المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المسلك البديع في أحكام السهوفي الصلاةوالترقيع-أبوالحسن علي ابن الأستاذالهواري المالقي



العويني
07-08-2003, 11:06
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما .
قال الشيخ الفقيه الفاضل الكامل ، أبو الحسن علي بن يحيى ابن الأستاذ الهواري المالقي ، رحمه الله تعالى ورضي عنه :
الحمد لله الرحيم الرحمن ، العظيم السلطان ، المنَزَّه عن سمات الحدوث وصفات النقصان ، لا تأخذه سنة ولا نوم ، ولا يلحقه وهم ولا نسيان ، ولا يشغله شان عن شان .
وصلى الله على سيدنا محمد المجتبى من آل معد وعدنان ، المبعوث بالدين الحنيفي السمح دين الإيمان ، المؤيد بواضح الحجة وساطع البرهان ، وعلى أصحابه أهل الفضل والصلاح والدفع عن حوزة الدين بالكفاح والطعان ، وعن أهل بيته المطهرين من الأرجاس والأدناس ، وسلم عليهم سلاما يتعاقب ما تعاقب الجديدان .
وبعد:
فإن بعض من تعينت علي إعانته ، وتأكدت إفادته من الطلبة المنقطعين في الطلب إلي ، المترددين في القراءة (...) -أعانني الله وإياهم على طلب العلم ، وجعلنا بفضله من أهل الدراية والفهم ، ووفقنا للعمل وعصمنا من الخطل فيه والزلل- سألني أن نقيد له جزءا يتضمن من أحكام السهو في الصلاة ما يتأكد على المكلف علمه ، ويقيم به جهله ، مما به يسلم من الفساد قوله في الصلاة /[1/أ] وفعله .
فأجبته إلى ما طلب ، وأسعفته فيما رغب ، لما رأيت من حرصه عليه ، ولما رجوت من ثواب مَن أفاد علما أوْ دعا إليه .
وجعلته يشتمل على مقدمة وسبعة فصول .
المقدمة: في بيان أن التقرب إلى الله تعالى بالصلاة المجبورة إذا طرأ فيها السهو أولى من إلغائها والشروع في غيرها .
الفصل الأول: في ذكر الأحاديث التي هي أصول أحاديث السهو.
الفصل الثاني : في انقسام السهو إلى زيادة ونقصان ، ومتيقن ومشكوك فيه .
الفصل الثالث : في انقسام السهو بالزيادة إلى ما يبطل الصلاة وما لا يبطلها ، والذي يبطلها إلى ما يترتب عليه سجود السهو وما لا سجود فيه .
الفصل الرابع : في انقسام السهو بالنقصان إلى ما لا بد من فعله وإلى ما ينوب عنه سجود السهو وما لا شيء فيه .
الفصل الخامس : في الشك في السهو .
الفصل السادس : في سجود السهو .
الفصل السابع : يتضمن مسائل تجري مجرى التمثيل لبعض ما اشتملت عليه الفصول المتقدمة فيما أوردته من ذلك على المذهب المالكي ، دون ما سواه ، وعلى المشهور من الخلاف فيه دون ما عداه .
وهذا حين ابتدائي ، وعلى الله أتوكل ، وبه أعتصم ، وهو حسبي ونعم الوكيل .

( المقدمة )
اعلم وفقك الله أن التقرب إلى الله تعالى بالصلاة المرقَّعة المجبورة إذا عرض فيها السهو ، أولى من الإعراض عنها والشروع في غيرها ، والاقتصار عليها بعد ترقيعها وجبرها أولى من إعادتها /[1ب] لأن ذلك هو منهاج النبي صلى الله عليه وسلم حسبما يظهر في الأحاديث المذكورة في الفصل بعد هذا ، وهو منهاج أصحابه والسلف الصالح بعدهم ، رضي الله عنهم ، والخير كله في الاتباع ، كما أن الشر كله في الابتداع .
وقد قال عليه الصلاة والسلام : ( لا صلاتين في يوم ) أي لا تعاد الصلاة الواحدة في يوم مرتين ، فلا ينبغي لأحد الاستظهار على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو كان في ذلك خير لنبه عليه ولقرَّره في الشرع ، والله تعالى لا يُتَقرب إليه بمناسبة العقول ، وإنما يتقرب إليه بالشرع المنقول .
( الفصل الأول )
أصول الأحاديث في السهو ستة ،
الأول :
عن أبي هريرة رضي الله عنه : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي ، فسلم من ركعتين ثم قام إلى جذع ، فاستند إليه مغضبا ، فخرج سرعان أناس يقولون : قصرت الصلاة ، وفي القوم أبو بكر وعمر ، فهابا أن يكلماه ، فقال له رجل يقال له ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أصدق ذو اليدين ؟ ) فقال الناس: نعم ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الركعتين اللتين بقيتا ، ثم سلم ، ثم كبر فسجد ، ثم رفع فكبر ، ثم سجد ، ثم رفع فكبر ، ثم سلم .
الحديث الثاني :
روي عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العصر ، فسلم في ثلاث ركعات ، فقام إليه رجل يقال له الخِرْباق ، وكان في يديه طول ، فقال : يا رسـول الله ، سلمت /[2/أ] من ثلاث . فخرج مغضبا يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس ، فقال : ( أحق ما يقول هذا ؟ ) قالوا : نعم . فصلى الركعة التي بقيت عليه ثم سلم ، ثم سجد سجدتين ، ثم سلم .
الحديث الثالث :
عن ابن مسعود ، رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمسًا ، فلما سلم قيل له : أَزِيْدَ في الصلاة ؟ قال : ( وما ذاك ؟ ) قالوا : صليت خمسا ، فسجد النبي صلى الله عليه وسلم سجدتين .
الحديث الرابع :
عن عبدالله بن بجينة قال : صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين من بعض الصلوات ، ثم قام فلم يجلس ، فقام الناس معه ، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبَّر فسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم ، ثم سلم .
الحديث الخامس :
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا شك أحدكم في صلاته فلم يَدْرِ كم صلى، ثلاثا أم أربعا ، فليبن على الأقل ، وليطرح الشك ) وفي طريق آخر ( فليصل ركعة ويسجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم ، فإن كانت الركعة التي صلى خامسة شفعها بهاتين السجدتين ، وإن كانت رابعة فالسجدتين ترغيما للشيطان ) .
الحديث السادس :
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قام أحدكم يصلي جاءه الشيطان فلبَّسَ عليه حتى لا يدري كم صلى ، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس .
فالحديث الأول يفيد أن من سلم على اثنتين معتقدا/[2ب] أنه قد أكمل صلاته ، ثم ذكر ذلك ، فإنه يرجع إلى صلاته فيأتي بما بقي عليه منها ، ويسجد لسهوه .
وكذا كل من سلم على ركعة أو ثلاث ساهيا ، دليله الحديث الثاني ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ، سلم على ثلاث ثم رجع فأتى بركعة أتمَّ بها صلاته وسجد .
ومن جهة القياس أن هذا سلم قبل إتمام صلاته ناسيا ، وهذا سلم قبل إتمام صلاته ناسيا ، فكما يبني أحدهما ولا يبتدئ ، فكذلك الآخر ، لعدم الفارق .
والحاصل أن كل من سلم قبل إتمام صلاته ناسيا ومعتقدا للإتمام ، ثم ذكر بأنه يجبر صلاته بفعل ما بقي عليه منها ، ويسجد لسهوه ، وليس عليه أن يبتدئ الصلاة من أولها ، وهذا بشرط القرب وعدم الحدث قبل الذكر ، وسنزيد هذا بيانا إن شاء الله .
ويفيد أيضا مع الحديث الثاني أن الكلام في الصلاة لإصلاحها جائز ، وأن الإمام إذا كلمه بعض المأمومين في سهوه فلم يصدقه ، له أن يسأل القوم عن ذلك ، وللقوم أن يجيبوه ، ولا تفسد بذلك صلاتهم ، ما لم تطل المراجعة بينهم ويكثر اللغط ، خلافا لسحنون في تخصيصه ذلك بمن سلم على ركعتين ، قصرًا لحديث ذي اليدين على مورده لمخالفته الأصول ، ويرد عليه الحديث الثاني ، خرجه مسلم ، وهو في السلام من ثلاث ، وفيه من الكلام والمراجعة نحو مما في حديث ذي اليدين .
وقيل : هو خاص بذلك الزمان ، فمن طرأ له /[3/أ] ذلك اليوم ابتدأ الصلاة ، والمشهور التسوية بين الاثنين وغيرهما وبقاء الحكم إلى آخر الزمان ، ما لم تطل المراجعة كما مرّ ، وشرح ذلك يأتي إن شاء الله .
ومن فوائدهما أن سجود السهو بالزيادة يكون بعد السلام ، كما يقوله مالك وأصحابه ، ويسلم منه ويكبر في الانحطاط له والرفع منه ، وهذا من فوائد الأول لا الثاني .
والحديث الثالث يفيد أن من زاد في صلاته ساهيا زيادة من جنسها ، كسجدة أو ركعة ، سجد لسهوه وصحت صلاته .
والحديث الرابع يفيد أن من قام على اثنتين ولم يجلس للتشهد ، مضى على صلاته ولم يرجع ، ويسجد لسهوه ، وفيه أن سجود السهو للنقص يكون قبل السلام ، كما يقوله مالك .
والحديث الخامس يفيد أن من دخله الشك في صلاته ، فلم يدر ما صلى ، أثلاثا أم أربعا ، بنى على اليقين ، وهو الأقل من الأمرين المتردد بينهما ، لأنه قد حصل بيقين ، وألغى الشك ، وأتى بما بقي ، وسجد سجود السهو ، ويحتج بظاهر الحديث من يجعل السجود للشك قبل السلام مطلقا ، وهو ابن لبابة ، ويأتي الكلام عليه إن شاء الله .
والحديث السادس حمله بعض المفسرين على حال من استنكحه الشك في السهو وكثر عليه ، لكن أمره في الحديث أن يسجد سجدتين ، وبه قال مالك في رواية ابن القاسم وابن حبيب في MالواضحةL ، وقال مالك في رواية ابن نافع وأبي مصعب : لا سجود عليه . وله في المختصر الكبير إن سجد بعد / [3/ب] السلام فحسن . والكلام على هذا كله يأتي إن شاء الله تعالى .
وهذه الأحاديث التي أوردتها في هذه الفصول واضحة في الدلالة على أن ترقيعَ الصلاة ، إذا عرض فيها السهو ، وجبرَها هو منهاج النبي صلى الله عليه وسلم وسنته ، فهو أولى من إلغائها والشروع في غيرها وإعادتها بعد ترقيعها . والله أعلم .

العين
07-08-2003, 23:30
شيخنا وحبيبنا العويني سلمت يداك .وجزاك الله خير الجزاء.
أكمل سيدي بارك الله فيكم ونفع بكم. وجعله في ميزان حسناتكم
نحن في الانتظار..

العويني
10-08-2003, 09:25
جزاك الله خير الجزاء أيها الأخ الحبيب الحجاز على ما تقوم به من تنسيق جميل
الأخ الحبيب العين : جزاكم الله خيرا على دعواتكم الصالحة
وأنا بانتظار ملاحظاتكم القيمة على النص المكتوب
================

( الفصل الثاني )

اعلم أن السهو على قسمين :
سهو بزيادة .
وسهو بنقصان .
وكلاهما:
متيقن .
ومشكوك فيه .
وأحكام المتيقن والمشكوك فيه فيما يترتب على كل واحد منهما من سجود وغيره واحد ، إلا في موضعين:
أحدهما : إذا شك في السهو بالزيادة الكثيرة أجزأه سجود السهو اتفاقا ، بخلاف إذا تيقن السهو بالزيادة الكثيرة ، فإنّ صلاته تبطل ، على المشهور .
والثاني : إذا كثر عليه الشك في السهو ، واستنكحه ذلك، فإنه يمضي على صلاته ولهى عنه .
وفي السجود قولان كما مر ، بخلاف إذا كثر عليه السهو المتيقن ، فإن حكمه كغير شاك الكثير في إصلاح ما سهى عنه ، إلا أنه لا يسجد لسهوه ، لاستنكاحه فيما حكاه ابن المواز عن مالك، وقيل : يسجد .
( الفصل الثالث )
اعلم أن السهو بالزيادة قسمان :
مبطل للصلاة .
وغير مبطل .
بيانه أن المزيد في الصلاة إما أن يكون فعلا أو قولا .
أما الفعل فضربان :
من جنس أفعال الصلاة .
ومن غير جنسها .
فالأول إن كان يسيرا ، كزيادة ركوع واحد ، أو سجدة واحدة ، أو [4/أ] ركعة تامة في صلاة رباعية لم تبطل الصلاة ، لكن يترتب فيها سجود السهو .
وإن كان كثيرا ، كأن يزيد في صلاة رباعية مثلها ، فيفعلها ثمان ركعات: فالمشهور بطلان الصلاة لكثرة الزيادة ، ولأن وقوع مثل هذا نادر ، فلا يعفى عنه ، لكثرته ولعدم تكرره .

وإن زاد في الرباعية مثل نصفها ، فصلاها ستا ، فقولان بالصحة والبطلان ، وإذا قلنا بالصحة سجد لسهوه .
أما إن زاد في الثنائية مثلها ، كالصبح والجمعة يصليها أربعا ، فقيل : يسجد لسهوه وتصح صلاته ، وقيل : تبطل .

وإن زاد في الثنائية مثل نصفها ، كأن يصلي الصبح أو الجمعة ثلاثا ، فإن قلنا في الزيادة هناك النصف في الرباعية : لا تبطل ، فأحرى هنا بعدم البطلان ، وإن قلنا : تبطل ، فيجري هنا قولان ، أحدهما : تصح اعتبارا بالركعة في نفسها ، وهي يسيرة . الثاني : تبطل نظرا إلى نسبتها من الصلاة المزيد فيها .

واختلف في الصلاة الثلاثية ، هل تلحق بالرباعية ، أو بالثنائية .
وهذا كله في الزيادة سهوا ، أما العمد فمبطل للصلاة وإن قلّ .

وفي إلحاق الجاهل بالعامد أو بالناسي قولان .

والضرب الثاني ، وهو أن يكون الفعل من غير الجنس المشروع ، إن كان كثيرا قال ابن رشد : مثل أن يأكل أو يخيط أو يسقل سيفه ، فيطول ذلك ، أبطل الصلاة .
والضابط للكثير : أنه كل فعل يخيل للناظر الإعراض عن الصلاة بفساد نظامها /[4/ب] وقطع اتصالها ، وإن كان يسيرا ، وهو ليس كذلك ، لم يبطل ، وأجزأ فيه سجود السهو ،
وجعله ابن رشد ثلاثة أقسام:
أحدها : يجوز له فعله في الصلاة .
الثاني : يكره .
الثالث : لا يجوز .

الأول : لا سجود فيه ، مثل أن تريده الحية أو العقرب ، فينسى أنه في صلاة ، فيقتلها ، ولم يطل ذلك .
الثاني : على قولين ، أحدهما : أن عليه السجود ، والثاني : لا سجود عليه ، وذلك مثل أن تمر حية أو عقرب بين يديه ولا تريده ، فينسى أنه في صلاة فيقتلها ، ولم يطل .
الثالث : قيل فيه يسجد وتجزئه صلاته . وقيل : تبطل ولا يجزئه السجود ، وذلك مثل أن ينسى أنه في صلاته فيأكل أو يشرب ولا يطول ذلك .
هذا كله في زيادة ذلك سهوا .
أما زيادة الفعل على وجه العمد:
فعلى وجهين:
أحدهما : أن يكون لمصلحة الصلاة ، فهذا يؤمر المصلي بيسيره ، ولا يضره ، كالمسبوق يمشي بعد سلام الإمام الخطوات اليسيرة إلى السترة ، وكالمحرم خلف الصف يدب إلى الصف فيما قرب .
الثاني : أن يكون لغير مصلحة الصلاة ، وهو على نوعين :
أحدهما : أن يكون مما لا تدع الضرورة إليه ، فهذا إن كان كثيرا أبطل الصلاة ، وإن كان يسيرا لم يبطلها ، إلا أن منه ما لا يكره ، كالحكة وتحريك الأصابع في التسبيح ، ومنها ما يكره/ [5/أ] كالمشي اليسير والعيب باللحية وفرقعة الأصابع .
النوع الثاني : أن يكون مما تدعو الضرورة إليه ، فهذا يؤمر به المصلي ، وقد يكون واجبا ، كقتل ما يحذر ، مثل الحية تريد المصلي أو غيره ، وكإنقاذ نفس أو مال له بال من مهلكة ، فإن هذا واجب على المصلي فعله ، لكن إن كان كثيرا أبطل الصلاة ، وإن قل لم يبطل .

تنبيـه :
إن كان المصلي في ضيق ، واضطر إلى فعل كثير ينقذ به نفسه أو نفس غيره من متلفة ، قال ابن بشير :
فينبغي أن يكون كالمسايف ، يفعل ذلك الفعل المضطر إليه ، ولا تبطل صلاته ، يعني أنه يكون بمنزلة المقاتل بين الصفين يقاتل في حال صلاته ولا يبطلها ذلك ، لاضطراره له ، وكذلك هذا المصلي الذي ضاق عليه الوقت واضطر إلى فعل في الصلاة ينقذ به نفسه أو نفس غيره من التلف ، يفعل ما اضطر إليه مما ينقذ به النفس ، مع تماديه على صلاته ، ولا يبطلها ذلك ، لإمكان الضرورة ، إذ لو لم يفعل ذلك لوقع في أحد أمرين ، إما إسلام نفس مسلمة للهلاك ، مع قدرته على إنقاذها ، أو إخراج الصلاة عن وقتها .
وأما القول فضربان أيضا :
من جنس المشروع .
ومن غير جنسه .
فالأول كقراءة القرآن ، وذكر الله تعالى ، فهذا لا يؤثّر في الصلاة ، واختلف هل يترتب / [5/ب] فيه سجود السهو أم لا ؟ على قولين . وذلك كمن سهى فقرأ سورة مع أم القرآن في أحد الركعتين الأخيرتين ، أو قرأ في الركعتين الأولتين مع أم القرآن سورتين أو ثلاثا .
قال ابن رشد : أو ذكر الله فيما بين السجدتين ، وما أشبه ذلك ، هذا في زيادة ذلك سهوا ،
أما عمدا :
فإن قصد به الوجه المشروع من التلاوة والذكر ، كمن يسمع في الصلاة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي عليه ، أو ذكر الجنة فيسألها ، أو ذكر النار فيستعيذ منها ، وشبه ذلك ، فإنّ هذا إذا وقع لا يفسد الصلاة ، وكره ابن حبيب الجهر بذلك ، لئلا يخلط على الناس ، والإكثار منه ، لئلا يشتغل بذلك عن صلاته .
واختلف إذا قصد بما زاده من القرآن والذكر معنا خارجا عن مقصود الصلاة ، كمن يتلو آية ، أو يسبح ليفهم غيره قضاء حاجة ، أو معنى من المعاني ، مثل من كان في صلاة فاستأذن عليه إنسان فتلى : ((ادخلوها بسلام آمنين)) فقيل : ذلك جائز ، حكى الباجي عن ابن حبيب أنه قال : ما كان لرجل أن يتكلم به في صلاته من معنى القراءة والذكر فرفع به صوته لينبه رجلا ، أو ليستوقفه فذلك جائز ، وقد استأذن رجل على ابن مسعود وهو يصلي ، فقال : ((ادخلوا مصر إن شاء الله )) .
قال ابن بشير : وهو المشهور . وقيل : ذلك مكروه ولا يبطل الصلاة ، وهو مقتضى رواية / [6/أ] موسى بن معاوية عن ابن القاسم قال فيمن أخبر في الصلاة بما يُسَرُّ به ، فحمد الله ، أو بمصيبة فاسترجع ، أو أخبر بشيء فقال : الحمد لله على كل حال الذي (....) بحمده تتم الصالحات . لا يعجبني ذلك ، وصلاته مجزئة .

وأجرى اللخمي في المسألة قولا ثالثا بالبطلان ، قياسا على القول بذلك فيمن فتح على من ليس معه في صلاة .

والضرب الثاني : أن يكون المزيد من الأقوال من غير الجنس المشروع فيها ، فهذا إن كان سهوا أجزأ فيه سجود السهو ، ولا يبطل الصلاة ، إلا أن يكثر جدا ، وإن كان عمدا لإصلاح الصلاة ، كمن يسهى إمامه ولا يفهم عند التسبيح ، فيكلمه بمحل السهو ونوعه ، والمشهور لا يبطل إلا أن يطول ويكثر اللغط والمراجعة ، وسأزيده بيانا بعد إن شاء الله .

وإن كان عمدا لغير إصلاح الصلاة أبطلها إجماعا ، وإن قلّ ، إلا إن كان مما تدعو الضرورة إليه ،
وإن كان جهلا من المصلي بمنعه منه في الصلاة ، فقولان :
أحدهما : إلحاقه بالعمد ، فيبطل وإن قل .
الثاني : إلحاقه بالسهو ، فلا يبطلها إلا أن يكثر .
ورأى أبو محمد عبدالمجيد أنه إن كان متقادم العهد في التكليف والإسلام لحق بالعامد ، لأنه إما كاذب في ادعاء الجهل ، أو مفرط في ترك التعلم ، وإن كان قريب العهد بالتكليف / [6/ب] والإسلام لحق بالناسي لعذره .

واختلف المذهب في أمور هل تلحق بالكلام أم لا ،
منها : النفخ :
وفيه قولان:
المشهور إلحاقه بالكلام .
والشاذ لا يلحق به ، ولكنه يكره .
ومنها التنحنح:
وهو إن كان لضرورة لم يفسد الصلاة ، وإن كان اختيارا فقولان ، المشهور : لا يفسدها .
ومنها الأنين:
وهو إن كان لوجع لم يفسد الصلاة – وهو قول مالك – وإن كان لغير وجع فالظاهر إلحاقه بالكلام . قاله ابن بشير .
ومنها الضحك:
فهو إن كان تبسما لم يبطل الصلاة . وهل يُسْجَدُ له أم لا ؟ قولان . وإذا قلنا يسجد ، فقيل : بعد السلام . لأنه كالزيادة في الصلاة . وقيل : قبل . لأنه نقص من هيئة الخشوع .
أما القهقهة :
فقيل : كالكلام ، فيبطل الصلاةَ عمدها دون غيره . وقيل : هو أشد من الكلام ، فيستوي سهوها وعمدها وغلبتها في الإبطال . والله أعلم .

