهن ماهية القرآن بوصفه نصا لغويا"اهـ ، و في صفحة 22 حيث قال:"الهدف الثاني لهذه الرسالة يتمثل في تحديد مفهوم موضوعي للإسلام"اهـ. و في ص 30، حيث قال"إن دراستنا لمفهوم النص سعي لتحديد ماهية الإسلام"اهــ ،لعدم انفصالهما عن بعض. ومن الجميل أن نراه يقر بهذه الحقيقة مع إنكاره لها في آن واحد! و يتمثل إنكاره لها في زعمه بأن الإسلام شيء آخر لا علاقة له بالنص صنعه أناس بناء على أهوائهم و معتقدات أزمانهم.
و كذلك أشار المؤلف في المقدمة إلى أنه يقصد بكلمة النص «القرآن» حيث قال: "لقد صار القرآن هو النص بألأف و لام العهد"ص31.
2 - ص27
3 - ص 27، 29
4 - ص 122، حيث قال: " إن دلالة النصوص ليست إلا محصلة لعملية التفاعل في عملية تشكيل النصوص وصنعها من جانبي اللغة والواقع"اهـ
5 - ص 200
6 - 31 . و اللغة – التي تشكل النص منها – كذلك منتج ثقافي،27.
7- ص 27،29،76،96،115،131،148،171، و ادعى أن تصور وجود القرآن في اللوح المحفوظ "تصور أسطوري" في صفحة 152، فإذا كان القرآن نفسه يقول بأن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ: (بل هو قرآن مجيد* في لوح محفوظ) [البروج] عرفنا أن مشكلة أبو زيد ليست فيما يسميه "تصورات المسلمين عن النص" بل مشكلته مع الحقائق التي يطرحها النص عن نفسه، و بما أنه يعتبر القرآن نصا أدبيا فمن الطبيعي أن بنتقد هذه الحقائق و ينعتها بالتصور الأسطوري، ليس في هذا الكتاب فحسب، بل في جميع كتبه لا يخلو منه كتاب.
8- ص 152حيث قال:"و الذي لا شك فيه أن فهم قضية النسخ عند القدماء لا يؤدي فقط إلى معارضة تصورهم الأسطوري للوجود الخطي الأزلي للنص.."اهــ
مع أن علماءنا لم يقل أحد منهم بأن ما في اللوح أزلي، بل نصول على أن اللوح وما فيه حادثان، انظر ص 25.
9 - ص27.
10 - ص 27 في قوله:"و على ذلك لا يمكن أن نتحدث عن لغة مفارقة للثقافة و الواقع، و لا يمكن من ثم أن نتحدث عن نص مفارق للثقافة و الواقع" اهـ.
و في ص 158:" النص في مفهومه الأساسي من حيث كونها وحيا انطلق من حدود مفاهيم الواقع" اهـ.
و كذلك ص 135 في قوله :" انطلق من حدود مفاهيم الواقع". اهـ يقصد الواقع الذي كان يعتبر الكهانة و الشعر اتصالا بعالم آخر.
و كذلك يرى أن القرآن «مماثل» للنصوص الأخرى - كسجع الكهان و الشعر..إلخ- في الثقافة التي شكلت القرآن و تلك النصوص، فقال :" الفصل بين القرآن و غيره من النصوص... أدى في النهاية إلى تحويل النص إلى شيء له قداسته"163، و انتقد الإمام الباقلاني لأنه :" ينكر التماثل بين القرآن و الشعر" 161، و قال :" و إذا كان مفهوم الوحي ذاته ارتبط بمفهوم الاتصال بين ظاهرتي الشعر و الكهانة فقد كان من الطبيعي أن تترابط النصوص الناتجة عن (الاتصال/الوحي) في ذهن الجماعة" أي جماعة المشركين، ص 157، ثم استنتج مما سبق أن :"علاقة القرآن بالشعر =

عمر البوريني
22-01-2014, 16:05
فهو بتجسيده للثقافة و الواقع11 ، وهو باستمداده12 من الثقافة و تعبيره عنها12 و استجابته لمعطياتها و طرحه لتصوراتها و دلالته14 عليها لا على غيرها من الثقافات يؤكد أنه منتج ثقافي 15 للثقافة والواقع الذي كان مكونا من نمطين متناقضين، النمط القديم السائد، وهو نمط الجاهلية، و النمط الجديد، وهو نمط الأحناف الذي نشأ في مكة كنتيجة طبيعية " لنزوعٍ ما لاتجاهٍ جديد في رؤية العالم و ضرورة تغييره" 16، و كان الاختيار الجديد –"النقيض للاتجاه السائد في المجتمع" 17 وهو اختياردين إبراهيم اختيارا طبيعيا ضروريا (حتميا) 18 – " بمثابة البحث عن أيديولوجيا للتغيير" 19، و ثورةً على القديم انتصارا للجديد، فرضه الواقع الاقتصادي "النابع من ضيق الموارد الاقتصادية التي تعتمد على المطر و العشب من جهة و على التجارة من جهة أخرى، وقد أوشكت حياة الصراع و التناحر و الحروب بين القبائل – و كلها حروب و صراعات ذات جذور اقتصادية– أن تؤدي إلى القضاء على الحياة ذاتها، وزاد من هذه الأزمة "أن الجزيرة العربية كانت محاصرة بالقوى الأجنبية من كل جانب" 20 " وسط هذه المخاطر كان ثمة إحساس بضرورة التوحد" التوحد بين القبائل معا ضد العدو الخارجي، لضمان
__________
=تقوم في جانب منها على «التماثل»، و تقوم في جانب آخر على المخالفة" 158، و لكن المخالفة عنده ليست في الأسلوب و لا في النظم بل فقط مخالفة شكلية صورية منحصرة في العلاقة بين الملقي و المتلقي من حيث أن القرآن جاء من (اللــه) عن طريق (الاتصال/الوحي) و الشعر و سجع الكهان جاء من (الجــن) بنفس الطريق، و لا شك أن تصور "أبو زيد" هذا عن علاقة القرآن بالشعر و سجع الكهان إنكار لإعجاز القرآن الذي فارق به القرآن غيره من نصوص الثقافة الجاهية. و هذا ما سنتناوله بالتفصيل لاحقا.
و للأمانة العلمية يجب أن نذكر أن المؤلف يرى أن هناك فارقا آخر بين القرآن و (سجع الكهان و الشعر)، وهو أن القرآن قادر على تحديد مفاهيمه الخاصة و قابل للقراءات المختلفة و التأويلات المتزايلة في حين أن النصوص الأخرى ليست كذلك، ص 158 وص212.
11 - ص27، 28، وفي ص92 في قوله :" إن حرص القدما على الفصل بين النص (القرآن) و النصوص الأخرى في الثقافة وصل إلى حد تأكيد القطيعة الكاملة يبن النص و الواقع" اهـ.
12- ص28
13- ص28 حيث قال"فالنص في المرحلة الأولى في تعبيره عن الثقافة.." اهـ .
14 - ص64 حيث قال:"و من الطبيعي أن يكون النص في هذه الحالة دالا – من حيث هو رسالة لغوية- على كل أطراف عملية الاتصال... "اهـ
و ص 74 في قوله:" كان تجاوبا مع حركة الواقع" اهـ، 75 في قوله :"تجاوب الوحي في الآيات الأولى من النص"اهـ، و بما أن النبي (ص) كان قبل البعثة :"جزءا من الواقع و المجتمع"اهـ 67 و: "لا يعزل نفسه عن الواقع"اهـ77 و أن النص معبر عن همومه و أفكاره و تطلعاته و :"صح الفهم من جانبنا للآيات الأولى من الوحي من حيث دلالتها على المتلقي الأول" اهـ الذي هو النبي (ص) فقد صح أن النص يدل على الواقع من خلال دلالته على المتلقي الأول.
لا يعارض النص نفسه أن يكون دالا على هموم النبي (ص)، ولا يعارض أن يدل على أفكار المشركين من حيث عرضها و تصويره لها، ولكنه يعارض أن يكون نقله لها على سبيل التأثر بها، وهل يتأثر القرآن بالكفر ورموزه بعد أن اعتبره كفرا؟ يجيب أبو زيد بأن :"القرآن تأثر بسجع الكهان في السور المكية لكثرة الكهان، ولذلك لم يحرمه، ثم لما عدم الكهان لم يتأثر بهم ولذلك حرمه"، هذا يعني الواقع -والذي يكون النبي جزءا منه- هو الذي «جعل» القرآن على ما هو عليه في الشكل و المضمون حتى كأن القرآن "متبـِع" لتصورات الواقع و أفكاره وثقافته كيفما مالت مال معها، لقد قال القرآن واصفا نفسه: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ)المؤمنون: ٧١، فلم يتبع الحق أهواءهم لا في الشعر ولا في السجع ولا في غيرها، بل جاءهم كرها وفرضا على واقعهم كما يقول: (حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ) التوبة: ٤٨.
15- ص72
16- ص72
17- المقصود "بالطبيعة" هنا الطبيعة التي تتناولها العلوم المادية البحتة كالأحياء و الفيزياء و الكيمياء، و من ثم أسقطها الماركسيون «الملحدون» - ومن اتبعهم- على العلوم الإنسانية و منها الأديان.
18- ص72
19 - ص 72
20 - ص73

عمر البوريني
22-01-2014, 16:08
المحافظة على الهوية الخاصة بالعروبة و "تنظيم الحياة على أسس جديدة" 22، و كان الإسلام – من حيث هو دين يرد نفسه للحنيفية ملة إبراهيم 23 - هو الاختيار الذي يحقق هذه الأهداف 24، فيكون الإسلام بذلك «منتجا ثقافيا» يمثل خيارا متاحا من بين خيارات متعددة، لم يختاروه لما فيه من دلائل تفرض على الإنسان الإيمان بأنه رسالة الله المقدسة، بل لأن الواقع فرض عليهم اختياره.
ولذلك فإن تصورات علماء المسلمين -حتى الآن- عن القرآن "تصور أقل ما يقال عنه الآن أنه تصور يعزل النص عن سياق ظروفه الموضوعية التاريخية، بحيث يتباعد به عن طبيعته الأصلية بوصفه نصا لغويا، و يحوله إلى شيء له قداسته بوصفه شيئا" 25.
__________
22 - ص74
23 - ص74
24 - ص74
25 - ص 14،ص163. وفي كل فصول الكتاب ينكر المؤلف قداسة القرآن و ينتقد كل من يعتبر القرآن مقدسا، وهذا مبني على أنه لا يوجد عندهم أصلا شيء مقدس في ذاته يمثل الحقيقة المطلقة التي لا يشوبها نقص، فالحقيقة عندهم نسبية، أي هي حقيقة بالنسبة لمن يدعيها لا حقيقة في نفس الأمر، و لهذا قال صفحة20: "مفهوم الحقيقة مفهوم نسبي في ذاته"اهــ، وقال في برنامج له على الشبكة بعنوان «في انتظار أبو زيد»: "مفيش قداسة توجد في الشيء"اهـ، و قال: "مفيش حقيقة مطلقة"اهـ، و قال: "أنا أريد أن أهدم مفهوم الحقيقة" اهـ، و قال: "القداسة ليست صفة قارة في الشيء..ما الذي جعل المقد يصير مقدسا؟ الناس"اهـ.
إن كلمة «مسلم» تعني الذي يؤمن بأن الله مقدس وأنه حقيقة مطلقة، و أن القرآن مقدس وأنه حقيقة مطلقة، و أن دين الإسلام مقدس وأنه حقيقة مطلقة، فإذا أنكر الإنسان القداسة كلها فما الذي بقي له من الإسلام؟
والمؤلف يحشو كتابه بمثل قوله: "والحقيقة أن الفصل بين النص و بين ما يطرحه عن نفسه.." و قوله: "والحقيقة أن مثل هذا التمايز الحاد بين.." و: "الحقيقة أن هذا المعيار –معيار الطول و القصر.." و: "والحقيقة أن الحذف..." و: "الحقيقة أن تفسير الخروف المقطعة .." و: "الحقيقة أن العرب الذين كانوا معاصرين لتشكل النص..".
فما معنى نفي الحقيقة و إثباتها؟ يعني ذلك احتكاره للحقيقة، و كل ما يخالفها يعتبر «تخلفا» و «رجعية» و «أساطير» (الألفظ -الأدبية- التي ملأ بها كتابه ضد كل من خالفه)؟
و هل لإيمانه بعدم وجود حقيقة مطلقة أو مقدس يعتبر عنده حقيقة مطلقة؟ فإذا كان حقيقة فهو يؤمن بثبوت الحقائق، و إذا لم يكن حقيقة فلماذا يقول: "والحقيقة هي كذا وكذا"؟

عمر البوريني
22-01-2014, 16:27
لقد أقام كتابه على مجموعة من القواعد النظرية بنى عليها استنتاجه لمفهومي النص و الإسلام، وهي باختصار:

1- منهج هذه الدراسة هو «الديالكتيك»26 الصاعد.
بين المؤلف أن هذه الدراسة تدرس مفهوم النص من خلال أمرين:
الأول : التصورات و المفاهيم الموروثة التي صاغتها الثقافة العربية عن القرآن.
الثاني: المفاهيم التي يطرحها النص نفسه.
و الفصل بين الأمرين تعسفي غير ممكن، لأنه إذا كنا نريد دراسة القرآن فلا بد أن نرى ما هي التصورات التي كانت شائعة عنه عند تشكله في الثقافة التي أنتجته و في الثقافة شكلها النص فيما بعد، فهذا "لا يتعارض مع تحليل النص من خلال فهم الثقافة التي ينتمي إليها"27، فلا بد عند دراسة النص أن ندرس معه التصورات التي تشكلت حوله من قبل أهل ثقافته حتى و إن كانت خاطئة من وجهة نظر العلم الطبيعي الصحيح المعتبر عند المؤلف و المتمثل في النظرة المادية "الديالكتيكية" للتراث، إذا " منهج هذه الدراسة بمثابة ديالكتيك صاعد... يبدأ من الحسي و العيني صعودا" أي صعودا إلى الأفكار و التصورات، "يبدأ من الحقائق و البديهيات ليصل إلى المجهول ويكشف عما هو خفي"28.
فلو كان الباحث عن طبيعة القرآن لا يؤمن بألوهية مصدر القرآن فإن هذا لا يمنع من أن يدرس القرآن ضمن ما "صاغته الثقافة عنه" من ألوهية مصدره، فيكون مصدره إلهيا لا عنده بل عند الثقافة التي التي يدرسها، فيدرس القرآن على فرض أنه من الله لا على أنها هي الحقيقة المطلقة عن النص.

