المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مخطوطة طبعتها للفائدة : ثلاث مسائل في العقيدة- لابن حجر الهيتمي.



سمير هاشم العبيدي
31-07-2012, 16:05
ابن حجر الهيثمي – ثلاث مسائل في العقيدة
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ الإمام المحقق أبو العباس أحمد شهاب الدين بن محمد بن حجر الأنصاري السعدي الشافعي الهيثمي نزيل مكة المشرفة نفع الله به أمين وبعد:
فقد استوضح مني الأفاضل تحقيق قول أهل السنة أيديهم الله تعالى في ثلاث مسائل :
1. في صفات الباري تعالى أنها لا عين الذات ولا غير الذات .
2. في الاسم والمسمى .
3. في الجزء الذي لا يتجزأ .
فتلقيته بالقبول واستوهبت من الله تعالى إلهام الحق إنه الملهم للصواب :
المسألة الأولى : في الصفات
قال أهل السنة: صفات الله تعالى لا عين الذات ولا غيرها واستبعد هذا أكثر أهل السنة، وقالوا: سَلمنا أنها ليست عين الذات، أما أنها ليست غيرها أيضا فهذا غير معقول؛ لانَّ كلَّ مفهومين ليس أحدهما نفس الآخر فهما غيران، ومنع أهل السنة كونهما غيرين واستدلوا على دعواهم بوجوه وزيفها الخصوم، وما انقطع الكلام بينهم إلى وقتنا هذا، والحق ما ذكره أهل السنة ونحن نبينه إنَّ شاء الله بعون الله وحسن توفيقه على وجه يتضح به الحال وينقطع به القيل والقال، فنقول :
إما أنها ليست عين الذات فظاهر؛ لأنها لو كانت عين الذات لكان كل منهما عين الآخر، فيلزم أنَّ يكون الوجود ما به يتحقق الشيء، لا بما يدرك به الشيء، والعلم بعكس ذلك وكذا في غيرها، وأيضا يحكم العقل بالضرورة أنَّ العلم لا يقوم بنفسه وكذا القدرة والإرادة، والذات قائمة بنفسها فليس شيء منها عين الذات، وأما إنها ليست غيرها فلأن الغير لغة وعرفاً وشرعاً إنما يطلق على المنفصل، وصفات الله تعالى لا يمكن انفصالها عن ذاته تعالى ولا انفصال بعضها عن بعض، فلا تكون مغايرة، وإنما قلنا إنَّ الغير بحسب اللغة والعرف والشرع هو المنفصل؛ لأنَّ مَنْ قال ليس في كيسي غير عشرة دراهم ولا يكون فيه زايد عليها بصدق كل عاقل من اللغة والشرع والعرف، ولا يقول له ليس الواحد والاثنان غير العشرة حتى لا يحنث لو حلف عليه وكذا لو قال: ليس في الدار زيد، يصدّقه كل واحد ، ولا يقول ليس به وشكله ولونه غيره، وكذا لو قال: ما رأيت غير فلان، وأمثال ذلك أكثر من أن [...] ، فعُلم أنَّ الغير بحسب اللغة والعرف والشرع، إنما يُقال على المنفصل ولا شك، ولا خلاف أنَّ الغير ما يشهد به اللغة والعرف والشرع، فعُلم أنَّ صفات الله تعالى ليست غير الذات، وهذا قول فصل لا مزيد عليه وهو ليس في كتب الأولين والآخرين ، فحينئذ نذكر ما قالوا فيه مع ما يرد عليهم ، فنقول: المشهور بين أهل السنة في بيان هذا أمر أحدها تعريف الغيرين والثاني تعريف الاحتراز عن القدماء، أما الأول فقالوا الغيران هما الموجودان اللذان يصح وجود أحدهما مع عدم الآخر فلزمهم أنَّ القديمين حينئذ لا يكونان غيرين، فلا يكون نفى له غير الله تعالى نفياً لقديم سوى الله تعالى، في قوله تعالى {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} وقولنا: لا إله إلا الله، إن (إلا) هنا بمعنى غير عند الأكثر، وكذا في كل موضع ذكر فيه غير الله تعالى كقوله تعالى {هل من خالق غير الله } وهذا فساد عظيم ولا يخفى على أحد، فإنْ قلت المراد أنَّ الغيرين هما اللذان يمكن تصور أحدهما مع الذهول عن الآخر لا أنْ يكون أحدهما موجودا وقت عدم الآخر فحينئذ لا يرد شيء مما ذكر، قلت: حينئذ لا يلزم أنْ تكون صفات الله تعالى غير ذاته، إذ يمكن تصور الذات مع الذهول عن كل صفة فرضت وتصور بعض الصفات مع الذهول عن بعض، واستدلوا على أنَّ الغيرين هما اللذان يصح وجود أحدهما مع عدم الآخر وذلك لأنه لم يصح لما كان أحدهما غير الآخر، وإلا يلزم كون الشيء مغاير لنفسه وهو محال كالواحد من العشرة واليد من زيد، لأنَّ العشرة أسم يقع على مجموع الأفراد فكان متناولاً كل فرد مع أغيار أي مع التسعة فلو كان الواحد الذي في العشرة غير العشرة لصار غير نفسه لأنه من العشرة فيكون فرداً مع أغياره كذا اسم زيد يقع عليه باعتبار الأعضاء فكان متناولاً مجموع هذه الأعضاء فإذا قيل زيد غير زيد كانت اليد غير نفسها، هذا ما قالوه، وفساده في غاية الظهور، لأنَّ قولهم (فكان متناولاً كل فرد مع أغيار) له معنيان :
أحدهما: كل فرد موصوف بأنه مع أغياره، والثاني: كل فرد مع أغياره مجموعاً حتى تكون العشرة مجموع الأفراد فأن أريد به الأول ففيه فساد من وجهين :
الأول: لو كان اسم العشرة متناولاً لكلِّ فرد موصوف بالمعية يلزم أنْ تكون العشرة مادة؛ لأنَّ في العشرة أفراداً موصوفة بالمعية، كلّ منها غير الآخر .
الثاني: يلزم أنْ يكون الواحد من العشرة الذي هو فرد موصوف بالمعية غير العشرة، مع أنه في بيان أنَّ الواحد ليس غير العشرة، وهذا تناقض ظاهر ومحال بلا خلاف، وإنْ أُريد به الثاني لا نسلم أنَّ الواحد لو كان غير العشرة يلزم أنْ يكون غير نفسه، وإنما يلزم أنْ لو كان الواحد عين المجموع وليس كذلك بالضرورة .
الوجه الثاني: وهو الاحتراز عن القدماء وهو محال، فنقول: إنها ليست غيرها ثم نسلم أنَّ صفات الباري تعالى وإنْ لم تكن غير الذات ورا الذات، وفسروا ورا الشيء أنْ لا يكون مفهومه نفس مفهوم الشيء، فعلى هذا يكون الورا أعم من الغير، واعترضوا عليه بأن عدم قولكم بتغايرها لا يوجب عدم تغايرها وأيضاً المحتـَرز قِدم ذات آخر غير الله تعالى لا قدم الصفات، وأيضاً تسليم أنَّ ورا الله قديم، فما الفرق بين هذا وبين تسليم قدم الغير.

