المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وسع كرسيه السماوات والأرض



جلال علي الجهاني
01-01-2012, 19:59
بسم الله الرحمن الرحيم

هذا الجزء من آية الكرسي له هيبة عظيمة، وبعض الناس يظن أن فيه ما لا يليق بجلال الله تعالى وعظمته، خاصة مع ما ينقله بعض أتباع الفرق، من أقوال في تفسير الآية لا تليق..

إلا أن الإمام البيضاوي فسرها بما يجمع بين ما ورد في كتب الأثر، وبين ما يظهر من سياق الآية الكريمة، فقال رحمه الله ما نصه:

[وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ تصوير لعظمته وتمثيل مجرد كقوله تعالى: (وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)، ولا كرسي في الحقيقة، ولا قاعد.

وقيل: كرسيه مجاز عن علمه أو ملكه، مأخوذ من كرسي العالم والملك.

وقيل جسم بين يدي العرش ولذلك سمي كرسياً محيط بالسموات السبع؛ لقوله عليه الصلاة والسلام «ما السموات السبع والأرضون السبع من الكرسي، إلا كحلقة في فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة».

ولعله الفلك المشهور بفلك البروج، وهو في الأصل اسم لما يقعد عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد، وكأنه منسوب إلى الكرسي وهو الملبد].

ولا غنى هنا عن قراءة ما كتبه المحقق القونوي رحمه الله تعالى، موضحاً كلام الإمام البيضاوي، بما ينجلي به معنى الآية الكريمة، فقال:

[قوله: (تصوير لعظمته وتمثيل مجرد، كقوله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره، والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه). ولا كرسي في الحقيقة ولا قاعد).
(وتمثيل مجرد) عطف العلة على المعلول، يعني استعارة تمثيلية، بتشبيه الهيئة المنتزعة من الأمور العديدة، وهي ذاته العلي وعظمته الكبرى المحقق في العقل، بعظمة من يكون له كرسي لا يضيق عن السموات والأرضين، بل هما بالنسبة إليه كحلقة في فلاة. وهذا متوهم وليس بمحقق؛ لأن المشبه به لا يجب أن يكون محققاً. فأطلق اللفظ المركب الدال على المعنى الحسي المتوهم على المعنى المحقق العقلي؛ تصويراً لعظمته، إذ التشبيه يريك المُتَخيَّل محسوساً.
وكذا الكلام في تحقيق تمثيل القبضة وطي السماء.

قوله: (وقيل: كرسيه مجاز عن علمه، أو ملكه. مأخوذٌ من كرسي العالِم والملِك).
أي ليس تصويراً لعظمته، وليس باستعارة تمثيلية، بل هو مجاز مرسلٌ عن علمه تعالى، بطريق ذكر المحل وإرادة الحال؛ لأن الكرسي محل العالم الذي فيه العلم، فيكون مكاناً للعلم بتبعيته؛ لأن العرض تابعٌ للمحل في التحيز.
وفيه تأمل؛ لأنه يقتضي كون العلم القائم بالعالِم موجوداً في الخارج، وهو ليس بموجود عند أكثر المتكلمين.
وأيضاً قد مرَّ بيان علمه التام الشامل، فيلزم التكرار.
على أنه غير عام لغير السموات والأرض، بلا تمحل بأنه كناية عن علمه تعالى بجميع الأشياء.
وعن هذا مرَّضه.
وكذا الكلام في قوله: (أو ملكه)؛ فإنه مجاز مرسل بذكر المحل وإرادة الحال. لكن لا يلزم التكرار في إرادته.
قوله: (وقيل: جسمٌ بين يدي العرش، ولذلك سمي كرسياً، محيطٌ بالسموات السبع).
بين يدي العرش، أي أمام العرش. وبين يدي كناية عن القدام، فلا يقتضي اليد الحقيقي؛ ولذلك سمي كرسياً؛ لكونه بمنزلة كرسي يوضع بين يدي عرش الملك.
قوله: (محيط بالسموات السبع) والأرضين أيضاً. ولم يذكرها لظهورها.
قوله: (لقوله عليه السلام: ما السموات السبع والأرضون السبع مع الكرسي إلا كحلقة في فلاة. وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة. ولعله الفلك المشهور بفلك البروج).
لقوله عليه السلام. وهذا لكونه خبر الواحد رجح المصنف الوجه الأول؛ لظهوره دراية.
قوله: (ولعله الفلك إلخ) هذا مذهب الفلاسفة، ينبغي أن يصان الكتب الشرعية عنه، فضلاً تفسير كلام الله تعالى به.
وعن الحسن البصري أنه العرش، ولبعده لم يتعرض له.
قوله: (وهو في الأصل اسمٌ لما يُقعد عليه، ولا يفضل عن مقعد القاعد، وكأنه المنسوب إلى الكرسي، وهو الملبد).
أي اسم وضع هكذا، وليس باسم منسوب، ولذا قال: وكأنه المنسوب إلخ.
قيل: الكرس البعر والبول إذا تلبد بعضه على بعض.
وقوله: (وهو الملبد) أحسن مما قيل: سميت العرش به لتلبد أجزائه، إن حمل على هذا القول. فالإضافة للتعظيم، كبيت الله، وكإضافة العرش؛ فإنه للتعظيم؛ إذ عرش الملك للجلوس عليه، والكرسي لوضع القدمين عليه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.]
انتهى.

ولاحظ فيه أنه مع تفسير الكرسي بأنه موضع القدمين على حسب ما ورد في بعض الآثار عن المفسرين أو ذكر الجلوس والقعود في هذه الآية، لا يلزم التشبيه ولا يراد؛ لأنه على حسب الذوق البلاغي (استعارة تمثيلية، بتشبيه الهيئة المنتزعة من الأمور العديدة، وهي ذاته العلي وعظمته الكبرى المحقق في العقل، بعظمة من يكون له كرسي لا يضيق عن السموات والأرضين).

والله الموفق ..