المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : {قَوَاعِدُ الأصُول وَمَعَاقِدُ الفُصُول} لصَفِيِّ الدِّيْن الحَنْبَلي.



خالد حمد علي
15-01-2005, 13:53
بسم الله الرحمن الرحيم

ترجمة المؤلف
هو الإمام العلاّمة عبد المؤمن بن عبد الحقّ، صفي الدّين أبو الفضائل البغدادي، الفقيه الفرضيّ الأصوليّ الحنبليّ.
نشأ في بيئة علميّة فأقبل على العلم بكليّته؛ قراءة وكتابة وتصنيفاً، وارتحل من أجله إلى الشام والحجاز ومصر.
تفقّه على جمع من العلماء، وبزّ أقرانه، بل أصبح -كما يقول الحافظ ابن حجر-: شيخ العراق على الإطلاق.
وصنف تصانيف باهرة؛ في الفقه والأصول والجدل والحساب والفرائض والوصايا والتاريخ والحديث والطب.
توفي -رحمه الله تعالى- ببغداد، سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.



بسم الله الرحمن الرحيم
أحمد الله على إحسانه وأفضاله كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله ، وأصلي وأسلم على نبيه المكمل بإرساله ، المؤيد في أقواله وأفعاله ، وعلى جميع صحبه وآله . وبعد:
فهذه (قواعد الأصول ومعاقد الفصول) من كتابي المسمى بـ(تحقيق الأمل) مجردة من الدلائل، من غير إخلال بشيء من المسائل، تذكرة للطالب المستبين، وتبصرة للراغب المستعين، وبالله أستعين، وعليه أتوكل وهو حسبي ونعم المعين.
(أصول الفقه) : معرفة دلائل الفقه إجمالاً ، وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد ، وهو المجتهد .
و(الفقه) لغة : الفهم .
واصطلاحاً : معرفة أحكام الشرع المتعلقة بأفعال العباد .
و (الأصل) : ما ينبني عليه غيره .
فأصول الفقه : أدلَّته .
والغرض منه : معرفة كيفية اقتباس الأحكام والأدلة وحال المقتبس .
وذلك ثلاثة أبواب :
الباب الأول
في الحكم ولوازمه
(الحكم) : قيل فيه حدود ، أسلمها من النقض والاضطراب : أنه قضاء الشارع على المعلوم بأمر ما نطقاً أو استنباطاً . و (الحاكم) : هو الله سبحانه لا حاكم سواه .
والرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ ومبين لما حكم به . (والمحكوم عليه) : هو المكلف .
والأحكام قسمان :
(تكليفية) وهي خمسة :
(واجب) يقتضي الثواب على الفعل والعقاب على الترك ، وينقسم :
من حيث الفعل : إلى (معيَّن) لا يقوم غيره مقامه ، كالصلاة والصوم ونحوهما ، وإلى (مُبْهَمٍ في أقسام محصورة) يجزئ واحد منها كخصال الكفارة .
ومن حيث الوقت : إلى (مُضَيَّق) وهو ما تعين له وقت لا يزيد على فعله ، كصوم رمضان ، وإلى (مُوَسَّع) وهو ما كان وقته المعيَّن يزيد على فعله ، كالصلاة والحج ، فه مُخيَّر في الإتيان به في أحد أجزائه. فلو أخَّر ومات قبل ضيق الوقت لم يعصِ ، لجواز التأخير ، بخلاف ما بعده .
ومن حيث الفاعل : إلى (فرض عين) وهو ما لا تدخله النيابة مع القدرة وعدم الحاجة ، كالعبادات الخمس ، و(فرض كفاية) وهو ما يسقطه فعل البعض مع القدرة وعدم الحاجة ، كالعيد والجنازة . والغرض منه وجود الفعل في الجملة ، فلو تركه الكل أثموا لفوات الغرض .
وما لا يتم الواجب إلا به : إما غير مقدور للمكلف كالقدرة واليد في الكتابة واستكمال عدد الجمعة فلا حكم له. وإما مقدور كالسعي إلى الجمعة وصوم جزء من الليل وغسل جزء من الرأس فهو واجب لتوقف التمام عليه .
فلو اشتبهت أخته بأجنبية أو ميتة بمذكاة وجب الكف تحرّجاً عن مواقعة الحرام ، فلو وطئ واحدة أو أكل فصادف المباح لم يكن مواقعاً للحرام باطناً ، لكن ظاهراً لفعل ما ليس له .
و (مندوب) : وهو ما يقتضي الثواب على الفعل لا العقاب على الترك ، وبمعناه (المستحب) و (السنة) : وهي الطريقة والسيرة ، لكن تختص بما فعل للمتابعة فقط ، و(النفل) وهو الزيادة على الواجب ، وقد سمى القاضي ما لا يتميز من ذلك كالطمأنينة في الركوع والسجود واجباً ، بمعنى أنه يثاب عليها ثواب الواجب لعدم التميّز . وخالفه أبو الخطاب . والفضيلة والأفضل كالمندوب .
و (محظور) : وهو لغة الممنوع ، و (الحرام) بمعناه ، وهو ضد الواجب : ما يعاقب على فعله ويثاب على تركه . فلذلك يستحيل كون الشيء الواحد بالعين واجباً وحراماً كالصلاة في الدار المغصوبة في أصح الروايتين وعند من صححها النهي إما أن يرجع إلى ذات المنهي عنه فيضاد وجوبه ، أو إلى صفته كالصلاة في السكر والحيض والأماكن السبعة والأوقات الخمسة ، فسماه أبو حنيفة فاسداً ، وعندنا وعند الشافعية أنه من القسم الأول ، لآن المنهي عنه نفس هذه الصلاة ، ولذلك بطلت ، أوْ لا إلى أحد منهما كلبس الحرير ، فإن المصلي فيه جامع بين القربة والمكروه بالجهتين فتصح .
و (مكروه) وهو ضد المندوب : ما يقتضي تركه الثواب ولا عقاب على فعله ، كالمنهي عنه نهي تنـزيه.
و (مباح) ، و(الجائز) و(الحلال) بمعناه : وهو ما لا يتعلق بفعله أو تركه ثواب ولا عقاب .
وقد اختلف في الأعيان المنتفع بها قبل الشرع ، فعند أبي الخطاب والتميمي الإباحة كأبي حنيفة ، فلذلك أنكر بعض المعتزلة شرعيته ، وعند القاضي وابن حامد وبعض المعتزلة الحظر ، وتوقف الجزري والأكثرون.
و (وضعيةٌ) ، وهي أربعة :
أحدها : (ما يظهر به الحكم) وهو نوعان : (علة) إما عقلية ، كالكسر للانكسار ، أو شرعية ، قيل : إنها المعنى الذي علق الشرع الحكم عليه ، وقيل : الباعث له على إتيانه، وهذا أولى .
و (سبب) ، وقد استعمله الفقهاء فيما يقابل المباشر كالحفر مع التردية ، وفي علة العلة كالرمي في القتل للموت ، وفي العلة بدون شرطها كالنصاب بدون الحول ، وفي العلة نفسها كالقتل للقصاص ، ولذا سموا الوصف الواحد من أوصاف العلة جزء السبب .
ومن توابعهما (الشرط) وهو ما يتوقف على وجوده إما الحكم كالإحصان للرجم ويسمى شرط الحكم ، أو عمل العلة وهو شرط العلة كالإحصان مع الزنا ، فيفارق العلة من حيث أنه لا يلزم الحكم من وجوده . وهو عقلي كالحياة للعلم ، ولغوي كالمقترن بحروفه ،وشرعي كالطهارة للصلاة . و (المانع) عكسه ، وهو ما يتوقف السبب أو الحكم على عدمه ، فمانع السبب كالدين مع ملك النصاب ، ومانع الحكم وهو الوصف المناسب لنقيض الحكم كالمعصية بالسفر المنافي للترخيص . ثم قيل : هما جملة السبب لتوقفه على وجود الشرط وعدم المانع ، وليس بشيء .
الثاني : (الصحيح) وهو لغة المستقيم . واصطلاحاً في العبادات : ما أجزأ وأسقط القضاء . وعند المتكلمين : ما وافق الأمر . وفي العقود : ما أفاد حكمه المقصود منه .
و (الفاسد) لغة : المختل . واصطلاحاً : ما ليس بصحيح، ومثله (الباطل) ، وخص أبو حنيفة باسم الفاسد ما شرع بأصله ومنه بوصفه ، والباطل ما منع بهما ، وهو اصطلاح . و(النفوذ) لغة : المجاوزة ، واصطلاحاً : التصرف الذي لا يقدر متعاطيه على رفعه ، وقيل كالصحيح .
و (الأداء) فعل الشيء في وقته ، و (الإعادة) فعله ثانياً لخلل أو غيره ، و (القضاء) فعله بعد خروج وقته ، وقيل : إلا صوم الحائض بعد رمضان ، وليس بشيء .
الثالث (المنعقد) وأصله الالتفاف ، واصطلاحاً : إما ارتباط بين قولين مخصوصين كالإيجاب والقبول ، أو اللزوم كانعقاد الصلاة والنذر بالدخول ، وأصل اللزوم الثبوت ، و(اللازم) : ما يمتنع على أحد المتعاقدين فسخه بمفرده ، و(الجائز) : ما لا يمتنع . و(الحسن) : ما لفاعله أن يفعله ، و(القبيح) : ما ليس له .
الرابع (العزيمة والرخصة) ، وأصل العزيمة القصد المؤكد ، والرخصة السهولة . واصطلاحاً : العزيمة الحكم الثابت من غير مخالفة دليل شرعي . والرخصة إباحة المحظور مع قيام سبب الحظر ، وقيل : ما ثبت على

