المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل الأخلاق من المقاصد التحسينية ؟!



علي محمود العمري
24-12-2011, 16:31
لا شك أن الأخلاق هي المظهر السلوكي للعقيدة الإسلامية، وهي التي تجعل العقيدة حية في النفس.
فالمسلم ينتقل في ظل العقيدة من العلم النظري بوجود الله جل وعز وما يجب له وما يستحيل عليه، إلى الامتثال العملي بأوامره (العبادات)، إلى إشراق أنوار العقيدة على القلب ومراعاتها في كل سلوك خارجي، والأخير هو الخلق.
فالأخلاق إذن جزء لا يتجزأ من النظام الإسلامي العام، بل هي جوهر الإسلام ولبه، وروحه السارية في جميع نواحيه، لا يمكن معاملتها كأنها عرض منفكٌّ عنه أو مكمِّل له. وفي هذا يقول الدكتور طه عبد الرحمن: "فالإنسان أصلاً خليقة، وحدُّ الخليقة أن تكون في آن واحد خَلقا وخُلقا" [سؤال الأخلاق، 54]
وإذا كان لايسلم حده للخليقة بذلك إلا أن له وجهاً
فكيف يتصور أصلا أن يكون الدين الذي ارتضاه الحق جل وعز ليُتَعبَّد به ويُعمَّر الكون على وفقه، وتصلح حياة الناس بتعاليمه ينظر إلى الأخلاق على أنها مكمِّلات ليست ضرورية ولا حاجية، إنما مجرد زينة.
هذه النظرة السطحية إلى الأخلاق، ودورها ومنزلتها من الدين هي –وللأسف- السائدة عند السواد الأعظم من الأصوليين المعاصرين، بل قد نجدها عند بعض الأصوليين قديماً، فهم عندما وضعوا تصنيفا للمقاصد الشرعية بحسب قوة المصلحة التي تهدف الأحكام الشرعية إلى تحقيقها، جعلوا المصالح تتفاوت بحسب قوة الحاجة إليها إلى ثلاث أقسام: المقاصد الضرورية، ثم الحاجية، ثم التحسينية.
وعندما عرفوا المقاصد التحسينية قالوا: "هي ما لا يرجع إلى ضرورة ولا إلى حاجة، ولكن يقع موقع التحسين والتزيين، والتيسير للمزايا والمزائد، ورعاية أحسن المناهج".
فالمقاصد التحسينية إذن تقع في المرتبة الثالثة من حيث الحاجة إليها، فهي بمثابة المكمّل للشريعة. وعليه، فإن المرء يحار عندما يرى أن المقاصديين يضعون الأخلاق في القسم التحسيني من المقاصد، ويجعلونها بحيث يمكن أن يقوم الدين بدونها، دون أن يؤدي ذلك إلى الخلل، أو حتى إلى الحرج.
فشيخ المقاصديين الشاطبي يقول عن المقاصد التحسينية:
"الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها
العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق".
ويعلق الدكتور محمد اليوبي على عبارة الشاطبي هذه بقوله: "فما ذكره الشاطبي رحمه الله يجمع ما تقدم كله، وذلك لأن الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات، أو الأخذ بمكارم الأخلاق، هو من رعاية أحسن المناهج وسلوك أفضل السبل، وبه يتحقق التحسين والتزيين في الصفات والأفعال، للأفراد والمجتمعات. وعلى كلٍّ، فهي ضوابط واضحة تدل على أن المصالح التحسينية لا يتضرر الناس بتركها، ولا يلحقهم حرج وضيق بفقدها" [مقاصد الشريعة الإسلامية، 328 ].
بل إنه حتى عندما يمثل لهذه المصالح التحسينية يمثل لها بإزالة النجاسة فيقول: "إزالة النجاسة: فإن النجاسة مستقذرة في الجبلات، واجتنابها من المهمات
في باب مكارم الأخلاق، والعادات الحسنة".
فعلى كلامه السابق، فإن إزالة النجاسة هي من باب التحسين والتزيين، أو كما يقول هي: "من باب مكارم الأخلاق، والعادات الحسنة"، التي يزعم أنها لا يتضرر الناس بتركها، ولا يلحقهم حرج بفقدها.
وقد ذهل الدكتور عن أن كثيرا من العبادات مشترط فيها الطهارة، التي لا تتأتى إلا بإزالة النجاسة، فكانت إزالتها واجبة، لا لمجرد التزيين.
فالصدق عند من يجعل الأخلاق من المقاصد التحسينية هو مجرد زينة ولا حرج من تركه، ولا يلحق الأمة ضرر من ذلك، وكذا الشجاعة والمروءة والكرم ...
ثم إن كانت الفضيلة الخلقية ليست منهجا، وهوية للأمة، بل مجرد زينة عرضية ألا يناقض هذا عديد النصوص التي تنبئ بمنزلتها ومكانتها من الدين، وكونها مقصودة في ذاتها، لا مجرد زينة عرضية؟

جلال علي الجهاني
01-01-2012, 15:13
هذه النظرة السطحية إلى الأخلاق، ودورها ومنزلتها من الدين هي –وللأسف- السائدة عند السواد الأعظم من الأصوليين المعاصرين، بل قد نجدها عند بعض الأصوليين قديماً

يبدو أنه قد حصل الخلط في كلامك أخي العمري بين الأحكام الشرعية، وبين فلسفة هذه الأحكام (المقاصد الشرعية)... وقد تكون السطحية هنا في عدم إدارك الفرق لديك بين معنى الضروري وبين معنى التحسيني.

فالضروري ما لا يستقيم قوام الإنسان إلا به، والحاجي أقل منه، والتحسيني أقل درجة .. كل ذلك بالنظر إلى معنى الضرورة.

وليس الكلام هنا عما هو واجب في الشرع أو مندوب.

فالعبادات، والتي على رأسها الصلاة، ليست من الضروريات بمعنى أن حياة الإنسان لا تتلف بتركها، والأخلاق كذلك -مما لا يتعلق بإزهاق النفس، (القتل وما يشبهه). فهل يموت الإنسان بترك الصلاة أو ترك مكارم الأخلاق؟

أما كونها واجبة في الشرع، فمسألة أخرى، ذلك بالنظر إلى خطاب الله تعالى وحكمه، لا بالنظر إلى ذلك التقسيم الذي ذكره الأصوليون في غالب الأحوال في بيان طريق موصل إلى المصالح المرسلة ..


ولا يلحق الأمة ضرر من ذلك، وكذا الشجاعة والمروءة والكرم ... أنت هنا تقرر المسألة بالنظر إلى حكم الشريعة، ولا أدري هل تقول بأن الشجاعة أمر ضروري؟ فيكون الجبان خارجاً عن نطاق الضروري من الدين؟


فتأمل أخي قبل أن تطلق مثل هذه العبارات ..

وفقك الله