المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مناقشة بين شيخين من شيوخ الحنابلة حول السماع الصوفي



مصطفى حمدو عليان
07-03-2012, 05:49
**مناقشة بين شيخين من شيوخ الحنابلة حول السماع:

هذه مناقشة جرت بين شيخي المذهب-في الشام- في القرن السادس الهجري حول مسألة السماع الصوفي ، وهما :
العلامة الموفق ابن قدامة المقدسي صاحب المغني والكافي-وهو مشهور فلن أعرف به-
والعلامة ناصح الدين أبو الفرج بن أبي العلاء بن أبي البركات بن أبي الفرج المعروف بابن الحنبلي.
ذهب الأول الى إنكار السماع وذهب الثاني إلى جوازه

أما ابن الحنبلي فهو: عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد بن علي بن أحمد الأنصاري، الخزرجي السعدي، العبالي، الشيرازي الأصل، الدمشقي الفقيه الواعظ، ناصح الدين أبو الفرج بن أبي العلاء بن أبي البركات بن أبي الفرج المعروف بابن الحنبلي: ولد نيلة الجمعة سابع عشر شوال سنة أربع وخمسين وخمسمائة بدمشق.
ودخل بلاداً كثيرة، واجتمع بفضلائها وصالحيها، وفاوضهم، وأخذ عنهم وقدم مصر مرتين وأقام ببغداد مدة يشتغل على أبي الفتح بن المنى. وقرأ على أبي البقاء العكبري "الفصيح" لثعلب من حفظه، وبعض "التصريف" لابن جني وأخذ عن الكمال السنجاري، والبهجة الضرير، النحويين. واشتغل بالوعظ، وبرع فيه. ووعظ من أوائل عمره، وحصل له القبول التام.

وقد وعظ بكثير من البلاد التي دخلها، كمصر، وحلب، وإربل، والمدينة النبوية، وبيت المقدس. وكان له حرمة عند الملوك والسلاطين، خصوصاً ملوك الشام بني أيوب. وقدم بغداد حاجاً سنة اثنتي عشرة وستمائة. وأكرمه الخليفة الناصر. وأظنه وعظ بها هذه السنة، وحضر فتح بيت المقدس مع السلطان صلاح الدين.
وللناصح رحمه الله تعالى تصانيف عدة، منها: كتاب "أسباب الحديث" في مجلدات عدة، وكتاب "الاستسعاد بمن لقيت من صالحي العباد في البلاد"، وقد وقفت عليه بخطه، ونقلت منه في هذا الكتاب كثيراً، وكتاب "الأنجاد في الجهاد" صنفه بحلب، وقال: لما فرغت من تصنيفه، رأيت في المنام كأني جالس، وإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم قد مَر بي، وبيني وبينه قدر ذراع، فقال: سلام عليكم، فرددت السلام، فلما استيقظت استبشرت، وقلت: أريد السلام عليه عند حجرته، شكراً له، قال: فحججت ذلك العام.

وقال الحافظ الذهبي في تاريخه: للناصح خطب ومقامات، وكتاب "تاريخ الوعاظ" وأشياء في الوعظ، قال: وكان حلو الكلام، جيد الإيراد، شهماً مهيباً، صارماً. وكان رئيس المذهب في زمانه بدمشق.
وقال أبو شامة: كان واعظاً، متواضعاً متفنناً، له تصانيف، وله بنيت المدرسة التي بالجبل للحنابلة، يعني مدرسة الصاحبية.
قال المنذري: قدم- يعني الناصح- مصر مرتين، ووعظ بها وحدث. وحصل له بها قبول، وحدث بدمشق، وبغداد وغيرهما، ووعظ ودرس. وكان فاضلاً، وله مصنفات، وهو من بيت الحديث والفقه، وحدث هو وأبوه وجده، وجد أبيه وجد جده. لقيته بدمشق، وسمعت منه.
الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب2/135
درس الناصح بعدة مدارس، منها مدرسة جده شرف الإِسلام، ودرس بالمسمارية، مع أبي المعالي أسعد بن المنجي، ثم استقل بها وحده، وعزل ابن المنجي ثم في سنة خمس وعشرين استقر بنو المنجي بالتدريس بها بحكم أن نظرها لهم، ثم بنت له الصاحبة ربيعة خاتون مدرسة بالجبل وهي المعروفة بالصاحبية. فدرس بها سنة ثمان وعشرين.
وكان يوماً مشهوداً. وحضرت الواقفة من وراء ستر.
وانتهت إليه رئاسة المذهب بعد الشيخ موفق الدين. وكان يساميه في حياته.