العويني
11-08-2003, 09:50
ما شاء الله أخي الحبيب الحجاز ، والله تستحق قبلة على جبينك لما تقوم به من مجهود ، أيش هذا الجمال والترتيب والأناقة... جزاك الله ألف خير
========

( الفصل الرابع )

في السهو بالنقصان ،
وهو على ثلاثة أقسام:
الأول: لا بد من تلافيه والإتيان به ، فإن فات بطلت الصلاة ، ولا ينوب عنه السجود .
الثاني: ينوب عنه سجود السهو ولا يبطل .
الثالث: لا شيء فيه .
وبيان ذلك:
أن الصلاة مشتملة على فرائض وسنن وفضائل.
فالفرائض لا تجبر بالسجود ، بل لا بد من الإتيان بها.
والسنن إن فات / [7/أ] محل تلافيها جبرت بالسجود ، وناب ذلك عنها.
والفضائل لا جبران فيها ولا أثر للسهو عنها .
إذا فهمت هذا ، فلا بد من ذكر الفرائض والسنن والفضائل.
تعديد كل صنف منها ، ليترتب على كل واحد حكمه في السهو .
أما الفرائض فثمانية عشر :
طهارة الحدث
وطهارة الخبث ، وقيل سنة
ومعرفة دخول الوقت
وستر العورة ، وقيل سنة
واستقبال القبلة
وتكبيرة الإحرام
وقراءة أم القرآن
والقيام ، والواجب منه على الإمام والفذ قدر ما يوقعان فيه تكبيرة الإحرام وأم القرآن في الركعتين الأوليين ، وأم القرآن وحدها في سائر الركعات ، وعلى المأموم قدر ما يسع تكبيرة الإحرام في كل ركعة .
والركوع
والرفع منه ، وقيل في الرفع منه سنة
والسجود
والرفع منه
وترتيب أفعال الصلاة
وترك الكلام
والطمأنينة في الأركان ، وقيل هما سنتان
والسلام
وقدر ما يوقع فيه السلام من الجلوس الأخير .
فهذه فرائض الصلاة التي:
من ترك شيئا منها عامدا بطلت صلاته.
ومن تركه ساهيا لم ينب عنه سجود.
ولم يجبره إلا الإتيان به
ومن ذلك ما يصح تلافيه والإتيان به إن ذكر في أثناء الصلاة أو بقرب الفراغ منها ، إن لم يذكر إلا بَعد بُعْد من الفراغ منها أعيدت الصلاة ، كقراءة أم القرآن والركوع والرفع منه ، على القول بأنه فرض / [7/ب] والسجود والرفع منه.
وكيفية تلافي ذلك إن شاء الله الفصل السابع .
ومنه ما تقطع الصلاة لأجله ، إن ذكر في أثنائها ، وتستأنف من أولها وتعاد إن لم يذكر إلا بعد الفراغ منها ، كالنية وطهارة الحدث والخبث وستر العورة واستقبال القبلة وتكبيرة الإحرام .
وأما السنن فثمانية عشر :
الأذان في مساجد الجماعات
والإقامة للرجال ، وأما النساء فإن أقمن سرا فحسن .
ورفع اليدين مع تكبيرة الإحرام ، وقيل فضيلة .
وقراءة السورة مع أم القرآن في ركعتي الصبح والجمعة وصلاة القصر والركعتين الأولتين مما سوى ذلك .
والجهر في موضع الجهر .
والإسرار في موضع الإسرار .
وترك القراءة مع الإمام فيما يجهر فيه ، وقيل : مطلقا .
والتكبير كله ، سوى تكبيرة الإحرام .
وقول : ( سمع الله لمن حمده ) . للإمام والفذ .
وقول المأموم : ( آمين ) إذا قال الإمام : (( ولا الضالين )) .
وقوله : ( ربنا ولك الحمد ) إذا قال الإمام : ( سمع الله لمن حمده ) .
والتسبيح في الركوع والسجود ، وقيل فضيلة .
والتشهدان سرا .
والجلوس لهما .
والصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم) في التشهد الأخير .
ورد المأموم السلام على الإمام .
فهذه هي السنن التي يجبرها – إذا سها عنها – سجود السهو في الجملة / [8/أ] .
وأما في التفصيل :
فإما أن تكون قولا أو فعلا :
فإن كانت قولا ، فإن قل جدا ، كالتكبيرة الواحدة ونحوها ، ففي جبره بالسجود قولان ، المشهور : لا يجبر ليسارته .
فإن كثر ، كالسورة مع أم القرآن ، وأكثر من تكبيرة واحدة ، فالمشهور : يجبر بالسجود ، وهذا ما عدا التسبيح والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، فاتفق المذهب على أن شيئا من ذلك لا سجود فيه .
أما التسبيح فإنه – على القول أنه سنة – لم يتأكد تأكد غيره من السنن ، فكان في باب الفضائل أدخل ، وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فلأنها من الأقوال غير المتعلقة بالله تعالى ، ولا يسجد عندنا إلا للأقوال المتعلقة بالله تعالى ، وأما الأذان والإقامة فلأنها من السنن الخارجة عن الصلاة.
وإن كانت فعلا جبر بالسجود بلا خلاف في المذهب ، ما عدا ثلاثة نفى القرافي الخلاف في المذهب في ترك السجود لها ، وهي:
الزيادة على مقدار الواجب من الجلوس الأخير .
ورفع اليدين مع تكبيرة الإحرام ، على القول أنه سنة ، إذ ليس من المؤكدات.
والاعتدال في الفصل بين الأركان ، على القول أنه سنة .
وتلخيص ذلك ، قال ابن رشد بعد تعديده لهذه السنن :
فمن هذه السنن ثمان مؤكدات يجب سجود السهو للسهو عنها ، وإعادة الصلاة على اختلاف لتركها عمدا ، وهي:/ [8/ب]
السورة التي مع أم القرآن ، والجهر في موضع الجهر ، والسر في موضع السر ، والتكبير سوى تكبيرة الإحرام ، و (سمع الله لمن حمده ) ، والتشهد الأول ، والجلوس له ، والتشهد الأخير ، وسائرها لا حكم لتركها ، فلا فرق بينها وبين المستحبات إلا في تأكد فضائلها .

وأما الفضائل فثمانية عشر أيضا ، وهي :
أخذ الرداء ،
وقراءة المأموم مع الإمام فيما يُسِرّ فيه ، على المشهور ،
وكون القراءة طويلة في الصبح والظهر ، والصبح أطولها ، قصيرة في العصر والمغرب ، والمغرب أقصرها ، متوسطة في العشاء .
وتقصير الجلسة الوسطى
وقول آمين بعد أم القرآن للفذ مطلقا ، وللإمام فيما يسر فيه ، وقيل : مطلقا .
وقول الفذ بعد ( سمع الله لمن حمده ) : ( ربنا ولك الحمد ) وفي قول الإمام لذلك خلاف .
وهيئة الجلوس في التشهد وبين السجدتين
والإشارة بالسبابة في التشهد
والقنوت في الصبح
وقيام الإمام من موضعه ساعة يسلم
واتخاذ السترة ،
والدنو منها ،
والانحراف يسيرا عنها ، حتى يضعها حذاء حاجبه الأيمن أو الأيسر ، ولا يسامتها .
وتسوية الصفوف
ووضع اليدين إحداهما على الأخرى في القيام ، وقيل : يكره في الفريضة لأنه من باب الاعتماد .
والصلاة على الأرض ، أو على ما تنبت الأرض مما لا تَرَفُّه فيه ولم تدخله صنعة .
وأن يجافي بضبعيه عن جنبيه في الركوع والسجود .
والتيامن بالسلام .
فهذه / [9/أ] هي الفضائل التي لا يسجد لها ولا حكم لتركها .
هذا جملة ما حضرني من فرائض الصلاة وسننها وفضائلها على التفصيل .

والضابط :
أن جميع أفعال الصلاة فرض ، إلا ثلاثة :
رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام .
وجلوس التشهدين.
والتيامن بالسلام .
وجميع أقوال الصلاة سنة أو فضيلة إلا ثلاثة :
تكبيرة الإحرام .
وقراءة أم القرآن.
والسلام .

العويني
12-08-2003, 09:13
( الفصل الخامس )
في الشك في السهو .

وقد قدمنا أن الشك في السهو لا يفارق اليقين إلا في موضعين تقدم الكلام عليهما في الفصل الثاني .
والضابط:
أن الشاك هل سها أم لا :
إما أن يكون سالم الخاطر .
أو موسوسا .
فالسالم الخاطر: حكمه حكم المتيقن للسهو في جميع ما قررته .
إلا أنه إذا شك في السهو بالزيادة الكثيرة ، أجزأه سجود السهو ، بخلاف المتيقن لذلك ، فإنه يعيد .
وأما الموسوس فيبني على أول خاطريه ، لمشابهته فيه للعقلاء ، فإذا وقع بخاطره أولا أنه سها ، عمل بموجب ذلك ، وإن سبق لخاطره أولا أنه لم يَسْه ، لهى عن الشك ، وقيل : يسجد . وقيل : لا سجود عليه . وقد مرّ .
( الفصل السادس )
في سجود السهو ، وعدده سجدتان ، قَلَّ السهوُ أو كثر .
ويكبر في الانحطاط لهما والرفع منهما .
ومحله آخر الصلاة :
فإن كان السهو بنقصان أو بزيادة ونقصان ، سجد قبل السلام .
وإن كان بزيادة / [9/ب] فقط سجد بعد السلام .
فلو عكس هذه الرتبة ، فقدَّم قبل السلام ما محلّه بعد ، أو أخر ما محله قبل ، لم تبطل صلاته ، على المشهور ، وقال أشهب : تبطل إن قدم قبل السلام ما محله بعد .
وإذا قلنا لا تبطل ، ففي أمره بإعادته بعد السلام خلاف .
ولا تفتقر اللتان قبل السلام إلى نية إحرام ، لأنها في نفس الصلاة ، وفي التشهد لهما روايتان ، ويكفي السلام من الصلاة لهما .
ويتشهد للتين بعد السلام ، ويسلم منهما ، وفي افتقارهما إلى نية إحرام روايتان .
ومن نسي السجود البعدي صحت صلاته ، ويسجد متى ما ذكر ، ولو بعد شهر .
ومن نسي السجود القبلي حتى سلم، سجد بعد السلام ، إن ذكر بالقرب ، وقبل أن يُحْدِث.
فإن لم يذكر حتى طال أو أحدث ، فقيل : تبطل صلاته ويعيد ، سواء كان السهو عن فعل أو قول ، قل أو كثر ، وقيل عكسه تصح ، أي شيء كان المتروك . قاله ابن عبدالحكم في ( الجواهر ) .

العويني
13-08-2003, 09:16
( الفصل السابع )
يتضمن مسائل تجري مجرى التمثيل لبعض ما اشتملت عليه الفصول المتقدمة .
( مسألة ) من صلى مُحْدِثًا ناسيًا لحَدَثه:
فإن ذَكَر بعد الفراغ من الصلاة أعادها ، وإن خرج الوقت . ولا إعادة على من ائتمَّ به ، إن كان إماما .
وإن ذكر في أثناء الصلاة قطع واستأنف الصلاة بعد الطهارة بإقامة جديدة ، لكن إن كان إماما استخلف ساعتئذ من يُتِمُّ بالقوم ، وصحَّت صلاتُهم ، فإن عاد بعد الذكر ، ولو بيسير ، بطلت صلاتهم ، وكان عليهم ابتداؤها من أولها ، كما لو افتتحها بهم عالما بحدثه .
( مسألة ) من صلى بنجاسة ناسيا:
فذكر بعد الفراغ من الصلاة /[10/ب] أعادها في الوقت ، لا بعده .
وإن ذكر وهو متلبس بالصلاة ، فثلاثة أقوال :
يقطع مطلقا ، وهو مذهب الكتاب .
ينزعه – إن خف نزعه – ويتمادى ، وإلا قطع ، وهو قول مالك في المبسوط .
الثالث : إن خفَّ نَزَعَه ، وإلا تمادى وأعاد .
( مسألة ) : من جهل دخولَ الوقت ، فصلى على شك منه:
فإن تبين خطأه أعاد اتفاقا في الوقت وبعده ، وإن تبين أنه أوقعها في الوقت ، فالمشهور يعيد ، كما لو تبيّن خطأه . وقيل : تجزئه .
( مسألة ) : العورة من الرجل السوأتان بإجماع :
والسرة والركبتان وما بينهما مما عدا السوأتين ، باختلاف .
والمرأة :
إن كانت أمةً فكالرجل ، لكن تؤمر بستر جميع جسدها في الصلاة ، وهي في ذلك آكد من الرجل ، ولا بأس بكشف رأسها .
وإن كانت حرة فجميع جسدها عورة ، إلا وجهها وكفيها .
إذا عرفت هذا ، فمن صلى مكشوف العورة ناسيا وغير قادر على سترها ، أعاد في الوقت استحبابا .
والوقت في ذلك للظهر والعصر ، النهار كله إلى غروب الشمس ، وقيل : إلى الاصفرار . وللعشاءين الليل كله إلى طلوع الفجر ، وقيل : إلى نصف الليل . وللصبح إلى طلوع الشمس .
وهو وقت من صلى بنجاسة ناسيا .
ورأيت اللخمي – فيمن يؤمر بالإعادة في الوقت للصلاة بثوب نجس – أنه على القول بتأثيم من أخر الصلاة إلى وقت ضرورتها ، يعيد العصر إلى الاصفرار .
قال : وينبغي أن يعيد الظهر / [11/أ] ما لم تخرج القامة الأولى ، أو لمقدار أربع ركعات من الركعة الثانية ، لأنه وقتها المختار ، وهو لها نظير الاصفرار للعصر ، وكذلك في صلاتي الليل ، يعيد المغرب إلى مغيب الشفق للعشاء ، إلى نصف الليل .
قلت : ويجيء على هذا أن يعيد الصبح إلى الإسفار ، على القول أن ما بعده إلى طلوع الشمس وقت ضرورة لها . والله أعلم .
والرجل والمرأة فيما ذكرناه سواء .
أما من صلى مكشوف العورة ، وهو ذاكر قادر ، فإنَّ تَفَاريع المذهب تدل على أنه إن صلى مكشوف السوأتين ، أو إحداهما ، أعاد أبدا ، وإن صلى الرجل مكشوف الفخذ ، أو صلت الحرة مكشوفة القدم ، أو الشعر ، أو الصدر ، أعاد كل واحد منهما في الوقت خاصَّة .
وقال أصبغ : إن صلت الأمة مكشوفة الفخذ أعادت في الوقت ، ولا إعادة على الرجل .
( مسألة ) من صلى إلى غير القبلة ناسيا:
فذكر في أثناء الصلاة ، فإن كان منحرفا عنها يسيرا انفتل إلى القبلة ولم يقطع .
وإن كثر انحرافه ، فَشَرَّقَ أو غرَّب أو استدبر ، قطع ، وابتدأ – على المنصوص –
فإن لم يذكر حتى فرغ من الصلاة :
ففي كتاب ابن حبيب : قصر الإعادة على الوقت . وحكاه ابن الماجشون ، وأنكره القابسي ، وقال لا يعتدل أن يقال : يعيد في الوقت .
أما المتعمد للانحراف عن القبلة ، فإنه يعيد أبدا ، وإن انكشف أنه للقبلة ، لأنه / [11/ب] لم يقصد الصلاة إلى القبلة .
ويختلف في الجاهل في تنزيله منزلة العامة ، أو منزلة الناسي ، وعلى رأي ابن القابسي في الناسي ، يعيد الجاهل أبدا من باب أولى .
وأما من خفيت عليه القبلة ، فاجتهد فصلى إلى الجهة التي غلب على ظنه أن القبلة إليها:
فإن بقي على اجتهاده ، مضت صلاته .
وإن تغير اجتهاده ، فإن كان في أثناء الصلاة استدار ، إن كان انحرافه يسيرا ، وإلا قطع ، وإن لم يذكر حتى سلم.
فإن تغير بيقين الخطأ ، كمن صلى في أوان مكة أو المدينة ، ثم رأى الكعبة ، أو قبلة مسجد النبي (صلى الله عليه وسلم) فظاهر المشهور : قصر الإعادة في الوقت ، ويجري فيه قول باستحباب الإعادة في الوقت وبعده .
وإن تغير باجتهاد (....) كمن بعد عن البلدين ، فاجتهد ثم عاود الاجتهاد فظهر له أنه أخطأ في الاجتهاد الأول ، فهذا إنما انتقل من ظن إلى ظن ، ومن تَحَرٍّ إلى تحر ، وفي أمره بالإعادة قولان ، المشهور : يعيد .
وإذا قلنا به ، هل تتقيد الإعادة بالوقت – وهو المشهور – أو تسترسل على الوقت وبعده ، وهو الشاذ .

العويني
14-08-2003, 09:13
( مسألة ) النية الكاملة في الصلاة :
هي المحتوية على أربعة أمور :
اعتقاد القربة إلى الله تعالى .
واعتقاد الأداء .
واعتقاد الوجوب .
وتعيين الصلاة التي يريد فعلها ، من ظهر أو عصر أو غيرهما ، واستشعار / [12/أ] الإيمان في ذلك كله .
ومن شرطها :
أن تكون مقارنة لتكبيرة الإحرام.
وليس من شرطها النطق باللسان ، بل الأفضل عندنا الاقتصار فيها على عقد القلب .
إذا عرفت هذا :
فمن نسي استشعار الإيمان عند عقد النية لم يضرّه ، لتقدم اعتقاده لـه ، فهو متصف به في حال ذكره والغفلة عنه .
وكذلك لو نسي اعتقاد القربة والوجوب والأداء ، لم يضره إذا عَيَّن الصلاة ، لأن تعيين الصلاة يتضمن ذلك كله ، لتقدم علمه به .
فلو نسي تعيين الصلاة فسد إحرامه ، لأنه إذا لم يعينها ، فلم ينوِها ، فعليه استئناف الإحرام بنية يعيّن فيها الصلاة .
فلو عيّن غير الصلاة التي أراد ، مثل أن يريد الظهر، فيعين العصر ، أو بالعكس ، فإن كان ذلك جرى على لسانه ، وقلبُهُ عاقد على مقتضى إرادته ، لم يضره ، وإلا فسدت نيته ، مثل أن يريد الظهر ، فينسى ، وظن أنه العصر ، فينوي بقلبه ، فعليه أن يقطع ، متى ذكر ، بسلام ، ثم يبتدئ صلاته بنية تعينها .
فلو أراد فريضة ، فنوى نافلة ، وبالعكس:
أما الأول فيقطع بسلام ، ويبتدئ فرضه .
وأما الثاني فيحوِّل نيته إلى النافلة ، وتجزئه . والله أعلم .
ومن عَزَبَت نيته في حال الإحرام ، وقد كان استحضرها عند الأخذ في أهبة الصلاة ، لم يجزه على المشهور ، فيقطع ويبتدئ بنية مقارنة .
وقال ابن رشد : تجزئه فيما /[12/ب] قرب ، أما إن عقدها عن بعد حال الإحرام فلا تجزئه اتفاقا .
وعلى المأموم أن يزيد في نيته اعتقاد الاقتداء ، فإن سها عن ذلك ، فقال ابن شاس : إن تابع بغير نية ، بطلت .
وفي آخر هذا الفصل شيء من مسائل النية .
( مسألة ) المصلي إذا نسي تكبيرة الإحرام :
إن كان إماما أو فذا ، ولم يذكر إلا بعد السلام من الصلاة ، أعاد أبدا ، ويعيد كل من ائتم بالإمام الذي نسيها وإن كبروا .
وإن ذكر في أثناء الصلاة ، قبل أن يركع ، أو بعد الركوع ، وقد نسي التكبير للركوع ، قطع بغير سلام ، وابتدأ الإحرام ، ويكون كالداخل في الصلاة الآن .
وإن ذكر بعد الركوع ، وقد كان كبر للركوع ، فكذلك . وسواء نوى بتكبيرة الركوع الإحرام أم لا ، لكن قطعه هنا يكون بغير سلام في قول سحنون ، وبسلام في قول مالك في المجموعة .
وإن كان مأموما ، فإما أن يكون في صلاة الجمعة أو في غيرها :
فإن كان في غير صلاة الجمعة ، فلا يخلو من أحد حالتين:
الأولى : أن يذكر قبل ركعةٍ أو بعدها ، ولم يكن كبّر للركوع ، فهذا يقطع متى ذكر ، ويبتدئ الإحرام ، كالداخل في الصلاة حينئذ .
الثانية : أن يذكر بعد ركعة ، وقد كبر للركوع ، ولا يخلو من وجهين ، أحدهما : أن يكون نوى بتكبيرة الركوع الإحرامَ، فهذا تجزيه اتفاقا إن فعلها في حالة القيام .
فإن فعلها في حال الانحطاط ، فقال ابن المواز : لا تجزئه ، لأن /[13/أ] القيام لتكبيرة الإحرام من الأركان التي لا يحملها الإمام عن المأموم ، وقد أسقطه . وقيل : يجزئه ، وهو ظاهر المدونة .
وإذا قلنا لا تجزئه ، فهو بمنزلة من كبر للركوع ولم ينو الإحرام ، وهو الوجه الثاني .
وهذا إما أن يقدر على رفع رأسه من الركوع ، فيحرم ويدرك الإمام راكعا ، أوْ لا :
فإن قدر على ذلك فقولان:
أحدهما : أنه يرفع رأسه ، فيحرم ويدرك ركوع الإمام ، وهو قول مالك في كتاب محمد .
الثاني : لا يرفع ، لكن يتمادى مع الإمام ويعيد ، قاله ابن القاسم ، وهو ظاهر المدونة .
وإذا قلنا بالأول أنه يرفع ويحرم ، فهل يقطع ما تقدم بسلام أو بغير سلام ؟ يجري القولان . والسلام في هذا أولى ، وهو تأويل أبي محمد بن أبي زيد على قول مالك ، وقاله ابن ميسر .
وإن لم يقدر على ذلك فلا يخلو من ثلاث صور :
الأولى : أن يدخل مع الإمام في الركعة الأولى ، فينسى تكبيرة الإحرام ، ويكبر لركوع تلك الركعة ، فاختلاف المذهب فيه على قولين:
أحدهما : أنه يقطع ويبتدئ التكبير للإحرام ، كالداخل الآن في الصلاة .
الثاني : يتمادى مع الإمام ، مراعاة للخلاف ، ويعيد . والقولان مرويان عن مالك ، والمشهور الثاني ، بالتمادي .
الصورة الثانية : أن يدخل مع الإمام بعد ركعة فأكثر ، فينسى تكبيرة الإحرام ، ويكبر لركوع هذه الركعة ، فعلى القول الأول ، بالقطع والابتداء في الصورة الأولى ، يقطع هنا ويبتدئ من باب أولى .
وعلى القول بالتمادي هنالك يختلف هنا على قولين:
أحدهما : /[13/ب] يقطع متى ذكر ، ويكبر للإحرام ، ويكون داخلا في الصلاة حينئذ ، وليس عليه أن يقطع بسلام أو كلام ، بل بنية وإحرام ، وهو قول ابن حبيب.
الثاني : أن يتمادى ويعيد ، كما لو دخل في الأولى . رواه ابن زياد عن مالك ، لكن إعادته هنا تكون بعد قضاء ركعة إن دخل في الثانية ، وركعتين إن دخل في الثالثة ، أو ثلاثا إن دخل في الرابعة .
الثالث : أن يدخل في الأولى فينسى تكبيرة الإحرام والتكبير لركوع الركعة الأولى ، ويكبر لركوع الثانية ، ولا ينوي الإحرام ، فهذا يقطع ويبتدئ ، قاله مالك في موطئه ، وذلك لتباعد ما بين النية والتكبير . والله أعلم .
وإن كان في صلاة الجمعة ، ففي ذلك قولان :
أحدهما : أنها كسائر الصلوات ، فتجري على ما فصَّلْته ، وهو قول ابن القاسم .
الثاني : يقطع متى ذكر ، قاله مالك في كتاب ابن حبيب .
من شك هل كبر للإحرام أم لا :
فإن كان مأموما تمادى وأعاد .
وإن كان إماما فالمنصوص لسحنون : يتمادى ، فإذا سلم سألهم ، فإن أيقنوا بإحرامه رجع إلى قولهم ، وإن شكوا أعاد الجميع .
وإن كان فذا ، فإن لم يركع قطع بغير سلام وكبر للإحرام وابتدأ القراءة ، لأنه إن كان كبر فإنه لا تضره زيادة تكبيرة ، وإن لم يكن كبر فقد كبر الآن .
وإن شك بعد أن ركع فقولان ، أحدهما : يقطع ويبتدئ ، قاله ابن القاسم .
الثاني : يتمادى ويعيد ، قاله عبدالملك .
( تتميم ) :
الواجب على المأموم أن يتأخر عن الإمام بالإحرام .
فإن سبقه به ، لم يجزئه باتفاق المذهب /[14/أ] وإن ساواه فقولان ، والظاهر عدم الإجزاء .
وحيث قلنا : لا يجزئه ، فإنه يكبر للإحرام بعد تكبير الإمام .
وهل يقطع ما كان فيه بغير سلاك أو لا يقطع إلا بسلام ؟
قولان:
الأول : مذهب الكتاب .
والثاني : لسحنون .
إذا ثبت هذا ، فإن ظن أن إمامه أحرم ، فكبر ، ثم كبر الإمام بعده ، فإنه يكبر بعد تكبير الإمام ، وليس عليه أن يقطع بسلام في قول مالك ، وذلك عليه في قول سحنون .
هذا إن ذكر قبل الركوع ، أو بعد ولم يكبر للركوع .
أما إن لم يذكر حتى ركع مع الإمام ، وكبر لركوعه ، فإنه يتمادى معه ويعيد صلاته ، ذكر ابن يونس عن مالك ، وقال ابن رشد : يتمادى ويعيد قولا واحدا .

