المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أصول الفقه الضابط الأصلي لمعرفة أحكام الدين



جلال علي الجهاني
29-05-2012, 14:24
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وبعد ..

لقد تقرر في مبادئ الإسلام العلمية أن معرفة مراد الله تعالى منا، في كافة ما يتعلق بالإنسان من عقائد وأخلاق وسلوك قانوني وعبادات وغيرها ... يكون عن طريق فهم الخطاب الذي جاء عن الله تعالى، وثبتت صدقه بالمعجزة والبرهان.
ومن المقرر أيضاً أن فهم خطاب الله تعالى لنا في كتابه، إنما يكون على حسب النسق الدلالي الذي جاء به، والذي يتمثل أصالة في اللسان العربي المبين، بكلماته وجمله وسياقاته. فيكون الخروج عن هذه الطريقة في فهم خطاب الله تعالى موصلاً لا إلى مراد الله تعالى منا، وإنما الوصول إلى أغراض لها علاقة بالبنية الفكرية لكل إنسان، على حسب خلفياته وثقافته ومعارفه السابقة، وهواه ورغباته وما إلى ذلك مما يشكل كينونة الإنسان الأصلية.

وعندما تعامل المسلمون من زمن نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم مع هذا المطلب المهم (معرفة مراد الله تعالى)، فإنهم أدركوا أن الوصول إلى الدلالات المرادة من النص، ليست دائماً في درجة واحدة من الوضوح الدلالي، بل تتفاوت مراتبها في ذلك، كما هي في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم. وقد علموا يقيناً أن ذلك مراد لله تعالى، إذ لو أراد الله تعالى أن يكون مستوى فهم نصوص الوحي واحداً، لكانت السياقات التي تدل على هذه المرادات لا تنزل عن مستوى القطعية في الدلالة.

وبدأ الخيط في معرفة ما أراده الله تعالى منا انطلاقاً من هذا الفهم، أي استخدام الخطاب الشرعي للنصوص لا على مستوى واحد، وانطلق المجتهدون الذي كانت لهم الآلات التي بواسطتها يمكنهم أن يدركوا الملاحظ الخفية لمراد الله تعالى، انطلقوا ليستنبطوا الأحكام الإلهية.

وكما هو معلوم فإن تدوين العلوم الإسلامية وكل العلوم في الحقيقة يأتي متأخراً عن وجود هذه العلوم في أنفس أصحابها وضعاً؛ لأن التدوين معبر عما في النفس، وليس العكس، فجاءت المدونات الإسلامية للعلوم لتسطر ما في نفوس أئمة الاجتهاد من علماء الصحابة ومن بعدهم، فذكرت القواعد والضوابط التي بها يستطيع مستخدمها على الوجه الصحيح أن يصل إلى ما أراده الله تعالى في كتابه.

وهذا القدر يبين لنا أن اجتهادات العلماء في فهم مراد الله تعالى لا تعبر عن ذواتهم، وليس ناتجة عن ثقافتهم أو خلفياتهم المعرفية، بل هم فيها كاشفون لأحكام الله تعالى، لا واضعون لها.
ومن هنا اكتسبت صفة القدسية إذ إنها دالة على ما أراده الله تعالى.

وهذا الأمر واضح في كتب العلماء، لدرجة أنهم لا يناقشونه بالتفصيل، إذ اعتبر من المسلمات والبدهيات، فقد اتفقت كلمة العلماء المجتهدين أن الاجتهاد إنما هو استنباط واستكشاف لمعرفة أحكام الله تعالى، ولا معارضة من أي فرقة من الفرق الإسلامية، أو اتجاه من الاتجاهات، مهما اقترب من الالتزام بالقواعد الاجتهادية أو ابتعد عنها.

فإذا أردنا أن نفهم بعد ذلك مكانة المسائل الاختلافية فيما مجاله الظن، أي ما اكتفي فيه بالظن وليس من مطالب اليقين، وهو هنا الفقه الإسلامي وأحكامه وقواعده، لا العقائد الدينية والمسائل الكلامية حيث إنها مبنية في أصولها على القطع واليقين الدلالي، أقول: إذا أردنا أن نفهم ذلك الاختلاف فينبغي أن نفهمه على أساس أن من مراد الله تعالى أن يختلف المجتهدون فيما لم يتكن دلالته واضحة، وليس المطلوب اتفاقهم على فهم مراد واحد، طالما أن الدلالات غير صريحة.
فإذا ما حصل اختلاف في فهم مراد الله تعالى فيما جاء بالصراحة والوضوح، دون أن يوجد معارض لذلك الصريح، فإن الاختلاف غير مقبول، والقائل بخلاف الصريح لا عبرة بقوله؛ فهو داخل تحت مسمى الخطأ غير المقبول.

