المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دقيقة عقدية في مبحث منطقي



عبد النصير أحمد المليباري
29-03-2013, 10:44
يمر بعضنا على عبارة للمناطقة الأشاعرة، فيها شائبة تفلسف أو اعتزال، فيظن لجهله أن هؤلاء الأشاعرة/الماتريدية تأثروا في المباحث المنطقية بعقيدة فلسفية أو اعتزالية باطلة، وهنا أورد كلاما للشيخ الإمام محب الله البهاري في السلم وشرحه لبحر العلوم [ص: 562، 563 بتحقيق الفقير، طبعة دار الضياء]، يقول المصنف والشارح في مبحث (مواد الأقيسة) ما نصه:

"(وَالتَّجَرُبِيَّاتُ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَكْرَارِ فِعْلٍ؛ حَتَّى يَحْصُلَ الْجَزْمُ( ))، والسر في/ إفادتها العلمَ أن الذهن ينتقل من مشاهدة الجزئيات، ووجدان حكم واحد عليها دائما أو أكثر إلى أن طبيعتها علة له، أو ملازمة للعلة؛ لأن الاتفاقيات لا تكون أكثرَ أو دائما( )، فيحكم بأن كل فرد من أفراد هذه الطبيعة محكوم عليها بهذا الحكم ويصدق به، كالسَّقْمُونِيَا؛ فإنه شوهِد أكثرُ أفراده بحيث إذا أُكِل أَسْهَلَ الصفراء، بشرط كون مادته قابلة، فانتقل إلى أن طبيعتها علة أو ملازمة للعلة، فحكم أن كل سقمونيا في بلادنا مسْهِل للصفراء".

هنا يُظَن بهم التأثر المذكور، ولكن الحق أنهم - أي علماء المنطق من أهل السنة - لم يتركوا التنبيه على هذه الدقيقة، يقول قائلهم على لسان حجة الإسلام في (المعيار: 122، 123) ما نصه: "«لو كان هذا الأمر اتفاقيا أو عرضيا غيرَ لازم لما استمر في الأكثر من غير اختلاف، حتى إذا لم يوجد ذلك اللازم استبعدت النفسُ تأخُّرَه عنه، وعدَّتْه نادرا، وطلبَتْ له سببا عارضا مانعا». ثم أحاب عن الإشكال المترتب على قول أهل السنة (إن جز الرقبة - مثلا - ليس سببا للموت، وإنما هو – أي الموت – بخلق الله تعالى عند حصول الجز)، أجاب عنه باختصار قائلا: «ليس في العقلاء من يشك فيه – أي في حصول الموت عند حز الرقبة -. وأما النظر في أنه هل هو لزوم ضروري ليس في الإمكان تغييره، أو هو بحكم جريان سنة الله تعالى؛ لنفوذ مشيئته الأزلية التي لا تحتمل التبديل والتغيير فهو نظر في وجه الاقتران، لا في نفس الاقتران. فليفهم هذا، وليعلم أن التشكك في موت من جزت رقبته وسواس مجرد، وأن اعتقاد موته يقين لا يستراب فيه»."