**قال ناصح الدين: وكنت قدمت من أربل سنة وفاة الشيخ الموفق، فقال لي: قد سررت بقدومك، مخافة أن أموت وأنت غائب، فيقع وهن في المذهب، وخُلْفٌ بين أصحابنا.
وقد وقع مرات بين الناصح والشيخ الموفق اختلاف في فتوى في السماع المحدَث، أجاب فيها الشيخ الموفق بإنكاره. فكتب الناصح بعده ما مضمونه
"الغناء كالشعر، فيه مذموم وممدوح، فما قصد به ترويح النفوس، وتفريج الهموم، وتفريغ القلوب لسماع موعظة، وتحريك لتذكرة: فلا بأس به. وهو حسن"،
وذكر أحاديث في تغني جُوَيْرِيات الأنصار، وفي الغناء في الأعراس، وأحاديث في الحُداء "
وأما الشبابة: فقد سمعها جماعة ممن لا بحسن القدح فيهما من مشايخ الصرفية وأهل العلم، وامتنع من حضورها الأكثر.
وأما كونها أشد تحريماً وأعظم إنما من سائر الملاهي: فهذا قول لا يوافق عليه. وكيف يجعل المختلف فيه كالمتفق عليه. وكون النبي صلى الله عليه وسلم سدّ أذنيه منها: مشترك الدلالة، لأنه لم ينهِ ابن عمر رضي الله عنهما عن سماعها" وأعجب من استدلال الفقيه الموفق لذلك. قوله: "ولا يجب عليه سد أذنيه لغيرها من الملاهي" فيشعر ذلك بجواز سماع الملاهي. ثم قد بالغ في تحريم ذلك، وضم فاعله إلى حكم الكفر بالله تعالى، وأوهم بما ذكر من الآيات: أن هذا السماع يُخرج عن الإسلام، وهذا من الغلو، فكان غلوه في الجواب أشد خطراً من غلو المذكورين في السؤال،
وأما اجتماع الرجال والنساء في مجلس: فلم يذكر في السؤال. وهو محرم إذا كان في غير معروف، فإن كان في صلاة جمعة أو جماعة، أو سماع موعظة، أو التقاء في مجلس حكم: فذلك غير منكر، وهو العادة الجارية في المواسم عند هذا الفقيه المفتي وجماعته، ومجالس التذكير في سائر بلاد الإسلام".

مصطفى حمدو عليان
07-03-2012, 05:54
فلما عاد جوابه إلى الشيخ الموفق: كتب في ظهرها بخطه ما مضمونه "كنت أتخيل في الناصح: أن يكون إماماً بارعاً، وأفرح به للمذهب؛ لما فضله اللّه به من شردْ بيته، وإعراق نسبه في الإِمامة، وما آتاه الله تعالى من بسط اللسان، وجراءة الجنان، وحدة الخاطر، وسرعة الجواب، وكثر الصواب. وظننت أنه يكون في الفتوى مبرزاً على أبيه وغيره، إلى أن رأيت له فتاوى غيره فيها أسد جواباً، وأكثر صواباً. وظننت أنه ابتلي بذلك لمحبته تخطئة الناس، واتباعه عيوبهم. ولا يبعد أن يعاقب الله العبد بجنس ذنبه- إلى أن قال: والناصح قد شغل كثيراً من زمانه بالرد على الناس في تصانيفهم وكشف ما استتر من خطاياهم ومحبة بيان سقطاتهم. ولا يبلغ العبد حقيقة الإِيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه، أفتراه يحب لنفسه بعد موته من ينتصب لكشف سقطاته، وعيب تصانيفه وإظهار أخطائه. وكما لا يحب ذلك لنفسه ينبغي أن لا يحبه لغيره، سيما للأئمة المتقدمين، والعلماء المبرزين. وقد أرانا الله تعالى آية في ذهابه عن الصواب في أشياء تظهر لمن هو دونه.
فمن ذلك: في فتياه هذه خطأ من وجوه كثيرة.
منها: أنه إنما أذن له بقرينة الحال في جواب السؤال، فعدوله إلى الرد على من قبله تصرف في الكتابة في ورقة غيره، بما لم يؤذن له فيه. وذلك حرام.
ومنها: أن قرينة أحوالهم تدل على أنهم إنما أذنوا في الجواب بما يوافق المفتي قبله، فالكتابة بخلاف ذلك غير مأذون فيها، ولذلك أحوج إلى قطع ورقتهم، وذهاب فتياه منها.
ومنها: أنهم سألوا عن السماع الجامع لهذه الخصال المذكورة، على وجه يتخذ ديناً وقربة. فلم يجب عن ذلك، وعدل إلى ذكر بعض الخصال المذكورة مفردة، على غير الصفة المذكورة، وليس يلزم من الجواب عن بعض شيء: الجواب عن مجموعه، ولا من بيان حكمه على صفة: بيان حكمه على غيرها.

