المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الواقع الرياضياتي



يوسف ابن ميمون المداني
14-02-2013, 19:02
(الفكرة مستوحاة من كتاب "L'apologie de mathématicien" للرياضياتي الكبير "Hardy")

حاصل هذا الكتاب هو الدفاع عن الرياضيات المحضة النظرية. ذكر في ثناياه تفرقة بين الوقعين الفزيائي و الرياضياتي، فوسم الواقع الفزيائي بكون واقع مادي طبيعي، ثم جعل من الواقع الرياضياتي هو الواقع الذهني- كما جرى على ذلك الكثيرون في تميزهم الرياضيات عن الفزياء- . و كلا الواقعين ليس لنا إختيار في صنعه، بل نحن في صدد إكتشافهما. و إن كانت وسيلة التجربة و التجريب من أفضل الوسائل التي ننهجها في إكتشاف قوانين الواقع الفزيائي، فهناك طريق خاصة بالرياضيات، هي في نظري أعم من الإستنباط المألوف. إذ أن الأستنباط هو إستخلاص الحكم الخاص من حكم عام، أي الإنتقال من العام الى الخاص، عكس الإستقراء.

و تلك الألية التي يستعملها الرياضياتيون في إكتشاف الواقع الرياضياتي هي ألية التمثيل، و هي إكتشاف الشكل الرياضياتي، الموجود في موضوع سالف الإكتشاف، في سبيل حل مشكل إجتمع كبار الرياضياتين على أهميته. أطلقت عليه أسم ألية التمثيل، كوننا نتخذ الشكل الماضي مثالا للشكل الجاري، فنتمثل به للإكتشاف الوقع الجديد.

ـألية التمثيل أعم من ألية الإستنباط:

حاصل ألية الإستنباط أن يكون عندك حكم عام فتريد لنازلة خاصة حكما، فتستنبط منه الحكم مع مراعاة أن تكون هذه النازلة في ضمن ما يحكمه الحكم العام، فننزل عليها الحكم العام.
لكن ألية التمثيل أعم منه من هذا الجانب، إذ هي تجعل من الحكم العام المكتشف مثالا فقط، و تنسج على منواله حكما عاما أخر للنازلة التي بين يديها. و تتصاعد هذه الإكتشافات خلاف ما يحصل في ألية الإستنباط، إذ تكتشف أشكال أخرى.

-أمثلة للتوضيح:
يقال عن العدد أنه أولي كل عدد غير قابل للقسمة إلا على نفسه أو على واحد.
أمثلة الأعداد الأولية:
(2.3.5.7.11.....)
فتباعا للشرط الذي وضعناه، أن يكون العدد غير قابل للقسمة إلا على نفسه أو على واحد، سنجد أن العدد الوحيد الأولي الزوجي هو العدد : 2 . فصار هذا إكتشافا لواقع الأعداد و لسنا نختار أن يكون العدد 2 هو العدد الوحيد، فهذا ما عنيته بكوننا نكتشف و لا نصنع واقع الرياضيات.
ثم لما كان ما لا نهاية الأعداد الصحيحة من الأشياء البديهية، سنسأل نفس السؤال لعدد الأعداد الأولية؟؟؟
فالجواب على هذا السؤال هو بالإجاب، و أن الأعداد الأولية لا نهاية لها. يعزى برهان ذلك للرياضياتي أقليدس. و فكرة في منتهى البساطة و منتهى الإبداع و الأناقة الرياضية.
كونه إفترض وجود كابر لمجموعة الأعداد الأولية، ثم أضاف الى حاصل جداء هذه الأعداد الأولية الرقم 1، فصار هذا العدد الناشئ عدد لا يقبل القسمة على أي من الأعداد الأولية بسبب 1. فأصبح عددا أوليا جديدا أكبر طبعا من كابر المجموعة.
بعد هذا الإكتشاف المبهر في مسائل الأعداد الصحيحة الطبيعية، و كون نواتها يتمظهر في شكل المجموعة العجيبة: مجموعة الأعداد الأولية. نستطيع أن نتعاطى مع أرقى مظهر من مظاهر الرياضيات للقرن التاسع عشر، و هي رياضيات الأصناف، التي كان للرياضياتي Galois الفضل في بزوغ نجمها على شكل نظرية الزمرة "la théorie de groupe" و نصادف في ثنايا هذه النظرية مشاكل في التصنيف، نتمثل بسابق ذلك الكشف العظيم و نجد لها حالا. من قبيل:
" les idéaux premiers sont les noyaux pour la théorie des Anneaux principales "
فنحن إن تتبعنا مصادر ذلك الكشف في التصنيف، نجد أن الرياضياتين تتبعوا برهان أقليدس القديم لإكتشاف أشكال جديدة، هي مفارقة كثيرا للواقع الرياضياتي الذي إشتغل عليه أقليدس.

محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
15-02-2013, 13:04
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

أخي يوسف،

قلتَ: "و إن كانت وسيلة التجربة و التجريب من أفضل الوسائل التي ننهجها في إكتشاف قوانين الواقع الفزيائي، فهناك طريق خاصة بالرياضيات، هي في نظري أعم من الإستنباط المألوف. إذ أن الأستنباط هو إستخلاص الحكم الخاص من حكم عام، أي الإنتقال من العام الى الخاص، عكس الإستقراء".

أقول: بناء على التفريق بين الحكم العاديِّ والحكم العقليِّ يقال: الفيزياء عندنا هي من ضمن حكم العادة أو الواقع، فالقوانين الفيزيائيَّة هي قوانين عاديَّة، والحكم العاديُّ هو المنبني على التَّجربة والتكرار.

فعليه يقال إنَّ الأحكام الفيزيائيَّة هي الآتية من الاستقراء.

أمَّا قوانين الرياضيّات فهي قوانين منطقيَّة في أصولها، فهي ضمن القانون العقليِّ، فاحكامها عقليَّة يمكن أن نصل إليها بالقياس المنطقي من غير الحاجة إلى الاستقراء أصلاً.

وكذلك يمكن الوصول إليها بالاستقراء...

فأنا يمكن أن أثبت كون المعادلة (4+7=11) واجبة بالعقل وبالعادة، أي بالقياس المنطقيِّ وبالاستقراء.

أمَّا آليَّة التمثيل التي تشير إليها فإنَّ القياس قد قُسِّم إلى شموليٍّ وتمثيليٍّ...

فالشُّموليُّ هو القياس المنطقيُّ، بالحكم على جزئيٍّ بعد العلم بحكم الكلِّيِّ الحاصل له.

والتَّمثيليُّ هو القياس الفقهيُّ، بالحكم على جزئيٍّ ما لشبه منه بجزئيٍّ آخر. فهذا القياس استقرائيٌّ وإن كان يمكن تقريره بالقياس المنطقيِّ.

وصحَّة القياس التمثيليِّ لمسائل الرياضيّات هو من أنَّ كلَّ حكم بالوجوب العقليِّ المنطقيِّ فهو حكم بالوجوب العاديِّ الواقعيِّ...

فإنَّ الواجب العقليَّ أخصُّ مطلقاً من الواجب العاديِّ، والممتنع العقليُّ أخصُّ مطلقاً من الممتنع العاديِّ.

وعليه فكلُّ واجب عقليٍّ هو واجب عاديٌّ، وكلُّ ممتنع عقليٍّ فهو ممتنع عاديٌّ.

إذن: نحن يمكن أن نصل إلى الحكم بالوجوب أو الامتناع العقليِّين بطريق الاستقراء والمشاهدة والتَّكرار كذلك.

فإنِّي كلَّما جمعتُ كرسيّاً مع كرسيَّين فإنَّ النَّاتج ثلاثة كراسيّ، فأصل بالتجربة إلى أنَّ 1+2=3، وكذلك هو حكم منطقيٌّ.

............................