خالد حمد علي
15-01-2005, 13:55
خلاف دليل شرعي لمعارض راجح كتيمم المريض لمرضه ، وأكل الميتة للمضطر لقيام سبب الحظر ، لوجود الماء وخبث المحل ، والعرايا من صور المزابنة .
الباب الثاني
في الأدلة
أصل الدلالة : الإرشاد ، واصطلاحاً قيل : ما يتوصل به إلى معرفة ما لا يعلم في مستقر العادة اضطراراً عِلماً أو ظناً . والدليل يراد به إما الدال كدليل الطريق ، أو ما يستدل به من نص أو غيره .
ويرادفه ألفاظ منها : البرهان والحجة والسلطان والآية ، وهذه تستعمل في القطعيات وقد تستعمل في الظنيات ، والأمارة والعلامة وتستعمل في الظنيات فقط .
وأصول الأدلة أربعة : (الكتاب والسنة والإجماع) وهي سمعية ، ويتفرع عنها : القياس والاستدلال . والرابع عقلي وهو (استصحاب الحال) في النفي الأصلي الدال على براءة الذمة .
فـ(الكتاب) : كلام الله عز وجل ، وهو القرآن المتلو بالألسنة المكتوب في المصاحف المحفوظ في الصدور ، وهو كغيره من الكلام في أقسامه ، فمنه (حقيقة) : وهي اللفظ المستعمل فيما وضع له ، و (مجاز) وهو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له على وجه يصح ، كـ(جناح الذلّ) و (يُريد أن يَنْقَضّ) . ومنه ما استعمل في لغة أخرى وهو المعرّب كـ(ناشئة الليل) وهي حبشية و (كمشكاة) هندية والـ(استبرق) فارسية . قال القاضي : الكل عربي .
وفي محكم ومتشابه . قال القاضي : المحكم المفسّر ، والمتشابه المجمل . وقال ابن عقيل : المتشابه ما يغمض علمه على غير العلماء المحققين ، كالآيات المتعارضة . وقيل الحروف المقطعة ، وقيل : المحكم الوعد والوعيد والحرام والحلال ، والمتشابه القصص والأمثال . والصحيح أن المتشابه ما يجب الإيمان به ويحرم تأويله كآيات الصفات .
و(السنة) : ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول غير القرآن أو فعل أو تقرير . فـ(القول) حجة قاطعة يجل على من سمعه العمل بمقتضاه لدلالة المعجزة على صدقه . وأما (الفعل) فما ثبت فيه أمر الجبلة كالقيام والقعود وغيرهما فلا حكم له ، وما ثبت خصوصه به كقيام الليل فلا شركة لغيره فيه ، وما فعله بياناً إما بالقول كقوله ((صلّوا كما رأيتموني أصلي)) ، أو بالفعل كقطع يد السارق من الكوع ، فهو معتبر اتفاقاً في حق غيره ، وما سوى ذلك فالتشريك ، فإن عُلم حكمه من الوجوب والإباحة وغيرهما فكذلك اتفاقاً ، وإن لم يُعلم ففيه روايتان : إحداهما : أن حكمه الوجوب كقول أبي حنيفة وبعض الشافعية ، والأخرى الندب ، لثبوت رجحان الفعل دون المنع من الترك . وقيل : الإباحة ، وتوقف المعتزلة ، للتعارض . والوجوب أحوط .
وأما (تقريره) وهو ترك الإنكار على فعل فاعل ، فإن عُلم علة ذلك كالذمي على فطره رمضان ، فلا حكم له ، وإلا دل على الجواز . ثم (العالم) بذلك منه بالمباشرة إما بسماع القول أو رؤية الفعل والتقرير . فقاطع به ، وغيره إنما يصل إليه بطريق الخبر عن المباشر ، فيتفاوت في قطعيته بتفاوت طريقه لأن الخبر يدخله الصدق والكذب ، ولا سبيل إلى القطع بصدقه لعدم المباشرة .
والخبر ينقسم إلى متواتر وآحاد : فـ(المتواتر) أخبار جماعة لا يمكن تواطؤهم على الكذب ، وشروطه ثلاثة : إسناده إلى محسوس كسمعت ورأيت ، لا إلى اعتقاد ، واستواء الطرفين ، والواسطة في شرطه . والعدد ، فقيل : أقله : اثنان ، وقيل : أربعة ، وقيل : خمسة ، وقيل : عشرون ، وقيل : سبعون ، وقيل غير ذلك ، والصحيح لا ينحصر في عدد ، بل متى أخبروا واحداً بعد واحد حتى يخرجوا بالكثرة إلى حد لا يمكن تواطؤهم على الكذب حصل القطع بقولهم . وكذلك يحصل بدون عدالة الرواة وإسلامهم لقطعنا بوجود مصر . ويحصل العلم به ويجب تصديقه بمجرده ، وغيره بدليل خارجي . والعلم الحاصل به ضروري عند القاضي ، ونظري عند أبي الخطاب . وما أفاد العلم في واقعة ولشخص دون قرينة أفاده في غيرها أو لشخص آخر .
و (الآحاد) ما لم يتواتر ، والعلم لا يحصل به في إحدى الروايتين ، وهو قول الأكثرين ومتأخري أصحابنا ، والأخرى بلى ، وهو قول جماعة من أصحاب الحديث والظاهرية ، وقد حُمل ذلك منهم على ما نقله الأئمة المتفق على عدالتهم ، وتلقته الأمة بالقبول لقوته بذلك كخبر الصحابي ، فإن لم يكن قرينة أو عارضه خبر آخر فليس كذلك . وقد أنكر قوم جواز التعبد به عقلاً لاحتماله . وقال أبو الخطاب : يقتضيه ، والأكثرون لا يمتنع . فأما سمعاً فيجب عند الجمهور ، وخالف أكثر القدرية ، وإجماع الصحابة على قبوله يرد ذلك .
وشروط الراوي أربعة : (الإسلام) فلا تقبل رواية كافر ولو ببدعة إلا المتأول إذا لم يكن داعية في ظاهر كلامه ، و(التكليف) حالة الأداء ، و(الضبط) سماعاً وأداءً ، و(العدالة) فلا تقبل من فاسق إلا ببدعة متأولاً عند أبي الخطاب والشافعي . والمجهول في شرط منها لا يقبل كمذهب الشافعي ، وعنه إلا في العدالة كمذهب أبي حنيفة . ولا يشترط ذكوريته ولا رؤيته ولا فقهه ولا معرفة نسبه . ويقبل المحدود في القذف إن كان شاهداً . والصحابة كلهم عدول بإجماع المعتبرين ، والصحابي من صحبه ولو ساعة أو رآه مؤمناً ، وتثبت صحبته بخبر غيره عنه أو خبره عن نفسه .
وغير الصحابي لابد من تزكيته كالشهادة . والرواية عنه تزكية في رواية بشرط أن يعلم من عادة الراوي أو صريح قوله أنه لا يروي إلا عن عدل ، والحكم بشهادته أقوى من تزكيته . و(الجرح) نسبة ما ترد به الشهادة . وليس ترك الحكم بشهادته . ويقبل - كالتزكية - من واحد ، ولا يجب ذكر سببه ، وعنه بلى ، وقيل يستفسر غير العالم . ويقدم التعديل ، وقيل الأكثر .
وأما ألفاظ الرواية ، فمن الصحابي خمسة :
أقواها (سمعت) أو (أخبرني) أو (شافهني) ثم (قال كذا) لاحتمال سماعه من غيره ، ثم (أمر) أو (نهى) ، ثم (أُمرنا) أو (نُهينا) لعدم تعيين الآمر ، ومثله (من السنة) ، ثم (كنا نفعل) أو (كانوا يفعلون) ، فإن أضيف إلى زمنه فحجة ، لظهور إقراره عليه ، وقال أبو الخطاب (كانوا يفعلون) نقل للإجماع خلافاً لبعض الشافعية ، ويقبل قوله (هذا الخبر منسوخ) عند أبي الخطاب ، ويرجع إليه في تفسيره .
ولغيره مراتب : أعلاه قراءة الشيخ عليه في معرض الإخبار فيقول (حدثني) أو (أخبرني) و (قال) و (سمعته) ، ثم قراءته على الشيخ ، فيقول الشيخ : نعم أو يسكت خلافاً لبعض الظاهرية ، فيقول (أخبرنا) أو (حدثنا) قراءة عليه لا بدونه في رواية . وليس له إبدال إحدى لفظتي الشيخ (حدثنا) أو (أخبرنا) بالأخرى في رواية .