العويني
16-08-2003, 01:30
( مسألة ) من نسي قراءة أم القرآن في ركعة واحدة من صلاة رباعية ، فلا يخلو من أربع حالات:
الأولى : أن يذكر وهو في قراءة السورة ، فهذا يترك ما هو فيه من قراءة السورة ، فيقرأ الفاتحة ، ثم يبتدئ السورة ، ولا شيء عليه .
الثانية : أن يذكر بعد أن فرغ من قراءة السورة ، وقبل الركوع ، فهذا يرجع فيقرأ الفاتحة .
وفي إعادة السورة قولان ، وإذا قلنا لا يعيدها ، فهل يسجد بعد السلام ، لمخافة الرتبة ، أو لا سجود عليه ؟ قولان . وإذا قلنا يعيدها ، فهل يسجد لزيادة السورة ، أو لا يسجد ، لأنها من جنس المشروع في الصلاة ؟ قولان .
الثالثة : أن يذكر وهو راكع ، فهل يرجع إلى القيام فيقرأ ، أو لا يرجع ؟
قولان:
أحدهما : أنه يرجع ، وإن اطمأن راكعا ، فيقرأ ويسجد لسهوه بعد /[14/ب] السلام ، قاله مالك في رواية ابن القاسم ، وبه قال سحنون .
القول الثاني : لا يرجع ، قاله ابن القاسم .
والقولان مبنيان على الخلاف في عقد الركعة ، هل هو وضع اليدين على الركبتين ، فلا يرجع ، أو رفع الرأس من الركوع ، فيرجع متى ذكر قبل ذلك .
وإذا قلنا : إنه لا يرجع ، فيكون كمن ذكر بعد أن رفع رأسه من الركوع ،
وهي الحالة الرابعة ، وقد اختلف المذهب فيه على ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه يقطع ويبتدئ الصلاة بإقامة جديدة .
الثاني : يتمادى حتى يتم .
الثالث : يلغي تلك الركعة .
فإذا قلنا : يقطع ، فمتى ذكر قبل إتمام الركعة بسجدتيها قطع .
ومتى ذكر بعد إتمامها بسجدتيها أضاف إليها أخرى وسلَّم على ركعتين نافلة ، بعد أن يسجد قبل السلام.
فإن ذكر وهو في الثالثة ، لم يركع ، أو لم يركع ولم يتمها بسجدتيها ، رجع إلى الجلوس ، وسلم من اثنتين ، وجعلها نافلة ، ويسجد قبل السلام ، وإن لم يذكر حتى أتم الثالثة بسجدتيها ، أتمّ رابعة وسلم وأعاد الصلاة .
وإذا قلنا : يتمادى على صلاته ، فإنه يسجد قبل السلام . وهل تجزئه ، أو يعيد ؟ في المدونة قولان .
وإذا قلنا : يلغي تلك الركعة ( استقبل ؟) قراءتها وأتم عليها بقية صلاته ، ويسجد لسهوه ، والركعة الأولى وغيرها في ذلك سواء .
ومتى يسجد قبل السلام أو بعده ، ينظر ، فإن حصل له ركعتان بأم القرآن وسورة ، جلس عليهما ، وجهر /[15/أ] فيهما في الصلاة الجهرية ، فلا شك أن السجود بعد السلام ، لتمحض الزيادة ، وهي الركعة التي ألغى ، وإن لم يحصل له ذلك سجد قبل السلام ، لاجتماع الزيادة والنقص .
وبيان هذا : أن من نسي أم القرآن من ركعة ، وقلنا بالإلغاء ، فله عشر صور ،
الصورة الأولى: أن يذكر بعد رفع رأسه من ركعة.
فهذا يستقبل قراءتها ويلغي ما فعل ، وأتم صلاته ، ويسجد لسهوه بعد السلام ، لزيادة ما ألغاه ، ولا فرق في ذلك بين الركعة الأولى وغيرها .
الصورة الثانية : أن يذكر وهو راكع .
فهذا يرفع بغير تكبير ، فيستأنف القراءة والركعة من أولها ، ويلغي ما مرّ ، ويسجد بعد السلام ، لتجرد الزيادة بما ألغاه .
وكذلك إن ذكر وهو ساجد فيها في السجدة الأولى أو في الثانية ، فإنه يقوم دون تكبير ، ويفعل مثل ذلك في القراءة والسجود .
الصورة الثالثة : أن يسهو عن قراءتها في الركعة الأولى ، فيذكر بعد أن قام إلى الثانية ، أو بعد عقدها أو إتمامها بسجدتيها.
فهذا يلغي الأولى التي نسي فيها أم القرآن ، ويُصَيِّر الثانية أولى ، ويضيف إليها أخرى يقرأ فيها بأم القرآن وسورة ، ويجهر في موضع الجهر ، ويجلس ويتشهد ، لأنها صارت ثانيته ، ويبني على ذلك بقيَّة صلاته ، ويكون أيضا سجود هنا بعد السلام ، لتمحض الزيادة ، وهي الركعة التي ألغى .
فإن لم /[15ب] يذكر إلا وهو في الثالثة قبل القراءة لها – وهي الصورة الرابعة –
فإنه يلغي الأولى التي نسي فيها أم القرآن ، ويصير الثانية أولى ، والثالثة ثانية ، فيقرأ فيها بأم القرآن وسورة ، ويجهر إن كانت الصلاة جهرية ، ويجلس ويتشهد ويبني على ذلك تمام صلاته ، ويكون سجوده بعد السلام أيضا ، لتمحض الزيادة ، وهو الركعة الملغاة .

وكذلك إن كان سهوه عنها في الركعة الثانية ، فذكر في الثالثة كذلك ، فإنه يصير الثالثة ثانية ، ويفعل في القراءة وغيرها كما ذكرته ، وهي الصورة الخامسة .
الصورة السادسة : أن يذكر بعد عقد الثالثة وقبل أن يرفع من سجودها.
فإنه يصير الثانية أولى ، وهذه الثالثة ثانية ، فيرفع من السجود ويجلس ويتشهد ويبني على ذلك بقية صلاته ، ويكون سجوده للسهو هنا قبل السلام ، لاجتماع الزيادة ، وهي الركعة التي ألغى ، والنقص ، وهو نقص السورة مع أم القرآن في الركعة الثالثة التي صيرها ثانية ، إذ كان عليه حين جَعَلَها ثانية أن يقرأ فيها بأم القرآن وسورة ، فلم يفعل ، وإن كانت الصلاة جهرية ، فنقص مع ذلك الجهر فيها .
وكذلك إن كان سهوه في الثانية ، وذكر بعد عقد الثالثة كذلك ، فإنه يصير الثالثة ثانية ، ويفعل نحو ما ذكرنا في جميع ذلك ، وهي الصورة السابعة .
وإن لم يذكر إلا بعد القيام إلى الركعة الرابعة ، أو بعد عقدها /[16/أ] - وهي الصورة الثامنة -
فإنه يصير الثانية أولى ، والثالثة ثانية ، وكان حقه أن يجلس عليها ، فلم يفعل ، والرابعة ثالثة ، ويضيف إلى ذلك ركعة يقرأ فيها بأم القرآن وحدها سرا ، لأنها آخر صلاته ، ويكون سجوده هنا قبل السلام أيضا ، لاجتماع الزيادة بالركعة الملغاة ، والنقص ، وهو نقص السورة مع أم القرآن في الركعة الثالثة التي صيرها ثانية ، والجلوس الوسط .
الصورة التاسعة : أن يسهو عن قراءتها في الثالثة ، فيذكر في الرابعة.
فإنه يلغي الثالثة ، ويصير الرابعة ثالثة .
فإن ذكر وهو قائم فيها ، أو هو راكع ، أو بعد رفعه من الركوع:
أتمها وقام ولم يجلس ، وإن ذكر وهو ساجد ، رفع من السجود بتكبير بعد قيامه ، ولا يجلس إن كانت السجدة الثانية .
وإن ذكر وهو جالس في تشهدها قام ساعتئذ بغير تكبير ، وأتى بركعة أخرى في جميع ذلك ، وسجد بعد السلام ، لتمحض الزيادة .
الصورة العاشرة : أن يسهو عن قراءتها في الأولى أو الثانية ، فذكر في تشهد الرابعة ، أو بقرب السلام منها.
فإنه يقوم فيأتي بركعة يقرأ فيها بأم القرآن وحدها سرا ، في قول.
وبأم القرآن وسورة ، على حسب الصلاة في السر والجهر ، في قول آخر .
ويسجد قبل السلام ، على الأول ، وبعد السلام ، على الثاني ، وسببهما ، ووجه كل واحد منهما يأتي إن شاء الله .

العويني
17-08-2003, 09:55
( مسألة ) من نسي أم القرآن في ركعتين /[16/ب] من صلاة رباعية :
جرى الخلاف في القطع والتمادي والألغاء .
لكن إذا قلنا بالتمادي ، فإنه يسجد قبل السلام ويعيدها ، وليس في المذهب هنا قول منصوص بالإجزاء .
وإذا قلنا بالإلغاء ، فإنه يدخله هنا معنى آخر ، وهو أنه يصير قد زاد في الصلاة مثل نصفها سهوا ، وقد تقدم في بطلان الصلاة بذلك قولان .
( مسألة ) لو نسي أم القرآن من ركعة واحدة من صلاة ثنائية :
كالصبح والجمعة وصلاة القصر ، فهل يكون كمن نسيها في ركعة من صلاة رباعية ، نظرا إلى الركعة في نفسها ، أو كمن نسيها في ركعتين ، التفاتا إلى نسبتها من الصلاة ، وهي النصف ؟
قولان ، ظاهر المدونة أنها كركعتين ، وبه قال أصبغ وابن عبدالحكم ، وقال عبدالملك : كركعة ، ورواه هو ومطرف عن مالك .

( مسألة ) لو نسيها من ركعة من المغرب:
فحكى ابن بشير ، على ما سمعه في المذاكرات ، اختلاف المتأخرين فيها على قولين :
هل تُرَدُّ ‘لى الرباعية ؟ أو إلى الثنائية ؟.
وهما مبنيان على الخلاف في الثلاث ، هل في حيز الكثير ، أو في حيز اليسير ؟ والقولان بذلك في المذهب.
هذا كله في حق الإمام والمنفرد .
أما المأموم فلا يجب عليه قراءة عندنا ، ويُمنع من القراءة مع الإمام فيما يجهر فيه.
ويستحب له القراءة معه فيما يسر فيه ، على المشهور ، فإن تركها فلا شيء عليه ، وإن كان عامدا ، وقال ابن وهب وأشهب : يمنع في السر كما يمنع في الجهر .
( مسألة ) : من سها عن الركوع /[17/أ] في ركعة:
مثل أن يقرأ ، ثم يهوي إلى السجود من غير ركوع:
فإما أن يذكر بعد أن يرفع رأسه من ركوع الركعة التي تليها ، أو [ و ] هو راكع فيها ، أو قبل ذلك ؛ فهذه ثلاث حالات :
الأولى : أن يذكر بعد أن يرفع رأسه من الركوع.
فهذا قد فاته إصلاح الركعة التي نسي ركوعها ، وفسدت عليه ، فَلْيُلْغِها ، ويجعل هذه الركعة التي ذكر فيها بدلا منها ، ويبني عليها تمام صلاته ، ويسجد لسهوه بعد السلام ، إن كان ذلك على وجه يوجب محض الزيادة ، وقبل السلام إن كان على وجه يجمع زيادةً ونقصانا .
ولا يخفى تصور ذلك من مسألة السهو عن قراءة الفاتحة الثانية ، أن يذكر وهو راكع .
فقد اختلف فيه على الخلاف في الركوع ، هل هو عقد للركعة ، فيكون بمنزلة من ذكر بعد أن رفع رأسه من الركوع ، يلغي الركعة التي نسي ركوعها ، ويجعل هذه بدلا منها ، ويبني عليها تمام صلاته ؟ أو ليس بعقد للركعة ، فيعود إلى إصلاح الأولى؟
وإذا قلنا بهذا ، فكيف يعود ؟
يحتمل أن يقال :
لا يضيف هذا الركوع - الذي ذكر فيه – إلى الركعة الأولى ؛ لأنه إنما نوى به ركوع الثانية ، لكن يرفع رأسه بغير تكبير ، ناويا لإصلاح الأولى التي نسي ركوعها ، ثم ينحطّ للركوع ، ويعيد السجود لأجل الترتيب ، ويسجد لسهوه بعد السلام ، وهذا بناء على القول بافتقار المصلي إلى تجديد النية لكل ركن ، أو بافتقار التلفيق إلى نية تخصّه ، ولا يكفي صورة الفعل .
ويحتمل أن يقال : يضيف /[17/ب] هذا الركوع إلى الركعة الأولى ، ويلغي ما فعله من سجودها وقيام الثانية والقراءة ، فيرفع من ركوعه هذا ينوي الرفع من الركوع مضافا إلى الأولى ، ويسجد سجدتين ، ويبني على ذلك بقية صلاته ، ويسجد لسهوه بعد السلام ( ) .
الحالة الثالثة : أن يذكر قبل ذلك:
فهذا يعيد إصلاح الأولى قولا واحدا ، لكن إن ذكر وهو ساجد في الركعة التي نسي ركوعها ، فإنه يرجع إلى الركوع من السجود ، وكيف يرجع ؟ روى أشهب عن مالك أنه يرجع أنه يرجع قائما ، ثم يركع . وقيل : يرجع مُحْدَوْدِبًا حتى يطمئن راكعا ، ثم يرفع ، وتجزئه .
وإن ذكر بعد أن قام من السجود ، انْحَطَّ للركوع متى ذكر، وأعاد السجود ، ويسجد لسهوه في كل ذلك .
ولو كان سهوه عن الركوع من الأولى وتذكر في الثالثة أو الرابعة ، لجرى على ما تقدم في صورة السهو عن الفاتحة .
( مسألة ) : من سها عن الرفع من الركوع:
مثل أن ينحط من الركوع إلى السجود من غير رفع:
فإن لم يذكر حتى عقد بعد ذلك ، جرى على الخلاف في عقد الركعة ، هل هو رفع الرأس من الركوع . أو وضع اليدين على الركبتين ، مضى على صلاته حتى يتمها .
قال ابن حبيب : ويعيد .
وعلى قول مالك في العتبية : تجزئه ، ولا يعيد .
ويجري فيها قول آخر : يلغي تلك الركعة ويأتي بأخرى بدلا منها .
وسبب الخلاف ، اختلافهم في الرفع من الركوع ، هل هو سنة أو فرض ، فعلى القول أنه سنة ، تجزئه ، وعلى القول أنه فرض – وهو مقتضى المذهب إن لم يراع الخلاف- /[18/أ] يلغي تلك الركعة ، وإن راعيناه تمادى ، ومراعاة الخلاف والقول بصحتها ، وأعاد لنقص الفرض .
وإن ذكر وهو ساجد :
فقال في العتبية : تجزئه . وهذا نظرا إلى أن الرفع من الركوع سنة .
وقال في موضع آخر : يتمادى ويعيد . وفي كتاب محمد : يرجع إلى الرفع محدودبا ، ثم يرفع ، ويسجد لسهوه بعد السلام ، وإن رجع إلى القيام أعاد (...)( ).
وقال ابن حبيب : يرجع إلى القيام معتدلا ، لا كالرافع من الركوع . واستحسنه اللخمي ، قال : لأن القصد من الرفع أن ينحط منه إلى السجود .

العويني
18-08-2003, 09:38
( مسألة ) : من نسي السجود في ركعة :
فلم يذكر حتى رفع من الركعة التي تليها :
فسدت عليه الركعة التي نسي سجودها ، فيلغيها ، ويجعل هذه بدلا منها .
ومن ذكر وهو راكع :
فعلى القول أن [عقد] الركعة وضعُ اليدين على الركبتين ، ففي الركوع يكون بمنزلة من ذكر بعد الرفع منه ، وعلى القول أن عقد الركعة إنما هو الرفع من الركوع ، يرجع هذا إلى إصلاح الأولى بفعل سجودها وكيف يكون ذلك .
أما إن نسي السجدتين:
فقيل : يخر ساجدا من الركوع ، وقيل : يرفع حتى يستوي قائما ، ثم ينحط إلى السجود .
وأما إن نسي السجدة الثانية وحدها :
فقيل : يخر إليها من الركوع ، وقيل : يرجع إلى الجلوس ثم يسجد ، وإن ذكر قبل الركوع رجع إلى السجود بلا خلاف ، وكيف يرجع .
أما إن سها عن السجدتين معا:
فإنه ينحط إلى السجود من القيام .
وإن كان إنما سها عن سجدة واحدة / [18/ب] :
فقيل : يجلس ثم يسجد ، لأن السجدة الثانية إنما ينحطّ إليها من جلوس ، وقيل : ينحط إلى السجود ولا يجلس .
وسببهما الخلاف في الحركات إلى الأركان ، هل هي مقاصد، أو وسائل ؟ .
وهذا كله إنما هو في الفذ والإمام.
أما المأموم إذا سها عن ركن من ركعة ، حتى فرغ إمامه منه:
فإنه يتبعه فيه ، ويفعله بعده ، ثم يدركه ، ما لم يخف عقد الركعة التي قام إليها .
فإن خاف ذلك ، ألغى الركعة التي سها عن ركن منها ، ولم يَجبُرْها ، ثم بعد أن يتم الإمام صلاته ، قام هو بعد سلام الإمام ، فقضى ركعة مكان الركعة التي ألغى ؛ لسهوه عن ركن منها .
وهذا في الجملة .
وأما في التفصيل:
فإما أن يكون سها خلف الإمام عن الركوع ، أو عن السجود ؛ فإن سها عن الركوع ، فإما أن يذكر بعد أن عقد الإمام ركعة بعد ذلك ، أو قبل أن عقد ، فإن ذكر وقد عقد الإمام ركعة ، فسدت عليه الركعة التي سها عن ركوعها خلفه ، لفوات محل جبرها ، فيلغيها، ويدرك الإمام فيتم معه بقية صلاته ، ثم يقضي بعد سلام الإمام ما انفرد به عنه في حال سهوه .
وإن ذكر قبل عقد الإمام ركعة ، فإما أن يكون قد فعل مع الإمام ركعة تامّة بسجدتيها ، أو لا ، فإن كان بعد أن فعل مع الإمام ركعةً بسجدتيها ، مثل أن يدخل معه في الركعة الأولى ، فيفعلها معه حتى كان في الثانية ، وركع الإمام فيها سها هو عن الركوع معه ، وذكر والإمام ساجد ، فقيل : يلغي الركوع ، ويدرك الإمام في السجود /[19/أ] ثم إذا سلم الإمام قضى ركعة ، وقيل : يتبعه في الركوع ، فيفعله بعده إن طمع أن يدركه قبل رفعه من سجود تلك الركعة ، وإن لم يطمع في ذلك ألغى وأدرك الإمام في الحالة التي يكون عليها ، ويقضي بعد سلام الإمام ، وهذا مذهب الكتاب .
وعلى هذا :
إن ذكر والإمام قائم في الركعة بعدها:
ألغى وأدرك الإمام ، وقيل : يتبعه في الركوع ، فيفعله بعده ، ما لم يخف رفعه من ركوع الركعة التي بعدها .
وإن سها عن الركوع قبل أن عقد مع الإمام ركعة ، مثل أن يحرم معه في الأولى ، فلمَّا ركع الإمام سها عن الركوع معه :
فقيل : لا يتبعه في ركوعها ، بل يلغيها ، ويدرك الإمام في الحالة التي يكون فيها ، ويقضي ركعة بعد سلام الإمام ، وهو مذهب الكتاب .
وقيل : هو بمنزلة من طرأ عليه ذلك بعد ركعة .
وإن سها عن السجود فإنه يتبعه فيه ، فيفعله بعده ، إن طمع أن يدركه قبل رفعه من ركوع الركعة التي قام إليها ، وسواء طرأ عليه ذلك في الركعة الأولى ، أو فيما بعدها ، فإن لم يطمع في ذلك ، ألغى وأدرك الإمام ، فأتمَّ معه الصلاة ، ثم يقضي بعد سلام الإمام ، ولا سجود سهو عليه في ذلك كله . والله أعلم .
( مسألة ) من نسي السجود من ركعة ، وأتى بركوعها ، ونسي الركوع من التي تليها ، وأتى بسجودها ، فهل يضيف سجود الثانية إلى ركوع الأولى ، فتتم له ركعة أو لا يضيفه إليه ولا يجزئه عن سجود الأولى ؟ فيه قولان ،:
أحدهما : /[19/ب] لا يجزئه هذا السجود عن سجود الأولى، لأن نيته كانت فيه للثانية ، وهو قول ابن القاسم .
الثاني : يجزئه ، وهو مقتضى قول محمد بن مسلمة فيمن سها عن سجود الرابعة ، وأتى بسجدتين عن سهو دخل عليه في صلاته ، ثم ذكر أنه لم يسجد في الرابعة ، أن سجدتي السهو تجزئانه عن سجود الرابعة ، ذكره الشيخ أبو الحسن ، وقال : فعلى هذا يجزئه سجود الثانية عن الأولى ، بل هو في هذا أولى لأنه فرض كله ، وذلك فرض ونفل .
قلت : وهذا كلام من لم يقف على هذا القول نصًّا ، وإلا فقد ذكره نصا عن أشهب وابن الماجشون ، صاحبُ الطراز ، حكاه عنه الشهاب .
وإذا قلنا به ، يسجد بعد السلام لسهوه ، وإذا قلنا بالقول الآخر ، فإنه يرجع إلى تمام الأولى .
وكيف يرجع ؟
أما إن ذكر وهو ساجد ، أو جالس للتشهد ، أو بين السجدتين ، فإنه ينهض إلى القيام بغير تكبير ، ثم ينحطّ إلى السجود ، فإن ذكر بعد أن قام إلى ركعة أخرى ، انحط إلى السجود من قيام ، فأتمّ صلاته ، ويسجد بعد السلام في كل ذلك .
( مسألة ) : من ذكر بعد السلام أنه نسي سجدة من الرابعة ، أو ركنًا منها ، فهل يكون السلام مانعًا لـه من التلافي، أو لا يكون مانعا ؟
قولان :
مَن التفت إلى كون السلام ركنا قائما بنفسه ، جعله مانعا من التلافي ، فيأتي هذا بركعة تامة بأم القرآن وحدها ، ويلغي الرابعة التي نسي سجودها.
ومن التفت إلى كونه ركنا قصيرا ، لم يعدَّه منعا من التلافي ، فيأتي هذا بسجدة واحدة يجبر بها الرابعة ، ويتشهد ويسلم ، ويسجد لسهوه بعد السلام ، على القولين / [20/أ] .
والإتيان بالركعة أو بالسجدة - على الخلاف المذكور - لا يكون إلا بعد الرجوع إلى الصلاة بالنية والتكبير ، على خلاف في التكبير يذكر .
وشرط ذلك أن يذكر بالقرب ، وقبل الحدث ؛ أما إن لم يذكر حتى طال ، أو أحدث ، فإنه يبتدئ الصلاة . والله أعلم .
ويستوي في ذلك الإمام والمأموم والفذ ، إلا في سجود السهو ، فإن الإمامَ يحمله عن المأموم .