لكنَّ السؤال الذي أريد أن أسألكه هو أن هل يمكن أن نتوصَّل بالتَّمثيل في الرياضيّات إلى ما لا نستطيع بالقياس المنطقيِّ الاستنباطيِّ؟

ولو كان كذلك ألا يكون ذلك دالّاً على أنَّا لم نصل بعد إلى الدليل المنطقيِّ، لا أنَّه غير موجود؟

مثلاً قانون فيثاغورس، فإنَّا نعلم أنَّ نسبة الأطوال إلى بعض مع الزوايا كذلك وجوباً بالتَّجربة، فإنِّي عند قياسي مثلَّثاً وآخر ثانياً وثالثاً أعرف ذلك بالتجربة...

لكن ليس بالضَّرورة أن أعرف السَّبب المنطقيَّ لكون نسب الأطوال والزوايا كذلك.

والسلام عليكم...

يوسف ابن ميمون المداني
16-02-2013, 14:40
حتى لا يتنازعنا موضوع آخر، أذكر أن حديثي يتناول المجال الرياضياتي. و لما كان لكل علم أركان ثلاثة بها يمتاز عن أي علم آخر: المنهج+الموضوع+الغايات. جعلت هدف موضوعي في سبر موضوع الرياضيات، في مقارنة له مع موضوع الفزياء. ثم عقبت ذلك بذكر الخلاف بينهما في بعض جزيئيات المنهج. هذا هو قصدي.
فإن بان لك قصدي، أعرج الآن إلى سؤالك، الذي كان في "إمكانية التوصل بالتمثيل في الرياضيات إلى ما لا نستطيع التوصل إليه بالإستنباط".
فأبدأ جوابي بالتذكير بما قصدته من كلمة "الإستنباط" حتى يرفع الإبهام.
الإستنباط، في مجال الرياضيات، أن تستعمل قاعدة (سواء كانت مسلمة أو مبرهنة) في إستخلاص حل لقضية معينة.
[مثال ذلك:
قاعدة:" ليكن a عدد صحيح طبيعي، إذا كانت a² عدد زوجي، فإن a عدد زوجي."
قضية : بيّن أن جدر 2، ليس عدد جدريا
ًّ لنرمز لجدر 2 ب: ج2،
أي : لا نستطيع أن نكتب ج2 على شكل a/b، بحيث a و b عددين صحيحين قاسمهما المشترك الأكبر هو 1.
سنتنبط الحكم بصحة هذه القضية بالإعتماد على القاعدة. بإستعمال برهان الخلف.
-نفترض صحة عكس القضية أي: ج2 عدد جدري، أي : ج2= a/b بحيث a و b قاسمهما المشترك الأكبر هو 1.
-هذا الإفتراض يستلزم التساوي بين مربعيهما أي: a²/b²=2
-بتطبيق أيات الحساب العادي نحصل على : a²=2b²
-إذن : a² عدد زوجي.
-بإستعمال القاعدة : a عدد زوجي
-أي a هي على شكل : 2k
-نعوض حاصل a في التساوي السالف نحصل على : 4k²=2b²
-إذن :b²=2k²
-أي أن b² عدد زوجي
-نستعمل مجدد القاعدة فنحصل على: b عدد زوجي.
- و بما أن أقل قاسم مشترك بين عدد زوجيين هو 2
-فنحصل على التناقض التالي: كون العدد a و b قاسمهما المشترك الأكبر هو 1، ثم خصلنا الى أن وجدنا أن 2 هو أقل قاسم مشترك لهما. فصار : 1 أكبر من 2.

