المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كلمة نفيسة للزمخشري في تميز علم التفسير وعلة ذلك (نفيس ومهم)



محمد يوسف رشيد
10-01-2012, 12:30
يقول رحمه الله في مقدمة الكشاف:

(اعلم ان متن كل علم وعمود كل صناعة طبقات العلماء فيه متدانية وأقدام الصناع فيه متقاربة أو متساوية إن سبق العالم العالم لم يسبقه إلا بخطا يسيرة أو تقدم الصانع الصانع لم يتقدمه إلا بمسافة قصيرة وإنما الذي تباينت فيه الرتب وتحاكت فيه الركب ووقع فيه الاستباق والتناضل وعظم فيه التفاوت والتفاضل حتى انتهى الأمر إلى أمد من الوهم متباعد وترقى إلى أن عد ألف بواحد ما في العلوم والصناعات من محاسن النكت والفقر ومن لطائف معان يدق فيها مباحث للفكر ومن غوامض أسرار محتجبة وراء أستار لا يكشف عنها من الخاصة إلا أوحدهم وأخصهم وإلا واسطتهم وفصهم وعامتهم عماة عن إدراك حقائقها بأحداقهم عناة في يد التقليد لا يمن عليهم بجز نواصيهم واطلاقهم‏.‏

ثم إن أملأ العلوم بما يغمر القرائح وأنهضها بما يبهر الألباب القوارح من غرائب نكت يلطف مسلكها ومستودعات أسرار يدق سلكها علم التفسير الذي لا يتم لتعاطيه وإجالة النظر فيه كل ذي علم كما ذكر الجاحظ في كتاب نظم القراَن.

فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام والمتكلم وإن بز أهل الدنيا في صناعة الكلام وحافظ القصص والأخبار وان كان من ابن القرية أحفظ والواعظ وان كان من الحسن البصري أوعظ والنحوي وان كان أنحى من سيبويه واللغوي وإن علك اللغات بقوة لحييه لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن وهما: علم المعاني وعلم البيان وتمهل في ارتيادهما آونة، وتعب في التنقير عنهما أزمنة، وبعثته على تتبع مظانهما همة في معرفة لطائف حجة الله، وحرص على استيضاح معجزة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن يكون آخِذًا من سائر العلوم بحظ، جامعاً بين أمرين: تحقيق وحفظ، كثير المطالعات، طويل المراجعات، قد رجع زماناً ورجع إليه، ورد ورد عليه، فارساً في علم الإعراب، مقدماَ في حملة الكتاب، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة، منقادها، مشتعل القريحة ،وقادها، يقظان النفس، دراكاً للمحة وإن لطف شأنها، منتبهاً على الرمزة وان خفى مكانها، لا كزا جاسياً، ولا غليظاً جافياً، متصرفاً ذا دراية بأساليب النظم والنثر، مرتاضاً غير ريض بتلقيح بنات الفكر، قد علم كيف يرتب الكلام، ويؤلف، وكيف ينظم ويرصف، طالما دفع إلى مضايقه ووقع في مضاحضه ومزالقه‏.‏) ا.هـ