"من هنا يكون البحث عن حقيقة التراث بحثا عن حقائق في ثقافتنا ، لا بحثا عن حقائق مطلقة"2، أي لا يكون بحثا عن حقيقة معترف بها عنده بل بحثا عن حقائق داخل الثقافة معترف بها عند أهلها فحسب، فما كان عندهم حقا فهذا لا يعني أنه حق في نفس الأمر، لأن "ما تدركه ثقافة ما بوصفه حقيقة
__________
26- بالمقارنة بين قواعد «الديالكتيكية» والقواعد التي بنى المؤلف كتابه عليها اكتشفت أن هذه الدراسة تطبيق للمذهب المادي الماركسي على القرآن و الإسلام و إعادة تعريفهما بناء عليه.
و «الديالكتيك» هو النظرة «المادية» للكون و الحياة في شتى المجالات الطبيعية و الإنسانية، الأديان و غير الأديان، و هي في أساسها إنكار لوجود الله، وهي نظرية فلسفية قديمة جدا، أحياها ماركس و إنجلز ولينين وستالين و غيرهم من الماركسيين، وهو فكر قائم أصلا على نفي وجود الله تعالى، و على أن المادة (الواقع المادي) يحرك نفسه بنفسه دون تدخل خارجي.
- يقول ستالين في كتابه : «المادية الديالكتيكية» ما نصه: " إن الديالكتيك هو - من حيث جوهره- ضد الميتافيزيقية تماما" اهــ، ص23 وهو ما يعمل عليه مؤلفنا (المجتهد) نصر حامد أبو زيد.
- و قال لينين معلقا على قول الفيلسوف «هيراقليط» هذا:"العالم واحد لم يخلقه أي إله أو إنسان، وقد كان و لا يزال و سيكون شعلة حياة إلى الأبد" بقوله :"ياله من شرح رائع لمبادئ المادية الديالكتيكية" اهــ الصدر السابق.
وقد قال الدكتور محمد عمارة في كتابه :"التفسير الماركسي للإسلام" بأن نصر حامد أبو زيد كان ماركسيا في الأصل، ص6، ط2 دار الشرووق-2002.
27 - ص27
28- ص29
29 - ص20

عمر البوريني
22-01-2014, 16:37
مطلقة هو كذلك [أي هو حقيقة مطلقة و لكن] بالنسبة لهذه الثقافة"30 ، فــ"ألوهية مصدر النص لا تنفي واقعية محتواه ولا تنفي من ثم انتماءه إلى ثقافة البشر" 31 فالحقيقة القائلة بألوهية مصد القرآن إنما هي حقيقة عند أهلها فحسب وهي ليست حقيقة في نفس الأمر، وهذه الحقيقة (عدم وجود مصدر إلهي للنص) تعني بالضرورة أن الواقع الذي أنتج القرآن هو «الواقع البشري» لا غير، ولذلك فإننا "نتبنى القول ببشرية النصوص الدينية...و إذا كانت النصوص الدينية نصوصا بشرية بحكم انتمائها للغة و الثقافة في فترة تاريخية محددة-وهي فترة تشكلها و إنتاجها- فهي بالضرورة نصوص تاريخية، بمعنى أن دلالتها لا تنفك عن النظام اللغوي الثقافي الذي تعد جزءا منه" 32
وكنتيجة عن هذه القاعدة:
ذهب المؤلف إلى أن القرآن ليس له وجود سابق على الواقع قال: " إن النص في حقيقته و جوهره منتج ثقافي ... و إذا كانت هذه الحقيقة تبدو بديهية و متفقا عليها فإن الإيمان بوجود «ميتافيزيقي» 33 سابق للنص يعود لكي يطمس هذه الحقيقة البديهية، و يكعر من ثم إمكانية الفهم العلمي لظاهرة النص"34، فلا مناص من كون القرآن منتج ثقافي لذلك الواقع المادي الذي تشكل فيه و به.
ولذلك :" فإن المتاح الوحيد أمام الدرس العلمي لفهم «الكلام» الإلهي من خلال تحليل معطياته في إطار النظام الثقافي الذي تجلى خلاله"35 .
2- الواقع المادي هو الذي يكوِّن الفكر و ينتجه و يشكله، و العكس ليس صحيحا36.
وبما أن القرآن «فكر» على شكل «نص» لغوي " فالواقع هو الأصل، من الواقع تكون النص، و من لغته و ثقافته صيغت مفاهيمه، و من خلال حركته بفعالية البشر تتجدد دلالته، فالواقع أولا و الواقع ثانيا و الواقع أخيرا"37 .
و بما أن شريعة الإسلام فكر أيضا فهذا يعني أن الواقع -بما فيه من أنماط ثقافية و سياسية و اجتماعية و اقتصادية، وبما فيه من بشر- هو الذي صاغها38.
__________
30- ص20، كيف يكون الأمر حقا و هو باطل؟ إن العلم الصادق لا يخاف من أن يقول للباطل أنت باطل حتى و لو كان حقا عند أهله، فالسكوت عن إبطال الباطل إقرار به.
31- ص27
32- نقد الخطاب الديني ، لنصر أبو زيد، ص 206-207
33- «الميتافيزيقي» تعني الذات المخالفة للمادة [المادة =المخلوق]، وتعني عدم وجود رابط يربط قوانين المادة من غير المادة نفسها، فالمادة هي التي تحرك نفسها بنفسها لا بغيرها.
34 - 27
35- ص30
36- هذه القاعدة أيضا من أصول الماركسية المادية «الديالكتيكية»، قال ستالين :"إن المادة عنصر أول لأنها منبع الإحساسات و التصورات و الإدراك، بينما الإدراك عنصر ثان مشتق لأنه انعكاس عن المادة.. إن الفكر هو نتاج المادة لما بلغت في تطورها درجة عالية من الكمال...فلا يمكن بالتالي فصل الفكر عن المادة دون الوقوع في خطأ كبير"اهـ ص 44، "وبالتالي يجب البحث عن منشأ حياة المجتمع العقلية و عن أصل الأفكار و الأوضاع الاجتماعية و الآراء و الأوضاع السياسية لا في الآراء و الأوضاع السياسية نفسها بل في شروط الحياة المادية للمجتمع، في الموجود الاجتماعي الذي يكون هذه الأفكار و النظريات و الآراء" ص44، هذا تلخيص ستالين لأفكار ماركس و إنجلز و لينين مؤسسي المادية الديالكتيكية، و أنت ترى تطابقا بينها و بين هذه الدراسة حتى في بعض الألفاظ.
37 - نقد الخطاب الديني، لنصر أبو زيد، ص 99، و ما أشبه كلامه هذا بقول الماركسيين: "كل شيء يتعلق بالظروف، بالمكان و الزمان"اهـ من كتاب «المادية الديالكتيكية» ص37.
38 ص 17 في قوله :"إن الشريعة كما يعلم الطالب المبتدئ..صاغت نفسها مع حركة الواقع" اهــ و الحقيقة أن الله هو الذي صاغ هذه الشريعة على لسان نبيه: (وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) الأعراف: 203.

عمر البوريني
23-01-2014, 07:41
* ولكن، ما هو الواقع الذي شكل النص و أنتجه؟
"الواقع مفهوم واسع يشمل الأبنية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية، ويشمل المتلقي الأول للنص [يعني النبي] ومبلغه، كما يشمل المخاطبين بالنص" ص30.
هذه هي المكونات التي ساعدت على تشكيل النص حتى صار على ما هو عليه في شكله و مصمونه، فمثلا إيمانه بوحي الجان للشعراء و الكهان كان له أثر كبير في كون القرآن وحيا، و بسبب هذا الاشتراك فهم العرب كون القرآن وحيا39.
* وما معنى تشكيل الواقع لهذه النصوص؟
إن العلاقة بين الواقع و النص علاقة تشكيل و تشكل40، "و حين نقول تشكلت فإننا نقصد وجودها 41 المتعين في الواقع و الثقافة، بقطع النظر عن أي وجود سابق لهما في العلم الإلهي أو في اللوح المحفوظ"ص29، حيث إن"الإيمان بوجود ميتافيزيقي سابق للنص يعود لكي يطمس هذه الحقيقة"ص27 [أي حقيقة إيجاد الواقع للنص]، فهذه " النصوص لم تُـلقَ كاملة و نهائية في لحظة واحدة"ص29.
أي إن الواقع أوجد النص "سواء على مستوى المضمون أو على مستوى التركيب و البناء" 42 "من خلال وسيط.. هو الثقافة و الفكر"43.
فوجود القرآن و «تعينه»44 في الواقع و الثقافة حصل بسبب علاقته بالمكونات الثقافية الأخرى التي سبقت الإشارة إليها، فلا جرم "أن محاولة البحث عن مفهوم للنص سعي لاكتشاف العلاقات المركبة لعلاقة النص بالثقافة من حيث تشكله بها أولا، و علاقته بها من حيث تشكيله لها ثانيا"45.
و النص رسالة، "لكنها ليست رسالة مفارقة لقوانين الواقع، بكل ما ينتظم في هذا الواقع من أبنية، و أهمها البناء الثقافي" اهـ46.
__________
39- سيأتي بيانه في الفصل الخاص بالوحي لاحقا.
40 - ص 31.
41 - إذا كان تشكلها = و جودها، فبالمنطق البسيط: معنى تشكيل الواقع لها = إيجاده لها! فالواقع أوجدها!
42 - ص 85
43- ص 120، هل هذا تصريح بأن الواقع البشري هو الذي أوجد القرآن لا الله؟ فإذا كان النص بشكله ومضمونه من البشر فماذا بقي لله منه؟ وهو كذلك مناقض للقرآن نفسه إذ يقول: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6)) النمل، فهو يتلقاه من الله لا من الواقع ولا من نفسه، وقال: (وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ) القصص86.
وإذا فرضنا أنه يقول بأن الله هو مصدر النص و أن الواقع فرض على النص أن يكون على تلك الصورة شكلا ومضمونا سيكون الله -على هذا التقدير- مجبرا على أن يجعل النص كما يريده البشر لا كما يريده هو، ألا يشبه هذا ما يذهب إليه المؤلف بقوله: " ولا يصح أن يكون هذا الفهم محجوبا بتصوره أن الله لا يجوز عليه التغير، فالتغير صفة ثابتة في الواقع لا زمة له"اهـ ؟ وليس الإجبارإلا تغيرا ومغايرة بين إرادة الله وإرادة البشر!
44- أي أن يصير «عينا» أي ذاتا موجودة في الواقع الحاضر لا في الذهن.
45 - ص 31.
46- ص64.

عمر البوريني
23-01-2014, 07:46
ولما كانت اللغة "طرائق لتمثيل الواقع"28 و تجسيدا له فلا يمكن "أن نتحدث عن لغة مفارقة للثقافة و الواقع"27، و بما أن النص (القرآن) لغة فهو كذلك معبر عن الثقافة28 التي أنتج فيها، و إذا كان النظام اللغوي نظاما دلاليا لا ينفصل عن الواقع و الثقافة -و النص لا ينفصل عن النظام اللغوي- فلا يمكن أن تنفصل دلالة النص عن الواقع28، فليس النص إلا اتصالا بين مرسل ومستقبل، "و إذا كانت الوظيفة الإعلامية الاتصالية للغة لا تنفصل عن طبيعتها الرمزية فإن و ظيفة النص في الثقافة...لا تنفصل عن مجال الثقافة و الواقع"28، بحيث إذا فصلنا دللالته عن الواقع الذي تشكل فيه صار غير دال على شيء، و قد سبق أن بينا أن النص لا يدل إلا على الواقع الذي تشكل فيه.
*ولكن ماذا يحدث لو تغر الواقع الثقافي نفسه؟ "فالتغير صفة ثابتتة في الواقع لازمة له من حيث هو حركة مستمرة سيالة دافعة"؟
الجواب: في هذه الحالة ينتقل النص من كونه «منفعلا» بالثقافة إلى أن يصير «فاعلا» فيها47، فها هنا مرحلتان:
الأولى: يكون النص فيها في طور التشكُّل و الإنتاج من قبل الواقع، وهي مرحلة تصنيع النص و إنتاجه.
الثانية: يصير النص فيها مشكلا للثقافة و منتجا لها.
"إن الفارق بين المرحلتين هو الفارق بين استمداده من الثقافة وتعبيره عنها، و بين إمداده للثقافة و تغييره لها".28
*و لكن كيف يصير النص منتجا للثقافة مع أنه لا يدل إلا على الثقافة التي أنتجته؟
الجواب: عندما يصير جزءا من الواقع.
كيف؟
"وذلك بإعادة قراءته و تأويله" 28
فلا بد للنص أولا من أن يصير جزءا من الواقع الجديد، وهذا ما نعنيه «بمصداقية النص»، و مصداقية النص "تنبع من تقبل الثقافة للنص و احتفائها به"،30، "فما ترفضه الثقافة وتنفيه لا يقع في دائرة النصوص، وما تتلقاه الثقافة بوصفه نصا دالا فهو كذلك"31، فإذا صار جزءا من الواقع الجديد فلا بد من أن يدل عليه لا على الواقع القديم، و دلالته على الجديد تحصل بإعادة قراءته و تبديل دلالاته و تشكيلها من جديد بحيث تكون مرهونة بالزمان و المكان التي تشكلت هذه الدلالة الجديدة فيهما، و هذا ما نعنيه «بموضوعية النص»، فــ"لا يصح إخضاع الواقع [الجديد]48 لأحكام و تشريعات جامدة [قديمة] لا تتغير و لا تتطور"49، فلن يكون النص موضوعيا إلا إذا دل على الثقافة التي صار محورا لها لا أن يدل على ثقافة مطلقة من حدود الزمان و المكان، فلا وجود في النص لدلالات ثابتة صالحة لكل زمان و
_____________
47- ص 200
48- ما بين الحاصرتين إضافة مني اقتضاها السياق.
49- ص 135.

عمر البوريني
23-01-2014, 07:47
مكان ولا يجوز ربط دلالات النص بالإطار الثقافي لعصر الجيل الأول 51، فـ"إن الموضوعية التي يمكن تحقيقها في تأويل النصوص 52هي الموضوعية الثقافية المرهونة بالزمان و المكان، لا الموضوعية المطلقة التي ثبت أنها وهم"53.
و عليه على ما سبق "تعتمد هذه الدراسة بصفة أساسية المدخل اللغوي"28
*إذا: فما المقصود بكون القرآن «منتجا ثقافيا»؟
"المقصود بذلك أنه تشكل في الواقع و الثقافة خلال فترة تزيد على العشرين عاما" ، و أنه "استمداد من الثقافة و تعبير عنها" ، و أنه "تجسيد للثقافة و الواقع" ،"و أن للثقافة و الواقع "دورا في تشكيل هذه النصوص"54.

*و ما العلاقة بين النص و غيره من مكونات الواقع؟
إنها علاقة تشكل و تشكيل، " من حيث تشكله بها أولا، وعلاقته بها من حيث تشكيله لها ثانيا"55 .
__________
50- ص 222،251
51- ص 251 حيث قال: "ربط دلالة النص بالأفق العقلي و الإطار الثقافي لعصر الجيل الأول من المسلمين يتعارض تعارضا جذريا مع المفهوم المستقر في الثقافة من أن دلالة النص تتجاوز حدود الزمان و المكان.. يؤدي إلى نتيجة أخطر.." إلخ.
أقول: هذه مغالطة، فلا تعارض إذا ما قلنا إن تلك الدلالة التي فهمها الجيل الأول لم تكن «مصنوعة» من قبل أنفسهم بل النص بإمكانياته هو الذي دلهم عليها، وبما أن ذات النص أفهمت ذلك المعنى والنص لا ينفك عن ذاته فمن الواجب أن يفهم النص بذاته ذلك المعنى في كل مكان وزمان كما أفهم الناس في المرة الأولى التي قرؤوه فيها، إلا ان يكونوا قد غلطوا في الفهم، وهو أمر ممتنع عندنا وعند المؤلف.
وبما ان الله شهد لفهم معين بأنه هوالحق والصواب، فلا يمكن بحال أن ينقلب ذلك الحق بسبب التحول في الزمن أو المكان إلى باطل، و إلا لكان الله شاهدا لهم على الباطل بأنه حق وهو محال يتنافى مع الإلهية.
و النص نفسه أكد أن فهم الجيل الأول له -على كل المستويات- فهم صحيح كامل يجب أن يكون مثالا ثابتا متبعا في كل زمان ومكان وليس في زمانهم وحسب، حيث قال مخاطبا إياهم: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [آل عمران: ١١٠]، و قال: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ) [الفتح: ١٨ ]، و قال: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) [التوبة: ١٠٠]، وقال مخاطبا لهم في آخر خطاب: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [المائدة: ٣].
52 - المقصود بتأويلها تبديل دلالتها إلى مفاهيم مخالفة لدلالتها عند نزول القرآن.
53- ص 271، وهو في محاضرة له يفسر هذا السؤال بقوله: "لم يكن موجودا قبل القرن السابع و وجد، واقعة تاريخية"اهـ، و أظن أن هذا التفسير يوضح كلام السابق فيصير الواقع البشري هو الذي أوجد القرآن و ليس الله، وبما أنه واقعة تاريخية –ككل الوقائع- فقد انتهى أمره ولم يبق لنا منه شيء إلا أثره، إلا كلماته المكتوبة في كتاب يسمى مصحفا، فلا علاقة لنا به و لا علاقة له بنا الآن لأنه جزء من التاريخ الذي حدث فيه، إلا إذا أحببنا أن ننظر إليه كما ننظر إلى لوحة الموناليزا مثلا أو العشاء الأخير التي تعتبر حدثا تاريخيا أيضا، فهذه اللوحات قابلة –بما أنها حدث تاريخي و منتج ثقافي- للقراءات المتعددة و التأويلات المختلفة كل حسب ما يحب و يشتهي، و كذلك القرآن "لكل ذي غرض أو صاحب مقصد – بعد الوفاء بهذا الدرس- [اللغوي، أي اعتباره لغة تدل على الواقع المحدد الذي صنعت فيه تلك اللغة] أن يعمد إلى ذلك الكتاب فيأخذ منه ما يشاء و يقتبس منه ما يريد و يرجع إليه فيما أحب من تشريع..أو غير ذلك"اهــ من صفحة 13.
54 - ص27، لهما دور في «تشكيل» القرآن.
55 - ص 31. كل ما سيأتي سيكون مجرد برهنة على ما سبق.