المسألة الثانية : في الاسم والمسمى.
قال أهل السنة الاسم عين المسمى يعني مفهوم لفظ الاسم، وخالفهم أهل اللغة وغيرهم، واثبات هذا المعنى في غاية الصعوبة لمخالفته الظاهر، ونحن نذكر ما سنح لنا فنقول:
المراد بقولنا: الاسم عين المسمى أنه بحسب الشرع كذلك لا بحسب اللغة، وذلك لأنه ورد في عدة مواضع من كلام الله تعالى إطلاق الاسم وإرادة المسمى فمما جاء قوله تعالى {ما تعبدون من دونه إلا أسماءً سميتموها أنتم ...} والمعبود إنما هو المسمى وكما جاء في قوله تعالى {سبح اسم ربك الأعلى} إنما هو الرب وكقوله سبحانه {تبارك اسم ربك} بمعنى بارك والمتبارك هو الرب، فقد تحقق الدليل الشرعي على أن الاسم في الشرع، فان قلت هذا معارض بقوله {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيما تدعون فله الأسماء الحسنى } مثل الأسماء المتعددة، والتعدد في الذات محال، قلت: هذا محقق لمذهبنا؛ لأنَّ المراد بالأسماء هنا الصفات، لأنَّ معاني تلك الألفاظ مرادة قطعاً، والأسماء يراعى فيها المعاني، فقد أريد بالاسم هنا المسمى وهو المُدعى، ولأنْ سَلمنا أنه ما أراد المسمى لكن هذا يضر بالجواب أنْ يكون المراد بالاسم هنا ما هو بحسب اللغة فعلى هذا يصير إطلاق الاسم في القسمين حقيقة في الأول شرعية، وفي الثاني لغوية، فمن لم يجعل الاسم فيما ذكرنا حقيقة شرعية فقد جعله مجازاً، والمجاز خلاف الأصل فما ذكرناه أولى وهذا غاية البحث .