فناصح الدين سئل عن السماع الجامع لهذه القبائح مُتخَذاً ديناً وقربة، فأجاب: بأن رجلاً قد للنبي صلى الله عليه وسلم، وجارية قد نَدَبَتْ أباها، وأشباه ذلك بما ليس فيه جواب أصلاً. ومنها: أنه قسم الغناء إلى قسمين: ممدوح، ومذموم. ثم رقَّاه إلى رتبة المندوبات والعبادات. فجاوز فيه حداء الشعر، ولم يقل ذلك سوى هذه الطائفة المسؤول عنها، الذين سلكوا مسلك الجاهلية في جعله لهم صلاة وديناً، وحاشى ناصح الدين من اتباعهم.
ومنها: أن قسمته غير حاضرة، فإن ثَم قسماً آخر، غير ممدوح ولا مذموم، وهو المباح الذي لم يترجح أحد طرفيه على الآخر.
ومنها: أنه شرع مستدلاً على مدح الغناء بذكر الحداء، شروع من لا يفرق بين الحُداء والغناء، ولا يفرق بين قول الشعر على أي صفة كان. ومَنْ هذه حاله لا يصلح للفتيا؛ فإن المفتي ينبغي أن يكون عالماً باللسان، لسان العرب ولغتهم مما يفتي فيه.
وظاهر حاله: أنه لا يخفى عليه، لكن ضاقت عليه ممادح الغناء، فعدل إلى ما يقاربه، كما قيل: الأقرع يفتخر بجمة ابن عمه، وابن الحمقاء يذكر خالته إذا عيب بأمه. لكنه إن كان بسعادته قد علم بذلك، ثم قصد التمويه على من استرشد، وتعمية من قصده وقلده: فهو حرام، وإن لم يقصد ذلك، لكن كان عن غفلة منه: فهو نوع تغفل. وذلك عجيب من مثله.

وأما استدلاله بحديث الجواري اللاتي نَدَبْنَ آباءَهنّ، فما فيه ذكر الغناء، فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم أرخص لهنَ في ذلك، فليس له فيه ما يوجب المدح في حق عقلاء الرجال المتّوسمين بالدين، والعبادة، كما روى "أنه أرخص لعائشة في اللعب بالبنات" وذلك لا يوجب مدح لعب الرجال العقلاء باللعب، واجتماعهم عليه، ومن رأى ذلك، فعلى سياق قوله، كل ما رخص فيه للصبيان، والجويريات الصغار: فهو ممدوح في حق كل أحد، كاللعب في الطرقات، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا غيره، ينكرون على الصبيان لعبهم، ولا فعالهم التي تستقبح من عْيرهم، مثل المصافعة، والمفاقسة بالبيض الأحمر، والعَدْو في الطرقات، وحمل بعضهم بعضاً، وأشياء، لو فعلها المميز البالغ، لردت شهادته، وسقطت عدالته.
فإن قالوا: نحن إنما نحتج بسماع النبي صلى الله عليه وسلم من الجويريات، فنحن نسمعه كما سمعهن.
قلنا: أخطأتم في النظر، وجهلتم الفرق بين فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعلكم؛ فإن المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم السماع له، وأنتم تفعلون الاستماع؛ والسماع غير الاستماع- إلى أن قال: وليس العجب من جاهل لا يفرق بين الفعلين، ولكن من إمام نصب نفسه للفتيا، وعدَ أنه هاد للمسلمين، ومرشدٌ لهم، وهو لا يفرق بين هذين الأمرين، حتى جعل يعجب من قولنا: "لا يجب سد الأذنين من الأصوات المحرمات"، وقال: "هذا يوهم إباحة الاستماع إلى الملاهي، وما ظننت أنه ينتهي إلى هذه الدرجة، بل ما ظننت أن الجهال يخفى عليهم هذا- فإذا به قد خفي على أحد المدرسين المفتين المتصدرين، حتى عده عجباً، وأعجب مما عجب منه إمام مدرس مُفْتٍ، لا يفرق بين السماع والاستماع، ولا بين الغناء والحُداء، ولا بين حكم الصغير والكبير!.