عمر البوريني
23-01-2014, 07:49
قسم المؤلف كتابه إلى ثلاثة أبواب:
الأول: النص في الثقافة (التشكل و التشكيل)
الثاني:آليات النص.
الثالث: تحويل مفهوم النص و وظيفته، و في هذا الباب تناول كتاب «جواهر القرآن» لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي تناولا نقديا من وجهة نظر كون القرآن منتجا ثقافيا، و آثرت ألا ألخص هذا الشرح نظرا لصعوبة اختصاره، و لأن ما سبقه من أبواب تغني عن الإعادة.

وقد تناول المؤلف هذه الأبواب بناء على ما جاء في المقدمة سابقا.

الباب الأول: النص في الثقافة (التشكل و التشكيل)
الفصل الأول: مفهوم الوحي
القرآن و حي.
في البيئة التي تشكل فيها القرآن ساد التصور بأن للشعراء و الكهان علاقة اتصال بالجن من خلال شفرة لا يعرفها غيرهم، و الوحي في لغة تلك الثقافة –واللغة من مكونات الواقع الثقافي- كانت تعني اتصالا بين طرفين كل منهما في مرتبة مختلفة عن الأخرى بشفرة لا يعرفها غير الطرفين، فكذلك "القرآن يستخدم لفظ (الوحي) للدلالة على الاتصال بين الشياطين و الكفار"56، ثم سمى القرآن الوحي إلقاء على النبي (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا)، و كذلك كان شائعا في تلك البيئة أن الاتصال بين الجن و الإنس يسمى إلقاء اعتمادا على قول القرآن (يُلْقُونَ السَّمْعَ) أي الكهان57.
"وهذا كله يؤكد أن ظاهرة الوحي -القرآن- لم تكن مفارقة للواقع أو تمثل وثبا عليه و تجاوزا لقوانينه، بل كانت جزءا من مفاهيم الثقافة"58.
ولولا وجود هذه الظاهرة عندهم لما فهموا معنى أن القرآن وحي، "ولذلك لا نجد من العرب المعاصرين لنزول القرآن اعتراضا على ظاهرة الوحي ذاتها"59.
فوجود ظاهرتي (الكهانة و السحر) والشعر شرطان للإيمان بالوحي (القرآن)
هذا في مرحلة تشكيل الثقافة للنص
__________
56 - ص 43
57 - ص 45، مع أن الآية لا تخبر عن الكهان بل تخبر عن أن الشياطين هم الذين يلقون أسماعهم!
58 - ص38
59 - ص 38، كون العربي الذي يؤمن بذلك لا يستحيل عليه أن يؤمن بوحي القرآن صحيح، ولكن سبب ذلك ليس إيمانه بوحي الجان بل لأن العقل يقبل حقيقة الوحي الإلهي كما أنه قبل وحي الجان كحقيقة، بدليل أنه قبل عند الشعوب التي لم تكن تؤمن بما آمن به العرب فيما يتعلق بسجع الكهان وشياطين الشعر، فما المانع من أن يكون وحي القرآن قد قبل عندهم لأنه مقبول في ذاته لا لأنهم قبلوه فحسب؟
و لكن المؤلف قال بأنه لولا اعتقادهم بوحي الجان لما كان الوحي الإلهي، فوحي الجان «شرط» في فهم الوحي الإلهي و بالتالي في شرط في وجوده، ولذلك قال صفحة 38: "لقد كان ارتباط ظاهرتي الشعر و الكهانة «بالجن» في العقل العربي -وما ارتبط بهما من اعتقاد العربي بإمكانية الاتصال بين البشر و الجن- هو الأساس الثقافي لظاهرة الوحي الديني ذاتها" اهــ.يقصد بالوحي الديني: "الوحيَ في تصور علماء المسلمين" فهو بذلك يطبق ما التزمه في المقدمة بقوله: "الفصل بين ما يطرحه النص عن نفسه و بين ما صاغته عنه الثقافة فصل تعسفي"ص27.
وأما أن العرب لم يعترضوا على الوحي فهذا مجانب للحقيقة والواقع، بل اعترضوا على عملية الوحي نفسها من حيث أن يوحي الله لإنسان، فحكموا باستحالة هذا الأمر، بالإضافة إلى اعتراضهم على شخص الموحى إليه أيضا، و هذا ما يحكيه التاريخ الواقعي لا الخيال والأوهام، بل هذا ما ينطق به النص نفسه حيث قال: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا) يونس: ٢، فعجبهم كان من الوحي إلى رجل بشري، و قال: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) الأنعام: ٩١، فالآية تنص على أنهم أساؤوا إلى الله عندما نفوا أن يكون الله منزلا لشيء على أي أحد من البشر. قال الطاهر ابن عاشور في تفسير نفي المشركين الوارد في الآية: " نفي الإرسال والإنزال والوحي"اهـ.

عمر البوريني
26-01-2014, 18:55
أما في مرحلة تشكيل النص للثقافة فقد جعل النص من الجن مسلمين وكافرين، و صالحين و قاسطين، وصبغهم بصبغته الخاصة.
ثم تساءل المؤلف عن طبيعة الوحي و كيفيته، فاكتشف أن العلماء يتصورون بأن الوحي إرسال رسالة مع جبريل إلى الواقع [بما فيه النبي ص] بناء على الآيات الكثيرة و الأحاديث المتواترة، و هذا يعني وجودا للنص سابقا على الواقع بما يناقض مفهوم النص، "والذي يهمنا هنا أن نلاحظ أن هذا الرأي يتصور وجودا خطيا سابقا في اللوح المحفوظ، وفي هذا التصور ما فيه من إهدار لجدلية العلاقة بين النص و الواقع الثقافي"60.

و كذلك النبوة، من إنتاج الواقع الثقافي
فقد ساد في ذلك الواقع أن السحرة و الكهان ذوو خيال عال خصب وهم قادرون على استخدامه بصورة مختلفة عن سائر البشر، " إن التشابه و التماثل بين إحدى حالات الوحي و بين الرؤيا أمر مؤكد في الثقافة العربية الإسلامية، سواء قبل الإسلام -مرتبططا بالعرافة و الكهانة- أو بعده، إن ما يحدث للأنبياء شبيه بما يحدث للنائم في حلمه مع فارق الدرجة"61.
"و في ظل هذا التصور لا تكون النبوة ظاهرة فوقية مفارقة للواقع"62.
__________
60- ص 48، مع أنه لا تلازم بين كون جبريل عليه السلام مرسلا من الله و بين قضية أخرى هي قضية اللوح المحفوظ، فهاهنا وجودان للنص سابقان على الواقع وهما حادثان لا كما يتوهم المؤلف، أضف إليهما وجود الكلام القائم في ذات الله تعالى ولكنه أزلي أبدي، و وهذا ما يقوله العلماء عن القرآن.
ثم في إنكاره لكون القرآن مكتوبا في اللوح مغالطة كبيرة في جعل المقدمة نتيجة، كأنه يقول (النتيجة هي:القرآن مصنوع في الواقع، والسبب هو: أن القرآن مصنوع في الواقع) و مع ذلك فهو يجعل نظريته (إنتاج النص) حقيقة بديهية متفقا عليها بين كل البشر! حيث قال ص28 :"إن القول بأن النص منتج ثقافي يكون في هذه الحالة قضية بديهية لا تحتاج إلى إثبات"اهـ، "وهو مانعتده وتعتده معنا الأمم العربية أصلا"! ص12.
61- ص 58
62- ص 59، لم لا تكون النبوة قبلت عندهم لأنها قابلة للقبول في نفسها لا لأنهم قبلوها فحسب؟

عمر البوريني
26-01-2014, 18:56
فوجود ظاهرتي (الكهانة و السحر) والشعر شرطان للإيمان بالنبوة، إذ لولا وجودهما لما صدق أحد من أهل تلك الثقافة بنبوة النبي.***
الفصل الثاني: المتلقي الأول للنص
1- شخصية النبي ص
و كذلك النبي نفسه من إنتاج الواقع!
لأنه "كان ابن المجتمع و نتاجه"63.
"لقد كان محمد المستقبل الأول للنص و مبلغه جزءا من الواقع و المجتمع"64، والواقع الذي نشأ فيه يحتوي على نمطين، النمط السائد القديم و النمط النقيض الجديد الذي -يبدأ ضعيفا- ويسعى لمناهضة القديم، فـ"لم يكن محمد [ص] ينتمي في هذا الواقع إلى النمط المسيطر بنمط القيم السائدة فيه"65، بل كان منتميا إلى النمط الجديد المتمثل في «الأحناف» الذي "كان تجسيدا لنزوع ما لاتجاه جديد في رؤية العالم... الاتجاه الجديد النقيض للاتجاه السائد في المجتمع و الفكر على السواء"66.
فالنبي فارق قومه و الأحناف فارقوا، و النبي تحنث و هم كذلك، و النبي بحث عن دين إبراهيم وهم كذلك.
2- دين إبراهيم
لماذا العودة إلى دين إبراهيم؟67
بسبب الظروف الاقتصادية و السياسية الصعبة قرر محمد أن يختار الإسلام (ملة إبراهيم) كبديل عن النمط السائد، نمط الجاهلية، حيث إن اختيار الإسلام لم يحصل إلا ليحقق لهم المكاسب الاقتصادية التي تحفظ للعرب هويتهم الخاصة، فكان لا بد لهم من التوحد في نمط جديد (هو الإسلام) "لضمان بقاء الحياة
__________
*** يصدر المؤلف في دعوى كون السحر و الكهانة -وأنها من المكونات التي أثرت في تشكيل النص- عن أصول الماركسية «الديالكتيكية» التي ترى في الحوادث الطبيعية تأثيرا «ضروريا لا يتوقف» في تشكيل بعضها بحيث تكون المكونات القديمة شروطا لإيجاد المكونات الجديدة، قال ستالين :"فإذا صح أن ليس في العالم حوادث منعزلة، و إذا صح أن كل الحوادث مرتبطة فيما بينها ويكيف بعضها البعض الآخر بصورة متبادلة، فمن الواضح أن كل نظام اجتماعي [والدين نظام اجتماعي] وكل حركة اجتماعية في التاريخ لا ينبغي الحكم عليها من ناحية العدالة الأبدية أو من ناحية أية فكرة أخرى مقررة سلفا،..بل ينبغي لنا أن نبني حكمنا على أساس الظروف التي ولدت هذا النظام" ص35، و كذلك قال: "إذ إن أي حادث في أي ميدان من ميادين الطبيعة يمكن أن ينقلب إلى عبث فارغ لا معنى له إذا نظر إليه إلى بمعزل عن الشروط التي تكتنفه"ص24.
إن التصور بأن القرآن و النبوة غير مفهومين إلا بتوفر شروط من الواقع هو الذي يجعل القرآن و الإسلام بلا معنى، لأن هذا التصور يجعل الواقع مقدما على النص رتبة و وجودا، فلا وجود له قبل توفر الشروط و لا دلالة له إلا على الواقع، فيكون وجوده عرضيا و وجود الواقع أصليا ، وتكون دلالته عرضية و وجود الواقع أصليا، فالنص وعاء شفاف فارغ لا معنى له ولا قيمة إلا إذا ملأه الواقع بلونه وقيمته الخاصة، فاللون ليس لون النص نفسه بل لون الواقع، فإذا نظرت إلى هذا الوعاء لم تره بل تكون قد رأيت الواقع، وهذا لا يعني إلغاء دلالة النص (أن النص دال بنفسه) فحسب بل يعني أن الواقع هو الذي يدل على المعنى بنفسه مستغنيا عن النص، و يكون النص مفتقرا إلى الواقع في دلالته، فإذا تغير الواقع تغيرت دلالات النص بتغيره، فتكون معانية تابعة لإرادة الواقع و أهله لا من إرادة قائل النص ومرسله، لا تعجب من هذا، واعجب من دعواه بأن علماء المسلمين جعلوا القرآن ألفاظا فارغة من الدلالة!
63- ص 67، وهو هنا لا يقصد جسد النبي الشريف، بل يقصد فكر النبي وهمومه و تطلعاته.
64- ص 67
65- ص 68، وهذا تطبيق عملي لمبادئ المادية «الديالكتيكية» قال ستالين: "إن نقطة الابتداء في الديالكتيك -خلافا للميتافيزيقة- هي وجهة النظر القائمة على أن كل أشياء الطبيعة و حوادثها تحتوي تناقضات داخلية، لأن لها جميعا جانبا سلبيا و جانبا إيجابيا، ماضيا و حاضرا، و فيها جميعها عناصر تضمحل أو تتطور، فنضال هذه المتضادات –أي النضال بين القديم و الجديد، بين ما يموت و ما يولد، بين ما يفنى و يتطرو- هو المحتوى الداخلي لحركة التطور، هو المحتوى الداخلي لتحول التغيرات الكمية إلى تغيرات كيفية"اهـ من ص 33.
66- ص 72، هذا باطل، لأنه لا يمكن القول بأنه من بيئة الأحناف -وهم الذين كان لهم مجتمع خاص منفصل في مكة- إلا إذا شاركهم مشاركة حقيقية و دخل في مجتمعهم، و بما أنه لم يثبت شيء من هذا بطل أن يقال بأنه من من نمط الأحناف، فلم يكن للنبي  علاقة بالأحناف أبدا، سوى أنه شاهد زيد بن عمرو مرتين، و كذلك شافه ورقة مرة أو مرتين فقط، و هذا لا يثبت أنه كان ابن مجتمع الأحناف.
وبكل تأكيد من التناقض أن يقال إن النبي كان من نمط الأحناف -وهو نمط مفارق للنمط الجاهلي السائد- ثم يقال إن النبي لم يكن مفارقا! هذا مخالف للمنطق السليم، بل كان النبي مفارقا لنمط الأحناف و لنمط الجاهلية أيضا، لقد جعل الله له نمطا آخر احسن منهما، إنه نمط النبوة، بل نمط خاتم النبوة.
67- ص لأن الله قال: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) النحل: ١٢٣، فاتباعه للحنيفية لم يحصل ابتداءا منه ولا جاء بعد تأمل دقيق وترجيح بين الأديان توصل في النهاية إلى اختيار الحنيفية، كيف والقرآن يقول له: (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن الله يسلط رسله على من يشاء) بل حصل بهداية الله له إليها، وبوحي الله إليه بوجوب اتباع هذا الدين، وهذا هو معنى التسليط المذكور في الآية، فالاختيار عائد إلى الله وليس للنبي نفسه.
وما يذهب إليه المؤلف هنا تكذيب صريح للقرآن، وكذب متتابع في دعواه الاعتماد على التصورات التي يطرحها النص عن نفسه.
والمؤلف هنا لا يحيد الله عن الحياة ونظامها فحسب، بل يحيده عن أهم شيء في الإسلام وهو الدين نفسه، ويلغي حتى تدخل الله في الدين، حيث يدعي بأن الإسلام صنعة بشرية واختيار مؤقت فرضته الظروف المؤقتة.
هذا هو الإمام العلامة شيخ إسلام العلمانيين نصر حامد أبو زيد، الذي صار في كثير من الدوائر العلمية (المسلمة) يقدم اسمه على انه واحد من المجتهدين الإسلاميين!