العويني
20-08-2003, 08:18
( مسألة ) : من ذكر في تشهد الرابعة أنه سها عن سجدة منها ، سجد وأعاد التشهد ، وسجد لسهوه بعد السلام .
وفي كتاب سحنون قال : إلا أن يطيل الجلوس .
قال ابن بشير : وظاهر هذا أن إطالة الجلوس تمنعه من التلافي ، وأن يسلم . وعلى هذا يكون من أخلّ بركن ، ثم أطال القيام في الركعة التي بعدها ، يمنعه ذلك من التلافي ، وهو خلاف أصل المذهب .
( مسألة ) : من ذكر في تشهد الرابعة أنه أخلّ بركن من الثالثة ، قام فأتى بركعة بأم القرآن وحدها ، وسجد بعد السلام للزيادة .
فلو أنه ذكر في تشهد الرابعة أنه أخلّ بركن من الأولى ، أو من الثانية ، لقام أيضا ، فأتى بركعة.
ويختلف، هل يقرأ فيها بأم القرآن وحدها ، أو بأم القرآن وسورة ؟ .
على قولين ، سببهما الخلاف في هذه الركعة ، هل تكون بناء ، فيقرأ فيها بأم القرآن وحدها ؛ لأنها آخر صلاته ، أو قضاء ، فيقرأ فيها بأم القرآن وسورة ، كما قرأ في الركعة التي هي قضاء عنها ؟
وسجوده على القول الأول قبل السلام ، لاجتماع زيادة الركعة الملغاة ، ونقص السورة /[20/ب] التي مع أم القرآن في الركعة الثالثة التي عادت ثانية ، وعلى الثاني بَعْدَه ، لتمحض الزيادة .
( مسألة ) : من ذكر في تشهد الرابعة سجدتين ، إحداهما من الرابعة والأخرى من الثالثة ، خرّ لسجدة يجبر بها الرابعة، ثم يأتي بركعة بأم القرآن وحدها ، ويسجد لسهوه بعد السلام .
( مسألة ) : من ذكر في تشهد الرابعة سجدةً لا يدري من أي ركعة هي ، فهل يأتي بسجدة ، خوفا أن تكون من الرابعة، ثم بركعة خوفا أن تكون مما قبلها ، أو يأتي بركعة خاصة ، لأنها تجزئ عن المتروك كيف تقرر ؟ قولان:
الأول لابن القاسم .
والثاني لأشهب ، وسببهما تقابُل مكروهين :
أحدهما : إبطال الركعة الأخيرة ، وهو قادر على تلافيها بالسجدة .
والمكروه الثاني : زيادةٌ مستغنىً عنها ، فكراهية إبطال الركعة مع إمكان تلافيها أشد عند ابن القاسم ، فلذلك أمر[ه أن يأتي ] بسجدة ، جبرًا لتلك الركعة ، ثم بركعة أخرى ، خوفا أن تكون السجدة من غيرها .
وكراهية الزيادة مع الاستغناء عنها بالركعة التي يأتي بها أشد عند أشهب ، فلذلك أمره أن يأتي بركعة خاصة ، لأنها تجزئ عن المتروك .
قال ابن المواز في قول أشهب : لا يعجبني ، وهو خلاف قول مالك وأصحابه أن يدع إصلاح ركعة وهو فيها يقدر على إصلاحها .
( مسألة ) : من ذكر في قيام الرابعة سجدتين ، لا يدري من أي ركعة هما ، أمن ركعتين ، فليخرّ لسجدتين يجبر بهما الثالثة ، خوفا أن يكونا منها ، ثم لا يبني إلا على ركعة احدة ، إذ لا يصح لَه غيرها ، لأن كل واحدة /[21/أ] من الأولى والثانية يحتمل أن تكون السجدتان منها ، وإصلاحها قد فات، فعلى هذا يأتي بعد رفعه من السجدتين بثلاث ركعات ، يقرأ في الأولى منها بأم القرآن وسورة ، ويجلس ويتشهّد ، لأنها قد صارت ثانية له ، ويقرأ في الأخيرتين بأم القرآن وحدها ، ولا يجلس بينهما ، لأنهما ثالثة ورابعة ، وسجود السهو يكون قبل السلام لنقص السورة من الركعة التي بنى عليها ، إذ لم يقرأ فيها إلا بأم القرآن وحدها .
وهذا كله قول ابن المواز ، وهو جار على أصل ابن القاسم المتقدم .
وكان أصبغ وأبو زيد يقولان : لا يبني إلا على ركعة ، إذ لا يصح لـه غيرها ، ولا يخر لسجدتين ، وهو جار على أصل أشهب .
( مسألة ) : من ذكر في تشهد الرابعة سجدتين ، لا يدري هل هما مجتمعتان من الرابعة ، أو من الثالثة ، أو مفترقتان منهما ؟:
فليسجد سجدتين ، لاحتمال أن يكونا مجتمعتين من الرابعة ، ثم يأتي بركعة بأم القرآن وحدها ، ويسجد لسهوه بعد السلام .
( مسألة ) : من شك في تشهد الرابعة ، هل سها عن سجدة واحدة من الأولى ، أو من الثانية ، أو عن سجدتين مجتمعتين من الأولى أو من الثانية ، أو مفترقتين منهما :
فإنه يأتي بركعتين ، يقرأ فيهما بأم القرآن وسورة ، على القول بالقضاء ، وسجوده بعد السلام وبأم القرآن وحدها ، على القول بالبناء ، وسجوده قبل السلام .
فلو شك – والمسألة بحالها – في الرابعة والثالثة ، فإنه يسجد سجدتين ، ثم يأتي بركعة بأم القرآن وحدها ، وسجوده بعد السلام . والله /[21/ب] أعلم .
( مسألة ) : من سها عن أربع سجدات من أربع ركعات ، أو عن ثمان سجدات ، وذكر في تشهد الرابعة:
أصلح الأخيرة، واحتسب بركعة واحدة ، وألغى ما سواها ، وأتمّ صلاته على الركعة التي حصلت لَه ، ويسجد قبل السلام للزيادة والنقص .
وتخرج المسألة على كثرة السهو ، هل تبطل الصلاة به - وهو المشهور - أو لا ؟ .

العويني
21-08-2003, 08:22
( مسألة ) : من تكلم في صلاته ساهيا بما ليس من الأقوال المشروعة في الصلاة :
صحت صلاته ، إلا أن يكثر جدا .
وحيث قلنا بالصحة فليسجد بعد السلام لسهوه ، إلا أن يكون مأموما ـ فلا سجود عليه ، لأن الإمام يحمل ذلك عنه.
( مسألة ) : من ترك السلام ساهيا ، ولم يذكر حتى فرغ من الصلاة ، فذكر قبل أن يفارق موضعه:
سلّم وسجد لسهوه بعد السلام ، وليس عليه أن يكبر ولا أن يتشهد ، لكن إن كان قد انحرف عن القبلة استقبلها ثم سلم.
وإن لم يذكر حتى فارق الموضع ، ولم يطل ، فاختلف المذهب ، هل يرجع بتكبير أوْ لا ؟ على قولين .
فإذا قلنا يرجع بتكبير ، فهل يكبر وهو قائم ، أو بعد أن يجلس ؟ قولان:
وإن لم يذكر حتى طال ، أو انتقضت طهارته( ) ابتدأ الصلاة .
( مسألة ) : من سها عن الإقامة فلا شيء عليه من سجود ولا غيره ، لأنها من السنن الخارجة عن الصلاة .
فلو جهل وسجد لتركها قبل السلام ففي مختصر الطليطلي : يعيد الصلاة ، فلو جعل السجود بعد السلام فلا شيء عليه ، ولا يقطع الصلاة مَن ذكرها في أثنائها ، ومَن تركها عمدًا [22/أ] فلا شيء عليه ، وليستغفر الله . وقال ابن كنانة : يعيد .
( مسألة ) : من سها عن رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام صحت صلاته ، ولا سجود عليه .
أما على القول إنه من الفضائل فظاهر ، وأما على القول أنه سنة فلأنه لم يتأكد تَأكُّدَ غيره من السنن ، فلتلحق بالفضائل .
( مسألة ) : من سها عن قراءة السورة مع أم القرآن حيث شرعت قراءتها ، سجد لسهوه قبل السلام وصحت صلاته.
فلو تركها عامدا فالمشهور تصح صلاته ويستغفر الله ، وقيل : تبطل .
وإذا قلنا بالصحة:
فقال ابن القاسم : لا سجود عليه.
وقال اشهب : يسجد قبل السلام ، كما لو تركها ساهيا ، وهو عندي أظهر .
( مسألة ) : من سها فأسرَّ فيما يجهر فيه ، فإن ذكر قبل الركوع أعاد القراءة وسجد بعد السلام ، وقيل : لا سجود عليه ، لأنه إنما زاد قرآنا ، وإن ذكر بعد الركوع مضى على صلاته وسجد قبل السلام ، إلا أن يكون شيئا يسيرا كالآية ونحوها ، فلا شيء فيه .
ومن سها فجهر فيما يسرُّ فيه ، سجد بعد السلام ، إلا أن يكون يسيرا كالآية ونحوها . والله أعلم .
( مسألة ) : من سها عن تكبيرة واحدة ، أو عن قول سمع الله لمن حمده مرة واحدة ، فلا شيء عليه ، وقيل : يسجد قبل السلام ، والقولان لمالك .
فلو سها عن تكبيرتين فأكثر ، أو عن قول ( سمع الله لمن حمده ) مرتين فأكثر ، سجد قبل السلام ، على المشهور .
( مسألة ) : من سها فجعل ( الله أكبر ) موضع ( سمع الله لمن حمده ) في الرفع من الركوع ، أو ( سمع الله لمن حمده ) [22/أ] موضع ( الله أكبر ) في الانحطاط للسجود ، وفي الثاني قبل الرفع من الركوع :
رجع فقال مثل ما عليه ، ولا شيء عليه .
وإن ذكر بعد ذلك سجد لسهوه ، قال ابن القاسم : قبل السلام ، وقال ابن عبدالحكم : بعده ، وقول ابن القاسم أظهر، لأنه بمنزلة من زاد ونقص .
وحكى القرافي عن ابن القاسم مثل قول ابن عبدالحكم ، وعلقه محاذرة الزيادة في الصلاة بالسجود قبل .
وفي ( التفريع ) : إن كان ذلك في مرة واحدة فلا شيء عليه ، وهو عندي تفسير لما تقدم لا خلافٌ ، لأن من أبدل التكبير بالتحميد ، أو التحميد بالتكبير ، فهو بمنزلة من تركه، وترْك التكبير والتحميد مرة واحدة لا سجود فيه على المشهور ، فكذلك الإبدال .
وقيل : يعود إلى التكبير بعد الرفع كما يعود إلى التحميد ، والأوّل القياس ، لأن محل التكبير قد فات بالرفع . والله أعلم.
( مسألة ) : من سها عن الجلسة الوسطى ونهض إلى القيام من سجود الركعة الثانية ، فله ثلاث حالات:
الأولى : أن يذكر قبل أن يفارق الأرض بيديه :
فهذا يرجع للجلوس فيتشهد ، ولا شيء عليه باتفاق .
والثانية : أن يذكر بعد أن يفارق الأرض بيديه وقبل أن يستوي قائما:
فقال في ( المدونة ) : يتمادى ولا يرجع .
وقال في ( الواضحة ) : يرجع ما لم يستو قائما ، واستحسنه اللخمي .
الثالثة : أن يذكر بعد أن يستوي قائما:
فإنه لا يرجع إلى الجلوس باتفاق ، لأنه قد تلبس بركن فلا يرجع منه إلى سنة ، فإن رجع فالمشهور صحةُ صلاته ، وقيل (23/أ] : تبطل .
وإذا قلنا بالصحة فإنه يسجد لسهوه .
ومتى يسجد ؟.
قيل : بعد السلام ، لزيادة القيام .
وقيل : قبل ، لأن السجود قد ترتب في ذمته باعتداله قائما ونقصه الجلسة وعَوْدِه بعد ذلك إلى الجلوس زيادة بعد تحقق النقص ، فلا ينقل السجود عن محله .

العويني
25-08-2003, 08:35
( مسألة ) : من سها عن التشهد الأول وجاء بالجلوس :
فإن استوى قائما فلا يرجع .
وقيل : لا سجود عليه .
وقيل : يسجد ، وهو المشهور ، وسجوده قبل لأنه نقص .
وإن ذكر بعد أن فارق الأرض ، ولم يستو قائما ، فقولان ، كما إذا سها عن الجلوس .
أما لو نسي التشهد الأخير وأتى من الجلوس بهذا الواجب ، فجعله مالك بمنزلة التشهد الأول ، وهو المشهور ، فعلى هذا إن لم يذكر حتى سلم ، أجزأ عنه سجود السهو ، وقيل : لا شيء عليه .
هذا إن لم يكن أتى بشيء من الذكر ، فإن أتى باليسير منه فلا شيء عليه ، لأن التشهد غير معين ، قال ابن بشير ، ولمالك في ( المبسوط ) قول آخر أنه إن لم يذكر حتى سلّم وانصرف ، إن كان قريبا رجع إلى مصلاّه وجلس وكبّر وتشهد ثم سلم ، وإن بَعُد عن مصلاه ، وهو على طهر ، جلس حيث هو وكبر ثم تشهد ، وإن لم يذكر حتى انتقض وضوءه توضأ واستأنف الصلاة في الوقت وبعده . فجعل التشهد الأخير واجبا تعاد الصلاة لـه ، وأمَرَه بالرجوع إلى مصلاه إن قرب ، ولم يجعله يجلس في مكانه الذي ذكر فيه ، وأمره بإصلاح الصلاة من الواجب وإن طال ، ما لم تنقض طهارته .
( مسألة ) : من سها فقرأ بدل التشهد [ ..............]( ) [23/ب] كان كمن تركه فإن ذكر في الجلوس الوسط قبل النهوض للقيام ، وفي الجلوس الأخير قبل السلام ، يتشهد ، ويجري القولان في السجود لزيادة القراءة ، وإن ذكر بعد ذلك جرى على ما تقدم في المسألة قبل هذا .
وكذا إن أبدل القراءة في القيام بالتشهد أو بذكر آخر غيره كان أيضا كتارك القراءة ، فإن ذكر قبل الركوع رجع إلى أصل ما عليه من القراءة ، ويجري في سجود السهو القولان في زيادة الذكر المشروع وجنسه في الصلاة ، وإن ذكر بعد ذلك ، فإن كان المعوض منه( ) السورة التي مع أم القرآن بعد أن أتى بأم القرآن ، فإنه يمضى على صلاته ويسجد قبل السلام لنقص السورة ، وإن كان لم يأت بأم القرآن جرى على ما تقدم في السهو عن قراءة أم القرآن .
( مسألة ) : من سها عن الصلاة على النبي e صحت صلاته ، ولا سجود عليه لما قدمته لك قبل هذا ، ومن تركها عامدا فقد بخس بنفسه ، وقيل إنه مسيء ، وصلاته مجزئة ، وفي المذهب قول بالإعادة .
( مسألة ) : من سها عن التسبيح في الركوع والسجود فلا شيء عليه ، أما على القول أنه فضيلة فظاهر ، وأما على القول إنه سنة فلأنه لم يتأكد تَأَكُّد غيره من السنن ، فكان في باب الفضائل أَدْخَل.
( مسألة ) : من سها عن شيء من فضائل صلاته، كالقنوت في الصبح أو غير ذلك ، فلا شيء عليه كما مرّ ، إلا أنه إن ذكر القنوت قبل الانحطاط للسجود قنت بعد الرفع من الركوع ، ولا شيء عليه( ) .
( مسألة ) : من سها [24/أ] فسلم قبل إكمال صلاته ، فلا من وجهين:
أحدهما : أن لا يقصد التحلل من الصلاة ، لكن يجري على لسانه لفظ ( السلام عليكم ) من غير قصد ، فهذا بمنزلة من تكلم في صلاته ساهيا ، يمضي على صلاته ولا يحتاج إلى تجديد إحرام يعود به إلى الصلاة ، لأنه لم يخرج منها بعدُ ، إذ لم يقصد التحلل منها ، قال القاضي أبو الوليد الباجي .
الوجه الثاني : أن يسلم قاصدا للتحلل من الصلاة ، لاعتقاده الإكمال ، ولـه صورتان:
الأولى : أن يسلم على ركعتين ، فهذا إن لم يذكر حتى طال أو أحدث ، ابتدأ الصلاة بإقامة أخرى ، وإن ذكر بالقرب وقبل الحدث ، عاد إلى صلاته ، فيبني على ما مرَّ لـه منها وأتمَّها وسجد لسهوه بعد السلام .
وهل يحتاج إلى تكبيرة إحرام في رجوعه إلى الصلاة أم لا ؟ .
لا يخلوا من ثلاث حالات :
الحالة الأولى : أن يذكر وهو جالس في موضعه ، فقال ابن القاسم : لا بد له من تكبيرة ينوي بها الرجوع إلى الصلاة . وقيل : ليس عليه ذلك ، بل النية تجزئه .
وإذا قلنا : يكبر للإحرام ، فقال علي بن عيسى الطلطلي : يكبر وهو جالس ، ثم يقوم فيكبر تكبيرة أخرى للقيام ، يريد بعد أن يستوي قائما.
الحالة الثانية : أن يذكر بعد أن قام ، وقيل : قبل أن يفارق موضعه ، فهذا لا بد لـه من تكبيرة ينوي بها الرجوع إلى الصلاة ، على خلاف فيها .
ومتى يكبر ؟
قال ابن القاسم : يكبر وهو قائم حذرا من تأخير التكبير عن وقت الذكر ، وبه قال ابن نافع ، إلا أنه قال: لا يعود إلى الجلوس [24/ب] .
قال الشيخ أبو القاسم بن شبلون : لا يكبر حتى يعود إلى الجلوس ليأتي بالتكبير على الحالة التي فارق عليها الصلاة .
الحالة الثالثة : أن يذكر بعد أن فارق موضعه ، فحكمه الإحرام ، ومحله من الجلوس أو القيام ، كحكم الذي قبله.
لكن هل على هذا أن يعود إلى موضعه ، أو يتم في الموضع الذي ذكر فيه ؟ .
أما إن كانت صلاة الجمعة وذكر خارج المسجد فلا بد من رجوعه إلى المسجد ، لأنه من شرط الجمعة ، وليكن رجوعه إلى أقرب موضع في المسجد أو رحابه التي تجوز صلاة الجمعة فيها عند ضيقه ، فإن لم يرجع وأتمّ في الموضع الذي ذكر فيه ، لم تجزه وأعاد ظهرا .
وإن كانت غير الجمعة أتم في الموضع الذي ذكر فيه ، لأن رجوعه إلى موضعه زيادة ، فيستغنى عنها .
هذا إن كان موضع الذكر موضعا تجوز فيه الصلاة ، فإن لم يكن كذلك أتم في أقرب موضع تجوز فيه . والله أعلم .
ويأتي على قول مالك في (المبسوط ) أنه إن ذكر بعد أن فارق موضعه ، وقبل أن يُحدِث ، رجع إليه إن كان قريبا .
الصورة الثانية : أن يسلم على ركعة أو ثلاث ركعات ، فهذا أيضا إن لم يقصد التحلل من الصلاة مضى عليها ولا شيء عليه ، وإن قصد التحلل معتقدا الإتمام ، فإن لم يذكر حتى طال أو أحدث ابتدأ الصلاة ، وإن ذكر بالقرب وقبل الحدث ، فهو بمنزلة من سلم على ركعتين في كل ما قرَّرناه ، إلا أنه إن ذكر بعد أن قام فلا يعود إلى الجلوس من غير خلاف منصوص .
( مسألة ) : [25/أ] إذا كان الذي سها فسلم قبل الإتمام إماما ، فسبّح به القوم ، فلم يفهم ، فقال له أحدهم : سلمت قبل الإتمام ، ونحو هذا ، فالتفت إلى القوم فقال : أحق ما يقول هذا ؟ فقالوا : نعم ، فإنه يرجع ويتم ما بقي عليه من صلاتهم ، ويسجد بعد السلام لسهوه ، وتصح صلاة جميعهم، من تكلم منهم ومن لم يتكلم ، والأصل في ذلك حديث ذي اليدين ، وقد تقدم( ) .
ولا يخلو الإمام بعد إخبارهم له أنه لم يتم من ثلاثة أوْجُه:
أحدها : أن يذكر عدم الإتمام ، فهذا يرجع إلى صلاته فيتمها بهم ولا يكلم أحدا ويسجد بعد السلام سجود السهو وتصح صلاته وصلاة المأمومين ، مّن تكلم منهم ومن لم يتكلم ، ما لم تطل المراجعة بينهم ويكثر اللغط ، وما زاد على نحو ما في قصة ذي اليدين طولٌ يمنع البناء . والله أعلم .
الوجه الثاني : أن يبقى بعد إخبارهم على يقينه في الإتمام ، فهذا لا يرجع إليهم ، بل يعمل بمقتضى يقينه ، فينصرف ويتركهم فيتمّون لأنفسهم ، ما لم يَكْثُروا كثرةً يقع بها العلم ، فإنه يرجع إليهم ، إذ قد ظهر حينئذ أن يقينه ظن وأنه أخطأ فيه .
وحكى الشيخ أبو الحسن اللخمي – رحمه الله – أن ابن القصار ذكر عن مالك في رجوع الإمام الباقي على يقينه إلى يقين مَن خلفه قولين ، قال : وقال محمد بن مسلمة : إن كثر مَن خلفه صدّقهم وأتم بهم ، وإن كانت الاثنين والثلاثة لم يصدقهم ، قال : وهذا أحسنها ، لأن الغالب في العدد الكثير [25/ب] أن السهو مع الإمام .
قال ابن بشير : وينبغي أن نحمل قولي مالك على اختلاف حالين ، فإن كثروا حتى كان خبرهم مستمرا للعلم صدّقهم ، وإلا فلا ، فيكون قول ابن مسلمة على هذا تفسيرا لا خلافا . انتهى .
والتحقيق في ذلك أن يعمل على يقين نفسه ، إلا أن يكونوا من الكثرة بحيث يثمر خبرهم العلمَ ، فإنه يرجع إليهم لكثرتهم ، أتمَّ بهم وسجد لسهوه وسجدوا معه ، وصحت صلاة الجميع كما مرّ ، وإن سلم معه بعضهم ، فمن سلم منهم ساهيا مثله رجع مع الإمام وصحت صلاته ، ومن سلم عالما بعدم الإتمام أو شاكًّا بطلت عليه ، ويلزمه أن يبتدئ الإحرام كالداخل في الصلاة الآن ، ثم إذا سلم الإمام قضى كالمسبوق ، وحيث لا يرجع إليهم اعتمادا على يقينه [.............] انصرف وأتموا . والله أعلم .
الوجه الثالث : أن يشك عند إخبارهم له ، فهذا يجب عليه الرجوع إليهم والإتمام بهم ، كما إذا تيقن عدم الإتمام ، والظانُّ ينبغي أن يرجع إليهم كالشاك . والله أعلم .
وهذا كله في الإمام .
وأما الفذّ فيسلم فيخبره غيره أنه لم يكمل ، فإن شك عند ذلك وجب عليه الإكمال ، وكذلك إذا ذكر من باب أحرى.
وأما إن بقي على يقينه فهل يرجع إلى خبر من يخبره أنه لم يكمل أوْ لا يرجع ؟ في المذهب قولان ، المشهور أنه لا يرجع ، وقال أشهب : يرجع إن أخبره عدلان ، فجعله من باب الشهادة ، ويجيء على قول محمد بن مسلمة أنه يرجع إليهم إن كثروا .

