المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سؤال عن علم المنطق



محمد سلام محمد
22-01-2005, 10:12
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إخواني الأفاضل
تعلمون ولاشك أن المنطق الذي نستعمله واستعمله علماؤنا في استدلالاتهم الكلامية هو العلم الذي أسسه أرسطو . وقد تطور هذا العلم الآن واستحدثت فيه مباحث وطرائق منهجية عديدة ، ولكن النقاشات الكلامية التي نستعملها لا تزال تستخدم هذا المنهج وكأنه ثابت لم يتطور ولا يجوز له أن يتطور.
لذا أتسائل : أليس في اعتمادنا على منطق أرسطو نوع من التقديس له؟
وإذا لم يكن نوع من التقديس ألا يمكن أن يرى المخالف لنا فيه عدم إحاطة بالأنتقادات التي وجهت له ؟
ما الذي يجعل لعلم المنطق هذه المكانة المنهجية في مباحثنا ؟

سعيد فودة
22-01-2005, 12:48
قد اطلعنا على كثير مما انتقدوه على علم المنطق، ونحن نعرف تماما ما حققه علماؤنا، فهل لك أن ترينا قليلا مما انتقده الباحثون المعاصرون على المنطق، بحيث إذا كان صوابا لا نجده عند علمائنا، فنحن لا نريد أن نظل ننادي بالتجديد والتحديث ونحن لا نعرف حقيقة الأمر.
أرجو أن تفيدنا مما عندك من علم، فتبصرنا ما هناك. لعلنا نبدو في أعين الآخرين متطورين ومجددين؟؟؟!
بانتظار جوابك.
والله الموفق.

محمد سلام محمد
22-01-2005, 15:35
شكرا للشيخ سعيد على تعقيبه
بالنسبة للانتقادات المعاصرة هي أكثر من أن تلخص في مداخلة أو حتى مداخلات معدودات. لكن أحيلك هنا على النقد الذي قام به أصحاب المنطق الرياضي لمبدأ الثالث المرفوع ، أو منطق " موجهات الحكم " modalites الذي تجاوز ثنائية القيم الأرسطية وأسس لخماسيته الشهيرة. ومن المعلوم لدارسي هذا الفن ما تعرض له من انتقادات منذ بن تيمية ولا يبنز وإلى منطق وايتهايد ورسل . فضلا عن النقد الكلاسيكي الذي وجه إليه في القرن السابع عشر الميلادي من قبل فرنسيس بيكون.
وأنا شخصيا أرى في تقديس المنطق الأرسطي اختلالا فكريا بينا.
وإذا اردتم أن نفتح نقاشا في المنطق الأرسطي نقطة نقطة لكم ذلك. وسأبدأ من حيث يكون البدء.

بلال النجار
22-01-2005, 23:05
بسم الله الرحمن الرحيم

أخي محمد،

حبذا لو نتحاور في الجهات التي تنتقدها أنت على المنطق، أعني أن تأخذ المسائل التي تعيّنها أنت وتقرر اعتراضك بوضوح عليها. كما أرجو أن لا تحيلنا إلى غير كلامك أنت، أعني أنك حين تتبنّى مثلاً رأي بيكون وتعرضه فإنني سأعتبره قولك أنت وأناقشك أنت فيه، وأنت من سينصر قوله ويجيب عن إيراداتنا عليه.

وأرجو أخيراً أن تأخذ وقتك كاملاً في تأمل ما تكتبه وما ترد به علينا حين نعلق على تقوله. لعلّنا نلخّص من حوارنا بحثاً مهمّاً في هذا الموضوع.

وإني لأعلم أنّ ثمّة انتقادات على علم المنطق النظريّ بعضه له وجاهته وبعضه برأيي ساقط لا قيمة له، وأنا ممن يعتقدون أنّ المنطق ليس علماً تامّاً مكتملاً، وأنّه ما تزال فيه كثير من البحوث التي يتوجب على الفحول الخوض فيها لاستظهار مزيد من القوانين وضبط كثير من التصوّرات وربما الوصول إلى قوانين أعمّ، وهو بحاجة أيضاً إلى التفصيل في كثير من المسائل، وربما إدخال أقوال المخالفين المعتبرة ومناقشتها في كتب الفن.. إلخ، هذا الفنّ برأيي بحاجة لجهود كبيرة ومتوالية عليه تشبه الحقبة الذهبية التي عاشها هذا العلم في القرون السادس والسابع والثامن والتاسع الهجريّة.

وإني لفي شوق لحوض حوار هادئ على مستوى جيّد من التعمّق والرويّة مع باحث صبور من المخالفين نتناول فيه انتقاداته على هذا الفن ونناقش وجاهتها لعلنا نصل معاً بعيداً عن العصبيّة والمشاغبة إلى خلاصة في كلّ مسألة مسألة. وحتى لو بقينا مختلفين أودّ فعلاً أن نضع الأمور في نصابها في المسألة المبحوثة بحيث تتلخّص وتتحرّر لمن يطّلع عليها، ويفتح له بحثنا باباً عليها لكي ينظر هو فيها.

فابدأ بأيّ انتقاد لك على المنطق، خذ مسألة واحدة، وأحسن تلخيص ما تراه من خلل في قولنا فيها، ونتكلّم معك فيما قلته وهكذا يستمر الحوار حتى ننتهي من تلك المسألة ثمّ ننتقل إلى غيرها.

والله تعالى المسؤول أن يوفقنا إلى الحقّ، وهو حسبنا ونعم الوكيل

محمد سلام محمد
26-01-2005, 10:37
أهلا بالشيخ بلال تسعدني محاورتك

رغم أن موضوع مراجعة المنطق الأرسطي هو شاسع ، واشترك في نقده مفكرون عديدون ، دعنا نبدأ باللحظات الأولية المؤسسة لهذا المنطق ، أقصد المفاهيم المستعملة .
أول مفهوم هو مفهوم الحد. حيث أقدم عليه نقدين اثنين . فإذا راجعنا الكتابات العربية التي عرفت بمنطق أرسطو سنلاحظ تقديمها للحد بوصفه المسلك المنهجي لحصول التصور. لكن أرى في هذا من الناحية المنطقية فساد لأنه دور.
أوضح :

إذا كان لابد من الحد لحصول التصور .
فالسؤال الذي يطرح هو :
هل بالأمكان حصول التصور بدون حد؟
أليس في هذا دور ؟!
أرجو أن تبين رأيكم في هذه .
و نأتي الآن إلى الحد بمدلوله الماهوي .
هل بالأمكان حصوله حقا؟
هل بإمكاننا إيجاد حد من جنس وفصل متفق عليه بين جميع الفلاسفة؟
إذا انتفى الحد الماهوي أو تعذر حصوله ألا ينهار بذلك صرح المنطق وزعمه تأسيس اليقين ؟

بلال النجار
26-01-2005, 14:10
بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ محمد،

قولك: (إذا كان لابد من الحد لحصول التصور .
فالسؤال الذي يطرح هو :
هل بالأمكان حصول التصور بدون حد؟
أليس في هذا دور ؟!)

الجواب: لا، ليس هذا دوراً. فالتصور هو إدراك الذوات التي هي مدلولات المفردات. وحصول مطلق صورة لها في العقل يحصل بالحدّ، والرّسم، والحس، ويتصوّر عقلاً بأكثر من ذلك. إلا أنه لمّا كانت اللغة المعتمدة على الأوضاع اللفظيّة هي أيسر وسيلة للتفاهم بين الناس كانت المعرّفات هي الطريقة الشائعة في العلوم لتحصيل التصوّرات.
وإمكان تحصيل الأمر الواحد بأكثر من طريق ليس من الدور في شيء. ولم يقل أحد من المناطقة بحسب ما أعلم أنّ التصوّر لا يحصل إلا بالحدّ. وحتّى لو قالوا ذلك فأنت لم تبيّن لزوم الدّور على هذا القول. ولعلّك تراجع مفهوم الدور يا محمّد.

قولك: (ونأتي الآن إلى الحد بمدلوله الماهوي، هل بالأمكان حصوله حقا؟ هل بإمكاننا إيجاد حد من جنس وفصل متفق عليه بين جميع الفلاسفة؟ إذا انتفى الحد الماهوي أو تعذر حصوله ألا ينهار بذلك صرح المنطق وزعمه تأسيس اليقين؟)

أقول: الحدّ التامّ يحصّل بالسبر والبحث في المعرَّف كما شرحته في درس المعرّفات في هذا القسم، والمناطقة ينصّون على أنه يتنقّح بكثرة توارد الأنظار عليه، وأنّ غايته أن يكشف عن ماهيّة المعرَّف بحسب الطاقة البشريّة. وهذا الكلام تجده مذكوراً في كتب المنطق. وليس مطلوباً من المنطقيّ أن يصل إلى حقيقة الشيء كما هي ثابتة في نفس الأمر، فإنّ ذلك ربما لا يتيسّر للطاقة البشريّة، لأنّ حقائق الأشياء لا يعلمها علماً تامّاً إلا الله تعالى. ولكنّ إثبات النسب ونفيها يتأتّى لنا عند تصوّر الذوات بوجه ما. ولا يشترط للحكم على أمر أن ينكشف لنا انكشافاً تامّاً من كلّ وجه. ولم يقل أحد من المناطقة إنّ الحدّ التامّ المؤلّف من جنس المعرَّف القريب وفصله القريب يكشف عن حقيقة الشيء كشفاً تامّاً لا علم بعده. بل قالوا إنّ الحدّ التامّ أكمل التعريفات، ومن شأنه أن يؤدّي إلى أكمل التصوّرات.

قولك: هل بالإمكان إيجاد حدّ إلخ؟

الجواب: نعم هذا الأمر ممكن. ولا أرى ما يحيله عقلاً. والاختلاف في تحديد ماهيّة لا يضرّ، لأنه يفتح آفاقاً للنظر في المحدود، وربّما يأتي من أهل النظر من يستخرج من مجموع التعريفاً تعريفاً أتمّ وأكمل.

قولك: إذا انتفى.... إلخ؟

الجواب: لا ينهار المنطق إذا انتفى حدّ يكشف عن الماهيّة كشفاً تامّاً على هي عليه في نفس الأمر، ولا إذا تعذّر بلوغنا لذلك الحدّ، وذلك لأنّ المعرِّفات التي نتحصّل عليها بالحد وغيره من طرق التعريف تبقى صحيحة، ولو لم تكنّ الأصحّ أو الأدقّ، لكون أجزاء التعريف ألفاظ كليّة صادقة على كلّ فرد من أفراد المعرَّف صدق الكليّ على جزئيّاته، فكلّما ذكر المعرِّف استحضر العقل صورة للمعرَّف، تشكّل علماً بشرياً حادثاً كافياً للإنسان للحكم عليه. وكلّما كان التعريف أتمّ وأكمل كانت الأحكام أي العلوم التصديقيّة المنبنية عليه أكثر. وبهذا لا ينهار صرح العلم اليقينيّ المنقسم إلى التصوّر والتصديق. والمناطقة ينصّون على أنّ الحكم على الشيء فرع عن تصوّره، فإذا أردنا أن نحكم على أمر ما، واحتجنا في ذلك الحكم إلى تصوّر معيّن يتعلّق بالمحكوم عليه، ولم نحصّل ذلك الجانب من التصوّر امتنع الحكم عليه بذلك الحكم. فإذا توقّف حكم ما على تصوّرنا للمحكوم عليه بأبعد مما حصّلناه من تصوّر امتنع الحكم وهذا أحدّ أهمّ أسباب محدوديّة العلم الحادث.
والمقصود أنّ العلمّ الحادث اليقينيّ لا ينتفي حتّى لو سلّمنا باستحالة بلوغ حدود تامّة تكشف عن حقائق الأشياء كما هي في نفس الأمر، مع أنه كما قلنا لا حاجة لنا لبناء العلوم التصديقيّة اليقينيّة لمثل هذا العلم التامّ بالحقائق، بل يكفينا قدر معيّن من التصوّر للحكم. وخير دليل على ذلك تحصيل البشر للكثير من العلوم اليقينيّة في الطبيعيّات والشرعيّات وغيرها مع أنّ أكثر التعريفات الموجودة في كتب العلوم من الرّسوم المستندة على لوازم الماهيّة الخارجة عنها لا ذاتيّاتها. أي دون حاجّة حتّى إلى وجود حدود تامّة بالاصطلاح المنطقيّ. ولعلّك تتأمّل في بعض الكتب المنطقيّة المطوّلة لعلمائنا المتقدّمين يا محمّد، ففيها تفاصيل ومناقشات وأسئلة وإجابات في غاية الإفادة والإمتاع.
هذا بعض ما وقع في نفسي من كلام حين قرأت أسئلتك. وأرجو أن أكون قد أبنت عن مقصودي بما يوضّحه. والله تعالى الموفّق.

سعيد فودة
26-01-2005, 16:29
بارك الله تعالى فيك يا بلال.

وللأخ السائل ، أرجو أن تتمعن قليلا في الجواب، وتحاول النظر أكثر مما أنت عليه في كتب المنطق المؤلفة والمشهورة، ليكون ذلك مساعدا لك في الفهم والاستفهام.
وبارك الله فيك أيضا.

محمد سلام محمد
26-01-2005, 20:08
كتب الشيخ بلال

الأخ محمد،

قولك: (إذا كان لابد من الحد لحصول التصور .
فالسؤال الذي يطرح هو :
هل بالأمكان حصول التصور بدون حد؟
أليس في هذا دور ؟!)

الجواب: لا، ليس هذا دوراً. فالتصور هو إدراك الذوات التي هي مدلولات المفردات. وحصول مطلق صورة لها في العقل يحصل بالحدّ، والرّسم، والحس، ويتصوّر عقلاً بأكثر من ذلك. إلا أنه لمّا كانت اللغة المعتمدة على الأوضاع اللفظيّة هي أيسر وسيلة للتفاهم بين الناس كانت المعرّفات هي الطريقة الشائعة في العلوم لتحصيل التصوّرات.
وإمكان تحصيل الأمر الواحد بأكثر من طريق ليس من الدور في شيء. ولم يقل أحد من المناطقة بحسب ما أعلم أنّ التصوّر لا يحصل إلا بالحدّ. وحتّى لو قالوا ذلك فأنت لم تبيّن لزوم الدّور على هذا القول. ولعلّك تراجع مفهوم الدور يا محمّد.

وتعليقي على كلام الشيخ بلال هو
إن قولي إن هذا التصور الأرسطي يسقط في دور قول واضح بين ، يكفي أن أشير إليه بهذا السؤال :
إذا كان تصور شيء ما حسب المنطق الأرسطي لا ينال إلا بالحد، وإذا كان الحد لا ينال إلا بالتصور ، كيف يمكن لنا حد ما لا نتصوره؟
إذا كان الجواب هو أنه يجب تصور الشيء قبل حده .فإن الأعتراض الكاشف للدور هو أن المنطق يقول لا يمكن تصور هذا الشيء دون حد.
أليس هذا هو الدور يا شيخ بلال ؟
بلى وألف بلى.
والدليل على ذلك أن جميع الكتب المنطقية حاولت الأحتيال عليه وذلك بتبديل بعض ألفاظ الكلام للتخلص من الدور .


نأتي الآن إلى قول الشيخ بلال :

قولك: (ونأتي الآن إلى الحد بمدلوله الماهوي، هل بالأمكان حصوله حقا؟ هل بإمكاننا إيجاد حد من جنس وفصل متفق عليه بين جميع الفلاسفة؟ إذا انتفى الحد الماهوي أو تعذر حصوله ألا ينهار بذلك صرح المنطق وزعمه تأسيس اليقين؟)

أقول: الحدّ التامّ يحصّل بالسبر والبحث في المعرَّف كما شرحته في درس المعرّفات في هذا القسم، والمناطقة ينصّون على أنه يتنقّح بكثرة توارد الأنظار عليه، وأنّ غايته أن يكشف عن ماهيّة المعرَّف بحسب الطاقة البشريّة. وهذا الكلام تجده مذكوراً في كتب المنطق. وليس مطلوباً من المنطقيّ أن يصل إلى حقيقة الشيء كما هي ثابتة في نفس الأمر، فإنّ ذلك ربما لا يتيسّر للطاقة البشريّة، لأنّ حقائق الأشياء لا يعلمها علماً تامّاً إلا الله تعالى.

أعقب أولا بالأشارة إلى أنني في هذا الموضوع حددت محل البحث والنقاش في منطق أرسطو ، وأرى في كلام الشيخ بلال خلطا بين المنطق الأرسطي بأخلاط من التصورات المنطقية التي صاغها الرواقيون وعلماء الكلام والفلاسفة والأصولييون لا حقا.
ثم أقول متسائلا وردا على كلام الشيخ السابق إيراده وكشفا لتناقض قوله مع أرسطو :
هل يقول أرسطو بأنه ليس مطلوبا من المنطقي أن يصل إلى حقيقة الشيء ؟!!
وهل يقول أرسطو بما قاله الشيخ من أنه
" ليس مطلوباً من المنطقيّ أن يصل إلى حقيقة الشيء كما هي ثابتة في نفس الأمر، فإنّ ذلك ربما لا يتيسّر للطاقة البشريّة، لأنّ حقائق الأشياء لا يعلمها علماً تامّاً إلا الله تعالى."؟!!!
لا بالعكس ، إن الهدف من الحد عند أرسطو هو بلوغ الماهية ،بل حتى قبله لم يرتبط العلم عند أفلاطون إلا بالحد الماهوي. فالحد في تعريفه عند أرسطو حد تام وحد ناقص . والحد التام يبلغ الماهية يقينا ولم يعلق أرسطو بلوغ الماهية بعلم الله .

ثم إن الذي يتم تنقيحه لا حقا هو الحد الناقص الذي يتكون بالفصل القريب وبالجنس البعيد. بينما الحد التام هو الذي يتركب من الجنس والفصل القريبين. كما أن من شرطه أن يكون جامعا مانعا ،أي يجمع المحدود ويمنع غيره من الدخول فيه.


ثم يقول الشيخ :

لا ينهار المنطق إذا انتفى حدّ يكشف عن الماهيّة كشفاً تامّاً على هي عليه في نفس الأمر، ولا إذا تعذّر بلوغنا لذلك الحدّ، وذلك لأنّ المعرِّفات التي نتحصّل عليها بالحد وغيره من طرق التعريف تبقى صحيحة، ولو لم تكنّ الأصحّ أو الأدقّ، لكون أجزاء التعريف ألفاظ كليّة صادقة على كلّ فرد من أفراد المعرَّف صدق الكليّ على جزئيّاته، فكلّما ذكر المعرِّف استحضر العقل صورة للمعرَّف، تشكّل علماً بشرياً حادثاً كافياً للإنسان للحكم عليه. وكلّما كان التعريف أتمّ وأكمل كانت الأحكام أي العلوم التصديقيّة المنبنية عليه أكثر. وبهذا لا ينهار صرح العلم اليقينيّ المنقسم إلى التصوّر والتصديق. والمناطقة ينصّون على أنّ الحكم على الشيء فرع عن تصوّره، فإذا أردنا أن نحكم على أمر ما، واحتجنا في ذلك الحكم إلى تصوّر معيّن يتعلّق بالمحكوم عليه، ولم نحصّل ذلك الجانب من التصوّر امتنع الحكم عليه بذلك الحكم. فإذا توقّف حكم ما على تصوّرنا للمحكوم عليه بأبعد مما حصّلناه من تصوّر امتنع الحكم وهذا أحدّ أهمّ أسباب محدوديّة العلم الحادث.
والمقصود أنّ العلمّ الحادث اليقينيّ لا ينتفي حتّى لو سلّمنا باستحالة بلوغ حدود تامّة تكشف عن حقائق الأشياء كما هي في نفس الأمر، مع أنه كما قلنا لا حاجة لنا لبناء العلوم التصديقيّة اليقينيّة لمثل هذا العلم التامّ بالحقائق، بل يكفينا قدر معيّن من التصوّر للحكم. وخير دليل على ذلك تحصيل البشر للكثير من العلوم اليقينيّة في الطبيعيّات والشرعيّات وغيرها مع أنّ أكثر التعريفات الموجودة في كتب العلوم من الرّسوم المستندة على لوازم الماهيّة الخارجة عنها لا ذاتيّاتها. أي دون حاجّة حتّى إلى وجود حدود تامّة بالاصطلاح المنطقيّ. ولعلّك تتأمّل في بعض الكتب المنطقيّة المطوّلة لعلمائنا المتقدّمين يا محمّد، ففيها تفاصيل ومناقشات وأسئلة وإجابات في غاية الإفادة والإمتاع.
هذا بعض ما وقع في نفسي من كلام حين قرأت أسئلتك. وأرجو أن أكون قد أبنت عن مقصودي بما يوضّحه. والله تعالى الموفّق.


وأقول تعقيبا على كلام الشيخ السابق
لست مختلفا معك في كون المعرفة الأنسانية تتطور وتترقى نحو العلم ، ولم أقل أنا عكس ما سبق في أي من مداخلتي . إنما موقفنا هو من مفهوم الماهية التي يجعلها المنطق الأرسطي مطلبا له ، ويجعل الحد التام وسيلتها ،
فلنحرر محل الخلاف أو محل البحث بيني وبينك يا شيخ بلال حتى نخلص إلى بحثه مباشرة :
هل تعتقد بأن الماهية ممكن بلوغها ؟
وهل هناك إمكانية للوصول إلى الحد التام ؟

وأعود إلى مبحث التصور لأوضح موقف أرسطو ،فأقول:
إن الحد عند أرسطو هو المعرف للماهية.بل إن أرسطو يرى أن الأقتصار في الحد على الخصائص التي تميز الشيء عن غيره دون تحديد حقيقته الماهوية إخلالا بالحد.
وهذا مخالف تماما للتصور الذي عرضه الشيخ بلال.
ومثل هذا التعريف للحد وفق منطق أرسطو يسقط في مزلق استحالة الوصول إلى الماهية أو تعذرها على أفضل الأقوال ، ولذا لم يقبل به الأصوليون ، لأن ماهية الشيء مطلب صعب التحقيق بأدوات الفكر البشري. وإلى هذا أشار كانط أيضا في كتابه "نقد العقل الخالص" ، حيث خلص إلى التمييز بين النومين/ حقيقة الشيء والفينومين/ظاهر الشيء قائلا باستحالة بلوغ الفكر البشري إلى حقيقة الشيء وماهيته .
وقد كان التعريف البديل الذي قدمه علماء الأصول والفقهاء المحققين تعريفا حصيفا ،حيث رأوا أن الحد ليس معرفا للماهية بل حد الشيء هو تعريف معناه، وتمييزه.
وهذا الأختلاف في تعريف الحد يقوم على اختلاف مع أرسطو ،فهذا الأخير يجعل الهدف من الحد هو حصر الذاتيات ،بينما الهدف من الحد عند الأصوليين هو التمييز.
ومن هنا كان الحد عند الأصوليين يتم بالطرد والعكس لا بالجنس والفصل.
لذا يقول التهانوي " الحد عند الأصوليين مرادف للمعرف وهو ما يميز الشيء عن غيره وذلك الشيء يسمى محدودا ومعرفا ".
وهذا النقد لمفهوم الحد الأرسطي هو ما أكده جون ستيوارت مل حيث عد الحد مجرد شرح للفظ، وليس تحديدا للماهية.وهو الموقف ذاته الذي سيقفه برتراند راسل.
وفي هذا أرى أن المنطق الأصولي أفضل من المنطق الأرسطي الذي نجد الكثير من علماء الكلام المتأخرين منبهرين به ، بل ونجد أتباعهم من المعاصرين لنا يغفلون عن حقيقة الإسهام المنهجي الأسلامي ،بل يخلطون في فهمهم للمنطق أخلاطا من التصورات بعضها من أرسطو وأخرى من غيره وهم ينسبون هذا الخليط إلى أرسطو!
وأرى في كلام الشيخ بلال بعض ملامح هذا الخلط.

وأشكر الشيخ سعيد على متابعته

بلال النجار
27-01-2005, 14:01
بسم الله الرحمن الرحيم

قبل الجواب على كلامك يا محمد، يجب التأكيد على أمر مهمّ في غاية الأهميّة، وهو أنك في بداية كلامك حددت موضوع الكلام المنطق الذي أسسه أرسطو واستعمله علماؤنا، وهذا يفهم منه أنك تعترض على المنطق كما حققه علماؤنا ووضحوه في كتبهم كالشمسية والسلم المنورق والمطالع وغيرها. فلا تقل لي الآن إنك تتكلم عن ما قرره أرسطو فقط، فلم يدرس علماؤنا ولم يعلموا لطلابهم كتب أرسطو فقط، بل شرحوا ووضحوا وعلموا لطلابهم المنطق كما قرروه هم ولم يلتزموا بما قاله أرسطو. وكلّ ما أقوله أنا فهو موجود في كتب علمائنا المناطقة كالغزالي والرازي والكاتبي والقطب التحتاني والجرجاني والسعد التفتازاني وغيرهم، هذا هو المنطق الذي نقّحه الإسلاميون وهو المنطق الذي أدافع عنه.

أما كلامك عن الدّور فالآن عبرت عنه ولم تكن قد فعلت سابقاً، وهو كلام ابن تيمية بالمعنى. وقد أجاب عنه الشيخ سعيد في كتابه تدعيم المنطق بالتفصيل. والجواب عنه باختصار أنّ الحادّ يدرك صورة للمحدود بالتقسيم والسبر، أو بطريقة التحليل والتركيب، ثم يعبر عنها بطريقة الحد أو الرسم أو الشرح اللفظي. ولا يتوقّف السبر والتقسيم ولا التحليل والتركيب على تصوّر المحدود بصورته الحاصلة بالحدّ حتّى يلزم الدّور.

قولك: (والدليل على ذلك أن جميع الكتب المنطقية حاولت الاحتيال عليه وذلك بتبديل بعض ألفاظ الكلام للتخلص من الدور)

أقول: أما هذا فلا أعلم من أين أتيت به، فالذي أعلمه أنّ هذا السؤال الذي تسأله موجود ومذكور في كتب علمائنا، ومجاب عليه ومبحوث بتفصيل. ولا أعرف أحداً من علمائنا يتهرّب من أسئلة الدور أو يتحايل في الإجابة عنها، وحبّذا لو تأتينا بمثال ينطق بذلك من أحد هذه الكتب، فبما أنّ جميع هذه الكتب وقع فيها هذا التحايل فلن تعجز عن الإتيان بمثال يثبت ذلك.

قولك: (أعقب أولا بالأشارة إلى أنني في هذا الموضوع حددت محل البحث والنقاش في منطق أرسطو، وأرى في كلام الشيخ بلال خلطا بين المنطق الأرسطي بأخلاط من التصورات المنطقية التي صاغها الرواقيون وعلماء الكلام والفلاسفة والأصولييون لا حقا)

أقول: ضعها حلقة في أذنك من الآن فصاعداً أنّ أرسطو لا يعنيني من أمره شيء إلا بمقدار ما وافق علماؤنا المناطقة على كلامه. وأنا هنا في هذا القسم من المنتدى أشرح المنطق كما هو موجود في كتب علمائنا، وأدافع عن هذا المنطق الإسلامي المنقح. والحقّ ضالّتنا التقطناه أنى وجدناه، لأنّا أولى به من غيرنا سواء كان عند أرسطو أو غيره.

قولك: (ثم إن الذي يتم تنقيحه لاحقا هو الحد الناقص الذي يتكون بالفصل القريب وبالجنس البعيد. بينما الحد التام هو الذي يتركب من الجنس والفصل القريبين. كما أن من شرطه أن يكون جامعا مانعا، أي يجمع المحدود ويمنع غيره من الدخول فيه)

أقول: الجمع والمنع شرط في كلّ تعريف سواء كان حداً حقيقياً أو غيره. فلا فائدة في هذا الكلام. وأما أنّ الذي يتنقح من المعرِّفات هو فقط الحدّ الناقص، فليس صحيحاً بهذا الحصر، بل التامّ أيضاً يتصوّر تنقّحه، وكذلك غيره كالرّسم والتعريف اللفظيّ.


قولك: (لست مختلفا معك في كون المعرفة الأنسانية تتطور وتترقى نحو العلم، ولم أقل أنا عكس ما سبق في أي من مداخلتي.... إلخ)

أقول: بل نفيت في كلامك إمكان بلوغ المعرفة اليقينيّة بدون معرفة الماهيّة بناء على قولنا، وهذا ما أطلت أنا الكلام فيه مبيّناً فساده. وأؤكد ههنا أن ما سمّيته أنت تطوّراً للمعرفة وترقّياً في العلم ينبغي أن يعلم أنّه لا يعقل أن يعود بالنقض على ما علم سابقاً، أي أنّ المعارف المستجدّة لا تعود بالنقض على ما علم يقيناً من طريق علمي سابق مطلقاً، لأنّ العلوم لا تتنافى، بل تتكامل وتزداد تفصيلاً.

قولك: (إنما موقفنا هو من مفهوم الماهية التي يجعلها المنطق الأرسطي مطلبا له، ويجعل الحد التام وسيلتها... إلخ)

أقول: لم يقل أرسطو إن معرفة الأمور لا تتم إلا بمعرفة الماهيات، كيف يقول ذلك وقد أجاز التعريف بالرسم، وقد نص علماؤنا أيضاً على أن طريقة الرسم هي الأكثر استعمالاً مع أنها لا تفيد معرفة الماهية. فأتمنّى عليك أن لا تقول إلا ما تكون متأكدا منه. فإلقاء الكلام هكذا على عواهنه مزعج جدّاً يا محمّد.
وكون أرسطو يهدف إلى المعرفة التامة بالأشياء وهو أحد مطالبه كفيلسوف، وهذه المعرفة تحصل بالحد عنده، لا يستلزم أن لا يجيز التعريفات إلا بذكر تمام الماهيّة. فقولك هذا مغالطة إذاً. وكون الماهيّة هدفاً ومطلباً لأرسطو ولنا أيضاً أمر، وكون معرفتها شرطاً أو ركناً في بلوغ علوم يقينيّة أمر آخر، وهو ما اهتممت ببيانه في كلامي السابق. وكون ذكر الحدّ يفيد تصوّر الماهيّة أمر، وكون التصوّر لا يمكن بلوغه إلا بذكر الحدّ كما تتمسّك به أمر آخر. فأرجو أن تدقق في الفرق بين هذه الأشياء، حتّى ينحى النقاش منحىً موجّهاً محقّقاً.

قولك: (إن الحد عند أرسطو هو المعرف للماهية. بل إن أرسطو يرى أن الأقتصار في الحد على الخصائص التي تميز الشيء عن غيره دون تحديد حقيقته الماهوية إخلال بالحد، وهذا مخالف تماما للتصور الذي عرضه الشيخ بلال)

أقول: أين في هذا الكلام ما يخالف ما قلته أنا يا محمّد؟!
نعم إنّ التعريف بالخاصّة مخلّ بالحدّ، لأنّ الخاصّة ليست من الذاتيات، والحدّ يجب الاقتصار فيه على الذاتيات. فإذا اكتشفت الخاصة في الحدّ انتفى كونه حداً تاماً، ولكن ذلك لا ينفي كونه تعريفاً صحيحاً إن حقق شرائط التعريف الصحيح، حتى وإن لم يكن تاماً. فالإخلال بالحدّ التام عند الاقتصار على ذكر الخاصّة شيء، وعدم صحّة التعريف لاشتماله على الخاصّة شيء آخر، وهذا الأخير لم يقل به أحد من المناطقة الإسلاميين ولا قال به أرسطو، فمن أين جئت به؟

قولك: (ومثل هذا التعريف للحد وفق منطق أرسطو يسقط في مزلق استحالة الوصول إلى الماهية أو تعذرها على أفضل الأقوال)

أقول: يجب أن لا تلبس كلام أرسطو في الحدّ التامّ الكاشف عن الماهيّة بما هي مركّبة من جنس قريب وفصل قريب منسوبين لها، بالكلام في جواز أو امتناع معرفة الأشياء بحقائقها أي على ما هي عليه في نفس الأمر. فهذا الأمر الأول لا يستلزم الآخر لا ثبوتاً ولا انتفاءً. وهو ما لا أراك تدركه من كلامي السابق حين تكلّمت في تعذر بلوغ العلم التامّ بحقائق الأشياء.

قولك: (وقد كان التعريف البديل الذي قدمه علماء الأصول والفقهاء المحققين تعريفا حصيفا ،حيث رأوا أن الحد ليس معرفا للماهية بل حد الشيء هو تعريف معناه، وتمييزه. وهذا الاختلاف في تعريف الحد يقوم على اختلاف مع أرسطو، فهذا الأخير يجعل الهدف من الحد هو حصر الذاتيات، بينما الهدف من الحد عند الأصوليين هو التمييز. ومن هنا كان الحد عند الأصوليين يتم بالطرد والعكس لا بالجنس والفصل)

أقول: هذا الكلام ليس صحيحاً يا محمّد. وكأنك لا تلاحظ أنّ الحدّ يطلق ويراد به التامّ، ويطلق ويراد به مطلق التعريف سواء الحقيقيّ أو الرسميّ أو اللفظيّ. ألا ترى أنّ العلماء وضعوا كتباً سمّوها الحدود ترى أغلب ما فيها رسوماً. ولو التفتّ إلى ذلك لم تقع في هذا الخبط، ولم تر تنافياً بين المعرِّف عند المنطقيين والمعرِّف عند الأصوليين.
وأما الطرد والعكس فهما شرطان لكلّ تعريف مهما كان، فيحصل الجمع بالجنس القريب أو ما يقوم مقامه، ويحصل المنع بالفصل القريب أو ما يقوم مقامه. ومن التعريف ما يتضمن الذاتيات فحسب، ومنه ما يتضمّن العرضيّات فحسب، ومنه ما يشتمل عليهما. وبكلّ يحصل التميُّز المطلوب للمعرّف عن غيره.
أمّا أنّ الأصوليين لا يعتدّون بتعريف الشيء بذكر ذاتياته ولا يرون هذه طريقة صحيحة للتعريف لأيّ سبب من الأسباب كما حاولت قوله، فليس هذا الكلام صحيحاً. ثمّ ادعاؤك أن التعريف بالتمييز هو خاصية للأصوليين غلط محض، بل هو الشائع عندهم فقط، ونفيك أن يكون ذلك التعريف بالخاصة أي التمييز فقط بين المعرف وغيره طريقة معتمدة عند المناطقة غلط أيضاً، فقد نصوا في جميع كتبهم على أن التعريف بالرسم المشتمل على الخاصة والمعتمد على التمييز بين المحدود وغيره باللوازم صحيح.
قولك: (وهذا النقد لمفهوم الحد الأرسطي هو ما أكده جون ستيوارت مل حيث عد الحد مجرد شرح للفظ، وليس تحديدا للماهية. وهو الموقف ذاته الذي سيقفه برتراند راسل)

أقول: هذه مجرّد مغالطة، فالحدّ ليس شرحاً لفظياً للفظ الدال على الماهيّة، ومن العجيب أنك لا ترى فرقاً بين تعريف الشيء بذكر جنس وفصل قريبين له، وتعريفه بذكر لفظ مرادف أقرب وأظهر من اللفظ الذي استعمله المعرَّف له في الدلالة عليه. حسناً دعني أسألك سؤالاً ههنا: هل يمكنك أن تفرّق لي بين مجرّد شرح اللفظ، وبين تحديد الماهيّة؟ فربّما لم أفهم كلامك ههنا لشدّة ظهور الفرق عندي بين التعريف اللفظيّ والتعريف بالحدّ، وبناء عليه لا أرى لكلامك وجها ًولا معنى إلا أن تكون لم تحسن البيان عمّا تريده. فبيّنه لي مرّة أخرى.

قولك: (وفي هذا أرى أن المنطق الأصولي أفضل من المنطق الأرسطي الذي نجد الكثير من علماء الكلام المتأخرين منبهرين به، بل ونجد أتباعهم من المعاصرين لنا يغفلون عن حقيقة الإسهام المنهجي الأسلامي، بل يخلطون في فهمهم للمنطق أخلاطا من التصورات بعضها من أرسطو وأخرى من غيره وهم ينسبون هذا الخليط إلى أرسطو!)