ثم (الإجازة) فيقول : أجزت لك رواية الكتاب الفلاني أو مسموعاتي . و(المناولة) فيناوله كتاباً ويقول : اروه عني ، فيقول : (أنبأنا) وإن قال : (أخبرنا) فلابد من إجازة أو مناولة. وحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف منع الرواية بهما . ولا يجيز الرواية (هذا الكتاب سماعي) بدون إذنه فيه ، ولا وجوده بخطه ، بل يقول : وجدت كذا ، ومتى وجد سماعه بخط يوثق به وغلب على ظنه رواه وإن لم يذكره ، خلافاً لأبي حنيفة ، وإن شك فلا . فإن أنكر الشيخ الحديث وقال : لا أذكره ، لم يقدح ، ومنع الكرخي منه ، ولو زاد ثقة فيه لفظاً أو معنى قبلت ، فإن اتحد المجلس فالأكثر عند أبي الخطاب، والمثبت مع التساوي في العدد والحفظ والضبط ، وقال القاضي روايتان .
ولا يتعين لفظه ، بل يجوز بالمعنى لعالم بمقتضيات الألفاظ عند الجمهور ، فيبدل اللفظ بمرادفه ، لا بغيره ، ومنع بعض المحدثين مطلقاً .
ومراسيل الصحابة مقبولة ، وقيل : إن علم أنه لا يروي إلا عن صحابي . وفي مراسيل غيرهم روايتان : القبول كمذهب أبي حنيفة وجماعة من المتكلمين ، اختارها القاضي ، والمنع وهو قول الشافعي وبعض المحدثين والظاهرية .
وخبر الواحد فيما تعم به البلوى مقبولٌ خلافاً لأكثر الحنفية ، وفي الحدود وما يسقط بالشبهة خلافاً للكرخي ، وفيما يخالف القياس ، وحكي عن مالك تقديم القياس ، وقال أبو حنيفة : ليس بحجة إن خالف الأصول أو معناها .
ثم ها هنا أبحاث يشترك فيها الكتاب والسنة من حيث أنها لفظية :
منها : اللغات توقيفية ، للدور ، وقيل : اصطلاحية لامتناع فهم التوقيف بدونه ، وقال القاضي : كلا القولين جائز في الجميع ، وفي البعض والبعض ، أما الواقع فلا دليل عليه عقلي ولا نقلي ، فيجوز خلق العلم في الإنسان بدلالتها على مسمياتها ، وابتداء قوم بالوضع بحسب الحاجة ويتبعهم الباقون . ثم قال : ويجوز أن تثبت السماء قياساً كتسمية النبيذ خمراً ، ولقياس التصريف . ومنعه أبو الخطاب والحنفية وبعض الشافعية .
و (الكلام) هو المنتظم من الأصوات المسموعة المعتمدة على المقاطع وهي الحروف ، وهو جمع كلمة ، وفي اللفظ الموضوع لمعنى ، وخص أهل العربية الكلام المفيد وهو الجمل المركبة من فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر ، وغير المفيد كَلِمٌ . فإن استعمل في المعنى الموضوع له فهو الحقيقة ، إن كان بوضع اللغة فهي اللغوية ، أو بالعرف فهي العرفية كالدابة لذوات الأربع ، أو بالشرع فالشرعية كالصلاة والزكاة ، وأنكر قوم الشرعية وقالوا باقٍ والزيادات شروط .
وكل يتعين باللفظ ، فمن أهل اللغة بدون قرينة اللغوية ، وبقرينة العرفية ، ومن أهل الشرع الشرعية ، ولا يكون مجملاً كما حكي عن القاضي وبعض الشافعية ، وإن استعمل في غير ما وضع له فهو المجاز بالعلاقة ، وهي إما اشتراكهما في معنى مشهور كالشجاعة في الأسد أو الاتصال كقولهم : الخمر حرام ، والحرام شربها ، والزوجة حلال ، والحلال وطؤها ، أو لأنه سبب أو مسبب ، وهو فرع الحقيقة فلذلك تلزم دون العكس .
تنبيه : الحقيقة أسبق إلى الفهم ، ويصح الاشتقاق منه ، بخلاف المجاز ، ومتى دار اللفظ بينهما فالحقيقة ولا إجمال ، لا اختلال الوضع به . فإن دل على معنى واحد من غير احتمال لغيره فهو (النص) وأصله الظهور والارتفاع ، وقد يطلق على (الظاهر) وهو المعنى السابق مع تجويز غيره ، وأكثرها يستعمل بين الفقهاء بهذا المعنى ، فإن عضد الغير دليل يغلّبه لقرينة أو ظهار آخر أو قياس راجح سمي (تأويلاً) ، وقد يكون في الظاهر قرائن يدفع الاحتمال مجموعها دون آحادها ، والاحتمال قد يبعد فيحتاج إلى دليل ، وقد يتوسط فيجب المتوسط . فإن دل على أحد معنيين أو أكثر لا بعينه وتساوت ولا قرينة فـ(مجمل) وقد حده قوم بما لا يفهم منه معنى عند الإطلاق فيكون في (المشترك) وهو ما توحد لفظه وتعددت معانيه بأصل الوضع ، كالعين والقرء ، والمختار للفاعل والمفعول ، والواو للعطف والابتداء . ومنه عند القاضي وبعض المتكلمين (حُرِّمت عليكم المَيْتَةُ) و (حُرِّمت عليكم أمهاتكم) لتردده بين الأكل والبيع واللمس والنظر . وهو مخصص بالعرف في الأكل والوطء فليس منه . وعند الحنفية منه قوله صلى الله عليه وسلم ((لاصلاة إلا بطهور)) ، والمراد نفي حكمه لامتناع نفي صورته ، وليس حكم أولى من حكم ، قلنا : فتتعين الصورة الشرعية فلا يكون منه .
ويقابل المجمل (المبين) وهو المخرج من حيز الإشكال إلى الوضوح ، والمخرج هو المبيَّن ، والإخراج هو البيان ، وقد يسمى الدليل بياناً ، ويختص بالمجمل ، وحصول العلم للمخاطب ليس بشرط .
ويكون بالكلام والكتابة والإشارة وبالفعل وبالتقرير وبكل مفيد شرعي .
ولا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة ، فأما إليها فجوّزه ابن حامد والقاضي وأصحابه وبعض الحنفية وأكثر الشافعية ، ومنعه أبوبكر عبدالعزيز والتميمي والظاهرية والمعتزلة .
فإن دل على مفهومات أكثر من واحد مطلقاً فـ(عام) وقد حده قوم بأنه اللفظ المستغرق لما يصلح له ، وهو من عوارض الألفاظ ، فهو حقيقة فيها مجاز في غيرها ، وأصله الاستيعاب والاتساع .
وألفاظه خمسة : الاسم المحلى بأل ، والمضاف إلى معرفة كعبد زيد ، وأدوات الشرط كـمن فيمن يعقل وما فيما لا يعقل وأي فيهما ، وأين وأيان في المكان ومتى في الزمان ، وكل وجميع ، والنكرة في سياق النفي كلا رجل في الدار .
قال البستي : الكامل في العموم الجمع ، لوجود صورته ومعناه ، والباقي قاصر لوجوده فيه معنى لا صورة . وأنكره قوم فيما فيه الألف واللام ، وقوم في الواحد المعرّف خاصة كـ (السارق والسارقة) وبعض متأخري النحاة في النكرة في سياق النفي إلا مع من مظهرة .
وأقل الجمع ثلاثة ، وحكي عن أصحاب مالك وابن داود وبعض النحاة والشافعية اثنان ، والمخاطب يدخل في عموم خطابه ، ومنعه أبو الخطاب في الأمر ، وقوم مطلقاً .
ويجب اعتقاد عمومه في الحال في إحدى الروايتين ، اختارها أبوبكر ، والقاضي وهي قول الحنفية ، والأخرى لا حتى يبحث فلا يجد مخصصاً . اختارها أبو الخطاب ، وعن الشافعية كالمذهبين ، وعن الحنفية إن سمع منه على وجه تعليم الحكم فكالأول ، وإلا فكالثاني . والعبد يدخل في الخطاب للأمة والمؤمنين ، لأنه منهم ، والإناث في الجمع بالواو والنون مثل (كلوا واشربوا) عند القاضي ، وبعض الحنفية وابن داود لغلبة المذكر ، واختار أبو الخطاب والأكثرون عدم دخولهن .
وقول الصحابي: (نهى عن المزابنة) و (قضى بالشفعة) عام، والمعتبر اللفظ فيعم وإن اختص السبب ، وقال مالك وبعض الشافعية يختص بسببه ، فإن تعارض عمومان وأمكن الجمع بتقديم الأخص أو تأويل المحتمل فهو أولى من إلغائهما ، وإلا فأحدهما ناسخ إن علم تأخره ، وإلا تساقطا .
و(الخاص) يقابل العام ، وهو ما دل على شيء بعينه ولهما طرفان وواسطة ، فعام مطلق ، وهو ما لا أعم منه كالمعلوم ، وخاص مطلق وهو ما لا أخص منه كزيد ، وما بينهما فعام بالنسبة إلى ما تحته خاص بالنسبة إلى ما فوقه كالموجود .

