المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أسئلة عن التفكير والتخييل



خالد حمد علي
30-01-2005, 06:53
شيْخُنا/ بلال :

{حَرَكة النفس في المَعقولات تُسمّى تفكيراً ، وَحَرَكتها في المَحْسوسات تخييلاً }.

سَيّدي بلال لديّ أسْئلة على هذه العبارة قد لا أحسن صياغتَها ، فأرْجو منكم أنْ تشرَحوها ، وبشرحكم يُجَاب عن أسئلتي

بلال النجار
03-02-2005, 17:04
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كيف حالك يا نايف، والله لك وحشة.

ثم إني لا أقبل منك إلا أن تسألني عمّا يشكل عليك فهمه من هذه العبارة. أهو معنى الحركة، أم معنى المعقول، أم المحسوس؟

واستحضر ما ذكرناه في دروس السلم حين تكلّمنا عن الإدراك. وقسمناه إلى إحساس وتخييل وتوهّم وتعقّل.

اسأل وسنجيبك إن شاء الله حتّى تنقطع عن السؤال.

خالد حمد علي
03-02-2005, 21:52
بارك الله بكم يا سيدي / بلال

والعطله الصيفية قريبة وبإذن الله ستجدني بين أيديكم ، مرْتَشفَاً منْ شَريْفِ علومكم ، وأسأل الله أن لا يحرمني ذلك بسبب ذنوبي .

السؤال : لماذا لا تسمّى حركة النفس في المعقولات تخييلاً؟

بلال النجار
12-02-2005, 10:49
بسم الله الرحمن الرحيم

أخي الفاضل نايف،

تأمل هذا الكلام للعلامة الأصفهاني في شرحة على طوالع البيضاوي، قال:

(اعلم أن تعقل الشيء إدراكُه مجرداً عن الغواشي الغريبة واللواحق المادية التي لا تلزم ماهيَّتَه عن ماهيته، فهو نوع من الإدراك، فإن الإدراك تَمَثُّلُ حقيقة الشيء عند المدرِك يشاهدها ما به يُدْرِك، وهو على أربع مراتب: إحساسٍ وتخيلٍ وتوهمٍ وتعقلٍ. فالإحساسُ: إدراك الشيء مكتنفاً بالعوارض الغريبة واللواحق المادية مع حضور المادة ونسبة خاصة بينها وبين المدرك. والتخيل: إدراكه مكتنفاً بالعوارض الغريبة واللواحق المادية ولكن لا يشترط حضور المادة ونسبتها الخاصة. والتوهم: إدراك المعنى الجزئي المتعلق بالمحسوس. ومنهم من يخص الإدراك بالإحساس، وحينئذٍ يكون مبايناً للتعقل. والعلم قد يراد به الإدراك بالمعنى الأول فيكون كل من الإحساس والتخيل والتوهم والتعقل علماً. ومنهم من قيّد العلم بالأمر المعنوي، وحينئذٍ يكون مبايناً للإدراك بمعنى الإحساس، وأخص مطلقاً من الإدراك بالمعنى الأول. وعلى كل تفسير يكون التعقل أخص من العلم مطلقاً. وقد يطلق العلم ويراد به التصديق، وقد يطلق ويراد به التصديق اليقين)


وقال في الفكر: (واعلم أن الفكر كما سيأتي هو حركة النفس في المعقولات مبتدئة من المطلوب منتهية إليه تشبه الحركة الأينية المستدعية لمسافة تقع الحركة فيها، وتسمى تلك المسافة الطريق، ولما يبتدئ منه الحركة ولما ينتهي إليه الحركة؛ ويسمى كل منهما جهة. فشبه تلك المعقولات بالطرق التي وقعت فيها الحركة الأينيّة، والمطلوب الذي ابتدأت الحركة منه وانتهت إليه بالجهة؛ فسماهما باسميها)

وقال أيضاً: (الأمور المعلومة التي يكون ترتيبها فكراً ونظراً هي المعقولات لا المحسوسات والمتخيلات والمتوهمات لما ستعرف أن الفكر هو الحركة في المعقولات)

