المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تَأْثِيرُ هَيْبَة الرَّسُول فِي حَيَاته وتأثيرُ وَفَاته فِي الْقُلُوب للحكيم الترمذي



ابراهيم راشد محسن
03-03-2013, 23:33
بسم الله الرحمن الرحيم


قال الحكيم الترمذي في كتابه نوادر الأصول:
الأَصْل السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَة:
فِي تَأْثِيرِ هَيْبَة الرَّسُول- صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- فِي حَيَاته،وتأثيرِ وَفَاته فِي الْقُلُوب.

عَن أنس -رَضِي الله عَنهُ- قَالَ:[ لما كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي دخل فِيهِ رَسُولُ الله -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم –الْمَدِينَةَ أَضَاءَ كلَّ شَيْءٍ مِنْهَا، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أظلمَ كلَّ شَيْءٍ مِنْهَا، وَمَا نفضنا الْأَيْدِي عَن النَّبِيِ- صلى الله عَلَيْهِ وَسلم -وَأَنا لفي دَفنه حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبنَا.] (1)

كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نوراً أَضَاء الْعَالمين،قَالَ تَعَالَى:[ يَا أَيُّهَاالنَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا {45} وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا {46}](الأحزاب)، فَكَانَ يَسْتَنِيرُ سراجُه فِي الْعَالمين،وَإِذا مَشى فِي الطَّرِيق فاح مِنْهُ ريحُ الطّيب حَتَّى يُوجد عرفَه فِي مَمَره - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَيعرف أَنه مرَّ بِهَذَا الْمَكَان،وَكَانَ طَاهِراً طيَّباً، طهّره اللهُ تَعَالَى بِالْحِفْظِ فِي الأصلاب والأرحام وطفلاً وناشئاً وكهلًا ،حَتَّى قدّسه بطهر النُّبُوَّة،وشرَّفه بالقربة،وطيبه بِرُوحِهِ، وجلَّلَه ببهائه، فَمن فتح اللهُ قلبَه بِالنورِ الَّذِي جعله فِي قلبه،وأبصره وَمَا نحله اللهُ تَعَالَى وزيّنه بِه، كَانَ رُؤْيَتُه شِفَاءَ قلبه ودواءَ سقمه،وَلَا يخيب بِرُؤْيَتِهِ عَن أَن يكون شِفَاء الْقلب ،إِلَّاّ من ختم اللهُ على قلبه،وَجعل على سَمعه وبصره غشاوة، كَمَا قَالَ تَعَالَى:[وتراهم ينظرُونَ إِلَيْك وهم لَا يبصرون{198}] (الأعراف)

وَكَانَت هيبتُه ووقارُه وجلالُه وطهارتُه سداً بَين الْقُلُوب والنفوس، فَكَانَت النُّفُوسُ قد أَلْقَت بأيديها منقادةً مستسلمةً هَيْبَة لَهُ وإجلالاً وحياءً مِنْهُ -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم -وَكَانَ لَهُ طلاوةٌ وحلاوٌة ومهابةٌ، فَأَيْنَ مَا حل ببقعة أَضَاءَت تِلْكَ الْبقْعَة بنوره وطلاوته، وحليّت بحلاوته وتهيّأت شئونُها بمهابته، فَلَمَّا قبضَ -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم -ذهب السراجُ وَزَالَ الضَّوْءُ وفاتت تِلْكَ الطلاوةُ والحلاوةُ والمهابةُ.

