المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نزع الخفين بعد مسحهما



فراس يوسف حسن
02-01-2005, 15:33
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا يوافي نعمه ويدفع نقمه ويكافئ مزيده . وافضل الصلاة وأتم السلام على سيد الخلق والأنام سيدنا محمد البشير النذير , المبعوث رحمة وغوثا للعالمين , متمما لمكارم الأخلاق , مقتديا بهدي من سبقه من الأنبياء والمرسلين , فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين , وبعد :
فهذه رسالة مختصرة نتناول فيها جزئية بسيطة في موضوع المسح على الخفين , وقد قلت أن الكلام سيكون على جزئية من هذا الموضوع لئلا ندخل في المطولات فهذا محله كتب الفقه .
موضوعنا يتعلق بمسألة خلع الممسوح مباشرة بعد المسح ثم الصلاة دون إعادة للوضوء أو غسل للرجلين .
فالسؤال هو هل يجوز لي أن امسح على الخفين أو الجوربين ومن ثم أخلعهما وأصلي , دون أن أخشى من بطلان وضوئي ؟
هذا إشكال على ما تقرر عند علمائنا من وجوب غسل القدمين عند نزع الخف وخلعه أو انخلاعه , أو وجوب إعادة الوضوء لبطلان كل الطهارة ببطلان بعضها كالصلاة . والأول لمن لا يرى بالموالاة ركنا من أركان الوضوء وشرطا لصحته والثاني لمن يعد الموالاة ركنا وشرطا في صحة الوضوء .
فالذي عليه السادة الشافعية أن من توضأ ومسح على خفيه أو جوربيه ثم نزعهما أو انتزعا منه أو أحدهما , أو حتى لو ظهر وانكشف جزء من القدم واجب غسله بقصد كان أو بغير قصد , فيجب عليه غسل قدميه وتكتمل طهارته .
لأنهم لا يرون بالموالاة شرطا لصحة الوضوء . أما ما عليه السادة الحنابلة , فإن من فعل هذا فعليه أن يتوضأ من جديد لبطلان وضوءه ببطلان بعضه .
والسادة الأحناف قالوا يكفيه غسل القدمين كما نقله الإمام النووي في " المجموع " وقال : " به قال عطاء وعلقمة والأسود والنخعي والثوري وأبي ثور والمزني ."
كما نقل الإمام رحمه الله عن الإمام مالك رضي الله عنه والليث " إن غسل رجليه عقب النزع كفاه , وإن أخّر حتى أطال الفصل استأنف وضوءه "
وفي المغني : " فإن خلع قبل ذلك أعاد الوضوء , يعني قبل انقضاء المدة إذا خلع خفيه بعد المسح عليهما بطل وضوءه ."
وفي المجموع :" وقال أصحابنا : الأصل غسل الرجل والمسح بدل , فإذا زال وجب الرجوع إلى الأصل ."
وعليه فإن ما يظهر لصاحب القلب السليم أن الخلاف بين العلماء هو من باب ماذا بجزيء من خلع خفيه أو أحدهما , هل يجزئه غسل قدميه ومن ثم الصلاة أم أن عليه أن يستأنف وضوءه من جديد لبطلانه ؟ ولا يظهر من كلامهم أن بإمكانه أن يصلي دون أن يغسل أو يتوضأ ولا شيء عليه ! إذن فهذا اتفاق بين علماء المذاهب الأربعة على أن من لم يفعل أحد الأمرين فلا يمكنه أن يصلي إذا انخلع خفيه أو أحدهما .
وفي بداية المجتهد ونهاية المقتصد (المسالة السابعة‏)‏‏:‏ فأما نواقض هذه الطهارة، فانهم اجمعوا على أنها نواقض الوضوء بعينها، واختلفوا هل نزع الخف ناقض لهذه الطهارة أم لا‏؟‏ فقال قوم‏:‏ ان نزع وغسل قدميه فطهارته باقية، وان لم يغسلهما وصلى أعاد الصلاة بعد غسل قدميه، وممن قال بذلك مالك وأصحابه والشافعي وأبو حنيفة، إلا ان مالكا رأى انه ان أخر ذلك استأنف الوضوء على رأيه في وجوب المولاة على الشرط الذي تقدم‏.‏ وقال قوم‏:‏ طهارته باقية حتى يحدث حدثا ينقض الوضوء وليس عليه غسل، وممن قال بهذا القول داود وابن أبي ليلى‏.‏ وقال الحسن بن حي‏:‏ إذا نزع خفيه فقد بطلت طهارته، وبكل واحد من هذه الأقوال الثلاثة قالت طائفة من فقهاء التابعين، وهذه المسالة هي مسكوت عنها‏.‏ وسبب اختلافهم هل المسح على الخفين هو اصل بذاته في الطهارة أو بدل من غسل القدمين عند غيبوبتهما في الخفين؟ فان قلنا هو اصل بذاته فالطهارة باقية وان نزع الخفين كمن قطعت رجلاه بعد غسلهما، وان قلنا انه بدل، فيحتمل ان يقال إذا نزع الخف بطلت الطهارة وان كنا نشترط الفور، ويحتمل ان يقال ان غسلهما أجزأت الطهارة إذا لم يشترط الفور‏.‏ واما اشتراط الفور من حين نزع الخف فضعيف، وإنما هو شيء يتخيل فهذا ما رأينا ان نثبته في هذا الباب‏.‏
أما ما نقله ابن المنذر رحمه الله تعالى " من أنه لاشيء عليه لا غسل القدمين ولا غيره " وقد حكاه عن الحسن البصري وقتادة وسليمان بن حرب , واختاره ابن المنذر. وقال عنه النووي " وهو المختار الأقوى ". وقد رد على النووي بعض علماء الشافعية وقالوا شذ عن المذهب .
فلا بد من النظر في هذا المذهب و في أدلته حتى نتبين أهو الرأي الراجح أم أن الذي اختاره عن سواه قد خالف العلماء ؟
فأقول : لقد قال من قال بهذا قياسا على من مسح رأسه ثم حلقه, فهل يبطل وضوءه ؟ فهو قد حلقه بعد ان اكتملت طهارته وكذلك نزع الخف فلا يؤثر في الطهارة بعد اكتمالها .
نقول هذا القياس ضعيف , فكيف يقاس برخصة على ركن . فمسح الرأس ركن من أركان الوضوء , أما مسح الخفين فهو رخصة . ثم إن شعر الرأس هو جزء من البدن فإن زال بعد المسح بقي الحكم على ما هو عليه , أما الخف فهو ليس جزءا منه فإن زال أو انتزع فإن ذلك لا يعني أن يبقى الحكم بعد زواله . والرسول صلى الله عليه وسلم قد رخص بالمسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليها وللمقيم يوم وليلة ما لم ينزع . فقد روى الإمام البيهقي في سننه قال : أخبرنا علي بن محمد المقري أنا الحسن بن محمد بن إسحاق ثنا يوسف بن يعقوب ثنا محمد بن أبي بكر ثنا عمر بن رديح ثنا عطاء بن أبي ميمونة عن أبي بردة عن المغيرة بن شعبة قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرنا بالمسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليها للمسافر ويوما وليلة للمقيم ما لم يخلع . قال البيهقي رحمه الله تعالى : تفرد به عمر بن رديح وليس بالقوي .
فهذا نص صريح بأن خلع الخف يبطل الطهارة , فإما الإعادة والاستئناف وإما الغسل . ولنرجع إلى قول الإمام في عمر بن رديح " ليس بالقوي " فقد وثقه غير واحد من علماء الحديث من مثل ابن عجلان وابن حبان وابن معين . فالحديث لا يرد لوجود ابن رديح في سنده ولوجود شواهد عدة تؤيده ومن عدة طرق . فقد روى الترمذي والنسائي عن صفوان بن عسّال انه قال :" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا مسافرين أن نمسح على خفافنا ولا ننزعها ثلاثة أيام من غائط وبول ونوم إلا من جنابة . "
وللنسائي : " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا إلا من جنابة . "
وقد أورد الإمام الطحاوي في كتابه " شرح معاني الآثار " ما نصه : " حدثنا يونس قال ثنا سفيان عن عاصم عن ذر قال أتيت صفوان بن عسال فقلت حاك في نفسي أو في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول فهل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئا قال نعم كنا إذا كنا سفرا أو مسافرين أمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول "
وأيضا : " حدثنا ربيع المؤذن قال ثنا أسد قال ثنا محمد بن طلحة عن زبيد عن الحكم بن عتيبة عن شريح بن هانئ قال أتيت عائشة رضى الله تعالى عنها فقلت يا أم المؤمنين ما ترين في المسح على الخفين فقالت إيت عليا رضى الله تعالى عنه فهو أعلم بذلك مني كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته فقال كنا إذا كنا سفرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام وثلاث ليال"

وما يوضح فهم الصحابة لكلمة " لا ننزع " هو ما أورده الإمام في نفس الكتاب : فقد قال : " حدثنا بن خزيمة قال ثنا حجاج قال ثنا أبو عوانة عن المغيرة عن إبراهيم عن عمرو بن الحارث قال سافرت مع عبد الله ( يعني عبد الله بن عمر رضي الله عنه) فكان لا ينزع خفيه ثلاثا ." فعبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان في سفره لا ينزع خفيه ثلاثا وهي ما يسمح للمسافر . وهذا الكلام هو على إطلاقه كما هو واضح جلي من هذه الرواية وليس فقط في لحظة الوضوء كما ظنه بعض الأخوة المسلمين . حيث ظنوا أن الأمر للصحابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم يختص عند الوضوء فقط أما ما كان بعده فلا حرج من نزع الخف الممسوح , وهذا مجانب للصواب وهو مخالف لما عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين وعلماء المذاهب الأربعة .
روى الإمام البيهقي في سننه قال :" أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو وأنا أبو العباس بن يعقوب ثنا العباس بن الوليد بن مزيد أخبرني أبي قال سمعت الأوزاعي يقول سألت الزهري عن رجل توضأ فأدخل رجليه الخفين طاهرتين ثم أحدث فمسح عليهما ثم نزعهما أيغسلهما أم يستأنف وضوءه قال بل يستأنف وضوءه .
قال الشيخ ويروى عن مكحول مثل ذلك وحدثناه الشافعي في كتاب أبي حنيفة وابن أبي ليلى على تفريق الوضوء وقد مضت الآثار فيه في بابه وروينا عن الشعبي عن الشافعي في رجل دخل خفه حصاة قال يتوضأ وإنما أراد والله أعلم ينزع خفه لإخراج الحصاة ويتوضأ ."
وقال أيضا :" أخبرنا أبو سعد الماليني ثنا أبو أحمد بن عدي ثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس ثنا محمد بن يزيد المستملي ثنا حيوة بن شريح عن مروان عن الأعمش عن سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن إبراهيم النخعي قال إذا مسح على خفيه ثم خلعهما خلع وضوءه ."
وقال : " أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه أنا علي بن عمر الحافظ ثنا أبو ثنا بكر النيسابوري إسحاق بن خلدون ثنا الهيثم بن جميل ثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة والأسود في الرجل يتوضأ ويمسح على خفيه ثم يخلعهما قالا يغسل رجليه ورواه أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم النخعي نفسه . "

أما المنازع , والمخالف لما مر ذكره فلم أر معه دليل قوي من كتاب أو سنة إلا رواية أوردها الإمام البيهقي في سننه عن أبي ظبيان قال :" رأيت علي بن أبي طالب بالرحبة بال قائما حتى أدعى فأتى بكوز من ماء فغسل يديه واستنشق وتمضمض وغسل وجهه وذراعيه ومسح برأسه ثم أخذ كفا من ماء فوضعه على رأسه حتى رأيت الماء ينحدر على لحيته ثم مسح على نعليه ثم أقيمت الصلاة فخلع نعليه ثم تقدم فأم الناس قال بن نمير" قال الأعمش فحدثت إبراهيم قال إذا رأيت أبا ظبيان فأخبرني فرأيت أبا ظبيان قائما في الكناسة فقلت هذا أبو ظبيان فأتاه فسأله عن الحديث.
ولم يرد قط عن أحد آخر من الصحابة ما ورد عن علي رضي الله عنه , فهذا الفعل قد تفرد فيه علي عن باقي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهذا يرد دعوى الإجماع أو شبه الإجماع الذي ادعاه بعض الأخوة في رسالة له مختصرة في هذا الباب .
ولنعد إلى تعليق الإمام البيهقي على هذه الرواية فقد قال بعدها مباشرة : " والمشهور عن علي رضى الله تعالى عنه أنه غسل رجليه حين وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يخالف النبي صلى الله عليه وسلم فأما مسحه على النعلين فهو محمول على غسل الرجلين في النعلين والمسح على النعلين لأن المسح رخصة لمن تغطت رجلاه بالخفين فلا يعد أنها موضعها والأصل وجوب غسل الرجلين إلا ما خصته سنة ثابتة أو إجماع لا يختلف فيه وليس على المسح على النعلين ولا على الجوربين واحد منهما والله أعلم.
إذن فإن فعل الخليفة الراشد رضي الله عنه يحمل على غسل الرجلين وهما في النعلين ثم المسح على النعلين بعد هذا , ومن ثم إذا رأى خلع النعلين من بعدها فله هذا لأن طهارته لم تخدش في مثل هذه الحالة .
وما يؤكد ما ذهب إليه البيهقي هو ما روي عن علي رضي الله عنه: أنه دعا بكوز من ماء ثم توضأ وضوءا خفيفا ثم مسح على نعليه ثم قال : هكذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم – للطاهر ما لم يحدث . وفي هذا دلالة على أن قاطعة على أن ما رواه البيهقي عن علي في المسح هو أحد الاحتمالين :
أولهما ما قاله الإمام رحمه الله وما سلف ذكره .
وثانيهما : أن يكون علي رضي الله عنه قد فعل هذا في وضوء متطوع به لا في وضوء واجب عليه من حدث يوجب الوضوء والله تعالى أعلم .
وعليه وختاما لما ورد أقول :
أولا : هناك اتفاق بين علماء المذاهب الأربعة على أن من خلع خفيه بعد المسح عليهما فإنه قد خدش طهوره , فإما استئناف الطهور أو غسل الرجلين على الخلاف بين المذاهب .
ثانيا : مسح الخفين هو رخصة وبدل عن غسل الرجلين , فإن زال ما ناب عن الغسل وجب الرجوع إلى المبدل عنه , وهذا قياسا على التيمم , فإنه إن رؤي الماء وجب الوضوء والرجوع إلى المبدل منه.
ثالثا : المسح على الخفين إنما جعل للتخفيف عن المتوضئ في حال السفر والبرد الشديد وهكذا , فلا يعقل أن نتهم الشارع العظيم بالعبثية حينما نلبس الخف ونخلعه ثم نلبسه ونخلعه كما شئنا وأنه أمرنا بهذا .
رابعا : المسح على الخفين رخصة والرخص لا يتوسع فيها دون ضابط من دليل من كتاب أو سنة .
خامسا : روي عن إبراهيم النخعي أقوال مضطربة في هذا الباب فمن قوله يبطل الوضوء وقوله عليه غسل رجليه إلى قوله لا يبطل الوضوء ولا شيء عليه .
سادسا : فإن الفتوى التي لا يعرف لها أصل ولا دليل , فإن الأولى ألا يعمل بها , بل يجب الرجوع إلى ما ذهب واتفق عليه العلماء من المذاهب وهذا هو الصواب وهو طريق أهل الجنة الساعين إلى رضوان الله تعالى وتقواه .
هذا وأسأل الله العظيم أن يوفقنا لما فيه الخير والفلاح في الدنيا والآخرة . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
كتبه : فراس يوسف السلوادي في 2/1/2005

سعيد فودة
03-01-2005, 09:00
بارك الله تعالى فيك يا أخ فراس، وأنا مسرور لوجودك معنا هنا.

جمال حسني الشرباتي
03-01-2005, 16:25
الأخ فراس


هل تريد المناقشة؟؟


هذا ما قاله أبو إسحاق الشيرازي في اللمع وهو كتاب أصول للشافعية

إقرأه ثم قل لي هل يمكن تطبيق استصحاب الحال على بقاء وضوء الشخص الذي خلع نعله الممسوح عليه؟؟=============================

((وأما استصحاب الحال فضربان‏:‏ استصحاب حال العقل واستصحاب حال الإجماع فأما استصحاب حال العقل فهو الرجوع إلى براءة الذمة في الأصل ‏[‏أي ملازمة الأصل في براءة الذمة نحو أن يقال‏:‏ الأصل براءة الذمة فمن ادعى منعها بالوتر والأضحية والكفارة أو بالزيادة على ثلث الدية فعليه الدليل فهذا مما يصح أن يتمسك به، ومن أنكر ذلك فقد جهل النظر لأن عدم الحكم مقطوع به إذا وقع الاختلاف زال القطع بوقوع الاحتمال، و لكن يبقى الظن، و هذا كما لو كان معه ما يتيقن طهارته فإنه على يقين من حكمه و لو حدث أمر يحتمل التنجيس زال القطع و بقي الظن، و كذلك إذا شك في الحدث بعد الطهارة أو في الطهارة بعد الحدث فإنه يبني على الأصل لأنه إذا انحطت درجة القطع لم يعدم الظن، وهو في الفقه كاف بالإجماع فإن قيل العقل عندكم لا يثبت حكما فكيف تقولون يستصحب الأصل‏.‏ قلنا يستصحب نفي الحكم‏.‏ فإن قيل النفي لا ينضبط، ولا يكون عليه دليل وغاية ما في الأمر جهل المستدل بدليل النقل واستفراغه للبحث وليس جهله حجة في الشرع، ويجوز أن يخفي عنه ما ظهر لغيره من الأدلة‏.‏ قلنا الدليل إنما يتبع بأنه كاشف عن الحقيقة فإذا علمت حقيقة للبراءة كان علمنا بها في الأصل دليلا قطعيا من كتاب السلف‏]‏‏.‏ وذلك طريق يفزع إليه المجتهد عند عدم أدلة الشرع ولا ينتقل عنها إلا بدليل شرعي ينقله عنه فإن وجد دليلا من أدلة الشرع انتقل عنه سواء كان ذلك الدليل نطقا أو مفهوما أو نصا أو ظاهرا لأن هذه الحال إنما استصحبها لعدم دليل شرعي فأي دليل ظهر من جهة الشرع حرم عليه استصحاب الحال بعده‏.‏

فصل

والضرب الثاني استصحاب حال الإجماع وذلك مثل أن يقول الشافعي رضي الله عنه في المتيمم إذا رأى الماء في أثناء صلاته إنه يمضي فيها لأنهم أجمعوا قبل رؤية الماء على انعقاد صلاته فيجب أن تستصحب هذه الحال بعد

رؤية الماء حتى يقوم دليل ينقله عنه فهذا اختلف أصحابنا فيه‏:‏ فمنهم من قال أن ذلك دليل وهو قول أبي بكر الصيرفي من أصحابنا‏.‏ ومنهم من قال إن ذلك ليس بدليل وهو الصحيح لأن الدليل هو الإجماع والإجماع إنما حصل قبل رؤية وإذا رأى الماء فقد زال الإجماع فلا يجوز أن يستصحب حكم الإجماع في موضع الخلاف من غير علة تجمع بينهما‏.‏