العويني
26-08-2003, 06:58
( مسألة ) : إذا [26/أ] شك المصلي ، هل أكمل صلاته أم لا ، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما : أن يكون الشك قبل السلام .
فهذا إن كان موسوسا بنى على أوَّل خاطِرَيه ، وألغى ما دون ذلك .
وإن كان سالم الخاطر بنى على اليقين ، وهو الأقل مما وقع فيه التردد ، وأتى بكمال صلاته وسجد بعد السلام ، وقيل قبل .
ولا يجوز له أن يسأل أحدا قبل السلام في قول ابن حبيب .
ويجوز له ذلك في قول ابن عبدالحكم ، وعلى الأول : إن سأل استأنف الصلاة ، ولا يجوز له أيضا أن يسلم على الشك في الإكمال ، فإن فعل وتبين عدم الإكمال ، ابتدأ الصلاة ، وإن تبين الإكمال فكذلك في قول ابن القاسم وأشهب وابن وهب ، وقال عبدالملك في ( الواضحة ) : يجزئه .
فوجه الأول أن الشاكَّ حكمه أن يبني على يقينه ويتم صلاته ، فإذا سلم على شك فقد أبطل على نفسه ، لتعمده السلام في وقت يلزمه التمادي فيه على صلاته .
ووجه الثاني أن هذا سلام لو قارنه نفيُ الإتمام لصحَّت ، فإذا قارنه شك ، ثم تبين عدم الإكمال ، وجب أن تصح ، كمن صلى بعض صلاته الفرض ، ثم شك في الوضوء فأتم الصلاة على ذلك ، ثم تبين أنه كان على وضوء ، فإن صلاته تجزئه . رواه عيسى عن ابن القاسم في ( العتبية ) .
الوجه الثاني : أن يكون الشك بعد السلام على اليقين ، فهذا مختلف فيه في المذهب:
فقيل يبني على يقينه الأول ولا يؤثر طُرُوّ الشك بعد السلام ، وقيل : يؤثر .
( مسألة ) : من طرأ عليه الشك في نفس الصلاة :
لزمه أن يتفكر على الحالة التي طرأ عليه الشك فيها ، ما لم [26/ب] يطل:
فإن تذكر عَمِلَ بحسب ذلك ، وإلا بنى على اليقين .
وحيث يتذكر هل يلزمه سجود السهو لتفكره ، أوْ لا ؟ فيه تفصيل ، بيانه :
أن أفعال الصلاة على ضربين :
ضرب في تطويله قربة ، كالقيام والركوع والسجود والجلوس للتشهد ، فهذا ليس في تطويله للتفكر سجود ، قاله ابن القاسم وأشهب . قال سحنون : مام لم يخرج الجلوس عن حده ، فيسجد .
وضربٌ لا قُربة في تطويله ، كالجلوس بين السجدتين للقيام على يديه وركبتيه ، ففي هذا خلافٌ .
قال مالك : من أطال التفكر على ذلك ، ليس عليه سجود. وقال أشهب : يسجد .
والحاصل : أن من طرأ عليه الشك ، فتفكّر ، إن لم يطوّل بتفكره ركنا قصيرا ، كالتفكر في القيام ، فلا سجود عليه ، وإن أطال ركنا قصيرا ، كالفصل بين السجدتين ، لم يسجد عند مالك ، ويسجد عند أشهب .
( مسألة ) : إذا ظن المسبوق ببعض صلاة الإمام أنّ الإمام سلم ، فقام بقضاء ما فاته ، فلا يخلو من وجهين:
الوجه الأول: أن يعلم بذلك قبل سلام الإمام ، فهذا يرجع فيجلس حتى إذا سلّم الإمامُ قام فقضى ، ولا سجود سهو عليه ، لأنه رجع إلى الإمام قبل سلامه ، فحمل ذلك عنه .
الوجه الثاني : أن يعلم بعد سلام الإمام ، ولهذا أربع حالات :
الأولى : أن يسلم الإمام عليه وقد جلس للتشهد بعد أن صلى ركعة أو أكثر ، فهذا يلغي كل ما فعل قبل سلام الإمام ، ولا يعتد بشيء منه /[27/أ] بل يقوم فيبتدئ قضاء ما فاته من الآن ، ولا سجود عليه ، لأنه قد قام للقضاء من جلوس بعد سلام الإمام كما يجب ، وزيادة ما ألغاه كانت وهو في حكم الإمام ، فيحملها عنه .
الثانية : أن يسلم الإمام عليه وهو قائم ، فهذا إن كان قرأ قبل سلام الإمام ، ألغى القراءة وابتدأ بعد سلام الإمام ، وقيل: لا سجود عليه لأنه في حكم الإمام ، وهو قول عبدالملك والمغيرة ، وقيل : يسجد لسهوه ، وهو المشهور ، واختلف في محله ، فقال في الكتاب : قبل السلام . قال ابن المواز وسحنون لنقصِهِ نهضَةَ القيام في غير حكم الإمام . وقال في المختصر الكبير : بعد السلام ، لأنه زيادة .
الثالثة : أن يسلم عليه وهو راكع ، فهذا يرفع من الركوع بعد سلام الإمام بيغر تكبير ، ويبتدئ القراءة من أولها ، ثم يتم صلاته . وقيل : لا سجود عليه ، وقيل : يسجد قبل السلام أو بعده ، على ما قدمته من الخلاف .
الرابعة : أن يسلم عليه وهو ساجد ، فهذا لا يعتد أيضا بما فعله قبل سلام الإمام ، وإنما يبتدئ قي القضاء من الآن ، فيرفع رأسه من السجود بغير تكبير ، وإما أن ينهض من السجود إلى القيام ، أو يرجع للجلوس ليقوم للقضاء منه .
فإن نهض إلى القيام من غير جلوس ، وقلنا : يسجد لسهوه ، على المشهور ، فعلى مذهب الكتاب : يكون سجوده قبل السلام ، وعلى ما في المختصر : بعد . وإن رجع إلى الجلوس ، فقام للقضاء منه ، فسجوده بعد السلام على القولين .
قال عبدالحق : لأنه زاد ما بين رفعه رأسه [27/ب] إلى حين نهوضه .

ابومحمد التجاني
26-08-2003, 11:11
الله يعطيك العافية جميل جدا ما شاء الله

العويني
27-08-2003, 05:50
جزاك الله خيرا سيدي أبا محمد .. والفضل بعد الله هو لشيخنا الحجاز الذي يحييى موات ما أكتب ويبعث في أوصاله الحياة بألوانه وتنسيقاته الجميلة .. جزاه الله عنا خير الجزاء .
======

( مسألة ) : من نسي ، فزاد سجدةً أو سجدتين أو ركوعا ، تصح صلاته ، ويسجد لسهوه بعد السلام ، أما لو أطال القيام أو الركوع أو السجود ، فلا شيء عليه من سجود ولا غيره ، ما لم يخرج الركوعُ أو السجود عن الحدّ ، فيسجد لسهوه . والله أعلم .
( مسألة ) : من سها فزاد سورةً مع أم القرآن في الركعتين الأخريين ، أو في إحداهما ، أو قرأ في الركعتين الأوليين ، أو في إحداهما ، سورتين أو ثلاثًا ، فالمشهور : لا سجود عليه ، لأن القراءة من جنس المشروع في الصلاة ، وكذلك لو فعله قصدًا لم يكن عليه شيء ، وقد كان ابن عمر t يفعل ذلك ، وكل قول زِيْدَ في الصلاة ، وهو جنس المشروع ، كالتسبيح وغيرهما من الأذكار ، فحكمه حكم القراءة ، على تفصيل في ذلك قد مرَّ بيانُه في الفصل الثالث .
( مسألة ) : من ظن أنه لم يكمل ، فقام إلى ركعة زائدة خامسة في الرباعية ، أو رابعة في الثلاثية ، أو ثالثة في الثنائية، رجع متى ذكر ، ولا يتمها ، ولا يتم الحالة التي يكون فيها ، فإذا سلم سجد بعد السلام لسهوه .
فإن لم يذكر حتى أتمها ، فإن كانت الصلاة رباعية صحت وسجد بعد السلام.
وإن كانت ثنائية فهل يكون بمنزلة من زاد ركعة في صلاة رباعية يسجد لهوه وتصح صلاته ؟ أو بمنزلة من زاد في الرباعية مثل نصفها ، فيختلف في إعادتها ؟ قولان .
فإن كانت ثلاثية ، فهل تلحق بالرباعية ، فيجزيه سجود /[28/أ] السهو ، أو بالثنائية ، فيدخل الخلاف ؟ قولان . وقد مرّ ذكر ذلك في الفصل الثالث .
( مسألة ) : لو كان الذي قام للركعة الزائدة إماما ، فسبّح به ولم يرجع ، فللمأمومين ثلاث حالات :
الأولى : أن يوقنوا بتمام صلاتهم وصلاة إمامهم ، فحكم هؤلاء أن يثبتوا جلوسا ولا يتبعوه فيها .
فمن اتبعه منهم ساهيا أو متأوِّلاً أنَّ عليه اتباعَه ، على خلاف في المتأول صحة صلاته.
ومن اتبعه منهم عامدا عالما أنه لا يجوز له اتباعه ، بطلت صلاته.
ومن حكم بصحة صلاته منهم لجلوسه أو سهوه في الاتباع ، أو تأوله ، سجد مع الإمام لسهوه .
الحالة الثانية : أن يشك في تمام صلاتهم وصلاة إمامهم ، فهؤلاء يجب عليهم اتباعه فيها ، فمن جلس منهم بعد شكه بطلت صلاته .
الحالة الثالثة : أن يوقنوا بتمام صلاتهم ويشكوا في صلاة إمامهم ، أو يوقنوا نقصانها ، فقال ابن المواز : صلاتهم تامة ولا يتبعوه ، لكن ينتظرونه جلوسا حتى يقضي ركعة ويصير لهم بمنزلة المستخلف بعد ركعة ، فإذا سلم سلموا بسلامه وسجدوا معه لسهوه .
وقال سحنون : لا تجزيهم الركعة التي أيقنوا بتمامها دونه ، ولا يحتسب جميعهم إلا بما يحتسب به الإمام . فعلى هذا يجب عليهم اتباعه في الركعة التي قام إليها ، وتبطل صلاتهم إن لم يتبعوه (............) وإن أيقنوا بتمام صلاتهم وصلاته فلا يتبعوه ، فمن جلس منهم لأو تبعه ساهيا أو متأولا ، على خلاف فيه ، صحت صلاته ، وإلا فلا /[28/ب] . وإن شكوا في صلاتهم اتبعوه ، فمن لم يتبعه بطلت صلاته ، وإن أيقنوا بتمام صلاتهم دونه فلا يتبعوه ، بل ينتظرونه فيسلمون معه ويسجدون لسهوه .
سحنون : لا يحتسبون إلا بما يحتسب به إمامهم فيتبعونه . والله أعلم .
( مسألة ) : لو أن الإمام بعد أن سلم قال : إنما قمتُ لأني أسقطت ركنا من الأول ، فمن أيقن بتمام صلاته وصلاة إمامه ، وأنه لم يسهُ ، فمن جلس منهم ولم يتبعه ، او اتبعه ساهيا أو متأولا ، صحت صلاته .
ومن اتبعه عامدا عالما أنه لا يجوز له اتباعه ، بطلت صلاته.
ومن أيقن منهم بصحة قوله أو شكّ ، فإن اتبعه ساهيا أو متأولا ، صحت صلاته .
وهل يلزم الساهي قضاء الركعة التي أخلَّ الإمامُ بها ، أو تنوب عنها الركعة التي تبع الإمام فيها ساهيا ؟
قولان: وهما كالقولين فيمن ظن أنه أكمل فرضه فأتى بركعتين نافلة ، ثم تذكر أيضا أنه إنما صلى من فرضه ركعتين ، فيُختلف في نيابة هذه النافلة عمّا وجب عليه على القولين . ومسألتنا هذه أحرى بالإجزاء ، لأنه لم يقصد النافلة .
وإذا قلنا في الساهي : يقضى ركعةً ، فالمتأوّل بذلك أولى ، لأنه إنما قام إليها وهو يعلم أنها زائدة .
وإذا قلنا في الساهي : لا يقضى ركعة ، بل تجزئه الركعة التي تبع فيها الإمام ، فيجري في المتأول قولان ، فإن اتبعه عامدا عالما أنه لا يجوز له اتباعه ، فظاهر قول ابن المواز أن صلاته تصح ، ورأى اللخمي أن الصواب أن تبطل .
وإذا قلنا : تصح ، [29/أ] فهل يقضي ركعة ، أو تنوب لـه الركعة التي تبع فيها الإمام ؟ .
قولان. ومن كان جلس ولم يتبعه ، ثم لما أخبر الإمام بما أسقط تيقن صحة قوله ، أو شك ، فظاهر قول ابن المواز : تبطل صلاته . اللخمي : والصواب أن تتم لأنه جلس متأوِّلاً . يريد: ويقضي ركعة .

العويني
28-08-2003, 08:18
( مسألة ) : لو تبعه في هذه الركعة مسبوق ، فلا يخلو من وجهين :
أحدهما : أن يتبعه فيها وهو يعلم أنها زائدة وأن الإمام لم يسقط شيئا ، فهذا تبطل صلاته ، إذ قد كان عليه أن يثبت جالسا حتى يقضي بعد سلام الإمام ولا يتبعه فيها حين علم أنها زائدة ، لأنه اتباعه فيها تعمد لزيادة في الصلاة لا تجزئه عما عليه ، لأن المسبوق لا يقضي في جماعة .
الوجه الثاني : أن لا يعلم أنها زائدة ، فهذا تصح صلاته ، لكن لا يعتد بتلك الركعة من قضائه ، وإنما يبتدئ القضاء بعد سلام الإمام ، ويسجد للسهو بعد تمام قضائه كما سجد إمامه . والله أعلم .
فلو قال الإمام : كنت أسقطت ركنا من الأولى ، فإن كان هذا تبعه فيها وهو لا يعلم أنها زائدة أجزأته ، إلا أن يُجمع كل من خلفه أنهم لم يسقطوا شيئا ، فإنها لا تجزيه ، وليأت به بعد سلام الإمام .
فإن اتبعه فيها وهو عالم بزيادتها ، فيجري فيها الخلاف فيمن تعمد زيادة في صلاته ثم انكشف لـه وجوبها عليه ، إلا أن يُجمع كل من خلف الإمام على أنهم لم يسقطوا شيئا فلا خفاء بالبطلان .
فلو كان علم زيادتها جلس ولم يتبعه فيها على ما ينبغي له من ذلك ، ثم أخبر الإمام أنه كان [29/ب] قد أسقط ركنا من الأولى.
فإن أجمع كل من خلف الإمام على خلافه أجزأت هذا صلاته إذا قضى ما كان سبقه به الإمام .
فإن أجمع الإمام وكل من خلفه على ذلك أعاد هذا صلاته ، وعلى رأي اللخمي تصح صلاته ، لأنه إنما جلس متأولاً ، لكن بعد أن يقضي ركعة . والله أعلم .
فلو علم المسبوق عند قيام الإمام إلى الركعة الزائدة أنه قام إليها عوضا عن ركعة مما سبقه به ، كان أخلّ بركن منها ، فهل يتبعه فيها وتنوب له عما سبقه به ، أو لا ؟ أجرى ابن بشير فيها قولين على الخلاف ، هل يكون الإمام فيها قاضيا ، فلا يتبعه ، أو بانيا فيتبعه ؟ .
( مسألة ) : من صلى خامسة ، ثم تبين له أنه أسقط ركنا من الرابعة :
فقيل : يعود إلى إصلاح الرابعة ولا تكن الخامسة حائلة بينه وبين إصلاحها ، لأنها زائدة ، فهي ملغاة . فعلى هذا يأتي بما نقصه من الرابعة ، ويسجد بعد السلام ، لسهوه.
وقيل : تبطل الرابعة بهذه الخامسة ، وتحول بينه وبين إصلاحها .
ثم اختلف على هذا القول ، فقيل : لا يأتي بشيء ، بل تعود الخامسةُ رابعة لأنه بنية الرابعة أتى بها ، ويسجد بعد السلام سجود السهو ، وقيل : يأتي بركعة بدل الركعة ولا يعتد بالخامسة ، وهذا القول أبعدها عندي . والله أعلم .
ولو شك في الركن الذي سقط له ، هل هو من الرابعة أو من الخامسة ، مثل أن يذكر بعد الخامسة أنه نسي سجدة لا يدري أمِنَ الرابعة أو من الخامسة :
فعلى القول الأول : يأتي بسجدة خاصة لإمكان أن تكون من الرابعة ، والخامسة ملغاة لا تحول [30/أ] بينه وبين إصلاحها وسجوده بعد السلام.
وعلى الثاني: لا يأتي بشيء ، لكن يسجد لسهوه بعد السلام، لأنه يقول : إن كانت السجدة من الخامسة ، فقد سَلِمَت الرابعةُ ، وإن كانت من الرابعة فقد سلمت الخامسة ، وهي تنوب عنها .
وعلى الثالث: يأتي بركعة ، لاحتمال أن تكون من الرابعة ، وقد بطلت ، لأن الخامسة حالت بينه وبين إصلاحها ، وهي لا تنوب عنها .
ولو شك هل أسقط سجدة أو سجدتين مجتمعتين أو مفترقتين من الراعبة أو من الخامسة :
فعلى الأول: يأتي بسجدتين ينوي بهما إتمام الرابعة ، لإمكان أن تكونا مجتمعتين منها ، والخامسة ملغاة لزيادتها ، فلا تحول بينه وبين إصلاحها .
وعلى الثاني: يأتي بسجدة ينوي بها إصلاح الخامسة ، لاحتمال أن تكونا مفترقتين ، فتكون الرابعة قد بطلت بالخامسة ، لكنها تنوب عنها وهي ناقصة سجدة ، ولا يأتي بسجدتين بحال ، لأنهما إن كانتا مجتمعتين من الرابعة فقد بطلت وسلمت الخامسة ، وهي تنوب عنها ، وإن كانتا من الخامسة فقد سلمت الرابعة.
وعلى الثالث يأتي بركعة لإمكان أن تكونا مجتمعتين من الرابعة ، وقد بطلت بالخامسة وهي لا تنوب عنها . وسجود السهو قبل السلام على كل الأحوال .

العويني
31-08-2003, 09:46
( مسألة ) : من تحقق السهو بالنقص سجد قبل السلام.
ومن تحقق السهو بالزيادة سجد بعد السلام .
ومن اجتمع له في الصلاة سهوان فالأكثر ، كفاه عن جميعه سجدتان [30/ب] ، فإن كان زيادة كلُّه جعلهما بعد السلام ، وإن كان نقصا كله جلهما قبل السلام ، فإن كان بعضه زيادة وبعضه نقصا ، غلَّب حكمَ النقص وجعلهما قبل السلام.
والحاصل :
متى انفردت الزيادة فالسجود بعد .
ومتى انفرد النقص أو اجتمع بالزيادة ، فالسجود قبل .
وقد تقدّم في الفصل السادس هذا المعنى ، وهناك ذكرتُ حكم من أخر السجود القبلي فجعله بعد السلام ، أو قدم السجود البعدي قجعله قبل السلام ، وحكم من سها عن سجدتي السهو ، وحكم الإحرام وإعادة التشهد لهما والسلام منهما ، فلينظر هنالك .
( مسألة ) : من شك هل سها في صلاته أم لا .
فإن كان بنقص سجد قبل السلام ، إن كان مما يجبره سجود السهو ، وإن كان بزيادة ، مثل أن يتحقق الإكمال ويشك في هل زاد أم لا ، سجد بعد السلام ، فلو شك في السهو وهل [ هو ] بزيادة أو بنقص ، غلَّب حكمَ النقص وعمل بحسبه . والله أعلم .
هذا كله في السالم الخاطر .
أما الموسوس فلْيَلْهَ عن الشك ويمضي في صلاته ولا سجود عليه ، وقيل : يسجد ، وأما لو تحقق السهو ، وشك هل هو بزيادة أو نقص ، فإنه يسجد قبل السلام تغليبا لحكم النقص ، كما لو تحقق اجتماعهما .
( مسألة ) : ما قررته في المسألتين قبل هذا هو حكم الإمام والفذّ ، أما المأموم ، فإن الإمام يحمل عنه سهوه في الجملة ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( الإمام ضامن )( ) .
وأما في التفصيل :
فإن كل سهو ينوب عنه السجود ، فإن المأموم إذا سها خلف الإمام (....) حمله عنه [31/أ] إمامُه ، فلا يترتب على المأموم فيه سجود ، زيادةً كان أو نقصًا أو مجموعهما .
وكل سهو لا ينوب عنه سجود السهو ، فإن المأموم إذا سها عنه لم يحمله عنه الإمام ، بل لا بد له من تلافيه ، والإتيان به على الوجوه التي قررتها في مسائل السهو عن الفرائض قبل ، لكن ما يترتب على تلافيه من سجود سهو بعد السلام ، إن كان على وجه يؤدي إلى محض الزيادة ، أو قبله إن كان على وجه يؤدي إلى اجتماع نقص وزيادة ، فإن الإمام يحمله عنه .
والقاعدة :
أن الإمام لا يحمل عن المأموم السهو عن الفرائض .
فلا يحمل عنه القيام ولا الركوع ولا السجود ولا السلام ولا الجلوس لَه ولا النية ولا الإحرام ولا استقبال القبلة ولا ستر العورة.
ويحمل عنه سهو الزيادة كله وسهو النقص كله في جميع السنن ، لكن بشرطين :
أحدهما : أن يكون المأموم قد أدرك من صلاة الإمام ركعة فأكثر ، ولا يكون مدركا للركعة إلا بإدراك ركوعها ، فإن لم يدرك من صلاة الإمام ركعة ، مثل أن يدخل مع الإمام بعد رفعه رأسه من ركوع الركعة الأخيرة فيسهو فيما بين ذلك وبين سلام الإمام ، فإن الإمام لا يحمل عنه ( .... )( ) حكم نفسه في جميع سهوه ، لأنه لم يدرك من حكم صلاة الإمام شيئا .
ولا يحمل الإمامُ السهوَ إلا فيمن أدرك حكم صلاته .
الشرط الثاني : أن يكون سهو المأموم في نفس صلاة الإمام ، فلو كان خارج صلاة الإمام ، مثل المسبوق يقوم بعد سلام الإمام لقضاء ما سبقه به فيسهو بعد سلام [31/ب] الإمام فيما يأتي به في قضائه ، للزمه سهو نفسه ووجب عليه جبرانه ولم يحمل الإمامُ عنه شيئا منه .
ولا يمتنع فيه إجراء قول آخر بأن الإمام يحمله عنه ، على القول بانسحاب حكمه عليه .
( مسألة ) : إذا سها الإمام سهوا يحمله عن المأموم ، لزم المأمومَ حكمُه ، سواء أدركه مع الإمام أو لم يدركه .
بأن يكون مسبوقا ببعض صلاة الإمام ، والسهو فيما سبقه به ، فيجب على كل من خلف الإمام من مسبوق وغيره سجودُ السهو المترتب عليه في الجملة .
وأما في التفصيل : فغير المسبوق يسجد مع الإمام ، قبلا كان أو بعدا ، فلو تركه الإمام وانصرف سجده المأمومُ . قاله في ( التفريع ) .
وظاهره التسوية بين القبلي والبعدي ، وذلك في البعدي ظاهر ، لأن الصلاة لا تبطل بتركه ، فإذا تركه الإمام فصلاته صحيحة وصلاة من خلفه صحيحة ، وهي أكمل من صلاة الإمام إذا أتوا به دونه .
وأما القبلي ، فعلى القول بأن الصلاة لا تبطل بتركه مطلقا ، أو بانقسامه إلى ما تبطل الصلاة بتركه وإلى ما لا تبطل به ، وكان مما لا تبطل الصلاة به ، فهو كالبعدي.
وأما على القول بأن الصلاة تبطل بتركه مطلقا ، أو كان مما يبطل الصلاة تركه ، على القول الآخر ، فإن أتى به بالقرب فكذلك ، وإن لم يذكر حتى طال فإن صلاته تبطل ، وهل يسري بطلانها إلى صلاة المأمومين الذين أتوا به دونه أم لا ؟ .
يحتمل أن يقال : لا يسري ، وهو الظاهر على قول ابن المواز ، ويحتمل أن يقال : يسري البطلانُ إلى صلاتهم ، وهو ظاهر قول سحنون ، والأول عندب أبين في هذا . والله أعلم .
والمسبوق إن أدرك مع /[32/أ] الإمام ركعة فأكثر كغير المسبوق في لزوم السجود لسهو الإمام ، لكن متى يسجد ؟ أمَّا ما قبل السلام فمع الإمام وأما ما بعد فبعد سلامه من قضائه .
لكن هل يقوم للقضاء بعد سلام الإمام من صلب صلاته ، أو ينتظره جالسا حتى يسلم من سجود سهوه وحينئذ يقوم ؟ .
ثلاثة أقوال :
الأول : يقوم بعد سلام الإمام من صلب صلاته ولا ينتظره ، لأنه بالسلام من الصلاة زال عنه حكمه .
والثاني : ينتظره حتى يسلم من سجود سهوه ، لأن سجود السهو من توابع صلاة الإمام ، فلا يقوم للقضاء إلا بعد سلامه منه .
القول الثالث : التخيير بين الأمرين ، إن شاء قام ، وإن شاء انتظر .
والأول عندي أولى ، لأن الجلوس زيادة في صلاة المأموم لغير فائدة إذ المخالفة( ) حاصلة قام أو جلس .
وإذا جلس عملا بالقول به ، فلا يتشهد ، وليذكر اللهَ إن شاء ، قاله في ( المدونة ) .
ولو جهل فسجد الإمامُ سجود السهو بعد السلام ، ثم قام بعدُ للقضاء ، فقال ابن القاسم : لِيُعِدْهُما بعد السلام أحبُّ إليّ . معناه بعد سلامه من قضائه ، وتصح صلاته . قال : ويعيدهما متى ما ذكر .
قلت : وإنما حكم بالصحة مراعاة لقول سفيان إن عليه أن يسجدهما مع الإمام ثم يقضي ، ولو لم يراع الخلاف لكان عليه أن يعيد صلاته ، لأنه زيادة مستغنىً عنها.
وإن لم يكن المسبوق أدرك مع الإمام ركعة ، مثل أن يحرم معه بعد أن يرفع رأسه من ركوع الرابعة ، فإنه لا يلزمه من سجود الإمام شيء ، إذ لم يدرك من صلاته ما يعتد به ، ولحديث ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة )( ) /[32/ب] أي حكمها ووقتها كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم أقل ما تدرك به الصلاة ، وأن ذلك ركعة ، فدلّ على أن من لم يدرك ركعة لم يدرك صلاةَ الإمام ، فلا يلزمه من حكم الإمام شيء ، ولهذا جاز لمن أدرك الإمام بعد رفعه من ركوع الركعة الأخيرة أن يعيد في جماعة أخرى ، وإن كان مسافرا قصّر ولم يتم ، لأنه لم يدرك حكم الإمام ، فكذلك لا يلزمه سجوده ، فإذا سجد الإمام لسهوه بعد السلام لم يسجد معه ، فإن سجد معه بطلت صلاته في العمد ، وتصح في السهو ، ويجري في الجهل القولان في تنزيله منزلة العمد والسهو ، وكذلك قبل السلام في قول ابن القاسم ، وقال سحنون : يسجد معه قبل السلام . وقال أشهب : لا يلزمه أن يسجد معه لسهوه ، ولكن يسجدهما بعد السلام احتياطا ، فإن كانتا عليه فقد قضاهما ، وإلا لم ( .... ) ( ) في صلاته خللا .