عمر البوريني
26-01-2014, 18:58
في هذه الظروف الاقتصادية الخطرة"68، المتمثلة في "ضيق الموارد الاقتصادية التي تعتمد على المطر و العشب من جهة و على التجارة من جهة أخرى، وقد أوشكت حياة الصراع و التناحر و الحروب بين القبائل – و كلها حروب و صراعات ذات جذور اقتصادية- أن تؤدي إلى القضاء على الحاية ذاتها"، وزاد من هذه الأزمة "أن الجزيرة العربية كانت محاصرة بالقوى الأجنبية من كل جانب"69، كالمناذرة و الفرس في العراق، و الغساسنة و الروم في الشام، و الأحباش و جيش أبرهة من الجنوب.
فاختيار الإسلام بدلا عن غيره لم يكن إلا "تجاوبا مع حاجة الواقع"70، وهذا التجاوب حصل من خلال شخصية النبي الذي "تجسدت في داخله أحلام الجماعة التي ينتمي إليها"71.
* ولماذا لم يختاروا اليهودية أو النصرانية؟
لأن المسيحية "كانت دينا غازيا"، أما اليهودية فكانت متعالية على العرب "لا تقبل الوافدين الجدد"، لذلك "كانت الأيديوجيتان المطروحتان غير ملائمتين لتحقيق أهداف ذلك الوعي"72.
_____________
68- ص 73
69- ص 72
70- ص 74، هذا مناقض للنص نفسه إذ يخبر بأن اختيار ملة إبراهيم كان توجيها من الله لا بسبب الأحوال المادية، فقال: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) النحل، وقال: (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) آل عمران: 95، وقال: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) الأنعام: 161، فالآيات تدل على أن اعتناق الإبراهيمية من قبل ذلك الواقع لم يكن في يده ولا باختياره ولا من ترتيبه ولا ابتداء منه، بل كان فرضا جديدا على ذلك الواقع المفارق للإبراهيمية شكلا ومضمونا، فرضا جديدا ومن مصدر جديد.
ولو اتبع الحق في (التشريع) أهواء الواقع البشري في اختيارهم وإرادتهم لفسدت الأرض ومن فيها، قال: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) المؤمنون: 71.
71- ص 74، هكذا إذا، اختيار الإسلام كان لإشباع الرغبات و ملئ البطون، لم يختاروا الإسلام لأنه من الله و لا لأنه خير و حق و صدق في نفسه بل لأنه يحقق لهم المكاسب المادية، اختاروا الإسلام لأنه يأتي لهم بالذهب و الفضة و الحرير و الأموال والسبايا و العبيد، لا لأنه «هداية» ورحمة ورشاد و صلاح وخير وتقوى. وهذه النظرة المادية عن الإسلام (كله) تفسر لنا لماذا يصور العلمانيون علماء المسلمين على أنهم متبعو شهوات و ملذات.
72- ص 73.
ههنا أمور تدل على تحكم و مجانبة متطرفة للواقع:
الأول: أنه يفرق بين الإبراهيمية و اليهودية والنصرانية، مع أن النصارى واليهود أنفسهم يردون أنفسهم إلى الإبراهيمية، فلا فرق إذا من هذه الناحية بين الإبراهيمية والنصرانية اليهودية، فلو أنهم كانوا يبحثون عن الإبراهيمية لوجدوها في اليهودية التي كان لها حضورها و مكانتها المرموقة في جزيرة العرب وكذلك النصرانية، حتى إن العرب -بل و الأحناف- لم يفرقوا بينهما في أشعارهم، كما فعل ورقة بن نوفل في القصيدة التي يقول فيها:
وموسى و إبراهيم حتى يرى له***بهاء و منشور من الذكر واضح
و مما يدل على تبني اليهود والنصارى للإبراهيمية أن الله أكذبهم في هذا الادعاء عندما ادعوه بقوله: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا) آل عمران: 67.
الثاني: كان اختيار العرب لليهودية أو النصرانية أولى بكثير و أقرب إلى الحقيقة والمنطق السليم من اختيار الإبراهيمية للأسباب الآتية:
- أن الإبراهيمية لم تعرف عندهم لأنها كانت منعدمة الوجود في الجزيرة كدين مكتمل المعالم واضح التفاصيل يمكن للناس اتباعه وتبنيه، ولا يوجد من يمثلها من العرب في ذلك الوقت كما تمثلوا الأديان الأخرى، ولا حتى الأحناف أنفسهم كانوا قادرين على مواجهة ذينك الدينين الذين لا زالا وضحا المعالم والتفاصيل بدين ليس واضح التفاصيل والتشريعات العملية، ولذلك كان لليهودية والنصرانية حضور قوي و مشاركة فاعلة في الواقع والثقافة بسبب قوة الدينين الذين كانا واضحين وضوحا يستطيع أصحابهما تقديمهما على أنهما حل أمثل للأمة العربية آنذاك في الخروج من مآزقهم، فكان اختيار العرب لليهودية او المسيحية أدعى بناء على فرضية أن الأمر اختيار ظرفي.

-هناك قبائل عربية كثيرة تبنت المسيحية منها تغلب و لخم و كلب وبلاد نجران، وكذلك اليهودية في الحجاز تبنتها قبائل النضير و قينقاع و قريظة، بينما لم يعرف العرب الإبراهيمية إلا من خلال اتصالهم باليهود و النصارى، ولولا ذاك لانمحت معالمها من حياة العرب الوثنية، فلم يكن الواقع يعرف الإبراهيمية كدين منفصل عن اليهودية و المسيحية.

-أن النصارى كانوا يدعون الناس إلى دينهم، واليهود إذا منعوا أحدا من الدخول في نسبهم فلم يمنعوه من الدخول في دينهم، قال تعالى: چﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ پ پ پ پچ البقرة: 120، قال الطاهر ابن عاشور: " أما اليهود فلم يكونوا يدعون الناس إلى اليهودية، ولكنهم يقبلون من يتهود كما تهود عرب اليمن"اهـ22/331، وجاء في " الاستيعاب " في أثناء الحديث عن زيد بن عمرو 2/616 " ومن خبره في ذلك أنه خرج في الجاهلية يطلب الدين هو وورقة بن نوفل فلقيا اليهود فعرضت عليهما يهود دينهم فتهود ورقة، ثم لقيا النصارى فعرضوا عليهما دينهم فترك ورقة اليهودية وتنصر، وأبى زيد بن عمرو أن يأتي شيئا من ذلك وقال : ما هذا إلا كدين قومنا نشرك ويشركون"اهـ
- لم يحصل أن وقع بين اليهود و العرب أي قتال قبل الإسلام، في الوقت الذي كانت العرب قبائل متناحرة تحارب بعضها في معارك طاحنة.
- لقد كان لليهود صورة لها احترامها في الشعر الجاهلي، فلم يصل إلينا أن هجى العرب اليهود في شعرهم، بل وصلنا أن مدحوهم وعظموا دينهم، كما مدح أبو سفيان بعضهم فقال: تأمل فإن القوم سر و إنهم***صريح لؤي لا شماطيط جرهم.
- وكذلك عظم العرب دين النصارى، ألا ترى إلى قول النّابغة يمدح آل النّعمان بن الحارث ، وكانوا نصارى:
مَجَلَّتُهم ذاتُ الإله ودينُهم*** قَويمٌ فما يَرْجُون غيرَ العواقب
ولا يَحْسِبُون الخَيْر لا شرّ بعده*** ولا يحسبون الشرّ ضَرْبَةَ لازب
مجلتهم = إنجيلهم.
- كان بين العرب و اليهود اتصال ديني مباشر استمر أثره حتى بعد الإسلام، قال النووي في المجموع ج 9 ص 64: "فرع في جواز الرقية بكتاب الله تعالى وبما يعرف من ذكر الله ... وروى البيهقي بإسناده الصحيح عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت : دخل أبو بكر رضي الله عنه عليها وعندها يهودية ترقيها فقال : إرقيها بكتاب الله عز وجل"اهـ .
- كان لليهود مكانة مرموقة في نفوس العرب، كما قال الطاهر ابن عاشور: " فربما كان أهل تلك البلدان يدعون المشركين إلى اتباع اليهودية أو النصرانية ويصغرون الشرك في نفوسهم ، فكان المشركون لا يجرؤون على تكذيبهم لأنهم كانوا مرموقين عندهم بعين الوقار إذ كانوا يفضُلُونهم بمعرفة الديانة وبأنهم ليسوا أميين"اهـ
- كان اليهود بمثابة مرجعية عليا للعرب فيما يختص بشؤون الأديان، ولذلك استشاروهم كثيرا في أمر النبي ص.
- الاتصال الفكري و العاطفي مع المشركين، كرثائيات كعب بن الأشرف لقتلى المشركين في بدر، منها قوله:
طحنت رحى بدر لمهلك أهله *** ولمثل بدر تستهل الأدمع
وكذلك رثى العرب بعض من مات من اليهود، مثل رثاء خفاف بن ندبة –قبل أن يسلم- خضيرا اليهودي، وكان نديمه وصديقه، ورثاء العباس بن مرداس بني النضير، هذا للتمثيل لا للحصر.
- الاتصال الاقتصادي المتمثل في التجارة له دور كبير في نشر المودة بين الطرفين استمرت إلى أن نهى الله من أسلم منهم عنها بسبب ما فعلوه في حق النبي ص عندما نزلت: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) 110-البقرة.
- أن اليهودية و النصرانية كانتا ديانتين تدعوان إلى التوحيد أيضا، قال الطاهر: " فكانت هذه الدعوة [المسيحية] إن صح إِيصَاء عيسى عليه السلام بها دعوةَ إرشاد إلى التوحيد"اهـ.
الثالث: أن المؤلف قال: "هؤلاء الآخرون هم الأحناف الذين تحصرهم السيرة في 1-ورقة بن نوفل، 2-وعبدالله بن جحش، 3-وعثمان بن الحويرث، 4-وزيد بن عمرو بن نفيل، وتروي أنهم التقوا ذات يوم.."اهــ ص69.
أقول : نعم، لم يكن الأحناف إلا هؤلاء، ولكن هؤلاء كلهم كانوا نصارى ما عدى الأخير!! وهذا يقتضي -على افتراض أنه جزء من واقع الأحناف- أن يختار النبي ص النصرانية كما اختارها أبناء واقعه. بل حتى زيد بن عمرو اختار اليهودية أولا مرة ثم انتقل إلى النصرانية، ولكنه لم يستمر عليهما لأنه قيل له بأن النبي قد ظهر في بلادك فعد إليها، فعاد، ولكنه لم يمهل، ولوللا ذلك لاستمر عليها. (ملخص من تاريخ الإسلام للذهبي 517-518).
الرابع: وكذلك لم يعرف عن النبي ص اختلاطه بالأحناف اختلاطا يصحح دعوى انه ابن واقعهم. وما حصل بينه وبي بعضهم لم يكن أكثر من مجرد التقاء عفوي غير مقصود، لم يتكرر إلا مرة أو مرتين، فهل يعني هذا أنه من مجتمع الأحناف؟ وأين ورد عن النبي أنه اتفق معهم على أن «يبحث» عن الدين الجديد؟ أم هي الشهوة والهوى؟
فإذا ثبت هذا نقول: لو صحت الدعوى بأن الإسلام اختيار من متعدد متاح لاختار النبي المسيحية أو اليهودية بديلا عن الإسلام، لأن الظروف المناسبة إلى اختيار دين له جذور متأصلة حاضرة في الواقع أولى بكثير من اختيار دين لا زال تحت البحث والتنقيب، أي لم يكن له وجود في الواقع أصلا، و لو صح أن النبي لم يكن مفارقا لواقع الأحناف لاختار النصرانية أو اليهودية بدلا عن الإسلام لأنهم كانوا يهودا أو نصارى، و بما أنه لم يخترهما صح قولنا بأن الإسلام لم يكن خيارا محتملا من متاحات موجودة قبل في الواقع بل كان شيئا مفارقا لا علاقة له بالواقع السائد لا من قريب و لا من بعيد، لا علاقة له بالأحناف و لا بغيرهم كما نصت الآيات.
أما ادعاء المؤلف بأنهم لم يتبعوا المسيحية لأنها كانت دينا غازيا فهو باطل، لأن العرب أصلا لم يروا في المسيحية دينا غازيا بل رأوها جزءا منهم، فاعتنقتها بعض القبائل العربية، واعتنقها بعض الحنيفيين، وما ظهر في أشعارهم من تعظيم للمسيحية ورجالها يدل على نقيض دعوى المؤلف.

