المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مسائل في السياسة الشرعية عند الامام أحمد بن حنبل، وعلاقته بالحكام والسلاطين



مصطفى حمدو عليان
28-04-2012, 04:58
مسائل في السياسة الشرعية عند الامام أحمد بن حنبل
هل كان الامام أحمد من علماء السلاطين؟
لقد تستر كثير من المداهنين المعاصرين بالامام أحمد فظن بعض الناس أن الامام أحمد كان من شيوخ السلاطين ووعاظ القصور!
قال العلامة ابن مفلح:"كان الامام احمد رحمه الله لا يأتي الخلفاء ولا الولاة والامراء ويمتنع من الكتابة إليهم وينهى أصحابه عن ذلك مطلقا ، وكلامه فيه مشهور . وقال مهنا سألت احمد بن حنبل عن ابراهيم بن موسى الهروي فقال:" رجل وسخ فقلت ما قولك إنه وسخ؟ قال من يتبع الولاة والقضاة فهو وسخ" وكان هذا رأي جماعة من السلف وكلامهم في ذلك مشهور". الآداب الشرعية 3/457
ولقد لخص الامام أحمد منزلة الحكام والسلاطين فكان يقول : إذا كان السلطان صالحاً فهو خير من صالحيّ الأمة ، وإذا كان فاسقاً فصالحو الأمة خير منه"قوت القلوب
فالامام أحمد يرى أن من يتبع الولاة وسخاً ولم يكن هم الامام أحمد إرضاء السلطان قال المروذي :قال لي أبو عبد الله قال لي سعيد الحاجب ألا تُقبِّل يد ولي عهد المسلمين فقد قبلت بيدي يد ولي عهد المسلمين. قال أحمد فقلت بيدي هكذا ولم أفعل. الورع 482
وهو يرى أن الجلوس مع الأمراء فتنة والتقرب منهم فتنة فقال :" الدنو منهم فتنة والجلوس معهم فتنة نحن متباعدون منهم ما أرانا نسلم فكيف لو قربنا منهم" الآداب الشرعية 3/464
وقال:" رأيت الفتنة معلقة بالسلطان" السنة
وقد كره الدخول عليهم لأي سبب قال الخلال أنبأنا أبو نعيم الهمداني سمعت عبد الله بن احمد بن شبويه سمعت أبي قال قدمت بغداد على أن أدخل على الخليفة فآمره وأنهاه فدخلت على احمد بن حنبل فاستشرته في ذلك قال أخاف عليك أن لا تقوم بذلك " الآداب الشرعية 3/464.
وقد أثنى الامام أحمد على العلماء الذين جانبوا السلاطين والأمراء مثل: طاووس وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وأبي حنيفة والعمري والثوري وابن أبي ذئب.
وقال أحمد في رواية المروذى وقد سأله يكتب عن الرجل إذا كان جنديا؟ فقال أما نحن فلا نكتب عنهم ، قال القاضي أبو يعلى :وهذا محمول على طريق الورع لأن الجندي لا يتجنب المحرمات في الغالب.المسودة لآل تيمية 1/269
وقال يزيد بن هارون :كنا عند أحمد فجاءه رجلان عليهما أقبية أظن أنهما جند فسألاه عن مسألة فلم يجبهما". طبقات الحنابلة 1/110
وقد حاول الخلفاء معه بكل حيلة حتى يستميلوه بالترغيب والترهيب فلم يقبل أن يجلس معهم ولا أن يراهم. وكان يرد من هدايا السلطان كل شيء ولا يأخذ منه شيئاً. وكان يدرك جيداً معنى الهدية من السلطان فيقول:" خذ العطاء ما كان عطاء فاذا كان عِوَضاً عن دين أحدكم فلا يأخذه" المسودة 1/269.
وقد غضب عليه ثلاث من الخلفاء-المأمون والمعتصم والواثق- فسجنوه وجلدوه ليوافقهم في بدعتهم فلم يقبل ثم منعوه من التحديث وأمروه بالخروج من بغداد ، مع ملاحقته ومراقبة بيته وتفتيشه مراراً. ومع ذلك لم يرضخ لهم، ولم يأخذ بالتقية فرحمة الله عليه ورضي عنه.

