المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مرحلة متوسطة بين ( النقود السلعية ) و ( النقود الورقية )



محمد يوسف رشيد
02-02-2005, 23:42
بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد ،،
فنعرف التطور التاريخي للنقود ، و أنها بدأت بـ ( النقود السلعية ) ـ و منها التعامل بالنقدين الذهب و الفضة إذ هي سلع في حد ذاتها ، و انتهت بالنقود الورقية التي هي ليست سلعا في حد ذاتها بل استمدت اعتمادها و الوثوق بها من قوة الدولة المصدرة لها .. هذا لا إشكال فيه
و إنما الإشكال في مرحلة ما من تاريخ بعض ولاة المسلمين في الدولة العباسية كالسفاح من غش للدراهم بنسبة كبيرة من النحاس ، و مع هذا الغش للدراهم إلا أنها ظلت تحتفظ بقيمتها السلعية الصورية كاملة كأن لم تكن مغشوشة !

في غش الدراهم يقول المقريزي :
(( فلما قتل المتوكل ، و تغلب الموالي من الأتراك ، و تناثر سلك الخلافة ، و تفننت الدولة العباسية في الترف ، و قوي عامل كل جهة على ما يليه ، و كثرت النفقات ، و قلت المجابي بتغلب الولاة على الأطراف ، حدثت بدع كثيرة من حينئذ ومن جملتها غش الدراهم )) شذور العقود في ذكر النقود ص 72 ـ 73

و في ثبات القيمة اعتبارا يقول :
(( فلما كان شهر رجب سنة إحدى و تسعين و مئة نقصت الدنانير الهاشمية نصف حبة ، و مازال الأمر في ذلك كله عصرا يجوز جواز المثاقيل )) شذور العقود في ذكر النقود ص69

و هذا حقيقة دعاني لشيء من التأمل .. فالنقود السلعية تنبع قيمتها من ذاتها .. فلو اتخذنا الشياه مثلا كنقود فحقيقة المنفعة هي في الشاة نفسها لا في قوة إبراءها فقط ، فلو لم أستطع بيعها و استبدالها فيمكنني أن اذبح الشاة و آكلها لو كنت محتاجا لذلك أو تأجيل هذا الأمر إلى وقت الحاجة ، و أما كونها نقود فهذا فقط منبعه اتفاق الناس و تعارفهم للأمر لكثرة هذه السلعة في بيئتهم ، و هذا لا يغير كونها سلعة في أصلها .. والدنانير الذهب مثلها تماما سواء استعملت وزنا كما هو في عهد النبوة ، أو مسكوكة كما في عهد الخلفاء الراشدين ، فالمهم هو ضبط الكم ، و الذهب سلعة حقيقية في نفسه بحكم ميل النفوس إليه و التزين به و بقاءه .. ولكن الإشكال حقا أن تصبح نفس القيمة معمولا بها مع انخفاض في نسبة الذهب من الدرهم ، فهذا يجعلنا نقول بأنها مرحلة متوسطة بين النقود الورقية ـ العديمة القيمة في ذاتها ـ و بين النقود السلعية التي تكمن قيمتها فيها .. ووجه هذا التوسط هو أننا لو نظرنا لكونها لها قيمة في نفسها من حيث إنها ذهب و لو بنسبة اقل لقلنا هي نقود سلعية ، و لو نظرنا لكونها تعتبر فيها قيمة محددة أكثر من قيمتها الحقيقية لقلنا بكونها نقودا ورقية استمدت قوتها من قوة دولتها ... و لكن هذا التوسط لا يستقيم ، لأنك لو أردت التعامل بها كسلعة فرغبت في إذابة الدراهم في سبيكة و تبيعها لصائغ كسلعة فلن يقبل منك قيمتها الاعتبارية ، بل سيعاملك على قيمتها السلعية و التي هي أقل من قيمتها الاعتبارية ، و لو أردت التعامل بها كنقود تكمن قيمتها في قوة الدولة المصدرة لها فأردت صرفها بذهب مثلها فستمنعك الدولة من هذا ، و سيحرم عليك لتحقق التفضل بغش الدراهم .

فما قول طلبة العلم في هذا الإشكال ؟

و جزاكم الله تعالى خيرا
أخوكم المحب / محمد رشيد