المسألة الثالثة : الجزء الذي لا يتجزأ.
قال أهل السنة: الجزاء الذي لا يتجزأ موجود .
قالت الفلاسفة: ليس موجوداً .
والمراد بالذي لا يتجزأ جوهر لا ينقسم لا فكاً ولا وهماً، والحق أنه موجود لأنَّ الجسم بالتجزية لا يخلو من أنْ ينتهي، فإن انتهى فقد وجد الجزء الذي لا يتجزأ؛ لأن ما لا يكون له الامتداد في شيء من الجهات لا ينقسم أصلاً، وإنْ لم ينته إلى ما لا امتداد له بل ينقسم إلى غير النهاية ويكون لكلِّ جزء من تلك الأجزاء امتداد في شيء من الجهات يلزم أنْ يكون طول جسم صغير كخردلة مثلاً أو عرضه أو عمقه غير متناه، وكل واحد يعلم أنه ليس كذلك.
فإن قلت سلمنا أن ما لا امتداد له لا ينقسم فكـّا، لِـمَ قلت أنه لا ينقسم وهماً ؟
قلت: توهم القسمة فيما لا امتداد له كاذب، لأنَّ القسمة تقتضي امتداد ولا عبرة بالكذب، وهذا برهان بديع ليس في كتب الأولين والآخرين أحسن وأوثق منه.
وما قيل أنه يلزم أنْ تكون الخردلة كأجزاء الجبل وهو محل دعوى بلا دليل؛ لأنَّ مذهب الخصم أنَّ انقسام الخردلة مثل الجبل في العدة بناء على كونها غير متناهيين فحينئذ يلزم الخصم ويمنع استحالته فعلى المستدل بيانه، فإنْ قلت استحالته واضحة؛ لأنَّ ما يكون بقدر الخردلة من أجزاء الجبل تكون أجزاءه كأجزاء الخردلة صورة والباقي أضعافاً مضاعفة كذلك، فيمتنع أجزاء الخردلة كأجزاء الجبل، قلت: حينئذ تبطل الملازمة، هذا ما أردنا إيراده، والله سبحانه وتعالى أعلم .

ملاحظة : كتبت حاشية على جانب الصفحة .
" الاسم إن أريد به اللفظ فغير المسمى لأنه يتألف من أصوات مقطعة غير قارة ويختلف باختلاف الأمم والأعصار ويتعدد تارة ويتجدد أخرى والمسمى لا يكون كذلك .
وإن أريد به ذات الشيء فهو المسمى لكنه لم ينتهي بهذا المعنى .
وأن أريد به الصفة كما هو رأي أبي الحسن الأشعري انقسم انقسام الصفة عنده إلى ما هو نفس المسمى كالوجه والقدمِ والرضا
هو غيره كالخالق والرازق
وإلى ما ليس هو ولا غيره كالمحي والعليم والقادر والمريد والمتكلم والبصير والسميع " شرح عبد الرحمن أبو رسلان"
انتهى

عبدالعزيز عبد الرحمن علي
01-08-2012, 07:14
جزاكم الله خيرا

محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
02-08-2012, 14:39
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

جزاك الله خيراً أخي أحمد، ورحم الله تعالى الإمام ابن حجر الهيتمي ورضي عنه (بالتاء لا الثاء، والإمام نور الدين الهيثمي بالثاء رحمه الله هو صاحب مجمع الزوائد)...