أقول لك أخيراً، وبدق أنه يبدو لي أنك لم تطلع على كتب المنطق عند علمائنا. إن معظم الأصوليين المحققين من علمائنا هم منطقيون أيضاً، وهذه أوّل مرّة أسمع فيها بشيء اسمه المنطق الأصولي. هنالك ملامح واضحة للمنطق الإسلامي، والعلماء المسلمون يقررون المنطق على طريقتهم سواء وافق أو خالف الفلاسفة. وهذا المنطق الذي اعتمدوه هو نفسه الذي جعلوه من مبادي علم الأصول، وأدرجوه في كتبهم الأصوليّة. نعم ثمّة اصطلاحات خاصّة عند الأصوليين قد تختلف عمّا هي عليه عند المنطقيين، وجدت الفريقين ينبّهون عليها، كما أنّي لا أرى في هذه الاصطلاحات ما يجعل للأصوليين منطقاً خاصاً بهم يختلف عمّا هو مقرر عند الإسلاميين. وأما شيوع استخدامهم للرّسم فليس بدليل على تركهم للحدّ أو قولهم بتناقضه وفساده. والحقّ أني أسمع منك كلاماً لم أسمعه في حياتي فيما يتعلّق بالتعريف عند الأصوليين والتعريف عند المنطقيين والفرق بينهما. وأرى ذلك مجرّد توهّمات أجزم بأنّك لم تعتمد على قراءة كتب المنطقيين والأصوليين للتوصل لها واستظهارها. فعلى مهلك يا محمّد، كلّ الذي أطلبه منك أن تراجع المباحث التي تتكلّم فيها من كتب علماء المنطق المسلمين قبل أن تعرضها ههنا، هذا كلّ ما أطلبه.
والله تعالى الموفق، والحمد لله ربّ العالمين.

محمد سلام محمد
28-01-2005, 18:15
بسم الله الرحمن الرحيم


قبل الجواب على كلامك يا محمد، يجب التأكيد على أمر مهمّ في غاية الأهميّة، وهو أنك في بداية كلامك حددت موضوع الكلام المنطق الذي أسسه أرسطو واستعمله علماؤنا، وهذا يفهم منه أنك تعترض على المنطق كما حققه علماؤنا ووضحوه في كتبهم كالشمسية والسلم المنورق والمطالع وغيرها.

أرجو يا شيخ بلا أن تراجع كلامي بنصه لتفهم موقفي الذي انطلقت منه ، لقد قلت في أول مداخلتي :

تعلمون ولاشك أن المنطق الذي نستعمله واستعمله علماؤنا في استدلالاتهم الكلامية هو العلم الذي أسسه أرسطو . وقد تطور هذا العلم الآن واستحدثت فيه مباحث وطرائق منهجية عديدة ، ولكن النقاشات الكلامية التي نستعملها لا تزال تستخدم هذا المنهج وكأنه ثابت لم يتطور ولا يجوز له أن يتطور.
لذا أتسائل : أليس في اعتمادنا على منطق أرسطو نوع من التقديس له؟
وإذا لم يكن نوع من التقديس ألا يمكن أن يرى المخالف لنا فيه عدم إحاطة بالأنتقادات التي وجهت له ؟

لاحظ سؤالي الذي طرحته كمحل نقاش :
لذا أتسائل : أليس في اعتمادنا على منطق أرسطو نوع من التقديس له؟
وإذا لم يكن نوع من التقديس ألا يمكن أن يرى المخالف لنا فيه عدم إحاطة بالأنتقادات التي وجهت له ؟

وللأسف أقول لك يا شيخ بلال إن المخالف العارف بالمنطق سيرى في كتاباتنا أخطاء أفدح ،فنحن لسنا على اطلاع بالتجديدات اللاحقة التي مست المنطق بل نحن نجهل حتى التجديدا ت التي أدخلها أصحاب المتون القديمة ونحسبها من أرسطو.
وللأسف هذا هو الأنطباع الذي حصل لي من قرائتي مداخلة الشيخ بلال ، وأرجو أن أكون مخطئا.

وأنا أعلم أن علماؤنا استدركوا على كثير من المباحث المنطقية ، لكن الشائع عند اللاحقين وعند بعض المعاصرين الذين يشرحون منظومات المنطق أنهم يدرسون منطق أرسطو. وهذا اختلال كبير أحببت أن أنبه له. وقد ناقشت يوما أحد مدرسي "السلم" فوجدته لا يعلم للمنطق تاريخا ولا نقدا إنما هو مجرد متقن لكيفية تركيب الأقيسة وتصحيح الأخطاء التي يقع فيها تلامذته ، تماما كالنحوي الذي يعرف قواعد اللغة ولكنه لا يستطيع إنشاء مقالة مفيدة تسهم في حقل المعرفة بجديد. وراجعت مواقع إخواننا الشيعة فوجدتهم عندما يشرحون كتاب الشيخ المظفر يسقطون في ذات المزلق حيث ينسبون لأرسطو ما ليس له . وهذه وصمة عار في حقنا كمسلمين حيث لم نقدر أسلافنا من علماء الكلام الكبار والأصوليين الذين كانت لهم إضافات إبداعية لمنطق أرسطو إلى درجة أنهم صححوا الكثير من مزالقه الصورية وأضافوا الكثير من القواعد المنهجية والمفاهيم المحددة لمنهج التفكير ، ثم خلف من بعدهم خلف لم يدركوا قيمة هذا الأسهام المنهجي فأخذوا خطأ ينسبونه إلىأرسطو .
وأنا أربأ بالشيخ بلال أن يكون من هذه النوعية ولذا فقد حرصت من أجل تقديم هذا الموضوع على مطلب منهجي أعلنه لكم من الآن وهو أنني أريد أن نصل إلى تحرير منطقنا من سلطة أرسطو وتبيان خصوصية القواعد المنطقية التي أبدعها علماؤنا مع تجديدها ونقد بعض التصورات لصياغة منهج تفكير جديد .


وشخصيا أعتقد بضرورة إعادة النظر في فهمنا لمنطق أرسطو وللمنظومات المتداولة لنعرف ما فيها لنا وما فيها لأرسطو ولليونان.
ولست من المتزمتين الذين يريدون أن يبعدوا أرسطو لمجرد عجمته وأجنبيته إنما أنا طالب حق وحكمة حيثما وجدتها آخذها.



أما كلامك عن الدّور فالآن عبرت عنه ولم تكن قد فعلت سابقاً، وهو كلام ابن تيمية بالمعنى. وقد أجاب عنه الشيخ سعيد في كتابه تدعيم المنطق بالتفصيل. والجواب عنه باختصار أنّ الحادّ يدرك صورة للمحدود بالتقسيم والسبر، أو بطريقة التحليل والتركيب، ثم يعبر عنها بطريقة الحد أو الرسم أو الشرح اللفظي. ولا يتوقّف السبر والتقسيم ولا التحليل والتركيب على تصوّر المحدود بصورته الحاصلة بالحدّ حتّى يلزم الدّور.

الشيخ بلال أرجو أن تنصت إلي قليلا : أنا عندما أناقشك فأنني أناقش رجلا متمكنا من المنطق وطرائقه ،ولذا فقد كان سؤالي الأول كافيا كإشارة للتنبيه إلى وجود الدور ولم يكن ثمة داع لأفصل القول ، ولكنك يبدو أنك تحسبني لا أعرف شيئا في أقيسة المنطق ولا في مفاهيمه ومعانيه لذا رأيتك تنصحني بأن أراجع كتب المناطقة لأتعلم معنى الدور ، ولكن لعلي بعد أن بينت لك في سؤالي الأول وبعد أن تراجعت إلى القول بأنني كنت أتحدث عن الدور فعلا أن تتغير رؤيتك إلى ما أكتبه فيحظى منك بنظرة أخرى غير نظرة الأستعلاء!! .


قولك: (والدليل على ذلك أن جميع الكتب المنطقية حاولت الاحتيال عليه وذلك بتبديل بعض ألفاظ الكلام للتخلص من الدور)

أقول: أما هذا فلا أعلم من أين أتيت به، فالذي أعلمه أنّ هذا السؤال الذي تسأله موجود ومذكور في كتب علمائنا، ومجاب عليه ومبحوث بتفصيل. ولا أعرف أحداً من علمائنا يتهرّب من أسئلة الدور أو يتحايل في الإجابة عنها، وحبّذا لو تأتينا بمثال ينطق بذلك من أحد هذه الكتب، فبما أنّ جميع هذه الكتب وقع فيها هذا التحايل فلن تعجز عن الإتيان بمثال يثبت ذلك.
و أغض النظر عما في قولكم من تعريض أو سخرية مبطنة ، وأجيب عليك .
ماذا قلت أنا في أول مداخلتي
"والدليل على ذلك أن جميع الكتب المنطقية حاولت الاحتيال عليه وذلك بتبديل بعض ألفاظ الكلام للتخلص من الدور"
معنى كلامي – حفظك الله – أن مسألة الحد يكمن فيها دور . لأن منطلق الحد هو التصور ، والتصور لا يكون إلا بالحد. هذا الدور الكامن يشعر به كل منطقي ، وإن أنكره. ولذا فقد قلت على سبيل المثال إن الذي يثبت لنا وجود الدور في هذه اللحظة الحرجة من لحظات التعريف عند المناطقة هو أن الكتب المنطقية كانت عندما تصل إلى تحديد أمر ما تحتال على القارئ لتغطية الدور فماذا تفعل ؟ إنها تستبدل ألفاظ بأخرى حتى لا تشعرك بالدور.
لكن الشيخ بلال لايريد أن يقتنع بقولي فهو يريد مني في هذه أيضا أن أعطيه مرجعا من الكتب المنطقية لأثبات ما سبق.
حسنا يا شيخ بلال لن أذهب بعيدا بل سأعطيك دليلا من داخل هذا الموقع المفيد. بل سأعطيك دليلا من داخل مقالتك ، حيث سأثبت لك بأن المناطقة استشعروا هذا المزلق (الدور ) الموجود في هذه اللحظة الحرجة فحاولوا إخفاءه بتبديل ألفاظ ، تأمل هذه الفقرة من موضوعك يا شيخ بلال ، حيث تقول في الدرس السابع "تعليقات على مبحث التصورات:
http://www.al-razi.net/vb/showthread.php?threadid=298



ثم بيّن المصنف والعلامة الشارح رحمهما الله اعتراضين يردان على هذا التعريف بما يلي:
أحدهما: أن لفظ المأمور الواقع في الحد مرتين مشتق من الأمر، فتتوقف معرفته على معرفة الأمر، لأن معنى المشتق منه موجود في المشتق مع بعض الزيادة، فيكون تعريف الأمر به دوراً.
وقد ذكرنا أن من شروط المعرِّف أن لا يتضمن ألفاظاً يتوقف معرفةُ معناها على معرفة نفس المعرَّف. وحاصل هذا الاعتراض أن المأمور ...

والحق كما قال العلامة العضد ما معناه أنه يمكن دفع الدور عن هذا التعريف من وجهين:
الأول: أن نلاحظ أن الأمر خطاب من الشارع فيكون المقصود بالمأمور (المخاطب بذلك الكلام) فيندفع الدور من جهة تكرار لفظ المأمور المشتق من نفس المعرَّف الذي هو الأمر. أي يكون المأمور به هو ما يتضمنه الخطاب، وفعل ذلك المضمون الطلبي هو طاعته. فيصير التعريف هكذا: "الأمر هو: القول المقتضي فعل المخاطب لما يتضمنه الخطاب".


هكذا تلاحظ في هذا الكلام السابق مصداق ما قلته أنا بالضبط وآخذتني عليه ، أي أن لحظة التعريف عند المناطقة يكمن فيها مزلق الدور فيتم التحايل عليه باستبدال ألفاظ وقد لاحظتم في الكلام السابق كيف يتم استبدال الألفاظ واعتبار هذا الاستبدال هو مدخل لتجنب الدور!!!!

و لاأقول إن الأمام العضد أو غيره يسقطون في مزلق لا انفكاك منه ،بل أقول إن الدور هنا كامن وموجود ويكفي إشعارا به ما يتم فعله لكي يتم تجاوزه .

ثم قال الشيخ بلال :



قولك: (ثم إن الذي يتم تنقيحه لاحقا هو الحد الناقص الذي يتكون بالفصل القريب وبالجنس البعيد. بينما الحد التام هو الذي يتركب من الجنس والفصل القريبين. كما أن من شرطه أن يكون جامعا مانعا، أي يجمع المحدود ويمنع غيره من الدخول فيه)

أقول: الجمع والمنع شرط في كلّ تعريف سواء كان حداً حقيقياً أو غيره. فلا فائدة في هذا الكلام. وأما أنّ الذي يتنقح من المعرِّفات هو فقط الحدّ الناقص، فليس صحيحاً بهذا الحصر، بل التامّ أيضاً يتصوّر تنقّحه، وكذلك غيره كالرّسم والتعريف اللفظيّ.

نحن لا نختلف في التعريف بالرسم وفي التعريف باللفظ ، بل محل خلافنا هو قولك بالحد التام على مذهب أرسطو . ولذا سألتك ولم تجبني بعد ، هل تعتقد بإمكان بلوغ الماهية؟
ثم أرجو أن تبين لي كيف يتم تنقيح الحد التام بعد تحقق تمامه؟
إعطني مثالا واحدا لو سمحت .



قولك: (لست مختلفا معك في كون المعرفة الأنسانية تتطور وتترقى نحو العلم، ولم أقل أنا عكس ما سبق في أي من مداخلتي.... إلخ)

أقول: بل نفيت في كلامك إمكان بلوغ المعرفة اليقينيّة بدون معرفة الماهيّة بناء على قولنا، وهذا ما أطلت أنا الكلام فيه مبيّناً فساده. وأؤكد ههنا أن ما سمّيته أنت تطوّراً للمعرفة وترقّياً في العلم ينبغي أن يعلم أنّه لا يعقل أن يعود بالنقض على ما علم سابقاً، أي أنّ المعارف المستجدّة لا تعود بالنقض على ما علم يقيناً من طريق علمي سابق مطلقاً، لأنّ العلوم لا تتنافى، بل تتكامل وتزداد تفصيلاً.
أين قلت إنني أنفي إمكان بلوغ المعرفة اليقينية بدون معرفة الماهية ؟
لم أقل هذا ، بل الذي قلته وأكرر وأرجو أن لا أضطر للتكرار مرة أخرى
إن أرسطو ينفي إمكان بلوغ المعرفة اليقينية بدون معرفة الماهية . فالعلم اليقيني عند أرسطو لا يكون إلا بمعرفة الماهية. وكذلك الأمر عند أفلاطون.


قولك: (إنما موقفنا هو من مفهوم الماهية التي يجعلها المنطق الأرسطي مطلبا له، ويجعل الحد التام وسيلتها... إلخ)

أقول: لم يقل أرسطو إن معرفة الأمور لا تتم إلا بمعرفة الماهيات، كيف يقول ذلك وقد أجاز التعريف بالرسم، وقد نص علماؤنا أيضاً على أن طريقة الرسم هي الأكثر استعمالاً مع أنها لا تفيد معرفة الماهية. فأتمنّى عليك أن لا تقول إلا ما تكون متأكدا منه. فإلقاء الكلام هكذا على عواهنه مزعج جدّاً يا محمّد.
يا شيخ بلال ، أولا أنا سأغض الطرف عن بعض العبارات مثل "حط حلقة في أذنك " وأنتقل معك إلى بحث فكري فيما تفضلت به ،فأرجو أن تنصت إلي ولو قليلا :

إنني قرأت واستمعت إلى كثير من مدرسي المنطق وفق المنظومات المعروفة فوجدتهم يعلمون مبادئ وقواعد على أنها لأرسطو ،فلما أقول لهم حرروا هذه القواعد من أرسطو وأعيدوا النظر في هذا التراث الكلامي وأعيدوا تأسيسه منهجيا بشكل أصيل لا يفهمون ما أقصد ، فهم يظنون خطأ أن هذه المبادئ هي مبادئ لأرسطو ، بل تراهم يقدمون أخلاطا من التصورات والأفكار بعضها رواقي وبعضها من منطق أرسطو وبعضها الآخر من جالينوس وثالثة من إبداعات علماء اللغة أو الأصول ... ويخلطون شيئا بأشياء ويقدمونها على أنها من الحكيم أرسطوطاليس !!!! أليس هذا عيبا خطيرا في فكرنا الأسلامي – سواء السني منه أم الشيعي ينبغي معالجته ؟!!

ستسألوني أين هذه الأخلاط ؟
دعني أعطيك مثالا من كلامكم يا سيدي، وأبتدئ من قولك :

لم يقل أرسطو إن معرفة الأمور لا تتم إلا بمعرفة الماهيات، كيف يقول ذلك وقد أجاز التعريف بالرسم، وقد نص علماؤنا أيضاً على أن طريقة الرسم هي الأكثر استعمالاً مع أنها لا تفيد معرفة الماهية.
فأقول :

أكرر لك إن أرسطو يقول بأن العلم لا يوصل إليه إلا بالحد الماهوي ، وإن التعريف المنطقي الصحيح هو التعريف بالماهية . واعذرني أيها الشيخ الفاضل إذا قلت لك إذا وجدت كتبا تقول إن أرسطو أجاز التعريف بالرسم فألق بها في المزبلة لأنها ليس كتب علم بل كتب جهل ، فأرسطو لم يقل بالتعريف بالرسم بل الذي قال بهذا هو جالينوس تحديدا.
أما التعريف عند أرسطو فنوعان :
التعريف الماهوي . وهو التعريف الذي يأخذ به ويعده التعريف المنطقي الصحيح.
والتعريف بالحد اللفظي .

أما قولك :


وكون أرسطو يهدف إلى المعرفة التامة بالأشياء وهو أحد مطالبه كفيلسوف، وهذه المعرفة تحصل بالحد عنده، لا يستلزم أن لا يجيز التعريفات إلا بذكر تمام الماهيّة. فقولك هذا مغالطة إذاً. وكون الماهيّة هدفاً ومطلباً لأرسطو ولنا أيضاً أمر، وكون معرفتها شرطاً أو ركناً في بلوغ علوم يقينيّة أمر آخر، وهو ما اهتممت ببيانه في كلامي السابق. وكون ذكر الحدّ يفيد تصوّر الماهيّة أمر، وكون التصوّر لا يمكن بلوغه إلا بذكر الحدّ كما تتمسّك به أمر آخر. فأرجو أن تدقق في الفرق بين هذه الأشياء، حتّى ينحى النقاش منحىً موجّهاً محقّقاً.
كيف فهمت من كلامي أنني اقول إن التصور لا يمكن بلوغه إلا بالماهية ؟
أنا أصلا أنكر إمكان بلوغ الماهية . وهو منطلقي معك في النقاش . فأنا أعتبر الحد يتم بالأسم والرسم والتمثيل . أي أنني آخذ بنظرية أبي البركات البغدادي في نظرية الحد بالتمثيل وإن لم أتبعه في قوله بالحد الماهوي.



يجب أن لا تلبس كلام أرسطو في الحدّ التامّ الكاشف عن الماهيّة بما هي مركّبة من جنس قريب وفصل قريب منسوبين لها، بالكلام في جواز أو امتناع معرفة الأشياء بحقائقها أي على ما هي عليه في نفس الأمر. فهذا الأمر الأول لا يستلزم الآخر لا ثبوتاً ولا انتفاءً. وهو ما لا أراك تدركه من كلامي السابق حين تكلّمت في تعذر بلوغ العلم التامّ بحقائق الأشياء.
نعم يا شيخ بلال
أنا هنا لم أفهمك ،بل كلامك هذا يزيد في عدم فهمي لك !!!

سؤالي من جديد ياشيخ بلال : هل تعتقد أن أرسطو يقول بتعذر بلوغ العلم التام بحقائق الأشياء ؟
هل تعتقد أن العلم بالماهية عند ارسطو ليس علما بحقائق الأشياء؟



قولك: (وقد كان التعريف البديل الذي قدمه علماء الأصول والفقهاء المحققين تعريفا حصيفا ،حيث رأوا أن الحد ليس معرفا للماهية بل حد الشيء هو تعريف معناه، وتمييزه. وهذا الاختلاف في تعريف الحد يقوم على اختلاف مع أرسطو، فهذا الأخير يجعل الهدف من الحد هو حصر الذاتيات، بينما الهدف من الحد عند الأصوليين هو التمييز. ومن هنا كان الحد عند الأصوليين يتم بالطرد والعكس لا بالجنس والفصل)

أقول: هذا الكلام ليس صحيحاً يا محمّد. وكأنك لا تلاحظ أنّ الحدّ يطلق ويراد به التامّ، ويطلق ويراد به مطلق التعريف سواء الحقيقيّ أو الرسميّ أو اللفظيّ. ألا ترى أنّ العلماء وضعوا كتباً سمّوها الحدود ترى أغلب ما فيها رسوماً. ولو التفتّ إلى ذلك لم تقع في هذا الخبط، ولم تر تنافياً بين المعرِّف عند المنطقيين والمعرِّف عند الأصوليين.
أرجو شخ بلال أن تعيد قراءة كلامي الذي أنت ترد عليه.
هل قلت أنا بأن الحد يطلق ولا يراد به إلا الحد التام ؟!!!
أم أنني على العكس من ذلك أميز بين أنواع من الحدود؟
ثم ثانيا : هل صحيح أنني إذا قرأت كتب الحدود عند علمائنا ووجدتهم يقومون بتحديدها بالرسم لن أجد تنافيا بين علماء الأصول وبين المنطقيين ؟
أنا أستغرب حقيقة من قولك :


ألا ترى أنّ العلماء وضعوا كتباً سمّوها الحدود ترى أغلب ما فيها رسوماً. ولو التفتّ إلى ذلك لم تقع في هذا الخبط، ولم تر تنافياً بين المعرِّف عند المنطقيين والمعرِّف عند الأصوليين.
!!!!
ويمنعني الأدب أن أنسب القول إلى الجهل ،بل أقول لعلني كنت غامضا في التعبير ولعلك لم تفهم موقفي بعد.
يا سيدي الفاضل موقفي باختصار وأكرره للمرة الألف :
إن الحد عند ارسطو هو أساسا حد ماهوي .
وعنده حد باللفظ لا يحقق العلم.
أما الحد بالرسم فهو لجالينوس.
ثم إن الأصوليين يختلفون عن أرسطو في مبحث الحد اختلافا كبيرا ، وهو الأختلاف الذي يجعلني أستغرب قولك بكون لا تنافي بين المنطقيين والأصوليين . ولعلك لا تقصد المنطق الأرسطي بل تقصد أخلاط المنطق الموجود في بعض كتب علم الكلام . أما المنطق الأرسطي والأصولي فبينهما اختلاف ، وأقتصر الآن على مبحث التصورات ولعلك تنتقل معي إلى مبحث التصديقات بعد أن ننهي مبحثنا هذا وسأوضح لك هناك أيضا مقدار الاختلاف بين الأصوليين والمناطقة المشائيين.
الأختلاف هو أن منطق أرسطو يقوم أساسا على الحد الماهوي التام المكون من الحنس والفصل. وهذا النوع من الحدود انتقده علماء أصول وعلماء الكلام . ومنهم الأمام الرازي في كتابه المباحث الشرقية حيث يقول :
"الحد مركب من الجنس والفصل عرف بطلانه في المنطق" ج1 ص20 نقلا عن سامي النشار "مناهج البحث"دار المعارف، ط1978، ص49.


ثم تقول :

قولك: (وهذا النقد لمفهوم الحد الأرسطي هو ما أكده جون ستيوارت مل حيث عد الحد مجرد شرح للفظ، وليس تحديدا للماهية. وهو الموقف ذاته الذي سيقفه برتراند راسل)

أقول: هذه مجرّد مغالطة، فالحدّ ليس شرحاً لفظياً للفظ الدال على الماهيّة، ومن العجيب أنك لا ترى فرقاً بين تعريف الشيء بذكر جنس وفصل قريبين له، وتعريفه بذكر لفظ مرادف أقرب وأظهر من اللفظ الذي استعمله المعرَّف له في الدلالة عليه. حسناً دعني أسألك سؤالاً ههنا: هل يمكنك أن تفرّق لي بين مجرّد شرح اللفظ، وبين تحديد الماهيّة؟ فربّما لم أفهم كلامك ههنا لشدّة ظهور الفرق عندي بين التعريف اللفظيّ والتعريف بالحدّ، وبناء عليه لا أرى لكلامك وجها ًولا معنى إلا أن تكون لم تحسن البيان عمّا تريده. فبيّنه لي مرّة أخرى.
يبدو أننا نتكلم لغتين مختلفتين ياشيخ بلال ، فكأني في كل تعقيب لك على كلامي تثبت لي أنني لم أخاطبك بلغة العرب بل بلغة أخرى لا أدري ما هي وما لسانها؟
لقد قلت لك :
وهذا النقد لمفهوم الحد الأرسطي هو ما أكده جون ستيوارت مل حيث عد الحد مجرد شرح للفظ، وليس تحديدا للماهية. وهو الموقف ذاته الذي سيقفه برتراند راسل.
فجئت تقول إن كلامي السابق فيه مغالطة !!
يا شيخ إما أنك تريد أن تتعبني بمطلب شرح الواضحات أو أنك فعلا لم تفهم كلامي .
دعني أشرح لك من جديد :
إنني قلت بأن الحد الماهوي هو المعتمد عند أرسطو.
بالنسبة لي لا أعتقد بهذا الحد الماهوي ولا بإمكان حصوله.
ثم إنني أرى أن علماء الأصول وغيرهم قد اعتمدوا الحد اللفظي ، إضافة إلى حدود أخرى لا أنكر استعمالها في كتب الأصول.
ثم أضفت إن هذا الحد اللفظي هو ما قال به راسل ومل حيث هما أيضا انتقدا أرسطو في نزوعه نحو الحد الماهوي وقوله بإمكانية هذا الحد. فكلامي كله من أوله إلى آخره تمييز للحد اللفظي عن الحد الماهوي ونقد لأرسطو في اعتماده على الحد الماهوي وقد عززت هذا النقد بكبار المناطقة المعاصرين الذين رفضوا الحد الماهوي . وقبلوا بالحد اللفظي .

هذا هو موقفي فهل اتضح أم لا ؟
وإذا كان قد اتضح فأرجو أن تبين لي بوضوح أين هي المغالطة فيه حتى يصار إلى تبديدها؟


أقول لك أخيراً، وبدق أنه يبدو لي أنك لم تطلع على كتب المنطق عند علمائنا. إن معظم الأصوليين المحققين من علمائنا هم منطقيون أيضاً، وهذه أوّل مرّة أسمع فيها بشيء اسمه المنطق الأصولي. هنالك ملامح واضحة للمنطق الإسلامي، والعلماء المسلمون يقررون المنطق على طريقتهم سواء وافق أو خالف الفلاسفة. وهذا المنطق الذي اعتمدوه هو نفسه الذي جعلوه من مبادي علم الأصول، وأدرجوه في كتبهم الأصوليّة. نعم ثمّة اصطلاحات خاصّة عند الأصوليين قد تختلف عمّا هي عليه عند المنطقيين، وجدت الفريقين ينبّهون عليها، كما أنّي لا أرى في هذه الاصطلاحات ما يجعل للأصوليين منطقاً خاصاً بهم يختلف عمّا هو مقرر عند الإسلاميين. وأما شيوع استخدامهم للرّسم فليس بدليل على تركهم للحدّ أو قولهم بتناقضه وفساده. والحقّ أني أسمع منك كلاماً لم أسمعه في حياتي فيما يتعلّق بالتعريف عند الأصوليين والتعريف عند المنطقيين والفرق بينهما. وأرى ذلك مجرّد توهّمات أجزم بأنّك لم تعتمد على قراءة كتب المنطقيين والأصوليين لتوصل لها واستظهارها. فعلى مهلك يا محمّد، كلّ الذي أطلبه منك أن تراجع المباحث التي تتكلّم فيها من كتب علماء المنطق المسلمين قبل أن تعرضها ههنا، هذا كلّ ما أطلبه.

دعني أقتطف من قولك السابق هذه الجملة وأتركها بلا تعليق فإنك رجل نبيه وستعرف ما أريده من تركها بلا تعليق :


والحقّ أني أسمع منك كلاماً لم أسمعه في حياتي فيما يتعلّق بالتعريف عند الأصوليين والتعريف عند المنطقيين والفرق بينهما
و لا تعليق

نحو تحرير محل الخلاف :
أولا : إن المنطق المتداول في كتب ومنظوماتنا التعليمية فيه أخلاط من المنطق، ارسطي رواقي ...
ثانيا : أنا أختلف مع أرسطو في قوله بإمكان الحد الماهوي.
ثالثا: وبسبب هذا الاختلاف أقول بأن الحد هو الحد اللفظي والحد بالرسم والحد بالتمثيل.
محل الخلاف أصوغه في الاستفهام التالي :
ما موقف الشيخ بلال من المسألة الثانية لأنني أعلق عليها أمورا كثيرة ، وأقصد بها مسألة الحد بالماهي ، فهل تقول بإمكان الحد الماهوي؟

محمد سلام محمد
28-01-2005, 20:38
إضافة توضيح لما سبق تحريره لمحل الخلاف
وردا على قول الشيخ بلال :
قبل الجواب على كلامك يا محمد، يجب التأكيد على أمر مهمّ في غاية الأهميّة، وهو أنك في بداية كلامك حددت موضوع الكلام المنطق الذي أسسه أرسطو واستعمله علماؤنا، وهذا يفهم منه أنك تعترض على المنطق كما حققه علماؤنا ووضحوه في كتبهم كالشمسية والسلم المنورق والمطالع وغيرها. فلا تقل لي الآن إنك تتكلم عن ما قرره أرسطو فقط

أقول : للشيخ بلال أنني لما طرحت الموضوع أول مرة تحدثت عن الأعجاب بمنطق أرسطو عامة ، ثم لما جاء الشيخ سعيد وطلب مني تحديد النقط التي أريد مناقشتها قلت في مداخلتي الثانية :
شكرا للشيخ سعيد على تعقيبه
بالنسبة للانتقادات المعاصرة هي أكثر من أن تلخص في مداخلة أو حتى مداخلات معدودات. لكن أحيلك هنا على النقد الذي قام به أصحاب المنطق الرياضي لمبدأ الثالث المرفوع ، أو منطق " موجهات الحكم " modalites الذي تجاوز ثنائية القيم الأرسطية وأسس لخماسيته الشهيرة. ومن المعلوم لدارسي هذا الفن ما تعرض له من انتقادات منذ بن تيمية ولا يبنز وإلى منطق وايتهايد ورسل . فضلا عن النقد الكلاسيكي الذي وجه إليه في القرن السابع عشر الميلادي من قبل فرنسيس بيكون.
وأنا شخصيا أرى في تقديس المنطق الأرسطي اختلالا فكريا بينا.
وإذا اردتم أن نفتح نقاشا في المنطق الأرسطي نقطة نقطة لكم ذلك. وسأبدأ من حيث يكون البدء.

ومن هنا تلاحظ أنني صرحت بحصر نقاشي في منطق أرسطو .
كمات أعتقد أن نقاشنا هذا رغم كونه لا زال في مبتدئه فهو مفيد إذ سيبن لنا فيما يختلف هذا المنطق عما قرره علماؤنا والعيب الموجود في المنظومات المنطقية المدرسية من خلط بين أصناف من المنطق مع حسبانها كلها من أرسطو ، ثم نقد هذه المنظومات فيما تأخذه من أرسطو وقد شددت بشكل خاص على أخذها للتحديد بالماهية.

وبعد هذه الأيضاحات أرجو ان ننتقل إلى مناقشة فعلية لهذه الأفكار وتجاوز مرحلة إيضاح ما المقصود بهذا القول أو ذاك.
وجزاكم الله خيرا

سعيد فودة
28-01-2005, 21:56
الأخ محمد ،
قبل أن يستمر هذا الحوار، لا بد أن توضح ما يلي
لقد قلت في أول افتتاحيتك لهذا الموضوع ما يلي:"تعلمون ولاشك أن المنطق الذي نستعمله واستعمله علماؤنا في استدلالاتهم الكلامية هو العلم الذي أسسه أرسطو . وقد تطور هذا العلم الآن واستحدثت فيه مباحث وطرائق منهجية عديدة ، ولكن النقاشات الكلامية التي نستعملها لا تزال تستخدم هذا المنهج وكأنه ثابت لم يتطور ولا يجوز له أن يتطور.
لذا أتسائل : أليس في اعتمادنا على منطق أرسطو نوع من التقديس له؟ "اهـ
وكلامك لما كان باللغة العربية، فقد فهمنا منه المعاني التالي:
أولا: إن المنطق الذي استعمله علماؤنا هو بالضبط منطق أرسطو، أي المنطق كما كتبه أرسطو.
ثانيا: إن علماءنا يقدسون منطق أرسطو.
ثالثا: إن على هذا المنطق كما استعمله علماؤنا إشكالات عديدة لم يلتفت إليها علماؤنا.

وأقول لك: إن علماءنا كان لهم اجتهادات في علم المنطق، وإضافات لا سيما في باب القضايا والحدود والمقولات وغيرها....
وأنت عندما تنتقد المنطق الذي استعمله علماؤنا فإن الذهن ينصرف إلى المنطق المودع في كتب العلماء كالشمسية والتهذيب والمطالع وغيرها مما اعتمده العلماء. ولا ينصرف الذهن إلى كتب أرسطو نفسها، ولا إلى ما حرره أرسطو.
فاعتراضك إذن متوجه على ما قرره علماؤنا المنطاقة في علم المنطق، لا إلى ما حرره أرسطو.

فإن كنت تريد معارضة ما قرره العلماء المتكلمون في كتب المنطق، فأهلا وسهلا بك،ولكن ينبغي ان ترجع إلى كتبهم أولا وترى ما قالوه، وإذا كنت تريد أن تنقض ما ذكره أرسطو فقط، فهذا لا يهمنا كثيرا إلا من حيث مخالفتك لما حصل التوافق فيه بين ما قاله أرسطو وبين ما قرره العلماء وإن كثر. فحينذاك نخالفك ونناقشك ولكن لا من جهة دفاعنا عن أرسطو بل من جهة دفاعنا عن ما حققه العلماء من أهل السنة والحق.
فبين ما تريده أيها الأخ قبل أن يستمر النقاش هكذا ويتفرع فلا يستفاد منه أو يترتب على استمراره مفاسد من سوء الفهم لأنني أرى هذا قد بدأ بالظهور.

أرجو أن تحرر موقفك من هذه الملاحظة، وتبين رأيك في ما هو المفهوم من كلامك كما وضحناه أعلاه.

ثم : أرجو أن لا تتسرع كثيرا في ادعاء أن أرسطو لم يشر إلى الحد اللفظي، وأنه لم يشر إلى غير الحد الماهوي كما تدعي أنت.
فبين يدي عدة بحوث وكتب تقرر خلاف ما تقوله أنت.
ثم لا داعي لأن تعتمد على ما قاله الغربيون كثيرا في هذا المجال، فأنا أعرف أن أكثر ما قالوه في انتقاد المنطق الأرسطي أو المنطق الصوري ناقشه علماؤنا في كتبهم. ومنها ما ذكرته عن موضوع الحد، فأستطيع أن آتيك بنصوصهم من كتبهم يوضحون هذا الانتقاد ويبطلون بألسنتهم ورود الدور الذي تدعيه.
ولنا ملاحظات أخرى على كلامك.
وما كنت لأتدخل ههنا إلا لأهمية الموضوع بالنسبة لنا.
والله الموفق.