وقال أيضاً: (والفكر يطلق على معان منها حركة النفس بالقوة التي آلتها مقدم الدودة التي هي البطن الأوسط من الدماغ أيَّ حركة كانت إذا كانت في المعقولات. فإنها إذا كانت في المحسوسات تسمى تخيلاً، وتلك القوة واحدة لكن تسمى بالاعتبار الأول مفكرة، وبالاعتبار الثاني مخيّلة. وهذه الحركة واقعة في مقولة الكيف، فإن الحركة في الكيف كما تقع في الكيفية المحسوسة تقع في الكيفية النفسانية، بأن ترتسم المخزونات الباطنة في النفس شيئاً بعد شيء عند الاستعراض. ولا شك أن النفس تلاحظ الأمور عند الاستعراض؛ فالحركة هي الفكر والملاحظة هي النظر. ولتلازمهما أطلق اسم أحدهما على الآخر فاستعملا استعمال المترادفين. وقد يطلق الفكر على معنىً ثانٍ أخص مما ذكر، وهو حركة النفس في المعقولات مبتدئة من المطلوب مستعرضة للمعاني الحاضرة عندها طالبة مباديه المؤدية إليه إلى أن تجدها وترتبها، فترجع منها إلى المطلوب، والفكر بهذا المعنى هو الذي يترتب عليه العلوم الكسبية؛ وملاحظة المعاني الحاضرة عند الاستعراض على الوجه المذكور يسمى أيضاً نظراً؛ وقد يطلق اسم أحدهما على الآخر أيضاً بهذا الاعتبار. وكأن المصنف نظر إلى تغاير معنييهما فجمع بينهما. وقد يطلق الفكر على الحركة من المطلوب إلى المبادي من غير أن ينضم إليها الرجوع منها إليه. ولما كانت العلوم المكتسبة متوقفة على الفكر بالمعنى الثاني، والترتيبُ على الوجه الخاص لازم بيّن له، رَسَمَهُ المصنف به. والترتيب جعل الأشياء الكثيرة بحيث يطلق عليها اسم الواحد؛ ويكون لبعض تلك الأشياء نسبة إلى البعض بالتقدم والتأخر في الرتبة العقلية؛ فهو أخص من التأليف لأن التأليف لم يعتبر فيه هذه النسبة.)


فأرجو أن تتأمّل هذه المقاطع من كلام الأصفهانيّ رحمه الله تعالى، وإن أشكل عليك شيء شرحته لك بما يشفي الصدور إن شاء الله تعالى. وأمّا سؤالك عن السبب وراء اختيار اسم التخييل للمعنى المذكور بدل اسم التفكير، فلا طائل تحته، لأنه لا يشترط في الاصطلاح أن يكون بينه وبين المعنى الموضوع عليه مناسبة. ومع ذلك فلو رجعت إلى معنى التخيّل لغة لوجدت مناسبة واضحة بينه وبين المعنى الاصطلاحيّ. وهذا دأب علمائنا رحمهم الله تعالى في اختيارهم للمصطلحات فهم يختارون مصطلحات بين معناها الذي يريدونه ومعناها اللغويّ مناسبة، بحيث توحي إليه ويسهل فهمه بأدنى شرح.


وقد تكلّمت عن الإدراك في الدرس الثاني من دروس المنطق، فمع ما تقدّم نقله أظنّ أنّ هذه المسألة ستتوضّح لك بشكل جيّد.

خالد حمد علي
18-02-2005, 17:23
سَيّدي الفاضل / بلال


اولاً : فرّق الإمَامُ الأصْفهاني رحمه الله بيْن الإحساس والتخييل بأنّ الإحسَاسَ يُشترطُ له حضور المادة والنسبة الخاصة التي بينها وبين المدرك، خلافاً للتخييل فلا يُشترط ، حيث قال :

{ فالإحساسُ: إدراك الشيء مكتنفاً بالعوارض الغريبة واللواحق المادية مع حضور المادة ونسبة خاصة بينها وبين المدرك. والتخيل: إدراكه مكتنفاً بالعوارض الغريبة واللواحق المادية ولكن لا يشترط حضور المادة ونسبتها الخاصة} .
ما هي اللواحق المَادية ؟ وما معنى حضور المَادة ؟ اضربْ لي مثالاً على ذلك كي تتضح لي الصورة .

