المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إذا جفاك خليل...



شفاء محمد حسن
10-07-2012, 08:02
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد قرأت في صغري قول الإمام البستي في قصيدته (عنوان الحكم):

إذا جفاك خليل كنت تألفه *** فاطلب سواه فكل الناس أخدان
فعظم عندي أن تكون الحكمة داعية لعدم الوفاء، فليس الوفي من وفى عند المودة، بل من وفى عند الجفاء، ووصل عند الهجر، فرأيت في ذلك البيت دعوة للخيانة، بل هو لقلبي إهانة أن أجعله نزلا ينزل فيه من شاء متى شاء، ثم ما إن يفارق، حتى أقوم على إصلاحه للنزيل الآخر، بل الأعظم من ذلك أن أبحث عن النزيل وأطلبه..!
و كان يعجبني قول والدي حفظه الله:


إن رمت قلبي معرضا عن خله *** بعـد المحـبة والوفاء الأمـثـل
فاضرب بكفك هامتي إني امرؤ *** للموت أصلح لا لعيش الفضل
كنت أفكر بذلك قبل أن أعرف حقيقة الحياة والناس، ثم علمتني الحياة أن الوفاء في الناس عزيز، و أن أصدق ما قيل فيه:


سألت الناس عن خل وفي *** فقالوا ما إلى هذا سبيل
تمسك إن ظفرت بود حر *** فإن الحر في الدنيا قليل
وهيهات أن نجد الحر، فأكثر الناس عبيد لأهوائهم وشهواتهم ومصالحهم، عبيد لجاه الدنيا، يبتغون المنزلة عند الناس، يتقربون إليك ويراودونك عن قلبك، فإن أمنتهم وأنزلتهم فيه منزلا، وأوسعت لهم وأكرمتهم فيه، شعروا بأنهم قد نالوا منك حاجتهم، وذهبوا ليبحثوا عن قلب آخر متمنع عليهم ليغروه و ينالوا منه ما نالوا منك، فإن أمنهم واستقبلهم نسوا منزلهم الأول، وتنكروا له وهجروه، و ربما زاد بغيهم فعادوه، ونافسوه بكل رخيص وغال، واستهانوا به فنشروا ما ستر من عيوبه.
كانوا يوما يسرهم محبة الناس لك، ثم باتوا يسوؤهم ذلك، كانوا يفرحون لنصرك الحق ويعينونك عليه، واليوم يساؤون ويودون لو تقع في الباطل فيشمتون منك، كانوا يرون القليل منك كثيرا، فصاروا يرون الكثير منك لا قيمة له.
فبدأت أحذر منهم، ووقفت على قلبي فرأيت فيه مساكن عامرة، ومساكن هجرت، ومساكن تزار بين الحين والحين، فلم أسترد مسكنا وهبته لأحد، فالعائد في هبته كالكلب يعود في قيئه، إلا أنني هيأت نفسي لتوديع كل نازل، وهيأت صندوقا أجمع فيه مفاتيح المنازل، أحفظها هناك وديعة لأصحابها، علَّهم يعودون يوما، فيجدون مستودعا أمينا.
وأبدلت بيت البستي رحمه الله فقلت:

إذا جفاك خليل كنت تألفه *** فاحذر سواه فكل الناس خوان

ثم مرت بي الأيام وعرفت الناس أكثر فما رأيت فيهم ثباتا على شيء، فكيف أرجو منهم الثبات على ود أو إخاء نابع من قلب متقلب؟!
عرفت النفس الإنسانية وضعفها، وغرقها في عالم الأوهام، تحب فتظن دوام الحال، وتغفل عن أن ذلك من المحال، وتلتقي فتغفل عن الفراق، فتتعلق بالأشخاص والمشاعر، غافلة عن أن كل ذلك زائل.
فرأيت ألا راحة للإنسان إلا بتنزهه عن التعلقات الزائلة وعدم ركونه إليها، وأيقظني من غفلتي قول الله تعالى: على لسان خليله سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والتسليم (لا أحب الآفلين)، فاستوحشت من الناس و نأيت بقلبي عن التعلق بهم، وعاودت النظر في البيت فقلت:

إذا تركت خليلا كنت تألفه *** فاترك سواه فكل الناس أوهام
أي إن قدرت على أن تنزه قلبك عن التعلق بخليل ألفته، فأنت على تنزيهها عمن سواه أقدر، فاتركه ولا تتردد.
ثم تقلب بي الزمن، وألزمت بالعيش مع أناس كثيرين، كان غالب ما يجمعنا العمل والعلم، تنقلت في البلاد، فما كنت أحط ببلد إلا وييسر لي الله تعالى فيها ناصرا ومعينا من حيث لا أحتسب، فعندها رجعت إلى بيت الشعر و تأملته، فرجعت إلى قول الإمام البستي:


إذا جفاك خليل كنت تألفه *** فاطلب سواه فكل الناس أخدان
لكن لم تعجبني المبالغة بتسميته خليلا، فلا أحد من الناس يستحق الخلة، ولو قال صاحبا لكان أفضل، إلا أنه ينكسر الوزن، فالأفضل أن يقول:

إذا جفاك صحاب كنت تألفهم *** فاطلب سواهم فكل الناس أخدان
وتغير عندي مفهوم الصحبة، فما عاد الصاحب أكثر من معين على السير في الطريق، أين ما وجدت الموافق لك في الطريق فهو الصاحب، فاستعن به في السير، ولا تكثر مخالطته، بل لتكن صحبتك له على المناصحة والمعاونة، فإذا انتفيا ففر إلى البعد عنه، والنأي بنفسك قبل أن ينال الشيطان نصيبه من اجتماعك معه.
و الآن ما عدت أرى البعد هجرا أو خيانة؛ لأني عرفت الدنيا و رأيتها تغير الناس وتشغلهم، فيهجرون ويتركون، وما كل هاجر غادر، ولا كل تارك ناس، ولا يعذر الناس إلا من عرف نفسه وعرف الحياة، ومن عذر الناس عذروه، ومن لامهم سئموه..

لؤي الخليلي الحنفي
10-07-2012, 08:47
جميل، بارك الله فيك.
انظري كتاب الصداقة والصديق لأبي حيان التوحيدي فهو خير ما كتب في موضوع الصديق.

حمله من هنا:
http://www.4shared.com/office/L0-cuzau/_____.html

أنفال سعد سليمان
10-07-2012, 23:09
اللهم إنّا نعوذ بك من الحور بعد الكور...اللهم ثبتنا يا مقلّب القلوب و الأبصار على الدّين و الحقّ و الخير...برحمتك يا أرحم الراحمين.

هذه عصارة تجربتك شفاء...و أسأل الله أن يحفظ قلبك مما يسوؤه من النّاس...

و الشّي بالشيّء يذكر...فقد تذكّرتُ انتقاد أحد الكتّاب -و اسمه علي أدهم- للمتنبي! بأنه "لا يؤمن بالصداقة فليس للإنسان صديق سوى نفسه". هكذا قال بالحرف، و استدلّ على رأيه بقول المتنبي:

((صديقك أنت لا من قلت خلي
وإن كثر التجمل والكلام ))

و لكن الكاتب قد غفل عن أبيات قالها المتنبي في أشهر قصائده تشرح نفسيته أكثر و تبين لم في النّهاية اضطرّه قلبه لهذا الكلام، قال:

كفى بك داء أن ترى الموت شافيًا *** و حسب المنايا أن يكنّ أمانيًا
تمنّيتَها لما تمنيتَ أن ترى *** ((صديقًا)) فأعيا أو عدوًا مداجيًا

فأي قلب متحطّم كان للمتنبي و أي صدمات عاطفية عاناها حتى يلجئه ذلك لأن يقول أني أرى الموت شافيًا لي؟! و لماذا؟! لأنه لم يجد صديقًا حقيقيًا يستحق قلبه! و هذه القصيدة من الكافوريّات و هي من أشهر قصايد المتنبي فلا أدري كيف غفل عنها الكاتب.