وَقَوله: [وَمَا نفضنا الْأَيْدِي حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبنَا] أخبر عَن قلبه وَعَن قلب أشباهه من الْقُلُوب الَّتِي لم تغلب عَلَيْهَا الهيبة من الله تَعَالَى وتأخذها هَيْبَة المخلوقين، وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم آيَةً من آيَات اللهِ الْعُظْمَى، فَمن عرفه وتمكّنت مَعْرفَتُه من هَذَا الطَّرِيق إِذا فَقده أنكر قلبَه، لِأَن نَفسه كَانَت فِي قهرِ مَا أعطي الرَّسُولَ -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- من السُّلْطَان، فَلَمَّا أحست النَّفسُ بذهابه وجدت زمامها سَاقِطَةً بِالْأَرْضِ كالمُخَلَّاة عَنْهَا (2)فتحركت وتشوقت لمَناها،وأصاخت أذناً لمطامعها،وَمن غلَب الهيبةُ من الله تَعَالَى على قلبه وملكْته، لم يُنكِر قلَبَه بِقَبْضِهِ، وَلم يتَغَيَّر شَأْنُه بفقده، وهم الصدّيقون والأولياء -عَلَيْهِ السَّلَام - فقد دخل قُلُوبُهم من جلال الله تَعَالَى وعظمته مَا بهتهم فهابوه، ونفوسهم قد صَارَت كالميتة من الْخُشُوع لله تَعَالَى،فَتلك هَيْبَةٌ احتَشَت الْقُلُوبَ مِنْهُم من محبَّة الله تَعَالَى،فغمرت مَا كَانَ للمخلوقين فِيهَا من الْمحبَّة من غير أَن تَزُول هَيْبَة الرَّسُول -- صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- ومحبته من قلبه ،فَإِنَّ كلَّ مَا عَظُمت هَيْبَةُ الله تَعَالَى ومحبتُه فِي قلب عبدٍ فَهُوَ للهيبةِ من رَسُولِ - الله صلى اللُه عَلَيْهِ وَسلم- أَشدُّ، وحبُّه فِي قلبه أعظمُ وأصفى، وَلَكِنّ محبتَه وهيبتَه – لله عز وجل - غامرةٌ لما سواهَا، فَلَا يستبين، بِمَنْزِلَةِ وَادٍ ينصب فِي بَحر،فالوادي ينصب بهيبته وَلَكِن لَا يستبين فِي جنب الْبَحْر ،وبمنزلة قمرٍ مضيٍء، فَإِذا أشرقت الشَّمْسُ غمرَ إشراقُها ضوءَ الْقَمَر، فالقمر يضيئ فِي مجْرَاه، وَالشَّمْس بإشراقها غالبة عَلَيْهِ كَذَا حب الله تَعَالَى وهيبته فِي حب الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهيبته (3) انتهى


فأعظم نعمة أنعمها الله علينا مولد و مبعث سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ،حياة القلوب و شفائها ،ونور الأبصار و ضيائها، من قال رب العزّة في حقّه :[وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين] وأعظم مصيبة حلت علينا وفاته ولحوقه بالرفيق الأعلى،كما أخبرنا هو بنفسه صلى الله عليه وسلم،قال : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّمَا أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، أَوْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ، فَلْيَتَعَزَّ بِمُصِيبَتِهِ بِي عَنِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي تُصِيبُهُ بِغَيْرِي، فَإِنَّ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِي لَنْ يُصَابَ بِمُصِيبَةٍ بَعْدِي أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ مُصِيبَتِي)(4)
والحال بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم –كما قالت صفية بنت عبد المطلب- رضي الله عنها:


ألا يا رسول الله كنت رجاءنا ... وكنت بنا برّا ولم تك جافيا
وكنت بنا برّا رؤوفا نبيّنا ... ليبك عليك اليوم من كان باكيا
لعمرك ما أبكي النبيّ لموته ... ولكن لهرج كان بعدك آتيا
كأنّ على قلبي لذكر محمد ... وما خفت من بعد النبيّ المكاويا
أفاطم صلى الله ربّ محمّد ... على جدث أمسى بيثرب ثاويا
أبا حسن فارقته وتركته ... فبكّ بحزن آخر الدهر شاجيا
فدا لرسول الله أمّي وخالتي ... وعمّي ونفسي قصرة ثم خاليا
صبرت وبلّغت الرسالة صادقا ... وقمت صليب الدين أبلج صافيا
فلو أنّ ربّ الناس أبقاك بيننا ... سعدنا ولكن أمره كان ماضيا
عليك من الله السلام تحية ... وأُدخلت جنات من العدن راضيا

عليه الصلاة والسلام . ونسأل الله عز وجل ألا يحرمنا محبة نبيه وشفاعته يوم الدين.
.................................................. ......
[1]( الترمذي 3551) و(ابن ماجه1631) وقال الترمذي هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ
[2]الدابة تكون غَيْرُ مَحْمِيَّة وَلَا مَمْنُوعَةٍ
[3] نوادر الأصول ج2ص136-138ط دار الجيل بتصرف يسير جداً
[4] (ابن ماجه 1599)