محمد سلام محمد
29-01-2005, 10:28
الشيخ سعيد حفظه الله وحفظ باقي الأخوة الكرام
بالنسبة لسوء الفهم ، فإن شاء الله سيتبدد ويزول ..
وقد قصدت أن لا أعقب على بعض العبارات التي تفضل بها أخونا الشيخ بلال حفظه الله حتى لا أمكن للشيطان بيننا، وذلك مثل قوله "حط حلقة في أذنك " أو "تلقي الكلام على عواهنه" ... فأنا أتمنى أن نرتقي جميعا بحوارنا إلى مستوى فكري نتباحث فيه ما نحن مختلفون فيه بحب وأخوة وود.
بالنسبة لقولكم :

فإن كنت تريد معارضة ما قرره العلماء المتكلمون في كتب المنطق، فأهلا وسهلا بك،ولكن ينبغي ان ترجع إلى كتبهم أولا وترى ما قالوه، وإذا كنت تريد أن تنقض ما ذكره أرسطو فقط، فهذا لا يهمنا كثيرا إلا من حيث مخالفتك لما حصل التوافق فيه بين ما قاله أرسطو وبين ما قرره العلماء وإن كثر. فحينذاك نخالفك ونناقشك ولكن لا
من جهة دفاعنا عن أرسطو بل من جهة دفاعنا عن ما حققه العلماء من
أهل السنة والحق.

أجيب :
إنني أقدم منطق أرسطو للمراجعة والنقد. وهذا ما أوضحته في مداخلتي الثانية حيث قلت بصريح العبارة :

وإذا اردتم أن نفتح نقاشا في المنطق الأرسطي نقطة نقطة لكم ذلك. وسأبدأ من حيث يكون البدء.

يمكن أن نعدل من صيغة النقاش ، حيث لن أختار من منطق أرسطو إلا ما يأخذ به علماؤنا الأفاضل - علماء الكلام- فيكون نقدي لأرسطو نقد لهم هم أيضا.
وأرى أنني بدأت بمسألتين يشترك فيها علماؤنا مع أرسطو.
وركزت في آخر مداخلتي - عند ما سميته تحرير محل الخلاف- على المسألة الثانية التي أراها مهمة في البناء المنطقي وهي مسألة الحد بالماهية.
فأعيد السؤال لكم وللشيخ بلال :
هل تعتقدون العقل البشري قادرا على بلوغ ماهية الأشياء ،بالحد الماهوي وفق القواعد التي حددها أرسطو؟

أما قولكم :
أرجو أن لا تتسرع كثيرا في ادعاء أن أرسطو لم يشر إلى الحد اللفظي، وأنه لم يشر إلى غير الحد الماهوي كما تدعي أنت.
فبين يدي عدة بحوث وكتب تقرر خلاف ما تقوله أنت.

فجوابي عليه هو أنني أتساءل : أين قلت أنا إن أرسطو لم يشر إلى الحد اللفظي ؟
أرجو أن تتأمل ما قلته في مداخلتي السابقة :

(أما التعريف عند أرسطو فنوعان :
التعريف الماهوي . وهو التعريف الذي يأخذ به ويعده التعريف المنطقي الصحيح.
والتعريف بالحد اللفظي . )

فها أنت ترى أنني أرى أرسطو يقول بالحد اللفظي و لا ينفيه.
لكن لعلك تقصد الحد بالرسم لا الحد اللفظي.
أجل إنني أقول إن الحد بالرسم لم يقل به أرسطو بل قال به جالينوس.
ولا يعني هذا أن جالينوس لم يبن قوله بالحد بالرسم على تأويلات لعبارات أرسطية ،بل إن هذا التأويل حاصل لنصوص من كتب أرسطو . إلا أن التحقيق العلمي يقتضي قول ما قلته وهو أن الحد بالرسم هو من جالينوس.
أما أرسطو فيعد الحدود كلها لا توصل إلى العلم واليقين ، ويحصر الطريق الذي ينتهي بسالكه إلى العلم واليقين في الحد الماهوي فقط.

بلال النجار
29-01-2005, 17:16
بسم الله الرحمن الرحيم

أخي محمد وفقه الله تعالى،

أولاً: قولك: (أن تتغير رؤيتك إلى ما أكتبه فيحظى منك بنظرة أخرى غير نظرة الاستعلاء!!..... وكذلك: (وأغض النظر عما في قولكم من تعريض أو سخرية مبطنة)

أقول: ليس في الأمر انتقاص منك، واستعلاء عليك إلخ ما وصفت. إنّما الحال أني يكلّمني الجاهل والعالم، ولا أعلم بحاله إلا بعد أن نبلغ من الكلام مبلغاً دقيقاً، لأنّ أكثر من عرفتهم في حياتي يتقنون الكلام المعمّم المعمّى، فإذا صعدت بهم عتبة ذلك نكصوا. وأكثر من يتكلمون في تجديد العلوم –مع احترامي لحضرتك- ممن لا ينبغي لهم الكلام في مسائل العلم فضلاً عن تصدّيهم لنقده والمشاركة فيه. فاطلب لي العذر إن بدت مني قسوة الغيور.


ثانياً: أؤكد أنّ ما فهمته أنا من كلامك هو ما عين فهمه الشيخ سعيد.


ثالثاً: قولك: (هل تعتقد بإمكان بلوغ الماهية؟)

أقول: نعم أعتقد إمكان بلوغها. باعتبار أنّ الماهيّة هي ما به الشيء هو هو عند العقل.


قولك: (ثم أرجو أن تبين لي كيف يتم تنقيح الحد التام بعد تحقق تمامه؟ أعطني مثالا واحدا لو سمحت)

أقول: ليس الأمر بحاجة لمثال. لأنّ مجرّد معرفتنا بأنّ الحدّ يردّ بالنقض والمعارضة كما نصّ عليه المناطقة يتصوّر معه تنقّح الحدّ. وكلامي في إمكانه بصرف النظر عن وقوعه أو عدم وقوعه لتطلب مني مثالاً. ويمكن أن يقال كلام كثير في ذلك أعني في جهات تنقّيح الحدّ لا يتّسع المقام لبحثها.


قولك: (أين قلت إنني أنفي إمكان بلوغ المعرفة اليقينية بدون معرفة الماهية؟ لم أقل هذا، بل الذي قلته وأكرر وأرجو أن لا أضطر للتكرار مرة أخرى إن أرسطو ينفي إمكان بلوغ المعرفة اليقينية بدون معرفة الماهية. فالعلم اليقيني عند أرسطو لا يكون إلا بمعرفة الماهية. وكذلك الأمر عند أفلاطون)

أقول: إنّ ما ادعيته عليك هو قولك بانتفاء بلوغ المعرفة اليقينيّة بدون معرفة الماهيّة بناء على قولنا- وهذا هو المهمّ عندي، وليس قولك بانتفاء بلوغ المعرفة اليقينيّة بدون معرفة الماهيّة برأيك.

وأما المعرفة اليقينية فإن قولك بإن أرسطو وأفلاطون ينفيان إمكان بلوغها إلا بمعرفة الماهيّة فيه مجازفة إن كنت تقصد مطلق المعرفة اليقينية. فأرجو أن تبيّن لي هل تقول بأنّ الإنسان لا يمكنه أن يبلغ اليقين مطلقاً إذا لم يعرف الماهيّة عند أرسطو وأفلاطون أو أنّ كلامك في معرفة يقينيّة خاصّة بعينها.


قولك: (وللأسف أقول لك يا شيخ بلال إن المخالف العارف بالمنطق سيرى في كتاباتنا أخطاء أفدح ،فنحن لسنا على اطلاع بالتجديدات اللاحقة التي مست المنطق بل نحن نجهل حتى التجديدات التي أدخلها أصحاب المتون القديمة ونحسبها من أرسطو. وللأسف هذا هو الأنطباع الذي حصل لي من قرائتي مداخلة الشيخ بلال، وأرجو أن أكون مخطئا)

أقول: لا أفهم مرادك من هذا الكلام. فإنك إما أنك على اطلاع بالتجديدات أو لا، فإن كنت لست على اطلاع بها فلا يمكنك أن تحكم بوقوعنا في أخطاء فادحة بملاحظة تلك التجديدات، وإن كنت على اطلاع بها فأرجو أن تبيّن لي هذه الأخطاء الفادحة. وأما الانطباع الذي حصل عندك فهل هو أنّي لا أميّز بين منطق أرسطو ومنطق علمائنا، أو أنني أقع في أخطاء فادحة لعدم اطلاعي على تلك التجديدات. أرجو أن تبيّن لي مرادك.


قولك: (وهذه وصمة عار في حقنا كمسلمين حيث لم نقدر أسلافنا من علماء الكلام الكبار والأصوليين الذين كانت لهم إضافات إبداعية لمنطق أرسطو إلى درجة أنهم صححوا الكثير من مزالقه الصورية وأضافوا الكثير من القواعد المنهجية والمفاهيم المحددة لمنهج التفكير ، ثم خلف من بعدهم خلف لم يدركوا قيمة هذا الأسهام المنهجي فأخذوا خطأ ينسبونه إلى أرسطو)

أقول: لا يغفل أقلّ الطلاب المبتدئين شأناً من الذي درّستهم متناً في المنطق عن أنّ ما يدرسونه في ذلك المتن هو المنطق المحمود المنقّح. ويعلم طلاب المنطق أنّ نسبته إلى أرسطو كواضع معناها أنّه أوّل من بلغنا أنّه ألّف فيه. بصرف النظر عن معرفتهم بمخالفات علمائنا وموفقاتهم له. فإن كنت أتيت لتبين إسهامات علمائنا فحسب، فهذا أمر آخر، وكان بوسعك أن تكتب مقالاً تتكلّم فيه عن هذه الإسهامات، ولكنّ الذي فهمته من كلامك وسبب كتابتك غير ما تقوله الآن.


قولك: (هكذا تلاحظ في هذا الكلام السابق مصداق ما قلته أنا بالضبط وآخذتني عليه، أي أن لحظة التعريف عند المناطقة يكمن فيها مزلق الدور فيتم التحايل عليه باستبدال ألفاظ وقد لاحظتم في الكلام السابق كيف يتم استبدال الألفاظ واعتبار هذا الاستبدال هو مدخل لتجنب الدور!!!!)
أقول: المثال الذي أتيت به من كلامي في الدرس السابع ليس من باب التحايل باستبدال الألفاظ للخروج من الدور. وإنّما الكلام في المعنى.
فقولي: (والحق كما قال العلامة العضد ما معناه أنه يمكن دفع الدور عن هذا التعريف من وجهين:
الأول: أن نلاحظ أن الأمر خطاب من الشارع فيكون المقصود بالمأمور (المخاطب بذلك الكلام) فيندفع الدور من جهة تكرار لفظ المأمور المشتق من نفس المعرَّف الذي هو الأمر. أي يكون المأمور به هو ما يتضمنه الخطاب، وفعل ذلك المضمون الطلبي هو طاعته. فيصير التعريف هكذا: "الأمر هو: القول المقتضي فعل المخاطب لما يتضمنه الخطاب")
واضح في أنّ المعترض ظنّ أنّه يجب على المعرَّف له أن يتصوّر المأمور، فقال كيف يتصوّر المأمور وهو لم يتصوّر الأمر بعد، ولا يجوز أن يتصوّر المأمور بدون تصوّر الأمر. فأجاب العضد إنّ المقصود بالمأمور الوارد في التعريف هو المخاطب بالكلام الذي هو الأمر وهذا لا يتوقّف تصوّره على تصوّر الأمر فلا دور. فهذا ليس من باب استبدال الألفاظ للتخلّص من الدور كما تقول، بل من باب ملاحظة المعنى المقصود من لفظ المأمور أنّ معناه المقصود لا يتوقف حصوله في العقل على حصول معنى الأمر المطلوب تحصيله بنفس التعريف.
ولو كان الحال كما تدّعي من التحايل اللفظيّ لم يرتفع الدّور. ولكننا حين نلاحظ المعنى الذي نبّه عليه العضد يرتفع الدّور فعلاً لأنّ العقل يفهم المأمور بمعنى المخاطب دون الحاجة إلى فهم الأمر. فكيف تقول إنّ هذا من باب التحايل اللفظيّ فحسب؟ هل ترى ما فعله العضد كمن يبدل لفظ الإنسان بلفظ البشر؟
إنّ من شرط التعريف أن لا يتضمّن دوراً إضافة إلى الشروط الأخرى للمعرِّفات. فمن البديهيّ أن العلماء عندما يعرضون حداً من الحدود ينظرون فيه هل حقق شروط التعريف أو لا. وقد يقدحون في طرده وعكسه إلخ، وقد يتكلّمون في أنّه يلزم عليه الدّور.
فكلامنا أنا وأنت إن كان في أنّ بعض التعريفات يلزم عليها الدور فلا إشكال، لأنّ هذه التعريفات تكون غير صحيحة من هذه الجهة. وأمّا إذا كان الكلام بأنّ كلّ حدّ فإنه يلزم عليه الدّور فهذا هو ما أخالفك فيه. وهذا ما فهمته من كلامك حين قلت:
(إن قولي إن هذا التصور الأرسطي يسقط في دور قول واضح بين، يكفي أن أشير إليه بهذا السؤال: إذا كان تصور شيء ما حسب المنطق الأرسطي لا ينال إلا بالحد، وإذا كان الحد لا ينال إلا بالتصور، كيف يمكن لنا حد ما لا نتصوره؟
إذا كان الجواب هو أنه يجب تصور الشيء قبل حده. فإن الأعتراض الكاشف للدور هو أن المنطق يقول لا يمكن تصور هذا الشيء دون حد. أليس هذا هو الدور يا شيخ بلال ؟
بلى وألف بلى. والدليل على ذلك أن جميع الكتب المنطقية حاولت الأحتيال عليه وذلك بتبديل بعض ألفاظ الكلام للتخلص من الدور)
وإنك وبلا شكّ تريد الأمر الثاني وهو اشتمال كلّ حدّ على دور، لأنّك لو أردت مجرّد بحث عن التعريفات هل فيها الدور أو لا، وعدم صحة ما اشتمل على دور، لم يكن بيننا من خلاف.

قولك: (إنني قرأت واستمعت إلى كثير من مدرسي المنطق وفق المنظومات المعروفة فوجدتهم يعلمون مبادئ وقواعد على أنها لأرسطو ،فلما أقول لهم حرروا هذه القواعد من أرسطو وأعيدوا النظر في هذا التراث الكلامي وأعيدوا تأسيسه منهجيا بشكل أصيل لا يفهمون ما أقصد ، فهم يظنون خطأ أن هذه المبادئ هي مبادئ لأرسطو ، بل تراهم يقدمون أخلاطا من التصورات والأفكار بعضها رواقي وبعضها من منطق أرسطو وبعضها الآخر من جالينوس وثالثة من إبداعات علماء اللغة أو الأصول ... ويخلطون شيئا بأشياء ويقدمونها على أنها من الحكيم أرسطوطاليس !!!! أليس هذا عيبا خطيرا في فكرنا الأسلامي – سواء السني منه أم الشيعي ينبغي معالجته ؟!! )

أقول: لست بصدد البحث في هذا الأمر، ولا تمحيص أقوال علمائنا وفصلها عن قول أرسطو وغيره، إنما الذي يعنيني هو البحث والتمحيص فيما تقرر أنّه من علم المنطق ووافق عليه علماؤنا المسلمون. كما قلت لك سابقاً.


قولك: (أكرر لك إن أرسطو يقول بأن العلم لا يوصل إليه إلا بالحد الماهوي، وإن التعريف المنطقي الصحيح هو التعريف بالماهية. واعذرني أيها الشيخ الفاضل إذا قلت لك إذا وجدت كتبا تقول إن أرسطو أجاز التعريف بالرسم فألق بها في المزبلة لأنها ليس كتب علم بل كتب جهل، فأرسطو لم يقل بالتعريف بالرسم بل الذي قال بهذا هو جالينوس تحديدا. أما التعريف عند أرسطو فنوعان:
التعريف الماهوي . وهو التعريف الذي يأخذ به ويعده التعريف المنطقي الصحيح. والتعريف بالحد اللفظي )

أقول: بحسب ما عرفته أنا فإنّ أرسطو قال بحدّين ماهويّ ولفظيّ كما ذكرت أنت. وأنّه أدخل الحدّ الرسميّ في الحدّ الماهويّ. ولكني أتساءل عن مصدر معرفتك وثقتك التامّة بأنّ أرسطو منع التعريف الرّسميّ حتى قلت الكتاب الذي يقول ذلك يجب رميه في المزبلة. ألا ترى من الغرابة أن يقول أحد بالتعريف اللفظيّ ويبطل التعريف الرّسميّ؟ يجدر بك أن تنقل لي نقولاً توثّق هذا الأمر الذي تحكيه عن مذهب أرسطو، ثمّ يكون لنا كلام.

والأمر برمّته لا يعنيني من قريب ولا من بعيد صدّقني. ولم أرد أن أخوض في تحقيق مقالات أرسطو وأفلاطون وغيرهما. ولم يكن ما ذكرته أنا عن أرسطو مقصوداً بالذات بل جاء عرضاً، فأنا أناقشك في اعتراضاتك على المنطق الذي دوّنه علماؤنا المسلمون، فإن كان من اعتراضات لك عليه فهاتها. وها قد رأيتك آل بك الأمر إلى البحث في الأمور المشتركة بين أرسطو والمسلمين في آخر جواب لك للشيخ سعيد، ولو ثبت فعلاً أنّ هذه المقالة من تفرّدات أرسطو –مع أني لا أرى ذلك- فأيّ وجه لذكرها والكلام في القدر المشترك بين الإسلاميين وأرسطو. فغاية الأمر أنه قال قولة لم نوافق عليها.


قولك: (هل تعتقد أن أرسطو يقول بتعذر بلوغ العلم التام بحقائق الأشياء؟
هل تعتقد أن العلم بالماهية عند ارسطو ليس علما بحقائق الأشياء؟(

أقول: أرسطو يقول بأنّ للأشياء حقائق يمكن بلوغها. وأما أنا فقد تكلّمت في أمر آخر وراء الماهية المنطقيّة –التي هي تمام ما يحمل على الشيء حمل مواطأة من غير أن يكون تابعاً لمحمول آخر- إنّ الذي تكلّمت عنه هو حقيقة الشيء بمعنى ما به الشيء هو هو في نفس الأمر، فهذا ما قلت عنه أنا أنه يتعذّر بلوغ الإنسان له بوسائل معرفته العاديّة. وأما سؤالك الثاني، فلا أعتقد أنّ أرسطو يعني بمعرفة ماهيّة الأشياء هذا العلم الذي أتكلّم أنا عنه. ومرّة أخرى فأنا لا أريد أن أحقق مذهب أرسطو، ولست بصدد ذلك، وأرجو أن يبقى كلامنا في المنطق المدوّن في كتب الإسلاميين.


قولك: (هل صحيح أنني إذا قرأت كتب الحدود عند علمائنا ووجدتهم يقومون بتحديدها بالرسم لن أجد تنافيا بين علماء الأصول وبين المنطقيين؟... إلخ)

أقول: لا تستغرب، وما الذي يدعوك للاستغراب، هل ترى في تعريفات الأصوليين ما يتنافى ما قواعد التعريف العامّة التي نصّ عليها المنطقيّون؟ بيّن لي وجه الاختلاف بين الأصول والمنطق في التعريف عامّة والحدّ خاصّة. وإنما ذكرت لك إنّ الحد يطلق ويراد به ما هو أعمّ من التامّ لأنّي قلت في نفسي ربّما أنك وقفت على بعض التعريفات عند الأصوليين فوجدّتهم يسمّونها حدّاً ولم تر أنّ مفهوم الحدّ التامّ المنطقيّ ينطبق عليها. وعلى أيّ حال، الذي أقوله أنّ طريقة الأصوليّ في التعريف وطريقة غيره من علماء الفنون لا تخرج عن الطريقة المنطقيّة المذكورة في كتب علمائنا المناطقة. غاية الأمر أنّ كلّ صاحب فنّ يقتصر من المنطق على ما يناسب فنّه ويكفيه. وما ذكرته أنت من جهات كالطرد والعكس والتمييز.... بيّنت لك أنّها ليست جهات افتراق بين المنطق والأصول. فهلا بيّنت لي جهات أخرى لعلها تكون غائبة عني؟


قولك: (ولعلك لا تقصد المنطق الأرسطي بل تقصد أخلاط المنطق الموجود في بعض كتب علم الكلام. أما المنطق الأرسطي والأصولي فبينهما اختلاف، وأقتصر الآن على مبحث التصورات ولعلك تنتقل معي إلى مبحث التصديقات بعد أن ننهي مبحثنا هذا وسأوضح لك هناك أيضا مقدار الاختلاف بين الأصوليين والمناطقة المشائيين. الأختلاف هو أن منطق أرسطو يقوم أساسا على الحد الماهوي التام المكون من الحنس والفصل. وهذا النوع من الحدود انتقده علماء أصول وعلماء الكلام . ومنهم الأمام الرازي في كتابه المباحث الشرقية حيث يقول: "الحد مركب من الجنس والفصل عرف بطلانه في المنطق" ج1 ص20 نقلا عن سامي النشار "مناهج البحث"دار المعارف، ط1978، ص49)

أقول: المنطق المعتبر عند علمائنا هو المنطق المحررّ سواء وجد في كتب منفردة أو في ضمن كتب الأصول أو الكلام، سواء سميّته أنت أخلاطاً أو أيّ شيء تريد. لا يهمّني ذلك. ثمّ حسناً لنقتصر على مباحث التصوّرات كما تريد. وأما كلام الإمام الرازي فقد وقفت عليه في الجزء الأوّل من المباحث ص101 بتحقيق محمد المعتصم البغدادي ط1، وهو إذا انتزع من سياقه وأخذ على إطلاقه بمعنى أنّ (الحد المركب من الجنس والفصل باطل في المنطق) فلا أجد له وجهاً ولا معنى، ولو تصوّر بطلانه في أيّ علم فلا يمكن أن يتصوّر بطلانه في المنطق لأنّ كون الحدّ مركباً من الجنس والفص مسألة منطقيّة. بل إنّ هذا الكلام يخالف ما بحثه الرازي نفسه بحثاً طويلاً في عشرين فصلاً من الباب الثاني من الكتاب، وهو باب الماهيّة، وقد نصّ فيه على تركّبها من الجنس والفصل، وللرازي كتب أخرى منطقيّة، وعلى شدّة اعتناء العلماء بمخالفات الرازي في كلّ العلوم فلم أعرف أنّه يخالف في أنّ الحدّ مركّب من جنس وفصل. وأرجو منك أن ترجع إلى المباحث المشرقيّة وتستوثق من ذلك.

واعلم أنّ كلام الرازي كان في أنّه ليس للوجود جنس وفصل يعرف منهما حدّ تامّ للمنطق، فلا يمكن تعريفه بالحدّ، وأظنّ أن حق العبارة أن تكون هكذا: (وأما قوله الوجود مركّب من جنس وفصل فقد علم بطلانه في المنطق) لأنّه أتبع هذه الجملة بقوله (وأما قوله الوجود غير مركّب منهما فلم يبرهن عليه بل اقتصر على الدّعوى). وبهذا تستقيم العبارة. لأنّ الوجود بما هو مفهوم بسيط إن قلنا إنّ له حدّاً تاماً كان مركّباً من الجنس والفصل فيكون مركّباً، وهذا الحدّ غير جائز لأنّه يعود بالنقض على مفهوم الوجود نفسه كما يجده كل واحد منا في نفسه. فإما أن يكون في الطباعة خطأ، أو أنّ المقصود من الحدّ أيّ حدّ الوجود خاصّة، وعليه فلا يكون لاستشهادك بهذا الكلام للإمام قيمة. ولم أقف على كلام النشّار، ولكني أجزم أنّه لو ذكره في معرض الاستدلال على إبطال الرازيّ لتركّب الحدّ من الجنس والفصل فهو مخطئ.


قولك: (فأرجو أن تبين لي بوضوح أين هي المغالطة فيه حتى يصار إلى تبديدها؟)

أقول: إنني فهمت من قولك: )وهذا النقد لمفهوم الحد الأرسطي هو ما أكده جون ستيوارت مل حيث عد الحد مجرد شرح للفظ، وليس تحديدا للماهية. وهو الموقف ذاته الذي سيقفه برتراند راسل) أنّك اعترضت على الحدّ الأرسطي بأنه مجرّد شرح لفظيّ وليس تحديداً للماهيّة. فقلت لك إنّ هذا الكلام ليس صحيحاً. وعزز هذا الفهم عندي كلامك السابق عن الحدود ووقوع الحادّين في مزالق الدور، وتمحلاتهم اللفظيّة للخلوص منه، فقلت إن كان محمد لا يرى فرقاً بين التعريف اللفظيّ والحدّ بالجنس والفصل ويعتبر الحد تمحلاً لفظياً فهي مغالطة. وقد توضّح لي الآن ما تريده.


قولك: (دعني أقتطف من قولك السابق هذه الجملة وأتركها بلا تعليق فإنك رجل نبيه وستعرف ما أريده من تركها بلا تعليق.. إلخ)

أقول: لا تتكل على نباهتي، وصرّح بتعليقك مهما يكن، وصدّقني حين أقول لك إنّ أيّ نقد يوجّه إليّ لا يضايقني ما دام نقداً بحقّ.

قولك: (أولا : إن المنطق المتداول في كتب ومنظوماتنا التعليمية فيه أخلاط من المنطق، ارسطي رواقي ...
ثانيا : أنا أختلف مع أرسطو في قوله بإمكان الحد الماهوي.
ثالثا: وبسبب هذا الاختلاف أقول بأن الحد هو الحد اللفظي والحد بالرسم والحد بالتمثيل.
محل الخلاف أصوغه في الاستفهام التالي: ما موقف الشيخ بلال من المسألة الثانية لأنني أعلق عليها أمورا كثيرة ، وأقصد بها مسألة الحد بالماهي، فهل تقول بإمكان الحد الماهوي؟)

أقول: حسناً فعلت بتحرير الكلام. وأما تعليقي على ما قلته فهو ما يلي:

أولاً: هذا الكلام لا يعنيني بشيء أنا شخصيّاً، أو على الأقلّ لست باحثاً متخصّصاً فيه، وما هو موجود في كتبنا علمائنا الإسلاميين أياً كانت مصادره هو ما أدرسه وأدرّسه وأدافع عنه.

ثانياً: أنا لا أختلف مع أرسطو في إمكان بلوغ الحدّ الماهويّ.

ثالثاً: نعم أنا أقول بإمكان تحديد الماهيّات بالجنس والفصل ولا أجد مانعاً عقليّاً من ذلك.

فانثر ما لديك في إبطال هذا الكلام. والله تعالى الموفّق.

سعيد فودة
30-01-2005, 07:03
الأخ محمد سلام،
دعنا أولا لا نسمي المنطق بالشكل الذي حرره علماؤنا باسم المنطق الأرسطي، لأننا لا نسميه كذلك، وأنت توافقنا على أن العلماء أدخلوا فيه أمورا كثيرا ليست أرسطية، ونحن نقول إنهم أضافوا إليه أمورا لم يقل بها أرسطو.
وهذا الطلب لكي لا يتوهم أحد أننا ندافع عن المنطق الأرسطي المحض كما كتبه وقرره أرسطو.
فأرجو منك بعد قبولك بما اقترحته عليك سابقا، أن لا تستمر في القول بأنك تناقش في المنطق الأرسطي بهذا الإطلاق.
هذا أولا.

سؤالي لك : هل تقول بالصفات الداخلة في الماهية (الذاتية) والصفات الخارجة عنها لازمة وعارضة.أرجو سماع إجابتك قريبا.
لنكمل معك بعد ذلك هذا النقاش الذي أرجو أن يكون مفيدا. وذلك على هامش نقاشك مع بلال.

محمد سلام محمد
30-01-2005, 22:37
الشيخ الفاضل سعيد حفظه الله
قبل أن أجيبكم على سؤال الماهية أحب أن أقول لكم وللشيخ الفاضل بلال حفظه الله تعليقا على مسار حورانا هذا ، أنني أستشعر وجود فاصل ثقافي بيننا ، فأنا قرأت المنطق ضمن تخصص الفلسفة ، ولم نسلك فيه مسلك المتون المعروفة ، بل درسناه من خلال أرسطو ثم بحثنا في التطورات اللاحقة التي ابتدأت بنقده منذ إشارات ديكارت وسبينوزا ، ثم خاصة مع لايبنز ، ثم لا حقا مع الفكر الفلسفي المعاصر الذي شهد ثورة جذرية على منطق أرسطو بدءا من نهاية القرن التاسع عشر.. وإلى القرن العشرين حيث شاع المنطق الرياضي والمنطق الطبيعي.
عندما طرحت هذا الموضوع للنقاش ، حصرته منذ مداخلتي الأولى، ثم خاصة في المداخلة الثانية، في مناقشة منطق أرسطو..
لكن يبدو أنكما لا يعنيكما كثيرا أمر أرسطو .. وهذا حقكما فيما تتبنياه من تصورات ومعارف وقواعد منهجية.. رغم أن حوارنا في النظريات المنطقية المعاصرة أراه ذا فائدة كبرى في إعادة بناء فهمنا للمنطق.ونظم قواعد جديدة في الفهم .
لكن بناء على مطلبكما سأحاول في مداخلتي المقبلة حصر النقاش في منطق أرسطو كما تمن نقده في تراثنا من قبل مفكرين مسلمين ، ومن خلال هذا النقد سنقترب من فهم المؤاخذات التي تمت على هذا المنطق بالشكل الذي تبناه بن سينا - مثلا - أو بالشكل الذي تبناه علماء الكلام مع إيضاح نقط التجديد التي أضافوها والتي سأحرص على إبرازها بكل موضوعية.
المراجع التي سأستحضرها هي :
الشفاء والنجاة لأبن سينا.
ومتن السلم.
وصون المنطق للسيوطي
والجزء الخاص بالمنطق من موسوعة الفتاوى لأبن تيمية ، وإن كنت لاحظت أن كتاب السيوطي هو مجرد تلخيص لكتاب ابن تيمية.
بهذا لن أثقل عليكم لا بسبينوزا و لا براسل ولا وايتهايد..
------

ثم أعرف أنكم تريدون أن أجيبكم على سؤال الماهية حتى تأخذ على قولا تمسكه علي من بعد ، وتلزمني بلوازمه ،وهي طريقة في الجدل لا عجب أن تكون بارعا في اقتناص اللحظة المناسبة لأعمالها يا شيخ سعيد :) ، لكن لا بأس فلست هنا أحاور من أجل الأنتصار ،بل أحاور طلبا للحق ، ولو وجدته عند مخالفي سارعت إلى أخذه و الضرب برأيي عرض الحائط.
قلتم حفظكم الله:

هل تقول بالصفات الداخلة في الماهية (الذاتية) والصفات الخارجة عنها لازمة وعارضة.

أجل أقول بهذا .
ولكني أقول بأكثر منه .. وإذا رأيتم أن نفتح موضوع مستقلا نسميه مبحث الماهية أنا على استعداد.
أو يمكن أن نبحثه داخل موضوعنا هذا ، وأنتم تعلمون أن مبحث التصور في المنطق يقوم في أهم ركن منه على مطلب الماهية.
سأضطر للتغيب في اليومين المقبلين ، ولكن أعدكم بصياغة مداخلتي الأولى بعد ذلك ، مع بعض التعليقات على تعقيب الشيخ الفاضل بلال.

وفقكم الله لخدمة الأسلام وجعلنا جميعا من جنود دعوته .

سعيد فودة
31-01-2005, 10:47
الأخ محمد ،

يبدو لي أن معرفتنا بك ستتوطد أكثر.
تعجبني ثقتك بنفسك....
أولا: هل تظن أننا لا نعرف برتراند رسل، وسبينوزا، وليبنتز، ووايتهد وسبينوزا وغيرهم، أو ربما تظن أننا لم نطلع على المنطق الوضعي والرياضي والرمزي، أو ربما يخطر على بالك أننا لم نقرأ الكتب الأصلية لإيمانويل كانت كنقد العقل المجرد، وأصول الرياضيات لبرتراند رسل، أو أننا لم نطلع على كتب مهمة في علم المنطق كنظرية القياس المنطقية من وجهة المنطق الصوري الحديث، ليان لوكافيتش.... ,وغيرها.
إنك إن تظن ذلك تكن ظالما لنفسك.....
بل إنني أؤلف كتابا خاصا أورد فيه الكثير من النظريات المنطقية التي نسبها المعاصرون لبعض الفلاسفة والمنطاقة الغربيين، وهي في الأصل معروفة ومنصوص عليها بلا تأويل ولا شرح كبير عند علمائنا، والمعاصرون من الغربيين وإن سموا هذه الأمور بالنظريات، فإن علماءنا كانوا يسمونها بالتنبيهات والمسائل والملاحظات.... ويوردونها في أثناء الحواشي وكتبهم المنطقية بكل تواضع....
أيها العزيز تأكد أننا عارفون بالكثير الكثير من النظريات المنطقية المختلفة وبالانتقادات التي وجهها الفلاسفة الغربيون على المنطق والنظريات التي اخترعها بعضهم.
إنما طلبت منك عدم الاغترار بالكثير مما قاله الغربيون لأننا نعرف تماما ما قالوه، وطلبت منك الاهتمام أكثر بالانتقادات التي وجهها علماؤنا والإضافات حرصا على هذا التراث من أن يستصغره أبناؤه....والنبهاء منهم، ندعو أن تكون منهم.
فلا تظن أنك تثقل علينا إن خضت في هذا الاتجاه.... أما الفلسفة والمدارس الفلسفية القديمة والحديثة، فلنا فيها جولات وصولات يعرف ذلك من يعرفنا....
وعلى كل حال فسنرى ما يؤول إليه النقاش معك....

ثانيا: نعم أنا أريد أن أعرف ما تعتقده عن طريق السؤال والجواب، وليس في ذلك شيء من الغلط.

ثالثا: أنت قلت إنك تقول بالصفات العارضة والذاتية.
حسنا هذا جميل جدا.

السؤال الثاني: أنت تنكر إمكان معرفة الحد التام لأمر من الأمور، فهل تجوِّز معرفة الحد الناقص لأمر من الأمور. أي هل يوجد أي أمر من الأمور يمكننا أن نعرف حده الناقص؟أنتظر الجواب منك بوضوح وقريبا جدا. لنكمل حوارنا.

والله الموفق

سعيد فودة
01-02-2005, 13:15
أخ محمد
لا أظن أن جواب هذا السؤال يحتاج منك لكل هذا الوقت.
فأجب بسرعة لأكمل معك

محمد سلام محمد
01-02-2005, 15:50
كتب الشيخ سعيد حفظه الله

(لا أظن أن جواب هذا السؤال يحتاج منك لكل هذا الوقت.
فأجب بسرعة لأكمل معك)

بالتأكيد إن السؤال لا يحتاج كثيرا من الوقت .. ولكنني قلت لكم في آخر مداخلتي


سأضطر للتغيب في اليومين المقبلين ، ولكن أعدكم بصياغة مداخلتي الأولى بعد ذلك ، مع بعض التعليقات على تعقيب الشيخ الفاضل بلال.

كما أنني لمحت إلى أن مقصودك يا شيخ سعيد بهذه الأسئلة الجزئية في مداخلتي السابقة حيث قلت :

ثم أعرف أنكم تريدون أن أجيبكم على سؤال الماهية حتى تأخذ على قولا تمسكه علي من بعد ، وتلزمني بلوازمه ،وهي طريقة في الجدل لا عجب أن تكون بارعا في اقتناص اللحظة المناسبة لأعمالها يا شيخ سعيد ، لكن لا بأس فلست هنا أحاور من أجل الأنتصار ،بل أحاور طلبا للحق ، ولو وجدته عند مخالفي سارعت إلى أخذه و الضرب برأيي عرض الحائط.


لذا أتمنى أن تطرح ما عندك كله في موضوع الماهية والحد الماهوي لنتباحث فيه . أما طرح أسئلة جزئية كهذه لاستجماع معطيات تلزمني بها لما يتطور حوارنا فلا أرى لها داع ، لأنني لن تجد مني عنادا في اعتراف بخطأ والتراجع عنه.
لكن مع ذلك دعني أجيبك على السؤال الثاني - وبسرعة كما طلبتم:)-

السؤال الثاني: أنت تنكر إمكان معرفة الحد التام لأمر من الأمور، فهل تجوِّز معرفة الحد الناقص لأمر من الأمور. أي هل يوجد أي أمر من الأمور يمكننا أن نعرف حده الناقص؟أنتظر الجواب منك بوضوح وقريبا جدا. لنكمل حوارنا.