خالد حمد علي
15-01-2005, 13:56
و(التخصيص) إخراج بعض ما تناوله اللفظ فيفارق النسخ، بأنه رفع لجميعه وبجواز مقارنة المخصص ، وعدم وجوب مقاومته ، ودخوله على الخبر بخلاف النسخ .
ولا خلاف في جواز التخصيص .
والمخصصات تسعة :
(الحس) كخروج السماء والأرض من (تُدمِّر كلَّ شيء) و(العقل) وبه خرج من لا يفهم التكاليف ، و(الإجماع) والحق أنه ليس بمخصص بل دال على وجوده ، و(النص الخاص) كـ ((لا قطع إلا في ربع دينار)) ولا يشترط تأخره، وعنه بلى. فيقدم المتأخر وإن كان عاماً كقول الحنفية ، فيكون نسخاً للخاص كما لو أفرده ، فعلى هذا متى جهل المتقدم تعارضا لاحتمال النسخ بتأخر العام ، واحتمال التخصيص بتقدمه . وقال بعض الحنفية : الكتاب لا يخصص السنة ، وخرجه ابن حامد رواية لنا .
و(المفهوم) كخروج المعلوفة بقوله صلى الله عليه وسلم ((في سائمة الغنم زكاة)) من قوله ((في أربعين شاة)) ، و(فعله صلى الله عليه وسلم) ، و(تقريره) ، و (قول الصحابي) إن كان حجة ، و(قياس نص خاص) في قول أبي بكر والقاضي وجماعة من الفقهاء والمتكلمين .
وقال ابن شاقلا وجماعة من الفقهاء : لا يخص العام ، وقال قوم بالجلي دون الخفي ، وخصص به عيسى بن أبان العام المخصوص ، وحكي عن أبي حنيفة .
ويجوز تخصيص العموم إلى الواحد ، وقال الرازي والقفال والغزالي إلى أقل الجمع . وهو حجة في الباقي عند الجمهور خلافاً لأبي ثور وعيسى بن أبان .
ومنه (الاستثناء) وهو قول متصل يدل على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول . فيفارق التخصيص بالاتصال ، وتطرقه إلى النص كعشرة إلا ثلاثة ، ويفارق النسخ الاتصال ، وبأنه مانع لدخول ما جاز دخوله ، والنسخ رافع لما دخل ، وبأنه رفع للبعض والنسخ رفع للجميع . وشرطه الاتصال ، فلا يفصل بينهما سكوت يمكن الكلام فيه ، وحكي عن ابن عباس عدم اشتراطه ، وعن عطاء والحسن تعليقه بالمجلس ، وقد أومأ إليه أحمد في اليمين . وأن يكون من الجنس وبه قال بعض الشافعية ، وقال مالك وأبو حنيفة وبعض المتكلمين : ليس بشرط . وأن يكون المستثنى أقل من النصف ، وفي النصف وجهان . وأجاز الأكثرون الأكثر .
فإن تعقب جملاً عاد إلى جميعها ، وقال الحنفية إلى الأقرب. وهو من الإثبات نفي ، ومن النفي إثبات .
ومنه (المطلق) وهو ما تناول واحداً لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه . قيل : لفظ يدل على معنى مبهم في جنسه . ويقابله (المقيد) وهو المتناول لموصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة كـ (رقبة مؤمنة) . فإن ورد مطلق ومقيد ، فإن اتحدا في الحكم والسبب كـ ((لانكاح إلا بولي)) مع ((لا نكاح إلا بولي مرشد)) حمل المطلق على المقيد ، وقال أبو حنيفة : زيادة فهي نسخ . وإن اختلف السبب كالعتق في كفارة اليمين قيد بالإيمان ، وأطلق في الظهار ، فالمنصوص لا يحمل ، واختاره ابن شاقلا وهو قول أكثر الحنفية خلافاً للقاضي والمالكية وبعض الشافعية .
وقال أبو الخطاب : تقييد المطلق كتخصيص العموم وهو جائز بالقياس الخاص فها هنا مثله ، فإن كان ثم مقيدان حمل أقربهما سبها به ، وإن اختلف الحكم فلا عمل ، اتحد السبب أو اختلف .
و(الأمر) استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء ، وله صيغة تدل بمجردها عليه ، وهي (افعل) للحاضر و(ليفعل) للغائب عند الجمهور . ومن تخيل الكلام معنى قائماً بالنفس أنكر الصيغة وليس بشيء . والإرادة ليست شرطاً عند الأكثرين خلافاً للمعتزلة ، وهو للوجوب بتجرده عند الفقهاء وبعض المتكلمين ، وقال بعضهم للإباحة ، وبعض المعتزلة للندب . فإن ورد بعد الحظر الإباحة ، وقال أكثر الفقهاء لما يفيده قبل الحظر ، ولا يقتضي التكرار عند الأكثرين وأبي الخطاب خلافاً للقاضي وبعض الشافعية ، وقيل : يتكرر إن علق على شرط ، وقيل يتكرر بتكرر لفظ الأمر ، وحكي ذلك عن أبي حنيفة وأصحابه .
وهو على الفور في ظاهر المذهب كالحنفية ، وقال أكثر الشافعية على التراخي ، وقوم بالوقف ، والمؤقت لا يسقط بفوت وقته ، فيجب قضاؤه ، وقال أبو الخطاب والأكثرون بأمر جديد .
ويقتضي الإجزاء بفعل المأمور به على وجهه ، وقيل لا يقتضيه . ولا يمنع وجوب القضاء إلا بدليل منفصل . والأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بلفظ لا تخصيص فيه له يشاركه فيه غيره ، وكذلك خطابه لواحد من الصحابة ، ولا يختص إلا بدليل ، وهذا قول القاضي وبعض المالكية والشافعية .
وقال التميمي وأبو الخطاب وبعض الشافعية يختص بالمأمور ويتعلق بالمعدوم خلافاً للمعتزلة وجماعة من الحنفية ، ويجوز أمر المكلف بما علم أنه لا يتمكن من فعله ، وهي مبنية على النسخ قبل التمكن ، والمعتزلة شرطوا تعليقه بشرطٍ لا يعلم الآمر عدمه .
وهو نهي عن ضده معنى .
و(النهي) يقابل الأمر عكساً : وهو استدعاء الترك بالقول على وجه الاستعلاء ، ولكل مسألة من الأوامر وزان النواهي بعكسها ، وقد اتضح كثير من أحكامه .
بقي أن النهي عن الأسباب المفيدة للأحكام يقتضي فسادها ، وقيل : لعينه لا لغيره ، وقيل : في العبادات لا في المعاملات ، وحكي عن جماعة منهم أبو حنيفة يقتضي الصحة. وقال بعض الفقهاء وعامة المتكلمين : لا يقتضي فساداً ولا صحة ، فهذا ما تقتضيه صرائح الألفاظ .
وأما المفهوم من فحوى الألفاظ وإشاراتها وهو (المفهوم) فأربعة أضرب :
الأول : (الاقتضاء) وهو الإضمار الضروري لصدق المتكلم مثل (صحيحاً) في قوله ((لا عمل إلا بنيّة)) أو ليوجد الملفوظ به شرعاً مثل (فأفطر) لقوله (فعِدَّةٌ من أيام أُخَر) أو عقلاً مثل الوطء في مثل (حُرِّمتْ عليكم أُمّهاتُكم) .
الثاني : (الإيماء والإشارة وفحوى الكلام ولحنه) كفهم السرقة من قوله تعالى : (والسّارق والسّارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا) .
الثالث : (التنبيه) وهو مفهوم الموافقة بأن يفهم الحكم في المسكوت من المنطوق بسياق الكلام كتحريم الضرب من قوله تعالى (ولا تَقُلْ لهما أُفٍّ) قال الجزري وبعض الشافعية : هو قياس ، وقال القاضي وبعض الشافعية : بل من مفهوم اللفظ سبق إلى الفهم مقارناً ، وهو قاطع على قولين .
الرابع : (دليل الخطاب) وهو مفهوم المخالفة كدلالة تخصيص الشيء بالذكر على نفيه عما عداه ، كخروج المعلوفة بقوله صلى الله عليه وسلم ((في سائمة الغَنَمِ زكاة)) ، وهو حجة عند الأكثرين خلافاً لأبي حنيفة وبعض المتكلمين .
