المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإمام الكوثري من خلال رسائله الشخصية إلى الإمام البنوري الديوبندي



راشد بن أحمد بن علي
10-12-2011, 00:51
رسائل (23
الكوثري من خلال رسائله الشخصية إلى البنوري
في الفترة بين عامي 1358- 1371
لمحات عن شخصيته وحياته الخاصة



إعداد
سعود بن صالح السرحان
معهد الدراسات العربية والإسلامية-جامعة إكستر







بسم الله الرحمن الرحيم





المقدمة





للرسائل المتبادلة بين العلماء أهمية بالغة، فهي تحتوي على مذاكراتهم ومناقشاتهم العلمية، كما أنها مرشدٌ ومفتاحٌ لفهم الظروف التي أدت إلى تأليفهم ونشرهم بعض الكتب، واتخاذهم بعض المواقف المؤيدة أو المعارضة لبعض الأفكار أو الأشخاص أو الجماعات، وتمتاز الرسائل الشخصية عن الكتب التي يؤلفها هؤلاء العلماء بكونها تعكس بصورة أوضح جوانبهم الإنسانية، فهم يكونون في رسائلهم الشخصية أكثر «بَوحاً» من الكتب العلمية التي يؤلفونها.
ولهذا كانت فرحتي غامرة عندما اطلعت في المكتبة العامرة للصديق الشيخ محمد بن عبد الله آل رشيد على مجموعة من الرسائل التي أرسلها الشيخ الإمام العلامة محمد زاهد الكوثري الحنفي إلى العلامة محمد يوسف البنوري الحنفي، والتمستُ من الشيخ محمد آل رشيد أن يأذن لي بتحقيق هذه الرسائل ونشرها فتكرّم بذلك حفظه الله.
وقد انصرفتُ إلى تحقيق هذه الرسائل النفيسة، فنسختها، وعلقت عليها بتعريف الأعلام، وتتميم أحداث الوقائع، وربط ما ورد فيها ـ ما أمكن ـ بآثار الإمام الكوثري الأخرى، وتعليق ما يناسب من فوائد ومسائل.
وصدّرتُ هذه الرسائل بتمهيد يعرِّف بها، ثم بترجمةٍ للعلامة البنوري، واستغنيت عن الترجمة للإمام الكوثري، لشهرة سيرته بين الباحثين، ولأن مصادر ترجمته قريبة المتناول، خلافاً للعلامة البنوري.
وقد انتقيت من هذه الرسائل بعض الجوانب التي تتعلق بحياة الإمام الكوثري وأخلاقه، لتكون الورقة البحثية التي أتقدم بها إلى مؤتمر "محمد زاهد الكوثري".




وصف الرسائل



عدد الرسائل 45 رسالة، تغطي الفترة من 5 ربيع الأول 1358 وحتى 8 جمادى الأولى 1371، وجميعها بخط الإمام الكوثري.

ويبدو أن مجموعة الرسائل كاملة لا سقط فيها، ويدل على ذلك أن الرسائل متتابعة فالمتأخر يشير إلى المتقدم من دون أية إشارة إلى رسالة غير موجودة.
ويتراوح حجم الرسالة الواحدة بين صفحتين إلى نصف الصفحة، كما تختلف موضوعاتها من رسالة إلى أخرى.





وقد بقيت هذه الرسائل محفوظة لدى العلامة البنوري حتى وفاته رحمه الله، وفي عام 1406هـ وأثناء زيارة شيخنا العلامة عبد الفتاح أبو غده، رحمه الله، ومعه الشيخ المسند محمد آل الرشيد إلى باكستان حصلا على نسخة مصورة من هذه الرسائل من ابن العلامة البنوري، وعلى هذه النسخة المصورة اعتمدتُ في عملي.



الرسائل



إن هذه الرسائل تكشف جوانب مهمة من حياة الإمام الكوثري العلمية والشخصية أيضاً، فهذه الرسائل جزءٌ من خلفية اللوحة التي تشكل مسيرة حياة الإمام في الفترة ما بين عام 1358هـ وحتى وفاته رحمه الله.