و قال أيضًا -المتنبي- في ميميته الشهيرة:

شر البلاد بلاد لا ((صديق)) بها *** و شر ما يكسب الإنسان ما يصِم

فتأمّلوا حاجته الشديدة للصداقة الصادقة و كيف وسم البلاد التي يخلو منها الصديق بأنها شر بلاد. و غيرها كثير من الأبيات تبين عنف عاطفة المتنبي و معاناته العظيمة مع الحب و الصداقة رحمه الله.

إن هذا رجل عانى قلبه أشد العناء...حتى قال كلمة ((صديقك أنت لا من قلت خلي و إن كثر التجمل و الكلام)) فهو بات يرى بعد تجربته الطويلة مع الناس أن أكثر العلاقات مبنية على كلام فارغ و كذب و زيف. فقال هذا البيت و هو يعاند قلبه. فلست أدري كيف يقال بعد هذا أن المتنبي "لا يؤمن بالصداقة فليس للإنسان صديق سوى نفسه" هكذا بلا تفسير، و الله المستعان. أكره ظلم الناس و اتّهامهم بما ليس فيهم. لماذا نحن نتسرّع في الحكم على الأشخاص من خلال كلمة قالها في ظرف معيّن؟ و أنا أقطع أنه لو سمع أحد الأبيات التي نظمتها شفاء بنفسها أعلاه لقال الكثير منهم أنها فتاة متجمّدة المشاعر، أو لا تصلح للصداقة، أو لا تقدّر الحب و العلاقات الاجتماعية، أو ليس عندها وفاء و إخلاص إلخ. و لكنه لو عرفها حق المعرفة لعلم الدافع المؤلم لنظمها لهذه الأبيات...


ربما غرّدتُ خارج السّرب قليلًا فالعذر!

جلال علي الجهاني
15-07-2012, 15:09
قال رحمه الله:


الصدق مني والوفاء سجيَّـةٌ ٍ ..... لأخي، ولستُ بذي الوداد الـمُثْـمِدِ

إن رَاغَ ذو وُدٍّ فلستُ بِرَائغٍ ..... أو جَدَّ حبلَ إخائه لم أجْدُدِ

وإذا أعاقَدُ لم تكن أُنشُوطةً ٍ ..... عُـقَدي، ولا عُشَرًا على مستوقِدِ

وحفظتُ عهدَ الود حيث نأتْ بهٍ ..... دارٌ، وأستبقي الورى بتعهُّدِ

ولرب مذَّاق أبانَ فرارُه ٍ ..... طُولَ الليالي عن ضَبابٍ لُـبَّدِ

فَطَردتُ سَائمةَ الـهَوى عن مَرتَعٍ ٍ ..... من وُدِّه مستوبَلٍ مستوِئدِ

وطويته حلماً وإغضاءً علىٍ ..... بَللاته، طَيَّ السِّقاء الـمُنـفِدِ

إن الزجاج إذا تناوله الفتى ٍ ..... عَنَفًا تصدَّع صدعة لم تكلد

وإن ابتذى أغضيتُ عن عورائه ٍ ..... ما للكريم على البذاءة من يد

أنفال سعد سليمان
16-07-2012, 07:07
تذكرتُ هذا الرابط للأستاذ سعيد بعنوان "قلّ الصّديقُ"، و هي من المشاركات النادرة للأستاذ سعيد في قسم الأدب و البلاغة كثّرها الله. سأنقل مشاركته هنا و من شاء أن يرجع إلى الرابط لعرض بقية المشاركات من الأعضاء فلْيفعلْ.