- لم يكن الامام أحمد بن حنبل منعزلاً عن الاحداث السياسية في عصره:
ولا يعني اعتزال الامام أحمد للسلاطين أنه كان منعزلاً عن أحداث عصره ومعتزلاً في بيته لا يهمه أمر المسلمين ،فقد كان الامام عارفاً بأحوال المسلمين في العراق وفي غيرها من البلدان ، ففي فتنة بابك الخرمي الذي استباح الدماء والأعراض كان الامام أحمد يراسل العلماء لإعلان الجهاد بالمال والنفس ولإغاثة المسلمين، ولم يكن ينتظر إذن السلطان في ذلك.
وقد سئل عن غزو بابك؟ فقال ما أعرف أحدا كان أضر على الإسلام منه الفاسق ،وقال أبو بكر المروذي قال سمعت حسين الصائغ قال: لما كان من أمر بابك جعل أبو عبدالله يحرض على الخروج إليه وكتب معي كتابا إلى أبي الوليد والى البصرة يحرضهم على الخروج إلى بابك" السنة للخلال1/148
وكان مطلعاً على الفتوحات خارج دولة الاسلام ففي فتح عمورية استبشر وأحل المعتصم مما فعل من ضربه في الفتنة.
وكان مطلعاً على ما يحدث في سائر ديار المسلمين قال المروذي:"قلت لأبي عبد الله: إن رجلا يخرج عياله الى مصر لرخص السعر؟ قال يخرج فلما كان بعد قال لي إن كان الرجل لم يخرج فقل له لا أرى أن تتجاوز بالذرية اليوم قد كان ذُكر لي أن ثَمَّ حركة في ناحية المغرب أخاف أن يكون قد جاء ما قال الأوزاعي اذا رأيتم الرايات السود من قبل المشرق والرايات الصفر من قبل المغرب فبطن الأرض يومئذ خير للمؤمنين" الورع 132
وكان إمامنا المبجل يذهب الى الثغور ويجاهد بنفسه ، وكان يشيع المجاهدين في الذهاب الى الثغور و يحث على اعداد العدة للقتال قال عيسى بن جعفر الوراق: سألت أحمد أيما أفضل عندك العمل بالسيف والرمح والفروسية أو الصلاة التطوع؟ قال: إذا كان ههنا يعني ببغداد فينال من هذا وهذا وإذا كان بالثغر فاشتغاله بذلك أفضل من التطوع لأن الله تعالى يقول " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل "طبقات الحنابلة .

- تنصيب الامام فرض على الأمة كلها؟
قال المرداوي:"نصب الإمام فرض كفاية، قال في الفروع فرض كفاية على الأصح ، فمن ثبتت إمامته بإجماع أو بنص أو باجتهاد أو بنص من قبله عليه وبخبر متعين لها حرم قتاله، وكذا لو قهر الناس بسيفه حتى أذعنوا له ودعوه إماما" الانصاف 10/310
وقال الامام أحمد:" لا بد للمسلمين من حاكم ، أتذهب حقوق الناس؟! وهذا من فقه الامام أحمد بالسياسة الشرعية.