العويني
01-09-2003, 09:38
( مسألة ) : إذا سها الإمام سهوا لا يحمله عن المأموم ، كسهوه عن ركعةٍ أو سجدة.
فإن سها معه عنه ، لزمه تلافيه معه .
وإن فعله المأموم دونه ولم يسه عنه لم يلزمه سهو الإمام ، بل يعتد بما أتمه دون إمامه . حكاه اللخمي عن ابن المواز . وقال سحنون : يلزمه سهو الإمام عن ذلك فتلافاه معه ، ولا يعتد بما انفرد بإتمامه دونه .
( مسألة ) : إذا ذكر الإمامُ في تشهد الرابعة أنه سها عن سجود الأولى ، وقد كان مَن خلفه أتى به .
فعلى قول محمد بن المواز تمَّت صلاةُ مَن خلفه واعتَدُّوا بركعتهم التي أتموها دون إمامهم ، وقام هو /[33/أ] فقضى تلك الركعة ، ولا يتبعوه فيها .
وهل يتبعه فيها أحدٌ ممن فاتته تلك الركعة وتنوب له عنها أم لا ؟ .
قد تقدم القولان في ذلك وسببهما ، وعلى قول سحنون : لا تجزيهم تلك الركعة التي أتمُّوها دون الإمام ، ولا يحتسب جميعهم إلا بثلاث ركعات ، فيأتي الإمام بركعة يتبعونه فيها .
مثال آخر : إذا ذكر الإمامُ وهو قائمٌ في الثانية السجودَ من الأولى ، وقد كان أتى به مَن خلفه ، فإن الإمامَ ينحَطُّ إلى سجود الأولى لإدراكه محلَّ تلافيه . وقيل : يستحب لمن خلفه أن يعيده معه ، وهم بمنزلة من رفع من الركعة أو السجدة قبل إمامه ، فإن لم يعيدوه مع الإمام أجزأتهم ركعتهم . وقال سحنون على أصله : يجب عليهم أن يعيدوه معه . وقال ابن القاسم في ( العتبية ) : لا يسجدوا معه ، وسجودهم الأول يجزيهم .
والحاصل أن الإمام إذا سها عن فرض من فرائض صلاته لم يلزم المأمومَ سهوٌ إذا فعل ذلك دون الإمام في قول ابن المواز وابن القاسم في ( العتبية ) ، ويلزمه في قول سحنون .
وهذا فيما عدا النية والإحرام ، ولا يختلف المذهب فيما أعلم أن المأموم لا ينتفع بما فعله من ذلك إذا سها عنه إمامه ، لأنه إذا فارقه فيهما لم يدخل معه في الصلاة بعد . والله أعلم .
والضابط لهذه المسألة والتي قبلها : أن كل سهو يحمله الإمام عن المأمومين فسهو الإمام عنه سهوٌ لهم وإن هم فعلوه ، وكل سهو لا يحمله الإمام عن المأمومين فليس بسهو الإمام عنه سهو لهم إذا هم فعلوه عند ابن /[33/ب] المواز ، إلا في النية وتكبيرة الإحرام ( ) ، وهو سهو لهم عند سحنون في الجميع ، وإذا لم يكن سهو لهم فما يترتب على الإمام بسبب جبرانه من سجود سهو لزم المأمومين فعلُه معه قبلا كان أو بعدا . والله أعلم .
( مسألة ) : إذا سها المأموم فيما يأتي به من القضاء بعد سلام الإمام ، سجد لسهوه بعد السلام إن كان زيادة ، وقبله إن كان نقصا أو مجموعهما ، فإن كان علي سهو من صلاة الإمام كفاه سجدتان لجميع ذلك قبل السلام إن كان سهوه في قضائه نقصا ، وبعده إن كان زيادة ، وإن كان سجود الإمام قبل السلام وكان هذا المسبوق قد سجد معه ثم دخل عليه فيما يقضيه سهوٌ ، سجد لهذا السهو الثاني قبل السلام إن كان نقصا ، وبعده إن كان زيادة .
روى ذلك عيسى عن ابن القاسم في جامع ابن يونس ، واستحسنه اللخمي في تبصرته ، قال : لأن ذلك يعني السجود الذي أتى به مع الإمام قبل السلام كان تقربا عن السهو الأول والثاني لم يتقرب عنه بشيء .
( مسألة ) : إذا طرأ على الإمام حدث أو غيره مما يستخلف فيه ، فاستخلف مسبوقا ببعض الصلاة ، وقد كان عليه سجود السهو :
فإن أن يكون قبليا أو بعديا .
فإن كان قبليا سجد بهم هذا المستخلفُ إذا انقضت صلاة الإمام الأول ، ثم يشير إليهم أن اجلسوا ، فيقوم فيقضي ما عليه ، ثم يسلم بهم . فلو دخل عليه فيما يقضي سهوٌ فليسجد لـه وحدَه ، إن كان قبليا فقبل ، وإن كان بعديا فبعد ، وليس على المأمومين من سهوه شيء ، لأن صلاتهم قد /[34/أ] انقضت ولم يبق عليهم إلاَّ سلامُه ، فلو كان إنما سها في بقية صلاة الإمام فإنه يسجد بهم سجود الإمام الأول ويجزيه عن ذلك كله ، كان سهوه هو في ذلك زيادة أو نقصا ، أما إن كان سجود الإمام بعديا ، فإن المستخلف لا يسجد بالقوم حتى يتم صلاة نفسه ويسلم ، فإذا سلم سجد بهم ، فإن دخل عليه سهو – والمسألة بحالها في بقية صلاة الإمام أو فيما يقضي لنفسه – فليسجد بهم بعد السلام سجود الإمام الأول ، ويجمع له جميع ذلك ، زيادة كان سهوه أو نقصا .
هذا قول ابن القاسم . وقال غيره : إذا كان سهو المستخلف فيما استخلف عليه ، أو فيما يقضيه لنفسه نقصا ، سجد بهم قبل السلام ، وإلا فبعده .
اختصارها : إن كان سهو الإمام الأول نقصا ، فسها المستخلف في بقية صلاة الأول ، سجد سجود الأول . وإن سها في قضائه ، سجد سجود نفسه وحدَه ، وإن كان سهو الإمام زيادة ، فليسجد بهم بعد السلام ، زيادة كان سهوه أو نقصا ، في بقية صلاة الأول أو في قضائه .
وقيل : إن كان سهو المستخلف نقصا ، سجد قبل ، وإلا فبعد ، في بقية صلاة الأول كان أو في قضائه .

العويني
02-09-2003, 09:02
( مسألة ) : من شك في سجدتي السهو ، أو في إحداهما ، سجد ما شك فيه ، ولا سجود سهوٍ عليه ، وكذلك في كل سهو سها فيهما ، فلو ذكر أنه سها في صلاته بزيادة ، فسجد سجدة من الثنتين بعد السلام ، ثم ذكر أنه لم يَسْهُ ، فلا يسجد الأخرى ، ولا شيء /[34/ب] عليه .
ولو ظن أنه نقص من صلاته ، فسجد قبل السلام سجدة من سجدتي السهو ، ثم ذكر أنه لم ينقص شيئا ، فلا يسجد الأخرى ، وعليه سجود السهو بعد السلام ، لزيادة السجدة . وكذلك لو كان أتى بالسجدتين ثم ذكر أنه لم ينقص شيئا ، لسجد بعد السلام لزيادتهما . والله أعلم .
( مسألة ) : من سجد سجود السهو قبل السلام ، فسها فتكلم قبل أن يسلم ، سلَّمَ وسجد لسهوه بعد السلام .
ولو سجد سجود السهو بعد السلام ، فسها فتكلم قبل أن يسلم منه ، سلم ولا شيء عليه .
( مسألة ) : من سلم من اثنتين ساهيا ، وسجد بعد السلام لسهوٍ كان عليه ، ثم ذكر ، فليتم صلاتَه ويعيد سجود السهو ، فلو كان لَمَّا جلس على اثنتين ظن أنه جالس في آخر صلاته ، فسجد قبل السلام لسهو كان عليه ، ثم ذكر ، فليمضِ على صلاته ويسجد قبل السلام . والله أعلم .
( مسألة ) : من جلس على اثنتين ، فظن أنه قد أكمل وأنه قد سلم ، فقام فأتى بركعتين بنية النافلة ، ظن أنه في آخر صلاته ، فسلم ثم أتى بركعتين بنية النافلة ، ثم بعد الفراغ من النافلة ذكر ، فعند ابن القاسم لا يجزيه ما أتى به بنية النفل عن ركعتي فريضته ، ولا ينوب له عنهما في الصورتين لفساد النية . وعن ابن المواز : تجزيه ، لأن النية الحكمية متححقة ، فلا تبطل إلا برفضٍ . والقول بالبطلان أرجح ، ويتأكد في الصورة الثانية .
وإذا قلنا فيها /[35/أ] بالصحة ، سجد بعد السلام ، ولا سجود عليه في الأولى . والله أعلم .
( مسألة ) : قال في ( التفريع ) من افتتح نافلة فظن أنه قد سلم منها ، فأحرم بفريضة ، ثم ذكر في أضعاف صلاته ، قَطَعَها وابتدأ فريضته ولا قضاء عليه لنافلته ، فإن لم يذكر حتى فرغ من صلاته بطلت ، فيعيدها أبد .
( مسألة ) : ومن افتتح فريضة ثم ظن أنه قد سلم منها ، فقام إلى نافلة ، ثم ذكر أنه لم يسلم من الفريضة ، فإنه يرجع إلى الفريضة فيتمها ويسجد لسهوه بعد السلام ، إلا أن يذكر ذلك بعد طول قراءته في نافلته أو ركوعه فيها ، فإنه يمضي على نافلته حتى يتمها ، وقد بطلت فريضته وعليه قضاؤها .
( مسألة ) : من أحرم لصلاةٍ معينة ، ثم شك هل أحرم لها أو لغيرها ، كمن أحرم للظهر ثم شك ، هل أحرم لها أو للعصر ، فأتمها على ذلك ، ثم تبين له أنه كان أحرم للظهر ، أجزأته صلاته ، لأنه لم يُحْدِث نيةً لصلاة أخرى ، وليس عليه استصحاب ذكر النية لجميع صلاته .
( مسألة ) : من أحرم لصلاةٍ ، ثم ظن أنه إنما أحرم لغيرها ، فأتمَّها على ذلك ، كمن أحرم للظهر ، ثم ظن أنه في العصر ، فأتمها على ذلك ، ثم تبين لـه أنه إنما كان أحرم للظهر ، فقولان ، الإجزاء لأشهب ، ونفيه ليحيى بن عمر .
( مسألة ) : من سها فصلى خامسة ، ثم تبين لـه أنه كان أخلَّ بركن من الأولى أو من الثانية أو من الثالثة ، فهل تنوب له هذه الخامسة عن الركعة التي أخل بركنها ، أم لا ؟ .
قولان .
إذا قلنا : تنوب ، سجد لسهوه بعد السلام ، إن كانت التي أخل بركنها الثالثة /[35/ب] لتجرد الزيادة ، وقبله إن كانت الأولى أو الثانية ، لاجتماع الزيادة الركعة التي أخل بركنها ، إذ قد ألغاها ، ونقص الجلوس والتشهد في الركعة الثالثة ، إذ قد صارت له ثانية حين بطلت له الأولى أو الثانية .
وإذا قلنا : لا تنوب لَه الخامسة ، ألغاها وجاء بأخرى يقرأ فيها بأم القرآن وحدها إن كانت الركعة التي أخل بركنها الثالثة وسجد بعد السلام ، وبأم القرآن وسورة إن كانت الأولى أو الثانية ، على القول بأنه يكون قاضيا ، وبأم القرآن وحدها ، على القول بالبناء ، ويسجد بعد السلام على الأول ، وقبله على الثاني .
وقد تقدمت مسألة من صلى خامسة ساهيا ثم تبين له أنه أخل بركن من الرابعة ، وهذا الموضع أليق بها .

العويني
07-09-2003, 08:18
( مسألة ) : من صلى خامسة عمدا ، ثم تبين له وجوبها عليه ، إما بأن ينكشف له أنها كانت رابعة وأخطأ في اعتقاده خامسة ، وإما بأن يتبين له أنه أخل بركن من أحد الركعات قبلها ، ففي صحة صلاته وبطلانها قولان ، والصواب القول بالبطلان ، لفساد نيته وعَبَثِه ، ولا يعفل هذا إلا متلاعب بمراسم الشرع ، مستخف متهاون ، فلا يعتدل أن يقال في مثل هذا : تجزيه صلاته ، بل الحق أن يعيد صلاته في الوقت وبعده ، وليستغفر الله ولا يعد .
( مسألة ) : من سها فزاد في صلاته فعلا ليس من جنس المشروع فيها ، مثل أن يأكل أو يشرب أو يخيط أو يمشي ، فإن كثر وطال ، بطلت صلاته ، وإلا أجزأ فيه سجود السهو بعد السلام على تفصيل /[36/أ] وخلاف في بعض فصوله قد مرَّ في الفصل الثالث .
( مسألة ) : من نسي سجود السهو الذي بعد السلام ، سجد متى ذكر ، قال في الكتاب : ولو بعد شهر . لأن الصلاة تمَّت ، وهو قربة منفصلة عنها . قال الشهاب القرافي : وظاهر كلامه جواز ذلك عند طلوع الشمس وعند غروبها .
وقال صاحب ( النكت ) : إن كان عن نافلة ، فلا يأتي به في وقت تمتنع فيه النافلة . ذكره عن بعض الشيوخ .
قال سند : وظاهر الكتاب التسوية ، لأنه واجب مفارق للنوافل ، فإن ذكره وهو في صلاة ، تمادى علهيا ، فريضة كانت أو نافلة ، وأتى به بعد سلامه منها .
فإن نسي السجودَ القبلي ، فإن ذكره بالقرب وقبل الحدث ، سجده ، وإن لم يذكره حتى طال أو أحدث ، فإن قلنا : لا تبطل الصلاةُ بتركه مطلقا وقلنا بالتفصيل وكان مما لا تبطل الصلاة بتركه على ما قدمته لك في الفصل السادس ، كان كالبعدي .
وإن قلنا ببطلان الصلاة بتركه مطلقا ، أو قلناه بالتفصيل ، وكان مما تبطل الصلاة بتركه ، أعاد الصلاة .
وإن ذكره وهو في صلاة ، فإن كان من نافلة وهو في فريضة تمادى على فريضته ولم يقطعها لـه ، لعلوِّ قدر الفريضة على النافلة ، ولا إعادة عليه لنافلة لأنه لم يتعمد إفسادها ، وحسن أن يسجد بعد السلام من فريضته .
وإن كان من فريضة ، والذكر في فريضة أو نافلة ، فإن ذكر قبل أن يركع ، أو أطال القراءة فيها ، عاد إلى إصلاح الأولى بالسجود من غير أن يقطع ما هو فيه بسلام أو بكلام ، وإن لم يذكر حتى ركع في /[36/ب] في الثانية وأطال القراءة فيها ، فسدت عليه الأولى ، وكان كمن ذكر صلاة وهو في صلاة ، فإن كانت التي ذكر فيها نافلة ، وهو في سعة من وقت الأولى أتمَّها ، ركع أو لم يركع ، وهو قول ابن القاسم ، وإن كان في ضيق من وقت الأولى ، قطع إن لم يركع .
ويجري القولان إن ركع كذلك لصلاة خرج وقتها وهو في نافلة .
وإن كانت الصلاة التي ذكر فيها فريضة ، فإن كان مأموما تمادى وأعاد الصلاتين ، وإن كان فذًّا قطع إن لم يركع ، وشفعها إن ركع وسلم على ركعتين ، ثم يعيد الأولى ويبتدئ بعدها الثانية ، وإن كان إماما قطع وأعلمَهُم فيقطعون ، ويجري فيه قول بالاستخلاف . والله أعلم .
وإن كان السجود من نافلة فذكر في نافلة أخرى قبل أن يركع ، وأطال القراءة ، سجد ما كان عليه من سهو الأولى وتشهد وسلم وابتدأ التي كان فيها إن شاء ، وليس ذلك بلازم له ، لأنه لم يفسدها بقصده ، وإن لم يذكر حتى ركع في الثانية تمادى عليه ، واستحب له ابن القاسم إذا فرغ منها أن يسجدهما بعد فراغه .
( مسألة ) ( ) : السهو في النافلة كالسهو في الفريضة إلا في ثلاثة مواضع :
الأول : لو سها عن السورة مع أم القرآن في النافلة لم يسجد ، بخلاف الفريضة.
والفرق أن الزيادة على الفاتحة في النافلة غير محمودة ، ولو شاء الاقتصار على الفاتحة قصدا كان له ذلك . قاله مالك . بخلاف الفريضة ، لأن القراءة فيها محمودة ، ولو شاء الاقتصار على الفاتحة لم يكن لـه ذلك ، ويختلف في بطلان صلاته إن فعل .
الموضع الثاني : إن سها عن السلام في /[37/أ] النافلة سلّم إن قرب ، وإن طال فقال ابن القاسم : أحب إليَّ أن يعيد . يعني ولا يجب عليه الإعادة ، لأنه لم يتعمد إفسادها .
وقال سحنون : أحب إلي أن يسجد متى ذكر ، لأن السجود ثبت عليه بالترك ، ولا نأمره بالسلام ، لأن الطول أوجب الخروج من الصلاة .
الموضع الثالث : من قام إلى ثالثة رجع إلى الجلوس إن ذكر قبل عقدها ، وسجد بعد السلام .
وإن لم يذكر حتى عقد الثالثة أتمها أربعا على المشهور ، مراعاة لقول من أجاز التنفل بأربع . وقال ابن مسلمة : إن كان في النهار فكالمشهور ، وإن كان في ليلٍ رجع وإن عقد الثالثة ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( صلاة الليل مثنى مثنى ) ( ) .
وحيث يتمها أربعا ، فإنه يسجد للسهو .
ومتى يسجد ؟
قال مالك : بعد السلام ، التفاتا إلى أن ما زاد على ركعتين في حكم المطروح ، فتتمحض الزيادة .
وقال ابن القاسم : قبل السلام ، التفاتا إلى أنه صلى ركعتين على أصلها ونقص الجلوس على الأوليين والسلام منهما ، او السلام وحده إن كان جلس .
وقال ابن القابسي : إن لم يكن جلس سجد قبل السلام لنقصان الجلوس ، وإن كان جلس لم يكن عليه سجود ، وليس السجود لنقص السلام ، لأنه قد أتى به ، وهذا التفات إلى أنه إنما تنفل بأربع ، مراعاة للقول به وقد سلم منها ، ولا معنى للسجود عن سلام قد أتى به .
وقوله عندي أقوى وأبين .
ولو قام إلى خامسة رجع إلى الجلوس متى ذكر ، وإن كان قد عقدها أو أتمها ، ولا يتمادى إلى الست ، مراعاة للقول بجواز التنفل به /[37/ب] لضعفه .
ويختلف في محل السجود على ما تقدم ، لكن على قول ابن القابسي إن كان جلس على الركعتين ، سجد بعد السلام للزيادة بعد الرابعة .

وقد أتيتُ في هذا الفصل من مسائل السهو وفروعه بما فيه كفاية ، وتفاريعُهُ لكثرة تشعبها وانتشارها لا يُبْلَغ فيها إلى نهاية ، لأنه باب تتسع فيه الزيادة ، إذ هو غير مرتبط بعادة ، ولا جارٍ بإرادة .