ثانياً : قال _ رحمهُ اللهُ _ {الأمور المعلومة التي يكون ترتيبها فكراً ونظراً هي المعقولات} .
اشرح لي هذه العبارة .

ثالثاً : قلتم يا سيّدي : {لأنه لا يشترط في الاصطلاح أن يكون بينه وبين المعنى الموضوع عليه مناسبة} .

إذا كان لا يُشترط أن تكون هناك مُنَاسبَة بيْن المُصطلح ومَا وضع له ، فلماذا إذن وُضع هو دوْنَ غيْرهِ ؟

أثابكم اللهُ سيّدي بلال ، واسمح لي أنْ أخذتُ مِنْ وَقتكم .

بلال النجار
19-02-2005, 12:25
بسم الله الرحمن الرحيم

أولاً: حضور المادّة أي حضور المدرَك بالحسّ متّصلاً بآلة الحسّ التي للمدرِك، فلا يمكنك أن تدرك بأيّ حاسّة من الحواس ما لم يكن المحسوس حاضراً متّصلاً مع آلة إدراكك.
فلا ترى عادة إلا ما وقع تحت بصرك، واتصلت به عينك بشعاع مرتدّ عنه يدخل إلى عينك.
ولا تسمع عادة إلا ما وجد في مجال سمعك وانتقل عنه موجة بواسطة الهواء أو الماء أو غير ذلك من الوسائط تدخل تلك الموجة أذنك.
ولا تتذوّق عادة إلا باتصال الحلمات الذوّاقة في لسانك بالمادّة ذي الطعم الحاضرة شرطاً.
ولا تدرك باللمس عادة إلا باتصال ومماسة بين بدنك حيث تنتشر الأعصاب الحسّاسة والمحسوس الحار أو البارد أو الخشن والأملس إلخ.
ولا تشمّ عادة إلا باتصال ووماسّة بين الحساسات في أنفك وبين الأجزاء المادّيّة الدقيقة المنفصة عن ذي الرائحة الواصلة إلى تلك الحساسات. فهذا معنى حضور المادة والاتصال بينها وبين آلة الحسّ. وهذان الشرطان للحسّ كما ترى شرطان عاديّان يتصوّر عقلاً وقوع الإدراك الحاصل بهما دونهما.
وأمّا اللواحق الماديّة فهي الأعراض المشخّصة للماهيّة. والتي بها الامتياز بين أفراد النوع في الوجود الخارجيّ الممكن إدراكه بالحسّ. فإنّه لا يدرك الحسّ إلا ما كان ماديّاً. ولذلك لم يمكن معرفة الله تعالى بالحسّ بل بالعقل. لأنّ الحسّ إنما هو وسيلة لإدراك الماديّات. والله تعالى ليس بمادة لما تقرر من أنه تعالى (ليس كمثله شيء)، وأنه مخالف للحوادث في ذاته وصفاته وأفعاله.
وقد وصف الأصفهانيّ هذه اللواحق بقوله (التي لا تلزم ماهيّته عن ماهيّته) وهي بالضرورة العرضيّات. فالمقصود بالغريبة الغريبة عن الماهيّة، أي غير الذاتيات.
وقد قلنا في الدروس إن كنت تذكر أنّ النوع يتميّز عن الأنواع الأخرى الواقعة في جنسه بوصف ذاتيّ هو الفصل، وأنّ أفراد النوع الواحد تمتاز عن بعضها بالمشخّصات واللواحق الماديّة وهي جميعها عرضيّات. أي تعرض للماهيّة بسبب الوجود الخارجيّ لمصاديقها.
فأنا وأنت من مصاديق نوع واحد هو الإنسان. ولنا عين الماهيّة وهي الحيوان الناطق. وما يمتاز به الواحد منا عن الآخر هو العرضيّات المشخّصة كالطول والقصر واللون... إلخ. فهذه الأمور لا تلزم الماهيّة في الذهن بل تلزم مصداقها الخارجيّ الذي يجب أن يختصّ ببعض ما يجوز عليه من الممكنات المتقابلات لكي يتشخّص ويوجد متميّزاً خارج الذهن.