ولهذه الرسائل علاقة وثيقة ومتممة لمؤلفات العلامة الكوثري ومقالاته ومقدماته على الكتب الأخرى، ولا تقف هذه العلاقة عند تبادل الرأي في عنوان مقترح لأحد كتب الكوثري، أو بعض التصحيحات العلمية والطباعية لما ورد في بعض كتبه، بل تتعدى ذلك إلى الأسباب التي دعته إلى تأليف بعض تلك الكتب أو تناوله بالبحث والمناقشة لبعض القضايا. كما نجد في هذه الرسائل صدى موقف العلامة الكوثري من بعض الكتب التي أُلّفت في الرد عليه.






وبالجملة لا غنى عن هذه الرسائل لمن أراد الكتابة عن العلامة الكوثري ومسيرته العلمية وجهاده، فبين جنباتها مشاهد متعددة من الحياة الشخصية للإمام، ونماذج من أخلاقه وعلمه وعلاقته بإخوانه العلماء؛ وقد انتقيت منها هاهنا شذراتٍ تفيد الدارسين لحياة الإمام، وقسمتها قسمين: الأول: مواقف في حياة الكوثري، والثاني: صفات الكوثري.



مواقف في حياة الكوثري



مكان سكن الكوثري في القاهرة: كان يسكن في العباسية في المنزل رقم 63، واستمر في هذا المنزل منذ بداية مكاتباته للبنوري، وحتى جمادى الأولى سنة 1368هـ حيث طلب المالك الجديد للمنزل من الكوثري أن يبحث عن سكن آخر لأنه يريد هدم المنزل، ففي رسالته المؤرخة في 14 من هذا الشهر يخبرنا الكوثري عن سبب انتقاله من منزله، حيث يقول: «صاحب منزلنا باع المنزل لآخر وهو يريد هدمه وبناءه من جديد على أدوار واسعة، رغبةً في الربح، فطلب منا إخلاء المنزل، ولم نتمكن إلى الآن اكتراء منزلٍ مناسب، وهذا متعب جداً في هذه البرهة لتشدد أزمة المساكن، والله سبحانه يسهِّلُ لنا الأمر»(…الرسالة (26)). وتم انتقال الشيخ إلى سكنه الجديد في العباسية رقم 104، خلال يومي 20- 21 شوال من نفس السنة(الرسالة (29).).




مرض الشيخ واعتلال صحته



في هذه الرسائل يمكن تتبع العلل والأمراض التي أصابت الكوثري، رحمه الله، مع تحرج الشيخ من الإشارة إلى مرضه أو تردي صحته، وأول ما نلحظه في هذا السياق: أنه عندما طلب البنوري من الكوثري أن يحقق كتاب «شرح معاني الآثار»، أجابه الكوثري بأن صحته لا تساعده على إنجاز مثل هذا العمل الكبير، وأنه استعجل في تأليفه لـ«النكت» قبل أن يفوت الأوان، وكان ذلك في 5 شوال من سنة 1366(1)، ويبدو أن المرض اشتد على الشيخ الكوثري ففي رسالته المؤرخة في 22 المحرم من سنة 1367 يذكر أنه تنتابه أدواء متعددة تقعده عن العمل(2)، وبعد هذه الرسالة التي يشكو فيها الشيخ من تردي صحته انقطع عن الكتابة للبنوري فترة طويلة، ولما عاد إلى الكتابة إليه مرة أخرى اعتذر الكوثري عن تأخره في الكتابة باعتلال صحته(3)، وفي رسالته المؤرخة في 22 ربيع الأول سنة 1368 يشكو الكوثري من ضعف البصر الذي يحول بينه وبين المطالعة كما يشتهي(4)، كما كان ضعف البصر يحول بينه وبين مراجعة بعض الكتب مراجعة فاحصة(5). وفي 15 جمادى الآخرة سنة 1369 أرسل الكوثري رسالة إلى البنوري يعتذر فيها عن تقصيره في مراسلته لكونه أصبح مسنّاً ونظره لا يسعفه في الكتابة إلا عند الاضطرار(6). وكذلك كرر اعتذاره في 11 ذي القعدة سنة 1370(7).
__________
(1) 1…الرسالة (18).
(2) 2 …الرسالة (20).
(3) 3…الرسائل (22، 23).
(4) 4 …الرسالة (24).
(5) 5 …الرسالة (28).
(6) 6 …الرسالة (35).
(7) 7 …الرسالة (42).