أما قوله: "فعُلم أنَّ الغير بحسب اللغة والعرف والشرع، إنما يُقال على المنفصل ولا شك، ولا خلاف أنَّ الغير ما يشهد به اللغة والعرف والشرع، فعُلم أنَّ صفات الله تعالى ليست غير الذات، وهذا قول فصل لا مزيد عليه وهو ليس في كتب الأولين والآخرين".

أقول: بل هذا معروف قد نصَّ عليه الشيخ الإمام الأشعريُّ نفسه رضي الله عنه.

قوله: "يلزم أنْ يكون طول جسم صغير كخردلة مثلاً أو عرضه أو عمقه غير متناه، وكل واحد يعلم أنه ليس كذلك".

أقول: ليس يلزم، فالفلاسفة لا يقولون إنَّ الجسم منقسم بالفعل إلى ما لا نهاية له، إنَّما هم قائلون إنَّ الجسم مهما كان صغيراً فإنَّه قابل للانقسام.

قوله: "فإن قلت: سلمنا أن ما لا امتداد له لا ينقسم فكـّا، لِـمَ قلت أنه لا ينقسم وهماً؟
قلت: توهم القسمة فيما لا امتداد له كاذب، لأنَّ القسمة تقتضي امتداد ولا عبرة بالكذب، وهذا برهان بديع ليس في كتب الأولين والآخرين أحسن وأوثق منه".

أقول: ليس يُسلِّم الخصم بهذا أصلاً، أي لا يُسلِّم بأنَّه سيصل إلى جزء لا امتداد له.

وجزاكم الله خيراً.

والسلام عليكم...

جلال علي الجهاني
03-08-2012, 03:56
إنَّما هم قائلون إنَّ الجسم مهما كان صغيراً فإنَّه قابل للانقسام

أظن أن مجرد قبول الانقسام وتجويزه يلزم منه ما ذكره ابن حجر؛ لكن هل يقبلون ذلك مع قولهم بالهيولى والصورة؟

محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
03-08-2012, 16:36
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

سيدي الشيخ جلال حفظكم الله،

أحسب أنَّ قول الفلاسفة بقبول الانقسام ليس قولاً منهم بأنَّ الجسم منقسم بالفعل إلى ما لا نهاية له، فهناك فرق بين القول إنَّ الجسم مركَّب من أجزاء لا نهاية لها والقول إنَّ الجسم واحد في نفسه متجانس الهيولى، لكنَّه قابل للانقسام.

والحجم عند الفلاسفة هو من الأعراض، وليس سبب كبر الحجم أو صغره هو تكثُّر الأجزاء أو قلَّتها، ولهذا قال الفلاسفة بتكاثف الأجسام وتخلُّلها، أي زيادة الحجم ونقصه مع منعهم الخلاء.

ولا أرى الإيراد الذي ذكره الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى وارداً إلا على من قال إنَّ الجسم مركَّب من أجزاء لا نهاية لها بالفعل، فهنا يلزم أن يكون ما لا نهاية له في الخردلة أقلَّ مما لا نهاية له في الجبل، وهو الممنوع.

أمَّا من قال من الفلاسفة إنَّ الحجر مثلاً جسم واحد متجانس غير مركَّب من أجزاء فهو لا يقول بتكثُّر الأجزاء أصلاً، بل يمنع أن يكون هناك أجزاء بالفعل، وهذا أمر آخر مغاير لكون الحجر قابلاً للانقسام.

والله تعالى أعلم.

والسلام عليكم...