http://www.aslein.net/showthread.php?t=2368

---------------------------------------------------

قال الضحاك بن ناجم الأنصاري:
[قلَّ الصديق وإن أصبحت تعرف لي مكانه، فأبِنْ لي أين أقصده]
[كم قد عرفت صديقا بعد معرفتي إياه صرتُ فرارا منه أجحده]
أقول: ندرة الأصدقاء الأوفياء صارت معلومة لدى كل الناس، حتى صار العلم بذلك كالعلم بالضروري من الدين. فعلى الكيس الحرص والحذر. ويشير الشاعر إلى تقلب الأصدقاء وانقلابهم إلى أعداء بطريقة مستنكرة مستشبعة
قال:
[كفرتُ بالودِّ منه حين أوحشني وكنتُ وجْدا به في الناس أعبُدُهُ]
أقول:
إن الإنسان إذا انقلب عليه أصدقاؤه، صار حال الانقلاب يشك في صداقتهم السابقة، خاصة إذا لم يصدر منه ما يستلزم هذا الانقلاب والظلم
قال:
[وكلما زاد قلبي في تلهُّبه غيظا عليه أتاه الوُدُّ يُبْرِدُهُ]
[كم قد رددتُ عن لساني مثالبه وفي الفؤاد له هَجْوٌ أُرَدِّدُهُ]
[لولا الحفاظ وأنِّي لا أُضيِّعه أصبحتَ ترحم بي مَنْ أنت تحسُدهُ]

أقول:
هذا يدل على أن الشاعر كان صادقا في مودته لصديقه الغادر الخائن، ولذلك كان كلما رأى منه شيئا يغيظه، أعرض عن هذا الشعور انجرافا مع وده له، الذي يطغى على قلبه، وليس هذا ضعفا منه، بل مشاعر عالية قلما يفهمها الغادرون الخونة، ولولا أن الشاعر لا يريد تضييع ما مضى بينهما لأذاقه من انتقامه وغضبه ما يستلزم استجرار الرحمة منه عليه حتى ممن كان يحسده على مودته وصداقته له.
وهذا يدل على عمق مشاعر الشاعر، وصدقه، وقوته وأنه لم يفعل ذلك من ضعف وخوار همة.
قال:
[دع العدوَّ وكن ما عشتَ ذا حذرٍ من الصديق الذي زورٌ تودُّدُهُ]
أقول: العدو الذي عداوته ظاهرة من السهل أن تتقي أذاه، وتعاقبه على ما جناه، لأنك لا تحمل له ودا، ولا يربطك به تاريخ وزمان، أما الصديق الذي كنت توده بصدق وهو يتظاهر بالمودة وهو كاذب، فأذاه عظيم ظاهرا وباطنا، فاحذر من هؤلاء الأصدقاء ، ولتحاول التمييز بين الصادق والكاذب.
قال:
[وليس فَتْكَةُ مَنْ بالذمِّ تقصدهُ كفَتْكَةٍ من حميم أنت تحمَدُه]أقول:
هذا بيتٌ عظيم المعنى ولا يعرف قيمته إلا من جرب هذه الحالة الهائلة، فالعدو الظاهر لا يتأثر به الإنسان نفسيا، ولا تهتز له روح الشريف، أما الأذى الصادر من شخص كان يبدي لك المودة وهو خائن، وكنتَ أنت تحمده على ما يظهره لك من مودة ظاهرة، فهذا العذاب الأكيد الذي يزعزع حياة الشريف، ولا ينجو من حياة الشك وفقدان الثقة بالناس بعد ذلك إلا رجل عالي الهمة حفيظ النفس بعيد النظر.
ثم تأمل بعد ذلك في هذه الأبيات
[ولا يغرَّنَّك ثغرٌ لاح من ضَحِكٍ بياضُهُ، فبياض المكر أسودُهُ]
[يا آمِري بجميلٍ كيف يثمر ما زرعتُ من حسنٍ والقبح يحصدُهُ؟]
[زدني نفاقا فإني زائدٌ ملقا ومطفئٌ جمْرَ ما بالمكرِ توقدُهُ]
ملَقا: أي توددا، مَلِقته ملَقا ومَلِقتُ له أيضا توددته من باب تعب. وتملقت له كذلك. ورجل ملِقٌ : يعطي بلسانه ما ليس في قلبه.
ثم احكم حكمَك. انتهى

و قول الشّاعر:

ولا يغرَّنَّك ثغرٌ لاح من ضَحِكٍ ............... بياضُهُ، فبياض المكر أسودُهُ

أجمل منه قول المتنبي المشهور:

إذا رأيتَ نيوب الليث بارزة ............... فلا تظنن أن الليث يبتسمُ