جوابي أنا لا أعتقد بإمكان إنجاز الحد بالماهية - بمدلولها الفلسفي - ولكن أقول بإمكان الحد اللفظي والحد بالرسم والتمثيل والمخالفة ... وغيرها من أشكال الحدود الناقصة.

كتب الشيخ سعيد :

يبدو لي أن معرفتنا بك ستتوطد أكثر.


سيكون شرفا لي يا شيخ أن يعرف مثلي مثلكم.

قلتم :

تعجبني ثقتك بنفسك....


إن شاء الله دواء هذه الثقة الزائدة في النفس سيكون على يديكم ، إذ بعد انتهائي من حواري معكم سأنهزم و ستضعف ثقتي في نفسي :)


قلتم

(هل تظن أننا لا نعرف برتراند رسل، وسبينوزا، وليبنتز، ووايتهد وسبينوزا وغيرهم،
....
بل إنني أؤلف كتابا خاصا أورد فيه الكثير من النظريات المنطقية التي نسبها المعاصرون لبعض الفلاسفة والمنطاقة الغربيين، وهي في الأصل معروفة ومنصوص عليها بلا تأويل ولا شرح كبير عند علمائنا...)

أسعدني سماع هذا الخبر منكم وأنا منتظر لهذا الكتاب ومستعد لمناقشته معكم.

قلتم :
(إنما طلبت منك عدم الاغترار بالكثير مما قاله الغربيون لأننا نعرف تماما ما قالوه، وطلبت منك الاهتمام أكثر بالانتقادات التي وجهها علماؤنا والإضافات حرصا على هذا التراث من أن يستصغره أبناؤه)

لست مغترا بالفكر والفلسفة الغربية ، بل أنا معتز بديني وإسلامي ، وقد قرأتها ولم "أستشعر تجاهها أي انبهار ، وإن كنت معجبا ببعض الفلاسفة ، ولكنه ليس إعجاب اتباع وتقليد.


قلتم

(ثانيا: نعم أنا أريد أن أعرف ما تعتقده عن طريق السؤال والجواب، وليس في ذلك شيء من الغلط. )

ليس فيه أبدا غلط ، إنما أفضل منه طرح الموضوع والتوسعة في نقاشه بمداخلات وتعاليق موسعة بدل أسلوب سؤال / جواب.
لكن إذا أردت هذا النهج في المحاورة لك أن تعتمده ، وسأكون رهن إشارتك فأجيب على كل استفهام تطرحه.
ولعلي أعتمد معكم الأسلوب السقراطي ذاته ،فأطرح عليكم أنا أيضا أسئلة مخدومة بعناية :)

حاولت في هذين اليومين إيجاد المتون المنطقية القديمة التي تفضل الشيخ بلال بالأحالة عليها ، ولم أفلح ، فجميع المكتبات التي في بلدتي ليس فيها سوى متن السلم..
لذا سأقتصر عليه مع المراجع التي سبق أن اقترحتها لتكون مصدرا لمحاورتي في هذا الموضوع المنهجي الهام.

سعيد فودة
02-02-2005, 01:35
محمد سلام
أنت لم تجبني على السؤال الذي وجهته لك
وهو : هل تقول بالحد الناقص؟؟
ومفهوم الحد الناقص واضح حتى في السلم المنورق الذي بين يديك.

أنتظر جوابا واضحا منك.

أما بالنسبة لإضعاف ثقتك بعد هزيمتك، فليس مقصدا لي مطلقا، بل مقصدي هو أن أعرف هل هذه الثقة مبنية على أساس قوي، فإن لم يكن فإنا نتوجه بعد ذلك يكون لبنائها على ذلك الأساس.

وتأكد أن الإنسان المهزوز الثقة بنفسه لا يلفت نظري. فابق على هذه الثقة ولكن ابنها على علم متين.
ودعنا الآن نكمل حوارنا الذي سيكون حوالي أربعة أسئلة مضى منها اثنان فقط. الأول عرفنا جوابه، والثاني ما زلنا ننتظر الجواب.
وشكرا لك لهذا الأدب الظاهر في كلامك.
والله الموفق.

بلال النجار
02-02-2005, 10:52
بسم الله الرحمن الرحيم

في أيّ بلد تسكن يا أخ محمد، ودعني أرى ما الذي يمكنني فعله لإيصال بعض الكتب المنطقيّة إليك.

وفّقك الله تعالى

محمد سلام محمد
02-02-2005, 14:14
ثمة مداخلة عالقة للشيخ بلال


أقول: ليس في الأمر انتقاص منك، واستعلاء عليك إلخ ما وصفت. إنّما الحال أني يكلّمني الجاهل والعالم، ولا أعلم بحاله إلا بعد أن نبلغ من الكلام مبلغاً دقيقاً، لأنّ أكثر من عرفتهم في حياتي يتقنون الكلام المعمّم المعمّى، فإذا صعدت بهم عتبة ذلك نكصوا. وأكثر من يتكلمون في تجديد العلوم –مع احترامي لحضرتك- ممن لا ينبغي لهم الكلام في مسائل العلم فضلاً عن تصدّيهم لنقده والمشاركة فيه. فاطلب لي العذر إن بدت مني قسوة الغيور.

بل أرى يا شيخ بلال أنه حتى لو دخل طالب مبتدئ يستوجب علينا أخذه باللين ما دام دخل بأدب القول وحسن العبارة ، ولدي تجربة في بعض منتدياتنا الأسلامية ساءني فيها سوء أدب من بعض الأخوة ،ففي أحد المنتديات السلفية بمجرد ما طرحت سؤالا عاديا في منهجية نقد متن الحديث جاء الشيخ المشرف على الموقع يقول "لو ان كل كلب عوى ألقمته حجرا لأصبح ...الخ" ومثل هذه الأخلاق لا تليق بشيوخ العلم.
وإني أربأ بكم أن تهبطوا إلى هذا الدرك ، بل لم أجد فيكم إلا حسن العبارة وأدب الكلام اللائق بشيوخ العلم. ولكني لا أخفيكم أنني لما دخلت إليكم بهذا السؤال قلت ربما يشتط بالأخوة الغضب ،فهذا موقع أشعري له في علم الكلام مواقف أتفق معه في أغلبها وأختلف معه في بعض المسائل ، وله مرتكز منهجي يؤسسه على علم المنطق فلو تناولت هذا المرتكز المنهجي بالنقد ربما سيغضب الأخوة ويدفعهم ذلك إلى أن تسيئ علاقتي بهم ، لذا لا أخفيكم أنني حرصت على التسجيل ليس باسمي الشخصي بل باسم أبي واسم الجد . وذلك لأن لدي علاقة طيبة ببعض الأخوة الأشاعرة لا أريد أن تفسد إذا فسد نقاشي مع أشهر موقع أشعري لهم.
لكن أرى في الشيخين بلال وسعيد أنهما ليس فقط على علم غزير بل رزقهما الله أدبا جما أيضا. حق علينا نحن صغار الطلبة أن نتخذهما أنموذجا للأقتداء.

يقول الشيخ بلال :


أقول: بحسب ما عرفته أنا فإنّ أرسطو قال بحدّين ماهويّ ولفظيّ كما ذكرت أنت. وأنّه أدخل الحدّ الرسميّ في الحدّ الماهويّ. ولكني أتساءل عن مصدر معرفتك وثقتك التامّة بأنّ أرسطو منع التعريف الرّسميّ حتى قلت الكتاب الذي يقول ذلك يجب رميه في المزبلة. ألا ترى من الغرابة أن يقول أحد بالتعريف اللفظيّ ويبطل التعريف الرّسميّ؟ يجدر بك أن تنقل لي نقولاً توثّق هذا الأمر الذي تحكيه عن مذهب أرسطو، ثمّ يكون لنا لنا كلام.

الشيخ الفاضل بلال ما قلته في شأن الحد بالرسم أنا على ثقة منه وإذا أردت التأكيد يمكنك الرجوع إلى لى "مناهج البحث عند مفكري الاسلام " للدكتور سامي النشار ، الفصل الثني ص53 من الطبعة الرابعة دار المعارف1978.

كتب الشيخ بلال :


والأمر برمّته لا يعنيني من قريب ولا من بعيد صدّقني. ولم أرد أن أخوض في تحقيق مقالات أرسطو وأفلاطون وغيرهما. ولم يكن ما ذكرته أنا عن أرسطو مقصوداً بالذات بل جاء عرضاً، فأنا أناقشك في اعتراضاتك على المنطق الذي دوّنه علماؤنا المسلمون..
شيخنا بلال هذا من حقك ، وقد كان ذلك هو سبب تأجيل الرد عليك حتى أستحضر المتون المنطقية المعتمدة عند طلبة العلوم الشرعية. وفيما نستقبل من ردود وحوار ،بل بدءا من مداخلتي هذه سأسعى قبل أي فكرة منطقية لدي عليها اعتراض أن أسألكم هل تقولون بها ،فإذا كان الأمر كذلك طرحت اعتراضي ونقدي لنتباحث فيه.


أقول: لا تستغرب، وما الذي يدعوك للاستغراب، هل ترى في تعريفات الأصوليين ما يتنافى ما قواعد التعريف العامّة التي نصّ عليها المنطقيّون؟ بيّن لي وجه الاختلاف بين الأصول والمنطق في التعريف عامّة والحدّ خاصّة. وإنما ذكرت لك إنّ الحد يطلق ويراد به ما هو أعمّ من التامّ لأنّي قلت في نفسي ربّما أنك وقفت على بعض التعريفات عند الأصوليين فوجدّتهم يسمّونها حدّاً ولم تر أنّ مفهوم الحدّ التامّ المنطقيّ ينطبق عليها. وعلى أيّ حال، الذي أقوله أنّ طريقة الأصوليّ في التعريف وطريقة غيره من علماء الفنون لا تخرج عن الطريقة المنطقيّة المذكورة في كتب علمائنا المناطقة. غاية الأمر أنّ كلّ صاحب فنّ يقتصر من المنطق على ما يناسب فنّه ويكفيه. وما ذكرته أنت من جهات كالطرد والعكس والتمييز.... بيّنت لك أنّها ليست جهات افتراق بين المنطق والأصول. فهلا بيّنت لي جهات أخرى لعلها تكون غائبة عني؟
أختلف معك يا شيخ بلال في شأن موقفك هذا ،فأنا أقول باختلاف المنهجية الأصولية عن المنهجية المنطقية،لكن أؤجل بيان ذلك والأستلال عليه إلى حين، لأن بيان التشابه أو الأختلاف لن يتأتى إلا بعد بحث الأسناد الحملي ومفهوم القياس الشمولي ومفهوم القياس الأصولي ، وهذه أمور لا بد من تأجيل بحثها إلى ما بعد الأنتهاء من مبحث الحد.

ثم أترك بعض الملحوظات التي تفضل بها الشيخ بلال ،فيعضها سنطرقه بتوسع في لحظات قادمة ، وأنتقل إلى مداخلة الشيخ الفاضل سعيد ، الذي انتقي أسئلة جزئية وطرحها مرتبا إياها بعناية. وأنا أعرف إلى ماذا يريد أن يصل، وقد لمحت إلى ذلك في جوابي على سؤاله الأول ، ولكن لا أريد أن أتعبه بسلوك هذا الطريق ، بل أختصره بتحرير محل الخلاف من جديد.
قال الشيخ :


هل تقول بالصفات الداخلة في الماهية (الذاتية) والصفات الخارجة عنها لازمة وعارضة.


وقد أجبت الشيخ سعيد أنني أقول بهذا وأقول بأكثر منه . ولكن من سؤاله الثاني تبين لي أنه لم يفهم مقصودي من هذا الأكثر و لا دعوتي له بأن نبحث الأمر بتوسع. فنحن على خلاف في مبحث الماهية حتى ولو لم نعلن ذلك بعد.
لذا أوضح :
أنا أقول باللوازم والعوارض. ولا خلاف بيننا .
لكن ثمة أكثر من هذا القول ، وأزعم أننا سنختلف فيه اختلافا شديدا ولن يوافقني لا الشيخ بلال و لا الشيخ سعيد . ما هو هذا الاختلاف ؟
قبل بيانه دعني أتعلم من الشيخ سعيد بعض أساليبه الحوارية ،فأستعير منه أسلوب الأسئلة الجزئية ، فأقول للشيخين الفاضلين :
هل تقولا بالوجود الخارجي للماهية ،أم أنها مجرد تمثل ذهني ؟
الجواب على هذا السؤال هو المدخل إلى إعادة النظر في دلالة الحد الناقص ،فلو قلت للشيخ الفاضل سعيد أنني أقول بالحد الناقص فلا أرى أننا اتفقنا . فالحد الناقص عند الشيخ سعيد هو بلا شك الحد الذي يتم بالفصل وحده دون الجنس القريب. أو بالفصل مع الجنس البعيد.
وأقول أن هذا التقسيم ليس تقسيما أرسطيا ، فأرسطو لم يقسم حده الماهوي بهذه التقسيمات ،بل هذا جاء لا حقا من قبل الشراح. وقد تشبت به علماء الكلام للتقليل من مشكلة الحد الماهوي وصعوبة إنجازه.

وأعود إلى مبحث الحد، لإيضاح موقفي وفهمي لمنطق أرسطو ، فأقول :
في مبحث الألفاظ نقف عند مفهوم المفرد ، فنجد منطق أرسطو يركز على مسلكين للتعريف : شرح الأسم وشرح المفهوم.
بالنسبة لشرح الأسم فهو الحد اللفظي أو الحد الأسمي.
أما شرح المفهوم فيتم ببيان ماهيته. وهو التحديد المنطقي المطلوب لإنجاز اليقين والخلوص إلى العلم حسب أرسطو .
ثم جاء الشراح من بعد – أحيل هنا بشكل خاص على جالينوس- وتعمقوا في دراسة أورغانون أرسطو فانتبهوا إلى مسلك آخر لا هو مسلك التحديد الأسمي ولا هو مسلك التحديد الماهوي ،بل هو مسلك التحديد بالرسم .
عندنا إذن ثلاثة مسالك منهجية أساسية للحد هي :
التحديد الأسمي ، التحديد الماهوي ، والتحديد بالرسم.
بالنسبة للتحديد الأسمي فإن أرسطو يربطه أساسا بالأسماء التي تدل على اللاموجود.( أنظر التحليلات الثانية ) حيث يبين أرسطو أنه بالنسبة للاموجود ،لا أحد يستطيع أن يعلم ما هو ، ولكن فقط ما تعنيه العبارة أو الأسم الذي يشير إليه" وهذا اللاموجود يتمثل في ألفاظ ك"العنقاء" ... وغيرها من الكائنات التي لا وجود لها وبالتالي فمسلك تعريفها هو الحد بالأسم.
ما هو تقييم أرسطو لهذا النوع من التعاريف؟
لا ريب أن دارس فلسفة أرسطو ومنطقه ، وخاصة كتاب التحليلات الثانية ، سيلاحظ استهجان أرسطو لهذا الحد واستصغاره في تأسيس العلم ، فأرسطو يعتقد أن الحد اللفظي لا يجاوز عتبة الحقل اللغوي ، ولا يتخطاه إلى حقل الوجود.وأرسطو يريد تأسيس العلم مثله في ذلك مثل أفلاطون وسقراط في صراعه مع السوفسطائية.لذا كان لابد له من الأعلاء من شأن الحد الماهوي.
فالتعريف الماهوي هو تعريف للأسماء التي لها ماصدق وجودي.وقد اشترط أرسطو لصحة هذا النوع من الحدود شروطا عدة أهمها الأطراد.
أما التعريف بالرسم فهو تعريف بالخاصة ، والخاصة قول مميز للمعرف دون ان يكون دالا على ماهيته.
حتى لا نبقى أنا والشيخ بلال والشيخ سعيد حفظهما الله منحصرين في هذه العتبة وندلف إلى بيت القصيد للنظر في الأستدلال المنطقي ، أقف وأعلن خلاصة اعتراضي على مبحث الحد ، فإذا كانا متفقين معي نبدأ في بحث الأسناد الحملي الذي هو ركيزة الاستدلال المنطقي.
اعتراضي الأساس هو على الحد الماهوي بوصفه المسلك الوحيد لأنتاج العلم اليقيني عند أرسطو.
وأظن أن الشيخين الفاضلين سعيد وبلال لا يقولان بهذا ، ولو قالاه لأهتز نسقهما العقدي والكلامي من أساسه.
أما السؤال عن موقفي من الحد الناقص فقد أجبت سابقا ، لكني أرى أن معالجة الحدود الأخرى باستثناء الحد الماهوي لن تكون ذات فائدة ،فليس بيننا خلاف فيها ، وحتى لو حصل لن يتأسس عليه خلاف كبير في أسس فهم العقيدة وما يتصل بها من مباحث.
فأنا على سبيل المثال أقول بالحدود الأخرى على تعددها وكثرتها- ونقصها التصوري أيضا- بدءا بالحد بالخاصة والحد اللفظي والحد بالضد ، والتعريف بالأقسام والعناصر الذي بلوره المنطق الرواقي ، والتعريف بالمشابه ، والتعريف بالاشتقاق...وغير هذا وذاك من أنماط الحدود.
لذا أعود إلى السؤال الهام الذي طرحته والذي أتمنى من الشيخين سعيد وبلال أن يجيا عليه :
هل تقولا بالوجود الخارجي للماهية ،أم أنها مجرد تمثل ذهني ؟

محمد سلام محمد
02-02-2005, 15:05
ثم بعد مداخلتي السابقة أعلق على المداخلتين الأخيرتين للشيخ سعيد والشيخ بلال حفظهما الله

كتب الشخ سعيد

أما بالنسبة لإضعاف ثقتك بعد هزيمتك، فليس مقصدا لي مطلقا، بل مقصدي هو أن أعرف هل هذه الثقة مبنية على أساس قوي، فإن لم يكن فإنا نتوجه بعد ذلك يكون لبنائها على ذلك الأساس.

وتأكد أن الإنسان المهزوز الثقة بنفسه لا يلفت نظري. فابق على هذه الثقة ولكن ابنها على علم متين.


مسألة الثقة من عدمها ليست بذي أهمية عندي ، وأنا ما تحدثت عنها إلا من باب التبسط في القول ، وأنا لا أطرح في حواري هذا مطلب الأنتصار الشخصي و لا الهزيمة ، إنما مطلب الاستفادة.

كتب الشيخ بلال :
في أيّ بلد تسكن يا أخ محمد، ودعني أرى ما الذي يمكنني فعله لإيصال بعض الكتب المنطقيّة إليك.

اللسان عاجز عن شكركم شيخنا بلال ،سأبعث لكم على الخاص بعنواني، ولكن يكفيني استعدادكم هذا حتى بدون أن ترسل تلك الكتب، فأنتم في الأردن على ما أظن ، وأنا أبعد عنكم جغرافيا بمسافة كبيرة جدا ، و لا أريد تحميلكم عناء ،فأهل العلم من واجبهم علينا أن نحمل عنهم ونخدمهم لا أن نحملهم مطالبنا.
جزاكم الله خيرا.

سعيد فودة
02-02-2005, 15:13
أرجو يا أخ محمد سلام أن تجيب فقط على قدر السؤال، ولا تظن نفسك تخاطب تلميذا، حتى تقول :"ولكن من سؤاله الثاني تبين لي أنه لم يفهم مقصودي من هذا الأكثر."اهـ، أتظن يا محمد أنني لا أعرف إلى ماذا تستند وما هي قراءاتك. أو تظنُّ أنني لا أعرف قدر اطلاعك على الكتب والمذاهب من مجرد قراءتي لما تكتبه؟؟؟؟
على كل حال: أرجو أن تجيب جوابا واضحا وصريحا على السؤال الذي وجهته لك.
فالحد الناقص الذي ذكرت أنت مفهومه هل تقول بإمكان الوصول إليه لأي أمر من الأمور..... أم لا تقول....؟ اختر واحدا من هذين.
لأنه لا يوجد ثالث، فإن وجد اذكره لي حتى لا تقول إنني أحجِّر عليك في الجواب....
وقد قلت لك لا داعي لأن تدخل أرسطو وما هو القدر الذي قال به أو لم يقل، فلا مدخلية لذلك الآن. وكلامنا فيما وافق علماؤنا عليه أرسطو، وسوف نناقشك -إن أحببت في نفس كلام أرسطو إن وجد لدينا الوقت لاحقا بعد أن ننتهي من هذه الجزئية التي لا تريد الفراغ منها، لأنك بكل وضوح -كما تزعم- عرفت إلامَ تفضي بك هذه الأسئلة والأجوبة.
فدع نفسك والقراء لتروا إلى ماذا تفضي بك هذه الأسئلة.

وقد قلت لك إن أسئلتي حوالي الأربعة، مضى منها بعضها.
فتشجع قليلا وأجب حتى ندخل فيما نحن فيه.
ولا تحاول قلب المقام لأن هذا مخالف لأدب البحث، يا محمد؟ أعني لا تنتقل من مقام المجيب إلى مقام السائل حتى أفرغ من السؤال، فإن فعلك هذا مخالف لآداب البحث كما قرره علماؤنا الذين قلت أنت إنك تحترمهم.
وتعليقا على قولك:"هل تقولا بالوجود الخارجي للماهية ،أم أنها مجرد تمثل ذهني ؟
الجواب على هذا السؤال هو المدخل إلى إعادة النظر في دلالة الحد الناقص ،فلو قلت للشيخ الفاضل سعيد أنني أقول بالحد الناقص فلا أرى أننا اتفقنا ."اهـ
أقول لك فقط إشباعا لرغبتك واحتراما لهمتك، معتمدا على حسن أدبك في عدم تحويل سياق البحث إلى هذه النقطة.
أولا:إدراك التعريفات ومعرفل بإدراك الماهيات لا يستلزم وجودها الخارجي، ولا يتوقف عليه. بل يكفي ثبوت مصداق لها فيما هو أعم من الخارج.
ثانيا: قولك "الجواب على هذا السؤال..الخ" ليس صحيحا، فلا هو مدخل ولا قال أحد إنه مدخل.
وقبل أن نعيد النظر في دلالة الحد الناقص أريد أن أعرف هل تقول بإمكان الوصول إليه أم لا. وهو نفس سؤالي السابق.
ثالثا: قولك:"فلو قلت للشيخ سعيد...الخ"اهـ، لا يفيد هنا، فإنني لا أريد أن أصل من موافقتك إلى أنك توافقني أو تخالفني، ليس بعد.

ولم أرد أن أعلق على باقي كلامك، ولكن أنبهك بأن تهدأ قليلا وتركز، ولا تنشغل كثيرا في إلى ماذا أريد أن أصل، بل أجب بحسب اعتقادك، ولا داعي لإطالة الكلام في مثل ذلك.... فأنت قلت بأنك سوف تجيبني بصراحة عما تعتقد.
واله الموفق

محمد سلام محمد
02-02-2005, 20:37
كتب الشيخ الفاضل سعيد

أرجو يا أخ محمد سلام أن تجيب فقط على قدر السؤال، ولا تظن نفسك تخاطب تلميذا

يا شيخ سعيد أنا أعلم أنني لا أخاطب تلميذا ، مثلما أعلم أيضا أنني أنا نفسي لست تلميذا !!

ثم يقول الشيخ الفاضل :
وقد قلت لك إن أسئلتي حوالي الأربعة، مضى منها بعضها.
فتشجع قليلا وأجب حتى ندخل فيما نحن فيه.
ولا تحاول قلب المقام لأن هذا مخالف لأدب البحث، يا محمد؟ أعني لا تنتقل من مقام المجيب إلى مقام السائل

يا سيدي لم أخالف أدب البحث ، فأنا لم أقلب سؤالا سألته لي فأرجعته إليكم على شكل سؤال ،بل طرحت علي سؤالا وأجبتك عليه بصراحة ، ثم قمت أ"نا بطرح سؤال جديد عليكم ، فلماذا تعطي لنفسك حق طرح الأسئلة وتمنعه عني ؟

نأت الآن إلى سؤالكم الثاني :

على كل حال: أرجو أن تجيب جوابا واضحا وصريحا على السؤال الذي وجهته لك.
فالحد الناقص الذي ذكرت أنت مفهومه هل تقول بإمكان الوصول إليه لأي أمر من الأمور..... أم لا تقول....؟ اختر واحدا من هذين.

لقد أوضحت في مداخلتي السابقة أن الحد بالماهية أرفضه بمعناه عند أرسطو.
أما تقسيم هذا الحد إلى تام وناقص فهو ليس قول أرسطو بل قول الشراح.
لكن رغم ذلك دعنا نرى الآن الحد الناقص، الحد الناقص عند الشيخ سعيد هو بلا شك الحد الذي يتم بالفصل وحده دون الجنس القريب. أو بالفصل مع الجنس البعيد.
موقفي هو أن هذا الحد غير ممكن بالمعنى الذي يفهم بالفصل عند المنطقيين ، فإذا فهم الفصل الحقيقة الجوهرية التي تميز الكائن عن غيره ،فهذا ما لا أقول ببلوغه ، وإذا فهم بالفصل ما به يمتاز هذا الكائن ويفصله عن غيره ،فإنني أقول به ، وهذا ما أزعم أن الشيخ سعيد لن يقبل به ،لأن هذا المعنى المقدم للحد الناقص ولمفهوم الفصل يخرجه من الحد بالماهية إلى الحد بالخاصة .

هكذا تلاحظ يا شيخ بلال أنني كنت على صواب عندما قلت جوابا على السؤال الأول أن هذه الأسئلة التي تفضلت بطرحها ليست من النوع الذي نحتاج فيها أنا وأنتم إلى أن نجيب بنعم أو لا ،بل هي تحتاج إلى بسط فهمنا للماهية وموقفنا منها.

وأظن بعد إجابتي على هذين السؤالين أستحق منكم أن تجيبونني على سؤالي الذي لا زال معلقا ولم أتلق منكم إجابة صريحة ،لذا أكرر السؤال :

هل تقولا بالوجود الخارجي للماهية ،أم أنها مجرد تمثل ذهني ؟

كان " جواب " الشيخ سعيد هو :


أقول لك فقط إشباعا لرغبتك واحتراما لهمتك، معتمدا على حسن أدبك في عدم تحويل سياق البحث إلى هذه النقطة.
أولا:إدراك التعريفات ومعرفل بإدراك الماهيات لا يستلزم وجودها الخارجي، ولا يتوقف عليه. بل يكفي ثبوت مصداق لها فيما هو أعم من الخارج.

وتعقيبي هو أنني لم أفهم ماذا تقصدون بالقول : "بل يكفي ثبوت مصداق لها فيما هو أعم من الخارج."
ما هو هذا الخارج ؟هل تقصد به الذهن ؟
ثم أنا لم أسأل هل يتوقف إدراك الماهيات على وجودها الخارجي؟
إنما كان سؤالي هو هل تعتقد أن للماهيات وجودا خارجيا أم لا ؟
وجزاكم الله خيرا

سعيد فودة
02-02-2005, 21:43
الأخ محمد سلام ،

تقسيمك عند الجواب، لا حاجة له إلا إذا كنت غير متأكد مما يقصده المناطقة الإسلاميون بالحد الناقص، وما هو الفصل، هل هو ذاتي أو لازم.
وكان ينبغي أن تقيم جوابك بلا ترديد.
وعلى كل حال، فقد عرفت الآن أنك تنكر أيضا الحد الناقص بالتعريف الذي ذكره المناطقة الإسلاميون.

وهذا شوط حسن قطعناه معك حتى الآن.
وأما مخالفتك لأدب الحوار، فقد وضحت لك أنه يتحقق إذا صرفت النقاش إلى مسألة غير مؤثرة كتلك التي سألت عنها. ولو كنت دققت في جواب لرأيت أنني في الجواب إنما أوضحت لك عدم تأثير هذا الجانب في مجرى النقاش. ولذلك لا يلزمني جوابك عليه. وبناء عليه فقولك:"ثم أنا لم أسأل هل يتوقف إدراك الماهيات على وجودها الخارجي؟
إنما كان سؤالي هو هل تعتقد أن للماهيات وجودا خارجيا أم لا ؟"اهـ، دليل على عدم تنبهك إلى جوابي.
فمسألة وجود الماهية بذاتها في الخارج لا يتوقف عليها البحث فيما نبحث نحن فيه.

ولذلك فلنعد إلى محل كلامنا، فقد أوشكنا أن ننتهي منه.

السؤال التالي: هل تقول بالرسم بقسميه المشهورين؟؟!! المعروفين عند مناطقة الإسلام، أي ارجع إلى السلم المنورق الذي حصلت عليه مؤخرا، وأجب.

أنتظر جوابك.

محمد سلام محمد
02-02-2005, 22:07
أرى يا شيخ سعيد أن أسلوبك في الحوار لن يطور النقاش ،بل بالعكس سيفقره بأسئلة جزئية تريد مني إجابات بنعم أم بلا .
لكن مع ذلك دعني أذهب معك إلى النهاية لنرى جميعا ...
تسألني عن الحد بالرسم وهل أقول بقسميه التام والناقص
أجل أقول بهما.
لكن لا تنس انك لم تجبني على سؤالي بعد وهو

هل تعتقد أن للماهيات وجودا خارجيا أم أنها مجرد تمثل ذهني؟
فجئت تقول ب :

عدم تأثير هذا الجانب في مجرى النقاش. ولذلك لا يلزمني جوابك عليه.
وأنا أخالفك الرأي فكل حديثنا هو عن الحد ، واختلافي معكم في الحد بالماهية فكيف تقول بأن هذا لا أثر له في نقاشنا ، مع أنه يخص مسألة الماهية في الصميم؟!!!!

لو راجع حوارنا أي رجل منصف سيلاحظ أنك تعطي لنفسك حق طرح السؤال وتستثنيه مني !!!

دعني أكرر السؤال مرة أخرى
هل تعتقد أن للماهيات وجودا خارجيا أم أنها مجرد تمثل ذهني؟

"اختر واحدا من هذين.
لأنه لا يوجد ثالث، فإن وجد اذكره لي حتى لا تقول إنني أحجِّر عليك في الجواب....
انتظر جوابك "

بلال النجار
03-02-2005, 17:38
بسم الله الرحمن الرحيم


أخي محمد وفقه الله تعالى،

لا ينبغي أن يخفى عليك أنّ البحث في وجود الماهيّة خارج عن صناعة المنطق، لأنّه إنّما يبحث فيه عن المعلومات التصوّريّة والتصديقيّة من حيث إنّها توصل إلى مجهول، والتوصّل المذكور لا يتوقّف على وجودها في الخارج. والبحث في وجودها من مسائل الكلام والحكمة الإلهيّة. وقد يذكر المحشّون عرضاً ما قيل في وجود الماهيّة باعتباراتها الثلاثة أعني لا بشرط شيء، وبشرط لا شيء، وبشرط شيء إلاّ أنّ معرفة ذلك مما لا يتوقف عليه مسألة في المنطق.

وهذا مما أشار إليه الشيخ سعيد. ثمّ إنّ له سبباً وجيهاً آخر في عدم الجواب عن السؤال، وهو ما ذكره من أدب البحث. وبيانه أنّك أنكرت الحدّ التامّ. فسألك عن ذلك. فتبقى معللاً حتّى ينقطع عن سؤاله. ثمّ يتمّ الانتقال إلى مسألة أخرى قد ينقلب فيها المقام، وذلك منعاً للمسائل من الانتشار، وبخاصّة أنّ البحث ليس مشافهة، والمعيقات الأخرى لا تخفى.

ولا حجر على السؤال، وسأتكلّم معك في وجود الماهيّة كما تريد لكن بعد أن نصل معاً إلى نتيجة فيما نحن فيه، وهو استيضاح علّة منعك الحدّ التامّ ووجاهة ذلك.

ولي تعليقات أخرى أرجيها قليلاً. أشكر لك رسالتك الدمثة. واسلم لأخيك.

بلال النجار
03-02-2005, 17:48
نسيت أن أذكر لك أنّ متن الشمسيّة موجود في الصفحة الثانية من هذا القسم، كنت قد طبعتها ونشرتها على شكل مشاركات. وأرجو أن تتضافر معي همم إخواني في المنتدى فننشر أهمّ الكتب المنطقيّة وشروحها كي تتوفّر للطلاب.

سعيد فودة
03-02-2005, 18:26
يا محمد سلام،


أما عن إكمال أسئلتي لك، فأسألك الآن بناء على ما مضى:
أنت أنكرت الحد بقسميه، وهذا يستلزم أنك إما تنكر إمكان معرفة الجنس القريب، أو الجنس البعيد أو الفصل، أو مجموع هذه الصفات أو ثنتين منها فقط.
وهذا إما لعدم ثبوت تلك الصفات أو لعدم إمكان معرفتها.

ولكن لما أقررتَ بإمكان معرفة الرسم بقسميه تبين لنا أنك لا يمكن أن تقول بعدم إمكان معرفة الجنس البعيد والجنس القريب، لأن الرسم التام يشتمل على الجنس القريب والرسم الناقص يشتمل على الجنس البعيد. وأنت قلت بإمكان هذين القسمين.

فتبين لنا أنك إنما تنكر الفصل، وهو الصفة الذاتية المميزة للأمر.
وبقولك بالجنس البعيد والقريب، فانت إذن لا تنكر تركب الصفات الماهوية بعضها فوق بعض واشتمال بعضها على بعض، فقولنا جسم يشتمل على كل ما يصدق عليه أنه جسم من الحيوان والنبات والمعادن والغازات ....
فهل تقول إن أفراد النوع الجنس الواحد لا يتميز واحد منها عن الآخر إلا بالصفات الخارجة عن الماهية. يعني إن حقيقة الإنسان هي نفس حقيقة الحيوان، ولا يتميز الأسد عن العصفور مثلا الحيوان بشيء ذاتي بشيء عارض لوجوده أو لازم له. فهل تقول إن حقائق، وألا يتميز الإنسان عن الأسد بشء ماهوي.

وما هي علة إنكارك للفصل؟؟؟؟
فأجب.
ويوجد لي عدة ملاحظات أخرى على ما مضى ولكن أقتصر على هذا لضيق الوقت. وسوف أكمل معك لاحقا.

أما عن كلامك على وجود الماهية فقد أجبتك، وقد قلت لك إنك لم تفهم جوابي وقد وضحه لك بلال.
وعدم فهمك لما قلته لك مشكلتك أنت. فمن يشترط الصدق لإمكان الكلام على الماهيات يكفيه، ولا يجب عليه لإتمام بحثه في المنطق البحث عن وجود الماهية في الخارج بذاتها أم لا.
وهذه مسألة واضحة لمن يعرفون مباحث الكلام والمنطق والفلسفة، وأنت تدعي أنك عارف بها.

وأرجو أن لا تحاول التلبس بطريقتي في الكلام إلا إذا أتقتنها، فتخييري إياك بين القسمين اللذين ذكرتهما في السؤال عن الحد الناقص، كان صحيحا لأنه لا يوجد ثالث، ويجب عليك الجواب لأن الكلام لا يزال في نفس الموضوع. أما سؤال فقد أجبتك عليه أولا، وبينت لك عدم لزوم جوابي عليه وعللت كلامي، وأما أنت فاكتفيت أنك بأن قلت إنه له مدخلية ولم تبين وجه هذه لامدخلية في مقام بحثنا. فكان يجب إهمال كلامك، لأنه مجرد ادعاء بلا دليل.
وقد قلت لك تمهل قليلا قبل أن تتكلم، ولا داعي لنا الآن أن تنادي في الناس وتدعوهم للحكم فلم أبدأ بالكلام معك بعد في عمق الأمور، حتى تحتاج إلى ثالث ليحكم، وينصفك.
ملاحظة: إذا لم أجبك خلال الأيام القادمة القليلة، فذلك لأنني مسافر وربما لا أتمكن خلال سفري من الاطلاع على الانترنت، فيمكنك أن تكمل مع بلال ما كنتما تتكلمان فيه.

