المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقال رائع !!!



محمد علي موسى
12-02-2012, 18:17
قصة الشباب
( المقالة الأولى )
كتبت و قد غزا أمتي أمر جلل , و أضعف عزمها و انحنت لما حصل , حتى الهوان عز أمامها و صار الطفل بعينيها بطل , كتبت و قد سعى قلمي بحبر المقل , و اصطبغت دواتي بلون الخجل , وكان الذي يدق من القلب الوجل على شباب أمة تبعت خير الملل : و بعد أن هدانا الله تعالى إلى ما فيه سعادة بلا كلفة وهناءة بلا هوانة و عزة بلا ضغانة و ربط إبقاء ذلك علينا بل و زيادة بحق له علينا ألا و هو العبادة ؛ يا ترى ماذا كان منا ؟

بحثاً عن الجواب ؛ في يوم من أيام السنة الدراسية التي يكثر فيها الطلاب انتشاراً في ساحات الجامعة رقيت على درجاً من أدراج بنائها المتهالك و أطللت بتحرز على طلبتها و طالباتها مستعلماً لأحوالهم من أشكالهم مستكشفاً لقلوبهم من حال ظهورهم فوجدت أن جُل الشباب قد تركوا لأنفسهم عِناناً و أرخوا لرغباتهم زماماً و سموا شهواتهم على الحضارة إقداماً و يا ليت شعري لو ضمّنوا في هذا الترك أو ذاك الإرخاء شأناً من شؤون دنياهم ! ثم إني رأيتهم قد فتنوا أكثر ما فتنوا بالفتيات , قصة قديمة فتنة هذا بتلك و لربما لم نحتج في إثباتها لداعي الإطالة إلا أن كلاماً من الخلف طرق سمعي و لم يستأذن في الدخول من جمع نصارى شباب و شابات يقول فيه أحدهم إن أعجب ما رأته عيني في الدنيا : متحجبة ببنطال !!!

و بعد أن استوثقت من حضور كل أجزائي و نجاتها من هذه الصاعقة ربما لأنها أرضية كانت هذه المرة تساءلت في نفسي عجباً كيف لا يستقيم هذا المنظر في عين غير المسلم في حين أننا نرى المسلمين يتقبلون خروج بناتهم بثوب التفصيل الذي يرسم تضاريس الجسم و معالمه و يفرغها إفراغاً هندسي الشكل و يصورها بهضابها و سهولها تصويراً حراري الأثر , بل العجيب أنه ألجأ بعض فلاسفة الأطباء أن يشمّروا تأهباً لتحقيق القول في مسألة عدد طبقات الجلد عند أنثى الحيوان الناطق !!! عجيب أن تجرأ فتاة رقيقة القلب ناعمة الجسم مرهفة الحس على أن تكون واحدة ممن يندرجن تحت قول النبي صلى الله تعالى عليه و سلم : " صنفان من أمتي لم أرهما بعد ، نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات ، على رؤوسهن مثل أسنمةالبخت ، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ، ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها عباد الله", أم إنه يتراءى لها و يتهيأ أن ذاك اللباس يعد كافياً و قد علم كل منا أن شرط اللباس كونه ساتراً للون بحيث لا يعرف بياض ما تحته من سواده و ساتراً للحجم غير واصف شكل الأعضاء , و لا يكاد يشك عاقل أن ما تلبسه من الثياب ينطق عما تحته نطقاً فصيحاً صريحاً حتى إنه ليخبرك أن في هذا المكان عضواً يسمى كذا و أن شيئاً هنا ينادى له بكذا أما الذي هناك فيفعل به كذا !!! و لكن لما أوصدت أبواب الزواج أمام محتاجيه و اقتصر على من أكل الدهر عليه و شرب و من كان الأحرى به أن يتأهب لطي شراع مركب حياته و ذلك كما يقولون لوصف كونه صار أهلاً لما يسمى بتحمل المسؤولية و خرج من مرحلة يسمى بها في عرف الناس ولداً كما يقال و ما أظن إلا أن الأحرى به أن يكون أباً لتلك الفتاة لا زوجاً , و فتحت في مقابلها أبواب خلفية لمن هو في سَورة الرعونة و قوة الشباب في الطرقات و الجامعات و أمام المدارس وتحت ظلال الحدائق بدأنا نتنازل شيئاً فشيئاً بحجج لا تخفى على المتأمل لها , ثم على فرض أنها لا تدرك كل هذا فكيف يتقبله ذهنها و يرفضه ذهن نصراني ؟!

اعلموا أن لنا عقيدة متى رسخت في النفس تُمكن صاحبها أن يجعل كل متاعب الحياة و مصائبها لا تعترضه إلا لتمر من تحت أقدامه و يسير هو من فوقها لا يُهز له كيان و يُنال له جناب و لا يُخفض له جناح و كأنه حين ترميه الدنيا بأمر عز عليه نواله يستسهل تركه فيعود أغنى ممن تفضلت ممتنةً عليه به مستعبدة له , فإذا أتته بفقر مال كف عن الطلب وتنزه عن إظهار الفاقة و الأرَب ففرش بساط حركة حياته على قدر ما فات الدنيا من ماله فلم تصبه به و عاد أغنى ممن ملك قصر ذهب و راح يمد يده يطلب ثانياً , و إذا أصابه الفقر بروحه و حبس عنه أليفه - وقد خلقنا ضعفاء عن تحمل صبر الفؤاد - رضي للقدر بحكمه و استسلم لمده و جزره و آب إلى من لا ملجأ إليه سواه إلى أرحم راحم به حتى من نفسه و اشتكى إليه بليل أبى إلا أن يمضيه متقلباً في فراش سقاه بدموع الصبر على العفة , ثم داوم على ذلك و جعله وِرده حتى صفا قلبه تعاقبت عليه حقيقة معاني الإيمان و صار يتلذذ لوعة الحرمان لا لأنه لا يتألم منها إنما لأنه يراقب من يتألم لأجله , فإذا أراد خيال الحبيب أن يغريه بجمال زائف تذكر أن لله تعالى الجمال الحق المطلق , و إذا أراد أن يشده بمال زائل تذكر أن لله تعالى الغنى الدائم المطلق , و إذا أراد أن يخضعه بقوة تذكر أن الله تعالى هو وحده القوي القادر , و إذا أراد أن يجذبه برقة منمّقة استحضر أن الله تعالى هو اللطيف الحليم . فكيف به حالُ أمتنا يا تُرى إذا ما استحكمت في صدور شبابها روح المعاني ؟.
هذا , و لست أكتب ما كتبت من الكلام و أنا بقوافل التسعين حيث لا يعارض حلاوةَ المواجيد هوى الصبا و فكرُ المواليد , لكنْ شاب بركب التاسعة عشر أراد أن يبصّر أمثاله بحقائق ما اطلع عليه لعلهم يجدون فيه إلى النجاة وسيلة , و لم يكن قصدي سوق الألفاظ الرقيقة و العبارات الرشيقة فإنه هو الكلام يكتب ليحفظ في خبايا النفس لا في حوايا الكتب , و يقرأ لتخضع له الأكوان لا ليحرك به اللسان , و يسمع لتصغيَ إليه القلوب لا لتُطرق به الآذان .


النشر ببلاش إلا أن فيه ثوابأً.

أولى مقالات فتى الشام .