هذا مثال للإستنباط الرياضياتي.
فإن بان رأيي في ما قصدته من الإستنباط أعرج على التمثيل الرياضياتي. فأقول أنه من الأيات التي تتخذ قضية معروفة مقررة في مجال معين من مجالات الرياضيات مثالا لها فقط، يتتبع الرياضيات خطواتها، سواء منها ما يوجد في برهانها أو منها، فينسج على منوالها قضية تخص مجال مغايرا. و هذه الخاصية لها فائدة كبيرة في توسيع موضوع الرياضيات. و هي من أفضل أليات الرياضياتين لسبر أغوار الواقع الرياضياتي. و يعتبر حل المشاكل الشائكة التي لا يمكن إستباط أحكامها من النظريات المعروفة أخصب أرضية للرياضياتي، ففيها يحرث و يحصد محاصيل إكتشافاته لهذا الواقع. إذ تكون المشاكل محفزا أساسيا لإبداع أنساق منطقية تستطيع الإجابة عن الأسئلة التي تطرحها هذه المشكلة الرياضياتية. و بهذا الطريقة يتستطيع الرياضياتي الإجابة عن ما عجز عليه المنهج الإستنباطي من قبل.
سأطرح مثال للتميز منهج التمثيل الرياضياتي و كمالاته عن المنهج الإستنباطي:
في نظرية الأعداد la Théorie de nombre ، توجد موضوعة تسمى Théorème de Fermat، حاصل هذه الموضوعة كما يلي :
المعادلة التالية: a²+b²=c²
لها حل في مجموعة الأعداد الصحيحة الطبيعية، على الأقل : 3²+4²=5²
و يمكن أن تحصل على ما لا نهاية من الحلول لهذه المعادلة في مجموع الأعداد الصحيحة الطبيعية
السؤال كما يلي: ماذا لو رفعنا الأس إلى 3 مثلا هل يمكننا أن نجد حلولا لهذا المعادلة في مجموعة الأعداد الصحيحة الطبيعية
و كذلك السؤال بالنسبة للأس أكبر أو يساوي 3 . فتقول موضوعة Fermat أنه لا يمكن أن تجد حلا لهذه المعادلة في مجموعة الأعداد الصحيحة الطبيعة إنطلاقا من الأس 3 فصاعدا.
من الصعوبة بمكان أن تستنبط لهذه الموضوع برهانا من القواعد المعروفة في نظرية الأعداد. و قد صمدت هذه الموضوعة زهاء 3 قرون بدون برهان حتى أتم برهنتها الرياضياتي Andrew wiles، في مقال يتجاوز 100 صفحة.
و برهانه يقوم على البرهان على موضوعة أخرى تنتمي الى عالم مخالف تماما لعالم الأعداد، هو عالم نظرية الأشكال الإهليلجية، الذي نسج بمنهج التمثيل من موضوعات عديدة، فإكتشف هذا العالم بفضل هذه الألية، نتج عن هذا العالم موضوعة تسمى conjecture de Tanyama shimura. و هذا الموضوعة إن إفترضنا جزءا بسيطا منها صحيحا فهو يستلزم صحة موضوعة Fermat. فكان عمل Andrew wiles يصب على البرهان على الموضوعة الأولى فأثبت صحتها، و أثبت بذلك صحة الثانية .
و هذا مثال بسيط لما يتسطيع أن ينتج من فائدة من التمثيل الرياضياتي و الذي لا نستطيع بفضل الإستنباط الحصول عليها.
أعتذر على الإطلة التي أتحاشاها ما استطعت . و ليكن في هذا كفاية ان شاء الله.
و السلام عليكم .

محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
18-02-2013, 14:19
السلام عليكم ورحمة الله موبركاته...

جزاك الله خيراً أخي الفاضل على ما مثَّلتَ...

ومفهوما الاستنباط والتمثيل معروفان هما ما قلتُ لك إنَّ أوَّلهما هو القياس المنطقيُّ والثَّاني هو القياس الفقهيُّ.

والمثالان اللذان ذكرتَ منطبقان على ذلك.

وأسألك عن المثال الثاني...

هل أفاد ذلك التمثيل يقينيَّة تلك النتيجة؟

يوسف ابن ميمون المداني
18-02-2013, 16:34
الجهة التي أفادنا فيها التمثيل في المثال الثاني، هي جهة إنشاء واقع رياضياتي لم يكن معروفا من قبل. في صرح هذا الواقع نتجت مشاكل رياضياتية، كان منها أن ربطناها بما عجزنا عن إستنباط حكمه من النظرية الأم للمسألة المطروحة، فتبين لنا صحتها.
و يقينية النتيجة جاءت من يقينيتن : الأول برهان Andrew wiles على ما يستلزم Théorème de Fermat و كون هذا الإستلزام مقررا صدقه من قبل عمل هذا الأخير.