محمد سلام محمد
04-02-2005, 18:02
الشيخ الفاضل بلال
قلتم :

لا ينبغي أن يخفى عليك أنّ البحث في وجود الماهيّة خارج عن صناعة المنطق، لأنّه إنّما يبحث فيه عن المعلومات التصوّريّة والتصديقيّة من حيث إنّها توصل إلى مجهول، والتوصّل المذكور لا يتوقّف على وجودها في الخارج. والبحث في وجودها من مسائل الكلام والحكمة الإلهيّة. وقد يذكر المحشّون عرضاً ما قيل في وجود الماهيّة باعتباراتها الثلاثة أعني لا بشرط شيء، وبشرط لا شيء، وبشرط شيء إلاّ أنّ معرفة ذلك مما لا يتوقف عليه مسألة في المنطق.

أجل إن البحث في وجود الماهية خارج عن المنطق بوصفه آلة صورية ، ولكننا لسنا في معرض تركيب أقيسة أو الحكم عليها ،بل نحن في معرض مناقشة المنطق من أسسه المعرفية والمفاهيمة قبل أن نقبل منه صوريته أو نرفضها.
والدليل على كون الماهية لها مدخل في موضوعنا هذا هو خلافنا الآن حول مفهوم الحد المنطقي ،فأنا أرفضه بناء على موقفي من مفهوم الماهية.
وسأوضح ذلك في إجابتي على الشيخ سعيد حفظه الله.
يقول الشيخ سعيد :


فتبين لنا أنك إنما تنكر الفصل، وهو الصفة الذاتية المميزة للأمر.
وبقولك بالجنس البعيد والقريب، فانت إذن لا تنكر تركب الصفات الماهوية بعضها فوق بعض واشتمال بعضها على بعض، فقولنا جسم يشتمل على كل ما يصدق عليه أنه جسم من الحيوان والنبات والمعادن والغازات ....
فهل تقول إن أفراد النوع الجنس الواحد لا يتميز واحد منها عن الآخر إلا بالصفات الخارجة عن الماهية. يعني إن حقيقة الإنسان هي نفس حقيقة الحيوان، ولا يتميز الأسد عن العصفور مثلا الحيوان بشيء ذاتي بشيء عارض لوجوده أو لازم له. فهل تقول إن حقائق، وألا يتميز الإنسان عن الأسد بشء ماهوي.

وما هي علة إنكارك للفصل؟؟؟؟

لقد قلت سابقا أنني لا أقبل بالحد الماهوي ، أي لا أقبل بما يعتقده المنطقيون بالقدرة على بلوغ الماهية على النحو الذي يفهمونها .
لماذا ؟ ولماذا أنكر الفصل ؟
أجيب بشيء من التفصيل :
معلوم أن الحد الماهوي يتكون من الجنس والفصل.وإذاكان الجنس قريبا
_مع الفصل - كان الحد تاما. وإذا كان الجنس بعيدا - مع الفصل - كان الحد ناقصا.
بالنسبة للرسم فقد قلت بقبوله لأنه سواء في شكله التام أو الناقص هو تركيب بين الجنس والخاصة.
لكن لماذا أنكر الفصل أو إمكان معرفة الفصل على النحو الذي يطرحه المناطقة ،أي الصفة الجوهرية الثابتة المميزة للشيء.
أقصد به أنني أنكر إمكانية معرفة الفصل بمدلوله عند المناطقة وأقول بأن ما يعتقده المناطقة فصلا قائما على صفة ماهوية أراه تمييزا ناتجا عن تجريد.
لماذا؟
لأنني أنكر وجود الماهيات ،فماهيات المناطقة مجرد تجريدات ذهنية وليست موجودة عينيا في الواقع المحسوس. وأضيف إنها حقائق غيبية . وليس في إمكاننا بلوغها ،إنما كل ما في الأمكان هو الأقتراب منها بالتجريد. وهو اقتراب نسبي .

دعنا نطبق تصوري هذا على هذا التعريف
الأنسان حيوان ناطق.
هذا تعريف يعد عند المناطقة حدا تاما لأنه مكون من الجنس القريب والفصل.
فكيف أعده مجرد تعريف بالتمييز ؟
إن تسميتي له بذلك أدق .
فبما أن الماهية التي يعطينا إياها المنطقي مجرد تجريد ذهني ، فإننا لا يحق لنا عندما نحدد الأنسان بكونه حيوانا ناطقا ،بأننا وصلنا بهذا التحديد إلى ماهيته ، وأن هذا التحديد يقيني وقطعي . فالماهيات كما قلنا لا وجود لها في الواقع العيني ، ولا نصل إليها إلا عبر التجريد ، وعملية التجريد تتباين بحسب العقول والأفهام. ولهذا نلاحظ بعض المفكرين يعرفون الأنسان تعريفات أخرى ، والعجيب أنهم يرونها تحديدات ماهوية أفضل من التعريف الشائع "حيوان ناطق".
فيقولون مثلا : إن الأنسان حيوان ميتافزيقي.
أو حيوان متدين.
أو أن الأنسان لا يمتاز عن الحيوان بالنطق / الفكر ،بل يمتاز عنه بالأخلاق. ومن ثم فالتعريف الماهوي هو أنه حيوان أخلاقي.

لكل هذا كنت أقول وأكرر خلال طول هذا الحوار أن موقفي من المنطق ومن مبحث الحد يتأسس على موقفي من مبحث الماهية . ولا يمكن أن تقاربوا موقفي من الحد المنطقي دون مقاربة موقفي من الماهية وإمكانية بلوغها بأدوات الأدراك البشري.
وأتمنى أن يكون تصوري قد اتضح .

بلال النجار
05-02-2005, 12:06
بسم الله الرحمن الرحيم

أخي محمّد،

قولك: (أقصد به أنني أنكر إمكانية معرفة الفصل بمدلوله عند المناطقة وأقول بأن ما يعتقده المناطقة فصلا قائما على صفة ماهوية أراه تمييزا ناتجا عن تجريد.
لماذا؟ لأنني أنكر وجود الماهيات، فماهيات المناطقة مجرد تجريدات ذهنية وليست موجودة عينيا في الواقع المحسوس. وأضيف إنها حقائق غيبية. وليس في إمكاننا بلوغها، إنما كل ما في الأمكان هو الأقتراب منها بالتجريد. وهو اقتراب نسبي)

أقول: يا أخي محمّد، أنا أيضاً أقول بأنّ الكليّات تجريد ذهنيّ ولا وجود لأيّ منها في الخارج. وليس في الواقع الخارجيّ ماهيّة شيء، بل ما صدقات للماهيّات الذهنيّة، لأنّ الموجود في الخارج جزئيّ مشخّص بالعوارض. وليس الفصل المنطقي غير كليّ مقول بالاشتراك على أفراد النوع الواحد في جواب ما هو. ومنه القريب ومنه البعيد. فلا يختلف عن الجنس من حيث هو كليّ، ولا من حيث هو مقول في جواب ما هو، ولا من حيث ما هو مقول على كثيرين. وإنّما الفرق بينهما هو أنّ الجنس هو قدر مشترك بين كثيرين مختلفين في الحقيقة، والفصل قدر مشترك بين كثيرين متفقين في الحقيقة. فإذا كنت تمنع إمكان بلوغ الفصل لكون الماهيّة غير موجودة في الخارج، فيجب أن تمنع إمكان بلوغ الجنس لنفس السبب. فلم قلت بإمكان بلوغ الجنس دون الفصل؟

قولك: (دعنا نطبق تصوري هذا على هذا التعريف: الأنسان حيوان ناطق.
هذا تعريف يعد عند المناطقة حدا تاما لأنه مكون من الجنس القريب والفصل.
فكيف أعده مجرد تعريف بالتمييز؟
إن تسميتي له بذلك أدق.
فبما أن الماهية التي يعطينا إياها المنطقي مجرد تجريد ذهني، فإننا لا يحق لنا عندما نحدد الأنسان بكونه حيوانا ناطقا، بأننا وصلنا بهذا التحديد إلى ماهيته، وأن هذا التحديد يقيني وقطعي)

أقول: سبق وذكرت لك أنّه بحسب علم المنطق فإنّ تمام الماهيّة المنطقيّة هي مجموعة الصفات التي تحمل على الشيء حمل مواطأة من غير أن يكون ذلك تابعاً لمحمول آخر، وهذه الصفات هي ما نسميها بالصفات الذاتيّة لذي الماهيّة.
وسبق وذكرت لك أيضاً بأنّ ما نجعله حداً معبّراً عن تمام ماهيّة الإنسان مثلاً لا أقول بأنّه هو ما به كان الإنسان إنساناً في نفس الأمر، وقلت بأنّ حقائق الأشياء كما هي في علم الله تعالى لا يعلمها إلا هو، ولا يمكننا بلوغها بأسباب إدراكنا. فلا ندّعي بأنّ هذا الحدّ يوصلنا إلى معرفة المحدود على ما هو به في الواقع قطعاً.
أمّا أننا لا يحقّ لنا أن نحدّد، فلو ادّعينا أنّنا بلغنا بالحد حقيقة الشيء على ما هو عليه في الواقع يكون لهذا الكلام وجهاً، ولكن إذا عرّفنا الحدّ والماهيّة كما تقرّر، فلا يكون في تحديدنا للأشياء من بأس.

أمّا أنّ هذا التحديد يقينيّ أو لا، فإن كنت تعني به أنّ ما بلغناه بالتحديد لا نقطع بأنّه حقيقة المحدود على ما هو عليه في الواقع وفي علم الله تعالى، فنحن لا نقول بأنّه كذلك. وأمّا إن كنت تعني بأنّه غير مستيقن الصحّه من جهة صدقه على أفراد المحدود، فهذا لا يسلّم مطلقاً، لاتفاق العقلاء على صدقه على أفراده، وحمله على جميع أفراد المحدود حمل مواطأة كما ذكرنا. وهذا هو القدر اليقينيّ الذي يعنينا ويكفينا لتأسيس علمنا الحادث. وليس ثمّة حاجّة لأن تنكشف لنا حقائق الأشياء انكشافاً تامّاً كما هي عليه في الواقع وفي علم الله تعالى لكي نقيم أحكامنا ونبني علومنا سواء الشرعيّة أو الطبيعيّة وغيرها.

قولك: ( فالماهيات كما قلنا لا وجود لها في الواقع العيني، ولا نصل إليها إلا عبر التجريد، وعملية التجريد تتباين بحسب العقول والأفهام. ولهذا نلاحظ بعض المفكرين يعرفون الأنسان تعريفات أخرى، والعجيب أنهم يرونها تحديدات ماهوية أفضل من التعريف الشائع "حيوان ناطق".
فيقولون مثلا : إن الأنسان حيوان ميتافزيقي. أو حيوان متدين. أو أن الأنسان لا يمتاز عن الحيوان بالنطق / الفكر، بل يمتاز عنه بالأخلاق. ومن ثم فالتعريف الماهوي هو أنه حيوان أخلاقي.)

أقول: دعني أوافق أولاً على أنّنا نصل إلى الماهيّات بالتجريد. ولا إشكال عندي في أنّ قدرات الناس على التجريد متفاوتة مما يؤدي إلى تعريفات متباينة للأشياء. وقد ذكرت فيما سبق أنّ التعريفات عندنا قابلة للتنقّح بتوارد الأنظار عليها، وأنّها تكون بحسب الطاقة البشريّة. فكلّ ذلك لا إشكال فيه عندي ولا يناقض التحديد المنطقي. ولكلّ أن يعرّف المحدود كما يراه بعقله، وبحسب قدرته على التجريد، ولكنّ المنطق قد وضع تعريفاً وشروطاً للحدّ، فتنقد الحدود على أساس ذلك.
فالذي قال إنّ الإنسان حيوان متديّن يقبل منه ذلك رسماً لا حدّاً لأنّ متديّن محمول على الإنسان بواسطة كونه عاقلاً، وهذا ما ندعوه بالحمل الاشتقاقي، وما يحمل حملاً اشتقاقيّاً على أمر لا يكون من صفاته الذاتيّة. وكذلك الحال بالنسبة للأخلاقيّ لو تأمّلنا في معنى ذي الخلق. فنحن في سبرنا للمحدود نستمرّ في البحث عمّا يحمل عليه حمل مواطأة بلا واسطة شيء آخر، ونركب مما تحصّل عندنا الحدّ.

قولك: (لكل هذا كنت أقول وأكرر خلال طول هذا الحوار أن موقفي من المنطق ومن مبحث الحد يتأسس على موقفي من مبحث الماهية. ولا يمكن أن تقاربوا موقفي من الحد المنطقي دون مقاربة موقفي من الماهية وإمكانية بلوغها بأدوات الأدراك البشري. وأتمنى أن يكون تصوري قد اتضح)

أقول: موقفك قد اتّضح يا أخي محمّد، وأرجو أن يكون موقفنا أيضاً قد توضّح لك. فأنت تنظر إلى الماهيّة على أنّها حقيقة الشيء على ما هو عليه في الواقع، وترى أنّ هذا لا يمكن للإنسان بوسائل إدراكه أن يبلغه، وأنا لا أخالفك في أنه لا يمكن بلوغ هذا القدر من العلم، ولكنّي لا أنظر إلى الماهيّة المنطقيّة هذه النظرة، بل أعرّفها كما ذكرته لك، وبالتالي أرى أنه يمكن بلوغها بلا إشكال.

ثمّ دعني أناقش قولك: (لأنني أنكر وجود الماهيات، فماهيات المناطقة مجرد تجريدات ذهنية وليست موجودة عينيا في الواقع المحسوس. وأضيف إنها حقائق غيبية. وليس في إمكاننا بلوغها، إنما كل ما في الأمكان هو الأقتراب منها بالتجريد. وهو اقتراب نسبي)

فأقول: إنّ المحدود قد يكون موجوداً عينيّاً محسوساً، وأنت بلا شكّ تلاحظ أنّ حدّه يكون بمحاولة تجريده عن عوارضه المشخّصة له لبلوغ قدر كليّ ذاتيّ مشترك بينه وبين أفراد جنسه يسمى الجنس، وقدر مشترك بينه وبين أفراد نوعه مختصّ بذلك النوع يسمى الفصل.

فأ: لا يكون التعريف تعريفاً إلا بالتجريد، لأنّ الجمع والمنع شرطه، ولا يتحقّق ذلك إلاّ بتجريد أوصاف كليّة تجمع جميع أفراد المعرّف وتمنع غيرها من الدخول فيها. فلا ميزة للرسم الذي تجيزه على الحدّ من هذه الجهة، إذ أنّ كلاهما لا يتحصّل عليه إلا بالتجريد.

وب: ينبغي أن نلاحظ أنّ الماهيّة لو وجدت في الخارج لكانت متشخّصة، ولا تشخّص إلا بالعوارض، فلا معنى لكونها ماهيّة يندرج تحتها أفراد ويخرج عنها آخرون إذا كانت متشخّصة. لأنّ التشخّص مانع من اشترك كثيرين فيها، لأنها إذ ذاك وبما اكتنفته من العوارض لا يمكن أن تصدق على كثيرين.

وج: وهذا الذي ذكرته في (ب) هو ما أجد مولاي الفاضل الشيخ سعيد يشير إليه بسؤالك: (فهل تقول إن أفراد النوع في الجنس الواحد لا يتميز واحد منها عن الآخر إلا بالصفات الخارجة عن الماهية. يعني إن حقيقة الإنسان هي نفس حقيقة الحيوان، ولا يتميز الأسد عن العصفور مثلا الحيوان بشيء ذاتي بشيء عارض لوجوده أو لازم له. فهل تقول إن حقائق، وألا يتميز الإنسان عن الأسد بشيء ماهوي. وما هي علة إنكارك للفصل؟؟؟؟ )

فلو قلتَ بأنّ الماهيّة لا يمكن بلوغها إلا بملاحظة العوارض المشخّصة فلمّا انتفى كونها موجودة انتفى إمكان بلوغها. فإنك بذلك تعود بالنقض على أصل التعريف بالكليّات وليس فقط على التعريف بالفصل أو ما يشتمل عليه كالحدّ التامّ. لأنّ جميع الكليّات غير موجودة في الخارج. والواقع أنّه لا يعقل تعريف إلا بالكليّات، وبالتجريد، فإذا منعت ذلك فقد منعت إمكان تعريف الأشياء مطلقاً وليس الحدّ التامّ فحسب.
والمهمّ في الأمر هو أنّك منعت إمكان تعريف بالحدّ التامّ، لأنّه لا يمكن معرفة الفصل، ولمّا سألناك عن ذلك، قلت بأنّه ما دامت الماهيّة غير موجودة فلا يمكن معرفة الفصل. لأنّ ذلك نوع التجريد والتجريد نسبي لا نصل به إلى الحقّ كما هو في نفس الأمر. فهل رأيت الإشكالات في كلامك أو تردني أن أزيد في تفصيلها، يا محمّد؟
فلا أرى في اشتراطك وجود الماهيّة لمعرفة الفصل معنى.
وهذا ما تيسّر لي قوله لضيق الوقت، بانتظار تعليقك.

محمد سلام محمد
05-02-2005, 19:04
بسم الله الرحمن الرحيم

كتب الشيخ الفاضل بلال

أقول: يا أخي محمّد، أنا أيضاً أقول بأنّ الكليّات تجريد ذهنيّ ولا وجود لأيّ منها في الخارج. وليس في الواقع الخارجيّ ماهيّة شيء، بل ما صدقات للماهيّات الذهنيّة، لأنّ الموجود في الخارج جزئيّ مشخّص بالعوارض. وليس الفصل المنطقي غير كليّ مقول بالاشتراك على أفراد النوع الواحد في جواب ما هو. ومنه القريب ومنه البعيد. فلا يختلف عن الجنس من حيث هو كليّ، ولا من حيث هو مقول في جواب ما هو، ولا من حيث ما هو مقول على كثيرين. وإنّما الفرق بينهما هو أنّ الجنس هو قدر مشترك بين كثيرين مختلفين في الحقيقة، والفصل قدر مشترك بين كثيرين متفقين في الحقيقة. فإذا كنت تمنع إمكان بلوغ الفصل لكون الماهيّة غير موجودة في الخارج، فيجب أن تمنع إمكان بلوغ الجنس لنفس السبب. فلم قلت بإمكان بلوغ الجنس دون الفصل؟

أخي الفاضل الشيخ بلال لقد شددت على رفض الفصل لما لا يخفى عليك من أمر المناطقة في شأنه ففي الفصل يتركز زعمهم بتحديد الماهية ، فمن هنا خصصته بالتشكيك.وعندما شككت في الفصل لم أكن أرفض الفصل كمميز بل رفضته بمدلوله كماهية.
لهذا قلت في مداخلتي السابقة بصريح العبارة :

لكن لماذا أنكر الفصل أو إمكان معرفة الفصل على النحو الذي يطرحه المناطقة ،أي الصفة الجوهرية الثابتة المميزة للشيء.
أقصد به أنني أنكر إمكانية معرفة الفصل بمدلوله عند المناطقة وأقول بأن ما يعتقده المناطقة فصلا قائما على صفة ماهوية أراه تمييزا ناتجا عن تجريد.

وهكذا تلاحظ أنني أقول بالفصل لكن مع احتياط المؤمن الآتي من عقيدته وكتاب ربه القائل "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا".

لكن بعد إيضاح موقفكم تبين لي أننا لا نختلف كثيرا في الموقف من الماهية. خاصة وقد قلتم في الفقرة التالية :

فلا ندّعي بأنّ هذا الحدّ يوصلنا إلى معرفة المحدود على ما هو به في الواقع قطعاً.

أمّا أننا لا يحقّ لنا أن نحدّد، فلو ادّعينا أنّنا بلغنا بالحد حقيقة الشيء على ما هو عليه في الواقع يكون لهذا الكلام وجهاً، ولكن إذا عرّفنا الحدّ والماهيّة كما تقرّر، فلا يكون في تحديدنا للأشياء من بأس.

هذا صحيح وهو عين ما أقول به ، عندما اعتبرت التحديد بالفصل هو تحديد بالتمييز لا بالماهية. لكن إذا اعتبرتم الماهية على ما سبق أن عبرتم عنه ، فهذا توكيد على اتفاقنا في شأن هذا المفهوم.


كتب الشيخ بلال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
أقول: دعني أوافق أولاً على أنّنا نصل إلى الماهيّات بالتجريد. ولا إشكال عندي في أنّ قدرات الناس على التجريد متفاوتة مما يؤدي إلى تعريفات متباينة للأشياء. وقد ذكرت فيما سبق أنّ التعريفات عندنا قابلة للتنقّح بتوارد الأنظار عليها، وأنّها تكون بحسب الطاقة البشريّة. فكلّ ذلك لا إشكال فيه عندي ولا يناقض التحديد المنطقي. ولكلّ أن يعرّف المحدود كما يراه بعقله، وبحسب قدرته على التجريد، ولكنّ المنطق قد وضع تعريفاً وشروطاً للحدّ، فتنقد الحدود على أساس ذلك.
فالذي قال إنّ الإنسان حيوان متديّن يقبل منه ذلك رسماً لا حدّاً لأنّ متديّن محمول على الإنسان بواسطة كونه عاقلاً، وهذا ما ندعوه بالحمل الاشتقاقي، وما يحمل حملاً اشتقاقيّاً على أمر لا يكون من صفاته الذاتيّة. وكذلك الحال بالنسبة للأخلاقيّ لو تأمّلنا في معنى ذي الخلق. فنحن في سبرنا للمحدود نستمرّ في البحث عمّا يحمل عليه حمل مواطأة بلا واسطة شيء آخر، ونركب مما تحصّل عندنا الحدّ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هنا اسمح لي بشيء من التفصيل :
بالنسبة لما سميته يا شيخ بلال بالحمل الأشتقاقي قد يعترض المعترض بأن العقل نفسه محمول حملا اشتقاقيا على غيره . وتعلمون أن الخلاف كبير بين التيار العقلاني - ديكارت، لايبنز ...- والتيار التجريبي - عند جون لوك ، وخاصة عند دفيد هيوم - حيث ترجع التجريبية العقل إلى الحواس . ولست أقصد بهذا أن موقفي في مبحث العقل هو موقف هيوم أو لوك، إنما أقصد أننا لو قدمنا العقل كمحدد ماهوي للأنسان لن نسلم من استفهامات مشككة ، من جهة الحمل الأشتقاقي، فالعقل عن ديكارت ولايبنز فطري ،بينما هو عند هيوم حصيلة تكوين من قبل الحواس ، وعند كانط هو مقولات قبلية تنضاف إلى المعطيات الآتية من الحواس. ولعل هذا الأختلاف في تحديد العقل وبحث ماهيته هو ما مكن البعض الآخر من القول إن الأنسان حيوان أخلاقي .
أنتم نظرتم إلى الصفة الأخلاقية بوصفها محمولة ومشتقة من وجود العقل ، وهؤلاء الذين جعلوها محددا ماهويا نظروا إليها من زاوية كونها حدا مميزا للكائن الانساني.
موقفي هو أنني أعتبر العقل محددا مميزا لكن أنظر إلى العقل بمدلوله الموسع ، أي العقل المعرفي ، والعقل القيمي( وهذا الأخير ينقسم إلى عقل قيمي جمالي ، وعقل قيمي أخلاقي ).
وعموما هذا مبحث العقل والتفكير أوسع من أن يختزل في كلمات لكن هذا موقفي منه في إيجاز ولعله تأتي مناسبة للتفصيل فيه.وإن كنت لست مختلفا معكم في تحديد الأنسان بالعقل.

كتب الشيخ بلال :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أقول: موقفك قد اتّضح يا أخي محمّد، وأرجو أن يكون موقفنا أيضاً قد توضّح لك. فأنت تنظر إلى الماهيّة على أنّها حقيقة الشيء على ما هو عليه في الواقع، وترى أنّ هذا لا يمكن للإنسان بوسائل إدراكه أن يبلغه، وأنا لا أخالفك في أنه لا يمكن بلوغ هذا القدر من العلم، ولكنّي لا أنظر إلى الماهيّة المنطقيّة هذه النظرة، بل أعرّفها كما ذكرته لك، وبالتالي أرى أنه يمكن بلوغها بلا إشكال.

ثمّ دعني أناقش قولك: (لأنني أنكر وجود الماهيات، فماهيات المناطقة مجرد تجريدات ذهنية وليست موجودة عينيا في الواقع المحسوس. وأضيف إنها حقائق غيبية. وليس في إمكاننا بلوغها، إنما كل ما في الأمكان هو الأقتراب منها بالتجريد. وهو اقتراب نسبي)

فأقول: إنّ المحدود قد يكون موجوداً عينيّاً محسوساً، وأنت بلا شكّ تلاحظ أنّ حدّه يكون بمحاولة تجريده عن عوارضه المشخّصة له لبلوغ قدر كليّ ذاتيّ مشترك بينه وبين أفراد جنسه يسمى الجنس، وقدر مشترك بينه وبين أفراد نوعه مختصّ بذلك النوع يسمى الفصل.

فأ: لا يكون التعريف تعريفاً إلا بالتجريد، لأنّ الجمع والمنع شرطه، ولا يتحقّق ذلك إلاّ بتجريد أوصاف كليّة تجمع جميع أفراد المعرّف وتمنع غيرها من الدخول فيها. فلا ميزة للرسم الذي تجيزه على الحدّ من هذه الجهة، إذ أنّ كلاهما لا يتحصّل عليه إلا بالتجريد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أجل هذا ما أقول به ، وقد قلت به سابقا حتى بالنسبة للتحديد بالفصل فقد قلت إنه نتاج تجريد وليس نتاج ملاحظة للماهية المشخصة في الواقع ، فماهيات المناطقة عندي نتاج تجريد ذهني.

ثم كتب الشيخ بلال :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وب: ينبغي أن نلاحظ أنّ الماهيّة لو وجدت في الخارج لكانت متشخّصة، ولا تشخّص إلا بالعوارض، فلا معنى لكونها ماهيّة يندرج تحتها أفراد ويخرج عنها آخرون إذا كانت متشخّصة. لأنّ التشخّص مانع من اشترك كثيرين فيها، لأنها إذ ذاك وبما اكتنفته من العوارض لا يمكن أن تصدق على كثيرين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أقول :

هناك في الفلسفة الأفلاطونية موقف مخالف لما سبق أن ذكرته يا شيخ بلال ، وهي ان الماهيات لها وجود عيني لكن في عالم مفارق هو عالم المثل . وأن النفس تتذكر هذه الماهيات لسابق عيشها في عالم المثل .
لا أقول بالموقف الأفلاطوني ولكن أسوقه من باب استحضار موقف له مكانته في تاريخ الفلسفة .

ثم كتب الشيخ بلال :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
وج: وهذا الذي ذكرته في (ب) هو ما أجد مولاي الفاضل الشيخ سعيد يشير إليه بسؤالك: (فهل تقول إن أفراد النوع في الجنس الواحد لا يتميز واحد منها عن الآخر إلا بالصفات الخارجة عن الماهية. يعني إن حقيقة الإنسان هي نفس حقيقة الحيوان، ولا يتميز الأسد عن العصفور مثلا الحيوان بشيء ذاتي بشيء عارض لوجوده أو لازم له. فهل تقول إن حقائق، وألا يتميز الإنسان عن الأسد بشيء ماهوي. وما هي علة إنكارك للفصل؟؟؟؟ )

فلو قلتَ بأنّ الماهيّة لا يمكن بلوغها إلا بملاحظة العوارض المشخّصة فلمّا انتفى كونها موجودة انتفى إمكان بلوغها. فإنك بذلك تعود بالنقض على أصل التعريف بالكليّات وليس فقط على التعريف بالفصل أو ما يشتمل عليه كالحدّ التامّ. لأنّ جميع الكليّات غير موجودة في الخارج. والواقع أنّه لا يعقل تعريف إلا بالكليّات، وبالتجريد، فإذا منعت ذلك فقد منعت إمكان تعريف الأشياء مطلقاً وليس الحدّ التامّ فحسب.
والمهمّ في الأمر هو أنّك منعت إمكان تعريف بالحدّ التامّ، لأنّه لا يمكن معرفة الفصل، ولمّا سألناك عن ذلك، قلت بأنّه ما دامت الماهيّة غير موجودة فلا يمكن معرفة الفصل. لأنّ ذلك نوع التجريد والتجريد نسبي لا نصل به إلى الحقّ كما هو في نفس الأمر. فهل رأيت الإشكالات في كلامك أو تردني أن أزيد في تفصيلها، يا محمّد؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لقد اتضح موقفي وموقفكم .
وقد قلت في آخر مداخلتي :
أقصد به أنني أنكر إمكانية معرفة الفصل بمدلوله عند المناطقة وأقول بأن ما يعتقده المناطقة فصلا قائما على صفة ماهوية أراه تمييزا ناتجا عن تجريد.

من مداخلتي السابق إذا يتضح موقفي وهو أنني لا أنكر الحد بالفصل ، ولكن أقول به مع تعديل معنى الفصل .
وأزيد في الأيضاح بشيء من الأسهاب :
بالنسبة لمنطق أرسطو فهو كما تعلم يتأسس على اختلاف في الموقف من الماهية مع أفلاطون فهو يقول بوجود عالم ماهيات مفارق للعالم المحسوس. كما يقول بسبق وجود النفس في هذا العالم ، ومن هنا تمكنت هذه النفس من إنجاز المعرفة ( المعرفة تذكر والجهل نسيان) وعملية التفكير هي إما جدل صاعد أو جدل نازل يتم بهما تذكر النفس للماهيات التي سبق أن عاينتها في عالم المثل قبل نزولها إلى سجن الجسد.
بالنسبة لأرسطو فالماهية نتاج تجريد عقلي.
قلت إن موقفي هو أن الماهيات لا توجد في الواقع العيني .
وهذا ما جعلني أكرر سؤالي للشيخ من أجل أن يجيبني عنه ،لأن الأجابة كانت ستجعل مواقفنا واضحة.
أضيف بما ان الماهيات غير موجدة في الواقع الحسي ، هل هي موجودة خارجه.
أقول:
إن الماهيات الحقيقية هي في علم الله سبحانه.
وما يصل إليه الفكر البشري في شأنها هو نتاج عملية تجريد .
إلى هنا نحن متفقين .
لماذا رفضت أنا الحد بالماهية إذن ؟
رفضت الحد بالماهية وفق مدلوله عند أرسطو ، حيث يذهب المشائيون إلى أن ما يصل إليه العقل بالحد الماهوي هو ماهية ثابتة مميزة للأنسان ومحددة لصفته الجوهرية. وأن العلم المؤسس بناء على هذه الكليات والماهيات هو علم يقيني.
هذه اليقينية التي يتسم بها منطق أرسطو أراها تحتاج إلى شيء من التواضع لتستقيم ، وهو إستشعار الأنسان أنه مخلوق لله وأن مداركه وأدواته في المعرفية محدودة ، وبالتالي فكل ما يصل إليه من معرفة فهي ليست معرفة يقينية تامة مطلقة .
وهذا ما جعلني أنتقد الحد بالماهية بمدلوله اليقيني الأطلاقي الذي قدمه المشائيون.
ولعلنا بعد توضيح ما سبق ننتقل من مفهوم الحد. هذا إذا لم يكن ثمة نقط أخرى تسوجب الاستفهام والأيضاح .

سعيد فودة
07-02-2005, 11:22
أنت يا أخ محمد سلام، لا زلت تنتقل بين مصطلحات تطلق بناء على فلسفة أرسطو، وبين مصطلحات لها مفاهيم معينة بناء على مذاهب المتكلمين والمناطقة الإسلاميين.
مفهوم الحد والفصل والماهية واضح تماما عند المناطقة الإسلاميين، ولاحاجة للترديد فيه. وكون الفصل وصفا ذاتيا مميزا لمحدود عن غيره أمر واضح.
ولا مدخلية للقول بوجود الماهية في الخارج لتتوقف في جوابك، لأنه يا أخي العزيز كل من قال بوجود الماهية في الخارج قال بوجودها ذهنا. ولهذا فأنا لم أهتم كثيرا بإجابتك، وأيضا، لأنه كان ينبغي عليك أن تعرف أن الإسلاميين المناطقة لا يقولون بوجود المجرد في الخارج بنفسه، والقواعد المنطقية من حيث ما هي منطقية لا تتوقف على هذه المسألة، كما قلنا لك سابقا. وكونك تناقش في الحد وإمكان معرفته أو الوصول إليه، فهذا لا يتوقف على القول بوجود الماهية أو عدم وجودها بل كونها تجريدا، أو انتزاعا مما في الخارج. ولكنك لا تريد أن ترى هذا المعنى الدقيق الذي نبهتك إليه ونبهك إليه الأخ بلال مرارا.
فهذا شأنك.
أما قولك بأنك إنما شككت في الفصل، أو أنكرته، فهذا لم يتبين لنا، ولم تصرح أنت به تصريحا إلا بعدما سألتك عدة أسئلة وألزمتك به إلزاما. وعلى كل حال فأنا لا أرى وجها في كلامك كله لإنكار الفصل بعد إثباتك للجنس القريب والبعيد.... فالجمع بين هذا وذاك غريب أن يصدر من فاهم لعلم المنطق.
يعني أنك تقول إنه يمكن أن نعرف الصفات الذاتية التي يشترك فيها الذات المعينة مع غيرها، ولا يمكن أن نعرف الصفات الذاتية التي يتميز بها الذات عن غيرها... أليس هذا قولا غريبا.....
واعلم أن قولك :"هذا صحيح وهو عين ما أقول به ، عندما اعتبرت التحديد بالفصل هو تحديد بالتمييز لا بالماهية. لكن إذا اعتبرتم الماهية على ما سبق أن عبرتم عنه ، فهذا توكيد على اتفاقنا في شأن هذا المفهوم."اهـ، لا يستقيم مطلقا مع ما قررناه.
فأنت تسمي التعريف بالفصل تمييزا، في حال أن الفصل هو الصفات الذاتية المميزة، وهذا لا يستقيم ولا يصح.
ولا يطرد مع مصطلحات المناطقة الإسلاميين ومعانيهم المقررة التي كان عليك أن تتبينها تماما قبل أن تتصدى للمناقشة في هذا الموضوع. فنحن لا نخرج عنها لئلا يؤدي خروجنا عنها إلى لبس وتشتت في المعاني.
وقولك:"أقصد به أنني أنكر إمكانية معرفة الفصل بمدلوله عند المناطقة وأقول بأن ما يعتقده المناطقة فصلا قائما على صفة ماهوية أراه تمييزا ناتجا عن تجريد."اهـ
لا قيمة له هنا. لما مضى بيانه. فقد عرفت أن مدلول الفصل انتزاع لمفهوم صفة ذاتية من ملاحظته لما في الخارج. فهو تعبير عن ما في الخارج، وليس ادعاءا لأن نفس مفهوم الحد التام أو الناقص هو موجود بنفس القدر المعبر عنه في الحد في الخارج. فهذا لا يقول به جماهية الإسلاميين، ولذلك لم يكن يجوز تنسبه إليهم أو تناقشنا فيه، لأننا اتفقنا أننا غير معنيين إلا بالكلام فيما وافق فيه الإسلاميون أرسطو. وهذا ليس منه، ولو كان فلا يتوقف الكلام في المسألة مكا قلت لك سابقا على هذه الجهة.
وتسميتك إياه تمييزا ليس إلا نزاعا في ألفاظ، وهو غير مناسب من واحد يناقش في المنطق والمعقولات.
وكذلك قولك:"هذا صحيح وهو عين ما أقول به ، عندما اعتبرت التحديد بالفصل هو تحديد بالتمييز لا بالماهية. لكن إذا اعتبرتم الماهية على ما سبق أن عبرتم عنه ، فهذا توكيد على اتفاقنا في شأن هذا المفهوم."اهـ فجملتك الشرطية فيه، دليل أنك لم تتمكن بعد من اصطلاحات المناطقة الإسلاميين، ولا تلتزم بها في مناقشتك وهو ما يسبب لك كثيرا من الأخ والرد بلا وجه حق.
فما بينه لك بلال هو الذي وضحه المناطقة الإسلاميون وليس اختراعا من عنده، بل هو مشهور معلوم.
وقولك:"من مداخلتي السابق إذا يتضح موقفي وهو أنني لا أنكر الحد بالفصل ، ولكن أقول به مع تعديل معنى الفصل "اهـ، غير مضبوط مطلقا، فأنت الآن تقول بأن تثبت الحد بالفصل مع التعديل السابق في مفهوم الفصل، تعني أنه يميز فقط، ولا يدل على الصفة الذاتية.
وتعديلك لمعنى الفصل لا وه له بعدما قاله لك بلال ووضحناه.
وقولك:"أقصد به أنني أنكر إمكانية معرفة الفصل بمدلوله عند المناطقة وأقول بأن ما يعتقده المناطقة فصلا قائما على صفة ماهوية أراه تمييزا ناتجا عن تجريد"اهـ، فقد تبين لك أن مدلول الفصل عند المناطقة ليس كما كنت تتوهم، فلا داعي لإنكاره إذن. ويبقى السؤال قائما هل هذا التمييز القائم على تجريد ، هل هو تجريد لصفة ذاتية في الخارج وتعبير عنها باللفظ، أم هو تجريد لمعنى عارض أو لازم للماهية. إن كان الأول فلا داعي لخلافك، وإن كان الثاني فكلامك غير مضبوط كما قلنا لك، لأن هذا الذي تسميه فصلا يكون خاصة، فخلافك لفظي فقط.
وتعميم الفهم الذي تقول به للماهية والفصل ونسبته إلى المناطقة عموما غير صحيح مطلقا.
وقولك:"لماذا رفضت أنا الحد بالماهية إذن ؟
رفضت الحد بالماهية وفق مدلوله عند أرسطو ، حيث يذهب المشائيون إلى أن ما يصل إليه العقل بالحد الماهوي هو ماهية ثابتة مميزة للأنسان ومحددة لصفته الجوهرية. وأن العلم المؤسس بناء على هذه الكليات والماهيات هو علم يقيني.
هذه اليقينية التي يتسم بها منطق أرسطو أراها تحتاج إلى شيء من التواضع لتستقيم ، وهو إستشعار الأنسان أنه مخلوق لله وأن مداركه وأدواته في المعرفية محدودة ، وبالتالي فكل ما يصل إليه من معرفة فهي ليست معرفة يقينية تامة مطلقة .
وهذا ما جعلني أنتقد الحد بالماهية بمدلوله اليقيني الأطلاقي الذي قدمه المشائيون. "اهـ
فهل تنكر إمكان الوصول إلى يقين في معرفة أي شيء. يعني هل عندما نقول على سبيل المثال:إن الإنسان عاقل. ألا نستطيع أن نتيقين من قولنا وأن نقطع به.... هل تتصور أن يكون إنسان غير قابل مطلقا للتعقل ويبقى ذا حقيقة إنسانية.
أما تعريف الإنسان بأنه ذا دين وبأنه أخلاقي فهو تعريف بالعوارض أو اللوازم لا الذاتيات كما قال لك بلال.
ويبقى في كلامك إشكالات كثيرة.
وربما أترك الكلام معك إلى بلال من الآن فصاعدا.
والله يوفقك.

