المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير الشيخ الإمام تقي الدين السبكي لحديث :"من رآني في المنام فقد رآني حقا"



سامح يوسف
26-12-2013, 22:21
قال الشيخ الإمام تقي الدِّين السبكي في شرح المنهاج :

تعبير الرؤيا علم شريف

وقال ابن الرفعة: "إنه شرعي"، وما أظنه كما قال؛ فإنَّ حقيقته راجعة إلى معرفة معنى رُؤية المنام، وما هو المرئي فيها، وذلك يتعلق بالحِكمة ومعرفة حقائق الأمور، وَقلَّ من يعرفها، وتعز معرفته بالاكتساب بل هو هبَة من الله تعالى.

وانظر إلى تعبير يوسف عليه الصلاة والسلام.

وكان النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: "مَنْ رَأى منكم اللَّيلة رُؤيا"،

وكان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه حظ وافر من هذا العِلم؛

وللنَّفس في حال النَّوم تجرد لم يكن حال اشتغالها بالبدن حالة اليقظة، وهو شبيه بتجردها بعد الموت، وإن كان بينهما فرق كبير، فإذا تجردت حالة النوم ورأت ما لَمْ تكن تراه، ويختلف النَّاس في ذلك التجرد اختلافًا كثيرًا عَلى قدر مراتبهم.

وتارةً تكون الرؤيا صحيحة :

1ــ من الله تعالى،

2ــ ومن المَلك الذي وكله الله بالرؤيا فيكون لها تعبير صحيح،

3ــ أو تقع كما هي من غير تعبير،

وتارةً لا تكون صحيحة بأن تكون :

1ـــ من الشَّيطان،

2ــ أو حديث نفس،

والذي نراه في الرؤيا الصحيحة يبعد أن يكون هو ذلك الشخص الذي وقع في نفس النائم أنه رآه بعينه؛ لأنا نرى شخصًا ميتًا أو حيًّا لا علم له برؤيتنا له، هذا أمر قطعي، فالمرئي حينئذٍ على ما يظهر لنا صُورة مخلوقة لله تعالى على مثال تلك الصُورة، ثم تلك الصورة إما مع عين روحانية -وهو بعيد-؛ لأنه لو كان كذلك لكان عنده شعور بها، ونحن نراه ثم نسأله عن ذلك فلا يكون عنده علم منهُ البتة، فلم يبق إلاَّ أنَّ الله تعالى خلق حقيقة مشتملة على مثال صورته وروحانيته، وأرانا إيَّاها وأوقع في نفسنا مخاطبتنا إيَّاها، أو جعلهَا تخاطبنا حقيقة، وقد يختلف المرئيون :

1- فمنهم من يكون المرئي مثال صورتهِ ومعناه،

2- ومنهم من يكون مثال صورته وحقيقة معناه، بأن يكون جعل الله لها ذلك،

3- ومنهم من يُنتزع من صورته وحقيقة معناه بعينها حقيقة مطابقة لتلك الحقيقة ويرينا إيَّاها،

وإنما ذكرنا هذه الاحتمالات ليفهم بها قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَنْ رَآنِي في المنامِ فقد رآني حقًّا" فقوله: رآني في الشرط والجزاء ليس من الرؤية البصرية، ولا العلميَّة، بل من الرؤيا المناميَّة، فالمعنى من تعلقت رؤياه بي فهو تعلق صحيح، فإنَّ الشيطان لا يتمثل به، ولكن الشرط والجزاء لا بد من تغايرهما؛ فالمعنى من تعلقت رؤياه بي في اعتقاده فهي رؤيا صحيحة، فعلى هذا متى وقع في نفس الرائي أنه رأى النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فهو قد رآه، سواء كان على هيئته المنقولة في اليقظة أم لا،

وقد كنتُ أقمت دهرًا أظن أنَّ هذا إنما يكون فيما إذا رأى تلك الصورة بعينها، وإنما يعلم بذلك الصحابة الذين رأوهُ في اليقظة، أو من وفقه الله لذلك من غيرهم، ثم اعترضت على نفسِي :

1ــ بأنَّ ذلك إنما يكون لو كانت رؤيا بصرية وإنما هي حلمية،

2- ثم باتحاد الشرط والجزاء -ولا بد من تغايرهما-

فسلكتُ الطريقة المتقدمة، ومع ذلك إذا وقع في نفسِهِ أو في سمعه في المنام أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -أمره بأمرٍ، لا يجب العمل به؛ لأنَّ الذي أخبره به النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هي رؤيته، ولم يخبرنا بأنه يقول له ويكلمه، والنَّائم ليس على يقين من كلامه ولا من كلام تلك الصُّورة المرئية، وليست تلك رؤية بصريَّة بل رؤيا حلميَّة أكثر النَّاس لا يعرفون حقيقتها؛ فلذلك لا يجب الأخذ بها، لكن إذا لم يكن فيها مخالفة لحكم الظاهر يحسن العمل بها أدبًا مع صُورته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومثالها،

ولا نقول أنَّ النَّبيَّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ وَلاَ خَاطَبَهُ ولا انتقل من مكانه، ولا أحاط علمه الشريف بذلك البتة، وإنما الله أراه إياه لحكمة علمها ، قد يكون ذلك، وقد يكون عن علم من النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، الله أعلم أي الحالتين كان.

وقد يختلف بعض الرائين مع بعض في ذلك، وقد يقع في نفس نائم أنه رأى ولَم يكن رأى، فلا يوجد الشرط الذِي رتب النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عليه الجزاء.

والحاصل أنَّ ارتباط الرؤيا -وهي تعلق النَّفس بالمرئي- بارتباط الجزاء -بمعنى أنَّ المرئي لا يتمثل به الشيطان- صحيح قطعًا، وما عدا ذلك يمكن أن يقع للنَّائم غلط فيه.

والصور المختلفة التي يرى النَّائم النَّبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيها يجوز أن تكون أحوالاً تعرض لحقيقته، والحقيقة هي المشار إليها ثانيًا، وهي الأجزاء الأصليَّة وعناصِرها مع الروح، ولها مثال مطابق موكل به ملك الرؤيا، يعصم به عن تمثل الشيطان به".

انتهى كلامه رضي الله عنه