-صفات الامام الشرعي عند الامام أحمد بن حنبل:
من صفات الامام الشرعي الأساسية الاسلام والقرشية والاجماع عليه والقيام بأمر الناس :
1- القرشية:
نصوص الامام أحمد في وجوب أن يكون الامام من قريش كثيرة-وهو رأي الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء- قال الامام أحمد:" رسول الله قال "الأئمة من قريش" فلا يكون في غير قريش خليفة" السنة للخلال
وقيل له: الأئمة من قريش؟ قال نعم.
بل لا يقر أحمد بخلافة غيرهم ويعدها إمامة باطلة فقال:" والخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان ليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها ولا يخرج عليهم ولا نقر لغيرهم بها إلى قيام الساعة ... ".طبقات الحنابلة 1/26. فهل يكون تولية غير القرشي بدعة؟!
وقد تابع الحنابلة إمامهم المبجل فقال البربهاري:" والخلافة في قريش إلى أن ينزل عيسى بن مريم عليه السلام ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين فهو خارجي قد شق عصا المسلمين وخالف الآثار وميتته ميتة جاهلية"
وقال العلامة ابن حمدان:"والامام من قام مقام النبي ص من قريش في إقامة قانون الشرع.." نهاية المبتدئين 63.
وقال المرداوي:" ويعتبر كونه قرشيا حرا ذكرا عدلا عالما كافيا ابتداء ودواما" الانصاف 10/310
وقال السفاريني في منظومته:
وأن يكون من قريش عالما ... مكلفا ذا خبرة وحاكما
2-إجماع المسلمين عليه:
سئل الامام أحمد : عن حديث النبي من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية.
قال أبو عبدالله تدري ما الإمام؟ الإمام الذي يجمع المسلمون عليه كلهم يقول هذا إمام فهذا معناه. السنة للخلال، مسائل الأثرم2011.
وقال الإمام أحمد:" ما كان في القوم أوكد بيعة من عثمان كانت بإجماعهم فلما بايعه ذوو الشوكة والقدرة صار إماما وإلا فلو قدر أن عبد الرحمن بايعه ولم يبايعه علي ولا غيره من الصحابة أهل الشوكة لم يصر إماما " منهاج السنة لابن تيمية 1/532.
وهو رأي الامام أبي الحسن الأشعري حيث قال:" الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار دون النص والتعيين إذ لو كان ثم نص لما خفي والدواعي تتوفر على نقله ، واتفقوا في سقيفة بني ساعدة على أبي بكر رضي الله عنه ، ثم اتفقوا بعد تعيين أبي بكر على عمر رضي الله عنه، واتفقوا بعد الشورى على عثمان رضي الله عنه، واتفقوا بعده على علي رضي الله عنه " الملل والنحل 1/93

3-القيام بأمر الناس:
قال الامام احمد بن حنبل:" والفتنة إذا لم يكن إمام يقوم بأمر الناس"السنة للخلال 1/58
فهذه هي الشروط الواجب توفرها في الامام وكل أقوال الامام أحمد بعد ذلك في حرمة الخروج على الأئمة صحيحة ونأخذ بها.

هل يجوز الخروج على الامام الشرعي عند الامام أحمد؟
يحرم الخروج على الإمام الشرعي التي توفرت فيه الشروط السابقة -وإن ظهر منه فسق أو تقصير -، ولا يجوز الخروج عليه وهو ما أمر به النبي ص . قال الامام أحمد في أصول السنة :" ومَن خرج على إمام من أئمة المسلمين، وقد كان الناس اجتمعوا عليه ، وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان بالرضا أو بالغلبة فقد شقَّ هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله ، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية".
وقال أبو بكر المروذي سمعت أبا عبدالله يأمر بكف الدماء وينكر الخروج إنكارا شديدا " السنة للخلال 1/139
وقال الخلال:" وأخبرني علي بن عيسى قال سمعت حنبل يقول في ولاية الواثق اجتمع فقهاء بغداد إلى أبي عبدالله: أبو بكر بن عبيد وإبراهيم بن علي المطبخي وفضل بن عاصم فجاؤوا إلى أبي عبدالله فاستأذنت لهم فقالوا يا أبا عبدالله هذا الأمر قد تفاقم وفشا يعنون إظهاره لخلق القرآن وغير ذلك فقال لهم أبو عبدالله فما تريدون قالوا أن نشاورك في أنا لسنا نرضى بإمرته ولا سلطانه فناظرهم أبو عبدالله ساعة وقال لهم عليكم بالنكرة بقلوبكم ولا تخلعوا يدا من طاعة ولا تشقوا عصا المسلمين ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم انظروا في عاقبة أمركم واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر ودار في ذلك كلام كثير لم أحفظه ومضوا".السنة 1/133
وقد علل الامام أحمد حرمة الخروج على الامام الشرعي بأنه خلاف الأخبار وبأنه تسفك فيها الدماء وتنتهك الاعراض فقال:" الدماء الدماء لا أرى ذلك ولا آمر به الصبر على ما نحن فيه خير من الفتنة يسفك فيها الدماء ويستباح فيها الأموال وينتهك فيها المحارم أما علمت ما كان الناس فيه يعني أيام الفتنة" السنة للخلال 1/132 . وأن بقاء الفتنة خاصة أحسن من أن تصير فتنة عامة.