ويوضح الكوثري في رسالة مكتوبة في 28 ذي الحجة سنة 1370 أن ضعف بصره واختلال صحته منعاه منذ سنتين من الخروج من المنزل إلا إلى الجامع القريب من منزله للجمعة فقط(1). ويشتد المرض بالعلامة الكوثري ويجري عملية لعينه ويكتب قبل وفاته بشهر تقريباً للبنوري: «ورجائي أنْ تعذروني في الانقطاع عن المكاتبة، وباصرتي بعد العملية لا تسعفني في ذلك، والشكر لله على ما أفاض من نور يهديني في الطريق، وقد تناوبتني أمراض لا داعي إلى شرحها غير إزعاج الإخوان، وهو المشكور جل جلاله في السراء والضراء، فأرجو دعواتكم بحسن الخاتمة. وقد أتم الإخوان بقية الأجزاء من القرطبي أمس، وتم تصديرها بالبريد هدية مني إلى سيادتكم، فرجائي أنْ تقبلوها من غير تلعثم، كما هو شأن الإخاء. والهبوط العام في صحتي يمنعني من مجاوبتكم ومجاوبة مولانا أبي الوفاء، ولكل مبدأ (له) نهاية، وروحي معكم، داعياً لكم بكل خير، وعليكم [السلام] ورحمة الله وبركاته»(2).


مرض زوجة الكوثري



تكشف لنا الرسائل جانباً من مرض زوجة الكوثري واعتنائه بها، ففي 5 شوال سنة 1366 اعتذر الكوثري من القيام ببعض الأعمال العلمية بسبب أن زوجته مريضةٌ منذ سنة(3)، ويبدو أن صحتها بدأت في التحسن مع نهاية تلك السنة ففي رسالة كتبها الكوثري في 21 ذي الحجة من السنة نفسها ذكر أن زوجته أصبحت تتمشّى داخل البيت(4).




__________
(1) 1…الرسالة (43).
(2) 2 …الرسالة (45) وهي مكتوبة في 8 جمادى الأولى سنة 1371.
(3) 3 …الرسالة (18).
(4) 1 …الرسالة (19).



صفات الكوثري


تكشف هذه الرسائل عن صفات شخصية ونفسية للعلامة الكوثري، ومن تلك الصفات:




أ) صفاته الخُلُقية


عزة نفسه وحياؤه: سيرة الكوثري مثال ناصع لعزة نفس العالم، فمع أنه كان يعيش حياة صعبة جداً في مصر؛ إلا أنه عاشها بتعفّف وعزة نفس، وتكشف هذه الرسائل جانباً من هذه العزة وهذا التعفّف، فعندما أراد بعض علماء الهند وأثريائها إرسالَ نفقةٍ للكوثري، رفض ذلك، وكتب لهم قائلاً إنه بحمد الله «في حالة يسر من ناحية المعيشة، فلا أحتاج إلى شيء من النفقة بفضل الله، سبحانه، فرجائي العدول عن حوالة شيءٍ من النقود وإعادة نقود من فكَّر في إرسال شيء إلى هذا العاجز لأصحابها مع الشكر العظيم على هذا العطف الكريم، فما بعث قبل وصول كتابي هذا إليكم أصرفه في شؤوني داعياً لكم بالخير»(1). مع أنه كان فقيراً ويبيع كتبه للإنفاق على نفسه، ولكنها عزة النفس، رحمه الله.


وطلب الكوثري من المحسن الكبير الحاج محمد موسى مَيّان إرسال أربع نسخ من كتاب «نصب الراية» مقابل أن يرسل له كتباً بمقدار ثمنها؛ إلا أن ميان أمر بإرسال الكتب هديةً للكوثري، فما كان من الكوثري إلا أن أرسل للمجلس العلمي الهندي، الذي يشرف عليه ميان 50 نسخة من كتابه «النكت الطريفة» هدية منه(2). وكذلك لما أهداه البنوري نسخاً من «نصب الراية» كافأه الكوثري بأن أهداه نسخة من «تفسير القرطبي» قيمتها 15 جنيهاً(3)، وهو مبلغ كبير بالنظر إلى ذلك الزمن.