ودرجاته ست :
إحداها : (مفهوم الغاية) بإلى وحتى ، مثل : (وأتمّوا الصيام إلى الليل) ، أنكره بعض منكري المفهوم .
الثانية : (مفهوم الشرط) مثل : (وإن كُنَّ أُولات حملٍ فأنفقوا عليهن) ، أنكره قومٌ .
الثالثة : (مفهوم التخصيص) وهو أن تذكر الصفة عقيب الاسم العام في معرض الإثبات والبيان كقوله صلى الله عليه وسلم ((في سائمة الغَنَمِ زكاة)) وهو حجة ، ومثله أن يثبت الحكم في أحد فينتفي في الآخر مثل ((الأيم أحق بنفسها)) .
الرابعة : (مفهوم الصفة) وهو تخصيصه ببعض الأوصاف التي تطرأ وتزول مثل : ((الثيب أحق بنفسها)) ، وبه قال جل أصحاب الشافعي ، واختار التميمي أنه ليس بحجة ، وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين .
الخامسة : (مفهوم العدد) وهو تخصيصه بنوع من العدد مثل : ((لا تُحَرِّم المصَّة والمصَّتان)) ، وبه قال مالك وداود وبعض الشافعية خلافاً لأبي حنيفة وجل أصحاب الشافعي .
السادسة : (مفهوم اللقب) وهو أن يخص اسماً بحكم ، أنكره الأكثرون ، وهو الصحيح لمنع جريان الربا في غير الأنواع الستة .
ثم الذي يرفع الحكم بعد ثبوته : (النسخ) وأصله الإزالة ، وهو رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخٍ عنه . والرفع إزالة الشيء على وجه لولاه لبقي ثابتاً ، ليخرج زوال الحكم بخروج وقته . والثابت بخطاب متقدم ليخرج زواله بزوال التكليف . ومتراخٍ عنه ليخرج البيان . وقيل : هو كشف مدة العبادة بخطاب ثانٍ . والمعتزلة قالوا : الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص زائل على وجه لولاه لكان ثابتاً ، وهو خالٍ من الرفع الذي هو حقيقة النسخ . ويجوز قبل التمكن من الامتثال .
و(الزيادة على النص) إن لم تتعلق بالمزيد عليه كإيجاب الصلاة ثم الصوم فليس بنسخ إجماعاً ، وإن تعلقت وليست بشرط ، فنسخ عند أبي حنيفة ، فإن كانت شرطاً كالنية في الطهارة فأبو حنيفة وبعض مخالفيه في الأولى نسخ .
ويجوز إلى غير بدل ، وقيل : لا ، وبالأخف والأثقل ، وقيل : بالأخف . ولا نسخ قبل بلوغ الناسخ . وقال أبو الخطاب : كعزل الوكيل قبل علمه به .
ويجوز نسخ القرآن والسنة المتواترة والآحاد بمثلها ، والسنة بالقرآن لا هو بها في ظاهر كلامه ، خلافاً لأبي الخطاب وبعض الشافعية ، فأما نسخ القرآن ومتواتر السنة بالآحاد فجائز عقلاً ممتنعٌ شرعاً إلا عند الظاهرية ، وقيل : يجوز في زمنه صلى الله عليه وسلم .
وما ثبت بالقياس ، وإن كان منصوصاً على علته فكالنص ينسخ وينسخ به وإلا فلا .
وقيل : يجوز بما جاز به التخصيص .
و(الإجماع) وأصله الاتفاق ، وهو اتفاق علماء العصر من الأمة على أمر ديني ، وقيل : اتفاق أهل الحد والعقد على حكم الحادثة قولاً ، وإجماع أهل كل عصر حجة خلافاً لداود، وقد أومأ أحمد إلى نحو قوله.
وإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة اعتبره أبو الخطاب والحنفية ، وقال القاضي وبعض الشافعية ليس بإجماع، والتابعي معتبر في عصر الصحابة عند الجمهور خلافاً للقاضي وبعض الشافعية ، وقد أومأ أحمد إلى القولين ، ولا ينعقد بقول الأكثرين خلافاً لابن جرير ، وأومأ إليه أحمد .
وقال مالك : إجماع أهل المدينة حجة .
وانقراض العصر شرط في ظاهر كلامه وقد أومأ إلى خلافه، فلو اتفقت الكلمة في لحظة واحدة فهو إجماع عند الجمهور ، واختاره أبو الخطاب .
وإذا اختلف الصحابة على قولين لم يجز إحداث قول ثالث عند الجمهور ، وقال بعض الحنفية والظاهرية يجوز .
وإذا قال بعض المجتهدين قولاً وانتشر في الباقين وسكتوا فعنه : إجماع في التكاليف وبه قال بعض الشافعية وقيل : حجة لا إجماع ، وقيل : لا إجماع ولا حجة .
ويجوز أن ينعقد عن اجتهاد ، وأحاله قوم ، وقيل : يتصور وليس بحجة .
والأخذ بأقل ما قيل ليس تمسكاً بالإجماع .
واتفاق الخلفاء الأربعة ليس بإجماع ، وقد نُقل عنه : لا يخرج عن قولهم إلى قول غيرهم ، وهذا يدل على أنه حجة لا إجماع .
وأما الأصل الرابع - وهو دليل العقل في النفي الأصلي - فهو : أن الذمة قبل الشرع بريئة من التكاليف فتستمر حتى يرد بغيره ، ويسمى (استصحاباً) ، وكل دليل فهو كذلك ، فالنص حتى يرد النسخ ، والعموم حتى يرد المخصص ، والملك حتى يرد المزيل ، والنفي حتى يرد المثبت . ووجوب صلاة سادسة وصوم غير رمضان يُنفى بذلك .
وأما استصحاب الإجماع في مثل قولهم : الإجماع على صحة صلاة المتيمم ، فإذا رأى الماء في أثناء الصلاة فلم تبطل استصحاباً للإجماع ، ففاسد عند الأكثرين خلافاً لابن شاقلا وبعض الفقهاء .
فهذه الأصول الأربعة لا خلاف فيها ، وقد اختلف في أصول أربعة أخر ، وهي :
(شرع من قبلنا) وهو شرع لنا ما لم يرد نسخه في إحدى الروايتين اختارها التميمي ، وهو قول بعض الحنفية وبعض الشافعية ، والأخرى : لا ، وهو قول الأكثرين .
و (قول الصحابي إذا لم يظهر له مخالف) فروي أنه حجة تقدم على القياس وتخص العموم ، وهو قول مالك وقديم قول الشافعية وبعض الحنفية ، ويُروى خلافه وهو قول عامة المتكلمين وجديد قول الشافعي واختار أبو الخطاب . وقيل : الخلفاء الأربعة ، وقيل أبو بكر وعمر .
فإن اختلف الصحابة على قولين لم يجز للمجتهد الأخذ بأحدهما إلا بدليل ، وأجازه بعض الحنفية والمتكلمين ما لم ينكر على القائل قوله .
و (الاستحسان) وهو العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص . قال القاضي : الاستحسان مذهب أحمد رحمه الله وهو أن تترك حكماً إلى حكم هو أولى منه ، وهذا لا ينكره أحد . وقيل : دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يمكنه التعبير عنه، وليس بشيء . وقيل : ما استحسنه المجتهد بعقله ، وحكي عن أبي حنيفة أنه حجة ، كدخول الحمام بغير تقدير أجرة وشبهه .
و (الاستصلاح) وهو اتباع المصلحة المرسلة من جلب منفعة أو دفع مضرة من غير أن يشهد لها أصل شرعي . وهو إما ضروري كقتل الكافر المضل ، وعقوبة المبتدع حفظاً للدين، والقصاص حفظاً للنفس ، وحد الشرب حفظاً للعقل ، وحد الزنا حفظاً للنسب ، والقطع حفظاً للمال ، فذهب مالك وبعض الشافعية إلى أن هذه المصلحة حجة ، والصحيح أنه ليس بحجة . وإما حاجيّ كتسليط الولي على تزويج الصغيرة لتحصيل الكفء خشية الفوات . أو تحسيني كالولي في النكاح صيانة للمرأة عن مباشرة العقد الدال على الميل إلى الرجال ، فهذان لا يتمسك بهما بدون أصل بلا خلاف .

