المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في اعتبار الأحكام الفقهية والشرعية



سعيد فودة
26-11-2013, 09:15
في الأحكام الفقهية والشرعية

1-مفهوم الاعتبار في الأحكام الفقهية
قد يقول قائل: قولنا إن هناك أحكاما معتبرة وأحكاما غير معتبرة في الفقه، هذا لا أعرف له معنى إلا أنه سياسي، ولا يوجد له معنى علميّ يستحق الوقوف عنده. والأمور السياسية غير ملزمة إلا لمن التزم بها، ولا يصح اعتبارها علما في نفسها.
نقول: إن الفقهاء عندما قسموا الأحكام إلى معتبرة وغير معتبرة، لم يريدوا إن المعتبر منها اعتبر لمجرد إرادتنا اعتباره، بل لما ترجح لنا من أدلته الكلية والفرعية التفصيلية، فما كان من الأحكام متفرعا على هذه القواعد المعتبرة، اعتبرناه، وما لا فلا.
فلا يصح عد الاعتبار مجرد أمر سياسي بحيث يصبح لا حجة فيه، ولا سمة علمية له بحيث يترجح على غيره بنحو من أنحاء الترجيح.
فإن قيل: هذا يعني أن الأحكام متفرعة على قواعد وأدلة معتبرة، فما الذي جعل هذا الدليل معتبرا وذاك غير معتبر، ألا يرجع ذلك إلى مجرد توافق سياسي محض واختيار عشوائيٍّ لا قيمة علمية له.
قلنا: كما يرجع الاعتبار للأحكام الفقهية للاجتهاد في الفقه (استنباط الحكم من دليل تفصيليٍّ)، فكذلك يرجع الاعتبار المنسوب للأدلة إلى الاجتهاد في الأدلة (أصول الفقه)، ووجدان أن هذه القواعد الكلية والأدلة الفرعية التفصيلية أرجح من غيرها، فلما وجدناها باعتبار النظر والاستدلال، أرجح من غيرها، اعتبرناها ولم نعتبر غيرها في تخريج الأحكام الفقهية عليها. فالأمر ليس سياسيا كما تتصور بل يرجع إلى القواعد العلمية.
فإن قيل: فما دام هناك خلاف في الأدلة الكلية والفرعية التفصيلية، ويترتب على ذلك اختلاف في الأحكام المبنية عليها، إذن كل الأمور سواء لا فرق بين حكم وغيره في نفس الأمر.
قلنا:القول بأن لا تفاوت في الأحكام بالنسبة للفقيه، غير دقيق، فالحكم إن كان رأي الفقيه، فهناك تفاوت في الأحكام عنده، لأنه يرجح حكما ويبطل غيره، وبناء على ذلك يحصل اعتبار منه لبعضها ترجيحا بالنظر في الدليل على بعض.
وإن أردتَ أن لا تفاوت عند الله، فعند الله إما أن يكون الحق واحدا أو متعددا، فإن كان واحدا، فهناك فرق في نفس الأمر بين من أصاب هذا الحكم وبين غيره، وإن كان متعددا، فكذلك من أصاب أي حكم من المحكوم عليها بالصواب والجواز، مفارق لمن لم يصب أي حكم منها.
وإن كان الله تعالى قد ترك الأمور في التصويب لاجتهاد المجتهدين، فيرجع الأمر إلى ضبط ذلك الاجتهاد بطرقه المعتبرة عن أولئك الفقهاء، فلا يصح أن يقال : الأحكام كلها سيان أيضا بهذا الاعتبار.
فلا يسلَّم إذن القول بأن الاعتبار أمر سياسي!
ولا يسلم بأن الأحكام الفقهية لا فرق بينها أبداً في نفس الأمر، ولا أنها لا فرق بينها في اعتبار الفقهاء.
2-القطع والظن في الأحكام الفقهية
قد يقول قائل: لا يوجد حكم واحد من الأحكام الفقهية قطعي، بل كلها ظنية.
نقول: إن كان المقصود بالظن والقطع ما نعرفه في اللغة والاصطلاح، فلا نسلم ما يقوله هذا القائل، فإنا نعلم أن هناك أحكاما. بيان ذلك:
بناء على أن الأحكام الفقهية هي كل حكم منسوب إلى الشريعة الإسلامية بطريق معتبر.
فالقطع إما أن يأتي بالضرورة أو بالنظر، وكلاهما يحصل فيه قطع ، ولا نسلم أنه لا توجد أحكام فقهية مقطوع بها، بل نعلم تمام العلم أن كون الصلاة واجبة على المكلف القادر حكم فقهي قطعيّ ضروري، وما كان كذلك فلا يجوز مخالفته أصلا، بل يجب الأخذ به. وكذلك نعلم أن بعض الأحكام المبنية على نظر قد يؤدي النظر فيها إلى القطع بالحكم، كبعض الأحكام في الميرات التي هي في أصلا نظرية، أي ليست بديهية، ومع ذلك لا يصح خلافها ولا نقضها، لأنا علمناها على سبيل القطع النظري.