__________
(1) 2 …الرسالة (10). وانظر الرسالة رقم (12).
(2) 1 …الرسالة (25).
(3) 2 …الرسائل: (43، 44، 45).



واتفق الكوثري مع البنوري أن يتم التعامل المالي بينهما بالكتب؛ فإذا طلب الكوثري كتباً من البنوري؛ فإنه يرسل له كتباً تعادل قيمتها، وهكذا، وذلك بسبب صعوبة التحويلات المالية في ذلك الوقت. وفي إحدى المرات طلب الكوثري كتباً من البنوري، فطلب البنوري أن يقايضه بقيمتها كتباً من تأليفه أو تحقيقه، وذلك أنفع للكوثري وأخف مؤنةً، لأن النفع المالي للكوثري هو فقط أن يوفّر شيئاً من المال، لأن كتبه تأتيه لقاء تأليفه خلافاً لكتبٍ يشتريها، فليس نفعاً مالياً بمعنى الربح، والعبارة الثانية أبلغ في كرم نفس الكوثري سيدي، فما رأيكم؟]،


إلا أن الكوثري رفض ذلك، وطلب منه أن يختار كتباً ليست من تأليفه، أما الكتب التي من تأليفه فإنه سيرسلها هديةً له(1).


تجلُّده وصبره


ويظهر هذا جلياً في رفضه الحديث عن مرضه، وتحرجه من ذلك، وقد تقدم نقل نماذج من ذلك(2).




تواضعه


مع كون الكوثري يمثل قامة علمية مرموقة في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وكونه مرجعاً للعلماء فضلاً عن طلاب العلم وعامة الناس؛ إلا أنه كان متواضعاً بدرجة كبيرة، فها هو يجيب البنوري تعليقاً على ثناء هذا الأخير عليه، بقوله: «وكلماتكم الرقيقة في حق هذا العاجز تدل على تغاضيكم عما أنا عليه من وجوه التقصير، كما هو شأن عين الرضا، ورضاكم عن خطتي مشكور، وأدعو الله سبحانه أن لا يحيد بنا عن سواء السبيل، ويسلك بنا الصراط السوي، ويجمع بنا كلمة المسلمين في علوم الدين ويختم لنا بخير»(3).


__________
(1) 3…الرسالة (41).
(2) 4…الرسائل (18، 36، 44).
(3) 1 …الرسالة (8).


ن رحمه الله يخجل من المدح، ومما قاله في هذا الخصوص: «وسيادتكم تخجلوني بوصفٍ أنا بعيد عنه، وإنما خدماتي ضئيلة، بيد الله سبحانه مضاعفة مثوبتها مع الصفح عن السيئات»(1). وقال له أيضاً: «يا سيدي الأستاذ الأجل، ما تخلعون على هذا العاجز من خِلَعِ الألقاب ناشئ من حبكم المؤدي إلى التغاضي عن العيوب، وإني شاكر لكم هذا الحب، لكن أرجوكم أنْ لا تعودوا لمثل تلك الألقاب التي لا أستحقها أصلاً»(2). بل إنه أنكر بشدة على البنوري لما وصفه بالإمامة، وقال له: «فيا أيها الأخ العزيز أرجوكم رجاءً مكرَّراً أن لا تذكروني بالإمامة وما إلى ذلك من الأوصاف التي أنا بعيد عنها كل البعد، لأني أخجل منها كل الخجل»(3). وكذلك أنكر عليه طلبه تقبيل يديه(4)، وقال له: «فيا مولاي تخجلني بتقبيل اليدين، وما هذا التواضع البالغ وأنت ذُخرنا ومدارُ فخرنا في الدارين؟! أعلى الله سبحانه قدركم، ووفقكم لكل ما تريدون»(5).


وكذلك فقد رفض اقتراحاً من البنوري لتسمية كتابه في الرد على الخطيب لما فيه من التمدُّح(6). كما اعتذر عن مراجعة بعض الكتب بحجة أنه لا يمكن أن يستدرك على مؤلفيها(7).


__________
(1) 2…الرسالة (30)، وانظر الرسائل: (18، 32).
(2) 3…الرسالة (31).
(3) 4 …الرسالة (32)
(4) 5…مع أن الكوثري كثيراً ما يكتب طالباً تقبيل يدي من يرى فيهم العلم والصلاح، مثل حكيم الأمة، ووالد البنوري.
(5) 6…الرسالة (40).
(6) 1…الرسالة (2)، وذلك قبل أن يسميه: «التأنيب».
(7) 2…ال، 24).