خالد حمد علي
15-01-2005, 13:58
ومما يتفرع عن الأصول المتقدمة :
(القياس) وأصله التقدير ، وهو حمل فرع على أصل في حكم لجامع بينهما ، وقيل : إثبات حكم الأصل في الفرع لاشتراكهما في علة الحكم . وقيل : حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما لجامع بينهما من إثبات حكم أو صفة لهما أو نفيه عنهما. وهو بمعنى الأول ، وذلك أوجز . وقيل : هو الاجتهاد وهو خطأ .
والتعبد به جائز عقلاً وشرعاً عند عامة الفقهاء والمتكلمين خلافاً للظاهرية والنظّام .
ويجري في جميع الأحكام حتى في الحدود والكفارات خلافاً للحنفية ، وفي الأسباب عند الجمهور ، ومنعه بعض الحنفية .
ثم إلحاق المسكوت بالمنطوق : مقطوع وهو مفهوم الموافقة وقد سبق ، وضابطه أنه يكفي فيه نفي الفارق من غير تعرض للعلة وما عداه فهو مظنون ، وللإلحاق فيه طريقان :
أحدهما : نفي الفارق المؤثر ، وإنما يحسن مع التقارب .
والثاني : بالجامع فيهما وهو القياس ، فإذاً أركان القياس أربعة :
(الأصل) : وهو المحل الثابت له الحكم ، الملحق به كالخمر مع النبيذ ، وشرطه أن يكون معقول المعنى ليعدى ، فإن كان تعبدياً لم يصح . وموافقة الخصم عليه ، فإن منعه وأمكنه إثباته بالنص جاز ، لا بعلة عند المحققين . وقيل : الاتفاق شرط .
و(الفرع) : وهو لغة ما تولد عن غيره وانبنى عليه . وهنا : المحل المطلوب إلحاقه . وشرطه وجود علة الأصل فيه .
و(الحكم) : وهو الوصف المقصود بالإلحاق ، فالإثبات ركن لكل قياس ، والنفي إلا لقياس العلة عند المحققين لاشتراط الوجود فيها . وشرطه : الاتحاد فيها قدراً وصفة ، وأن يكون شرعياً لا عقلياً أو أصولياً.
و(الجامع) : وهو المقتضي لإثبات الحكم . ويكون حكماً شرعياً ووصفاً عارضاً ولازماً ومفرداً ومركباً وفعلاً ونفياً وإثباتاً ومناسباً وغير مناسب .
وقد لا يكون موجوداً في محل الحكم كتحريم نكاح الحر للأمة لعلة رق الولد ، وله ألقاب منها : العلة ، وقد سبق تفسيرها ، والمؤثر : وهو المعنى الذي عرف كونه مناطاً للحكم بمناسبة .
و(المناطٍ) : وهو من تعلق الشيء بالشيء ، ومنه (نياط) القلب لعلاّقته ، فلذلك هو عند الفقهاء متعلق الحكم . والبحث فيه إما لوجوده وهو (تحقيق المناط) أو تنقيته وتخليصه من غيره وهو (تنقيح المناط) بأن ينص الشارع على حكم عقيب أوصاف فيلغي المجتهد غير المؤثر ، ويعلق الحكم على ما بقي . و (تخريجه) بأن ينص الشارع على حكم غير مقترن بما يصلح علة فيستخرج المجتهد علته باجتهاده ونظره .
و(المظنة) : وهي من ظننت الشيء ، وتكون بمعنى العلم كما في قوله تعالى : (الذين يظنُّون أنهم مُلاقوا ربهم) وتارة بمعنى رجحان الاحتمال ، فلذلك هي الأمر المشتمل على الحكمة الباعثة على الحكم : إما قطعاً كالمشقة في السفر أو احتمالاً كوطء الزوجة بعد العقد في لحوق النسب ، فما خلا عن الحكمة فليس بمظنة .
و(السبب) وأصله ما توصل به إلى ما لا يحصل بالمباشرة ، والمتسبب : المتعاطي لفعله . وهو هنا ما يتوصل به إلى معرفة الحكم الشرعي فيما لا نص فيه . وجزء السبب : هو الواحد من أوصافه كجزء العلة.
و(المقتضي) وهو لغة طلب القضاء ، فيطلق هنا لاقتضائه ثبوت الحكم .
و(المستدعي) وهو من دَعَوْتُه إلى كذا ، أي حثثته عليه لاستدعائه الحكم . ثم (الجامع) إن كان وصفاً موجوداً ظاهراً منضبطاً مناسباً معتبراً مطرداً متعدياً فهو علة لا خلاف في ثبوت الحكم به .
أما (الوجود) فشرط عند المحققين لاستمرار العدم ، فلا يكون علة للوجود .
وأما (النفي) فقيل يجوز علة ، ولا خلاف في جواز الاستدلال بالنفي على النفي ، أما إن قيل بعليته فظاهر ، وإلا فمن جهة البقاء على الأصل ، فيصح فيما يتوقف على وجود الأمر المدعي انتفاؤه ، فينتفي لانتفاء شرطه لا في غيره ، و(الظهور) و(الانضباط) ليتعين .
و(المناسبة) وهي حصول مصلحة يغلب ظن القصد لتحصيلها بالحكم كالحاجة مع البيع . وغيره (طردي) وليس بعلة عند الأكثرين. وقال بعض الشافعية يصح مطلقاً ، وقيل : جدلاً . و(الاعتبار) أن يكون المناسب معتبراً في موضع آخر، وإلا فهو مرسل يمتنع الاحتجاج به عند الجمهور .
و(الاطراد) شرط عند القاضي وبعض الشافعية . وقال أبو الخطاب وبعض الشافعية بختص بمورده .
و(التخلف) إما لاستثنائه كـالتمر في المصرّاة ، أو لمعارضة علة أخرى ، أو لعدم المحل ، أو فوات شرطه ، فلا ينقض ، وما سواه فناقض .
و(التعدي) لأنه الغرض من الستنبطة، فأما القاصرة وهي ما لا توجد في غير محل النص كالثمنية في النقدين فغير معتبرة ، وهو قول الحنفية لأبي الخطاب والشافعية .
فإن لم يشهد لها إلا أصل واحد فهو (المناسب الغريب) . وإن كان حكماً شرعياً فالمحققون : تجوز عليته لقوله صلى الله عليه وسلم : ((أرأيتِ لو كان على أبيكِ دَيْنٌ)) ، ((أرأيتَ لو تمضمضت)) فنبّه بحكم على حكم . وقيل : لا .
ثم هل يشترط انعكاس العلة ؟ فعند المحققين لا يشترط مطلقاً ، والحق أنه لا يشترط إذا كان له علة أخرى.
وتعليل الحكم بعلتين في محلين أو زمانين جائز اتفاقاً كتحريم وطء الزوجة تارة للحيض وتارة للإحرام ، فأما مع اتحاد المحل أو الزمان فالأشبه بقول أصحابنا - وهو قول بعض الشافعية - يجوز . وقيل : يضاف إلى أحدهما ، والصحيح بهما مع التكافؤ ، وإلا فالأقوى مع اتحاد الزمن أو المتقدم .
وثبوت الحكم في محل النص بالنص عند اصحابنا والحنفية لوجوب قبوله وإن لم تعرف عليته ، وعند الشافعية بالعلة .
والأكثرون أن أوصاف العلة لا تنحصر في عدد ، وقيل : إلى خمسة .
ولإثبات العلة طرق ثلاث :
(النص) بأن يدل عليها بالصريح كقوله : العلة كذا ، أو بأدواتها وهي الباء كقوله : ( ذلك بأنهم كفروا ) ، واللام ( لتكونوا شهداء على الناس ) وكي (كي لا يكون دُوْلَة ً) ، وحتى نحو (حتى لا تكون فتنة) ، ومن أجل نحو (من أجل ذلك كَتَبْنَا ) .
أو بالتنبيه والإيماء إما بالفاء ، وتدخل على السبب كقوله صلى الله عليه وسلم : ((فإنه يُبعث ملبياً)) وعلى الحكم مثل ( والسارق والسارقة فاقطعوا ) و ((سها فسجد)) و ((زنى فرُجم)) ، أو ترتيبه على واقعة سئل عنها كقوله صلى الله عليه وسلم ((أعتِق رقبة)) في جواب سؤاله عن المواقعة في نهار رمضان ، أو لعدم فائدته إن لم يكن علة كقوله صلى الله عليه وسلم : ((إنها من الطوّافين عليكم)) ، أو نفي حكم بعد ثبوته لحدوث وصف كقوله ((لا يرث القاتل)) ، أو الامتناع عن فعل بعد فعل مثله لعذر فيدل على علية العذر كامتناعه عن دخول بيت في كلب ، أو تعليقه على اسم مشتق من وصف مناسب له كقوله تعالى ( اقتلوا المشركين ) أو إثبات حكم إن لم يجعل علةً لحكمٍ آخر لم يكن مفيداً كقوله تعالى ( وأحلّ الله البيع ) لصحته ( وحرّم الربا ) لبطلانه .
و(الإجماع) فمتى وجد الاتفاق عليه ولو من الخصمين ثبت .
و(الاستنباط) إما بالمناسبة وهي حصول المصلحة في إثبات الحكم من الوصف ، كالحاجة مع البيع ، ولا يعتبر كونها منشأ الحكمة .
و(المؤثر) ما ظهر تأثيره في الحكم بنص أو إجماع ، وهو ثلاثة : المناسب المطلق ، والملائم ، والغريب . وقد قصر قوم القياس على المؤثر وحده .
وأصول المصالح خمسة :
ثلاثة منها ذكرت في الاستصلاح، وهي المعتبرة، والرابع : ما لم يعلم من الشرع الالتفات غليه ولا إلغاؤه ، فلابد من شهادة أصل له . والخامس : ما علم من الشرع إلغاؤه فهو ملغى بذلك .
أو بالسبر والتقسيم . بحصر العلل وإبطال ما عدا المدعي علة . أو بقياس الشبه ، أو بنفي الفارق بين الأصل والفرع إلا بما لا أثر له ، وهو مثبت للعلة ، لدلالته على الاشتراك فيها على الإجمال .
وقد استدل على إثبات العلة بمسالك فاسدة كقولهم : سلامة الوصف من مناقض له دليل على عليته ، وغايته سلامته من المعارضة ، وهي أحد المفسدات ولو سلم من كلها لم يثبت .
ومنها : الطرد ، وهو قولهم : ثبوت الحكم معه أينما وجد دليل عليته .
ومنها: الدوران، وهو وجود الحكم معها وعدمه بعدمها . قيل : صحيح لأنه أمارة ، وقيل : فاسد ، لأنه طرد والعكس لا يؤثر لعدم اشتراطه . ووجود مفسدة في الوصف مساوية أو راجحة ، قيل : يحرم مناسبته ، وقيل : لا .
وقال النظّام : يجب الإلحاق بالعلة المنصوص عليها بالعموم اللفظي لا بالقياس ، إذ لا فرق لغة بين حرمت الخمر لشدتها ، وبين حرمت كل مشتد ، وهو خطأ لعدم تناول حرمت الخمر لشدتها كل مشتد غيرها ، ولولا القياس لاقتصرنا عليه ، فتكون فائدة التعليل دوران التحريم مع الشدة .
وأنواع القياس أربعة :
(قياس العلة) : وهو ما جمع فيه بالعلة نفسها ، و(قياس الدلالة) وهو ما جمع فيه بدليل العلة ليلزم من اشتراكهما فيه وجودها ، و(قياس الشبه) وقد اختلف في تفسيره فقال القاضي يعقوب : هو أن يتردد بين حاظر ومبيح ، فيلحق بأكثرهما شبهاً ، وقيل : هو الجمع بوصف يوهم اشتماله على المظنة من غير وقوف عليها ، وهو صحيح في إحدى الروايتين وأحد قولي الشافعي . و(قياس الطرد) : وهو ما جمع فيه بوصف غير مناسب أو ملغى بالشرع وهو باطل وأربعتها تجري في الإثبات .
وأما النفي : فطارئ كبراءة الذمة من الدين فيجري فيه الأولان ، كالإثبات . وأصلي : وهو البقاء على ما كان قبل الشرع ، فليس بحكم شرعي ليقتضي علة شرعية ، فيجري فيه قياس الدلالة .
والخطأ يتطرق إلى القياس من خمسة أوجه :
أن يكون الحكم تعبدياً ، أو يخطئ علته عند الله تعالى ، أو يقصر في بعض الأوصاف ، أو يضم ما ليس من العلة إليها ، أو يظن وجودها في الفرع وليست موجودة فيه .
و(الاستدلال) ترتيب أمور معلومة يلزم من تسليمها تسليم المطلوب ، وصوره كثيرة ، ومنها (البرهان) وهو ثلاثة : (برهان الاعتدال) وهو قياس بصورة أخرى تنتظم بمقدمتين ونتيجة، ومعناه إدخال واحد معين تحت جملة معلومة كقولنا : النبيذ مسكر وكل مسكر حرام ، فينتج : النبيذ حرام .
و(برهان الاستدلال) وهو أن يستدل على الشيء بما ليس موجباً له ، إما بخاصيته كالاستدلال على نفلية الوتر بجواز فعله على الراحلة ، أو نتيجة كقوله : لو صح البيع لأفاد الملك أو نظيره ، إما بالنفي على