*وأما خبر عائشة في زفاف المرأة، فقد تكلم فيه الإِمام أحمد، فلم يصححه، ثم لو صح: فليس فيه ذكر الغناء، إنما فيه قول الشعر، ولو ثبت أنه غناء، فلا يلزم من الرخصة فيه في العرس الذي أمر فيه بالدُّفِّ والصوت: الرخصة فيه على الوجه الذي يفعله هؤلاء.
ومن العجب: استدلال الفقيه على إباحة الشبابة. بأنه قد سمعها من الصوفية، وما من قبيحة من القبائح، ولا بدعة من البدع، إلا قد سمعها مشايخ وشباب أيضاً، وقد علم الناصح أنواع الأدلة، فهل وجد فيها فعل المشايخ من الصوفية. وإن كان هذا دليلاً فليضمه إلى أدلة الشرع المذكورة، ليكون دليلاً آخر، يغرب به على من قبله، ويكون هذا الدليل منسوباً إليه، معروفاً به، ولكن لا ينسبه إلى مذهب أحمد؛ فإن أحمد وغيره من الأئمة بريئون من هذا".

مصطفى حمدو عليان
07-03-2012, 06:18
الموازنة بين الجوابين:
لا شك أن الاختلاط بين الرجال والنساء لغير سبب شرعي لا يجوز، وابن الحنبلي ما أجاز ذلك، ولا شك أن سماع الغناء الذي يفعله أهل الملاهي والملذات لا يجوز، وهذا كذلك لم يجزه ابن الحنبلي .
ولكن الاستدلاله بفعل الصوفية على صحة الشبابة لا يصح وليس فعلهم بدليل شرعي كما ذكر الموفق ابن قدامة. والمذهب أن الشبابة والمزمار ونحوها محرمة. ولكن قول ابن الحنبلي :"وكون النبي صلى الله عليه وسلم سدّ أذنيه منها: مشترك الدلالة" صحيح.
ولكن لا يصل حد تحريمها الى تكفير سامعها وتكفير سامع القصائد الملحنة كما ذهب ابن قدامة -فيما ذكره ابن الحنبلي- وفي صحة نسبة التكفير في ذلك للموفق نظر لأن له رسالة في الرد على الفخر ابن تيمية في مسألة التكفير ولكن إقراره لكلام ابن الحنبلي يعني قبوله سيما وهو في مقام الرد والتبيين.

- أما قول الامام العلامة الفقيه الموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى ونفعنا بعلومه:"فناصح الدين سئل عن السماع الجامع لهذه القبائح مُتخَذاً ديناً وقربة، فأجاب: بأن رجلاً قد للنبي صلى الله عليه وسلم، وجارية قد نَدَبَتْ أباها، وأشباه ذلك بما ليس فيه جواب أصلاً. ومنها: أنه قسم الغناء إلى قسمين: ممدوح، ومذموم. ثم رقَّاه إلى رتبة المندوبات والعبادات. فجاوز فيه حداء الشعر، ولم يقل ذلك سوى هذه الطائفة المسؤول عنها، الذين سلكوا مسلك الجاهلية في جعله لهم صلاة وديناً"
فيبين أن الموفق ينكر السماع الذي يصحبه المنكرات من الاختلاط والملاهي والآلات -وهي محرمة في المذهب- وينكر أن يكون هذا السماع عبادة أو قربة. ونحن نوافقه على كل ذلك،
ولكن ابن الحنبلي لم يجوز هذه المنكرات المصاحبة للسماع فيكون فتوى الموفق على أمر وفتوى ابن الحنبلي على أمر آخر وهو ما انتقده ابن قدامة في أول الفتوى إذ بين أن المفتي ينبغي أن يجيب عما سئل عنه لا عن أمور خارجية.

* قول الموفق:"وأما استدلاله بحديث الجواري اللاتي نَدَبْنَ آباءَهنّ، فما فيه ذكر الغناء، فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم أرخص لهنَ في ذلك، فليس له فيه ما يوجب المدح في حق عقلاء الرجال المتّوسمين بالدين، والعبادة" فقد جاء من باب الأدب والذوق لا من باب الحلال والحرام لأن إجازة النبي ص لهن بالغناء دليل من أدلة الشرع .