وأدل دليل على هذا الأمر هو إقرار القرآن العظيم والنبي الكريم لاختلاف أفهام المجتهدين من الصحابة وعدم اعتراضهم عليها، كما في حادثة صلاة العصر في بني قريظة، وهي مما تناقلته كتب السيرة فهو في درجة التواتر المعنوي، ودلالة إقرار القرآن الكريم واضحة وقطعية، فلم يأت القرآن الكريم مجيباً مصححاً أو مخطئاً لكل الاجتهادات الصادرة عن مجتهدي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بل سكت عنها، ولو كان باطلاً لبينه النبي صلى الله عليه وسلم ولنزل به القرآن كما هو الشأن في حوادث أخرى، معلومة مشهورة في كتب أسباب نزول القرآن الكريم، والسنة الشريفة.

ولقد ربط علماء الإسلام في فهمهم لأصول الاستنباط كل مصادر الاستنباط بالقرآن الكريم، فهو الدال عليها، وهو المرشد إلى معانيها، فالسنة ثابتة بنص القرآن الكريم، واتباعها واجب لأمر القرآن الكريم بذلك، والإجماع حجة بناءا على دلالات آيات قرآنية عديدة، وعلى متواتر السنة الشريفة، والقياس كذلك، وبقية المصادر مبنية على الاتجاه نفسه، مهما اختلفت بعد ذلك الدلالات عليها، ما بين صريح وغير صريح.
والقواعد التي بها يتم الوصول إلى مراد الله تعالى في الأعمال، أي من الفقهيات والأخلاقيات العملية، قد تقررت في علم أصول الفقه، الذي كان علماً مطبوعاً في قلوب المجتهدين الكرام من الصحابة، وإنما كشف عن معاني ما فيه من خلال الحجج والبراهين، العلماء الذين تخصصوا في هذا الفن، والذي كان الإمام الشافعي في رسالته أول من سطر بعض مسائله، رحمه الله تعالى، وتلك مكرمة اختصها الله لهذا الإمام.
وفي مقارنة تقريبية لهذا الوضع ننظر إلى قواعد اللسان العربي، في النحو والصرف، فهي موجودة في نفوس الناطقين باللسان العربي، لكن تدوينها ورسم معالم قواعدها، وبيان تفاصيلها، جاء على يد أئمة العربية، الذين استخدموا منهجاً تعريفياً واضحاً لاستكشاف هذه القواعد والضوابط في اللسان العربي.

وعندما اتسعت دائرة تدوين علم أصول الفقه، زادت المسائل وضوحاً، وزاد البيان ظهوراً، ليشمل العلماء في بحوثهم التفاصيل من كل وجه من الوجه، التي يؤثر إدراكها في فهم المادة الأصلية، التي منها نعرف مراد الله تعالى.
وكان من ضمن ذلك المبحث الأساس في أصول الفقه، وهو الأدلة التي يصح التمسك بها لاستنباط الأحكام من النصوص، وفهمها من الدلالات.
وكان من أعظم الأصول، التي ذكرها العلماء، وهي في الحقيقة مرتبطة بأصل الدين ولا انفكاك بينها وبين أصل الإسلام، هو سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه، حيث إن الأمة المسلمة لم تختلف في كون السنة المشرفة حجة من الحجج الشرعية إجمالاً وتفصيلاً، على اختلاف في فهم هذه التفاصيل والتدقيق في محتواها، بناءا على اختلاف الأفهام في إدراك مدى سعة الحجية، فكان لذلك الكلام في الأسانيد وعلم الرواية من المباحث المطروحة في أصول الفقه.
لكن إجماع العلماء في الحقيقة ودلالة النصوص القرآنية قائمان على اعتبار السنة النبوية الشريفة مصدراً أساساً لفهم مراد الله تعالى، فكانت مرتبة السنة الشريفة متساوية مع مرتبة القرآن الكريم في استنباط الأحكام منهما، لا من وجه الإعجاز الذي يثبت به الدين، أي القرآن الكريم من جهة كونه معجزة دالة على صدق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في كونه نبياً.
وهي –أي السنة الشريفة- ليست متميزة في ذلك، بل استخدام نظام القياس الفقهي وحجية الإجماع تتساوى مع القرآن الكريم والسنة الشريفة.
وسر ذلك أن الدلالة المطلوبة في فهم مراد الله تعالى في باب العمليات يكتفى فيها بالظن، ولا يتطلب فيها القطع، باتفاق أهل الإسلام في هذا الباب، ودلالة آيات التشريع على المسائل الفقهية في كثير منها دلالة ظنية؛ على حسب ما أراده الله تعالى في التعبير اللساني العربي، ونصوص النبي صلى الله عليه وسلم تشترك في ذلك في كثير منها، والأقيسة كذلك ثابتة بالقطع، لكن دلالتها على الأحكام ليست قطعية بالضرورة، والإجماع، يدل على القطع في كثير مما هو ثابت فيه، وفي بعض درجاته لا يدل على القطع كما في الإجماع السكوتي عند القائلين به من الأئمة.