راشد بن أحمد بن علي
10-12-2011, 00:56
كرمه


مع قلة ذات يد الكوثري، إلا أن هذه الرسائل تكشف لنا جوانب من كرم هذا العالم الكبير، فقد سبق قصة مكافأته على 4 نسخ من كتاب «نصب الراية» بـ50 نسخة من كتابه: «النكت الطريفة». وأيضاً فمع أن حالته الصحية والمادية ساءت جداً في أواخر أيام حياته؛ إلا أنه أهدى نسخة من «تفسير القرطبي» قيمتها حوالى 15 جنيهاً، وهو مبلغ ضخم، لم يكن يقدر عليه الكوثري إلا بمشقة بالغة(1).



ب) محبته للعلم وشغفه به



نذر الكوثري حياته لخدمة العلم، ولتتبع الكتب وتحرير المسائل، واشتملت الرسائل على نماذج من شغفه العلمي، فمنها:


اهتمامه بالأخبار العلمية: فقد كان شغوفاً بتتبع الأخبار العلمية، ومن ذلك تتبعه لأخبار شرح البنوري لـ«سنن الترمذي» وغيره من أخباره العلمية، حيث يقول له: «وكنت أود جداً لو كنتم ذكرتم في خطابكم الأخير ما تم في إعادة النظر في كتاب «العرف الشذي على جامع الترمذي»، وما وصلتم إليه في تدريس «سنن النسائي» وما إلى ذلك من الأنباء العلمية»(2). وقال أيضاً: «وكم كنت أود لو كنت أطلع على كتاباتكم القيمة في «سنن أبي داود» و«جامع الترمذي» لأستفيد من علمكم الزاخر وكان لي في ذلك أكبر لذة»(3). ويقول له أيضاً: «يطربني جداً كلماتكم اللذيذة في العلم، وتتأجج بسماعها نار أشواقي»(4). وقبل وفاته ببضعة أشهر والأمراض تشتد عليه، يكتب إلى البنوري: «أود أنْ لا تضنوا بأنبائكم العلمية بين حينٍ وآخر؛ لينشرحَ صدري بذلك، مع عدم مؤاخذتكم لي إذا لم أتمكن من الجواب»(5).


__________
(1) 3…انظر: الرسائل (43، 44، 45).
(2) 4…الرسالة (4).
(3) 1…الرسالة (7).
(4) 2…الرسالة (13).
(5) 3…الرسالة (43)، وانظر: الرسائل (6، 8، 9، 12، 14، 15، 16).




كما كان سروره عظيماً عندما يسمع بنبأ عن نشاط علمي، ومن ذلك سروره بشرح البنوري لسنن الترمذي فكتب إليه: «اغتبطت جداً من اشتغالكم بالعرف الشذي»(1).



وكذلك لما سمع بخبر الإعداد لطبع «مصنف ابن أبي شيبة»، كتب للبنوري:


«وإعداد «مصنف ابن أبي شيبة» للطبع فتح عظيم في العلم»(2).


كما كان سعيداً بخبر الإعداد لطبع «مختصر الطحاوي»(3).


فرحه بالكتب


كتب الكوثري للبنوري:


«وقد وصلت هديتكم القيمة؛ فشكراً ثم شكراً ثم شكراً»(4).


هذه الهدية التي فرح بها الكوثري كل هذا الفرح لم تكن مالاً أو متاعاً بل كانت الجزء الثاني من «التاريخ الكبير» للبخاري.


حرصه على نشر العلم ولو على حساب صحته


ومن ذلك أنه أرسل إلى البنوري رسالةً يذكر فيها سبب تأخره في الكتابة إليه، وهو انشغاله بإنجاز ما بيده من الأعمال، قال:


«وهي: طبع «العالم والمتعلم»، و«رسالة أبي حنيفة إلى البتي»، و«الفقه الأبسط»، وواليت طبع «الحاوي في سيرة الإمام الطحاوي»، والآن فرغتُ منها جميعاً، بتوفيق الله تعالى، بقدر ما تيسر؛ فبعثتُ نسخة من «الحاوي»، ونسخة من «مجموعة الرسائل» لأبي حنيفة، بالبريد الجوي، رغبةً في وصولهما عاجلاً تعويضاً عن التأخر، وكان هذا العمل بنوعٍ من الاندفاع حذراً من أنْ يأتي يوم لا أستطيع المضي في عمل علمي باعتبار صحتي وبصري، فأشكر الله على التوفيق، وهذا جهد العاجز، فتعذروني في التقصير»(5).