إنكار الامام أحمد بن حنبل لأفعال السلاطين :
ولا يعني حرمة الخروج على الإمام عدم الإنكار عليه فقد كان الامام أحمد ينكر على السلطان أخذ أموال الناس وأراضيهم بغير حق قال عباس الدوري سمعت أحمد بن حنبل يقول: إن أموالاً جمعت من عموم المسلمين إنها لأموال سوء.
وأنكر أخذ السلطان لأراضي الناس قال المرداوي في الانصاف:" وقال له المروذي قال مالك لا بأس بقطائع الأمراء ؟ فأنكره-أي أحمد- شديدا وقال تزعم أنه لا بأس بقطائعهم! ونقل يعقوب: قطائع الشام والجزيرة من المكروهة كانت لبني أمية فأخذها هؤلاء. ونقل محمد بن داود عنه: ما أدري ما هذه القطائع يخرجونها ممن شاءوا !".
وأنكر على الخلفاء القول بخلق القرآن.
وكان الامام أحمد لا يجيز للسلطان قتل إنسان إلا بإحدى ثلاث كما ورد في الحديث.
وأنكر الامام أحمد أفعال بعض أمراء بني أمية فقدقِيل له: إنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ إنَّا نُحِبُّ يَزِيدَ ، فَقَالَ وَهَلْ يُحِبُّ يَزِيدَ مَنْ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ!
كما أسقط الامام أحمد عدالة بعض الظالمين ممن عمل لبني أمية، وأبطل الرواية عنهم ومنهم يزيد بن المهلب وعمر بن سعد وعلل ذلك بأنه صاحب الدماء وهو الذي قاد جيش قتل الحسين- وابن الكوا -فعن مهنا قال سألت أحمد عن يزيد بن المهلب قال بصري قلت كيف هو قال كان صاحب فتنة يقول هو الذي يقول شعبة سمعت الحسن يقول هذا عدو الله ابن المهلب .
ومنهم الحجاج الثقفي قال الامام أحمد : كان الحجاج بن يوسف رجل سوء. وقال: كان قتَّالاً للأنفس . فلا يحرم عند الامام أحمد ذكر مساوئ الأمراء والسلاطين إذا كان لحاجة شرعية.

-هل يجوز أن يكون للأمة أكثر من إمام عند الحنابلة؟
قال ابن حمدان:" ولا تنعقد لأكثر من واحد ...فإذا عقدت لاثنين فهي للأول عقداً " نهاية المبتدئين63
متى يخلع الامام ؟
لا يخلع الامام إلا إذا ظهر منه الكفر وإن ظهر من الامام الشرعي -التي توفرت فيه الشروط السابقة- الفسق والتقصير فيجب الصبر عليه كما جاء في الاحاديث والآثار. قال ابن حمدان:" قيل: من دعا الى بدعة مضلة فلا تجيبوه وإن قدرتم على خلعه فاخلعوه. وقيل: وإذا ظهر في الدار القول بخلق القرآن والقدر ونحوه فهي دار كفر، أومأ أحمد الى ذلك كله" نهاية المبتدئين63 .
فقد اشترط أحمد-فيما أومأ إليه- لخلع السلطان ظهور الكفر أو البدعة المضلة منه والقدرة .
وقال ابن تيمية:" وكذلك الأمير إذا فعل ما يستعظم فعزله عن إمارته تعزير له." السياسة الشرعية1/92