وإن كان المراد بالأحكام الفقهية أي الأحكام التي يصل إليها الفقيه عن الاجتهاد، فتخرج بذلك الأحكام التي يعرفها الفقيه بلا اجتهاد كوجوب الصلاةو الصوم، فلا يقال عليها إنها أحكام فقهية، لأنها قطعية ضرورية.
فإما أن نخرج من الفقه الأحكام النظرية القطعية التي اشرنا إليها سابقا، أو لا نخرجها من الفقه:
- فإن أخرجناها، وقعت في باب الأحكام الشرعية التي لا يصح خلافها، ولا يصح النزاع فيها، فهي قطعية بهذا المعنى، غاية الأمر أننا لا نطلق عليها أنا أحكام فقهية بل أحكام شرعية.
وإن لم نخرجها، فيبقى القول السابق بأنه لا يوجد أحكام فقهية قطعية قولا غير صحيح، لأنه أهمل الأحكام الاجتهادية النظرية التي يقطع بها الفقهية، وهذه وإن كانت قليلة فلا يصح التغافل عنها عند إطلاق الوصف الذي يزعم انه علميّ.
والحاصل أن أكثر الأحكام الفقهية ظنية، هذا مسلم، ولكن بعضها معتبر عند بعض الفقهاء، وبعضها غير معتبر عندهم بل عند غيرهم.
ويبقى الكلام على الفقيه نفسه، فإما أن يكون وصفه بالفقاهة متفقا عليه أو لا يكون، فإن كان متفقا عليه، فيعتبر من الأحكام ما اعتبره هو، وإلا فلا يعتبر من الأحكام التي يعتبرها إلا من قلده في طريقته، ولا يصح أن نلزم الناس بأحكامه وهم لا يعتبرونه فقيها أصلاً. ومجرد زعمه أنه فقيه لا يكفي في قيام قوله حجة إلا عند من سلم بفقاهته. وهذا كلام واضح.
إذن: فالأحكام الفقهية التي تؤول إلى النظر الظني من فقيه إما أن يكون كون فقيها معتبرا، أو لا، فالثاني (وهو عدم اعتباركونه فقيها، ومعنى ذلك أنه ادعى ادعاء أنه فقيه، ولكنه لم يُقِمْ على فَقاهته الكلية أدلة تطبيقية اجتهادية كافية، وهذا عائد إما إلى فساد أصوله، وضعف أدلته عليها، أو فساد تفريعه على أصوله المعتبرة عنده) يستلزم التشكيك في صلاحية أحكامه للبناء عليها عند الناس، والأول يصحح ذلك في نفسه بناء على شروط معلومة في التطبيقات الفقهية.
ويبقى النظر في سداد طريقة الفقيه المعتبر من جهة أخرى، وذلك أنه مع أنه التسليم بأنه فقيه معتبر في نفسه، إلا أن هذا لا يستلزم إيجاب قبول جميع ما يصدر عنه من أحكام، إذ مع جواز الخطأ عليه، لا بد من إعادة النظر في أحكامه وانبنائها بناء صحيحا ولو ظنا على الأصول والحجج التي اعتبرها، فلو وجدنا فقيها يقرر حكما والحال أن الأدلة التي يعتبرها لا يمكن أن تنتج هذا الحكم إنتاجا صحيحا، فلا يصح لنا أن نقول: ما دام هذا الفقيه قال بهذا القول فيجب علينا قبوله! فالأصل في الاعتداد بالقول هو سداد الاستنباط ولو على أصول ذلك الفقيه المعتبرة عنده، فلو خالفها لا تبقى أحكاما معتبرة، لا عنده ولا عند غيره ممن يتبعه ما دام قادرا على معرفة هذا التناقض وعدم التوافق في التفريع.
ويبقى بعد ذلك النظر في سداد الطريقة بالنظر إلى الأدلة الشرعية ، لا لمجرد الأدلة التي رجحها هذا المجتهد، وبناء على ذلك يحكم المجتهد على غيره بأنه أخطأ أو أصاب، فالمرجع الرئيس لاعتبار استنباط الأحكام يعود إلى ظهور التوافق بين قول المجتهد وبين دلالات الشريعة.
إذن يتبن لنا أن إطلاق القول بأنه لا يوجد حكم شرعي واحد قطعي، إطلاق باطل.
والقول بأن القول بالاعتبار أمر سياسي، ينم عن سذاجة في التفكير ومعرفة الأصول ، أو تهاون وانحلال.
ويفضي هذا القول إلى ما يفضي إليه من فساد....
وأخيرا: لا يجوز أن ننسى أن الأحكام المأخوذة عن طريق اجتهاد المجتهدين لا بد أن تكون مقيدة بالدليل المعتبر عند هؤلاء المجتهدين الذين اعتبر اجتهادهم ايضا، فليس كل مدعٍ للاجتهاد يسلم له ما ادعاه، فمن قال بالتسوية بين آراء مدعي الاجتهاد على الإطلاق، فهو مجانب للصواب، لأنه يهمل هنا الراجح على المرجوح، ويسوي بين الاجتهاد الذي يظهر صوابه، وبين الاجتهاد الظاهر خطؤه.
فليتأمل.
هذه كليمات كتبتها عند سماعي كلاما لأحد الأساتذة المعاصرين وهو د. سعد الدين الهلالي، أحببت أن أعلق عليها لما رأيته من خطورة لوازمها. والله الموفق.