عمر البوريني
26-01-2014, 19:12
3- الموقف الاتصالي الأول
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)) العلق: ١ - ٥.
إن الآيات الأولى التي نزلت من النص في عملية الاتصال الأول تكشف لنا عن طبيعة الأسئلة التي كانت تحير محمدا... لقد كانت كلها تدور حول مصير الإنسان، حول مصيره وغايته..فالإنسان الذي كان يثير تساؤلات محمد دون شك إنسان مجتمعه"73.
الأمر بالقراءة هنا أمر بالترديد، وتصور أن القرآن كان مكتوبا قبل نزوله "يجعل النص معطى سابقا كاملا مكتملا فرض على الواقع بقوة إلهية لا قبل للبشر بها، وكان من شأن هذا التصور أن يؤدي إلى عزل النص عن حركة الواقع تدريجيا، و ذلك بتحويله من نص لغوي إلى مجرد شيء مقدس"74.
يتمثل تجاوب هذا النص مع المتلقيالأول في أنه كان يتيما و تركته المراضع مما "ولد إحساسا طاغيا «بالإهمال» و «الضياع»، وعلى ذلك فالوص -وصف الرب بالإكرام- يهدف إلى تطييب نفس محمد"75.
4- التوجه للواقع بالبلاغ
(يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)): ١ - ٥.
أفصح له الوحي عن حقيقة الدور الذي أسند إليه، إنها مهمة إنذار المجتمع بحقيقة الفساد الذي نخر في عظام المجتمع كله، و بضرورة تغييره76.
"إن الأمر بتكبير الرب يستلزم تصغير الأرباب الأخرى... إن الأمر بالهجر هنا يمثل بداية الانفصال بين القديم و الجديد". "من هنا يصعب أن نتقبل إجماع المفسرين على أن المقصود بتطهير الثياب تطهير النفس"77.
و إذا كان المفسرون قد جعلوا الصبر صبرا على عناد قومه فإن سياق النص بوصفه النص الأول في إعلان الرسالة ينفي ذلك، إن الصبر هنا صبر لأوامر الرب الذي طال حنين محمد إلى معرفته78.
"إن النص في عملية الاتصال الثاني [يعني سورة المدثر] ما زال يتجاوب مع حالة المتلقي الأول" ص84.
__________

73- ص
74- ص 76، من الكذب على الحقيقة بأنن يقال بأن هذا تصور، بل هي الحقيقة التي يحكيها النص عن نفسه في قوله مثلا: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) البروج.
ولكن المهم هنا ان نسأل: لماذا ينكر المؤلف أن يكون للقرآن وجود كامل قبل تكلم النبي ص به؟
إذا كان الواقع قد شكل القرآن بلفظه و معناه من خلال المتلقي الأول (وهو النبي) و لم يأت القرآن من مصدر خارجي مفارق للواقع، فهل يعني هذا الكلام أن القرآن صنعة بشرية؟ أم صنعة إلهية؟ إذا كان صنعة إلهية فهذا يعني أن القرآن وهو كلام الله إما أن يكون ابتداء قائما في ذاته تعالى أو أن يكون قائما في غيره، لا يجوز ان يكون قائما في غير الله لأنه عندئذ يصر المتكلم به ليس الله بل غير الله، و إذا كان قائما به ولكنه حدث فيه بعد أن خلق الله الواقع فهذا يعني أن الله محل للحوادث و المتغيرات، فيكون الله متغيرا، وكل متغير مخلوق، قال ص 135 ما نصه: "ولا يصح أن يكون هذا الفهم محجوجا بتصور ان الله لا يجوز عليه التغير...و التغير صفة دائمة في الواقع لا زمة له"اهـ هل يتصور أبو زيد أن الله جزء من الواقع المتغير الذي أنتج النص فيكون الله نفسه متغيرا مثل الواقع؟ هل يكون خالق الواقع مثل مخلوقه؟ و إذا اشترك الله مع الواقع في كونهما متغيرين وكان الواقع حتى يتغير محتاجا إلى من يغيره فهل يكون الله محتاجا إلى من يغيره أيضا أم نتراجع عن كونه متغيرا؟ أم هو متغير بلا مغير؟ و على فرض أن الله متغير، فهل يكون تغيره من نقص إلى كمال؟ أم من كمال إلى نقص؟ أم من نقص إلى نقص؟ أم من كمال إلى نفس الكمال؟ أم من كمال إلى كمال آخر لم يكن حاصلا له، فيكون ناقصا بفوات الكمال الثاني عليه؟
كل هذه المحالات العقلية تقف ضد اعتبار أن الله متغير، وضد أن القرآن منتج ثقافي.
-وهل يفهم من قوله "لم يفرض على الواقع بقوة إلهية لا قبل للبشر بها" أن للبشر بها قبلٌ كما كان لهم قبل بالشعر و سجع الكهان؟ أم يريد أن القرآن لم يفرض على البشر من مصدر خارجي و إنما كان اختيارا إراديا، أقصد من حيث المصدر؟
-وما سر التعارض الأبدي عند أبو زيد بين أن يكون القرآن لغة و أن يكون مقدسا؟
75- ص 77، وكأن القرآن تعبير عن الانفعالات النفسية للنبيص، والذي لا يشعر بتلك الإنفعالات فهو غير مقصود و غير مخاطب بها، فتكون دلالات القرآن بمثل هذا المثال خاصة بالواقع التي نزلت فيه.
و لاحظ كيف انه جعل النبي ص وهو في سن الأربعين لا زال يعاني من الآلام النفسية التي عاناها وهو في المهد أي لمدة تزيد على الأربعين عاما، حتى إذا أنتج النص كان النص «تفريغا» لشعوره الطاغي «بالضياع» و الإهمال الذي بقي يعاني منه أكثر من أربعين عاما، فإذا جاءت لحظة الإبداع فرّج عن ذلك الكبت المتراكم على كر الأيام و السنين على شكل نص اسمه القرآن.
أليس هذا تطبيقا عمليا لقول «ماركس»: "الدين زفرة الكائن المثقل بالألم، وروح عالم لم تبق فيه روح"اهـ (كارل ماركس للعيتاني ص16) ؟
فلو كان لينين حيا لقال لمجتهدنا: "ياله من شرح رائع لمبادئ المادية الديالكتيكية".
76- ص 81
77- ص 83، أولا لم يدع أحد من العلماء أن هذا إجماع في تفسير الآية، ولا هو إجماع أصلا، بل أجمع المفسرون على أن المعنى الأول هو تطهير الثياب الحسية الملبوسة، منهم: ابن جرير الطبري، ومكي بن أبي طالب، والماوردي، وابن عرفة، والقرطبي، وابن عطية الأندلسي، والبغوي، والرازي، والبيضاوي، والجلالان، وأبو السعود، و أبو حيان الأندلسي، وابن كثير، والألوسي، والبقاعي، وإسماعيل حقي..إلخ.
و قد أجمع علماء المسلمين قاطبة على الاحتجاج بهذه الآية في باب الطهارة من كتب الفقه على أن طهارة الثوب شرط من شروط الصلاة.
ومن المحدثين من صنف الحديث الذي بين سبب نزول هذه الآية في باب الصلاة.
ثانيا: المؤلف ادعى هذا الإجماع بناء على ما قرأه في تفسير الزمخشري، و بالرجوع إلى تفسير الزمخشري نكتشف الحقيقة، قال الزمخشري: " {وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ} أمر بأن تكون ثيابه طاهرة من النجاسات؛ لأنّ طهارة الثياب شرط في الصلاة لا تصح إلا بها ، وهي الأولى والأحب في غير الصلاة ، وقبيح بالمؤمن الطيب أن يحمل خبثاً . وقيل : هو أمر بتقصيرها ، ومخالفة العرب في تطويلهم الثياب وجرهم الذيول ، وذلك ما لا يؤمن معه إصابة النجاسة . وقيل : هو أمر بتطهير النفس مما يستقذر من الأفعال ويستهجن من العادات"اهـ
و معروف في التفسير أن «قيل» صيغة للتضعيف، وكلما بعدت عن التفسير الأول زاد ضعف القول عند المفسر.
فالزمخشري يفسرها بالثياب و المؤلف يغض الطرف عنها و يقول أجمعوا على تفسيرها بالصفات!
78- ص و هل ينفي كون الصبر على اوامر الله أن يكون صبرا على عناد قومه؟ بل سياق النص ينفى ما ادعاه المؤلف، لأن سورة المدثر نزلت بعد تكذيب قريش للنبي ص، وسياق الواقع مع سياق النص في قوله (قم) و قوله (أنذر) يحتم تفسيرها بالصبر على تبليغ قومه الذي هو جزء من أوامر الله.
و المؤلف يتوهم ان العلماء لم يفسروا الصبر على الطاعة، بل فسروها بذلك، قال البيضاوي: " { وَلِرَبّكَ } لوجهه أو أمره" و قال النحاس في إعراب القرآن: "ولربك فاصبر، أي على طاعته"اهـ
فإذا ثبت هذا زدنا على الأكاذيب السابقة كذبة جديدة.

عمر البوريني
26-01-2014, 19:14
الفصل الثالث: المكي والمدني
"إن التفرقة بين المكي و المدني تفرقة بين مرحلتين ساهمتا في تشكيل النص، على مستوى المضمون أو على مستوى التركيب و البناء"79.
1- معايير التمييز
اعتمد علماء المسلمين في التمييز بينهما على المعايار المكاني 80 دون اعتبار لأثر المكان و الزمان في النص، ولذلك فهو معيار ناقص، فالمعيار الصحيح يجب أن يكون مستندا على أثر تشكيل الواقع للنص.
مثلا لم يكن في مكة تشريعات، ولم يكن فيها صلاة و لا صوم و لا زكاة81، ولذلك كل آية تتناول هذه المواضيع يجب أن تكون مدنية.

2- معيار الأسلوب
كان الكهان وقد شاعوا في مكة يستخدمون السجع ليوهموا الناس بأن كلامهم ليس من كلام البشر، فلذلك جاء القرآن المكي يكثر فيه السجع (الفاصلة القرآنية)، و عندما انتقل المسلمون إلى بيئة المدنة و انعدمت الكهانة لم يستخدم القرآن السجع82.
حرصا من العلماء على إضفاء صفة القداسة على القرآن فقد "حرصوا على الفصل بين القرآن و النصوص الأخرى في الثقافة وصل إلى حد تأكيد القطيعة الكاملة بين النص والواقع...[ولو تخلوا عن هذا] لأمكنهم أن يفسروا الحروف المقطعة في أوائل السور تفسيرا يربطها بالسياق الثقافي للنص" ص92 فقد شاع عند الكهان استخدام كلمات غير مفهومة على طريق الزمزمة و النفث، ولذلك ورد مثله في القرآن.

3- منهج التلفيق
يوجد روايات تؤكد أن بعض الآيات نزلت مرتين، مرة في مكة و الثانية في المدينة، والاعتراف بهذا هذا يلغي نظرية (إنتاج الواقع للنص)، فالآية الواحدة لايمكن أن تدل نفس الدلالة في واقعين مختلفين، وحرصا من العلماء على تقديس الرواة83 فقد زعموا أن هذه الآيات لها نزولان، و هذا يدل على مدى سيطرة قوى التخلف على المجتمعات الإسلامية في القديم و الحديث84.
مثلا آية الروح: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) الإسراء: ٨٥، الآية مكية باتفاق ولكن البخاري يورد رواية أنها نزلت في المدينة أيضا، والزركشي يقول بأنها نزلت مرتين الأولى في مكة و الثانية في المدينة85.
وهذا باطل، لأن الواقع اختلف مابين مكة و المدينة فلا بد أن تختلف الآيات شكلا و مضمونا تبعا لاختلاف الفترتين.
وتؤكد الروايات أن قريشا طلبت من اليهود أن يواجهوا النبي بشيء فقالوا لهم سلوه عن الروح، فسألوا، و هذا يدل على أنها مكية 86 .
4- فرض تكرار النزول
لا يمكن أن يتكرر نزول آية مرتين، لأن ذلك يلغي نظرية (إنتاج النص) بإلغاء "جذوره الدلالية الناتجة عن علاقته بالواقع"87 ويقضي على مفهوم النص باعتبار أنه من إنتاج الثقافة و إخراجها.
مثلا: أصر العلماء على أن الفاتحة و لاإخلاص تكرر نزولهما في مكة و المدينة بناء على الروايات الكثيرة التي تدل على ذلك، وما دام هذا يتنافى مع نظرية (الإنتاج) فكل الروايات التي تدل على تكرار النزول تكون باطلة88.
الفاتحة جزء من الصلاة التي فرضت في مكة يعني أنها مكية، و الإخلاص لقصر آياتها و مضمونها هو التوحيد الذي لم يكن اليهود ينكرونه، فهي مكية89.
__________
79- ص 85
80- ص 86، بل هو معيار زماني حيث قالوا : المكي ما نزل قبل الهجرة، و المدني ما نزل بعدها.
81- سوف يأتي إبطال هذا الكلام، بل كان في مكة صلاة و زكاة، وكان فيها تحريم الكثير من الأمور كالظلم والزنى و نكاح المحارم ...إلخ، وكان فيها تنظيم شؤون المجتمع الإسلامي داخل مكة في إدراة موحدة تسمى دار الأرقم ابن أبي الأرقم، و سيأتي التفصل لاحقا.
82- ص والحقيقة أن السجع موجود في السور المدنية مثلما هو موجود في السور المكية أيضا، وليست كل السور المكية تحتوي على السجع ولا كل السور المدنية تخلو من السجع، فمن السور المدنية التي جاء فيها سجع متوال سورة
الإنسان، ومن المكية مما لم يكثر فيه السجع سورة الواقعة.
وما فائدة أن يستخدم القرآن السجع في مكة ولا يستخدمه في المدينة؟ يكون القرآن إذا مجرد مقلد لأنماط البشر في الأساليب.
83- ص العلماء و المفسرون لا يعتدون برأي المحدث كمحدث إلا إذا كان فقيها، وحتى الفقهاء من الصحابة و التابعين -ممن لهم العظمة و الجلالة في قلوب العلماء- فقد ترك العلماء الكثير من مذاهبهم لوجود أدلة أقوى من الأدلة التي اجتهدوا بها، كتركهم لمذهب الأوزاعي وهو مذهب كان شائعا أكثر من المذهب الشافعي.
84- ص 92-93.
85- ص 93-94، وهذه مغالطة، لأن نظرية الإنتاج لم يثبتها بدليل أصلا سوى زعمه بأنها بديهية، فكيف يجعلها دليلا؟
86- ص بما أنك تأخذ بالروايات فإما ان تاخذ بها كلها و إما ان تتركها كلها، أما أن تختار ما يتناسب مع ماتحب وتهوى فهذا يسمى تشه و هوى، وهو أبعد شيء عن العلم.
ألا تؤكد الروايات الأخرى كرواية البخاري أن اليهود سألوه عنها أيضا؟
بل إن نظرية الإنتاج الصناعي للقرآن تحتم أن تنزل هذه الآية في المدينة لا في مكة، لأن النبي في المدينة كان أكثر اتصالا مع أهل الكاتب من اتصال قريش بهم.
87- ص 99، المعنى: أن دلالة النص مشروطة بالواقع الذي نزلت فيه، فإذا فقد الواقع فقدت دلالته، فلا يمكن إذا فقد الواقع أن يأتي واقع ثان وتدل الآية فيه بنفس دلالتها في الواقع الأول، وبالتالي لا يمكن أن تنزل الآية نفسها مرتين على واقعين مختلفين! فالله مجبر عند تغير الواقع أن يغير كلامه تبعا للواقع، هذا على أحسن المحامل وهو اعتبار أن الله هو الذي شكل القرآن لا الواقع، أما على اعتبار أن الواقع هو الذي شكل النص بمعزل عن الله فلا يكون الله مجبرا لأنه لا علاقة له به عندئذ.
88- و الواقع -الذي ينادي المؤلف باعتباره- يؤكد أن كل سور القرآن نزلت مرة ثانية على الأقل لمصلحة اقتضت ذلك وهي جمع القرآن على نحو يصير به كتابا كما كان في اللوح المحفوظ، وهذا ما تؤكده الروايات المتواترة.[انظر نظم المتناثر من الحديث المتواتر لمحمد جعفر الكتاني، ح196]
89- كونهما مكيتان لا يعني أنهما لم تنزلا مرة ثانية أو ثالثة أو أكثر، نعم العلماء متفقون على أنهما مكيتان، ولكنهم يقولون بأنه نزلت مرة ثانية في المدينة لأسباب اقتضت نزولها مرة ثانية.
ثم إن اليهود لم يكونوا موحدين لزعمهم بأن الله يشبه المخلوقات، و أنهم أعلى درجة منه بقولهم (إن الله فقير ونحن أغنياء)..إلخ، فهل هذا من التوحيد عند المؤلف؟
*وكذلك في تخصصها بنفي أن يكون الله مولودا (لم يلد ولم يولد) أقوى دلالة على أنها نزلت في المدينة أيضا، فأهل قريش لم يقولوا أبدا أن الله مولود أو أب، ويستحيل أن يحاججهم القرآ على معتقد لم يقولوا به، الذين قالوا هذا هم اليهود و النصارى الذين كثر اتصال المسلمين بهم في المدينة، فكان من الطبيعي أن يرد القرآن على معتقداتهم، فعلى نظرية (الإنتاج) يجب أن يذهب المؤلف إلى أنها مدنية لا مكية.