العويني
08-09-2003, 06:35
( الخاتمــــــة )
وحين انتهيت من هذا التقييد إلى هذا الحد ، رأيت أن أحتمه بخاتمة بها تتم منه بفضل الله الفائدة ، وتكمل بحوله وطَوْله العائدة.
وهي تشتمل على أربعة مطالب :
الأول : فيمن ذكر صلاة نسيها .
الثاني : فيمن أقيمت عليه صلاة وهو في صلاة .
الثالث : في حكم قضاء المسبوق .
الرابع : في استخلاف الإمام للعذر .
( المطلب الأول )
من ذكر صلاةً نسيها أو تعمد تَرْكَها ثم تاب إلى الله ، فإن كثرت جدا بحيث لا يمكن فعلها دفعة واحدة ، وجب عليه الأخذ في قضائها وبَذْلِ الوسعِ في الإتيان بها في كل وقت من ليلٍ أو نهار ، وعند طلوع الشمس وعند غروبها ، ولا يجوز له الاشتغال عنها بشيء من أمور دنياه إلا قوته وما لا تقوم نفسه إلا به دون غير ذلك من فصول دنياه الزائدة ، وله راحة النفس وتجميمها متى حرجت أو شق عليها أو لحقها سآمة أو كلل ، لأن الحرج والمشقة موضوعان لقول تعالى : (( وما جعل عليكم في الدين من حرج )) وقوله تعالى : (( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر )) /[38/أ] والكلل يؤدي إلى الإخلال بما أمر به من الحضور في الصلاة والإقبال عليها بالقلب .
ولا يدع قضاءها للاشتغال عنها بغير رواتب النوافل ، وإن كانت مما يمكن قضاؤها دفعة واحدة لزمه ذلك على الفور ، فإن توانى أثِمَ لقول عليه الصلاة والسلام : ( من نسي صلاة أو رقد عنها فليصلها إذا ذكرها فذلك وقتها ) وفي طريق آخر ( فإن الله تعالى يقول : (( أقم الصلاة لذكري )) وفي طريق آخر ( .... ) كان يصليها في وقتها .
وهي على ضربين:
كثيرة ، ويسيرة .
سِتةُ صلواتٍ فما زادَ كثيرةٌ باتفاق.
وأربعُ صلوات فما دون يسيرةٌ باتفاق.
وفي إلحاق الخمس باليسير أو بالكثير قولان ، وإلحاقها باليسير مذهب الكتاب .
أما الكثير :
فإما أن يذكرها في صلاةٍ أو في غير صلاة :
فإن ذكرها وهو في صلاة تمادى ولم يقطع لها صلاتَه ، فإذا سلم منها قضى الفوائت بعدها على ترتيبها ، ولم يكن عليه إعادة التي ذكر فيها ، وإن فرغ من الفوائت في بقيةٍ من وقتها .
وإن ذكر في غير صلاة
فلا يخلو من وجهين:
أحدهما : أن يكون في وقت صلاة .
الثاني : أن يكون في غير وقت صلاة .
فإن كان في وقت صلاة بدأ بصلاة الوقت قبلها ، متسعا كان الوقت أو غير متسع ، وقضى الفوائت بعدها ، ثم لا يعيد الوقتية ، وإن فرغ من الفوائت في بقية من وقتها .
وإن كان في غير وقت صلاة ، بادر إلى قضائها في أي وقت كان ، جازت النافلةُ فيه أو لم تجز .
هذا كله معنى ما في ( المدونة ) ، وقال ابن حبيب : إن ذكر صلواتٍ كثيرةً في وقتِ صلاةٍ والوقت متسع بحيث إن بدأ بهن أدرك التي هو في وقتها ، بدأ بهن ثم صلى /[38/ب] بعدهن التي هو في وقتها ، لأنه لا يخاف فواتها بتقديم الفوائت عليها لما في وقتها من السعة .
مثال ذلك : أن يذكر عند الزوال عشر صلوات أو أكثر مما يعلم أنه إن بدأ بهن أدرك الظهر في وقتٍ يجوز تأخيرها إليه ، فليبدأ بهن الأولى في الأولى ، وكذلك روى أبو زيد عن ابن القاسم فيمن ذكر عشرَ صلوات - يريد أو أكثر - في وقت الظهر بدأ بهن ما لم يخف فوات وقت الظهر ، والوقت في ذلك ما لم تصفر الشمس . وقال سحنون : الغروب . والظاهر من قول ابن حبيب الوقت الاختياري .
وعلى هذا إن ذكر وهو في صلاة وقتية يعلم أنه إن قطعها وقضى الفوائت أدرك وقتها ، قطع وقضى الفوائت وابتدأ بعدها الوقتية ، وإن ذكر ذلك في وقت صلاة قد فرغ منها ، فقضى الفوائت وفرغ في بقيةٍ من الوقت أعاد الوقتية ، وكل ذلك خلاف ما تقدم عن ( المدونة ) .
وأما اليسيرة ،
فإما أن يذكرها في صلاة أو في غير صلاة .
فإن ذكرها في غير صلاة .
فإما أن يكون في غير وقت صلاة أو في وقت صلاة ، قبل أداء الوقتية أو بعده ، فهذه أربعة أوجه .
الأول : أن يذكرها وهو في صلاة ، فهذا لا يخلو أن تكون الصلاة التي ذكرها فيها نافلة أو فريضة ، فإن كانت نافلة قطع إن ذكر قبل عقد ركعة ، وإن لم يذكر حتى عقد ركعة أتمَّ نافلة ، وقيل يقطع .
هذا إن كانت الفريضة المذكورة فائتة ، فإن كانت وقتية ووقتُها متسع أتم نافلته ، ركع أو لم يركع ، وإن كان ضيقا قطع . والله أعلم .
وإن كانت الصلاة التي ذكر فيها فريضة فيفترق الجواب بين /[39/أ] الفذِّ والإمام والمأموم.
أما الفذ أما الفذ فإن ذكر قبل ركعة قطع وصلى المنسية ، وابتدأ بعدها الوقتية التي ذكر فيها ، وقال أشهب : يشفعها ، وإن ذكر بعد ركعة شفعها وسلم على ركعتين ثم صلى ما ذكر وابتدأ الوقتية بعد ذلك . ولم يختلف في الفريضة أنه يشفعها إن ذكر بعد ركعة كما اختلف في النافلة .
وإن ذكر بعد إتمام ركعتين سلَّم عليهما ثم صلى ما ذكر وأعاد التي كان فيها ، وإن ذكرها بعد ثلاث ركعات أتمها أربعًا ، وقال ابن القاسم : يقطع بعد ثلاث أحب إليّ ثم يصلي التي نسي ، ثم التي كان فيها ، وأما الإمام فيقطع متى ذكر ، بعد ركعة أو قبلها .
قال مالك : ويُعْلِمُ مَن خلفه فيقطعون . يعني ولا يستخلف من يُتِمّ بهم كما يستخلف في الحدث . وقال سحنون وعيسى : يستخلف كالحدث . وضعّف ابنُ يونس الفرقَ بينهما .
وأما المأموم فيتمادى مع الإمام ، ذكر قبل ركعة أو بعدها ، فإذا سلّم الإمام صلى هذا ما ذكر ، وأعاد بعدها صلاة الإمام ، وإن أدرك وقت صلاة أخرى أعادها معه .
مثال ذلك : أن يذكر وهو في العصر مع الإمام أنه نسي الصبح ، وقد كان صلى الظهرَ ، فإنه يتمادى كما مرّ ، فإذا سلم مع الإمام صلى الصبح وأعاد بعدها الظهر والعصر إن أدرك بقية من وقتها ، وأقل ذلك ما يسع فعلها في الحضر والسفر أو إحداهما وركعة من الأخرى ، فإن بقي ما يسع إحداهما أو ركعة واحدة منهما جَعَلَه للثانية ، وتسقط إعادة الأولى . والله أعلم . /[39/ب]
مثال آخر : إن ذكر وهو خلف الإمام في العشاء صلاةً منسية ، وقد كان صلى المغرب ، فإنه أيضا يتمادى مع الإمام حتى يفرغ من صلاته فيسلم معه ثم يقوم فيصلي المنسية ثم يعيد المغرب والعشاء إن أدرك بقيةً من وقتهما أو في العشاء وحدها إن لم يكن فيما بقي منه ما يدركها به ، وذلك للصلاتين خمس ركعات فأكثر في الحضر ، وأربع ركعات فأزيد في السفر ، وللصلاة الواحدة من ثلاث ركعات في الحضر وركعتين في السفر ، إلى ركعة فيهما ، وهذا متفق عليه ، واختلف في الأربع في الحضر والثلاث في السفر ، هل يدرك بهما الصلاتين أو الثانية فقط ؟ .
قال ابن حبيب : إن نسي أن يعيد التي ذكر فيها حتى خرج الوقت أعادها أبدأ ، لأنها صارت نافلة ، ووجه الأول أنه لا يعيد بعد الوقت واحدة منهما ، أن الترتيب بين الفوائت والوقتية إنما يجب في الوقت ، فإذا خرج الوقت سقط حكم الترتيب ، ومذهب ابن حبيب في المأموم يذكر الصلاةَ منسيةً وهو في صلاة خلف الإمام أنه إنما يتمادى إذا ذكر صلاة فائتة ، فأما إن ذكر صلاة وقتية ، مثل أن يذكر خلف الإمام في العصر وذكر ظهر يومه ، أو في العشاء وذكر مغرب ليلته ، فإنه يقطع على وتر كان أو شفع ، لأنه في خناق من وقت الأولى ، وتلك فرض وهذه لا تجزيه ، فمبادرة وقت الأولى أولى وهو عندي أبْيَن.
الوجه الثاني : أن يذكر المنسية في غير وقت صلاة ، فهذا /[40/أ] يقضي ما ذكر من المنسيات ، ولا يعيد شيئا مما صلاّهُ قبل ذلك ، لأنه لا يجب إعادة المفعولات للترتيب مع المنسيات إلا في الوقت ، وما خرج وقته فلا .
الوجه الثالث : أن يذكر المنسية في وقت صلاةٍ وقبل أدائها ، فهذا يبدأ بالمنسية ، وإن خرج وقت الحاضرة ولا يبدأ بالحاضرة ، فإن بدأ بها ثم قضى المنسية بعدها وفرغ من قضائها في بقية من وقت الحاضرة أعادها ، وإن لم يفرغ حتى خرج الوقت فلا يعيدها .
الوجه الرابع : أن يذكر في وقت صلاةٍ بعد أدائها ، فهذا يصلي ما نسي ، فإن بقي بعد ذلك من وقت الحاضرة شيء أعادها ، وحيث يؤمر بإعادة الحاضرة فكان قد صلاها إماما أعاد وحده دون المأمومين .

العويني
09-09-2003, 06:29
تنبيه :
ما وقع في بعض طرق الحديث الذي تقدمت الإشارة إليه من قوله عليه الصلاة والسلام : ( فليصلها كما كان يصليها في وقتها ) يرجع التشبيه فيه إلى
الترتيب .
وصفة الفعل .
وذلك يقتضي الأمر بفعل الفوائت وقت القضاء على نحو ما يجب من فعلها وقت الأداء ترتيبًا وصفةً ، والأمر للوجوب عند جماعة من علمائنا رضي الله عنهم .
فأما الترتيب :
فواجب على من ذكر صلوات فوائت أن يصليها على الترتيب الذي فاتته عليه الأولى فالأولى ، فلو (...........) الترتيب .
فلو صلى الثانية قبل الأولى فإما أن يكون ناسيا أو عامدا:
أما الناسي فله حالتان:
إحداهما : أن يصلي الثانية ناسيا للأولى ولم يذكر إلا بعد الفراغ منها ، مثل أن يذكر الظهر فيصليها وبعد السلام منها ذكر الصبح ، فهذا /[40/ب] يصلي الصبح التي ذكر ولا يعيد الظهر اتفاقا ، لأنها بالسلام منها بمنزلة صلاةٍ خرج وقتُها .
الحالة الثانية : أن يشرع في الثانية ناسيا للأولى وبعد الشروع فيها ذكر تفسد بمنزلة من ذكر صلاة في صلاة ، وهو قول ابن القاسم في ( المدونة ) ، وقيل : لا تفسد .
وأما العامد للبداية بالثانية مع ذكر الأولى فقيل : يعيد الثانية أبدا بعد الأولى حتى تحصل مُرَتَّبة معها ، لأن الوقت الذي فعلها فيه إنما وجب بالذكر للأولى ، فكأنه صلى الثانية ، إذ بدأ بها في غير وقتها ، وقيل : لا يعيدها ، لأنها بالفراغ منها بمنزلة صلاة خرج وقتها ، وهو قياس قوله في ( المدونة ) فيمن صلى صلوات ذاكرا الصلاة أنه يصليها ولا يعيد ما خرج وقته من الصلوات التي كان ذاكرا فيها لهذه الصلاة . والله أعلم .
( فرع ) : من ذكر صلاتين من جنس واحد ، كظهرين أو عصرين ، فقال ابن القصار : يسقط الترتيب فيهما ، لأنهما من جنسٍ واحد وصفة واحدة والنية لهما واحدة ، وقد اجتمعتا في وقت الذكر ، فلا فائدة لترتيب إحداهما على الأخرى ، وليس كذلك إذا اختلفتا . قال : وليس في هذا نص لمالك ، وإنما رأيته واخترته .
قلت : ومن يوجب التعرض لتعيين اليوم في النية يلزمه أن يسوي بينهما وبين المختلفتين.
وأما صفة الفعل :
فعلى من ذكر صلوات فوائت أن يقضيها على نحو ما فاتته من إتمامٍ وقصرٍ وإسرار وجهر ، فيقصر ما فاته في السفر وإن قضاه في الحضر ، ويجهر /[41/أ] في موضع الجهر وإن قضاه بالنهار ، ويسر في موضع السر وإن قضاه بالليل ، ولا يقضي الوتر مع العشاء ولا الفجر مع الصبح ، لأن النوافل لا تقضى بعد الوقت ، وقال أشهب : يقضي الفجر مع الصبح . والله أعلم .

العويني
10-09-2003, 06:57
( المطلب الثاني )
فيمن أقيمت عليه صلاة وهو في صلاة .
فلا يخلو:
إما أن يكون في نافلة أو فريضة.
والفريضة إما أن تكون هي التي أقيمت عليه أو غيرها.
فهذه ثلاثة أوجه:
الأول : أن يكون في نافلة:
فهذا إن خاف فوات الركعة الأولى مع الإمام ، قطع بسلام أو بكلام على شفعٍ كان أو على وتر ، ودخل مع الإمام اتفاقا.
وإن أمِنَ مِن فوات الركعة الأولى ، فإن أقيمت الصلاة عليه بعد ركعة من النافلة أتمَّها ، وإن أقيمت قبل ركعة أتم الركعتين بأم القرآن وحدها مخففا إن كان ممن تخف عليه الركعتان ، وإلا قطع محذرةً من تطويل المخالفة مع الإمام ، وهو مذهب ( الكتاب ) ، وقال عيسى : يتمها مطلقا محاذرة من قطع عمل شَرَعَ فيه ، والله تعالى يقول : (( ولا تبطلوا أعمالكم )) .
الوجه الثاني : أن يكون في فريضة أقيمت عليه.
فهذا إن خاف فوات ركعة من صلاة الإمام قطع على شفع أو على وتر.
وإن أمن من ذلك فإما أن تكون التي هو فيها المغرب أو غيرها.
فإن كانت المغرب فلا يخلو من خمس حالات:
الأولى : أن تقام عليه قبل عقد الركعة الأولى ، على خلافٍ في عقدها هل هو وضع اليدين على الركبتين أو الرفع من الركوع ، فهذا يقطع ويدخل مع الإمام على مذهب ( الكتاب ) ، ورأيت في تهذيب [41/ب] ابن بشير قولا آخر لابن حبيب أنه يشفعها بركعة أخرى ويسلم على ركعتين نافلةً ، ويدخل مع الإمام ما لم يخف فوات الركعة الأولى على ما قرَّرْتُه .
الحالة الثانية : أن تقام عليه بعد عقد الركعة الأولى ، ففي ( الكتاب ) أيضا : يقطع ، كالحالة الأولى ، لأن النافلة عنده لا تكون قبل المغرب ، ولابن القاسم وأشهب في ( المجموعة ) : يضيف إليها أخرى .
الحالة الثالثة : أن تقام على بعد أن أتمَّ الثانية ، ففي الكتاب : يضيف إليها ثالثة ويسلم وينصرف . ولابن القاسم وأشهب في ( المجموعة ) : يسلم عليهما ويدخل مع الإمام .
الحالة الرابعة : أن تقام عليه وهو راكع في الثالثة لم يرفع رأسه ، فعلى قوله في الكتاب يتم الثالثة ويسلم وينصرف
وذكر ابن يونس لأشهب في ( المجموعة ) : يرجع إلى الجلوس فيسلم ويدخل مع الإمام ، وهما على الخلاف في عقد الركعة .
فإن أقيمت بعد رفعه من الثالثة – وهي الحالة الخامسة – أتمها وانصرف ، وهذا بناء على أن المغرب لا تعاد في جماعة ، وهو المشهور ، وعلى قول المغيرة يتم ويعيدها مع الإمام.
وحيث أمر بالانصراف ، فليجعل يده على أنفه عند انصرافه كالراعف .
وإن كانت غير المغرب فلا يخلو من أربع حالات:
الأولى : أن تقام عليه قبل عقد الركعة على الخلاف في عقد الركعة ما هو ، فقال ابن القاسم : يقطع ويدخل مع الإمام ، وقال أشهب : يتم ركعتين.
الحالة الثانية : أن تقام عليه بعد عقد ركعة ، فهذا يشفعها ويسلم ثم يدخل مع الإمام .
الحالة الثالثة : أن تقام عليه بعد /[42/أ] القيام للثالثة وقبل عقدها ، فهذا يرجع إلى الجلوس فيسلم على ركعتين ويدخل مع الإمام.
الحالة الرابعة : أن تقام عليه بعد عقده للثالثة ، فقال ابن القاسم في ( المدونة ) يتمها أربعا ولا يصيّرها نافلة ويسلم ويدخل مع الإمام .
وكل حالة قيل فيها يشفعها ، أو يتم ، فإن ذلك ما لم يخف رَفْعَ الإمامِ رأسَه من الركعة الأولى ، فإن خاف ذلك قطع على شفع أو على وتر كما قدّمته.
الوجه الثالث : أن يكون في فريضة غير التي أقيمت عليه ، مثل أن يكون في الظهر ، فتقام عليه العصر ، ففيه قولان ، المشهور أن الإقامة تؤثر فيما هو فيه ، لكن يتمها مخففا ، فإن أدرك مع الإمام شيئا صلاّه ، وإن لم يدرك صلى لنفسه ، وإذا قلنا بالمشهور أن الإقامة تؤثر فيما هو فيه ، قال ابن القاسم : هو بمنزلة من أقيمت عليه صلاة وهو فيها فيجري على ما تقدم ، وقال مالك : إن طمع أن يفرغ من صلاته التي هو فيها ويدرك من صلاة الإمام ما يعتد به ، وأقل ذلك ركعة أتمها ودخل مع الإمام ، وإلا قطع ودخل مع الإمام ، وحيث لا يتم ما هو فيه إذا فرغ من صلاة الإمام استأنف الصلاتين على كلا القولين .
( مسألة ) : من دخل المسجد ليصلي صلاة ، فقبل الدخول فيها أقيمت عليه الصلاة التي بعدها ، مثل أن يدخل ليصلي الظهر فأقيمت عليه العصر قبل أن يدخل في الظهر فالمشهور أنه لا يخرج /[42ب] من المسجد بعد الإقامة ، لكن يدخل مع الإمام في العصر ، فإذا سلم منها صلى الظهر وأعاد بعدها العصر ، وقال ابن عبدالحكم : يخرج من المسجد .

العويني
14-09-2003, 06:29
( المطلب الثالث )
في حكم المسبوق
وفيه ثلاث مسائل: ،
( المسألة الأولى ) : كل من دخل المسجد والإمام يصلي فحكمه أن يحرم ويدخل مع الإمام على أي حالة وجده مِن قيامٍ أو قعود أو ركوع أو سجود .
ولا يقف من غير إحرام ينتظر انتقال الإمام من الحالة التي يكون فيها ، وذلك خطأ ممن فعله ، إلا في موضعين :
أحدهما أن يجده راكعا وهو لا يدري إن أحرم وركع هل يتم ركوعه قبل رفع الإمام أوْ لا ، فإن الأوْلى في هذا الموضع أن يثبت قائما من غير إحرام حتى يرفع الإمام من ركوعه ، وحينئذ يُحرِم فيدخل معه ، محاذرة من الوقوع في الشك في إدراك الركعة .
فإن أحرم في هذه الحالة وركع ، فإن تحقق أن الإمام لم يرفع حتى أتم هو ركوعه ، وحدّ ذلك أن يكبر للإحرام قائما ثم يكبر للركوع في حال الانحطاط ويمكِّن يديه من ركبتيه ويطمئن راكعا قبل رفع الإمام ، فقد أدرك الركعة وصح اعتداده بها ، وإن تحقق أن الإمام رفع قبل تمكينه يديه من ركبتيه في ركوعه ، لم يعتد بها ، لعدم إدراكها معه .
وهل يرفع إذا رفع الإمام قبل إتمامه هو لركوعه حتى ينحطّ معه إلى السجود من القيام ، أو يثبت على الحالة التي انتهى إليها حين أخذ الإمام في الرفع من الركوع /[43/أ] فلا يزيد عليها ولا يرفع منها حتى ينحط الإمام إلى السجود فينحط معه من حالته .
قال الجزيري في تدريبه : يثبت على الحالة التي انتهى إليها حتى يسجد الإمام فينحط معه من تلك الحالة إلى السجود ، فإن رفع مع الإمام بطلت صلاته ، لأنه زاد في صلاته زيادة مستغنى عنها .
رأيتُهُ في الكتاب المذكور ، ونقله عنه ابن الفخار في تقييده على ( الرسالة ) ، ومراده – والله أعلم – إذا كان عامدا ، ولم أرَ ذلك لغيره ولا اطلعت على نصٍّ في المسألة لسواه ، وفيما قاله عندي نظر ، لأن ثبوته على حالته مخالفة على الإمام ، وكون رفعه معه زيادة مستغنى عنها غير مُسَلَّم ، لأنه (..........) خلف الإمام وركع راجيا إدراكه فانكشف خلافه ، لزمته متابعته في الرفع من حيث انتهى ، وإن لم يعتد به ( ) ، كما تلزمه متابعته في السجود والجلوس وإن لم يعتد بذلك . والله أعلم .
وإن شك أن يكون الإمام رفع قبل ركوعه لم يعتدّ بتلك الركعة ، لكن يتمادى مع الإمام ولا يقضي ركعة بعد سلامه حذرا أن يكون أدرك ركوع الإمام فتكون خامسة ، ويعيد الصلاة لأنه لم يعتد بتلك الركعة لحصول الشك فيها ، ولهذا (...................) متى وجد الإمام راكعا وخاف أن يعجله أو شك ، فالأولى أن يثبت قائما حتى يرفع .
الموضع الثاني : أن يجده بعد رفعه من ركوع الركعة الأخيرة ، أو وهو جالس في تشهدها ، فإنه إن رجا إدراك جماعة أخرى لم يؤمر بالإحرام ، وكان له الخروج إلى موضع الجماعة الأخرى ، وإن لم يرج إدراك ذلك فإن كان /43/ب] في غير صلاة الصبح ، أو فيها وقد ركع للفجر ، أمِرَ استحبابا بالإحرام مع الإمام ، إذ فيه فضل وليس ذلك بلازم ، لأنه لم يدرك من صلاة الإمام ما يلزمه حكمه ، إذ لا يلزمه حكمُ الإمام بأقل من إدراك ركعة ، ولا يدركها حتى يدرك مع الإمام ركوعها على الوجه الذي قررته ، وإن كان ذلك في صلاة الصبح ولم يكن للفجر ، فهل يؤمر بلإحرام مع الإمام أو يجلس من غير إحرام حتى إذا سلم الإمام قام فركع للفجر ثم صلى الصبح ؟ قولان .
أمَرَهُ بالإحرام ابنُ القاسم ، ولم يأمره ابنُ حبيب ، وسببهما تقابل فضيلتين لا بد من فوات إحداهما ، وهما إدراك التشهد مع الإمام ، وإدراك ركعتي الفجر قبل الصبح ، وإحداهما ( ) لا بد من فواتها ، لأنه متى أحرم تحصيلا لفضيلة التشهد مع الإمام فاته ركعتا الفجر قبل الصبح ، إذ عليه أن يتمادى على إحرامه حتى يتم صلاة الصبح ، فيفوته ركعتا الفجر ، ومتى جلس من غير إحرام أدرك فضيلة ركعتي الفجر قبل الصبح ، إذ يقوم بعد سلام الإمام فيركع للفجر ثم يصلي الصبح وفاتته فضيلة التشهد مع الإمام . والله أعلم .
( المسألة الثانية ) : المسبوق يقوم للقضاء بعد سلام الإمام بتكبير إن كان جلوسه مع الإمام موضع جلوس له لو صلى وحده ، وبغير تكبير إن كان لمجرد متابعة الإمام ،
هذا هو المشهور ، وقال عبدالملك : يقوم بتكبير /44/أ] في الجميع ، وعلى المشهور لو ترك التكبير حيث أُمِرَ به ، وكبر حيث لم يؤمر به ، فلا شيء عليه ، لأن زيادة تكبيرةٍ أو نقص تكبيرة خفيف .