فلا غرابة ولا عجب في أن تتفق كلمة علماء الإسلام قاطبة على جعل السنة النبوية في مرتبة القرآن الكريم، في دلالتها على الأحكام، وأن تكون قاضية عليها، بمعنى أن بيان السنة يدل على ما في القرآن الكريم، ولا يحتمل فهم القرآن الكريم في تلك المسائل غير ما بينته السنة الشريفة، وإن احتمل ذلك في أصل الدلالة اللغوية الظنية.
مع ملاحظة أن المقصود هنا بالسنة الشريفة ما كان ثابتاً منها على حسب مبادئ قبول الحديث الشريف، وليس كل نص وارد في الكتب التي جمعت كل الألفاظ والمرويات، ثم تركتها لكي يعتبرها العلماء ويختبرونها في معرفة درجتها.
نعم من المسلَّم به أن درجة الفصاحة والبيان في القرآن الكريم عظيمة وكبيرة، لا ترقى إليها النصوص الواردة في السنة الشريفة.


ثم دارت دائرة دولة العلم في التاريخ الإسلامي، لتسلمنا إلى طور ظهرت وغلبت فيه أفكار نابتة تدعو إلى الاجتهاد الذي أغلق بابه بناء على فقد شروط أصحابه، على حد تعبير بعض المتأخرين، لتفتح الباب أمام من لم يجمع شروط الاجتهاد، بل ولا نصفها، ولا ثلثها ولا ربعها ولا خمسها ولا سدسها، ولا سبعها، ولا ثمنها .. فتطاول أناس تخرجوا أصالة من المعاهد الدينية العلمية، لكنهم أكلوا علوماً لم تهضمها قلوبهم، فقاءوا لنا بعد ذلك –للأسف- نتائج عادت على أصول القواعد بالهدم والإفساد. فظهر من تحت جبة هؤلاء من يدعو -ومازالوا يظهرون إلى يوم الناس هذا- إلى إعادة الاجتهاد في المقررات الأصلية للاستنباط، سواء على مستوى الأدلة التي يحتج بها، شاملة للقرآن الكريم، أو على مستوى استخدام القواعد البيانية، أو قواعد الترجيح.
فاقترحوا على المسلمين اليوم، في زمن تصدر للتدريس فيه من له وسائل إعلام تظهره، أو طائفة من الطوائف الحزبية أعلت شأنه عن جهالة أو عن علم!! أن يتم النظر في هذه المقررات، وقاموا بذلك.
وافترقوا في مسالكهم فرقاً شتى، ما بين من انستب إلى مدرسة تقليدية، اعتنت بهذا الاتجاه في دعوة إلى التمسك بالكتاب والسنة، ونبذ المذاهب الفقهية المتوارثة، فأحدث بذلك شرخاً في جدار الأمة، مازلنا نعاني منه، ولكنه آيل إلى زوال بإذن الله تعالى.
وبين من انتسب إلى مدرسة تحررية سارت في اتجاه بناء فقهي لا يقوم على أي أسس سابقة، بل يجتهد في الأًصول بقدر اجتهاده في الفروع –على حسب تعبيرهم، وإلا فهو ليس إلا ضرباً من الهوى والانحراف لا يمكن وصفه بالاجتهاد-، لا لتطويرها في عملية الاجتهاد، بل لإقامة بناء جديد.

ووجد أناس ادعوا الفلسفة العلمية، وركبوا في قطار تيارات غربية، متأثرين أو مقتنعين متبنين لها، فظهرت بوادر ثم أنشأت مدارس الفكر العلماني الإسلامي!! إن صح التعبير، وصلوا إلى نتائج يلزمها لزوما بينا الخروج عن الأحكام الإسلامية، والوصول إلى تغليب الدنيا على الآخرة، والعمل بالأحكام الشرعية المتناسبة مع جعل الدنيا أساساً أصيلاً في الفكر النظري!

وكر هؤلاء جميعاً من جهات شتى على بناء المنظومة التشريعية في البناء الإسلامي، وصرنا كل فترة من الفترات، نرى ونشاهد ونقرأ آثاراً من هؤلاء فيها هذا التوجه الصريح.
فلا غرابة بعد ذلك أن تقرأ لشخص يبني لنفسه شهرة على حساب قواعد الدين، لكي يدعي بأن علم أصول الفقه لم يلاحظ الفرق البنيوي!! والمنهجي!! بين النص القرآني ومداه، وبين النص النبوي؟، وأن ذلك هو معضلة كبيرة في أصول الفقه، بنيت عليها معضلات بقيت وستبقى إلى يوم الدين!!
وأنه يجب علينا أن نعيد النظر في اللعبة التأويلية!! لعبة أصول الفقه!!

وبناء على هذه الشبهة فإن كل النظام الفقهي الموروث والمبني على أصول واضحة، سوف ينهدم لكي يصل بنا التشكيك في البدهيات الفقهية.
وكما أشرت سابقاً فإن المرجعية ستكون في هذا الشأن لما في نفس مدعي هذه الشبهة، ليكون الفكر الديني في الجانب العملي الفقهي التشريعي، لأهواء وثقافات ورغبات بعض الناس، وتنعدم بذلك الضوابط المنهجية والأصول العلمية. ويكفي هذا لإدراك مدى خطورة مثل هذه الدعاوى ..