محمد سلام محمد
09-02-2005, 00:09
قرأت مداخلة الشيخ سعيد وعندي عليها ملاحظات عدة ،لكن قبل بسطها أحب أن أنوه إلى مسألة ، وهي أنني منذ مبتدأ هذا الحوار حرصت على إنجاحه وجعله حوارا معرفيا ، يتخلق بأخلاق الأحترام المتبادل ، ولذا كنت أغض الطرف عما يرد أحيانا في مداخلة الشيخ سعيد حفظه الله.
وإني حفظا لهذه الأخلاقيات أضع جانبا من مداخلة الشيخ سعيد بعض العبارات دونما تعليق ، سوى تعليق واحد وهو أنني أتمنى أن تترقى لغة الحوار إلى مستوى أفضل!! وأتمنى أن لا يصدر مني أنا أيضا ما يخدش مقام الشيخ سعيد . واحتراما لهذا المقام أجد في نفسي الأستعداد الكامل لمحاورته بأدب ،بل وغض الطرف أحيانا عما أراه خاطئا في مداخلته من أجل تطوير وتعميق حوارنا.
ولهذا قلت في آخر مداخلتي بما أن الأخوة لا يقولون ببلوغ الماهية ،فالأختلاف بيننا ليس كبيرا ، وأوقفت النقاش دون لجاجة في الجدل ، من أجل الأنتقال إلى أمور أخرى ذات أهمية في مراجعتنا للمنطق.
لكن مداخلة الشيخ سعيد الأخيرة تستوجب مني وقفة .


قال الشيخ :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مفهوم الحد والفصل والماهية واضح تماما عند المناطقة الإسلاميين، ولاحاجة للترديد فيه. وكون الفصل وصفا ذاتيا مميزا لمحدود عن غيره أمر واضح.
ولا مدخلية للقول بوجود الماهية في الخارج لتتوقف في جوابك، لأنه يا أخي العزيز كل من قال بوجود الماهية في الخارج قال بوجودها ذهنا. ولهذا فأنا لم أهتم كثيرا بإجابتك، وأيضا، لأنه كان ينبغي عليك أن تعرف أن الإسلاميين المناطقة لا يقولون بوجود المجرد في الخارج بنفسه، والقواعد المنطقية من حيث ما هي منطقية لا تتوقف على هذه المسألة، كما قلنا لك سابقا. وكونك تناقش في الحد وإمكان معرفته أو الوصول إليه، فهذا لا يتوقف على القول بوجود الماهية أو عدم وجودها بل كونها تجريدا، أو انتزاعا مما في الخارج. ولكنك لا تريد أن ترى هذا المعنى الدقيق الذي نبهتك إليه ونبهك إليه الأخ بلال مرارا.
فهذا شأنك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أولا أعجب من قول الشيخ سعيد
كل من قال بوجود الماهية في الخارج قال بوجودها ذهنا. ولهذا فأنا لم أهتم كثيرا بإجابتك
لماذا أعجب ، لأن الصحيح خلاف ما تقول ياشيخ ،فليس كل من قال بوجود الماهية قال بوجودها ذهنا . ويكفيني هنا أن أحيلك على كتاب نقد العقل الخالص عند كانط ،حيث ينتهي فيلسوف نقد العقل إلى التمييز بين الماهية (أي الشيء في ذاته) أو بلغة كانط النومين ، وبين التمثل الذهني لها. فهو يعترف بوجودها في الخارج لكن لا يعترف بإمكان بلوغها أي لا يعترف بتمثلها ووجودها ذهنا . بل ثمة فاصل أنطلوجي يفصل العقل عنها لأنه محدود بحدود الظاهر .
هذه واحدة.
أما الثانية
فدعني ياشيخ أعيد عليك مرة أخرى أمرا هاما في ترتيب هذا النقاش وهو أننا لسنا في معرض تركيب أقيسة صورية لنترك المفاهيم المؤسسة للمنطق دون إعمال الفكر النقدي فيها. فنحن بصدد نقاش علمي يمكن أن نصنفه ضمن حقل إبستمولوجيا المنطق بما تعنيه من دراسة نقدية لمفاهيم وأسس العلم المنطقي. لذا فتحديد ماهية الماهية وهل هي موجودة في الخارج أو محصورة ذهنيا مسألة بالغة الأهمية.
تقول أنه لا يترتب على هذا أي أهمية في شأن مفهوم الحد ولا في شأن بناء المنطق.
أخالفك الرأي ، لكن لست أنا وحدي من يخالفك في هذا ، بل يخالفك كل من اتخذ موقفا نقديا من منطق أرسطو بدءا من الرواقيين وانتهاء بجون استيوارت مل، واللذين جاؤوا بعده . ودليلي على ذلك أن من بين أسباب اختلاف المنطق الرواقي عن المنطق القياسي الأرسطي هو بالضبط الموقف من الماهية حيث انتهى منطق الرواقيين إلى كونها مجرد اسم لا حقيقة له في الخارج. فكان بذلك المنطق الرواقي منطقا إسميا ماديا ، وقد انتهى أكبر مؤرخ للفلسفة الرواقية أي الأستاذ بروشار إلى تحليل للمنطق الرواقي وبيان تأسيسه على نفي الماهية والتصور ، حيث لا يرى الرواقيون وجود علم التصورات إطلاقا!! فكان ذلك من جملة ما جعلهم يؤسسون لمنطقهم الشرطي.
وقس على هذا موقف الأوكامي من الحد بالماهية حيث رفضه بسبب موقفه الأسمي من الماهية الرافض لمقولة الكل عند أرسطو .
وفي تراثنا الفكري انتقادات لمبحث الحد مشهورة عند بن تيمية والسهروردي.

ثم يقول الشيخ سعيد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أما قولك بأنك إنما شككت في الفصل، أو أنكرته، فهذا لم يتبين لنا، ولم تصرح أنت به تصريحا إلا بعدما سألتك عدة أسئلة وألزمتك به إلزاما.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بل كان موقفي واضحا منذ البداية منكرا لمفهوم الحد بالماهية ؟


ثم أضاف الشيخ الفاضل حفظه الله

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعلى كل حال فأنا لا أرى وجها في كلامك كله لإنكار الفصل بعد إثباتك للجنس القريب والبعيد.... فالجمع بين هذا وذاك غريب أن يصدر من فاهم لعلم المنطق.
يعني أنك تقول إنه يمكن أن نعرف الصفات الذاتية التي يشترك فيها الذات المعينة مع غيرها، ولا يمكن أن نعرف الصفات الذاتية التي يتميز بها الذات عن غيرها... أليس هذا قولا غريبا.....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنا لم أنكر الصفة المميزة ، بل أنكر الصفة الماهوية ، وثمة فرق يا شيخ. أنا منذ البداية قلت لك أنني أقبل بالجنس البعيد والقريب وأكثر من ذلك . ومعنى قولي أكثر من ذلك هو أن لدي موقفا من الماهية لذا كان أول سطر كتبته بعد قولي بقبول الجنس هو أنني دعوتكم لفتح نقاش موسع في مفهوم الماهية. وذلك بقصد أن أبين لكم موقفي من الجنس والفصل، أي موقفي من المحددين الأساسيين لماهية.
لكن دعني أجيبك على اعتراضك تقول

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يعني أنك تقول إنه يمكن أن نعرف الصفات الذاتية التي يشترك فيها الذات المعينة مع غيرها، ولا يمكن أن نعرف الصفات الذاتية التي يتميز بها الذات عن غيرها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأقول للشيخ سعيد :
إن هذه المفاهيم الثلاثة التي أنكرت علي موقفي منها ورأيته متناقضا أنا أستعملها بمداليل مختلفة عما تستعمله أنت ياشيخ وغيرك من المناطقة فأنا أقول بالجنس القريب والبعيد ، بل قلت حتى بالفصل لكن مع تعديل الدلالات فيصبح الفصل تمييزا لا صفة جوهرية ماهوية.
فهل كنت في قبول هذا متناقضا مع نفسي .
لا أبدا إنما أنت الذي لم تفهم مقصود قولي منذ البداية . ولعلي أراك تتسرع في قراءة ما أكتبه أو تحسب أنها سطور من تلميذ يلعب بالمفاهيم دون إدراك مداليلها. إنني أطرح مفهوما منهجيا جديدا أدعوك إلى قراءته بتأن ونقده بعد ذلك.

ثم يقول الشيخ الفاضل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فأنت تسمي التعريف بالفصل تمييزا، في حال أن الفصل هو الصفات الذاتية المميزة، وهذا لا يستقيم ولا يصح.
ولا يطرد مع مصطلحات المناطقة الإسلاميين ومعانيهم المقررة التي كان عليك أن تتبينها تماما قبل أن تتصدى للمناقشة في هذا الموضوع. فنحن لا نخرج عنها لئلا يؤدي خروجنا عنها إلى لبس وتشتت في المعاني.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صدقت أنا أستعمل مفهوم الفصل بغير الدلالة التي يستعملها بعض المناطقة المسلمون،لكن ليس السبب هو أنني لم أتبين معانيها كما تفضلت ، بل السبب هو أنني رافض لهذه الدلالات المعطاة للفصل ،حيث أرفض ابتناء المنطق على هذه المفاهيم بهذه التحديدات الدلالية الماهوية الخاطئة.


ثم يضيف الشيخ الفاضل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقولك:"أقصد به أنني أنكر إمكانية معرفة الفصل بمدلوله عند المناطقة وأقول بأن ما يعتقده المناطقة فصلا قائما على صفة ماهوية أراه تمييزا ناتجا عن تجريد."اهـ
لا قيمة له هنا. لما مضى بيانه. فقد عرفت أن مدلول الفصل انتزاع لمفهوم صفة ذاتية من ملاحظته لما في الخارج. فهو تعبير عن ما في الخارج، وليس ادعاءا لأن نفس مفهوم الحد التام أو الناقص هو موجود بنفس القدر المعبر عنه في الحد في الخارج. فهذا لا يقول به جماهية الإسلاميين، ولذلك لم يكن يجوز تنسبه إليهم أو تناقشنا فيه، لأننا اتفقنا أننا غير معنيين إلا بالكلام فيما وافق فيه الإسلاميون أرسطو. وهذا ليس منه، ولو كان فلا يتوقف الكلام في المسألة مكا قلت لك سابقا على هذه الجهة.
وتسميتك إياه تمييزا ليس إلا نزاعا في ألفاظ، وهو غير مناسب من واحد يناقش في المنطق والمعقولات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأكرر إن تسميتي للفصل ليس مجرد نزاع في الألفاظ بل هو موقف نقدي من المنطق ومفهوماته وحدوده الماهوية .

أما قولك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وتسميتك إياه تمييزا ليس إلا نزاعا في ألفاظ، وهو غير مناسب من واحد يناقش في المنطق والمعقولات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فهذا مما أخالفك فيه ،يا شيخ سعيد ، بل يخالفك فيه من يشتغل بالمنطق والمعقولات! ويكفي أن أحيل هنا إلى جون استيوارت مل وبرتراند راسل ،فقد أنكرا الماهية والحد بالماهية واعتبرا أن حقيقة الحد المنطقي هي أنه تمييز بين المحدود وغيره بالخواص اللازمة. فرجاء ألق نظرة على أي كتاب يتناول موقف جون ستيوارت أو راسل من مبحث الحد الأرسطي وزعمه الوصول إلى الماهية.

وخلاصة موقفي أكررها لك من جديد :
إنني أنكر الوصول إلى الماهية ، ولذا فالقول :"الأنسان حيوان ناطق" ، أقول به كتحديد للأنسان لكنه عندي ليس تحديدا ماهويا بل مجرد تمييز ، وذلك لأنني أنكر إمكان بلوغ الماهية.

وأنا أستغرب حقيقة عندما أراكم يا شيخ سعيد تنظرون إلى إنكاري للماهية واعتباري للحد مجرد تمييز تعدون هذا القول منكرا من الأقوال لم يقل بها أحد ،وتعدونه غير مناسب أن يصدر ممن يشتغل بالمنطق !!
حقيقة أستغرب ، وأستغرب أكثر عندما أراكم تتشبثون بموقف منطقي أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه متجاوز الآن بعد التطورات المعرفية التي مست الفكر المنطقي والعلمي . فإذا لم يكن لكم تقدير لنقد بن تيمية ، وهو أمر يمكن أن يستساغ من قبل مفكر أشعري له مع بن تيمية خصومة، فعلى الأقل كان ينبغي أن يكون لديكم بعض من التقدير لنقد المتصوف السهروردي لمبحث الحد ، وإنكاره إمكان الوصول إلىالجنس والفصل بمدلولهما الماهوي ، وأن الطريق الوحيد للحد هو الإحساس والكشف.
وإذا لم يكن لديكم تقدير للسهروردي بسبب حلوليته ، كان على أقل تقدير أن يكون لديكم تقدير للتطورات المعرفية العلمية ، فانظر إلى العلم المعاصر ، ستجده منذ نيوتن لم يعد يشتغل بمفهوم الماهية ، بل إن نيوتن يفتخر أنه فسر بنية العالم بالجاذبية دون تحديد ماهيتها. (أحيلك هنا على معالجة نقدية عميقة لمفهوم الماهية في العلم عند أوجست كونت في كتابه "دروس في الفسفة الوضعية " وإني أكتب لك من الذاكرة وليس بين يدي الآن كتابه ولكن إذا أردت بحثت لك وأعطيتك ملخصا وافيا لموقفه من الماهية.)

ثم أرد على ما تبقى من مداخلتكم بسؤال أرجو التفكير فيه مليا:
دعنا نطرح هذا الحد الماهوي الذي تكثر من الدفاع عنه أمام محك النظر والتفكير . هل يوجد هذا النوع من الحدود؟ ماذا يملك المناطقة من تعريفات بالماهية ؟
ثم ما قيمة هذه التعريفات في مقاربة الواقع ومعرفته؟
انظر إلى العلماء ، إنهم بكل تخصصاتهم الفزيائية والجيولوجية والرياضية.. لا يشتغلون أبدا بتحديد الماهيات ولا تعنيهم في شيء . أتدري لماذا ؟
لأن مطلب الماهية يخرج عن إمكانات العقل البشري ، ولن يصل في شأنه سوى إلى تجريدات ميتافزيقية لا يمكن ان تثمر معرفة مفيدة. لقد ظل المناطقة يكررون طيلة خمسة وعشرين قرنا أن "ماهية الأنسان حيوان ناطق " ، لكن هل استطاعوا أن يعرفوا حقيقة هذا العقل الذي به تتحدد ماهية الأنسان ؟ ما ماهية العقل ؟
لو فكرت معي في هذا الأستفهام ستلاحظ أن جميع ما يمكن أن نأتي به من إجابات عليها ردود واعتراضات . ومن ثم ننتهي إلى أن تعريف العقل هو بالتمييز والرسم وليس بالماهية . إننا نعرف الأشياء بالمخالفة والمماثلة والتمييز والاشارة ... وغيرها من أشكال الحدود .. إن تحليل الأشياء في جزئيتها هي التي أعطتنا العلوم وحققت لنا معرفة بواقعنا ، أي بواسطة تلك الحدود الناقصة التي يستهجنها المناطقة ، ويتعالون بحدهم الماهوي الأجوف عليها ، ذلك الحد الذي لم يثمر شيئا. بتلك الحدود الناقصة تصور العلماء العالم وليس بالحدود الماهوية التي يكثر المناطقة من الحديث عنها دون انتباه إلى أنها لا وجود لها في الحقيقة.
وانظر في المنطق الرمزي المعاصر وكذا المنطق الطبيعي ، هل يشتغل بالحد الماهوي ؟ أبدا !
حتى القائلون بالماهية قالوا يعسر إيجاد حد ماهوي. تأمل محاورات أفلاطون ، وأنت تعلم أن جميع هذه المحاورات هي بحث عن الحد الماهوي ،ستلاحظ أنها تنتهي في الغالب إما إلى إبقاء السؤال معلقا ،أو إعطاء إجابة موهومة، وإنهاء تمثيلية الحوار بخضوع السوفسطائي للبطل سقراط دون أن تكون تلك الأجابة حقا مما يمكن ان يخضع لها محاور سقراط بكل تلك السهولة!
هذا هو موقفي ، ولست ممن يحبون اللجاجة والعناد في الحوار . فإذا اقتنعتم به لكم ذلك ، وإذا لم تقتنعوا ،فأقول إنكم أنتم أيضا لم تقنعوني بموقفكم ، كما لم يقتنع به المناطقة المعاصرين ، الذين هم في أغلبهم يشمئزون من هذا الوهم المسمى بالحد الماهوي .

ثم ختاما أكرر أتمنى ان تترقى لغة الخطاب ، حتى يكون حوارنا مثمرا فنحن لا زلنا في مبتدأ الكلام ولازال بيننا أشواط كثيرة سنختلف فيها كثيرا.

بلال النجار
09-02-2005, 14:37
بسم الله الرحمن الرحيم

أخي محمّد،

دعني أبيّن بعض الأمور المهمّة، والتي لا أراها خفيت عليك من نقاشك معنا، مساهمة في تحرير الخلاف الذي أراه لفظياً أكثر منه معنوياً.

أولاً: لا إشكال عندي في بحث المنطق بحثاً يتناول أسسه ومصطلحاته. ولكن توجيه النقد للمنطق الإسلامي لا بدّ أن يراعى فيه مصطلح القوم كما هو أولاً. والحاصل أنّني لاحظت منذ بداية الكلام معك أنّك تستخدم مصطلح الماهيّة وغيره من المصطلحات بمعنى مغاير لما هو موجود عند المناطقة الإسلاميين. ولذلك ترى أنه لا يمكن بلوغها. فإذا أخذنا بالاعتبار معنى الماهيّة ومعنى الذاتيّ ومعنى العرضيّ عندهم، لم يكن ثمّة إشكال في تحديد الماهيّة، ولا بلوغ الجنس والفصل من قبل ذلك. فالذي حصل هو أنّ ما وجّهته يا أخي محمّد من نقد للمنطق فقد بنيته على أساس تصوّرك للماهيّة تصوّراً مغايراً لتصوّر الإسلاميين لها. ولذلك قال لك الشيخ سعيد إنّ نفيك لإمكان التحديد بالفصل وبلوغ الماهيّة صار لا معنى له، أي بعد ما عرفت ما نعنيه بالماهيّة والصفة الذاتية، والعرضيّة، فلا يكون حكمك بعدم إمكان بلوغهما صحيحاً بناء على تصوّرنا لهما، ولكنه يكون صحيحاً بناء على فهمك وتصوّرك أنت للماهيّة. ولا مشاحّة في الاصطلاح ما دام قد حصل الاتفاق على المعنى. وحتّى البحث في المنطق في أعمق مستوى لا يعود بالنقض على الاصطلاح من حيث ما هو اصطلاح، كما لا يخفى عليك. هذا كلّ ما في الأمر.

ثانياً: ثمّة قضيّة هامّة وهي يقينيّة الحدّ. إنّك حين تشكك في يقينيّة الحدّ، فإن ما تعنيه هو أنّ التصوّر المبلوغ بالحدّ لا يقطع بمطابقته لماهيّة المحدود كما هي في نفس الأمر وعلم الله تعالى، ولذلك تتكلّم عن التواضع والتأدب مع الله تعالى بهذا الشأن.
والإسلاميّون في متونهم كالسلم الذي بين يديك يميّزون بين العلم الحادث والعلم القديم، ويقولون بأنه لا نسبة بينهما، والذي يقسمونه إلى تصوّر وتصديق هو علم المخلوقات وليس علم الله تعالى. وبالتالي فالمنطق بما هو آلة لتحصيل العلوم الحادثة ليس من شأنه أصلاً أن يكشف عن الحقائق كما هي في علم الله تعالى، بل كما يراها العقل الإنساني. ولذلك حين سألتني هل أقول بإمكان بلوغ الماهيّة، أجبتك: (نعم بناء على أنّ الماهيّة هي ما به الشيء هو هو عند العقل). وهذا القيد كما ترى في غاية الأهمّيّة.
ولذلك أيضاً تطرّقت في كلامي معك عدّة مرّات إلى يقينيّة علومنا التصوّريّة، وأنّ عدم بلوغنا في تصوّراتنا إلى ما هو ثابت في علم الله تعالى عن حقائق الأشياء، لا يعود بالنقض على علومنا الحادثة، ولا يشكك في يقينيّتها.
فإنك لا شكّ تعرف أنّ الحدّ عند حمله على المحدود يتألف منهما قضيّة لا بدّ من حكم العقل بصدقها على جميع أفراد المعرَّف لكي يكون التعريف صحيحاً. ولا أحد منا يعني بهذا الصدق ما عبّر عنه الشيخ سعيد بقوله: (نفس مفهوم الحد التام أو الناقص هو موجود بنفس القدر المعبر عنه في الحد في الخارج).

إننا نقول إنّ مفهوم الحدّ صادق على المحدود، صدق الكليّ على جزئيّاته. ولذلك لو لم يتألّف منهما قضيّة كليّة يحكم العقل بصحّتها على جميع أفراد المحدود لم يكن الحدّ صحيحاً. وهذا الحكم الكليّ لا ينتقض مهما تنقّح المعرِّف لاحقاً. والثابت في علم الله تعالى لا يمكن أن ينافيه، بل بين هذين العلمين تلازم قطعيّ. وإلا ارتفعت الثقة عن العقول، وانسدّ بذلك الطريق إلى معرفة الصانع.

إنّ وحدة أحكام العقول على الأمر الواحد دليل على ثبات الصورة العقليّة عند جميع العقول لنفس الأمر. أعني القدر المشترك بين العقول. ولا أحد منا يقول إنّ هذه الصورة العقليّة الثابتة هي عين ذلك الشيء المحكوم عليه في الواقع، ولا أنّها تعبّر عن حقيقة الشيء كما هي ثابتة في علم الله تعالى. ولكن ثبات هذه الصورة دليل على ثبات حقيقة ما للمعرَّف هي الحقيقة كما هي في علم الله تعالى. والصورة العقليّة هي ما نسمّيها حقيقة الشيء، وندّعي ثباتها، وإمكان معرفتها. ولذلك تجد في متوننا قول العلماء: (حقائق الأشياء ثابتة، والعلم بها متحقّق خلافاً للسفسطائيّة) أي أنه للأشياء حقائق ثابتة يمكن للعقل بلوغها، بما هو عقل مخلوق ومحدود ومشروط تعقّله بالحواس. ولا نعني بهذه الحقائق نفس تلك الحقائق كما هي ثابتة في علم الله تعالى. بل نعني بها لوازم لتلك الحقائق يمكن للعقل أن يتبيّنها.

والسؤال الآن، هل يمكن للإنسان بأسباب معرفته العاديّة أن يعرف تلك الحقيقة التي تتكلّم عنها أنت وتسمّيها ماهيّة أي هل يمكته أن يعرف حقيقة الأشياء كما هي ثابتة في علم الله تعالى أو لا؟

أنا وأنت متّفقون على أنه ليس بوسعه ذلك.

ولكنك تسمّي تلك الحقيقة ماهيّة. وأنا في المنطق الذي يبحث في طرق تحصيل المعرفة الإنسانيّة لا أسمّي تلك الحقيقة ماهيّة. بل أسمّي بعض اللوازم عن تلك الحقيقة صفات ذاتيّة. وهي أقصى ما يستطيع عقلي أن يبلغه في إدراك كنه الشيء، وأركّب منها الماهيّة. فتصير ماهيّة الشيء عندي هي مجموع الصّفات الذاتيّة للشيء بحسب الطاقة البشريّة، أي في أقصى ما استطاع العقل بلوغه من تصوّر لتلك الحقيقة بما تهيّأ له من أسباب عاديّة للمعرفة.

وبهذا يكون الخلاف بيننا في موضوع بلوغ الماهيّة خلافاً لفظياً.
وأمّا أنك لا ترضى عن مفهوم الماهيّة والحدّ والصفة الذاتيّة عند المتكلّمين والمناطقة الإسلاميين فهذا شأن آخر، ينبغي أن لا يؤثر في نقاشنا. والأصل أن نتكلّم بمصطلحنا نحن ولا نخرج عنه. وقد عرفت مصطلحنا فليكن كلامك معي بمصطلحي حتّى لا يتطرق إلينا الخلاف من جهة الألفاظ.


ثالثاً: قولك: (دعنا نطرح هذا الحد الماهوي الذي تكثر من الدفاع عنه أمام محك النظر والتفكير. هل يوجد هذا النوع من الحدود؟ ماذا يملك المناطقة من تعريفات بالماهية؟ ثم ما قيمة هذه التعريفات في مقاربة الواقع ومعرفته؟ انظر إلى العلماء، إنهم بكل تخصصاتهم الفزيائية والجيولوجية والرياضية.. لا يشتغلون أبدا بتحديد الماهيات ولا تعنيهم في شيء. أتدري لماذا؟
لأن مطلب الماهية يخرج عن إمكانات العقل البشري ولن يصل في شأنه سوى إلى تجريدات ميتافزيقية لا يمكن ان تثمر معرفة مفيدة)

أقول: لاحظ يا أخ محمّد أنّك لا تكلّمنا ههنا بمصطلحنا، بل بمصطلحك أنت. وعلى مصطلحنا هنالك الكثير من الحدود الماهويّة. وهذه التعريفات لها قيمة علميّة لأنّها صادقة على الواقع. والتجريدات الموجودة في حدودنا هي صفات كليّة صادقة على المحدود. وتنبني الأحكام التي هي قضايا العلوم على التعريفات سواء كانت رسوماً أو حدوداً. ونحن نرى أن العلوم المؤسسة على هذا الأساس المنطقي الإسلامي علوم مفيدة ومثمرة، فلا يكون كلامك متعلّقاً بنا أصلاً. كما سأوضّحه أكثر عمّا قليل.


قولك: (لقد ظل المناطقة يكررون طيلة خمسة وعشرين قرنا أن "ماهية الأنسان حيوان ناطق"، لكن هل استطاعوا أن يعرفوا حقيقة هذا العقل الذي به تتحدد ماهية الأنسان ؟ ما ماهية العقل؟)

أقول: إنّهم تكلّموا في تعريف العقل، وهم يصوّرونه بهذه التعريفات من بعض الوجوه قطعاً، ولو استطاعوا سبر جميع صفاته الذاتيّة لحدّوه، ولكن عدم بلوغهم لحدّ تام للعقل لا يستلزم انتفاء الفائدة من تعريف الإنسان بأنه الحيوان العاقل. فلا أدري ما الذي تريده من ذلك؟


قولك: (لو فكرت معي في هذا الأستفهام ستلاحظ أن جميع ما يمكن أن نأتي به من إجابات عليها ردود واعتراضات)

أقول: وليكن ذلك. فما الإشكال فيه. إنّ أعظم الأصول التي لا تقبل عندنا الجدل كمسلمين هو أنّ الله تعالى موجود، وهذه قضيّة لاقت جدلاً واعتراضاً من كثير من الناس على مرّ التاريخ على الرّغم من أنها من أوضح الواضحات عند كثير من الناس. فأين الإشكال في وجود اعتراضات على ما يمكن أن نأتي به في تعريف العقل، وهو من أعظم وأخفى الأسرار التي خلقها الله تعالى. إنّ مجرّد وجود اعتراضات وردود على تصوّر ما أو حكم ما لا يستلزم انتفاء فائدته، ولا يستلزم بطلان ذلك التصوّر أو الحكم، مطلقاً.


قولك: (ومن ثم ننتهي إلى أن تعريف العقل هو بالتمييز والرسم وليس بالماهية. إننا نعرف الأشياء بالمخالفة والمماثلة والتمييز والاشارة ... وغيرها من أشكال الحدود ..)

أقول: ههنا رجعت مرّة أخرى للكلام على الماهيّة على خلاف مصطلحنا نحن.


قولك: (إن تحليل الأشياء في جزئيتها هي التي أعطتنا العلوم وحققت لنا معرفة بواقعنا، أي بواسطة تلك الحدود الناقصة التي يستهجنها المناطقة، ويتعالون بحدهم الماهوي الأجوف عليها، ذلك الحد الذي لم يثمر شيئا. بتلك الحدود الناقصة تصور العلماء العالم وليس بالحدود الماهوية التي يكثر المناطقة من الحديث عنها دون انتباه إلى أنها لا وجود لها في الحقيقة)

أقول: هذا الكلام النقديّ يا أخ محمّد لا يتوجّه علينا وعلى منطقنا الإسلاميّ مطلقاً. فإنّ الحدّ الماهويّ عندنا حدّ يمكن بلوغه على ما بيّناه، ووافقتنا عليه بحسب مصطلحنا. هذا أولاً. وثانياً أننا أجزنا التعريف الرّسميّ أيضاً وغيره.

فقولك فيما سبق: (الماهيّة لا تعنيهم بشيء)، لا أوافق عليه بناء على مفهوم الماهيّة عندي، وأوافق عليه بناء على مفهوم الماهيّة عندك. وقلت لك سابقاً إنّ كلامك يكون له وجهه لو قلنا إننا لا يمكن أن نقيم علومنا الإنسانيّة إلا على الحدود بوصفها الطريقة الوحيدة لبلوغ التصوّر، أو قلنا إنّ الحدّ يجب أن يكون كاشفاً عن حقيقة المحدود كما هي ثابتة في علم الله تعالى لكي نستطيع أن نقيم علوماً تصوّريّة وتصديقيّة تتعلّق بالمحدود. ولكنّ هذا الكلام لا وجه له بعد تبيّنت حقيقة ما نقول به. وبالتالي فلا داعي لذكره ههنا يا أخ محمّد.

وأمّا حدّ الإنسان بالحيوان الناطق، فإنه لا يمكن أن ينكر أحد أنه قامت على هذا التعريف علوم كثيرة جدّاً ومتشّعبة.

ولا أدري ما الذي تريده حين تقول: (إن تحليل الأشياء في جزئيتها هي التي أعطتنا العلوم وحققت لنا معرفة بواقعنا، أي بواسطة تلك الحدود الناقصة التي يستهجنها المناطقة، ويتعالون بحدهم الماهوي الأجوف عليها)

فقد كرّرت كثيراً أنا والشيخ سعيد أنّ أنواع التعريف سواء الحدّ التام والناقص أو الرّسم التام والناقص يكون بالنظر في جزئيّات المحدود، أي استقراء وسبر صفاته التي يلاحظها العقل فيه. وتمييز العرضيّ منها عن الذاتيّ، والتأليف بينها بشروط خاصّة هي شروط التعريف. وقد وافقتنا على إمكان جميع ذلك بعد أن تبيّنت المعنى الذي نريده من هذه المصطلحات. فكيف تقول إنّنا كمناطقة نستهجن الحدود الناقصة، ونتعالى عليها، ولا نقول بفائدتها. وكيف تقول إنه لا يمكن أن تنبني على حدودنا التي علوم مفيدة!؟
هذا غريب.
إنّ الذي أتمنّاه عليك يا أخي محمّد بعد أن توضّح لك حقيقة ما نقول به أن تلتزم في كلامك ونقدك بمصطلحنا نحن، حتّى يستمرّ الحوار ويثمر. ولعلّ عدم التزامك بمصطلحنا هو أهمّ سبب لما يبدو من انزعاج الشيخ سعيد من كلامك. ولا شكّ أنّ هذا الأمر يؤدي إلى كثير من الكلام والتشعبات فتفوت علينا استثمار الجهد في بحث حقيقيّ.
والله تعالى الموفّق.

سعيد فودة
12-02-2005, 00:50
الأخ محمد سلام

أولأ: كنت قد سألتك: هل تقول بالصفات الداخلة في الماهية (الذاتية) والصفات الخارجة عنها لازمة وعارضة.
فأجبتَتني: أجل أقول بهذا.

ثانيا: لما كنت قد أنكرت الحد التام في كلامك السابق، سألتك عن الحد الناقص، لأن الحد التام غير الناقص عند المناطقة الإسلاميين. فقلت لك: أنت تنكر إمكان معرفة الحد التام لأمر من الأمور، فهل تجوِّز معرفة الحد الناقص لأمر من الأمور. أي هل يوجد أي أمر من الأمور يمكننا أن نعرف حده الناقص؟
فأجبتني قائلا: جوابي أنا لا أعتقد بإمكان إنجاز الحد بالماهية - بمدلولها الفلسفي - ولكن أقول بإمكان الحد اللفظي والحد بالرسم والتمثيل والمخالفة ... وغيرها من أشكال الحدود الناقصة.
فبينت لك أن كلامك هذا ليس جوابا.
ثم أكدت ذلك في مشاركة تالية فقلت: "فأنا على سبيل المثال أقول بالحدود الأخرى على تعددها وكثرتها- ونقصها التصوري أيضا- بدءا بالحد بالخاصة والحد اللفظي والحد بالضد ، والتعريف بالأقسام والعناصر الذي بلوره المنطق الرواقي"اهـ

مع ملاحظة: أن هذا الكلام ليس دقيقا، فأن تسميتك للرسم والتمثيل والمخالفة والخاصة واللفظي... باسم الحد غلط ظاهر، لأن الحد يطلق على ما يكون بالذاتيات، وأما الرسم فيطلق على ما يكون بها أو مع غيرها. فاستعمالك لهذا الاسم هنا ليدل على معنى لم يصطلح عليه عند أهل الفن، أحد أسباب اتباعي أسلوب السؤال والجواب معك. وهو يدل على أمور أخرى.

