المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قاعدة جليلة في التفسير: إبطال المانع بإنزاله منزلة السبب مبالغةً في تقرير الإمكان



عبد السلام مازن ابو خلف
20-12-2011, 07:41
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: (بين الزمخشري وابن المنير الاسكندراني)

قال الزمخشري في تفسيره:
"أو أريد بالصلاح : القيام بحقوق النكاح. ينبغي أن تكون شريطة اللّه غير منسية في هذا الموعد ونظائره؛ وهي مشيئته؛ ولا يشاء الحكيم إلا ما اقتضته الحكمة وما كان مصلحة ، ونحوه : ((وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ))، وقد جاءت الشريطة منصوصة في قوله تعالى : ((وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)) ومن لم ينس هذه الشريطة لم ينتصب معترضاً بعَزْبٍ كان غنياً فأفقره النكاح ، وبفاسق تاب واتقى اللّه وكان له شيء ففنيَ وأصبح مسكينا."



قوله: «ينبغي أن تكون شريطة الحكمة والمصلحة غير منسية، واستشهد على ذلك بقوله ((وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ)) قال الإمام أحمد ابن المنير الاسكندراني عن قول الزمخشري السابق:


جنوحُه للمعتقد الفاسد يمنع عليه الصواب ، فإن معتقدَه وجوبُ رعاية المصالح على اللّه تعالى ، فمن ثَمَّ شرط الحكمة والمصلحة محجِّراً واسعاً من فضل اللّه تعالى ، ثم استشهد على ذلك بما يشهد عليه لا له ، فان قوله تعالى في الآية الأخرى ((إِنْ شاءَ)) يقتضي أن وقوع الغنى مشروط بالمشيئة خاصة ، وهذا معتقد أهل الحق ، فطاح اشتراط الحكمة عن محل الاستدلال ، تعالى عن الإيجابِ ربُّ الأرباب .



لكن ينبغي التنبه لنكتة تدعو الحاجة إلى التنبيه عليها ، ليعُمَّ نفعها ويعظم وَقْعُها إن شاء اللّه. وذلك أنَّا إذا بنينا على أن ثَمَّ شرطاً محذوفا؛ لا بد من تقديره ضرورةَ صدق الخبر، إذ لو اعتقدنا أن اللّه تعالى يغنى كل متزوج على الإطلاق مع أنا نشاهد كثيرا ممن استمر به الفقر بعد النكاح بل زاد ، للزم خلف الوعد - تقدس اللّه وتعالى عن ذلك -،


فقد ثبت الاضطرار إلى تقدير شرط للجمع بين الوعد والواقع، فالقدرية يقولون : المراد إنِ اقتضت الحكمة ذلك ، فكل من لم يغنه اللّه بأثر التزوج فهو ممن لم تقتض الحكمة إغناءه. وقد أبطلنا أن يكون هذا الشرط هو المقدر ، وحتمنا أن المقدر شرط المشيئة كما ظهر في الآية الأخرى ، وحينئذ فكل من [لم] يستغن بالنكاح فذلك لأن اللّه تعالى لم يشأ غناه.



فلقائل أن يقول : إذا كانت المشيئة هي المعتبرة في غنى المتزوج ، فهي أيضا المعتبرة في غنى الأعزب ، فما وجه ربط وعد الغنى بالنكاح ، مع أن حال الناكح منقسم في الغنى على حسب المشيئة ، فمن مستغن به ومن فقير، كما أن حال غير الناكح كذلك منقسم ، وليس هذا كإقرار شرط المشيئة في الغفران للموحد العاصي ، فان الوعد ثمَّ له ارتباط بالتوحيد، وإن ارتبط بالمشيئة أيضا من حيث أن غير الموحد لا يغفر اللّه له حتما ، ولا تستطيع أن تقول : وغير الناكح لا يغنيه اللّه حتما ، لأن الواقع يأباه.



فالجواب - وباللّه التوفيق - : أن فائدة ربطه الغنى بالنكاح : أنه قد ركز في الطباع السكونُ إلى الأسباب والاعتماد عليها ، والغفلة عن المسبب جل وعلا ، حتى غلب الوهم على العقل ، فخيل أن كثرة العيال سبب يوجب الفقر حتماً وعدمها سبب يوجب توفير المال جزماً ، وإن كان واحدٌ من هذين السببين غير مؤثر فيما ربطه الوهم به. فأريد قلع هذا الخيال المتمكن من الطبع بالإيذان بأن اللّه تعالى قد يوفر المال وينميه مع كثرة العيال التي هي سبب في الأوهام لنفاد المال ، وقد يقدر الإملاق مع عدمه الذي هو سبب في الإكثار عند الأوهام والواقع يشهد بذلك فلا مراء.



فدل ذلك قطعا على أن الأسباب التي يتوهمها البشر مرتبطات بمسبباتها ارتباطا لا ينفك ليست على ما يزعمونه ، وإنما يقدر الغنى والفقر مسببُ الأسباب ، غير موقوفٍ تقدير ذاك إلا على مشيئة خاصة ، وحينئذ لا ينفر العاقل المتيقظ من النكاح ، لأنه استقر عنده أن لا أثر له في الإقتار ، وأن اللّه تعالى لا يمنعه ذلك من إغنائه ولا يؤثر أيضاً الخلو عن النكاح لأجل التوفير ، لأنه قد استقر أن لا أثر له فيه ، وأن اللّه تعالى لا يمنعه مانع أن يقتر عليه ، وأن العبد إن تعاطى سببا فلا يكن ناظرا إليه ولكن إلى مشيئة اللّه تعالى وتقدس.



فمعنى قوله حينئذ ((إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ ..الآية)) أن النكاح لا يمنعهم الغنى من فضل اللّه ، فعبَّر عن نفي كونه مانعاً من الغنى بوجوده معه ، ولا تبطل المانعية لوجود ما يتوهم ممنوعا مع ما يتوهم مانعا ولو في صورة من الصور على أثر ذلك ،


فمن هذا الوادي أمثال قوله تعالى ((فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ)) فان ظاهر الأمر طلب الانتشار عند انقضاء الصلاة ، وليس ذلك بمراد حقيقة، ولكن الغرض تحقيق زوال المانع وهو الصلاة ، وبيان أن الصلاة متى قضيت فلا مانع ، فعبر عن نفى المانع بالانتشار بما يفهم تقاضي الانتشار، مبالغة في تحقيق المعنى عند السامع، واللّه أعلم، فتأمل هذا الفصل واتخذه عضدا حيث الحاجة إليه."انتهى

عبد السلام مازن ابو خلف
20-12-2011, 07:45
فمعنى قوله حينئذ ((إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ ..الآية)) أن النكاح لا يمنعهم الغنى من فضل اللّه ، فعبَّر عن نفي كونه مانعاً من الغنى بوجوده معه ، ولا تبطل المانعية لوجود ما يتوهم ممنوعا مع ما يتوهم مانعا ولو في صورة من الصور على أثر ذلك ،

."[/COLOR]انتهى


قلت : المراد من الممنوع هو الغنى والمراد من المانع هو الزواج، فكون الزواج ليس مانعا من الغنى لا ينتقض بأي صورة ترتب فيها الفقر على الزواج، بخلاف ما لو كان الزواج سببا للغنى فإنه ينتقض بأي صورة من ذلك.