ثانياً: الأمور المعلومة التي يكون ترتيبها فكراً ونظراً هي المعقولات. اشرح هذا القول.
قلنا إنّ تعقل الشيء إدراكُه مجرداً عن الغواشي الغريبة واللواحق المادية التي لا تلزم ماهيَّتَه عن ماهيته، أيّ أنّ المعقولات هي المدركات الكليّة، فإذا أدركها العقل ورتّبها على نحو معين مستعلماً بها عن أمور مجهولة أخرى كان ذلك نظراً وفكراً.
فالفكر فعل أو انفعال النفس في المدركات الكليّة وبها، وهو ما نسميه النطق الذي يتميّز به الإنسان عن باقي أنواع الحيوان. فالمعقولات هي مادّة النطق الإنسانيّ، وهي المدركات الكليّة التي إذا انتقلت النفس بينها عن قصد بصورة معيّنة سمّينا ذلك فكراً.

ثالثاً: إذا كان لا يُشترط أن تكون هناك مُنَاسبَة بيْن المُصطلح ومَا وضع له، فلماذا إذن وُضع هو دوْنَ غيْرهِ؟

أقول: الوضع يا أخي نايف يمكن تصوّر حصوله بمجرّد الإرادة، أي لعين الإرادة. ودون ملاحظة أدنى مناسبة بين المعنى اللغويّ للمصطلح والمعنى الاصطلاحيّ له.
ألا ترى أنّك في أثناء حلّك لمسألة رياضيّة يجوز أن تسمّي مقداراً معيّناً بحروف ورموز تدلّ عليه دون أدنى علاقة بين مدلول الرمز لغة إن كان له مدلولاً في اللغة ومدلوله الوضعيّ وهو المقدار المعيّن. تأمّل.
وإذا نظرت إلى الوضع باعتباره فعلاً إرادياً جاز أن يحصل الوضع لعين الإرادة دون ملاحظة أيّ أمر آخر.
ألا ترى أننا نستخدم كلمات معرّبة تعريباً عن الإنكليزيّة وليست مترجمة للدلالة على معاني معيّنة دون أن يكون للفظ المعرّب معنى في العربيّة أصلاً، فضلاً عن وجود مناسبة بين معناه اللغويّ والاصطلاحيّ. تأمّل.
واعلم أنّ كلامي ليس في الوقوع، بل في الجواز. فلا حاجة للتمثيل. فأنا شخصيّاً أستبعد جداً حصول وضع من البشر دون أدنى مناسبة، بل الملاحظ وجود مناسبة معيّنة ولو بعيدة، ولكني لا أرى مانعاً عقلياً يمنع من حصول الوضع بلا مناسبة. وأنا القائل بالجواز العقليّ، فعلى المانع منه عقلاً أن يأتي بدليل يمنع منه عقلاً.
وأما قولك فلماذا اختير هو دون ما سواه، فالجواب لعين الإرادة.
وفّقك الله تعالى

خالد حمد علي
23-02-2005, 15:16
سَيّدي بلال .

لقدْ وَضَحَ وَبَانَ كلُّ مَا شَرحْتمُوه ، أسْأل اللهَ أنْ يُجزلَ لكم المَثُوبة ، وَلكمْ كنتُ أتمَنّى أنْ لا أقيّدْ مَا لا أفْهمُهُ بأسْئلةٍ ، حتى يَطربَ الفؤادُ بمَا تنثرُهُ كنَانتُكم ، إمّا اسْتطرَاداً أوْ دفعَاً لوهمٍ مُقَدّر أو زيَادة توْضيْحٍ ، المُهمُّ أنْ تأتيَ الفوائدُ بأيّ طريْق ؛ وَلكنْ ذَلكَ مَا أرَدتم ، وَلكمْ مَا تريْدوْن .