-هل يجوز الدعاء على السلطان الظالم ؟
روى أبو نعيم في حلية الأولياء قصة عن الامام أحمد في الدعاء على المأمون قال فيها: (..ان خرج خادم وهو يمسح عن وجهه بكمه وهو يقول عز علي يا أبا عبدالله أن جرد أمير المؤمنين سيفا لم يجرده قط وبسط نطعا لم يبسطه قط ثم قال وقرابتي من رسول الله صلى الله عليه و سلم لا رفعت عن أحمد وصاحبه حتى يقولا القرآن مخلوق قال فنظرت إلى أحمد وقد برك على ركبتيه ولحظ السماء بعينيه ثم قال سيدي غر هذا الفاجر حلمك حتى يتجرأ على أوليائك بالقتل والضرب اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته قال فوالله ما مضى الثلث الأول من الليل إلا ونحن بصيحة وضجة وإذا رجاء الحصار قد أقبل علينا فقال صدقت يا أبا عبدالله القرآن كلام الله غير مخلوق قد مات والله أمير المؤمنين ) حلية الأولياء 9/195
وقال الامام أحمد مبيناً خطورة ما فعله المأمون : وأي بلاء كان أكبر من الذي أحدث عدو الله وعدو الاسلام من إماتة السنة ؟ .
وكان إمامنا إذا ذكر المأمون قال: كان لا مأمون .
أما الامام الصالح فكان الامام أحمد يدعو له فقال في صفة المؤمن من أهل السنة:" والدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح ولا تخرج عليهم بسيفك ولا تقاتل في فتنة وتلزم بيتك"طبقات الحنابلة 1/329
-لا يجوز الاستعانة بالسلطان الظالم في بعض الأمور:
قال المروذي:" وشكوت إلى أبي عبد الله جار لنا يؤذينا بالمنكر ، قال تأمره بينك وبينه
قلت قد تقدمت إليه مرارا فكأنه تمحل . قال أحمد: أي شيء عليك إنما هو على نفسه أنكر بقلبك ودعه. قلت لأبي عبد الله: فيستعان بالسلطان عليه؟
قال لا ، ربما يأخذ منه الشيء ويترك .
وقال أبو عبد الله جارنا حبس ذاك الرجل فمات في السجن". الورع 500

إنكار المنكرات:
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب عند القدرة عند الامام أحمد ولكن كثيراً ما ينسب التشدد في إنكار المنكرات الى الامام أحمد وهذا خطأ قال مهنا سألت الامام أحمد عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كيف ينبغي أن يؤمر ؟ قال : « يأمر بالرفق والخضوع ، ثم قال : إن أسمعوه ما يكره لا يغضب فيكون يريد ينتصر لنفسه »
وقال إمامنا المبجل: « والناس يحتاجون إلى مداراة ورفق في الأمر بالمعروف بلا غلظة ، إلا رجلا مباينا ، معلنا بالفسق والردى ، فيجب عليك نهيه وإعلامه ؛ لأنه يقال : ليس لفاسق حرمة ، فهذا لا حرمة له »الامر بالمعروف للخلال 33. ولذلك فقد نص الامام أحمد على كراهة التفتيش فيما استراب فيه الإنسان ، فلا ينكر إلا ما معلن متفق على حرمته.
وقد كان الحنابلة ينكرون المنكرات والمفاسد قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في ترجمة الشريف أبي جعفر العباسي شيخ الحنابلة: (وفي سنة أربع وستين وأربعمائة اجتمع الشريف أبو جعفر ومعه الحنابلة في جامع الحنابلة في جامع القصر وأدخلوا معهم أبا اسحاق الشيرازي وأصحابه- الشافعية- وطلبوا من الدولة قلع المواخير وتتبع المفسدين والمفسدات ومن يبيع النبيذ وضرب دراهم تقع بها المعاملة عوض القراضة فتقدم الخليفة بذلك فهرب المفسدات وكبست الدور وأريقت الأنبذة...)
ولعل هذا يشبه الاحتجاجات السلمية لإنكار المنكرات والله أعلم.
وما أحسن أن يكون في بلاد المسلمين هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما توجد في بلاد الحرمين، ولكن لإنكار ما هو متفق عليه –كدور الزنا والخمور وسب الدين- لا الأمور الخلافية ككشف المرأة لوجهها وعدم إطلاق الرجل للحيته.