ثم طلبت منك مرة أخرى أن تجيب فأجبت قائلا:" الحد الناقص عند الشيخ سعيد هو بلا شك الحد الذي يتم بالفصل وحده دون الجنس القريب. أو بالفصل مع الجنس البعيد.
موقفي هو أن هذا الحد غير ممكن بالمعنى الذي يفهم بالفصل عند المنطقيين ، فإذا فهم الفصل الحقيقة الجوهرية التي تميز الكائن عن غيره ،فهذا ما لا أقول ببلوغه ، وإذا فهم بالفصل ما به يمتاز هذا الكائن ويفصله عن غيره ،فإنني أقول به ، وهذا ما أزعم أن الشيخ سعيد لن يقبل به ،لأن هذا المعنى المقدم للحد الناقص ولمفهوم الفصل يخرجه من الحد بالماهية إلى الحد بالخاصة ."اهـ
فرددت مرة أخرى وقلت إن أريد بالفصل كذا فأقول كذا، وإن قصد به كذا فأقول كذا، مع العلم أن الفصل له مفهوم واحد عندنا لا غير، وهو الوصف الذاتي الذي يميز الماهية عن مشاركاتها في الجنس.
وقولك : "وإذا فهم بالفصل ما به يمتاز هذا الكائن ويفصله عن غيره."، يدخل بالفصل الخاصة، ولكنه لا يخرج بنفسه مفهوم الفصل المعتمد عندنا، بل عرفنا أنك لا تقول به بتصريحك بعدم القول به. وهذا نقص في التعبير.
فضلا عن أن قولك إذا فهم بالفصل...الخ لا داعي له هنا لما قلناه لك.
وأما قولك:" هكذا تلاحظ يا شيخ بلال أنني كنت على صواب عندما قلت جوابا على السؤال الأول أن هذه الأسئلة التي تفضلت بطرحها ليست من النوع الذي نحتاج فيها أنا وأنتم إلى أن نجيب بنعم أو لا ،بل هي تحتاج إلى بسط فهمنا للماهية وموقفنا منها."اهـ
فهو غير صحيح. لأنا بينا أنه لا داعي للتفصيل مطلقا بل التفصيل هنا غلط، ولا يبنى التفصيل على الغلط.

ثالثا: ثم لما سألتك عن الرسم بقسميه، كان جوابك:" تسألني عن الحد بالرسم وهل أقول بقسميه التام والناقص
أجل أقول بهما."اهـ
فعرفنا حينذاك فقط أنك إنما تنكر الفصل فقط ولا تنكر الحد التام. وإنكارك للفصل معناه إنكارك للحد التام والناقص، وهذا ما لم تصرح به لأمر أو آخر أول كلامك. بل عرفناه عن طريق السؤال والجواب معك. ثم أعلنته لاحقا.
وهذا فيه ما فيه.
رابعا: ثم لما بينت لنا السبب في إنكارك للفصل، قلت بالنص:" أقصد به أنني أنكر إمكانية معرفة الفصل بمدلوله عند المناطقة وأقول بأن ما يعتقده المناطقة فصلا قائما على صفة ماهوية أراه تمييزا ناتجا عن تجريد"اهـ
وهذا الكلام يعني إن ما يمسه المناطقة فصلا، تسميه أنت تمييزا، لا أكثر ولا أقل. وهذا خلاف لفظي فقط لا قيمة تحته. ومخالفة الاصطلاح بلا مسوغ معنوي يوجب ذلك عيب.
ومن قال لك أن ما نسميه صفات سواء كانت فصولا أو أجناسا قريبة أو بعيدة، ليست تجريدات ذهنية مما في الخارج؟؟ لا أعرف من أين أتيت بهذا. وهل تحسب أن المناطقة الإسلاميين وخاصة الأشاعرة قائلون بوجود الماهية بذاتها في الخارج؟؟ إن هذا الرأي وإن قال به بعض المتكلمين، لا يجوز أن ينسب إليهم مطلقا، لأن الجمهور على خلاف ذلك.
ثم إن وجود الماهية لا مدخلية له في هذه المسألة كما قلت لك أكثر من مرة.
وهذا التجريد الذي تتحدث عنه، إن كان تجريدا لصفة ذاتية فهو إما جنس أو فصل، وإن كان تجريدا لصفة خارجة عن الماهية فهو إما خاصة أو عارض عام. فكل هذه الأمور تجريدات ذهنية لما يلاحظه خارجا.
فقولك أنك تسميه تجريدا !!!! فلا اختصاص لك بهذه التسمية، ولكنك غفلت عن هذا الأمر، فظننت أن غيرك يقول بالفصل بناء على قوله بوجود الماهية الخارجية فقط، وهذا غلط، بل القائلون بالماهية لا يشترطون وجودها الخارجي، فمنهم من يقول به ومنهم من ينفي وجودها من ينفيه، وكلهم يقولون بها ذهنا.

خامسأ: ثم قلت:" الأنسان حيوان ناطق.
هذا تعريف يعد عند المناطقة حدا تاما لأنه مكون من الجنس القريب والفصل.
فكيف أعده مجرد تعريف بالتمييز ؟
إن تسميتي له بذلك أدق ."اهـ
فخلافك مع المناطقة لفظي إذن لأنك تبحث عن التسمية الأليق. وهو لا ينبغي إقامة الحوار عليه لأنه تضييع للوقت بلا فائدة.
وفوق هذا فأنا لا أوافقك في أن تسميتك أدق من تسميتهم.

سادسا: قولك بعد ذلك:" فبما أن الماهية التي يعطينا إياها المنطقي مجرد تجريد ذهني ، فإننا لا يحق لنا عندما نحدد الأنسان بكونه حيوانا ناطقا ،بأننا وصلنا بهذا التحديد إلى ماهيته ، وأن هذا التحديد يقيني وقطعي . فالماهيات كما قلنا لا وجود لها في الواقع العيني ، ولا نصل إليها إلا عبر التجريد ، وعملية التجريد تتباين بحسب العقول والأفهام. ولهذا نلاحظ بعض المفكرين يعرفون الأنسان تعريفات أخرى ، والعجيب أنهم يرونها تحديدات ماهوية أفضل من التعريف الشائع "حيوان ناطق".
فيقولون مثلا : إن الأنسان حيوان ميتافزيقي.
أو حيوان متدين.
أو أن الأنسان لا يمتاز عن الحيوان بالنطق / الفكر ،بل يمتاز عنه بالأخلاق. ومن ثم فالتعريف الماهوي هو أنه حيوان أخلاقي."اهـ
لي عليه أسئلة وملاحظات عديدة، منها
- كون الماهية تجريدا ذهنيا، لا يستلزم مطلقا عدم القطع بها. فإن الأعداد تجريدات ذهنية ومع ذلك فنحن نقطع بها ونقطع بالمعادلات الرياضية العديدة التي تنبني عليها، مع أن نفس عمليات الجمع والطرح والتفاضل والتكامل .....تجريدات ذهنية مقطوع بها أيضا.
- فلا علاقة بين كونها تجريدات ذهنية وبين جزمك بعدم القطع بها، فقططعك بعدم القطه غلط عندي.
- لا مانع من أن نصل إلى أمر مبني علىتجريد ذهني ويكون من حيث هو قطعيا ويقينيا.
- وكون عملية التجريد تتباين بحسب العقول، لا يستلزم عدم إمكان القطع والتيقن بها، فلا علاقة ظاهرة بين هذا وذاك.
- ومجرد اختلاف البشر في تفكيرهم ليس ذليلا على أن ما قطع به بعضهم ليس مطابقا للواقع، فهذا استدلال مغالطي يعتمد على اشتراط الإجماع والاتفاق لمعرفة القطع واليقين، والصحيح أن الاستدلال بالاتفاق والإجماع طردي فقط لا عكسي، أي إذا وقع إجماع فهناك قطع، ولكن لا يقال لا قطع ولا يقين إلا بإجماع. والقائل بذلك غافل.
- أنت اكتفيت بمجرد ذكر بعض الأمثلة لتعريفات مقترحة للإنسان قال بها بعض المفكرين المعاصرين، ولم تبين لنا هل جميع هذه التعريفات في رأيك متساوية وتقع في درجة واحدة أم يوجد بينها اختلافات، أي هل قول من قال بأن الإنسان متدين، يمكن أن ينفي أنه عاقل، وهل التدين يمكن ثبوته بلا تعقل، وهل من قال إن الإنسان ميتافيزيقي يمكنه أن ينكر أن هذا الوصف متوقف على التعقل، وكذلك هل الأخلاق يمكن قيامها بدون وجود التعقل. ثم نعكس كلامنا فنقول: هل توجد حيوانات ناطقة بمعنى النطق المرعوف عندنا، أي عاقل ولو بالقوة، بحيث يصبح المميز بينها وبين الإنسان هو التدين فقط أو التخلق؟؟؟ وكيف يمكن التمييز بين هذا وبين قول علمائنا أجمعين أن العقل هو مناط التكليف، أي أن التكليف إنما يكون بناء على وجود العقل.
- أنت قلت:" ، والعجيب أنهم يرونها تحديدات ماهوية أفضل من التعريف الشائع "حيوان ناطق"اهـ،ومع أني لا أرى داعيا للعجب، إلا أنني أسألك هل تستطيع أن تبين لنا وجه الأفضلية. هنا. وهل التدين أو التخلق أوغير ذلك.... هو المحقق للإنسان، أي إن من لا يكون متدينا لا يكون إنسانا. ألا ترى أنك ستكون مضطرا لبحث مفهوم التدين الذي لا يكون الإنسان إنسانا إلا به بعد ذلك. ما هو القدر من الدين الذي به يتحقق كون الموجود إنسانا.

سابعا: أما قولك:" لكن بعد إيضاح موقفكم تبين لي أننا لا نختلف كثيرا في الموقف من الماهية"اهـ، فهذا الموقف واضح تماما في علم الكلام والمنطق، وكان عليك أن تكون عارفا به قبل أن تدخل ناقدا في هذا الفن.

ثامنا: ذكرك لقول أفلاطون: "هناك في الفلسفة الأفلاطونية موقف مخالف لما سبق أن ذكرته يا شيخ بلال ، وهي ان الماهيات لها وجود عيني لكن في عالم مفارق هو عالم المثل . وأن النفس تتذكر هذه الماهيات لسابق عيشها في عالم المثل ."اهـ، لا داعي له، لأنك يجب أن تعلم أن الرد على أفلاطون صار معلوما عند المتكلمين بحيث صاروا يدرجون رأيه والرد عليه في متونهم المعتمدة، كالطوالع وغيرها، وإذا وصل الأمر إلى هذا فهو دليل على انتهائهم من بحثه.
تاسعا: قولك: "من مداخلتي السابق إذا يتضح موقفي وهو أنني لا أنكر الحد بالفصل ، ولكن أقول به مع تعديل معنى الفصل"اهـ
كنت سابقا قد أنكرت الفصل، والآن تثبته وتقول إن له معنى آخر، والحال إن هذا المعنى التجريدي هو نفس المعنى الذي اشتهر عند المناطقة الإسلاميون.
فهو خلاف منك في غير محله. وهو لفظي، وكون الفصل تجريدا هو مقصود المناطقة الأشاعرة المتكلمين، ولا داعي لتعديله، فلا حاجة لذلك ههنا.
أرأيت لماذا اتبعت معك أسلوب السؤال والجواب. لأنني عرفت منذ البداية أن معظم كلامك في الحد سيؤول إلى خلاف لفظي أو شبه لفظي، وذلك لأنك قد تكون قرأت أعمال الفلاسفة الغربيين كما قرأناها، ولكنك لا تعرف شيئا يذكر كما يبدو لي عن أعمال المناطقة والمتكلمين الإسلاميين، ولا أستبعد أن تكون تحمل عنهم فكرة مملثلة لما يقوله الغربيون والمتأثرون بهم.

تاسعا: من المعلوم أن أرسطو لا يقول بأن الماهية موجودة في الخارج، بل هي تجريد ذهني، ولذلك فلم يكن من الداعي أن تسأل عن وجودها الخارجي، لا سيما أنا لا نقول بها، ولم يشتهر القول بها عند الأشاعرة، ولا مناطقة الأشاعرة، ولا يقول بها أرسطو. بل وجود الماهية الخارجي قول الإشراقيين، ومنهم من قال بوجود الماهية ذهنا كما توجد خارجا، أي إنها هي توجد ذهنا كما توجد خارجا، فلها وجودان اثنان، وهو ما يصرح به الملا صدرا وأتباعه.
والوجود الذهني إذا أطلقه المتكلمون كما نفعل أحيانا فإنما نريد به المعلومات العقلية والأحكام الاعتبارية المستحضرة ذهنا، ونطلق عليها أنها وجودية لأنها ليست عدمية محضة، فهي انتزاعات مما في نفس الأمر، وتفيد الإنسان كمالا، ومن هذا الباب نسميها وجودا ذهنيا. لا من باب أن الماهية الموجودة خارجا موجودها عينها ذهنا كما يقول الإشراقيون. فأرجو أن تتنبه إلى ذلك وتميز بين المذاهب لاحقا.
عاشرا: قولك : "أولا أعجب من قول الشيخ سعيد
كل من قال بوجود الماهية في الخارج قال بوجودها ذهنا. ولهذا فأنا لم أهتم كثيرا بإجابتك
لماذا أعجب ، لأن الصحيح خلاف ما تقول ياشيخ ،فليس كل من قال بوجود الماهية قال بوجودها ذهنا . ويكفيني هنا أن أحيلك على كتاب نقد العقل الخالص عند كانط ،حيث ينتهي فيلسوف نقد العقل إلى التمييز بين الماهية (أي الشيء في ذاته) أو بلغة كانط النومين ، وبين التمثل الذهني لها"اهـ
أيضا استمرار في الغلط بسبب عدم معرفتك لمعاني مصطلحات القوم الذين نصبت نفسك لنقد ما يقولون.
فمفهوم وجود الماهية في الخارج، يراد به أن نفس الماهية موجودة في الخارج.
وأما من اعترف بالشيء في ذاته، فلا يلزمه القول بوجود الماهية خارجا، بل يكفيه القول بصدق التجريد الذهني الذي نسميه الماهية عليه، دون القول بوجودها خارجا.
والأشاعرة يقولون بالشيء في نفسه، ولا يقولون بالماهية الخارجية، بل يقولون إنها صادقة على ما في الخارج، لا موجودة فيه.
فاعتراضك عليَّ وجزمك بقولك غلط محض، يشابه في تمحضه حقية العقل المحض الذي نفى إيمانويل كانت إمكانية توصله إلى إقامة الدليل على وجود الله تعالى، وهو يشترك معك في الغلط بهذا القول اشتراكا محضا أيضا.
وهل يمكنك أن تبرهن أن إيمانويل كانت يقول بوجود الماهيات أنفسها في الخارج على ما بينته لك سابقا؟؟
وهناك فرق بين وجود الشيء في الخارج، وبين عدم إمكان القطع بمعرفته أو معرفته. وهناك فرق أيضا بين إدرك الماهيات ذهنا، وبين وجودها خارجا. وهناك فرق بين القول بالماهيات ذهنا عند المتكلمين وبين وجودها ذهنا عند الفلاسفة وخاصة الإشراقيين منهم.
فأرجو أن تتمعن في ذلك قليلا.
حادي عشر: عدت تقول:" لذا فتحديد ماهية الماهية وهل هي موجودة في الخارج أو محصورة ذهنيا مسألة بالغة الأهمية"اهـ
وهو قول ليس صحيحا. فإنني بينت لك إن من يقول بوجود الماهية في الخارج بالمعنى السابق، ومن لا يقول بوجودها في الخارج بالمعنى السابق، يقول بإمكان إدراك الماهية بالمعنى الذي وضحناه لك.
وأرجو أن تحاول فقط الكلام معناه بمصطلحاتنا لأنا لا نوافق على تغيير المصطلحات التي نستعملها لمجرد عدم إدراكها من الآخرين. فعدم إدراكهم لها تقصير منهم.
فأرجو منك أن تراجع مسألة معلومة مشهورة في كتب المنطق يذكرونها استطرادا، ويذكرونها أصالة في كتب الفلسفة القديمة وفي كتب الكلام.
واعتقادك بأن كل من يقول بالماهية عقلا وذهنا يقول بها خارجا وهم محض. أما اعتقادك بأن المسألة التي نحن فيها وهي الحكم على الحد التام والناقص بالصحة وإمكان بلوغه، تتوقف على المسألة السابقة فهو ليس مجرد وهم بل هو غلط.
ثاني عشر: أما قولك:" ودليلي على ذلك أن من بين أسباب اختلاف المنطق الرواقي عن المنطق القياسي الأرسطي هو بالضبط الموقف من الماهية حيث انتهى منطق الرواقيين إلى كونها مجرد اسم لا حقيقة له في الخارج. فكان بذلك المنطق الرواقي منطقا إسميا ماديا"اهـ فاستمرار في الغلط، لأن الرواقيين اسميون، بمعنى أنهم لا يقولون بالصفات إلا المأخوذة من الحواس خاصة المتقدمون منهم، ولكنك اعترفت بالجنس القريب والبعيد، وأنكرت الفصل فقط؟؟؟ ثم عدت تقول به، فهذا تناقض كبير منك، فلا أنت التزمت بالمنطق الرواقي ولا أنت وافقت غيرهم. ومن هنا كان الداعي إلى سؤالنا إياك بالطريقة السابقة.
ومع ذلك فلا يبقى السؤال مطروحا عليك بحاجة إلى جواب: ما هو السبب الذي من أجله كنت تنكر الفصل، وإذا أنركت الفصل لأجل عدم قولك بوجوده خارجا، ألم يكن واجبا عليك القول بإنكار الجنس القريب والبعيد أيضا، لأنهما كليان لا يوجدان في الخارج، ولم تتردد في القول بهما من دون أي إشارة منك لوجودها في الخارج أو عدم وجودها. مع أن ما يمكن أن يقال على الفصل يقال على الجنس وغيره من حيث هي معان كلية.
ثالث عشر: لما قلت لك أخيرا:" يعني أنك تقول إنه يمكن أن نعرف الصفات الذاتية التي يشترك فيها الذات المعينة مع غيرها، ولا يمكن أن نعرف الصفات الذاتية التي يتميز بها الذات عن غيرها... أليس هذا قولا غريبا..... "اهـ
قلت مبادرا ومن دون تمعن:"أنا لم أنكر الصفة المميزة ، بل أنكر الصفة الماهوية وثمة فرق يا شيخ."اهـ
فأنا اعترضت عليك لإنكارك الصفة الذاتية التي يتميز بها الشيء عن غيره، ولم أنكر عليك مطلق الصفة المميزة، لأنك إنما أنكرت الأولى ولم تنكر الثانية، وها أنت تسارع فتحسبني أتكلم عن الأولى، كعادتك في أغلب كلامك، تحمل الكلام على ما تريده أنت ولا تراعي فيه مصطلح القوم. ولهذا السبب أنا لا أريد أن أكمل الكلام معك، لأنني سوف أضيع وقتا كبيرا في محاولة فهم ما تريده، وربما وقتا أكثر في محاولة جعلك تفهم ما أريده، هذا كله لأنك لا تساعدنا ولا تساعد نفسك، ولذلك عرض عليك بلال أن يرسل لك بعض الكتب... لتحاول مراجعة ما ما فيها والتسهيل علينا والاختصار من الوقت المهم. وبعد ذلك أهلا وسهلا بك.
رابعا عشر: قولك:" إن هذه المفاهيم الثلاثة التي أنكرت علي موقفي منها ورأيته متناقضا أنا أستعملها بمداليل مختلفة عما تستعمله أنت ياشيخ وغيرك من المناطقة فأنا أقول بالجنس القريب والبعيد ، بل قلت حتى بالفصل لكن مع تعديل الدلالات فيصبح الفصل تمييزا لا صفة جوهرية ماهوية."اهـ
مغالطة واضحة، واعتراف بذلك، فأنا عندما سألتك عن ما سألتك عنه في أول كلامي كنت أحدد لك أن ما أسأل عنه من الفصل والحد التام والرسم إنما هو بحسب التعريفات المعلومة عند المناطقة. وأنت كان يجب أن تلتزم بهذه التعاريف للمصطلحات، وأنت عندما قلت أنك تقول بالرسم والناقص، لم تقل أبدا إن مفهوم الجنس والخاصة والفصل مختلف عما عند المناطقة، بل إنك قلت بعض هذا(الفصل)بعد فترة وفي موقع أشرت لك إليه، وقلت أن ما لديك من مفاهيم عن الجنس البعيد والقريب يختلف في مفهومه عنه لدى المناطقة الإسلاميين. وهذا ذكرته في أواخر مششاركاتك.
وهذا عبارة عن تلاعب بالألفاظ ومغالطات أو مجرد كلام غير مبني على فهم لما تخوض فيه، ومع هذا تنسب هذا بكل جرأة لي فتقول:" لا أبدا إنما أنت الذي لم تفهم مقصود قولي منذ البداية"اهـ، كيف يمكن أن أعرف أنك تريد هذه التعديلات!!!!! على المصطلحات المستعملة التي نتحاور فيها، وأنا إنما سألتك عنها بحسب تعريفها لدى علمائنا، وأنت أجبت ولم تبين أنك تستعملها بمعنى مختلف.
حتى الفصل فأنت قد اضطربت فيه كما مضى بيانه.
وإن كان الفصل مجرد صفة تميز الذات عن غيرها –كما تدعي- وليس ذاتية داخلة في الذات تميز بينها وبين مشاركاتها في الجنس، فما الفرق بينه وبين الخاصة إذن؟؟؟؟!!!!


يتبع.....

سعيد فودة
12-02-2005, 00:52
خامس عشر:قولك:" إنني أطرح مفهوما منهجيا جديدا أدعوك إلى قراءته بتأن ونقده بعد ذلك."اهـ جديدك يا محمد قديم عندي، ولا تحسب أنك الوحبد المطلع على أفكار الغربيين، ولكن ربما تكون الوحيد من بيننا الذي لم يطلع على أفكار الإسلاميين؟؟؟؟!!!! لماذا.
سادس عشر: قولك:" حقيقة أستغرب ، وأستغرب أكثر عندما أراكم تتشبثون بموقف منطقي أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه متجاوز الآن بعد التطورات المعرفية التي مست الفكر المنطقي والعلمي . فإذا لم يكن لكم تقدير لنقد بن تيمية ، وهو أمر يمكن أن يستساغ من قبل مفكر أشعري له مع بن تيمية خصومة، فعلى الأقل كان ينبغي أن يكون لديكم بعض من التقدير لنقد المتصوف السهروردي لمبحث الحد"اهـ
لمعلوماتك أنا أخالف ابن تيمية لأنه يبني علومه كلها بشرط أن تكون الأمور التي يثبتها محسوسة أو يمكن أن يحس بها، وليس لأنه مجسم، فهو في فلسفته مقارب للمادية الحديثة ومقارب للرواقية التي تميل إليها أنت.
وأما السهروردي فأنا أخالفه ليس لأنه صوفي، بل لأنه إشراقي أتعرف ما الإشراقية، والتعديلات التي يقترحها على المنطق والفلسفة إنما هي بحسب هذا الاتجاه الفلسفي وليس بسبب صوفيته.
وأما قولك أن العلم تجاوز الموقف المنطقي القديم فهذا كلام لا طائل تحته، سمعناه من كثيرين، ولا يفيد شيئا، فلم نرَ منك حتى الآن ما يدعونا للتجاوز، بل ما رأينا إلا تخابطات. (أرجو أن لا تزعل من هذه الكلمات فأنت يصدر عنك قريب منها)
والسؤال الآن: بعدما اتضح لك ما نعنيه بالحد للماهية، هل لك أن تعرف لنا ما الذي تقصد بالحد الماهوي؟؟ قبل أن أناقشك فيه.
وعلى فكرة، إن السهروردي الذي نتكلم عنه وأعتقد أنك أيضا تتكلم عنه هو المقتول، وهو لم يكن يقول بالحلول، بل كان قريبا جدا من وحدة الوجود... فأرجو أن تتنبه لذلك.
سابع عشر: وأما النقاش الذي تدعونا إليه في الماهية فبإمكانك أن تفتح رابطا خاصا في علم الكلام تحت هذا العنوان، وتفضل ادل بدلوك، وسوف أناقشك هناك.
ثامن عشر: أنت عندما تكلمت أخيرا على الحد الماهوي، ربما تناسيت عمدا أن المناطقة الإسلاميين لا يشترطون في المعرفة حد الماهية، بل يعترفون أن كثيرا من التعريفات يكفي فيها التعريف بالحد الناقص وبالرسم، وأنهم أقاموا كثيرا من العلوم على هذه الأنواع بالإضافة إلى التعريف باللفظ. فأنا أسألك الآن لم هذا الهجوم والمبالغة على الحد التام، كأنك تريد أن تظهر مخالفة قائلا بأنه لا علم إلا بالحد التام، وأنت تزعم أن أرسطو يقول بذلك، ولو سلمنا لك ذلك، فأنت تعرف أننا لا نقول به، وقد قلنا لك ذلك أكثر من مرة، فجميع ما قلته حول المعرفة والخمسة والعشرين قرنا مجرد كلام خطابي لا يفيد في مقامنا، وكأنك تحسب نفسك تتكلم مع أرسطو الذي تتخيله في ذهنك، ونسيت أنك تتكلم مع متكلم أشعري يقول بالمنطق بحسب ما وضحه العلماء. وما كنت أتوقع منك أكثر من ذلك في الحقيقة!!! فلم أستغرب كثيرا مما قلتَه.... مع أنه غريب عن محل النزاع. فأرجو أن تلتزم بمحل النزاع ولا تكثر من الخطابيات.....
تاسع عشر: وأخيرا أرجو منك أن لا تكثر من الدعوة إلى الترقي في لغة الخطاب والنقاش، فأنا أراك أنت من يحتاج إلى هذه الدعوة، فنحن لم نتجاوز حد النقاش، وأنت مع أنك لا تعلم حقيقة التعريفات التي نقول بها إلا أنك تقع في مغالطات كثيرة وضحت لك بعضها هنا وبعضها الآخر في غير هذا الموضع، وقد سألتك أسئلة لم تجب عليها حتى الآن، ومنها ما هو الدليل الذي من أجله منعت معرفة الفصل مطلقا، وأنت تقول بالجنس.... آه ... يبدو أنني نسي أنك حتى الجنس فأنت تقول به بتعريف آخر غير ما نقول به وأنك عندما تجيب على أسئلتي تجيب عليها بحسب المعنى الذي تقول به أنت، مع أنني كنت أسألك عن الرسم والجنس والفصل بحسب التعريف المقرر في كتبنا ولذلك كنت أطلب منك الرجوع إلى كتب المبتدئين في علم المنطق مثل السلم المنورق الذي قلت لنا إنه عندك، ومع أنك كنت تجيبني أولا بدون أن تبين لنا أن عندك تعريفات للجنس والفصل غير ما نتكلم عليه وغير ما هو مكتوب في كتب المنطق المتداولة، إلا أنك لم تقل ذلك.....
وربما تتعجب الآن إن قلت لك إنني كنت أعرف من أول كلام لك أنك سوف تنتهي بأن تقول ما قلته أخيرا، لأنني أعرف منذ البداية أنك من المتأثرين بالطريقة الوضعية للمنطق والمدرسة الإسمية.
وأرجو أن تعرف أن قولك مثلا:" الذين هم في أغلبهم يشمئزون من هذا الوهم المسمى بالحد الماهوي"، وكثير غيره مثل إنك لم تفهم ما أريده، وأنك تريد أن تنبهنا إلى ما اكتشفه المعاصرون والمحدثون في هذا العلم..... وغير ذلك ... كل هذا لا يليق أن توجهه إلينا..... ثم تستنكر علينا أن نخاطبك بنحو ذلك، مع أن الظاهر هو أنك لا تعرف كثيرا من مباحث المنطق عند الإسلاميين وهذا واضح جدا في نواحي كلامك....
وعشرون: أما قولك"وأنا أستغرب حقيقة عندما أراكم يا شيخ سعيد تنظرون إلى إنكاري للماهية واعتباري للحد مجرد تمييز تعدون هذا القول منكرا من الأقوال لم يقل بها أحد ،وتعدونه غير مناسب أن يصدر ممن يشتغل بالمنطق !!"اهـ....
أنت لم تفهم ما قلته لك، فها هو كلامي الذي نقلته أنت :"فقد عرفت أن مدلول الفصل انتزاع لمفهوم صفة ذاتية من ملاحظته لما في الخارج. فهو تعبير عن ما في الخارج، وليس ادعاءا لأن نفس مفهوم الحد التام أو الناقص هو موجود بنفس القدر المعبر عنه في الحد في الخارج. فهذا لا يقول به جماهير الإسلاميين، ولذلك لم يكن يجوز تنسبه إليهم أو تناقشنا فيه، لأننا اتفقنا أننا غير معنيين إلا بالكلام فيما وافق فيه الإسلاميون أرسطو. وهذا ليس منه، ولو كان فلا يتوقف الكلام في المسألة كما قلت لك سابقا على هذه الجهة.
وتسميتك إياه تمييزا ليس إلا نزاعا في ألفاظ، وهو غير مناسب من واحد يناقش في المنطق والمعقولات."اهـ
فأرجو أن تتأمله زيادة تأمل، لتعرف أنني لم أنكر عليك مجرد اعتبار الحد تمييزا، فهذا رأي معروف، فقد قال به بعض الإسلاميين، وبعض الفلاسفة اليونان، وكثير من المعاصرين، ولكنني أنكرت عليك نصبك النزاع في التسمية ووصف الحد بأنه للتمييز فقط، وذلك بعدما قلت أنت بناء على توضيح بلال لك أن ما نسميه ماهية إنما هو تجريدات ذهنية، فوافقته أنت في هذا ولكنك قلت إنه تمييز، وليس ماهويا بتعبيرك... ثم عدتَ أخيرا لتنكر التعريف الماهوي بحسب تعبيرك، وذلك بعدما أوضحنا لك ما يراد بهذا التعريف..... هذا كله غريب جدا فعلا أن يصدر من باحث في علم المنطق....
كيف تستطيع أن تثبت لنا أننا لا نستطيع أن نعرف الصفات الذاتية المميزة لنوع عن آخر.....؟!!
على كل حال فأنا فعلا لا أريد أن أكمل النقاش معك، وإن أحبَّ بلال ذلك فله ذلك.....لأن أسلوبك وطريقتك في الكلام وأسلوبك في التردد بين المعاني والتخلص من المآزق بطرق غير سليمة وعدم جوابك على الأسئلة وعدم التزامك بالمصطلحات المعروفة، ومجرد إلقائك للرأي ادعاء بدون دليل، ثم كما قلت لك ربما بعدما تتمكن من مصطلحات المناطقة الإسلاميين ومباحثهم أكمل معك..... وغير ذلك من الأمور، يمنعني من الكلام معك.....
وما كتبت هذا الكلام السابق، مع انزعاجي من الكلام معك إلا كي لا تبقى ظانا نفسك مظلوما، أو أنني أقول الكلام بلا مستند..... أو غير ذلك....
والسلام......

محمد سلام محمد
28-02-2005, 21:39
شكرا للشيخين الفاضلين بلال و سعيد على تعقيبهما .. وأعتذر عن التأخير فللأسف حالت ظروف السفر دون تخصيص وقت كاف لمتابعة النت، وليس لدي اللحظة وقت يسمح بالتعقيب لذا سأرد غدا إن شاء الله.

محمد سلام محمد
01-03-2005, 22:40
في أول مداخلته يقول الشيخ الفاضل سعيد :


فأن تسميتك للرسم والتمثيل والمخالفة والخاصة واللفظي... باسم الحد غلط ظاهر، لأن الحد يطلق على ما يكون بالذاتيات، وأما الرسم فيطلق على ما يكون بها أو مع غيرها. فاستعمالك لهذا الاسم هنا ليدل على معنى لم يصطلح عليه عند أهل الفن، أحد أسباب اتباعي أسلوب السؤال والجواب معك. وهو يدل على أمور أخرى.

ويؤسفني أن أقول إنني أرى في كلام الشيخ الفاضل لذوعية زائدة ، فتسميتي للتعاريف بالرسم والتمثيل والخاصة بكونها حدودا ليس غلطا كما تفضل ، بل هو وصف جائز بشرط أن يكون صاحب الوصف على وعي بأن المناطقة المشائيين لا يعتبرون إلا بالحد الماهوي ، وغيرها من الحدود هي عندهم ناقصة ولا تبلغ إلى الماهية .
فهل كانت هذه الأضافة غائبة عني ؟ إنني في جميع مداخلاتي ، قلت وأكرر أن منطق المشائيين لا يعتد بغير الحد الماهوي. فكيف ينعتني الشيخ بالغلط في تسمية تلك التعاريف حدودا؟
ثم بغض النظر عما سبق أتساءل : هل فعلا نعت هذه التعاريف بكونها حدودا غلط ظاهر كما يزعم الشيخ سعيد؟
لن أجيب أنا إنما يكفيني أن أقتطف من الأمام الغزالي رحمه الله ومن كتابه المستصفى هذه الفقرة :
يقول أبو حامد الغزالي :
"واسم الحد في العادة قد يطلق على هذه الأوجه الثلاثة بالاشتراك ،فلنخترع لكل واحد إسما ، ولنسم الأول حدا لفظيا ... ولنسم الثاني حدا رسميا ... ولنسم الثالث حدا حقيقيا"
"المستصفى من علم الاصول" مؤسسة الرسالة ، دار إحياء التراث ، بيروت ص 12.


ثم قال الشيخ الفاضل سعيد :

فعرفنا حينذاك فقط أنك إنما تنكر الفصل فقط ولا تنكر الحد التام. وإنكارك للفصل معناه إنكارك للحد التام والناقص، وهذا ما لم تصرح به لأمر أو آخر أول كلامك. بل عرفناه عن طريق السؤال والجواب معك. ثم أعلنته لاحقا.
وهذا فيه ما فيه.

منذ البداية كنت أقول وأكرر تجاه الأسئلة الجزئية التي تفضلت بطرحها أنها ليس مما يجاب عليه بلا أو نعم ،بل تحتاج إلى توسعة لبيان وجهة نظري . بل حتى أول جوابي على أول سؤال لكم قلت إن موقفي هو نعم وأكثر ثم دعوتكم لبحث في مسألة الماهية .

تأمل هذه الفقرة أنقلها لك من كلامي في رأس الصفحة الثانية من هذا الحوار



قلتم حفظكم الله:

هل تقول بالصفات الداخلة في الماهية (الذاتية) والصفات الخارجة عنها لازمة وعارضة.

أجل أقول بهذا .
ولكني أقول بأكثر منه .. وإذا رأيتم أن نفتح موضوع مستقلا نسميه مبحث الماهية أنا على استعداد.

تأمل قولي السابق
ويضيف :

ثم لما بينت لنا السبب في إنكارك للفصل، قلت بالنص:" أقصد به أنني أنكر إمكانية معرفة الفصل بمدلوله عند المناطقة وأقول بأن ما يعتقده المناطقة فصلا قائما على صفة ماهوية أراه تمييزا ناتجا عن تجريد"اهـ
وهذا الكلام يعني إن ما يمسه المناطقة فصلا، تسميه أنت تمييزا، لا أكثر ولا أقل. وهذا خلاف لفظي فقط لا قيمة تحته. ومخالفة الاصطلاح بلا مسوغ معنوي يوجب ذلك عيب.