عمر البوريني
26-01-2014, 19:15
5- الفصل بين النص و الحكم
في حالة القرآن لا بد أن يتزامن سبب النزول مع النص مع حكمه ودلالته، ولكن العلماء يلغون علاقة التلازم و التزامن الضرورية بين النص والدلالة، على نحو يجعلون فيه الحكم الشرعي المستفاد من سبب النزول ينطبق على كل حادثة مطابقة لسبب النزول الأول، فلا تلازم عندهم بين دلالة النص و سبب النزول90.
ويتمثل ذلك الإلغاء عندهم في أمرين:
1- افتراض إمكانية أن ينزل النص في مكة و ينزل الحكم في المدينة.
2- افتراض ان ينزل الحكم في مكة ثم ينزل النص في المدينة.
و الأول يؤدي إلى "وجود نصوص مطلقة عن أحكامها، أي نصوص غير دالة"91، والثاني يؤدي إلى إمكانية الوحي بدون نص، "وإلا فكيف ينزل حكم بلانص؟"92.
وهناك أمثلة.
1- آية التيمم في سورة المائدة وهي سورة مدنية
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) المائدة ٦.
كانت الصلاة مفروضة في مكة و الوضوء جزء منها، وقد ظن العلماء أن الآية تحتوي على أحكام الوضوء، فتكون بذلك حكم الوضوء ثابت قبل نزول النص، ويؤدي هذا إلى وجود حكم بلا نص، وهذا باطل لأن الآية ليست نصا في الوضوء بل تتكلم عن التيمم، أما الحديث عن الوضوء فيها فقد جاء عرضا93.
أما افتراض تأخر الحكم عن النص فله أسباب، منها:
1- عدم تفريقهم بين الدلالة اللغوية و الشرعية للنص.
- مثل آية: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15)) الأعلى.
تصوروا بأن التزكي هنا معناه الزكاة الفقهية، وعليه تصوروا أن هذه الآية المكية نص في الزكاة والحكم بوجوبها نزل في المدينة، وهذا باطل بل المقصود هو المعنى اللغوي [كالتربية مثلا]، فلا يكون عندئذ النص سابقا على الحكم94.
- وآية: (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ) البلد: ٢.
تصوروا أن الحل هنا عكس الإحرام و هو جزء من فريضة الحج، وهذا باطل لأن الحل هنا تعني مقيم95.
-و آية: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) الأنعام: ١٤١.
قالوا بأنها مكية، مع أن الزكاة فرضت في المدينة96.
2- ورود تفسير عمن لا يستطيع العالم مخالفة قوله من صحابي أو تابعي
- مثل آية: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فصلت: ٣٣ .
ورد عن عائشة أنها قالت نزلت في المؤذنين بالرغم من أن الآية مكية، فالدعاية هنا ليست الأذان بل المعنى اللغوي97.
3- الخل بين مناسبة النزول و حادثة أخرى يعاد فيها الاستشهاد بالنص
- مثل آية: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) القمر: ٤٥.
حيث قالوا نزل النص سابقا على حكمه، مع أن سياق النص يتضمن المقارنة بين فرعون و المشركين، و أعيد الاستشهاد به من قبل النبي ص في غزوة بدر98.
__________
90 - ص 101-102، بمعنى أن دلالة الآية على الحكم لا تصلح إلا لذلك السبب الذي نزلت فيه و لا تصلح لغيره، هذا هو التلازم الذي يعنيه المؤلف بين السبب و الدلالة.
وهذا الكلام يعني أن القرآن ليس دالا بنفسه على المعنى بل دالا بغيره لأن دلالته متلازمة و متزامنة مع الواقع لا تنفك عنه، فإذا انفكت لا بد من قراءته قراءة مغايرة، فدلالته ليست قائمة به بل بالواقع، بحيث لو تغير الواقع تغيرت معه دلالة النصوص، ولو كان دالا بنفسه لكانت معانيه ثابتة ودائمة لا تختلف باختلاف الواقع، وهذا ما يعرضه العلمانيون -والمؤلف واحد منهم- أشد المعارضة.
91- من الذي يجعل القرآن مفرغا عن معناه حتى يأتي الواقع فيملأه؟ من الذي يجعل النص مفتقرا في دلالته إلى غيره؟ من الذي يجعل القرآن غير دال على شيء حتى يجد له قارئا يؤوله كما يحب وبما يشاء؟
92- ص102، سوف ينزل بنص النبي!
93- لم يقل العلماء بأن حكم الوضوء ثابت بنص هذه الآية ابتداء، بل هو ثابت بنص النبي ص أولا، فالحكم هنا ثابت بنص، ولكنه نص النبي ص، قال الطاهر ابن عاشور: " إذا جرينا على ما تحصحص لدينا وتمحّص من أنّ سورة المائدة هي من آخر السور نزولاً، وأنّها نزلت في عام حجّة الوداع، جَزمنا بأنّ هذه الآية نزلت هنا تذكيراً بنعمة عظيمة من نعم التّشريع، وهي منّة شرع التيمّم عند مشقّة التطهُّر بالماء ، فجزمنا بأنّ هذا الحكم كلّه مشروع من قبْل، وإنَّما ذُكر هنا في عداد النّعم الّتي امتنّ الله بها على المسلمين، فإنّ الآثار صحّت بأنّ الوضوء والغسل شرعا مع وجوب الصّلاة، وبأنّ التيمّم شرع في غزوة المريسيع سنة خمس أو ستّ"اهـ .
فتكرار نزول الحكم مرتين يقضي على نظرية «الإنتاج» الماركسية للنصوص الإلهية.
94- ص 104، مع أن العلماء لم يفسروا التزكي هنا بالزكاة الفقهية. في تفسير الجلالين: " {قَدْ أَفْلَحَ} فاز { من تزكى} تطهر بالإِيمان "اهـ بلا زيادة، وقد استقرأت تفسيرها من 40 تفسيرا فلم اجد أحدا قال بأن معنى الزكاة هنا المعنى الفقهي.
95- ص 106، العلماء فسروا (الحل) هنا بمعنى بشارة النبي بأنه سوف يحج في المستقبل تطمينا له، لا فرضا للحج، و الجمهور فسروها بمعنى الإقامة أو استحلال قريش لأذية النبي في الحرم المحرم عندهم، وهذا لا يمنع أن يحتج بالآية فقهيا عند نزول الحكم على لسان النبي ص.
96- قال الطاهر ابن عاشور: "هذا قبل شرح نصابها ومقدارها"اهـ
فمعنى الزكاة هنا زكاة شرعية لا لغوية، ولكن الحكم بفرضيتها و تحديد نصابها تأخر عن نزول النص إلى المرحلة المدنية، فتامل.
و قال: " وقد فرضت الزّكاة في ابتداء الإسلام مع فرض الصّلاة ، أو بعده بقليل ، لأنّ افتراضها ضروري لإقامة أود الفقراء من المسلمين وهم كثيرون في صدر الإسلام ، لأنّ الّذين أسلموا قد نبذهم أهلوهم ومواليهم ، وجحدوا حقوقهم ، واستباحوا أموالهم ، فكان من الضّروري أن يسدّ أهل الجدة والقوّة من المسلمين خَلَّتهم . وقد جاء ذكر الزّكاة في آيات كثيرة ممّا نزل بمكّة مثل سورة المزمّل وسورة البيّنة وهي من أوائل سور القرآن ، فالزّكاة قرينة الصّلاة . وقول بعض المفسّرين : الزّكاة فرضت بالمدينة ، يحمل على ضبط مقاديرها بآية {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة : 103] وهي مدنيَّة ، ثمّ تطرّقوا فمنعوا أن يكون المراد بالحقّ هنا الزّكاة ، لأنّ هذه السّورة مكّيّة بالاتّفاق ، وإنَّما تلك الآية مؤكّدة للوجوب بعد الحلول بالمدينة ، ولأنّ المراد منها أخذها من المنافقين أيضاً ، وإنَّما ضبطت الزّكاة . ببيان الأنواع المزكاة ومقدار النُّصب والمُخْرَج منه ، بالمدينة ، فلا ينافي ذلك أن أصل وجوبها في مكّة"اهــ ج8/121.
97- العلماء أجمعوا على خلاف التفسير المنسوب إلى عائشة، فقد أجمعوا على أن معنى دعا تبليغ الدين، وهذه ليست الرواية الوحيدة عن صحابي في تفسير الآية بل هناك الكثير من الروايات التي تفسرها بغير التفسير المنسوب إليها، والاقتصار على تفسير عائشة قلب للحقيقة و تصوير بأن العلماء لم يفسروا الآية إلا بذلك التفسير فاستحقوا من المؤلف التحقير و الوصف بالرجعية و التخلف، وهو ما يريد أن يصل إليه.
و الرواية عن عائشة -لوصحت- فإن قولها "نزلت فيهم" يحتمل أن يكون معناه نزلت في وصف ينطبق على المؤذنين الذين ظهروا في المدينة.
98- يقصد المؤلف الحكم بالقتال مع أنه لم يذكره، وأقول: إن هذه الآية نزلت في مكة وهي نص في أن حكم القتال سوف يحصل لاحقا، فالنص نفسه هنا يخبر بتأخر الحكم، و إذا ثبت أن النص نفسه يؤخر حكمه ثبت أن نظرية (الإنتاج) نظرية تتنافى في أصولها مع النص نفسه و مع طبيعة كنص دال بنفسه.
قال الطاهر بن عاشور: " قوله : {سيهزم الجمع} إنذار بهزيمتهم يوم بدر وهو مستقبل بالنسبة لوقت نزول الآية لوجود علامة الاستقبال"اهــ وقال: " روي عن عكرمة أن عمر بن الخطاب قال : " لما نَزلت {سيهزم الجمع ويولون الدبر} جَعَلْتُ أقول : أيُّ جمع يهزم؟ فلما كان يومُ بدر رأيت النبي ص يثب في الدرع ، ويقول : {سيهزم الجمع ويولون الدبر} " اهـ، أي لم يتبين له المراد بالجمع الذي سيُهزم ويولِّي الدبر فإنه لم يكن يومئذٍ قتال ولا كان يخطر لهم ببال"اهـ

عمر البوريني
26-01-2014, 19:16
الفصل الرابع: أسباب النزول
تعتبر أسباب النزول من أهم العلوم الكاشفة عن علاقة النص بالواقع و جدله معه.
إن الحقائق «الإمبريقية» 99 المعطاة عن النص تؤكد أنه نزل منجما على بضع وعشرين سنة، وتؤكد أيضا ان كل آية أو مجموعة من الآيات نزلت عند سبب خاص «استوجب» إنزالها، و أن الآيات التي نزلت ابتداء -أي دون علة خارجية- قليلة جدا100.
"وقد أدرك العلماء أن قدرة المفسر على فهم دلالة النص لا بد أن تسبقها معرفة بالوقائع التي أنتجت هذه النصوص"101.
1- علة التنجيم
الثقافة السائدة كانت شفاهية يستحيل عليها استيعاب نصوص بهذا الطول، ألم يكن -من وجهة نظر الفكر الرجعي التبريري- أن ينزل القرآن مرة واحدة؟ 102.
"إن الواقع هنا يستجيب لواقع ثقافي له شروطه الموضوعية الخاصة"103.
2- كيفية التنجيم
(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) البقرة: ١٨٥
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) القدر: ١
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) الدخان: ٣
فهم العلماء بهذه الآيات على أن القرآن كان له نزول كامل قبل نزوله إلى الواقع البشري، لأن هذه الآيات تدل على انه نزل في ليلة واحدة.
وهذا «الانحراف» في الفهم يؤدي إلى فصل النص عن الواقع، ولذلك فهو باطل.
"والحقيقة أنه لم يكن ثمة نزول مجمل للنص من مكان آخر وراء عالم الأرض" ص115
لماذا؟
لأن "هذا التصور لا تعارضه الآية محور النقاش فقط، بل يعارضه النسخ...وصيغة الماضي الواردة في الآية"104.
فإذا كان القرآن قد نزل إلى اللوح المحفوظ في تلك الليلة قبل نزوله إلى واقع البشر فإن صيغة الماضي في قوله (إنا أنزلناه في ليلة القدر)تتعارض في وجودها في النص قبل نزوله، و إذا قلنا إنها أضيفت إلى النص بعد نزوله فإن ذلك يهدم أزلية النص105.
فالحقيقة أن القرآن نزل مستجيبا للوقائع و الأسباب.
3- الدلالة بين عموم اللفظ وخصوص السبب
يعلمنا منهج هذه الدراسة أن السعي لاكتشاف دلالة النص يجب أن لا106 يفصل بين النص وبين الوقائع التي يعبر عنها، بحيث تكون دلالته منحصرة في تلك الوقائع.
فمثلا آيات التدرج في تحريم الخمر، لم تنزل إلا لعلاج حالة الإدمان الاجتماعية، وهذا يؤكد جدلية النص مع الواقع و الثقافة.
تحتوي النصوص الممتازة -دون النصوص ذات المستوى الأدنى- على دوال على الوقائع الجزئية و دوال "ذات طبيعة عامة، وهي الدوال التي تمكن العصور المختلفة من قراءة النصوص واكتشاف دلالات مغايرة فيها"107.
فمثلا نصوص شكسبير تحتوي على أساطير تدل على معتقدات العصر، تسقط هذه الدوال الجزئية عادة في القراءات المعاصرة لحساب الدلالت العامة.
ولذلك لا يجوز الاقتصار في فهم القرآن على الدلالات الجزئية، لأن ذلك يؤدي إلى خلق تعارضات داخل النص لا يمكن حلها108.
ولا يجوز أن تبقى أسباب النزول دالة على مثل مادلت عليه عند نزولها، بل "يجب اكتشاف دلالات مغايرة فيها"109.
إن دلالة النصوص ليست إلا محصلة لعملية التفاعل في عملية تشكيل النصوص وصنعها من جانبي اللغة والواقع.
إن أسباب النزول ليست سوى السياق الاجتماعي للنصوص 110، وبما أن السياق الاجتماعي متغير فلا يصح إخضاع الواقع لأحكام و تشريعات جامدة لا تتحرك ولا تطور111.
ليس ثمة إذا تعدد للنصوص حول واقعة واحدة، لأن ذلك يؤدي إلى فصل النص عن الواقع112.

