المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ما هو الفرق بين الرياضي و الرياضياتي؟



يوسف ابن ميمون المداني
22-02-2013, 12:20
يمكن أن يدعي إنسان معين أنه متقن لفن من فنون الرياضيات، سواء كان ذلك في موضوعاتها القديمة، أو الموضوعات التي جدت في الساحة الرياضياتية. لكن على الرغم من دعواه هذه لا نطلق عليه إسم "الرياضياتي"، بل و لو أكد لنا ذلك في إجابته عن بعض الأسئلة التي سنطرحها عليه لكشف دعواه هذه، سيبقى إصرارنا على عدم تسمته بهذا الإسم قائما. لكننا نستطيع بيسر، أن نطلق عليه إسم " الرياضي" أي المشتغل بالموضوع الرياضي، إشتغال عارف لمعاني إصطلاحاته، و العارف لما كان من نتائج من مقدمات قد تقادم إستعمالها.

من هذه المقدمة التي أعطيتها نستطيع إستنتاج الفرق البسيط بين "الرياضياتي" من جهة و الرياضي من جهة أخرى. إذ يكفي لأي إنسان أن يشتغل بالموضوع الرياضياتي، و نطلق عليه إسم الرياضي. لكن هذا لا يكفيه لكي نصفه بالرياضياتي. فلما تأكد لنا الفرق بين هذين الإصطلاحين. فما هو الشرط الذي يجب على الرياضي أن يوفيه لكي يرقى الى مستوى " الرياضياتي"؟

الشرط بسيط للغاية، نجده في كتاب الرياضياتي الكبير الفرنسي Jean Dieudonné في كتاب الماتع Pour l'honneur de l'esprit humain — les mathématiques aujourd'hui, éd. Hachette, coll. Histoire et phil. des sc. (1987) (pour grand public)
حيث وضع الشرط كما يلي: "أن يأتي ببرهان موضوعة جديدة ".

و يبقى السؤال هنا مطروحا أيضا، عن ماهية هذه الموضوعة الجديدة، التي ستكسبه هذا الوصف؟

أستطيع أن أقول أن المجتمع الرياضياتي يجعل دعوى الإبداع، التي يستطيع كل شخص أن يدعيها لنفسه، منوطة بقدرته على الإجابة عن ما قدمه الرياضياتيون من قبله. هذه الإجابة على قدر ما تكون منطقية دقيقة، على قدر ما يجب عليها أن تكون جميلة. أي أن تستوفي شرطي "المنطق الدقيق و الذوق الرشيق". و هذا يتم على أعين الرياضياتيين في كل أرجاء المعمور، و هم لن يستطيعوا إلا أن يسلموا، لهذا الذي اوفى بهذا بحاذقته، بنفاذ دعواه. من ثم يستطيع، على قدر توسعه في موضوعات الرياضيات أن يحدد هو الآخر موضوعات محددة تكون لمن بعده مجال عمل. و هكذا دواليك بتنظيم محكم. و هذا المنهج الذي يفرضه المجتمع الرياضياتي على المدعي، ينتج منه قدرة للمدعي على فرز الموضوعات البسيطة التي يمكن بسهولة حلها من ما كان معهودا من الواقع الرياضياتي، و التي يجب على المشتغل بها أن لا يركن فقط لما عرف في هذا الواقع، إذ لزاما عليه أن يأتي بإبتكارات جديدة. يستعين بألية التمثيل لتطويرها.
خلصنا إذن من هنا أن الموضوعة التي جعل Jean Dieudonné البرهان عليها يوفي بشرط إنتقال الرياضي الى درجة الرياضياتي، أنها تكون "جديدة" على المجتمع الرياضياتي. و قد وضحنا مرادنا من مصطلح "جديدة". و كيفية إتصافها بهذه الصفة.

يبقى هنا سؤال ربما يطرح في هذا المقام، و هو كما يلي :

ما دمنا علمنا شرط إتصاف الرياضي بوصف الرياضياتي، فهل يلزم الرياضياتي أن يلم بكل ما في الواقع الرياضياتي لكي يبدع حلا للموضوعة الجديدة؟

أستطيع أن أجزم بقول أنه لا يلزم له ذلك في حالة ما إذا تمكن من الإشتغال بالمبادئ الأولى للحساب مثلا، و إستطاع أن يركب منها ألياته الذاتية، التي ربما لا يعرفها غيره. في هذه الحالة بإستطاعته أن يتناول أي موضوعة مهما كانت غريبة بتلك الوسائل، التي طورها بنفسه، و يبدع لها برهان لم يعرف من قبل.
و لي على ذلك مثالان:
الأول هو الرياضياتي Galois الذي تم له البرهان على عدم القدرة على تتبع نفس طريقة إستخراج الحل للمعادلات التي تكون أساتها أصغر قطعا من خسمة، في حل المعادلات التي أساتها أكبر أو يساوي خمسة. فهو قد طور أليته البرهانية هذه بذاتيته، و جاء ببراهين مبهرة. و هو لم يبلغ بعد العشرين سنة. لكن بطبيعة الحال بعد جهد جهيد. فلم يكن هذا الرياضياتي يعرف كل الواقع الرياضياتي لفعل ذلك، لكنه إستطاع بالإعتماد على ذاته، أن يطور فكرة أهدت للواقع الرياضياتي ألية تصنيف جديدة، و هي نظرية الزمرة.
الثاني هو الرياضياتي Ramanujan الهندي الذي أبهر أكبر العقول الرياضياتية للقرن العشرين، و هو الرياضياتي Hardy. بعدما أرسل إليه بورقة تشتمل على متساويات، قد أحصاها بنفسه، و لم يحل لها برهان على ما عهد عليه في الرياضيات، فما كان ل Hardy إلا أن قال قولته الشهيرة: لا بد أن تكون هذه المتساويات صحيحة، لأنه لا يمكن أن يوجد من يبدع مثلها" أو كما قال. فهو لم يطلع من واقع الرياضيات إلا على اليسير جداـ، لكنه إستطاع أن يخترع بذاته قواعد حسابية أمكنته من حساب هذه التكاملات و أشياء أخرى.
فقائل أن يقول فإن لم يستطع أن يبدع أليات ذاتية تخصه، فهل يلزمه ما ألزمناه في السؤال؟
أقول يلزمه أن يلم بموضوع بحثه، و يعرف كل ما له صلة بموضوعه كبر أو دق. و أن يقف على أليات من أبدعوا قبل في هذا الموضوع. و يسقط بذلك ضرورة إلمامه بجميع نتاج الواقع الرياضياتي. فيمكن لمن يشتغل مثلا ب la théorie de nombre أن يجهل تماما كل ما في la géométrie différentielle بغير أن يضيره هذا الجهل إطلاقا. لكن يستحيل عليه، إن أراد مثلا أن يفهم عمل الرياضياتي الكبير الروسي Grigori Perelman، فيتعذر عليه فهم و لو عبارة من بحثه القيم ما دام لم يطلع على أوليات la géométrie différentielle فضلا على أن يبدع فيها.