المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تشريف وتكريم الله عز وجل لحياة الرسول صلى الله عليه وسلم



ابراهيم راشد محسن
11-03-2013, 23:55
بسم الله الرحمن الرحيم

من مظاهر تشريف وتكريم الله عز وجل للرسول صلى الله عليه وسلم، أنه أقسم بحياته الشريفة ، فقال عز وجل : { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) سورة الحجر

قال الإمام ابن جرير الطبري: "وَقَوْله : { لَعَمْرك } يَقُول تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَحَيَاتك يَا مُحَمَّد , إِنَّ قَوْمك مِنْ قُرَيْش { لَفِي سَكْرَتهمْ يَعْمَهُونَ } يَقُول : لَفِي ضَلَالَتهمْ وَجَهْلهمْ يَتَرَدَّدُونَ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل" (1)
وقال الإمام القرطبي :"قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : قَالَ الْمُفَسِّرُونَ بِأَجْمَعِهِمْ أَقْسَمَ اللَّه تَعَالَى هَاهُنَا بِحَيَاةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَشْرِيفًا لَهُ , أَنَّ قَوْمه مِنْ قُرَيْش فِي سَكْرَتهمْ يَعْمَهُونَ وَفِي حَيْرَتهمْ يَتَرَدَّدُونَ .
قُلْت : وَهَكَذَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : أَجْمَعَ أَهْل التَّفْسِير فِي هَذَا أَنَّهُ قَسَمٌ مِنْ اللَّه جَلَّ جَلَاله بِمُدَّةِ حَيَاة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"(2)
هكذا نقل القاضي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ و الْقَاضِي عِيَاض إجماع المفسرين على أن المخاطب في الآية الكريمة الرسول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .لكن الصحيح أن هذا رأي أكثرهم كما في حاشيه الشهاب على تفسير البيضاوي (3)وماذهب إليه أكثر المفسرين هو الراجح ودليلهم ما أخرجه:
الحارث في مسنده (4) والقاضي أبو بكر أحمد بن مروان الدينوري في كتابه المجالسة وجواهر العلم (5)والطبري في تفسيره(6) وأبو نعيم الأصبهاني في دلائل النبوة(7) والبيهقي في دلائل النبوة (8)من طريق سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ النُّكْرِيِّ , عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا خَلَقَ اللَّه وَمَا ذَرَأَ وَمَا بَرَأَ نَفْسًا أَكْرَم عَلَى اللَّه مِنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا سَمِعْت اللَّه أَقْسَمَ بِحَيَاةِ أَحَد غَيْره , قَالَ اللَّه ـ تَعَالَى ذِكْره ـ : { لَعَمْرك إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتهمْ يَعْمَهُونَ}
وراه أبو يعلى مختصرا في مسنده من طريق أَبي بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكْرِيُّ عن عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {لَعَمْرُكَ} [الحجر: 72] قَالَ)) بِحَيَاتِكَ ))(9).
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي "وهذا الحديث له طرق، لكن مدارها على عمرو النكري، وفيه مقال وجاء من طريق غيره، رواه الحسين بن محمد بن علي الأزدي في جمعه وجوه قراءات وتفاسير عن أهل البيت، فقال: حدثنا أبي، عن إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {لعمرك} قال: وحياتك "(10).
إذا كان مراد الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي لم يرد بهذا السياق –المطول- إلامن هذا الطريق فكلامه في محله وإلا فقد روى الطبري وابن ابي حاتم(11) في تفسيره من طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله تعالى : { لَعَمْرك } يَقُول : لَعَيْشك وهذا الطريق أحسن الطرق المروية في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما
وعلى هذا الرواية اعتمد البخاري فعلقها في كتاب التفسير في صحيحه (12) . والعيش والعمر والحياة نفس المعنى كما في المعجم الوسيط ولهذا رورى الطبري عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ : كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَقُول الرَّجُل : لَعَمْرِي , يَرَوْنَهُ كَقَوْلِهِ : وَحَيَاتِي(13).