*قول الموفق:"ومنها: أنه شرع مستدلاً على مدح الغناء بذكر الحداء، شروع من لا يفرق بين الحُداء والغناء، ولا يفرق بين قول الشعر على أي صفة كان. ومَنْ هذه حاله لا يصلح للفتيا؛ فإن المفتي ينبغي أن يكون عالماً باللسان، لسان العرب ولغتهم مما يفتي فيه".

أقول: لم ينص ابن الحنبلي على أن الحداء هو نفسه الغناء ، وهو يفهم اللغة جيداً إذ أخذها من شيوخها كما في ترجمته، أما استدلاله بالحداء فلأنه شعر ملحن كذا الغناء قصائد ملحنة ولكن يصحبها الآلة، ولكنه أخطأ في تسمية القصائد الملحنة بالغناء وقد فرق بينهما القوم،
قال أبو طالب المكي:" والفرق بين الأغاني والقصائد أنّ الأغاني ما شّبب به النساء وذكر فيه الغزل ، ووصفن به ، وشهدن منه ، ودعا إلى الهوى ، وشوّق إلى اللهو ، فمن سمع من حيث قال القائلون بهذه المعاني فالسماع عليه حرام ، والقصائد ماذكر باللّه ، ودلّ عليه ، وشوّق إليه ، وأهاج مواجيد الإيمان ، وأثار مشاهدات العلوم ، وذكر به طرقات الآخرة ومقامات الصادقين ، فمَنْ سمع من حيث شهد بهذه الشهادة فهو من أهله إذ له نصيب منه" قوت القلوب 2/101
** أما تفريق ابن قدامة بين السماع والاستماع فهو تفريق أهل الحقائق لا تفريق أهل الفقه، فكيف ينكر على الناصح استدلاله بفعل الصوفية ثم يستدل بكلامهم في الفتوى مع أن الاصل في الفتوى أن تكون بلسان أهل الفقه.......

*

مصطفى حمدو عليان
07-03-2012, 06:40
وقد حصل في المذهب مثل هذا الخلاف :
فقد كان ابن مجاهد لا يجيب دعوة إلا أن يكون فيه سماع ، وحكى غير واحد أنه قال اجتمعنا في دعوة ومعنا أبو القاسم ابن بنت منيع وأبو بكر ابن داود وابن مجاهد-وكلهم حنابلة - في نظرائهم فحضر سماع فجعل ابن مجاهد يحرض ابن بنت منيع على ابن داود في أن يسمع
فقال ابن داود حدثني أبي عن احمد بن حنبل أنه كره السماع وكان أبي يكرهه وأنا على مذهب أبي
فقال أبو القاسم ابن بنت منيع أما جدى احمد ابن بنت منيع فحدثني عن صالح بن احمد أن أباه كان يسمع قول ابن الخبازة
فقال ابن مجاهد لابن داود دعني أنت من أبيك وقال لابن بنت منيع دعني أنت من جدك أي شيء تقول يا أبا بكر فيمن أنشد بيت شعر أهو حرام فقال ابن داود لا قال فإن كان حسن الصوت حرم عليه إنشاده قال لا قال فإن أنشده وطوله وقصر منه الممدود ومد منه المقصور أيحرم عليه قال-يعني ابن ابي داود- أنا لم أقو لشيطان واحد فكيف اقوى لشيطانين"

* وهذه الرواية تثبت أن قد حصل خلاف في الرواية عن أحمد في إجازة السماع وعند الرجوع الى أقوال الامام أحمد نجد أنه لا خلاف فالامام أحمد ينكر السماع الذي يذكر فيه النساء والخمر ويصحبه الملاهي، ولكنه لا ينكر السماع الذي يذكر فيه الجنة والنار والشفاعة والشوق لله تعالى والخوف منه.