إن مخالفة الاصطلاح ليس مجرد إطلاق للكلام على عواهنه بل راجع إلى مسوغات ومبررات معرفية. كما أنها مخالفة واعية قال بها المناطقة الناقدين للتقليد المشائي. ويكفي أن أذكرك بنقد بن تيمية للفصل في مبحث الحد ، ونقد السهروردي وستيوارت مل وغيرهم. فأنا أنكر الفصل وأسمي ما يصل إليه المناطقة تمييزا ، لأننيلا أرى إمكان بلوغ الماهية .

هل كنت في هذا الموقف مجرد رجل جاهل يهرف بالكلام ، أم هو تصور له تاريخ ومرجعيات أصولية و فلسفية ؟
هل قولي بأنني أقبل بأن يكون الحد مابه يتميز الشيء عن غيره ، ولا أقبل به على زعم كونه يعرض ماهية الشيء ، قول مخالف يدل على الجهل والغلط كما يقول الشيخ سعيد ؟
إنني أحيل الشيخ سعيد على كتاب البحر المحيط للزركشي وانقل من مقدماته هذا التعريف الدقيق للفظ الحد والذي يعرض فيه الزركشي للخلاف في الموقف من الحد وهو الخلاف الذي سيخلص إلى اختلاف في تعريف معناه :

يقول الزركشي :
"الحد النظر في حقيقته وأقسامه وشروط صحته [ حقيقة الحد ] أما حقيقته : فالقول الدال على ماهية الشيء . وقيل : خاصية الشيء على الخلاف في تفسير ما هو الغرض بالحد ؟ . هل حصر الذاتيات أو مجرد التمييز كيف اتفق ؟ أو الشرط أن يكون لوصف خاص ؟ وهو يرجع إلى وصف المحدود دون قول الواصف الحاد عند معظم المحققين ، كما قال الإمام في " التلخيص " وتبعه ابن القشيري وقال : إنه قول معظم أئمتنا . وقال القاضي : يرجع إلى قول الواصف ، وهو عنده القول المفسر لاسم المحدود وصفته على وجه يخصه ويحصره . فلا يدخل فيه ما ليس منه ، ولا يخرج منه ما هو منه . قال الإمام : وهو منفرد بذلك من بين أصحابه . وقال الأستاذ أبو منصور : الحد والحقيقة عندنا بمعنى ؛ لأن حقيقة الشيء مانعة له من الالتباس بغيره ناطقة بما ليس منه من الدخول في حكمه ، وقالت الفلاسفة : هو الجواب الصحيح في سؤال ما هو ؟ إذا أحاط بالمسئول عنه ، وهذا خطأ ؛ لأن الحد قد يذكر ابتداء من غير تقدم سؤال . والصحيح عندنا : أن حد الشيء : معناه الذي لأجله استحق الوصف المقصود بالذكر ، وتسمية العبارة عن الحد مجاز ، ومعنى الحقيقة والحد واحد إلا أن لفظ الحقيقة يستعمل في القديم والمحدث والجسم والعرض ، ولفظ الحد يغلب استعماله في الحجة ."

في هذا النص يكشف الزركشي على أن التعريف الحدي ليس هو التعريف بالذاتيات ، بل هو أيضا عند كثير من العلماء تعريف لفظي . بل هو الموقف الذي يذهب إليه الزركشي.أنظر كلامه بعد قوله "والصحيح عندنا".

ويقول سامي النشار :" أما الأصوليون فالبعض منهم أنكروا أن يتكون الحد من أي نوع من أنواع الماهيات وهؤلاء يكاد يكون الحد عندهم لفظيا بحتا ،فيميز المحدود عن غيره بدون تقيد بفكرة الذاتيات أو العرضيات" ص 84

فموقفي إذن لم يكن بدعا من الآراء بل هو يعبر عن منزع فكري موجود عند علمائنا في القديم .


أما قولكم يا شيخ سعيد :

ومن قال لك أن ما نسميه صفات سواء كانت فصولا أو أجناسا قريبة أو بعيدة، ليست تجريدات ذهنية مما في الخارج؟؟ لا أعرف من أين أتيت بهذا. وهل تحسب أن المناطقة الإسلاميين وخاصة الأشاعرة قائلون بوجود الماهية بذاتها في الخارج؟؟

وأعقب بسؤال : أين قلت بأن الأشاعرة يقولون بوجود الماهيات في الخارج؟

ثم يقول :

ثم إن وجود الماهية لا مدخلية له في هذه المسألة كما قلت لك أكثر من مرة.
وأكرر أن له علاقة أوضحتها من قبل . فرفضي لموقف أفلاطون لوجود الماهيات مفارقة ، أو رفضي لموقف فلسفي يوناني آخر يقول بوجودها في الخارج .. هو تعبير عن موقف معارض لميتافزيقا يونانية تقول بالماهيات ونسبة القدم والخلود والثبات لها ، وهي فكرة لا تخفى عليك وثنيتها يا شيخ سعيد. وأرى أن وقوف علماء الاسلام ومنهم بن تيمية ضد وجود الماهيات وإنكارهم للحد الماهوي يرجع في العمق إلى هذا الموقف من الالاهيات اليونانية . ومن هنا أرى موقف بن تيمية أدق وأكثر انسجاما مع الاسلام من موقف إمامنا أبي حامد الغزالي.
هذا هو المرمى البعيد الذي كنت أشير إليه بسؤالي عن موقفكم من الماهية .

لذا أجد نفسي لا تقتنع بقولكم
لا مدخلية لأنكار الوجود الخارجي للماهيات ببحثنا وإنكاري للحد بالماهية القائم على الجنس والفصل :

أرجو أن تنصت إلى هذه الفقرة من كتاب النشار وهو - بالمناسبة -مفكر أشعري حيث سيتضح لكم مدخلية نقاش الماهيات بالحدود المنطقية :

"ولكن أي النتائج ستنتج عن إنكار الكليات الخارجية ؟
سينتج عن هذا إنكار الحد الأرسططاليسي القائم على الكليين : الجنس والفصل." النشار "مناهج البحث عند مفكري الاسلام " دار المعارف الطبعة الرابعة 1978ص 49

إذن للأمر مدخلية مباشرة وليس كما تفضلت يا شيخ سعيد.

أما قولك :


ومجرد اختلاف البشر في تفكيرهم ليس ذليلا على أن ما قطع به بعضهم ليس مطابقا للواقع، فهذا استدلال مغالطي يعتمد على اشتراط الإجماع والاتفاق لمعرفة القطع واليقين، والصحيح أن الاستدلال بالاتفاق والإجماع طردي فقط لا عكسي، أي إذا وقع إجماع فهناك قطع، ولكن لا يقال لا قطع ولا يقين إلا بإجماع. والقائل بذلك غافل.

قول جيد وأنا متفق معك فيه ، ولا أراني قلت بعكسه. إنما أشرت إلى اختلاف في تعاريف الأنسان للأشارة إلى أن حتى التعريف الشائع المكررعلى كل لسان عن ماهية الانسان ليس عليه إجماع . وذلك تنبيها إلى أن الحدود الماهوية ليست بتلك الطبيعة اليقينية الثابتة التي لا خلاف حولها.
أجل مسألة الخلاف وعدم الاتفاق ليست دليلا يقطع بخطأ الفكرة المختلف حولها ، ولكن استحضارها هنا يفيد في تنبيهنا إلى هشاشة الحد الماهوي أولا .
ثم ثانيا :إنه حد قليل نادر يعسر إيجاده - وبالمناسبة إن ندرة الحد يقول بها حتى بن سينا.
ثم ثالثا: إن العلوم في تطورها أثمرت معارف ونتائج هائلة لكن دون استعمال للحدود الماهوية و لا حتى أدنى اهتمام بها - أرجو مراجعة موقف أوجست كونت وحرصه على رفض الماهية .


. أنت قلت:" ، والعجيب أنهم يرونها تحديدات ماهوية أفضل من التعريف الشائع "حيوان ناطق"اهـ،ومع أني لا أرى داعيا للعجب، إلا أنني أسألك هل تستطيع أن تبين لنا وجه الأفضلية. هنا. وهل التدين أو التخلق أوغير ذلك.... هو المحقق للإنسان، أي إن من لا يكون متدينا لا يكون إنسانا. ألا ترى أنك ستكون مضطرا لبحث مفهوم التدين الذي لا يكون الإنسان إنسانا إلا به بعد ذلك. ما هو القدر من الدين الذي به يتحقق كون الموجود إنسانا.

ليس قصدي هو مناقشة تعريف الأنسان إنما قلت عن هؤلاء إنهم يعرفونه بغير التعريف الماهوي المعروف والشائع .أما دليلهم عن أن هذه التعاريف أفضل من تعريف الانسان بكونه حيوانا عاقلا ، فيكفي أن أشير هنا إلى أبحاث سيكولوجية تتعلق بذكاء الحيوان والتي انتهت إلى اعتبار أن الانسان لا يفترق عن الحيوان بالعقل بل فقط بدرجة فيه . أي أن الفارق ليس عدم وجود العقل عند الحيوان بل فقط في درجة التعقيل يجعل الانسان أعقل من الحيوان ومن ثم لا يكون العقل فصلا ماهويا.
بينما تعريف الأنسان بكونه متخلقا فهو فارق عند بعضهم . لأن الانسان هو الوحيد من الكائنات الحيوانية يحس بمسؤولية سلوكه.
و لا أعتبر بموقف هؤلاء ولا أولئك بل جميع التعاريف عندي تدرج ضمن التمييز لا ضمن الحد بالماهية.




ذكرك لقول أفلاطون: "هناك في الفلسفة الأفلاطونية موقف مخالف لما سبق أن ذكرته يا شيخ بلال ، وهي ان الماهيات لها وجود عيني لكن في عالم مفارق هو عالم المثل . وأن النفس تتذكر هذه الماهيات لسابق عيشها في عالم المثل ."اهـ، لا داعي له، لأنك يجب أن تعلم أن الرد على أفلاطون صار معلوما عند المتكلمين بحيث صاروا يدرجون رأيه والرد عليه في متونهم المعتمدة، كالطوالع وغيرها، وإذا وصل الأمر إلى هذا فهو دليل على انتهائهم من بحثه.

سيدي سعيد حفظه الله دعني أقول كلمة قد لا تعجبك ، لكني مضطر لقولها وهي انه إن كان علماؤنا قد انتهوا من بحث أفلاطون فذاك شأنهم ، اما في تقديري أنا فليس ثمة فلسفة ينتهى من بحثها ، وبخصوص أفلاطون يكفي أن أشير هنا إلى أبحاث كويري التي فتحت نقاشا جادا وجديدا في شأن الفكر الأفلاطوني ، بل حتى في البحث المنطقي أشير إلى أبحاث إدموند هوسرل مؤسس الفلسفة الفينومنيولوجية في كتابه "أبحاث منطقية " الذي كان أفلاطونيا في نظرته إلى الماهية ، بل إن نقد هيدغر لهوسرل لاحقا سيكون بالضبط نقدا لتراجعه عن موقفه الأفلاطوني الذي عبر عنه في كتابه "أبحاث منطقية". فالأفلاطونية إذن ذات قيمة وتحتاج منا إلى معاودة نظر وتفكير على الأقل لفهم بعض التطورات المعرفية في فلسفات الغرب المعاصرة.
ولست أقول هذا كدعوة لاتباع وتقليد افلاطون ،فأنا رجل مسلم لا يتبع أي فلسفة من الفلسفات إنما أقول ذلك تقديرا للفكر ودعوة إلى الاستفادة منه لا تقليده.


عاشرا: قولك : "أولا أعجب من قول الشيخ سعيد
كل من قال بوجود الماهية في الخارج قال بوجودها ذهنا. ولهذا فأنا لم أهتم كثيرا بإجابتك
لماذا أعجب ، لأن الصحيح خلاف ما تقول ياشيخ ،فليس كل من قال بوجود الماهية قال بوجودها ذهنا . ويكفيني هنا أن أحيلك على كتاب نقد العقل الخالص عند كانط ،حيث ينتهي فيلسوف نقد العقل إلى التمييز بين الماهية (أي الشيء في ذاته) أو بلغة كانط النومين ، وبين التمثل الذهني لها"اهـ
أيضا استمرار في الغلط بسبب عدم معرفتك لمعاني مصطلحات القوم الذين نصبت نفسك لنقد ما يقولون.
فمفهوم وجود الماهية في الخارج، يراد به أن نفس الماهية موجودة في الخارج.
وأما من اعترف بالشيء في ذاته، فلا يلزمه القول بوجود الماهية خارجا، بل يكفيه القول بصدق التجريد الذهني الذي نسميه الماهية عليه، دون القول بوجودها خارجا.
والأشاعرة يقولون بالشيء في نفسه، ولا يقولون بالماهية الخارجية، بل يقولون إنها صادقة على ما في الخارج، لا موجودة فيه.
فاعتراضك عليَّ وجزمك بقولك غلط محض، يشابه في تمحضه حقية العقل المحض الذي نفى إيمانويل كانت إمكانية توصله إلى إقامة الدليل على وجود الله تعالى، وهو يشترك معك في الغلط بهذا القول اشتراكا محضا أيضا.
وهل يمكنك أن تبرهن أن إيمانويل كانت يقول بوجود الماهيات أنفسها في الخارج على ما بينته لك سابقا؟؟

حقيقة لم أفهم ما تريده من هذا الرد ، لذا دعني أذكركم بأن كلامي كان تعقيبا على قولكم التالي :


كل من قال بوجود الماهية في الخارج قال بوجودها ذهنا. ولهذا فأنا لم أهتم كثيرا بإجابتك

فتعقيبا على كلامكم هذا أعطيتك مثالا واضحا جليا عن فيلسوف يقول بوجود الماهية في الخارج وهو كانط ، لكنه مع قوله هذا لا يقول بوجودها ذهنا . لأن التركيب المقولي للعقل يجعله محدودا بحدود الظاهر ولا يتجاوزه إلى النومين.


أما قولكم :


لم أنكر عليك مجرد اعتبار الحد تمييزا، فهذا رأي معروف، فقد قال به بعض الإسلاميين، وبعض الفلاسفة اليونان، وكثير من المعاصرين، ولكنني أنكرت عليك نصبك النزاع في التسمية ووصف الحد بأنه للتمييز فقط،

أصف الحد بكونه تمييزا فقط لسابق ما أوضحته من أسباب أهمها عدم إمكان بلوغ الفصل ، أي عدم إمكان تحديد الماهية. فهل كنت في هذا أقول بأمر عجب ؟
هذا ما قاله جميع من أنكروا الحد بالخاصة بدءا من منطق الرواق وإلى بن تيمية ، وانتهاء بجون ستيوارت مل ومن قبله أوجست كونت.
فلم العجب والاستنكار يا شيخ ؟
موقفي هذا قلته وأكرره وهو ما جعلني أرفض نظرية الحد عند أرسطو الذي يرى أن الحد بتمييز المحدود عن غيره دون ذكر حقيقته الماهوية أي الفصل تعريفا مخلا . وهذا التصور الخاطئ سينتقل إلى إمام الحرمين للأسف ، حيث نجده يرفض الحد الأصولي ، وذلك بسبب تشبثه بالحد بمدلوله الأرسطي.
لكن إذا كنتم لا تسلكون مسلك إمام الحرمين وتقولون بغيرالحد الماهوي من الحدود ، بل تذهبون مذهبا أبلغ في مخالفة أرسطو وهو ما عبر عنه الشيخ بلال ، فأجدني موافقا لموقفكما .
ومذهب الشيخ بلال هو ما سأعرضه بعد قليل .

محمد سلام محمد
01-03-2005, 22:56
حتى لا أكرر ما قلته في سياق تعقيبي على الشيخ سعيد أرى أن نستفيد من مداخلة الشيخ بلال لتطوير حوارنا ودفعه إلى أمام . وحتى لا نبقى جامدين في مسألة الحد ، أقتطف هذه الفقرة الهامة من كلام الشيخ حفظه الله :


ولا أحد منا يقول إنّ هذه الصورة العقليّة الثابتة هي عين ذلك الشيء المحكوم عليه في الواقع، ولا أنّها تعبّر عن حقيقة الشيء كما هي ثابتة في علم الله تعالى. ولكن ثبات هذه الصورة دليل على ثبات حقيقة ما للمعرَّف هي الحقيقة كما هي في علم الله تعالى. والصورة العقليّة هي ما نسمّيها حقيقة الشيء، وندّعي ثباتها، وإمكان معرفتها. ولذلك تجد في متوننا قول العلماء: (حقائق الأشياء ثابتة، والعلم بها متحقّق خلافاً للسفسطائيّة) أي أنه للأشياء حقائق ثابتة يمكن للعقل بلوغها، بما هو عقل مخلوق ومحدود ومشروط تعقّله بالحواس. ولا نعني بهذه الحقائق نفس تلك الحقائق كما هي ثابتة في علم الله تعالى. بل نعني بها لوازم لتلك الحقائق يمكن للعقل أن يتبيّنها.

والسؤال الآن، هل يمكن للإنسان بأسباب معرفته العاديّة أن يعرف تلك الحقيقة التي تتكلّم عنها أنت وتسمّيها ماهيّة أي هل يمكته أن يعرف حقيقة الأشياء كما هي ثابتة في علم الله تعالى أو لا؟

أنا وأنت متّفقون على أنه ليس بوسعه ذلك. .


إذن لنخطو خطوة جديدة في سياق حوارنا . وأسأل الشيخ بلال والشيخ سعيد حفظهما الله:
ما هي الوحدة الأولى في عملية التفكير عندكم هل هي التصور أم الحكم؟
بالنسبة لموقفي أنا أرى أن التصور ليس هو الوحدة الأولى في عملية التفكير على عكس ما يقول به المناطقة المشائيون - وعلى عكس ما يقول به صاحب السلم أيضا ...- بل أرى أن الوحدة الأولى هي الحكم لا التصور.أنتظر ردكم في الموضوع لنناقش هل ثمة أسبقية للتصور أم للحكم؟

محمد سلام محمد
02-03-2005, 09:04
استمرارا في عرض موقفي وإيضاحه ، حتى لا يحدث التباس في الدلالات كما حصل من قبل أحرر ما يلي :
هناك ترتيب شائع في كتب المناطقة يجعلون التصور سابقا على التصديق. وعلى أساس هذا الترتيب تنتظم كثير من كتب المنطق .
لكن عند بحث التصور نلاحظ أنه تصديق لا مجرد تصور بمدلوله كإدراك ساذج.
من هنا يجب الوقوف عند تحليل العملية الفكرية الأولى لنتحقق من طبيعتها هل هي تصور أم حكم؟

سعيد فودة
25-03-2005, 11:37
الأخ محمد سلام،
في الحقيقة كنت لا أريد أن أكمل معك، لما ذكرته لك سابقا. ولكني عندما راجعت قراءة ما قلته في تعليقك الأخير، رأيت فيك صفات حسنة تدفعني إلى التجربة والإكمال معك، وهذه الصفات هي أدبك الملاحظ، وثقتك بنفسك. وإن كان لي ولا يزال اعتراض على طريقة فهمك لبعض المسائل، وعدم خبرتك بالإشكالات والمسائل الكلامية ومع ذلك فأنت تتصدى لاتخاذ موقف منها. ولكن هذا الأمر رأيت أن لا يكون مانعا من التواصل معك، ما دمت أشعر منك ما ذكرت سابقا.
ولذلك أذكر لك هذه الملاحظات. وأترك لك المجال لتختار ما تريد من طريقة وحيثية الكلام في الموضوع الذي تحبه.
وأنا إذ أقول هذا الكلام لا أقوله إلا بصدق يعبر عما في داخلي تجاهك.
أولا: لاحظ أن الغزالي لم يكتف بتسمية الرسم حدا فقط، كما فعلت أنت، بل حدا رسميا، وحدا لفظيا، وحدا حقيقيا، فوصف الحد بأنه رسمي ووصف الحد بأنه لفظي، وهكذا إضارة إلى أن هذا خلاف المعروف من الاصطلاح عند المنطقيين. وهو قد نص على هذا في نفس الفقرة التي استشهدت أنت بها، فقال "اسم الحد قد يطلق على هذه الأوجه الثلاثة بالاشتراك"اهـ، وقوله بالاشتراك أي مع اختلاف الحقائق الدال عليها كل إطلاق. وأنت عندما أطلقت ذلك لم تقل باختلاف الحقائق الدال عليها.
فلا يصح لك الاستشهاد بقول الغزالي.
ثم لا تنس أنك عندما تتكلم في نقض المنطق المعروف فيحسن بك الالتزام بمصطلحاته المعلوفة المتداولة لكي تستطيع أن توصل ما تريد إلى خصومك، ولا يحسن بك أن تستعملها في غير ما تعورف، فإن هذا مخالف للحكمة إن لم يكن عن عدم دراية.
ثانيا: يا أخي العزيز، عندما تريد أن تنقض مفهوم الحد، ولاحظ أنني أستخدم الحد هنا بالمعنى المصطلح عليه عند المناطقة، أقول عندما تريد نقض صدق مفهومه، فلا يحسن بك أن تستعمل هذا اللفظ في غير مفهومه الموضوع له عندهم. ولا يبرر هذا اعتقادك لعدم صدقه على شيء أو عدم فائدته. ولا يفيدك أن ابن تيمية أو غيره خالف فيه، لأنك ما زلت في طور إثبات مدعاك وهو عدم فائدة الحد أو عدم إمكان معرفته، أو عدم وجود مصداق له، مهما كان أمرك، فيجب عليك أولا أن تثبت ذلك، وفي هذه الأثناء يا عزيزي، عليك أن تلتزم بمصطلحات القوم.
ثالثا: أما استشهادك بكلام الزركشي فلا ينفعك وليس في صالحك، ألا ترى إلى قوله، في نفس النص الذي نقلته عنه"ومعنى الحقيقة والحد واحد" اهـ، فهل ترى الحقيقة ليست تطلق على الذاتيات، كما تزعم.
رابعا: وما نقلته عن النشار، يفيد أن بعض الأصوليين لم يقيد الحد بكونه من الذاتيات فقط. ولا يفيد أن كلهم قال بذلك، ثم ذلك البعض لم يخرج الذاتيات من الحد، ولم يقل إن الحد فقط للتمييز. كما تقول أنت.
وعلى كل حال فإن كتاب النشار لنا عليه تعليقات وانتقادات أرجو أن أتمكن من تدوينها ونشرها في هذا المنتدى، وهذا الكتاب كان قد كتبه في بداية تكوينه العلمي، ولم يكن قد اختمر عنده فكر أهل السنة كما ظهر لاحقا في كتابه العظيم الفائدة نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام.
رابعا: أما كلامك عن الماهية وعند عدم اقتناعك بما قلته من أن وجودها ككلي في الخارج أو عدم وجودها لا يؤثر على مفهوم الحد. فهو دليل بالنسبة لي علىعدم وعيك بالضبط لهذه المسألة ، واسمح لي أن أقول ذلك، وأرجئ الكلام فيها إلى محل آخر نفتح فيه الكلام عن الماهية ووجودها الخارجي وما معناه، وحينذاك فسوف تعرف بالضبط ما أقوله.
وكما قلت لك فإن كلام النشار الذي استشهدت به هو أيضا غير صحيح، ويدل على عدم تمكنه أيضا من مفهوم هذه المسألة. ولا تستغرب ذلك فقد كتب هذا الكتاب الذي تنقل منه حال دراسته.
أرجو أن لا تتضايق من هذا الكلام.
خامسا: أما قولك "حقيقة لم أفهم ما تريده من هذا الرد"اهـ فهذا دليل آخر على عدم وعيك –لا أقول فهمك لئلا تغضب- لمسألة وجود الماهية في الخارج.
سادسا: قولك:" موقفي هذا قلته وأكرره وهو ما جعلني أرفض نظرية الحد عند أرسطو الذي يرى أن الحد بتمييز المحدود عن غيره دون ذكر حقيقته الماهوية أي الفصل تعريفا مخلا"اهـ، أريد أن أقول لك فقط: إن الحقيقة الماهوية ليست هي الفصل بل الأمر المركب من الجنس والفصل، ولعلك بهذا تعرف لماذا اعترضت عليك عندما أنكرت الفصل ولم تنكر الجنس.
والله الموفق

محمد سلام محمد
28-03-2005, 11:50
مرحبا شيخ سعيد

لنتابع نقاشنا في شأن المنطق.. لكن دعني أرتب للأمور على نحو يفيد في وضع محاورة أخوية..
أنا قلت ما عندي في شأن مبحث الحد.. وقلتم أنتم رأيكم.. وليس من اللازم أن يقتنع أحد منا بالآخر ، بل المفيد أيضا أن تعرض وجهات النظر المتباينة ،ففي ذلك إثراء للمنتدى ولقرائه.. وذاك أفيد من عرض وجهة نظر واحدة.
بالنسبة لقول الغزالي عند تعبيره عن الحد الرسمي لا قوله الحد بالرسم كما قلت أنا ،فبإمكاني أن آتي من كتب المناطقة بتعبير الحد بالرسم والحد اللفظي وغيرها.. أما كون الغزالي مصيبا في قوله وأنا مخطئ لأنه قال -يطلق الحد بالإشتراك- فأنا أيضا منذ أول محاوراتي معكم أشرت إلى أن المناطقة لا يعدون الحد حقيقة إلا الحد بالماهية. كما اشرت إلى أن غيره هي صيغ تعريفية محتقرة من قبلهم.. فالأمر إذن لم يكن جهلا بشأن مكانة الحد بالماهية عند المناطقة ..

لكن كما تفضلتم بالقول يجب إفراد مفهوم الماهية بموضوع مستقل ، فتفضل بفتح الموضوع لنتحاور فيه إن شاء الله.

متابعة لحوارنا في المنطق قلت من قبل إن ترتيب العملية الفكرية في كتب المنطق هي تصور ثم تصديق . وأن الحكم لا يكون إلا بعد التصور.
رأيي هو أنه يصعب علي استيعاب وجود تصور بالحد - بمعناه عند المناطقة كحد بالماهية- دون حكم.
فما رأيكم؟

محمد سلام محمد
03-04-2005, 18:46
للرفع في انتظار جواب الشيخ سعيد

سعيد فودة
04-04-2005, 09:08
لاحظ أنني ما كنت أفعل شيئا إلا أن أجيبك وأعلق على ما تقول فيما سبق. فلم أقل كل ما عندي عن الحد، ولكنني كنت أحلل ما تقوله أنت.

وعلى كل حال:
فهل لك أن توضح الآن وجه الصعوبة في :"استيعاب وجود تصور بالحد - بمعناه عند المناطقة كحد بالماهية- دون حكم"اهـ
ويتم بيان ذلك في رأيي بأن تبين لنا مفهوم الحد أولا، ثم مفهوم التصديق، ثانيا ثم تبين التلازم بين هذين المفهومين وبين الصعوبة في ما تقول....
وبناء على ذلك قد نوافقك وقد نخالفك.

محمد سلام محمد
14-04-2005, 12:38
قولك :
لاحظ أنني ما كنت أفعل شيئا إلا أن أجيبك وأعلق على ما تقول فيما سبق. فلم أقل كل ما عندي عن الحد، ولكنني كنت أحلل ما تقوله أنت.

أن تنتظر مقالتي لكي تسأل ولا تبين موقفك فهذا ليس أسلوب حوار ، وكما تعطي لنفسك الحق في السؤال أعطه لغيرك ، وكما تلزم غيرك بالجواب ألزم نفسك بذات الأمر ، وأنا منتظر توضيحك لما عندك في الحد وغيره من مباحث المنطق حتى نناقشها.

أم قولك:

يتم بيان ذلك في رأيي بأن تبين لنا مفهوم الحد أولا، ثم مفهوم التصديق، ثانيا ثم تبين التلازم بين هذين المفهومين وبين الصعوبة في ما تقول....

بالنسبة لموقفي من الحد فقد أوضحته سابقا ، وإذا كان هناك أمر يحتاج إلى مزيد من التوضيح فسأل وسأجيبك.
أما فيما يخص التساؤلات الأخرى فهي تشمل مبحث المنطق بأكمله ، ومن ثم تحتاج مني إلى صياغةمداخلة طويلة لا يسمح لي الوقت بتسطيرها ، لذا أبدأ بالتصديق:

التصديق عند المناطقة يرادف الحكم . ويتم بالقياس.
وهنا أسأل : هل تعتقد بانقسام التصديق إلى بدهي ونظري؟
وهل تعتقد بكون القياس هو الطريق الوحيد إلى التصديق؟
ولنفترض انك تعده طريقا من بين طرق أخرى ،
عندي لك سؤال/ اعتراض:
هل تعتقد بكون القياس لا يتحصل من مقدمتين جزئيتين؟ بل لابد من مقدمة كلية؟

إذا كان الأمر كذلك ،فاعتراضي هو :

كيف السبيل إلى علم المقدمة الكلية؟إذا علمت بالبداهة فالعلم بجزيئاتها أولى.
وإذا علمت بالنظر ، فالأمر يحتاج إلى تأسيس النظري على البدهي ليصبح علما ومن ثم فالأمر هنا دور أو تسلسل.
إذا طلبت رأيي فرأيي أنني أذهب مذهب النظر إلى بدهيات القياس البرهاني بكونها تتأسس على الجزئي لا على الكلي.
هذا رأيي فما رأيك أنت؟

سعيد فودة
14-04-2005, 13:39
أهلا بك يا محمد ،

أما سؤالي عن الحد فقد أوضحته لك في المقال السابق. فأرجو أن تجيب عنه حين يتاح لك الوقت.

ولا مانع عندي من أن تسألني فأجيب وأسألك فتجيب بحسب ما يلاءم الحال.
وأما عن التصديق فأجيبك الآن عن ما يلي:
أولا: أنا فعلا أعتقد أن التصديق منه بديهي ومنه نظري.
ثانيا: قولك"كيف السبيل إلى علم المقدمة الكلية؟إذا علمت بالبداهة فالعلم بجزيئاتها أولى.
وإذا علمت بالنظر ، فالأمر يحتاج إلى تأسيس النظري على البدهي ليصبح علما ومن ثم فالأمر هنا دور أو تسلسل"اهـ
أرجو أن تلاحظ أن العلم ببعض الجزئيات من حيث هي جزئيات، لا يستدعي العلم بالقضية الكلية، ولكن ينتقل العقل من ملاحظة الجزئي إلى الكلي بمعرفته المعنى الموجود في الجزئي والمؤثر في الحكم، فيربط الحكم به، بلا حاجة إلى استقراء كافة الجزئيات. وهذا هو التعميم العقلي.
ثالثا: أريد منك أن تبين كيفية لزوم الدور أو التسلسل .
أنتظر جوابك لنكمل.

وبارك الله فيك.

سعيد فودة
20-04-2005, 11:39
أين أنت يا أخ محمد
لم نرَ تعليقك على ما ذكرناه.

يسار إبراهيم الحباشنة
04-05-2005, 05:19
السلام عليكم ورحمة الله
حوار مفيد ورائع في موضوع كنت أتمنى أن أقرأ حوارا فيه بهذا المستوى في المنتديات العربية نظرا لعلاقة متوترة قديمة بيني وبين المنطق الأرسطي بل وبين المنطق بصفة عامة ومقدار الدور الذي يلعبه أو "لا يلعبه" في مسار التقدم العلمي والمعرفي أو حتى التجديد الديني. ولا
أخفيكم أن مصدر هذا التوتر هو التجاذب الحاصل عندي بين مصادر المعرفة كالحدس والكشف والنقل والعقل (بغض
النظر عن الترتيب). فكل من هذه الخمسة يريدني لنفسه وأحيانا يتفق إثنان منها على البقية أو يأخذ الحيز الأكبر منها واحد دون سائرها. ولا أريد أن أنغمس في كلام ذاتي فهو أليق بموضوع جديد خاص بي.

كل ما تفضل به الأساتذة الكرام مفيد لي إلا أن الذي قلل من هذه الفائدة هو عدم الإتفاق في مدلولات المصطلحات والذي كنت أتمنى أن لا يكون حتى لا تتكرر الأفكار فتصعب المتابعة على المحاورين وعلى القراء. وحتى يُجنب المحاورون الكلل والضجر الذي يؤدي أحيانا إلى تضخم الأنا فيصدر عنها ما قد يجرح مشاعر الطرف الآخر.

مداخلتي هذه تعليق متطفل لم أرد به في المقام الأول سوى استحثاث الأساتذة الكرام على إكمال المشوار والمضي في الحوار في موضوع أنا
متيقن من إدراك المحاورين أهميتة وخطورته في الفكر الإنساني بعامة والإسلامي بخاصة والتي سوف تتجلى بإذن الله في النهاية.

كما أتمنى من الأستاذ محمد سلام أن يسهب قليلا حول ما أشار إليه بقوله:

"هناك ترتيب شائع في كتب المناطقة يجعلون التصور سابقا على التصديق. وعلى أساس هذا الترتيب تنتظم كثير من كتب المنطق . لكن عند بحث التصور نلاحظ أنه تصديق لا مجرد تصور بمدلوله كإدراك ساذج. من هنا يجب الوقوف عند تحليل العملية الفكرية الأولى لنتحقق من طبيعتها هل هي تصور أم حكم؟"

فلقد ترتب على مثل هذه "الملاحظة" - حسبما فهمتها من كلامه- نتائج نراها واضحة في بعض المنازع الفكرية الغربية أثرت إلى حد بعيد في الجدل المعاصر. وأصبحت سلاحا يستخدمة البعض في وسم أي "يقينية" تخالف ميولهم وأفكارهم بـ "التصور القَبْلي "preconception" بمعنى "الحكم القبلي"، فيؤدي ذلك بالنتيجة إلى أن الطرف الآخر يستخدم السلاح نفسه. فيصل الطرفان الى طريق مسدودة، كون كليها يعتقد أن خصمه قد وصل إلى نتيجة أو حكم بدون مقدمات صالحة أو بمقدمات لا وزن لها في المنطق. أقول هذا حسبما فهمت من ملاحظتك أخي محمد ولذلك استزدتك من التوضيح حولها.

وعندي السؤال التالي كذلك للأستاذ الفاضل محمد سلام :
لقد أوضح لك الأستاذان الفاضلان سعيد فودة وبلال النجار أن مفهوم المناطقة الإسلاميين للحد الماهوي ليس العلم بالشي في ذاته وليس
انكشافا تاما لحقيقته، فهل ترى في تعامل المناطقة المسلمين وعلماء الكلام ((بهذا)) المفهوم أثرا سلبيا على التقدم المعرفي الفلسفي أو العلمي وكيف؟
وهل يقف هذا المفهوم مانعها يحول دون الاشتغال بالمنطق الرياضي والرمزي، وكيف؟

هذان سؤلان الإجابة عليهما تهمني بشكل شخصي وإذا كان الأستاذ محمد سلام متغيبا فأتمنى أن ينظر الشيخان إليهما وأن يفيداني بتعليقات مما يفتح به الله.

والسلام

بلال النجار
12-05-2005, 14:08
أخي الفاضل يسار،

السلام عليكم،

أرسلت لك برسالة على بريدك الإلكتروني، فأرجو أن تنظرها.

ثمّ أشكر لك مشاركتك اللطيفة هذه. ولا يخفى عليك رأي الشيخ سعيد، ورأيي فيما سألت عنه الأخ محمد سلام. بل إنّ ما كنا ننتظره منه طيلة فترة حوارنا معه هو أن يعرض للمفهوم المنطقيّ المقرر عندنا، أو حتى الحكم، ويظهر لنا ما جرّاه على الفكر الإسلاميّ أو المعرفة الإنسانيّة بأعمّ، من آثار سلبيّة على نحو ما عبّرت به.

وبعد، فإنه لا يزال يدهشني بل ويدهش أستاذي ثراء ما نجده عند الأوائل من نظر معمّق في جانبي التصوّرات والتصديقات. وهذا خير الكلام.

واسلم لأخيك