وكتب أيضاً:


«وإصداري بعض رسائل على التوالي ربما تعدونه من نشاطي وقوتي، والواقع أن الاستعجال أتى من ناحية أنْ لا يكون بعد العشية من عرار!»(6).


__________
(1) 4…الرسالة (2)، وانظر الرسالة (12).
(2) 5…الرسالة (7).
(3) 6…الرسالة (38).
(4) 7…الرسالة (27)
(5) 1…الرسالة (27).
(6) 2…الرسالة (30).



دقته العلمية وشدة تحريه


وهو أمر عُرف به الكوثري، ويظهر هذا جلياً في اهتمامه بالتنبيه على بعض الأغلاط العلمية والمطبعية التي وقعت في كتبه ورسائله(1).



وعندما انتقد الكوثري كتاب «العبقات» لمحمد إسماعيل الدهلوي ظنَّ البنوري أنه اعتمد في ذلك على ما ذكره صاحب «فتح الملهم»؛ فأجابه الكوثري:


«وأما «العبقات» فقد طالعتها من زمان لأنها موجودة في دار الكتب المصرية، ولم يكن اطلاعي عليه بواسطة «فتح الملهم»، وقديماً قالوا: لا يصح التساهل في الحكم والحديث»(2).


حرصه على الكتب


لم يطلب الكوثري من البنوري شيئاً غير الكتب، والكتب التي طلبها من البنوري هي: رد ابن أبي شيبة على أبي حنيفة(3)، وفتح الملهم للعثماني(4)، والتصريح بتواتر نزول المسيح للكشميري(5)، وباقي كتب الكشميري في نزول عيسى عليه السلام(6)، و«العبقات» لمحمد إسماعيل الدهلوي(7)، و«إعلاء السنن» للتهانوي(8)، والجزء الثاني من «تاريخ البخاري»(9)، كما طلب منه أن يخبره عما طبع في حيدر آباد(10).


ج) …علاقته بإخوانه العلماء


تبرز الرسائل جانباً إنسانياً من العلاقة بين العلماء، فمن ذلك:




إظهار محبته البالغة لهم وشوقه إليهم:
فهاهو يكتب إلى البنوري
«والله يعلم مبلغ شوقي إليكم، ومبلغ تلذذي لو تمكنت من مطالعة ما تكتبونه في الترمذي وغيره»(11)، والرسائل مليئة بهذا المعنى(12).


__________
(1) 3…الرسائل (8، 14، 16، 37، 38).
(2) 1…الرسالة (26).
(3) 2…الرسائل (6، 7).
(4) 3…الرسالة (9).
(5) 4…الرسائل (9، 13، 14، 15، 16).
(6) 5…الرسائل (13، 14، 16).
(7) 6…الرسائل (18، 19).
(8) 7…الرسالة (20).
(9) 1…الرسالة (24).
(10) 2…الرسالة (24).
(11) 3…الرسالة (9).
(12) 4…انظر على سبيل المثال: الرسائل (1، 14، 25).



دعاؤه لهم، وطلب دعواتهم


لا تخلو رسالة من دعاء الكوثري للبنوري ولغيره من العلماء، وطلب دعواتهم له، ويلخص ذلك قوله:


«فرجائي أن تدعوا لنا بالتسديد والتوفيق، ولستُ أقصر في الدعوات عن ظهر الغيب، إن شاء الله»(1).


حرصه على صحتهم


كثر نصح الكوثري للبنوري بأن يهتم بصحته، وأن لا يرهق نفسه في العلم، ومن ذلك قوله له:


«فقد آلمني جداً مرضكم، فأدعو الله عز وجل أنْ يشفيكم شفاءً لا يغادر سقماً. ونحن نعقد على سيادتكم آمالاً كبيرة في خدمة العلم، ونأمل من فضل الله أن يحقق تلك الآمال، وقد سرني نبأ خدماتكم العلمية، ولكن ساءني تناسيكم ما لنفسك عليك من حق، وإرهاقكم نفسكم العزيزة بإشغالها في «سنن النسائي» و«جامع الترمذي» وغيرهما في آنٍ واحد، وربما يكون هذا من أسباب اعتلال الصحة»(2)



ويقول له أيضاً:


«فأوصيكم ثاني مرة بأن لا ترهقوا أنفسكم لأن العلم في حاجة إلى بحوثكم القيمة المتوالية، والمنبت لا يبقي ظهراً، أدامكم الله في صحة كاملة وعافية شاملة لخدمة العلم والدين»(3).