العويني
15-09-2003, 06:36
( المسألة الثالثة ) : اختلف المتأخرون في مقتضى المذهب في حكم المسبوق فيما يأتي به بعد سلام الإمام ، هل يكون فيه بانيا أو قاضيا ، على أربع طرق:
الطريقة الأولى : المذهب على قول واحد أن المسبوق يبني في الجلوس على أن ما أدرك أول صلاته ، وفي القراءة على أن ما أدرك آخر صلاته ، وهي طريقة أبي محمد ابن أبي زيد رحمه الله وجمهور الأشياخ ، وهو معنى قولهم : بانٍ في الأفعال ، قاضٍ في الأقوال .
الطريقة الثانية : أن المذهب على قول واحد وهو البناء ، كالطريقة الأولى ، وعلى قولين في في الأقوال.
أحدهما القضاء كالطريقة الأولى.
الثاني بناء القراءة على حكم الجلوس ، فيكون بانيا فيهما .
الطريقة الثالثة : أن المذهب على قولين مرويين عن مالك .
أحدهما هو المشهور من قوله ، أنه قاضٍ فيهما.
الثاني أنه بانٍ فيهما ، وطريقة القاضي أبي محمد في إشرافه .
الطريقة الرابعة : أن المذهب على ثلاثة أقوال .
البناء فيهما.
والقضاء فيهما.
القول الثالث البناء في الأفعال والقضاء في الأقوال ، وهي طريقة الشيخ أبي الحسن اللخمي .
وهذه الطرق الأربع تجمعها الأقوال الثلاثة التي جمعها الشيخ أبو الحسن في طريقته هذه .
وكيفية العمل بهذه الأقوال تتبين بذكر أمثلة ، وتنزيل كل قول منها على كل مثال .
مثال أول : من أدرك مع الإمام ركعتين من صلاةٍ رباعية:
قام بعد سلام الإمام فأتى بركعتين متواليتين /[44ب] لا يجلس إلا على الأخيرة منهما على الأقوال كلها ويقرأ فيهما بأم القرآن وحدها سرا ، على القول بالبناء مطلقا .
وبأم القرآن وسورة ، سرا في صلاة السر وجهرا في صلاة الجهر ، عن القولين الأخيرين .
مثال آخر : من فاته ثلاث ركعات وأدرك ركعة ،
فعلى القول بالبناء مطلقا يأتي بركعة بأم القرآن وسورة ، سرا في صلاة السر وجهرا في صلاة الجهر ، ويجلس ويتشهد ، ثم يقوم فيأتي بركعتين متواليتين لا يجلس إلا في الأخيرة منهما ، ويقرأ فيهما بأم القرآن وحدها سرا .
وعلى القول بالقضاء مطلقا يأتي بركعة يقرأ فيها بأم القرآن وسورة ، سرا في صلاة السر وجهرا في صلاة الجهر ، ثم يقوم ولا يجلس ، لأنها أولة الإمام وهو يقضيها كما فعل الإمام .
ويأتي بركعة أخرى يقرأ فيها أيضا بأم القرآن وسورة كذلك ويجلس ويتشهد لأنها ثلنية الإمام ، فيقضيها مثله ، ثم يأتي بالركعة التي بقين عليه بأم القرآن وحدها سرا ، لأنها ثالثة الإمام ، ثم يجلس ويتشهد لأنها آخر صلاته ، ومنها يسلم ، والسلام لا يكون إلا من جلوس .
وهو على القول بالبناء في الأفعال والقضاء في الأقوال يقرأ في الأولى من قضائه بأم القرآن وسورة ، على حسب قراءة الإمام في السر والجهر ، لأنه يقضي القراءة ثم يسجد ويجلس ويتشهد ، لأنه يبني في القيام والجلوس على أن ما أدرك مع الإمام هو أول صلاته ، فتكون هذه ثانية له .
وكل مصلٍّ لا بد أن يجلس على ركعتين ثم يقوم منها فيأتي بركعة أخرى يقرأ فيها أيضا بأم القرآن /[45/أ] وسورة كما قرأ الإمام ، ثم يسجد ويقوم ولا يجلس لأنها ثالثة لما قَدَّمْتُهُ لك ، ثم يقوم فيأتي بالركعة التي بقيت بأم القرآن وحدها سرا ، ثم يجلس ويسلم لأنها آخر صلاته .
ويفترق على هذا القول من القول الأول في القراءة في ثانية قضائه ، ومن الباني في الجلوس والقيام في الأولى والثانية .
مثال آخر : من أدرك ثلاث ركعات وفاته ركعة :
فعلى القول بالبناء ، يقرأ فيها بأم القرآن وحدها سرا .
وعلى القولين الأخيرين بأم القرآن وسورة سرا في الظهر والعصر ، وجهرا في العشاء ، ويجلس ويتشهد على الأقوال كلها ، لأنها آخر صلاته ، ومنها يسلم .
مثال آخر : من أدرك ركعتين من المغرب وفاته واحدة .
قرأ فيها بأم القرآن وحدها سرا ، على القول بالبناء.
وبأم القرآن وسورة جهرا على القولين الأخيرين .
ويجلس ويتشهد ويسلم على الأقوال كلها لأنها آخر صلاته ومنها يسلم .
مثال آخر : من أدرك ركعة منها وفاته ركعتان:
فعلى القول بالقضاء مطلقا ، يأتي بهما متواليتين لا يجلس إلا على الأخيرة منهما ، ويقرأ في كل واحدة منهما بأن القرآن وسورة جهرا.
وعلى القولين الأخيرين يجلس على كل واحدة منهما ، لكن يقرأ في الأولى منهما بأم القرآن وسورة جهرا ، وفي الثانية بأم القرآن وحدها سرا ، على القول بالنباء مطلقا ، ويقرأ في كل واحدة منهما بأم القرآن وسورة جهرا على القول الأخير ، لأنه يقضي قراءة الإمام ، وهو المشهور .
مثال آخر : من أدرك ركعة من صلاة /[45/ب] وفاته ركعة :
قرأ فيها بأم القرآن وسورة وجلس وتشهد وسلم على الأقوال كلها ، غير أنه يقنت فيها على القول بالبناء مطلقا ، وإن كان قد قنت في التي أُدْرِكَت مع الإمام ، ولا يقنت على القولين الأخيرين ، وإن لم يكن أدرك القنوت في ركعة الإمام .
وتلخيص ذلك على مقتضى الطريقة المشهورة عند الأصحاب :
أن مُدرِكَ ركعة من صلاةٍ رباعية يقوم بغير تكبير ، فيأتي بركعة بأم القرآن وسورة ، سرا في الظهر والعصر وجهرا في العشاء ، ويجلس للتشهد ، ثم يأتي بركعة أخرى مثلها في القراءة لا يجلس عليها ، لكن يقوم فيأتي بالركعة التي بقيت بأم القرآن وحدها سرا ويسلم منها (......) الجلوس والتشهد .
ومدرك ثلاث ركعات منها ، يقوم بغير تكبير أيضا ، فيأتي بالركعة الباقية بأم القرآن وسورة ، سرا في صلاتي النهار ، وجهرا في صلاة الليل .
ومدرك ركعتين منها ، يقوم بتكبير فيأتي بركعتين متواليتين لا يجلس إلا على الأخيرة منهما ، يقرأ فيهما بأم القرآن وسورة ، على نحو ما تقدم في السر والجهر .
ومدرك ركعتين من صلاة المغرب يقوم أيضا بتكبير ، فيأتي بالركعة الباقية بأم القرآن وسورة جهرا ، ومدرك ركعة منها يقوم بغير تكبير ، فيأتي بركعتين يجلس على كل واحدة منهما ويقرأ فيهما بأم القرآن وسورة جهرا ، فتكون صلاته جلوسا كلها .
ومدرك ركعة من صلاة الصبح يقوم بغير تكبير ، فيأتي بأم القرآن وسورة جهرا ، ولا يعيد القنوت /[46/أ] فيها ، وإن لم يدركه في ركعة الإمام ، ولو أعاده لكان خفيفا .
ولو سها مدرك ركعة من الرباعية أو من المغرب عن الجلوس عن الأولى من قضائه ، لكان كمن نسي الجلوس من اثنتين ، إلا أنه إن نسي سجود السهو حتى طال لم يكن عليه إعادة الصلاة فيما يقع بقلبي ، لدخول الخلاف فيه من غير وجه ، وكذلك إن تعمد تركه اعتمادا على مراعاة الخلاف ، ولم أر فيه نصا . والله أعلم .

العويني
16-09-2003, 08:43
( المطلب الرابع )
في استخلاف الإمام للعذر ، وينظر في حكمه ، والعذر المبيح له ، وصفة المستخلف ، وفعله بعد الاستخلاف .
أما حكمه :
فلم يختلف المذهب في جوازه ، لأنه من جنس النظر للمأمومين لما فيه من المصلحة ورفع المنازعة .
وليس ذلك بلازم لَه ، ولا أيضا على المستخلَف قبول ، بل هو بالخيار بين القبول والترك ، ولا على المأمومين اتباعه إلا أن يشاءوا ، لأنهم إنما التزموا إمامة الأول ، فإذا غلبوا على تمام الصلاة معه كانوا في حكم أنفسهم ، لكن إن لم يقبلوا استخلافه ، أو ذهب ولم يستخلف لهم ، استخلفوا لأنفسهم .
وإن أتم بهم أحدُهم فاتبعوه أجزأهم .
فإن أتموا وحدانا :
فقال ابن القاسم : لا يعجبني ، وصلاتهم تامة ، إلا في الجمعة .
وقال ابن عبدالحكم : لا تجزئهم . قال : ومن ابتدأ الصلاة بإمام فأتمها فذًّا فأتمها بإمام ، فليعد .
قال : وكذلك من لزمه أن يقضي فذا فقضى بإمام (......) كالمسبوق بركعة فلا (...............) . واستحسن اللخمي قول ابن القاسم بالصحة .
ولو قدموا إمامين فصلى كل إمام بطائفة /[46/ب] :
فقال أشهب في مدونته : صلاة جميعهم مجزئة ، وبئس ما صنعت الطائفة الثانية بتقديمها الإمام .
وعلى هذا لو صلى بعضهم بإمام وبعضهم لنفسه لصحت ، وهذا كله موافق لقول ابن القاسم في صحة صلاتهم إذا أتموا وحدانا ، وعلى قول ابن عبدالحكم : لا يصلون طائفتين ، فإن فعلوا صحت صلاة الذين استخلفوا الأول ، إلا أن يكون الثاني أحق بالإمامة ، قاله الشيخ أبو الحسن .
فلو قدم الإمام إنسانا ، فتقدم غيره واقتدى به المستخلف لصحت الصلاة على المنصوص في المذهب . قاله ابن شاس .
وأما العذر المبيح للاستخلاف فيما يطرأ على الإمام مما يمنعه :
من التمادي على الإمامة خاصة .
أو على الصلاة جملة:
فالأول كعجزه عن بعض الفروض ، مثل أن يصير إلى حالة يعجز فيها عن القيام أو الركوع أو الجلوس أو السجود ، فإنه يستخلف ويتأخر إلى الصف ، فيتم مؤتما بمستخلفه .
ومثل أن يتعذر عليه إتمام الفاتحة ، أو يعلم أنه لا يقدر على قراءتها في بقية الصلاة لسعال أو حصر ، فإنه يستخلف أيضا ويأتم بمستخلفه .
أما لو تعذّر عليه قراءة بعض السور مع أم القرآن ، فلا يكون له الاستخلاف ، لأن صلاته تصح مع ترك ما عجز عنه . قاله المازري .
ويدل على صحته حديث عبدالله بن السائب رضي الله عنه قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح بمكة ، فاستفتح قراءة المؤمنين حتى جاء إلى ذكر موسى وهارون أو إلى ذكر عيسى ، عليهم السلام ، فأخذته سعلة فركع وعبدالله بن السائب حاضر( ) ، والثاني كغلبة الحدث /[47/أ] أو تذكره ، أو الرعاف الذي يقطع لأجله يستخلف في هذه الأمور كلها ويخرج .
لكن يجوز لَه البناء في الرعاف بعد غسل الدم بشروط مذكورة في بابه . وأما في طروِّ الحدث أو تذكره فلا يبني ، لأن صلاته تبطل بمجرد طرو الحدث أو تذكره .
وشرط صحة استخلافه في طرو الحدث أو تذكره :
أن يكون في فور ذلك من غير توانٍ ، فإن توانى بعد طرو الحدث أو تذكره بطلت صلاة القوم .
وكذا إن ابتدأ بهم ذاكرا للحدث.
أو أحدث فيها مختارا غير مغلوب ، فيبتدؤن الصلاة من أولها في الصور الثلاث .
وفي استخلاف الإمام إذا ذكر صلاة منسية وأعلمهم فيقطعون ، خلاف قد مر في المطلب الأول .
وأما صفة الاستخلاف:
فأولها: أن يستخلف بالإشارة .
فإن تكلم فقال : يا فلان تقدم . أو نحو هذا ، أما حيث لا يبني ، كطرو الحدث أو تذكره ، فيصح ولا تبطل صلاة المأمومين ، لأنه بالطارئ قد خرج عن أن يكون إماما ، لبطلان صلاته .
وأما حيث يجوز لَه البناء ، كالراعف ، فتفسد صلاتُه هو .
ويختلف في صلاة القوم:
فقيل : لا يضرهم .
وقال ابن حبيب : إن استخلف الراعف بالكلام جهلا أو عمدا أفسد على نفسه وعليهم ، فإن كان ساهيا فعلى نفسه فقط . قال : وبهذا قال من لقيته من أصحاب مالك .
وثانيها أن يستخلف من يقرب موضعه ليتقدم إلى مقام الإمام ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ليليني منكم ذو الأحلام والنهى )( ) فإن استخلف مَن بَعُد أتم في مكانه ولم ينتقل إلى مكان الإمام .

العويني
24-09-2003, 06:58
وأما صفة المستخلف:
فأولها : أن /[47/ب] يكون ممن تصح إمامته .
فلو استخلف من لا تصح إمامته فقيل : يقدم المأمومون غيره ولا يتبعوه ، فإن اتبعوه وكان على صفةٍ يمتنع صحة الإمامة معها باتفاق ، كالصبي غير المميز والمجنون والسكران في حال سكره ، والأمي وفيهم قارئ ، والمحدث ذاكرا لحدثه ، والمرأة للرجال ، بطلت صلاتهم فيعيدون ، وإن كان على صفة يختلف معها في جواز إمامته ، جرى الجواب في صحة صلاتهم وبطلانها على الخلاف في جواز إمامته ، كالفاسق بجوارحه فيما لا يتعلق بالصلاة ، والعبد والمسافر في الجمعة .
وثانيها : أن يكون ممن انسحب عليه حكم الإمام قبل طروّ العذر ، فلا يستخلف من أحرم بعد طرو العذر ، فإن فعل بطلت صلاة المأمومين ، لأنهم بمنزلة من أحرم قبل إمامه .
أما المستخلف فإن استخلفه على ركعتين صحت صلاته ، وإن استخلفه على ركعة أو ثلاث ركعات فبنى على فعل الإمام ، بطلت صلاته ، لأنه جلس في غير موضع جلوس له .
وقال ابن حبيب : إن استخلفه في الركعة الأولى صحت صلاته ، وإن استخلفه بعد ركعة فأكثر فعمل على بناء صلاة الأول بطلت صلاته.
ثالثها : أن لا يكون ممن فاته الركوع معه من الكرعة التي طرأ فيها العذر.
فلو رفع رأسه من الركوع فأحرم معه إنسان ، ثم طرأ عليه العذر فاستخلف المحرم معه بعد الركوع ، أمر هذا المستخلف باستخلاف غيره واستخلفوا هم غيره.
فإن لم يفعلوا وأتموا هم به :
فقيل : تبطل صلاتهم ، لأنه لما لم يكن سجود تلك الركعة مما يعتد به أشبه صلاة مفترض خلف متنفل.
وقيل : تجزئهم ، لأن فعل المستخلف لذلك واجب عليه لوجوب متابعة الإمام فيه لو لم يحدث . ووجه آخر أنهم /[48/أ] لا بد لهم من الإتيان بذلك السجود ، استخلف عليهم أو لم يستخلف ، فسجودهم معه كسجودهم أفذاذا ، فوجب أن تجزئهم .
وفي هذا عندي نظر ، والوجه الأول أبين . والله أعلم .
رابعها : إذا كان مسافرا وخلفه مقيمون ومسافرون ، فليستخلف مسافرا ، لأن صلاة المقيم خلف المسافر أخف من صلاة المسافر خلف المقيم.
فلو استخلف مقيما أمر أن لا يقبل ، فإن قبل جهلا ، فإذا أتم صلاة الإمام قام ولم يقم المسافرون معه ، لكن قيل يسلمون ، وقيل يتمون لأنفسهم ، وقيل يقدمون مسافرا منهم يسلم بهم ، وقيل يثبتون حتى يتم ما بقي من صلاته فيسلمون بسلامه .
وأما فعل المستخلف فإنه بعد الاستخلاف:
يقوم مقام الإمام في حكمه و(...........) فإن كان قريبا من موقف الإمام انتقل إليه ، وإلا أتم في موضعه.
ويشرع في إتمام صلاة الإمام من حيث انتهى .
فإن استخلفه قبل القراءة ابتدأ القراءة ، وإن استخلفه في أثناء القراءة قرأ من موضع انتهى الإمام الأول إن كانت الصلاة جهرا ، وإن كانت صلاة سر فليبدأ بأم القرآن حذرا أن يكون الأول قد نسيها أو لم يتمها ، إلا أن يكون سمع حيث انتهى الأول فليقرأ من هنالك كالجهر.
وإن استخلفه بعد القراءة ركع بهم ، وإن استخلفه وهو راكع رفع المستخلف وأجزأهم الركعة .
وحق الإمام إذا طرأ عليه العذر وهو راكع أن يرفع رأسه بغير تكبير فيستخلف من يرفع بهم .
وقيل : يستخلف قبل أن يرفع ، لئلا يرفعوا برفعه.
فإن رفع رأسه قبل الاستخلاف فاتبعوه في الرفع :
فأجرى الشيخ أبو الطاهر /[48/ب] ذلك على الخلاف في الحركة من الأركان هل هي مقصودة فتبطل أو غير مقصودة فلا تبطل ؟ .
ورأى بعض المتأخرين أنهم كالرافعين قبل إمامهم فيرجعون إلى الركوع مع الثاني .
وإن استخلفه في السجود رفع المستخلف بهم ، أو في الجلوس بين السجدتين سجد بهم السجدة الثانية ، أو في جلوس التشهد الأول أتمه بهم وقام ، أو في جلوس التشهد الأخير أتمه بهم وسلم .
ولو أن الإمام طرأ عليه الحدث في التشهد الأخير فتمادى حتى سلم ، لكان عليه الإعادة باتفاق المذهب ، وأما هم فإن لم نراع الخلاف في حقهم أعادوا ، وإن راعيناه لدخوله من غير وجه لم يعيدوا ، وهو قول ابن القاسم .
ولو استخلف من فاته ركعة:
أتم بهم صلاة الأول بانيا عليها في الجلوس والقيام والقراءة.
وقيل : لا يبني في القراءة .
وقيل : إن استخلفه لا يبني ، وإن تقدم بنفسه بنى ، ولا أعلم لهذا القول وجهًا.
ووجه الأول أنه بالإحرام معه وجب عليه اتباعه قبل الاستخلاف ، فكيف بعده ، ووجه الثاني الاحتياط للقراءة .
ثم إذا أتم الأول قام لقضاء ما سُبِق به ويثبت القوم جلوسا حتى يفرغ من قضائه ويسلم بهم ، وانتظارهم لفراغه من القضتء أخف من الخروج من إمامته ، هذا مذهب الكتاب في الجواهر .
وقيل : يستخلف من يسلم بهم ، لأن السلام بقية صلاة الأول ولا ينبغي لـه أن يقضي قبل فراغ الصلاة وخروج القوم عن الاقتداء به إلى الاقتداء بمن أقامه مقامه أخف من انتظاره .
ولو كان معه مسبوقولن معه مثله فمن /[49أ] الأصحاب سحنون من يقول إذا قام يقضي قام كل واحد يقضي لنفسه ثم يسلمون بسلامه ، فإن ائتموا به أبطوا على أنفسهم وصلاة المستخلف تامة ، ومنهم من يقول : يقوم المستخلف وحده يقضي ، وإذا سلم قاموا للقضاء بعد سلامه .

العويني
30-12-2003, 06:20
أخوتي الأكارم ، بعد طول زمن انتهيت أخيرا من طباعة الكتاب ، وقد بقيت طويلا لم أحرك فيه ساكنا لانشغالي بأمور أخرى ، فأرجو المعذرة منكم على هذا التقصير ، هذا بالإضافة إلى أن الكتاب ما زال أمامه الكثير من التصجيجات لأنني كنت أطبعه على عجل ولا تتوفر لدي فرصة للتحقق من النص المكتوب ، فجزى الله خيرا من وجد خطأ فأعانني على تصويبه ، والحمد لله أولا وآخرا ، وإليكم تتمة خاتمة الكتاب :

====

مسائل :
الأولى :من صلى وحده ركعةً ثم أحرم معه رجل في الثانية ثم أحدث الأول ، فإن هذا يبني على صلاة الأول ، فيجلس على الأولى من صلاته لأنها ثانية الأول ، ويقوم من الثانية لأنها ثالثة الأول ، ويجلس على الثالثة لأنها رابعة الأول ، ومنها يقوم لقضاء ما فاته .
ولو دخل معه في الثانية من صلاة الصبح ثم أحدث الإمام ، لقام هذا وصلى ركعة ثم جلس للتشهد ثم يقوم لقضاء الأولى ، فيفعل في ذلك على حسب فعله لو كان الإمام باقيا . نصَّ على هذه اللخمي ، وعلى الأولى صاحب الطراز ، نقلها عنه الشهاب القرافي ، وهما متوافقان .
المسألة الثانية : لو استخلف مسبوقا فلم يعلم كم صلى الأول ومن خلفه يعلم أشار إليهم فيجيبونه بالإشارة ، فإن لم يفهم ومضى في صلاته سبحوا له حتى يفهم ، فإن لم يجد بدا من الكلام تكلم ، وقال سحنون : ينبغي أن يقدم غيره ممن يعلم ما صلى الإمام ، فإن تمادى فإنه إذا صلى ركعة فليتزحزح للقيام ، فإن سبحوا له جلس وتشهد ، ثم يتزحزح للقيام فإن لم يسبحوا له قام وبنى على أنها ثالثة ، وإن سبحوا به عرف أنها رابعة ، فيشير إليهم بالجلوس ثم يقوم فيقضي على ما تقدم .
المسألة الثالثة : لو أزال الإمام عذره ثم رجع فحكمه أن يدخل خلف مستخلفه /[49أ] كالمسبوق ، فلا يخرج المستخلف ، فلو أخرجه وأتم الصلاة بهم فقال يحيى بن عمر : تبطل ، لأنه انعزل بالاستخلاف ثم صار مستخلفا من غير عذر .
وما في حديث أبي بكر رضي الله عنه، من تأخيره حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم ، وتَقَدُّم النبي صلى الله عليه وسلم ، فَخَاصّ به ، لا يجوز لأحد بعده ، وقال ابن القاسم في العتبية : تصح .
قال الشيخ أبو الحسن : وقول ابن القاسم أحسن ، لأن لنا أن نقتدي بأفعاله عليه الصلاة والسلام ما لم يأت نسخ ، ووجه من جهة المعنى أن المستخلف وكيل الإمام ، فإذا عاد انعزل الوكيل .
وإذا قلنا بقول ابن القاسم فإن الإمام إذا أتم بهم صلاتهم أشار إليهم وقام فقضى لنفسه ثم يسلم ويسلمون .
المسألة الرابعة : لو رجع الإمام فقال للمسبوق المستخلف : كنتُ أسقطتُ ركنا من الأول ، أو من الثانية ، فأما المستخلف فيتم صلاة الإمام بالركعة التي أخلَّ بركنها ، وهل يكون فيها بانيا فيقرأ بأم القرآن وحدها ، أو قاضيا فيقرأ بأم القرآن وسورة ؟ قولان . ثم يقوم لقضاء ما سُبق به .
وأما المأمومون فمن تحقق منهم كمالَ صلاته وصلاة إمامه لم يلزمهم اتباعه فيما قال الإمام الأول ، ومن شك أو تحقق صحة ما قال لزمه اتباعه ، ومن تحقق سلامة صلاته دون صلاة إمامه فقولان قد تقدما في مسائل السهو .
ويسجد المستخلف سجود السهو قبل السلام على القول بالبناء لنقصانه السورة والجلسة من الركعة الثالثة التي صارت ثانية لبطلان الأولى والثانية ، وبعد السلام على القول الآخر ، ويسجد معه المقتدون ، لكن إذا عمل على البناء وسجد قبل السلام /[50/أ] فهل يكون سجوده آخر صلاة الإمام ، أو آخر قضائه ؟ قولان بناهما ابن شاس على الخلاف في تغليب حكم الإمام أو النظر إلى حصول الإمامة له .
المسألة الخامسة : لو كان الإمام فيما أخبر به من إسقاط الركن شاكا ، فقال سحنون : يأتي المستخلف بالركعة ويقرأ فيها بالفاتحة وسورة لاحتمال الصحة ، فتكون هذه الركعة قضاء ، وكذلك يقرأ في الثانية التي يأتي بها عن قضائه ويتشهد في الأولى لاحتمال أن تكون بناء ورابعة الأول ، وأما المأمومون فيتبعونه فيها إن شكوا ويسجدون قبل السلام .
المسألة السادسة : لو لم يخبره بإسقاط الركن حتى فرغ ، فصلاة المستخلف تامّة ، لأنه صلى بالناس ركعتين وقضى ركعتين ، ولكن يسجد قبل السلام ، لأنه قام في موضع الجلوس ، أعني الأول من الركعتين اللتين استخلف عليهما ، لأنها قد صارت ثانية للإمام الأول حين أخلَّ بركن من أحد الأوليين وترك فيها السورة مع أم القرآن ، ويسجد معه القوم ، ثم إن شكوا أتوا بركعة بالحمد وحدها ثم سجدوا للسهو بعد سلامهم خوفا أن لا يكون بقي عليهم شيء ، فتكون هذه الركعة زائدة ، وإن أيقنوا بصحة قول الإمام فيما أخل لم يسجدوا للسهو بعد ركعتهم هذه ، وإن أيقنوا أنه لم يبق عليهم ولا على الإمام شيء سلموا بسلام المستخلف ، ولو أيقنوا بتمام صلاتهم دونه فالقولان . والله أعلم .
وهذا الباب باب واسع ، ومدٌّ شاسع ، وفيما أشرت من ذلك إليه دليل على ما يرد منه فيحمل عليه ، ومن الله تعالى أسأل /[50/ب] أن يجعل ما حاولته من ذلك خالصا لذاته ، ومقربا من مرضاته ، ورحم الله امرأً وجد فيه خللا فأصلحه ، أو مشكلا فشرحه ، أو مبهما فبيَّنه وأوضحه ، وترفع في النقد عن سفساف الأخلاق ، وجرّد من الإنصاف على شاكلة طيب الأعراق ، والتمس لمعترف بالقصور والتقصير وجوها جمة من المعاذير ، وغفر الله لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد النبي الكريم ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .
وكان الفراغ منه بعيد العصر ، عشية يوم الأحد ثالث عشرين شهر ربيع الثاني عام تسعة وعشرين وألف ، وذلك على يد الفقير إلى الله جابر بن الحاج مليان بن أحمد الجنحاني المديوبي نسبا ، غفر الله له ولوالديه ولمن علمه خيرا ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ( ).

هلال بن عبد الله بن عمر
07-04-2008, 01:09
بورك فيكم
لي سؤال هل من جديد يذكر فيما يخص ترجمة المؤلف رحمه الله اقصد الشيخ الفقيه الفاضل الكامل ، أبو الحسن علي بن يحيى ابن الأستاذ الهواري المالقي ، رحمه الله تعالى
وفغقكم الله