الفصل الخامس: الناسخ والمنسوخ
لا يمكن التوفيق بين النسخ و بين الوجود الأزلي للنص في اللوح المحفوظ113.
تحديد الناسخ والمنسوخ يعتمد على تحديد دقيق لأسباب النزول، وقد جعل العلماء كل اختلاف بين النصوص من النسخ114.
قإذا كان النص في مفهومه الأساسي من حيث كونه وحيا انطلق من حدود مفاهيم الواقع فلا شك انه في تطوره كان لا بد أن يراعي هذا الواقع، ولا يصح أن يكون هذا الفهم محجوبا بتصوره أن الله لا يجوز عليه التغير، فالتغير صفة ثابتة في الواقع لا زمة له من حيث هو حركة مستمرة سيالة دافعة، ومادام النص متوجهاإلى الواقع فلا بد أن يراعي شروط الواقع"
"لا يصح إخضاع الواقع لأحكام و تشريعات جامدة لا تتحرك ولا تطور"115 لأن الواقع متغير، وهذا التغير يتطلب تغييرا في الأحكام.
إن بقاء النصوص المنسوخة إلى جانب النصوص الناسخة يعد أمرا ضروريا ، وذلك لأن حكم المنسوخ يمكن أن يفرضه الواقع مرة أخرى 116.
فيجب في الناسخ و المنسوخ العمل بكل واد منهما في أي وقت حسب الحاجة والظروف التي يفرضها الواقع.
و إذا كان «المنسأ» يعني العمل بآية بدلا عن الأخرى بسبب مانع شرعي فإذا زال المانع رجع لكل منهما حكمه الخاص فإن هذا "يجعل الناسخ والمنسوخ كله من باب المنسأ"117، "ويكون معنى التبديل في الآيات التي ناقشناها قبل ذلك تبديل الأحكام تبديل الأحكام لا تغيير النصوص" ص138.
إن النسخ من وجهة نظر القدما يمثل وثبا على الواقع، لأنه فرض للتشريعات خاصة بواقع الجيل الأول على واقع مختلف.
و الذي لا شك فيه أيضا أن فهم قضية النسخ عند القدماء لا يؤدي فقط إلى معارضة تصورهم الأسطوري للوجود الخطي للنص، بل يؤدي أيضا إلى القضاء على مفهوم النص ذاته118.
__________
99- أي المستفادة من التجربة الحسية.
100- لاحظ يقول «الحقائق الإمبريقة»! فهل هذا صحيح؟
إن الحقائق الإمبريقة تكذب هذه الدعوى العريضة، و تؤكد أن الآيات التي ورد فيها سبب نزول -صحيح وضعيف وموضوع دون تمييز- وعددها في أكثر الأحوال 888 آية لا تمثل أكثر من 14% من مجموع آيات القرآن البالغ عددها 6236 آية.
101- ص 109، و ليت شعري أي واحد من علماء المسلمين قال بأن: " الوقائع أنتجت هذه النصوص" ؟؟
102- الرجعي المتخلف هو الذي يرجع في سؤاله إلى حضيض الجاهلية الجهلاء ويبحث عن أسئلة بليت منذ مئات السنين ثم يطرحها في القرن الحادي والعشرين، وكأنه لم يجد في القرىن إجابة عنها، أو وكأن إجابة القرآن عنها بالنسبة كانت خاطئة بالنسبة إليه تستحق الإضراب عنها، فالمؤلف يعيد طرح نفس الأسئلة التي طرحها أسلافه الجاهليون عن القرآن، (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) الفرقان: ٣٢.
يقصد «بالتبريري» الذي يبرر حدوث الأشياء بقدر الله وقضائه، وهذا الإيمان يعتبر عنده رجعيا! فتأمل..
وفي الرد على سؤاله الرجعي أقول: شاء الله أن ينزل منجما للحكم التالية:
أ- فيه إظهار للإعجاز من وجهين:الأول:مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وثانيا: تكرار التحدي مع كل مرة ينزل فيها أوقع في نفي أن يكون القرآن من «إنتاج الواقع» وأبلغ من ان يتحداهم به مرة واحدة.
ب- حتى تعرف مقاصد التشريع الكلية و الجزئية، ولو نزل مرة واحدة لما عرفت مقاصد الشريعة.
ج- فيه الناسخ والمنسوخ، فلا يتأتى نزوله مرة واحدة.
د- فيه مايحتاج إلى البيان عند نزوله، و البيان عند نزوله مرة واحدة مستحيل، فيكون بذلك قد تأخر البيان مع الحاجة إليه بما يناقض وظيفة الوحي و النبوة.
103- ص 111. يصرح هنا بأن مكونات الواقع شروط في تشكيل النص. فتأمل ما قلناه سابقا.
104- ص 115، كيف تعارضه الآية؟ وكيف يعارضه النسخ؟
105- ص 114
هذا جهل بكلام العلماء، فإن العلماء يفرقون بين الكلام الأزلي القائم في ذات الله تعالى و الكلام الحادث المكتوب في اللوح أو في المصاحف أو المنطوق بألسنتنا.
فإن الكلام الأزلي كصفة العلم و الإرادة وغيرها لا يمكن أن يحدث لأن الله تعالى ليس محلا للحوادث و إلا كان محتاجا إلى الفاعل فيكون مخلوقا، وهو محال.
إن لكلام الله الأزلي القائم به تعلق بالأشياء تعلق دلالة، فإذا وجد المخبَر عنه وجدت الدلالة عليه على شكل الألفاظ، فالكلام الأزلي لا يوصف بكونه خبرا ولا أمرا إلا عند وجود المخبر عنه أو المأمور.
وهذا معنى صيغة الماضي، فلما أنزله صار الخبر خبرا عن شيء ماض، وهذا لا يتعارض مع صيغة الماضي، فأنت إذا أردت أن تخبر عن شيء لم تفعله بعد ثم فعلته و أخبرت عنه بالخبر الذي كان في نفسك لم يكن في كلامك النفسي قبل فعله كذب مع أنك متكلم حقيقة بأنك فعلته قبل التلفظ. وكذلك نزل القرآن إلى اللوح المحفوظ و فيه الإخبار عن أنه نزل في تلك الليلة.
ثم إن وصف الله تعالى القرآن بأنه: «نزل كتابا» يقضي على دعوى إنتاج النص، قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ) النساء: ١٠٥، وقال: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) آل عمران: ٣، و قال: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) المائدة: ٤٨، وقال: (وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) القصص86،وغيرها الكثير، فليس لمعنى نزوله كتابا وقد نزل صوتا إلا أنه كان مكتوبا قبل أن ينزل.
106- يكثر المؤلف من قوله: "لا يجب أن"، وهذا غلط لغوي في مثل هذا السياق.
107- ص 122، القراءة تعني التفسير أو التأويل أو الفهم أو التحليل بمعنى واحد.
108- ص 120
109- ص 122-124
110- ص 126
111- ص 135
112- ص 130، الكثير من الآيات نزلت مرات كثيرة في وقائع متعددة ومختلفة، مثل قوله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) آل عمران: ١٩٥، انظر الدر المنثور للسيوطي في تفسيرها.
بل لقد نزلت معظم آيات القرآن (90% على الأقل) بلا سبب يقتضي نزولها.
113- ص 131، ههنا قضيتان:
الأولى: أن النص يتعارض مع أزلية القرآن
الثانية: الدعوى على علمائنا بأنهم قائلون بأزلية ما في اللوح المحفوظ
الجواب عن الأولى: لا تعارض، فإن الكلام الأزلي لا يتعلق به النسخ أصلا لأنه صفة لله كصفة العلم لا تتبدل و لا تتغير، و لكن الذي ينسخ هو العبارات و الألفاظ الدالة على المعنى القديم.
والجواب عن الثانية: يستحيل أن يخرج هذا الكلام ممن يدعي الاجتهاد المطلق وهو يجهل أضخم مسألة في تاريخ الإسلام، فإن العلماء قالوا بعكسها، وهذا السلوك من المؤلف يعتمد على تشويه العلماء ثم تحقيرهم ورد ما قالوه مع أنهم لا يقولن إلا بما قال الله به، فهو يريد أن يرد كلام الله ولكن كيف؟ بتصوير أن ذلك القول قول العلماء و ليس قول الله.
قال اللقاني في هداية المريد: "وفي شرح المقاصد..المرضي عندنا أن له اختصاص آخر بالله تعالى، وهو أنه اخترعه بأن أوجد أولا الأشكال في اللوح المحفوظ لقوله تعالى: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) البروج، أو الأصوات في لسان الملك.."اهـ،1/515-516 ، وقد بين الفخر الرازي أن ما في اللوح من رقوم وألفاظ مخلوق في كتاب الإشارة، وكذلك عندما عدد ابن حجر العسقلاني في الفتح المخلوقات العلوية ذكر منها -كما هو مستفاد من الأحاديث- اللوح المحفوظ.
114- ولكن العلماء جمعوا من المنسوخ ما لا يتعدى 300 آية فقط، لم يترجح عندهم في النسخ على أكثر تقدير إلا ما لا يزيد على 30 آية فقط في أكثر الأحوال. انظر بحث (المنسوخ من آيات القرآن الكريم) للدكتور عبد الرحمن الشهري.
115- ص 135
116- ص 137، فالخمر على سبيل المثال كراهتها منسوخة بحرمتها، فلو فرض الواقع على المؤلف أن يشرب الخمر فهذا يجوز عنده بنص الكتاب لأنه يوجد فيه نص الإباحة.
117- ص 138، فإذا زال المانع عن حرمة الخمر جاز له ان يشربه عودا على حكم الآية المبيحة له.
118- ص 152، وقد سبق أن نبهنا على أن علماءنا لم يقولوا بأزلية النص الموجود في اللوح المحفوظ، بل يقولون بأن الله خلقه في اللوح، أما الكلام القديم فلا تغير فيه و لا حدوث.
ودقق في وصفه للوح المحفوظ بأنه أسطورة تجد حقيقة الاجتهاد المناقض لقواعد القرآن.

عمر البوريني
26-01-2014, 19:22
الباب الثاني: آليات النص
الفصل الأول: الإعجاز
البحث عن الإعجاز بحث عن السمات الخاصة للنص التي تميزه عن النصوص الأخرى،"ولا شك ان النص في علاقته بالنصوص الأخرى يتضمن داخله دوال تؤكد مشابهته لها، ولكنه يتضمن أيضا دوال أخرى تؤكد مخالفته لها" ص155.
ولكن العلماء المسلمين كانوا حريصين أشد الحرص على نفي أي مشابهة بين النص وغيره من النصوص"119.
لا يختلف القرآن عن الشعر وسجع الكهان إلا في أن علاقة الاتصال بين المرسل و المستقبل علاقة رأسية(الله-الإنسان)، أما الشعر و السحر فهو علاقة أفقية (الجن-الإنسان) 120.
ولذلك "كان من الطبيعي أن تترابط النصوص الناتجة عن (الاتصال/الوحي) [ وهي القرآن و الشعر و سجع الكهان] في ذهن الجماعة" وهم المخاطبون بالوحي من المشركين و غيرهم، و بسبب هذا الترابط "لم يكونوا قادرين على استيعاب التغاير بين النص و النصوص التي لديهم، ولذلك كانوا حريصين أشد الحرص على جذب النص الجديد غلى أفق النصوص المعتادة،فقالوا عن النبي شاعر و قالوا عنه كاهن، ولا شك ان هذه الأوصاف قامت عندهم على أساس إدراك المماثلة بين نص القرآن و نصوص الشعراء و الكهان"121، "فحين وصف العرب محمدا بالشاعرية و السحر والكهانة فإنما كانوا يحاولون رد النص إلى غطار النصوص المألوفة"122.
وما كان القرآن أداة هامة للتنبؤ بالوحي إلا لأن "الكهانة ذاتها كانت أداة هامة للتنبؤ بالوحي"123
و إذا كان الباقلاني يسهل عليه أن ينكر التماثل بين القرآن و الشعر فإن إنكاره للتماثل لا يعتمد على تحليل لمعطيات النص"124.
"إن موقف الإسلام من الكهانة مماثل لموقف النص من السجع أو الفاصلة، موقف القبول أولا ثم الرفض بعد ذلك، وتلك هي جدلية القرآن مع الواقع، وجدلية النص مع النصوص الأخرى في الثقافة"125
"يحاول الباقلاني -عبثا-أن يثبت أن إعجاز القرآن كامن داخله، و أنه ليس إعجازا نابعا من تدخل خارجي"126، إن محاولاته تعتمد لإثبات إعجاز القرآن تعتمد على مفهوم انفصاله انفصالا تاما عن النصوص الأخرى داخل الثقافة" ص162.
ولكن المعضلة الحقيقة في مفاهيم الباقلاني و الأشاعرة على وجه العموم تكمن في هذه الثنائية بين الكلام الإلهي القديم (المعنى النفسي) و بين العبارة عنه (القرآن)...إن تركيزهم على مفهوم الكلام الإلهي -القرآن- بوصفه تعبيرا عن الصفة القديمة قد أدى إلى القول باستحالة وجود أي قدر من التشابه بين كلام الله و كلام البشر.
إن الفصل بين القرآن والنصوص الأخرى داخل الثقافة أدى في النهاية إلى المصيبة الكبرى والآفة العظمى عند أبو زيد، لقد "أدى في النهاية إلى تحويل النص إلى شيء مقدس في ذاته" ص163.
[هذه المرة الثالثة في هذا الكتاب التي ينكر فيها المؤلف كون القرآن مقدسا، وهو يتناسب مع ما نقلناه عنه سابقا في أنه ينفي أن يكون هناك شيء فيه معنى القداسة، لا القرآن ولا غيره.
ولا بد أن نلاحظ ان قداسة القرآن هدمت في نظره بسبب مساواته بين القرآن والشعر والخطب وغيرها من النصوص التي ينتجها ذلك الواقع كما كان ينتج نوص القرآن سواء بسواء.
وقد أنكرها تصريحا في الصفحات التالية: 14-74-163. اما التلميح بإنكارها فهو كثير.]