لا يبقى دينان بجزيرة العرب:
قال عبد الله بن الامام أحمد:" وسمعت ابي يقول حديث النبي صلى الله عليه وسلم "لا يبقى دينان بجزيرة العرب" تفسيره ما لم تكن به فارس والروم ، وقال الاصمعي كل ما كان دون اطراف الشام " مسائل عبدالله 1609.

بناء الكنائس وبيع الخمور وإظهار الصليب
ولا يجوز عند إمامنا المبجل بناء الكنائس في أرض العرب ولا إظهار بيع الخمور في بلاد المسلمين . قال عبدالله: سألت أبي أَ لِأهل الذمة أن يحدثوا الكنائس في أرض العرب وهل ترى لهم أن يزيدوا في كتابتهم التي صالحوا عليها ؟
فقال: لا يحدثوا في مصر مصرته العرب كنيسة ولا بيعة ولهم ما صولحوا عليه فإن كان في عهدهم أنهم يزيدون في الكنائس فلهم وإلا فلا وما أنهدم فلهم أن يبنوها. وقال عبدالله:سألت ابي هل ترى لأهل الذمة أن يدخلوا الخمر في مدائن المسلمين ظاهرا ؟
فقال: ليس لهم أن يظهروا بيع الخمر ولا يدخلوه إلا أن يكون في صلحهم .
وقال الكوسج: قلت : للنصارى أن يظهروا الصليب ، أو يضربوا بالناقوس ؟ قال : ليس لهم أن يظهروا شيئا لم يكن في صلحهم . قال إسحاق : ليس لهم أن يظهروا الصليب أصلا ؛ لما نهى عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) عن ذلك ، ويقولون : إن إظهارنا الصليب إنما هو دعاء ندعوكم إلى ديننا ، فيمنعون أشد المنع . المسائل 3336
وأما من أظهر لبس الصليب قال ابن مفلح :" وفي الفصول إن شهد عليه بأنه كان يعظم الصليب مثل أن يقبله ويتقرب بقربانات أهل الكفر ويكثر من بيعهم وبيوت عباداتهم احتمل أنه ردة لأن هذه أفعال تفعل اعتقادا ويحتمل أن لا يكون اعتقادا لأنه قد يفعل ذلك توددا أو تقية لغرض الحياة الدنيا والأول أرجح لأن المستهزىء بالكفر يكفر" الفروع 6/161

الاستعانة بالكفار وأهل الذمة في المعارك والحروب
خلط بعض السلفية المعاصرة في هذه المسألة خلطاً عجيباً ومقصوداً مما أدى الى ويلات ونكبات في الأمة بسبب فتواه، والامام أحمد ما أجاز الاستعانة بالمشرك مطلقاً وإنما ورد عنه جواز الاستعانة بالذمي فقط وللحاجة. والذمي هو من يعيش في دار الاسلام ويدفع الجزية لهم. وأما الصليبي الذي جاء لاحتلال بلاد المسلمين ونهب ثرواتهم فلا ذمة له.
- روى الامام أحمد باسناده [ عن عبد الرحمن بن حبيب قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يريد غزوة أنا ورجل من قومي ولم نسلم فقلنا : إنا لنستحيي أن يشهد قومنا مشهدا لا نشهده معهم قال : فأسلمتما ؟ قلنا : لا قال : فانا لا نستعين بالمشركين على المشركين قال : فأسلمنا وشهدنا معه ]
-قال الكوسج: قلت: أهل الذمة يغزون مع المسلمين أيسهم لهم؟
قال أحمد: الغالب على أن لا يستعان بمشرك. المسائل 2750
-وسأل ابن هانئ الإمام أحمد عن القوم من أهل الذمة يغزون مع المسلمين، هل يضرب لهم بسهم؟ وكيف إن كانوا مستأمنين هل لهم سهم؟
قال: من شهد الوقعة منهم أسهم له. مسائل ابن هانئ 2/111 برقم 1649.
- وقد حرم الامام أحمد الاستعانة بهم فيما هو أقل من الحروب والمعارك سأله أبو طالب عن مثل الخراج فقال لا يستعان بهم في شيء. الانصاف 4/143
- وحرم إمامنا أن يقاتل الاسير معهم ان لم يخف على نفسه قال نعيم بن ناعم أبو حاتم: سألت أحمد عن أسير في أيدي العدو فجاء العدو عدو لهم يقاتل معهم؟ قال: إن خاف على نفسه أو قالوا له إن قاتلت معنا نخلي سبيلك يقاتل معهم قلت: لم يخف ولم يقولوا له نخلي سبيلك؟ قال: في نفسي منه شيء".طبقات الحنابلة 1/389
قال ابن قدامة: ويشترط أن يكون من يستعان به حسن الرأي في المسلمين، فإن كان غير مأمون عليهم لم تجز الاستعانة به،لأننا إذا منعنا الاستعانة بمن لا يؤمن من المسلمين مثل المخذل والمرجف فالكافر أولى.المغني 8/414،