وقد عد العلماء إقسام الله عز وجل بنبيه عليه الصلاة والسلام مما خصه الله عز وجل دون سائر الخلق، و هذه مرتبة مانالها أحد من العالمين الا سيد المرسلين وخاتم النبيين عليه الصلاة والسلام من الأزل الى الأبد (14).
وقال الإمام العز بن عبد السلام عند ذكره خصائص الرسول عليه الصلاة والسلام :"ومنها: أنَّ اللهَ أقسَمَ بحياته صلَّى الله عليه وسلَّم، في قوله تعالى (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ). والإِقسامُ بحياة المُقْسَمِ بحياته يدُلُّ على شَرَف حياته وعِزّتها عند المُقْسِمِ بها. وإنَّ حياته صلَّى اللهُ عليه وسَلّم لجديرَةٌ أنْ يُقسَمَ بها، لِما كان فيها من البَرَكةِ العامّة والخاصّة. ولم يثبُتْ هذا لغَيْره" (15).
فحياة النبي صلى الله عليه السلام ،وكل ما يتعلق بحياته صلى الله عليه السلام،حسيا كان أو معنويا، في الماضي أو في الحاضر ،كيوم مولده، وككلامه و أفعاله وسيرته ،و حتى نَفَسِه الشريف، وفضلات جسمه ،والتراب الذي يدوسه، (16)مكرمٌ ومشرفٌ عند الله عز وجل،بل يكفي أن أبا لهب يخفف عنه من العذاب لعتقه ثُوَيْبَةَ مولاة أَبِي لَهَبٍ فرحا بمولد النبي صلى الله عليه وسلم كما روى البخاري في الصحيح عن عروة بن الزبير قال: وثُوَيْبَةُ مَوْلاَةٌ لِأَبِي لَهَبٍ: كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا، فَأَرْضَعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ، قَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟ قَالَ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ (17)
وقال الحافظ في الفتح : وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ الْعَبَّاس قَالَ : لَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَب رَأَيْته فِي مَنَامِي بَعْد حَوْل فِي شَرّ حَال فَقَالَ : مَا لَقِيت بَعْدكُمْ رَاحَة ، إِلَّا أَنَّ الْعَذَاب يُخَفَّف عَنِّي كُلّ يَوْم اِثْنَيْنِ ، قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُلِدَ يَوْم الِاثْنَيْنِ ، وَكَانَتْ ثُوَيْبَة بَشَّرَتْ أَبَا لَهَب بِمَوْلِدِهِ فَأَعْتَقَهَا (18).

وما أحسن قاله الإمام ابن الجزري: فإذا كان هذا الكافر، الذي نزل القرآن بذمه جوزي –يعني تخفيف العذاب - في النار بفرحه ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم به، فما حال المسلم الموحد من أمته عليه السلام يسر بمولده، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته صلى الله عليه وسلم، لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله العميم جنات النعيم.
ولا زال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده عليه الصلاة والسلام، ويعملون الولائم، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم(19).
ورحم الله الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي حين قال:

إذا كان هذا كافرا جاء ذمه ... وتبت يداه في الجحيم مخلدا
أتى أنه في يوم الاثنين دائما ... يخفف عنه للسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذي كان عمره ... بأحمد مسرورًا ومات موحدا(20).
عليه الصلاة والسلام

.................................................. ...
[1] تفسير الطبري ج17 ص118 ط الرسالة [2] تفسير القرطبي ج10 ص 39 ط دار الكتب المصرية
[3]حاشية الشهاب الخفاجي ج5 ص303ط دارصادر . و الرأي الثاني أن المخاطب لوط عليه السلام من الملائكة ورجح هذا الزمخشري والرازي والنسفي وغيرهم ومال إليه القاضي ابن العربي قَالَ: " مَا الَّذِي يَمْنَع أَنْ يُقْسِم اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى بِحَيَاةِ لُوط وَيَبْلُغ بِهِ مِنْ التَّشْرِيف مَا شَاءَ , وَكُلّ مَا يُعْطِيه اللَّه تَعَالَى لِلُوطٍ مِنْ فَضْل يُؤْتِي ضِعْفَيْهِ مِنْ شَرَف لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ أَكْرَم عَلَى اللَّه مِنْهُ ; أَوَلَا تَرَى أَنَّهُ سُبْحَانه أَعْطَى إِبْرَاهِيم الْخُلَّة وَمُوسَى التَّكْلِيم وَأَعْطَى ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ , فَإِذَا أَقْسَمَ بِحَيَاةِ لُوط فَحَيَاة مُحَمَّد أَرْفَع.وَلَا يُخْرَج مِنْ كَلَام إِلَى كَلَام لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْر لِغَيْرِ ضَرُورَة .نقله القرطبي واستحسنه ج 10 ص39-ص40.
وتعقبه الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي فقال : وهذا الذي ذكره ابن العربي حسن، لكن المفسرين تمسكوا بأثر ابن عباس -ترجمان القرآن- الذي تقدم ذكره، وهو الذي أخرجهم من ذكر لوط عليه السلام إلى ذكر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. والمفسرون خصوصا المحدثون منهم لا يعدلون عن خبر في التفسير ولا أثر، لا سيما عن حبر الأمة وترجمان القرآن إلى غير ذلك. جامع الآثار في السير ومولد المختار ج1 ص 446- ص447ط دار الفلاح
فإذا علمت ذلك فلا معنى للتشنيع على القائلين بالقول الثاني وإن كان مرجوحا كما فعل ابن القيم وبالغ في آخر كتابه أقسام القرآن فإن هذا فيه شئ من سوء أدب مع نبي الله لوط عليه السلام فلنفرض أنه ليس هناك اثر عن ابن عباس رضي الله عنهما ،ألا يستحق لوط عليه السلام أن تقسم الملائكة بحياته فعلى المسلم أن يحترز ويتأدب الأدب البالغ عند ذكر الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه

[4]بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث حديث رقم 934 ج2ص 817 ط مركز خدمة السنة والسيرة النبوية [5] المجالسة وجواهر العلم رقم 2527 ج1 ص543 ط ابن حزم
[6]تفسيرالطبري ج 17ص120 [7] دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني رقم 121 ج1 ص63 ط دار النفائس
[8] دلائل النبوة للبيهقي ج5 ص487 ط الكتب العلمية [9] مسند أبي يعلى رقم 2754 ج 5 ص139 ط دار المأمون
[10] . جامع الآثار في السير ومولد المختار ج1 ص 446- ص447ط دار الفلاح
كون النبي أفضل الخلق ليس فيه خلاف عند اهل الحق على أنه ورد صراحة عن بعض الصحابة أن النبي أفضل الخلق كما أفاد ذلك محقق كتاب شرف المصطفى ج 4 س 180 ط دار البشائر فقد أخرج والبيهقي في الدلائل ج 5ص485 عن عبد الله بن سلام في حديث فيه طول أنه قال : وإن أكرم خليقة على الله أبو القاسم صلى الله عليه وسلم وكذلك ابن بي شيبة في المصنف ج7ص310 ط الرشد والبيهقي في الدلائل ج 5 ص 584 من من حديث المسعودي، عن عاصم، عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وإن صاحبكم خليل الله، وإن محمدا أكرم الخلق على الله، ثم قرأ: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً.
[11] تفسير الطبري ج17 ص 119 وأما رواية ابن أبي حاتم ذكرها الحافظ في الفتح ح8 ص379 ط دار المعرفة [12] صحيح البخاري كتاب التفسير تعليقا
[13] تفسيرالطبري ج 17ص 119 [14] روح البيان للبرسوي ج4 ص478-ص 479 ط دارالفكر نقلا عن صاحب التأويلات النجمية
[15] منية السول في تفضيل الرَّسُّولِ (صلى الله عليه وسلم) ويسمى أيضا غاية السول ص 20 ط الكتاب الجديد
[16] يذكر بعضهم أن الوهابية قد بنوا فوق منزل النبي صلى الله عليه وسلم في مكة الذي عاش فيه مع أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها مرافق عامة فإن ثبت ذلك فمن خطط لهذه الجريمة ونفذ ملعون في الدنيا والآخرة كما قال تعالى { إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا} ولايستبعد هذا من أحفاد حرقوص التميمي ومسيلمة الكذاب نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة
[17] البخاري حديث رقم5101 قال الحافظ في الفتح قَوْله ( بِشَرِّ حِيبَة ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدهَا مُوَحَّدَة أَيْ سُوء حَال وقال أيضا قَوْله ( غَيْر أَنِّي سَقَيْت فِي هَذِهِ ) كَذَا فِي الْأُصُول بِالْحَذْفِ أَيْضًا ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق الْمَذْكُورَة " وَأَشَارَ إِلَى النُّقْرَة الَّتِي تَحْت إِبْهَامه وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ الْمَذْكُورَة وَأَشَارَ إِلَى النُّقْرَة الَّتِي بَيْن الْإِبْهَام وَالَّتِي تَلِيهَا مِنْ الْأَصَابِع فتح الباري ج9 ص145
[18] فتح الباري ج9 ص145
[19] ذكركلامه القسطلاني في المواهب اللدنية المطبوع مع شرحه للزرقاني ج 1 ص 261 ط الكتب العلمية وقد ذكر الحافظ خلافا في وقت عتقها انظر فتح الباري ج9 ص145 ومع ذلك يبقى السبب في تخفيف العذاب عنه تقريبا له نفس المعنى أنه أحسن لمن تشرفت بإرضاع النبي
[20] شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج1 ص261