ويوصيه بقوله:


«ووصيتي لحضرة الأخ العزيز أن لا يرهق نفسه في خدمة العلم، ومواصلة العمل بدون إرهاق هي الموافقة للحكمة كما هو معلوم، وحرصي على صحتكم الغالية حملني على هذه النصيحة المعلومة لكم»(4).


تواضعه معهم


كان العلامة الكوثري متواضعاً في تعامله مع العلماء الآخرين، وسأكتفي بمثال واحد على هذا التواضع، فقد كتب:


«وأقبل يدي مولانا حكيم الأمة، وأنتظر دعواته المباركة، وتوجهاته القدسية، راجياً أن يشملني بنظره الإكسيري»(5).


حثهم على الاشتغال بالعلم:
فهاهو يقول للبنوري

«وأرجو إرهاف عزماتكم في العلم مهما حصل من الصعوبات والتأخير في الرغبات، لأن التوفيق من الله»(6).


__________
(1) 5…الرسالة (1).
(2) 1…الرسالة (5).
(3) 2…الرسالة (6).
(4) 3 …الرسالة (8). وانظر :الرسائل (9، 11).
(5) 4 …الرسالة (3).
(6) 5…الرسالة (26). وانظر: الرسالة (24).




سؤاله عنهم واهتمامه بأخبارهم


كان العلامة الكوثري حريصاً على السؤال عن صحة العلماء الآخرين وعن أخبارهم العلمية، فها هو مع اشتداد مرضه لا ينسى السؤال عن إخوانه العلماء، ويكتب قبل وفاته بأشهر:


«وإني متشوش من جهة أخينا في الله مولانا أبي الوفاء لأنه انقطع خطابه من مدة بعيدة؛ فأرجوكم أنْ تنبئونا عن أحوالهم، وكذلك ليس عندي خبر عن الأستاذ أحمد رضا البجنوري، فالرجاء أنْ تكتبوا إلينا صحته وعافيته، ولعل آل ميان الأكارم كلهم في خير وعافية ونشاطهم العلمي دائم متواصل»(1).



حرصه على مصالحهم


ومن ذلك أنه كتب بأدبٍ إلى البنوري مبلغاً إياه ما في معاملات وكيله في مصر من شكوك(2).


نصحه إياهم


حيث كان العلامة الكوثري يقدم نصائح ثمينة للبنوري تتعلق بالعلم وبالتعليم وبالتصوف، وبغير ذلك، ومن أبلغ النصائح قوله له:


«وإني أرجوكم مراعاة قول جدكم: «كن في الفتنة كابن اللبون، لا ضرع فيُحلب، ولا ظهر فيركب»



والابتعاد بقدر المستطاع عن النقاش الحاد في مسائل اجتماعية خطرة مثيرة، مع السعي بالحكمة في جمع الكلمة، فنجعل ما إلى السوط إلى السوط، وما إلى القول إلى القول بلطف، ولا سيما في هذه الظروف، وأرجو ثانياً أن لا نطرق مباحث العلوم الذوقية حذراً من الاصطدام بمقتضيات علوم الصحو، وهؤلاء اللامذهبية أساءوا في سعيهم في تفريق كلمة المسلمين، وإنْ كان هذا يستساغ بعض استساغة في مسائل الفروع فلن يُستساغ في مسائل الاعتقاد، وهم قد وقعوا في التجسيم المكشوف، فنلزمهم لازمَ قولهم البين لنرجعهم إلى رشدهم»(3).


وبعد
فهذه شذراتٌ نيّراتٌ مما ورد في الرسائل تفيد الدارس لحياة العلامة الكوثري، وهناك أخوات لها ومثيلات تجدها مفرقة في الرسائل
.
__________
(1) 1…الرسالة (42).
(2) 2 …الرسالة (4).
(3) 1 …الرسالة (18).

مدثر جمال التونسوي
13-03-2012, 23:11
شکراللہ سعیک و بارک فی علمک آمین
موضوع ممیز
رحم اللہ الشیخین الجلیلین الکوثری و البنوری ، کانا علمین من اعلام السادات الحنفیۃ