لكن يَبْقى إشْكالان :

الأول : قولُ الإمَامُ الأصْفهَاني : {والتخيل: إدراكه مكتنفاً بالعوارض الغريبة واللواحق المادية ولكن لا يشترط حضور المادة ونسبتها الخاصة.}.

مَعَ قولكم :{ حضور المادّة أي حضور المدرَك بالحسّ متّصلاً بآلة الحسّ التي للمدرِك، فلا يمكنك أن تدرك بأيّ حاسّة من الحواس ما لم يكن المحسوس حاضراً متّصلاً مع آلة إدراكك.} .

ففي قولكم اشترَاطُ حضور المادة ، خلافاً لمَا ذكره الإمام الأصْفهاني .

فالأمَامُ الأصفهاني أجاز أنْ تُدركَ المَحْسُوسَات من غيْر حضور المادة .

{واعلم أنّ كلامي ليس في الوقوع، بل في الجواز. فلا حاجة للتمثيل. فأنا شخصيّاً أستبعد جداً حصول وضع من البشر دون أدنى مناسبة، بل الملاحظ وجود مناسبة معيّنة ولو بعيدة، ولكني لا أرى مانعاً عقلياً يمنع من حصول الوضع بلا مناسبة. } .

سيّدي المُبَارك : كونُ اللفظِ قدْ يُوْضعُ لغيْرِ مَعْنَى عقلاً ، هَذَا أمْرٌ مُسَلّم ، وليْسَ هو مَحلَّ نزاع .

لكنْ مَا أنازعْ فيْهِ هو أنْ يََضعَ العُلمَاءُ لفظَ التخييل لتعريْفِ حَرَكةِ النّفسِ في المَحْسُوْسَات ، دوْنَ أنْ تكونَ هنَاكَ علاقةٌ بيْنَهُمَا .

أحْسنَ اللهُ إليكم سَيّدي .

بلال النجار
28-02-2005, 09:18
بسم الله الرحمن الرحيم
قولك: (الأول: قولُ الإمَامُ الأصْفهَاني: (والتخيل: إدراكه مكتنفاً بالعوارض الغريبة واللواحق المادية ولكن لا يشترط حضور المادة ونسبتها الخاصة}.

مَعَ قولكم: (حضور المادّة أي حضور المدرَك بالحسّ متّصلاً بآلة الحسّ التي للمدرِك، فلا يمكنك أن تدرك بأيّ حاسّة من الحواس ما لم يكن المحسوس حاضراً متّصلاً مع آلة إدراكك} .

ففي قولكم اشترَاطُ حضور المادة ، خلافاً لمَا ذكره الإمام الأصْفهاني؟
فالأمَامُ الأصفهاني أجاز أنْ تُدركَ المَحْسُوسَات من غيْر حضور المادة)
أقول: لم يشترط الأصفهاني رحمه الله تعالى حضور المادة ونسبتها الخاصّة للتخييل، وأما كلامي فهو في إدراكها بإحدى الحواس الخمس. ولا أجد في كلام الأصفهاني أنّ الإدراك الذي هو الحس يجوز بدون حضور المادة ونسبتها الخاصة. أما إذا كنت تقصد بجواز إدراك المحسوسات من غير حضور المادة ونسبتها إدراكها بالقوّة الخيالة، فهذا صحيح. ولكن لا يسمى هذا إحساساً بل تخييلاً. لأنك إذا نظرت إلى شيء ما انطبعت صورة له في النفس، فهذا إحساس يشترط له حضور المادة والنسبة الخاصة، ولكن حين تغمض عينيك فيمكن لنفسك استرجاعه صورته من خزانة النفس، والنظر فيه والانتقال بين أجزائه، وإدراك المعاني الجزئية المتعلّقة به، ويمكنك تجريده عن العوارض، وتعقّله والنظر فيه والانتقال بين المعاني الكليّة التي جرّدتها من تلك الصورة الحسيّة، كلّ ذلك لا يشترط له أعني الوهم والتخيل والتعقل لا يشترط له حضور المادة ولا النسبة الخاصة أي حال حصوله.