***قال ابن الجوزي الحنبلي:" رحمه الله وقد تكلم الناس في الغناء فأطالوا فمنهم من حرمه ومنهم من أباحه من غير كراهة ومنهم من كرهه مع الاباحة وفصل الخطاب أن نقول ينبغي أن ينظر في ماهية الشيء ثم يطلق عليه التحريم أو الكراهة أو غير ذلك والغناء اسم يطلق على أشياء منها غناء الحجيج في الطرقات فان أقواما من الأعاجم يقدمون للحج فينشدون في الطرقات أشعارا يصفون فيها الكعبة وزمزم والمقام وربما ضربوا مع إنشادهم بطبل فسماع تلك الأشعار مباح وليس إنشادهم إياها مما يطرب ويخرج عن الاعتدال وفي معنى هؤلاء الغزاة فإنهم ينشدون أشعارا يحرضون بها على الغزو وفي معنى هذا إنشاد المبارزين للقتال للاشعار تفاخرا عند النزال وفي معنى هذا أشعار الحداة في طريق مكة كقول قائلهم
بشرها دليلها وقالا ... غدا ترين الطلح والجبالا
وهذا يحرك الابل والآدمي إلا أن ذلك التحريك لا يوجب الطرب المخرج عن حد الاعتدال ...
قال المصنف رحمه الله وقد روينا عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال أما أستماع الحداء ونشيد الأعراب فلا بأس به
قال المصنف رحمه الله ومن إنشاد العرب قول أهل المدينة عند قدوم رسول الله عليهم
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داعى
ومن هذا الجنس كانوا ينشدون أشعارهم بالمدينة وربما ضربوا عليه بالدف عند إنشاده ..." تلبيس إبليس

*أما الروايت عن الامام المبجل أحمد بن حنبل:

قال ابن الجوزي رحمه الله:" فقد بان بما ذكرنا ما كانوا يغنون به وليس مما يطرب ولا كانت دفوفهن على ما يعرف اليوم ومن ذلك أشعار ينشدها المتزهدون بتطريب وتلحين تزعج القلوب إلى ذكر الآخرة ويسمونها الزهديات كقول بعضهم
يا غاديا في غفلة ورائحا ... إلى متى تستحسن القبائحا
وكم الى كم لا تخاف موقفا ... يستنطق الله به الجوارحا
يا عجبا منك وأنت مبصر ... كيف تجنبت الطريق الواضحا
فهذا مباح أيضا وإلى مثله أشار أحمد بن حنبل في الاباحة فيما أنبأنا به أبو عبد العزيز كاوس نا المظفر بن الحسن الهمداني نا أبو بكر بن لالي ثنا الفضل الكندي قال سمعت عبدوس يقول
سمعت أبا حامد الخلفاني يقول لأحمد بن حنبل يا أبا عبد الله هذه القصائد الرقاق التي في ذكر الجنة والنار أي شيء تقول فيها فقال مثل أي شيء قلت يقولون
إذا ما قال لي ربي ... أما استحييت تعصيني
وتخفي الذنب من خلقي ... وبالعصيان تأتيني فقال أعد علي فأعدت عليه فقام ودخل بيته ورد الباب فسمعت نحيبه من داخل البيت وهو يقول
إذا ما قال لي ربي ... أما استحييت تعصيني
وتخفي الذنب من خلقي ... وبالعصيان تأتيني
ومن الاشعار أشعار تنشدها النواح يثيرون بها الأحزان والبكاء فينهي عنها لما في ضمنها
فأما الأشعار التي ينشدها المغنون المتهيئون للغناء ويصفون فيها المستحسنات والخمر وغير ذلك مما يحرك الطباع ويخرجها عن الاعتدال ويثير كامنها من حب اللهو وهو الغناء المعروف في هذا الزمان مثل قول الشاعر
ذهبي اللون تحسب من ... وجنتيه النار تقتدح
خوفوني من فضيحته ... ليته وافى وأفتضح
وقد أخرجوا لهذه الأغاني ألحانا مختلفة كلها تخرج سامعها عن حيز الاعتدال وتثير حب الهوى ولهم شيء يسمونه البسيط يزعج القلوب عن مهل ثم يأتون بالنشيد بعده فيعجعج القلوب وقد أضافوا إلى ذلك ضرب القضيب والإيقاع به على وفق الإنشاد والدف بالجلاجل والشبابة النائبة عن الزمر فهذا الغناء المعروف اليوم......