الفصل الثاني: المناسبة بين الآيات والسور
للقرآن مرحلتان يمر فيهما:
المرحلة الأولى: مرحلة تصنيع النص و إنتاجه.
والمرحلة الثانية: مرحلة تغيير النص للثقافة و تأثيره فيها من خلال تغيير دلالاته.
"والفارق بين جدل النص مع الواقع وبين جدل الواقع مع النص فارق في الأولية ليس إلا، ففي مرحلة تشكيل النص قي الثقافة تكون الثقافة فاعلا و النص منفعلا، و إن كان انفعال النص هنا كما سبقت الإشارة انفعال من خلال آليات اللغة، وفي مرحلة تشكيل النص للثقافة يكون النص فاعلا و الثقافة منفعلا127، فالثقافة هنا لا تشكل النص بل تعيد قراءته 128، وهي من ثم تعيد تشكيل دلالته ولا تعيد تشكيل معطياته اللغوية"129.
وبناء عليه "يكون إنتاج الدلالة فعلا متجددا بتعدد القراء من جهة، ومتجددا باختلاف ظروف القراءة من جهة أخرى"130.
ولذلك يجعل النص نفسه محورا للثقافة عن طريق قابليته للتفسيرات والتأويلات المختلفة في المكان والزمان على السواء"131.
وقد ذهب القدماء إلى أن الذي يكشف الدلالة هو النص نفسه، بأن تبقى دلالاته على ماهي هليه دون أن تختلف باختلاف الزمان و المكان، فتكون دلالته غير متوقفة على حدود الوقائع الجزئية،بل تنسحب على كل الوقائع المطابقة لما دل عليه النص عند تنزله132، ولكن هذا يتعارض مع ما تقرر سابقا من أن دلالة في الواقع الجديد لا بد أن تختلف عن دلالته في الواقع القديم، لأن دلالة النص لا متناهية، ولكنه يؤدي إلى نتيجة أخطر وهي أن يتمسك الناس بهذه التفاسير ويحولونها إلى عقيدة، وتكون نتيجة ذلك الاكتفاء بهذه الحقائق الأزلية بوصفها حقائق نهائية"133.
إن النصوص الرديئة هي النصوص "محددة الدلالة" و التي "تنتهي مهمتها بفك شفرة الرسالة ووصول المتلقي إلى مضمونها..وذلك على خلاف النصوص الممتازة" التي لا تنتهي دلالتها باختلاف الزمان والمكان.
إن فهم العلماء للتفسير و التأويل "يهدف إلى تثبيت الواقع بتثبيت معنى النص عند اجتهاد القدماء"134.
__________
119- ص 155، ولكن علماءنا قالوا بأن القرآن و كل النصوص الأخرى تشترك مع بعضها في أنها لغة، ولكنه يختلف عنها بإعجازه. انظر مقدمة تفسير الطبري 321هـ، ومقدمة تفسير الطاهر بن عاشور.
120- ص 157، فالاختلاف ليس في القرآن نفسه وأساليبه بل في المصدر. إذا لا يوجد فرق بين حقيقة القرآن وحقيقة الشعر، وماداما كذلك فلا فضل للقرآن على الشعر و زمزمة الكهان في شيء، و عليه فليس القرآن معجزة.
121- ص 157، المماثلة تعني المطابقة في كل الصفات النفسية للشيء.
122- ص 160، في هذا النص نفي لإعجاز القرآن بجعله مطابقا للنصوص الجاهلية، و الحقيقة أن العرب عندما شاهدوا في القرآن شيئا (وهو الإعجاز) يثبت دعوى النبوة من النبي ص أرادوا الحط من قيمته كي لا يؤمن الناس به بجعله كغيره من نصوص ثقافتهم، فقالوا: (لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين) وقالوا (أإنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون) وقالوا (إن هذا إلا سحر يؤثر، إن هذا إلا قول البشر) وقالوا بأنه كلام الكهان فأجابهم: (ولا بقول كاهن، قليلا ماتذكرون).
ولقد تواترت الأخبار و التواريخ و السير بأن عقلاء المشركين وصفوتهم اجتمعوا و أجمعوا على ان القرآ ليس بشيء مما ذكروا، و اعترفوا بأنه مفارق لواقعهم مخاالف لأساليبهم، وما منعهم من الاعتراف بذلك إلا حمية الجاهلية (ذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ)، حتى لا يقال أن آباءهم و أجدادهم كانوا في ضلال مبين، إلى أن جاء القرآن بما طير ألبابهم و بهر عقولهم من هول ما وجدوه فيه من البلاغة و الإعجاز، فمنهم من كان و هو على شركه إذا سمع القرآن خرمغشيا عليه، ومنهم من كان يصعق، ومنهم من كان يتغير لونه، ومنهم من كان يطلب المزيد من القرآن، ومنهم من يهرب منه خوفا من أن يتمكن من قلبه فيؤمن، ومنهم من كان يؤمن لسماع آية او آيتين، ومنهم من كان يؤمن لسماع سورة أو مقطع قصير، أليس منهم عتبة بن ربيعة القائل: " الله لقد سمعت من محمد كلاما ما سمعت مثله قط والله ما هو بالشعر ولا السحر ولا الكهانة فأطيعوني في هذه وأنزلوها بي خلوا محمدا واعتزلوه"اهـ[تاريخ دمشق] أليس منهم الوليد بن المغيرة القائل: " والله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني ولا بأشعار الجن والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته..إلخ"اهـ [تاريخ الإسلام]، أليس منهم انيس أخو أبي ذر:" يقولون شاعر كاهن ساحر -وكان أنيس أحد الشعراء- قال أنيس لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون"اهـ [صحيح مسلم].
وكذلك يخبرنا القرآن نفسه بأن المشركين أقروا بهذه الحقيقة في أنفسهم ولكن جحدتها قلوبهم وأنكرتها ألسنتهم بعد الاعتراف بها، قال تعالى: (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) المؤمنون: ٦٦ - ٧٠ ، و قال: (فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ) الأنعام: ١٥٧، و قال: (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) الأنبياء: ٥٠.
123- ص 163.
124- ص 161
125- ص 164، يزعم بأن القرآن المكي موقفه من الكهانة موقف قبول؟ هناك الكثير من الآيات المكية التي تذم الكهانة و تجعلها شعارا على الكفر، مثل قوله تعالى: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) الحاقة، و أخبر عنهم في سورة الشعراء وهي مكية: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224)) الشعراء 221-224، قال المفسرون :المعني هنا الكهان. و نفس الأمر ينطبق على الشعر أيضا.
فالكهانة و أساليبها محرمة مرفوضة في المرحلة المكية كما يقول النص عن نفسه.
و تأمل قوله: (القبول ثم الرفض) هل يقبل القرآن استخدام الأساليب و توظيفها في بنيته ونصه حتى تصير جزءا منه ثم يحرمها؟ أيذم القرآن نفسه؟
126- ص 167
127- وهذا غير صحيح، لأن الفاعل على هذا التقدير يكون هو القارئ و ليس النص نفسه، فالنص عنده لا دلالة فيه إلا إذا جاء الواقع وملأه بمعنا، ولا دلالة فيه إلا إذا تم تأويله وتغيير دلالاته عما كان يدل عليه قبل مرحلة الاكتمال، فالفاعل هنا هو القارئ و ليس النص، فالفاعل في الحقيقة في المرحلتين هو الواقع.
128- إذن، صارت الثقافة هي الفاعل مرة أخرى و النص منفعل.
129- ص 200، بما أن المرحلة الثانية
130- ص 201.
131- ص 212، قال حجة الإسلام: "وليس المقصود نفي اختلاف الناس فيه، بل نفي الاختلاف عن ذات القرآن"اهـ
132- ص 222
133- ص 251
134- ص 270، يقصد : (بما أن العلماء جعلوا للنص معان محددة فلا بد لهم أن يحددوا الواقع ويثبتوه على غرار الواقع الذي نزل فيه القرآن، لأن النص إذا كان معناه الصحيح مرتبطا بتفسير الصحابة فلا بد أن يكون الواقع هو واقع الصحابة، فإذا اختلف الزمان و المكان وبقينا على نفس التفسيرات التي فسرها القدما فإننا بحاجة إلى إرجاع الواقع إلى واقع مماثل لواقعهم حتى تصلح دلالة النص عليه، فدلالاته كما قلنا منحصرة في واقع معين إذا فارقه فارق دلالته).
ولكننا نقول: إن تفسيرات النبي ص و الصحابة و ما أجمع عليه المسلمون واستنبطوه بالقياس الصحيح في أزمانهم شهد الله لهم بأنها هي التي يجب أن يتبعها الناس في كل زمان ومكان: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) آل عمران: ١١٠، وقال: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) البقرة: ١٤٣، وقال: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) الحج: ٧٨، وقال: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ) الفتح: ١٨، وقال: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ) التوبة: ١٠٠...إلخ، ناهيك عن نصوص السنة المتواترة في الحث على اتباع الصحابة في عقيدتهم وفقههم و أخلاقهم.
و إذا كان المؤلف ينكر على النبي ص وعلى الصحابة و على سائر المسلمين أن يكونوا على أمر ثابت، ويملأ كتابه من وصف الفكر الإسلامي القديم و المعاصر بقوله: «الفكر التثبيتي الرجعي المتخلف» فإن القرآن وصف نفسه بأنه فكر تثبيتي في قوله: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) إبراهيم-27.

*إذا ربطنا الكلام السابق بما قاله المؤلف في المقدمة فإننا نلمس بأن المؤلف يقرر بكل وضوح أن القرآن صنعة بشرية، فإن القرآن عنده «منتج» ثقافي كالمنتجات الصناعية، و«صنعة الواقع» و «أوجده الواقع» و«شكله الواقع» و«فعله الواقع فانفعل» لا يصح في عقل عاقل إلا أن يكون المعنى أنه صنعة بشرية.
*أخطاء كبيرة، أكبر من دعواه الاجتهاد، تظهر بكل وضوح جهل العلمانيين وبلادتهم وكذباتهم التي لم يشهد لها التاريخ في الجرءة والوقاحة.

* إن إخبار القرآن أنه نزل «كتابا» يقضي قضاءا كليا على دعوى «الإنتاج الصناعي» للقرآن، لأنه يعني أن للقرآن وجودا سابقا على الواقع، أي ينفي أن يكون للبشر ولواقعهم يد في (صناعة و إنتاج) نص القرآن، وهو ما ذكره القرآن نفسه كما سبق، و إذا كان القرآن «كتابا» (أنزل) إلى الواقع -والإنزال في اللغة يعني النقل من مكان إلى مكان- فهذا يعني أن الكتاب انتقل من مكان أول إلى مكان ثان، و إذا كان الكتاب (نُـزِّل) [بتشديد الزاي] -والتنزيل يعني التدرج في الإنزال- فهذا يعني أن الكتاب نزل من المكان الأول إلى المكان الثاني شيئا بعد شيء، فيكون للكتاب الذي أنزل انتقال منجَّمٌ من المكان الأول الذي هو اللوح المحفوظ إلى المكان الثاني الذي هو الواقع البشري.
[انظر الكليات للكفوي، والتعريفات للشريف الجرجاني، و في التاج: " وَفَرَق جماعةٌ من أربابِ التحقيق فقالوا : التَّنْزيل : تَدْرِيجيٌّ والإنْزالُ دَفْعِيٌّ كما في أكثرِ الحَواشي الكَشّافِيّةِ والبَيْضاوِيّة"]
ولا معنى لكلمة «الكتاب» الذي هو القرآن إلا النص المكتوب، قال التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون في تعريف الكتاب: "اسم للمكتوب، و الفرق بينه و بين الرسالة بالكمال فيه و عدمه في الرسالة كما سبق"اهـ مادة (كتب)، ومنه قوله: (كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) الأعراف3.

عمر البوريني
26-01-2014, 19:38
انتهى تلخيصنا للكتاب.

و أعيد تلخيصه في سطرين:
يؤكد "نصر حامد أبو زيد" تأكيدا صريحا واضحا بينا أن نص القرآن نص بشري وضعي، وضعته الثقافة البشرية التي أنتجت نصوصه وأوجدته بناء على إرادتها شكلا ومضمونا، ولذلك فهو معبر عن إرادة تلك الثقافة وذلك الواقع لا غير، ولذلك لا يمكن تطبيق تلك الإرادة التي أرادها مؤلف القرآن على واقع جديد مختلف إلا إذا تم تغيير معانيها إلى معان جديدة تختلف عن الواقع الذي "صنع" نص القرآن بما يناسب إرادة وشهوات الواقع الجديد.

إنصاف بنت محمد الشامي
26-01-2014, 20:32
انتهى تلخيصنا للكتاب.
و أعيد تلخيصه في سطرين:
يؤكد "نصر حامد أبو زيد" تأكيدا لا فرار منه، ويصرح تصريحا واضحا بينا لا مراء فيه بأن نص القرآن نص بشري وضعي، وضعته الثقافة البشرية التي أنتجت نصوصه وأوجدتها بناء على إرادتها شكلا ومضمونا، ولذلك فهو معبر عن إرادة تلك الثقافة وذلك الواقع لا غير، وبالتالي لا يمكن تطبيق تلك الإرادة التي أرادها مؤلف القرآن على واقع جديد مختلف إلا إذا تم تحريف معانيها إلى معان جديدة بناء على إرادة وفكر كل واقع جديد يختلف عن الواقع الذي "صنع" نص القرآن بما يناسب الشهوات والأهواء.
أخي الفاضل السيّد عمر المحترم ، سلامٌ عليك ..
لعلّك أعطيتَ هذا الكاتب ، وَ ما اقترفت يداهُ مِنَ تدوينِ هذَياناتِهِ ، أكثر مِمّا يسـتأهِل من الوقت و الجُهْد ...
فمن البداية ، لا يُلتَفَتُ إلى تفاصيل تخريفاتِهِ الحشّاشِيّة وَ تخبيصِاتِهِ السَـكرانِيّة ... فقد فَضَحَهُ جهلُهُ بالتارِيخ وَ الحقائق العلمِيّة ...
بل يُحصرُ البحثُ معهُ في أمرين أساسِيَّينِ لا يُقَدَّمُ عليهِما شَيْءٌ ... بِنحوِ هذين السؤالَين المتتالِيَيْن :
1 - هل تؤمِنُ بأنَّ لهذا العالَمِ بجملتِهِ وَ تفصيلِهِ وَ كُلِّيَّتِهِ وَ حذافِيرِهِ خالِقاً واحِداً حيّاً لا يموتُ ، عليماً قادِراً قوِيّاً حكيماً مُختاراً سَـميعاً بصِيراً ، لا يُشـبِهُ شـيئاً من خلقِهِ وَ لا شـريكَ لَهُ في وصفِهِ بأيّ وجهٍ من الوجوه ، لَمْ يزَلْ موجوداً بِذاتِهِ بلا بِداية ، متقَدِّسـاً عن الإِنقطاعِ وَ الزوالِ و النهاية ؟؟؟ ... عَزَّ وَ جلَّ .
خالق الأجسادِ و الأرواحِ وَ الأعيانِ و الأعراضِ وَ المعايِشِ وَ الأرزاقِ وَ جعلَ الظلماتِ و النورِ ، فلا يَعْدِلُهُ أَحَدٌ ...
سُـبحانَهُ و تعالى عمّا يُشْـرِكُونَ ...
2 - هلْ تؤمِنُ بأنَّ الله تعالى أرسلَ أنبياءَ من البشَرِ لِهداية الإِنسانيّة لما فيه خيرُهُا في الدنيا و الآخِرة ، وَ ختمهُم بحبيبِهِ سيّدنا محمّد رسولِ الله (صلّى اللهُ عليه و على آلِهِ وَ سلّم) الصادقِ الأمين ، ابنِ عبد الله بنِ عبدِ المُطّلِبِ بنِ هاشم من صفوةِ قريش و كنانة و بني اسماعيل عليه السلام ، وَ أشـهَرَ ذِكرَهُ في الملأ الأعلى قبل تمام خلقِ أبي البشر آدم عليه السلام وَ في الكتب السابقة ، عبر القرون ، قبل ظهورِهِ بمئات السنين ، وَ أيَّدَهُ بالمعجِزات و البراهين الدامغة التي لا يرتابُ عاقِلٌ بأَنَّهُ لا يقدِرُ عليها إِلاّ فاطِرُ السمواتِ وَ الأرضِ علاّمُ الغيوبِ القادِرُ على قلبِ الأعيان وَ تغييرِ الأكوان وَ إِبداعِ المفقود وَ إِعدامِ الموجود ؟؟؟...
أمْ تَدَّعِي أنَّكَ أعقَلُ من الملايين من جماهير العقلاء من الصحابةِ و التابِعين بإِحسان ، من العلماء و الخلفاء وَ الحكماء وَ الأولِياءِ العارِفِين أهل الكرامات و الملوك العادِلِين و عظماء الفاتحين و جميع الأذكياء الذين اتَّبَعُوا هذا النبِيَّ الأُمِّيَّ العظيمَ ، عبر التاريخ ، و امتلأَتْ قُلوبُهُم بحُبِّهِ وَ تعظيمِهِ وَ الحيرةِ في شهود كمالِهِ خلقاً وَ خُلُقاً وَ جمالِهِ وَ هيبَتِهِ وَ معالِيهِ وَ طِيبِهِ وَ عقلِهِ وَ علومِهِ وَ تقواهُ وَ معرِفَتِهِ وَ حِكمَتِهِ ... ؟؟؟!!! ...
صلّى اللهُ عليهِ وَ سَـلَّمَ كُلّما ذكَرَهُ الذاكِرُونَ وَ كُلَّما غفَلَ عن ذِكْرِهِ الغافِلُون .

عمر البوريني
26-01-2014, 21:34
والله يا أستاذتنا الكريمة لقد وجدت إجابته عن ذينك السؤالين واضحة صريحة بالنفي، وذلك في كتبه: نقد الخطاب الديني وكتاب مفهوم النص وكتاب النص والسلطة وكتاب النص و التأويل.
وقد قال الشيخ محمد الخضر حسين: "ولكن القوم أصبحوا يتساقطون على طمس معالم الحقيقة والفضيلة تساقط الفراش على الراج، والسكوت عنهم تفريط في جنب الله" اهــ
وإن تلبيس الكفر الواضح بلباس إسلامي انطلى على الكثير من دكاترة الجامعات المتظاهرين بالغيرة على الدين، فهل سآمن بعد ذلك أن تصير كتب أولئك الإباحيين "العلمانيين" تدرس في جامعات البلاد الإسلامية باسم الدين والغيرة عليه؟
بل إنني قد رأيت بعض مشايخ الأشاعرة المشار إليهم بالبنان لا يجزم ولا يقطع بأن أبو زيد يقول بأن نصوص القرآن نصوص وضعية.
ولذلك اقترحت على نفسي أن أكتب رسالة الماجستير عن فكر هذا الرجل.
أما فيما يتعلق بأخطائه وجهالاته فهي أكثر من أن تعد في هذا الكتاب كعادة أبو زيد، ولم ادرجها في هذا التلخيص لأنني قدمته إلى دكتور علماني كان كلما ذكرت من تلك الأخطاء المحرجة يتجاوز عنها على أنها لا تستحق التعليق! مثل زعم أبو زيد بأنه لا يوجد في القرآن آية إلا ولها سبب نزول ما عدا قلة قليلة من الآيات!
وأشكركم جزيل الشكر على المرور الكريم.