قولك: (كونُ اللفظِ قدْ يُوْضعُ لغيْرِ مَعْنَى عقلاً، هَذَا أمْرٌ مُسَلّم، وليْسَ هو مَحلَّ نزاع. لكنْ مَا أنازعْ فيْهِ هو أنْ يََضعَ العُلمَاءُ لفظَ التخييل لتعريْفِ حَرَكةِ النّفسِ في المَحْسُوْسَات، دوْنَ أنْ تكونَ هنَاكَ علاقةٌ بيْنَهُمَا)
أقول: أنا لم أقل إنّ اللفظ يجوز أن يوضع لغير معنى عقلاً، كيف أقول ذلك!!!!! ما دام ثمّة وضع، فلا بدّ من موضوع وموضوع له، والموضوع هو اللفظ، والموضوع له هو معنى، فلا وضع لغير معنى، فتنبّه.
الذي قلته يا صاحبي هو أنّ الوضع لا يشترط له أن يكون بين المعنى الوضعيّ والمعنى اللغويّ للفظ مناسبة. بل يجوز في العقل كون الوضع لا لمناسبة بين المعنيين اللغويّ والوضعيّ، ولم أر مانعاً عقلياً منه. مع قولي بأنّ ذلك لا يقع عادة من البشر. والله أعلم.
ولم أقل إنّ لفظ التخييل الموضوع على حركة النفس في المحسوسات ليس بين معناه اللغويّ ومعناه الوضعيّ مناسبة، بل الذي قلته هو عكس ذلك. فارجع إلى كلامي حين أجبتك عن سؤالك:
(وأمّا سؤالك عن السبب وراء اختيار اسم التخييل للمعنى المذكور بدل اسم التفكير، فلا طائل تحته، لأنه لا يشترط في الاصطلاح أن يكون بينه وبين المعنى الموضوع عليه مناسبة. ومع ذلك فلو رجعت إلى معنى التخيّل لغة لوجدت مناسبة واضحة بينه وبين المعنى الاصطلاحيّ. وهذا دأب علمائنا رحمهم الله تعالى في اختيارهم للمصطلحات فهم يختارون مصطلحات بين معناها الذي يريدونه ومعناها اللغويّ مناسبة، بحيث توحي إليه ويسهل فهمه بأدنى شرح)
هذا ما قلته لك في الجواب. ولقط كنت أتوقع أن تسألني عن معنى الحركة، أو المعقول أو المحسوس مما جاء في تعريف التخييل والتعقل، فإذا بك تسألني لماذا سمّوا انتقال النفس في المحسوسات تخييلاً ولم يسموها تعقلاًُ. فقلت لك إن ذلك لمناسبة بين المعنى الوضعي واللغويّ، ولكن هذا السؤال لا طائل تحته، لأنه هب أنه لا علاقة بين المعنيين الوضعيّ واللغويّ، فماذا يعنيك من ذلك، إنه لا يشترط في الوضع ذلك. إن كلامنا في المعنى الاصطلاحيّ، والخلف والبحث والاعتبار بالمعاني لا بالألفاظ، وقد ذكرت لك المعنى الذي يقصدونه من التخييل والتفكير، وذلك كافٍ. وأصل كلامك طلب بيان قولهم الشارح للفكر والتخييل وهذا أمر لا يتوقف بحال من الأحوال على معرفة السبب الذي من أجله اختاروا التخييل لهذا المعنى، والفكر لذاك. وفقك الله تعالى لما يحب ويرضى يا نايف، وإني لك في شوق، والكلام معك من دواعي سروري. والسلام عليكم.