*ثم قال:"وقد روينا أن أحمد سمع قوالا عند ابنه صالح فم ينكر عليه فقال له صالح يا أبت أليس كنت تنكر هذا فقال إنما قيل لي انهم يستعملون المنكر فكرهته فأما هذا فأني لا أكرهه قال المصنف رحمه الله قلت وقد ذكر أصحابنا عن أبي بكر الخلال وصاحبه عبد العزيز إباحة الغناء وإنما أشار إلى ما كان في زمانهما من القصائد الزهديات
وعلى هذا يحمل ما لم يكرهه أحمد
**ثم قال:"عن عبد الله بن احمد قال كنت ادعو ابن الخبازة القصائدي وكان يقول ويلحن وكان أبي ينهاني عن التغني فكنت إذا كان
ابن الخبازة عندي أكتمه عن أبي لئلا يسمع فكان ذات ليلة عندي وكان يغني فعرضت لأبي عندنا حاجة وكنا في زقاق فجاء فسمعه يغني فتسمع فوقع في سمعه شيء من قوله فخرجت لأنظر فإذا بأبي ذاهبا وجائيا فرددت الباب فدخلت فلما كان من الغد قال لي يا بني إذا كان هذا نعم الكلام أو معناه
قال المصنف رحمه الله وهذا ابن الخبازة كان ينشد القصائد الزهديات التي فيها ذكر الآخرة ولذلك استمع اليه احمد...

والحمد لله رب العالمين

مصطفى حمدو عليان
09-03-2012, 21:33
الروايات عن الامام المبجل أحمد بن حنبل:
1*ان الامام أحمد سمع قوَّالاً عند ابنه صالح فلم ينكر عليه. فقال له صالح يا أبت أليس كنت تنكر هذا ؟ فقال إنما قيل لي انهم يستعملون المنكر فكرهته فأما هذا فأني لا أكرهه.
2*وروى ابن أبي يعلى ا بن الجوزي باسناده عن أبي حامد الخلفاني قال لأحمد بن حنبل يا أبا عبد الله هذه القصائد الرقاق التي في ذكر الجنة والنار أي شيء تقول فيها ؟
فقال مثل أي شيء؟ قلت يقولون:
إذا ما قال لي ربي ... أما استحييت تعصيني
وتخفي الذنب من خلقي ... وبالعصيان تأتيني
فقال أعد علي فأعدت عليه فقام ودخل بيته ورد الباب فسمعت نحيبه من داخل البيت وهو يقول
إذا ما قال لي ربي ... أما استحييت تعصيني
وتخفي الذنب من خلقي ... وبالعصيان تأتيني.
3*وروى ابن الجوزي من عدة طرق-صحح بعضها- عن صالح قال كنت أحب السماع وكان أبي أحمد يكره ذلك وكنت أدعو ابن الخبازة القصائدي وكان يقول ويلحن وكان أبي في الزقاق يذهب ويجيء ويسمع اليه وكان بيننا وبينه باب وكان يقف من وراء الباب يستمع .
4*وروى عن أبي بكر بن مالك القطيعي يحكي أظنه عن عبد الله بن احمد قال كنت ادعو ابن الخبازة القصائدي وكان يقول ويلحن وكان أبي ينهاني عن التغني فكنت إذا كان ابن الخبازة عندي أكتمه عن أبي لئلا يسمع فكان ذات ليلة عندي وكان يغني. فعرضت لأبي عندنا حاجة وكنا في زقاق فجاء فسمعه يغني فتسمع فوقع في سمعه شيء من قوله فخرجت لأنظر فإذا بأبي ذاهبا وجائيا فرددت الباب فدخلت فلما كان من الغد، قال لي: يا بني إذا كان هذا نعم الكلام .
قال ابن الجوزي رحمه الله:" وهذا ابن الخبازة كان ينشد القصائد الزهديات التي فيها ذكر الآخرة ولذلك استمع اليه احمد .
5*وقد أجاز الامام أحمد حداء الأعراب،قال العلامة ابن تميم الحنبلي :" وكان أحمد يحرم الغناء والألحان في القآن والشعر ، ويكره غناء القصب ، فأما حدو الأعراب فقال:" حدا عبدالله بن رواحة وغيره فلا بأس . *و قال الشافعي أما استماع الحداء ونشيد الاعراب فلا بأس به ولا بأس بقراءة الألحان وتحسين الصوت .تلبيس إبليس 139

6* ونقل العلامة ابن مفلح الحنبلي والعلامة البهوتي والعلامة السفاريني عن إبراهيم بن عبدالله القلانسي قال قيل لأحمد بن حنبل إن الصوفية يستمعون ويتواجدون قال دعوهم يفرحون مع الله تعالى ساعة قيل فمنهم من يغشى عليه ومنهم من يموت فقال : ( ^ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون )