المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير البيضاوي والقونوي لقوله تعالى: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم



جلال علي الجهاني
01-01-2012, 22:57
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد ..

قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)


فسر الآية الإمام البيضاوي رحمه الله فقال:

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ أي أخرج من أصلابهم نسلهم على ما يتوالدون قرناً بعد قرن، ومِنْ ظُهُورِهِمْ بدل مِنْ بَنِي آدَمَ بدل البعض.
وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب «ذرياتهم» .
وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أي ونصب لهم دلائل ربوبيته وركب في عقولهم ما يدعوهم إلى الإقرار بها حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم: أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قالُوا بَلى، فنزَّل تمكينهم من العلم بها وتمكنهم منه بمنزلة الإشهاد والاعتراف، على طريقة التمثيل.
ويدل عليه قوله: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ أي كراهة أن تقولوا. إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ لم ننبه عليه بدليل.
أَوْ تَقُولُوا عطف على أَنْ تَقُولُوا، وقرأ أبو عمرو كليهما بالياء لأن أول الكلام على الغيبة. إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ فاقتدينا بهم لأن التقليد عند قيام الدليل والتمكن من العلم به لا يصلح عذراً. أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ يعني آباءهم المبطلين بتأسيس الشرك.
وقيل: لـمـا خلق الله آدم أخرج من ظهره ذرية كالذَّرِّ وأحياهم وجعل لهم العقل والنطق وألهمهم ذلك؛ لحديث رواه عمر رضي الله تعالى عنه، وقد حققتُ الكلام فيه في شرحي لكتاب «المصابيح».
والمقصود من إيراد هذا الكلام هاهنا الزام اليهود بمقتضى الميثاق العام بعد ما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم، والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية ومنعهم عن التقليد وحملهم على النظر والاستدلال كما قال: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي عن التقليد واتباع الباطل. انتهى كلام الإمام البيضاوي.

وكلامه يحتاج إلى تفصيل، شرحه المحقق القونوي فقال تعليقاً على كلام الإمام البيضاوي ما نصه:

قوله: (أي أخرج) أشار إلى أن أخذ مجاز في أخرج؛ إذ الأخذ لشيء يخرجه عن مقره، فالإخراج لازم للأخذ باللزوم العربي.

قوله: (من أصلابهم نسلهم) في (من ظهورهم) مجاز عن الأصلاب، بطريق ذكر المحل وإرادة الحال، أو المجاورة.

قوله: (على ما يتوالدون) صيغة المضارع هنا اختيرت لقصد الاستمرار، فالماضي في النظم: إمَّا مؤول بتغليب الموجود على ما لم يوجد، أو بتنزيل المنتظر منزلة الواقع.

قوله: (أي ونصب لهم دلائل ربوبيته، وركَّب في عقولهم ما يدعوهم). من الآيات الآفاقُ والأنفس الدالة على ربوبيته وألوهيته. وهذا النصب تمكين الله تعالى إياهم من العلم بها.
والتركيب في عقولهم ذلك تمكنهم من العلم بالربوبية، وتمكنهم بها؛ ولهذا تعرض لبيان النصب المذكور والتركيب المسطور، وإلا فالظاهر أن يقال: أي مكنهم من العلم بالربوبية و تمكنهم بها إلخ.
وعن هذا قال فيما سيأتي: (فنزل تمكنهم من العلم بها إلخ).

قوله: (إلى الإقرار بها حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم (ألستُ بربكم، قالوا: بلى))، أي الإقرار بالربوبية مع اعتقادها، حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم إلخ .. أي فلا قول لهم حقيقة ولا مجازاً، ولا الإقرار منهم.

قوله: (فنزل تمكينهم من العلم بها وتمكنهم منه منزلة الإشهاد والاعتراف)، أي شبه الهيئة المنتزعة من هذه الأمور العديدة بالهيئة المنتزعة من الإشهاد والإقرار. لكن الأمور المشبهة بها مخيلة موهومة غير محققة؛ لأنه كما عرفت لا قول ولا إقرار حقيقة ولا مجازاً؛ إذ الاستعارة التمثيلية لا يقتضي وجود الممثل له وتحققه في الخارج، -أشار إليه المصنف في آية الكرسي وفي قوله تعالى: (والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة-.
وجه الشبه: الهيئة المنتزعة وهي إصابة الحق والنجاة من الخسران وعن النيران.

قوله: (على طريق التمثيل) متعلِّق بـ(نزَّل تمكينهم)، وعطف عليه في سورة الزمر وقال: والتخييل. وفي الكشاف هنا: (من باب التمثيل والتخييل). وأراد الشيخان بالتخييل ما قررناه من أن المشبه به أمرٌ مفروضٌ أوقع في الخيال، وصور المعقول المحقق بصورة المحسوس المفروض الموجود في الخيال؛ إذ إلف العامة بالمحسوس أتم وأكمل، وإدراكهم له أعم وأشمل. ولم يرد الشيخان بالتخييل الاستعارة التخييلية المشهورة؛ إذ لو كان كذلك لما تعرض لها في المواضع الكثيرة.
ويحتمل أن يكون تشبيه تمكينه تعالى بقول: (ألستُ بربكم)، ولتمكن العبد بقول (بلى)، فيكون من باب تمثيل المفرد بالمفرد.
قوله: (ويدل عليه قوله تعالى: قالوا بلى .. الآية): وجه الدلالة ما أشار إليه بقوله: (لم ننبه عليه) بدليل: وما نبه عليه بدليل ربوبيته تعالى، والكراهة عن قولهم هذا يوم القيامة.
وانتفاء المعذرة لهم يناسب نصب الدلائل وتمكينهم من العلم بها، وتمكنهم بها بإحداث القوى والعقل السليم، لا بمجرد قولهم: (ألستُ بربكم) وإجابتهم بقولهم: (بلى).
هذا ما سنح بخاطر الفقير، والعلم عند الله الملك القدير.

جلال علي الجهاني
01-01-2012, 22:59
قوله: (عطفٌ على أن تقولوا) فلفظة (أو) لمنع الخلو، دون منع الجمع، فهو أيضاً مفعول له، لما قبله من الأخذ والإشهاد بالمعنى المذكور: إما بتقدير كراهة كما اختاره المصنف، وهو رأي البصريين. أو بتقدير اللام، مع اعتبار حرف النفي، أي: لئلا يقولوا، وهو مذهب الكوفيين. ولضعفه لم يلتفت إليه المصنف هنا، وللتنبيه على جوازه أشار إليه في بعض المواضع.
قوله: (وقرأ أبو عمرو كليهما بالياء؛ لأن أول الكلام على الغيبة)، وهو قوله: (من بني آدم من ظهورهم ذريتهم)، فحينئذ قراءة الخطاب تكون على الالتفات.

قوله: (فاقتدينا بهم؛ لأن التقليد عند قيام الدليل ..) علة لمقدَّر، وإنما كره ذلك؛ لأن التقليد عند قيام الدليل على التوحيد، أشار إليه بقوله: (ونصب لهم دلائل ربوبيته).

قوله: (والتمكن من العلم به لا يصلح عذراً) أي بالدليل، ونبه عليه بقوله: (وركب في عقولهم ما يدعوهم).

قوله: (أفتهلكنا بما فعل المبطلون)، أي: أتؤاخذنا فتلهكنا.

قوله: (يعني آباءهم المبطلين) أشار إلى أن الموصوف المحذوف للمبطلين هو الآباء، بقرينة ذكرهم فيما قبله.
والمبطلون في عبارة المصنف وقع هكذا في بعض النسخ (المبطلين)، صفة لآبائهم، وفي بعض النسخ (المبطلون) على الرفع، فيكون خبر المبتدأ محذوف حذفاً واجباً، أي: وهم المبطلون. وهذا توضيح ما يقال: بالرفع على القطع. وأما جعله محكياً فلا يناسب المقام.

قوله: (بتأسيس الشرك)، ونحن عاجزون بالتدبير والاستقلال بالرأي.

قوله: (وقيل: لما خلق الله آدم أخرج من ظهره ذرية)، أي حمل بعضهم هذا الكلام على الحقيقة، لا على الاستعارة التمثيلية، فحينئذ يراد ببني آدم نوع الإنسان، فيشمل آدم أيضاً. وليس المراد أنه تعالى أخرج الكل من ظهر آدم عليه السلام بالذات، بل المعنى: أخرج من ظهر آدم عليه السلام أبناءه الصلبية، ومن ظهورهم أولادهم الصلبية، وهكذا إلى آخر السلسلة.
وعن هذا قال الكسائي: لم يذكر ظهر آدم لأن الله تعالى أخرج بعضهم من بعض على الترتيب في التولد، واستغنى عن ذكر آدم عليه السلام لعلمه، انتهى.

لكن الظاهر كون المراد ببني آدم نوع الإنسان، كما أشرنا. ومع هذا لابد من نكتة، وهي أن الآية الكريمة مسوقة للاحتجاج على الكفرة المعاصرين لرسول الله عليه السلام، وبيان عدم فائدة التقليد لآبائهم المشركين في الإشراك، ووجوب الاستدلال بالأدلة المنصوبة في الأنفس والآفاق. ولما سيقت الآية الجليلة لهذا اقتضى الحال نسبة إخراج كل واحد منهم إلى ظهر أبيهم من غير تعرض صريحاً لإخراج الأولاد الصلبية لآدم عليه السلام؛ تبكيتاً للكفرة المعاصرين وسائر المخالفين.

وأما في الحديث الشريف الذي أشار إليه المصنف، فإنما نسب إخراج الكل من ظهره عليه السلام؛ لأنه عليه السلام مظهر أصلي، وكان مساق الحديث بيان حال الفريقين، أي السعداء والأشقياء، من غير أن يتعلق بذكر الوسائط غرض علمي، كذا قيل.
الأولى في التوفيق ما بينه المصنف في شرح المصابيح من أنه اقتصر في الحديث على آدم عليه السلام اكتفاءا بذكر الأصل عن ذكر الفرع، انتهى. وما ذكره المصنف قريب منه، وقد عرفت نكتبة ذكر بني آدم آنفاً.

قوله: (كالذر) أي على صورة الذر، بعضها بِـيضٌ وبعض سودٌ، وانتشروا على يمين آدم ويساره.

قوله: (وأحياهم)، إذ البنية والهيكل المحسوس ليس بشرطٍ في الحياة.

قوله: (وجعل لهم العقل) لكونهم مستعدين للتكليف.

قوله: (والنطق) وإنما ذكره بعد العقل؛ لأن العقل ما دامت في مرتبة العقل الهيولاني لا يقدر صاحبه على النطق.

قولهم: (وألهمهم): الإلهام هو القذف في القلب من غير نظر واستدلال. وقيل: ما يخلق الله تعالى في قلب العاقل من العلم الضروري الداعي للعمل المرغوب فيه.

قوله: (ذلك)، أي (ألست بربكم)، أي خلق الله تعالى في الذرية علماً ضرورياً بذلك، وهذا مراد من قال: وقد حملت هذه المقاولة على الحقيقة، فالقول من جانب الرب هو الإلهام المذكور.

قوله: (لحديث رواه عمر رضي الله تعالى عنه). روي أن عمر رضي الله تعالى عنه سئل عن هذه الآية فقال: سمعتُ النبي عليه السلام يقول: إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقتُ هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقتُ للنار هؤلاء، وبعمل أهل النار يعملون. فقال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ فقال عليه السلام: إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة فيدخلها، وكذلك إذا خلق للنار.
وورد في الحديث أن الله تعالى مسح ظهر آدم وأخرج ذريته منه كهيئة الذر، واستخرج الذر من مسام الشعر، فخرج الذر كخروج العرق.
وقيل: المسح من بعض الملائكة، فأضاف الفعل إلى الآمر.
وقيل: معنى القول بأنه أحصى كما تحصى الأرض بالمساحة، وكان ببطن عمان واد بجنب عرفة بين مكة والطائف، فلما خاطب الذر أجابوا ببلى، كتب العهد في ورق أبيض، وأشهد عليه الملائكة، والتقم الحجر الأسود.
وقال بعض العلماء: أول ما أجاب من الأرض ذرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قوله: (وقد حققت الكلام فيه في شرحي لكتاب المصابيح)، وقد نقلتُ آنفاً خلاصته.

قوله: (والمقصود من إيراد هذا الكلام ههنا)، الأولى: والحكمة من إيراد إلخ.

قوله: (إلزام اليهود) أي على كلا التوجيهين.

قوله: (بمقتضى الميثاق العام) أي المراد ببني آدم كما سبق تحقيقه جميع الناس، آدم عليه السلام وأولاده، ذكورهم وإناثهم، سعداء وأشقياء. لا كما زعم الزمخشري من تخصيص بني آدم بأسلاف اليهود الذين أشركوا بالله تعالى، حيث قالوا: عزير ابن الله، وبذرياتهم الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخلافهم المتقدين بآبائهم.
وما ذهب إليه صاحب الكشاف وإن كان أوفق لقوله تعالى: (أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل)، وسياق الآية وسباقها، لكن حمله على العموم أتم فائدة، ودخول بني إسرائيل فيه دخولاً أولياً كافٍ لتحصيل الموافقة المذكورة، مع أن الحديث الذي روي في بيان الآية المذكورة كالنص في العموم.
والقول بأنه على ما اختاره المصنف يشكل خطاب جميع بني آدم بـ(أن تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل)، مدفوعٌ بأنه من قبيل إسناد ما صدر عن البعض إلى الكل.

قوله: (بعدما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم) المفهوم من قوله تعالى: (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب)، فإن الاستفهام فيه لإنكار النفي وتقرير المنفي.

قوله: (والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية) وهي قوله تعالى: (فخلف من بعدهم خلفٌ) الآية ونظائره.

قوله: (والعقلية) وهي قوله تعالى: (وإذ نتقنا الجبل فوقهم) وأشباهه؛ فإنها مشيرة إلى الأدلة العقلية.

قوله: (ومنعهم عن التقليد) عطفٌ على إلزام اليهود، ومصدر. ولا يصح أن يجعل ماضياً ومعطوفاً على قوله: ألزمهم؛ فإن فيه خللاً. وكذا الكلام في قوله: وحملهم على النظر.

قوله: (وكذلك نفصل الآيات)، وكذلك إشارة إلى مصدر الفعل المذكور، فيكون مفعولاً مطلقاً. والكاف زائدة لتحسين اللفظ. أي ذلك التفصيل التام المستتبع للمنافع الجليلة نفصل الآيات.
وتقديمه على عامله للاهتمام؛ إذ المهم ليس التفصيل المطلق، بل ذلك التفصيل.
وقيل: والتقديم على الفعل لإفادة القصر والحصر. المعنى: ذلك التفصيل البديع نفصل الآيات المذكورة لا غير ذلك.

قوله: (ولعلهم يرجعون أي عن التقليد واتباع الباطل). لعل هنا بمعنى كي، أي وليرجعوا عما هم عليه من الإصرار على الباطل وتقليد الآباء، نفصل التفصيل المذكور. والظاهر أنه عطف على مقدَّر، أي ليظهر الحق ولعلهم يرجعون.
ويحتمل كونها ابتدائية غير عاطفة.
انتهى كلام المحقق القونوي. وعذرا إن وجد خطأ كتابي ..

حسين علي اليدري
01-01-2012, 23:26
ما شاء الله كلام نفيس وعميق ودقيق، والحاشية تريد حاشية وتقريرات وطرر، لزيادة البيان.