خالد حمد علي
15-01-2005, 13:59
النفي كقوله : لو صح التعليق لصح التخيير ، أو بالإثبات على الإثبات كقوله : لو لم يصح طلاقه لما صح ظهاره ، أو بالإثبات على النفي كقوله : لو كان الوتر فرضاً لما صح فعله على النافلة، أو بالنفي على الإثبات كقوله: لو لم يجز تخليل الخمر لحرم نقلها من الظل إلى الشمس وما حرم فيجوز ، ويلزمه بيان التلازم ظاهراً لا غير .
و(برهان الخلف) وهو كل شيء تعرض فيه إبطال مذهب الخصم بلزوم صحة مذهبه ، إما بحصر المذاهب وإبطالها إلا واحداً ، أو يذكر أقساماً ثم يبطلها كلها ، وسمي خلفاً إما لأنه لغة الرديء أو لأنه الاستقاء وهو استمداد فكأنه استمد صحة مذهبه من فساد مذهب خصمه ، ويجوز أن يكون من الخَلْف وهو الوراء لعدم الالتفات إلى ما بطل .
ومنها ضروب غير ذلك كقولهم : وجد سبب الوجود فيجب ، أو فقد شرط الصحة فلا يصح ، أو لم يوجد سبب الوجود فلا يجب ، أو لا فارق بين كذا وكذا إلا كذا وكذا ولا أثر له ، أو لا نص ولا إجماع ولا قياس في كذا فلا يثبت، أو الدليل ينفي كذا خالفناه بكذا فبقي على مقتضى النافي ، وهذا يعرف بالدليل النافي ، وأشباه ذلك .
فصل
وأما ترتيب الأدلة وترجيحها فإنه يبدأ بالنظر في (الإجماع) فإن وجد لم يحتج إلى غيره ، فإن خالفه نص من كتاب أو سنة عُلم أنه منسوخ أو مُتأوّل : لأن الإجماع قاطع لا يقبل نسخاً ولا تأويلاً .
ثم في (الكتاب) و (السنة المتواترة) ولا تعارض في القواطع إلا أن يكون أحدهما منسوخاً ، ولا في علم وظن ، لأن ما علم لا يظن خلافه .
ثم في (أخبار الآحاد) ثم في (قياس النصوص) فإن تعارض قياسان أو حديثان أو عمومان فالترجيح ، والتعارض هو التناقض ، فلذلك لا يكون في خبرين ، لأنه يلزم كذب أحدهما ، ولا في حكمين ، فإن وجد فإما لكذب الراوي أو نسخ أحدهما فإن أمكن الجمع بأن ينـزل على حالين أو زمانين جمع ، وإن لم يمكن أخذ بالأقوى والأرجح .
والترجيح إما في الأخبار فمن ثلاثة أوجه :
(السند) فيرجح بكثرة الرواة لأنه أبعد عن الغلط ، وقال بعض الحنفية : لا ، كالشهادة . وبكون راويه أضبط وأحفظ وبكونه أورع وأتقى . وبكونه صاحب القصة أو مباشرها دون الآخر .
و(المتن) فيرجح بكونه ناقلاً عن حكم الأصل . والمثبت أولى من النافي ، والحاضر على المبيح عند القاضي ، لا المسقط للحد على الموجب له ، ولا الموجب للحرية على المقتضي للرق .
و (أمر من خارج) مثل أن يعضده كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس ، أو يعمل به الخلفاء الأربعة ، أو صحابي غيرهم ، أو يختلف على الراوي فيقفه قوم ويرفعه آخرون أو ينقل عن الراوي خلافه فتتعارض روايتاه أو يكون مرفوعاً والآخر مرسلاً .
وأما في (المعاني) فترجح العلة بموافقتها لدليل آخر من كتاب أو سنة أو قول أو خبر مرسل ، وبكونها ناقلة عن حكم الأصل ، ورجحها قوم بخفة حكمها ، وهما ضعيفان ، فإن كانت إحدى العلتين حكماً والأخرى وصفاً حسياً ، فرجح القاضي الثانية وأبو الخطاب الأولى . وبكثرة أصولها . وباطرادها وانعكاسها ، والمتعدية على القاصرة لكثرة فائدتها ، ومنع منه قوم . والإثبات على النفي . والمتفق على أصله على المختلف فيه، وبقوة الأصل فيما لا يحتمل النسخ على محتمله ، وبكونه رده الشارع إليه ، والمؤثر على الملائم ، والملائم على الغريب ، والمناسبة على الشبيهة .
الباب الثالث
في الاجتهاد والتقليد
الاجتهاد لغة: بذل الجهد في فعل شاق، وعرفاً: بذل الجهد في تعريف الأحكام ، وتمامه بذل الوسع في الطلب إلى غايته .
وشرط المجتهد : الإحاطة بمدارك الأحكام - وهي الأصول الأربعة والقياس - وترتيبها ، وما يعتبر للحكم في الجملة إلا العدالة ، فإن له الأخذ باجتهاد نفسه ، بل هي شرط لقبول فتواه .
فيعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام ، فمن القرآن قدر خمسمائة آية لا حفظها لفظاً بل معانيها ليطلبها عند حاجته ، ومن السنة ما هو مدون في كتب الأئمة والناسخ والمنسوخ منهما ، والصحيح والضعيف من الحديث للترجيح ، والمجمع عليه من الأحكام ، ونصب الأدلة وشرطها.
ومن العربية ما يميز به بين صريح الكلام وظاهره ومجمله ، وحقيقته ومجازه ، وعامه وخاصه ، ومحكمه ومتشابهه ، ومطلقه ومقيده ، ونصه وفحواه .
فإن علم ذلك في مسألة بعينها كان مجتهداً فيها وإن لم يعرف غيرها ، ويجوز التعبد بالاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم للغائب والحاضر بإذنه ، وقيل للغائب .
وأن يكون هو متعبداً به فيما لا وحي فيه ، وقيل : لا .
لكن هل وقع ؟ أنكره بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي وأكثر المتكلمين .
والصحيح : بلى ، لقصة أسارى بدر وغيرها ، والحق في قول واحد ، والمخطئ في الفروع - ولا قاطع- معذور مأجور على اجتهاده ، وقال بعض المتكلمين : كل مجتهد مصيب ، وليس على الحق دليل مطلوب.
وقال بعضهم : واختلف فيه عن ابي حنيفة وأصحابه ، وزعم الجاحظ أن مخالف الملة متى عجز عن درك الحق فهو معذور غير آثم .
وقال العنبري : كل مجتهد مصيب في الأصول والفروع فإن أراد أنه أتى بما أُمر فكقول الجاحظ ، وإن أراد في نفس الأمر لزم التناقض ، فإن تعارض عنده دليلان واستويا توقف ولم يحكم بواحد منهما. وقال بعض الحنفية والشافعية : يخير ، وليس له أن يقول فيه قولان حكاية عن نفسه في حالة واحدة ، وإن حكي ذلك عن الشافعي .
وإذا اجتهد فغلب على ظنه الحكم لم يجز التقليد ، وإنما يقلد العامي ، ومن لا يتمكن من الاجتهاد في بعض المسائل فعامي فيها .
والمجتهد المطلق : هو الذي صارت له العلوم خالصة بالقوة القريبة من الفعل من غير حاجة إلى تعب كثير ، حتى إذا نظر في مسألة استقل بها ، ولم يحتج إلى غيره ، فهذا قال أصحابنا لا يقلد مع ضيق الوقت ولا سعته ، ولا يفتي بما لم ينظر فيه إلا حكاية عن غيره .
فإن نص في مسألة على حكم وعلله ، فمذهبه في كل ما وجدت فيه تلك العلة فإن لم يعلل لم يخرج إلى ما أشبهها . وكذلك لا ينقل حكمه في مسألتين متشابهتين كل واحدة إلى الأخرى .
فإن اختلف حكمه في مسألة واحدة وجهل التاريخ ، فمذهبه أشبههما بأصوله وأقواهما ، وإلا فالثاني لاستحالة الجمع ، وقال بعض أصحابنا : الأول .
و(التقليد) لغة وضع الشيء في العنق محيطاً به ومنه القلادة، ثم استعمل في تفويض الأمر إلى الغير كأنه ربطه بعنقه .
واصطلاحاً : قبول قول الغير بلا حجة . فيخرج الأخذ بقوله صلى الله عليه وسلم لأنه حجة في نفسه والإجماع كذلك .
ثم قال أبو الخطاب : العلوم على ضربين ، ما لا يسوغ فيه التقليد كالأصولية ، وما يسوغ وهو الفروعية.
وقال بعض القدرية : يلزم العامي النظر في دليل الفروع أيضاً ، وهو باطل بالإجماع .
وقال أبو الخطاب : يلزمه معرفة (دلائل الإسلام) ونحوها مما اشتهر فلا كلفة فيه . ثم العامي لا يستفتي إلا من غلب على ظنه علمه ، لاشتهاره بالعلم والدين ، أو بخبر عدل بذلك، لا من عرف بالجهل فإن جهل حاله لم يسأله ، وقيل : يجوز ، فإن كان في البلد مجتهدون تخيَّر . وقال الخرقي : الأوثق في نفسه .
وهذا آخره والله تعالى أعلم ، وهو الموفق ، وله الحمد وحده ، وصلواته على سيدنا رسوله المصطفى وعلى آله وصحبه وسلامه .