عثمان حمزة المنيعي
26-11-2013, 22:26
إستفدنا من حديث الشيخ سعيد عن المعتبر في الأحكام الفقهية من الناحية النظرية ، و عسى أن أكون مستوعبا لجميع تلك المعاني التي أشار إليها .
و في ظلال هذا الموضوع ، ربما يجوز لي هنا ، أن أتحدث عن الأمر من الناحية العملية .
إذ أشير إلى علاقة الفقه بالسياسة ، و هل كان للسياسة دور في إنتشار بعض المذاهب و الآراء ، من خلال نصرة الحكام لهذا المذهب أو ذلك الرأي ؟
المثال ظاهر أمامنا اليوم ، في الإنتشار الإعلامي للتيار السلفي و آراء ابن تيمية العقدية و الفقهية ، من خلال نظم سياسية تدعم هذا التيار .
و أظنني قرأت في ما قرأت ، قولا أظنه لابن حزم ، من أن مذهبين قد إنتشرا بمعونة الحاكم ، و هما المذهب الحنفي و المذهب المالكي .
فهل تساهم الظروف الفردية و الإجتماعية و السياسية ، في إنتشار الآراء فقهية بغض النظر في كون ذلك الرأي الفقهي هو الأكثر حجية ؟ و هل إنتشار القول من غير إعتبار حجيته ، سبب لقولهم : «خطأ مشهور، خير من صواب مهجور» ؟

سعيد فودة
27-11-2013, 17:14
هناك فرق بين أن تكون السياسة سببا في نشر وشهرة رأي معتبر معين، وبين أن يكون نفس مفهوم الاعتبار سياسيا، والمنفي الثاني لا الأول.

ملاحظة مهمة: لقد اشترط د. سعد الدين الهلالي الاعتبار ليكون اجتهاد المجتهد معتبرا وقوله مسموعا، وفسره بأنه ينبغي أن يكون مسجلا في النقابة المعنية أو متخرجا بإجازة من الأزهر مثلا وذلك في مناظرته مع الشيخ محمود شعبان حوالي دقيقة 48
http://www.youtube.com/watch?v=LTUg6gDCImc
وهذا التفسير للاعتبار ليس سياسيا محضاً بل هو علميٌّ، فالإجازات لا تكون سياسية بل علمية نظرا إلى كفاءة المجاز ....
فتبين بذلك أن هناك تعارضا بين كلامي الدكتور ...!؟