*فضل الجهاد عند الامام أحمد:
للجهاد في سبيل الله مكانة كبيرة عند الامام أحمد بن حنبل فقد كان يذهب الى الثغور ويجاهد بنفسه قال عبدالله بن أحمد، يقول: خرج أبي إلى طرسوس، ورابط بها وغزا.
وكان يحث على الرباط فعنده المقام بالثغر أفضل من المقام بمكة. فقد سئل المقام بالثغر أفضل من المقام بمكة ؟فقال : إي والله . وأفتى بتخفيف الصلاة عند النفير للجهاد فسئل عن الرجل يسمع النفير وتقام الصلاة؟ قال: يصلي ويخفف . طبقات الحنابلة 1/233

وقال البهوتي في الكشاف:" وأفضل ما يتطوع به الجهاد، قال أحمد لا أعلم شيئا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد ، والأحاديث متظاهرة بذلك ، و الرباط بأشد الثغور خوفا أفضل لأنهم أحوج والمقام به أنفع "كشاف القناع
وكان يحث الناس للخروج لإغاثة المسلمين سألت أحمد بن حنبل قلت: النفير يجيء أيخرج الرجل من غير أن يأذن له أبواه قال: إذا صح عنده أنهم قد جاءوا يخرج فيغيث المسلمين. وعن الامام أحمد أنه قال لرجل: عليك بالثغر، عليك بقزوين، وكانت ثغرا.
وكان يأمر بجهاد من استحل حرمات المسلمين فقد كان يراسل العلماء لإعلان الجهاد بالنفس والمال وذلك في فتنة بابك الخرمي.
وكان يفتي برد عدوان الأعداء بكل الطرق فكان يقول في الكفار إذا أحرقوا غلتنا فعلنا بهم ذلك لأنهم يكافئون على أفعالهم وإلا فلا تحرق بيوتهم ولا يقطع شجرهم . والسبب في ذلك كما قال:" أنه إذا قطع الشجر وحرق لم يجدوا-أي المسلمين- في الموضع الذي أحرق ما يأكلون ففيه مضرة فلهذا كره". وقال في مسائل الكوسج:" قد يكون في مواضع لا يجدون منه بداً، فأما بالعبث فلا يحرق"
والجهاد عند الامام أحمد لا يُلغى ولا يبطله جور جائر الى يوم القيامة حيث قال :"والجهاد ماض منذ بعث الله عز وجل محمدا - صلى الله عليه وسلم - إلى آخر عصابة يقاتلون الدجال لا يضرهم جور جائر" طبقات الحنابلة 1/329


هذه أقوال سيدنا الإمام المبجل أحمد بن حنبل رضي الله عنه في السياسة الشرعية وهي تدل على فهم عميق وفقه دقيق ودراية بأحوال عصره، ثم يأتي في هذه العصور بعض المشايخ فيقولون: من السياسة ترك السياسة، وإدخال السياسة في الدين إفساد للدين! فلا تراهم يتكلمون في شؤون المسلمين ولا يفتون بإغاثتهم ولا ينكرون منكرات السلاطين، ويظنون أن ذلك من العلم والورع! وهو في الحقيقة من قلة العلم والورع.