جمال حسني الشرباتي
15-01-2005, 14:11
أول نقطة نناقش صاحبكم فيها وهي


((واجب) يقتضي الثواب على الفعل والعقاب على الترك ))
فلا عقوبة ولا ثواب ----لأن الله عز وجل منزه عن أن نلزمه بإلزامات أو نفرض عليه فروضا،

خالد حمد علي
15-01-2005, 16:14
هَوِّن عليْكَ سَيّدي .

فَرْقٌ بَيْنَ كلمة { يَقْتَضي} وبيْنَ كلمة { يَلزم} .

عبَارةُ الإمَام صحيحة ، فهو يَعْني : أنّ الواجبَ في الأصْل يَقتضي وجودَ الثوابِ على الفعل والعقابَ على الترك ؛ هذا في الاصل ، وإلاّ قدْ لا يَترتب على الفعل ثواب ولا على الترك عِقَاب ، إذ لا يَجبُ على اللهِ عقلاً ولا شرْعاً أنْ يُعاقبَ العاصي .

جمال حسني الشرباتي
15-01-2005, 16:43
لا يا نايف


لا تأخذك العزة بصاحبك



إقتضاء الأمر معناها الإلزام---وكان الأولى أن يقول ---الواجب هو ما استحق فاعله المدح شرعا وتاركه الذم شرعا


قال الزمخشري في أساس البلاغة


((قضى له القاضي وعليه. وعدل في قضائه وقضيّته وقضاياه وأقضيته. وقضاء الله تردّ له الأقضية. وقاضيته حاكمته. وقد استقضي علينا فلان. واستقضاه السلطان. وقضى الله أمراً. وقضى فلان حاجته، وقضّى حوائجه. قال امرؤ القيس: خليليّ مرا بي إلى أمّ جندب نقضّ لبانات الفؤاد المعذّب
وانقضى عمره وتقضّى. وتقاضيته ديني وبديني، واقتضيته ديني واستقضيته، واقتضيت منه حقّي: أخذته.
ومن المجاز: بنى داراً فقضاها واسعة. وعمل ثوباً فقضاه صفيقاً. وقضى درعاً. وقضى إليه أمراً وعهداً: وصّاه به وأمره. وقضى المريض، وقضى نحبه، وقضي عليه. وقضى عليه بضربه. وقضي قضاؤه. وأتت عليه القاضية: المنيّة. وحاربوا فقضوا بينهم قواضي وقضّوا. وافعل ما يقتضيه كرمك أي يطالبك به))

خالد حمد علي
25-01-2005, 11:54
سَيِّدي / جَمَال .

صَاحبُنا حَنْبَليٌ ، وليْسَ مُعْتزلياً ، ولا أعْرف أحداً من السَّادةِ الحَنَابلة فيه اعْتزالٌ سوى الإمَام ابن عقيل وَقد تاب من ذلك .

فإذا عِلمنا رجلاً من أهل السُّنّة ، ورأينا له لفْضاً يَحْتَملُ مَعنيين ، أحدهما بَاطلٌ والآخر صحيح ، فيَتعيّن حمله على الصحيح إحْساناً للظنِّ به لأنّه أهل لذلك بما مضى .

جمال حسني الشرباتي
25-01-2005, 16:27
أهنئك بالحجة


الحمد لله على سلامتك


نورت المنتدى

خالد حمد علي
25-01-2005, 16:33
اللهُ يُبَارك فيْكَم يا مولانا ، والمُنْتَدى منوّر بوجود أمْثَالكم .

لؤي الخليلي الحنفي
26-01-2005, 08:42
أخي الحبيب نايف الذي لا عدمته :
حمدا لله على سلامتك ، وجعله الله حجا مبرورا وسعيا مشكورا وتجارة لن تبور بإذن الله تعالى