عثمان حمزة المنيعي
27-11-2013, 22:08
تنبيه نشكرك عليه يا شيخ سعيد ، و سأحاول أن أجمع أفكاري لكي أكون في مستوى الحوار معكم .
فنقول مستفيدين من كلامكم ، أن الإعتبار في الفقه يكون علميا لا سياسيا ، و السياسة قد يكون لها أثر في الترجيح بين علمي و علمي .
و ربما نحتاج هنا للإجابة على كلام نسمعه كثيرا من دعاة التغريب ، حول أن الفقه هو إجتهاد بشري في فهم نص مقدس ، و كون هذا الإجتهاد لا يملك قداسة النص ، و هو معرض للخطأ .
و لا بد من التساؤل هنا عن الإعتبار العلمي .
فهل الإعتبار العلمي معصوم من التضليل ؟
لا يمكننا القول أن الإعتبار العلمي معصوم من التضليل و إلا لكانت جميع المناهج العلمية ، علمية حقا .
فإذن ، ما الذي يمنح الإعتبار العلمي سلطة الحكم الذي لا يقبل الخطأ بأن هذا علمي و هذا غير علمي ؟ و الحال أن الإعتبار العلمي بذاته يحتاج إلى إعتبار علمي يثبت كونه علميا أو تضليلا .

عثمان حمزة المنيعي
27-11-2013, 23:42
تنبيه نشكرك عليه يا شيخ سعيد ، و سأحاول أن أجمع أفكاري لكي أكون في مستوى الحوار معكم .
فنقول مستفيدين من كلامكم ، أن الإعتبار في الفقه يكون علميا لا سياسيا ، و السياسة قد يكون لها أثر في الترجيح بين علمي و علمي .
و ربما نحتاج هنا للإجابة على كلام نسمعه كثيرا من دعاة التغريب ، حول أن الفقه هو إجتهاد بشري في فهم نص مقدس ، و كون هذا الإجتهاد لا يملك قداسة النص ، و هو معرض للخطأ .
و لا بد من التساؤل هنا عن الإعتبار العلمي .
فهل الإعتبار العلمي معصوم من التضليل ؟
لا يمكننا القول أن الإعتبار العلمي معصوم من التضليل و إلا لكانت جميع المناهج العلمية ، علمية حقا .
فإذن ، ما الذي يمنح الإعتبار العلمي سلطة الحكم الذي لا يقبل الخطأ بأن هذا علمي و هذا غير علمي ؟ و الحال أن الإعتبار العلمي بذاته يحتاج إلى إعتبار علمي يثبت كونه علميا أو تضليلا .

لؤي الخليلي الحنفي
28-11-2013, 03:00
بارك الله فيكم سيدنا الشيخ سعيد
وما تفضلتم به مسلم لكل من له اطلاع على الفقه وطريقة الفقهاء في اعتبار الأقوال
وذكر فقهاؤنا صورًا كثيرة لعدم اعتبار الأقوال وأرجعوها إلى عدة أسباب منها ما تفضلتم به من مخالفته لأقوال المجتهد دون دليل معتبر تقوم به حجته، ومنها بالنظر إلى شخص من ادعى الفقه، وهل وصل رتبته لتعتمد أقواله.
وذكروا صورا أخرى متعلقة بروايه هذا الفقيه لمسائله من الكتب المعتبرة التي مرجعها إلى الإمام المجتهد أو لا، وأيضا بالنظر إلى نفس القول من حيث عده قولا معتبرا في المذهب أو لا، ونظروا أيضا إلى معتقد الفقيه، فلا يرون له قولا معتبرا إن كان انتصارا لمعتقده المنحرف عن منهج أهل السنة، ونظروا أيضا إلى الكتاب إن كان يحوي أقوالا على طريقة الإمام المجتهد أم مجرد جمع لروايات واهية صاحبها كحاطب ليل.
ولعل أبرز ما له صلة بظن القائل الذي أشرتم إليه أن الأمر سياسي مخالفة من هو على غير معتقد أهل السنة في اعتبار أقواله
فربما ظهرت أقوال بعض هؤلاء المنحرفين في زمان سيطرة دولتهم المنحرفة على الحكم، ولكن رد الفقهاء لأقوال هؤلاء المنحرفين لم يكن قط بإرجاعه لهذا الأمر السياسي، وإنما مخالفته للدليل الصحيح، والذي خالفه ذلك المنحرف نصرة لمعتقده وانحرافه.
وللحديث بقية إن شاء الله.